ما أكثر كلماتنا وكتاباتنا، ومنشوراتنا ومواقعنا وصحفنا وأحزابنا، وكل منا يغني على ليلاه، وواقعنا مشتت، وعقولنا متنافرة، وحالنا شذر مذر، ولا إشراق في أفقٍ مبين.
ما يُسمى بالحداثة تستعبدنا، ونحسب التعبير عن الرأي خلاصة الفعل ومنتهاه، وما غيّرت كلماتنا ولا تبدلت أحوالنا، والقطار بما يحمله من الوجيع يسير بأقصى سرعته، ولا يشتري ما يُنشر بأبخس الأثمان، بل يحسب وسائل التعبير عن الرأي كسلال المهملات، ُيرمى فيها ما لاينفع، و"السبع مَن يضع في السلة رقي"!!
والتنفيس هو إخراج ما يختلج في النفس من مشاعر وأفكار وضغوط، بطريقة تساعد الإنسان على إستعادة توازنه والشعور بالراحة النفسية.
والتنفيس بالكتابة سلوك يطغى في مجتمعاتنا، ذلك أن العمل فقد قيمته، وتحول الكلام إلى فعل، والكتابة كلام مدوّن يحسبه صاحبه فعلا ومشاركة فعّالة في صناعة هدف ما، والحقيقة أن القرار للقوة القابضة على مصير أصحاب الكلمات، فلتقل ما تقل، ما دمت خارج منظومة القوة فما تقوله هباء، وكتباتك محض هراء، والناس على دين ملوكها، وربما لا يعنيها كلام لا يمت بصلة للكرسي.
العواصف النارية والتكنولوجية تهب علينا من كل حدب وصوب، ونواجهها بالكلام شعرا ونصوصا متنوعة، وبخطابات تضليلية مفبركة، وبأوهام ذات مواصفات دينية، ونتعامل مع واقعنا كأننا لا صلة لنا به، ونحسب التنفيس ممارسة ديمقراطية، لأننا أمضينا العصور في قمقم السمع والطاعة، وتقديس الجاثمين في كراسي قهرنا وإبادة أحلامنا وحرق طموحاتنا، ولاوعينا بأمارة السوء التي فيه يقنعنا بأن الرب في الكرسي، أو أن الكرسي يمثل إرادة إلهية.
صاحبي رؤاه ثاقبة ومعبرة عن حقائق دامغة، لكنها لاتمنع من خوف ولا تطعم من جوع، لأنه يغرد على هامش الأحداث، ولا يمتلك أي دور في تقرير مصيرها.
قلت له: ألا يكفينا هذربة ومطاردات سراب، وتعبير عن أوهام إعتقادية بائرة؟
غضب صاحبي، وأنكر قولي، ومضى يداعب ما ترسخ في دنياه من معتقدات يراها ثورية، ويؤمن بأن الصبر مفتاح الفرج، وأن غدا لناظره قريب.
كلامٌ من أفانينِ الهراءِ
ندوّنهُ وننشرهُ كداءِ
سَرابُ وجودِنا أضْحى مُنانا
وإنّا في متاهاتِ الخَواءِ
أحاديثٌ مُضللةٌ لديْنا
بها صَدحَتْ منابرُ إبْتلاءِ
***
د. صادق السامرائي








