لاريب ان الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، أو نافذة للمعرفة، بل تحول في حياة الكثيرين من الناس المتلقين، إلى واقع موازٍ لواقعهم الحقيقي، حيث بات يستهلك معظم وقتهم، ويستحوذ على جل اهتماماتهم، ويعيد تشكيل أنماط تفكيرهم، وسلوكهم، وعلاقاتهم الاجتماعية.
فلقد أصبح الإنسان اليوم، ومع تسارع التطور التقني، واتساع حضور الهواتف الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي في الاستخدام، ، يعيش حالة من الانغماس شبه الدائم بالشاشة الزرقاء، حتى غدا الانفصال عنها، ولو لساعات قليلة، أمرا يكاد يكون عصيا على البعض.
ومع أن الفضاء الرقمي قدم خدمات جليلة في ميادين المعرفة، والتعليم، والعمل، والتواصل، إلا أن إفراط البعض في استخدامه، أفرز آثارا جانبية سلبية، لم تعد خافية على أحد. فالساعات الطويلة التي يقضيها المتلقي أمام الشاشة، أصبحت تختزل رصيد لقاء الأسرة المباشر، والصداقة، والقراءة، والنشاط البدني، والتأمل الوجداني.
ولعل من بين ما افرزه الانغماس المفرط في الفضاء الرقمي من تداعيات سلبية، هو حالة الاستلاب، حيث بدأ المتلقي يفقد سيطرته تدريجيا على وقته، واهتماماته، بعد أن اصبح أسيرًا للتنبيهات، وملاحقة سيل لا يكاد ينتهي من الأخبار، والمقاطع، والمنشورات، لتغدو أولوياته من الحضور في الفضاء المعلوماتي، مرهونة بما تفرضه الخوارزميات، لا بما تمليه حاجاته الحقيقية.
وهكذا افضت وسائل التواصل الرقمي إلى اتساع فجوة العزلة بين الناس، مع ان من المفترض، انها صممت لتقريب المسافات بينهم.ففي الوقت الذي نجد فيه أفراد الأسرة يتواجدون في مكان واحد، لكننا نلاحظ أن كل واحد منهم، يعيش في عالمه الرقمي الخاص، حيث تتراجع لغة الحوار المباشر ببنهم، ويغيب التفاعل الوجداني الحي، وتفقد المجالس شيئًا من دفئها، الذي طالما كان ركيزة العلاقات الإنسانية.
كما تجدر الاشارة إلى أن التدفق الهائل للمعلومات، دون تمحيص أو تحقق، قد يسهم في تشكيل آراء سطحية، وثقافة مشوشة، ويضعف القدرة على التفكير النقدي، الأمر الذي يجعل المتلقي أكثر عرضة للتأثر بالشائعات، والانجرار وراء المحتوى الهابط، على حساب المحتوى النافع، بعد أن دخل الفضاء الرقمي كل بيت، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية.
ولذلك فإن الأمر بات يتطلب إعادة تعميق الحوار الأسري الحي، والزيارة، والتأمل، وممارسة الهوايات، بهدف استعادة التوازن الذي بات يحتاجه الإنسان، في زمن تتزاحم فيه المؤثرات الرقمية على عقله، ووقته.
ولذلك فان السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا هو: هل نحن الآن، من يستخدم التكنولوجيا الرقمية، أم أنها أصبحت هي التي تستخدمنا، بعد هذا الانغماس المفرط، والعزلة المتفاقمة، التي تعكس حالة الضياع والاستلاب، التي بات يعيشها أغلب مستخدمي الفضاء الرقمي، والذين لم يعودوا يجدون أنفسهم، إلا في واقعه الافتراضي.
***
نايف عبوش








