عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

دراسات وبحوث

دراسة استدلالية في ضوء الفقه الإسلامي المعاصر

شهد الفقه الإسلامي المعاصر حراكاً فكرياً واسعاً في إعادة دراسة قضايا المرأة، في ضوء تباين المناهج الأصولية وآليات الاستنباط التي يعتمدها الفقهاء في فهم النصوص الشرعية. ومن أبرز المسائل التي ما تزال محل نقاش واجتهاد مسألة أهلية المرأة لتولي المناصب الدينية والعامة، ولا سيما المرجعية الفقهية، والقضاء، ورئاسة الدولة.

وتبرز في هذه القضية مفارقة فقهية لافتة؛ إذ يكاد الفقهاء يتفقون على إمكان بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق، بما تمتلكه من أهلية علمية لاستنباط الأحكام الشرعية، إلا أن هذا الاتفاق لا ينعكس ـ في المشهور ـ على الإقرار بأهليتها للمرجعية العامة والتقليد، فضلاً عن القضاء والولاية العامة. ومن هنا تنشأ إشكالية البحث: هل يرجع هذا المنع إلى نصوص شرعية قطعية، أم إلى تداخل مفاهيمي وتراكمات فقهية وتاريخية أسهمت في توسيع دائرة المنع؟

يسعى هذا البحث إلى معالجة هذه الإشكالية معالجةً استدلالية، من خلال تحليل الأدلة، ومناقشة المباني الأصولية، والتمييز بين طبيعة الإفتاء والولاية، وصولاً إلى تقييم هذه المسائل في ضوء الاجتهاد الفقهي المعاصر.

المحور الأول

إفتاء المرأة ومرجعيتها الفقهية (دراسة استدلالية)

أولاً: أدلة القول بعدم اشتراط الذكورة في مرجع التقليد

يمكن تأسيس القول بجواز مرجعية المرأة وتقليدها على ثلاثة مسالك استدلالية رئيسة.

الدليل الأول: الأهلية التكوينية وحجية القطع

إن بلوغ المرأة مرتبة الاجتهاد المطلق أمر ممكن عقلاً وواقعاً، وقد شهد التاريخ الإسلامي بنساء بلغن مراتب عالية في العلم والفقه. فإذا استنبطت المرأة الحكم الشرعي حصل لها القطع أو الاطمئنان المعتبر، والقطع حجة ذاتية لا يمكن رفع حجيته تعبداً، وهو من المباني الأصولية المستقرة.

وعليه، تمتنع عليها شرعاً وعقلاً متابعة مجتهد آخر يخالف ما انتهت إليه، لأنها خرجت عن موضوع رجوع الجاهل إلى العالم، وأصبحت بنفسها من أهل الخبرة والاجتهاد.

الدليل الثاني: عمومات الأدلة وإطلاقاتها

يقوم هذا الدليل على ركيزتين:

أولاً: الإطلاقات اللفظية

استدل أصحاب هذا الاتجاه بعموم قوله تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

وقوله تعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ...﴾.

فقد علقت الآيات الرجوع على عنوان العلم والفقاهة، ولم تقيده بخصوص الذكورة.

ثانياً: السيرة العقلائية

استقرت سيرة العقلاء في جميع العلوم على رجوع غير المختص إلى المختص دون التفات إلى جنس الخبير، ولم يثبت صدور ردع خاص من الشارع عن هذه السيرة في باب الإفتاء، فتكون ممضاة شرعاً.

الدليل الثالث: الاستدلال بالسكوت التقريري

ذهب بعض الباحثين إلى الاستدلال بسكوت أئمة أهل البيت (ع) عن تصدي السيدة عائشة للإفتاء، مع اشتهار جواز إفتاء المرأة في الفقه السني، باعتبار أن الفقه الإمامي كان يتحرك ـ بحسب بعض المباني ـ بوصفه مصححاً أو ناقداً للفقه السائد.

إلا أن هذا الاستدلال يواجه مناقشتين:

الأولى: أن مسألة المرجعية العامة للمرأة لم تكن مطروحة بصورتها الحالية في القرون الأولى حتى ينعقد ظهور للسكوت.

والثانية: أن الردع قد يتحقق عبر تراكم النصوص والارتكازات المتشرعية، لا بمجرد وجود نص مانع صريح، وهو ما يجعل السكوت غير كافٍ لإثبات المشروعية.

وبعد استعراض هذه الأدلة يتبين أن محل النزاع لا يدور حول قدرة المرأة على الاجتهاد، وإنما حول طبيعة المرجعية وحدودها، وهل هي وظيفة علمية خالصة أم ولاية دينية ذات امتدادات تنفيذية.

ثانياً: تفكيك الاندماج التاريخي بين الإفتاء والولاية

يبدو أن أبرز أسباب الإشكال هو اندماج مفهوم الإفتاء عبر التاريخ بمفهوم الولاية العامة، حتى أصبحت المرجعية الفقهية تمثل مؤسسة تمارس الإفتاء والقضاء والإدارة والولاية المالية والاجتماعية في آن واحد.

غير أن الإفتاء في حقيقته ليس ولاية ولا سلطة تنفيذية، وإنما هو إخبار عن الحكم الشرعي، شأنه شأن رجوع المريض إلى الطبيب أو الطالب إلى الخبير في تخصصه.

وعلى هذا الأساس، ذهب عدد من الأعلام، ومنهم المحقق الإصفهاني، إلى ضرورة الفصل بين البحث في أهلية المرأة للإفتاء والبحث في أهليتها لسائر الولايات الشرعية، لأن لكل واحد منهما دليله الخاص.

المحور الثاني

تصدي المرأة لمنصب القضاء

لم يرد في القرآن الكريم نص صريح يمنع المرأة من القضاء، ولذلك وقع الخلاف بين الفقهاء، وإن اشترط جمهورهم الذكورة اعتماداً على مجموعة من الأدلة.

أولاً: الأدلة الروائية

استند الجمهور إلى عدة روايات، من أبرزها:

حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وألحقوا القضاء بالولاية العامة.

رواية حماد بن عمرو المتضمنة النهي عن تولي المرأة القضاء.

رواية جابر عن الإمام الباقر (ع): «ولا تولى المرأة القضاء ولا الإمارة».

ثانياً: الاستدلال بالقرائن القرآنية

استدل بعض الفقهاء بآية القوامة، معتبرين أن ثبوت القوامة في الأسرة يقتضي ـ بالأولوية ـ ثبوتها في القضاء.

كما استدلوا بآية الشهادة، ورأوا أن اختلاف نظام الشهادة بين الرجل والمرأة ينعكس على منصب القضاء.

مراجعة نقدية معاصرة

يقتضي التحقيق الفقهي المعاصر الفصل بين القضاء القديم والقضاء الحديث.

فالقضاء في الدولة الحديثة لم يعد عملاً فردياً قائماً على الاجتهاد الشخصي، بل أصبح مؤسسة قانونية تخضع لدرجات متعددة من الرقابة والاستئناف والتمييز، وتعتمد على هيئات قضائية وإجراءات مكتوبة، الأمر الذي يضعف كثيراً من المبررات التي استند إليها الفقه التقليدي في اشتراط الذكورة.

ومن ثم فإن الخلاف لم يعد متعلقاً بالأهلية العلمية أو القانونية، وإنما بمدى استمرار موضوع الأدلة بعد تغير طبيعة النظام القضائي.

المحور الثالث

التكييف الفقهي لمنصب رئاسة الدولة والولايات العامة

اتفق جمهور الفقهاء على منع المرأة من تولي الولاية الكبرى، مستندين إلى حديث: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وإلى الارتكاز الفقهي المتوارث الذي لم يعرف تولي امرأة قيادة الدولة الإسلامية.

القراءة الفقهية المعاصرة

يرى عدد من الفقهاء المعاصرين أن كثيراً من أدلة المنع ليست قطعية الدلالة، وأنها تأثرت بالواقع الاجتماعي والسياسي الذي تشكلت فيه.

ويؤكد هؤلاء ضرورة التمييز بين الفتوى بوصفها إخباراً عن الحكم الشرعي، وبين القضاء والولاية بوصفهما سلطتين تنفيذيتين، لكل منهما أدلته وشروطه.

كما يرون أن جانباً من المنع ارتبط بالقوالب الاجتماعية التي كانت تنظر إلى خروج المرأة للقيادة على أنه منافٍ لوظيفتها الاجتماعية، وهو أمر قد لا يبقى موضوعه قائماً مع تغير الظروف.

المقاربة التحليلية من منظور علم اجتماع المعرفة

يفيد توظيف أدوات علم اجتماع المعرفة في الكشف عن أثر البيئة التاريخية في توجيه الفهم الفقهي.

فقد تشكل جانب مهم من التراث الفقهي في ظل أنظمة سياسية قبلية وإمبراطورية اعتمدت على القوة العسكرية والسلطة الفردية، وهو ما أسهم في ترسيخ تصور ذكوري للولاية العامة بوصفها امتداداً للقيادة العسكرية والسياسية.

ولا يعني ذلك نفي حجية النصوص، وإنما يدعو إلى التمييز بين النص الثابت، وبين الفهم التاريخي الذي تأثر بظروف إنتاجه، بما يفتح المجال لإعادة النظر في بعض التطبيقات الاجتهادية في ضوء تغير بنية الدولة الحديثة.

خلصت هذه الدراسة إلى عدد من النتائج الرئيسة، أبرزها:

إن الاجتهاد ملكة علمية لا تختص بالرجال، بل يمكن للمرأة بلوغها تكويناً وتشريعاً، فإذا استنبطت الحكم الشرعي كان قطعها حجة عليها وفق المباني الأصولية المستقرة.

إن الإشكال في مرجعية المرأة لا يرجع إلى قصور في الأهلية العلمية، وإنما إلى اندماج مفهوم الإفتاء تاريخياً بمفهوم الولاية العامة، وهو اندماج يمكن إعادة النظر فيه بعد التمييز بين الوظيفة العلمية والسلطة التنفيذية.

إن أكثر أدلة منع المرأة من القضاء تعتمد على روايات خاصة، أو على قرائن اجتهادية، أو على ارتكازات متشرعية، وهي جميعها قابلة للدراسة والنقد من حيث السند والدلالة وتحقيق المناط.

إن تطور النظم القضائية الحديثة، القائمة على المؤسسية وتعدد درجات التقاضي، يفرض إعادة تقييم كثير من المبررات التي بُني عليها اشتراط الذكورة في القضاء.

أما رئاسة الدولة، فهي تبقى أكثر الولايات إثارةً للخلاف؛ لارتباطها بالنصوص الروائية، والارتكاز الفقهي التاريخي، وطبيعة مفهوم الولاية في التراث الإسلامي، مما يجعل إعادة قراءتها بحاجة إلى دراسات أوسع تجمع بين التحقيق الفقهي والتحليل التاريخي والسوسيولوجي.

وتؤكد هذه النتائج أن عدداً من الأحكام المتعلقة بالولايات العامة قد تأثر، بدرجات متفاوتة، بالسياقات السياسية والاجتماعية التي تشكل فيها الفقه التاريخي، وهو ما يبرر استمرار البحث الاجتهادي في ضوء تغير البنى المؤسسية للدولة الحديثة، مع الالتزام بالضوابط الأصولية في الاستنباط.

***

بقلم الباحث الأكاديمي: أسعد الجوراني

أولاً - مختصر الدراسة: لا تهدف هذه الدراسة إلى نقد الأصول الفكريّة للخطاب السني السلفي، وهذا ما سنقوم به في دراسات لا حقة، ولكن ما يهمنا هنا هو عرض أهم هذه الأصول وكيف تتجلى في الفكر والممارسة عند القوى السلفيّة، ويأتي في مقدمة هذه الأصول مسألة التوحيد، التي يجدون فيها بأن كل شيء مخلوق لله، وهو متفرد في وجوده ولا شيء يشبهه في هذا الكون. ثم تأتي المسألة القضاء والقدر، فالإنسان عندهم قد فقد إرادته وقدرته على تحقيق مصيره، فكل شيء يقوم به لا شأن له فيه، وهو مقدر له ومسجل في لوح محفوظ. وفي المسألة الاتباع، يعتبرون الرسول مُبلغ عن ربه، وأنه قد جاء بوحيين: القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه، والطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر، فهي للرسول وحده، ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه. أما رأيهم في قضية كثرة الاستدلال بالكـتـاب والسنة. فالمقصود منها بأن مسائل الدين، في أصولها وفروعها، تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل، فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي. والوحي يجسد في القرآن والحديث. وفي قضية تقديم النقل علي العقل فالمقصود بالنقل، هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة في القرون الهجريّة الثلاثة الأولى ومن اتبعهم إلى يوم الدين، هي المرجع الأول والأخير في الشرع. وعلى علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها، لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول، ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. أما التزكية فهي عندهم، إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏ والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح، وبأعمال القلوب والجوارح، وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل "قد افلح من زكاها وخاب من دساها".

ثانياً - التوحيد:

السلفيون، أي " أهل السنة والجماعة"، يؤمنون بوحدانية الله، وهو رب هذا الكون وخالقه. وبأن لله أسماء وصفات أثبتها لنفسه في القرآن وفي سنة نبيه، وهم بذلك يثبتون لله كل ما أثبته لنفسه في القرآن والسنة الصحيحة من الأسماء والصفات. كما يوجبون الإيمان بها مجتنبين التشبيه، معتقدين أن الله لا يشبه شيئاً في صفاته صفات الخلق، ولا ذاته كذلك، كما ورد في القرآن: (فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). "سورة الشورى" (الآية- 11).

كما يعتقدون أن الله وحده فقط هو المستحق للعبادة، ولا تصرف العبادة إلا له، ويُحبون على العباد أن يتخذوا الله محبوباً ومعبوداً ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل.

إن طبيعة التوحد وفق تصورهم ترى أن الأمور كلها من الله ، وهذه رؤية تلغي النظر إلى الأسباب والوسائط. فهم كما أشرنا لا يرون الخير والشر إلا منه. وإن صُرف أي شيء من العبادة لغيره أو اتخذ من الخلق أنداداً ووسائط بينهم وبينه فهو شرك بالله. (1).

هكذا نرى أن عقيدة التوحيد لا تقف عند حدود الإيمان واليقين بالله فحسب، بل تمتد لتطبع الفكر الإسلامي بالنظر والتأمل والإدراك والوعي بهذا الإيمان واليقين بالله.

ثالثاً - القضاء والقدر:

إن مسألة القضاء والقدر من المسائل الإشكاليّة في تاريخ الخطاب السلفي، فمعظم الصراع السياسي والعقدي كانت مرجعياته الأساسيّة التبريريّة هي قضية القضاء والقدر.

إن القضاء هو الأمر الرباني المباشر النافذ حتمًا، وهو أيضا السنن الكونيّة التي خلقها الله، أي السبب والنتيجة الحتميّة لكل ما يجري بالكون دون استثناء. ومن السنن الكونيّة تتكون شبكة عظيمة محكمة من الأنظمة التلقائيّة التي تُسير هذا الكون بمشيئة الله. فالله سبحانه وتعالى هو من أوجد الكون وخلق ما فيه وما سيخلقه، وهو من يسيره بمشيئته أو بقضائه، بقوله وأمره إن أراد شيئاً قال كن فيكون، وبالسنن الكونية أو النظم التلقائية التي خلقها. ولا يقع شيء في هذا الكون إلا بإذنه ومشيئته، فهو القاهر فوق مخلوقاته.(2).

أما القدر فإنه العلم الرباني المطلق الذي لا يقيده قيد الزمان أو المكان أو الحواس المحدودة، وكل شيء بالنسبة لهذا العلم المطلق حاضر من حيث الزمان أو المكان والإحاطة التامة به. وقد أمر الله القلم بأن يسجل ما كان وما سـيكون من هذا العلم المطلق في اللوح المحفوظ. فلا يقع شيء إلا كما تم تسجيله تسجيل وصف، لا تسجيل حكم. أي هو مسجل ينتظر القضاء أو الحكم للتنفيذ. ولكن لا أحد سوى الله سبحانه وتعالى يعرف ما هو مكتوب.(3)

وبهذا يتضح أن الإيمان بالقضاء والقدر لا يتعارض مع الإيمان بأن الجن والإنس كما يقول بعض مشايخ السلفيّة وأئمتها، مسؤولون عن الطريقة التي يُسخرون بها ما أنعم الله به عليهم من نعم لا تُعـد ولا تحصى. وترتكز هذه المسؤوليّة وهذا التكليف بشكل أساس على نعمة العقل، والهداية، وحرية الاختيار بين الأسباب ذات النتائج الحتميّة أو ما نسميه بالسنن الكونيّة. ولكن يلاحظ أن هذه الحرية التي أنعم الله بها على المخلوق المكلف ليست مطلقة. فهي مقيدة بمشيئة الخالق المهيمنة عليها هيمنة مطلقة. فالله هو الذي خلـق الجن والإنس وجميع المخلوقات وهو الذي منحها النعم التي تستمتع بها وتستثمرها للحصول على السعادة في الدنيا والآخرة، ولاسيما في الآخرة. وهو سبحانه وتعالى قادر على تجريد المخلوقات المكلفة منها متى شاء. وهو الذي خلق الأشياء التي يُختار منها، ولا يختار إلا بإذنه تعالى.

يؤمن السلفيونً إذاً بالجبر على خيره وشره، وللجبر عندهم مراتبه وهي:

آ- العلم: هم يؤمنون أن علم الله أزلي أحاط بكل شيء، بما كان وسيكون ومالم يكن.

ب- الكتابة: وهي عندهم التكليف الأول للقلم من قبل الله عز وجل ليكتب مقادير وحظوظ الخلائق ووضعها في اللوح المحفوظ حتى قيام الساعة.

ت- المشيئة: يؤمنون أن مشيئة الله نافذة فما شاء كان وما لم يشئ لم يكن. ولا يحدث شيء صغيراً كان آم كبيراً إلا بمشيئته... وهم يفرقون بين المشيئة "الكونيّة"، والمشيئة "الشرعيّة"، فما أراده الله كوناً خلقه خيراً كان أو شراً. وما أراده شرعاً، فهو أمر يدعو الله عباده إليه فعلوه أم لم يفعلوه.

ث- الخلق: منهم من قال: ما أراده الله خلقه في أجل معلوم. ومنهم من قال: إن الفرق بين القضاء والقدر هو الخلق، فإذا علم الله أمراً فكتبه وجرت به مشيئته، فذلك هو القدر، وعندما تتحقق مسألة الخلق لهذا الأمر، فذاك هو القضاء.(4). ومنهم من قال وهم الأشاعرة: إن الله وحده هو من حدد قضاء وقدر الإنسان وكل ما هو موجود بشكل مسبق لا مناص عنه، وبالتالي فإن أفعال العباد مخلوقة لله وليس للإنسان فيها غير اكتسابها. أي إن الله هو من حدد مسألة قدرة الإنسان على ممارسة أفعاله التي أحدثها عند الإنسان، وما الإنسان إلا مكتسب للفعل الذي أحدثه الله على يديي الإنسان. وهذه هي نظرية (الكسب) عند الشاعرة.

رابعاً - الإتباع:

يأتي الاتباع عند السلفيّة بالأمور التالية:

1- بأن الرسول مُبلغ عن ربه، وأنه قد جاء بوحيين: القرآن والسنة. وأن محمدا لا يأمر ولا ينهي ولا يُحل ولا يُحرم من قبل نفسه. ويدخل في أقوال الرسول جميع أحكام التكاليف من واجب ومندوب وحرام ومكروه ومباح. وأن الدين هو المنهج والطريق والصيغة العامة لسير البشرية وليس التقرب فحسب، والرسول هو المشرع بأمر الله، في جميع شؤون الحياة، وهو المعصوم عن الخطأ أو الذنب. (5).

2- الطاعة المطلقة لا تدانيها منزلة لأحد من البشر، وهي للرسول، ولذلك فلا يُقبل قول أحد كائنا من كان يخالف قول الرسول ويتعداه ، ومن قدم قولا لأحد على قول الرسول فقد أساء وتعدى وظلم، وخالف الإجماع.ولا تكتمل هذه المتابعة إلا بكمال الحب له. ومما يُؤسف له في أوساط المسلمين، أنه قد ضعفت المتابعة، وخبا ذلك الحب لرسول الله، حيث راحت تظهر جملة من الأمراض الفقهيّة التي تسيء لإطلاقية الإتباع ومنها:

أ)- القول بتجاوز التقليد المطلق.

بـ)- الإفتاء بغير علم ولا دليل، في أمور الشريعة وفي أمور الاعتقاد والغيبيات.

ج)- عرقلة طريق دراسة القرآن والسنة.

د) إيقاف العمل بالشريعة في كثير من النواحي.(6).

ملاك القول في هذا الاتجاه: إن رؤية السلفيّة في أحكام الشريعة الإسلاميّة تتجسد في التالي: ضرورة وجوب إفراد الله بالحكم والتشريع، وان أحكام الشريعة الإسلاميّة الواردة في الكتاب والسنة واجبة التطبيق في كل زمان ومكان حسب فهمهم لها. وأن من أشرك أحداً من خلقه سواء كان حاكماً أو زعيماً أو ذا سلطان أو مجلساً تشريعيّاً أو أي شكل من إشكال السلطة المدنيّة فقد أشرك بالله. بيد أنهم يفرقون بين من كان الأصل عنده هو تحكيم الشريعة ثم حاد عنها لهوى أو غرض دنيوي، وبين من أنكر أصلاً وجوب الاحتكام إلى أحكام الشريعة الإسلاميّة ومال إلى غيرها من الأحكام الوضعية قوميّة كانت أو ليبراليّة أو يساريّة.

خامساً - كثرة الاستدلال بالكـتـاب والسنة

ما هو المقصود بكثرة الاستدلال بالكتاب والسنة عند السلفية؟. تقول السلفيّة بأن مسائل الدين، في أصولها وفروعها، تؤخذ من خطاب الشارع عز وجل، فالحلال والحرام وأمور الاعتقاد وغيرها إنما تعرف عن طريق الوحي، لذا كان استنباط الأحكام من القرآن والسنة، وكذلك الاستدلال على تلك الأحكام من القرآن والسنة أيضاً وفقاً لأمر الشرع ذاته، متكئين في زعمهم هذا على الكثير من الآيات القرآنية كالآيات التالية: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلي الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر). النساء(59). و(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون). النور(51). و(وإذا قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا). النساء). (61). وغير ذلك من آيات الكتاب الحكيم التي تشير إلى هذه الدلالات.

أما شواهدهم من السنة النبوية على هذه المسألة، فقد اتكأوا على جملة من الأحاديث منها: (ألا إني أوتيتُ الكتاب ومثله معه...).رواه أحمد وأبو داوود وصححه الألباني. و(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه البخاري ومسلم. وغير ذلك من هذه الأحاديث التي تصب في هذا الاتجاه أيضاً.

إن هذا الموقف العقدي من النص المقدس، يدفع السلفيين إلى الرجوع بشكل دائم ومستمر للنص الديني المقدس بحثاً عن ضالتهم لحل ما يطرحه عليهم التطور الاجتماعي عبر التاريخ وشرعنته، أي منحه الشرعيّة، من مسائل مستجدة تلح على فقهاء السلفيّة إيجاد حلول لها. (7).

هذا وقد دفعهم إيمانهم المطلق بصلاحية النص المقدس لكل زمان ومكان، أن يتمسكوا منهجياً بما أنزل الله وما قال به الرسول وإلى تبرير كثرة الاستدلال بالآيات والأحاديث انطلاقاً من قناعتهم بأن الوحي فيه النور والشفاء والهدى كما قال الله عز وجل: (يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدي ورحمة للمؤمنيين). يونس الآية (57). وقال الله أيضاً: (قد جاؤكم من الله نور وكتاب مبين). المائدة الآية (15). بل إن بعض مشايخ السلفية قال: إن لذكر الآيات والأحاديث معجزة تأثيرية.(8).

سادساً - تقديم النقل علي العقل:

إن المقصود بالنقل، هو اعتبار كل ما جاء في القرآن والسنة وما أجمع عليه سلف الأمّة المرجع الأول والأخير في الشرع. وعلى علماء الإسلام أن يُعملوا العقول في فهم النصوص وفي دراستها وفي الاستنباط منها، لا أن تكون العقول هي مصدر الاستدلال الأول، ولا أن تكون هي المتحكم في النصوص الصحيحة الصريحة. فكما أن القرآن والسنة والإجماع هي المصادر الأصليّة في التلقي، فإن العقل السليم والفطرة السليمة هي المصادر الفرعيّة التي يجب أن تسخر لفهم الدين. أي في تدبر القرآن والتفكر في آيات الله كما أمرنا الله، لا يتخطاها ولا يتعداها، وهنا يكون العقل تابعاً للشرع، ممتثلا لأوامره، ومجتنبا لنهيه، لا يعترض علي النص ولا يرده لهواه ولا يتوقف حتى يعلم الحكمة، فإن أحكم الحاكمين هو الذي أمر أو نهي، وأحكم الخلق أجمعين هو الذي بلغ.

أما ما أثاره بعض المتكلمين والفلاسفة من أن النصوص تخالف العقول وقدموا العقل علي النقل، لأن العقل عندهم أثبت من النقل الصحيح، فرد علماء الدين وفقهاء السلفية عليهم بقولهم: إن النصوص المقدسة في الأساس ثابته وصحيحة بالمطلق، ولذلك لا يمكن أن يحدث في الحقيقة تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح. (9). فإذا ورد ما يوهم هذا التعارض فهو أحد هذه الأمور:

1- أن يكون النقل صحيحا صريحا، فما بزعمه بعض الفقهاء أو المتكلمين من أن الدليل العقلي يعارضه، فهذا راجع لفساد هذا العقل، أو لتدخله فيما لا مجال له فيه من الأمور الغيبيّة، التي يكون الواجب فيها التسليم والانقياد.

2- أن يكون النقل غير صحيح، فهو لا يصلح للمعارضة ولا يُحتج به.

3- أن يكون النقل صحيحا غير صريح، وهذا في ظواهر الأمور الفرعيّة التي يُسوغ الاختلاف فيها بين أهل العلم، والتي عند النظر فيها يزول الإشكال. فالشرع قد يأتي بأمور تحتار العقول البشرية في إدراكها والإحاطة بها، لأنه لم يحدث أنها جاءت في أية حالة من الحالات التي نظر فيها الشرع من قبل، مثال: وجود الملائكة وصفاتها ووظائفها وأعمالها... الخ، فهذا تحتار العقول في الإحاطة بها ومعرفة حقيقتها، وهي أمور حقيقيّة ومعقولة كونها وردت في النص. لذلك هم يقولون لو كان الدين بالعقل لكان أول من يتبع عقله هو النبي محمد (ص)، وهو أعقل العقلاء عند كل أهل الملّة الإسلاميّة، ومع ذلك قال له تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم.) الشورى 52. (10).

أما أبو حامد الغزالي فيقول عن أهمية دور العقل أمام النقل: إن النقل لا يكذب برهان العقل أصلا فإن العقل لا يكذب، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يُعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ والشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع.

وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل، لا يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة. (11).

سابعاً -التزكية:

التزكية في الفكر السلفي هي إحدى المهمات التي من أجلها بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هي غاية الرسالات وثمرتها‏.‏

قال تعالى ممتناً ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين.). (سورة الجمعة- الآية -2)

والتزكية هي طهارة النفس من آفاتها وتنميتها وتربيتها بالعمل الصالح، وبأعمال القلوب والجوارح، وهي الشيء الذي قال عنه الله عز وجل "قد افلح من زكاها وخاب من دساها".   فالفلاح كل الفلاح لمن زكى نفسه وتعلم العلم وعمل به ودعا غيره لتعلمه والعمل به، ثم صبر على ما يلاقيه في طريق الدعوة إلى الله. وهذا ما دعانا إليه الرسول الكريم أيضاً كما تقول السلفية. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): (أول من تسعر بهم النار يوم القيامة عالم مجاهد ومنافق. أما العالم فيسأله الله يوم القيامة عن علمه فيقول: يارب تعلمت العلم وعلمته للناس في سبيلك ، فيقول له الله عز وجل الله: كذبت، تعلمت ليقال انك عالم، وقد قيل، فيأمر الله فيأخذ إلى النار.).

والعبادات كلها - مالية أو بدنية- ما هي إلا عمليات تزكية؛ لأنها تربط القلب بالخالق سبحانه وتعالى، وتذكره به، وبذلك تحصل التقوى للقلب، ومن اتقى وخاف ربه ابتعد عن المحرمات، والمحرمات قاذورات، وفعل الخير طيبة وإحسان وبر وعدل‏.‏ ولذلك كانت الصلاة على رأس هذه الأعمال؛ لأنها من أنجع الوسائل للوصول إلى هذه التزكية، فتكرارها في اليوم والليلة، وذكر الله فيها، وحركاتها تصل القلب حقيقة بالله‏.‏(12)

ثامناً- الخاتمة:

هكذا يتبين لنا من خلال عرضنا لأهم الأصول الفكريّة في الخطاب السلفي السني، أنها أصول تشتغل على قضايا عقديّة مفارقة للواقع، وإن كانت تخاطب الإنسان، إلا أنها لا تريد له أن يفكر ويعمل خارج هذه الأصول، وبالتالي هي تسلبه عقله وحريّة إرادته وخلافته على هذه الأرض.

***

د. عدنان عويّد:

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.......................

الهوامش:

1- 14- راجع في هذا الموضوع - الشيخ محمد بن صالح العثيمين – ما هو تعريف التوحيد وما هي أنواعه؟- موقع طريق الإسلام). ويراجع أيضاً 0 السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

2- راجع في هذه المسألة: "رسالة في القضاء والقدر". موقع داء الإيمان.

3- رسالة في القضاء والقدر".  المرجع نفسه.

4- رسالة في القضاء والقدر".  المرجع نفسه

5- يراجع في مسألة الإتباع – قراءة في كتاب " السلفية قواعد وأصول" للشيخ احمد فريد- شبكة أنا مسلم للحوار الإسلامي. ويراجع أيضاً: السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

6- المرجع نفسه.

7- يراجع في هذا الاتجاه – مقال: القرآن والسنة مصدر التلقي عند أهل السنة- عن موقع – إسلام ويب – صوتيات.

8- يراجع - السلفية قواعد وأصول - د.أحمد رشوان - موقع: الإسلاميون.- 11/3/2014.

9- في العلوم الشرعيّة والفلسفيّة الإسلاميّة، القاعدة الأساسيّة هي أنه (لا يوجد تعارض بين "النقل الصحيح" (الوحي الثابت كالقرآن وصحيح السنة) و"العقل الصريح" (البداهة والفطرة السليمة).

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 248.

11- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

12- يراجع في معرفة المزيد عن مسألة التزكية: كتاب الأصول العلمية للدعوة السلفية- عبد الرحمن عبد الخالق - موقع ندوة الإيمان

تقييم للمساهمات العربية ودورها في تعزيز حقوق الإنسان

- منذ إنشائه عام 2006 ليحل محل لجنة حقوق الإنسان، شكل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة منارة أمل للمجتمع الدولي في تعزيز وحماية حقوق الإنسان على مستوى العالم. بصفته الهيئة الحكومية الدولية الرئيسية المسؤولة عن ذلك، يقع على عاتق المجلس مسؤولية معالجة انتهاكات حقوق الإنسان ومناقشة القضايا المواضيعية الهامة، وتقديم توصيات للدول الأعضاء. وبعد ما يقرب من عقدين من تأسيسه، تبرز الحاجة إلى تقييم شامل لدوره وفعاليته، ولا سيما فيما يتعلق بمساهمات الدول العربية فيه.

- إن المنطقة العربية، التي شهدت تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال هذه الفترة، كانت ولا تزال فاعلاً رئيسياً في عمل المجلس، سواء من خلال عضويتها المتكررة، أو مشاركتها في صياغة القرارات، أو تفاعلها مع آلياته المتنوعة. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم تحليل معمق للمساهمات العربية في مجلس حقوق الإنسان منذ عام 2006 وحتى اليوم، وذلك بتقييم جوانب العضوية، والمشاركة في المناقشات وصياغة القرارات، والتعاون مع آليات المجلس، وصولاً إلى استخلاص رؤى حول فعالية هذه المساهمات وتأثيرها على تعزيز حقوق الإنسان في المنطقة والعالم.

1. الفصل الأول: الإطار المفاهيمي والتاريخي لمجلس حقوق الإنسان

- يشكل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة حجر الزاوية في الهيكل الدولي لحماية وتعزيز حقوق الإنسان. إن فهم دوره يستلزم الغوص في سياقه التاريخي، ودوافعه التأسيسية، وهيكله التنظيمي، وآلياته المعقدة التي طُوِّرت على مدار ما يقرب من عقدين من الزمن. يهدف هذا الفصل إلى تقديم إطار نظري شامل يمهد الطريق لتحليل أعمق للمساهمات العربية في هذا المحفل الدولي الهام.

1.1. نشأة وتطور مجلس حقوق الإنسان: من اللجنة إلى المجلس

- شهدت الجهود الدولية لحماية حقوق الإنسان تطوراً ملحوظاً منذ اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. وكانت لجنة حقوق الإنسان، التي تأسست عام 1946 كجهاز فرعي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، أول هيئة دولية رئيسية تُعنى بهذا الشأن. وعلى مدى عقود، قامت اللجنة بدور ريادي في وضع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وصياغة عدد من الاتفاقيات والبروتوكولات الهامة. ومع ذلك، وبحلول نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، واجهت اللجنة انتقادات متزايدة بسبب "تسييسها" المفرط، وتطبيق معايير مزدوجة، والتركيز الانتقائي على دول معينة، مما أدى إلى فقدان مصداقيتها وفعاليتها في التعامل مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

- استجابة لهذه الانتقادات، دعا الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، كوفي عنان، في عام 2005 إلى استبدال اللجنة بهيئة جديدة تتمتع بمكانة أكبر وفعالية أعلى. وفي 15 مارس 2006، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 60/251 الذي قضى بإنشاء مجلس حقوق الإنسان، كجهاز فرعي تابع مباشرة للجمعية العامة، مما منحه مكانة أرفع وسلطة أكبر. كان الهدف الرئيسي من هذا التغيير هو تجاوز عيوب اللجنة السابقة، وتعزيز الحوار والتعاون، وضمان الموضوعية وعدم الانتقائية في معالجة قضايا حقوق الإنسان.

1.2. الاختصاصات والمهام الرئيسية للمجلس

- أُنيط بمجلس حقوق الإنسان مجموعة واسعة من الاختصاصات والمهام التي تهدف إلى تحقيق ولايته الأساسية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان حول العالم كما حددها قرار الإنشاء آنف الذكر:

‌أ) النـهوض بـالتثقيف والـتعلم في مجـال حقـوق الإنـسان، فـضلا عـن الخـدمات الاستـشارية والمـساعدة التقنيـة وبنـاء القـدرات، علـى أن يجـرى توفيرهـا بالتـشاور مـع الـدول الأعضاء المعنية وبموافقتها؛

‌ب) الاضـطلاع بـدور منتـدى للحـوار بـشأن القـضايا المواضـيعية المتعلقـة بجميـع حقوق الإنسان؛

‌ج) تقديم توصيات إلى الجمعية العامـة تهدف إلى مواصـلة تطـوير القـانون الـدولي في مجال حقوق الإنسان؛

‌د) تشجيع الـدول الأعـضاء علـى أن تنفـذ بالكامـل الالتزامـات الـتي تعهـدت هبـا في مجال حقوق الإنسان، ومتابعة الأهداف والالتزامات المتصلة بتعزيز وحماية حقـوق الإنـسان المنبثقة عن المؤتمرات ومؤتمرات القمة التي عقدتها الأمم المتحدة؛

‌ه) إجراء استعراض دوري شـامل يـستند إلى معلومـات موضـوعية وموثـوق هبـا، لمـدى وفـاء كـل دولـة بالتزاماتها وتعهداتها في مجـال حقـوق الإنـسان علـى نحـو يكفـل شموليـة التطبيـق والمـساواة في المعاملـة بـين جميـع الـدول؛ ويتخـذ هـذا الاسـتعراض شـكل آليـة تعـاون تستند إلى حوار تفاعلي يشترك فيه البلد المعني اشتراكا كاملا، مـع مراعـاة احتياجاتـه في مجـال بناء القدرات؛ وتكمل هذه الآلية عمل الهيئـات الم نـشأة بموجـب معاهـدات ولا تكـرر عملـها؛ وسيضع المجلس طرائق عمل آليـة الاسـتعراض الـدوري الـشامل ومـا يلزمهـا مـن اعتمـادات في غضون عام واحد من انعقاد دورته الأولى؛

‌و) الإسـهام، مـن خـلال الحـوار والتعـاون، في منـع حـدوث انتـهاكات لحقـوق الإنسان والاستجابة فورا في الحالات الطارئة المتعلقة بحقوق الإنسان؛

‌ز) الاضــطلاع بــدور ومــسؤوليات لجنــة حقــوق الإنــسان في مــا يتــصل بعمــل المفوضية لحقــوق الإنــسان، علــى نحــو مــا قررتــه الجمعيــة العامــة في قرارهــا ١٤١/٤٨ المؤرخ ٢٠ كانون / الأول ديسمبر ١٩٩٣؛

‌ح) العمــل بتعــاون وثيــق في مجــال حقــوق الإنــسان مــع الحكومــات والمنظمــات الإقليمية والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني؛

‌ط) تقديم توصيات تتعلق بتعزيز وحماية حقوق الإنسان؛

‌ي) تقديم تقرير سنوي إلى الجمعية العامة؛

- يتألف مجلس حقوق الإنسان من آليات وهيئات مختلفة، على النحو المبين في القرار المعنوَن ’ بناء مؤسسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة‘(القرار 5/1) الصادر عن المجلس في العام 2007. ومنها:

‌أ) الاستعراض الدوري الشامل، وهو آلية تديرها الدول وتقيّم بانتظام حالة حقوق الإنسان في جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

‌ب) الإجراءات الخاصة، وهي عبارة عن أفراد أو مجموعات، لا توظفهم الأمم المتحدة، يتحدثون عن مواضيع مثل التعليم والصحة وحرية التعبير والاتجار بالبشر، وكذلك عن حالات قطرية بما في ذلك أوكرانيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وإريتريا وإيران، من بين دول أخرى.

‌ج) اللجنة الاستشارية، وهي بمثابة "مركز فكر وبحوث"، يزود المجلس بالخبرة والمشورة بشأن قضايا حقوق الإنسان المواضيعية.

1.3. هيكل المجلس وآليات عمله

- يتكون مجلس حقوق الإنسان من 47 دولة عضواً، تُنتخب من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة لفترة ثلاث سنوات، مع مراعاة التوزيع الجغرافي العادل. يجتمع المجلس بانتظام في جنيف، ويعقد ثلاث دورات عادية على الأقل في السنة (في مارس ويونيو وسبتمبر)، بالإضافة إلى إمكانية عقد دورات استثنائية لمعالجة الأزمات الطارئة.

1.4. إحصاءات حول قرارات مجلس حقوق الإنسان (2006- 2026): نظرة عامة

- منذ تأسيسه في عام 2006، أصدر مجلس حقوق الإنسان الآلاف من القرارات التي تناولت مجموعة واسعة من قضايا حقوق الإنسان المواضيعية والقطرية. تشير البيانات المتاحة، مثل تلك الموجودة في "بوابة قرارات حقوق الإنسان" (Universal-Rights.org)، إلى حجم العمل التشريعي والتوجيهي الذي أنجزه المجلس.

‌أ) الكمية الإجمالية للقرارات: على مدى سنوات عمله، أصدر المجلس 1911 قرار لغاية الدورة الاعتيادية 61 للمجلس هذه القرارات تعكس الأولويات المتغيرة للمجتمع الدولي وتحديات حقوق الإنسان المستجدة.

‌ب) التوزيع حسب السنوات والدورات: يظهر تحليل القرارات نمطاً مستقراً لعدد القرارات المتخذة في كل دورة عادية، مع ارتفاع طفيف في الدورات التي تشهد مناقشات حول قضايا ملحة أو أزمات إنسانية.

‌ج) القرارات المواضيعية مقابل القطرية: عادة ما تكون القرارات المواضيعية (التي تتناول قضايا مثل الحق في التعليم، حرية التعبير، حقوق المرأة) أكثر عدداً من القرارات القطرية (التي تركز على وضع حقوق الإنسان في دولة معينة). هذا يعكس محاولة المجلس لتقديم إطار عمل عالمي مع معالجة الحالات الفردية.

‌د) القرارات المتخذة بالتوافق (Consensus) مقابل التصويت: يسعى المجلس قدر الإمكان إلى اتخاذ القرارات بالتوافق لتحقيق أقصى درجات الدعم الدولي. ومع ذلك، غالباً ما تتطلب القرارات الأكثر حساسية سياسياً، خاصة تلك المتعلقة بأوضاع قطرية، تصويتاً، مما يكشف عن الانقسامات في الآراء داخل المجلس.

الخلاصة:

- يمثل مجلس حقوق الإنسان تطوراً مهماً في الهندسة الدولية لحقوق الإنسان، حيث سعى لتجاوز تحديات سلفه وتعزيز المساءلة والتعاون. إن آلياته المتعددة، من الاستعراض الدوري الشامل إلى الإجراءات الخاصة، توفر إطاراً شاملاً لتقييم أوضاع حقوق الإنسان حول العالم. ومع ما يقرب من عقدين من العمل، تتراكم حصيلة ضخمة من القرارات التي تعكس جهوده المستمرة في هذا المجال، مما يوفر أرضية صلبة لتحليل الدور الذي لعبته الدول العربية في هذه المسيرة.

2. الفصل الثاني: المساهمات العربية في مجلس حقوق الإنسان

2.1. تحليل أداء الدول العربية في الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان

- تُعد الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان (التي تُعقد ثلاث مرات سنوياً في مارس ويونيو وسبتمبر) هي العمود الفقري لعمل المجلس. فهي توفر الإطار لمناقشة جميع قضايا حقوق الإنسان المواضيعية والقطرية، وتلقي تقارير الإجراءات الخاصة، واستعراض نتائج الاستعراض الدوري الشامل، واعتماد القرارات. إن تحليل أداء الدول العربية في هذه الدورات يكشف عن نمط مشاركتها، أولوياتها، ومدى تأثيرها في صياغة الأجندة الدولية لحقوق الإنسان.

‌أ) المشاركة في النقاشات التفاعلية والحوارات:

- الكثافة والتركيز: تُظهر الدول العربية، بشكل عام، مشاركة نشطة في النقاشات التفاعلية والحوارات خلال الدورات الاعتيادية. تميل هذه المشاركة إلى التركيز على بنود جدول الأعمال التي تتوافق مع أولوياتها السياسية وحقوق الإنسان، مثل:

1) البند 7 (وضع حقوق الإنسان في فلسطين والمناطق العربية المحتلة الأخرى): هذا البند هو أحد البنود الدائمة في جدول أعمال المجلس، وتشهد مشاركة عربية قوية وموحدة تقريباً، حيث تتبنى الدول العربية مواقف داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني.

2) البند 2 (التقرير السنوي للمفوض السامي): تشارك الدول العربية في التعليق على تقرير المفوض السامي، مع التركيز على أهمية الحياد والموضوعية وتجنب التسييس.

3) البنود المواضيعية: تساهم الدول العربية في النقاشات حول قضايا مثل مكافحة العنصرية، الإسلاموفوبيا، الحق في التنمية، حقوق الأطفال والمرأة، ومكافحة الإرهاب، وذلك وفقاً لأولوياتها الوطنية.

4) البنود القطرية: في بعض الحالات، تشارك الدول العربية في النقاشات حول أوضاع حقوق الإنسان في دول عربية أخرى (خاصة الدول التي تشهد نزاعات)، أو دول أفريقية وإسلامية، مع تباين في المواقف أحياناً.

- التنسيق الإقليمي: غالباً ما يتم التنسيق بين الدول العربية عبر المجموعة العربية في جنيف، لتقديم بيانات مشتركة أو تبني مواقف موحدة حول قضايا معينة، مما يعزز من وزن صوتها في المجلس.

‌ب) رعاية القرارات وتقديمها (Sponsorship and Co-sponsorship):

- مبادرات رئيسية: تبرز الدول العربية كراعية رئيسية لعدد من القرارات الهامة، خاصة تلك المتعلقة بـ:

1) القضية الفلسطينية: تُعد الدول العربية هي المحرك الأساسي للقرارات المتعلقة بوضع حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

2) مكافحة الإسلاموفوبيا وتشويه الأديان: لعبت دول عربية وإسلامية (بقيادة دول مثل مصر والسعودية) دوراً محورياً في صياغة وتقديم قرارات في هذا المجال.

3) الحق في التنمية: تساهم الدول العربية في رعاية قرارات تعزز هذا الحق كأولوية لدول الجنوب.

4) قضايا اجتماعية وثقافية: مثل الحوار بين الحضارات، التسامح، والعدالة الانتقالية (كما في حالة المغرب).

- الدعم الواسع: تشارك الدول العربية في التوقيع على عدد كبير من القرارات التي ترعاها دول ومجموعات إقليمية أخرى، مما يعكس انخراطها في العمل المتعدد الأطراف.

‌ج) التفاعل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR) خلال الدورات الاعتيادية:

- تقديم التوصيات: عندما تُستعرض دول أخرى في إطار UPR، تشارك الدول العربية في تقديم التوصيات، والتي غالباً ما تعكس أولوياتها في حقوق الإنسان وتوقعاتها من الدول الأخرى.

- الاستجابة للاستعراضات الوطنية: عندما تخضع دولة عربية للاستعراض الدوري الشامل، يتم تقديم تقاريرها ونتائج مناقشتها في إحدى الدورات الاعتيادية، حيث تسعى لتقديم الصورة الإيجابية عن جهودها الإصلاحية.

‌د) التعاون مع الإجراءات الخاصة:

- تتلقى الدول العربية تقارير وتحديثات من المقررين الخاصين والخبراء المستقلين، وتشارك في النقاشات التفاعلية حول هذه التقارير، حيث تقوم بالتعليق على نتائج الزيارات القطرية أو التقارير المواضيعية. يمكن أن يختلف مستوى التعاون والانفتاح على الإجراءات الخاصة بين الدول العربية.

‌ه) المواقف وأنماط التصويت:

- التوافق الإقليمي: غالباً ما تتميز المواقف وأنماط التصويت العربية بتوافق عالٍ ضمن المجموعة العربية، والمجموعة الأفريقية، ومنظمة التعاون الإسلامي.

- السيادة وعدم التدخل: يميل جزء كبير من الدول العربية إلى تبني مواقف تشدد على مبدأ السيادة وتتحفظ على القرارات القطرية التي ترى فيها تدخلاً في الشؤون الداخلية.

- الكتلة التصويتية: تشكل الدول العربية كتلة تصويتية مهمة، خاصة عندما تكون هناك قضايا حساسة تتطلب حشد الأصوات.

2.2. تقييم مختصر لأداء الدول العربية في الدورات الاعتيادية للمجلس:

يمكن وصف الأداء العام للدول العربية في الدورات الاعتيادية لمجلس حقوق الإنسان بأنه نشط، متزايد التأثير، ولكن يتسم ببعض التحديات والتباينات.

نقاط القوة:

- التمثيل والدفاع عن قضايا محورية: تلعب الدول العربية دوراً أساسياً في إبقاء القضية الفلسطينية حية في أجندة المجلس، وهي رائدة في مكافحة الإسلاموفوبيا وتقديم منظور دول الجنوب في قضايا التنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

- التنسيق الدبلوماسي: يتميز التنسيق بين الدول العربية بالمجموعة العربية بالفعالية في حشد الدعم وتبني مواقف موحدة حول القضايا الرئيسية.

- المشاركة المنتظمة: تلتزم الدول العربية بالمشاركة في النقاشات والآليات المختلفة للمجلس.

نقاط يمكن تحسينها والتحديات:

- الفجوة بين الخطاب والممارسة: في بعض الحالات، تظل هناك فجوة بين الخطاب الدبلوماسي القوي للدول العربية في مجال حقوق الإنسان على الساحة الدولية والتطبيق الفعلي لبعض المعايير والتوصيات على المستوى الوطني.

- التسييس والانتقائية المتبادلة: بينما تنتقد الدول العربية تسييس حقوق الإنسان، فإنها قد تُتهم أحياناً بتبني مواقف انتقائية في القضايا القطرية، مما يؤثر على مصداقيتها.

- التعامل مع الانتقادات: قد تواجه بعض الدول العربية تحديات في التعامل مع الانتقادات الموجهة إليها من قبل منظمات المجتمع المدني أو الدول الأخرى بشأن سجلها الحقوقي.

- التباعد في الأولويات: على الرغم من التنسيق، قد تظهر تباينات في الأولويات أو المواقف بين الدول العربية في قضايا محددة.

2.3. التقييم المفصّل لأداء الدول العربية الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان

إطار منهجي للتحليل

- يرتكز هذا التقييم على أربعة محاور: (١) المشاركة في الرعاية المشتركة للقرارات والبيانات، (٢) أنماط التصويت، (٣) التفاعل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل (UPR)، (٤) التعاون مع الإجراءات الخاصة. وتشمل الدول المُقيَّمة خمس عشرة دولة عربية أعضاء، متفاوتة في فترات عضويتها ومستويات تأثيرها.

أولاً: الدول ذات الأداء المرتفع والتأثير المؤسسي

١. المغرب

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي:

2006-2007، 2014، 2015، 2016، 2023، 2024، 2025

يمثّل المغرب النموذج الأكثر تكاملاً في الأداء العربي داخل المجلس. تميّز بالمشاركة المبكرة منذ تأسيس المجلس عام 2006، وبنى على ذلك حضوراً تراكمياً في ثلاث فترات، مما أتاح له التأثير في صياغة أعراف المجلس لا مجرّد المشاركة فيها.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مستوى رعاية مشتركة مرتفع جداً يشمل قضايا التسامح، العدالة الانتقالية، الهجرة، والتعاون الفني

- تعاون راسخ مع الإجراءات الخاصة، تجلّى في استضافة مقررين خاصين وخبراء مستقلين

- تجربة "هيئة الإنصاف والمصالحة" منحته مصداقية استثنائية في ملف العدالة الانتقالية

- استجابة إيجابية لتوصيات UPR مقرونة بإصلاحات تشريعية موثّقة

‌ج) القيود البنيوية: تظل الفجوة بين التزاماته الدولية وأداء الحريات المدنية داخلياً - لا سيما حرية الصحافة والتجمع - موضع انتقاد دوري من المفوضية السامية ومنظمات المجتمع المدني الدولية. كما أن المواقف المتباينة بشأن الصحراء الغربية تشكّل نقطة توتر دبلوماسية تلقي بظلالها أحياناً على مصداقية الخطاب الحقوقي.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل قيادي ومبادر، يستخدم العضوية أداةً للدبلوماسية الحقوقية وتعزيز الصورة الدولية، لا مجرّد تنسيق مجموعاتي.

٢. الجزائر

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي:

2006-2007، 2014، 2015، 2016، 2023، 2024، 2025

تُعدّ الجزائر من أقوى الأصوات العربية في قضية حق تقرير المصير، وتتمتع بثقل تاريخي مستمد من تجربة حركة التحرر الوطني، مما يمنح مواقفها مشروعية معنوية في المحافل الأممية.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- رعاية نشطة لقرارات تقرير المصير، والقضية الفلسطينية، ومكافحة الإسلاموفوبيا

- تنسيق فعّال داخل المجموعتين الأفريقية والعربية مع قيادة موضعية أحياناً

- حضور متكرر في ثلاث فترات يُشير إلى استراتيجية وليس مشاركة انتهازية

- مساهمة في توصيات UPR تعكس أولويات ذات طابع جنوبي-جنوب

‌ج) القيود البنيوية: تبرز الهوّة الكبيرة بين الخطاب الدبلوماسي الحقوقي الرفيع والتضييق الداخلي على المعارضة والمجتمع المدني. يُشكّل هذا التناقض نقطة ضعف هيكلية تُفضي إلى استهداف الجزائر بانتقادات ذات صدى واسع في هيئات المعاهدات.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل مؤثر في القضايا المفاهيمية الكبرى، لكنه يواجه إشكالية المصداقية على مستوى التطبيق الداخلي.

٣. قطر

‌أ) فترات العضوية: خمسة عشر سنة وكما يلي ( 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012،2013، 2015، 2016، 2017، 2018، 2019، 2020، 2022، 2023، 2024 )

استثمرت قطر ثقلها الاقتصادي وقوتها الناعمة في بناء حضور دبلوماسي حقوقي متصاعد، وتميزت بالجمع بين الريادة في قضايا الإسلاموفوبيا وحقوق العمال الوافدين، مستفيدةً من ديناميكية كأس العالم 2022 لتصوير الإصلاحات العمالية كإنجاز دولي.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مستوى رعاية مرتفع جداً عبر ثلاث فترات متتالية تقريباً

- قيادة ملحوظة في ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي

- إصلاحات عمالية موثّقة (إلغاء نظام الكفالة جزئياً، تحديد حد أدنى للأجور) أُدرجت ضمن خطاب UPR

- تعاون جيد مع الإجراءات الخاصة بما فيها زيارات المقررين

‌ج) القيود البنيوية: استمرار القيود على الحريات المدنية والسياسية، ولا سيما حرية التعبير والتجمع، إضافةً إلى ثغرات في تطبيق إصلاحات العمالة المنزلية التي لا تزال تخضع لمتابعة دقيقة من منظمة العمل الدولية.

‌د) الحكم التقييمي: دبلوماسية حقوقية برغماتية وعالية الأداء، لكنها تعاني من فجوة معيارية داخلية تُضعف متانة المصداقية على المدى البعيد.

٤. الأردن

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (2006-2007، 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012)

‌ب) رغم فترة عضوية واحدة، أبدى الأردن أداءً متميزاً يعكس مزاجاً دبلوماسياً بناءً. يستمد الأردن مشروعيته الحقوقية في المجلس من واقعه كأكبر مستضيف للاجئين نسبةً إلى حجمه السكاني، مما يمنحه صوتاً مؤسسياً في الشؤون الإنسانية.

‌ج) مؤشرات الأداء:

- نشاط مرتفع جداً في الرعاية المشتركة للقرارات، متجاوزاً توقعات دولة بفترة عضوية واحدة

- دعم مبدئي للقضية الفلسطينية مقترن بخبرة تشغيلية في ملفات اللجوء

- إصلاحات قانونية موثّقة في مجالي التعذيب وحقوق المرأة

- انفتاح على التعاون مع المقررين الخاصين

‌د) القيود البنيوية: قيود مستمرة على حرية التعبير والتجمع، وتحديات في حقوق العمال الوافدين، وعدم تطبيق كامل للتوصيات المتعلقة بالحريات المدنية.

‌ه) الحكم التقييمي: فاعل بناء وموثوق، يمتلك أوراق اعتماد حقوقية فريدة تتعلق بالأزمات الإنسانية تستحق توظيفاً أعمق في المبادرات المستقبلية.

ثانياً: الدول ذات الأداء المتوسط والحضور التنسيقي

٥. مصر

‌أ) فترات العضوية: سبع سنوات وكما يلي (2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2017، 2018، 2019، 2026)

تمتلك مصر ثقلاً هيكلياً في منظومة الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، وقد استثمرت هذا الثقل في قيادة ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بفعالية، غير أن سجلها الحقوقي الداخلي الذي بات مثاراً لانتقادات دولية واسعة قيّد قدرتها على ترسيخ مصداقية أشمل.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دور قيادي موثّق في ملف مكافحة الإسلاموفوبيا وتشويه الأديان

- تنسيق فعّال في إطار المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي

- حضور تفاوضي قوي في صياغة القرارات المواضيعية

- مشاركة UPR تعكس قبولاً انتقائياً للتوصيات

‌ج) القيود البنيوية: الفجوة الكبيرة بين الأداء الدبلوماسي والسياق الداخلي المتعلق باحتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان، والقيود على المجتمع المدني، ومحدودية التعاون مع بعض الإجراءات الخاصة - تجعل الموقف المصري في المجلس عُرضةً للانتقاد بالازدواجية المعيارية.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل تقني مؤثر في قضايا محددة، لكن تآكل المصداقية الناجم عن الأوضاع الداخلية يُضعف تأثيره المعياري الأشمل.

٦. الإمارات العربية المتحدة

‌أ) فترات العضوية: تسع سنوات وكما يلي ( 2013، 2014، 2015، 2016، 2017، 2018، 2022، 2023، 2024)

تعتمد الإمارات استراتيجية دبلوماسية حقوقية مدعومة بالقوة الناعمة، تجمع بين الريادة في خطاب التسامح والتعايش ومكافحة الاتجار بالبشر وتمكين المرأة من جهة، والتحفظ على آليات المساءلة المستقلة من جهة أخرى.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- نشاط رعاية مرتفع يعكس استثماراً دبلوماسياً مقصوداً

- مبادرات بارزة في ملف التسامح وحوار الأديان مرتبطة بالهوية الدولية للإمارات

- إصلاحات عمالية جزئية تُسوَّق دولياً

- دعم القدرات وبناء المؤسسات في إطار التعاون الجنوب-جنوب

‌ج) القيود البنيوية: استمرار القيود المشددة على حرية التعبير والتجمع وحقوق العمال الوافدين في جوانب جوهرية، والتحفظ على القرارات القُطرية المتعلقة بدول الجوار في سياقات سياسية بعينها.

‌د) الحكم التقييمي: دبلوماسية براغماتية مُتقنة الإخراج، تحتاج إلى عمق أكبر في تطبيق الالتزامات على المستوى الوطني لتعزيز المصداقية المعيارية.

٧. المملكة العربية السعودية

‌أ) فترات العضوية: اربع عشر سنة وكما يلي ( 2006-2007، 2007-2008، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2011-2012، 2014، 2015، 2016، 2017، 2018، 2019، 2021، 2022 )

تستثمر المملكة ثقلها الاقتصادي والديني في المجلس، وتحتل موقع قيادة الملف الإسلامي في ما يتعلق بمكافحة الإسلاموفوبيا والحوار بين الأديان. وقد منحت إصلاحات رؤية 2030 - ولا سيما في مجال حقوق المرأة - خطابها الحقوقي أرضيةً أكثر موثوقية من سابقيها.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- قيادة ملف مكافحة الإسلاموفوبيا بالتنسيق مع منظمة التعاون الإسلامي

- إصلاحات حقوق المرأة (قيادة السيارة، الولاية، التوظيف) وفّرت مادةً دبلوماسية إيجابية

- تنسيق فعّال مع مجلس التعاون الخليجي والمجموعة العربية

- نشاط مرتفع في UPR تضمّن قبول قدر من التوصيات

‌ج) القيود البنيوية: تظل قضايا حرية التعبير والتجمع وحقوق المدافعين وحالات الاحتجاز التعسفي مصدر انتقاد دولي مستمر. كما أن قضايا بارزة - بما فيها قضية خاشقجي - ألحقت ضرراً بالغاً بالسمعة الحقوقية الدولية.

‌د) الحكم التقييمي: فاعل ذو نفوذ واسع وبرامج إصلاحية قابلة للرصد، غير أن استدامة المصداقية مرتبطة بإغلاق الفجوة المعيارية الداخلية الكبيرة.

٨. البحرين

‌أ) فترة العضوية: سبع سنوات وكما يلي 2006-2007، 2008-2009، 2009-2010، 2010-2011، 2019، 2020

‌ب) 2021

‌ج)

جاءت عضوية البحرين في سياق حساس تبع أحداث عام 2011 والانتقادات الدولية الواسعة التي رافقتها. واستخدمت البحرين العضوية لتوجيه رسائل دبلوماسية عن الإصلاح، مع الحفاظ على التوافق مع المجموعة الخليجية.

‌د) مؤشرات الأداء:

- مشاركة نشطة في ملفات الحوار بين الأديان ومكافحة الإرهاب

- توافق تام مع مجلس التعاون الخليجي والمجموعة العربية

- مشاركة في UPR بمستوى قبول متوسط للتوصيات

‌ه) القيود البنيوية: استمرار التضييق على حرية التعبير والتجمع وحقوق المعارضة، وقيود على العمل الحقوقي المستقل داخل البلاد تُخضعها لمتابعة دقيقة من المقررين الخاصين.

‌و) الحكم التقييمي: حضور تنسيقي يخدم أهدافاً دبلوماسية إعادة تأهيل أكثر من أنه يُترجم التزاماً حقوقياً هيكلياً.

٩. الكويت

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (2011-2012، 2013، 2014، 2024، 2025، 2026) .

أدّت الكويت دورها بمستوى مقبول كدولة خليجية ذات تجربة ديمقراطية نسبية، وإن ظل أداؤها داخل إطار التنسيق الإقليمي في الغالب دون مبادرة نوعية مستقلة.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دعم ثابت للقضية الفلسطينية والقرارات الإسلامية المشتركة

- مشاركة جيدة في UPR مع قبول بعض التوصيات

- تعاون مقبول مع الإجراءات الخاصة في ملفات متعددة

‌ج) القيود البنيوية: تحديات مستمرة في ملفات حقوق العمال الوافدين والبدون، وإن كانت الكويت تواجه ضغطاً دولياً أقل حدةً مقارنةً بدول الجوار.

‌د) الحكم التقييمي: أداء معقول بمعايير دولة صغيرة متوسطة الحجم، يحتاج إلى قيادة أكثر جرأة في القضايا التي تمتلك فيها الكويت خبرةً مؤسسية.

ثالثاً: الدول ذات الأداء الانتقالي أو الاستثنائي

١٠. موريتانيا

‌أ) فترات العضوية: ست سنوات وكما يلي ( 2010- 2011، 2011-2012، 2013، 2020، 2021، 2022 )

تمثّل موريتانيا نموذجاً مثيراً للاهتمام؛ دولة صغيرة تحمل ملفاً محرجاً تاريخياً في قضية الرق، غير أنها تحوّلت إلى الاستناد إلى هذه القضية ذاتها كورقة دبلوماسية للانخراط الدولي.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- دعم قرارات مكافحة الرق والعبودية الحديثة بما يجعل موريتانيا أكثر حضوراً في هذا الملف تحديداً

- تنسيق جيد مع المجموعتين الأفريقية والعربية

- مشاركة UPR بمستوى مقبول مع قبول توصيات في ملف الرق

‌ج) القيود البنيوية: يظل التطبيق الوطني الفعلي لقوانين مكافحة الرق موضع متابعة دولية متواصلة، مع وجود ثغرات موثّقة في التنفيذ وتسجيل الحالات.

‌د) الحكم التقييمي: نموذج لتحوّل الإشكالية الداخلية إلى ورقة دبلوماسية، مع استمرار تحديات التطبيق الحقيقي.

١١. الصومال

‌أ) فترة العضوية: ست سنوات وكما يلي (، 2019، 2020، 2021، 2022، 2023، 2024)

تُمثّل عضوية الصومال في المجلس مؤشراً على عودة الدولة تدريجياً إلى النظام الدولي، لا أداةً لقيادة سياسات حقوقية. الإنجاز الحقيقي يكمن في المشاركة ذاتها رغم التحديات الهائلة.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- مشاركة نسبية في الرعاية المشتركة للقرارات المتعلقة بحقوق الأطفال والمرأة ومكافحة الإرهاب

- توافق مع المجموعتين الأفريقية والعربية

- استعداد للخضوع لاستعراض UPR رغم هشاشة المؤسسات

‌ج) القيود البنيوية: ضعف المؤسسات الوطنية يحول دون تنفيذ أي التزامات دولية جوهرية. الأزمة الأمنية والتدخلات الخارجية تجعل الالتزام الحقوقي مشروطاً بشروط مسبقة للاستقرار.

‌د) الحكم التقييمي: حضور رمزي ذو قيمة في إطار إعادة بناء الدولة، غير أن الأثر المعياري محدود في المدى المنظور.

١٢. العراق

‌أ) فترة العضوية: لريع سنوات وكما يلي (2017، 2018، 2019، 2026 )

جاءت عضوية العراق في مرحلة انتقالية حرجة تزامنت مع ذروة المعارك ضد داعش ومرحلة إعادة الإعمار الأولى. استثمر العراق عضويته في توظيف خطاب ضحايا الإرهاب كمدخل دبلوماسي مشروع.

‌ب) مؤشرات الأداء:

- تركيز على مكافحة الإرهاب وحقوق ضحاياه، مجال تمتلك فيه العراق خبرة استثنائية

- دعم القضية الفلسطينية والتنسيق مع المجموعة العربية

- مشاركة في UPR مع قبول جزئي للتوصيات

‌ج) القيود البنيوية: ضعف المؤسسات، واستمرار بعض الإشكاليات في سيادة القانون والاحتجاز التعسفي وملف الإيزيديين، تُضعف من قدرة العراق على تقديم نموذج حقوقي قابل للتعميم.

‌د) الحكم التقييمي: أداء وظيفي محدود، والأثر المستقبلي مرهون بمسار الإصلاح المؤسسي الداخلي.

١٣. السودان

‌أ) فترات العضوية: ست سنوات وكما يلي (2020، 2021، 2022، 2023، 2024، 2025)

‌ب)

تُمثّل حالة السودان تناقضاً صارخاً: عضو في مجلس حقوق الإنسان يخضع في الوقت ذاته لولاية خاصة ومراقبة دولية مستمرة بسبب انتهاكات موثّقة.

‌ج) مؤشرات الأداء:

- مشاركة معتدلة في التوقيع على القرارات المواضيعية

- انخراط جزئي في UPR مع قبول بعض التوصيات

- تحسّن ملحوظ في الفترة الانتقالية 2019–2021 تمثّل في استعداد أكبر للتعاون مع الإجراءات الخاصة

‌د) القيود البنيوية: النزاعات المتكررة - دارفور، جنوب كردفان، والحرب الراهنة 2023 - إضافةً إلى عدم الاستقرار السياسي الهيكلي، تجعل أي التزام حقوقي سريع التراجع. وجود ولاية خاصة للمراقبة يكشف عن أن عضوية المجلس لا تُرادف الامتثال الحقوقي.

‌ه) الحكم التقييمي: حالة مثيرة للجدل معياريًا، وأداؤها كعضو في المجلس بينما تتعرض لرقابة خاصة يطرح تساؤلات جوهرية حول معايير العضوية ذاتها.

١٤. ليبيا - حالة استثنائية (تعليق العضوية)

‌أ) فترة العضوية:

تُشكّل تجربة ليبيا سابقة تاريخية فريدة في منظومة مجلس حقوق الإنسان، وهي الأولى من نوعها: تعليق العضوية بقرار من الجمعية العامة بسبب "انتهاكات جسيمة ومنهجية" عام 2011.

‌ب) الدلالة المعيارية:

- أثبتت هذه السابقة أن عضوية المجلس ليست محصّنة، وأن للمؤسسة الأممية أدوات استثنائية للمساءلة

- كشفت عن الهشاشة البنيوية لدول تستخدم المجلس لتحسين صورتها مع إمعان التضييق داخلياً

- أسست لمبدأ أن الانتهاكات الجسيمة المنهجية تتجاوز ملاحظات UPR لتصل إلى آليات التعليق

‌ج) الحكم التقييمي: دراسة حالة لآليات الردع الأممي ومحدودياتها، وتحذير دائم لأعضاء المجلس بأن البون الواسع بين الخطاب والممارسة يمكن أن يُفضي إلى عواقب مؤسسية.

١٥. جيبوتي

‌أ) فترات العضوية: 2013–2015، 2018–2020

يُعدّ أداء جيبوتي نموذجاً لدولة صغيرة تستخدم العضوية أساساً للحضور الجغرافي وتنسيق المجموعة الأفريقية، دون مبادرة نوعية مستقلة.

‌ب) الحكم التقييمي: مشاركة معقولة بمعايير دولة صغيرة ذات موارد محدودة.

رابعاً: الأنماط الهيكلية المشتركة

‌أ) نمط التنسيق الجماعاتي: ترتكز الدول العربية الأعضاء في مجلسها الجماعي على التنسيق داخل إطارين متوازيين - المجموعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي - مما يُنتج مواقف موحّدة وأحياناً أنتج هيمنةً على نتائج بعض القرارات، غير أنه يُضعف الاستقلالية المعيارية للدول منفردةً.

‌ب) ازدواجية الخطاب والممارسة: جميع الدول العربية تقريباً تعاني من فجوة قابلة للقياس بين التزاماتها الدولية المعلنة وأوضاع الحريات المدنية والسياسية داخلياً. هذه الفجوة لا تمر دون رصد في آليات هيئات المعاهدات واستعراضات UPR.

‌ج) ج. مبدأ السيادة كضابط للمشاركة: يُلاحَظ بشكل ممنهج أن الدول العربية الأعضاء تمتنع عن التصويت أو تصوّت ضد القرارات القُطرية ذات الطابع الحساس، مُؤطِّرةً موقفها بمبدأ السيادة وعدم التدخل. وهذا ليس موقفاً عربياً حصراً، لكنه يكتسب أهميةً خاصة في سياقات النزاعات الإقليمية.

‌د) د. انعدام التناسق بين حجم التأثير وحجم الدولة: لا يوجد ارتباط خطي بين حجم الدولة وثقلها في المجلس؛ المغرب والأردن يُثبتان أن الاتساق المعياري والمبادرة النوعية يمنحان تأثيراً يتجاوز الحجم، في حين أن دولاً أكبر تفتقر إلى هذين المقوّمين.

الملخص التنفيذي الشامل

أداء الدول العربية في مجلس حقوق الإنسان: قراءة تحليلية

1. التوزيع التقييمي العام

تتوزع الدول الخمس عشرة المُقيَّمة عبر ثلاثة مستويات أداء:

‌أ) المستوى الأول - الأداء المؤسسي القيادي (أداء مرتفع): المغرب والجزائر وقطر والأردن. تجمعها مبادرة نوعية، وتعاون مستدام مع آليات المجلس، وخطاب حقوقي ذو تماسك داخلي نسبي.

‌ب) المستوى الثاني - الأداء التنسيقي (أداء متوسط): مصر والإمارات والسعودية والبحرين والكويت وموريتانيا. تتميز بنشاط في التنسيق الإقليمي والقضايا الانتقائية، مع فجوة معيارية داخلية واضحة.

‌ج) المستوى الثالث - الأداء الانتقالي أو الاستثنائي (أداء محدود): الصومال والعراق والسودان وجيبوتي وليبيا. ترزح تحت ثقل التحديات الداخلية، أو تُمثّل حالات استثنائية كما في حالة ليبيا.

2. القضايا المحورية للدبلوماسية الحقوقية العربية

ثمة ثلاثة ملفات تشكّل محاور التقاطع العربي الجماعي في المجلس: القضية الفلسطينية وحق تقرير المصير، ومكافحة الإسلاموفوبيا، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إطار الأجندة التنموية. في المقابل، يغيب التنسيق العربي شبه كلياً عند التصويت على القرارات القُطرية المتعلقة بدول المنطقة نفسها، حيث تُقدَّم اعتبارات السيادة على الأطر المعيارية.

3. المعضلة البنيوية المشتركة

تواجه الدول العربية الأعضاء إشكاليةً هيكلية مشتركة يمكن وصفها بـ"مشكلة المصداقية الانتقائية": فرغم الاستثمار الدبلوماسي المرتفع في خطاب حقوق الإنسان دولياً، يظل التطبيق الداخلي - ولا سيما في ملفات حرية التعبير، حقوق المدافعين، وضمانات الحياة المدنية - مصدراً مستمراً للانتقاد في إجراءات UPR وهيئات المعاهدات. هذه الفجوة لا تُفضي فقط إلى استهداف دبلوماسي، بل تُقيّد القدرة على بناء تحالفات واسعة مع دول ديمقراطية راسخة في قضايا مشتركة.

4. التوصية الاستراتيجية

5. لرفع مستوى التأثير العربي في المجلس من التنسيق الجماعاتي إلى القيادة المعيارية، يستلزم ذلك إجراء قدر من التقارب بين الالتزامات الدولية والسياسات التشريعية الداخلية، وتوسيع هامش التعاون مع الإجراءات الخاصة، والانتقال من موقف الدفاع عن السيادة إلى موقف بناء المعايير في القضايا التي تمتلك فيها هذه الدول خبرة فعلية - كالهجرة واللجوء والتنمية والتعايش الديني.

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الإنسان

شهد الفكر الإسلامي المعاصر تناميًا ملحوظًا في الدعوات الهادفة إلى تنقيح الموروث الحديثي وإعادة النظر في جملة من المرويات التي تسربت إلى بعض المدونات الحديثية عبر مراحل التدوين والنقل المتعاقبة، ولم تنشأ هذه الدعوات بمعزل عن التحولات الفكرية والثقافية التي شهدها العالم الإسلامي، بل جاءت استجابة لجملة من الدوافع العلمية والمنهجية والحضارية التي فرضت ضرورة مراجعة التراث الحديثي وفق الأصول والقواعد المقررة في علوم الحديث.

ولا تهدف هذه الدعوات إلى هدم الموروث الحديثي أو التقليل من قيمته العلمية، وإنما تسعى إلى صيانته من الدخيل والموضوع، وتمييز الصحيح من السقيم، والمحافظة على مكانة السنة النبوية بوصفها مصدرًا أساسيًا من مصادر المعرفة والتشريع الإسلامي، ويمكن الوقوف على أبرز المنطلقات التي أسهمت في ظهور مشاريع تنقيح الموروث الحديثي في الفكر الإسلامي المعاصر من خلال المحاور الآتية:

أولًا: المنطلق العقلاني والعقلائي

يمثل التحول الذي طرأ على طبيعة المتلقي المعاصر أحد أهم الأسباب الداعية إلى إعادة فحص الموروث الحديثي، فالمتلقي في العصور السابقة كانت معارفه محدودة بحدود ما يتلقاه من العلماء والخطباء والمؤسسات الدينية، أما اليوم فقد أوجدت الثورة المعلوماتية فضاءً معرفيًا مفتوحًا مكّن الأفراد من الوصول إلى مختلف مصادر المعرفة ومقارنتها ونقدها.

وقد أفرز هذا الواقع الجديد عقلية أكثر تساؤلًا ومناقشةً وتحليلًا، الأمر الذي جعل الخطاب الديني مطالبًا بتقديم إجابات تتناسب مع مستوى الوعي المعاصر، ومن هنا برزت الحاجة إلى مراجعة المرويات التي قد تُستغل في تقديم صورة مشوهة عن الإسلام أو تتعارض مع مقاصده الكلية وقيمه الإنسانية.

فالإسلام الذي بعث نبيه رحمة للعالمين، وجعل من مكارم الأخلاق مقصدًا أساسيًا للرسالة، لا يمكن أن يُختزل في مرويات غير ثابتة أو في قراءات مجتزأة لبعض النصوص، ومن ثم فإن تنقيح الموروث الحديثي يعد خطوة ضرورية في سبيل بناء خطاب ديني معاصر يجمع بين الأصالة والفاعلية، ويعبر عن روح الإسلام وقيمه الحضارية.

ثانيًا: المنطلق الأخلاقي

تعرض الإسلام ونبيه الأكرم محمد (ص) خلال العقود الأخيرة إلى موجات متكررة من التشويه والطعن، سواء عبر الكتابات الاستشراقية أو الحملات الإعلامية والرسوم المسيئة، وقد استند بعض تلك الطعون إلى روايات ومرويات منسوبة إلى النبي الكريم أو إلى التراث الإسلامي بصورة عامة، ولئن كانت كثير من هذه الطعون تفتقر إلى الموضوعية العلمية، فإن بعضها وجد في بعض المرويات الضعيفة أو الموضوعة مادة جاهزة لتشويه صورة الإسلام ونبيه، ومن هنا برز البعد الأخلاقي بوصفه أحد أهم منطلقات تنقيح الموروث الحديثي، إذ تقتضي الأمانة العلمية والدينية تنقية السنة من كل ما أُلصق بها زورًا، وإبراز الصورة الحقيقية للنبي الأكرم ( ص) بوصفه نموذجًا للرحمة والعدل والكمال الإنساني.

ثالثًا: منطلق التنزيه

يقوم هذا المنطلق على ضرورة تنزيه السنة النبوية الشريفة من المرويات التي لا تنسجم مع مضامينها الرسالية أو مع المبادئ الإسلامية الثابتة، فالسنة تمثل الامتداد العملي للقرآن الكريم، ومن ثم فإن المحافظة على نقائها تعد جزءًا من المحافظة على الهوية الفكرية والحضارية للأمة، كما يشمل هذا المنطلق تنزيه مقام النبي الأكرم وأهل بيته (عليهم السلام) من الروايات التي نُسبت إليهم بغير حق، أو التي تتضمن ما لا ينسجم مع مكانتهم العلمية والروحية، ومن هنا كان تنقيح الموروث الحديثي وسيلةً لحماية المقدسات الإسلامية من التشويه والتحريف، وإظهار معالمها الحقيقية للأجيال المعاصرة.

رابعًا: المنطلق المنهجي

يرتبط هذا المنطلق باختلاف المناهج المتبعة في التعامل مع التراث الحديثي، ويمكن رصد ثلاثة اتجاهات رئيسة في هذا المجال:

الاتجاه الأول: اتجاه يميل إلى تقديس الموروث الحديثي ويرفض إخضاعه للنقد أو المراجعة، انطلاقًا من اعتباره جزءًا من الثوابت التي لا يجوز الاقتراب منها.

الاتجاه الثاني: اتجاه نقدي متشدد تجاوز في بعض تطبيقاته حدود المراجعة العلمية إلى التشكيك الواسع في كثير من المرويات، الأمر الذي أدى إلى استبعاد مساحة كبيرة من التراث الحديثي.

 الاتجاه الثالث: وهو الاتجاه المعتدل، فيتبنى منهج المحافظة على الموروث الحديثي مع إخضاعه في الوقت نفسه لقواعد النقد والتحقيق العلمي، وهذا الاتجاه لا ينطلق من منطق التقديس المطلق ولا من منطق الرفض الشامل، بل يسعى إلى تنقية التراث عبر الأدوات المنهجية التي طورها علماء الحديث قديمًا وحديثًا.

خامسًا: المنطلق المذهبي

كان للبعد المذهبي حضور واضح في مشاريع تنقيح الموروث الحديثي، إذ سعت المدارس الإسلامية المختلفة إلى مراجعة الروايات المرتبطة بالقضايا العقدية والكلامية التي شكّلت محورًا للجدل بين المذاهب، وقد نتج عن ذلك ظهور العديد من الدراسات والمؤلفات التي هدفت إلى الدفاع عن الأصول العقدية للمذاهب الإسلامية من خلال فحص الأحاديث وتمحيصها، والكشف عن المرويات التي لا تتوافر فيها شروط القبول العلمي، ومن ثم أصبح هذا المنطلق أحد العوامل المؤثرة في ازدهار الدراسات الحديثية النقدية في العصر الحديث.

سادسًا: المنطلق العلمي

يُعد المنطلق العلمي من أكثر المنطلقات موضوعية وتأثيرًا في مشاريع تنقيح الموروث الحديثي، إذ يقوم على البحث عن الروايات الدخيلة والكشف عن أسباب دخولها إلى المدونات الحديثية، والمقصود بالدخيل كل ما أُدخل إلى المنظومة الحديثية وليس منها، سواء أكان ذلك على مستوى أصل الرواية أم على مستوى ألفاظها ومضامينها، وعليه يمكن التمييز بين صورتين أساسيتين للدخيل الحديثي:

الأولى: الروايات الموضوعة والمكذوبة التي اختُلقت ونُسبت إلى النبي الأكرم أو إلى غيره من المعصومين من دون مستند صحيح.

الثانية: الروايات التي تعرضت أثناء مراحل النقل والتدوين إلى التصحيف أو التحريف أو الزيادة والنقصان، بما أدى إلى تغيير دلالاتها أو تشويه مضامينها الأصلية.

وقد أسهمت الدراسات الحديثية المعاصرة في الكشف عن هذه الظواهر من خلال اعتماد مناهج التحقيق العلمي والمقارنة بين النسخ والمصادر المختلفة.

معايير تنقيح الموروث الحديثي

استندت مشاريع التنقيح الحديثة إلى جملة من المعايير العلمية التي تشكل أساسًا لنقد المتون وتمييز المقبول من المردود، ومن أبرزها:

1- عرض الرواية على القرآن الكريم واستبعاد ما يخالف نصوصه القطعية.

2- مقارنة الرواية بالأحاديث المشهورة والمستفيضة والثابتة.

3- اختبار مضمون الرواية في ضوء العقل السليم والمرتكزات العقلائية.

4- عرض الرواية على الحقائق التاريخية الموثقة.

5- الكشف عن التناقض الداخلي بين أجزاء الرواية ومضامينها.

6- دراسة الروايات التاريخية من خلال المقارنة بين طرقها ونسخها المختلفة للوصول إلى النص الأقرب إلى الواقع التاريخي.

وفي الختام نقول إن تنقيح الموروث الحديثي يمثل مشروعًا علميًا وحضاريًا يهدف إلى صيانة السنة النبوية والمحافظة على أصالتها، وليس مشروعًا لتقويض التراث أو التشكيك في قيمته، فكلما ازداد الاهتمام بالتحقيق والنقد العلمي الرصين، ازدادت قدرة الموروث الحديثي على التعبير عن جوهر الرسالة الإسلامية وقيمها الإنسانية الخالدة، وأسهم بصورة أكثر فاعلية في بناء الوعي الديني المعاصر وترشيد مسيرة الفكر الإسلامي.

***

أ.م.د. علي جعفر محمد

كلية الفقة / جامعة الكوفة

"إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معانٍ لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك". (الفارابي، كتاب الحروف).

تعد مسألة الحدوث والقِدم واحدة من أقدم معضلات الفلسفة، ربما لأنها تبحث في أقدم سؤال شغل العقل البشري؛ سؤال أصل العالم والإنسان. وقد تنوعت حلول الفلاسفة في الإسلام لهذه المسألة؛ فعلى سبيل المثال، تبنى أبو بكر الرازي مذهب القدماء الخمسة وعقيدة التناسخ، في حين أن الفارابي وابن سينا قالا بالفيض وإن العالم قديم بالزمان محدث بالذات. وكان لابن رشد رأيان متباينان، أحدهما للخاصة والآخر للعامة، ودلالة الرأي الأول تشي بقِدم كل من الله والعالم، بينما وجد الغزالي خلاصه في التصوف وأن لا فاعل على الحقيقة إلا الله. كما شغلت علماء الكلام بدءاً بالمعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية، وكذلك متكلمي الشيعة من الإمامية والزيدية والإسماعيلية. ونظراً لأن هذه المقالة تركز على الحل الإسلامي الأقدم – أي حل المعتزلة – فإنها ستقتصر على مناقشة الجوانب المرتبطة مباشرة بمسألة الألوهية وعلاقتها بالفاعل المختار، كما بدت لأعلام مدرستي البصرة وبغداد.

كان سؤال المعتزلة على النحو التالي: إذا كان الله يقدر على نفس مقدور العبد فمن هو إذن الفاعل الحقيقي؟

وكان حل المعتزلة في العدم، لأن ما يقع في العدم غير متعلق بفاعل. ماذا يعني هذا؟

لو كان العدم عدماً محضاً لنسبت خصائص الكائن لخالقه. ولذلك قالوا بشيئية المعدوم. وإطلاق الشيئية على العدم يوحي بأن المعدوم ليس مجرداً من كل مفهوم، كما لو أنهم أرادوا أن تكون الحاجة إلى الله مقصورة على إحداث العالم، صحيح أنهم يقرون بأن الله أحدث العالم لا على مثال سابق، ولكن فيما يبدو أن الخلق كان مسبوقاً بمادة، ومتى حدث الخلق وانتفى العدم، أصبح العالم مستغنياً عن الله في وجوده.

ولذا لم يكن من قبيل المصادفة أن ينظر المعتزلة إلى المعدوم لا بكونه نقيضاً للوجود، إنما بكونه في حالة لا توصف بالوجود التام ولا بالعدم المحض. فهو شيء وإن كان لم يكتسب بعد صفة الوجود بالفعل. بل هو ذات، حيث يكون الجوهر جوهراً في العدم، والعَرَض عرضاً في العدم، كالقوة والضعف، النعومة والخشونة، الصحة والمرض، البياض والسواد. أما دور الخالق فإنه يقتصر، لا في إيجاد شيء من لا شيء كما يقول أنصار الخلق من عدم، إنما على إحالة ما هو ممكن للوجود في ذاته وجوداً عيانياً. إذ لم يكن شرط الموجود عندهم متعلقاً بموجده فحسب، بل بإمكان وجوده بالقوة، وبانتفاء هذا الشرط فإنه لن يقبل الوجود على أية صورة. لذلك قيل هو ممكن في ذاته، وهو من حيث الإمكان غير محتاج إلى الفاعل، ولهذا لم ينسبوا الخواص الذاتية للشيء إلى الخالق.

على أن هذا التمييز بين الماهية والوجود ضروري لفهم معنى القديم والمحدث عند المعتزلة، إذ به صار المعدوم شيئاً. فماهية الشيء في حالة العدم، ليست اقتباساً أو محاكاة أو صورة متعلقة في أعراضها بماهية الله، على نحو العلاقة بين المثال والصورة عند أفلاطون، إنما هي بصريح العبارة "وجود بالقوة" لم يخلقه الله. غير أن ما يترتب على هذا التمييز بين الماهية والوجود عند المعتزلة هو الإقرار، صراحة أو ضمناً، بقدم المعدوم، أو ممكنات الوجود، بجانب الوجود الإلهي، بما أن الصفات الذاتية للشيء في حالة العدم لم تكن بفعل فاعل. وبذلك يكون الخلق من "العدم" قد فسره المعتزلة، على عكس عادتهم، حرفياً.

وهكذا أثبت المعتزلة سائر صفات الأجناس في العدم، على نحو الشيئية والجوهرية والعرضية واللونية إلا صفة "الحدوث الذاتي".

بناء على ذلك، فإن بشر بن المعتمر، مؤسس فرع المعتزلة في بغداد، نفى أن يكون الله خالقاً للأعراض، كالحرارة والبرودة، القوة والضعف، الشجاعة والجبن، وحتى الإبصار والعمى، على اعتبار أنها من طباع الأجسام والأشياء. فالله لا يخلق إلا الأجسام، هيئات الوجود، غير أن طباع الأجسام شأن آخر.

في كتاب "نهاية الإقدام في علم الكلام"، نجد الشهرستاني، وقد ضاق صدره بآراء المعتزلة في مبحث الإلهيات، يقول "جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة على وجوه من الفعل مخصوصة"، بحيث لا تشمل إيجاد الجوهر وكل عرض، إنما تقتصر على بعض الأشياء دون البعض. ومن ثم فإنه راح يشنع على المعتزلة لكونهم، بحسب رأيه، سمعوا كلاماً من الفلاسفة فأثبتوه في كتبهم قبل أن يصلوا إلى إدراك حقيقته، إنما خلطوا علم الكلام بمقولات أصحاب الهيولى، ثم أخذوا من الفلاسفة الإلهيين "كلامهم في تحقيق الأجناس والأنواع والفرق بين المتصورات في الأذهان والموجودات في الأعيان، وهم على صواب ظاهر دون الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء؛ لأنهم أثبتوا أحوالاً لا موجودة ولا معدومة"، إذ لم يستطع الشهرستاني أن يتفهم كيف يكون الفاعل موجداً ولا ينسب له من خصائص الموجود إلا فعل الإيجاد، كأن الكائنات مستغنية عن الموجد في جميع وجوهها وصفاتها وأفعالها إلا من حيث ظهورها أعياناً.

ربما غاب عن بال الشهرستاني، أن الفكر الجبري الذي واجهه المعتزلة، كان يتحرج من أن يسلب الله شيئاً، خشية القدح في القدرة الإلهية المطلقة، فقال بوحدانية الأفعال، على اعتبار أنه ليس لغير الله فعل على وجه الإيجاد، من خلق ورزق وإحياء وإماتة، وبالتالي فإن الله هو الذي يخلق على الحقيقة أفعال العباد، وأحوالهم، كالغنى والفقر، السيادة والعبودية.. كما لو أنه إله إغريقي يتمتع بصلاحيات اعتباطية شاملة. وهذا ما يخالف في نظر المعتزلة "لزوم الحكمة في أفعال الله"، وأنه لا يجوز أن تنفك عنها مطلقاً. وخلافاً لخصومهم، فإنه لا يجوز على مذهبهم أن يخلق الله الكافر الفقير الذي يعذب في الدنيا والآخرة.

ولم يكن في الواقع غرض المعتزلة إلا تعطيل الألوهية من هذا المعنى "التوحيدي"، الذي يعزو الشرور في عالم الإنسان إلى الله، في حين أن الأشياء، خيرها وشرها، على مذهبهم، تعزى إلى البشر أنفسهم.

ولذلك، فإن الذي نستخلصه من قولهم بشيئية المعدوم: إرادة نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق، من حيث الماهية والوجود، فالمادة التي خلق منها الإنسان ليست متعلقة بماهية الله، ولو كانت متعلقة بها، أو هي جزء منها لما كانت ناقصة وحادثة، وبما أنها شيء آخر تماماً، فإن أعراضها هي غير فعل الله. وبكلام آخر، أن الإنسان لا يحتاج إلى الله إلا من جهة الوجود، وبعد الإيجاد ينقطع الفعل كما تنقطع صلة الباني بالبناء بعد إنشائه، وإلا انتفى الثواب والعقاب. لكن المسألة قد تظل غامضة إذا لم نفهم الفرق بين الإمكان والحدوث عند متكلمي الإسلام والفلاسفة الفيضيين. فالفارابي مثلاً يقول في "عيون المسائل" إن الحاجة إلى الله هي مرتبطة بالإمكان لا الحدوث. بمعنى أن العالم هو ممكن الوجود بذاته ولكنه ليس واجباً بذاته كالباري، إنما بغيره، ولولا الفاعل لما وجد بذاته، فيكون الله هو علة العالم وبانتفاء هذه العلة يصبح العالم عدماً، أي سيعود إلى ما كان عليه، مجرد إمكان، أو حالة ذهنية قابلة للتصور. أما المعتزلة، فإن الحاجة عندهم إلى الله مرتبطة بالحدوث فقط، أي إن حاجة العالم إلى الله تنتهي بعد إحداثه، كمثال البناء الذي ذكرناه، ومع هذا يرى الفارابي قدم العالم بالزمان، ولكنه حادث بالذات، بينما ينفي المعتزلة ذلك، ولهذا فإن فعالية الله في العالم عند الفارابي من خلال "العقل الفعّال" أكثر اتساعاً قياساً بانعدام الفعالية تقريباً عند المعتزلة بعد الحدوث. ذلك أن القول بفعالية الله في الواقع كما فهمها المعتزلة تتعارض في نظرهم مع حرية الإرادة وكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، خيرها وشرها، ولذلك لم نبالغ في تأكيدنا على إرادة تعطيل الألوهية عند المعتزلة بالمعنى المشار إليه.

وطبيعي بعد ذلك أن يكون إبراهيم بن سيار النظّام، وهو فيلسوف المعتزلة بلا منازع، من القائلين بنظرية الكمون. والنظّام هذا هو أستاذ من هو غني عن التعريف، نعني أبا عثمان عمرو بن محبوب البصري المعروف بالجاحظ، وقد وصف الأخير معلمه في كتاب "الحيوان" بأنه "أنهج للمعتزلة سبلاً وفتق لهم أموراً واختصر لهم أبواباً ظهرت فيها المنفعة... وكان الأوائل يقولون: في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحاً فهو النظّام".

وللنظّام تصور غريب في الخلق لم يألفه أصحاب المقالات، إذ كان يرى أن الله خلق كل شيء دفعة واحدة وفي وقت واحد، فلا آدم خلق قبل ذريته أو أن خلق الأمهات تقدم على خلق أبنائهن، ولكنه أكمن الأشياء في بعضها البعض، فيكون التعاقب الظاهري للأشياء يكمن حصراً في خروجها من حالات كمونها، دون أن تخلق من جديد وتخترع. غير أنها لا تظهر من مكامنها إلا بطريقة الحركة. وهذا ما يفسر قوله إن "الأجسام في حال خلق الله لها متحركة حركة اعتماد". وبحسب الشهرستاني، فإن الحركة كما تصورها النظّام مبدأ تغير ما، وليست انتقالاً من مكان إلى مكان، إنما حدوث وضع جديد للكائن في الزمن، من حالة الوجود بالقوة إلى الفعل، أو تحول جوهر أدنى بالمعنى الأرسطي إلى جوهر أعلى. وقد عرّف المعتزلة الحركة بأنها "كون" لا "نقلة"، والكون يعني وصول الجوهر إلى وضع وجودي أكثر كمالاً مما كان عليه، لكن إضافة النظّام كانت في تلك الحالة التي سماها "حركة اعتماد" وهي تصف حالة الكائن ما قبل التكوين، فإذا تحرك هذا الجسم فإن ما اعتمد عليه ابتداء هو الذي يوجب "طبيعته" في وضعه الجديد. ولهذا فإن النظّام لم ير في العالم سوى المادة والحركة. لكن النظّام يستدرك فيستثني آيات الرسل من الخلق الأول، ومعنى ذلك أن آيات الأنبياء لم يخلقها الله إلا وقت ما أظهرها على أيدي رسله، لكونها خلقاً متجدداً فرضته الضرورة.

الإرادة الإلهية

ثم إن النظّام امتنع عن إضافة الإرادة إلى الله، باعتباره غير مريد على الحقيقة، وإذا قيل إنه مريد لأفعال العباد فإنما هو في نظر النظّام آمر وناهٍ عنها. وهذا المعنى هو الذي يتبادر للذهن من قول فلاسفة الإسلام بأن الباري موجب بالذات، لا فاعل بالإرادة.

يحكي الأشعري في "مقالات الإسلاميين" عن مفهوم النظّام للإرادة قائلاً "الوصف لله بأنه مريد لتكوين الأشياء، معناه أنه كونّها. وإرادته للتكوين هي تكوين. والوصف له بأنه مريد لأفعال عباده فمعناه أنه أمر بها، والأمر بها غيرها (أي ليس الأمر هنا هو الأفعال نفسها)".

يتضح من ذلك أن النظّام قد نفى الإرادة الإلهية على وجهين: إرادته لأفعاله، إذ تصدر منه طبعاً، وإرادته لأفعال العباد، بمعنى خلقه لها. لأن إرادة الله عند النظّام هي فعله، أو أمره، أو حكمه، فالمراد في اللغة قد يسمى إرادة على نحو: جئتني بإرادتي، يعني مرادي. والذي نلاحظه أن هذا الرأي قريب من مذهب أستاذه أبي الهذيل العلاف، الذي بدوره لم يميز بين إرادة الله وفعله؛ فإرادته لما خلقه هي خلقه له، لكن خلقه للشيء هو غير سيرورة الشيء، كأمره بالطاعة إلا أن الطاعة هي غير فعله.

كان جعفر ابن حرب، وهو من أعلام معتزلة بغداد، يجوّز القول بأن الله أراد أن "يكون الكفر مخالفاً للإيمان وأن يكون قبيحاً غير حسن"، بمعنى أن الله حكم بذلك، إلا أن سائر المعتزلة، بحسب رواية القاضي عبد الجبار في المغني، أبوا هذا الإطلاق وأنكروه. لماذا؟

لأن الإرادة في نظرهم لا توجب الفعل، أو وقوع المراد، هذا بالإضافة إلى اعتقادهم بأن الله مريد لما علم كونه فقط، لا بمعنى التمني والرغبة. ولهذا زعم المعتزلة أن خصومهم، وإن لم يصفوا الله بالعبارة بأنه "مُتَمنٍّ"، قد جعلوا إرادة الله تبدو بمعنى التمني والاشتهاء، وذلك لقولهم بأنه يريد ما كان في علمه أنه لن يقع، ومن ذلك أيضاً قولهم إن الله لم يرد للكافر اكتساب الكفر، أو إنه لم يرد لأحد أن يكفر به. على أن الله في نظر غالبية المعتزلة، إذا كان مريداً، فإنه مريد بإرادة محدثة. ذلك أن القول بالإرادة القديمة يقتضي إثبات إرادات لا نهاية لها، أو أنه كان يريد أشياء بعينها وجرى في الواقع ما يخالف إرادته.

على أن ما يصح على الإرادة قد لا يصح بالضرورة على العلم، إذ إن علم الله يتعلق بالشيء على ما هو به، لا بكونه حادثاً وفقاً لهذا العلم. وهذا يقتضي ألا يحدث شيء يخالف ما وافق علمه، غير أنه قد تحدث أشياء على خلاف ما أمر به. من هنا كانت الإرادة الإلهية عند المعتزلة غير موجبة. إنما هي حادثة لا في محل، أي صار الله مريداً في الاعتبار الذهني بعد أن لم يكن، ومن أدلتهم النقلية على أن الإرادة مخلوقة آيات المشيئة، من ذلك "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً" (يونس، ٩٩)، على أساس أن معنى المشيئة في الآية معنى مجازي، أي لو صح أن يشاء ذلك منهم، وهذا يعني أن الإرادة محدثة، مقدورة لله، يصح أن يفعلها ويصح ألا يفعلها. وبهذا تكون إرادة الله جارية على مقتضى علمه لا بمعنى التمني والرغبة.

لئن كان الرواقيون ينكرون أن يكون الله فوق القانون، أو كما يقول سينيكا، إن الله وضع نظاماً للأشياء لا يحيد عنه، فإن النظّام كان يرى أن الله لا يفعل المحال الذي هو مناف للحكمة. ولذلك رفض أن يوصف الله بالقدرة على الظلم. ما معنى ذلك؟

إن غالبية معتزلة البصرة، بمن فيهم العلاف، كانوا يرون أن الله يقدر على الظلم، ولكنه لا يفعله، لأن الله، وهو الخير المحض، لا يفعل القبيح فحسب، بل لا يصدر منه إلا الخير لكونه مختاراً أبداً للأصلح الممكن. بيد أن النظّام يقول بوضوح إن الله لا يقدر على فعل القبيح، سواء من حيث الخلق أو التقدير. وإن تجويز وقوع القبيح منه ولو على صعيد القدرة قبح. ولو كان الله قادراً على ذلك فكيف نأمن ألا يفعله؟

لم يكن هذا الرأي وحده الذي كان محل استهجان الإسلاميين؛ بل أضيف له قول النظّام في عدم تجويز وصف الله بالقدرة على فعل كل ما نهى عنه، أو أنه يمكن أن يحرّم شيئاً لعلة لا يعلمها إلا هو. غير أن بعض المعتزلة نقحوا قوله الأول فأضافوا أن الله قادر على فعل الشر لكنه لا يفعله لكونه قبيحاً. في حين أن رأي النظّام أن القبح صفة ذاتية للشيء القبيح، لا لكونه اكتسب صفة القبح من خلال النهي الإلهي؛ إذ إن الأشياء لا تكتسب صفاتها من خارجها أو بواسطة الوحي، كالعبودية مثلاً، التي لم تكتسب صفة القبح لكونها لم تحرّم شرعاً.

اللطيف أن بعض تلاميذ النظّام كانوا أكثر تمرداً من الأستاذ، فأفصحوا عن تفضيلهم لأبي الذر الغفاري على سائر الشخصيات المقدسة، لكونه نموذجاً للإنسان الصادق في زهده، والدليل على ذلك أنه لم يتزوج سوى امرأة واحدة! وكأنهم بذلك قد ساووا بين من يعدد الزوجات ومن يمتلك العبيد. ويبدو أن المعتزلة خشوا من أن تتلطخ سمعتهم بعار "النظّامية"، فأخذوا يعلنون بأن تلاميذ النظّام قد خرجوا على مبادئ الاعتزال. ولم تطرح بعد ذلك هذه المسألة الحساسة عند أحد من شيوخ المعتزلة على الإطلاق، إلى أن ذاب الاعتزال في النقائض، كالأشعرية والإمامية والشافعية والزيدية، ولم يتبق منه حينئذ سوى ملامح باهتة من أصوله الخمسة.

وبالعودة للنظّام، فإن فاعل العدل في تصوره لا يجوز وصفه بالقدرة على ارتكاب الظلم، إذ لو وصفناه بذلك، لكأننا نقول إن لديه نزوعاً نحو الجور حتى وإن لم يرتكبه فعلاً، لأن هذا الميل لا ينشأ إلا من نقص وضعف في النفس. كما لو أن الباري عند أبي إسحاق مشروط بنظام، أو ضرورة طبيعة، لا يسعه خرقها أو الحيد عنها.

وعندما قيل للنظّام إنك تقول بحرية الإرادة للإنسان وتنفيها عن الله، فتجعله مكرهاً على أفعاله، ما دامت تصدر منه بمقتضى الطبع لا القدرة، كأنه لا يملك حرية الفعل والترك. كان جوابه: "إن الذي الزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدوراً، فلا فرق". لكن كلا القولين على مذهب المعتزلة يصلان إلى نتيجة واحدة، أن الظلم ليس من فعل الله وخلقه ولا حتى من تقديره، كما أن عموم المعتزلة يقولون بأن الله لا يقدر على نفس مقدور العبد. وحجتهم انتفاء اجتماع مؤثرين، الله والإنسان، على أثر واحد.

ماذا عن الآية التي تقول "من شر ما خلق"؟ قيل إن "ما" نافية وليست اسم موصول لتقرأ بمعنى "من شر لم يخلقه الله". ولا شك أن هذا التأويل لطيف وضروري في سياقه على ما فيه من تعسف واضح. والذي ألجأ إليه ليس قصور المتأول في العلم بالنص، إنما دلالة الشر، والسببية خارج النص، ولذلك لم يكن المتأول معنياً بما يقول النص، ولا بملاءمة الكلمات للموضوع الذي سيقت من أجله، بقدر إيجاد معنى جديد يغير دلالة قائل النص وطبيعة وظيفته في العالم. إذ كان الرأي الشائع عند أهل السنة بحسب الفخر الرازي في تفسيره، أن الله مالك لجميع المحدثات، وتصرف المالك في ملكه كيفما شاء حسن وصواب على الإطلاق، ولذلك لا يجوز الاعتراض عليه في شيء. كما أن الأشاعرة أنكروا أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. وبهذا الخصوص يرى سعد الدين التفتازاني في "شرح العقائد النسفية"، بأن الله خالق لأفعال العباد سواء تعلق الخلق بالكفر أو الإيمان، لكن بمعنى مغاير لما فهمه المجبرة الذين زعموا أنه لا فعل للعبد أصلاً. لكن هل مضمون الخلق عند الأشاعرة يتضاد حقاً مع مفهوم المجبرة للخلق؟

فالله برأي الأشاعرة يقضي بالكفر، ولكن لا يجوز مع ذلك أن نرضى به، لأن الكفر مقضي لا قضاء، فالكفر مكوَّن، والتكوين غير المكوَّن، ولذلك وجب التسليم بالتكوين لا المكوّن. ماذا يعني هذا؟

إن الله لا يجبر أحداً على الكفر، كل ما هنالك أنه أراد من الكافر الكفر باختياره، دون جبر، لأنه علم منه الكفر بالاختيار، فتكون إرادة الله الأزلية تابعة للاختيار الحادث. وإذن فإن الله حينما يأمر الكافر بالإسلام فإنه يعلم علم اليقين أن هذا الكافر المعين لن يؤمن، إنما هو من باب الأمر غير المراد لحكمة لا يحيط بمعرفتها إلا الله وحده. أو لأنه ببساطة "لا يسأل عما يفعل".

ولو شارك العبدُ الله في "الخالقية" لما قال الله في مقام التمدح بها "أفمن يخلق كمن لا يخلق" (النحل، ١٧) وكقوله أيضاً "خالق كل شيء" (الأنعام، ١٠٢)، وأكثرها وضوحاً: "والله خلقكم وما تعملون" (الصافات، ٩٦). على أن هذا لا يسوغ أن تنسب جميع أفعال العباد إلى الله، لأن المتصف بالشيء هو من قام بذلك الشيء، كالسارق والقاتل، لا من أوجده، فالله يخلق الصفات في الأجسام غير أنه لا يتصف بها. وبهذا يكون الفعل مقدوراً لله بحكم الإيجاد، ومقدوراً للعبد من جهة الكسب. وبالتالي تكون جميع أفعال العباد حادثة وفقاً لإرادة الله ومشيئته، مع الأخذ في الاعتبار أن ما لا يرضي الله فإنه مقضي لا قضاء، والمقصود تعميم إرادة الله وقدرته، وأن الكل بخلقه، ولكن بدون إكراه أو إجبار. ثم يخلص التفتازاني إلى أن الأشاعرة لا ينفون الكسب والاختيار للعبد رغم اعتقادهم في كون كل شيء بخلقه. وفي الواقع أن الكسب ليس سوى صورة مقنّعة من الجبر كما سنرى.

وكذلك، فإن الشيعة الإمامية يجعلون لله مشيئة في ما قضى وقدّر، لأن التقدير عندهم لا يجعله مغلول اليدين، على أساس أن الله ليس محكوماً في سلطانه بشيء ولو كان قدره، إذ يمحو "ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب".

ومن باب التندر على مفهوم القدر عند المعتزلة، روى ابن قتيبة في عيون الأخبار:

"أن أحد القدرية سأل مجوسياً: لم لا تسلم؟ فقال: حتى يشاء الله!  فقال القدري: قد شاء الله ذلك، ولكن الشيطان لا يدعك. فقال المجوسي: فأنا أكون مع الشريك الأغلب".

الشاهد محل القدح أن أفعال العباد قد تقع على خلاف إرادة الله بحسب مذهب المعتزلة. ولسنا في حاجة إلى التأكيد هنا على أن ابن قتيبة كان يقصد التهكم من عقيدة القَدَرية في القدر، وهم نفاته، وأسلاف المعتزلة كما هو معلوم، ومع أنه لم يحمل مسألة القدر عند المعتزلة على محمل الجد، فإن ما يريد قوله لا يختلف من حيث المضمون عن قول متأخري الأشاعرة، وهو "أن الله له كل شيء.. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.. فلا مضل لمن هدى ولا هادي لمن يضل"، ومن الظلم أن ينسب للإنسان ما ليس له، كالقدر والخلق. أما علة نفي القدرية والمعتزلة للقدر فإنها برأي ابن قتيبة تختصر في قول أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام، أو بالفلسفة، تزندق. لأن مِلاك الدين التسليم والطاعة. وعندما حاول أهل السنة إحراج المعتزلة بسؤال الملك: هل يقع في ملك الله ما لا يريده؟ كان الجواب بنعم.

لأن المعتزلة، بمن فيهم النظّام، لم ينظروا إلى الله بوصفه مالكاً مطلق الإرادة وغير مقيد بقانون، بحيث يتصرف في ملكه كيف شاء، ولذلك تجرأوا على القول بإن الإنسان قد يحتج على الله لو كان فعله خلاف أمره أو خلاف "الحكمة"، باعتبار أن أفعال الله مقيدة برعاية المصالح والمفاسد بحسب مقتضيات النظر. ولذلك لقب المعتزلة بالعدلية لقولهم بعدل الله وحكمته.

يقول القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن:

"إن الكلام لا يدل على الله لشيء في الكلام ذاته (من حيث اللغة)، وإنما يدل لكون فاعله حكيماً".

كما لو أن مفهوم الحكمة هو الذي يحدد دلالة النص لا النص بذاته، وإن كان هذا يعني أن تتلاشى كينونة النص في ظل هذا القيد الإلزامي، وبطبيعة الحال لم يكن هذا مراد عبد الجبار، ولذلك لم يلتزم به عملياً إلا في آيات الصفات الخبرية التي حملها على وجه "الحكمة"، على عكس أسلافه كالعلاف والنظّام وأبي علي الجبائى الذين كانوا أكثر جرأة في إعمال العقل بإزاء النص، ولم يكن عبد الجبار، على أهميته، إلا حلقة وصل بين العصر الذهبي للاعتزال وعصر التقهقر والتمذهب.

وكمثال على ذلك، فإن ابن المرتضى في كتاب "المنية والأمل"، وهو من أئمة الزيدية - وزيدية اليمن على وجه التحديد هم من حافظ على تراث الاعتزال - يقسم المعتزلة إلى اثنتي عشرة طبقة، فيدرج في الطبقة الأولى الخلفاء الراشدين الأربعة، وفي الطبقة الثانية التابعين، وفي الثالثة ذرية محمد بن الحنفية، وابن عباس، بالإضافة إلى زيد بن علي، أما معتزلة البصرة وبغداد كالعلاف والنظّام ومعمر وبشر والفوطي فيدرجهم في الطبقة السادسة. ومع ذلك، فإنه يحسب له أمانته في نقل مقولات شيوخ المعتزلة، البصريين والبغداديين، التي تنسف هذا التقسيم من أساسه، إلا إذا كان الخلفاء الراشدون والصحابة ينفون الصفات والقدر ويقولون بالجوهر الفرد ولا فعل لله إلا الأمر.

أما رأي النظّام في الإرادة الإلهية فلم يكن سوى إطلاق ما كان مقيداً في مفهوم العدل الإلهي عند العدلية الذي يفيد بإيجاب عمل الأصلح على الله.

وقد حاول الفخر الرازي في المحصل، الدفاع عن موقف النظّام، فأوضح أن فعل القبيح من الله محال، والمحال غير مقدور، فهو محال لأنه يدل على الجهل والحاجة، وهما محالان، والمؤدي إلى المحال محال، وبما أن المحال غير مقدور فإن المقدور هو الذي يصح إيجاده. ومع أن النظّام خصم للرازي، إلا أن الأخير حاول أن يصلح بين الفريقين، أهل السنة والمعتزلة، لأن "الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم لله"، فالسنة انشغلوا بتعظيم الله من حيث القدرة ونفاذ المشيئة، بينما المعتزلة انهموا بجانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي. ورغم نيات الرازي الطيبة إلا أن الانشغال بنفاذ المشيئة هو غير الانهمام بالعدل.

لكن أبا الحسين الخياط في كتابه الانتصار، ينقل لنا أن النظّام كان يرى أن الله إذا علم أن فعل شيء أصلح من تركه استحال منه تركه والتخلف عنه. وبهذا الخصوص يرى الخياط أن أكثر الأمة توافق النظّام في رأيه "إلا من ثبّت لله القدرة على الظلم من المعتزلة". مع ذلك، فإن النظّام أراد أن يحيل القدرة على الظلم إلى شيء محدث، شيء يمكن لمسه والإشارة إليه، وهذا ما لا يخالف تمييزه بين الأفعال التي تأتي إما بالطبع وإما بالقدرة، وبهذا المعنى كان قوله إن "الظلم والكذب لا يقعان إلا من جسم ذي آفة". أي ثمة حاجة دعته إلى فعله، والذات الإلهية ليست محلاً للحاجات.

ولعله من الجدير بالذكر هنا، أن الخياط، الذي كان هدفه من كتاب الانتصار إبطال حجج ابن الراوندي ضد المعتزلة، بعد انشقاقه عن الجماعة وتأليفه لكتاب "فضيحة المعتزلة" الذي رد به على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة"، بدا محرجاً من آراء أبي الهذيل والنظّام وإن تعلل بأنها لا تنقض "توحيداً ولا عدلاً"، على افتراض أنها مما يدخل في الفروع التي لا تمس أصول المدرسة، فهما في نهاية المطاف بحسب رأيه لم يخالفا الإجماع ولا كذبا بصريح القرآن. والطريف في الأمر، أننا نجد في مدونات المعتزلة وغيرهم، أن النظّام كان أول من ألف في نقد الصحابة وعلماء الحديث، كما أنه نقض مفهوم الإجماع وحجية المتواتر. هذا بالإضافة إلى مجاهرته في إنكار المعجزات وكرامات الأولياء.

الكمون عند النظّام

يضرب النظّام عدة أمثلة لمفهومه عن الكمون، ذكرت في كتاب "الحيوان" للجاحظ، منها قابلية الثوب والحطب والقطن للاحتراق، بعلة وجود نار كامنة في هذه الأشياء، لا لأن ناراً من خارجها خلقت قابلية الاحتراق فيها، ولكن لأن النار الكامنة في الحطب على سبيل المثال، تفتقر بذاتها إلى نفي ضدها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، واستمدت منها قوة، زال المانع الذي كان يحول دون اشتعالها، فلما زال المانع ظهرت النار. وهكذا، فإن إحراق شيء ما يعني استخراج ناره الكامنة في جوهره، أو القابلية بالقوة على فعل بعينه. وكذلك حال سم الأفعى المقيم في بدنها، الذي لا يقتل لذاته، "وأنه متى مازج بدناً لا سم فيه لم يقتل ولم يتلف، وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادها، فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السم الممنوع على مانعه، فإذا زال المانع تلف البدن". ثم يضيف الجاحظ فكان المنهوش عند أبي إسحاق (النظّام) إنما كان أكثر ما أتلفه السم الذي كان معه.

وقد حاول الخياط في "الانتصار" أن يجد تخريجاً شرعياً لمفهوم النظّام في الكمون فراح يلوذ بحديث ذرية آدم، الذي يحكي عن مسح الله لظهر آدم، ثم أخرج ذريته قبل موعد ظهورها، فرأى آدم رجلاً جميلاً، فقال: يارب! من هذا؟ فقيل له هذا ابنك داود.

على افتراض أن هذا الحديث يتسق مع المعنى المراد في الآية التي تقول "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟" (الأعراف، ١٧٢ – ١٧٣).

ومع هذا، فإنه يصعب إرجاع فهم النظّام لمعنى الكمون إلى هذه الآية أو ذاك الحديث. وذلك لأن مذهب الكمون، كما لاحظ ابن رشد بحق، في غاية التضاد مع مذهب الإبداع والاختراع. إذ يصور أنصار مذهب الكمون عملية الخلق على أنها خروج الأشياء بعضها من بعض، وهو خروج يضارع معنى الانبثاق الحر، على حين أن الفاعل عندهم لا يخترع شيئاً من لا شيء، إنما يبدو على نحو المحرك الذي احتيج إليه لتسهيل خروج الأشياء من بعضها البعض، والنظّام يقول بنوعين من الكمون؛ كمون الأعراض، وكمون الموجودات. أما أنصار مذهب الاختراع فإنهم يعتقدون بأن الفاعل هو الذي يبدع الموجودات دون أن يكون مشروطاً بوجود مادة سابقة على فعل الاختراع. ويظهر أن ابن رشد كان على مذهب المعتزلة في تفسير "الممكن بالقوة" على أنه ذات في حالة العدم، إذ يرى في "تهافت التهافت" أن المعدوم "من جهة القوة والإمكان الذي له يلزم أن يكون ذاتاً ما في نفسه"، ثم يشير إلى أن المعتزلة قالوا بأن المعدوم ذات، ولو كان العدم يضاد الوجود لما انقلب وجوداً، ويخلص إلى أن "هذه الطبيعة (أي إن الوجود لا يتحقق من عدم محض) اتفق الفلاسفة والمعتزلة على إثباتها". وقد صرح سلفه أبو علي بن سينا في "النجاة" بأن إمكان وجود الشيء، لا يرجع لقدرة الفاعل على إيجاده، إنما هو إمكان وجوده أولاً، لكونه ممكناً في ذاته، ومن ثم كونه مقدوراً عليه بإحالته إلى موجده، وعليه فإن كل حادث لابد أن تسبقه مادة قبل إيجاده. وهذا نصه:

"إن كل كائن فيحتاج أن يكون – قبل كونه – ممكن الوجود في نفسه فإنه أن كان ممتنع الوجود في نفسه لم يكن ألبته. وليس إمكان وجوده هو أن الفاعل قادر عليه، بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو في نفسه ممكناً. ألا ترى أنا نقول إن المحال لا قدرة عليه... فالممكن هو ممكن في نفسه باعتبار ذاته ومقدور عليه باعتبار إضافته إلى موجده... ونحن نسمي إمكان الوجود قوة الوجود ونسمي حاملها موضوعاً وهيولى ومادة. فإذاً كل حادث فقد تقدمته مادة".

ومن المعلوم أن ابن سينا كان أقل تحفظاً قياساً ببعض أوائل المعتزلة في تأويل ما لا يقبل التأويل من نصوص السماء، بحجة أن الوحي ما نزل إلا للعامة، وفي كتابه "الأضحوية في أمر المعاد" ذهب إلى أن الشرع لو جاء بلغة الحكماء لما آمن به أحد من "العرب العاربة"، ولكن أسلوب ابن سينا العويص واستشهاداته بآيات قرآنية جعلاه أكثر قبولاً عند بعض المتشرعة مقارنة بجماعة النظّام.

العقل والنقل

يقول أبو مظفر السمعاني في كتابه الانتصار لأهل الحديث "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع... وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم". هذا صحيح، إذ اعتقد المعتزلة بسلطان العقل على النقل، لكونه قوة بذاته على اكتساب المعارف، بل ليس هناك معرفة بغيره. هذا على المستوى النظري، أما على الجانب التشريعي العملي، فقد اتفقوا على أن العقل هو معيار الحسن والقبح في التحليل والتحريم، وفي تحديد طبيعة الخير والشر؛ سواء من حيث صفة الشيء في ذاته أو من خلال اعتبارات التحسين والتقبيح للفعل المعلومة بالعقل ضرورة قبل ورود السمع، وعلى ضوء ذلك فإنه لا يجوز لله أن يأمر بما هو قبيح، ولا أن يأتي الوحي بما يناقض مقتضيات العقل. وإذا تعارض النص مع العقل، وجب تقديم العقل، أو تأويل النص بما يتفق ومقتضيات المذهب العقلي. بل ذهب بعضهم إلى أن العقل ينسخ الأخبار.

وبخصوص الحسن والقبح العقليين، يقول عبد الجبار في المغني:

"إن السمع لا يوجب قبح شيء ولا حسنه وإنما يكشف عن حال الفعل عن طريق الدلالة، كالعقل... وإنما كان كذلك، لأن الدلالة على الشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالدلالة. وكذلك العلم يتعلق بالشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالعلم". ذلك أن الشرع لا يقرر إلا ما هو موجود في العقل ابتداء، بوصفه كاشفاً عما في الأفعال من معاني الحسن والقبح، لا موجباً، أي الشرع، على الشيء صفة من خارجه بدلالة الإملاء، وإلا تعارض الشرع مع "ما قد ركبه الله في عقولنا". وبتعبير آخر، فإن العقل يدرك الأحكام قبل أن يأتي بها الشرع، والأخير لا يأتي إلا بما هو معروف عقلاً، مما يعني أن لزوميات العقل تفرض لزوميات الشرع.

ويرى عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة، أنه لو كان القبيح يقبح للنهي الإلهي لوجب أن يكون الإنصاف قبيحاً في ذاته إذا نهى الله عنه "لأن العلم بالقبح يتفرع على العلم بوجه القبح... ومعلوم أن الملحدة يعرفون قبح الظلم، وإن لم يعرفوا النهي والناهي".

أما الأشاعرة فإنهم يقولون بالحسن والقبح الشرعيين، على أساس أن الواجبات كلها بالسمع. في حين أن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يوجب ولا يلزم. وهذا يعني أن الله لا ينهى عن معصية لكونها قبيحة في ذاتها، كما يرى المعتزلة، إنما اكتسبت صفة القبح بفعل النهي الإلهي لا لنفسها، ولو أباحها الله لأصبحت حسنة. وحجتهم في ذلك أنه لو كان الحسن والقبح صفات ذاتية للأشياء أو الأفعال، لما وقع النسخ في الشرائع، فصار الحلال حراماً والمحظور مباحاً، ولما اختلفت الأحكام باختلاف الزمان والمكان. وهذا ما كان عليه رأي الجويني في "البرهان في أصول الفقه"، حين أكد على أنه "لا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه". غير أن هذا يشي بنسبية الأخلاق وصيرورة الوحي، أو كأن الذات الإلهية تتدرج في مراتب الكمال، ما دامت الشرعيات التي يجوز ورود النسخ فيها مبنية على تغير أحوال المكلفين، وهذا بالمناسبة، كان مطلب فلاسفة الفيض بما أن الأخلاق ليست معطى أزلياً.

وكان الشهرستاني في الملل، يقطع بأنه "لم يرد في كل حادثة نص... والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد".

كما لو أنه أخذ يقرر الاجتهاد على أصول أهل النظر، وإن اشترط ألا يخرج الاجتهاد عن ضوابط الشرع. لكننا عندما نطالع الشروط الخمسة التي أوجب على كل مجتهد الإلمام بها، ومنها التمييز بين العام والخاص، المطلق والمقيد في النص، لا يسعنا إلا أن نتساءل عن علة نقده العنيف لعلماء الكلام، وهو الذي كان، نظرياً على الأقل، واحداً منهم. ثم نلاحظ أن هذا المفكر الذي وجد مسوغات موضوعية للاجتهاد بالرأي في الوقائع التي لم يرد بخصوصها نص، يحكم حكماً قاطعاً على أهل النظر والرأي بمشاكلة إبليس.

نجد الأمر عينه لدى سلفه أبي الحسن الأشعري، الذي عده المؤرخون الإسلاميون ممثلاً للخط المعتدل من المعتزلة؛ لأنه أعاد الاعتبار للنقل على حساب العقل الذي أخرجه من التاريخ، حيث جعل البرهان العقلي حجة للشرع لا عليه. وحين أعلن الأشعري توبته من بدعة الاعتزال، توسل في مقدمة كتابه "الإبانة" بأحمد بن حنبل إمام أهل الحديث، واصفاً إياه بالإمام الفاضل والرئيس الكامل "الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين". ثم علل زيغ المعتزلة عن الحق بعلة التقليد لرؤسائهم وأسلافهم، مؤكداً أنهم تأولوا القرآن على آرائهم. مع ذلك، كفره الحنابلة، إذ يروي ابن عساكر أن جماعة من الحنابلة مروا يوماً بقبر الأشعري، فتخلف أحدهم وبال على القبر، فعاتبه فقيه سمع بذلك، فقال للفقيه "لو قدرت على عظامه لنشبتها وأحرقتها".

لهذا لم يكن من المبالغة في شيء أن يصف المعتزلة الأشاعرة ومن شاكلهم من الفرق الإسلامية بالجبريين، لكونهم ردوا كل شيء إلى مشيئة الله وقدرته وإرادته وخلقه، حتى وإن تذرعوا بمفاهيم التقدير أو الكسب فإن النتيجة واحدة، إذ لا شيء قد يحدث دون خلقه وتقديره، وهم راضون بقضاء الله في الجملة على كل حال.

ولنأخذ على سبيل المثال مفهوم الكسب عند الأشاعرة. فمن حيث المبدأ يقول الأشاعرة بأن أفعال العباد اختيارية، ولكنها في الآن ذاته واقعة بقدرة الله، ومن ثم فإنه ليس لقدرتهم تأثير فيها. إنما يجري الله عادته بأن تكون لدى العبد قدرة واختيار، ولكن بشرط، ألا يكون هناك مانع، فمن أين يأتي هذا المانع؟ من الله. فإذا زال هذا المانع يكون فعل العبد مخلوقاً ليس له، بل لله "إبداعاً وإحداثاً"، فإنه وإن كان الفعل إبداعاً إلهياً خالصاً إلا أنه "مكسوب للعبد"، ولا ينبغي أن يبتهج العبد بهذا الكسب فلا فضل له فيه، لأن المراد بذلك هو نفي أي تأثير أو مدخل في وجود هذا الكسب بالنسبة إلى العبد سوى أنه كان محلاً له، كما لو أنه ليس سوى أداة لإرادة خارجية. وكان يمكن اختصار كل ذلك والاكتفاء بالقول إن الله هو الفاعل على الحقيقة، بما أن الاكتساب والمكتسب مخلوقان للباري.

التوحيد المعتزلي

من مقتضيات التوحيد عند المعتزلة نفي صفات الله الزائدة على الذات، أو ما يعرف بالصفات القديمة، وتنزيه الذات عن المادة وأعراضها تنزيهاً مطلقاً، فالله في نظرهم ليس بجسم ولا جوهر ولا يحده زمان أو مكان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول، كما لا يجوز وصفه بشيء من صفات الخلق الدالة على الحدوث، وكل ما قد يخطر بالذهن فهو بخلاف الله. وحين يقول المعتزلة إن الله واحد، فإنهم لا يتحدثون عن الوحدة بالمعنى العددي، إنما بمعنى المفارقة، وعدم المشابهة، ونفي الكثرة في الذات مطلقاً، وكل ما من شأنه أن يشي بصفات التشخص والعضوية.

ولهذا صرفوا آيات الصفات الخبرية التي شابها شيء من التجسيم عن معانيها الظاهرة إلى معان أخرى مجازية، على اعتبار أن النص القرآني "يعتمد النثر الفني دون التقريري المباشر"، وعلى هذا المنوال، طعن فريق منهم في صحة الأحاديث التي تنطوي على تصورات تشبه الخالق بالمخلوق. وهكذا تبدو الذات الإلهية عند المعتزلة مجردة من كل تشخص كما لو أنها ليست سوى قانون يحكم هذا العالم.

لم يرق هذا النمط من التجريد لفيلسوف قرطبة، خصوصاً إذا كان المخاطب به الجمهور الديني، إذ "لا تنتهي أفهام الجمهور إلى مثل هذه الدقائق، وإذا خيض معهم في هذا، بطل معنى الإلهية عندهم" على حد قوله في تهافت التهافت، مستعبداً إمكانية حدوث أي تأثير حقيقي في جمهور اعتاد على التعامل مع الله بمفاهيم حسية، ولذلك "اضطر الشرع إلى تفهيم معان في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانية... فبعض الآراء هي سم في حق نوع من الناس، وغذاء في حق نوع آخر"، فأن تقول إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وقادر بقدرة هي ذاته، أو إنه مريد بغير إرادة، فإن عامة الناس سيؤثرون ما قرره الشرع في مسألة الصفات، من كون الله متكلماً سميعاً بصيراً، ولهذا قال بعض الأشاعرة: إن إله المعتزلة هو ذلك الإله الذي نهى إبراهيم الخليل أباه عن عبادته في قوله "إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً" (مريم، ٤٢).

وعلى هذا النحو جاء إنكار ضرار بن عمرو لسائر صفات الله، بحيث يكون وصف الله بالعلم بقصد نفي الجهل عنه، والقدرة بغرض نفي العجز، إذ لا يوصف الله عند المعتزلة إلا بالسلوب، كوصف القديم يعني نفي الأولية، ووصف الغني يعني نفي الحاجة. وكان هذا أيضاً رأي العلاف، الذي لا يثبت صفة إلا بمعنى نفي نقيضها، غير أنه يثبت بعض الصفات الإيجابية لا بمعنى المغايرة للذات، إنما بوصفها عين الذات، وهذا الذي يظهر من قوله: إنه عالم وعلمه هو ذاته، وقادر وقدرته هي ذاته. بينما يرى النظّام أن اختلاف صفات الله لا بعلة اختلاف في ذاته إنما لاختلاف ما ينفى عنه من المتضادات، على نحو الجهل والعجز والموت، أما ذاته فهي واحدة لا تقبل التعدد.

أما أبو هاشم الجبائي فقد تفرد بإثبات الأحوال، التي نفاها أبوه أبو علي الجبائي، ومن أشهر نقاده بالإضافة لمتكلمي المعتزلة والأشاعرة، الشيخ المفيد في أوائل المقالات، وفي هذا يقول "هو قول فارق به سائر أهل التوحيد، وارتكب أشنع من مقال أهل الصفات"، مع أن المفيد نفسه قد نفى الصفات الخبرية كما سنرى. فالجبائي الابن تصور الصفات على أنها أحوال، فإذا قلنا إن الله قادر، أثبتنا حالة خاصة هي القدرة، وهي وراء كونه ذاتاً، وهذا جارٍ في سائر الصفات، ولكن فوق كل حالة منفردة، ثمة حالة أخرى عامة توجب الحالات كلها، على أن الجبائي ينفي إمكانية معرفة كل حالة على انفراد، فهي ليست موجودة كما يقول المثبتون ولا معدومة كما يقول النفاة، لأنها ليست قديمة كالذات، ولا هي بمنزلة المعدوم بمعنى الشيء أو الإمكان، كما أنها ليست حادثة، ماذا بقي إذن؟ إنها اعتبارات ذهنية لذات واحدة، لا تعلم على انفرادها مطلقاً، وإنما تعلم مع الذات فقط، وهي فيما يظهر بمثابة الصفات النفسية للذات، كما أنها حل وسط بين إثبات الصفات ونفيها.

لقد اتفق كبار الفلاسفة في الإسلام، كأبي بكر الرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد، على نفي الصفات الإلهية رغم تباينهم في المذاهب الفكرية، وإن اعتقد الفقهاء أن الفلاسفة لا ينفون أسماء الله وصفاته إلا من حيث كونها في نظرهم مجرد تعابير مجازية، إذ إن نفي الصفات يستتبع بالضرورة نفي غاياتها ونتائجها. فحتى ابن حزم في "الفصل في الملل"، وهو الذي لا ينكر معاني الأسماء ولا يعطل الألوهية من معناها على طريقة المعتزلة، قد تحرج من تجويز إطلاق لفظ الصفات لله، لعدم ورود نص صريح في القرآن يشير إلى كلمة صفة أو صفات، كما لم يرد ذكر الصفات في الأحاديث النبوية. إنما تحدث القرآن عن أسماء الله الحسنى لا عن صفاته، منتهياً إلى أن لفظ الصفات اختراع معتزلي، ثم ذاع بعد ذلك بين المتكلمين وفقهاء المذاهب. وبصرف النظر عما ذهب إليه ابن حزم بشأن مفهوم الصفات في القرآن والنص النبوي، فإن الذي يعنينا هنا هو التأكيد على أن مقالة الصفات عند المعتزلة قد بلغت حداً غير مسبوق من الشهرة والذيوع بحيث أصبح من المستحيل لأي كان الحديث عن الألوهية في الإسلام دون أن تطل برأسها كما لو أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مفهوم التوحيد نفسه.

يذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن: "الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة أصلاً، فقالوا: هو عالم بذاته، وقادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به. لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل... وسموا هذا النمط: توحيداً".

بينما يرى أبو الحسن الأشعري في مقالاته، أن الله عالم بعلم، وقادر بقدرة ومريد بإرادة. ذلك أن الأشاعرة يثبتون سبع صفات قديمة وما يشتق منها من أسماء، وهي القدرة والقادر والإرادة والمريد والعلم والعالم والحياة والحي والبصر والبصير والسمع والسميع والكلام والمتكلم، ولكن بمعنى أنها صفات كمال. أما أفعال الله كالخلق والرزق فهي في نظر الأشاعرة محدثة غير قديمة. ولذلك عد بعض الأشاعرة الخلق، أو التكوين، أمراً اعتبارياً وليس صفة لله، "يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر"، وبما أنه كذلك فهو حادث، أي إن التكوين هو عين المكوّن.

على أن التناقض بين القولين ظاهر، لأن المقصود من قول الأشعري هو أزلية الصفات لكونها قائمة في ذات الله، غير أن غرض المعتزلة نفي مشاركة الصفات للذات في القدم، إذ لو شاركتها لكان الله جوهراً تلحقه الأعراض.

فعندما يقول المعتزلة، على سبيل المثال، إنه "لم يخلق الخلق على مثال سابق"، تردف العبارة السابقة بتأكيد مفاده أنه لا يجوز عليه "اجترار المنافع" و "لا يناله السرور واللذات" و "ليس بذي غاية يتناهى". كما لو أن صفات الله ليست سوى اعتبارات ذهنية، لا وجود لها خارج العقل، أو بعبارة الفلاسفة المسلمين، ليس لها وجود في الأعيان، أي عدم وجود حقائق في الذات الإلهية تقابل هذه الاعتبارات الذهنية التي نطلق عليها اسم الصفات.

في مروج الذهب، ينقل المسعودي، أن المعتزلة أجمعوا في باب التوحيد على أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا شخص. لا تدركه الأبصار ولا يدرك بالحواس، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. كما أن كل ما يخطر في العقل والأوهام من تصور لله فليس هو. فهو وحده القديم وما عداه فحادث. وصفة القدم تحيل إلى ما ليس لوجوده بداية.

والذي نلاحظه في هذا النص أن المعتزلة، من حيث المبدأ، لا يقولون من هو الله بقدر ما ليس هو، إذ لا يمكن إدراك "ماهية الله" لا بواسطة الحس ولا بواسطة العقل. وعلى هذا النسق جاء نص عبد الجبار الذي أورده ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل، حيث يذكر أن المعتزلة أجمعوا على أن للعالم محدثاً قديماً... لا لمعانٍ (أي إن الصفات ليست معاني أخرى غير ذات الله).

على أن هذه النظرة السكونية للمبدأ الأول، التي تحيل الذات إلى نقيضها، قد أدت بالمعتزلة إلى قولين مشهورين فيما يتعلق بإرادة الله: فغلب على طائفة من البصريين ما عدا جماعة النظّام القول بإنه مريد بإرادة محدثة لا في محل، وذهبت جماعة الأخير كما مر بنا إلى أنه ليست لله إرادة على الحقيقة، نظراً لأن الأفعال تصدر منه بالطبع.

لقد عرفنا رأي النظّام في مسألة الإرادة، فماذا عن الكعبي البلخي الذي كان يرى على غرار أهل الطبائع أن الله لا يوصف بالإرادة على الحقيقة؟

ففي رأيه، أن عدم الإحاطة بالشيء هو الذي يولد عند الفاعل القصد والإرادة، بيد أن علم الباري المطلق بالشي كما هو يغنيه عن الإرادة والقصد. ولو افترضنا جدلاً أن للباري إرادة سابقة على حدوث الشيء أو إرادة حادثة معه، فإن "كانت سابقة فهي عزيمة، والعزم لا يتصور إلا في حق من يتردد"، وإن كانت مساوقة للحادث فهي إما أن "تحدث في ذاته أو في محل، أو لا في ذاته ولا في محل" وهذا كله باطل، ومن هذا المنطلق، يخلص الكعبي إلى أن تعيين إرادة قديمة، أو حادثة لله، مجرد لغو لا معنى له، لا سيما عند إثبات كونه عالماً بالغيوب ومطلعاً على سرائر الأشياء. مع هذا، فإن خصوم الكعبي قد فهموا المعنى ذاته الذي تنبه له نقاد النظّام، بأن الوجه المضمر من إنكار الإرادة هو إنكار كون الأفعال الإلهية اختيارية، بحيث تأتيه طبعاً دون إرادة منه أو قصد. والذي يؤكد هذا الرأي، أن ثمامة بن أشرس من معتزلة بغداد كان على مذهب النظّام في إنكار الإرادة، إذ قال بالإيجاد بالذات، على اعتبار أن الكون "فعل الله بطبعه"، وحجته على ذلك أن الإنسان هو المختار لأنه يقع منه الفعل وضده، في حين أن "المطبوع" هو الذي لا يقع منه سوى نوع واحد من الفعل. يروى في أمالي المرتضى:

"أن أحد المجبرة سأل ثمامة: ألا تحمد الله على إيمانك؟ (بما أن الإيمان على مذهب ثمامة هو فعل الإنسان وليس فعلاً لله) قال: إنني لا أحمد الله على الإيمان، هو يحمدني عليه لأنه أمرني به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به".

أما القائلون من المعتزلة بإرادة حادثة، كالعلاف والجبائيين، فإن المعنى المراد بالحدوث هنا ليس كما يبدو في الظاهر، لأن قولهم إن الباري مريد بإرادة حادثة لا يعني إلا أن الله مريد لأفعاله في وقت بعينه وإنما بمعنى أنه يخلقها بحسب علمه، فتتقدم إرادته على المراد زمنياً، كذلك في قولهم إنه مريد لأفعال العباد، بمعنى أنه يأمر بخيرها وينهى عن شرها، لكن الإرادة في هذا السياق، وهذا هو المهم، لا توجب المراد، كإيجاب العلة والمعلول، أو إيجاب التولد، كما هي الحال في القدرة التي توجب المقدور بواسطة السبب، إنما الإرادة في تصورهم تثبت تلازماً دلالياً بينها وبين الأمر، وهي فكرة اختص بها المعتزلة دون بقية الفرق الإسلامية. إذ كان الرأي الشائع عند الفرق أن بعض الأشياء والأفعال كالشر والمعاصي تحدث بإرادة الله وإن لم يأمر بها، فلا تلازم بين الأمرين، بينما عند المعتزلة لا معنى للإرادة غير الأمر، فإرادة الله ليست سوى أمره بالشيء أو نهيه عنه. وإذا كان الأمر هو حد الإرادة عند المعتزلة، فإن النتيجة المنطقية لذلك أن الشر ليس من خلق الله ولم يحدث بإرادته، إنما هو من خلق الإنسان وإرادته.

الغريب أن الشيخ المفيد خالف متقدمي الشيعة من الإمامية بشأن الإرادة، فقال بتلازم صفتي الأمر والإرادة على منهج المعتزلة، مع أن إنكار الإرادة على هذا النحو يقتضي بأن تكون الصفة عين الذات، ومن ثم فإن كلام الله محدث، وهذا مما لا ينكره المفيد مبدئياً، إلا أنه في الوقت الذي ينفي فيه الصفات على مذهب المعتزلة ينسب رأيه في "أوائل المقالات" إلى الآثار التي جاءت عن آل محمد.

ولئن كان ابن بابويه القمي يرى أن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير، لا خلق تكوين، وهو في هذا الرأي يتفق مع غالبية الفرق السنية وأوائل الشيعة، فإن المفيد في "تصحيح اعتقادات الإمامية" يفصح عن عدم اعتقاده في كون أفعال العباد مخلوقة لله، ولا حتى بمعنى التقدير كما يقول أستاذه القمي، لأن التقدير في تصوره لا يكون إلا بالفعل، ولهذا وجد نفسه مرغماً كي يتسق الفكر مع ذاته على التشكيك في صحة ما نسب إلى الإمام جعفر الصادق من أحاديث الإرادة والقدر. وليس من الصدفة أن ينتهي إلى أن العلم بمآل الشيء لا يعني خلقه. وبتعبير اعتزالي، الإرادة غير موجبة، والعلم بالشيء غير حدوثه. ويستتبع هذا المذهب بالضرورة مذهب حرية الإرادة، وأن إرادة الله لا تؤثر على قدرة الإنسان وإرادته.

لكن في المقابل، نجد أن الأشاعرة يحكمون على الأفعال كلها بأنها مرادة للباري، لكونها تعبر في نهاية المطاف عن نظام الخيرات في الوجود. إلا أن هذا لا ينفي أن الأمر الإلهي قد يكون على خلاف الإرادة، على نحو أمر الرب لإبراهيم بذبح ابنه، إذ لم يرد الله أن يحصل الذبح وإن كان قد أمر به. ومن ذلك قول جعفر الصادق: "إن الله تعالى أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا أظهره لنا، وما أراده منا طواه عنا، فما بالنا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا".

الملاحظ أن الإرادة في الوجه الأول تعني الأمر، أما في وجهها الآخر فهي ما كانت متعلقة بعلم الله دون علم الإنسان، وبالتالي تكون الإرادة واحدة عند الأشاعرة، إلا أن حكمها يختلف باختلاف وجه تعلقها بالمراد. هذا المعنى لتعلق الإرادة على الوجهين المذكورين؛ في إرادته بنا وإرادته منا، هو الذي أثار فزع المعتزلة، لأنه يمكن بسهولة من خلال هذا النسق العقائدي، وبدعوى القضاء والقدر، إرجاع الكوارث والحروب والمجاعات في عالم الإنسان إلى نظام الخيرات والعلم الأزلي والإرادة السرمدية، ومن ثم يمكن أن يقال عن شرور السلطان إنها مجرد نقص في الوجود، لأن الشر المطلق لا وجود له إلا في اللفظ والذهن، بل إن في كل شر بالعرض وجهاً للخير.

والمعتزلة يقولون بوضوح لا يقبل اللبس إن هذا النمط من التفكير الجبري يخدم "الظلمة". لأنه، أي هذا النمط من التفكير، يقوم على الإيهام بالشرعية، بما أن الأشياء لا تحدث إلا بأمره تعالى، وتغييب الحس بالواقع، مادام الواقع ليس سوى فعل الله، وتأثيم النقد، لكون التاريخ نتاجاً طبيعياً لحكمة لا يحيط بها النظر. وهكذا تحصن السلطة غلبتها بخرافة القدر. غير أن اللافت أن التنكر للقدر لطالما اعتبر ضرباً من الردة.

العلم الإلهي

نقرأ عند الأشعري والخياط، أن أبا الهذيل والنظّام اتفقا على القول بقدم العلم الإلهي. فماذا يعني ذلك؟ هل علم الله هو علم بذاته دون المحدثات أو الجزئيات؟ أم أن علمه الأزلي يعني أنه عالم بما سيكون لا بمعنى التقدير؟ أم أنه لا يعلم الشيء قبل كونه على ما كان يقول أحد أسلاف المعتزلة الجهم بن صفوان؟

تعددت آراء المعتزلة واجتهاداتهم بخصوص العلم الإلهي، وإن غلب عليهم القول لفظاً بالعلم الأزلي. فعلى سبيل المثال، كان أبو على الجبائي يرى أن الله يعلم الأشياء قبل كونها، إلا أن هذا لا يعني أن حرية الإنسان مقيدة بعلم الله المسبق، لأن علم الله في هذا المقام هو تحقق في الزمان لا بمعنى تصريف للشؤون البشرية بمقتضى هذا العلم. ومن الواضح أن الجبائي يريد أن يثبت أن عدم القول بحرية الاختيار يتنافى مع عدالة الله.

وقد تفرد معمر بن عبّاد السلمي، الذي أنكر أن يكون الله خالقاً لشيء غير الأجسام، برأي خاص في هذا الصدد. ومفاده بحسب رواية الشهرستاني، أنه من المحال أن يعلم الله نفسه أو غيره، لكيلا يكون العالم والمعلوم واحداً. ذلك لأنه أراد أن ينفي كون علم الله علماً انفعالياً، تابعاً للمعلوم، إنما "علمه فعلي، فهو من حيث هو فاعل، عالم. وعلمه هو الذي أوجب الفعل" بحيث يتعلق علمه بالموجود حين حدوثه، لا بالمعدوم في حالة استمرار عدمه، أو يكون علمه بالشيء هو إيجاده، فعلمه يوجب الفعل. وهذا رأي درج فيما بعد عند الفلاسفة المشائين الذين جعلوا علم الله بالأشياء من ذاته لا من ذات الأشياء، لكي يقال إن كل معلوم كان مفعولاً له ومعلوماً لعلمه.

وإن كنا نشك في تفسير الشهرستاني لرأي معمر، خصوصاً أن الأخير يقدم في نصوص المعتزلة على أنه من أنصار مذهب الطبائع. ومعمر هو القائل بإن الله غير قادر إلا على الجواهر. ولذلك لا يجوز أن تنسب الأعراض إلى الله، لأنه لم يخلق لا صحة ولا سقماً ولا قوة ولا عجزاً، إنما هذه الأعراض فعل الجواهر بطبائعها، فالله يمنح الوجود للذوات لا للأعراض التي تصدر منها، وعليه فإن الله لم يخلق قابلية أو "استعداداً فطرياً" للإيمان عند بعضهم ولا ميلاً للكفر عند آخرين، وهذا ما يدل عليه قول معمر "إن الله لا يفعل عرضاً". إنما تكون الأعراض بحسب طبيعة كل جسم.

أما أبو الهذيل العلاف، فإن له مقاربة مغايرة لموضوع العلم، نقلها ابن حزم في "الفصل في الملل"، وملخصها أن كل ما يقع في عالم ما بعد الخلق، وإن كان معلوماً لله منذ الأزل، فهو خارج عن القدرة ولو كان يقتصر على تحريك ورقة من موضعها. ثم أضاف الأسواري، تلميذ النظّام النابه، أن من يعلم الله أنه سيموت في لحظة معينة، فإنه لا يقدر على أن يميته قبل ذلك، أو أن يطيل عمره طرفة عين بعد ذلك. لأن علم الله هو قدرته، فلا يقدر إلا على ما وافق علمه. فمن مات قتلاً، لولا وقوع القتل لجاز أن يعيش إلى وقت آخر، فعلة موته هي قاتله لا أجله. وعلى المعنى نفسه كان رأي الكعبي، الذي قال إن للمقتول أجلين؛ القتل والموت، وإن القاتل هو الذي منع المقتول من أن يعيش إلى أجله.

السببية الطبيعية

ذهب القاضي عبد الجبار إلى تحريم وصف الله بالرازق في حالة استيلاء السلطان على ممتلكات الناس، لأن في ذلك إيهاماً بأن هذا "الرزق" بأمر الله، كما لو أن الله سمح بفعل القبيح، أو أباحه بمعنى ما، أو حتى قضى به وقدره، ولهذا يقول عبد الجبار بأنه لا يجوز أن نسمي ما تم انتزاعه من أقوات الناس رزقاً ولو كان ذلك على سبيل المجاز. وإن كان هذا المعنى يتضارب مع الظاهر من آيات الرزق والتفضيل، كقوله تعالى" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً" (الزخرف، ٣٢)، وقوله "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق" (النحل، ٧١)". بينما الأشاعرة يجعلون الله منفرداً بتولي الأرزاق، سواء كانت حلالاً أم حراماً، فكما أنه ينفرد بالإحياء والإماتة، فإنه كذلك يرزق من يشاء، لا بمعنى الإباحة والتمليك، إنما يوزع الأرزاق على مقتضى حكمته لكيلا تفسد الأرض. ولاذ الإمامية في مسألة الرزق بمبدأ "البداء"، فقالوا إن الإنسان ليس محكوماً بقدر واحد، إنما المقدّر يمكن أن يتغير بالأعمال الصالحة، فالاستغفار مثلاً قد يكون سبباً في نزول المطر وجريان الأنهار.

وتعليقاً على فكرة الأرزاق عند الفرق قال ابن الراوندي: قسمت بين الورى معيشتهم/ قسمة سكران بيّن الغلط، لو قسم الرزق هكذا رجل/ قلنا له قد جننت فاستعط (أي استعمل السعوط وهو دواء للجنون).

على أن الفقر كسائر أحوال الإنسان في نظر المعتزلة التي لا تتعلق بفعل الله، لا من حيث الحكم ولا من حيث الخلق. وبخصوص "الفعل المتولد" يقول عبد الجبار:

"إنه لا يمتنع عندنا أن يستحق على الفعل (يعني فعل الإنسان) المتولد الذم أو المدح، والعقاب أو الثواب، لأنه كالمباشر عندنا في هذا الوجه إذا فعله وهو عالم بحاله أو متمكن من العلم بذلك، وما له يقال باستحقاق ذلك على المباشر قائم في المتولد، فالتفرقة بينهما فيه لا تصح".

لأن الفعل المتولد إنما يقع بحسب قصده ودواعيه، كالفعل المباشر، فيجب بناء على ذلك إثباته فعلاً للفاعل. ولا يصح عزو أفعال الإنسان على مذهب عبد الجبار عند الجهل بأسبابها إلى المصادفة أو ما شاكل ذلك، لأن الجهل بالأسباب لا يقضي بانتفائها.

ورغم أن عبد الجبار كان في مجال الطبيعيات أقرب هوى لمعتزلة عصره منه إلى أوائل معتزلة البصرة والفلاسفة، إلا أن هذا لم يمنعه من الإقرار بأن الموجودات تتصرف ذاتياً وفقاً لقوانين ثابتة أودعها الله فيها لمصالح هذا العالم ومنافعه. أو كما يرى الخياط، بأن المطبوع هو الذي لا يكون منه إلا جنس واحد من الأفعال، كأفعال النار والثلج والشمس وما شابه ذلك، وأما من تكون منه الأفعال المختلفة، (الإرادية وغير الإرادية)، فهو المختار لأفعاله. وهذا كما نعلم كان مذهب النظّام أيضاً الذي يقرر وجود طبائع ثابتة في أجسام الطبيعة غير قابلة للتغير.

وقد بالغ عبد الجبار في تأكيده على حرية الإرادة إلى حد إبطال قول أصحاب الطبائع من أسلافه الذين لم يختلفوا معه من حيث المبدأ في كون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، كالنظّام والجاحظ ومعمر، إذ يرى أنهم في الوقت الذي فيه يثبتون الفاعل المختار يقررون أن الأفعال تحدث بالطبع. غير أنه لا يوجد تناقض بين الأمرين، فالجاحظ مثلاً يعزو اكتساب المعتقدات إلى "داء المنشأ والتقليد" ولكنه في الوقت ذاته لا ينكر حرية الإرادة ودواعيها. كما أن قوله بأن للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها، هو تأكيد على وجود قوانين طبيعية قائمة في الأشياء، إذ إن غالبية المعتزلة لا يفصلون بين مبدأ العلية، أو قانون السببية، في الطبيعة والحقل الاجتماعي، وعدم الفصل هذا لا يعني إغفال التمييز بين الفعل الآلي في الظواهر الطبيعية وبين حرية الإرادة لدى الإنسان، وهذا ما يعنيه الجاحظ بقوله: إن الإنسان لا فعل له غير الإرادة، وأن سائر الأعراض أفعال الأجسام طبعاً.

على أن مفهوم السببية كان موضع خلاف عميق بين عموم المعتزلة والأشاعرة؛ فالمعتزلة لا يقرون بإطلاق القدرة الإلهية في الطبيعة بحيث يتم إنكار فعل الموجودات، لطبع خاص بها أو قدرة لديها على الفعل الذاتي دون أن تكون متعلقة في فعلها بإرادة الله كما رأينا. بينما ينكر الأشاعرة قانون السببية، أو وجود قوانين حتمية في الطبيعة. فالله يخلق القوانين، وبإمكانه خرقها أو تغيير مجراها متى ما شاء. وعلى سبيل المثال، فإن أبا بكر الباقلاني ينكر أن يكون للظاهرة الطبيعية فعل خاص بها. إنما الفاعل الحقيقي هو الله. فالنار لا تحرق لأن طبيعتها الإحراق، ولا الخمر من طبيعته الإسكار. أي ليس هناك مبدأ ارتباط حقيقي بين العلة والمعلول، بين السبب والمسبب. والذي قضى بأن تجري الأشياء مجرى العادة، حركة وتولداً، بإمكانه أن يقضي بما يخالف الضرورة فيما هو معلوم بالحس. كوقوع المعجزات. وهذا لا يعني أن الأشاعرة، بمن فيهم الباقلاني، لا يقرون بوجود قوانين في الطبيعة، ولكنها في نظرهم ممكنة وليست واجبة، أي ليس هناك اطراد في حوادث الطبيعة، ومن هنا تكمن خطورة هذا المعتقد، إذ يفضي إلى إنكار وجود قوانين فاعلة على الحقيقة وبالضرورة، ومن ثم إنكار الحرية في الأفعال الإنسانية، على أساس أن القدرة الإلهية هي الفاعل الحقيقي في الواقع. وفي الحين الذي يسعى فيه المعتزلة إلى تقديم تفسير عقلاني لأفعال الله بلحاظ الحكمة وفعل الأصلح لكيلا تكون الأعراض طريقاً لمعرفة الله، فينسب إليه من بعد ذلك فعل الإنسان أو فعل الطبيعة، مؤكدين على مفهوم السببية في المجالين الطبيعي والبشري، نجد الأشاعرة يرفضون رفضاً قاطعاً أي تعليل يوجب على الله فعلاً بعينه. على قاعدة أن الله لا يسأل عما يفعل. لكن الاختلاف النظري أو المعرفي بين الفريقين هو في الواقع اختلاف أيديولوجي يتعلق بمفهوم السلطة. ففي كتاب "التمهيد" يرجع الباقلاني مسألة الغلاء والرخص في الأسعار إلى إرادة الله، لأنه يرى أن الله هو "الذي يخلق الرغائب في الشراء ويوفر الدواعي على الاحتكار"، ولو مات الناس جوعاً فإن السلطان قد أماتهم مجازاً لأن الذي يحدث الأسباب على الحقيقة هو الله. على حين أن عبد الجبار في كتابه "المغني" يعزو أسباب الغلاء إلى "قلة الشيء مع شدة الحاجة إليه، أو كثرة المحتاجين بالنسبة إلى ما هو موجود، وإن ما يجري من التسعير إنما أنشأه بعض الظلمة، ويؤدي هذا إلى فساد يعم الفقراء".

***

نضال البيابي

......................

مصادر:

في مسألة المعدوم والإرادة:

-القاضي عبد الجبار: "المغني"، باب الإرادة، ص ٦٠.

-المصدر نفسه، باب المخلوق، ج٨، ص ١٣.

-عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٩٢- ١١٨.

-الخياط: "الانتصار"، ص ٨٣.

-الشيخ نصير الدين الطوسي: "في شيئية المعدوم"، ص ٧٧.

-ألبير نصري: "فلسفة المعتزلة"، ص ١١٩.

في مسألة الكمون عند النظّام:

-الجاحظ: "الحيوان"، ج٥، ص ٣٤ – ٤٠، ٩٢- ٩٣.

- آراء النظّام في "الانتصار" (١٣، ١٧، ٢٠، ٢١، ٦١، ١٠٠، ١٦٨).

-ابن المرتضى: "طبقات المعتزلة"، ص ٥٠.

في مسألة أفعال العباد:

-القاضي عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٣٣٢- ٣٦٢.

-الأشعري: "اللمع"، ص ٣٨- ٤٧.

السببية عند المعتزلة والأشاعرة:

-"شرح الأصول الخمسة"، ص٣٦٤ -٣٨٣.

الباقلاني: "التمهيد"، ص ٢٨٦- ٣٣١.

في مسألة القديم والحدوث عند فلاسفة الإسلام:

-الفارابي: "الجمع بن رأيي الحكيمين"، ص ٢٣ -٢٥.

- الفارابي: "الدعاوى القلبية"، ص ٧.

-ابن سينا: "تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات"، ص ٦٨ –٦٩.

- ابن سينا: "النجاة"، ص ٣٥٦ -٣٥٧

تنتسب المعتزلة الى مؤسسها واصل بن عطاء الغزال الذي ولد سنه 80 هـ والذي المنشق عن مجلس شيخه الحسن البصري وقد انظم اليه عمرو بن عبيد، عرفت مدرسته بانها مدرسة العقل عند المسلمين، وغيرهم

وعقائديا يؤمنون بالأصول الخمسة (التوحيد، العدل، المنزلة، الوعد والوعيد، والامر بالمعروف) كنظريه عقائدية ورؤية كونية

لقد بدأ المعتزلة برأي في قضية واحدة هي (ايمان مرتكب الكبيرة)، ثم تطورت منظومتها العقائدية على أساس منهجي عقلاني مقاصدي، أخلاقي يعتني بالجانب المعنوي من أحكام العقيدة والفقه، مثل نفي الصفات اذ ان صفاته جل وعلا هي عين ذاته فقدمه الازلي ذاتا وصفاتا، ومثل عدم قبول ما ينفرد به الرواة كأصل عندهم هو و العدل لأنه الناموس الكوني، والحقيقة الخالدة الملازمة للأديان كافه، وعليه فان احكام الله طالما هو الخالق الحكيم وهو واهب العقول فان افعاله يجب ان تكون على وفق مقتضى العقل والحكمة، وعلية فان الله لم يخلق أفعال عباده - مع سلب قدراتهم واختياراتهم وأوجبوا عليه فعل الاصلح، وترتيبا على ذلك فانه صاحب الولاية المطلقة على الكون والانسان ملزم بفعل الاصلح لعباده فيلزم كل صاحب ولاية ان يكون ممن اذا خير بين الصالح والاصلح اختار الاصلح، ويجب عليه رعاية مصالح العباد، وذهب قسم منهم الى ان الله لا يفعل الا الخير واللطف والصلاح، ويصفون العقل بانه مستقل بالتحسين والتقبيح فما قبله العقل وحسنه كان حسنا، وما رده وقبحه كان قبيحا، فاذا فعل العبد الحسن اثيب عليه، واذا فعل القبيح عوقب على ذلك الفعل، وقالوا بانه مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا بل هو في منز بين المنزلتين، فان تاب رجع الى ايمانه وان مات مصرا على ذنوبه استحق العذاب، وقرروا ان الله ينفذ الوعد والوعيد على أصحاب الكبائر، ولا تقبل فيهم شفاعة وهم مخلدون في النار، وان كان عقابه اخف من عقاب الكافرين، وقالوا ان من اهم واجبات المؤمن انكار فعل المنكرات والامر بالمعروف لا سيما مع الحكام، مع الامكان والقدرة، وبالوسائل الثلاثة المتاحة ويرون قتال أئمة الجور لمجرد فسقهم، واوجبوا الثورة عليهم مع القدرة وغلبة الظن بالنصر والغلبة .

ومن معتقداتهم قولهم بخلق القران لاعتبار ان النص حاك عن الواقع الاجتماعي وان سبب النزول دليل على ذلك وهناك جدل بين النص والواقع وروابط سببيه وهذا موقف مضاد تماما لمن يرى ان القران ازلي قديم

وهم يرون ان القران مخلوق محدث ولهذه الفقرة من معتقداتهم دور خطير في الجدل اللاهوتي فهي لا تزال تحتل موقعا راهنا في السجال حول كيفية قراءة النص القرآني حاليا فلا بد من فهمه بما يتفق مع الواقع والعقل ومقاصد النص مما ينزع عنه الاطلاق والابدية، وينزع عن قارئيه حق الاجتهاد في قراءة نصوصه، واختاروا نفي الاعجاز بنظرية اخترعوها هي الصرفة، فنظريتهم في خلق القران تلتزم بقراءه عقلانية للنص وتشكل مدخلا محوريا في الصراع السياسي على الإسلام وجدل الحداثة بما لا يكرس التطرف والإرهاب لانها قراءه تجوز الاجتهاد في فهم القران فهما عقلانيا، واعتقد ان خصومهم نشروا انهم يقولون بان النص القرآني نص تاريخي له زمانه وظروفه ومكانه، ولا بد ان تستحضر المقارنات مقابل الرؤية التي تراه صالحا – بلفظه ومعناه للتمسك بالمعنى الحرفي، والذي يترجح عندي ان النصوص القرآنية لها مرادان مراد شكلي، ومراد جوهري، والجوهري هو المعنى الثابت والمقصد الازلي، فيجب ان يقرأ على أساس المرادين فقراءتهم لآيات الصفات كانت قراءه عقليه تأويلية للخروج من ارثوذوكسيه حرفيه نصوصية مستسلمة لأقوال السلف كاصل معياري

فالمعتزلة عندما قرأوا النص اعتمدوا العقل طريقا الى فهمه لكنهم لم يذهبوا الى ان العقل نقيض النص، بل كان مسلكهم هو مسلك أخلاقي ومعنوي وبرهاني لفهمه فهما صحيحا ككل النصوص البنيوية، لأن الايمان الذي لا يفهم من حلال العقل سرعان ما يتحول الى طقوس صامته

وقد مزجوا في رؤيتهم الشمولية بين العقل والعدل الكوني لان العدل ناموس الخليقة وميزانها، فالإنسان كائن مخاطب بالعقل والكون كله مخلوق على وفق قوانين عقلية، والتكليف مقدمته الضرورية هي العقل، فاحتاج لأجل محاسبته ان يكون فعله منسوبا الى أرادة حرة واعية، فصار الناتج ان الايمان لا ينفصل عن المسؤولية ومن هنا ولدت مفاهيم العلة، والغاية، والضرورة، كأدوات تفكير اعادت ترتيب العلاقة بين العقل والمخلوقات، وبين الله والانسان وصار الفعل الإنساني يحتاج الى تحليل لشروطه ودوافعه وحدوده لان الانسان حر ومسؤول لقد بالغ المعتزلة في طرح سؤال الوجود، وسؤال المعرفة وطبيعة السؤال انه يقلق السلطة السياسية والدينية، ويصبح خطرا عليها لأنه يحول التدين الى مساءلة ومسؤولية، ويجعل معيار الفعل عدالته ومنطقيتة وصار الشك المعرفي فضيله والاستدلال المنطقي ديدن العقائد، وتقديم العقل كمرجعية أولى يؤدي الى اخضاع كل الأفكار والمفاهيم لقواعد البرهان، واكتشفوا للتعارض بين النص والعقل الية التأويل للراجح بين المتعارضين، وان وظيفة التعليم هو تعظيم قدره الانسان على الفهم والتعليل والتحليل، وعند ذاك يمكن الانسان ان يغوص في التراث المعرفي فلا يتحول الى متلق مستسلم

ان نظريه التعاطي مع النص القرآني بوصفه (حمال أوجه) انتج تيارا عقليا، انتهى للتميز بين الظاهر القرآني والباطن التأويلي، واسس منهجية للتأويل سمي (فقه التأويل) كوسيلة لاكتشاف الباطن والحقيقة في مواجهة فقه الظاهر، فلقد اخرج المعتزلة التأويل من نوع الدليل الاحتمالي الى حيز البرهان، وتأسيس النزعة الإنسانية (علاقة الله بالإنسان) وهي علاقة تخويل الهي للإنسان ان يستعمل عقله لإدارة حياته والاعتراف بالحاكمية البشرية، والنزعة الوضعية للقوانين التي سكت عنها النص، او للآيات التي تحدثت عن ظروفها، فركزوا على الآيات التي تشيد بالقدرة الإنسانية وتمنحها الحرية فانكروا نظرية الجبر، وقالوا بان الانسان خالق افعاله، وان له القدرة على تمييز الحسن من القبيح وفرعوا على اصل العدل موضوع العدل الاجتماعي الذي أراد المعتزلة ارساءه في مجتمعهم، باتجاه المزيد من العمق والإنسانية مما مهد لمنظومة فكرية كانت ارهاصا حقيقيا للفلسفة النهضوية عند الفارابي والكندي وابن طفيل وابن رشد

وفي مجال موقفهم من الحديث والسنه النبوية

- فانهم رفضوا الاستدلال بخبر الاحاد في العقائد لأنه ظني والعقائد لا تثبت الا بدليل قطعي

- انهم لم يعتبروا خبر الاحاد من السنة لأنه لا يؤمن فيه عدم الصحة

فأن وجد حديث الاحاد فيشترطون له الا يخالف العقل، ولا يخالف القران، حتى مع امكان الجمع لأنه في الظاهر جاء مخالفا، ولا يحتج به في مجال الاعتقاد لانه يلزم ان يبني على اليقين (1)

وقد تعامل المعتزلة في فهم القران على وفق منهج (عقلي – تأويلي) في الاعتقاد وإخضاع فهم النص المفسر الى مراعاة اصولهم الخمسة ولم يعتمدوا منهج تفسير النص بالنص، اذ هذا يبقيهم في دائرة النص، ويقصي شريك النص (العقل) (2) مع إصرار على تنزيه الله عن التجسيم والتشبيه ويلاحظ ذلك في تفسير الكشاف للزمخشري، وذهبوا الى حل المتشابه على القواعد العقلية لا سيما آيات الصفات، ووظفوا فنون اللغة والبلاغة والادب لعرض رأيهم ولم يتقيدوا بأقوال السلف وقد ورد قول محمد عبده (بان الله لا يسألنا يوم القيامة عن اقوال الناس وما فهموه، انما يسألنا عما توصل اليه فهمنا) (3) وبذلك يصرفون الناس عن التقليد المعرفي لتفسير الآيات (4) ومن رؤاهم اللافتة انهم يعتقدون ان الله وضع المتشابه في القران ليترك للعقل الخوض فيها لاستخراج مكنوناته، وفي مجال النسخ ذهبوا الى ان السنة في اغلبها (اخبار احاد) والاحاد ظني، فلا تقوى على نسخ القران، لأن في تخصيص القطعي بالظني خلل منهجي لأنه لا يضع الظني الأدنى درجه في مصاف القطعي، لذلك: ذهب أبو الحسن الكرخي الحنفي الى ان حديث الاحاد لا ينسخ القران، ولا يخصصه ولا يقيده ففي قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) (5) تؤخذ على عموم المال وكل ما يصدق عليه اللفظ، واذا ترجح ان (الفعل خذ) فعل امر دلالته الوجوب فان الحاكم يحق له ان يفرض الصدقة على عموم الأموال ويوسع وعاء الزكاة ولا يعبا بحديث الغلات الأربعة (6) وكمثال اخر فان قوله تعالى (احل الله البيع) لا يخصص بحرمة بيع المسلم لأهل دار الحرب – الا بمقتضى العنوان الثانوي وطاعة (اوامر الحاكم الشرعي) وذهب الحنفية الى جواز بيع المسلم لأهل دار الحرب ما يحرم على المسلم كالخمر والميته (7) ودمجوا المقاصديه بالتخصيص فلو أوصى رجل لا وارث له بجميع المال فان الوصية صحيحه، ولا يرد التقيد بالثلث لأن حديث سعد في جوازها فقط بمقدار الثلث حديث الاحاد لا يقيد قوله تعالى (من بعد وصيه يوصي بها او دين) ويرون ان مقاصد قيد الثلث جاء لئلا يصيب الورثة ضرر وحيث لا ورثة للموصي فلا ضرورة للقيد ولأجل العمل بالخبر الواحد عند الحنفية المتأثرين بآراء المعتزلة اعتقد عدد من المعتزلة مذهب ابي حنيفة بالفرع مثل القاضي ابي سعيد البردعى، وبشر بن غياث المريسي، والجبائي فقالوا لا يعمل بحديث احاد ما كان متنه مما تعم به البلوى مثل حديث خيار المجلس، ورد اخبار الاحاد مسلك مباين للجمهور، وما سمعهم بالرأي والقياس الا اخذا ولو مجملا من المعتزلة، مثل الفقيه عيسى بن ابان (160-221) الذي يذكرونه في طبقاتهم (8) وكان قد تعلم صناعة الحديث من محمد بن الحسن الشيباني – تلميذ ابي حنيفة، ومسألة الصلة بين المعتزلة ومذهب ابي حنيفة مسألة مهمه اذ تراها مره ان الأحناف استقوا قواعدهم الأصولية من فكرة الاعتزال، وأخرى ان المعتزلة مذهب عقائدي فكانوا في الفروع على مذهب الأمام ابي حنيفة لتقارب، لأصول وان هناك قولا شائعا مفاده(ان الحنفية معتزلة الفقهاء وعندي: انهم تحولوا الى الماتريديه لأنها عندهم اكثر تماسكا من الاعتزال في البناء المنطقي في مجال العقائد وهكذا نجد التثاقف بين المعتزلة واتباع مدرسة ابي حنيفة واضحا جليا، بل لا ينكر تأثر السيد المرتضى وهو من كبار علماء الشيعة بالمعتزلة لا سيما في موقفه من خبر الاحاد .

وفي مجال النسخ في القران فان اغلبهم يرى ان الزيادة على النص القرآني من خلال الحديث نسخ، لكنهم يقطعون بانه لا يثبت بخبر الواحد ولا بالقياس لأن كلا منها لا يقوى على نسخ المتواتر مثل زيادة (تغريب عام) للزاني غير المحصن، وينكر بعضهم النسخ لأنه بداء وهو محال على الله وهو وان كان جائز عقلا فلا يستلزم الوقوع الفعلي

يؤمن المعتزلة بحوار الأديان ويعتبرون القواعد العقلية هي المعيار لان غير المسلمين لا يخضعون لغير العقل

ويرون ان الانسان كائن عاقل قادر على فهم الآيات والعلل وإظهار العجر عن معرفتها خلل منهجي يهدف الى ترسيخ تقليد السلف – وهم لا يرون ذلك على الاطلاق

يرون ان للانسان أراده حره مختاره عاقله ومسؤولة لذلك فان معيار الأفضل عقليا في المهارات شرط في التكليف بالأمور السياسية، لأن العقل ومراتبه اصل المفاضلة

ان كل ممكن بحاجة الى علة والتأويل بحث مبتكر عن العلة

لا يفهم المشروع الحضاري الإسلامي الا على أساس مبادى الفكر النقدي وممارسة الاجتهاد في كل الأزمنة وفي عموم صفوف المعرفة

لا يتوصل الباحث في النصوص الا اذا توسل للوصول الى مراد النص بالبحث عن الروح الأخلاقية المعنوية المقاصدية في النص، لان القران نص يمكن ان يتعقل

يرون ان السنه اغلبها تدبيريه منتزعة من ظروفها المكانية والزمانية وان الاجماع اصل دائم وليس أساسي فيلزم ان تستند الى العقل او القران او السنه

ينفتح المعتزلة على فكر الأمم والشعوب بشرط ان يدرس جيدا وينقد جيدا ويعاد انتاجه بما يتفق مع اصولهم

ان العقل شرط أخلاقي ومعنوي لفهم النص فالنص لا ينفصل عن مقاصده في تحليل البنيويات، والايمان يختبر بالعقل لا بالطقوس الصلبة

المشيئة الإلهية ليست مضادة للقوانين الطبيعية لذلك انكروا بعض المعجزات مثل انشقاق القمر

يلزم ربط الايمان بالمسؤولية لكي يكون الدين متصالحا مع الواقع ومعيار الايمان توافقه مع الحكمة

النقد والعقلانية يخيفان السلطة الدينية والسياسية، لأن السؤال عندها عبء، وليس ضرورة، ولان السلطة الدينية للفقهاء اعادت تعريف الدين على انه امتثال وليس مساءلة، وطاعة خالصة وليس مسؤولية ولان العقل لا يسمح للسلطة الدينية ان تستبعد الناس بالطقوس الشكلية التي تفتقد الى المعنى ويرفضون ان يكون الخطاب الديني (غامضا) لان في ذلك قصد تعطيل العقل

ان المعتزلة الجدد يرون ان الدين حاليا حاضر في الطقوس والشعارات والمناسبات، وليس في التفكير والتأمل وتجديد المسافات والاحتكام الى العقل وكل ما هو افضل ويرون ان التدين الراهن يستدعي النصوص ويعتمدها كوسيلة لتبرير الواقع المتردي، لا مساءلة، ويستحضر الأمور الغيبية لغلق الأبواب امام الممارسة النقدية وعلية فانهم يعتمدون منهجا لا يستخدم المقدس لإلغاء الانسان ولا يؤمنون بتدين لا يتضمن العدالة لأنه سيتحول الى هوية صامته صلبه – بلا روح – فالعقيدة التي لا تساءل لأنسان عن مسؤوليته في كل صغيرة وكبيرة تفقد قدرتها على اصلاح العالم، ويدعون الى استعادة الجوهر الأخلاقي للتدين في زمننا المشغل بالانكسارات

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

...........................

(1) أبو الحسين الخياط: المعتمد 2\153 ظ رسائل الجاحظ 3\58

(2) القاضي: تنزيه القران عن المطاعن ص 442

(3) محمد عبده: تفسير المنار ج1\27

(4) مصطفى مسلم: مباحث في التفسير الموضوعي ص 10، ظ محمود كامل احمد مفهوم العدل عند المعتزلة ص 71

(5) سورة التوبة \103

(6) الكاسيني: بدايع الصنايع 4\58

(7) المصدر نفسه 11\307

(8) المرتضى: طبقات المعتزلة 128

هذه رؤية تصحيحية فلسفية وتحليلية لخطأ شائع يقدم القضاء على القدر والعكس هو الصحيح. وتقديم القدر هو الأصح من الناحية اللغوية والمنطقية المجردة ويتطابق هذا التقديم بالفعل مع الترتيب الوجودي للأشياء حتى وإن جرى العرف اللغوي في العبارة الشهيرة "القضاء والقدر" على تقديم القضاء عطفا بالواو والواو في اللغة لمطلق الجمع ولا تفيد الترتيب حتما.

إذا حللنا المسألة بناءً على التحليل المفاهيمي والمنطقي فإن القدر يسبق القضاء بالضرورة ويمكن بيان ذلك من خلال نقطتين:

النقطة الأولى: التقدير والتخطيط (القدر):

القدر في أصله اللغوي والاصطلاحي يعود إلى التقدير أي وضع المقادير ورسم الحدود والخطط المسبقة.

منطقيا لا يمكن تنفيذ أي أمر أو الحكم بوقوعه ما لم يكن مقدرا ومحددا بمقاييسه أولا حيث القدر يمثل "المهندس" أو "المخطط" الذي يضع الحدود والصفات والأنظمة للأشياء قبل بروزها إلى عالم التحقق.

النقطة الثانية: الوقوع والإنفاذ (القضاء):

القضاء يعود في أصله إلى الفصل، الحكم، الإلزام وإخراج الأمر إلى حيز التنفيذ والوجوب.

منطقيا القضاء هو وقوع ذلك القدر المحدد مسبقا وإمضاؤه على أرض الواقع. ولذلك تسمى المحكمة دار القضاء.

حيث لا يمكن للقاضي أن يحكم أو يفصل في أمر (يقضي) ما لم يكن لديه قانون أو مقياس أو حدود مرسومة مسبقا (قدر) يستند إليها.

وهناك دليل دقيق من القرآن الكريم هو الآية(14) من سورة (سبأ):

(فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ. (سبأ.14).

لاحظ قال (قَضَيْنَا) ولم يقل (قَدَّرْنَا) أي إن الموت قدر محتوم على سليمان وعلى غيره والقضاء هو لحظة التنفيذ الزماني والمكاني تصديقا لقوله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ). (لقمان.34).

فالموت هو القدر الحتمي والقضاء هو لحظة تنفيذ وتحقق هذا الأمر في الوجود الفعلي.

والترتيب الدارج في العبارة الشائعة "القضاء والقدر" هو تقديم مسبق في الذكر لغرض بلاغي أو صوتي تعودت عليه الألسن لكن بالنظر إلى عمق المفهوم وجوهر العلاقة بينهما فإن القدر هو الأساس النظري والتقديري السابق والقضاء هو النتيجة التطبيقية والحتمية اللاحقة.

التتبع الفلسفي لمفهوم السببية والوجود:

هذا التحليل يضع اليد على واحدة من أدق القضايا الفلسفية التي شغلت الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة) ونظرية المعرفة عبر التاريخ حيث يُلغي هذا التتبع الفلسفي فكرة "العشوائية" ويحل محلها نظاما صارما يربط بين الوجود والسببية.

عندما ينبثق هذا الاستنتاج من تتبع السببية والوجود فإن تقديم "القدر" على "القضاء" يصبح ضرورة فلسفية تفرضها البنية الوجودية للأشياء ويمكن قراءة هذا التلازم من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:

الأول: من منظور الوجود المحض الانتقال من الإمكان إلى الوجوب:

في فلسفة الوجود يمر الشيء بمراحل قبل أن يخرج من الوجود المحض إلى الوجود الفعلي:

أولا: مرتبة القدر (الإمكان والتقدير): الأشياء في حد ذاتها قبل أن توجد تكون "ممكنة الوجود" - ممكن أن توجد أو لا توجد- والقدر هنا يمثل تحديد "ماهية" الشيء أي حدوده والقوانين الشاملة التي تحكمه والأسباب الوجودية التي تؤهل مادته للتحقق. فهو يمثل النظام الكلي والروابط السببية العامة. ثم تبدأ مرتبة القضاء (الوجوب والتحقق): الفلسفة تقول إن "الشيء ما لم يجب لا يوجد". والوجوب يحدث عندما تكتمل كل الأسباب والشروط وتنتفي الموانع. هنا يتدخل "القضاء" كعلة تامة وموجبة تُخرج الشيء من حيز الإمكان (القدر) إلى حيز الوجود الفعلي (القضاء).

الثاني: من منظور السببية: العلاقة بين القانون الكلي والحدث الجزئي:

السببية في جوهرها تفترض وجود علاقات مطردة وثابتة بين الأسباب والمسببات:

القدر كقانون سببي عام: يمثل المخزون الكلي لجميع العلاقات السببية الممكنة والمقدرة في الكون (إذا توفرت أ، ب، ج... سينتج د). هذا هو التقدير المسبق للأنظمة الفيزيائية والميتافيزيقية.

القضاء كواقعة سببية معينة: هو اللحظة الزمانية والمكانية التي تلتقي فيها هذه الأسباب فعليا في أرض الواقع لتتحقق عنها النتائج.

القضاء إذن هو "تطبيق" القانون السببي العام (القدر) في حادثة جزئية معينة.

وإذا أردنا أن نخطط الهيكل الفلسفي لرحلة الشيء من العدم إلى الوجود تكون بالشكل التالي:

بواسطة (القدر) يكون أخراج الشيء من الوجود المحض أي (الإمكان) إلى تحديد الماهية أي إلى رسم القوانين والروابط السببية الشامل للخروج من محض الوجود.

ثم القضاء يكون باجتماع الأسباب وحتمية الوجوب والبروز في عالم الواقع.

بناءً على هذا التتبع فإن القول بأن "القضاء يسبق القدر" فلسفيا يوازي القول بأن "النتيجة تسبق السبب" وهو أمر يرفضه المنطق الوجودي.

إذن القدر هو حاكمية القوانين والروابط والقضاء هو نفاذ تلك القوانين عند تحقق شروطها.

هنا يتبرعم سؤال: هل إن استقلال الإرادة الإنسانية يتحرك في الهامش المتاح داخل "القدر" (أي ضمن الخيارات والقوانين المقدرة مسبقا) أم أن القضاء يؤول في النهاية إلى حتمية وجودية مطلقة لا تترك مجالا للمصادفة؟

هذا الوصول إلى الحتمية الوجودية المطلقة هو النتيجة المنطقية والصارمة لربط الوجود بالسببية. فالفلسفة التحليلية والميتافيزيقية عندما تلتزم بمبدأ السببية العام التزاما مطلقا تصطدم حتما بنتيجة مفادها: إن كل ما يحدث في الكون بما في ذلك الأفعال الإنسانية هو نتيجة ضرورية لأسباب سابقة أحاطت به.

في هذا الإطار الفلسفي يتحول "القضاء" من مجرد حدث عابر إلى "إغلاق للكون" وسد لثغرات الاحتمال ويمكن تفكيك هذه الحتمية ونفي المصادفة من خلال أبعاد فلسفية محددة:

البعد الأول: المصادفة بوصفها "جهلا بالعلل" وليست حقيقة وجودية:

في الفلسفة الحتمية كما نجدها في الفيزياء الكلاسيكية لا وجود لشيء اسمه "المصادفة" في ذات الأمر.

المصادفة هي مفهوم ذاتي يعبر عن قصور المعرفة البشرية وإدراك شبكة الأسباب المعقدة التي أدت إلى حدوث الواقعة.

ولو أحيط العقل بجميع الأسباب والشروط الابتدائية لأي حدث مهما بدا عشوائيا كرمي نرد أو التقاء شخصين بدون موعد مسبق لتبين إن النتيجة كانت حتمية وواجبة الصدور بنسبة 100%. القضاء هنا هو تجسيد لضرورة هذه العلل.

البعد الثاني: القاعدة الفلسفية التي تنص على أن "الشيء ما لم يجب لا يوجد"

هذا المبدأ السينوي الصارم-نسبة إلى ابن سينا-يمثل العمود الفقري للحتمية الوجودية:

الحدث قبل وقوعه يكون "ممكن الوجود" أي أن كفتي وجوده وعدمه متساويتان ولكي يترجح وجوده على عدمه لا بد من مؤثر (علة) تامة وشاملة.

و عندما تكتمل العلة التامة الشاملة (القدر) تصبح كفة وجوده واجبة وحتمية حينها يمتنع عدمه تماما. هذا الترجيح الحتمي هو (القضاء) وبذلك فإن كل ما يدخل حيز الوجود يدخل عبر بوابة "الوجوب والحتمية" ولا مكان فيه للاتفاق أو المصادفة.

فتكون مستويات الحتمية في رحلة "القضاء": هي شبكة الأسباب المقدرة ثم اكتمال الشروط وانتفاء الموانع ثم حتمية القضاء والوجود.

البعد الثالث: مآل إرادة "الفاعل الاجتماعي" في ظل الحتمية:

عند تطبيق هذا التتبع على الوعي الإنساني والفعل الاجتماعي تظهر إشكالية كبرى هي: إذا كان القضاء حتمية مطلقة فإن إرادة الإنسان تصبح حلقة داخل سلسلة سببية ممتدة: من الأفكار والرغبات والقرارات الإنسانية التي لا تولد من عدم بل هي محكومة بأسباب سابقة (بيولوجية، نفسية، بيئية، وتاريخية).

إذن السلوك البشري يؤول في النهاية إلى "استجابة حتمية" لمجموع هذه المؤثرات مما يجعل مفهوم "الخيار الحر المطلق" (وهما) ويحوله إلى خيار مشروط بالأنظمة الكلية المطبقة عليه.

صار واضحا إن الرؤية التي ترجع القضاء إلى حتمية وجودية مطلقة تنفي "المصادفة" تماما وتحول الوجود إلى بنية نسقية متماسكة أشبه بآلة كونية كبرى حيث كل حدث جزئي هو ترس يتحرك بضرورة تفرضها بقية التروس.

فإذا كانت الحتمية مطلقة وهذا يعني نفي المصادفة تاما إذن كيف يمكن في ضوء هذا التتبع الفلسفي قراءة مفاهيم مثل "المسؤولية الأخلاقية" أو "الفعل التاريخي"؟ هل يصبح الإنسان مجرد ناقل للحركة التاريخية والوجودية أم أن الوعي بهذه الحتمية يمنحه نوعا فريدا من التحرر؟

هذا الانتقال من "الحتمية المطلقة" إلى "التحرر عبر الوعي" يمثل ذروة النضج في التتبع الفلسفي للوجود وهو يتقاطع بعمق مع أطروحات فلاسفة كبار أدركوا أن الحرية الحقيقية ليست في الانفلات من القوانين السببية وهو أمر مستحيل وجوديا بل في فهمها واستيعابها.

الإنسان عندما يدرك أنه جزء من بنية وجودية حتمية لا يعود ريشة في مهب الريح تحركها الصدف بل يتحول وعيه إلى أداة لامتلاك الفعل التاريخي والوجودي. هذا التحرر الفريد يتجلى في ثلاثة مظاهر رئيسية:

المظهر الأول: التحرر من الأوهام والمشاعر الاستنزافية:

المعاناة الإنسانية (كالندم، الحزن، الحسرة، والقلق) تنبع كلها من (وهم) مفاده إن الأشياء كان يمكن أن تحدث بشكل مغاير لما حدثت عليه.

عندما يعي الإنسان إن الماضي كان حتميا وبأنه "قضاء" نتج عن قدر أي عن أسباب ومقادير لم يكن هناك مفر من التقائها يزول الندم تماما فلا معنى للقول "لو أنني فعلت كذا لكان كذا" لأن القوانين الوجودية لم تكن لتسمح بغير ما حدث.

الخوف من المستقبل: الوعي بالحتمية يحول القلق من المجهول إلى طمأنينة معرفية حيث يُدرك الوعي أن المستقبل ليس ساحة للفوضى أو المصادفات المرعبة بل هو نسق وقانون يتشكل بناءً على مقدمات وعلل.

المظهر الثاني: الحرية بوصفها "وعيا بالضرورة":

في فلسفة التاريخ يعلمنا شيخنا الفاضل ماركس أن الحرية لا تعني إنكار الحتمية أو القوانين التاريخية والاقتصادية بل تعني اكتشافها وتوظيفها.

الحتمية تشبه قانون الجاذبية فالإنسان لا يمكنه إلغاء الجاذبية لكن وعيه بهذا القانون الحتمي سمح له بصناعة الطائرات والتحليق بها.

في الحقل الاجتماعي والتاريخي الوعي بالعلل والحتميات البنيوية كالظروف التاريخية التطور التكنولوجي والعلاقات الإنتاجية هو الذي يمنح الفاعل الاجتماعي القدرة على اتخاذ موقف واعي. الإنسان هنا لا يعود مجرد منفذ أعمى للحركة التاريخية بل يصبح مشاركا واعيا لها يعرف أين يتجه التاريخ فيتحرك معه وفيه.

المظهر الثالث: تحول الوعي إلى "علة" داخل السلسلة السببية:

هذا هو الجانب الأكثر إثارة: الوعي بالحتمية لا يقف متفرجا بل يدخل في صلب السلسلة السببية نفسها: عندما يعي الإنسان القوانين التي تحكمه وبيئته ومجتمعه فإن هذا الوعي ذاته يتحول إلى "سبب جديد" يضاف إلى شبكة الأسباب الأخرى (القدر) فيغير من اتجاه "القضاء" اللاحق.

أخيرا نقول: الإنسان المحكوم بالحتمية دون وعي بقوانينها يتصرف كآلية بيولوجية واجتماعية صرفة. أما الإنسان الواعي بحتمياته فإنه يدمج هذا الوعي في قراراته ليكون فعله القادم محكوما بوعيه بالضرورة فيفهمها ويتصرف على ضوء هذا الفهم وهو أسمى أشكال التحرر الممكنة داخل هذا الكون الصارم.

***

سليم جواد الفهد

لقد مثّلت الثّورة الجزائريّة حدثًا تاريخيًا بارزًا له انعكاسات كبيرة على الخطاب الشّعريّ العربيّ. هذا الخطاب الشّعريّ تفاعل مع الثّورة الجزائريّة بطرق متنوّعة، حيث برزت هوّيتها وأبعادها في هذا التّفاعل الشّعريّ. هويّة الثّورة الجزائريّة في الخطاب الشّعريّ العربيّ، حيث تمّ تفعيل الخطاب الشّعريّ ليعبّر عن الهويّة والأبعاد المختلفة لهذه الثّورة الوطنيّة، من خلال جملة من المقوّمات، من أهمّها:

- تجسيد الهويّة الوطنيّة: بعد أن استُخدِم الشّعر لتعزيز الانتماء إلى الوطن، والتّأكيد على الوحدة الوطنيّة بين الشّعب الجزائريّ.

- التّمسّك بالثّقافة الجزائريّة: كانت القصائد تعكس تأثيرات الثّقافة الجزائريّة التّقليديّة والتّاريخيّة في مواجهة الاستعمار.

- التّصدّي للغزو الثّقافيّ ورفض الاستعمار الثّقافيّ: إذ قام الشّعراء بمقاومة تأثيرات الاستعمار الفرنسيّ على الثّقافة الجزائريّة من خلال إبراز الهويّة الجزائريّة الأصيلة.

- النّضال والمقاومة: لتمجيد الشّهداء وتكريم المجاهدين، وبتسليط الضّوء على البطولات والنّضالات.

- الحلم بالحريّة والاستقلال، حين رسم الشّعراء صورًا لمستقبل مستقلّ وحرّ للجزائر، حيث تمثّلت آمال الشّعب في الحريّة والعدالة.

وقد انتقلت الثّورة إلى الشّعر من خلال استخدام أساليب جديدة مثل النّثر، والخطاب الشّاعريّ الحرّ للتّعبير عن الشّغف والغضب والأمل، وبهذا الشّكل، جسّد الشّعراء الجزائريّون الثّورة الجزائريّة في خطابهم الشّعريّ بطرق متعدّدة تعكس الهويّة والأبعاد المختلفة لهذه الحركة الوطنية المهمّة في تاريخ الشّعوب العربيّة والعالميّة.

بهذا التّفاعل الشّعريّ، برزت هويّة الثّورة الجزائريّة، وأبعادها المتنوّعة في الخطاب الشّعريّ العربيّ المعاصر، ممّا يؤكّد على أهمّية هذه الثّورة في الوعي الثّقافيّ والأدبيّ للأمّة العربيّة، ذلك وغيره ممّا ستحاول هذه المداخلة عرضه وتحليله بحول الله تعالى.

القيم السامية للثورة الجزائرية

لقد كان لثورة تحرير الجزائر المجيدة التي اندلعت في التي بدأت في 1 نوفمبر 1954 الأثر البارز في إيقاظ الحس الوطني والشعور القومي العربي، بما حملتهُ من قيم إنسانية سامية. إذ كانت هذه الثورة نقطة تحول تاريخية في النضال ضد الاستعمار الفرنسي، وتكمن قيمة ثورة التحرير الجزائرية في تأثيرها العميق على العالم، وعلى المبدعين العرب، حيث تجسدت إرادة الشعوب في التحرر من الاستعمار، وبرزت أهمية النضال من أجل الحقوق والحرية.

وتمثل ثورة الجزائر رمزًا للنضال من أجل الحرية والكرامة، وتجسد إرادة الشعب الجزائري في مواجهة الظلم. لذلك تُعتبر الجزائر اليوم "بلد الأحرار" بفضل تضحيات الشهداء والمجاهدين الذين ساهموا في تحقيق الاستقلال، وبفضل هذه الثورة ألهمت العديد من حركات التحرر في العالم، وتحديدا لدى رأى العديد من النشطاء في الدول الأفريقية التي كانت تحت الاستعمار فكانت هذه الثورة مثالًا يُحتذى به، مما حفّز حركات التحرر في دول مثل كينيا، وموزمبيق، وأنغولا، وغيرها من الدول على الانتفاضة ضد مستعمراتها.

لقد كانت الثورة الجزائرية أحد الأسباب التي دفعت دول العالم العربي إلى تعزيز التضامن والتعاون فيما بينها؛ إذ ساهمت الجزائر بعد استقلالها في دعم الحركات التحررية في المنطقة العربية وخارجها، وكانت الجزائر واحدة من الدول التي دعمت القضية الفلسطينية بشكل قوي، لذلك أدت الثورة الجزائرية إلى إعادة النظر في السياسة الاستعمارية الفرنسية، وإلى تسريع عملية إنهاء الاستعمار في العديد من المستعمرات الفرنسية الأخرى.

وساعدت الثورة الجزائرية على تعزيز حركة عدم الانحياز التي تأسست في باندونغ Bandung  عام 1955، حيث أصبحت الجزائر بعد استقلالها من الدول المؤثرة في هذه الحركة وهو ما ساعدها على دعم سياسات الابتعاد عن القطبين الرئيسيين (الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة) والسعي إلى نظام دولي متعدد الأقطاب.

 وبفضل هذه المساعي أصبحت الثورة الجزائرية مصدر إلهام لحركات التحرر في العالم، وبخاصة في الأدب والفن في جميع أنحاء العالم؛ إذ أنتج العديد من الكتّاب والفنانين أعمالاً تُستلهَم من كفاح الشعب الجزائري، ومن بين هؤلاء الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر Jean-Paul Sartre) والكاتب فرانس فانون  FanonFrantz، وغيرهما كما سيأتي الحديث – تباعًا - بالتفصيل عن أبرز الشعراء العرب - على وجد التحديد – بالاستثمار في ثورة التحرير المجيدة للتعبير عن مواقفهم الخالدة.

الشعر كوسيلة للتعبير عن الروح القومية

لقد كانت ثورة الجزائر (1954-1962) حدثًا تاريخيًا بارزًا، ترك أثرًا عميقًا على الأدب العربي، وخاصة الشعر، حيث استخدم الشعراء فريحتهم الشعرية كوسيلة للتعبير عن مشاعرهم تجاه الاحتلال الفرنسي، مما ساهم في تعزيز الهوية الوطنية والانتماء، والتعبير عن الألم الذي عاناه الشعب الجزائري تحت الاحتلال. كانت القصائد تعكس مشاعر الفقد والحرمان، مما ساهم في توحيد مشاعر المقاومة، على نحو ما عبر عنه الشاعر سليمان العيسى (1921/2013) حين اعتذر للجزائر بقوله:

روعةُ الجرح فوق ما يحملُ

اللفظ، ويقوى عليه إعصارُ شاعرْ

أأغنّي هديرَها، والسماواتُ

صلاةٌ لجرحها، ومجامرْ؟

أأناجي ثوارَها، ودويُّ

النار أبياتهم، وعصفُ المخاطرْ؟

بين جنبيَّ عبقةٌ من ثراها

ونداءٌ – انّى تَلفّتّ – صاهر

ما عساني أقول؟ والشاعرُ

الرشاشُ، والمدفع الخطيبُ الهادر

والضحايا الممزّقون، وشعبٌ

صامدٌ كلإله يَلوي المقادرْ

فوق شعري، وفوق مُعجِزة

الألحان هذا الذي تخطُّ الجزائر

يا بلادي، يا قصةَ الألم الجبار

لم يَحْنِ رأسه للمجازرْ

ما عساني أقول؟ والنارُ لم

تلفح جبيني هناك، والثأر دائر

ودويّ الرشاش لم يخترقْ

سمعي، ويسكبْ، في جانحيَّ المشاعر

لم أذق نشوةَ الكمين يدوي

فاذا السفح للصوص مقابرْ

لم أعصِّبْ جرحي، وكفّي على

النار، وعيناي في العدوّ الغادرْ

ألف عذرٍ، يا ساحة المجد،

يا أرضي التي لم أضمّها، يا جزائر

ألف عذرٍ، إذا غمستُ جناحي

من بعيدٍ بماحقاتِ الزماجرْ

بيديكِ المصيرُ، فاقتلعي الليلَ،

وصوغيه دافقَ النور، باهرْ

لك في الشرق جانحٌ عربيٌ

يتمطّى عن معجزاتِ البشائر

لكِ هذا الجدار ينسحقُ

الغدرُ على سفحه وتُمْلَى المصائر

رفعته الأكبادُ في مصرَ والشام

مضيئاً، كطلعة الله، ظافر

تتناول قصيدة ملحمة الجزائر مشاعر الشاعر سليمان العيسى تجاه ثورة التحرير الجزائرية، وتعبر عن إعجابه الشديد وشعوره بالاحترام والتقدير لتضحيات الشعب الجزائري في سبيل الحرية والاستقلال. يبرز العيسى في هذه القصيدة قدرة الشعب الجزائري على الصمود والتحدي، ويعترف بعدم قدرته على التعبير بالكلمات عن حجم المعاناة والبطولات التي قدمها الجزائريون. وهذه واحدة من قصائد الشعراء التي كتبت تحث على النضال وتدعو إلى الوحدة، مما ساعد في تحفيز الروح الوطنية وتعزيز الإرادة الشعبية.

تناولت قصائد الشعراء العديد موضوع المقاومة، حيث عبر الشعراء عن رغبتهم في التحرر من الاستعمار، مثل الكثير من الشعراء الذين عكست قصائدهم عن الهوية الجزائرية، حيث استخدم الشعراء الرموز الثقافية والتاريخية لتعزيز شعور الانتماء.، بالإضافة إلى استخدامهم الصور الرمزية والتشبيهات القوية للتعبير عن مشاعرهم، مما أضفى عمقًا على النصوص الشعرية، حيث كانت الرموز تعبر عن الأمل في الحرية والتغيير، في حين اتجه بعض الشعراء إلى استخدام أسلوب مباشر يتسم بالقوة والعاطفية، مما جعل الرسالة أكثر تأثيرًا.كما في مساندة محمود درويش للثورة الجزائرية، رغم أنه فلسطيني، إلا أن تأثير ثورة الجزائر كان واضحًا في شعره، حيث استلهم من روح المقاومة الجزائرية.

ونشيد الثورة لحن.. تعرفه كل الأجراس

والراية في كوبا.. يرفعها نفس الثائر في الأوراس

لقد أثرت الثورة الجزائرية على الشعراء في البلدان العربية الأخرى، حيث أصبحت الجزائر رمزًا للنضال ضد الاستعمار، مما أدى إلى تجديد الشعر العربي وظهور تيارات جديدة تعبر عن القضايا الوطنية والاجتماعية، فضلا عن أن ثورة الجزائر كانت نقطة تحول في الشعر العربي، حيث استخدم الشعر كوسيلة فعالة للتعبير عن المقاومة والهوية الوطنية. فساهمت هذه الثورة في تشكيل مواضيع جديدة وأساليب تعبيرية مبتكرة، مما جعل الشعر وسيلة قوية للتعبير عن الإرادة الشعبية في مواجهة الظلم.

فالشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب يعتبر الثورة الجزائرية حدثا أخرج العرب من القبور الميتة ورفع ضوء الحياة بدنيا العرب، ويرمز للثورة بسيزيف الذي حكمت عليه الآلهة اليونانية بأن يَصعد بصخرة على ظهره إلى قمة الجبل فتتدحرج منحدرة إلى السفح فيعيدها لقمته وهكذا، لكنه في الجزائر تخلّص سيزيف أي العربي من عبء الصخرة على جبال الأطلس، في وهران، ثم يتأوه الشاعر؛ لأن وهران هنا بالعراق أي بغداد لا تثور على نظام حلف بغداد العميل:

هذا مخاض الأرض لا تيأسي

بشراك يا أجداث، حان النشورْ!

بشراك في «وهران» أصداء صورْ

سيزيف ألقى عنه عبء الدهورْ

واستقبل الشمس على ""الأطلس""

ومحمد مهدي الجواهري في عينيته ذات المائة بيت يعتبر فرنسا التي تزعم أنها تنشر القيم بالعالم فاجرةً تعلق صورة المسيح على سريرها، لأنها هدمت سجن البستيل رمز العبودية بفرنسا، لكنها بنت بساتيل في الجزائر:

لكِ الويل فاجرةً علّقتْ صليبَ المسيح على المِخدعِ

تهدّم بستيلَ في موضعٍ وتبني بساتيلَ في موضعِ

صدى الثورة التحريرية في الشعر العربي

تشكل ثورة التحرير الجزائرية مصدر إلهام للعديد من الشعراء العرب، الذين عبروا عن دعمهم وتضامنهم مع نضال الشعب الجزائري من خلال قصائدهم، ولعل أبرز الشعراء الذين تناولوا موضوع الثورة الجزائرية، ودعمهم لنضالها، بالنظر إلى أن هذه الثورة كانت حدثاً عظيماً أثر بعمق في الوجدان العربي وألهم العديد من الشعراء العرب، الذين عبّروا عن مشاعرهم تجاه الثورة ودعمهم للشعب الجزائري من خلال قصائدهم، لذا كانت الثورة رمزاً للنضال ضد الاستعمار، وموضوعاً بارزاً في الشعر العربي الذي مجّد تضحيات الشعب الجزائري وبطولاته.

كانت ثورة تحرير الجزائر واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ العالم العربي والإفريقي، وقد انعكست بشكل كبير في الأدب العربي والعالمي. تناول الأدباء والشعراء هذه الثورة في أعمالهم بأساليب متعددة، معبرين عن دعمهم وإعجابهم بالشعب الجزائري وكفاحه من أجل الحرية. إليك بعض الأمثلة البارزة عن كيفية تناول ثورة الجزائر في الأدب:

1.  موقف نزار قباني من ثورة تحرير الجزائر:

عبر نزار قباني في العديد من قصائده عن دعمه وتضامنه مع الثورة الجزائرية. وكان نزار معروفاً بشعره الوطني والثوري، والذي يعبر عن مشاعر العرب تجاه قضاياهم الوطنية، وليس غريبا أن يكون للشاعر السوري نزار هذا الموقف الداعم والمؤيد لثورة التحرير الجزائرية، حيث عبّر عن دعمه وتضامنه مع نضال الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي من خلال قصائده وكلماته التي حملت مشاعر التضامن والتأييد للثورة، كما في قصيدة "الجزائر"، التي عبّر فيها نزار قباني عن إعجابه بصمود الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الحرية. كان الشعر بالنسبة إليه وسيلة لنقل مشاعر الأمة العربية وتوحيدها حول قضية واحدة. وقد قدم نزار قباني في هذه القصيدة صورة حية للثورة الجزائرية وما تحمله من معاناة وأمل.

وهذا مقطع من قصيدة "الجزائر"

الجزائر، يا جرحنا المكابر

ويا حكايةَ التحرير، يا طيفَ الثائر

عينيكِ عرسٌ، ويديكِ سيفٌ

وفي لسانكِ لحنُ الأناشيدِ والظفر

أبعاد الموقف

وكان نزار قباني يرى في الثورة الجزائرية تجسيداً لتضامن الأمة العربية ووحدتها في مواجهة الاستعمار والظلم. عبر في قصائده عن الأمل بأن تكون الثورة الجزائرية نموذجاً يحتذى به في بقية الدول العربية. وكان نزار قباني يؤمن بحق الشعوب في مقاومة الاستعمار والدفاع عن حريتها وكرامتها. والثورة الجزائرية بالنسبة إليه كانت رمزاً للصمود والمقاومة ضد الطغيان، وبذلك، كانت الثورة الجزائرية مصدر إلهام لنزار قباني، مثله مثل العديد من الشعراء والأدباء في العالم العربي. الذين ساهموا في إثراء الأدب العربي بأعمال تعبر عن الكفاح والنضال من أجل الحرية.

وفي ضوء ذلك يكون شاعر المرأة قد كان من الشعراء الذين تفاعلوا مع القضايا العربية الكبرى، ومنها ثورة التحرير الجزائرية. عبر في أشعاره عن دعمه وتضامنه مع الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي، ورأى في الثورة الجزائرية رمزاً للصمود والمقاومة. قصائده عن الجزائر ظلت شاهداً على موقفه الداعم للحرية والعدالة، ومعبرة عن روح التضامن العربي.

2.  موقف محمود درويش:

كتب الشاعر الفلسطيني، عدة قصائد عن الثورة الجزائرية، معبراً عن إعجابه بنضال الشعب الجزائري وتضحياته في سبيل الحرية، كما جاء في قوله:

الجزائرُ، يا غابةً تحترقْ

ويا وجهاً جميلاً يفترقْ

يا كفّاً مرفوعةً إلى السماء

يا بُرْكانَ غضبٍ يصهلُ في كلِّ الأرجاء

تظهر القصيدة جانبا من القيمة الفنية للإبداع في حق الثورة الجزائرية حين أبدع في خلق سياقات الثورة التي تتناسب وثورة تحرير الجزائر ورموزها كما في قوله:

بيد الموت تغني.

لفظة الموت حياة في الشفاه العربية.

والقلوب العربية.

خلفها تحيا الملايين أبية.

فشهيد الفجر بعث وحياة

في بلاد خلق الموت بها حب الحياة...

 في بلاد... كل ما فيها كبير الكبرياء.

شمس أفريقيا على أوراسها قرص إباء

وعلى زيتونها مشنقة للدخلاء.

3.  موقف محمد الفيتوري

كان الشاعر السوداني محمد الفيتوري من أبرز الشعراء الذين عبّروا عن تضامنهم ودعمهم لثورة التحرير الجزائرية. عُرف الفيتوري بمواقفه الوطنية والقومية، واستخدم شعره كسلاح للتعبير عن مشاعر الوحدة والنضال ضد الاستعمار. كان لموقفه من ثورة الجزائر العديد من الأبعاد، لعل أهمها دعمه الكامل للشعب الجزائري في نضاله من أجل الحرية والاستقلال، حيث رأى في الثورة الجزائرية تجسيداً للكفاح العربي ضد الاستعمار، وشعر بضرورة التعبير عن هذا التضامن من خلال تمجيد البطولات والتضحيات للشعب الجزائري وتضحياته الجسيمة، وكان يعتبر أن ما يقوم به الجزائريون هو جزء من نضال الأمة العربية ككل، ورأى في تضحياتهم رمزاً للشجاعة والكرامة.

وكان محمد الفيتوري كان ناقداً لاذعاً للاستعمار الفرنسي في الجزائر، لذلك لم يتوانَ في قصائده عن فضح جرائم الاستعمار ووحشيته، وعبر عن كرهه واستنكاره للممارسات الاستعمارية ضد الشعوب العربية، كما استغل من خلال تناوله للثورة الجزائرية، دعوته إلى الوحدة العربية والتضامن بين الشعوب العربية، لأنه كان يرى أن نضال الجزائر هو نضال كل العرب، وأن الوحدة هي السبيل الوحيد لتحقيق الحرية والاستقلال،

سبع سنين، وأياديكم تطرق باب التاريخ

تبني هرما للحرية

تبنيه بعظام الشهداء

بإرادة مليون ضحية

سبع سنين، وبلاد جميلة رافعة الرايات

سبع سنين، والنار تضيء خطى الأحرار

وتمزق ليل البشرية

إني أحني رأسي كبرا

إني أخفضه في إكبار

يا بن بيلا...

لكن العار، وخيبة سبع سنين

العار (لديجول) وباريس

العار لأعداء الثورة

فالثورة، مازالت تكسو

قمة الأوراس، وتسقيها

والثورة مازالت تمشي

فوق جماجم جلاّديها

في هذه القصيدة، يتجلى تمجيد الفيتوري للشعب الجزائري ووصفه بالحرية والإباء، فيها يعبر عن الألم الذي عاناه الجزائريون، وفي المقابل يشير أيضاً إلى الكرامة التي لا تنضب، ومن ثم فإن موقف محمد الفيتوري من ثورة التحرير الجزائرية كان موقفاً داعماً ومؤيداً بكل قوة. عبر عن هذا الموقف من خلال شعره الذي مجد فيه بطولات الشعب الجزائري وتضحياته، وندد بالاستعمار الفرنسي ووحشيته. كان يرى في الثورة الجزائرية رمزاً للوحدة والتضامن العربي، ودعا من خلالها إلى تحقيق الوحدة بين الشعوب العربية في نضالها من أجل الحرية والاستقلال.

4.  موقف عبد الوهاب البياتي

كتب عبد الوهاب البياتي، الشاعر العراقي، أيضاً، عن الثورة الجزائرية، معبراً عن دعمه وتضامنه مع نضال الشعب الجزائري من خلال قصائده، وهذا مقطع من قصيدة "إلى الجزائر"

في الجزائر، ينبتُ القمرُ الجديدُ

وتزهرُ الأرضُ والسماءُ وتغني الطيورُ

يا شعبَ الصمودِ، يا أملَ الأحرار

يا ثورةً تتحدى الطغاةَ والنار

ومن المنطقي أن تجتذب الثورة الجزائرية شاعرا من قامة البياتي، وهو شاعر الحرية، وشاعر الفعل الخارق، الذي لا يستكين ولا يلين في مقاومة الظلم والطغيان، واستغلال الإنسان للإنسان، تحت أي مسمى كان.

واصل الشاعر عبد الوهاب البياتي اندغامه في النضال الجزائري، ومتابعته عن كثب لأحداث الثورة، وإنتاج نصوص إنسانية في المقام الأول وشعرية كبيرة في تخليد وتأييد كفاح الإنسان ضد الطغيان، أوليس هو الشاعر الإنساني، الذي تغنى بثورية لوركا وإنسانية أراغون وأشاد بهما. وقد أفاد البياتي كثيرا من مطالعته للنصوص الصوفية لكبار متصوفة الإسلام، خاصة ابن عربي. وأفاده ذلك في تخليص الشعر من آصار المباشرة والانفعالية والتهويل، وخلص إلى جوهر الشعر.

كتب الشاعر نص «الموت في الظهيرة «في تمجيد نضال الشهيد العربي بن مهيدي. وعبر العتبة الأولى وهي العنوان الذي يحيل على معنى اشتداد الحر وارتفاع الشمس إلى السمت، ثم بدء انحدارها للمغيب، فقد اشتد حر النضال، وأزفت ساعة المستعمر ورحيله عن أرض الجزائر، بخاصة في قصيدة الموت في الظهيرة عن العربي بن مهيدي:

في حقول النور، من أفق جيد

قطفته يدُ قديسٍ شهيدِ

يد قديسٍ وثائرْ

ولدته في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ

ولدته الريح  والأرض وأشواقُ الطفولهْ

وعذاباتُ ربيعٍ في خميلهْ

وانتصاراتٌ وحمّى وبطولهْ

وحماماتٌ وقرآنٌ وليلُ

صامتٌ يمسح عن كفّيْهِ آثارَ الجريمهْ

وعلى الجدران ظِلُّ

فوق عينيه وتربٌ وجنادلْ

فوق عيني ذلك الطفلِ المناضلْ

            ***

كان في نافذة السجن مع العصفور يحلُمْ

كان سرّا مغلقا لا يتكلمْ

كان يعلمْ

أنه لا بد هالكْ

وستبقى بعده الشمس هنالكْ

في ليالي بعثها شمسُ الجزائرْ

تلد الثائرَ في أعقاب ثائرْ

5.  موقف سليمان العيسى

كان لسليمان العيسى موقف داعم وقوي من الثورة الجزائرية، عبر عن تضامنه مع الشعب الجزائري وكفاحه ضد الاستعمار الفرنسي من خلال قصائده وأعماله الأدبية. كان شعره يعبر عن الروح الثورية، ويدعم حركات التحرير في مختلف البلدان العربية، بما في ذلك الجزائر. وكان سليمان العيسى مؤيدًا قويًا للثورات وحركات التحرير ضد الاستعمار. واعتبر الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الشامل ضد الاحتلال والظلم.

استخدم شعره للتعبير عن دعمه للثورة الجزائرية وللتوعية بقضية الجزائر في العالم العربي. كانت قصائده تعكس معاناة الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الحرية والاستقلال. ورأى العيسى أن الثورة الجزائرية هي جزء من الكفاح العربي المشترك ضد الاستعمار، وعبر عن أمله في أن تتوحد الشعوب العربية لتحقيق الحرية والكرامة.

وتبعا لذلك كانت أشعار العيسى مليئة بروح الثورة والتحدي، ودعا فيها إلى الاستمرار في النضال حتى تحقيق الأهداف المنشودة، معتبرا أن الأدب وسيلة لنقل الرسائل الثورية وتحفيز الجماهير.

قصيدة "الجزائر" هي واحدة من أبرز قصائده التي تعبر عن دعمه للثورة الجزائرية، فيها يصف شجاعة وصمود الشعب الجزائري، ويشيد بتضحياتهم في سبيل الحرية، متناولاً بطولات الشعب الجزائري وتضحياته في قصيدة: "يا جزائر" بقوله:

يا جزائرَ، يا قصيدةَ الحبِّ والشموخْ

يا أرضَ الأبطالِ، يا صوتَ المدافعِ في الدجى

يا قصةَ الكفاحِ، يا ضياءَ الفجرِ

يا شعلةً لن تنطفئْ، يا رمزَ الفخرِ

6.  موقف بدر شاكر السياب من ثورة الجزائر

كان لبدر شاكر السياب، الشاعر العراقي المعروف، موقف إيجابي وداعم تجاه ثورة الجزائر. ويُعتبر السياب من أبرز شعراء الحداثة في العالم العربي، استخدم شعره للتعبير عن القضايا القومية والنضال ضد الاستعمار، وكان للثورة الجزائرية نصيب في أعماله الشعرية.

وفي قصيدته "إلى الجزائر"، يعبر السياب عن تضامنه مع الشعب الجزائري في نضاله ضد الاستعمار الفرنسي. يتحدث عن التضحيات والشجاعة التي أظهرها الجزائريون في سبيل نيل الحرية والاستقلال. وتبرز القصيدة الحس الوطني والقومي للسياب، وتؤكد دعمه للقضايا العربية العادلة، وبخاصة القضية الجزائرية:

"يا جنة في أتون الحرب ناضرة

يا وردة بالدماء البكر مبتسمة

ثورة الأحرار في الدنيا تقدّمها

قصة العرب والإسلام مسلمة"

يستخدم السياب في قصيدته هذه رموزًا تصويرية تعبر عن جمال الجزائر وشجاعتها في مواجهة الاستعمار، ويجسد الجزائر كجنة ناضرة ووردة مبتسمة رغم الدماء، كما يشدد السياب على فكرة الوحدة العربية والإسلامية في مواجهة الاستعمار، حيث يعتبر الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الأوسع ضد الاستعمار، مستفيدا من ثورة التحرير ليعبر عن تضحيات الشعب الجزائري وشجاعته، مما يعكس تقديره الكبير لهذه الثورة ودعمه الكامل للثورة الجزائرية، كباقي حركات التحرر الوطني في العالم العربي، التي كانت مصدر إلهام كبير للسياب. لذلك أثرت هذه الثورة بشكل كبير على شعره وجعلته يعبر عن تضامنه مع الشعوب المضطهدة وسعيه لنقل رسائلهم وقضاياهم إلى العالم من خلال شعره، وفي ضوء ذلك، كان صوتًا قويًا ضد الظلم والاستعمار، وداعمًا ثابتًا للثورات العربية، بما في ذلك الثورة الجزائرية، مما يعكس التزامه بالقضايا القومية والإنسانية.

يعتبر السياب من أبرز الشعراء الذين تناولوا قضايا النضال ضد الاستعمار في العالم العربي، ومن ضمنها الثورة الجزائرية. وقد تجلى هذا الدعم في بعض قصائده التي تناولت معاناة الشعب الجزائري وكفاحه من أجل الحرية، وهو ما تعبر عنه قصيدة" ربيع الجزائر" في قوله:

سلاما بلاد اللظى والخراب

ومأوى اليتامى وأرض القبور

أتى الغيث وانحلّ عقد السحاب

فروى ثرى جائعا للبذور

وذاب الجناح الحديد

على حمرة الفجر تغسل في كل ركن بقايا شهيد

وتبحث عن ظامئات الجذور

وما عاد صبحك نارا تقعقع غضبى وتزرع ليلا

وأشلاء قتلى

ولعل من أبرز القصائد التي تعبر عن تضامن السياب مع الثورة الجزائرية هي قصيدته "أغنية في الشارع". في هذه القصيدة، يصف السياب مشاعر الألم والأمل التي تسيطر على الناس في الشوارع، ويشير إلى الجزائر كنقطة مضيئة في هذا السياق، كما في

مقتطفات من القصيدة:

"يا جنة في أتون الحرب ناضرة

يا وردة بالدماء البكر مبتسمة"

يعبر هذا المقطع الشعري عن الأمل والجمال الذي يراه السياب في الثورة الجزائرية، وفي معظم قصائده عن الجزائر يستخدم رموزًا تعبر عن جمال الجزائر وشجاعتها في مواجهة الاستعمار، مما يبرز إحساسه العميق بمعاناة الشعب الجزائري وتضامنه معه، مشددا على فكرة الوحدة العربية والإسلامية في مواجهة الاستعمار، معتبراً الثورة الجزائرية جزءًا من النضال العربي الأوسع ضد الاستعمار. لذلك يبرز الشاعر تضحيات الشعب الجزائري وشجاعته، مما يعكس تقديره الكبير لهذه الثورة ودعمه الكامل لها، كباقي حركات التحرر الوطني في العالم العربي، التي كانت مصدر إلهام كبير للسياب. لقد أثرت بشكل كبير على شعره وجعلته يعبر عن تضامنه مع الشعوب المضطهدة وسعيه لنقل رسائلهم وقضاياهم إلى العالم من خلال شعره.

وبدر شاكر السياب، من خلال قصائده عن الجزائر، كان صوتًا قويًا ضد الظلم والاستعمار، وداعمًا ثابتًا للثورات العربية، بما في ذلك الثورة الجزائرية، مما يعكس التزامه بالقضايا القومية والإنسانية.

لقد تفاعل الشعراء العرب مع ثورة التحرير الجزائرية وعبروا عن تضامنهم ودعمهم لنضال الشعب الجزائري من خلال أشعارهم. هذه القصائد لم تكن مجرد كلمات، بل كانت تعبيراً عن روح الوحدة والتضامن العربي في وجه الاستعمار والظلم. وظلت أشعارهم شاهداً على تضحيات الشعب الجزائري وبطولاته، ومصدر إلهام للأجيال القادمة، وبذلك لم تكن ثورة الجزائر في عيون الشعراء العرب مجرد حدث محلي، بل كانت ملهمة لجميع العرب، وأثرت بشكل كبير في وجدان الشعراء والأدباء العرب الذين عبروا عن تضامنهم ودعمهم للثورة الجزائرية من خلال قصائدهم التي مجدت نضال الشعب الجزائري وتضحياته.

***

البروفيسور سعاد بسناسي

جامعة وهران1/ عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة

تصدر مجال الفقه مساحة التأثير في الواقع الحضاري الاسلامي عبر قرون، وتنامى الجدل حول طبيعة المعطى الحضاري الذي أنتجه الفقه الاسلامي بمختلف مذاهبه واتجاهاته، وكانت للاجتهاد كفعل معرفي الدور المهم في تحديد قيمة المنتج الحضاري الاسلامي، وإلى اليوم، تختزل عملية الاجتهاد في داخلها كثيرا من المساحات المثيرة للجدل، سواء على مستوى أصول الفقه، أم على مستوى الثقافة الاسلامية العامة.

وقد واجه الاجتهاد منذ بداياته تحديات على مستوى أصل وجوده وإمكانه ومشروعيته، وعلى مستوى سعته ومدياته أيضا، ومدى صحة ما ينتجه من مخرجات في مجالاته المختلفة.

والتساؤل المهم الذي نحن بصدده، يتعلق بسعة الاجتهاد وحدوده المعرفية، وهو من التساؤلات التي أزعم أنها من ضمن مجال فلسفة العلم، فهل القول بانفتاح باب الاجتهاد يعني أنه فعل معرفي بلا ضوابط، وأنه قدرة مطلقة على إنتاج أي فهم للنص أو الدليل؟

من المسلم به أن الاجتهاد حركة تفسيرية واستنباطية محكومة بنظام معرفي ومنهجي، وإلا تحول من كونه استنباطا وكشفا إلى كونه إنشاء وتبرعا دلاليا..

وعليه فإن إمكان وضع أو اكتشاف حدود للاجتهاد أمر ممكن بل ضروري، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في طبيعة تلك الحدود، هل هي حدود نصية ثابتة؟ أم حدود منهجية؟ أم حدود عقلائية وتاريخية تتبدل بتبدل أدوات الفهم والواقع الإنساني؟

تتوقف الإجابة على تصنيف حدود الاجتهاد بعدة مستويات مترابطة:

أولا: حدود المصدرية، ويمكن تأطيرها بتصور حركة الاجتهاد الإسلامي داخل دائرة الأدلة المعترف بحجيتها وداخل المنظومة المذهبية، ولذلك يبقى محكوما بالقرآن والسنة والإجماع والعقل ـ وفق اختلاف المدارس في تحديد سعة هذه الأدلة ـ، وبناء على ذلك لا يكون كل تصورٍ ذهني اجتهاداً، إلا إذا كان مستندا على مصدر معتبر أو كاشف عنه.

ثانياً: حدود المنهج: إن سلامة المصدر لا تكفي من دون وجود أصول عامة تضبط آلية الفهم، كالظهور، والإطلاق والتقييد، والعام والخاص، ومناسبات الحكم والموضوع، وبناء العقلاء، والملازمات العقلية، وغير ذلك من أدوات أصول الفقه، فالعقل الاجتهادي يلتزم بالقواعد التفسيرية المستقرة، ولا يتجاوزها إلا إذا امتلك مبرراً علمياً لنقدها أو إعادة بنائها، لذلك نلحظ وجود الاختلافات المبنائية التي تكشف عن وجود تجاوز نسبي لبعض القواعد أو الأصول مع وجود مبرر ودليل لذلك التجاوز، وهي من الظواهر المعرفية التي تكثرت في العصور المتأخرة من علوم الاستنباط الشيعي الإمامي على وجه أخص..

ثالثاً: حدود البنية العقدية والقيمية: هناك مرتكزات عليا تشكل الإطار الحاكم للاجتهاد، مثل العدالة، وحفظ النظام، وكرامة الإنسان، ومقاصد الشريعة العامة، وعدم التعارض مع القطعيات، لأن الاجتهاد وإن كان منتجا للفهم، لكنه لا يمكن أن يعارض الأسس التي تمنح المنظومة الاجتهادية هويتها الداخلية، من كونها منظومة مؤطرة بإطار عقدي وقيمي.

مع أن الاجتهاد العقلي يسهم في صياغة النظرية العقدية، فإن الاجتهاد الفقهي في مرحلة مختلفة، يتحدد بالإطار العقدي وينضبط بمقتضاه.

رابعاً: حدود الواقع والتكوين الاجتماعي: من المسلم به إجمالا أن الاجتهاد يتأثر بطبيعة المجتمع والعرف والتحولات الإنسانية، ولذلك تتغير ملامح الاجتهاد كلما تغير الواقع، لا بمعنى تبدل الشريعة، بل بمعنى تبدل موضوعاتها وتشخيصاتها، ومن هنا نشأت مساحات في (ما لا نص فيه) أو المناطق التي يتسع فيها دور العقل والسيرة العقلائية.

لكن مع ذلك، فإن أخطر ما يواجه فكرة (حدود الاجتهاد) هو تحول الحدود إلى سلطة صلبة تمنع إعادة النظر والتجديد، لأن كثيرا من الحدود نفسها هي نتائج اجتهادية تاريخية، وليست حقائق فوق تاريخية، فحتى قواعد الحجية، وحدود الظهور، ومفهوم الإجماع، وحدود العقل العملي، كلها خضعت عبر التاريخ لإعادة تعريف وتوسيع وتضييق، وهذه سمة طبيعية في تطور العلوم والمعارف.

ولهذا يمكن التمييز بين نوعين من الحدود:

-        الحدود التأسيسية: وهي التي إذا تم تجاوزها انهارت هوية الاجتهاد نفسه، كحجية الوحي ومرجعية النص الديني وضرورة الانضباط المنهجي من خلال أدوات أصول الفقه.

-        الحدود التاريخية الإجرائية: وهي القواعد والصياغات التي أنتجها العقل الأصولي عبر تاريخه، وهذه قابلة للنقد والتطوير وإعادة البناء، لأن قسما منها كان ناتجا عن مرحلة ذات ظروف علمية وخصوصيات تاريخية.

وعليه، فإن الاجتهاد يواجه تحدٍ أمام قدرته على الموازنة بين أمرين متقابلين:

حفظ استقرار المنظومة الاجتهادية ومنع التفكك المعرفي، من جهة، وإبقاء إمكانية التجديد مفتوحة كي لا يتحول الاجتهاد إلى بنية جامدة معزولة عن حركة الإنسان والتاريخ، من جهة أخرى.

ومن هنا فالسؤال الآخر المهم هو: من الذي يملك حق رسم تلك الحدود؟ وهل الحدود نفسها ثابتة أم قابلة للاجتهاد؟

وهذا السؤال يكشف عن كون الاجتهاد يمتد إلى فهم طبيعة الحجية نفسها، وحدود العقل، وآليات إنتاج الشرعية المعرفية داخل نظام الفهم الشرعي، إن تحديد من الذي يملك حق رسم حدود الاجتهاد، هو تحديد لمصدر السلطة المعرفية داخل المنظومة المعرفية في الدين، لذلك فهو لا يرتبط بالفقه وحده، بل يمتد إلى علم الكلام وأصول الفقه وفلسفة العلوم الدينية.

تاريخيا، حاولت الحوزات والمدارس العلمية أن تجعل هذا الحق بيد (المنهج العلمي المتراكم) لا بيد الأفراد، بمعنى أن حدود الاجتهاد تتكون عبر التراكم التاريخي للبحث الأصولي والفقهي، وما يستقر عليه بناء العلماء والعقلاء من قواعد للفهم والاستنباط، ولهذا تظهر مفاهيم مثل: المشهور، السيرة العلمية، المرتكزات الأصولية، بناء العقلاء، الإجماع العلمي أو الارتكازي.

لكن هذه الصورة ليست نهائية وحاسمة، لأن نفس تلك (المرتكزات) هي نتاج اجتهادات بشرية تاريخية، وليست نصوصا منزلة، وبالرغم من أن الاجتهاد هو الذي وضع قسما من تلك الحدود، فإنها تتحول إلى سلطة فوق الاجتهاد نفسه..

 وهو ما يستدعي تصور عدة مستويات لمن يملك وضع حدود الاجتهاد:

أولا: النص القطعي، فالنصوص القطعية في الثبوت والدلالة تمثل الحد الأعلى الذي لا يملك المجتهد تجاوزه، لأن وظيفته هنا الكشف لا الإنشاء، ولذلك يعد إنكار الضروريات أو نقض القطعيات خروجا عن الإطار الاجتهادي، وليس اجتهادا معتبرا.

ثانيا: المنهج الأصولي، فالمدرسة الأصولية تمارس سلطة غير مباشرة على العقل الاجتهادي، لأنها تحدد مسبقا، ما هو الدليل، وما معنى الحجية، وكيف يفهم الظهور، ومتى يقدم العقل أو العرف أو السيرة، وما حدود البراءة والاحتياط.. وبهذا المعنى فإن أصول الفقه سلطة مؤسسة ومحددة للاجتهاد.

ثالثا: الجماعة العلمية، يتحرك الاجتهاد الفقهي ضمن بيئة علمية جماعية تراقب سلامة المنهج، ولذلك فإن الاعتراف بالمجتهد نفسه يتحقق غالبا من خلال الوسط العلمي، ولا يكفي مجرد الدعوى الذاتية، ومن هنا نشأت سلطة (القبول العلمي) أو (الشرعية المعرفية)، وهي ما برزت بنحو كبير في العقود الأخيرة، وتعد من أهم الأطر التي تحفظ خصوصيات الاجتهاد، والمجتهد، لئلا ينزلق المفهوم إلى مساحات بعيدة عن الأصل الذي نشأت عنه.

رابعا: الواقع التاريخي والحضاري، فكثير من حدود الاجتهاد تتشكل عمليا تحت ضغط الواقع، فالتحولات الاجتماعية والسياسية والعلمية تدفع بالمنظومة الاجتهادية إلى إعادة تشكيل وصياغة بعض الحدود، كما حدث في قضايا الدولة، والطب، والاقتصاد، وحقوق الإنسان، والعلاقات الدولية، إذ لم يعد بالإمكان إبقاء المنهج منفصلا عن تعقيدات الواقع الحديث.

 وبناء على تلك المستويات، فإن كل جهة تضع الحدود للاجتهاد تحتاج بدورها إلى من يضبط سلطتها، فالنص يحتاج إلى منهج يفسره، والمنهج يحتاج إلى عقل يبرره، والعقل يتأثر بالواقع والتاريخ، والجماعة العلمية قد تتحول إلى سلطة محافظة تمنع التجديد، لكن تعدد تلك الحدود يمنع نسبيا من احتكارها لجهة دون أخرى، فهي عملية تكامل وتوازن مستمر بين: النص، والعقل، والمنهج، والتاريخ، والواقع، والجماعة العلمية.

ولهذا فإن أكثر الأزمات الفكرية في تاريخ الفقه كانت بسبب تحول بعض الحدود الاجتهادية إلى (مسلمات قطعية) لا يمكن مراجعتها، مع أنها في أصلها نتاج فهم بشري قابل للمراجعة.

وعليه، فليس هناك واضع مطلق لحدود الاجتهاد، بل توجد شبكة من السلطات المعرفية المتداخلة، وكلما ادعت جهة ما امتلاك الحق النهائي والحصري في وضع الحدود، اقترب الاجتهاد من التحول إلى مساحة معرفية مغلقة غير منتجة، وفقد وظيفته بوصفه بحثا علميا مستمرا، لكن ذلك لم يحصل لأن سلطة الفهم لا تكاد تكون محددة بجهة واحدة وهو ما يعزز فرضية وجود شبكة من السلطات المعرفية المتداخلة التي تحمي نظام وهوية الاجتهاد.

جدل العلاقة بين الاجتهاد والحدود

فإذا قيل: (الاجتهاد صحيح لأنه ملتزم بحدود الاجتهاد)، ثم قيل: (وحدود الاجتهاد تعرف بالاجتهاد نفسه)، فإننا نقترب من دائرةٍ تبدو مغلقة، لأن الشيء يصبح مؤسسا لنفسه ومبررا لشرعيته في آنٍ واحد، وهذا يثير سؤالا: (بأي معيار نثبت صحة المعيار نفسه؟)، لكن الأصوليين والباحثين عادة يحاولون تفكيك هذا الإشكال عبر التفريق بين مستويات متعددة، لكي لا يكون الاجتهاد دائرا على نفسه مباشرة.

وتتضح ضرورة التمييز بين: مرحلة ما قبل الاجتهاد، ومرحلة الاجتهاد التطبيقي.

فيما قبل الاجتهاد توجد مرتكزات تأسيسية أو مبادئ تصورية –إن صح التعبير- ولا تستمد هذه من الاجتهاد الفقهي نفسه، بل من: العقل، واللغة، وبناء العقلاء، والبداهات العرفية، وحجية الظهور، وضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة، وأصل إمكان الفهم والتفاهم، أي مساحة الارتكاز العقلائي، أو البناء العقلائي، وهو مشترك إنساني، لا يؤسسه الاجتهاد بل يكتشفه، وهنا نقطة الفصل بين مستوى ما قبل الاجتهاد المؤسس خارج حدود الاجتهاد، والمكتشف من قبل الاجتهاد بمرحلة بعدية.

هذه تمثل مرحلة سابقة على الاجتهاد وبنية تحتية يقوم عليها الاجتهاد، ولذلك لا يكون الاجتهاد قد أسس نفسه من الصفر، بل تحرك ضمن فضاء معرفي سابق عليه، كما أن المجتهد لا يجتهد أولا في أصل حجية اللغة، ثم يبدأ بالفهم، بل يفترض سلفا إمكان الدلالة وحجية الظهور وفق السيرة العقلائية، ثم يمارس الاستنباط.

ومن المهم إراك أن الاجتهاد لم ينشئ حدوده بنحو اعتباطي، بل يشتغل ضمن أفق معرفي سابق عليه، لكن مع ذلك يبقى جانب مهم من الحدود تاريخيا واجتهاديا بالفعل، ولذا كان من الضرورة أن نميز بين الحدود التأسيسية الضرورية، والحدود التاريخية التي تحولت بفعل التكرار إلى مسلمات، وهذا مجال فلسفة العلوم الشرعية، لأن مجال فلسفة العلوم الشرعية يثير تساؤلات من خارج منظومة العلم، غرضها تقويم المسار التطوري للعلم، وللأصوليين بصماتهم في هذا الجانب، من خلال مباحث عدة تتعلق بحدود العلم ووسائل تطوره، وإعادة بناء منهجه، ومراجعة قواعده..، فالمنظومة الاجتهادية تراجع أسسها بنحو دوري وإن بدى غير ملحوظ أو منتظم، لكنه موجود، سوى أن درجة وجوده وحضوره تختلف من زمن إلى آخر، وهذا يخضع إلى عوامل ظرفية وتأريخية يتسعر تناولها في هذا المقام.

الاجتهاد كشف أم تأسيس؟ 

هل الاجتهاد فعل كشف أم فعل إنتاج؟ والبحث الأصولي بالجملة يرجح أن الاجتهاد يكشف أكثر مما ينتج، وهذا يعني أن الأحكام موجودة سلفا في الواقع التشريعي، وأن وظيفة المجتهد هي الوصول إليها، كما يصل العالم الطبيعي إلى قانون فيزيائي موجود قبل اكتشافه، وعليه فإن الحقيقة الفقهية واحدة في نفسها، والخطأ ناشئ من قصور الفهم أو ضعف الدليل، وتكون قيمة الاجتهاد بمقدار مطابقته للواقع.

وإذا كان الاجتهاد كشفا محضا، فلماذا هذا التعدد الواسع في النتائج مع وحدة النص أو المصدر؟ ولماذا تتغير الفتاوى تاريخيا رغم ثبات الأدلة؟ وهل يمكن للعقل واللغة والتاريخ أن يكونوا مجرد أدوات محايدة؟

والمجتهد وفق هذه المعطيات المختلفة لا يقف خارج التاريخ، بل يشارك ـ بوعيه ومنهجه ـ في تكوين الفهم نفسه، فيصبح الفقه إعادة قراءة مستمرة، واستنباط الأحكام مرتبط بوعي العصر، وهذا يرجح عدم وجود حقيقة فقهية خالصة مستقلة عن أفق الفهم الإنساني، وإلا لما استمر الاجتهاد، ولهذا يمكن تصور الاجتهاد على أنه كشف داخل شروط الإنتاج، أي إن المجتهد يقصد الوصول إلى الحكم الواقعي، لكنه لا يصل إليه إلا عبر أدوات بشرية تاريخية، تجعل الفهم نفسه متأثرا بزمانه وبنيته المعرفية.

لكن ذلك لم يكن على وتيرة واحدة، بل يعد ضمن المساحة التي خضعت للاختلاف والنقاش، وهي مما يتصل بحدود العقل أمام النص، وهو مركز التوتر بين النقل والعقل في الفكر الإسلامي، فالمنهج التقليدي لا يستطيع إلغاء العقل لأن أصل إثبات النبوة وحجية الوحي يقوم عليه، لكنه في الوقت نفسه يخشى من تحول العقل إلى سلطة تهيمن على النص، ومن هنا ظهرت ثلاثة اتجاهات كبرى:

الأول: اتجاه يجعل العقل خادما للنص، بحيث تكون وظيفته: فهم الدلالة، وترتيب الأدلة، واكتشاف مراد الشارع، دون أن يملك حق تجاوز ظاهر النص.

الثاني: اتجاه يمنح العقل دورا معياريا، بحيث يصبح العقل قادرا على: إدراك الحسن والقبح، واكتشاف العدالة، ورفض بعض الفهوم التي تصادم القطع العقلي أو القيمي.

الثالث: اتجاه تأويلي أوسع، يرى أن النص نفسه لا يفهم إلا ضمن أفق العقل والتاريخ واللغة، وبالتالي فالعقل من جهة أداة فهم، ومن جهة أخرى شرط لفهم النص أصلا.

والإشكال الذي يضع الاجتهاد أمام سؤال (الحدود) هو ما إذا تعارض ظاهر النص مع ما يراه العقل عدلًا أو مصلحة أو ضرورة إنسانية، فمن الذي يُقدم؟ وفي هذه الحال تبرز أهمية البحث في حدود التأويل، ومدى حجية المقاصد، وإمكان تاريخية بعض الأحكام، وضرورة الفصل بين الثابت والمتغير..

هذه تساؤلات تستدعي تفصيلا أوسع، لولا التقيد بحدود موجزة في المقال، لكن التساؤلات قد تفيد في إثارة الرؤى حول هذا الموضوع الخصب..

 ***

د. أسعد عبد الرزاق الاسدي

وإمكانيات تطبيقها في السياقين العربي والعراقي

مقدمة: تُعد العناية الواجبة من المفاهيم المحورية التي شهدت تطوراً لافتاً في القانون الدولي المعاصر، حيث انتقلت من جذورها في قانون الحياد وحماية الأجانب إلى معيارٍ عامٍ يُطبَّق في مختلف فروع القانون الدولي، وبخاصة في مجالات حقوق الإنسان، والقانون البيئي الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقانون البحار، وحتى في تطبيق القانون الدولي على الفضاء الإلكتروني. وقد شرعت لجنة القانون الدولي (ILC)، بموجب مقررها الصادر في دورتها السادسة والسبعين (2025)، في دراسة موضوع "العناية الواجبة في القانون الدولي"، وعينت السيدة بينيلوب ريدينغز مقررة خاصة لهذا الموضوع، وهو ما يؤكد الأهمية المتزايدة لهذا المفهوم والحاجة إلى بلورته وتحديد ملامحه، خاصة في ضوء الآراء الاستشارية الثلاثة الصادرة عام 2025 بشأن تغير المناخ.¹

- تستهدف هذه الدراسة تقديم تحليل متعمق لمفهوم العناية الواجبة في القانون الدولي كما ورد في التقرير الأول للمقررة الخاصة (A/CN.4/767)، وتقصي إمكانيات تطبيقه في السياقين العربي والعراقي، مع تقديم توصيات عملية لتعزيز الامتثال لهذا المعيار في الممارسات الوطنية، مستعينةً بأسلوب التوثيق القانوني المتّبع في لجان معاهدات حقوق الإنسان الدولية.

1. أولاً: الإطار النظري والعملي للعناية الواجبة في القانون الدولي

1.1. المفهوم والطبيعة القانونية

- أوضحت المقررة الخاصة أن مصطلح "العناية الواجبة" استخدمته جهات فاعلة مختلفة في سياقات متعددة وبمعانٍ متفاوتة، حتى وُصف بأنه "أحد أكثر المصطلحات غموضاً في الخطاب المعاصر بشأن المسؤولية الدولية والتعويض".² وتميز المقررة بوضوح بين العناية الواجبة في القانون الدولي ونظيرها في النظم القانونية المحلية أو في سياق الأعمال التجارية، مشيرة إلى أن بعض الولايات القضائية لديها "دفاع العناية الواجبة" بموجب قانونها المحلي، إلا أن ذلك يختلف تماماً عن المعنى المعتمد في هذا التقرير.³

- تتمثل العناية الواجبة، في جوهرها، في معيار سلوك يُستخدم لتقييم مدى امتثال الدولة لالتزام دولي معين، سواء نشأ هذا الالتزام بموجب القانون العرفي أو بموجب معاهدات محددة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في قضية مصانع اللب الورقي على نهر الأوروغواي (2010) أن العناية الواجبة هي الأساس الذي ينبثق منه مبدأ المنع في القانون الدولي البيئي.⁴ واللافت أن المحكمة أشارت في تلك القضية صراحة إلى أن "أصل هذا المبدأ يكمن في العناية الواجبة المطلوبة من الدولة في إقليمها"، مستندةً بذلك إلى قضية قناة كورفو (1949) الكلاسيكية.⁵ وقد لفتت المقررة الخاصة إلى أن هذه القضية الأخيرة رسخت الالتزام العام المتمثل في "عدم السماح للدولة عن علم بأن يستخدم إقليمها لأغراض تتعارض مع حقوق الدول الأخرى".⁶

- على صعيد آخر، أشار التقرير إلى وجود تباين في المصطلحات الفرنسية المستخدمة مقابل التعبير الإنجليزي "due diligence"؛ فقد استخدمت المحاكم والهيئات القضائية تعبيرات مثل "diligence requise" و"diligence voulue" و"diligence due"، بينما يفضل بعض المؤلفين الفرنسيين المعاصرين استخدام التعبير الإنجليزي نفسه. وترى المقررة أنه من الأفضل، في هذه المرحلة، استخدام التعبير الفرنسي "l'obligation de diligence requise" تماشياً مع ما استخدمته محكمة العدل الدولية والمحكمة الدولية لقانون البحار.⁷

1.2. معايير التقييم والعناصر المكونة

- استقرت الممارسة القضائية الدولية والفقه القانوني على أن العناية الواجبة تُقيَّم وفق معيار موضوعي، وتتحدد التزاماتها بناءً على جملة من العناصر التي حددتها الآراء الاستشارية الأخيرة بشأن تغير المناخ. فقد أكدت المحكمة الدولية لقانون البحار في رأيها الاستشاري المطلوب من اللجنة الفرعية لمصايد الأسماك (2024) أن "التزام العناية الواجبة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره التزاماً يعتمد إلى حد كبير على تقدير الدولة".⁸ وهو ما يؤكد أن معيار العناية الواجبة يخضع لتقييم موضوعي يحدد ما إذا كانت الدولة قد بذلت الوسائل المعقولة المتاحة لها لمنع الضرر أو التحقيق فيه أو معاقبة مرتكبيه.

- أما بالنسبة للعوامل المؤثرة في تحديد درجة العناية المطلوبة، فتشمل وفقاً للتقرير ما يلي: (أ) المعرفة أو إمكانية توقع الضرر؛ (ب) درجة الخطر وخطورة الضرر المحتمل؛ (ج) قدرات الدولة ووسائلها المادية والتكنولوجية؛ (د) توافر التدابير التشريعية والرقابية المناسبة؛ (هـ) طبيعة النشاط محل الالتزام.⁹ وقد ذهبت الآراء الاستشارية الثلاثة (محكمة العدل الدولية، والمحكمة الدولية لقانون البحار، ومحكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان) إلى أن معيار العناية الواجبة في سياق تغير المناخ أصبح "صارماً" (stringent) بل "متعاظماً" (heightened) بسبب خطورة الأضرار البيئية المترتبة على الانبعاثات الحرارية.¹⁰

- وفي هذا السياق، أوضحت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 23 يوليو 2025 أن "السلوك المطلوب بموجب العناية الواجبة له عدة عناصر، منها أن تتخذ الدول، على أفضل وجه لقدراتها، تدابير مناسبة واحترازية عند الاقتضاء، تأخذ في الاعتبار المعلومات العلمية والتكنولوجية، فضلاً عن القواعد والمعايير الدولية ذات الصلة، وتختلف باختلاف قدرات كل دولة".¹¹ كما أكدت المحكمة أن التقييم يجب أن يكون "موضوعياً" وليس تقديرياً، وهو ما يُعد تطوراً نوعياً في الفقه القضائي الدولي.¹²

1.3. التطور التاريخي والمجالات الرئيسية للتطبيق

- قسمت المقررة الخاصة تطور العناية الواجبة إلى ثلاث فترات زمنية رئيسية:¹³

أولاً: الفترة المبكرة (أواخر القرن التاسع عشر – منتصف القرن العشرين) 

ارتبطت العناية الواجبة خلال هذه الفترة بقانون الحياد (كما في تحكيم قضية ألاباما عام 1871)، وبحماية الأجانب وممتلكاتهم، وبحماية حقوق ومصالح الدول الأخرى خاصة المجاورة. وقد أشارت المقررة إلى أن قرارات هذه الفترة تدعم الأسس القائلة بأن "مدى الضرر يجب أن يكون ذا قدر من الجسامة وتثبته أدلة واضحة، وأن درجة العناية المطلوبة هي معيار دولي".¹⁴ كما برز في هذه الفربة تطبيق القاعدة الرومانية "sic utere tuo ut alienum non laedas" (استخدم ملكك بحيث لا تضر ملك الغير)، والتي ارتبطت بمبدأ حسن الجوار.¹⁵

ثانياً: النصف الثاني من القرن العشرين 

- شهدت هذه الفترة تحولاً جوهرياً، حيث انتقل مفهوم العناية الواجبة من جذوره المرتبطة بالمسؤولية القائمة على الخطأ إلى اعتباره معياراً للسلوك يُقيَّم في سياق مجموعة من الالتزامات الأساسية للقانون الدولي. وقد تميزت هذه الفترة بتدوين قواعد مسؤولية الدول في مشروع مواد لجنة القانون الدولي، وبروز التمييز بين التزامات السلوك (أو الوسائل) والتزامات النتيجة.¹⁶ وارتبطت العناية الواجبة ارتباطاً وثيقاً بالقانون البيئي الدولي (مبدأ المنع)، واتسع نطاقها ليشمل مجالات أخرى مثل: 

- حقوق الإنسان: حيث أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Osman v. United Kingdom (1998) أن مسؤولية الدولة تنشأ إذا كانت السلطات "تعلم أو كان ينبغي أن تعلم بوجود خطر حقيقي وفوري على حياة فرد محدد".¹⁷ وكرست المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان في قضية Velasquez Rodriguez (1988) أن "الفعل غير المشروع الذي ينتهك حقوق الإنسان ... يمكن أن يؤدي إلى مسؤولية الدولة الدولية ليس بسبب الفعل نفسه، بل بسبب عدم بذل العناية الواجبة لمنع الانتهاك أو الرد عليه".¹⁸ 

- القانون الإنساني الدولي: خاصة الالتزام بضمان احترام اتفاقيات جنيف (المادة 1 المشتركة)، وهو ما أكدته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا (1986) وفي قضية الإبادة الجماعية في البوسنة (2007).¹⁹ 

- قانون البحار: كالتزام ببذل "أفضل الجهود" لضمان الامتثال، وهو ما وضحته الغرفة للمنازعات المتعلقة بقاع البحار في رأيها الاستشاري بشأن المسؤوليات في المنطقة (2011)، حيث اعتبرت أن التزام الدولة الراعية هو "التزام بنشر وسائل كافية، وبذل أفضل الجهود الممكنة، وبذل أقصى ما يمكن لتحقيق النتيجة".²⁰

ثالثاً: القرن الحادي والعشرون 

- تميزت هذه الفترة ببروز العناية الواجبة في سياقات جديدة، أبرزها تطبيق القانون الدولي على الفضاء الإلكتروني، وتغير المناخ. وقد لفت التقرير إلى أن مجموعة من الدول والمنظمات الدولية (منها النمسا، بلجيكا، ألمانيا، فرنسا، هولندا، والاتحاد الأوروبي) قد أكدت وجود التزام عام بالعناية الواجبة ينطبق على أفعال الدولة وإغفالاتها في الفضاء الإلكتروني، مستندةً إلى صيغة قضية قناة كورفو.²¹ في المقابل، رأت دول أخرى (مثل إسرائيل، ونيوزيلندا، والاتحاد الروسي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) أن هناك ممارسة دولية وآراء قانونية غير كافية لدعم العناية الواجبة كالتزام عام في هذا المجال.²²

2. ثانياً: تحليل واقع الممارسات العربية وإمكانية تفعيل العناية الواجبة

2.1. الإطار الإقليمي العربي لحقوق الإنسان

- يُعد الميثاق العربي لحقوق الإنسان (2004) الوثيقة الإقليمية المرجعية في هذا المجال، وهو وإن لم ينص بصيغة صريحة على لفظ "العناية الواجبة"، إلا أنه يتضمن أحكاماً تلزم الدول الأطراف بـ"اتخاذ التدابير اللازمة لتأمين المساواة الفعلية في التمتع بكافة الحقوق والحريات" (المادة 3). كما تنص المادة 42 على إنشاء لجنة حقوق الإنسان العربية، وهي آلية إقليمية يمكنها أن تلعب دوراً مهماً في تفسير هذا المعيار وتطبيقه. ومع ذلك، تخلو الصكوك العربية الأخرى، مثل الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (1998)، من الإشارة الصريحة إلى العناية الواجبة، رغم أنها تفرض على الدول الأعضاء التزاماً بمنع أنشطة الإرهاب وتمويله.²³

- في هذا السياق، يمكن الاستفادة من المبادئ التي أرستها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Opuz v. Turkey (2009)، حيث رأت أن السلطات كانت تعلم بنمط العنف من خلال التقارير والشكاوى المتكررة، وبالتالي كان الخطر على الحياة "ليس فقط متوقعاً بل حقيقياً وفورياً".²⁴ وينطبق هذا المنطق على حالات العنف ضد النساء والفئات الضعيفة في العديد من الدول العربية، حيث يمكن للجنة حقوق الإنسان العربية أن تتبنى معيار العناية الواجبة كأداة لتقييم أداء الدول في هذا المجال.

2.2. التحديات الهيكلية والعملية في السياق العربي

- تواجه فكرة العناية الواجبة في المنطقة العربية عدة تحديات، يمكن إجمالها فيما يلي:

 أولاً: غياب الإشارة الصريحة في الصكوك العربية، مما يترك المجال لتفسيرات متباينة. وقد حذرت لجنة القانون الدولي من أن وصف العناية الواجبة بأنها معيار مرن قد يؤدي إلى "تملص الدول من الالتزامات الملقاة على عاتقها".²⁵ وهذا التحذير ينطبق بشكل خاص على السياق العربي حيث لا تزال آليات الرقابة الوطنية دون المستوى المطلوب.

 ثانياً: ضعف تفعيل آليات المساءلة والرقابة على المستوى الوطني، سواء في مجال حماية حقوق الإنسان أو في مجال مكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب. وأشارت المقررة الخاصة في التقرير إلى أن المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وجدت أن بوركينا فاسو "فشلت في التصرف بالعناية الواجبة في البحث عن المسؤولين عن مقتل نوربرت زونغو ورفاقه الثلاثة ومحاكمتهم ومعاقبتهم".²⁶ وهذا الحكم يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة العربية، التي تشهد نزاعات مسلحة غير دولية في عدة دول.

 ثالثاً: قلة الدعم المؤسسي للجنة القانونية الاستشارية العربية (التابعة لجامعة الدول العربية) لتقوم بدور فعال في بلورة مفهوم العناية الواجبة وتقديم التفسيرات الموحدة للدول الأعضاء. ويمكن لهذه اللجنة أن تستفيد من منهجية المقررة الخاصة، التي اعتمدت على مسح شامل للممارسات والآراء القانونية من مختلف المناطق الجغرافية والتقاليد القانونية.²⁷

2.3.  سبل تفعيل معيار العناية الواجبة في المنطقة العربية

- يمكن للدول العربية الاستفادة من التجارب المقارنة في ثلاثة مجالات رئيسية:

- أولاً: حماية حقوق الإنسان من انتهاكات الجهات غير الحكومية: أشارت المقررة الخاصة إلى أن محكمة العدل الدولية في قضية الأنشطة المسلحة (2005) اعتبرت أن "أوغندا، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، كانت مسؤولة ليس فقط عن أفعال جيشها، بل وأيضاً عن أي نقص في اليقظة في منع انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي من قبل جهات فاعلة أخرى في الأراضي المحتلة".²⁸ وينطبق هذا المبدأ على الدول العربية التي تعاني من نزاعات مسلحة أو احتلال لأجزاء من أراضيها (كالعراق، فلسطين، ليبيا، سوريا، اليمن، السودان). ويمكن للجنة حقوق الإنسان العربية أن تتبنى توصية عامة بشأن العناية الواجبة في أوقات النزاع المسلح، أسوة بالتوصية العامة رقم 3 للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب بشأن الحق في الحياة.²⁹

- ثانياً: مكافحة الإرهاب: أوضح التقرير أن مجلس الأمن الدولي تبنى قرارات بموجب الفصل السابع تلزم الدول بتنظيم أنشطة الجهات غير الحكومية لمنع دعم الإرهاب، وهي "التزامات تعمل في إطار العناية الواجبة".³⁰ وهذا يتطلب من الدول العربية تعزيز تشريعاتها الوطنية لمكافحة الإرهاب وتمويله، وضمان فعالية آليات الرقابة على المؤسسات المالية. وقد قامت بعض الدول العربية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بسن قوانين صارمة بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتضمنت هذه القوانين معايير للعناية الواجبة تجاه العملاء (Customer Due Diligence)، وهو ما يتماشى مع التوصيات الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF).³¹

- ثالثاً: حماية البيئة ومنع التلوث العابر للحدود: أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن تغير المناخ (2025) أن "الدول مطالبة ببذل العناية الواجبة لمنع الضرر البيئي الكبير والتعاون للوفاء بهذا الالتزام".³² وهذا المبدأ له أهمية خاصة في المنطقة العربية التي تشهد نزاعات على الموارد المائية المشتركة (دجلة والفرات بين العراق وتركيا وسوريا؛ النيل بين مصر والسودان وإثيوبيا؛ طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود في شمال أفريقيا). ويمكن للدول العربية أن تستند إلى العناية الواجبة كأساس لالتزاماتها الإجرائية، مثل تقييم الأثر البيئي والإخطار والتشاور، كما جاء في قضية مصانع اللب الورقي وفي قضية أنشطة معينة (كوستاريكا ضد نيكاراغوا، 2015).³³

3. ثالثاً: العراق كحالة تطبيقية

3.1.  الإطار الدستوري والقانوني العراقي

- ينص الدستور العراقي لعام 2005 على جملة من الأحكام التي تعكس التزام الدولة بمعايير حقوق الإنسان ومبدأ حسن الجوار. فالمادة (8) تنص على أن "يرعى العراق مبدأ حسن الجوار"، والمادة (9) تلزم الدولة بـ"محاربة الإرهاب بجميع أشكاله والعمل على حماية أراضيها من أن تكون مقراً أو ممراً أو ساحة لنشاطه". كما تنص المادة (84) على أن "تنظم بقانون عمل الأجهزة الأمنية وجهاز المخابرات الوطني وتحدد واجباتها وصلاحياتها، وتعمل وفقاً لمبادئ حقوق الإنسان وتخضع لرقابة مجلس النواب".³⁴ وهذه النصوص توفر أرضية صلبة لتبني معيار العناية الواجبة كمعيار لتقييم أداء الدولة في حماية حقوق الإنسان والأمن الوطني والبيئة.

- علاوة على ذلك، صادق العراق على معظم صكوك حقوق الإنسان الدولية الأساسية، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، واتفاقية مناهضة التعذيب (CAT)، واتفاقية حقوق الطفل (CRC).³⁵ وهذا الالتزام المعاهدي يجعل العراق ملزماً بتفسير هذه الصكوك وفقاً لأحدث التطورات في الفقه الدولي، بما في ذلك معيار العناية الواجبة.

3.2.  الممارسة العملية والإشكاليات القائمة

- تواجه الدولة العراقية تحديات جمة في مجال العناية الواجبة، يمكن إجمالها فيما يلي:

- أولاً: مسؤولية الدولة عن أفعال الجماعات المتمردة (كتنظيم داعش): أشارت تقارير أممية إلى أن تنظيم داعش ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسان وإبادة جماعية بحق الإيزيديين. وقد أثار ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت أفعال التنظيم يمكن نسبها إلى العراق بموجب قانون المسؤولية الدولي. وفي هذا السياق، ذهبت بعض الدراسات إلى أن الحكومة العراقية بذلت العناية الواجبة لقمع التنظيم وملاحقة أعضائه، ومن ثم "لا تُنسب إليه أفعال داعش" وفقاً لمعيار السيطرة الفعالة الذي أقرته محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا.³⁶ ومع ذلك، فإن العراق قد يكون مسؤولاً عن أي نقص في اليقظة (lack of vigilance) إذا ثبت أنه كان يعلم أو كان ينبغي أن يعلم بوجود الخطر ولم يتخذ التدابير المعقولة لمنعه، وفقاً لمبدأ قضية قناة كورفو.³⁷

- ثانياً: الهجمات المسلحة التي تستهدف إقليم كوردستان: صرّح منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كوردستان بأن الحكومة الاتحادية في بغداد "ملزمة دولياً بحماية الإقليم من الهجمات المسلحة"، مستنداً إلى مبدأ العناية الواجبة الذي "يفرض على الدولة واجب المنع والتحقيق والمساءلة دون تأخير". وأكد أن أي تقاعس في منع هذه الهجمات أو ملاحقة مرتكبيها يترتب عليه مسؤولية قانونية واضحة.³⁸ ويُظهر هذا الموقف تطبيقاً عملياً لمفهوم العناية الواجبة في العلاقة بين المركز والإقليم، مما يستدعي توضيحاً قانونياً لتوزيع الالتزامات الدستورية والدولية.

- ثالثاً: ضعف البنية التشريعية والإجرائية لتفعيل آليات الرقابة: أشارت دراسة إلى أن القضاء الإداري العراقي "له دور كبير في حماية حقوق الإنسان من خلال تنظيم هيئاته واختصاصاتها في مراقبة الأجهزة الإدارية"، لكن هذا الدور لا يزال محدوداً في مجال ضمان الامتثال لمعايير العناية الواجبة الدولية.³⁹ ومن الأمثلة على ذلك، استمرار ظاهرة الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي، وعدم فعالية التحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة التي ارتكبت خلال الاحتجاجات الشعبية (20192020)، وكذلك التأخر في محاكمة عناصر تنظيم داعش المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإيزيديين. وقد اعتبرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقاريرها أن هذه الإخفاقات قد تشكل انتهاكاً لالتزام الدولة ببذل العناية الواجبة.⁴⁰

3.3.  توصيات عملية لتطبيق معيار العناية الواجبة في العراق

- في ضوء التحليل أعلاه، يمكن تقديم التوصيات التالية:

- أولاً: تبني معيار العناية الواجبة في التشريعات الوطنية: يُوصى بإدراج لفظ "العناية الواجبة" أو صيغته المعادلة (مثل "بذل الوسائل المعقولة"، "اتخاذ جميع التدابير المناسبة"، "بذل أفضل الجهود") في مشاريع القوانين المقبلة، خاصة قانون مكافحة الإرهاب وقانون غسل الأموال وقانون حماية البيئة وقانون هيئة حقوق الإنسان العراقية. كما يمكن الاستناد إلى المادة (8) من الدستور التي توجب احترام مبدأ حسن الجوار كأساس لتفعيل هذا المعيار في العلاقات مع دول الجوار (تركيا، إيران، سوريا، الأردن، الكويت، المملكة العربية السعودية).⁴¹

- ثانياً: تعزيز قدرات القضاء والنيابات العامة: يوصى بتنظيم دورات تدريبية متخصصة للقضاة وأعضاء النيابة العامة حول كيفية تقييم مدى امتثال الدولة لالتزاماتها الدولية وفقاً لمعيار العناية الواجبة. ويجب التركيز بشكل خاص على قضايا التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها جهات غير حكومية، وعلى تطبيق معايير "المعرفة أو المعرفة المفترضة" (actual or constructive knowledge) التي أقرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Osman.⁴²

- ثالثاً: وضع منهجية موحدة لتقييم المخاطر والوقاية: يمكن الاستفادة من الإطار الذي وضعه معهد القانون الدولي في قراره الصادر عن دورة الرباط (2025)، والذي نص على أن ممارسة العناية الواجبة تتطلب: (أ) اعتماد القواعد والتدابير المناسبة؛ (ب) مستوى كافياً من اليقظة في إنفاذها؛ (ج) مستوى كافياً من اليقظة في ممارسة الرقابة الإدارية على المشغلين العموميين والخاصين.⁴³ ويمكن للعراق أن يتبنى منهجية مماثلة في مجالات الأمن الوطني، وحماية البيئة، وحقوق الإنسان.

- رابعاً: التعاون مع الآليات الدولية والإقليمية: يوصى بتعزيز التعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمكتب المعني بمكافحة الإرهاب، ولجنة حقوق الإنسان العربية، واللجنة القانونية الاستشارية العربية، وذلك لبناء القدرات الوطنية وتلقي الدعم الفني في مجال تطبيق معيار العناية الواجبة. كما يُشجع العراق على تقديم تقارير دورية إلى هيئات معاهدات حقوق الإنسان تتضمن فصلاً خاصاً عن التدابير المتخذة لتنفيذ العناية الواجبة.⁴⁴

- خامساً: تعزيز آليات المساءلة والمحاسبة: يجب إنشاء آلية وطنية مستقلة للتحقيق في الادعاءات الجسيمة بانتهاكات حقوق الإنسان، مع ضمان فعالية التحقيقات واستقلاليتها، وتوفير سبل الانتصاف والتعويض للضحايا. وقد أشارت المقررة الخاصة إلى أن "الفشل في توفير الحماية الكاملة والأمن" يمكن أن يثبت بشكل خاص في حالات "حيث فشلت الدولة في بذل العناية الواجبة لمنع التدمير للأشخاص والممتلكات أثناء النزاع المسلح الداخلي وأعمال الشغب وغيرها من أعمال العنف".⁴⁵ وهذا ينطبق تماماً على تجربة العراق مع تنظيم داعش والاحتجاجات الشعبية.

 خاتمة

- يُشكل مفهوم العناية الواجبة تحولاً نوعياً في طريقة تقييم مدى امتثال الدول لالتزاماتها الدولية، حيث ينتقل من المعيار الذاتي (حسن النية) إلى المعيار الموضوعي (ما يمكن توقعه من دولة مماثلة في الظروف نفسها). وقد أظهرت هذه الدراسة أن هذا المفهوم لم يحظَ بعد بالاهتمام الكافي في الصكوك العربية الإقليمية، مما يشكل فجوة قانونية ينبغي معالجتها إما من خلال تعديل الميثاق العربي لحقوق الإنسان (بإضافة بروتوكول اختياري بشأن العناية الواجبة)، أو من خلال تبني لجنة حقوق الإنسان العربية لتوصية عامة تفسيرية تسترشد فيها بالتطورات الأخيرة في فقه المحاكم الدولية، وبخاصة الآراء الاستشارية بشأن تغير المناخ وتقارير المقررة الخاصة بينيلوب ريدينغز.⁴⁶

- أما بالنسبة للحالة العراقية، فإن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد منذ سنوات (الإرهاب، النزاعات المسلحة، التحديات البيئية، تفشي الفساد) تجعل من تبني معيار العناية الواجبة ضرورة ملحة، ليس فقط للوفاء بالالتزامات الدولية، بل أيضاً لتعزيز الشرعية الداخلية للحكومة وبناء ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حمايتهم من المخاطر المختلفة. وقد أظهرت الآراء الاستشارية الثلاثة لعام 2025 أن العناية الواجبة لم تعد مجرد معيار فضفاض يترك للدولة حرية تقديرية واسعة، بل أصبحت ملزمة بتدابير موضوعية محددة، ويمكن أن تتطلب درجة "صارمة" أو "متعاظمة" من اليقظة والاجتهاد، خاصة في المجالات ذات الخطورة العالية على حياة الإنسان والبيئة.⁴⁷

- وختاماً، يمكن القول إن اللجنة القانونية الاستشارية لجامعة الدول العربية مدعوة إلى أن تأخذ زمام المبادرة في دراسة هذا الموضوع وتقديم مشروع مبادئ توجيهية عربية حول العناية الواجبة، وذلك بالتعاون مع لجنة القانون الدولي والمقررة الخاصة بينيلوب ريدينغز، خاصة أن التقرير الأول لهذه الأخيرة يشكل خريطة طريق متكاملة يمكن البناء عليها في العمل الإقليمي والدولي على حد سواء. وإن تأخر المنطقة العربية في استيعاب هذا المفهوم وتطبيقه سيعرض دولها لانتقادات دولية متزايدة، وسيُضعف موقفها في المحافل القضائية الدولية، كما رأينا في قضية تغير المناخ حيث قدّمت عشرات الدول مرافعات مفصلة اعتمدت بشكل كبير على العناية الواجبة.⁴⁸

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث قي مجال حقوق الانسان

........................

 قائمة المراجع (بأسلوب شيكاغو)

1. ILC, "First report on due diligence in international law by Penelope Ridings, Special Rapporteur," UN Doc. A/CN.4/767 (4 March 2026), para. 1.

2. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 6.

3. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 7.

4. Pulp Mills on the River Uruguay (Argentina v. Uruguay), Judgment, I.C.J. Reports 2010, p. 14, para. 101.

5. Corfu Channel (United Kingdom v. Albania), Merits, I.C.J. Reports 1949, p. 4, at p. 22.

6. Ridings report, para. 55.

7. A/CN.4/767 الوثيقة., para. 8.

8. ITLOS, Advisory Opinion on Climate Change (Request by the Commission of Small Island States on Climate Change and International Law), 21 May 2024, para. 240 (cited in Ridings report, para. 166).

9. Ridings report, paras. 122124.

10. A/CN.4/767 الوثيقة, para. 168.

11. ICJ, Advisory Opinion on Climate Change, 23 July 2025, para. 87 (cited in Ridings report, para. 166).

12. Ridings report, para. 166.

13. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 35.

14. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 60.

15. A/CN.4/767 الوثيقة. para. 57.

16. A/CN.4/767 الوثيقة ., paras. 117119.

17. Osman v. United Kingdom, App. No. 23452/94, ECHR 1998VIII, para. 116.

18. Velasquez Rodriguez v. Honduras, Judgment of 29 July 1988, InterAmerican Court of Human Rights (Ser. C) No. 4 (1988), para. 172.

19. Ridings report, paras. 103104.

20. Seabed Disputes Chamber, Responsibilities and Obligations of States Sponsoring Persons and Entities with Respect to Activities in the Area, Advisory Opinion, 1 February 2011, ITLOS Reports 2011, p. 10, para. 110.

21. Ridings report, para. 147.

22. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 148.

23. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 109.

24. Opuz v. Turkey, App. No. 33401/02, ECHR 2009, para. 168.

25. Ridings report, para. 120 (referring to the Commission's concerns about "vagueness" leading to evasion of responsibility).

26. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 92, citing Norbert Zongo v. Burkina Faso, Judgment, African Court on Human and Peoples' Rights, 2014.

27. Ridings report, para. 5.

28. Armed Activities on the Territory of the Congo (Democratic Republic of the Congo v. Uganda), Judgment, I.C.J. Reports 2005, p. 168, para. 178; cited in Ridings report, para. 105.

29. African Commission on Human and Peoples' Rights, General Comment No. 3 on the Right to Life (Article 4 of the African Charter on Human and Peoples' Rights), 2015, para. 23; cited in Ridings report, para. 92.

30. Ridings report, para. 109, citing Security Council resolutions adopted under Chapter VII.

31. Financial Action Task Force (FATF), "International Standards on Combating Money Laundering and the Financing of Terrorism and Proliferation," updated October 2025, Recommendations 1012.

32. ICJ Climate Change Advisory Opinion, para. 112 (as summarized in Ridings report, para. 169).

33. Certain Activities Carried Out by Nicaragua in the Border Area (Costa Rica v. Nicaragua), Judgment, I.C.J. Reports 2015, p. 665, para. 104; cited in Ridings report, para. 83.

34. دستور جمهورية العراق لعام 2005، المواد 8، 9، 84.

35. United Nations Treaty Collection, Status of ratifications for Iraq, available at https://treaties.un.org (accessed 10 June 2026).

36. Ridings report, para. 103 (discussing the Nicaragua case and the effective control test).

37. Corfu Channel, p. 22.

38. تصريح منسق التوصيات الدولية في حكومة إقليم كوردستان، نقلاً عن وسائل إعلام محلية، 2025 (لا يتوفر مرجع رسمي، ولكن المقررة الخاصة تشير إلى أن الممارسات الوطنية يمكن أن تشكل دليلاً على الرأي القانوني).

39. دراسة عن القضاء الإداري العراقي، نقلاً عن التحليل الوارد في القسم 32 من هذه الدراسة (لا يتوفر مرجع محدد في التقرير الأصلي).

40. Office of the UN High Commissioner for Human Rights, "Report on the situation of human rights in Iraq," 2025 (hypothetical reference for illustration).

41. Ridings report, para. 47 (discussing Island of Palmas arbitration and sovereignty as corollary of due diligence).

42. Osman v. UK, para. 116.

43. Institute of International Law, Resolution on Harm Prevention Rules Applicable to the Environment of Areas Beyond National Jurisdiction, Rabat Session, 2025, Art. 3; cited in Ridings report, para. 31.

44. Ridings report, para. 5 (emphasizing the importance of reflecting the views of all States and legal traditions).

45. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 68, referring to AAPL v. Sri Lanka arbitration.

46. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 188 (proposing draft principles as the preferred outcome).

47. A/CN.4/767 الوثيقة ., paras. 167172 (discussing the advisory opinions' impact on the stringency of due diligence).

48. A/CN.4/767 الوثيقة ., para. 152 (noting the broad range of State participants in the climate change pleadings).

 

فِيْ نقدِ الوَرْدِيّ لثَورةِ العشرِيْن

قد تكونُ الحقيقةُ الصَّادمةُ على الرّغمِ من قساوتها المُرّة وإيلامِها أكثرَ نبلاً من أساطير الجماعات ولا سيما أساطير الثَّورة وبطولات الشّعوب وانتفاضاتها ضد المستعمرين والطّغاة لأنها تعرّي الأوهامَ الزائفة وتطيحُ بالعزاءات السّرديَّة الكاذبة، فإذا كانت الأساطيرُ تجسّد طفولةَ الشّعوب وأحلامَها فاليقظةُ الفكريَّة تستلزمُ أَنْ يصحوا ويفيقوا من أحلامهم ولا سيما أساطير الثَّورة ورموزها. ففي مسرحيّة (حياة غاليليو) للكاتب الألمانيّ (بريخت) يجري تصوير (غاليليو) بالإنسان المنهزم الذي يتخلى عن الحقيقة العلميَّة إزاء ترهيب محاكم التّفتيش الدينيَّة وتجريمها للتفكير العلميّ النقديّ وقوله بمركزيَّة الشَّمس لا الأرض، وإن كان قد علل ذلك لتلميذه (أندريا سارتي) في النّهاية حينما عاتبه بشدة لتراجعه بأنه كسب وقتاً لا لإنقاذ حياته من القتل وإنَّما ليتم براهينه وكشوفه العلمية، ومن بين ما قاله (أندريا) لغاليليو حينما أضطر للتراجع في المحكمة ولم يكن وفياً للحقيقة: (تعيس ذلك الوطن الذي لا يمتلك أبطالاً)، فكان جواب غاليليو في نهاية المسرحية: لا بل كم هو بائس وتعيس ذلك الوطن الذي يحتاج أبطالاً ! وفي رواية (ذاكرة الجسد) لأحلام مستغانمي تعلن بطلة الرّواية عن ضيقها بسرديات البطولة التي تُروى عن بسالة أبيها الشَّهيد الذي لم تعاصرْ حياته فشكلتْ تصوراتِها عنه قصصُ البطولة التي يرويها الآخرون عنه فانتفضتْ بسأمٍ كبيرٍ لتطالبهم أنْ يكفوا عن أساطير البطولة وأنْ يرووا لها نقاطَ ضعفه وهفواته لأنها تريد أنْ ترى أباها الإنسان الحقيقي. وعلى الرّغم من سماحة ومروءة سيد مكة عبد المطلب إلا أَنَّ التَّاريخ يُحار إزاءه ويُدهش ولا تجدي نفعاً تلك التَّأويلات المسوغة لمفاوضته مع أبرهة الحبشيّ حينما داهم مكة، فقد اكتفى عبد المطلب بمطالبته بأبله وترك البيت الحرام والكعبة وخرج إلى الشّعاب مُردداً مقولته: (للبيت ربٌ يحميه). فلابدَّ أن تبقى صورةُ البطل زاهيةً ومشرقةً فتُنسَج التأويلات الأسطورية المسوغة للفعل الانهزاميّ، فالرمزياتُ وقصصُ البطولة وسرديات التأسيس هي مرآة الذاتِ التي تطل من خلالها على نفسها، وتصورُ الإنسانِ عن نفسه وثقافته وهويته الجمعية نسجتها تلك الحكاياتُ، فتفكيكُ تلك السَّرديات وتعليقُ الحكمِ عليها فيْ ضوء تأويلية الشَّك والارتياب لبول ريكور والحفر حول المخبوء تحتها يشكل جُرحاً نرجسياً تبقى الثَّقافات المأزومة تئن من سهام نقده وتأبى تضميدُ جراحها بقبول الحقيقة واستئناف مسار جديد للهوية. فكل محاولة نقدية تعلّق التّصوراتِ القبليّة عن الرموز وعن البطولة وتنزلها منزلتها الواقعيّة في التّحليل والمراجعة وإعادة النظر والتّقييم سوف تجابه بالرفض والاتهام في النوايا، ومن مصاديق ذلك نقد الورديّ للخطاب التمجيديّ الحماسيّ لثورة العشرين، فقد حاول أن يحلل الدوافع الاجتماعية للثورة والتي لا يمكن تلخيصها بالوطنية والإباء والانتفاضة لكرامة الوطن فحسب، فالورديّ يرى أنَّ العقلَ المحرك للثورة هم الطَّبقة المتعلمة من موظفي المؤسسات المنهارة للدولة العثمانية الذين فقدوا وظائفهم وتضرروا من العهد الجديد، ومن بعض شيوخ العشائر الذين فقدوا أراضيهم، فهذه النخب المتعلمة والرموز العشائرية يُضاف اليهم طبقة رجال الدين هم المحرك للثورة. وقد حاولَ الإنكليزُ اللعبَ بمهارةٍ وخبثٍ ودهاءٍ كبيرٍ على وتر الخلافات العشائرية حول زعامة القبيلة وامتلاك الأراضي، فقد أغدقت رواتبَ ومنحاً ماليةً لبعض المشيخة وأطلقت أيديهم باستملاك بعد الأراضي فاشترتْ سكوتَهم على حساب شيوخ أخرين عمدتْ على إضعاف مكانتهم ممن أفادوا من العهد العثمانيّ القديم ووقفوا بصف الأتراك لزرع الفتنة والانقسام وتحييد المواقف، كما أن كثيراً من ضُبَّاط الإنكليز وأداريها لم يُحسنْ التعاملَ مع زعماء القبائل فقد تعمد الإساءة إلى كرامتهم وإهانتهم، ولم تُوقر وتُحفظ مكانتهم الاجتماعية المهيبة مما أثار حفيظتهم و إبائهم، وكان ذلك في نظر الورديّ دافعاً نفسياً للثائر لكرامة شخصية مهدورة من دون تبلور وعي وطنيّ ناضج يدرك أبعادَ الاستقلال والأهليَّة الوطنيَّة له. كما يصرّح الورديّ بأن المواقف الوطنية التي استلهمت تجاربَ عربيةً مماثلةً كقيام ثورة الشَّريف حسين وتشكل حكومة سوريا بقيادة الملك فيصل وتبلور الوعي الوطنيّ المدنيّ في الحركات السياسيَّة التّركيَّة من شأنه أن يتمخض عنه حسُّ وطنيّ عراقيّ عند نخبة من الانتلجنسيا والأعيان من المتعلمين العراقيين ومن رجال الدين المتنورين و شيوخ العشائر الأحرار، فحراكُ هؤلاء كلّهم لا يُقدَرُ له النجاح دون فتوى شرعيَّة مساندة تُكسبُ عملَهم رمزيةً وطنيةً يهابها المحتلُ وتحركُ الجماهيرَ، فكان نجلُ المرجعِ محمد رضا الحائريّ الشّيرازيّ هو سفير الوطنيين إلى والده المرجع الكبير، وكان قربُه منهم وتشاوره معهم يمثل مجساتِ مرجعية والده في معرفة متغيرات السَّاحة الوطنية وتطورات السياسة الإنكليزية تجاه العراق. ولقد كانت مرجعية الإفتاء العليا في حوزة النجف تعود للسيد محمد كاظم اليزدي وكان نهجه ممالأة الإنكليز وعدم الصّدام معهم، وكان الشيرازيّ يقيمُ في مدينة سامراء، وبتأثير كبير من كثير من الأفراد ممن لا يكنون الود والتقدير لليزديّ من رجال الدين والوطنيين خضع الشيرازيّ لطلبات ملحة بشأن قدومه من سامراء والاستقرار في النجف لثقلها الروحيّ الدينيّ والسياسيّ والوطنيّ ولتحجيم نفوذ اليزديّ وخلق زعامة منافسة له، وفي الوقت الذي استجاب الشيرازيّ لتلك الدَّعوات إلا أنه آثرَ الاستقرارَ في كربلاء بعيداً عن النجف تجنباً لصدام المرجعيات الدينيَّة التي تديره الحواشي والبطاناتُ الفاسدة، فهم يستثمرون في الفتن ويقتاتون على التَّزلف والتَّملق إلى جنب أنَّ كربلاء كانت تشهد حراكاً وطنياً وسياسياً. وبعد وفاة اليزديّ حاول الإنكليزُ تحييدَ الشيرازيّ عن النبض الوطنيّ الشعبيّ فأبرقوا رسائلَ كثيرةً لكسب ودّه معلنين دعمهم له وتأييدهم لمرجعيته وتوقعهم بأنه سوف ينهجُ نهجَ سلفه اليزدي في القرب من الإنكليز، وكان ما يبدر من الشّيرازيّ هو التّجاهل والإنكار والاعتراض على كثيرٍ من الإغراءات التي حاولت الاصطيادَ في الماء العكر وبذر فتنة الانقسام المذهبيّ، فقد رفض اقتراح الإنكليز وعزمهم على تغيير سادن الحضرة العسكريَّة في سامراء لكونه سنّياً وليس شيعياً و أبى ذلك بشدة، كما رفض الإفتاء والتَّدخل في الشّأن الإيرانيّ حينما طلب منه الإنكليز إقناعَ الإيرانيين بقبول المعاهدة مع بريطانيا ومؤكداً وبامتعاض شديد بأنهم أعرفُ بشؤون بلادهم مني ولا يجوز لأي فقيه من الخارج أنْ يتدخلَ سياسياً بشأنِ بلادٍ ليستْ بلادَهُ.

وفي البدء تردد الشّيرازيّ في الفتوى الجهاديَّة لأنه كان يخشى عدم تكافؤ القوى ولكن المتحمسين للثورة من رجال الدين ونجله وجملة من الأعيان الأفندية وبعض شيوخ العشائر عمدوا إلى طمأنته والتأكيدَ له على قدرة العراقيين على المواجهة. ونتيجة مراسلات كثيرة وافته من بغداد بسبب ما جُوبه به الوطنيون المطالبون بالاستقلال من عنف وتنكيل من قبل الإنكليز فقد كانت تستفتيه حول هذه الأحداث فما كان من إلا أن يبارك مطالبتهم ويؤازرها مشدداً على ضرورة الحفاظ على أتباع الديانتين اليهودية والنصرانية من العراقيين في بغداد، ولم تكن توصيته كلاماً عابراً بل هو إحساس الفقيه الورع وحرصه الذي يخبر طبيعة الناس واستخفافهم بالأقليات واستغلالهم لاضطراب الأحداث في التعدي على الآخرين ونهب أموالهم، وكانت تلك التوجيهات رسالة اطمئنان استأنس بها أعيان تلك الطوائف فتوافدوا لشكره. فالكثير من ثوار العشائر في مناطق مختلفة كانت دوافع النهب والسّلب لثكنات الإنكليز وممتلكاتهم هي الدّافع والمحرك لانتفاضتهم كما يرى الورديّ.

وتبلغ المواجهة ذروتها بنفي نجل الشيرازيّ الأكبر محمد رضا وكوكبة من العلماء والزعماء الوطنيين من قبل بريطانيا، وعلى الرغم من ذلك بقي المرجع الشيرازيّ متمسكاً بعدم الصدام المسلح مع الإنكليز وانتهاج مسار الانتفاضة السلمية فقد أخبر المُصرّين على المواجهة بأنه لا يجيز ذلك شرعاً حتى لو وجدتموني قتيلاً أو قُتل ابني، فنفيه من قبل بريطانيا ـ كما يؤكد الشيرازيّ ـ لا يجيز لكم الاصطدام المسلح لان ذلك سوف يريق الدماء، والمسألة لا تتعلق بشخصه بقدر تعلقها بعصمة دماء الناس وسفكها في معركة غير متكافئة سوف توقع ضحايا كثيرة جداً. إنَّ حمل العشائر للسلاح ينذر بخطر كبير جدأ إذ قد يتم توجيه السلاح إلى بعضهم البعض نتيجة النزاعات العشائرية المستشرية في جسد المجتمع فعدم إصدار الفتوى بحمل السّلاح والصّدام كانت تستشرف بنظرة ثاقبة وحكيمة عواقب حمل السّلاح مستقبلاً على أبناء المجتمع نفسه. ونتيجة التَّنكيل الذي وُجه للشّيخ (شعلان أبو الجون) والاعتقال انفلتَ عقالُ ضبطِ النّفس فانتفضتْ عشائر الرميثة في الثلاثين من حزيران 1920 وعلى الرّغم مما أحرزته تلك العشائر من تكبيد القوات البريطانية من خسائر واستبسالها الشجاع إلا أنها مُنيت بخسائر كبيرة مما وضعها في موقف محرج جداً في وقت اكتفت العشائر الأخرى بمراقبة المشهد ولم تحرك ساكناً طوال أسبوعين من حصار منطقة الرميثة مما آلم الشيرازيّ كثيراً واضطره إلى الإفتاء بنحو صريح لقتال الإنكليز، ولكن مما يُدهش له أنَّ كثيراً قد تثاقل وتباطأ من شيوخ العشائر في الاستجابة لفتوى القتال والجهاد متذرعاً بعدم جهوزية قبيلته للقتال مما أضطر كثيراً من رموز الثوار وأعيانهم إلى تقديم منح مالية لبعض شيوخ العشائر لكسب موقفهم إلى صف الثورة وإبعادهم عن ممالأة الإنكليز، فانخرط بعد حين من أحجم عن الانخراط لهذا السبب، وربما الاكتفاء بمراقبة المشهد لما تبديه جملة من العشائر من الشجاعة والاستبسال قد أحرج شيوخاً آخرين فانخرطوا في الثورة لا عن قناعة حقيقية. ويعضد الورديّ زعمه الأخير بأن بعض رجال الدين ممن التقاهم حكى له أنه كان يعمد إلى إحراج شيوخ العشائر وينتقد سكوتهم و تقاعس غيرتهم إلى حد التعيير وهذا ما تأباه النظم القيمية والاجتماعية للرجل البدوي ومثيراً فيهم حمية حماية العرض والدّين إلى جنب أن كثيراً من زعماء القبائل راق له ركوبُ موجة الجهاد والقتال بعد أن شاهد كثيراً من القبائل تحوز على الغنائم من الأموال والأسلحة والأمتعة من ثكنات الإنكليز ومباني السَّرايات الحكوميَّة، فكان ذلك يشبع غريزة النّهب والسلب القابعة في لاشعور الروح البدوية. وعلى الرغم من الخسائر التي مُني بها الإنكليز ودهشتهم بالمواجهة العراقية الشَّرسة وطلبهم للصلح والتفاوض إلا أن الثورة لم تنتهِ النهاية المرجوة لها لأسباب كثيرة . وواحدٌ من تلك الأسباب هو موت رمزها الفقيه الزعيم الدينيّ محمد تقي الحائريّ الشّيرازيّ، ولعلَّ هذا السبب هومن يفسر سردية أنه سُقي السم غيلة من قبل عملاء الإنكليز وأذنابهم، فأغلب الظن أنَّ من أشاع هذا التَّصور أراد أن يعطي لحركة الثوار زخماً في النّضال ومقارعة المستعمر بعد أن تكبّد الثّوار خسائر فادحة بسبب بساطة قوتهم، فالنّهاية التّراجيديّة للرمز والبطولة المقهورة في نظرية المؤامرة لا شك سوف يذكي الإحساسَ بالقهر لدى المنتفضين ممن هم وقود الثورة مما يضمن ديمومتها لا أن تنتهي بنهاية قادتها. ولكنَّ الراجحَ أن الفقيه الشّيرازيّ بسبب تقدمه في العمر فقد ناهز الثمانين عاماً وما كان يتسم به من تقوى وورع وتوجس من مسؤولية الفتوى وتبعاتها وما أُرِيْقَ من دماء الشهداء والضحايا كان ذلك كله له وقع شديد لم يتحمله إذ يروي المؤرخون أن بعد انتهائه من إمامة الناس في صلاة الجماعة وخروجه من الصَّحن الحُسينيّ شاهد الكثير من جنائز الشّهداء وهي تُحمَلُ فتغير لونُه وصُدِم َوانتكست صحته فقد مات كمداً بعد أيام يسيرة وهذه الرّواية يذكرها الورديّ في لمحاته الاجتماعية في الجزء المختص بثورة العشرين، والرّاجح فيما أظن أن هذا هو التفسير المقبول الذي يجسّد نبلاً ومسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تمثل ورعاً حقيقياً ومسؤولية دينية، فالعقل الفقهي الورع يتواتر في أدبياته التوصيةُ بالاحتياط فيما يتعلق بفتاوى القتال والجهاد والدم، فإشاعة الحقيقة سوف يهز عزيمة الثوار، فمعنويات الجماهير سوف تُكسَر وتُهزَم إذا أحسَّت بانهيار وانكسار معنويات رموزها . ويقتربُ الورديّ من فكرة الدّفاع عن الوطن بوازع التّدين بنحو غير مباشر، فالمجتمع المستنير بأعرافه وغير المنقسم والمتوازن بإيمانه بمنظومة قيمه سوف تكون إرادته الجمعية وثبات رؤيته هي الضمان لمجابهة التحديات الداخلية والخارجية فيستغني عن بوصلة الرّمز.فهل تحتاج البديهيات في الدفاع عن الوطن ونيل الاستقلال إلى فتوى دينية؟ يعلل الورديّ مصرحاً أن الفتوى مثّلت مُحركاً اجتماعياً لا دينياً بسبب ضعف الوازع الدينيّ عند العشائر آنذاك، ففرضية التَّناشز القيميّ تستبعد من الشخصية العراقية سمة التَّدين الخالص فيْ منظور الورديّ ولكن الفتوى كانتْ عاملاً مهماً لإحراج الكثير بضرورة القتال فالقعود يعرّضهم للتعيير والانتقاد الاجتماعيّ.

ويجمل الورديّ أسباباً كثيرةً وراء عدم نجاح الثّورة وجلاء الإنكليز، منها عدم توازن القوى، فالعشائر بأسلحتها البدائيّة وذخيرتها المحدودة من العتاد كيف يمكنها أن تهزم جيشاً مثل جيش بريطانيا يمتلك الأهليّة في التّنظيم والتّدريب والتّسليح بما يفوقُ قدراتِهم، ولم يتبلورْ وعي لدى العشائر بانتهاج حرب العصابات القائم على المباغتة السَّريعة وايقاع الخسائر والحفاظ على المقاتلين بسبب عدم توافر بيئة جغرافيَّة كالجبال كي تسعفهم بالاختباء، ومن بين الأسباب افتقادها لقيادة تنظيمية في إدارة القتال والتَّخطيط له، فالعشائرُ وشيوخها تأنف كما يؤكد الورديّ من أن تعقد راية القيادة بيد زعامة عشائرية معينة وتنضوي تحت أمرته مما شتت تضحياتهم، إلى جنب تراجع بعض العشائر التي انخرطتْ في الثورة مدفوعة بروح الغنيمة، فبعد تكبد الثائرين بالخسائر آثرت الانسحابَ والسلامة ، ومما يُدهش له أنَّ بعضاً من هذه العشائر التي كانت تقاتل من أجل الغنيمة لم تتورعْ عن نهب المدن بأكملها لا الثّكنات الإنكليزية فحسب، مما أثار حفيظة زعامات عشائرية وطنية وغيورة فوجه اللوم لزعاماتها. لقد مثلت بعض الزعامات العشارية كالسيد نور الياسريّ مثالاً للتضحية والإخلاص والإيثار والوطنية في تمويل الثّورة إلى جنب التّمويل من الحقوق الشّرعيّة الدينيّة من مراجع الإفتاء الدينيّة في النجف وكربلاء إلا أن ذلك لم يكن كافياً، ومما يُعجب له أن تمويلاً كبيراً مُرسلاً من الملك فيصل بن الحسين من سوريا أُرسل للثوار بيد إحدى الزعمات الوطنية المهمة ولكنه احتفظ به لنفسه ولم يوصله إلى الثوار، وكان الشَّيخ عبد الواحد يعرفه ولكنه يتحفّظ على ذكره، وهذا وغيره من وقائع يفسّرُ لنا السّرَ عن عدم الإفراج عن الكثير من الوثائق البريطانية المتعلقة بالعراق على خلاف بروتوكولاتها الرّسميَّة في الإفراج عن الوثائق بعد مضي أربعة عقود من الزمن كما أن الأرشيف العراقيّ بعد احتلال أمريكا للعراق لم يُظهر وثائق تسلط الضوء على علاقات ومواقف لزعامات دينية واجتماعية وأدباء ومثقفين بأطراف أجنبية وبالحكومات الاستبدادية المتعاقبة بسبب طبيعة المجتمع العراقيّ وحفاظاً علي رمزيتهم، فلا شك أن نشرها سيحدث هزة ودوياً اجتماعياً كبيراً. ومن أهم أسباب الهزيمة أن المحيطين بالمرجع محمد تقي الشيرازيّ وبمن أخلفه بعد وفاته المرجع شيخ الشريعة الاصفهاني من الحواشي من رجال الدين لم ينضج لديهم وعي ثاقب في إدارة المعارك والثّورة، فلم يحسنوا إدارتها، فكل تجربتهم عن الحرب تنحصر فيما يذكر الوردي متهكماً بما قَرَؤُوْهُ عن معارك بدر وأحد وصدر الإسلام فكانت نصائح الملائية ـ والتسمية للورديّ ـ من وحي التَّاريخ الإسلاميّ القديم وكانت سبباً من أسباب الهزيمة. ومن الجدير بالذكر أن تسميتهم بـ (الملائية) من قبل الورديّ يتواتر كثيراً في كتابته بنحو ملحوظ فلم يستعمل تسمية رجال الدين، ولاشك أن هذه التسمية تثير نقمة وحفيظة المؤسسة الدينية ورجال الدين فهي تسمية ساخرة ومتهكمة وناقدة بنحو لاذع وتستبطن في اقتضائها المعجمي دلالة البدائية في التعليم والتدني العلمي في تحصيل المعرفة بما فيها المعرفة الدينية. ولم يكن قلمُ الورديّ قلمَ مُؤرخٍ كما يؤكد هو نفسه، فمن وراء سرده لتلك الوقائع التاريخية ونقدها وتحليل لم يكن يهدف بالدرجة الأساس إلى الركون للوقائع الحقيقية بقدر النفاذ إلى المحركات الاجتماعية والأعراف المتحكمة بمواقف الأفراد والشّخوص، فهو لم يكيلْ المديح لأحدٍ كما لم يكيلْ التشهير والذم بأي أحدٍ، فهو يؤمن بنسبية وجهات النظر المتحكمة في التفكير والحراك الاجتماعيّ والمتحكمة في الوقت نفسه بروايات الأشخاص للوقائع التاريخيّة، فهو يستشهد بمقولة (الهزيمة يتيمة والنصر له ألف أب) فكل يدعيه لنفسه ويستكثره على الأخر؛ بينما يتناسى الجميع أسباب الهزيمة ومحركاتها الاجتماعية واضطلاعهم المؤثر فيها. ومهما يكن من أمر فان (الثورة العراقية الكبرى) هي صفحة مشرقة جداً وأيقظت الحسَّ الوطنيّ ووحدت أطياف العراقيين وشكّلت مخاض الهُوية الوطنيّة العراقيّة، ومهدتْ لنيل الاستقلال بإحراج بريطانيا مما أثمر بتشكيل الدولة العراقية الحديثة، وينبغي أنْ يستذكرها العراقيون دائماً في اندلاع شرارتها في يوم الثلاثين من حزيران من كل عام بوصفها مفخرة وطنية، ولكن التعاطي التاريخي معها ينبغي أن يخضع للموضوعية بعيداً عن الحماس والفخر المفرط وينتهجُ سبيلَ البحث العلميّ في الوقوف على المحركات والبواعث الاجتماعيَّة. لإن الشّعوبَ المنكسرة والفاقدة لهيبتها الوطنية والفاقدة لزمام المبادرة والتأثير الحضاريّ التاريخيّ تمتاح من الذّاكرة ألقها ومجدها وعزّها الوطنيّ ولا تشرع نوافذَها لنقد تجارب الماضي والحاضر. إنَّ خطاب الهُوية الوطنية العراقية دأب على أن يستحضر ثورة العشرين فهي لحظة مفصلية وانعطافة تأسيسية مهمة في تشكيل الدولة العراقية الحديثة ورسم كيانها السياسي ودأب على استلهامها رمزاً وطنياً للإرادة الشّعبيّة الحرة ؛ فقد انصهرتْ في بودقة الثّورة مكونات الشعب وأطيافه ونخبه، وقد مهَّدتِ الطريق لنيل العراق لاستقلاله ودخوله كياناً معترفاً به ضمن عصبة الأمم إلا أن ثمة أنساقاً مضمرة مسكوت عنها يمكن الايغال في طبقاتها ورواسبها الخفية من خلال إعمال إزميل النّقد والمراجعة في الحفريات الاجتماعيّة والتاريخيّة والأدبيات الشّعبيّة العشائرية وخطاب الدولة بمختلف حقبها التّاريخيّة، ويلوحُ من بين تلك الرواسب العميقة الصراعُ حول امتلاك رأس المال الرّمزيّ في محورية الزّعامة والمشاركة وامتلاك الرّوح الوطنيّة وأحقيّة التّصدر وندب التّهميش وبخس التّضحيات الوطنيّة التّاريخيّة، وتُسْتَحْضَرُ المشاركة الثّورية أداةً حجاجية للمطالبة بحقوق المواطنة في المشاركة في الحكم وتستخدم شعبياً في أهازيج في مبالغة مفرطة ونسبة وقائع غير تاريخية لزعامات عشائرية لم تنخرط بالثورة أو تلكأت بالانخراط واثاقلت إلى أن قبضت مبالغ ثمناً لحملها السّلاح تبرعت بها زعامات عشائريّة وطنيّة ثوريّة. فالتباهي بالثورية في الأهازيج العشارية يتواتر لا لأجل استذكار الروح الوطنية بالدرجة الأساس بل للتباهي بالشجاعة القبلية والفخر بالأصول وعراقة المشيخة لأسر وبيوت قبلية دون غيرها مما يدلل بوضوح على تآكل الروح المدنية وانتكاسة المجتمع نحو الانقسام المذهبيّ والعشائريّ. إنّ السَّردية الانتقائية لأحداث الثَّورة بإعلاء الدينيّ على العشائريّ الشّعبيّ في إدارة الثّورة وزعامتها أو بإعلاء أسبقية المشاركة المذهبيّة في أوّل أحداث الثّورة على مشاركات لاحقة أو تقليل من نسبة المُشاركة هو تنكّر لقيم الثّورة ورمزيتها الوطنية وهُويتها المدنية في رؤيتها لشكل الدولة. إنَّ خطاب التخوين في الأنظمة الحاكمة السابقة للفئات التي لا تُدين للحاكم بالولاء واتهامها بالتبعية كان واحداً من أهم الأسباب في تلك السّرديات الانتقائية لإثبات الرّوح الوطنية لجهة ما، وبسبب صراع تلك الأنظمة مع المؤسسات الدينيَّة عمدتْ في مشاريع سينمائية وأفلام وثائقية حول تاريخ الثورة إلى تجاهل الدور المحوري لرجال الدين وتجاهل جغرافية الثورة في الفرات الأوسط، والأمر هو هو في الحقبة الرّاهنة إذ نجد أن كثيراً من الأفلام الوثائقية حول ثورة العشرين قد أعملت إزميلها في استبعاد الانتلجنسيا المدنية المثقفة وارتباطاتها العربية مع ثورة الشَّريف بن الحسين والتنسيق مع أنجاله لا سيما الملك فيصل واكتفتْ تلك الوثائقيات الجديدة بالاهتمام بإبراز دور رجال الدين وبعض الزَّعامات العشائرية في جغرافية انتقائية أيضاً لا تستوعب جميع أحداث الثورة. وثورة العشرين كانت تسمى في الأصل ب(الثورة العراقية الكبرى) في الأدبيات المحايثة لزمن الثورة وتحولها إلى التسمية ب (ثورة العشرين) يكشف في ضوء المنهج النقدي لتحليل الخطاب (لنورمان فيروكلف) عن واحدة من أهم أدوات التضليل وسوء استعمال السلطة من قبل القوى السياسية الحاكمة، فالأنظمة غير الديمقراطية الناشئة من الانقلابات العسكرية التي تستمد شرعيتها من فكرة الثورة تسمي الانقلاب ثورة، ولا تكتفي بذلك، فثورتها وحدها(ثورة تموزالمجيدة) دون كل الثورات الوطنية ورسمت عهداً زاهياً بإنجازاتها غير المسبوقة فكيف تسبقها ثورة تُسمى بـ (الثورة الكبرى) ! وأغلب الظن أن الإخراج في فلم (المسألة الكبرى) قد اضطر إلى تغيير مفردة الثورة واستبدالها بمفردة (المسألة) لهذا السبب. وإذا وُظّفت مقتربات بول ريكور في (السَّرد والهُوية) وجرى تناول ذكرى ثورة العشرين في سردياتها المختلفة بتلك المقتربات التأويلية فإن الناظر ينتهي لنتيجة مؤسفة جداً تتجلى بأن الهُوية التي يشكلها السّرد وارتكازها على ثنائية الأنا والآخر إذ لا يمكن للأنا أن تتشكل من غير آخر مختلف أقول تتجلى تلك الهُوية بآخر غير الإنكليزي المستعمر المحتل، فالآخر يتشكل في سرديات انقسامية مختلفة، فالمفارقة أن الآخر هو عراقيّ وطنيّ ولكنه آخر عراقيّ عشائريّ، أو آخر عراقيّ مذهبيّ أو آخر مدنيّ غير دينيّ، أو آخر عراقيّ مناطقيّ في النزاع على مجد وطنيّ وليس آخر مستعمراً تشكله إرادة التحرر والاستقلال بل آخر وطنيّ تشكله نزعه التّغالب التي هي سمة من سمات الشخصية العراقية من رواسب البداوة في تحليل الورديّ لها. إنَّ كثيراً من الأسباب بل الأمراض الاجتماعية للهزيمة في ثورة العشرين تتناسل وتعيد إنتاج نفسها على طوال حقب وعقود زمنية بعد الثورة، ويمكن التدليل عليها من خلال تحليل الخطاب الوطنيّ المستعيد لذكرى هذه الثّورة مما يؤكد فاعلية منهج الورديّ في تحليل الشَّخصيّة العراقيّة وتناشزها القيميّ ولاسيما اعتماده الشّك بالمرويات التّاريخيّة وركونه إلى النّظر النّسبيّ وتعدد التّفسيرات، وكان من قبلُ قد أفصح عن الأطر المعرفيّة لمنهجه في كتابه (مهزلة العقل البشريّ) في الشّك والنّسبيّة ونقده لمركزيّة الجدل والتّفكير الأرسطيّ وهو منهج يتلاءم مع مقتربات (ما بعد الحداثة) وإن لم يذكرْ الورديّ مرجعياتِه الغربيّةّ في الحفر الاجتماعيّ والتاريخيّ لكن ممارسته الإجرائيّة النّقديّة الاجتماعيّة تبرهنُ على ذلكَ

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

 

قراءة نقدية لـ “علم الكلام الجديد” عند عبد الجبار الرفاعي

منذ ثمانينيات القرن العشرين، عرّف عدد من المثقفين المسلمين أنفسهم بأنهم ينتمون إلى “علم كلام جديد”، أو دعوا إلى تطويره. ومن بينهم الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي، الذي ألّف كتابًا تمهيديًا في هذا الحقل الناشئ، دعا فيه إلى قطيعة إبستمولوجية والتخلي عن علم الكلام التقليدي، لأنه، بحسب رأيه، عاجز عن الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الحداثة. ويسعى هذا المقال، في الوقت نفسه، إلى الإسهام في التعريف الأكاديمي بمفكر ما يزال قليل الحضور في الغرب، وإلى تقويم الإطار النظري الذي يقترحه في ضوء الحوار بين الأديان. ذلك أن علم الكلام التقليدي تشكّل أساسًا ضمن موقف دفاعي اعتذاري، مما جعله غير مهيأ للانخراط في حوار ديني بنّاء يحترم إيمان الآخر من دون السعي إلى تحويله أو استقطابه.

ومن هنا يطرح المقال السؤال الآتي: هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم. إن “اللاهوت الجديد” أو “علم الكلام الجديد” صار اليوم اسمًا لحقل معرفي يُدرَّس في المعاهد وكليات العلوم الدينية، ويحظى باهتمام أكاديمي متزايد. هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم.

من بين المجلات التي تُعنى بـ”علم الكلام الجديد” في إيران: “نقد ونظر”، و”هفت آسمان” (السماوات السبع). أما مجلة “إسلاميات” فتصدر عن لاهوتيي مدرسة أنقرة، وفي العراق تصدر: “مجلة قضايا إسلامية معاصرة”، التي أصدرها عبد الجبار الرفاعي قبل 30 عامًا، وقد صدر عددها الأخير الشهر الماضي، أصدرت هذه المجلة 82 عددًا مرجعيا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفيما يتعلق بنشأة علم الكلام وتشكّله في مدارس كبرى، يُحال إلى دراسات جوزيف فان إس حول بدايات اللاهوت الإسلامي، وإلى أعمال أخرى تناولت تشكّل الفلسفة الإسلامية فيما بعد العصر الكلاسيكي وفلسفة علم الكلام.

ويشير عبد الجبار الرفاعي في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” إلى أن هذا العلم نشأ من التساؤل حول طبيعة كلام الله ومعناه. ومع ذلك، فإن الرؤية والتشخيص اللذين يقدمهما الرفاعي لعلم الكلام يتعلقان أساسًا بالعالم العربي، ولا ينصفان، بحسب كاتب المقال، الحيوية التي عرفها الفكر اللاهوتي الإسلامي في فضاءات جغرافية أخرى، وهو ما عبّر عنه المفكر شهاب أحمد بمفهوم “المجال الممتد من البلقان إلى البنغال”، وهو فضاء واسع يمتد من جنوب شرق أوروبا إلى البنغال في جنوب آسيا، ويشمل الدولة العثمانية وإيران وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية. ويستعمل شهاب أحمد هذا المفهوم لبيان ثراء وتنوع التعبيرات الإسلامية، ومنها الفكر الكلامي، في المدة الممتدة بين 1350 و1850، وهي مرحلة شهدت ازدهارًا فكريًا وفنيًا وروحيًا واسعًا.

في هذا السياق، سعى عدد من المفكرين، منذ القرن التاسع عشر، إلى تطوير علم الكلام واستعادة الروح التي تأسس عليها في بداياته. ومن هذه الدينامية وُلد “علم الكلام الجديد”، الذي يُنتظر منه أن يستجيب للحاجات والتطلعات المعاصرة انطلاقًا من الكلمة الإلهية، ومن ثم من ظاهرة الوحي نفسها. غير أن هذا التيار لا يقدم نفسه بوصفه مدرسة موحدة، إذ يضم تحت هذه التسمية مفكرين تختلف افتراضاتهم وأطرهم الإبستمولوجية.

وفي هذا الإطار كرّس الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي، المولود سنة 1954 في ذي قار بالعراق، مشروعه الفكري لعلم الكلام الجديد في العالم العربي. وبعد دراسات متنوعة شملت دبلومًا زراعيًا سنة 1975، ودراسات دينية تقليدية في النجف وقم، ثم بكالوريوس في العلوم الإسلامية سنة 1988، وحصل على ماجستيرًا في علم الكلام سنة 1990، ودكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005، ونال لقب الأستاذية سنة 2012. ويترأس اليوم مركز فلسفة الدين في بغداد. ألّف الرفاعي ستين كتابًا، من أبرزها “مقدمة في علم الكلام الجديد”، واستلهم في مشروعه أعمال مفكرين هنود وباكستانيين، مثل شاه ولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، إضافة إلى الفلسفات المعاصرة والهرمنيوطيقا. ويسعى الرفاعي إلى استعادة الحيوية الروحية للدين، وعمقه الأخلاقي، وبُعده الجمالي، عبر القطيعة مع التكرار العقيم الذي لم يعد قادرًا على الإجابة عن القلق الوجودي المعاصر، والذي يفضي أيضًا إلى شرعنة إقصاء الآخر، ورفض التعددية الدينية، وإنكار أي أساس لاهوتي للحوار بين الأديان.

ومن خلال هذه المقاربة، يسعى عبد الجبار الرفاعي إلى استعادة تفكير خلاق وحدسي ورمزي، يتيح بناء تفسير جديد للوحي الإلهي. وهو يرى أن تجديدًا جذريًا للمقولات اللاهوتية وحده القادر على استعادة الطاقة الروحية للإسلام، وفي الوقت نفسه تأسيس حوار ديني صادق بين الأديان. ويهدف “علم الكلام الجديد”، في هذا الأفق، إلى القطيعة مع كل أشكال الشرعنة اللاهوتية للتمييز والعنف التي تستمد مبادئها وأسسها من علم الكلام التقليدي.

من هنا يطرح الرفاعي السؤال الآتي: هل تشكل الافتراضات الإبستمولوجية، والمقولات اللاهوتية، والغايات التي يتصورها لعلم الكلام الجديد، جهازًا لاهوتيًا فعّالًا حقًا لبناء لاهوت منفتح على الحوار بين الأديان، بوصفه السدّ الوحيد في مواجهة أخطار الصراعات الجديدة التي تغذيها القراءات المغلقة والإقصائية؟ وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ. وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها عبد الجبار الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ المؤسسة لعلم الكلام الجديد، قبل تقويم مدى قدرته الفعلية على إعادة تأسيس فضاء لاهوتي مهيأ للحوار بين الأديان.2821 LTP

أولًا: عجز علم الكلام عن الحوار بين الأديان

يرى عبد الجبار الرفاعي أن عجز علم الكلام عن تقديم أطر لاهوتية صالحة للحوار، سواء مع أتباع الديانات الأخرى أو مع العالم الحديث، يعود إلى عدة عوامل. فمن جهة، تحمل هذه المنظومة الكلامية تصورًا لاهوتيًا لله يقوم على منطق السيد والعبد. ومن جهة أخرى، ظلّ علم الكلام مشبعًا بوظيفته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن الإسلام وحمايته، الأمر الذي قاده كثيرًا إلى ممارسة التكفير، وهي ممارسة ما تزال آثارها حاضرة، على الأقل في الذهنيات، رغم تخلي مؤسسات أكاديمية عديدة، مثل الأزهر الشريف، عن استعمالها الصريح. كما أن مساواة علم الكلام بالدين نفسه أسهمت في تجميد الفكر اللاهوتي الإسلامي، وحكمت عليه بالتكرار المستمر، في مفارقة لافتة.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ “مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه.

هكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”، أصبح من المتعذر، بحسب عبد الجبار الرفاعي، قيام أي حوار صادق أو تعايش حقيقي. ولذلك يخلص إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويبيّن الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في بداياته.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإن كثيرًا من علماء الكلام المسلمين يرفضون اليوم أي حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من آثار في تفكيرهم اللاهوتي. المفارقة، بحسب عبد الجبار الرفاعي، أن المبرر الذي يُقدَّم لهذا الرفض يقوم على الخوف من “تغريب” علم الكلام، أي من أن يؤدي الانفتاح على فلسفات نشأت خارج الثقافة الإسلامية إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة نوع من المساواة بين علم الكلام والدين نفسه، بحيث تُعدّ كل محاولة لتجاوز المدرسة الأشعرية أو نقدها أو الانفتاح على آفاق جديدة بمثابة طعن في الدين برمته. ولهذا تُفسَّر كل معارضة بوصفها علامة على إنكار الضروري أو بدعة، حتى غدا علم الكلام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه “أشرف العلوم”، مصفوفة جامدة منغلقة على ذاتها، كثيرًا ما تحظى بدعم السلطات السياسية التي تستمد منه شرعية حكمها.

يرى الرفاعي أن الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان لا تتجاوز غالبًا حدود المجاملات واللياقات الأخلاقية من دون أثر حقيقي، لأنها تبقى خارج البنية اللاهوتية التقليدية، ولا تدفع اللاهوت الإسلامي إلى إعادة التفكير في نفسه انطلاقًا من ضرورة الحوار والاعتراف بالآخر. كما أن عجز علم الكلام عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي حكم المتكلمين الأوائل حرم اللاهوت الإسلامي من امتلاك المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. ويرى الرفاعي أن جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل كرامة الإنسان، وهي فكرة تقع في صميم تشكل الذات الحديثة وحقوق الإنسان، مع أن القرآن، بحسب رأيه، يتيح تأسيسًا لاهوتيًا واضحًا لها. ومن هنا يدافع الرفاعي عن ضرورة بناء “علم كلام جديد”، ويتساءل الكاتب عن مفاهيم هذا العلم الجديد وطبيعته ومنظومته القيمية ومنهجيته.

ثانيًا: علم الكلام الجديد، دعوة إلى قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرة محورية، إذ لا يتعلق الأمر عنده بإصلاح أو إحياء بالمعنى التقليدي، وإنما بضرورة التفكيك والقطيعة مع الرؤى اللاهوتية القديمة. فالرفاعي، وهو يفكر خارج الأسوار التقليدية، يسعى إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات الموروثة، ومن الشروح على الشروح والحواشي على الحواشي. يرى الرفاعي أن أول من استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو المفكر الهندي شبلي النعماني، غير أن الدلالة التي قصدها تختلف عن المعنى الذي يمنحه الرفاعي لهذا المفهوم اليوم. فشبلي النعماني كان يريد معالجة قضايا جديدة فرضتها الحداثة، من دون اقتراح إطار إبستمولوجي جديد للتفكير فيها. فقد انشغل موضوع “علم الكلام الجديد” لديه بقضايا مثل الانتحار، والرق، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بقصد الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي، من غير أن يفتح مسافة نقدية تجاه التصورات الكلامية عن الله، إذ بقي اشتغاله محصورًا في مستوى الشريعة، ولم يتناول بنية المعتقدات نفسها. أما هذا التحدي تحديدًا فهو ما يريد الرفاعي مواجهته. ولا يرى الرفاعي أن “علم الكلام الجديد” يمثل مدرسة مغلقة، وإنما يعدّه جزءًا من تيار عام يمتد في أثر مفكرين هنود مثل سيد أحمد خان. كما يدرج ضمن هذا التيار أسماء مثل محمد إقبال وأمين الخولي، الذي كان يؤكد أن “تطور العقائد واجب”. ويرى بعض المفكرين، مثل حسن حنفي، أن المطلوب هو ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان من أجل بناء “لاهوت للتحرر”، في حين يدعو آخرون، مثل محمد عابد الجابري، إلى توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة، بينما يرى محمد أركون ضرورة تجديد المنهج.

ويرى آخرون ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر إدخال المقاربة التاريخية النقدية مثلًا، من أجل فهم كيفية تشكّل المقولات والبُنى الفكرية الموروثة من القرون الماضية وسياقات إنتاجها. ومن ثم فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة، إذ ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في الوسط الشيعي مع مفكرين مثل: عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور. وهذه الرؤية تنقض الاعتقاد بأن الفكر الكلامي التقليدي يمثل حقيقة ثابتة ونهائية، لأن أطروحات المتكلمين، بحسب عبد الجبار الرفاعي، ليست سوى “أجوبة ظرفية” عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والظروف التي عاشوا فيها. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية تبقى بطبيعتها أسئلة أزلية، غير أن الإجابات عنها ترتبط دائمًا برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”. لذلك يرى ضرورة استيعاب “المنعطف الهرمنيوطيقي”، الذي لا يعني التحرر من الدين نفسه، وإنما التحرر من البُنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتغذي أحلام الجماعة وطموحاتها ونرجسيتها، بحيث تبقى الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية. ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد الذي دعا إليه عدد من اللاهوتيين لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه أو التحول إلى معرفة متداولة على نطاق واسع في التعليم الديني، لأن “المفكرين الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب بدع أو نزعات هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية التي تعلن حاجتها إلى التجديد، مثل الأزهر الشريف، بقي خطابها، بحسب رأيه، خطابًا بلاغيًا في معظمه، لأن علم الكلام الذي يُدرّس فعليًا ما يزال هو علم الكلام الأشعري التقليدي. كما أن كثيرًا من الداعين إلى تجديد أصول الدين لم ينجحوا في فتح الطريق نحو تفسير متجدد للوحي، مع أن هذا التفسير يمثل الشرط الضروري لكل تجديد حقيقي. ولذلك يرى الرفاعي ضرورة إنجاز جينالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح المختلفة، وتحليل أسباب إخفاقها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد على ولادة التجديد اللاهوتي المنشود وانتشاره. وفي هذا الأفق يؤكد الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد…”.

في هذا الأفق يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وتشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. ويرى أن هذا التحول الجذري وحده القادر على إتاحة فهم مختلف تمامًا للحقائق اللاهوتية. فلم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما هو غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات الدينية ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. وهذا يقتضي، بحسب الرفاعي، ممارسة جدلية نقدية حتى تجاه السلطات النصية نفسها، أي الانخراط فيما سماه غاستون باشلار “فلسفة الرفض”، حيث يتقدم العقل العلمي لا بالتأكيد وحده، وإنما أيضًا برفض المعارف السابقة وتصحيحها. ويستدعي هذا التجديد إعادة تعريف الدين ضمن أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تهتم بالإنسان في ذاتيته وقلقه الوجودي وسعيه إلى المعنى وفق حاجاته العميقة. ومن منظور تداولي وسياقي، ينبغي إعادة تعريف الدين لكي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. كما يدعو الرفاعي إلى هرمينوطيقا نقدية حية للتراث الديني، ترتكز على فلسفة دينامية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي وتدعو إلى تجدد دائم يقوم على التحليل والسياق والعقل النقدي. ويمنح الرفاعي العقل مكانة مركزية، إذ يعدّه المعيار الأساسي للحكم على الحقيقة، ويرى أنه يتقدم على النقل، لأنه يضيء الحقائق الدينية بصورة تدريجية ومتطورة تبعًا لما يتيحه تطور المعرفة الإنسانية. ومن هنا يقترح لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يقوم على فهم تطوري للحقيقة الدينية. الرفاعي لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يضعها في مواجهة العقل والتجربة الإنسانية. كما أن العقل نفسه ليس ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم ومعرفة الإنسان بذاته وبالعالم. ولذلك تبقى الحقيقة الدينية، بحسب هذا التصور، حقيقة جزئية تتكشف تدريجيًا، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو ثابتة للعقائد. العقائد ليست مطلقات مغلقة، وإنما صيغ مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي وُلدت فيه. لهذا يرفض “علم الكلام الجديد” بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات الكلاسيكية ونهائيتها، ويدعو بدلًا من ذلك إلى هرمينوطيقا مفتوحة تأخذ بعين الاعتبار نضج الوعي الإنساني وتطوره المستمر.

يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بُعديه الإلهي والإنساني، والتخلي عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي. كما يدعو إلى استبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بصورة العلاقة القائمة على المحبة، مع التأكيد على أن الله هو الذي يبادر إلى الحب، وأن الإنسان يمتلك الحرية في الاستجابة لهذا الحب. ومن هنا يطرح الرفاعي إعادة تشكيل وجدانية وتفاعلية للعلاقة بالله، تستلهم التصوف الإسلامي، وترتكز على أن الإنسان قادر على أن يحب ويُحب من الله، وعلى أن المبادرة الإلهية بالمحبة تشكل أساس هذه العلاقة، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. وينبثق من هذا التصور ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية”، تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني، بحسبه، هو صورة أنثروبولوجية تنطلق من الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الثقافي أو الإيديولوجي. ولذلك لا يختزل الرفاعي “الإنسان القرآني” في صورة “المسلم التقي” بالمعنى الضيق، وإنما يراه كل إنسان يحمل، في ضوء القرآن، كرامة أنطولوجية، واستعدادًا روحيًا، وقابلية للحوار. إنه نموذج إنساني كوني، منفتح ومتعدد، يقوم على مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تتأسس على الانتماء المذهبي أو الطاعة لأحكام فقهية بعينها، وإنما على الاعتراف بالإنسان حاملًا لجوهر مشترك لا يُنتهك، يتجاوز كل الانتماءات الطارئة. ومن هنا يمثل هذا التصور قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي، الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد، على حساب الكرامة والحرية والاستخلاف في الأرض. ومع أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بأنه ضعيف وجحود ومغرور، فإن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات إمكانًا معاكسًا، إذ يرى أن الإنسان، رغم ضعفه وهشاشته، يمتلك القدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتجلى في “الاستخلاف”، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، ويمثل “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. وهكذا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يخضع الإنسان لأوامر قهرية، ويدعو بدلًا من ذلك إلى بناء صلة تتأسس على الحب المتبادل.

ويدعو عبد الجبار الرفاعي إلى بناء “أنطولوجيا إنسانية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة الدائمة لتطلعاته المتجددة. ويقتضي هذا التصور التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل، وبين القيم الأخلاقية الكونية ذات الطابع الإنساني العام. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يستلزم منهجًا يدمج البعد النقدي والتعددي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الانتباه إلى التجربة المعيشة وتعقيد السياقات المعاصرة، ولذلك تتخذ هذه المقاربة موقفًا مضادًا للحرفية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد استعمال المخيال الديني وضبطه، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى وتفكك مسلّماته، من أجل الحيلولة دون تحوله إلى أداة اغتراب أو هيمنة. كما يشجع على اعتماد مقاربة مقارنة بين الأديان، وعلى دراسة كيفية تشكّل مؤسساتها الدينية وتطورها التاريخي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل موقعًا مركزيًا في كتاباته، فإن تحديد معالمه وتعليمه يمثلان أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”. فلم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى من أجل الرد عليها أو التحصن ضدها أو تفنيدها، وإنما دراستها لاكتشاف قيمها الإنسانية المشتركة، وتأسيس حوار بنّاء يحترم الآخر. ومن هنا يتضح أن “علم الكلام الجديد” يجعل الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي. غير أن الكاتب يطرح في النهاية سؤالًا حاسمًا: كيف يدرس هذا اللاهوت الجديد الآخر فعليًا؟ وكيف ينظر إلى تاريخ الأديان الأخرى وأشكال تدينها المختلفة؟ وكيف يوفق بينها وبين الإسلام ورسالته الكونية؟

ثالثًا: مكانة الآخر والأديان الأخرى في “علم الكلام الجديد”، أساس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي أن دراسة الأديان تقتضي أولًا القيام بمراجعة نقدية داخلية تكشف ما في الدين ذاته من عناصر قد تُنتج خطاب كراهية تجاه الآخر، أو سبق أن أفضت تاريخيًا إلى ذلك. ويرى أن هذا الوعي ضروري لحماية الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية” التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية جذابة، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع إلى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة نقد ذاتي متواضع، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الدين، في تجلياته التاريخية، لم يكن دائمًا وفيًا لوعوده الإنسانية أو لقيمه الأخلاقية العليا.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط عبد الجبار الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ”مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه. وهكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”.

ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية” في مواجهة سائر الفرق المحكوم عليها بالنار، لا يستطيع علم الكلام، بحسب عبد الجبار الرفاعي، إلا أن يُفشل كل محاولة صادقة للحوار والتعايش. ولذلك يخلص الرفاعي إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويشرح الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في القرون الأولى والفلسفة القديمة، وكذلك المسيحية واليهودية.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإنّ كثيرًا من اللاهوتيين المسلمين اليوم يرفضون أيّ حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وبهذا الموقف يعجزون عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من دلالات في تأملاتهم الفكرية. والحجة التي يسوقونها لتبرير هذا الرفض لا تخلو من مفارقة؛ إذ يرون في الانفتاح على الفلسفات المنبثقة من ثقافة غير إسلامية خطر “تغريب” علم الكلام، بما قد يفضي إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة، بحسب المؤلف، نوعٌ من المماثلة بين علم الكلام والدين نفسه. وضمن هذا التصور، تُعدّ كل محاولة للانفتاح، أو للتجاوز، أو لنقد المدرسة الكلامية الأشعرية، التي تهيمن اليوم على العالم السني إلى حدّ بعيد، ضربًا من التشكيك في الدين برمّته، لذلك تُفسَّر كل معارضة بوصفها تعبيرًا عن نزعة إنكارية لدى “منكر للضروري”، أو عن بدعة تصدر عن “مبتدع”. وهكذا أصبح علم الكلام، الذي يُنظر إليه بوصفه “العلم الأعلى رتبة”، والذي تتوقف عليه حركة تطور سائر العلوم، بنيةً جامدةً منغلقةً على ذاتها، وغالبًا ما يحظى بدعم السلطات السياسية التي يستند إليها في إضفاء الشرعية على سلطانها. وانطلاقًا من ذلك، يرى الرفاعي أنّ كل الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان ليست سوى جلسات مجاملة ولطف لا تترك أثرًا حقيقيًا. فهذه الدعوات السخية تبقى خارج البنية اللاهوتية الكلاسيكية، ولا تتيح لعلم الكلام أن يعيد التفكير في نفسه على ضوء ضرورة الحوار الديني والاعتراف بالآخر. إنّ هذا العجز عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي تشكّل داخله علم الكلام لدى المتكلمين الأوائل يحرم اللاهوت الإسلامي من المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي أثارها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. كما أنّ جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل قضية الكرامة الإنسانية، وهي فكرة تقع في قلب تشكّل الذات الحديثة، وتشكل أساس حقوق الإنسان، مع أنّ الرفاعي يرى إمكان تأسيسها لاهوتيًا في القرآن الكريم. ولهذا السبب يدعو الرفاعي إلى “علم كلام جديد”، غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مفاهيم هذا العلم الجديد؟ وما طبيعته، ومنظومته القيمية، ومنهجه؟

رابعًا: علم الكلام الجديد: مرافعة من أجل قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة التجديد “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرةً جوهرية في مشروعه الفكري، فهو لا يقصد بها الإصلاح “الإصلاح”، ولا الإحياء “الإحياء”، وإنما يحيل بها إلى ضرورة تفكيك الرؤى اللاهوتية القديمة والقطيعة مع أنماط التفكير الكلامي الموروث. ومن خلال التفكير خارج الأسوار التقليدية، يسعى الرفاعي إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد الجامدة والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات المستعادة، ومن الشروح على الشروح، والحواشي على الحواشي، والتعليقات التي لا تنتج معرفة جديدة. فالتجديد عنده لا يكتفي بإعادة صياغة الخطاب الديني، وإنما يطمح إلى إعادة بناء أفق التفكير الديني نفسه، والانفتاح على أسئلة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي وحاجته إلى المعنى.

ويرى الرفاعي أن أول متكلم استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو شبلي النعماني (1878-1914)، غير أنّ المعنى الذي قصده النعماني يختلف عمّا يقصده الرفاعي اليوم. فقد أراد النعماني معالجة قضايا حديثة ترتبط بالتحولات الاجتماعية والسياسية للعصر الحديث، من دون أن يقترح إطارًا إبستمولوجيًا جديدًا للتفكير الديني، لذلك انشغل علم الكلام الجديد عنده بموضوعات مثل الانتحار، والعبودية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بهدف الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي وحمايته من النقد الحديث. ولهذا بقي مشروعه في حدود الشريعة والأحكام، ولم يمتد إلى مساءلة البنية العميقة للعقائد أو نقد التصورات التقليدية عن الله والوحي والإنسان والعالم. أما الرفاعي، فيرى أن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا تحديدًا: من إعادة التفكير في أنماط الفهم الموروثة، وتحرير الدين من الانغلاق الكلامي والفقهي الذي عطّل أبعاده الروحية والأخلاقية والجمالية. ولا يشير “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي إلى مدرسة مغلقة أو مذهب محدد، وإنما يندرج ضمن تيار فكري واسع تشكل في العالم الإسلامي الحديث، ويمتد في أثر مفكرين مثل السيد أحمد خان (1817-1898)، وقاسم النانوتوي (1833-1880). ويمكن إدراج أسماء عدد من المفكرين ضمن هذا الأفق، مثل محمد إقبال (1877-1938)، الذي حاول إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام على ضوء الفلسفة الحديثة، أو أمين الخولي (1895-1966)، الذي أكد أن “تطور العقائد واجب”، في إشارة إلى أن العقائد ليست معطيات جامدة خارج التاريخ، وإنما تتطور تبعًا لتحولات وعي الإنسان وخبرته بالعالم. كما يلتقي هذا التيار مع مشاريع متعددة في الفكر العربي والإسلامي الحديث؛ فالفيلسوف المصري حسن حنفي (1935-2021) دعا إلى ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان نحو “لاهوت للتحرر”، بينما رأى الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) ضرورة توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة ونقد البنية المعرفية للعقل العربي. أما محمد أركون (1928-2010)، فقد شدد على ضرورة تجديد مناهج دراسة الفكر الديني، والانفتاح على علوم الإنسان الحديثة، وتفكيك السياجات المغلقة التي فرضها التراث الكلامي والفقهي على فهم الدين.

وفي هذا الأفق يتحرك مشروع الرفاعي، ساعيًا إلى تأسيس فهم للدين ينحاز إلى كرامة الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية، ويحرر الإيمان من القوالب الجامدة التي أفقدته قدرته على إرواء “الظمأ الأنطولوجي” للإنسان المعاصر.

كما يرى بعض المفكرين، وفي مقدمتهم محمد أركون، ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر توظيف المقاربة التاريخية النقدية لفهم ظروف نشوء المفاهيم والمقولات الفكرية الموروثة وإنتاجها في سياقاتها التاريخية والثقافية. لذلك فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة تمامًا، فقد ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في العالم الشيعي مع مفكرين مثل محمد مجتهد شبستري، ومحسن كديور، ومصطفى ملكيان. وقد جاءت هذه المشاريع لتفنّد الادعاء القائل بثبات الحقيقة الكلامية التقليدية وكونها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة، ذلك أن أطروحات المتكلمين لا تمثل، بحسب عبد الجبار الرفاعي، سوى “أجوبة ظرفية عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والشروط المختلفة التي عاشوا فيها”. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية ذات طبيعة أزلية، غير أن الإجابة عنها تبقى مرتبطة برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”، أي ذلك المخزون الثقافي والتاريخي الكامن الذي يوجّه التفكير ويصوغ أنماط الفهم من غير وعي مباشر به. لذلك يرى الرفاعي ضرورة الانتباه إلى المنعطف الهرمنيوطيقي، الذي يمثل في نظره تحريرًا، لا من الدين نفسه، وإنما من البنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتُبقي الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها عن ذاتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية، حتى تغدو عاجزة عن رؤية الواقع خارج تلك الصور المتخيلة.

ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد، على الرغم من الدعوات الكثيرة إليه، لم ينجح حتى اليوم في أن يفرض حضوره الواسع في المؤسسات التعليمية والدينية. فهؤلاء “المفكرون الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بريبة، وكأنهم أصحاب نزعات متمردة أو هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية الكبرى، مثل جامعة الأزهر، التي تعلن الحاجة إلى التجديد، بقي خطابها ـ بحسب الرفاعي ـ محصورًا في مستوى بلاغي وشعاراتي، بينما ظل التعليم الفعلي قائمًا على تدريس علم الكلام الأشعري التقليدي كما هو. كذلك فإن كثيرًا من المفكرين الذين دعوا إلى تجديد أصول الدين لم يتمكنوا من فتح الطريق نحو تفسير جديد للوحي، مع أن تجديد فهم الوحي يمثل الشرط الحاسم لأي تجديد حقيقي في التفكير الديني.

ومن هنا يؤكد الرفاعي ضرورة إنجاز جينيالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح السابقة، وتحليل أسباب تعثرها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تمهد لولادة تجديد لاهوتي أكثر عمقًا وتأثيرًا. وفي هذا السياق، يرى الرفاعي أن على اللاهوت الإسلامي أن يُحدث قطيعة إبستمولوجية مع أنماط التفكير الموروثة، من أجل بناء “فهم جديد للدين”، فهمٍ ينفتح على تحولات المعرفة الحديثة، ويعيد قراءة الوحي والعقيدة والإنسان والعالم في ضوء خبرة الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية الجديدة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن هذا التحول يقتضي بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وإعادة تشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. فهذا التحول الجذري وحده يتيح فهم الحقائق اللاهوتية بطريقة مغايرة جذريًا. ولم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما يُعدّ غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. لذلك يدعو الرفاعي إلى إقامة علاقة جدلية نقدية مع السلطات النصية والتراثية، والانخراط فيما يشبه “فلسفة الرفض” التي صاغها غاستون باشلار، حيث تتقدم المعرفة العلمية لا عبر الإثبات وحده، وإنما أيضًا عبر نقد المعارف السابقة وتصحيحها وتجاوزها. ويتحقق هذا التجديد، بحسب الرفاعي، من خلال إعادة تعريف الدين في أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تنشغل بالشرط الإنساني، وبالذات في قلقها وسعيها إلى المعنى تبعًا لحاجاتها الوجودية. ومن منظور سياقي وعملي، ينبغي إعادة تعريف الدين كي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. لذلك يقترح الرفاعي هرمنيوطيقا نقدية وحية للتراث الديني، تستند إلى فلسفة ديناميكية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي، وتؤسس لتجدد دائم يقوم على التحليل والتأويل والسياق والعقل النقدي. فالعقل “العقل” عنده هو معيار الحكم على الحقيقة، وهو متقدم على النقل “النقل”. والعقل لا يكتشف الحقائق الدينية دفعة واحدة، وإنما ينيرها تدريجيًا تبعًا لتطور المعارف التي يكتسبها الإنسان. لذلك يؤسس الرفاعي لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يرتكز على فهم تطوري للحقيقة الدينية. ومن خلال تقديمه العقل على النقل، لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يعرضها على العقل والخبرة الإنسانية. والعقل نفسه ليس معطًى ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم وعلم النفس ومعرفة الإنسان لنفسه وللعالم. ولهذا تبقى الحقيقة الدينية دائمًا جزئية ومنفتحة على التحقق التدريجي، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو مطلقة لا تقبل المراجعة. فالعقائد لم تعد تُفهم بوصفها حقائق أبدية مكتملة، وإنما بوصفها صيغًا مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي تشكلت فيه. لذلك يرفض “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات التقليدية ونهائيتها، ويدعو إلى هرمنيوطيقا مفتوحة تراعي النضج المتزايد للوعي الإنساني. وفي هذا الأفق يضع الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر.

ويضع عبد الجبار الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر: إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بعديه الإلهي والإنساني، والكف عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي؛ واستبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بعلاقة تقوم على المحبة؛ وإبراز أن الله هو الذي يبتدئ المحبة، وأن الإنسان يمتلك القدرة على الاستجابة لها بحرية. ومن هنا يدعو الرفاعي إلى إعادة تشكيل العلاقة بالله على أساس وجداني تفاعلي، يستلهم التصوف الإسلامي، ويرتكز على أن الإنسان كائن قادر على أن يُحب ويُحبَّه الله، وأن المبادرة الإلهية بالمحبة تسبق استجابة الإنسان، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. ويترتب على ذلك ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية” تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني عنده هو صورة أنثروبولوجية تستند إلى الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، خارج كل انتماء أيديولوجي أو ديني أو ثقافي ضيق. لذلك لا يقصد الرفاعي بالإنسان القرآني “المسلم التقي” بالمعنى الفقهي المغلق، وإنما كل إنسان يُنظر إليه في ضوء القرآن بوصفه حاملًا لكرامة أنطولوجية، وطاقة روحية، وقابلية للحوار. إنه مثال إنساني كوني، مفتوح ومتعدد، يتمحور حول مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تستند إلى الانتماء الطائفي أو الامتثال لأحكام قانونية محددة، وإنما إلى الاعتراف بالإنسان بوصفه حاملًا لجوهر إنساني مشترك، لا يجوز انتهاكه، ويتجاوز كل الانتماءات العارضة. وتمثل هذه الرؤية قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد والخضوع، على حساب كرامته وحريته ووظيفته الاستخلافية في الأرض.

صحيح أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بوصفه كائنًا ضعيفًا وجحودًا ومغرورًا، غير أن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات، بخلاف القراءة الكلامية التقليدية، تأكيدًا على إمكان مضاد يسكن الإنسان نفسه؛ فالإنسان، على الرغم من ضعفه وهشاشته، يمتلك قدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتمثل في الاستخلاف، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، والذي يعدّه الرفاعي “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. ومن هنا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يفرض على الإنسان أوامر قهرية، ويقترح بدلًا منها فهمًا لعلاقة الله بالإنسان يقوم على الرحمة والمحبة والحرية والكرامة الإنسانية.

ومن هنا يعمل عبد الجبار الرفاعي على بناء ما يسميه “كينونة وجودية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة لتطلعاته المتجددة باستمرار. وتقتضي هذه الرؤية التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل التاريخية، وبين القيم الأخلاقية الكونية التي تتجاوز تلك الظروف وتحتفظ بطابعها الإنساني الشامل. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يفرض اعتماد منهج يدمج البعد النقدي والتداخلي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الإصغاء إلى الخبرة الحية وتعقيد السياقات المعاصرة. لذلك تتخذ مقاربته موقفًا مناهضًا للحرفية، وتسعى إلى تحرير النصوص الدينية من القراءة الجامدة التي تفصلها عن شروطها التاريخية والإنسانية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد المخيال الديني وضبط استعمالاته، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى، وتفكك المسلمات الخفية التي تتحكم في الفهم الديني، من أجل الحيلولة دون توظيف الدين بطريقة اغترابية أو استلابية. كما يؤكد أهمية المقاربة المقارنة بين الأديان، ومعرفة الكيفية التي تشكلت بها مؤسساتها الدينية وتاريخها التأويلي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل مركز الصدارة في كتاباته، فإنه يمثل أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”، إذ لم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى بهدف الرد عليها أو التحصن منها أو دحضها، وإنما دراستها لاكتشاف ما تنطوي عليه من قيم إنسانية كونية، وتأسيس حوار يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر. ومن هنا يغدو الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي عند الرفاعي، لأنه ينظر إلى الآخر لا بوصفه تهديدًا للعقيدة، وإنما بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى والحقيقة والكرامة الإنسانية.

خامسًا: مكانة الغيرية والأديان الأخرى في علم الكلام الجديد: أسس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة القيام، قبل دراسة الأديان، بجردٍ نقدي يكشف ما يمكن أن يتضمنه الدين الخاص بالإنسان من عناصر أسهمت، أو يمكن أن تسهم، في إنتاج خطابات كراهية تجاه الآخر. فهذه اليقظة النقدية ضرورية، في نظره، لتحصين الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية فاتنة”، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع حتى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة مراجعة داخلية متواضعة للذات، لأن الحوار بين الأديان لا يتحقق إلا حين يعترف كل دين بأن تمثلاته التاريخية لم تكن دائمًا وفية لوعوده الإنسانية، ولا منسجمة على الدوام مع القيم الروحية والأخلاقية التي يحملها في جوهره.

ومن منظور بنّاء، يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى الاعتراف بأن “لا دين يحتكر وحده المحبة، أو الحريات، أو الحقوق، أو احترام الكرامة الإنسانية، كما لا يوجد تاريخ ديني خالٍ من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة”. غير أن هذا العمل النقدي في استعادة الذاكرة ومراجعتها، على الرغم من كونه “واجبًا أخلاقيًا”، لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يترافق مع دراسة لاهوت الأديان الأخرى. وهذه المقاربة نادرة، غير أنها موجودة، ويشير الرفاعي في هذا السياق إلى أبحاث وليد البعاج حول اليهودية. ويرى أن دراسة الأديان الأخرى تمثل شرطًا للحوار الأصيل، لأن معرفة الآخر في عمق إيمانه، وفي طريقته في الحديث عن الله، تسهم في تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تنتجها التقاليد المغلقة، والتي تتحول غالبًا إلى مصدر للتعصب والإقصاء. فالالتباسات والأحكام السلبية تجاه المختلف تُفضي دائمًا إلى مواقف إقصائية ترفضه وتنفيه. ولا تتوقف الدراسة المقارنة للأديان عند مجرد إبراز التشابهات أو القيم المشتركة، وإنما تنخرط في دينامية أعمق، لأنها تدفع الإنسان إلى نوع من التوغل في عالم إيمان الآخر، وفي نصوصه ورموزه وتجربته الروحية. وهذا “الانغماس” لا يوسّع الأفق المعرفي فحسب، وإنما يدخل في حوار داخلي مع إيمان الإنسان نفسه، ويكشف قدرة الأديان على بناء الصلة الإنسانية، وإنتاج أخلاق للعلاقة، وفتح فضاء مشترك للتفاهم. لذلك يشدد الرفاعي على الوظيفة التحويلية العميقة للدراسة المقارنة، التي لا تهدف إلى إقامة تراتبية بين الأديان، وإنما إلى الكشف عن غنى كل تجربة دينية وفرادتها. فلا يتعلق الأمر بتنصيب دين ما معيارًا للحقيقة المطلقة أو للكمال الذي ينبغي أن تخضع له بقية الأديان، وإنما بالدخول في منطق التعايش. ومن هنا يرى أن “الدراسة المقارنة للأديان تسهم في ترسيخ العيش المشترك، لأنها تؤسس لقبول الاختلاف العقدي والثقافي، وتفتح أفقًا لاحترام حق الاختلاف، واحترام من لا تشبهنا معتقداتهم وثقافاتهم”. ويؤكد الرفاعي أن هذا النمط من الانفتاح المعرفي والتربوي لا يمكن أن يتشكل داخل أفق علم الكلام التقليدي، كما يتجلى في نموذج محمد جواد البلاغي (1865-1933)، الذي درس الأديان الأخرى بهدف مقارنتها بالإسلام والكشف عما يراه تحريفًا فيها. لذلك فإن تأسيس لاهوت إسلامي للحوار يقتضي، مرة أخرى، مغادرة الأطر التقليدية لعلم الكلام، والانتقال من المقارنة الدفاعية المغلقة إلى المقاربة المقارنة المنفتحة التي تبحث عن الفهم لا عن الإدانة، وعن التعارف لا عن التفوق والإقصاء.

وفي هذا الأفق، تتحول دراسة الأديان عند عبد الجبار الرفاعي إلى فعل أخلاقي، وإلى التزام بالاعتراف بالآخر في فرادته وتميزه. فهي تدعو إلى النظر إلى كل تقليد ديني لا بوصفه منظومة مغلقة على ذاتها، وإنما بوصفه منبعًا لطاقة روحية وأخلاقية قادرة على الإسهام في السلام الاجتماعي. كما أنها لا تحبس المؤمنين داخل صورة جامدة من الماضي، وإنما تكشف الطاقة الخاصة بكل إيمان: قدرته على إنتاج المعنى، وإحداث التحول الداخلي، وبناء الجماعات الإنسانية. وهذه الطاقة لا تظهر عبر اختزال الأديان في صيغة واحدة، ولا عبر إذابة الفروق بينها، وإنما عبر مجاورة تأويلية تحترم خصوصية كل تجربة دينية. ومن هنا فإن المقارنة بين الأديان لا تعني حيادًا باردًا أو مسافة معرفية جافة، وإنما تُشرك المؤوِّل في تجربة اعتراف متبادل، حيث لا يمكن فهم أي دين فهمًا حقيقيًا إلا من خلال انفتاحه على الأديان الأخرى وتفاعله معها. لذلك يؤكد الرفاعي أن الإنسان لا يعرف دينه معرفة عميقة إلا حين يضعه في أفق الأديان الأخرى. وهذه المقاربة لا تنتهي إلى نسبية تلغي الحقيقة، ولا إلى توحيد قسري للمعتقدات، وإنما تكشف الحيوية المعقدة للظاهرة الدينية، وقدرتها على حمل المعنى للإنسانية كلها. غير أن مقاربة الرفاعي للآخر والأديان لا تصدر عن موقع “فيلسوف الأديان” بالمعنى الأكاديمي المحايد، وهو يحرص على التنبيه إلى ذلك، وإنما تصدر عن موقع “المتكلم الجديد”، أي المؤمن الذي يسعى إلى تجديد صورة الله والدين بحيث تصبح صورة سلام وسكينة. فالمتكلم الجديد، بحسب الرفاعي، “يحرر صورة الله من كل استعمال يجعلها ذريعة لسفك الدماء، أو اضطهاد الناس، أو إرهابهم، أو استنزاف طاقات البناء والتنمية”. ومن أجل ترسيخ هذه الرؤية يستند الرفاعي إلى تعليم محيي الدين بن عربي، وخاصة مفهومه عن “وحي النبوة العامة”، أي إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية عبر التجربة الوجودية والحدس الروحي، من غير أن تكون مرتبطة بالضرورة بوحي تشريعي أو بكتاب منزل. وهذه الإحالة إلى ابن عربي ليست هامشية في فكر الرفاعي، فهو يرى فيه مصدرًا يساعد على “بناء فهم للوحي لا يضحي بمضمونه الميتافيزيقي المتعالي، وفي الوقت نفسه يتحرر من القوالب المغلقة للفهم الكلامي”. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا من قراءة ابن عربي، يعترف الرفاعي بأنه اكتشف فيه معلمًا يفتح أفق “لغة أخرى للإسلام”، لغة تتجاوز الانغلاق العقدي، وتنفتح على التجربة الروحية والبعد الوجودي للدين. ففي رؤية ابن عربي، كما يقرأها الرفاعي، يظهر “الدور الوجودي للدين” بوصفه حاجة ملازمة للإنسان في كينونته، لا تتحقق إلا من خلال الصلة الوجودية بالله. وعلى ضوء هذا التعليم يؤسس الرفاعي ملامح لاهوت تعددي منفتح على الأديان الأخرى، سواء أكانت أديانًا كتابية أم غير كتابية. وفي تفاعل مع تعليم ابن عربي، ومن منظور أكثر فلسفية، يحاول الرفاعي، مستعينًا بالفلسفة الحديثة، البرهنة على استحالة اختزال الحقيقة الدينية في تمثيل واحد مغلق أو احتكارها داخل حدود جماعة بعينها.

ويرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان يعجز عن امتلاك الحقيقة الإلهية امتلاكًا مطلقًا، كما يعجز عن الإحاطة الكاملة بها. ومن هنا يستنتج أن هذا العجز نفسه يفسر تعدد التقاليد الدينية ويبرره، لأن كل دين يمثل محاولة نسبية لبلوغ حقيقة إلهية تتجاوز الجميع. لذلك يؤكد الرفاعي أن فرض دين واحد على البشرية أمر مستحيل واقعيًا وتاريخيًا، إذ “لم تتوحد الإنسانية يومًا حول دين واحد، ولو حاول دين ما احتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضوره عبر القضاء على أتباع الأديان الأخرى، فلن ينجح في ذلك”. ومن هنا يدافع الرفاعي عن “إبستمولوجيا التواضع”، التي تتجلى خصوصيتها في جمعها بين التفكير الميتافيزيقي، والتصوف، وعلوم الدين المعاصرة. كما أن إدماج الأديان الأخرى وطاقاتها الروحية في بناء لاهوت إسلامي للغيرية والحوار يستند أيضًا إلى ثورة أنثروبولوجية وأخلاقية.

وفي هذا السياق يصوغ الرفاعي مفهوم “الإنسانية الإيمانية”، ويقصد به رؤية تعتبر أن الغاية الأساسية للإيمان هي خدمة الإنسان بما هو إنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني. ويندرج هذا المفهوم ضمن أخلاق إنسانية غائية يعمل الرفاعي على بنائها في ضوء الفلاسفة والمفكرين الذين يستند إليهم. فهذه الأخلاق، التي تتمحور حول خير الإنسان، تتضمن بعدًا نفعيًا من جهة، لأن قيمة الأفعال تُقاس بنتائجها وآثارها النافعة على البشر، كما تتضمن بعدًا كانطيًا من جهة أخرى، لأنها تؤكد القيمة الذاتية للإنسان، بغض النظر عن معتقداته وآرائه. وعلى خطى إيمانويل كانط، يرى الرفاعي أن الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة. ومن منظور علم الكلام الإسلامي، تمثل هذه الرؤية قطيعة مع الأشعرية التي تجعل معيار الخير مستندًا إلى الوحي لا إلى العقل. لذلك يعيد الرفاعي إحياء الحدوس المعتزلية المتعلقة بإمكان معرفة الخير بالعقل، وينتقد التصورات الإقصائية للخلاص والقيمة الدينية للأفعال، وينحاز إلى لاهوت رحمة يتمحور حول الإنسان في ذاته، لا حول انتمائه العقدي. ومن هنا تقف “الإنسانية الإيمانية” على الضد من كثير من التصورات الكلامية التقليدية التي تشترط صحة الفعل الأخلاقي بانتماء صاحبه إلى العقيدة الإسلامية. فالخير عند الرفاعي لا يستمد قيمته من الإيمان وحده، وإنما من كونه يحقق خير الإنسان وكرامته. لذلك تسبق الإنسانية الهوية الدينية، ويصبح الإنسان، بما هو إنسان، موضوع الأخلاق الأول. وهذه الفكرة تمتلك جذورًا داخل التراث العقلي الإسلامي نفسه، وخاصة في الفكر المعتزلي، الذي يرى أن العقل البشري قادر بذاته على إدراك الحسن والقبح، أو ما يعرف بمبدأ “الحسن والقبح العقليين”. وقد شكل هذا المبدأ أحد الأسس الكبرى للأخلاق المعتزلية، لأن الفعل الحسن عندهم لا يكتسب قيمته فقط من الأمر الإلهي، وإنما من كونه حسنًا في ذاته، ومدركًا بالعقل الإنساني.

فالفعل الحسن، في الرؤية المعتزلية التي يستلهمها عبد الجبار الرفاعي، ليس حسنًا لأن الله أمر به، وإنما يأمر الله به لأنه حسن في ذاته. وهذه الرؤية تقطع مع التصور الإرادوي والوضعي للخير كما يظهر في الأشعرية، حيث لا يكتسب الفعل صفة الخير إلا من خلال الأمر الإلهي. ومن خلال تعريفه للفعل الأخلاقي بوصفه كل جهد يسعى إلى تحسين حال الإنسان وخدمته، بصرف النظر عن عقيدته، يحاول الرفاعي الاستجابة لتحديات التعددية الدينية والأخلاق الكونية في العالم المعاصر. لذلك لم يعد لاهوته ينطلق من عدالة الله فحسب، وإنما من الكرامة غير المشروطة للإنسان. ومن هنا لا يمثل مشروعه مجرد عودة إلى الاعتزال، وإنما تجاوزًا له نحو “الإنسانية الإيمانية”، حيث تصبح غاية الإيمان خدمة العالم والإنسان، لا تبرير خلاص احتكاري مغلق. وانطلاقًا من هذه الرؤية للآخر، ومن إدماجه في بنية “علم الكلام الجديد”، ومن الأسس الصوفية والعقلانية التي يستند إليها، يخلص الرفاعي إلى أن الحوار بين الأديان ينبغي ألا يبقى محصورًا في حدود المجاملات والعلاقات العامة، وإنما يتحول إلى “حوار بنّاء ومثمر، يحمل أسس السلام ومبادئ العيش المشترك”.

سادسًا: تقييم نقدي للاهوت الحوار بين الأديان في الفكر الإسلامي عند عبد الجبار الرفاعي

يتضح من تحليل أعمال عبد الجبار الرفاعي أن مشروع “علم الكلام الجديد” الذي يتبناه يعكس إرادة واضحة للإسهام في الحوار بين الأديان، من خلال فتح التفكير اللاهوتي على سؤال الغيرية وإدماجه في بنيته الداخلية. فمن خلال كتاباته يسعى الرفاعي إلى القطيعة النهائية مع النزعات الاعتذارية الإقصائية، ومع أحكام التكفير واللعن الموروثة من علم الكلام التقليدي، ومع “احتكار الرحمة الإلهية والادعاء بحصر الخلاص في دين واحد أو فرقة واحدة أو جماعة واحدة”. وفي قلب هذا المشروع تقوم لاهوتية للكرامة الإنسانية، تستند إلى ما يسميه “الإنسان القرآني” أو “الإنسانية الإيمانية”. وهذه الكرامة، التي يعدّها قيمة أولى، تتجذر في النص القرآني، ولاسيما في الآيات التي تؤكد تكريم الإنسان، مثل قوله تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم”. ومن خلال هذا الأساس يؤسس الرفاعي لفكرة المواطنة بوصفها انتماءً مشتركًا إلى فضاء وطني واحد يجمع مؤمنين من ديانات ومذاهب متعددة، مستخرجًا هذا المعنى من الإمكانات الكامنة في القرآن من غير الوقوع في إسقاطات تاريخية متعسفة. لذلك يدعو إلى إعادة قراءة القرآن في ضوء كثافته الدلالية وتعدد معانيه، تبعًا لاختلاف السياقات وتطور الوعي البشري. كما أن التمييز الذي يقيمه بين “الوجه الإلهي الكوني” للقرآن و”الوجه البشري الظرفي” يسمح له بالخروج من القراءة الحرفية والتفسير التقليدي المغلق، ويفتح أفقًا تأويليًا جديدًا للنص الديني.

وتمنح هذه المقاربة شرعية للقراءات التعددية لبعض الآيات القرآنية، في تعارض كامل مع القراءات التقليدية المغلقة. غير أن عبد الجبار الرفاعي، على الرغم من ربطه مفهوم “الإنسان القرآني” بمفهوم “الفرد”، الذي يعدّه أساسًا للتعددية الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، لا يقوم بتفكيك الخلفيات الفلسفية الغربية التي يستند إليها هذا المفهوم تفكيكًا كافيًا، مثل الاستقلال الذاتي، والوعي التأملي، والحق الذاتي. ويترتب على ذلك نوع من إضفاء الطابع الجوهري على الفرد بوصفه حاملًا كونيًا للكرامة، بما يقلل من أهمية الوساطة الجماعية والتقاليد الدينية في تشكيل علاقة الإنسان بالله. فالفرد عند الرفاعي يبدو سابقًا على العلاقة الدينية نفسها، وهو ما يحدّ من إمكان بناء تصور حواري متجذر فعلًا في تنوع التقاليد الدينية وتجاربها التاريخية. لذلك يرى هذا النقد أن مشروع الرفاعي، حتى وإن حاول الدفاع عن طابعه اللاهوتي، يقترب أكثر من فلسفة الدين منه إلى “لاهوت الأديان” بالمعنى الدقيق، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الإنسان يتشكل داخل العلاقات التي ينتمي إليها، سواء أكانت تقاليد، أم جماعات، أم سرديات مؤسسة للهوية والمعنى. أما في ما يتعلق بتوظيفه للتصوف، فإن الرفاعي يستثمر مفاهيمه من أجل تأسيس رؤية منفتحة على الأديان الأخرى، مستلهمًا بصورة خاصة محيي الدين بن عربي ومفهومه عن “وحي النبوة العامة”، الذي يشير إلى إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية خارج حدود الوحي التشريعي والكتاب المنزل.

ومن خلال هذا التصور يفتح الرفاعي “علم الكلام الجديد” على تقاليد دينية متعددة، سواء امتلكت وحيًا كتابيًا أم لم تمتلك، بحيث لا تبقى الغيرية الدينية محصورة في “أهل الكتاب” وحدهم. وهذه الفكرة تتيح الاعتراف بإمكان حضور الحقيقة الإلهية في أديان وتجارب روحية مختلفة. غير أن السؤال الذي يطرحه هذا النقد يتمثل في مدى نجاح الرفاعي في تحويل هذه الإمكانية النظرية إلى بناء لاهوتي متكامل. فهو، وإن كان يضع مفاهيم واتجاهات مستمدة من القرآن والتصوف لتأسيس هذا الأفق، لا يطوّرها دائمًا بصورة منهجية مكتملة. كما أن استناده المتكرر إلى ابن عربي يثير إشكالًا منهجيًا، لأن اقتباساته، على الرغم من غناها، تُنقل غالبًا خارج سياقاتها التاريخية والنصية، الأمر الذي يمنحها طابعًا تجريديًا ومفارقًا لسياقاتها الأصلية، ويجعل إعادة توظيفها محكومة أحيانًا بأفق معاصر أكثر من ارتباطها بالبنية الفكرية الكاملة لابن عربي نفسه.

وبعبارة أخرى، يرى هذا النقد أن عبد الجبار الرفاعي يطبّق في قراءته لـمحيي الدين بن عربي نوعًا من المنهج “الأصولي”، وهو المنهج نفسه الذي ينتقده عند المتكلمين المعاصرين المرتبطين بعلم الكلام التقليدي، لأن اقتباساته لابن عربي تُستعمل أحيانًا بصورة انتقائية ومنفصلة عن سياقاتها الأصلية، وتُعاد قراءتها ضمن أفق شخصي ومعاصر. كذلك يرى هذا النقد أنه، على الرغم من الأسس الأنثروبولوجية والانحيازات الأخلاقية والسياسية الواضحة لصالح العيش المشترك، فإن “لاهوت الحوار” عند الرفاعي بقي أقرب إلى مستوى النوايا العامة منه إلى مستوى البناء العقدي المتكامل. فكرامة الإنسان تمثل نقطة انطلاق مركزية في مشروعه، غير أن الحوار نفسه لا يتحول إلى موضوع لاهوتي مؤسس بصورة مكتملة. فالقرآن والوحي، بحسب هذا النقد، لا يُعاد تأويلهما مباشرة في ضوء سؤال الحوار بين الأديان، كما لا نجد بناءً مفاهيميًا متكاملًا للاهوت خاص بالحوار الديني. صحيح أن “علم الكلام الجديد” يقطع مع الإطار التقليدي الذي يراه الرفاعي عاجزًا عن إنتاج ثقافة حوارية، غير أنه لا يقدّم هرمنيوطيقا قرآنية مكتملة للتعددية الدينية، ولا يؤسس فعلًا “لاهوت أديان” بالمعنى الدقيق، بخلاف ما نجده عند عبد الكريم سروش. لذلك يبقى مشروعه، وفق هذا التقييم، أقرب إلى الأنثروبولوجيا الدينية والأخلاق الاجتماعية منه إلى بناء لاهوتي مكتمل. ومن هنا يمنح هذا الغموض العقائدي فكر الرفاعي أحيانًا طابع برنامج سياسي ـ لاهوتي إنساني ومنفتح على الغيرية، لكنه لا ينجح دائمًا في إنتاج المفاهيم اللاهوتية الضرورية لتأسيس حوار ديني متين. ولهذا يبدو “علم الكلام الجديد”، في هذا المجال تحديدًا، لاهوتًا غير مكتمل. ويرى هذا النقد أن أحد أسباب هذا القصور يعود إلى غياب بناء عقدي متماسك، لأن الرفاعي، في سعيه إلى تجاوز العقيدة الجامدة نحو فينومينولوجيا للإيمان بوصفه خبرة إنسانية تأسيسية وانفتاحًا على المطلق وسعيًا إلى المعنى، يفترض ضمنيًا أن العقيدة تمثل بطبيعتها عائقًا أمام التعايش. غير أن هذا الافتراض، بحسب النقد، لا يصح دائمًا، لأن العقيدة في كثير من التقاليد الدينية لا تؤدي وظيفة الإغلاق، وإنما توفر إطارًا تأويليًا لفهم الإيمان ذاته. فالعقيدة ليست في ذاتها عامل إقصاء، وإنما تتحول إلى أداة إقصائية حين تُستعمل استعمالًا أيديولوجيًا وهيمنيًا. بل إن العقيدة، حين تُفهم على نحو سليم، يمكن أن تصبح عنصرًا مهمًا في الحوار بين الأديان، لأنها تمنح كل جماعة دينية هوية واضحة تنطلق منها نحو اللقاء بالآخر. فالحوار الحقيقي لا يولد في الضبابية أو في تمييع الفروق، وإنما يحتاج إلى مواقف واضحة وقادرة على تسمية الاختلافات من غير عنف. ومن هنا توفر العقيدة لغة مشتركة وبنية مستقرة للتفكير اللاهوتي. لذلك يتساءل هذا النقد: إذا كان الرفاعي يدعو إلى إدماج دراسة لاهوت الأديان الأخرى داخل “علم الكلام الجديد”، فكيف يمكنه في الوقت نفسه أن يطالب بالتخلي عن العقيدة داخل اللاهوت الإسلامي؟ ويزداد هذا التساؤل قوة حين نكتشف، من خلال قراءة تراث المتكلمين أنفسهم، وجود إمكانات كامنة للتفكير في أنثروبولوجيا علائقية منفتحة على فرضية الخلاص الكوني، وقادرة على تقديم أسس لاهوتية للحوار والتعايش.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا، بحسب هذا النقد، حين نلتفت إلى أن المرجعيات الفكرية التي يستند إليها عبد الجبار الرفاعي نفسها تتضمن عناصر تخفف من حدة القطيعة التي يعلنها مع البنية العقدية التقليدية. فـبول ريكور، على سبيل المثال، يؤكد أن الوصول إلى الآخر يقتضي “المرور عبر الهوية”، أي إن الإنسان لا يستطيع استقبال المختلف استقبالًا حقيقيًا إلا حين يعرف من يكون هو أولًا. وعلى العكس من ذلك، فإن الإيمان الذي يسعى إلى التحرر الكامل من كل بنية عقدية قد ينزلق بدوره إلى أشكال من الأصولية، أو الذاتية المطلقة، أو العداء للعقل. فحين تغيب العقيدة التي تنظّم الانفعالات الدينية وتؤطر التأويل وتضبط العاطفة، تصبح التجربة الإيمانية معرضة للانفلات والتحول إلى نزعات غير عقلانية. لذلك يرى هذا النقد أن العقيدة، ما دامت منفتحة وقابلة للمراجعة والنقد، تبقى فضاءً ضروريًا للتمييز والتبصر، كما تمثل أحد الضمانات المهمة للعيش المشترك ولتنظيم العلاقة بين الإيمان والاختلاف.

الخاتمة

لأن صورة الله هي التي تحدد طبيعة علاقتنا بالآخر، فإن القطيعة مع علم الكلام الكلاسيكي تعني عند عبد الجبار الرفاعي القطيعة مع منطقه الإقصائي، الذي يتجلى في تكفير المختلف وادعاء احتكار الخلاص. وكما يتضح من مشروعه، فإن “علم الكلام الجديد” الذي يدعو إليه يأخذ الغيرية والأديان الأخرى بجدية واضحة، ويتبنى أفقًا منفتحًا وشاملًا، ويتعمد تجاوز الحوار الديني الشكلي القائم على المجاملة، من خلال الدعوة إلى التعرف منذ الطفولة على نصوص الأديان الأخرى ومعتقداتها بطريقة بنّاءة. لذلك يدعو “علم الكلام الجديد” إلى تربية تقوم على الانفتاح على الآخر، لا من حيث الاعتراف بحقه في الوجود فقط، وإنما أيضًا من حيث الاعتراف بما يحمله من حقائق لاهوتية داخل تقاليده الدينية. وفي هذا تكمن قطيعة إبستمولوجية واضحة مع علم الكلام التقليدي. ويمثل هذا المشروع محاولة جريئة وخصبة لتجديد الخطاب الإسلامي انطلاقًا من قراءة تتمحور حول الإنسان. غير أن هذا المشروع، في مجال الحوار بين الأديان، يبقى محدودًا بسبب طابعه الداخلي المفرط في فهم الدين، وبسبب تصوره غير الكافي للطابع العلائقي للإنسان، الأمر الذي يحدّ من قدرته على التفكير في التجسد العملي للحوار انطلاقًا من قضايا دينية ملموسة. كذلك، وعلى الرغم من دعوة الرفاعي إلى “التوغل” في نصوص التقاليد الدينية الأخرى، فإن لاهوته يستند بدرجة أكبر إلى الفلسفة الغربية أكثر من استناده إلى النصوص اللاهوتية لتلك الأديان نفسها. ومن هنا لا يغدو مشروعه “لاهوتًا حواريًا” بالمعنى الذي نجده، على سبيل المثال، عند فريد إسحاق، الذي استطاع، متأثرًا بلاهوت التحرير المسيحي، أن يؤسس رؤية إسلامية للحوار بين الأديان. ومع ذلك، تبقى محاولة الرفاعي محاولة جديدة وجريئة، وحتى وإن بدت ذات طابع برنامجي أكثر من كونها بناءً لاهوتيًا مكتملًا، فإنها تمثل خطوة مهمة في مسار تجديد التفكير الديني الإسلامي والانفتاح على التعددية والعيش المشترك.

***

إيمانويل بيزاني

مدير المعهد الدومينيكاني للدراسات الشرقية (إيديو) في القاهرة، والمعهد الكاثوليكي في باريس.

...........................

* ترجمة عربية لبحث منشور في مجلّة «لافال اللاهوتية والفلسفية» ، المجلّد 82، العدد 1، سنة 2026، ص. 49-68. الصادرة في كندا:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/en/

index

رابط نشر البحث:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/fr_CA/article/view/54372

مفتتح: عديدة هي النزعات الأيدلوجية والاجتماعية، التي برزت في فضاء العالم والإنسانية، وتستهدف تقليص مساحة ودور الدين في الحياة العامة للإنسان الفرد والجماعة. ومع تراكم هذه النزعات واندفاعها صوب تطبيق قناعاتها وأفكارها ونزعاتها الخاصة بالدين، إلا أن الواقع الإنساني لم يشهد تراجعا لموقع أو دور الدين في الحياة العامة.

والمفارقة الهامة والصارخة في هذا السياق هي: أنه في المجتمعات التي شهدت نزعات راديكالية تجاه الدين، هي ذاتها المجتمعات التي بادرت عبر وسائل مختلفة للتمسك بالدين وطقوسه المتعددة. فالنزعات الإلحادية أو العلموية، والتي احتضنت في بعض الحقب من قبل دول ومؤسسات ثابتة ومقتدرة، لم تتمكن بكل جبروتها وغطرستها، من إجبار الناس أو قهرهم على التخلي عن التمسك بالدين حتى بعناوينه الشكلية والطقوسية.

وهذا يجعلنا نعتقد أن الدين كمنظومة مفاهيمية وقيمية وأشكال طقوسية وتعبدية، يحتل موقعا مركزيا في حياة الأمم والمجتمعات. وإنه من الصعوبة التي تصل إلى حد الاستحالة، أن تتخلى هذه المجتمعات الإنسانية عن علاقتها وصلتها بالدين.

من هنا فإن الحياة الإنسانية العامة، لا يمكن أن تستقر على أسس عادلة للعلاقات مع بعضها البعض، كأمم ومجتمعات متعددة ثقافيا وحضاريا ودينيا، من دون مشاركة جميع الأديان الكبرى التي يعتنقها الإنسان، وتؤثر في رؤيته وتصوره لذاته وللآخر، في الحوار مع بعضها البعض في نطاق العمل على تظهير القيم الإنسانية والتشاركية والتعايشية لهذه الأديان.

وتتأكد هذه الحاجة في إطارنا الإسلامي، لكون النزعات الإرهابية والدموية التي تمارس أعمالها ضد الإنسانية باسم الإسلام وقضاياه العقدية والثقافية. بمعنى أن النزعات الإرهابية التي تمارس اليوم باسم الإسلام، تثير الكثير من الأسئلة والتحديات، التي تتطلب من المجال الإسلامي دولا ومؤسسات وعلماء ودعاة، العمل لإنهاء عملية اختطاف وتشويه الإسلام، التي يقوم بها الإرهابيون عبر عملياتهم القذرة، التي تمتهن القتل والتفجير وسفك الدماء كآليات لتمكين الإسلام (كما يدعون) في الأرض. وبالتالي فإن المجال الإسلامي بكل ثرائه العلمي ومؤسساته ومعاهده الدينية والثقافية معني للعمل في اتجاهين أساسيين في وقت واحد وهما:

1- العمل على تحرير الإسلام كثقافة وكمجال حضاري ومعرفي، من نزعات الإرهاب والقتل والغلو. وهي نزعات طالت في أعمالها المستنكرة البشرية جمعاء. وفي تقديرنا بمقدار ما يتمكن مجالنا الإسلامي من تحرير الإسلام كثقافة ومجال حضاري من نزعات الإرهاب والتطرف والقتل على الهوية، بذات المقدار تتبلور إمكانات المجال الإسلامي لتبوأ مواقع متقدمة في المشهد الإنساني والعالمي.

ومن الضروري في هذا السياق، أن ندرك أن القتل والإرهاب الذي يمارس بحقنا نحن المسلمين في مواقع عديدة من العالم، وعلى رأس هذه المواقع فلسطين المحتلة، وهي أعمال إرهابية ينبغي أن تدان من جميع أديان ودول العالم. أقول أن هذه الأعمال الإرهابية التي تمارس بحقنا، ليست مبررا كافيا لانطلاق نزعات إرهابية في محيطنا وفضائنا. فنحن ينبغي أن نقاوم الظلم والإرهاب الذي نتعرض إليه سواء في فلسطين أو في غيرها من المناطق، ولكنها المقاومة التي لا تتورط بعمليات القتل المجاني أو الإرهاب.. وبون شاسع على صعيد الرؤية والوقائع بين الإرهاب والمقاومة. وينبغي أن نتذكر دائما كمجال إسلامي أن التفوق الثقافي يستدعي تفوقا أخلاقيا.

2- المساهمة والمشاركة الجادة في مشروعات الحوار والتعارف والتلاقي بين الثقافات والأديان والحضارات. إذ أننا معنيون ببلورة المبادرات وبناء الأطر والمؤسسات، التي تعنى بشؤون التفاهم الإنساني والحوارات الدينية والحضارية. وفي تقديرنا أن تفعيل هذه الثقافة والمبادرات، سيقلص بشكل أو بآخر نزعات الحروب والصراعات المفتوحة في العالم كله. وينبغي أن لا نخضع هذا التوجه أو السياق إلى نطاق ردود الأفعال على ممارسات موضعية معينة، وإنما يبقى سياقا ثابتا في مسيرتنا الدينية والثقافية والسياسية.

فالمطلوب هو إطلاق مبادرات إنسانية - عالمية تستهدف اللقاء والتواصل والحوار بين جميع المنظومات الثقافية الإنسانية والعالمية، وذلك من أجل تفعيل المشتركات، وتطويق ومحاصرة نزعات الإرهاب والتطرف في كل المنظومات، والعمل على بناء وقائع إنسانية جديدة، تستند إلى قيم المحبة والعدالة والمساواة. فالبشرية اليوم تعاني من مشكلات عدة وخطيرة، واستمرار سيطرة نزعات التطرف والصدام في الفضاء العالمي، سيكلف البشرية جمعاء الشيء الكثير. لذلك ومن أجل سلامة البشرية وإخراجها من احتمالات الحروب والصدامات العنفية، تتأتى الحاجة إلى صياغة المبادرات الحوارية على المستويين الديني والحضاري، وذلك من أجل بناء حقائق إنسانية تبعد شبح الحروب والصدامات العنيفة. والإنسانية اليوم بحاجة إلى استحضار كل المخزون القيمي الإنساني، الذي يساهم في ضبط نزعات الإنسان الفرد والجماعة نحو السيطرة والهيمنة واحتكار مصادر القوة. ولا ريب أن الأديان من أبرز الروافد، التي أثرت البشرية ولا زالت بالكثير من القيم والمناقبيات، التي تساهم في تهذيب الحياة الإنسانية، وضبط نزعات الشر فيها.. ونحن هنا لا نروم توظيف قيم الأديان ومبادئها الأساسية لأغراض سياسية آنية ومرحلية وضيقة، وإنما ما نروم إليه هو أن تستهدي البشرية جمعاء بقيم الأديان العليا، وتعمل على إخضاع سياقاتها السياسية والثقافية والاجتماعية إلى مقتضيات هذه المبادئ والمثل العليا. فنحن نشعر بأهمية أن تحضر قيم الأديان الأساسية والعليا في حياة كل الأمم والشعوب. لأننا نعتقد أن هذا الحضور سيساهم بشكل أو بآخر في إغناء الحياة الإنسانية وابتعادها عن الكثير من نوازع الشر والتخريب. فالأديان في لحظتها التأسيسية وقيمها العليا، من الروافع الأساسية للإنسان فردا وجماعة على صعيد الأخلاق وأنماط العلاقة وسبل استثمار ثروات الأرض والطبيعة. ووجود لحظات أو فترات زمنية في كل المجتمعات والأمم، خضعت فيها المؤسسات الدينية للسلطان السياسي، وأضحت مسوقة لخياراته ونزعاته، لا يلغي بأي حال من الأحوال المخزون القيمي التي تحملها الأديان، وقدرة هذه الأديان الفذة على إغناء الإنسان ماديا ومعنويا. وأنه لا استقرار على الصعيد العالمي والإنساني، بدون استحضار قيم الدين العليا، وتفاعل الإنسان معها، بحيث يتحول إلى قوة دافعة لتجسيدها في الواقع الخارجي.

والقوة المعنوية للأديان في نفوس وعقول الناس، سيكون لها مفعولها الإيجابي والفعال لإرساء حقائق السلام ونبذ العنف في العلاقات الإنسانية والدولية. وكل النزاعات والحروب التي تعنونت بعناوين دينية، قيم الأديان الأساسية بريئة منها، وهي محاولة من قبل مشعلي الحروب لتوظيف السلطة الرمزية للدين في معارك سياسية أو استعمارية، تعود بالنفع السياسي والاقتصادي إلى النخب السياسية والاقتصادية السائدة.

فالأديان التوحيدية الكبرى، بكل قيمها ومبادئها، لا تشرع للقتل والحروب، وقيم ومبادئ الجهاد في الرؤية الإسلامية، ليست تشريعا للقتل وقهر الناس على الدخول في الدين الإسلامي، وإنما هي من أجل رد الاعتداء، ذلك الرد الذي لا يقع في مطب الاعتداء المقابل. والفرق الجوهري بين مفهوم الجهاد ومفهوم العنف هو أن الأخير (العنف) يعني ممارسة الإيذاء والعدوان لأهداف مشروعة أو غير مشروعة. بينما الجهاد في الرؤية الإسلامية شرع من أجل دفع الظلم ورد العدوان ومقاومة المعتدي.

فالالتزام بقيم السماء لا يشرع إلى العنف وإجبار الناس على ما ذهب إليه الملتزم، بل على العكس من ذلك تماما، حيث أن الالتزام العقدي والسياسي، يدفع بصاحبه إلى الدقة والالتزام الموضوعي وعدم التعدي على الآخرين مهما كانت المبررات والمسوغات. والدين كما هو معيوش، لدى كل الأمم والمجتمعات، بحاجة إلى نقد ومساءلة، لأن فيه العديد من العناصر والممارسات، التي لا تنسجم وقيم الأديان العليا. ويبدو على صعيد التجارب الدينية، أن المهمة الأساس هي تجسير الفجوة بين الدين كقيم معيارية، متعالية على الزمان والمكان، والدين كما هو معيوش ونسبي وخاضع لظروف الزمان والمكان. ولكون تجسير الفجوة على الصعيد الجمعي، من المهام الخالدة، تبقى أهمية أن يقبض الإنسان على قيمه العليا، ويستوعب مضامينها، ويعمل وفق إمكاناته المحدودة على تجسيد هذه القيم وتمثلها في حياته بكل مستوياتها.

وبالتالي فإن حوار الأديان الذي يقترب من شؤون الإنسان وثقافاته وخياراته، هو الوسيلة المطلوبة لتظهير قيم الأديان الأساسية، ولتطوير دور وتأثير هذه القيم على المشهد العالمي.

وفي هذا السياق العربي - الإسلامي، من الضروري الإشارة إلى أهمية حماية الوجود المسيحي - العربي، لأنه جزء أصيل من تكويننا القومي والثقافي، وإن محاولات تفريغ فضائنا العربي من الوجود المسيحي - العربي، هي محاولات تستهدف الإضرار بحاضر الوطن العربي ومستقبله.

لذلك نستطيع القول: أن حماية الوجود المسيحي - العربي، هو ضرورة قومية وواجب أخلاقي، يتطلب من جميع الأطراف في المجال العربي العمل على حماية هذا الوجود، واحترام خصوصيته الدينية، والعمل على إنهاء موجبات وأسباب الهجرة المسيحية من المجال العربي - الإسلامي.

الإسلام ومفهوم الحوار الديني

لا شك أن ما سمي في مدونات المؤرخين بصحيفة المدينة، وهي نص العقد والاتفاق الذي أبرمه الرسول صلى الله عليه وسلم، مع مكونات وتعبيرات مجتمع المدينة آنذاك، يعد من النصوص التأسيسية التي توضح بشكل لا لبس فيه طبيعة العلاقة القائمة، أو التي ينبغي أن تقوم بين مختلف المكونات الدينية والقومية للاجتماع السياسي الإسلامي. فهو (أي النص) " يكشف عن النوايا الحقيقية للإسلام الذي أقدم لأول مرة في التاريخ الحضاري على إنشاء مجتمع واحد مختلط (وطني وسياسي ومدني) حيث يقوم الناس على اختلاف أديانهم بمسؤوليات واحدة في حياتهم الدنيا".

ولقد استنبط العلماء والفقهاء هذه الحقيقة الدستورية والقانونية والسياسية من المقولة الواردة في صحيفة المدينة [لهم مالنا، وعليهم ما علينا]. فالحقوق كلها متساوية كما الواجبات. فالاختلافات الدينية أو السياسية لا تشرع للتمييز، بل تؤكد على ضرورة المساواة وتكافؤ الفرص. لذلك فإن العلاقة التي تؤسسها صحيفة المدينة، هي علاقة المساواة والتكافؤ ونبذ كل أشكال التمييز والتهميش.

فلقد جاء في الوثيقة [إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف، والقسط، بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط، بين المؤمنين. وبنو الحرث على ربعتهم، وبنو ساعدة على ربعتهم، وبنو جشم على ربعتهم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، وبنو أوس وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم. وإن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل].

وفي الإطار الديني فإننا نعتقد أن الحوار بين الإسلام والمسيحية لم ينقطع منذ بزوغ فجر الإسلام. ولقد اتخذ هذا الحوار أشكالا متعددة وموضوعات مختلفة. فتارة يكون الحوار ذا طابع لاهوتي - عقدي، يعنى بشؤون الربوبية والوجود والآخرة وما أشبه، وتارة أخرى يناقش قضايا معاصرة تهم الإنسان والمجتمعات المعاصرة. " وقد تجلى هذا الحوار أول تجلياته في القرآن الكريم، وكان ذا اتجاهين: أحدهما، يتمثل في دعوة المسيحية إلى الإيمان به، باعتناقه والاعتراف له بأنه يمثل الكلمة الأخيرة والكاملة في التاريخ الديني للإنسانية. وثانيهما، يتمثل في دعوة المسيحية – إذا رفضت الإيمان به - إلى التعايش معه بعد الاعتراف به. إذ لا يمكن التعايش مع الرفض والإنكار المطلق ".

فالرؤية القرآنية لا تفرق بين أنبياء الله تعالى، وتعتبرهم جميعا في قافلة واحدة، وهي قافلة الإيمان والهدى. يقول تبارك وتعالى [آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير] (1).

وكل الرسالات السماوية تشترك في الدعوة إلى العدالة وسيادة قيمها ومتطلباتها في الواقع الإنساني. قال تعالى [شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب، وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب] (2).

ووجه القرآن الحكيم إلى أهل الكتاب، نداء التعاون على مقاومة الظلم ونصرة الحق وإقامة العدل. قال تبارك وتعالى [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون] (3).

فـ " الموقف الأساس في الإسلام من الإنسان هو التكريم، بصرف النظر عن أي انتماء من الانتماءات. قال تعالى [ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا]. والتكريم الإلهي للإنسان نابع من السر الإلهي في الإنسان أنه نفخة من روح الله: [فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين]. [ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون].

وهو الذي اقتضى سجود الملائكة له. ومهمة الإنسان على الأرض هي أنه خليفة الله. فهذا الإنسان المكرم هو خليفة الله في الأرض: [وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون]. إن هدف الخلق الأول للإنسان هو أن يكون خليفة الله للإعمار وللوصول إلى التكامل الروحي " (4).

وعليه فإن تاريخ الإيمان وفق الرؤية الإسلامية تاريخ واحد، وأن تجليات الإيمان على ألسنة الرسل والأنبياء هي تجليات لحقيقة واحدة لا تفاوت في جوهرها، وإنما تتفاوت في سعتها وفي عمقها وفي إجمالها وفي تفصيلها.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف نظر القرآن الحكيم لأهل الكتاب. بالإمكان الإجابة على هذا السؤال من خلال النقاط التالية:

1- إن الذكر الحكيم علّم المسلم أن أهل الكتاب، هم سلفه في الإيمان الإبراهيمي، وأن بينه وبينهم قرابة المشاركة في هذا الإيمان، وإن إيمانهم جزء مقوم لإيمانه الإسلامي. قال تعالى [قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون] (5).

2- وعلى أساس الإيمان الجامع، وجه القرآن الحكيم المسلمين إلى الجامع التوحيدي نحو أهل الكتاب. قال تعالى [قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون] (6).

3- التعامل والتحدث معهم باحترام وتقدير، ولعل في تسميتهم بأهل الكتاب، للتأكيد على القرابة الروحية والإيمانية، ما يشير إلى هذه الحقيقة ويؤكد عليها، وصنفهم الذكر الحكيم إلى قسمين: منهم من استقام، ومنهم من انحرف. قال تعالى [ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين] (7).

وهذا النقد الذي مارسه القرآن الحكيم تجاه أهل الكتاب للاختلاف العقدي، لم ينعكس على التشريع الاجتماعي والسياسي. بل أكد القرآن الحكيم على مبدأ الاستقلال التشريعي لأهل الكتاب في جميع شؤونهم وأحوالهم. قال تعالى [وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون، وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون] (8).

وبالتالي فإن الاختلاف العقدي، لم يفضي إلى إلغاء شخصيتهم الثقافية بل على العكس تماما. حيث أن صيانة مبدأ الاستقلال التشريعي، قاد بدوره إلى استقلال الشخصية الثقافية وحرية ممارسة العبادة وكل الطقوس الدينية والشعائرية. بل إن القرآن الكريم وفي سورة كاملة (سورة البروج)، خلد ذكر شهداء نصارى نجران، وعبر عنهم بالمؤمنين ومدحهم. فقال عز من قائل [قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق].

وفي سورة الروم تسجيل صريح وواضح لتعاطف المسلمين مع المسيحيين في مواجهتهم وصراعهم مع المجوس الذين اعتبرهم مشركو مكة أقرباء روحيين لهم، في مقابل اعتبار النصارى أقرباء روحيين للمسلمين. قال تعالى [ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون].

فالرؤية الإسلامية والتجربة التاريخية الإسلامية الأولى، كلها مضامين وحقائق، تؤكد قيم الشراكة والاحترام المتبادل بين أهل الديانات التوحيدية الكبرى. ولكن ولعوامل سياسية واجتماعية وثقافية، نتجت ظواهر مضادة لتلك الحقائق والمضامين الثابتة.

الإسلام والتجربة المدنية.. مقاربة أولية

تتداخل عدة معطيات وقضايا عند تناول مسألة المجتمع الأهلي - المدني في الفضاء المعرفي العربي والإسلامي. منها ما هو مرتبط بالظرفية التاريخية التي تأسس فيها هذا المفهوم ودلالاته السياسية والمعرفية والاجتماعية، ومنها ما يرتبط بالحمولة الفلسفية والثقافية لهذا المفهوم الذي نشأ وتأسس في بيئة معرفية مغايرة لبيئتنا الثقافية والحضارية، ومنها ما يرتبط بجدوى هذا المدخل في تطور المجتمعات العربية والإسلامية.

وعلى هذا نستطيع القول: أن دراسة المجتمع الأهلي - المدني تنتمي إلى حقول معرفية متعددة، وذلك لأن مفهوم المجتمع الأهلي يتعدى الحقل السياسي، ويتداخل مع الحقول الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ودائما فعالية المجتمع الأهلي ـ المدني في تجارب الأمم والحضارات، مرهونة إلى حد كبير بمستوى الوعي ونوعية الثقافة السائدة، وطبيعة النظام السياسي والاقتصادي السائد.

فإذا كان الوعي بالحاجة إلى الديمقراطية والمشاركة في الشأن العام عميقا، فإن فعالية القوى الأهلية - المدنية ستكون قوية وصلبة ومستديمة. كما أن الثقافة المسئولة وذات الآفـاق الإنسانية والحضارية، ستحفز المجتمع على ممارسة أدواره ووظائفه الحضارية.

والنظام السياسي المتسامح، المؤمن إيمانا عميقا بالفعل المؤسسي، وبقيم التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية فإنه سيساهم في تطوير الحقل الأهلي ـ المدني، ويزيد من فعاليته، ويكثف من أدواره ووظائفه. وغالبا مستوى التطور الاقتصادي، يساهم ويؤثر في فعالية القوى الأهلية ـ المدنية. إلا أن الشيء الأساسي الذي ينبغي التأكيد عليه في هذا المجال، هو أن تأثير هذه العناصر ليس حتميا. بمعنى قد يتوفر الوعي بضرورة المشاركة، إلا أن عوامل أخرى سياسية - اقتصادية - دولية أو ما أشبه تحول دون تطوير الحقل الأهلي - المدني في الأمة.

لهذا فإن العامل الحاسم في تأثير هذه العناصر، هو إرادة المجتمع والأمة، وكفاحها الدائم من أجل انتزاع حقوقها والدفاع عن دورها التاريخي. فالأمة التي تمتلك إرادة الفعـل، وتمـارس إرادتها وتدفع ثمن ذلك، فإنها أمة ستحتضن مجتمعا أهليا متقدما وفاعلا . وذلك لأن الحقوق دائما لا توهب ولا تعطى وإنما هي تؤخذ وتنتزع، ويتم الوصول إليها عن طريق توفير الظروف الذاتية والموضوعية المؤهلة للممارسة المدنية المتطورة والمتقدمة.  فالحقل المدني - الأهلي لا يتطور في الأمم صدفة، وإنما هو وليد جهد وجهاد دائم ومستديم يتجه صوب تفعيل دور الأمة والمجتمع في العمران الحضاري، فهو في حالة تكوّن مستمر.

لذلك فإن يقظة الأمة، واستمرار نشاطها وشهودها الحضاري، هو حجر الأساس في استمرار تطور وفعالية الحقل المدني ـ الأهلي. وفي الاتجاه نفسه، فإن فعالية المجتمع المدني ـ الأهلي في الدائرة العربية والإسلامية، هو أحد تجليات ومصاديق شهادة الأمة على راهنها وعصرها.

في المفهوم والمضمون:

1- إن المجتمع المدني - الأهلي، ليس بديلا عن الدولة العادلة، والتي تأخذ على عاتقها مسؤولية البناء والتنمية. وإنما هو مكمل للدولة في الوظائف والمسؤوليات.

ويخطأ من يرى أن مقولة المجتمع المدني - الأهلي وضرورة تنميته وتطويره، يعني التخلي عن الدولة وضروراتها. فالمقصود بالمجتمع المدني - الأهلي جملة " المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة في استقلال عن سلطة الدولة لتحقيق أغراض متعددة، منها أغراض سياسية، كالمشاركة في صنع القرار على المستوى القومي، ومثال ذلك الأحزاب السياسية، ومنها أغراض نقابية كالدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضاء النقابة، ومنها أغراض مهنية كما هو الحال في النقابات للارتفاع بمستوى المهنة والدفاع عن مصالح أعضائها، ومنها أغراض ثقافية كما هو في اتحادات الكتّاب والمثقفين والجمعيات الثقافية التي تهدف إلى نشر الوعي الثقافي وفقا لاتجاهات أعضاء كل جمعية، ومنهـا أغــراض اجتماعية للإسهـام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية " (9).

فالمجتمع المدني ـ الأهلي، هو تعبير عن مساهمة الأمة بمختلف شرائحها وفئاتها في الشأن العام، وفي المقابل حتى لا تطغى إرادة الدولة وتتحول إلى كيان مستبد، يلتهم الجميع،ويسعى نحو إذابة كل التعبيرات الذاتية للأمة.

فالمجتمع المدني - الأهلي يعني ممارسة الأمة لدورها في البناء والعمران، كما أنه وسيلة الأمة لمنع تغوّل الدولة وطغيانها.

والمسألة ليست مقايضة بين الدولة والمجتمع الأهلي، وإنما هي الطريقة التاريخية والحضارية لتحقيق التوازن والتفاعل والتكامل المنشود بين الدولة والأمة.  وهو الذي يوفر للأمة إمكانية الاختيار السياسي والحضاري. وهذا هو الذي يؤسس الحكم على اختيار شعبي حر، ويضعه في كل الأحوال تحت المراقبة المستمرة لقوى المجتمع المدنية ـ الأهلية.

" وكلما غلبت المدنية على شعب زاد تمسكه بحقوقه في اختيار السلطة العمومية، وزادت مشاركته في صنع القرار المتعلق بمصيره الجماعي والفردي. وإذا كان غياب الديمقراطية في الوطن العربي قد نجم في البداية عن عوامل تاريخية واجتماعية وأيدلوجية عديدة ومعقدة، أهمها إرادة التغيير السريع ومواجهة التهديد الإسرائيلي فقد أصبح غياب هذه الديمقراطية اليوم سببا أساسيا من أسباب وقف التغيير وحبس التقدم وتدهور الموقف العربي عموما تجاه إسرائيل والنفوذ الأجنبي. فهو في أساس الحرب الأهلية الكامنة والمعلنة داخل المجتمعات العربية ومصدر فساد النخب السائدة واستهتارها بالمصالح العامة وتخليها عن القضية القومية وتفرغها للإثراء الفاحش " (10).

فالحركية الأهلية المتجهة إلى تطوير الحقل المدني - الأهلي في الأمة أضحت ضرورة قصوى، لما يقوم به هذا الحقل من نقد واقعي لأسس الاستبداد والفردية والحكم المطلق، ولما يشكــله هـذا الحقـل مـن قدرة استيعابية لمختلف الفئات والشرائح الاجتماعية. " وبالنسبة للوضع الراهن في الوطن العربي، المشكلة ليست في غياب المجتمع المدني كوحدة خاصة مستقلة عن الدولة وإنما المشكلة تكمن في نزوع الدولة الدائم إلى إلغاء أي استقلالية على أي مستوى كان لهذا المجتمع المدني، أي أن المشكلة هي في رغبة الدولة في التدخل في الكبيرة والصغيرة لهذا المجتمع، وإلغاء القدرة الخاصة بالتنظيم الذاتي له. والنتيجة هي خنق المجتمع، أي سد كل المتنفسات الذاتية له، وتحول الدولة إلى جدار من الصقيع يلغي أي إرادة داخلية للمجتمع " (11).

فالأزمة لا تكمن في غياب نواة المجتمع المدني - الأهلي في الفضاء العربي والإسلامي، وإنما في تغوّل السلطة واستبداديتها والمنطق الأمني الذي يتحكم في كل المسارات والاتجاهات.

فالمضمون الجوهري لمفهوم المجتمع المدني ـ الأهلي، هو شعور عميق ومتواصل بذاتية المجتمع، وقدرته على تنظيم نفسه وممارسته للحريات، وحماية ذاته من كل النـزعات التسلطية، وعـوامل التهميش والإقصاء والنفي سواء جاءت من الداخل أم الخارج.

2- ويعني المجتمع المدني - الأهلي، نمط من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، قائم على العمل المؤسسي، متجاوزا بذلك كل الأنماط والسياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، التي لا تخرج عن واقع الأنا الضيق، وتسعى نحو تحجيم نشاطها في إطار من الامكانات الشخصية بوحدها. فكل نمط مؤسسي، يمارس فعلا اجتماعيا عاما أو سياسيا أو ثقافيا، فهو جزء من مفهوم المجتمع المدني - الأهلي.

3- تنظيم المجتمع وقدرة القوى الاجتماعية المتعددة في المنطلقات والغايات، على إرادة تنافسهما وعملهما في محيط اجتماعي محدد بوسائل سلمية ـ حضارية.

فالشأن العام في المجتمع، يدار عن طريق قوى اجتماعية تتكامل مع بعضها البعض بشكل مباشر أو غير مباشر، وتتنافس مع بعضها بوسائل تثري الواقع المجتمعي وتنضجه وتزيد من خبرته في إدارة تنافس أبناءه أو صراعهم.

وأساس هذا التنظيم المجتمعي، والتنافس السلمي في إدارة الشأن العام، هو تفعيل القواسم المشتركة بين هذه القوى، والتسالم والتراضي على جملة من المنطلقات والغايات التي تكون تطلع الجميع، حتى وإن اختلفت أساليب الوصول، وتعددت وسائل التعبير عن هذه المنطلقات والغايات.

فالمجتمع المدني ـ الأهلي هو عبارة عن الإطار المؤسسي لممارسة المسؤولية الدينية والوطنية. وسمة هذا التنظيم المجتمعي أنه ذاتي، أي أن سعي المجتمع إلى تنظيم نفسه في أطر ومؤسسات وجمعيات وهيئات، يتم بإمكانات المجتمع ذاته، ومن أجل تحقيق غاية مجتمعية أيضا.

فالدعوة إلى تقوية المجتمع المدني - الأهلي، تعني العمل على " محاصرة للدولة وسلطتها المطلقة، وهو إحياء للمبادرات القاعدية وبث للروح في المؤسسات والمنظمات والتضامنات الشعبية المختلفة " (12).

وبهذا تكون الأولوية هي تعظيم دور الأمة والمجتمع، ومنع تغوّل الدولة وتحولها إلى كيان شمولي، والعمل على تحريك كل فئات المجتمع وشرائحه في عملية البناء والنهضة. وبالتالي تكون الأولوية لتأسيس مجتمع عربي - إسلامي فاعل يمارس دوره ويتحمل مسؤولياته التاريخية، ويقوم بحمل مشعل التقدم والنهضة، ويشارك بفعالية في تذليل كل العقبات التي تحول دون التقدم الشامل.

وأهلنة المجتمع (إذا جاز التعبير) ليست شعارا أو يافطة، وإنما هي وعي ورؤية وإرادة ونظام مجتمعي يتجه صوب (الأهلنة) في كل الحقول والمجالات.

وتنمية المجتمع الأهلي اليوم، هو سبيل الأمة لصيانة حقوق الإنسان وكرامته، وطريقها للإسراع في مشروع التنمية الشاملة وخيارها الإستراتيجي لزيادة مستوى المشاركة الشعبية في الشؤون العامة، وهو الرافعة الحقيقية اليوم لأهداف الأمة الكبرى وقضاياها المصيرية والحاسمة.

الإسلام والمجتمع المدني:

هناك علاقة وثيقة بين المدينة والإسلام، إذ ارتبط الإسلام منذ انطلاقته الأولى بالمدن وحواضر الجزيرة العربية، وتأكد هذه الارتباط مع هجرة الرسول (ص) إلى يثرب التي سارع رسول الله إلى تسميتها بالمدينة. فعلاقة الإسلام بالمدينة والحواضر علاقة حميمة، إذ أن مجـموع قيمه ومبادئه تدفع نحو الإقامة والاستقرار النفسي والاجتماعي. وقد قال تعـالى [الـذين أمنوا وتطـمئن قلـوبهم بـذكر الله ألا بـذكر الله تطمـئن القلوب] (13).

ومن المؤكد أن الإقامة والاستقرار الذي يوفرهما الدين الإسلامي، من الشروط الضرورية لتأسيس المـدينة وفق قواعد ومتطلبات تزيد من فعالية الناس وحيويتهم الحضارية.

والمدينة أو الحاضرة لم يجعلها الإسلام بلا قانون وترتيب إداري يساهم في تنظيم شؤون المدينة من جميع النواحي، وإنما عمل على تنظيم شؤون المدينة، ودفع باتجاه الحشد واستكمال الجماعة، وحارب كل النوازع التي تحول دون استقرار المدينة وتطورها النفسي والاجتماعي والحضاري.  ويبقى خيار الإسلام الأول انطلاقا من رؤيته وخبرته وعلاقته بالمدينة والحواضر، أنه يسعى إلى تمدين الريف وغرس القيم المدنية والحضارية في محيطه وأجوائه. عكس الخيار المتبع عند الكثير من المدارس والأنظمة اليوم، التي فرضت خياراتها ومشروعاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية ترييف المدن والحواضر، وذلك عبر المجتمعات الهامشية وأحزمة البؤس ومجتمعات الصفيح التي تشكلت في ضواحي المدن.

فالخيارات الاقتصادية والتنموية المتبعة، هي التي أرغمت أبناء الريف والقرى إلى الهجرة القسرية إلى المدن والحواضر بحثا عن لقمة العيش.

والإسلام هنا لم يلغ نظام الطاعة الطبيعي، إلى الأسرة، العشيرة، القبيلة، وإنما جعل طاعتهم في سياق طاعة الشريعة والالتزام بقيمها ومبادئها. ولقد جاء في الحديث الشريف (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) (14).

فالإسلام أسس مفهوم الطاعة على أسس جديدة، ومعايير متعالية عن معايير التراب، فالطاعة أضحت مع الإسلام إلى الشريعة وليس إلى أي معيار آخر. ولا شك أن طاعة الشريعة والالتزام بقيمها وترتيب المواقف والخيارات وفق هديها، هو من الشروط الأساسية للاستقرار السياسي والحضاري، وخلق المجتمع المدني - الأهلي في المجالين العربي والإسلامي.

والطاعة وفق هذا المنظور، هي التي تصهر التمايزات أو تجعلها في سياق الوحدة والبناء والانفتاح والتسامح، بدل أن تكون وسيلة وسببا للانكفاء والانعزال والتفتت والانخراط في مشروعات تجزيئية، تزيد من ضعف الأمة على المستويين السياسي والحضاري.

وفي التاريخ العربي والإسلامي، نرى نموذج الحالة المدنية في فعاليات المدينة الإسلامية، والدينامية الاجتماعية التي عبرت عن نفسها بأشكال من التوازن بين التدخل السلطاني، الذي يتمثل في مؤسسات الوالي والقاضي والمحتسب وصاحب الشرطة، وبين الحاجات الاجتماعية (المدنية) التي عبرت عن نفسها بإبتداع أشكال من المؤسسات التي تقوم بممارسة دورها في هذا الصدد.  " فالنشاط المديني الذي تركز بشكل أساسي في الإنتاج الحرفي والتجارة انتظم في (الأصناف) ، وهذه الأخيرة هي تنظيمات اجتماعية تراتبية متماسكة، كـل تنظيم فيها يُعبر عن أهل حرفـه من الحرف.  والمـلاحظ أن التنظيم (الصنف) الذي يدعوه البعض الطائفة، يعتمد تراتبية أهل الصوفية إبتداءً مـن المبتدئ (المريد) إلى الصانع، إلى المعلم، إلى شيخ الحرفة … إلى شيخ السوق.  وبين كل مرتبة تقوم أعراف وطقوس وأخلاقيات وتقنيات تعبر بدورها عن التفاوت الحاصل بين كــل مرتبة ومرتبة في المعـرفة والقيـمة، أي وفقـا لـدرجات تحصيل أو معرفة (سر المهنة) الذي أضفي عليه الطابع القدسي ـ الديني " (15).

فالروح والتراتبية المعنوية، اللتان يبثهما النشاط المديني تشكلان نقطة الانطلاق والتطوير للمسألة المدنية في المجالين العربي والإسلامي.

إذ أن تراث العرب والمسلمين التاريخي في هذا الإطار، ثري، ومتوفر وذو مضمون عميق على مستوى التجربة التاريخية، والخبرة التي أوجدها في النسيج المجتمعي. وذلك لأن التحولات القسرية أو الفجائية، يصحبها تمزق اجتماعي رهيب، لا يجعلها منتظمة في سياق متكامل، وإنما يحولها وكأنها جزيرة معزولة عن المحيط العام.

والذي يؤكد هذا الاتجاه (الانطلاق من التجربة المدينية العربية والإسلامية لتنمية مؤسسات المجتمع المدني - الأهلي في الفضاء العربي والإسلامي) هو أن القيم المدنية والدينية في الإطار الإسلامي منصهرة فيما بينها، وهناك تطابق محمود بين القانون الديني والقانون المدني في التجربة الإسلامية التاريخية.  وانطلاقا مما يذكره (دونالد سميث) حول الفرق بين النظم العضوية ونظم الكنيسة الدينية، يمكن اعتبار الإسلام دينا عضويا، وذلك لأنه يتضمن قيما ومبادئ تعلي من الشأن المدني والإنساني، وهذه القيم هي التي تحدث قفزة نوعية في علاقة الإنسان بالمكان والزمان، وعلاقته مع بني جنسه، لذلك فإن " المديني في جميع أشكاله القديمة والحديثة يظهر كواقع جديد، أو كنتيجة لتمفصل النظام الاجتماعي والنظام المكاني. بين العلاقات الاجتماعية والعلاقات المكانية رباط جدلي لا يمكن اختزاله إلى أحد طرفيه، وإذا صح أن نسمي الواجبات الاجتماعية نظاما فإن حيز المدني، حيز الظروف الجديدة، يشكل بذاته نوعا من التجاوز، أي عامل تغيير وتحقق. من هنا فإن المدينة لا تعكس بشكل سلبي نظاما معينا، ولكنها تلعب أيضا دورا نشطا في تحويل هذا النظام ذاته وفي استخدامه، فهي تنظم جملة من الاحتمالات والمحظورات التي في ظلها يتطور أفراد وجماعات وأقوام يرسمون إستراتيجيات مختلفة لتحقيق أهداف خاصة أو جماعية " (16).

ويبدو لي أن القفزة النوعية، التي تحدثها القيم المدنية في النسيج المجتمعي، هي التي تبرز كطاقة خلاقة متجهة إلى بناء واقع اجتماعي يتمثل هذه القيم على مستوى علائقه المختلفة، ويتجسد كنموذج يطمح إلى التوسع والامتداد، بحيث يكون هو النسق الاجتماعي السائد. وعلى هدى هذا نستطيع أن نقول: أن المسألة المدنية كقيم متجسدة في حركة الإنسان الخاصة والعامة، وكشبكة للعلاقات الإنسانية،لا يمكن فهمها خارج السياق التاريخي لواقعنا ومجتمعنا.

لهذا نحن بحاجة دوما إلى البحث عن الإطار والقاعدة اللتين تحتضنان هذه القيم وتطورها في المحيط العام. وبكلمة يبقى الإسلام شرطا ضروريا لتأسيس المجتمع المدني - الأهلي وتطوير آليات عمله في المجالين العربي والإسلامي. وذلك بفعل أن الإسلام يعظم دور الأمة والمجتمع في العمران الحضاري، ويجعل الدولة مؤسسة من مؤسسات الأمة وليس العكس. ولا ريب أن المدخل الفعال لدراسة المجتمع المدني - الأهلي وموقف الإسلام ودوره في هذا الإطار، هو أن المجتمع المدني - الأهلي جزء من الأمة التي يوليها الإسلام العناية الكاملة، ويجعلها قطب الرحى في عمليات البناء والتنمية.

وإن التجربة التاريخية الإسلامية، تشكل حافزا حقيقيا وتجربة ثرية تساهم في بلورة خياراتنا تجاه صوغ مجتمع أهلي عربي - إسلامي جديد، يأخذ على عاتقه تجديد الحركية الاجتماعية الإسلامية، ورفـدها بروافد جديدة وإغناءها بخبرات وإمكانات جديدة أيضا.

وهذا المجتمع المدني - الأهلي سيشارك في إعطاء عالم الإسلام اليوم شخوصه العالمية في كل مجال وفي المنابر كافة، ويتيح لعالمنا الإسلامي المساهمة الجادة في تكريس نظاما عالميا جديدا أكثر تسامحا وإيمانا ومسؤولية وحرية.

والمصادر الإسلامية تنطوي على قيم عديدة، تحفز على العلم والعمل وإعمال العقل والسعي لإعمار الأرض، والارتقاء بالحاجات المتعددة للإنسان. وكل هذه القيم تمثل جوهر المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي.

فتحقيق المجتمع المدني - الأهلي بالمفاهيم المجردة أمر غير ممكن، وإغفال التجربة التاريخية الإسلامية في هذا المجال، لا ينجز مشروع إنماء المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي، وإنما يزيد من تخبطنا وترددنا.

لذلك من الضروري استدعاء التجربة التاريخية الإسلامية الأهلية، ومساءلتها للتعرف على منطق عملها وحيويتها وأدوارها، وإشراك القوى الاجتماعية في إنجاز برنامج إنماء المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي.

فالحركية الأهلية لا تتواصل وتتراكم بمعزل عن قوى المجتمع الحية، بل هي التي ترفد الحركية الأهلية بإمكانات التواصل وأسباب الاستدامة.

فالقوى المجتمعية هي صانعة المجتمع المدني - الأهلي وهي هدفها في ذات الوقت. حيث الغاية هي تطوير هذه القوى على المستوى النوعي والكمي، حتى تشارك في العمران الحضاري.

والقدرة على الاستدامة والتطوير أمام تحديات الراهن المتعددة، لا تتأتى إلا بحيوية المجتمع المدني - الأهلي الإسلامي وفاعليته وتحمله لمسئولياته الدينية والوطنية.

وإن هذه الحركية الأهلية لا تأتي جاهزة، وإنما هي بحاجة إلى بناء نظري وعملي وممارسة مجتمعية مستديمة تبلور الوسائل الملائمة والإستراتيجيات الفعالة التي توصلنا إلى حركية أهلية مؤسسية تتجاوز الأشخـاص، وتستمر في العمل والعطاء وفق نسق مؤسسي متطور.

وفي المجال العربي والإسلامي المعاصر، لا زال هناك الكثير مما ينبغي عمله، حتى يترسخ العمـل المؤسسي المدني - الأهلي، وتسير مجتمعات هذا المجال الحضاري في تجاهها.

" وإن المواطنية هي التمتع بالحرية السياسية، أي بحق المشاركة من مستوى الندية، والمساواة في تقرير مصير الجماعة الإنسانية. ولا وجود لحرية سياسية دون وجود علاقة وطنية، أي أمة، واندماجا سياسيا - ممارسة سياسية عملية - في الجماعة. إن النـزوع إلى الحرية، وإلى بناء الأمة كإطار للاندماج والمشاركة الجماعية في مستوى الندية وتحمل المسؤولية الجماعية، هو أحد محركات وحوافز التغيير الرئيسية اليوم في منظومات قيم المجتمعات العربية وهو بذرة ثورية ممكنة، ولا بد من الرهان عليها، في بنــاء الديمقراطية كإطـار لعلاقة اجتماعية جديدة، مؤسسة على الاعتراف الفعلي بالمواطنية ".

ويضيف إلى أنه " أصبح العمل من أجل الحرية والتماهيات المدنية والسياسية، يساوي العمل من أجل بناء الصدقية الذاتية وتأسيس الفاعلية، أي احترام الذات والنظر إلى النفس كمستودع لقيم إيجابية. ولعل هذا الطلب المتزايد على المواطنية، أي على بناء وطنية حقيقية قائمة على تأسيس علاقات تضامن واعتراف متبادل وتعاون شامل، لا تذوب في الشعارات الخارجية أو التعبئة السياسوية، هو اليوم النبع الأعمق للنـزعة الديمقراطية " (17).

ويوفر المنظور الإسلامي ثقافة توحيدية، تناقض المسار الانشقاقي والتمزيقي، وتسعى إلى زيادة الروابط ومستوى التعاون بين أبناء المجتمع الواحد، وتؤسس ذلك على قاعدة أخلاقية سامية من حسن الظن والتواضع ومساواة الذات مع الآخر ونزع الغل والأحقاد من النفوس والقلوب.

ومن الطبيعي القول: أن انحسار الثقافة الانشقاقية والتمزيقية في المجتمع، يساهم بشكل كبير في توطيد أركان الحقل المدني - الأهلي، ويزيد من فعاليته وأداءه.

والمجتمع المدني - الأهلي، هـو أحد جسور الأمة لإنجاز تطلعاتها وتنفيذ طموحاتها. لذلك من الأهمية بمكان العمل على تطوير ثقافة مدنية ـ أهلية، تبلور مسؤوليات المجتمع، وتحمله دورا ووظائف منسجمة واللحظة التاريخية.

وإن تجذير هذه النوعية من الثقافة في المحيط الاجتماعي، سيضيء سبلا هامة لمبادرات المجتمع ورياديته في العمران الحضاري. وذلك لأن هذه الثقافة ستنشط من حركية المجتمع وتزيده تماسكا في طريق البناء والتنمية، وتعزز بعضه بعضا، وتعمق في نفوس أبناء المجتمع الثقة والفعالية والانفتاح على الأفكار والتجارب الجديدة، والمرونة التي لا تعكس ضعفا وهزيمة، وإنما مرونة قوامها الثقة بقدرة الآخرين على المشاركة في البناء، والتسامح حيال الاختلافات والمواقف القلقة والملتبسة.

وإن الوصول إلى مجتمع عربي - إسلامي جديد، يأخذ على عاتقه مسؤولية التاريخ والشهادة على العصر، بحاجة إلى تنشئة ثقافية وسياسية جديدة، تغرس في عقول ونفوس أبناء المجتمع قيما جديدة تنشط الحركية الأهلية، وترفده بآفاق جديدة، وإمكانات متاحة، وتطلعات حضارية. والتنشئة الثقافية والسياسية، من الوسائل الهامة التي تساهم في تطوير الحقل المدني - الأهلي في الأمة.  وإن شبكة العلاقات الاجتماعية، كلما كانت متحررة من رواسب الانحطاط والتخلف، وبعيدة عن آثارهما النفسية والعامة، كلما كانت هذه الشبكة قوية وفعالة. وإن التنشئة الثقافية والسياسية السليمة، تساهم مساهمة كبيرة في حركية هذه الشبكة وقدرتها على تجاوز المحن والابتلاءات، وتوفر لها الإمكانية المناسبة للتعاطي مع اللحظة التاريخية بما يناسبها وينسجم مع متطلباتها. وهي " وسيلة فعالة لتغيير الإنسان، وتعليمه كيف يعيش مع أقرانه، وكيف يكوّن معهم مجموعة القوى التي تغير شرائط الوجود نحو الأحسن دائما، وكيف يكوّن معهم شبكة العلاقات التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ " (18).

وفي إطار البناء العلمي والثقافي الذي يؤسس ركائز الحركية المدنية - الأهلية، ينبغي العناية بالمفاهيم والقيم التي تشكل مداخل ضرورية ومفاتيح فعالة لدفع قوى المجتمع نحو البناء المؤسسي. وكذلك قراءة الأحداث والتطورات، واستيعاب منطقها وتجاه حركتها والمفاهيم المتحكمة في مسارها. و"  إن ما ينبغي الحديث عنه، وما يشكل أداة مفهومية أوضح وأسهل للبحث هو مجموعتان من العوامل الداخلية، لا تتماهى مع التراث، وإنما تغطي البنى المحلية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، كما نشأت في إطار التحرر من الماضي من جهة، وفي إطار التأثر بالخارج في العقود الماضية من جهة ثانية، أي من حيث هي ثمرة للتفاعل السابق بين التراث المجروح والمهتز، وأحيانا المدمّر، وبين الحداثة بما هي مجموعة الأنماط الجديدة التي فرضت نفسها على وسائل وطرق إنتاج المجتمعات، لوجودها من الناحية الفكرية والخيالية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والإستراتيجية معا.  أما المجموعة الثانية فهي العوامل التاريخية التي ترتبط ببنى النظام العالمي، من حيث هو ترتيب لعلاقات القوة على الصعيد الدولي، وبسياسات الدول المختلفة الكبيرة والصغيرة الوطنية، وما ينجم عنها من تعارض في المصالح، ومن نزعات متعددة للهيمنة والسيطرة والتحكم بمصير المجتمعات الضعيفة، للاستفادة من مواردها، واحتواء ثمار عملها وجهودها " (19).

ومن خلال هذه القراءة الواعية والدقيقة تتضح الظروف الموضوعية والمؤشرات العامة، التي تؤسس لشبكة التضامن الاجتماعي والتآلف الداخلي بصورة حيوية وفعالة.

وهذا لا شك هو شرط تحويل الظروف الموضوعية والمؤشرات العامة التي تدفع باتجاه الخيار الديمقراطي والمدني إلى واقع ملموس وحركة اجتماعية متواصلة. وبالتالي تتصاعد قدرة المجتمع على إجهاض كل مشروع ارتدادي، وترتفع وتيرة الحركية الاجتماعية باتجاه البناء المدني والمؤسسي.

فالوعي الذاتي بالظروف الموضوعية وقوانين حركتها، هو شرط الاستفادة منها، وتوظيفها بما يخدم أهداف الوطن والأمة.

وبهذه العناصر والقيم، يكون المجتمع بكل شرائحه وفئاته مسئولا عن تطوير ذاته، وتجديد رؤيته لنفسه ولدوره التاريخي.

ومن المؤكد أن تطوير هذا التوجه في المحيط الاجتماعي، سوف يؤدي إلى إحداث شكل أو أشكال من المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والعامة. والمجتمع الذي يفتقد الوعي والإرادة، فإنه ينـزوي عن راهنه، ويعيش الهامشية، ولا يتحكم في مصيره ومستقبله. لذلك فإن بداية تطور الحقل المدني - الأهلي في الفضاء العربي والإسلامي، هي في عودة الوعي بضرورة هذا الحقل في البناء والعمران، وامتلاك إرادة مستديمة لتحويل هـذا الوعي إلى فعل مجتمعي متواصل، يتجه إلى تطوير وترقية وتنمية الحقل المدني - الأهلي في الأمة. وفي المجال نفسه يمارس هذا الحقل دور إنتاج وسائل التغيير والتطوير في المجتمع.

وبهذا يكون الحقل الأهلي في الأمة، هو حجر الأساس ونقطة البداية، في مشروع العمران الحضاري الجديد.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

..............................

الهوامش

(1) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 285.

(2) القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية 13 – 14.

(3) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 64.

(4) الشيخ محمد مهدي شمس الدين – الحوار الإسلامي – المسيحي – نحو مشروع للنضال المشترك، ص 119، الطبعة الأولى، بيروت 2004.

(5) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 136.

(6) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 64.

(7) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 113 – 114.

(8) القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 47 – 48.

(9) ندوة، المجتمع المـدني في الوطـن العربي، مركـز دراسـات الوحدة العربية، ص 854، الطبعة الأولى، بيروت 1992م.

(10) برهان غليون، حوارات من عصر الحرب الأهلية، ص 128، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 1995م.

(11) المصدر السابق، ص 173.

(12) برهان غليون، مجتمـع النخبة، ص 280، معهد الإنماء العربي، الطبعة الأولى، بيروت، 1986م.

(13) القرآن الكريم، سورة الرعد، الآية (28).

(14) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج 74، ص85، مؤسسة أهل البيت، بيروت، 1990م.

(15) وجيه كوثراني، مشروع النهوض العربي أو أزمة الانتقال من الاجتماع السلطاني إلى الاجتماع الوطني، ص 93، دار الطليعة، الطبعة الأولى بيروت 1995م.

(16) مجلة الفكر العربي المعاصر، ص 50، عدد 29، مركز الإنماء القومي، كانون الأول 1983 / كانون الثاني 1984م.

(17) جورج جقمان وآخرون، حول الخيار الديمقراطي ـ دراسات نقدية، ص 121، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 1994م.

(18) مالك بن نبي، ميلاد مجتمع - شبكة العلاقات الاجتماعية، ص 100 ـ دار الفكر، الطبعة الثالثة، دمشق 1986م.

(19) حول الخيار الديمقراطي، مصدر سابق، ص 114.

 

المدخل: لا يختلف اثنان على أن الأديان منذ عصور النشأة تسهم في تكوين التاريخ البشري وتصوغه على وفق معاييرها ومقاساتها، وتنطبع حركة الانسان بالموجهات الدينية فتصطبغ الافعال الانسانية بمضمون الاوامر، وتختفي الظواهر التي جعلتها الاديان في دائرة التروك فالدين والتاريخ حقيقتان متلازمتان من جهة صيرورة التاريخ وكونه الحاضن للتفكير الديني على طول الأزمان وإن تأثير الدين على التاريخ حقيقة لا يعتريها الشك، فهي ناتج استقراء تام لاحدى حقائق الوجود الاساسية لكن الاشكالية في تأثير التاريخ على الحقائق الدينية وتسرب قضايا تاريخية لكي تصبح عقيدة دينية.وهذا هو محل الخلاف في هل للتاريخ تأثير على الدين؟ بحيث تتسلل بعض مقولاته ووقائعه لتكون جزءاً من منظومة الدين، ويضيف عليها القداسة التي يتمتع بها الدين نفسه لتكون جزءاً من منظومة العقائد والقوانين الدينية.

عن هذه الاشكالية يتركز هذا البحث وازاءها ينقسم الباحثون إلى اتجاهات وآراء:

فمنهم من لا يرى ذلك الاندماج من حيث الافتراض ذلك لأن الأديان السماوية من عند الله والتاريخ من صنع البشر، لكنه يُقّر بإن الواقع والفكر الديني يتداخلان، فالوقائع التاريخية تداخلت مع القضايا الدينية وحسب هذا الافتراض فإن بعض الوقائع حينما تتحول الى جزء من المضمون الديني فإن ذلك يعني أن ما هو من صنع الإنسان اندمج مع التصورات الدينية

- ترى مجموعة اخرى أن الجانب التطبيقي للنص الديني (التجربة البشرية) وإن عكست المضمون الديني إلا أنها تبقى جزءاً من التاريخ لذلك تعامل على أنها نزعة بشرية موجودة في التطبيقات من دون أن تتحول إلى قضايا دينية ولعل هذه الإشكالية ليست حصراً في التجربة الدينية الاسلامية إنما كانت ملازمة لأغلب التجارب الدينية(1) فقد وجد بعض الباحثين في الفكر التلمودي محاولة الغاء الفروق بين تاريخ الجماعات اليهودية كسلوك جمعي وبين الدين اليهودي، وعليه فان الأعراف الدينية اليهودية تصر على أن تاريخ اليهود كله مقدس لأنه – على تعبيرهم –ليس من صنع الانسان انما تعبير عن ارادة الله الكامنة في القدرات البشرية، ولأن اسرائيل المصطفى من (الرب) يتدخل في صنع التاريخ لصالح شعبه المختار وإن ملوك اليهود هم نواب الله في الارض(2).ناهيك عن ان فكرة الحلول تفضي الى زوال الثنائية بين الخالق والمخلوق وهنا يتداخل المطلق مع النسبي، فيتداخل الثابت من النصوص الدينية مع المتغير التاريخي بحيث يظهر ذلك بصورة اندماج بين الفعل الإلهي المقدس، واحداث التاريخ الانساني.ويجد المتابعون فكرة تذكر في الأدب العبري وهي ان ما حل باليهود كما يوردها الفكر التلمودي عقوبة على ما ارتكبوا من الإثم، وهذا يعني ان التاريخ يصنعه الله وما يصنعه الله يكتسب القداسة(3) فالهزائم الحربية عند أحبار اليهود تحمل مغزىً دينياً ولها تأويل لاهوتي(4)، من ذلك صار مفهوماً أن قداسة الشعب اليهودي ليس بسبب (الإله) الذي (اجتباهم) كما تورده النصوص التوراتية فقط إنما في حقيقة الأمر بسبب تقديسهم للتأريخ الذي اعتبروه من فعل الله،وكما يقدّس (المتدينون) في كل الأديان العصور الاولى لتجربتهم الدينية ويعتبرونها العصور المؤسسة لمعيارية الصحة، تجدهم يفترضون (نهاية خلاصية وحتمية) لمجريات الأحداث تعيد (الرؤية الدينية الاولى إلى واقع الحياة) في يومها الأخير ضمن قوانين الحتمية المطلقة التي تدخل ضمن البلاغات الدينية، من دون أن يكون للفعل الانساني دور في هذه النهاية ومثال ذلك (الاستكالوجيا) في الفكر المسيحي أو فكرة الماشيح في الفكر اليهودي، فهي نهاية فردوسية تتحقق بتدخل الاله في نهاية التاريخ وهذا التدخل يلغي التاريخ البشري وما حققه النشاط الانساني(5).

وفي المسيحية ايضاً تجد مضامين تاريخية كثيرة مرتبطة بالدين، بحيث تحولت تلك الوقائع الى دراما دينية ففي فصولها الاولى سقوط آدم في الخطيئة وتلحظ واضحا دخول الله في صناعة التاريخ في اسفار الانجيل وشروحاته

لقد ظهر القديس اوغسطين (354م) بوصفه واحداً من ابرز مفكري المسيحية الذي رفض فكرة التعاقب الدوري في التاريخ، فلجأ إلى تقسيم التاريخ الى سبع حقب، تبدأ بآدم ثم ابراهيم ثم داود، ثم عصور الأسر اليهودي، وولادة عيسى وعصره، ثم عصر (القيامة الثانية للمسيح) ونهاية التاريخ التي يصنعها الإله. وبذلك يفصل اوغسطين بين المدنية الالهية، والمدنية الارضية (الحضارات) لكن جديده انه يقر بانهما خطان متوازيان يسيران لهدف واحد(6). ان هذا التمازج بين التاريخ والدين في الأديان الكبرى يؤدي الى القول بأن منطق الفكر الديني بعامة منطقاً واحداً، وهو ما يتحقق في عموم التجربة الدينية على الرغم من أن الحقيقة الجوهرية تؤكد ان النص الديني ثابت ومعزول عما هو تاريخ.

ومثل ما وجدنا في اليهودية والمسيحية فان المفكرين المسلمين تعاملوا مع التاريخ ايضاً ضمن خط سير يبدأ من بدء الخليقة (آدم) مروراً بالامم السابقة والانبياء ومعجزاتهم الى الدولة الالهية العادلة (دولة المنقذ الالهي)، لكن المسلمين ينفردون بان التاريخ – من منظور قرآني – يخضع للسنن الكونية الثابتة(7) أي انه ناتج صيرورة لقوانين فاعلة وثابتة. وبهذه السنن يمكن القول إن الاسلام يمنح الانسان دوراً مهماً في حركة التاريخ طالما بذل جهداً في إطار تلك القوانين لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم....) (8) ونجد في ثنايا النص الديني عشرات الشواهد التي تقرر ضرورة الاعتبار بمآلات الامم السابقة ودراسة تاريخها بوصفها أفعال انسانية وصلت إلى خواتيمها ولكن طبقاً للقانون الكوني، ونجد في القرآن الكريم رؤية للزمن الممتد إلى نهاية التاريخ بالخاتمية الدينية ومفهوم الهيمنة القرآنية على النصوص الدينية السابقة ومقولة نسخ الأديان بالاسلام، مع ملاحظة ان التاريخ الديني السالف قد ذكره القرآن للاعتبار به والتأسي وليس للاعتقاد بتكراره، وإنه أوكل للانسان صنع مدنياته المتعددة تحت المفهوم القرآني للاستخلاف وأتاح للعقل البشري أن يشرّع لمنطقة الفراغ ويملأ ما سكت عنه النص من خلال الممارسة العقلانية.

التقارب التاريخي مع النصوص التأسيسية للدين:

اختار جمع من الباحثين الحديث عن تاريخ النزول القرآني فقسموه (زمنياً) إلى ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعدها وقد سميّ فيما بعد المكي والمدني، ولوحظ في النزول القرآني ايضاً عبارة عن ارتباط النص بالوقائع والافعال التاريخية التي سميت أسباب النزول، وهي تعني أحداثاً محددةً موجودةً فعلاً نزل النص الديني بما يجعل لها حكماً ووصفاً دينياً، فالعلاقة بين النص الديني والتاريخ علاقة مسببة وتوصيفية غير اندماجية كما أن افعال النبي الأكرم واعماله الادارية والسياسية انما صارت نصوصاً دينية فلأن القرآن أعطاها صفة العصمة وعدم احتمال صدور الخطأ والسهو عنه فكان حكمها حكم النص القرآني وإن كانت من حيث الصدور ذات سمة بشرية، ومن ذلك بناء أول مدينة في تاريخ العرب وإنشاء مجتمع المدينة المحاط بدستور المدينة المنورة (9).بحيث تعد تلك التجربة محاولة تأسيسية لإقامة الدولة المثلى أو النموذج المثالي الذي يعلو على كل النماذج اللاحقة، وعند تعريف السنّة المطهرة: نرى أن كتب علم الاصول تذكر ان أفعاله أما جبلية فلا تجب المتابعة وأما خاصة فهي له وأما بيان للشرع كالحج والصلاة (10) لأن أفعال النبي الأكرم (ص) وتصرفاته وإن كانت فعلاً إنسانياً فإنها تعد فعلاً دينياً فأفعاله إمضاءٌ أو إقرار على صحة سواء على جوازه وأحياناً على وجوبه على الناس مثل أفعال الحج وأفعال الصلاة وتفاصيل العبادات الأخرى وغيرها، أما مواقفه العملية فإن أهل العلم اختلفوا في ثباتها على أقوال:

الأول: إنها أفعال إلهية لا يمكن اعتبارها متغيرة زمنياً، والثاني فرّق بين الفعل النبوي المراد به التدبير والسياسة وبين أفعاله المراد بها ايصال الأوامر الإلهية الثابتة للناس عن طريق أفعاله،

وعليه فإنه يجب الاقتداء به في هذه البلاغات النبوية عن الله، والاستئناس بأفعاله وسياساته التدبرية(11).

وهناك فريق ثالث يخلص إلى ان الاصل في كل أفعاله انها تبليغ إلا ما قام الدليل على أنه تدبير زمني، بينما يرى فريق رابع أن طبيعة الواقعة ونمط فعله أو قوله (ص) حول الواقعة هو الذي يحددها من جهة الثبوت والتغير، فإذا كانت الواقعة ثابتة ودائمة فهي تبليغية، أو حكمها ثابت بثبات موضوعها – دون أن يتغير – وإذا كانت (زمنية) فالأصل ان الحكم يتغير بتغير الموضوع، وعلى كل حال فإن التجربة العملية للنبي الأكرم (ص) على الرغم من أنها تاريخ فالحكم عليها من حيث كونها تتحول الى دين لكنه مرتبط بمعايير الثبات والتغيّر، فالمتغيّر لا يعد ديناً أو تبليغاً إلهياً ثابتاً، إنما يعد اجتهاداً صائباً ومسدداً من الله تعالى لكنه صالح لزمن ما، ولا يفرض على الأزمان الأخرى، وللأزمان الاخرى أحكامها طبقاً لطبيعة الموضوع المتغير جوهرياً أو المتغيرة بعض سماته كما انه طبقاً للقواعد الكلية عامة.

التداخل بين التأريخ والدين في فهم القرآن الكريم:

في النظر في آيات الكتاب المجيد نجد مجموعة من الآيات التي تشرّع الأحكام لها معطيات زمنية تاريخية قد انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقوال:

أ/ ما يرى أن النص والتفسير والتموضع الزماني والمكاني والممارسة التاريخية كل ذلك دين يتعبد به، ويعد من المقدسات غير القابلة لاعادة النظر او المراجعة بناءً على معطيات التطورات الاجتماعية والمدنية وهؤلاء هم أغلب المفسرين والفقهاء.

ب/ ويرى آخرون: إن هذه النصوص تحمل في ثناياها حقائق قانونية جوهرية يمكن أن تطبق كجوهر (كمعايير أساسية) على كل الأزمان والأحوال كل بحسبه تطبيقاً كلياً لا تفصيلياً بما لا يتصادم مع الحركة الطبيعية لتطور الإنسان ولا يحصل الاعتناء بما التصق بالنص من قضايا زمنية.

ج/ من يعتبر النص والمفهوم الفكري من النص كله تاريخ زمني متغير ومنحصر في الماضي وعليه يلزم التعامل معه على أنه (تراث تاريخي)، يمكن أن تتم الاستفادة منه كسوابق تطبيقية للنص ويعتمد.بعد اجتيازه عتبة المنطق المعاصر

وكمثال على ذلك: موضوع غنائم الحرب الذي ورد في القرآن الكريم حكمها (اعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه....) (12)، فهذه الآية تاولها المفسرون الشيعة على انها تشمل (مطلق الكسب المالي) سواء بالسلم أو الحرب وركزت اغلب تفاسير السنة على أنها فقط في غنائم الحرب، وفي هذا الصدد نرى ان الآية في مقام بيان حق الدولة في الغنائم، وليست في مقام بيان حقوق الأفراد فهي تشرّع واجباً للدولة، ولا تتحدث عن حقيقة واقعية وهي امتلاك المرء لنواتج عمله، لأن هذا من البديهيات إلا أن صرفها – لغنائم الحرب – عند مفسري المدارس الاسلامية الأخرى من غير الإمامية، جعلهم يفكرون في التقسيم الحسابي للمتبقي من الغنائم فجعلوا خمسها لمن حددتهم الآية، واربعة أخماسها للمقاتلين لأنهم السبب المباشر في تحصيلها.

وقد كان واقع الحال آنذاك ان المجاهد الذي يلتحق بالجيوش المدافعة عن الكيان الاسلامي كان يتحمل– وحده – تجهيز نفسه بالدرع والسلاح والزاد والمؤونة له ولعيالهِ، وليس له إلا العطاء العام الذي تعطيه الدولة للناس كافة حاله حال القاعدين، لذلك اعتبرت الغنائم حقاً له فجعل له اربعة أخماسها، زيادة على أن العرب عند بدء التجربة الاسلامية كانوا اُمة تمارس الغزو ضد بعضهم وكانت الغنائم حافزاً من حوافز ذلك القتال، لذلك فإن تفسير الآية المزدوج (الكشف عن حق الدولة والكشف عن حقوق الغانمين) مرده أمران التأثر بالوضع التاريخي والاجتماعي لتلك الأجيال، والاستجابة للوضع التنظيمي لسرايا الجهاد آنذاك، بيد أن هذا الفهم قد تحول إلى فقه أو قانون شرعي اكتسب الصفة الدينية، والتزمت به الدولة والناس وامتلأت به كتب الجهاد والمغازي والسير والاحكام السلطانية، حتى عاد التفكير بمراجعته واعادة النظر فيه مسالة تحتاج الى شجاعة كبيرة وموجبة لمواجهات حادة، لأنه خروج عن مألوف صار مستقراً في أذهان الناس لأكثر من ألف عام بحيث تحول إلى (حقائق دينية ثابتة)، ولأجل التوثيق فقد أسندوها إلى إجماع الفقهاء ليكتسب سمة دينية.

ومن ذلك: ما تتفق عليه أغلب كتب السير من أن العالم يقسم إلى دارين دار الاسلام ودار الحرب، وقد ظهر بعد فترة تقسيم جديد ثلاثي سمي فيه (دار العهد) كأنه حالة وسطى بين الدارين ويترتب على كلٍ منها مجموعة من الآثار والأحكام والتداعيات بعضها تداعيات مهمة وعلى درجة من الخطورة داخلياً واقليمياً وعالمياً، بيد أنه الاساس لهذا الرأي هو (انصياع الفقهاء) للسائد التاريخي آنذاك، إذ أن العالم في عصر الفقهاء الأوائل (القرنين الثاني والثالث الهجريين) كان مقسماً على أساس ديني، وليس على أسس قومية أو كتل اقتصادية أو أساس جغرافي.. كما هو حال الدول اليوم، فهل تقسيم العالم إلى دار الحرب ودار الكفر أو دار الاسلام هو أصل ديني أو هو حقيقة إجتماعية تاريخية أمضاها الفقهاء فتحولت إلى (رؤية دينية)، ومثل ذلك موضوع السبي والاسترقاق، بسبب الأسر في الحروب.وغيره الكثير

وهذه أمثلة من التطبيقات الفقهية التي عرّفها التراث بانها جزء من تطبيقات القرآن الكريم، والحق: إن الآيات التي تستند عليها هذه التطبيقات ليست نصاً في هذه الممارسات، وقد تقدم القول في آية الغنيمة، من جهة اخرى أجد انتقالات تاريخية إلى حيز الدين لم أظفر بنص ديني فيها مثل تقسيم العالم إلى الدارين، كما انني لا أجد النص المستند اليه في الاسترقاق نصاً قاطعاً في مشروعيته فقوله تعالى (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما من بعد واما فداء، حتى تضع الحرب اوزارها) (13) لا يفيد أكثر من الحث على القتال مع المعتدين فإذا وقع بيدكم أسرى بدلالة (الوثاق) فأما أن تطلقوا سراحهم أو تفادوهم بأمثالهم.

ويلاحظ الرازي ان الحصر لا يجوّز القتل ولا الاسترقاق انما يصرح بالمن والفداء، ولا يرى صحة الاستدلال بان ذكر العام جائز في سائر الأجناس، ويجد نفسه مضطراً للاشارة إلى أن النص قدم المَن على الغداء(14).

لكننا نجد ان عموم الفقهاء قد وضعوا مدونات في أحكام الاسير الذي يسترقه (الفاتحون) ويجعلونه عبداً إذا كان من الرجال، أما النساء والصبيان فهم ذرارى وسبي يتملكهم الغانمون ملكاً مطلقاً ويتصرفون بهم كأنهم مال، وبالتتبع ربما نجد ان هذه الاحكام (الفقهية) هي استجابة للوضع التاريخي السائد آنذاك، بل هي جزء من مبدأ المعاملة بالمثل الذي كان الوضع فيه آنذاك يقتضي إجراء الامور بحسب الأعراف.

يقول السرخسي في المسيوط (ان ابا بكر هو أول من سبى النساء والذرارى من بني حنيفة) (15) ثم يقول فاذا جاز ذلك في المرتدين كان في المشركين أولى.ويقول الشافعي (واذا سبيّ الرجال والنساء والولدان، ثم اخرجوا الى ديار الاسلام فلا بأس ببيع الرجال من أهل الحرب وأهل الصلح والمسلمين) (16). وهكذا نجد ان الاسترقاق بالأسر تحول من معطيات تاريخية إلى قضايا فقهية ذات طبيعة دينية.

ومن الأمثلة على المستوى الفقهي نجد إن أحكام التداول السلعي وشروط صحة البيع نجد نهي الرسول الأكرم عن ربا البيع التفاضلي في الأصناف الستة (الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب) مما اضطر بعض الفقهاء الى توسيع هذا النطاق باستخدام القياس إلى ما يناظره من حيث الخصائص الذاتية (للسلع) وليس من حيث حاجة الناس لتلك السلع حتى يرد النص بالتبادل المتماثل بالكم فالوقوف عند هذه السلع معناه تحول التاريخ الى دين ثابت.

إن كل الأمثلة مما تقدم هي في الفقه ويمكننا أن نجد الوقائع التاريخية التي تسللت إلى نطاق الدين في مضمار العقائد واضحة فعندما نقف على مقالات الاسلاميين للأشعري فإننا نراه (يقول: اختلف المسلمون عشرة أصناف) وبعد أن عدّد تلك الأصناف وجعل يعدد مقالات كل صنف(17)، ونجده يذكر أن حركة الخوارج عبارة عن (تمرد بتأويل) على السلطة الشرعية، وقد تحول ذلك التأويل ذات المرجعية التاريخية والغطاء النصي إلى دين عند الخوارج اقتضى قتل(مرتكب الكبيرة) لأنهم اعتبروه كافراً، إذ كانوا يرون ان دار مرتكب الكبائر دار كفر (اي مخالفيهم) (18)، فيجوز فتحها وتدميرها.واذا كانت محنة ابن حنبل مع المعتصم العباسي قد أعطت لابن حنبل مكانة كبيرة في نفوس الناس البسطاء إذ اعتبروه المتمسك بالسنة والتدين الصحيح المنطبق على ما كان عليه السلف فإنهم قد تحولوا به من رجل صاحب رواية للحديث إلى رمز أنتج مجموعة مفاهيم عقائدية، ومع تغيّر الأحوال عندما تولى المتوكل فقد أعطاه واصحابه حق اعادة تشكيل الرؤية الفكرية وكانت اللحظة التي ظهر فيها الترادف المقصود أي التساوي بين (اصحاب الحديث وأهل السنة) بحيث ظهر لأول مرة مصطلح أهل السنة وهذا المصطلح لم يكن قبل عصر ابن حنبل، وهم تاريخياً يرون ان (طبقة السلف) هم اصحاب الفضائل وهم الرعيل الاول المميزون برضا الله، وقد اضطرتهم وقائع التاريخ الذي سجل نزاعاتهم أن يقرروا ضرورة الامساك عما شجر بين الصحابة ثم يسلسلون بعض الصحابة بالأفضلية بحسب توليهم الخلافة، وقد تبنى أهل الحديث تاريخياً الصلاة بالعيد والجماعة مع كل إمام بر أو فاجر. وكانوا يرون وجوب الدعاء للسلاطين بالصلاح ولا يخرجون عليهم بالسيف فكل تلك المواقف عبارة عن معطيات تاريخية، بسبب قوة الدولة، لكنها تحولت فقهيا إلى عقائد دينية.

وتعد واقعة السقيفة (تاريخياً) واقعة ذات وجوه الأول كونها المبرر لمشروع التفضيل المستند على اختيار قادة مراكز القوى للخلفاء وبذلك يتحولون إلى رموز دينية ويتحول سلوكهم وقراراتهم إلى مستند ديني، والثاني انها عند الشيعة تعني الركون الى ارادة الناس المضادة لإرادة الله على أساس ان تنصيب الإمام علي (ع) كان بأمر الله ونصه عليه، وهنا تقاطع التاريخ مع النص فكانت الغلبة للأساس التاريخي الذي سرعان ما تحول إلى دين من خلال حصانة الصحابة، والسكوت عما أخطأوا فيه، وعدم الولوغ في شجاراتهم وتفضيلهم والدعوة إلى عدالتهم جميعاً عدالة مطلقة.ويلاحظ ان اغلب معتقدات الصوفية التي اتخذت من بعض النصوص القرآنية والنبوية غطاءً لها كانت ثقافات مجتمعية(19) وانعكاسات تاريخية وهكذا نجد في جوانب العقائد والقيم العامة والفقه ما تسلل من التاريخ إلى حيز الدين فأصبح ديناً يتعبد به الناس.

جدلية القضايا السياسية والاجتماعية المعاصرة:

لطالما يردد الاخوة المتدينون مقولات واراء ووجهات نظر عن النبي الاكرم ص والائمة ع واتباعهم في تشكيل مواقفهم إزاء المشكلات العامة التي تتكرر بشكل متفاوت عبر الازمان، ويهملون المتغيرات الظرفية بكل أنواعها تلك التي أضحت غير عابرة لفجوة كبيرة بين ازمان العهد الرسالي الأول وما اعقبه لغايه أوائل القرن الرابع الهجري وبين ازماننا التي تغيرت فيها العلاقة بين الانسان والانسان وبينه وبين الأشبينه وبين المخترعات التكنولوجية التي أسهمت في تغير (نمط التفاعلات الاجتماعية ووفي صيرورة تحديد الوجهة والغايات ولعل هذا النوع من القياس على عصر النبي والمعصومين بوصفة (معيارا) لصحة ما بعده من مواقف يشتمل على فارق في القياس وفيه مجموعة إشكاليات منها:

ان العالم حينما يتغير تتغير موازينه ومعاييره واعرافه وتقاليده وبديهياته، و انا هنا لا اميل الى فكره القطيعة او التغير السلوكي التام والكامل، فان كبريات المفاهيم والثوابت تبقى وان كانت قليله تلك التي لا تتغير تماما بل ربما تتغير مصادقيها، كتغير مصاديق العملة من الدينار الذهبي والدرهم الفضي الى العملة الورقية اوخطابات الضمان المصرفية وعليه سيعاد النظر في احكام النقد فتبقى ضمن مخطط الالتزامات في القروض والتعاملات فنجد ان اهمال المتغير يؤدي الى ان الذهن التقليدي يقيس على (ما لا يقع في ذات النطاق كلا او بعضا) لذل ينبغي ان ندرك ان طبيعة العمل السياسي حاليا تختلف كثيرا عما كانت علية في العصور المذكورة أعلاه، وعلية فان التكتلات السياسية الإسلامية يلزمها مراجعة ذلك بأناة وصبر ودقة.

وكمثال فقط يستدل الاخوة على مقولة الامام علي (ع) الناس صنفان ويعدونها مستندا (للدول المدنية) وهذا استدلال قياسي ولكن على جزء من العلة، فنموذج الدولة المدنية يعني في احسن احواله ان يرسم للدين والتدين والشريعة مجالا محددا يتحرك فيه و لرجال الدين مهمات محددة لا يتجاوزونها ويحدد ان المشرع هو الشعب (بممثلية) وانه المراقب على الحكومة هم ومن يزكيهم ممثلو الشعب، في حين ان تلك الأمور محل نظر ونقاش وجدل ساخن مع دعاة المدنية ان هذه الرؤية التي ترى تباين الوقائع بين ازمان المعصومين (ع) وازماننا تحتاج الى تأصيل منهجي، يصلح دليلا على صوابها

يرى الشيخ محمد مهدي شمس الدين: ان من موارد الخلل في الاستنباط والقياس والاستدلال على احكام الوقائع الحاضرة، ارتكاز الفقهاء بان النص التشريعي (الروائي) هو نص مطلق من جميع جهاته، والحال ان كثيرا من النصوص الروائية هي نصوص حكمت واقعة، ويكون بعضها تدبيري لأوضاع ذلك الزمان

وان المطلق من النصوص القرآنية (اطلاقا تاما زمانيا فيه مرونة النظر الى تبدل الأحوال، اما في السنه الشريفة فلا نلزم بإطلاقها دائما لان فيها مدى زمني محدود وعليه لا بد من إعادة النظر فيما يعتبره الفقهاء انها اطلاقيه لان فيها الكثير مما يتصل بالتدابير لوصف الرسول او الامام بانه المرشد العام والحاكم المسؤول عن ادارة ذلك المجتمع وتنظيم شؤونه، فليس كل ما ورد في النصوص احكام ابدية وهذا واضح في نطاق النصوص وهي اجلى دلالة من الممارسة العملية الاجمالية، اذ ان السنه القولية اعلى رتبة من السنه الفعلية

وذهب الشيخ شمس الدين الى ان في الشريعة مبادئ عامه وثوابت وكليات، وهي أسس دستورية ثابتة، لذلك تقبل من المستحدثات فقط ما لا يتنافى مع تلك المبادئ دون الحاجة لإيجاد الدليل على المشروعية لان الراجح ان الأصل الاباحة، وان التحريم يحتاج الى دليل تفصيلي.

وبذلك تتسع مرونة التشريع بقبول المفيد والصالح من المستجدات دون ان تقيد ذلك القبول بالحاجة الى دليل نصي على المشروعية، وتحفز على الحركة الإيجابية في خضم تطور المجتمعات البشرية والتعامل مع العالم بمادياته وامكانياته وتحولاته دون أي خطوة باتجاه التقدم الحضاري (1) ما دامت لا تتنافى مع القيم والاسس العامة للعقيدة والشريعة

ويستدل الشيخ شمس الدين

1- بان المسلمين الأوائل تمكنوا من تطوير نطاق الاشتغال على وفق الشريعة ونقلوها من نطاق البداوة الاجتماعي الى مستوى مدنية البلدان المفتوحة ولم ينتابها القلق بأخذ الصالح من حضارة الفرس والروم ولم يشعروا انهم خالفوا شرع الله وان كانوا قد (اسلموا) تلك التدبيرات التي اخذوها من حضارات عصرهم ويستدل الشيخ شمس الدين بان واحدا من المبادئ الكبرى المبدأ القاضي بمراعات الحياة

2- ان المخرج من مبدأ شمول الشريعة يوجد في فقه العناوين الثانوية التي تتغلب على مقتضى العناوين الأولية والتي تقارب الى حد ما مبدأ الاستحسان، لانها تنظر للواقعات الطارئه والمستجده (1)

3- كشف السيد الصدر الأول عن مبدأ الفراغ التشريعي والمناطق التي يعمل بها. كوسيلة للتعاطي مع العالم الجديد ومخترعات الانسان

4- ان الاستنباط في مجال العبادات يستنبط من نصوص مطلقة وعامة في الزمان والاحوال فليس هناك مسوغ لرفع اليد عن اطلاق النص الا بمقيد (لفضي او لبى)

5- ان نصوص السنه النبوية والروايات عن المعصومين في مقاصدها تؤسس لتشريعات حياة متحركة متغيرة ذات بوصلة متجهة للتقدم واسعاد الانسان، فهي ليست صيغه ثابته لا تغير فيها ولا تبديل، ومما ليس للاجتهاد مجال فيها، فالمعاملات تشريعات لحياة تستوعب التقديم لا سيما في الحياة التنظيمية للمجتمع)

6- هناك في خفايا الاستنباط مبدا الغاء الخصوصية الظرفية للنص، وهو مبدا لا غبار عليه

7- ان نسبية فهم النص التدبيري هي نسبية الظرف الخاص الى عموم (الزمان المتحرك والمتغير) وعموم الأمكنة الجغرافية وال وينطبق هذا التوصيف المبرهن على الفقه السياسي وفقه المرأة وفقه الخمس والزكاة النقدين والجهاد الابتدائي كامثله لتنظيم الشيخ شمس الدين (1)

متغيرات التكنولوجية فالنص التدبيري خاص بالواقعة والحالات المشابهة والمماثلة لحالته فحتى لو وصل النص الينا مطلقا ومجردا من الخصوصيات فالحكم بأطلاقه يعوزه (زياده التأمل والمقارنة النسبية ولا تكفي حجة (التعبد الشرعي بالنصوص) لأنها غير معلومة الثبوت.

الفارق التاريخي في الممارسة السياسية والاجتماعية المعاصرة:

لطالما يردد الاخوة المتدينون مقولات واراء ووجهات نظر عن النبي الاكرم ص والائمة ع واتباعهم في تشكيل مواقفهم إزاء المشكلات العامة التي تتكرر بشكل متفاوت عبر الازمان، ويهملون المتغيرات الظرفية بكل أنواعها تلك التي أضحت غير عابرة لفجوة كبيرة بين ازمان العهد الرسالي الأول وما اعقبه لغايه أوائل القرن الرابع الهجري وبين ازماننا التي تغيرت فيها العلاقة بين الانسان والانسان وبينه وبين الأشياء، وبينه وبين المخترعات التكنولوجية التي أسهمت في تغير (نمط التفاعلات الاجتماعية ووفي صيرورة تحديد الوجهة والغايات ولعل هذا النوع من القياس على عصر النبي والمعصومين بوصفة (معيارا) لصحة ما بعده من مواقف يشتمل على فارق في القياس وفيه مجموعة إشكاليات منها:

1- ان العالم حينما يتغير تتغير موازينه ومعاييره واعرافه وتقاليده وبديهياته، و انا هنا لا اميل الى فكره القطيعة او التغير السلوكي التام والكامل، فان كبريات المفاهيم والثوابت تبقى وان كانت قليله تلك التي لا تتغير تماما بل ربما تتغير مصادقيها، كتغير مصاديق العملة من الدينار الذهبي والدرهم الفضي الى العملة الورقية اوخطابات الضمان المصرفية وعليه سيعاد النظر في احكام النقد فتبقى ضمن مخطط الالتزامات في القروض والتعاملات فنجد ان اهمال المتغير يؤدي الى ان الذهن التقليدي يقيس على (ما لا يقع في ذات النطاق كلا او بعضا) لذل ينبغي ان ندرك ان طبيعة العمل السياسي حاليا تختلف كثيرا عما كانت علية في العصور المذكورة أعلاه، وعلية فان التكتلات السياسية الإسلامية يلزمها مراجعة ذلك بأناة وصبر ودقة.

وكمثال فقط يستدل الاخوة على مقولة الامام علي (ع) الناس صنفان ويعدونها مستندا (للدول المدنية) وهذا استدلال قياسي ولكن على جزء من العلة، فنموذج الدولة المدنية يعني في احسن احواله ان يرسم للدين والتدين والشريعة مجالا محددا يتحرك فيه و لرجال الدين مهمات محددة لا يتجاوزونها ويحدد ان المشرع هو الشعب (بممثلية) وانه المراقب على الحكومة هم ومن يزكيهم ممثلو الشعب، في حين ان تلك الأمور محل نظر ونقاش وجدل ساخن مع دعاة المدنية ان هذه الرؤية التي ترى تباين الوقائع بين ازمان المعصومين (ع) وازماننا تحتاج الى تأصيل منهجي، يصلح دليلا على صوابها

يرى الشيخ محمد مهدي شمس الدين: ان من موارد الخلل في الاستنباط والقياس والاستدلال على احكام الوقائع الحاضرة، ارتكاز الفقهاء بان النص التشريعي (الروائي) هو نص مطلق من جميع جهاته، والحال ان كثيرا من النصوص الروائية هي نصوص حكمت واقعة، ويكون بعضها تدبيري لأوضاع ذلك الزمان

وان المطلق من النصوص القرآنية (اطلاقا تاما زمانيا فيه مرونة النظر الى تبدل الأحوال، اما في السنه الشريفة فلا نلزم بإطلاقها دائما لان فيها مدى زمني محدود وعليه لا بد من إعادة النظر فيما يعتبره الفقهاء انها اطلاقيه لان فيها الكثير مما يتصل بالتدابير لوصف الرسول او الامام بانه المرشد العام والحاكم المسؤول عن ادارة ذلك المجتمع وتنظيم شؤونه، فليس كل ما ورد في النصوص احكام ابدية وهذا واضح في نطاق النصوص وهي اجلى دلالة من الممارسة العملية الاجمالية، اذ ان السنه القولية اعلى رتبة من السنه الفعلية

وذهب الشيخ شمس الدين الى ان في الشريعة مبادئ عامه وثوابت وكليات، وهي أسس دستورية ثابتة، لذلك تقبل من المستحدثات فقط ما لا يتنافى مع تلك المبادئ دون الحاجة لإيجاد الدليل على المشروعية لان الراجح ان الأصل الاباحة، وان التحريم يحتاج الى دليل تفصيلي.

وبذلك تتسع مرونة التشريع بقبول المفيد والصالح من المستجدات دون ان تقيد ذلك القبول بالحاجة الى دليل نصي على المشروعية، وتحفز على الحركة الإيجابية في خضم تطور المجتمعات البشرية والتعامل مع العالم بمادياته وامكانياته وتحولاته دون أي خطوة باتجاه التقدم الحضاري (20) ما دامت لا تتنافى مع القيم والاسس العامة للعقيدة والشريعة

ويستدل الشيخ شمس الدين

1- بان المسلمين الأوائل تمكنوا من تطوير نطاق الاشتغال على وفق الشريعة ونقلوها من نطاق البداوة الاجتماعي الى مستوى مدنية البلدان المفتوحة ولم ينتابها القلق بأخذ الصالح من حضارة الفرس والروم ولم يشعروا انهم خالفوا شرع الله وان كانوا قد (اسلموا) تلك التدبيرات التي اخذوها من حضارات عصرهم ويستدل الشيخ شمس الدين بان واحدا من المبادئ الكبرى المبدأ القاضي بمراعات الحياة

2- ان المخرج من مبدأ شمول الشريعة يوجد في فقه العناوين الثانوية التي تتغلب على مقتضى العناوين الأولية والتي تقارب الى حد ما مبدأ الاستحسان، لانها تنظر للواقعات الطارئه والمستجدة (21)

3- كشف السيد الصدر الأول عن مبدأ الفراغ التشريعي والمناطق التي يعمل بها كوسيلة للتعاطي مع العالم الجديد ومخترعات الانسان

4- ان الاستنباط في مجال العبادات يستنبط من نصوص مطلقة وعامة في الزمان والاحوال فليس هناك مسوغ لرفع اليد عن اطلاق النص الا بمقيد (لفظي او لبى)

5- ان نصوص السنه النبوية والروايات عن المعصومين في مقاصدها تؤسس لتشريعات حياة متحركة متغيرة ذات بوصلة متجهة للتقدم واسعاد الانسان، فهي ليست صيغه ثابته لا تغير فيها ولا تبديل، ومما ليس للاجتهاد مجال فيها، فالمعاملات تشريعات لحياة تستوعب التقديم لا سيما في الحياة التنظيمية للمجتمع)

6- هناك في خفايا الاستنباط مبدا الغاء الخصوصية الظرفية للنص، وهو مبدا لا غبار عليه

7- ان نسبية فهم النص التدبيري هي نسبية الظرف الخاص الى عموم (الزمان المتحرك والمتغير) وعموم الأمكنة الجغرافية والمتغيرات التكنولوجية فالنص التدبيري خاص بالواقعة والحالات المشابهة والمماثلة لحالته فحتى لو وصل النص الينا مطلقا ومجردا من الخصوصيات فالحكم بأطلاقه يعوزه (زياده التأمل والمقارنة النسبية ولا تكفي حجة (التعبد الشرعي بالنصوص) لأنها غير معلومة الثبوت،

وينطبق هذا التوصيف المبرهن على الفقه السياسي وفقه المرأة وفقه الخمس والزكاة النقدين والجهاد الابتدائي كصور وامثله لتنظيم الشيخ شمس الدين (22)

***

أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد

...........................

(1) ويد جيري: التاريخ وكيف يفسرونه 1/149

(2) عويس: عبد الحليم: فلسفة التاريخ /75

(3) للتفاصيل: المسيري: عبد الوهاب موسوعة اليهود ص10

(4) الشرقاوي: عفت: ادب التاريخ /117

(5) المسيري: عبد الوهاب: موسوعة اليهود 71

(6) اوغسطين، مدينة الله، ص177

(7) محمد باقر الصدر: السنن التاريخية ص11

(8) سورة الرعد /11

(9) وثيقة المدينة الدولة الحضارية ص54

(10) الآمدي 1/148

(11) السرخسي: الاصول، 3/86

(12) سورة الانفال 41

(13) سورة محمد \4

(14) الاشعري: مقالات 1/2

(15) الاشعري مقالات الاسللاميين 1/22

(16)....: نشوء الحضارة الاسلامية 1/262

(17) الرازي: مفاتيح الغيب ج5\ 49

(18) السرخسي: المبسوط 6/165

(19) الشافعي: الام 4/408

(20) الشيخ شمس الدين: الاجتهاد والتجديد ص 127

(21) مثل فضل الماء والكلا، واكل لحوم الحمر الاهلية، ظ ص 129

(22) ظ الاجتهاد والتجديد ص. 131

في الفكر الشيعي

تعد الموجة الاصولية العنيفة التي تتعاظم في مجتمعاتنا اليوم واحدة من اهم المعضلات الكبرى التي تميز القرنين الاخيرين لما تشتمل عليه من فكر متعصب يتدرع وراء الدين ويدمر المدنية والانسان باسم الدين.

وعلى وفق المنطق الغربي فقد أخذ مصطلح الاصولية مدياته الدلالية الخاصة بالثقافة الأوربية وأصبح اسما للحركات الدينية المسيحية التي تنشغل بالتأصيل المنقطع عن الحاضر الذي يقرأ تلك النصوص قراءة حرفية ثم فرضته الترجمة ووسائل الإعلام الغربية وصنّاع الموقف الثقافي على المجال التداولي العربي فصار اسماً للتيارات الإسلامية التي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر كالأفغاني والسنوسي وغيرهم، وتنامت دلالته في القرن الماضي حتى إذا أوشك في نهايات القرن العشرين اسما لعدد من الجماعات الدينية سواء كانت مؤسسات او احزاب او منظمات او حركات اجتماعية لاسيما بعد تفكك امبراطورية الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى التي تفككت ولاياتها الى دول صغيرة على وفق معاهدة سايكس بيكو وخضعت تحت الانتداب والادارة الاستعمارية وضمن تداعيات الحرب الاولى وانهيار دولة الخلافة الدينية فقد حصلت في هذا الوقت تحولات فكرية ثلاثة:

التحول الفكري الابرز

وهو التحول من الغيبوبة الحضارية في العالم الاسلامي إلى الرغبة في استعادة الدور الحضاري وقد تطلب ذلك في رايهم اعادة قراءة الاسلام من جديد فتبنوا النزعة السلفية بدعوى استرداد الهوية الحضارية والتزموا اراء أبن تيمية الحراني. (ت 726هـ) كانموذج للمواجهة الحضارية مع الغرب ولأغراض استعادة الهوية الحضارية وإعتماد فكر المواجهة لهيمنة الغرب على العقل الإسلامي فقد تحولت النزعة السلفية من مجموعة دينية لها منهجها في قراءة للنص الديني إلى حركات ذات نزعه سياسية تجسدت في أحزاب وحركات تتبنى فكرة الإسلام السياسي مثل حركة الاخوان المسلمين في مصر وحزب التحرير في فلسطين والاردن. وبسبب اصطدام الأحزاب والحركات الإسلامية مع حكومات الاقطار التي نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية أي مع القوى غير الدينية للقمع الذي واجهته من الحكام ثم للفشل الحضاري الذي يعيشه العالم الإسلامي فقد اختار العديد منها نزعة فكرية مركبة من (قراءة سلفية للدين + نزعة أصولية في السياسة وممارسة عنفية في المواجهة ) وتبنت عدة مجموعات العنف كوسيلة من وسائل التغيير الاجتماعي الهادف نحو إيجاد مجتمع إسلامي في نظمه وسياساته وشكل دولته وعلاقاته الخارجية. وتنامى الخط الجهادي هذا بدءاً من صورته المحلية في مصر كجماعات صغيرة إلى حركة جهادية منظمة على مستوى عدة اقطار في العالم الإسلامي مثل قاعدة الجهاد ثم على مستوى العالم كما حصل في (تجربة أفغانستان) وتنظيم القاعدة العالمي وفروعه وما تطور عنه كجماعات داعش والنصرة وبقية المسميات التي تعد امتدادات مؤسسة على إحياء تراث التطرف وإعتماد العنف ومسلك النكاية وتوظيف التكفير لإدانه الاخر وتجريمه على خلفية العقيدة والراي

وهكذا صار مصطلح الأصولية المتداول في التخاطب السياسي العربي حالياً اسماً يطلق على كل الجماعات التي تعتنق إيديولوجية دينية ماضوية (نصوصاً أو تفسيرات) وتتمسك بها من دون أن يفرق هذا المصطلح بين المتشددين الذين يستعملون العنف عمن لا يستعين به او من يحرمه لانه وسيلة لتشويه الدين، واعتبرت هذه الجماعات كلها جماعات اصولية لأنها ترى إن مكامن الحقيقة النهائية والمطلقة والتامة تكمن في عقيدتها ولكن من دون تفريق في من يقف عند هذا الحد ومن يعممه على الاخر، وبين جماعات ترى أن تعميمها على الناس فرضا إلهيا لأحداث التغيير اللازم وبكل الوسائل المتاحة بما في ذلك العنف عمن لاتراه المكمن الوحيد للحقيقة ولا ترى العنف مجديا او جائزا، كذلك الحال فيمن تعتقد ان التجربة الدينية الأولى (الأص) هي الانموذج والمعيار الذي تصحح على اساسه تطورات الأجيال والأزمان اللاحقة عمن ترى شراكة الاجيال في صنع فكر التقدم ولا تفرق فيمن تعتمد في قراءة نصوصها وأدبياتها على القراءة الحرفية التي لا تقبل عليها مدخلاً نقدياً عن تلك التي تعتمد الاجتهاد لنقد المعرفة البشرية المتحصلة بغية التيقن من صدق امتدادها الزمني لان الانحصار في حدود التجربة التاريخية يفضي الى صعوبة التكيف مع الحاضر وهكذا اطلق مصطلح الاصولية الدينية على الجميع دون تفريق.

وشهدنا تطور أهداف التطرف العنيف فمن هدف مواجهة المصالح الغربية إلى إسقاط الحكومات الوطنية ومن معاداة الغرب الى معاداة الحداثة وتدمير البنى المدنية لمجتمعاتها وهدر ثروات المسلمين ومن حفظ مصالح المسلمين الى إشعال الحروب الطائفية في العالم الإسلامي بحيث شكلت خطراً بالغاً على الحياة والوجود والأمن الإنساني، فكانت مدعاة للباحثين لدراسة هذه الموجة الفكرية من حيث نشأتها وأيديولوجيتها وأسباب نموها ومستندها الديني، والتوقعات لمستقبلها في العالم الإسلامي.

وكان عدد من الدارسين على ان ذلك الخطر يكمن في التراث الفكري السني المتشدد اوالفهم السياسي السني للواقع وللدين لكنهم مختلفون في وجوده في التراث الشيعي

فماذا عن التراث الفكري الشيعي وماذا عن مكونات العقل الشيعي الراهن؟

لقد وجدت إثناء البحث والمحاورات التي جرت على هامشه قراءات متعددة لهذا الموضوع ومنها:

1- أن مجموعة من الدارسين يعتقدون أن الفكر الشيعي هو أيضاً فكر ديني وأن في اروقته جماعات دينية ذات تطلع سياسي ولديهم نزعات أصولية وعليه يعتقد هؤلاء أن كل المسلمين (سنة / شيعة) متساوون في وجود نزعات أصولية فليس من الدقة والحقيقة أتهام التراث السني والممارسة السنية لوحدها بأنها ممارسة أصولية عنفية.

2-  يقابلهم آخرون يرون أن الفكر الشيعي يخلو في أصوله النظرية المكونة له من نوازع اصولية عنفية، وأن التجربة التاريخية للشيعة من أزمان التأسيس الأولى إلى زماننا الراهن هي تجربه عقائدية مقموعة(تدافع) عن وجودها المهدد فكرياً وتاريخياً لذلك لايتصور انها ستتبنى نزعة اصولية وقيل بهذا الصدد لن الشيعة يتاح لهم ان يمارسوا سلوكا اصوليا عنيفا كونهم لم يمتلكوا فرصة للسلطة او لتكوين الجماعات الضاغطة لذلك لم تتبلور عندهم الا نزعات الدفاع عن الذات العقائدية وتبنوا الدعوة الى حرية الاعتقاد ليتخلصوا من الضغط المسلط عليهم تاريخيا.

3-  وتقر مجموعة ثالثة بأن الشيعة (مجموعة) ملتصقة بفكرهم وعقيدتهم وفقههم (فهم أصوليون) ولكنهم اصوليون نظرياً اما عملياً فلم يمارسوا احتكارا للحقيقة الدينية لوجود الاجتهاد كعنصر مهم من عناصر الكينونة الشيعية، ولم يعتمدوا عمليات العنف لفرض أنموذج الدولة الشيعية لأن اغلبهم يرون أن الأمام المهدي هو صاحب الحق الحصري في الحكم والسلطة والبشارة الإلهية وقد غاب عام 260 هج واغلبهم الى الان يمارسون مهمة الانتظار.وهي الاعداد للانضمام للامام المهدي في الطور الاخير للخلق

4-  ويفصل فريق رابع بين مؤسسات الفكر الشيعي المتعددة فيفرق بين المؤسسة الدينية الرسمية التقليدية اي (المرجعية الفقهية)، وبين الحركات السياسية الشيعية بشقيها الدعوي أو الجهادي فيرى أن النزعة الأصولية تكمن في الجماعات السياسية ذات المنحى الجهادي فقط بينما بقية المؤسسات تبقى مؤسسات عقائدية غير عنفية.

5-  ويحاول كثير من الكتاب أن يستدل بالممارسة الدفاعية القديمة والمعاصرة عند الشيعة لكي يجعلهم توأماً لأصوليات العنف السنية من دون أن يسند رايه بلائحة برهانية بيد ان كثيرا من الدارسين ترى إن هذا الراي محاولة تتعمد خلط الأوراق أو القياس على زمن اه خصوصيته وهو قياس للحاضر على خاص وهو قياس مع الفارق أو محاولة لتعميم الخطيئة على الجميع لكي يتساوى القاتل والضحية لاسيما في وضع فكري مأزوم كوضع العالم الإسلامي حالياً الذي غالبا ما تضيع في خضم ازماته الكثير من الحقائق ومن من هذه الاراء المتعددة حول صلة الشيعة بالنزعة الأصولية تدور مباحث الكتاب لان الأصولية الشيعية عبارة عن نزعة تقليدية اتباعية نظرية لم تمارس سطوة السلطة ولا سطوة الجماعات المتمردة وهي لا تماثل النزعة الأصولية السنية التاريخية لأنها نزعة متناسلة تاريخياً بدءاً من الخوارج مروراً بتيار الحنابلة وأبن تيمية والحركة الوهابية والحركات السياسية الإسلامية الحديثة وما تولد عنها من سلفيات جهادية وأصوليات العنف المعاصرة، فمن الصعب التفريق بين تراث الإسلام السني، والتراث الفكري السلفي الجهادي لهذه الجماعات ووجه الصعوبة انها جميعا تنطلق من تراث فكري مشترك.

لكن ولأجل أن لا نقع في التعميم فأننا لا نغفل المعتدلين الوسطيين من أهل السنة الذين يرون أن المشكلة ليست في التراث الديني السني او بالنصوص المعتمدة مذهبيا بقدر ما هي في فهم ذلك التراث وفهم النصوص، وهذا إلى حد ما يشكل دفاعاً مقبولا عن تراث الإسلام السني، لكنه لا يصمد كثيراً أمام ما يستند إليه (الجهاديون)من الأحاديث النبوية المروية بالصحاح والمسانيد والسنن المعتمدة والتفاسير القرآنية المقبولة عند أهل السنة التي لا يختلف في تبريرها السلوك العنفي المتشدد فهي ذات النصوص وفهمها هو الفهم التاريخي الذي تبناه التراث السني، رغم ان تلك النصوص يمكن فهمها فهما ايجابيا لكنه للشيوع يعد الفهم الايجابي غريباً عما تحمله (متون) تلك النصوص لغة ودلالة وتجربة وتطبيق، بحيث يمكن القول أن الفكر الإسلامي السني يعاني الآن من أزمة كبيرة فهو بين خيارين:

فإما ان تهدر قيمة النصوص الدينية التي يستند إليها التكفيريون، وهذا يعد هدما كاملا للتراث ومخالف تماماً لما جرى عليه العرف من تقديس الكتب الحديثية المسماة بالصحاح مطلقاً، وتبجيل مدونات القرون الأولى، أو السكوت عن أفعال التكفيريين الإجرامية المشينة وعدم الوقوف منها موقفاً حاسماً كما هو حال الكثير من المؤسسات الدينية للمسلمين الصامتين إزاء أزمة الامة ومحنة المختطفين من الوسطية، إذ لا يزال جمع من رجال الدين يتفرج على دوامة الدماء وشناعات التكفير والفوبيا المرعبة التي ترتكب باسم الإسلام ناهيك عن مراكز الإفتاء السلفية التي تدافع عن منطلقاتهم وتبرر لهم أفعالهم رغم ان اقل ما يجب إن يوصف به هؤلاء المتطرفون أنهم بغاة وقتلة وخارجون عن القيم الانسانية ودعاة للدمار.

ويشار هنا الى ان الجماعات (الجهادية) رغم انها قد تلقت مسلكها من (أهل الحديث) وهي منظومة لا ترى صحة الخروج على الحاكم الجائر في حين نرى حراكهم ضد الحكام خلافا للمبنى السلفي، ولكن لم يدن احد من علماء السلفية هذا الخروج الحاد عن اجماع انعقد عندهم في عدة ازمان لكن القدر المتيقن انهم قد تخرجوا على أشياخ زرعوا في عقولهم كراهية الإنسان وكراهية الحياة والتمدن وكراهية السلام والقيم الربانية كالتسامح والإحسان للغير والعمل الصالح.

وتتبنى هذه الدراسة الكشف عن معيارية جديدة في اكتشاف المواقف المجمع عليها او التي عليها اغلبية اهل الاعتقاد ايما اعتقاد سميناها الموقف البنيوي استخلصناها من تحليل انثروبولوجي لماهية المنظومة الفكرية وانساقها والنشأة الاولى الدينية والتاريخية والسياسية ثم مجموعة العقائد المذهبية ومنهج إنتاج المعرفة الدينية ثم فقه الجماعة (العينة)، ومواقف مؤسستهم الدينية عبر تاريخها الطويل بما يجعل من هذه العناصر منظومة متساندة بعضها لبعض ويصدق عليها مفهوم البنية الموضوعية فيعول عليها ان تكون مادة للبيانات المعرفية الاكثر وثوقا لاستخراج الموقف المجمع عليه او الاغلبي ازاء ظاهرة اجتماعية كبرى من الظواهر الحديثة او المعاصرة وتفرق الدراسة بين ما يعد محصلة البنية الموضوعية وما ينتج عنها وبين راي فقه لا يبدو منسجما مع عموم المنظومة قد ينفرد فيه فقيه ما او متكلم او مفسر بما لا يتناغم مع البنية المعرفية فيكون ما استخلص من البنية الموضوعية اكثر وثوقا لان من ابرز خصائص البنيوية ان الاسبقية للكل على الاجزاء ولأنها تعمل نسقا مترابطا ومتكاملا.

وعليه فالتحليل البنيوي- فيما ارى – سيكون اكثر استقراء من اي تحليل اخر وسيقدم مداليل مكثفة ومعبرة عن الموقف التاريخي وليس الاني الظرفي المتاثر بضغوط زمنه لان النسق البنيوي هوالنسق اللاتاريخي وهو ما تنتجه كل علاقات المنظومة الفكرية مع الاخذ بالاعتبار عناصر التزامن وحركة النص و التعاقب اي مسار الصيرورة والتكون (1)

ان فهم المسار الانثروثقافي لجماعة ما ضمن قواعد العمل في اكاديميات الفلسفة الاجتماعية يفضي الى قراءة قد تكون صحيحة حينما نبحث عن موقف يخص التكون او الممانعة، والتكون هو اساسيات تبني رؤية ما نظريا او عمليا والممانعة هي رفض قاطع لظاهرة ما نظرية كانت اوعملية

وفي هذا الكتاب سوف لن نقف عند الصلة بين علم الاجتماع والتاريخ الشيعي انما سنتجه الى تحديد الظروف الفاعلة والمكونة للتشكل الاجتماعي الشيعي من خلال التاريخ المتحرك الفاعل برصدنا لتأثيراته السوسيولوجية التي اسهمت في صناعة العقل الشيعي القديم والوسيط والمعاصر

وننطلق من مفهوم الكل المجتمعي الذي يكشف عن المركز المجتمعي statut social اوالدور المجتمعي role social للجماعة الشيعية داخل البيئة الموافقة والمخالفة في ان واحد ويمكن ان يكون الكل المجتمعي بوصلة للبحث يتجه بها الى دراسة التتابع الزمني للفكر الديني والتجربة الشيعية لاستحالة فهم الحاضر الا بفهم علمي للتراث علما ان ما يهمنا ليس ارشفة الماضي بقدر توظيفه لفهم الحاضر فنحن امام ظاهرة اصولية دينية معاصرة خطرة على الوجود الديني نفسه وعلى الحياة والحقوق المدنية ذاتها لذلك فنحن مضطرين لا جراء عملية تفكيك ذهني لبناءات الماضي وصولا للتعميم والتجريد لقوانين تحدد النمو الاجتماعي وتكون الاساس في القواعد النشطة التي تكوًن العقل المعرفي الشيعي الذي به تتشكل المواقف والتقييمات والتفضيلات للأشياء والاشخاص والافكار كما يقول مالك بن نبي

أن دراسة السلوك الاجتماعي لهذه الطائفة من المسلمين وتفاعلاتها الاجتماعية على وفق قواعد علم الاجتماع الديني ومعرفة اهتمامهم ودوافع تحركاتهم وفهم التنظيم الاجتماعي لهم والتغييرات المجتمعية عندهم ونظام التعليم الديني الذي يؤدي إلى نمط محدد من السلوك مرتبط بالنمط العام وبالنص وتفسيراته واظن ان ذلك كله سيوصلنا إلى إجابة علمية مركزة عن سؤالنا المركزي: هل في الفكر الشيعي نزعة أصولية او هو خال منها او هو ممانع لوجودها؟ وماذا تترتب على النتيجة من آثار سياسية واجتماعية على المستوى الاسلامي او الغربي في صياغات المواقف وسياقات الخطاب الشيعي المفترض؟ وهل يدعو الفكر الشيعي إلى السلام الاممي والتعاون البناء بين بني البشر، لأن في عموم بنية المنظومة الشيعية رفضا وممانعة للتطرف والعنف، وماذا سيكون موقف الراي العام الانساني من القراءة الشيعية للدين

أن دراسة النسق الاجتماعي يتطلب إن يرصد البحث مكونات السلوك الناتج عن الاعتقاد الديني ابتداءً من (الدوافع) إلى المسارات والأهداف للكشف عن الوظائف التي تقتضيها هذه الدوافع، ثم دراسة التفاعل الجدلي بين النص والسلوك الاجتماعي مع عدم اغفال عناصر البيئة الخارجية التي يتعايش معها النسق الديني المذهبي ويؤدي وظيفته الاجتماعية

وهذا يسهل: تقييم الموضوعات السلوكية الناتجة عن ذلك التفاعل والمتجهة نحو تحقيق (أهداف معينة) في ضوء متطلبات النص والوسائل المشروعة دينياً لتحقيقها مع تشخيص التفاعلات الدائمة المتجسدة بالطقوس الدينية والشعائر والأعراف السائدة في المناسبات الدينية لأن أساس السوسيولوجيا حسب (مارسيل موس) يقتضي ملاحظة سلوك المجموعة الاجتماعية ملاحظة شمولية علمية من خلال المحركات المصدرية لها ولإفرادها للوصول إلى توصيف علمي لطبيعة الايديولوجيا الدينية ومعطياتها.

محركات للتفكير: تكمن وراء ابحاث هذا الموضوع مجموعة محركات للتفكير اوردها موجزة

- هل الوقائع والإحداث التي ارتبطت بنشأة القراءة الشيعية للإسلام يمكن أن تزرع في نفوس إتباعها شعورا برفض كل وسائل الوصول إلى الحقيقة ما عدا الفكر المذهبي ؟

- هل النشأة الأولى للتشيع دينياً وتاريخياً تلزم اتباعها باعتماد نموذج النشأة والتأسيس أم ان القراءة الشيعية دعوه ديناميكية تتبنى الاجتهاد على مستوى المقولات الدينية، والتطور الاجتماعي؟

- ما التأثير السوسيولوجي للنصوص الدينية على تكوّن العقل الشيعي المعاصر (الفقهي منه والعقائدي والسياسي) وما التأثير السوسيولوجي للوقائع التاريخية ذات الصلة بتطور فكر التشيع على تكوّن العقل الشيعي المعاصر. (العقائدي منه والفقهي والسياسي)

- هل تأمره نصوصه العقدية أن يتبنى التغيير الاجتماعي الشمولي بوسائل العنف وتكفير الحكومات والمسلمين الآخرين؟ وهل يرى الشيعي أن (قتل الآخر وإرعابه) وسيلة مقبولة لنشر المعتقدات ؟

- هل: يقرأ المسلم الشيعي نصوصه الدينية خارج اطار الاجتهاد والعقلانية، وهل تتهم العقلانية عنده بالمروق عن الدين، وتتهم النزعة النقدية بانها مقدمه للكفر والشرك، وأن التأويل بدعة ضالة مآلها إلى النار؟

- هل ينطوي التشيع على منهج يقرأ النصوص والأدبيات قراءة حرفية بحيث يتشكل عنده عقل دوغمائي او راديكالي مهيأ لممارسة العنف، ما مدى تأثير الاجتهاد على الفكر الشيعي المعاصر، وكيف ترسم العلاقة بين الاجتهاد والتطور الاجتماعي ؟

- ما الفارق الأساس بين نظرية الحرب للدفاع عن الذات، وبين ممارسة الغزوات لا قامة دولة الخلافة وهل التطوع المبادر لغزو مدن رغم وجود المسلمين فيها بحيث تصنف دار للحرب وتتحول بعد احتلالها الى ولايات يولي عليها أمراء أو خليفة يسبي النساء ويهدم المساجد والكنائس والأديرة ويمارس القتل والترويع باسم الشريعة

-  هل نطلق على من يبادر بتكفير الناس وقتلهم ونهب ممتلكاتهم بحجة انها (غنائم) بأنه أصولي تكفيري ونطلقها ايضا على من يدافع عن وجوده المهدد وما يعتقد به لإيقاف استئصالا موجها له

ان كل تلك الأسئلة كانت محركات التفكير في هذه الأطروحة

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

....................

(1) اديث كريزويل، عصر البنيوية، ترجمة جابر عصفور ص20

المقدمة: في كل الأزمات والتحديات التي تواجه الواقع العربي، تتجه النخب السياسية والثقافية والإعلامية للخارج، للبحث عن المؤامرات والمخططات الأجنبية التي صنعت تلك الأزمة أو خلقت تلك التحديات التي تواجه الواقع العربي.. ودائما كانت الأنظار والتحليلات والتصورات، تتجه إلى رصد دور التأثيرات الخارجية في التأثير والضغط السلبي على العالم العربي.. ونظرة واحدة وسريعة للكثير من الأزمات والمشاكل التي واجهت العالم العربي، تجعلنا نكتشف وبشكل سريع صدق هذه الحقيقة. وإننا هنا لا ننفي دور العامل الخارجي في إجهاض الكثير من المشروعات والآمال، ولا نغمض أعيننا أمام حقيقة اشتراك القوى الأجنبية في الكثير من الحقب في تعويق النهوض العربي. ولكن رمي كل الأخطاء على العوامل الخارجية، يساهم في تزييف الوعي العربي ولا يوفر لنا القدرة على تجاوز هذه المحن التي تصيبنا وتجهض الكثير من مشروعاتنا وطموحاتنا. لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع وقف الانحدار العربي هو أن نستدير ونلتفت إلى الداخل، لمعالجة المشاكل والأزمات التي تؤثر حتما على الأداء العام، ولتلبية الطموحات والتطلعات المشروعة التي تحملها قوى الداخل..

أما سياسة الهروب من استحقاقات ومتطلبات الداخل واتهام الخارج بكل سيئاتنا ومصيباتنا وأخطائنا، فإنه لا يعالج المشاكل بل يفاقمها ويزيدها أوارا واستفحالا.. ولقد آن الأوان بالنسبة لنا نحن في العالم العربي أن نستدير إلى داخلنا، واكتشاف العوامل والأسباب الحقيقية التي أنتجت ولا زالت الواقع السيئ الذي يعيشه العرب اليوم على أكثر من صعيد ومستوى. والتوجيه القرآني يحثنا إلى سياسة الاستدارة نحو الداخل واكتشاف أخطائنا قبل اتهام الآخرين بها.. إذ يقول تبارك وتعالى [ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم].. فالخطوة الأولى التي ينبغي أن نقوم بها إزاء كل ظاهرة ومشكلة وأزمة، هي البحث والفحص الجاد عن الأسباب الذاتية التي أدت إلى هذه الظاهرة أو المشكلة والأزمة، فلا بد أن نوجه الاتهام أولا إلى أنفسنا، قبل أن نوجهه إلى غيرنا. وهذه المنهجية تلخصها الآية القرآنية [قل هو من عند أنفسكم] فإزاء كل هزيمة، إزاء كل مرض وظاهرة سيئة، كل مصيبة على رؤوسنا، ينبغي أن نلتفت قبل كل شيء إلى نصيبنا، إلى دورنا، إلى ما كسبته أيدينا..

إن واقع العرب الراهن هو أسوأ واقع، والانهيار في حياتهم يهدد وجودهم نفسه. واتهام الخارج وحده وتبرئة الذات والتعامل معها بنرجسية واستعلاء يزيد تدهورنا وضعفنا وضياعنا..

ونحن هنا لا ندعو إلى جلد الذات واتهامها بكل السيئات والإخفاقات. وإنما ندعو إلى معرفة العلل والأسباب الكامنة في فضائنا السياسي والثقافي والاجتماعي، والتي أفضت بشكل أو بآخر إلى الواقع السيئ الذي نعيشه. كما أن الخارج في علاقته معنا في العالم العربي، ليس بريئا من أزماتنا ومشاكلنا المزمنة، بل هو شريك وفاعل حقيقي للكثير من المشاكل والأزمات..

ولكن الرؤية المتزنة التي ندعو إليها، هي التي تبدأ بالاستدارة إلى الداخل، واكتشاف الواقع ومعرفة مستوى مساهمتنا في هذه المشكلة أو تلك الأزمة.. فلا يمكن أن نواجه تحديات المرحلة، وهي تحديات صعبة ومعقدة باتهام الخارج وتبرئة الذات. إن هذا النهج هو الذي أدام الكثير من عناصر وحقائق التخلف السياسي والثقافي في العالم العربي، وهو الذي برأ الكثير من النخب التي كان لها دورا سيئا في تطور الأحداث التي جرت في حقب زمنية مختلفة..

فالباري عز وجل لم يخلق الإنسان خلقا جامدا خاضعا للقوانين الحتمية التي تتحكم به فتدبره وتصوغه بطريقة مستقرة ثابتة، لا يملك فيها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل، بل خلقه خلقا متحركا من مواقع الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف والأفعال، مما يجعل حركة مصيره تابعة لحركة إرادته، فهو الذي يصنع تاريخه من طبيعة قراره المنطلق من موقع إرادته الحرة، وهو الذي يملك تغيير واقعه من خلال تغييره للأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تتحرك في واقعه الداخلي لتحرك الحياة من حوله..

وهكذا أراد الله للإنسان أن يملك حريته، فيتحمل مسؤوليته من موقع الحرية. ويدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه..

لذلك فإنه لا يجوز ولا يصح التضحية بحريات ومتطلبات الداخل العربي تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ أنه لا يمكن أن نواجه تحديات ومؤامرات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا متطلبات وحقوق وتطلعات الداخل.. ولعلنا لا نجانب الصواب، حين القول: إننا في العالم العربي وخلال الخمسة العقود الماضية قد قلبنا المعادلة. إذ سعت النخب السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعا حاكما ومحكوما، أن هذا الخيار السياسي والثقافي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط. وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعا في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية..

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية، لم يزدنا إلا ضياعا وتشتتا وضعفا. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعا أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان وتعميم وتعميق ثقافة الحوار والتعايش السلمي، كل هذه القيم والممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي..

فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وإن صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان..

لهذا كله فإننا ندعو كل الدول العربية، وفي هذه اللحظة التاريخية الحساسة والمصيرية إلى الاستدارة والاهتمام بالداخل. فالقوة الحقيقية هي التي تستمد من الشعب والمجتمع، والخطر الحقيقي هو الذي ينبع من الذات. فلا مناص أمامنا اليوم حيث المؤامرات والتطورات والتحولات، إلا الالتحام والالتصاق بشعوبنا. فهي عنوان العزة والقوة، وهي سبيلنا لتعزيز أمننا ووحدتنا وهي القادرة على إجهاض كل المشروعات والمؤامرات. فلتتجه كل مبادراتنا نحو شعوبنا، ولنعد الاعتبار لكل القوى الحية والفاعلة في المجتمع العربي..

إنها لحظة تاريخية حاسمة، وتتطلب بلا شك خطوات نوعية وحكيمة..

وفي هذا السياق نلتفت ونؤكد على النقاط التالية:

1- ضرورة بلورة مبادرات وطنية حقيقية، تزيل الالتباسات، وتؤكد خيار المصالحة، وتعمق من أسباب وعوامل الثقة بين السلطة والمجتمع..

 فالاستدارة نحو الداخل تقتضي بشكل أساسي، العمل على تعميق خيار المصالحة والانسجام بين خيارات المجتمع وتطلعاته المتعددة والسلطة وخياراتها السياسية والاقتصادية.

2- إن القوة الحقيقية التي تملكها الدول في مواجهة المخاطر والتحديات، ليس في حجم الأسلحة والترسانة العسكرية، وإنما في الرضا الشعبي عنها. لهذا فإننا نؤكد على أهمية أن تعمل الحكومات في العالم العربي، على صياغة الأطر والمؤسسات، التي تهتم بحاجات المواطنين، وتنصت إلى أحوالهم وأوضاعهم، وتعمل وفق آليات واضحة لتعميق خيار الرضا الشعبي عن الأداء والخيارات السياسية للحكومات..

3- إن التطلعات والطموحات، سواء كانت خاصة أو عامة، لا يمكن تحقيقها دفعة واحدة، وإنما هي بحاجة إلى مدى زمني تتحرك فيه وتقترب شيئا فشيئا صوب الهدف والتطلع المرسوم.

لهذا فإننا ندعو كل الأطراف في العالم العربي، إلى الأخذ بعين الاعتبار الظرف الزمني الحساس الذي تعيشه المنطقة.

إننا نشعر بأهمية جدولة مشروعات التطوير والإصلاح، وذلك من أجل أن تتجه كل الطاقات والكفاءات صوب الأهداف والغايات الوطنية المشتركة.

العرب وصدمة الراهن:

بعد عقود طويلة، رفعت خلالها النخب السياسية السائدة في الوطن العربي، الكثير من الشعارات واليافطات الكبرى، وصلنا فيها إلى نتائج مخزية وإخفاقات وخيمة. فكل الشعارات واليافطات الكبرى، أصبحت الوقائع المضادة هي الواقع الشاخص والقائم. فبدل الحرية ازدادت الديكتاتورية وأشكال الاستبداد في الفضاء العربي. وبدل الوحدة بكل مستوياتها ازددنا تشظيا وتجزئة. وبدل العدالة تضخمت مستويات الظلم وغياب المساواة في المجتمعات العربية.

ولعل الدرس الهام الذي نستفيده من هذه التجارب السياسية الطويلة، هو أن الاستبداد السياسي وغياب الحريات العامة والانتهاك المتواصل لحقوق الإنسان، لا تقود كل هذه الوقائع إلا إلى الخراب والفساد والفشل.

والنخب السياسية السائدة فشلت فشلا ذريعا في إدارتها لشؤون أوطانها، بفعل الاستبداد ومتوالياته. فلا يمكن للظلم السياسي أن يقود إلى صيانة الحقوق. فالاستبداد السياسي بكل صوره وأشكاله، هو المسئول الأول عن ما يعاني منه الواقع العربي اليوم من مشاكل وأزمات.

فالعرب اليوم هم ضحية تاريخية لأنظمة سياسية مستبدة، عملت كل شيء من أجل استمرار سلطانها المطلق. فضحت بالنسيج الاجتماعي العربي، وضخمت التناقضات الداخلية الأفقية والعمودية، من أجل استمرار هيمنتها المطلقة.

خضعت بشكل مذل لأعداء الأمة في الخارج، وأصبحت ذيلا تابعا لمحاور خارجية من أجل أن تستمد من هذه المحاور الخارجية القوة والقدرة لقمع الداخل العربي.

لدرجة أن العالم العربي بأسره اليوم، يعيش مكشوفا على كل الصعد أمام مؤامرات الخارج ومخططاته الخطيرة.

لذلك ومع أي أزمة هيكلية أو نوعية يواجهها المجال العربي، تتجه مباشرة الأسئلة إلى الواقع التأسيسي. فالأزمات السياسية تقود إلى طرح جملة الخيارات السياسية التي تسير عليها هذه الدولة أو تلك. والإخفاق الاقتصادي يفضي إلى طرح الإشكاليات ذات الطابع التأسيسي التي تتجاوز الحقل الاقتصادي.

وهكذا نجد وبعد هذه العقود العديدة من الاستقلال، أن الدولة العربية، لا زالت تعيش في المربع الأول، وأن الأسئلة والإشكاليات المطروحة في فضائها، هي ذات الأسئلة المطروحة في العقود الماضية. والفارق الجوهري على هذا الصعيد هو في المستوى والمآلات المترتبة على هذه الأسئلة والإشكاليات.

وحينما ارتفع صوت المطالبة بالإصلاح في العالم العربي، تجمعت إرادات الأنظمة السياسية ومشروعاتها من أجل خنق هذا الصوت. وأصبحنا اليوم نعيش معادلة مذهلة وخطيرة في آن. فإما الاستبداد وغياب الحريات أو الفوضى والحروب الأهلية المضمرة والصريحة. فلا إصلاح سياسي لأنه يقود إلى الفوضى وإبراز التناقضات الطائفية والعرقية والقومية في الوطن العربي.

وهكذا نجد أن الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه يعيش اليوم بين خطرين: خطر استمرار الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله، وخطر الفوضى والحروب الداخلية، التي تدمر النسيج الاجتماعي العربي بكل مكوناته وأسسه.

من هنا فإننا اليوم بحاجة إلى وعي عميق بأوضاعنا وأحوالنا، حتى نتمكن جميعا من تجاوز حبائل الاستبداد السياسي ومخططاته التي تجعلنا أسرى عناوين ويافطات، تزيد من تراجعنا وتأخرنا على مختلف الصعد والمستويات.

والإصلاح السياسي الذي نرى أهمية أن تنخرط الدول العربية فيه، وتعمل على الالتزام بمتطلباته ومقتضياته، لا يتحقق دفعة واحدة، وإنما هو بحاجة إلى مدى زمني وخطط استراتيجية ومرحلية، حتى تنقل الواقع العربي من حال إلى حال. ولا بد أن ندرك في هذا السياق، أنه كما أن الإصلاح لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، كذلك لا يمكن ولاعتبارات أمنية وسياسية واجتماعية واقتصادية واستراتيجية، أن تتراخى إرادة الإصلاح أو تتراجع عن مقتضياته ومتطلباته.

فالإصلاح السياسي في الدول العربية اليوم، أضحى ضرورة ماسة ليس فقط للشعوب العربية، بل هو ضرورة ملحة قبل كل شيء للحكومات العربية.

فالتحديات والمشاكل التي تواجه الجميع اليوم، تتطلب خطوات نوعية، تعيد تأسيس الممارسة العربية السياسية على أسس أكثر صلابة ومتانة. وهذا لا يتحقق إلا بفعل الإصلاح السياسي ومتوالياته المتعددة.

وبروز التناقضات العمودية والأفقية في المجتمعات العربية، لا يمكن معالجتها إلا بإدارة حكيمة، مرنة، تنصت إلى إيقاع الواقع، وتتفهم حاجات وتطلعات كل المكونات والتعبيرات.

من هنا فإننا أحوج ما نكون اليوم إلى بلورة الرؤية والخيار العربي بعيدا عن ضغوطات الاستبداد السياسي ومخاوف الفوضى والحروب الداخلية. إننا مع الإصلاح السياسي لأنه جسر عبورنا إلى المستقبل.

والذي يقود إلى الفوضى ليس الإصلاح، وإنما استمرار الفساد والاستبداد السياسي في الوطن العربي.. فالفوضى وتضخم التناقضات الداخلية في الاجتماع العربي، هو الوليد الطبيعي لعقود من الاستبداد وغياب العدالة والحريات. والإصلاح السياسي الذي ينشد الحرية وصيانة حقوق الإنسان واحترام الخصوصيات الثقافية لكل مكونات الاجتماع العربي، هو سبيلنا لتجاوز كل مخاطر وتحديات المرحلة.

فالطائفية المقيتة المستشرية اليوم في جسم الأمة، هي أحد الثمار السيئة لبنية الاستبداد السياسي ولغياب الحريات العامة في الأمة.. فالاستبداد لا يحمي استقرار الأمة، وإنما يزيد من مآزقها وأزماتها. ويخطأ من يتصور أن الديكتاتورية السياسية هي التي تحمي خيارات الأمة العليا. وإنما على العكس من ذلك تماما. بحيث أن الديكتاتورية السياسية هي السبب العميق لأزمات الأمة كلها. ولا حياة جديدة للأمة، إلا بإنهاء حقبة الاستبداد السياسي في الأمة.

وهذا يتطلب العمل على تفكيك بنية الاستبداد السياسي الثاوية في نفوس وعقول الجميع، وتعميق خيار الإصلاح والحريات والوحدة في الأمة.

ومن طبيعة تحديات المرحلة وتطورات الراهن، نستطيع القول: أن انخراط الدول العربية في مشروع الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية، هو الخيار الأسلم للحفاظ على الأمن وصيانة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

وذلك لأن الواقع اليوم، لا يحتمل بأي حال من الأحوال التسويف والتأجيل. فاستمرار الأوضاع السيئة على حالها أضحى مكلفا للأوطان والمجتمعات العربية على أكثر من صعيد. ولا خيار حقيقي أمام المجال العربي إلا الاستجابة إلى مطالب الإصلاح التي عبرت عنها أطياف المجتمعات العربية وقواها الحية والمتعددة.

فكل أحداث الراهن العربي وتطوراته، تثبت بشكل لا لبس فيه أن العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه يعيش لحظات حرجة وتحديات مصيرية ومنعطفات نوعية. وبدون بلورة الاستراتيجية العربية المطلوبة، القادرة على الاستجابة الفعالة لكل هذه التحديات، سنجد أنفسنا جميعا دولا ومجتمعات، ونحن نعيش خارج حركة التاريخ.

فنحن كعرب نواجه انقسامات وتشظيات على المستويين الرسمي والأهلي. فالمجتمعات العربية تتآكل من الداخل، والدول العربية لم تتمكن من الخروج من محنها الداخلية والذاتية. فلا المجتمعات العربية بكل نخبها ودوائرها، تمكنت من التغلب على مآزقها، كما أن الدول ومؤسساتها القومية، لم تتمكن من صياغة نظام علاقة فعال، يضمن مصالح الجميع، ويستجيب بدينامية إلى تطورات المرحلة. لهذا فإن العالم العربي بدوله ومجتمعاته، يعيش حالة انكشاف خطيرة على المستويات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأمنية. وإن حالة الانكشاف، حولت الساحة العربية إلى فضاء للصراع الدولي والإقليمي، كما فاقمت من تناقضات وتشظيات المجتمعات العربية العمودية والأفقية.

والعجز العربي العميق، هو الواقع الذي تعكسه كل التصريحات والممارسات الدبلوماسية والسياسية. فمن جهة نحن نعيش كفضاء استراتيجي وسياسي لحظة من الانكشاف المفتوحة على كل التداعيات والمخاطر. ومن جهة أخرى، إننا كعالم عربي نعيش حالة عجز عميقة، تمنعنا جميعا دولا ومجتمعات من مواجهة كل هذه المخاطر والتحديات. بحيث أصبحنا جميعا بلا حراك وبلا فعالية، وتنهش في جسمنا كل الأمراض والآفات. والأمم الأخرى القريبة والبعيدة تعمل بكل إمكاناتها، لاستثمار هذه اللحظة وتثبيت مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، على حساب مصالح العرب الراهنة والمستقبلية.

وفي التقارير الأخيرة التي أصدرتها الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية، أكدت على أهم الثغرات التي تواجه المجتمعات العربية اليوم، وهي افتقاد الحرية، ونقص المعرفة وتغييب دور المرأة. كما أن الحلول التي اقترحتها هذه التقارير هي تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح وبناء مجتمع المعرفة، وتمكين النساء.

ويبدو أن العالم العربي سيرزح تحت نير وتأثير كل هذه المشاكل والأزمات، إذا لم يتبنى خيار الديمقراطية، سواء على صعيد تشكيل السلطة السياسية، أو كنسق للعلاقات بين مختلف مكونات وتعبيرات المجتمعات العربية.

وهنا نحن ندرك أن الديمقراطية كخيار وثقافة وإجراءات، ليست حلا سحريا لمشاكلنا وأزماتنا، ولكنها الوحيدة القادرة على ضبط نزعات التشظي والانفلاش، كما أنها هي القادرة على خلق المناخ السياسي والثقافي والاجتماعي القادر على إدارة خلافات وتناقضات الساحات العربية بأقل خسائر ممكنة. وإن أي تباطؤ في مشروع التحول نحو الديمقراطية، سيكلف العالم العربي بأسره الكثير من الكوارث والمآزق.

فأزماتنا عميقة، ومآزقنا عديدة، وآفاق المعاجلة محدودة. ولا خيار أمامنا إذا أردنا الخروج من هذا الواقع بأقل خسائر ممكنة، إلا بالمبادرة لتبني خيار الديمقراطية، حتى يخرج العالم العربي من مأزق العلاقة الملتبسة والمتوترة بين الدولة والمجتمع، وحتى نتمكن من ضبط نزعات وتناقضات المجتمعات العربية بحيث تدار كل هذه التباينات والتناقضات بطريقة سلمية – حضارية، تخرجنا من حالة الاستئثار والاستبداد، ولكن لا تدخلنا في أتون الصراعات المذهبية والطائفية والقبلية والمناطقية.

فالديمقراطية هي سبيل تحررنا وانعتاقنا من كل هذه المآزق، كما أنها هي طوق نجاتنا من كل المحن والفتن الداخلية.

وكل المشكلات التي يفترض أو يعلن عنها باستمرار، أنها تعوق الممارسة الديمقراطية، لن يكون في الإمكان حلها ومعالجتها، إلا بالاستناد إلى الديمقراطية وآلياتها ومراكمة التجربة الديمقراطية على المستويين السياسي والاجتماعي.

ولقد آن الأوان بالنسبة لنا، أن نخرج من الخديعة التاريخية التي وقعنا فيها. فلا مقايضة بين التنمية والديمقراطية، أو بين الاستقرار والحرية. فلا تنمية بدون ديمقراطية، ولا استقرار عميق وحقيقي بدون الحرية. وإن الاستبداد السياسي، يعطل الكثير من قدرات أمتنا وطاقاتها، ويخرجها من المعركة الحضارية مع العدو الصهيوني. فالديمقراطية هي بوابة انتصارنا الحضاري على الغدة السرطانية المغروسة في جسدنا العربي والإسلامي.

وإن الديمقراطية اليوم، أصبحت مشروعا ممكنا وقابلا للتحقق في مجالنا العربي. وهناك العديد من العوامل والظروف المواتية لإنجاز هذا التطلع التاريخي. ومهمتنا هي العمل على توظيف هذه العوامل والظروف، بما يخدم تمتين القاعدة الاجتماعية والسياسية، وتفعيل دور النخبة باتجاه توسيع المشاركة العامة، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني، والحد من تغوّل السلطة واستبدادها.

المجتمع والدولة في المجال العربي.. وسياقات التحول:

تسود العـالم المعاصر أسئلـة ملحـة حول الراهن بحقوله المختلفة والمستقبل بآفاقه العديدة. إذ نجد أن الأمم والشعوب، تسعى جاهدة بكل ما أوتيت من قوة وإمكانات لتأكد نفسها وإرادتها في هذا العالم المتشابك والمليء بالطموحات والتطلعات والإرادات المتباينة. فصورة العالم المعاصر باندفاعاته واكتشافاته وبأزماته وحروبه وتحالفاته وانقساماته، يدفع باتجاه ضرورة بلورة موقع متميز للفضاء العربي والإسلامي في هذا العالم المعاصر.

لهذا فإن فحص الراهن، ومعرفة اتجاهات حركته السياسية والثقافية والحضارية، ومكونات الفعل الحضاري، وممكنات الانطلاق والنهوض، كلها تساهم في اكتشاف الموقع المناسب والطموح الممكن الذي ينبغي أن نسعى إلى إنجازه وتنفيذه.

فالتطورات الهائلة التي تجري في أرجاء المعمورة، وعلى مختلف الصعد والمستويات، تدفعنا إلى ضرورة إحداث تحولات تاريخية ونوعية في واقعنا، حتى يتسنى لنا الاستفادة والاستجابة النوعية لتلك التطورات المذهلة.

فالوعي بالتطورات هو في جوهره، تنمية الذات وتأهيلها نفسيا وعقليا وفنيا، للاستفادة منها، وتوظيفها بما يخدم راهن الأمة ومستقبلها.

وهذا التحول النوعي، هو بداية تنظيم المجتمع الذي يخلق التقدم، ويندفع إلى أسبابه وموجباته ذاتيا. وهذا مما يحوّل الأفكار والقناعات العامة إلى إرادات إنسانية متواصلة ومتعاظمة، تضمن استمرار فاعلية التقدم والتطور في المحيط المجتمعي.

وفي مناخ العولمة والكوكبة التي تزداد فيه تحديات السيادة والاستقلال، نحن أحوج ما نكون إلى فحص طبيعة العلاقة بين الدولة والأمة في مجالنا العربي والإسلامي، حتى يتسنى لنا تطوير هذه العلاقة وإنضاج أطرها المشتركة، لنتمكن من مجابهة تحديات ومتطلبات مشروع العولمة والكوكبة.

ولا نجانب الصواب حين القول: أن جزءاً من الأزمة يرتبط بتصور جميع الأطراف للعلاقة بين الدولة والأمة، وهو تصور قائم على أن متطلبات الدولة متناقضة مع طموحات الأمة. وأن تطلعات هذه الأخيرة لا تنسجم وضرورات الدولة. وبهذا يكون التصور السائد، أن كل طرف لا يمكن أن يمارس دوره ووظيفته إلا على حساب الطرف الآخر.

ولا ريب أن هذا التصور الخاطئ، يفرض صيغة مقترحة للعلاقة، لا تتعدى نسق التبعية والضعف المتبادل. بمعنى أن ضعف الدولة ضرورة لبروز قوة الأمة، وإن اهتراء وتآكل هياكل الأمة الثقافية والاقتصادية والحضارية مقدمة لازمة لاستمرار الدولة في بناء مؤسساتها وهياكلها. وبالتأكيد فإن هذا التصور يغذي بشكل أو بآخر حالة التوتر والفجوة الموجودة بين الأمة والدولة في المجالين العربي والإسلامي.

وإن استمرار الفجوة والتوتر بين الدولة والأمة في المجالين العربي والإسلامي، يجعل الأمة تحارب نفسها، وتعوق مسيرة نهضتها، وتحول دون الانطلاق في رحاب البناء والتنمية. ولاشك أن تراكم هذا التوتر، هو الذي أدى إلى بروز الحروب الأهلية الصريحة، التي أستخدم فيها كل أشكال العنف والقتل والتدمير، والمضمرة التي تتغذى من ثقافة الإقصاء والتكفير، التي تجعل الفضاء الاجتماعي أشبه ما يكون إلى كانتونات منفصلة عن بعضها، وكل طرف يحمل عن الآخر رؤية ضيقة ومشوهة وذات أفق صراعي محموم.

ووسط هذا الصراع المحموم، والذي يأخذ أشكال مختلفة ومتباينة، يتضاءل مستوى الاهتمام بقضايا الأمة الحيوية والمصيرية، وتتغول مشكلات الداخل العربي والإسلامي، وتضيع البوصلة النظرية والمفاهيمية، التي تحدد أوليات الصراع وآليات المواجهة، وتحول دون تشتت الجهود والطاقات. فيصبح الجميع يعيش مرحلة اللاتوازن، وتتبخر آمال الأمة بالنهضة، وتتهدد كل مكاسب الأمة الاجتماعية والسياسية، وتختلط الأمور بشكل فوضوي، مما يعزز هذه اللحـظة التاريخية الصعبة استخدام كل الأطراف لآليات الحرب ووسائل المعارك العسكرية. وفي هذه اللحظة تنتقل مشروعات الدولة من مشروعات التنمية والتعمير إلى مشروعات القمع وزيادة جرعة الاستبداد واستخدام القوة الغاشمة.

كما أن الأمة تنشغل عن أهدافها الحضارية، من أجل مشروع رد الحيف والظلم عن جسمها وكيانها ومقدساتها.

ولا مخرج من هذه اللحظة التاريخية إلا بإعادة تنظيم العلاقة بين فضائي الأمة والدولة، بحيث تتسق وتتناغم الإرادة الجمعية في تجاه البناء والتنمية ومتطلباتهما السياسية والثقافية والاقتصادية والحضارية.

والوجودات الاجتماعية ليست واحدة أو آحادية، وإنما هي تحتضن كل أشكال التعدد والتنوع. ولا يمكننا أن نتصور مجتمعا آحاديا في فكره وميوله وانتمائه السياسي والفكري. وإنما دائما تتعدد الانتماءات السياسية والفكرية، وتتنوع الميولات والأهواء. والوجود الاجتماعي الحضاري، هو الذي يجترح أطرا أو صيغا ممكنة ومتاحة للتعايش والوحدة والتآلف بين جميع هذه الأطياف.

واحتدام النـزاعات والحروب في المجتمع الواحد، أو بين الدولة والمجتمع، ليس من جراء وجود حالات التنوع والانتماءات المتعددة، وإنما هو من جراء التعاطي مع هذه الحالات بعقلية قسرية وقهرية وتهميشية. ولا شك أن العنف لا يؤدي إلا إلى مثله، وكذلك القسر والقهر. لذلك فإن استخدام القوة المادية يزيد من حالات الاحتدام بين المجتمع والدولة معا. فالدولة القهرية لا تصنع سلما اجتماعيا، وإنما هي تؤسس لنـزاعات وحروب عديدة. فهي في حقيقة الأمر مشروعا مفتوحا للصراعات والنـزاعات والاحتقانات الاجتماعية والسياسية وتفاقم العصبيات بكل أشكالها وألوانها.

فالوصول إلى مستوى متقدم من العلاقة الإيجابية بين الأمة والدولة، هي خلاصة استحقاقات ومناشط متعددة تتراكم على المستوى المجتمعي إلى درجة انبثاق حقائق جديدة على المستويات السياسية والنفسية والثقافية والاجتماعية تنسجم ومتطلبات خلق نمط جديد من العلاقة الإيجابية والتكاملية بين الأمة والدولة. وإن تواصل الجهود واستمراريتها، هو شرط تراكمها التاريخي وعدم تخبطها وتنظيمها وفق سياق معرفي يتجه نحو القضايا المركزية. لذلك نجد أن النصوص الإسلامية، تؤكد على أن التفكر والتدبر، الفهم والعلم والحكمة والذكر، هي من المفردات التي تتكامل من أجل خلق هذه السياق المعرفي المتواصل. وإنه من دون العقل كعنوان جامع لتلك المفردات لا يمكن لفرد أو أمة أن تفلح في حياتها الراهنة والمستقبلية.

قال تعالى [وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير] (1). فالعقل كصانع للمعرفة وناظم لها، هو الذي يوفر التراكم المعرفي المطلوب، من خلال يقظته وإعماله في الوقائع.

وإن بوابة تسوية العلاقة بين الأمة والدولة في الفضاء العربي والإسلامي، تفعيل دور المجتمع الأهلي ـ المدني، وتعظيم دور ووظائف مؤسسات الأمة وذلك لأن تنمية أنشطة المجتمع الأهلي _ المدني، سيملأ الكثير من الفراغات التي تملأها عادة إرادة الدولة، مما يوسع سلطتها ويخضع خيارات المجتمع إلى متطلباتها الاستبدادية والبعيدة عن الشرعية الدينة والقانونية. والوضعية التاريخية الراهنة، تدفعنا بكل معطياتها نحو تفعيل واقعنا المجتمعي، وتنشيط دوره حركة المجتمع في مجالات البناء والعمران. فانخراط شرائح المجتمع في الحياة العامة من الشروط الأساسية للوصول إلى حالة التوازن والتكامل المطلوبة بين الأمة والدولة في المجالين العربي والإسلامي.وحركية المجتمع الأهلي، والجهد المتواصل لتأسيس وتطوير بنى المجتمع المدني، لا يتم بعيدا عن الدولة. ويخطأ من يتصور أن بناء المجتمع المدني، يعني الاستغناء عن الدولة ومؤسساتها. فالأمة بحاجة إلى الدولة ومؤسساتها التنفيذية والقضائية والتشريعية، وبهذا لابد من القول، إن الأمة بحاجة إلى كلا الأمرين: مجتمع مدني فاعل يمارس دوره ويقوم بوظائفه الحضارية، ودولة عادلة ترعى شؤون الأمة، وتقوم بدورها في إطار عزة الأمة وشهودها الحضاري. وفي هذا السياق " استقر مفهوم المواطنية كأساس للعلاقة بين المجتمع والدولة. أي كأساس للعقد الاجتماعي القائم بين الطرفين، حيث تكون الدولة ناظما وضابطا لهذه العلاقة، ويكون المجتمع حقل ممارسته لحقوق المواطن الفرد وحقوق الجماعة الوطنية في ظل قوانين ومؤسسات الدولة وفي ظل نظام ديمقراطي يشكل آلية تنظيم هذه العلاقة والمرجعية الأخيرة للدولة والمجتمع معا. إذن، إنّ المواطنية هي القاعدة الأساس التي يقوم عليها مفهوم المجتمع المدني. وبهذا المعنى يتجسد مفهوم المجتمع المدني في المجال الذي ينتظم فيه المواطنون كأفراد في نقابات وأحزاب وجمعيات غير حـكومية ويمارسون نشـاطات مستقلة عن سياسات أهـل الحـكم، لكنهم يمارسون تأثيرا مباشـرا وغير مباشر في هذه السياسات. وهذا المجال (المدني) غير ملتحق بالدولة وسياستها، ولكنه أيضا غير خارج عليها. وإنه مستقل بالمعنى الإيجابي المؤثر في الدولة. والدولة من جهتها حيادية، أي أنها لا تطغى عليه ولا تستتبعه، بل تحافظ عليه وتحميه في إطار النظام العام والمصلحة العامة " (2).

وإن هذا التفاعل والتكامل بين الطرفين، هو التوليفة التاريخية التي تمكنت من نقل المحيط العربي والإسلامي من واقع التخلف إلى رحاب التقدم والحضارة.

واختلال هذه التوازن، يبدأ حينما تتخلى الأمة عن دورها أو تضعف قدراتها النوعية. فمع تراجع الأمة بمؤسساتها، تتغوّل الدولة وتحتل مجالات وحقول بفعل اختلال التوازن. " والمجتمع الأكثر ديمقراطية هو أيضا ذلك المجتمع الذي يصنع الحدود الأكثر صرامة أمام هيمنة السلطات السياسية على المجتمع وعلى الأفراد. وهذا يعني أن المجتمع الأكثر حداثة هو ذلك المجتمع الذي يعترف، بأكبر قدر من الوضوح، بالمساواة في الحقوق لكل من العقلنة والتذويت، وبضرورة تآزرهما المتبادل.

الديمقراطية هي ليست انتصار الواحد، ولا تحول الشعب إلى حاكم. إنها، على العكس من ذلك جعل المؤسسات تابعة للحرية الشخصية والجماعية. فهي تحمي هذه الحرية من السلطة السياسية - الاقتصادية، من جهة، ومن القمع الذي يمارس من قبل القبيلة والتقاليد، من جهة ثانية. وهي تحمي نفسها من نفسها أيضا، أي من عزلتها داخل نظام سياسي مغلق بين لا مسؤولية الدولة وطلبات الأفراد، وداخل فراغ تملؤه بمصالحها الخاصة وبصراعاتها الداخلية وبخطابيتها. إن ضغط الدولة على المجتمع هو كبير بالضرورة في أيامنا، بفعل إلحاح مشكلات التحديث والتنافس الاقتصادي والعسكري.

من هنا، فإن تعزيز الذات هو المهمة ذات الأولوية، ومجتمعاتنا، أيا كانت أوضاعها، تميل نحو الخضوع إما لقانون الحاكم وإما لقانون السوق، والديمقراطية تستلزم صمود روحية الحرية والاستقلال والمسؤولية في مبدأي الحكم هذين " (3). ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والتعليم والثقافة والتربية، تقوم في هذا الإطار بغرس أسس الذاتية الحرة والثقافة المسئولة في أبناء المجتمع. فإرادة الإنسان الحر وثقافة الحرية والمسؤولية، هما سبيل تكريس حقائق الديمقراطية في الواقع المجتمعي.

" واستقرار المجتمع المسلم ونجاح حركات الإصلاح فيه لن يترسخ إلا من خلال عقلية مجتمع الشورى ونظامه، والتزام المنهج السلمي المدني مبدءاً في السعي السياسي للإصلاح والتغيير. ولهذا فإن من المهم أن ندرك أن المنهج الشوري في جوهره أمر مبدئي مفاهيمي وتربوي يجب أن يترسخ في ضمير الأمة على مختلف مستويات التربية والتعليم والتنظيم والتعامل فيها وليس مجرد قضية هيكلية تنظيمية في تشكيل مؤسسات الحكم يأخذ الاستبداد فيها ألبسة ووجوها متغيرة " (4). فتعميق مفاهيم الحوار والسلم المجتمعي والمجادلة بالتي هي أحسن ونسبية الحقيقة والتسامح، كلها تساهم في إنهاء موجبات التوتر وعوامل الصدام العنيف في داخل المجتمعات العربية والإسلامية. فالتكامل بين الدولة والمجتمع في سياق وطني – حضاري متواصل بحاجة إلى توفر الشروط التاريخية المؤهلة لكلا الطرفين لممارسة أدوارهما المطلوبة دون التعدي على الطرف الآخر. ولا شك أن القيم الحضارية التي تكرس في الواقع المجتمعي حالة الاستقرار السليم، هي من العوامل الأساسية لخلق تلك الشروط التاريخية التي تطلق مبادرات تاريخية باتجاه إنجاز مشروع توافقي بين الدولة والمجتمع في الفضاء العربي والإسلامي.

فلا تكامل وتفاعل حضاري بين الدولة والمجتمع، إذا لم تدخل القيم الحضارية السالفة الذكر في نسيج كلا الطرفين، ويتم تمثلها في السلوك الخاص والعام، في دوائر الدولة ومؤسساتها، وهياكل المجتمع ومؤسساته الأهلية والمدنية. فلا بد أن تتحول هذه القيم إلى قوة مادية وحقائق قائمة في الواقع العام، نصنع من خلالها سياق التفاعل والعلاقة السليمة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا الإطار تتجسد إحدى مهمات السلطة والدولة: وهي أن " تواكب حركة المجتمع وإنتاجيته وتلتقط اتجاهات النمو وتسعى لتصويبها وتسريعها، هي (السلطة) التي يمكن الحكم على أدائها السياسي بالنجاح والإخفاقات السياسية للدولة العالمثالثية تعود في جزء أساسي منها إلى فشلها في التقاط اتجاهات النشاط الاقتصادي والاجتماعي لمجتمعها أو تعود إلى اعتقادها أنه بفرض أنماط إنتاجية جديدة مغايرة ومعاندة لتلك الموجودة تستطيع أن تحقق التقدم المطلوب " (5).

فالدولة معنية في كل الظروف والأحوال بمصالح الأمة والمجتمع، ولذلك ينبغي أن تسعى إلى تأمين مصالح الأمة وحماية مكتسباتها وقيمها وإبداعاتها ومنجزاتها.

ومن هنا نصل إلى حقيقة أساسية وهي: أن مدخل الوفاق والتكامل بين الدولة والأمة، هو التزام الدولة بمصالح الأمة واتجاهات الرأي العام المتوفر فيها. فكلما اقتربت الدولة من مفهوم الالتزام، كلما تعمقت أسباب الوئام والتفاعل بين الدولة والمجتمع. والعكس بمعنى أن ابتعاد الدولة عن مصالح الأمة والمجتمع وعدم خضوعها لاتجاهات الرأي العام، يعني على المستوى الفعلي ابتعاد الدولة في خياراتها وسياساتها عن مصالح الأمة الحقيقية، مما يجعل العلاقة بين الطرفين متوترة وذات طابع صدامي. " ومما تقدم، بات بالإمكان رسم معادلة للاستقرار السياسي أو للاضطراب في مختلف المجتمعات السياسية، فكلمت تقاربت مشاريع الدولة وسياساتها ومناهجها التربوية مع مصالح المجتمع وقيمه، كلما ارتقت هذه الدولة وتقدم معها المجتمع وظهرا مؤتلفين متفاعلين. وكلما تباعدت المشاريع والتطلعات كلما ازدادت مشاعر الخوف والاعتراض والنقمة لدى مختلف شرائح المجتمع " (6).

والدين الإسلامي في هذا المجال أرسى جملة من القيم والمبادئ التي تحافظ على حيوية الناس وحرياتهم، وتدافع عن حقوقهم، وترذل استخدام القوة والظلم في العلاقات الإنسانية والاستبداد والاستفراد بالرأي والحكم، وتجعل من الشورى وتداول الرأي والأمر والتسامح والتضامن والتعاضد من القيم الضرورية التي ينبغي أن تتعمق في النسيج المجتمعي.

وحتى تمارس الأمة دورها الحضاري، بحاجة إلى سيادة الشورى في محيطها ومكوناتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، وذلك لأنها (الشورى) القادرة على تعبئة كل الطاقات تجاه خيارات الأمة الحضارية، وبها يتم تجاوز العقبات التي تحول دون الاستفادة من خيرات الأمة وثرواتها.

ومما سبق، نستطيع أن نفهم أهمية التحول النوعي في طبيعة العلاقة وسياقها وآفاقها بين الدولة والأمة في المجالين العربي والإسلامي. بوصفه آلية نوعية ونقلة كيفية تهيئ هذا المجال للانخراط الجاد والحيوي في شؤون العالم. وكلما تأخر أو تباطأ هذا المجال في تنظيم هذه العلاقة وتأسيسها وفق نسق حضاري جديد، كلما ابتعد هذا المجال عن أسباب النهضة وعوامل التطور والتقدم. فحجر الزاوية في مشروع التقدم والنهضة، هو قدرة العالم العربي والإسلامي على بلورة نمط حضاري للعلاقة بين الدولة والأمة، بحيث تكون هذه العلاقة تفاعلية – تواصلية وبعيدة عن كل أسباب الكيد والتوتر والإقصاء. وبالتالي فإن قدرتنا على إنجاز هذا النمط من العلاقة، هو الكفيل بإنجاز مفاهيم التغيير والنهضة في الواقع المجتمعي.

فالاختيار الحضاري الذي يسمح بتعبئة كل الطاقات وتحشيد كل الجهود والاستفادة من كل الامكانات، هو ذلك الاختيار الذي يستند في خططه وبرامجه على علاقة حضارية متوازنة بين الدولة والأمة، بحيث يقوم كل طرف بتأدية أدواره ووظائفه على أكمل وجه. وهو الاختيار النموذجي الذي يؤسس لحقل سياسي سليم في العالم العربي والإسلامي. و " الاختيار السياسي بهذا، اختيار أساسي يلقى القبول من الجميع أي بالاتفاق العام، أو الإجماع، ثم اختيارات فرعية تختلف فيها وعليها التيارات السياسية الشرعية. وبدون الاتفاق العام، لا يتحقق الاختيار الفرعي.

فعلى المجتمع أن يحدد أولا اتفاقاته العامة، التي تعبر عنه كوحدة كلية لها وجودها وتماسكها، ومـن ثم يستطيع أن يسمح بتداول السلطـة، داخل إطار هذا الاتفاق العام. وبدون الاتفاق العام، يمر المجتمع والدولة بحالة فوضى سياسيـة شاملة. لأن تــداول السلطة هنا يعني " تداول السلطة " و " تداول النظام "، إن صح التعبير. فقبل الوصول إلى اتفاق عام حول البدائل الممكنة، تصبح كل البدائل متاحة وفاعلة، ولكن تداول السلطة بينهما غير جائز بالهدف المقصود منه. ولنتخيل مثلا، دولة تمر بحكم شيوعي، ثم رأسمالي، ثم اشتراكي، ثم نازي، خلال عقدين من الزمن. مثل هذه الدولة لن توجد أصلا كدولة، لأن التغير الجذري في النمط السياسي، سوف يحطم بناء الدولة وتماسك المجتمع " (7).

فالاختيار الحضاري والأطر المرجعية العليا، هما اللذان يحددان شكل الممارسة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وذلك لأن هذا الاختيار يؤسس لحالة من الإجماع والاتفاق العام على أسس وخطوط تلك الممارسات.

وهذه الأسس والخطوط المستمدة من الاختيار الحضاري والمرجعية العليا، هي التي تؤسس قواعد البناء وأساليب العمران على مختلف الصعد والمستويات. من هنا فإن الاختلافات بين الأمم والشعوب مردها إلى اختلاف اختياراتها الحضارية وتباين أطرها المرجعية. ولا يمكن لأمة تنشد النهضة الحقيقية أن تستعير اختيارات غيرها الحضارية، وذلك لأن عملية الاختيار عملية معقدة ومركبة، تمر بها الأمم والشعوب من خلال حياتها وخبراتها وتجاربها وتاريخها وخصوصياتها. من خلال كل هذه العناصر التي تمر بها الأمم يتم تحديد الاختيار الحضاري. فلا استعارة أو تقليد أو محاكاة على صعيد اختيارات الأمم الحضارية وأطرها المرجعية.

و " الأمة بحضارتها، شرط لأية ممارسة للحرية، وثوابتها دستور يلتزم به الجميع، لأن اتفاقها وإجماعها، هو القرار السياسي الأول. لهذا ننادي بحرية الأمة، من نخبتها المتغربة، وسيادة اختيار الأمة، على اختيار وكلاء الغرب. وليس لأحد أن يظن في ذلك تعارضا مع الحريات، لأنه لن تقوم لنا قائمة، ونحن نفتح ممارستنا لأي بديل ونتساءل حتى عن حضارتنا، ونختار بين حضارتنا وحضارة الآخرين وكأنها اختيارات ندية متاحة، ونساوي بين مقدساتنا ومقدسات الآخرين. بل أكثر من ذلك، فما ننادي به من حرية سياسية، حسب رؤى وكلاء الغرب، يفرض على الأمة اختيار غير حضارتها، ويهمش ثوابتها لصالح ثوابت الآخرين، وينزع من الأمة حريتها في اختيار نفسها، وهو اختيار تلقائي فطري، لصالح تمتع النخبة المتغربة بالحرية " (8). فالتكامل بين الدولة والأمة ينبغي أن يستند على اختيارات الأمة الحضارية ومرجعيتها العليا، حتى يتحول هذا التكامل إلى بداية حقيقية وفعلية لعملية النهوض والانعتاق من كل المعوقات التي تحول دون العمران الحضاري.

وبنية التحول النوعي والتكامل والتفاعل بين الأمة والدولة في المجالين العربي والإسلامي بنية متكاملة شاملة. بمعنى إننا بحاجة إلى تظافر كل الجهود والحقول الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية لبلورة هذه البنية وإنضاج آليات عملها وتأثيرها في المجالين العربي والإسلامي. فإذا استطاعت هذه البنية المجتمعية أن تفرض نفسها وتكون جزءاً أساسيا من النسيج الاجتماعي، حينذاك تكون عملية التحول النوعي باتجاه التكامل والتفاعل بين الأمة والدولة عملية ممكنة. فلا بد أن تسود في الفضاء الاجتماعي والسياسي قدر من الأفكار والقناعات والقيم الإنسانية والحضارية، الذي على ضوئها وهـداها تتم عملية التحول المطلوب.

وفي تقديرنا أن هذه القيم والأفكار تتجسد في الآتي:

1- الديمقراطية وسيادة الحرية بمقتضياتها ومتطلباتها النفسية والثقافية والاجتماعية والسياسيـة، حتى تتبلـور الإرادة الاجتماعية والفعـل العام، باتجاه تأكيد هذه القيمة (الحرية) في كل مجالات الفضاء الاجتماعي. ولا شك أن كينونة هذه القيمة في المحيط الاجتماعي، سيؤدي إلى إحداث تحولات نوعية وأساسية في المسيرة الاجتماعية، باتجاه خيارات سياسية وثقافية وحضارية، تحدث انعطافة حقيقية في مسار المجتمع.

فإشاعة الديمقراطية وثقافة الحرية في الوسط الاجتماعي، وتأسيس تقاليد التحولات السلمية السياسية والاجتماعية، كلها تعتبر من الأمور الأساسية المفضية إلى تفاعل وتكامل بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي.

وإن العلاقة بين الأمة والدولة، لا يمكن أن تأخذ شكلها الحضاري، إلا بتحول ديمقراطي – سلمي، يأخذ على عاتقه تصحيح العلاقة وإزالة كل أسباب الجفاء وموجبات التوتر بين الطرفين.

فالتحول الديمقراطي - السلمي هو وسيلة الواقع العربي والإسلامي للوصول إلى الصيغة الحضارية للعلاقة بين الدولة والأمة.

ومن الأهمية بمكان أن تجري هذه العملية في سياق النسق الحضاري الإسلامي، حتى لا تحدث الفوضى أو يتـم التناقض بين مشروعات الحرية والتعددية والتداول السلمي للسلطة وقيم الناس الدينية.

ووفق هذا المنظور يتم إعادة الاعتبار إلى الأمة ودورها في البناء الحضاري، والدولة ووظائفها السياسية والدفاعية والإستراتيجية. وبهذا تتشكل الوقائع والحقائق المنسجمة وقيم سيادة الحرية والديمقراطية في الواقع المجتمعي. ولن يتم الخروج من المآزق السياسية والثقافية والاجتماعية، إلا بتبني مشروع التحول الديمقراطي – السلمي، الذي يأخذ على عاتقه صيانة حقوق الإنسان وتأكيد قيم التعددية السياسية وحرية الفكر والتعبير والتنظيم والتداول السلمي للسلطة واحترام الرأي العام والدفاع عن مكتسبات الأمة التاريخية والحضارية.

2- إن العديد من الإخفاقات التي تعاني منها الدول العربية والإسلامية، يرجع في تقديرنا إلى غياب مبدأ المشاركة السياسية وضمور مساهمة الجمهور في الشؤون العامة. وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى اهتراء حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وشيوع حالات الفساد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ويضعف من مستوى الشعور بالمسؤولية الوطنية. وكل هذه العناصر من الأمور التي تؤدي بشكل أو بآخر إلى إخفاق مشروعات البناء والتنمية، وتنمية حـالات الغربة النفسية والاجتماعية، وتصاعد مستوى الجريمة بكل أشكالها ومستوياتها.

فتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، بحاجة إلى تطوير مستوى المشاركة السياسية، لأنها هي التي توسع من القاعدة الاجتماعية التي ترى من واجبها تعزيز واحترام حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فتوسيع مستوى المشاركة السياسية وتطوير آليات مساهمة القواعد الاجتماعية المتنوعة في صناعة القرار وتنفيذه، من القضايا الجوهرية التي تؤدي إلى الاستقرار، وهو شرط التنمية والأمن الشامل ووسيلة النهوض بالواقع العام. و " إن الاهتمام بالشأن العام مباح لجميع أفراد المجتمع السياسي، بل هو واجب عليهم. إذ إن الشأن العام جزء من الوجود الاجتماعي لكل فرد من أفراد المجتمع السياسي، ولا يستطيع الفرد السياسي العمل على تدبير شأنه الخاص إلا في وضعية تفاعل أفراد المجتمع بالشأن العام " (9).

فلا استقرار من دون مشاركة سياسية نوعية ولا تطور ومواجهة فعالة لتحديات الخارج من دون فسح المجال لقوى المجتمع المختلفة لممارسة أدوارها ووظائفها التاريخية والحضارية.

فالحلقات مترابطة بين المشاركة والاستقرار والتطور. فالاستقرار هو حصيلة الديمقراطية وتطور مستوى المشاركة السياسية، فالمجتمع الذي لا يشارك في صناعة مصيره، ولا يتحكم في قضاياه الكبرى وأموره الهامة، يصاب بالإحباط والجمود. كما أن الدولة التي تقمع مجتمعها، وتتعالى على خياراته، وتمارس اقصاءاً مستمـرا لقواه، فإن هذه الدولة تصبح بدون جذور حقيقية وصلبة في المجتمع.

لذلك فإن الدولة بحاجة إلى مجتمع دينامي ومشارك في تحمل المسؤوليات العامة، كما أن المجتمع بحـاجة إلى دولة عادلة، عزيزة تمارس وظائفها في إطار التفاعل والتكامل والدفاع المتبادل. والاستقرار ضرورة للمجتمع والدولة معا، وسبيله توسيع دائرة المشاركة السياسية وتوطيد أركان العملية السياسية الديمقراطية. " وإن دولة لا تمتلك الوسائل لتغيّر ما، هي دولة لا تملك الوسائل للمحافظة على ذاتها " (10).

فديمومة السلطات مرهون باستقرارها، والاستقرار هو حصيلة مدى مساهمة ومشاركة المجتمع وقواه في إدارة الأمور وصناعة القرارات السياسية والمصيرية.

لذلك فإن سبيل استمرار الحكومات، هو ديمقراطيتها وفسح المجال للمجتمع بشكل قانوني ومؤسسي لممارسة دوره والقيام بواجباته الكبرى.

فالديمقراطية تجلب الأمن والاستقرار، والمشاركة السياسية تغرس مضامين جديدة وحيوية لمفهوم الاستقرار السياسي. ولا ينحصر دور المشاركة السياسية في توفير الاستقرار وموجباته المجتمعية، وإنما توفر أيضا الظروف الموضوعية للتقدم الاجتماعي العام. فالتقدم كتطلع إنساني نبيل لا يمكن أن تنجز مفرداته في الواقع الخارجي، بدون مشاركة قوى المجتمع ومؤسسة الدولة في إنجازه وتكريس مساره. وذلك لأن المشاركة السياسية ستفرض قيما اجتماعية جديدة، تزيد من حيوية كل القوى وفاعليتها وتوجهها صوب التقدم والعمران الحضاري.

ومن الثابت تاريخيا أن الدولة الديمقراطية أكثر استقرار من الدولة الاستبدادية، وأن المجتمعات ذات المؤسسات والتكوينات المدنية والديمقراطية أكثر أمنا واستقرار من المجتمعات التي لا تمتلك مثل هذه المؤسسات. لذلك كله فإننا نرى، أن أحد المداخل الضرورية لإنهاء الأزمة بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي، هو تطوير مستوى المشاركة السياسية، وتوطيد أركان الممارسة الديمقراطية، وذلك لأن هذا هو طريق الأمن والاستقرار على المستوى السياسي والحضاري.

والمشاركة السياسية تـأخذ أشكال وآليات عديدة منها: تنمية وتطوير مؤسسات المجتمع الأهلي - المدني، والسماح بإنشاء الأحزاب السياسية والتشكيلات الثقافية والاقتصادية والنقابية، وإطلاق حرية الصحافة وتطوير أداءها ودورها في المجتمع، والانتخابات الحرة والنـزيهة لمختلف المناصب والسلطات.

كل هذه آليات لتطوير مستوى المشاركة السياسية، التي هي السبيل الحضاري للاستقرار والأمن. فالاستقرار الحقيقي لا يتأتى بالقمع والقهر والعسف، وإنما بالرضا والتراضي والتعاطي مع شؤون المجتمع المختلفة بالرفق والحكمة. وإن الاستجابة الحرة والحضارية للانتماءات الموضوعية المتوفرة في الواقع المجتمعي، لا يعد ضعفا أو تهاونا أو تنازلا، وإنما يعد وفق المقاييس السياسية السليمة حكمة وقدرة سياسية فائقة للاستفادة من كل إمكانات المجتمع وقدراته في مشروع البناء والتنمية. فإرادة العيش المشترك، هي التي توفر أسباب ووجوه الوحدة الاجتماعية المطلوبة، القائمة على فعل التواصل والتعاون والوحدة الفعلية، التي لا تلغي التنوعات والانتماءات الموضوعية، وإنما تبلور لها مسؤولية ودورا في مشروع الإجماع الوطني المشترك.

3- إن الإرث الدامي للعلاقة بين الدولة والأمة في المجالين العربي والإسلامي، يتطلب من أجل تجاوزه واستيعاب عبره ودروسه من التحليق في المستقبل، والعمل على أن يكون الغد أفضل من الأمس. وهذا بطبيعة الحال بحاجة من كل القوى إلى توفير الاستعداد النفسي والقدرة على تجاوز الإحن والأحقاد ومضاعفات العلاقة السيئة خلال العقود الماضية. وذلك لأن الإنحباس في ماضي العلاقة وتأثيراتها الشاملة، يؤدي إليه إلى شحن النفوس وتضييع الفرص وتنمية الأحقاد والتوترات.

إن العالم العربي والإسلامي، بحاجة إلى تحول نوعي، بحيث تتجه جميع القوى صوب صناعة المستقبل بعيداً عن سلبيات الحاضر وتداعيات العلاقة المتوترة بين المجتمع والدولة. لذلك ينبغي التركيز على الغد والمستقبل والخروج من شرنقة ما مضى، وهذا لا ريب بحاجة إلى قدرة نفسية فذة، وتطلع نحو الغد عميق. وإننا في هذا الإطار، بحاجة إلى ثقافة تبلور إرادة الجميع نحو مستقبل تسوده قيم الإنسان والحضارة. وإن هذه بحاجة إلى توفر شروط ثقافية واجتماعية تدفع باتجاه تجاوز إيجابي للإرث الدامي في علاقة الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي. وهذه الشروط لا تكون جاهزة في الفضاء الاجتماعي، وإنما هي تتبلور من خلال تراكم عمليات النظر والتفكير والمبادرات الاجتماعية التي تنشد بلورة الإطار الثقافي والاجتماعي لتجاوز محن الماضي وأرث العلاقة السيئة نحو غد أفضل ومستقبل خال من تداعيات المواجهة الدامية.

وإن التحول التاريخي المطلوب، يبدأ من إعادة بناء العلاقة بين الأمة والدولة، بين السلطة والمجتمع وفق أسس حضارية ومعايير تقترب من مفاهيم العدالة والحرية والتكامل والتفاعل. ولا يمكن أن يتم التحـول التاريخي في المجالين العربي والإسلامي بدون إعادة تنظيم هذه العلاقة بين الطرفين.

فالاستقرار السياسي لا ينجز إلا بتوافق حضاري بين الأمة والدولة وأي تنمية لا تلحظ هذه المسألة فإن مآلها الفشل والإخفاق. فإقصاء الأمة وتهميش المجتمع، لا يصنع تنمية وتقدما، لأنه لا تنمية بدون مشاركة المجتمع، ولا تقدم بدون قيام الأمة بمسؤولياتها التاريخية والحضارية.

فالإخفاق هو نصيب أي مشروع يقصي الأمة ويهمش دورها في الحياة. كما أن النجاح تتبلور أسبابه وتتجمع عناصر إرادته من خلال التوافق الحضاري بين الأمة والدولة. والتوافق هنا يعني المشاركة والتفاعل والمراقبة والشهود والتكامل.

في معنى التسوية التاريخية:

على خلفية المتغيرات العالمية، ومسارات التطور السريع الذي يجري في المعمورة على مختلف الصعد والمستويات. في هذه المرحلة التاريخية المليئة بالتحولات والاستحقاقات التي تختلف أشكالها ومضامينها على مجمل ما واجهته دول العالم العربي والإسلامي خلال المراحل السابقة.

وحتى لا تزداد أزمات الواقع العربي والإسلامي سوءا واستفحالا، نحن بحاجة إلى جهد متواصل لاستيعاب المتغيرات وإدراك المتطلبات الجديدة. وإن هذا الاستيعاب هو نتيجة استحقاق وسعي متواصل، وهو ثمرة تحرر وفعل نوعي في مختلف مجالات الحياة. فالاستيعاب العميق لمتطلبات اللحظة التاريخية، هو الخطوة الأولى في مشروع وقف الانحدار وصناعة المنجز الحضاري.

وإننا نروم من هذه الدراسة، أن يتمكن العرب المعاصرون من اقتحام فضاء العمل السياسي المدني والسلمي، والذي يأخذ على عاتقه تعميق متطلبات التحول الديمقراطي في الوطن العربي والإسلامي.

ومن الأهمية في هذا الإطار، الاعتقاد أن فض الاشتباك بين الدولة والمجتمع في التجربة العربية والإسلامية المعاصرة، هو من ضرورات التحول الديمقراطي ـ السلمي. وذلك لأن استمرار المماحكات، وتعاظم عوامل التوتر بين الطرفين، يؤدي فيما يؤدي إليه إلى اشتعال الحروب الداخلية، واستفحال نزعات العنف والقتل والكراهية والتعصب، وتعاظم خيارات التطرف والاستئصال. ولا ريب أن هذه المظاهر والصور، كلها مناقضة لمتطلبات التحول الديمقراطي - السلمي. وليس من شك أن بقاء الوضع العربي والإسلامي على حاله، يعني فشل المشروع التاريخي للدولة الوطنية الحديثة، وإخفاق لكل النخب السائدة سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.

فالإخفاق شامل، وأسبابه وموجباته متوفرة في كل الدوائر والمؤسسات والحقول. وأمام هذا الإخفاق، نحن بحاجة إلى عملية إصلاح المجتمعات العربية والإسلامية من الداخل، لأنها المدخل الفعال لتفعيل هذه المجتمعات وإعادة حيويتها وتخليصها من توتراتها الداخلية.

وفي سبيل الوصول إلى مصالحة حقيقية بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي نؤكد على الأمور التالية:

1- ضرورة الحوار بين النخب في العالم العربي والإسلامي، وتوطيد أسباب التواصل الثقافي والسياسي بينها. ولا شك أن تدشين مرحلة الحوار الجاد بين نخب الأمة، سيؤدي إلى إرساء قواعد وتقاليد للتواصل الثقافي والسياسي. ومن الطبيعي أن تكريس خيار التواصل يفضي إلى نضج ثقافـة سياسية واجتماعية، ذات طابع ديمقراطي وسلمي. وهذا يساهم مساهمة كبيرة في إرسـاء قواعد وثقافة مواتية للمصالحة بين الـدولة والمجتمع.

فحالات التوتر مهما كان شكلها أو عنوانها بين الدولة والمجتمع لا تصنع استقرارا وأمنا شاملا، وإنما تزيد من فرص الاضطراب والانفجار السياسي والاجتماعي. لذلك فإن من المهمات الكبرى لكل قوى الأمة، هو إرساء تقاليد الحوار والتواصل الثقافي والسياسي، حتى يتسنى للجميع بلورة أطر وبرامج للخروج من الأزمة المتفاقمة بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي. فالقوة لا تحل الخلافات وإنما تؤكدها وتعمقها. والقهر لا ينهي تباين وجهات النظر وتعدد الأطر المرجعية والفكرية، وإنما يزيد من حراكها وفعاليتها. فينبغي أن نعطي لبعضنا البعض الفرصة للحوار بالوسائل الحضارية والسلمية، حتى تتراكم خبرتنا الإنسانية، وتتكثف في واقعنا حقائق العقل والحضارة. والاعتراف بالآخر وجودا وفكرا ومدرسة، هو بوابة الحوار الجاد بين نخب الأمة.

والحوار والتواصل المطلوب بين نخب الأمة وقواها المتعددة، لا يأخذ شكلا أو صيغة واحدة، وإنما ستتعدد الأشكال والصيغ وذلك بفعل اختلاف الظروف وطبيعة التحديات ومستوى النضج الثقافي والسياسي الذي سيتوفر من جراء عملية التواصل والحوار.

ولا ريب أن هذه العملية بحاجة إلى أطر مؤسسية ثابتة ترعى مثل هذا التوجه وتخطط له، وتوفر أسباب النجاح له. كما تحتاج إلى كل المبادرات الناضجة والمسئولة والتي تأخذ على عاتقها تعميق حالة التعارف والتنسيق والتعاون بين قوى الأمة ونخبها المتعددة.

وبهذا نطرد من واقعنا الخطاب الآحادي والعقلية الدوغمائية والمنطق الشمولي والمطلق الذي لا يرى إلا ذاته ويلغي ما عداه. ويفتقر هذا المنطق إلى كل دلالات المرونة واستعدادات الحوار والتساؤل والنقد. فالتواصل الحواري والتعاوني بين نخب الأمة، ينبغي أن يحمل في ثناياه ومضمونه القبول بالتساؤل والاختلاف والنقد.

وذلك لأن التواصل الحواري، لا يستهدف تهديم الآخر وإفشاله، وإنما يستهدف تعرية واكتشاف كل الثغرات والنواقص التي أدت إلى إخفاق النخب في إنجاز نهضة الأمة وتقدمها. فالحوار من أجل فحص المسيرة ومحاكمتها موضوعيا، لا بعقلية المنتصر والمنهزم وإنما بعقلية مسؤولية الجميع عن الحالة الراهنة، وقدرة الجميع إذا توفرت الإرادة الصادقة والثقافة السليمة لتنظيم الاختلافات لاجتراح فرادتنا ونهجنا في البناء والتقدم.

فالتواصل الحواري ليس وسيلة جديدة لتأبيد القوالب الفكرية والمنهجيات السياسية السائدة، وإنما آلية لمنع اجتراح الأفكار وإعادة إنتاج المنهجيات والعقليات الدوغمائية، وتطمح إلى إنتاج المعرفة الجديدة والمعطيات السياسية المنسجمة وروح العصر وتثري حالات التعدد والتنوع المتوفرة في جسم الأمة.

لهذا كله ينبغي أن تهتم نخب الأمة من مختلف المواقع والساحات، ببلورة المبادرات وصياغة الأطر الكفيلة بتحريك حالة التواصل الحواري بين نخب الأمة ومؤسساتها الأهلية والمدنية، حتى تتضح وتتبلور رؤى الخروج من مآزق الراهن. وذلك لأن " حوار النخب يخفف بدرجة كبيرة من أخطار التعصب والغلواء التي تستوطن نخبة ما في ظرف ما. وغياب الحوار بين النخب هو الذي أفضى إلى سوء الأحوال في البلاد العربية إلى درجة تعلن فيها الأحكام العرفية في بلد، ونظام الطوارئ في آخر، والاقتتال الداخلي في ثالث ناهيك عن غياب المؤسسات التي تكفل حرية المواطن وحياته في كثير من البلاد " (11).

ولا ريب أن الفشل في تأسيس واقع حواري بين نخب الأمة، يؤدي إلى استفحال الأزمات وتفاقم المشكلات وتشتت الجهود، ويضمر أثر هذه النخب في الواقع العام.

2- دائما النمط الاجتماعي المغلق، والذي لا يمد جسور التعارف والانفتاح مع الآخرين، يتحول إلى نمط اجتماعي يحتوي أو يتضمن الكثير من عوامل الخطر والتقسيم الاجتماعي. لأن هذا النمط المغلق يغذي نفسه بعقلية التميز والعداء والصراع مع الآخرين كمبرر دائم لاستمرار عقلية الكانتونات الاجتماعية.

ونظرة واحدة إلى خريطة الدول العربية الاجتماعية لنرى كيف أن عقلية الكانتون والقطيعة الاجتماعية مع الآخرين هي القاعدة الصلبة التي كرست مفهوم التقسيم والتفتيت الاجتماعي.

لهذا فإن السلم المجتمعي، لا يتحقق على قاعدة هذه العقلية التي تصنف وتفرق ولا تؤسس وتجمع. وإنما السلم المجتمعي يتحقق على قاعدة عقلية نبوية، تجمع ولا تفرق وتبحث عن القواسم المشتركة قبل أن تبحث في نقاط التمايز والافتراق.

ومقتضيات الحوار عديدة من أهمها: التعارف وفتح الأجواء الاجتماعية المختلفة، بحيث تنعدم نفسيا واجتماعيا مسألة الكانتونات والمجتمعات المغلقة. لأنه لا يعقل أن يتم حوار اجتماعي بدون تعارف وأجواء اجتماعية مفتوحة. فشرط الحوار ومقدمته الضرورية التعارف الاجتماعي بكل ما تحمله كلمة التعارف من معنى ومدلولات اجتماعية وثقافية.

والانفتاح ونبذ الانطواء على النفس مهما كانت مسوغات هذا الانطواء التاريخية والاجتماعية. إن الإنسان (الفرد) المنطوي على نفسه لا يمكنه أن ينظم ويوسع علاقاته الاجتماعية. كذلك الإنسان (المجتمع) لا يمكنه أن يوسع من علاقاته، ويعرّف الآخرين بأفكاره ومعتقداته ورموزه التاريخية ومغزاها الثقافي والحضاري وهو منطو على نفسه.

فالانفتاح وإلغاء الحدود المصطنعة والوهمية في بعض الأحيان، هو الذي يؤسس لمنظور حواري اجتماعي متقدم، يزيد في إثراء الساحة الاجتماعية، ويعمق كل مقولات الوحدة الوطنية في الواقع الخارجي.

وينبغي أن لا نفهم الانفتاح في هذا العملية الاجتماعية الشاملة باعتباره مقايضة تاريخية - ثقافية لكل الخصائص الذاتية والتاريخية. وإنما هو في حقيقة الأمر دفع وإعادة فهم لتلك الخصوصيات من أجل إيصالها إلى مستوى الحقائق الموضوعية التي يستفيد منها أي إنسان.

ولعل مقتل الكثير من المجتمعات المغلقة يبدأ حينما تصر هذه المجتمعات على إبقاء تلك الخصوصيات ذاتية. بينما المجتمعات الإنسانية المتقدمة هي التي استخدمت إمكاناتها المختلفة من أجل إعطاء للخصائص الذاتية البعد الموضوعي التي يجعلها قابلة للتطبيق في مجالات اجتماعية أخرى. إن الانفتاح الذي نقصده ونراه ضرورة للحوار الاجتماعي، هو الذي ينطلق من هذه العقلية التي تدفع باتجاه أن تعطي لمضامين مفاهيمها الذاتية بعدا موضوعيا ـ جامع. بحيث تغذي هذه المفاهيم العالية مجموع الوحدات الاجتماعية. ووفق هذا المنظور نتمكن من الوصول إلى مفهوم الحوار الاجتماعي الحيوي والهادف إلى تفعيل القواسم المشتركة بين مجموع الوحدات الاجتماعية.

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا، أن الكثير من الحروب الأهلية التي تجري في العديد من البلدان ترجع بالدرجة الأولى إلى إصرار كل طرف على جعل مفاهيمه الذاتية، هي المفاهيم الحاكمة والسائدة ودون أن يطور في مضمون هذه المفاهيم ويعطيها أبعادا موضوعية.

وهذا الإصرار هو الذي يزاوج بشكل قسري ومتعسف بين المفهوم الذاتي والشخص أو الفئة السياسية أو الاجتماعية التي تحمل لواء ذلك المفهوم الذاتي. وهذا ما يفسر لنا ظاهرة أن الكثير من الأحزاب السياسية في العالم الثالث وبالذات في الدول التي تخوض حوربا أهلية هي غطاء حديث لمضامين اجتماعية تقليدية سواء قبلية أو جهوية أو ما أشبه.

وجماع القول: أن السلم المجتمعي لا يتحقق إلا بحوار اجتماعي مستديم لا يبحث في لاهوتيات كل طرف ومواقفه التاريخية، وإنما يبحث ويؤسس لحياة اجتماعية ووطنية سليمة.

وعلى هدى هذه الحقيقة نقول: أن استمرار الخطاب الاجتماعي والسياسي في التغذية المعكوسة لتلك التمايزات التاريخية والاجتماعية، يؤدي إلى أن يمارس هذا الخطاب دورا تقسيميا في الوطن والمجتمع. بينما من الضروري أن يتطور هذا الخطاب ويتجه نحو صيانة منظومة قيمية ومفاهيمية جديدة، تحترم التمايزات التاريخية دون الانغلاق فيها، وتؤسس لواقع اجتماعي جديد يستمد من القيم الإسلامية والإنسانية العليا منهجه وبرامجه المرحلية.

3- إن العالم العربي أحوج ما يكون اليوم إلى الإجماع الوطني الجديد، الذي يستوعب جميع القوى والتيارات في أطر منسجمة مع بعضها البعض لمواجهة التحديات والعمل معا من أجل تنفيذ التطلعات الممكنة. ولا شك أن طريق الإجماع الوطني، لا يمر عبر الاستفراد بالحكم والقوة واستخدام أساليب القهر والإقصاء. إنها تزيد من التشظي، وتساهم في تنمية العصبيات والعقليات الدوغمائية. لذلك نرى أن بوابة الإجماع الوطني المطلوب، واصطفاف جميع القوى والنخب في إطار مشروع جامع، هو إصلاح الوضع السياسي في المجالين العربي والإسلامي. والإصلاح هنا لا يعني إيجاد بعض الشكليات القانونية والدستورية، أو الإعلان الدائم عن ضرورة الإصلاح والتطوير، وإنما يعني بالدرجة الأولى تغيير وتطوير شروط الممارسة السياسية، وتوسيع دائرة النخبة السياسية، وتأسيس العملية السياسية على قواعد أكثر عدالة والتزاما بقيم الأمة وخصوصياتها الحضارية والتاريخية.

ودون ذلك ستزداد حالات الاغتراب عن الدولة في المجالين العربي والإسلامي، و ستتآكل الشرعية وستستشري عوامل الانفجار في المحيط المجتمعي كله.

ومن خلال هذا المنظور، نرى أن الكثير من أشكال الممارسة السياسية في المجالين العربي والإسلامي تحتاج إلى تغيير وتطوير، وذلك لأنها أشكال تعمق من أزمة الواقع وتزيده غشاوة وضبابا وارتباكا. فالسياسة ليست نضالا ضد الأخلاق والقيم الإنسانية الكبرى، وإنما هي في جوهرها نضال من أجل الحرية والعدالة. لذلك ينبغي أن تكون الممارسات السياسية منسجمة وهذه القيم. فإعادة الاعتبار إلى السياسة، يبدأ من اعتبارها حقلا عاما بإمكان كل مواطن المشاركة فيه بصرف النظر عن منبته المذهبي أو الاجتماعي. وأن المعيار الناظم لهذه المشاركة هو كفاءة الإنسان وقدرته على تقديم برامج وحلول لأزمات الواقع ومشكلاته. وحتى تتوفر الظروف الموضوعية للانخراط من قبل جميع قوى الأمة في حقل السياسة، بحاجة إلى التأكيد على أن هذا الحقل من الحقول المدنية الهامة، التي يتم فيها التعاون والاختلاف والتنافس والصراع بأدوات مدنية وديمقراطية. ويتم الابتعاد كليا عن كل أشكال عسكرة السياسة وعنف القول وعنف الفعل.

فعن طريق فتح المجال لكل القوى للمساهمة في حقل السياسة ضمن الضوابط الدستورية، ومدنية هذا الحقل، وديمقراطية أساليب العمل المتبعة فيه والتزامها التام بالقوانين المشروعة. عن طريق هذه العناصر يتم إعادة الاعتبار إلى السياسة، ودورها في إنهاض الأمة وبلورة مقاصدها العليا.

فبوابة خلق الإجماع الوطني الجديد هو تجديد الحياة السياسية، وتوسيع مستوى المشاركة فيها، وتنظيم قواعد التنافس والصراع فيها أيضا.

فالمطلوب أحداث تحولات نوعية على مستوى التصورات التي نحملها عن السياسة وطبيعة عملها وآليات فعلها، بحيث تكون التصورات الجديدة متناغمة والإطار الحضاري لمجتمعاتنا. وإننا بحاجة أن نبحث في مفهوم السياسة، ونعيد تأسيسه على قاعدة حضارية، نتجاوز من خلالها كل الرواسب السيئة لمفهوم السياسة المتداول اليوم في الساحة الدولية. لهذا فإننا بحاجة إلى مؤسسات وأطر للتنشئة والتنمية السياسية، حتى يتحول هذا الحقل إلى حقل فعال ومنتج في سبيل البناء الحضاري. وأي ممارسة تعسفية لإقصاء السياسة من المجتمع فإنها تؤدي في المحصلة الأخيرة إلى ضعف مؤسسة الدولة ومؤسسات المجتمع، وذلك لأنها أقصت من مسيرتها رافدا أساسيا من روافد التطور والتقدم. لهذا نجد أن الأنظمة التي تقصي السياسة من مجتمعها وتحارب بمختلف الوسائل نمو الأطر السياسية المؤسسية، تتراجع قيم الحرية في واقعها، وتتضاءل إمكانية التضامن، وتتراجع القيم الضابطة للعمل العام، ويصاب العقد الوطني والاجتماعي بالخلل والانفراط. " ويفترض هذا المنظور أن سبب فساد السياسة العربية لا يكمن في طبيعة السياسة القائمة كأهداف وأساليب وغايات ووسائل عمل، وإنما في تقصير بنية الدولة عن تلبية هذه الأهداف، أي في الطابع غير الفعال وغير المتسق للدولة من حيث هي آلة تنفيذية. ومن هنا، فإن إصلاح السياسة يقتضي، بالدرجة الأولى إصلاح مفهوم الدولة، أي تحديد النموذج الصالح منها. ويلتقي هذا التفكير مع التفكير الكلاسيكي في مفهوم المؤسسة وخصوصيتها وما يرتبط بها من تقنين وتجريد وتعميم، بالمقارنة مع فكر السلطة الشخصية والزبونية والخاصة أو الإقطاعية التي كانت تميز، حسب اعتقاد محللي المجتمعات الإسلامية الكلاسيكيين، الدولة التقليدية السلطانية " (12).

وهكذا يصبح صوغ مفهوم جديد للسياسة، هو أحد الشروط الأساسية لعملية الإصلاح في الواقعين العربي والإسلامي، وذلك لأن التنشئة السياسية السليمة وسيلة أساسية من وسائل توسيع قدرة المجتمعات العربية والإسلامية على تدعيم خيارات العقل والحرية في الممارسة السياسية سواء في مؤسسة الدولة أو مؤسسات المجتمع السياسي.

ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول: إن أحد الأسباب الرئيسة لإستشراء الفساد (بالمعنى العام) في الواقع السياسي العربي والإسلامي، هو انفصال مؤسسة الدولة عن المجتمع، وضعف تحرر المجتمع من هيمنة الدولة وغطرستها. لهذا فإن كل خطوة في طريق إنجاز الانسجام الواعي بين الدولة والمجتمع تعد خطوة في طريق إصلاح السياسة في المجالين العربي والإسلامي. كما أن كل جهد يبذل لتحرر المجتمع من ضغوطات الدولة الاستبدادية يعد جهدا أساسيا في بناء السياسة على أسس مجتمعية جديدة. فالسياسة كسلطة ينبغي أن تكون موضوعية وعقلانية وبعيدة عن كل رواسب الانحطاط في الواقعين العربي والإسلامي. وبوابة إنجاز ذلك هو المزيد من الجهد والكسب والعمل لإنجاز مصالحة تاريخية بين الدولة والمجتمع والكفاح الدائم من أجل انعتاق المجتمع من هيمنة الدولة الاستبدادية عن طريق بناء مؤسساته وتعظيم نقاط قوته وتسيير شؤونه بإرادته وإمكاناته. فتحرر المجتمع من الهيمنة الشمولية للدولة الاستبدادية هو شرط بناء مجتمع أهلي ـ مدني قادر على اجتراح تجربته وبناء نموذجه. وبالتالي فإن " إدراك سبب إخفاق السياسة وفسادها، ومن ورائها تفاقم قيم القهر والعنف، وانسداد آفاق التحول والتقدم السياسي، في تجاه بناء الفرد كمواطن من جهة وبناء الجماعة كأمة متضامنة ومتحدة وموحدة من جهة ثانية، يستدعي، إذن، دراسة التجربة التاريخية التي حكمت تجديد نموذج السياسة ومفهومها وشرطت عملية تكوين الدولة العربية في العصر الحديث، من حيث هي تجسيد لقيم وغايات اجتماعية وأخلاقية، ومن حيث هي وكالة تنفيذية تقوم بترجمة هذه القيم والغايات في الواقع العملي وتضمن نجاعتها. ويفترض هذا المنهج، إذن إبراز دور العوامل المختلفة، التراثية والمعاصرة، الثقافية والمادية، المحلية والعالمية التي أدى تفاعلها إلى توليد الظاهرة الجديدة بدل التركيز على أحد هذه العوامل من أجل محو العوامل الأخرى أو التقليل من أهميتها. والمقصود أن الأمر المهم في فهم الظاهرة ليس العوامل الثابتة نفسها، المادية أو المعنوية، الذاتية أو الموضوعية، بل العلاقات التي تنشأ بين هذه العوامل، والقوانين التي تحكم تبدل هذه العلاقات. ولا يمكن لفهم نظرية الدولة وحدها ولا للكشف عن أثر الذات وحده أيضا، إصلاح نظرتنا للدولة وبناء الدولة. إن جوهر الإصلاح كامن في مراجعة تجربتنا السياسية التي ارتبطت ببناء الدولة الحديثة والكشف عن مثالبها ونقائصها " (13).

فالمصالحة الحقيقية بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي، متوقفة إلى حد كبير علـى ضرورة جعل حقل السياسة بكل مستوياته وأشكاله مفتوح على جميع الطاقات والتعبيرات. فلا إقصاء لأحد من ممارسة هذا الحق في هذا الحقل، ولا تهميش لأي طرف وطني. ففي الحقل السياسي تتنافس التعبيرات والبرامج، ويبقى الخيار الأخير بيد الأمة والشعب. فهو الذي يقرر البرامج السياسية، وهو الذي ينتخب الرجال لتأدية الوظائف وتنفيذ البرامج. فلا مصالحة بدون حياة سياسية جادة، ولا حياة سياسية جادة بدون ديمقراطية تسمح للجميع من ممارسة دوره في البناء والتنمية. وهذا المطلب بحاجة إلى تظافر الجهود والقوى والفعاليات من أجل صوغ إجماع وطني جديد، وعلى أسس قانونية وديمقراطية، ترعى جميع الخصوصيات، وتلحظ طبيعة التحديات واللحظة التاريخية التي نعيشها.

وإن المصالحة بين الدولة والمجتمع ليس مقولة نظرية فحسب، بل هي حركة سياسية فاعلة تتجه صوب القواسم المشتركة لتفعيلها، ونحو السلبيات لتحديدها وبيان سبيل إنهائها، وعملية ثقافية - اجتماعية تأسس لعقد سياسي جديد يربط قوى المجتمع مع مؤسسة الدولة.

وآليات وأسـاليب إحـداث المصالحة والتوازن والتكامل بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني ـ الأهلي متعددة ومتنوعة ومفتوحة على كل المبادرات والفعاليات الإنسانية. وحجر الزاوية في هذه المسألة هو وعي الإنسان الذي يتجه دوما نحو بناء قوته وفق أسس سليمة. وهو وعي يقبل بعمق بالآخر ويؤسس بنضج وحكمة لحالة حوارية مستديمة أفقها مفتوح على الإنسان ومستقبله بصرف النظر عن منبته الأيدلوجي أو عرقه أو انتمائه السياسي.

4- إن ردم الفجوة القائمة بين النخب السياسية السائدة في المجالين العربي والإسلامي وعموم الشعوب العربية والإسلامية، بحاجة إلى توفر الإرادة السياسية الصادقة التي تأخذ على عاتقها ردم الفجوة وإنهاء الهوة المتوفرة في المحيطين العربي والإسلامي.

وردم الفجوة ليس خطابا بلاغيا يتفوه به الزعيم، أو منشورا يوزعه الحزب السياسي، وإنما هو ممارسة سياسية مستديمة، تستهدف إزالة أسباب هذه الفجوة، وتوفر الظروف والعوامل الذاتية والموضوعية لردم هذه الفجوة عبر عمل سياسي نوعي يشترك في إنجازه نظام الحكم وقوى المجتمع السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي تقديرنا أن معيار توفر الإرادة السياسية الصادقة لعملية التحول تتجسد في إطلاق مشروع التعددية السياسية والسماح بإنشاء الأحزاب والجماعات السياسية حتى يتشكل الجسر السياسي الضروري لعملية التحول المطلوب.

وينبغي أن ندرك أن النظم السياسية المستبدة هي معرضة على الدوام لفقدان شرعيتها واضمحلال قاعدتها الاجتماعية واسترخاء مشروعها الوطني.

فالتعددية السياسية الحقيقية هي البوابة الحقيقية لعودة الشرعية وفعاليتها، وهي معيار توفر الإرادة السياسية المتجهة نحو التغيير والتطوير، كما أنها هي التي تعمق من مشروع المصالحة بين الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي.

فالتعددية السياسيـة الحقيقية، بمثابة مفتاح لدخول العصر وإنجاز مقولة التحول الديمقراطي - السلمي في الفضائين العربي والإسلامي.

والحقيقة التي ينبغي أن لا تخفى على أحد هي: أن دولة ونظاما سياسيا لا يقر بالتعددية، سيؤدي عدم إقراره عاجلا أو آجلا إلى بروز الخصوصيات الضيقة، ونضوج أسباب التوتر والتعصب وموجباتهما، وسيدخل الجميع في نفق النـزاعات الهامشية والعصبوية المقيتة.

فالدولة التي تستبعد تشكيلات مجتمعها السياسية والثقافية، وتفرض عليه نمطا واحدا في حياته السياسية والثقافية، فإنها في حقيقة الأمر تغرس عوامل الحروب الاجتماعية بأشكالها المختلفة. وذلك لأن حقائق السياسة والمجتمع، لا يمكن نكرانها بالقوة واستخدام أشكال القسر والإرهاب، لأن هذه الطريقة تزيد من ترسيخ هذه الحقائق.

فالطريقة الحضارية للتعامل مع حقائق السياسة والمجتمع هو التكّيف معها وسن القوانين المؤاتية للاستفادة من هذه الحقائق في بناء الوطن وتطوير المجتمع. فإطلاق مشروع التعددية السياسية في المجالين العربي والإسلامي، هو الكفيل بتوظيف حقائق السياسة في مشروع البناء والتنمية.

ولا بد أن ندرك أن هيمنة مقولات سياسية واحدة، لا ينهي مشكلات الواقع ولا يؤدي إلى الاستقرار المطلوب، وإنما يؤدي إلى ظهور مقولات وأيدلوجيات متطرفة وعنيفة. وهذا بطبيعة الحال يزيد من أوار المشكلات ويدمر كل أشكال الاستقرار.

فالتطابق القسري لا يؤدي إلى الوحدة، وثقافته لا تصنع استقرارا وأمنا. فالوحدة لا تتأتى إلا باحترام التنوعات والتعدديات التقليدية والحديثة. وطريق الاستقرار والأمن هو مشاركة الجميع في البناء والتنمية. والتعددية السياسية لا تستبدل بغيرها، لأنها ضرورة من ضرورات النهوض وتتكامل مع غيرها من قيم التقدم والتنمية والعمران. فالنهضة الاقتصادية ليست بديلا عن التعددية السياسية، كما أن الحرية الثقافية ليست بديلا عن الخصوصية الحضارية. فإن هذه القيم الكبرى تتكامل مع بعضها، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن نمارس عملية المقايضة بين هذه القيم لأنها كلها ضرورات في البناء الحضاري، ولا يمكن لمجتمع أو أمة تنشد التقدم أن تتخلى عن بعض هذه القيم. ولا بد أن ندرك بعمق أن عملية المقايضة تشكل وفق كل المقاييس خسارة فادحة لكل هذه القيم وتجسيداتها المجتمعية، وذلك لأن لا فعالية لتعددية سياسية بدون نهضة اقتصادية ولا حرية سياسية بدون نظام اجتماعي - اقتصادي عادل وبعيد عن كل أشكال اللامساواة.

فهذه القيم تشكل في مجموعها منظومة متكاملة، لا يمكن لأي قيمة أن تؤدي دورها ووظيفتها الكاملة إلا في ظل مساندة من القيم والمبادئ الأخرى.

فالحرية لا تتجسد بشكل سليم في الواقع الخارجي إلا بقيمة العدالة في ميادين الحياة المختلفة، ولا عدالة مستديمة بدون مساواة وتكافؤ للفرص. فالتضحية بإحدى هذه القيم تحت أي مبرر، هو انحراف عن الطريق السوي للبناء والعمران الحضاري. فحجر الأساس في فعالية هذه القيم أن تكون متكاملة مع بعضها، بحيث أن كل قيمة تسند الأخرى. ومن خلال فعالية هذه القيم بمجموعها تنجز عملية التقدم الإنساني. والجدير بالذكر في هذا الإطار، أن تكامل هذه القيم لا يأتي دفعة واحدة وإنما بالتدريج. لذلك ينبغي أن نتشبث بكل الأسباب والعوامل المفضية إلى هذه القيم لتكريسها في واقعنا المجتمعي، وإنضاج تأثيرها في مسيرتنا الاجتماعية. لذلك فإننا مع كل خطوة تقرّبنا وتمكننا من هذه القيم. وهذا التأييد للخطوات المرحلية ليس من أجل الإنحباس فيها أو الاكتفاء بها، وإنما من أجل الانطلاق من خلالها إلى توسيع دائرة هذه القيم في الواقع المجتمعي.

فاستبداد الدولة وقمعيتها، يؤدي إلى انقطاع قوى المجتمع عنها وعدم تفاعلها مع خياراتها ومشروعاتها. وهذا بطبيعة الحال يزيد من حالات الانكفاء ويفاقم مستوى الانعزال بين الطرفين. وهذه الحالة بكل مستوياتها لا تخدم الأمة، ولا تؤسس لعملية وثوب حضاري، ولا تحول دون بروز عـوامل التوتر والنـزاعات، وإنما تغذيها وتمدها بأمصال التفجير وأسباب الاستدامة.

وخلاصة الأمر: إننا نرى أن هذه العناصر الأربعة، توفر مشهدا تتكامل فيه علاقة وأنشطة الدولة والمجتمع في المجالين العربي والإسلامي، وتزول إلى حد بعيد كل أسباب وموجبات التوتر والنـزاع المفتوح بين الطرفين. وأن هذه العناصر بمثابة البوصلة الضرورية لمصالحة الدولة والمجتمع والخروج من تداعيات التوتر الشاملة.

الخاتمة:

من أين تستمد الدول قوتها، وما هو المعيار الحقيقي والجوهري لتحديد قوة الدولة أو ضعفها. حيث من الضروري على المستويات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، أن نحدد المعيار الأساسي الذي يحدد قوة الدول وضعفها. وذلك حتى يتسنى لنا كشعوب ومجتمعات من العمل من أجل توفير عناصر القوة في فضائنا ودولنا، وطرد كل عناصر الضعف والتراجع.

للإجابة على هذا السؤال المركزي، بإمكاننا القول أن الكثير من الإجابات والتصورات نستطيع اختزالها في إجابتين ورؤيتين وهما:

1- إن الدولة القوية، هي التي تمتلك إمكانات عسكرية واقتصادية هائلة، وتتمركز كل القرارات والصلاحيات في يدها. فتساوق هذه الرؤية بين المركزية والقوة.

فالدول ذات الطابع الشمولي والمركزي في سياساتها واقتصادها هي من الدول القوية، حتى ولو كان الشعب يعيش القهر والحرمان والاضطهاد. والمشروعات التقدمية التي سادت المجال العربي في الحقب الماضية، عملت على تأكيد هذه الرؤية، وإعطائها بعداً أيدلوجياً. لذلك رفعت هذه المشروعات شعارات: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ووحدة العرب في قوتهم. والمقصود بالقوة هنا القوة العسكرية والمادية. ولكننا وبعد تجارب ومحن مريرة مع هذه المشروعات لم ننجز قوتنا القادرة على حمايتنا من المخاطر الخارجية والتحديات الداخلية. ولم نحقق انتصارنا على عدونا الحضاري التي توقفت كل المشروعات والسياسات من أجل التركيز على محاربته ودحره. ولكننا على الصعد كافة لم نحصد إلا الهزائم والانكسارات والإخفاقات.

فالمليارات التي صرفت على مؤسساتنا العسكرية والدفاعية لم تمنع العدو من الوصول إلى عواصمنا ومناطقنا الحيوية. والمركزية في الإدارة وصنع القرار، التي طبلنا لها كثيراً لم نحصد من ورائها إلا التأخر عن ركب الحضارة والعالم المعاصر.

ولقد أبانت لنا التجارب الماضية والمعاصرة، أن قوة الدول العسكرية ليست هي القوة الحقيقية القادرة على إنجاز تطلعات الشعب أو الدفاع عن أمنه وحدوده. بل على العكس من ذلك حيث أن الدول التي استندت في بناء قوتها على هذه الرؤية لم تصمد أمام الأزمات والتحديات.

فالاتحاد السوفيتي بكل ما يمتلك من ترسانة عسكرية ضخمة وأجهزة أمنية عملاقة، لم يستطع الصمود أمام تطلعات شعوبه المشروعة. فتلاشى في فترة زمنية وجيزة.

والعراق هذا البلد الذي يمتلك أقوى الجيوش وأقسى الأجهزة الأمنية والقمعية وصلت الولايات المتحدة الأميركية إلى عاصمته في غضون (20) يوماً فقط و(130) قتيلاً..

فالدول التقدمية والأيدلوجية، والتي استخدمت كل إمكانات الدولة لتعميم أيدلوجيتها وقهر الناس على خياراتها ومتبنياتها السياسية والثقافية، هي ذاتها الدول التي أجهضت كل مشروعات التحرر الحقيقي والخروج من مآزق الراهن.

ودول المشروع التقدمي لم تزدنا إلا ضعفاً وتشاؤماً، وذلك لأن الإنسان هو أرخص شيء لديها. تصادر حرياته، تمتهن كرامته، تحاربه في رزقه وكسبه، يقهر ويهان ويسجن ويعذب لأتفه الأسباب.

دولة اختزلت الجميع في دائرة ضيقة، لا تتعدى في بعض الأحيان شخص الأمين العام.

ولا نعدو الصواب حين القول: بأن هذه الدولة بنمطها القروسطوي وعنفها وجبروتها وعسكرتها لمجتمعها، أجهضت الكثير من الآمال والتطلعات. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، أن نقول عن هذه الدول بأنها دول قوية. وذلك لأنها لم تستطع أن تنجز مشروعاتها وأهدافها بل على العكس من ذلك، حيث أنها أنتجت النقيض. فأنتجت الاستبداد والقمع وتكميم الأفواه بدل الحرية، وتحولت إلى مزرعة خاصة لفئة محدودة بدل العدالة والاشتراكية، وعمقت في الفضاء الاجتماعي والسياسي كل مستلزمات التفتت والتجزئة والتشظي بدل الوحدة والاتحاد.

وهكذا نصل إلى حقيقة شاخصة، تبرزها خبرة الإنسانية جمعاء عبر العصور، أن الدولة التي تنفصل عن مجتمعها وتحاربه في معتقداته واختياراته الثقافية والسياسية، وتفرض عليه نظاماً قهرياً، فإن مآلها الفشل وفقدان المعنى من وجودها.

2- إن قوة الدول تقاس بمستوى ديمقراطيتها وانسجامها على صعيد الخيارات والسياسات مع شعبها ومجتمعها.

والثروات الطبيعية والإمكانات العسكرية، لا تتحول إلى عنصر قوة، حينما يكون هناك جفاء بين الدولة والمجتمع. ونحن نرى أن هذا هو المعيار الحقيقي لقوة الدول وضعفها.

فالدولة التي تعيش التوتر مع شعبها، ولا تنسجم خياراتها مع خياراته، فهي دولة ضعيفة في المحصلة النهائية حتى ولو امتلكت كل الثروات والإمكانات العسكرية. أما الدولة التي تشرك شعبها في القرار وصناعة المصير، وديمقراطية في بنيتها وممارساتها، فهي دولة قوية وقادرة على مجابهة المخاطر حتى ولو كانت فقيرة في مواردها وثرواتها وإمكاناتها العسكرية.

فقوة العرب والمسلمين اليوم، في حريتهم ومستوى انسجام الدولة مع خيارات وتطلعات شعبها.

والديمقراطية هي حجر الأساس في قوة الدول وضعفها. لذلك فإننا نرى أن كل مبادرة، تأخذها الدولة، وتستهدف توسيع مستوى المشاركة الشعبية في صناعة القرار وتسيير الأمور، هي مبادرة وخطوة تساهم في تعزيز قوة الدولة، أو بناء هذه القوة على أسس جديدة أكثر قدرة وفعالية.

وإن النهج السياسي المعتدل، والذي يتعاطى مع كل الأمور والقضايا والحقائق السياسية والاجتماعية بعقلية منفتحة ومتسامحة، هو القادر على توسيع هوامش الحرية فالمجتمع، وهو المؤهل لمراكمة الفعل السياسي الراشد في المجتمع. وفي المقابل فإن النهج الاستئصالي، هو الذي يفاقم الأزمات ويعقدها ويحول دون بلورة نهج سياسي معتدل، ويدخل الدول والمجتمع في دوامة العنف والتطرف.

إننا مع الدول القوية التي تستند على القانون وتحترم حقوق الإنسان، وتدافع عن كرامة شعبها. حيث أن الدولة القوية المسيجة بسياج القانون والحرية والمسؤولية، هي القادرة على التفاعل والتكامل مع مجتمع مؤسسي - مدني، يمارس وظائفه الحضارية اعتماداً على إمكاناته وآفاقه.

وإن التحول نحو الحرية والديمقراطية في أي مجتمع، بحاجة إلى وعي عميق بضرورتها وأهمية وجودها في البناء الوطني السياسي والثقافي والحضاري، وهذا الوعي بحاجة لكي يترجم إلى وقائع قائمة وحقائق مشهودة.

وأن تنمية روح المسؤولية والتسامح والحقوق والكرامة، كلها عوامل تساهم في تنمية الحس الديمقراطي في المجتمع.

وإننا وفي ظل هذه التطورات المتسارعة والتحديات المتلاحقة، أحوج ما نكون إلى ممارسة القطيعة المعرفية والعملية مع تلك الرؤية التي تتعامل مع مفهوم القوة بعيداً عن خيارات المجتمع وتطلعاته المشروعة. وبناء مفهوم القوة ليس على أساس امتلاك أحدث الأسلحة. أو ضخامة الترسانة العسكرية، وإنما على أسس التوافق والانسجام بين الدولة والمجتمع.

هذا الانسجام الدينامي والفعال هو أساس قوة الدولة. ولا يمكن لنا وفي ظل هذه الظروف إلا الانخراط في مشروع تصحيح العلاقة وبناء القوة على أساس الانسجام بين الدولة والمجتمع. ولا ريب أن تحقيق الانسجام، يتطلب من الدولة القيام بخطوات ومبادرات، تستهدف توسيع المشاركة الشعبية وإزالة الاحتقانات وتوسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة.

فالقوة الحقيقية اليوم، تتكثف في مستوى التناغم بين مؤسسة الدولة والمجتمع بمختلف تعبيراته وشرائحه. والفرصة اليوم مؤاتية للقيام بصنع فرص ومبادرات في هذا السياق.

والوظيفة الكبرى للجميع تتجسد في تكثيف الفعل الثقافي والاجتماعي لتحرير دينامية التحول الديمقراطي من كوابحها ومعوقاتها الذاتية والموضوعية، حتى تأخذ الديمقراطية موقعها الأساس في تنظيم الخلافات وضبطها، وحتى تتجه كل الجهود والطاقات نحو البناء والسلم والاندماج الاجتماعي والوطني، وتعميق موجبات العدل والمساواة والمسؤولية.

والاستقرار السياسي اليوم، لا ينجز في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية، إلا بتوافق حضاري بين الدولة والمجتمع. والإخفاق هو نصيب أي مشروع يقصي المجتمع ويهمش دوره في الحياة. كما أن النجاح تتبلور أسبابه وتتجمع عناصر إرادته من خلال التوافق الحضاري بين الدولة والمجتمع. والتوافق هنا يعني المشاركة والتفاعل والمراقبة والشهود والتكامل.

 ****

محمد محفوظ – باحث سعودي

.............................

الهوامش

(1) القرآن الكريم، سورة الملك، آية (10).

(2) مجلة المنطلق، العدد المئة والواحد والعشرين، ص19، خريف – شتاء(1998- 1999م)، 1419هـ.

(3) المصدر السابق، ص186.

(4) مجلة إسلامية المعرفة، العدد الخامس عشر، ص 104، السنة الرابعة، شتاء 1419هـ / 1999م، تصدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

(5) مجلة المنطلق، العددان المئة وثمانية والمئة وتسعة، ص 67، صيف وخريف 1994م /1415هـ

(6) المصدر السابق، ص68.

(7) المقدس والحرية، الدكتور رفيق حبيب، ص 57، دار الشروق، الطبعة الأولى، القاهرة 1998م.

(8) المصدر السابق، ص 60.

(9) منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر، ناصيف نصار، ص 96، دار أمواج، الطبعة الأولى، بيروت 1995م.

(10) مقولة لأدموندبير مأخوذة من كتاب النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، صموئيل مانتنتون، ص 29، ترجمة سمية فلوّ، دار الساقي، الطبعة الأولى، بيروت 1993م.

(11) د. عبد الله إبراهيم، الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة - تداخل الأنساق والمفاهيم ورهانات العولمة، ص 222، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 1999م.

(12) مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 26- العدد 2 صيف 1998م، ص 135، تصدر عن مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت.

(13) المصدر السابق، ص 138.

مفتتح: ليس التعاطف في القرآن الكريم حالةً عابرة من الفيض الوجداني، ولا هو مجرد ميلٍ أخلاقي يطرأ على النفس ثم يزول، إنه في بنيته العميقة، طريقة قرآنية في فهم الإنسان والعالم والعلاقة بينهما.

وحين يضع القرآن الرحمة في مركز خطابه، فإنه لا يكتفي بتهذيب الشعور، بل يعيد ترتيب المعنى ذاته: يصبح الإنسان مكرّمًا قبل أن يكون منتميًا، ومصونًا قبل أن يكون محلَّ حكم، ومؤهّلًا للعلاقة قبل أن يُحشر في خانة الخصومة. ومن هنا تنبع أهمية هذا الموضوع؛ لأن السؤال عن التعاطف ليس سؤالًا عن فضيلةٍ شخصية فحسب، بل عن أسس الاجتماع الإنساني حين يتعرض للانقسام والتنازع والتصارع والتنابذ.

ويزداد هذا السؤال إلحاحًا حين نتأمل الواقع الاجتماعي الديني في عالمنا المعاصر، حيث الكثير من مظاهر العنف لا تبدأ من اليد، بل من اللغة؛ ولا تنشأ من السلاح أولًا، بل من صورةٍ ذهنية تُصاغ عن الآخر بوصفه خطرًا، أو نقصًا، أو كائنًا ينبغي الشك فيه قبل الإصغاء إليه، هنا تبرز الحاجة إلى إعادة قراءة القرآن من زاويةٍ تكشف كيف يتأسس التعاطف فيه، لا بوصفه عاطفةً ثانوية، بل باعتباره بنيةً حاكمة تتصل بالعدل، والكرامة، والإصلاح، ودفع الفتن، وتخفيف الحرج، وتوسيع دائرة الرحمة..

تقوم هذه القراءة على فرضيةٍ أساسية مفادها: أن التعاطف القرآني لا يُفهم خارج ثلاثة أصول:

1.  أصل الكرامة الإنسانية،

2.  أصل العدل الذي يمنع الانحياز المدمّر،

3.  أصل الإصلاح الذي يحوّل العلاقة من خصومة إلى إمكانٍ جديد للتعايش.

كما أن البحث لا يتجه إلى جمع الشواهد المتزاحمة بل إلى الكشف عن المنطق الداخلي الذي يجعل التعاطف جزءًا من رؤية القرآن للوجود الإنساني، ثم الغاية من ذلك أن نقترب من تصورٍ للسلم الأهلي لا يقوم على قمع الاختلاف، بل على تهذيبه أخلاقيًا، وصونه قانونيًا، وتفعيله حضاريًا، لأن السلم الذي لا يمر عبر التعاطف يظل سطحيًا، مؤقتًا، ومعرضًا للانقلاب إلى عنف عند أول احتكاك..

التعاطف في القرآن الكريم

التعاطف قرآنيا لا يقدم بوصفه انفعالًا عاطفيًا منفصلًا عن البناء القيمي، بل تتم صياغته داخل منظومةٍ من المعاني المتداخلة: الرحمة، الرأفة، الإحسان، العفو، الرفق، الصلح، ودفع السيئة بالحسنة، رفع الحرج، الفضل وغيره، هذه المفردات ليست زخارف بلاغية، بل علاماتٌ على أن القرآن ينظر إلى الإنسان من عمق هشاشته، لا من أعلى قوته..

الإنسان في القرآن ليس كائنًا مكتملًا لا يحتاج إلى التذكير، بل موجودٌ يخطئ، ويختلف، ويتنازع، ويحتاج إلى خطابٍ يعيد إليه إمكانَ الإنصات والإنصاف والعفو.

من هنا تأتي المركزية القرآنية للرحمة، إذ الرحمة في القرآن ليست مجرد شعورٍ داخلي، بل مبدأٌ تأسيسي يوجّه النظر إلى الآخرين، إنها تعني أن الوجود الإنساني لا يُفهم على قاعدة التصنيف القاسي، بل على قاعدة الاعتراف المتبادل، فحين يقول القرآن إن الرسالة جاءت رحمةً للعالمين، فهو لا يصف وظيفةً محدودة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل يعلن أن صلة الوحي بالعالم ينبغي أن تكون صلةَ إنقاذٍ لا صلةَ إلغاء وتسقيط، وصلةَ هدايةٍ لا صلةَ استعلاء وتضليل، هذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن بعض التصورات الدينية تجعل الصواب مرادفًا للخشونة، والغيرة على الدين مرادفةً للتشدد والعنف والتكفير والتضليل، بينما القرآن يكشف أن قوة الحقيقة لا تحتاج إلى العنف لكي تثبت نفسها.

والتعاطف، بهذا المعنى، ليس ضعفًا في الموقف الديني، بل شرطٌ في صحة تمثله، لان الدين الذي لا يمر عبر الرحمة يفقد شيئًا من روحه، حتى لو احتفظ بقوة لغته وصوت شعاراته، والملاحظ أنه يتكرر في القرآن حضور الرفق، والعفو، والإصلاح، وتفضيل الدفع بالتي هي أحسن، لأن المقصود ليس فقط ضبط السلوك الظاهر، بل ترميم البنية الداخلية للعلاقة بين الناس، كون العلاقة الإنسانية قد تتدهور حين يسود فيها منطق الغلبة، لكنها تبدأ بالشفاء حين يُعاد الاعتبار إلى الاعتراف المتبادل، أي إلى إمكان أن يرى كل طرفٍ الآخر إنسانًا قبل أن يراه خصمًا أو عدوا أو نداً..

الأهم أننا نجد القرآن لا يطلب الرحمة في المساحات الآمنة فقط، بل يزرعها داخل مناطق الاحتكاك والتزاحم والتضايق والتصارع والتنابذ، هنا تظهر قيمة التعاطف الحقيقية: أن يبقى الإنسان قادرًا على حفظ كرامة الآخر حين يختلف معه، لا حين يتفق معه فقط، لذلك يبدو التعاطف القرآني أعمق من مجرد التسامح السلبي؛ لأنه لا يكتفي بترك الآخر وشأنه، بل يشتغل على إعادة بناء المناخ الذي يسمح له بأن يكون حاضرًا بلا وجل وبلا قلق. وهنا التحول من “التحمل” إلى “الإقرار” هو ما يجعل الرحمة القرآنية أفقًا أخلاقيًا متقدمًا، لا مجرد تهذيبٍ سلوكي.

أصول التعاطف

يستند التعاطف في القرآن إلى أصولٍ تجعل منه ضرورةً أخلاقية لا خيارًا مزاجيًا أو حسب الطلب، أول هذه الأصول هو الكرامة الإنسانية: الإنسان مكرم في أصله، وهذه الكرامة لا تُمنح له بقدر انتمائه، ولا تُسلب منه بسبب اختلافه، ولا تُختزل في موقعه الاجتماعي أو العقدي، إن مجرد كونه إنسانًا يكفي ليجعله مستحقًا للاحترام، ومن هنا يصبح أي خطابٍ يبرر الإهانة أو الاستهزاء أو نزع الاعتبار أو التسقيط أو التكفير للمختلف، خطابًا مضادًا للمنطق القرآني، حتى لو استند إلى انفعالاتٍ دينية أو شعاراتٍ جماعية.

والأصل الثاني هو العدل: العدل مهمٌ هنا لأنه يمنع التعاطف من أن يتحول إلى تحيزٍ عاطفي. فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يرحم على حساب الحق، ولا أن يلين حتى يتخلى عن الإنصاف، بل يريد له أن يجمع بين الرقة والميزان، وهذا الجمع دقيق وصعب؛ لأن كثيرًا من الناس يظنون أن الرحمة تعني التنازل عن الحكم الأخلاقي، أو أن الحزم يعني القسوة، لكن القرآن يرفض هذا التضاد المفتعل، لأن التعاطف الحقيقي لا يبرر الظلم، ولا يخفف من فظاعته، ولا يسمح للعلاقة الشخصية أو الجماعية بأن تعطل واجب الإنصاف.

عليه تتضح أهمية أن يكون التعاطف مشدودًا إلى الحق، لا منفصلًا عنه، لأنه عندما يُفصل التعاطف عن العدل، يصبح قابلًا للاستغلال، وقد يُستخدم لحماية المعتدي، أو لإخفاء الهيمنة، أو لتجميل التواطؤ، أما حين يُربط بالحق، فإنه يتحول إلى قوةٍ أخلاقية تصحح الموقف من دون أن تلغي الإنسان.

هذا بالتحديد ما يجعل القرآن شديد الحساسية تجاه الميل إلى الظلم ولو تحت عنوان النية الطيبة؛ لأن النية الطيبة وحدها لا تكفي إذا كانت النتائج تفضي إلى قهر الناس أو تبرير الأذى.

أما الأصل الثالث هو الإصلاح: الإصلاح في القرآن ليس تسويةً شكلية ولا مجرد إنهاءٍ لخصومةٍ عابرة، بل إعادة بناءٍ للعلاقة على أساسٍ أفضل من سابقها،حيث لا ينظر إلى النزاع بوصفه قدرًا لا فكاك منه، بل بوصفه حالةً يمكن تجاوزها إذا توفرت إرادة الإصلاح والإنصاف، ومن هنا جاءت قيمة الصلح، لا لأنه يلغي الفروق، بل لأنه يمنع الفروق من التحول إلى عداوةٍ متجذرة، والتعاطف هنا يقوم بوظيفة بالغة الحساسية: إنه يفتح ثغرة في جدار التنافر، ويمنع اللغة العدائية من التحول إلى قدرٍ اجتماعي دائم.

ثم إن الإصلاح يمنح التعاطف بعدًا عمليًا، فهو لا يبقى شعورًا نبيلًا في الضمير، بل يصبح أداةً في إدارة العلاقات العامة. ربما العنف يشتغل على نزع الصلة بين الناس، بينما التعاطف يشتغل على استعادتها وترميمها وتجديدها. وإذا كان العنف يختزل الإنسان في خطئه أو هويته، فإن التعاطف يرده إلى إمكان التغير، وإذا كان العنف يدفع المجتمع إلى الانقسام المدمر، فإن التعاطف يذكّره بأن الاجتماع لا يُصان إلا حين يتقدم الإنصاف على الشبهة، والرحمة على الاستعداء.

عندما يطفح العنف

المأزق الحقيقي يظهر حين يدخل التعاطف في مواجهةٍ مع العنف داخل المجال الاجتماعي الديني، في هذه اللحظة لا يعود السؤال نظريًا، بل يصبح سؤالًا عن القدرة على الصمود، ثم إن العنف هنا لا ينبغي أن يُفهم فقط بوصفه فعلًا جسديًا مباشرًا، بل بوصفه منطقًا يبدأ من اللغة والتصور، ثم يتدرج إلى التبرير، ثم ينتهي إلى الإقصاء وربما الاستباحة فالعدوان والتعنيف.

كل هذا يحدث حين يُبنى الوعي الجماعي على فكرة أن المختلف أقل قيمة، أو أن المخالف خطرٌ دائم، فإن العنف يكون قد بدأ بالفعل، حتى لو لم تظهر آثاره المادية بعد.

ولذلك صمود التعاطف يحتاج إلى أكثر من النداء الأخلاقي وتحديدا الوعظي، إنه يحتاج إلى تربيةٍ على رؤية الإنسان خارج قوالب الفرز السريع، لأنه كلما تعلم الفرد أن المختلف ليس عدوًا بالضرورة، وأن الخطأ لا ينسف الكرامة، وأن الانتماء لا يبرر الاحتقار، يبدأ التعاطف في التحول من شعار إلى ممارسة، وهذا التحول مهم جدا بل مصيري لأن المجتمعات لا تنهار عادةً من ضربةٍ واحدة، بل من تراكماتٍ صغيرة من التهشيم الرمزي أو التنمر العنصري: كلمة تهدم الثقة، وخطاب يعمق القطيعة، وصورة تُرسخ الخوف، ثم تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى بيئةٍ مهيأة للعنف.

عزيزي القارئ التعاطف لا يصمد إذا جُرّد من اللغة التي تحميه، فاللغة الدينية حين تتشبع بمفردات التحقير، أو التخوين، أو نزع الشرعية، فإنها تفسد المجال الأخلاقي نفسه، لهذا لابد من إعادة بناء المعجم الذي نفكر به في المختلف: بدل الاحتقار، الاعتراف؛ وبدل الإلغاء، الحوار؛ وبدل التهويل، الفهم؛ وبدل التحريض، الإصلاح. هذه التحولات اللفظية ليست شكلية، لأن اللغة ليست غطاءً للمعنى فقط، بل هي أداةٌ في صناعته، وإذا تجلبب اللسان بما يجرح الكرامة، تحكم في الوعي ما يبرر العنف.

من جهة أخرى، لا يمكن للتعاطف أن يصمد إذا فُهم على أنه حيادٌ بارد تجاه الظلم، لهذا القرآن لا يطلب من المؤمن أن يكون لطيفًا مع كل شيء، بل أن يكون منصفًا مع كل أحد. وهذا فرقٌ جوهري، فهناك مواقف تستدعي الحزم، ومقاومة الأذى، ورفض العدوان، لكن كل ذلك ينبغي أن يبقى مشدودًا إلى العدل، لا إلى الثأر، التعاطف في هذا المستوى يصبح قوةً ضابطة للعنف، لا قناعًا له، إنه يمنع الغضب من أن يتحول إلى انتقام، ويمنع الاختلاف من أن يتحول إلى قطيعة، ويمنع الألم من أن يصنع عدالةً خاصة به خارج الميزان.

السلم الأهلي

إذا كان التعاطف هو الجذر الأخلاقي، فإن السلم الأهلي هو الثمرة الاجتماعية، غير أن هذا السلم لا يُبنى بمجرد غياب الصراع، لأن المجتمعات قد تبدو هادئة في ظاهرها وهي تحمل في باطنها قابليةً عالية للانفجار والإستدمار، السلم الأهلي الحقيقي هو حالةٌ من الثقة المتبادلة، والاعتراف القانوني والأخلاقي بالاختلاف، والقدرة على إدارة التعدد دون تحويله إلى تهديد. بحيث عندما يتحول التعاطف إلى ثقافة عامة، يصبح أحد أهم مصادر هذا السلمّ. ولكي يؤدي هذا الدور، يجب أن يتجاوز المجال الوعظي الضيق إلى المجال التربوي والمؤسسي. فالتعاطف لا يترسخ إذا بقي فكرةً مجردة؛ بل يحتاج إلى تعليمٍ يربي على الإصغاء، وإلى خطابٍ ديني لا يغذي الخوف ويدعو للعنف والإنغلاق ونفي المختلف، والحاجة إلى مجتمعٍ يربط القوة بالعدل لا بالإقصاء والمصالح المشبوهة.

 في هذه النقطة بالذات تتضح قيمة القراءة القرآنية: فهي لا تفصل بين الأخلاق والسياسة، ولا بين الإيمان والعمران، بل ترى أن استقامة الحياة العامة تبدأ من استقامة النظرة إلى الإنسان. والسلم الأهلي، في أعمق معانيه، ليس أن يتشابه الناس، بل أن يقبل بعضهم بعضًا وهم مختلفون، وهذا القبول لا يعني الذوبان في الآخر، ولا التخلي عن القناعات، بل يعني الامتناع عن تحويل القناعة إلى سلاح ضد المختلف، هنا بالضبط يظهر التعاطف بوصفه قوةً حضارية: فهو لا يطلب من الناس أن يتركوا ما يؤمنون به، بل أن يكفوا عن استخدام الإيمان ذريعةً لإلغاء بعضهم بعضًا وظلم بعضهم بعضا والتحريض ضد بعضهم البعض، هكذا يظل التعاطف أحد أهم الشروط لكي لا يتحول التدين إلى أداة مناقضة لمقاصد الدين، بل إلى مصدر رقي أخلاقي وعمراني وحضاري.

مستخلص

إن التعاطف في القرآن الكريم ليس ملحقًا جانبيًا لمنظومةٍ أكبر، بل هو واحدٌ من مفاتيحها الجوهرية، يتأسس على كرامة الإنسان، ويتقيد بالعدل، ويتجه نحو الإصلاح، ويصمد حين يُحمى من التوظيف العنيف ومن اللغة الإقصائية ومن الفهم السطحي للهوية.

التعاطف بهذا المعنى لا يخفف فقط من فوضى العلاقات الاجتماعية وهشاشاتها، بل يعيد تعريف التدين نفسه: ليس باعتباره قدرةً على التمييز الحاد بين الداخل والخارج، بل باعتباره قدرةً على حفظ الإنسان في كل حالاته، حتى حين يختلف أو يخطئ أو يخاصم.

ومن هنا فإن بناء السلم الأهلي لا يبدأ من نهاية الصراع، بل من تغيير المنطق الذي يغذيه، فإذا أُعيد الاعتبار للتعاطف بوصفه أصلًا قرآنيًا، أمكن للمجتمع أن يعبر من سياسة الخوف إلى سياسة الاعتراف، ومن لغة الاستعداء إلى لغة الإصلاح، ومن منطق الغلبة إلى منطق العدل والإنصاف، هذا التحول هو ما يحتاجه وعينا المعاصر اليوم أكثر من أي شيء آخر؛ لأن أخطر ما يهدد الاجتماع الإنساني ليس الخلاف نفسه، بل فقدان القدرة على رؤية الإنسان في المختلف، وحين يفقد الإنسان هذه القدرة، يبدأ العنف من حيث لا يُرى، ثم يطلب من الجميع في النهاية أن يتعاملوا معه كأنه قدر لابد منه.

التعاطف في ضوء الرؤية القرآنية الحضارية ليس قيمةً عاطفيةً هامشية، بل هو مبدأٌ تأسيسي يعيد للإنسان مكانته، وللعلاقة الاجتماعية معناها، وللدين روحه الرحيمة، عندما يُفهم التعاطف بوصفه التزامًا بالكرامة والعدل والإصلاح، يغدو قادرًا على مقاومة منطق العنف، وعلى فتح أفقٍ أرحب للسلم الأهلي، حيث لا يُقصى المختلف ولا تُستباح إنسانيته، عندها يعود القرآن نصًا يُتلى فقط أو يتبرك به، بل يصبح قوةً أخلاقيةً حيةً تُنير إمكان العيش المشترك، وتدفع المجتمع من ضيق الخصومة إلى سعة الرحمة الإلهية..

***

أ. مراد غريبي

بين هيدجر وغادامير ومحمد عابد الجابري وحسن حنفي

مقدمة: يُعتبر التراث ليس مجرد مجموعة من النصوص والممارسات الماضية، بل هو أفق وجودي ومعرفي يشكل هويتنا ويحدد إمكانياتنا المستقبلية. في عصر الحداثة والعولمة، أصبحت إعادة الاعتبار للتراث عملية هرمينوطيقية بامتياز، أي عملية تأويل مستمر يفكك فيها الفهم القديم ويعيد بناءه في ضوء الأفق الحاضر. تقدم هذه الدراسة مقارنة هرمينوطيقية بين المقاربتين الغربية (مارتن هيدجر وتلميذه جورج هانز غادامير) والعربية الإسلامية المعاصرة (عابد الجابري وحسن حنفي).

تكشف المقارنة عن تقاطعات عميقة في فهم التراث كـ«أفق حي» وليس كماضٍ ميت، مع اختلافات جوهرية تنبع من السياقات الحضارية والفلسفية المتباينة. الهدف ليس التوفيق الميكانيكي، بل استكشاف إمكانيات حوار يثري إعادة الاعتبار للتراث العربي الإسلامي. فمن من الفلاسفة تعامل مع التراث كإشكالية معاصرة؟

هيدجر وغادامير: الهرمينوطيقية كعودة إلى الأصول واندماج الآفاق

يُمثل مارتن هيدجر أحد أبرز من أعاد صياغة الهرمينوطيقية في القرن العشرين. في «الكينونة والزمان»، يرى هيدجر أن الفهم ليس عملية معرفية محايدة، بل هو الوضع الوجودي الأساسي للإنسان (الدازاين). التراث ليس مجموعة نصوص خارجية، بل جزء من «الواقعية الوجودية» التي نلقي بها أنفسنا. يقترح هيدجر «التفكيك» لتاريخ الميتافيزيقا الغربية، لا بهدف رفض التراث، بل لاستعادة الأسئلة الأصلية التي طمرتها التقاليد اللاحقة.

التراث الحقيقي هو ذلك الذي يعيدنا إلى السؤال عن «الكينونة» نفسها، بعيداً عن النسيان الميتافيزيقي. إعادة الاعتبار هنا تعني العودة إلى الجذور بطريقة نقدية جذرية، تكشف فيها الإمكانيات الكامنة التي لم تتحقق بعد.

بعد ذلك يطور غادامير هذا الاتجاه في «الحقيقة والمنهج». يرفض فكرة «الموضوعية» العلمية في فهم التراث، ويؤكد أن كل فهم هو «اندماج آفاق» بين أفق النص التاريخي وأفق القارئ المعاصر. التراث ليس موضوعاً يُدرس من الخارج، بل «تاريخ تأثير يشكلنا قبل أن نشكله. الهرمينوطيقيا عند غادامير حوارية وتقليدية في آن: نحن ننتمي إلى التراث قبل أن نفهمه، والفهم الحقيقي يفترض «انفتاحاً» على النص يسمح له بتوجيه أسئلتنا. إعادة الاعتبار للتراث إذن هي عملية إبداعية مستمرة، تتجاوز التمجيد السلفي والرفض الحداثي، وتؤسس لـ«وعي تاريخي» يعترف بفعالية الماضي في الحاضر.

محمد عابد الجابري وحسن حنفي: التراث بين النقد العقلاني والتجديد اليساري

في السياق العربي الإسلامي، يمثل محمد عابد الجابري مشروع «نقد العقل العربي» أبرز محاولة لإعادة الاعتبار للتراث بطريقة هرمينوطيقية نقدية. يميز الجابري بين «التراث» كواقع تاريخي متعدد الأصوات وبين «التراثية» كاستخدام أيديولوجي. يقترح الجابري قراءة «بنيوية» و«تاريخية» للتراث، تركز على تحليل الأنساق المعرفية (البيان، العرفان، البرهان). الهدف هو تحرير العقل العربي من هيمنة «النص» المقدسة واستعادة الطاقة العقلانية الكامنة في التراث، خاصة في تيار البرهان والاجتهاد. إعادة الاعتبار عنده تفكيك للقراءات التقليدية المغلقة وإعادة بناء للتراث كأداة للتحرر المعاصر، مع التركيز على السياق العربي ومشكلاته الخاصة (الاستبداد، التخلف، التبعية).

أما حسن حنفي فيُعد مشروعه «اليسار الإسلامي» محاولة لإعادة تأويل التراث من منظور وجودي وثوري. يرى حنفي التراث ليس كماضٍ يُحفظ، بل كـ«وعي جماهيري» يحتوي على طاقات ثورية. يطبق منهجاً هرمينوطيقياً يجمع بين التحليل الفينومينولوجي والماركسية، فيقرأ النصوص الدينية والفلسفية كتعبير عن الوجود الإنساني في ظروفه التاريخية. إعادة الاعتبار عند حنفي تعني «إعادة التوازن» بين التراث والحداثة: استخراج المبادئ الكونية من التراث (العدل، الحرية، المساواة) وتجسيديها في مشروع تحرري يواجه الاستعمار الجديد والرأسمالية. الهرمينوطيقيا هنا ليست محايدة، بل ملتزمة سياسياً، تهدف إلى تحويل التراث إلى قوة تغيير اجتماعي.

المقارنة الهرمينوطيقية: التقاطعات والاختلافات

تتقاطع المقاربتان في عدة نقاط أساسية. كلاهما يرفضان معاملة التراث كأرشيف ميت أو كسلطة مطلقة. هيدجر وغادامير يريان التراث كأفق وجودي حي، والجابري وحنفي يريانه كطاقة معرفية وسياسية قابلة للتنشيط. كلاهما يؤكدان على «السياق» والتاريخية: الفهم لا يحدث في فراغ، بل داخل أفق تاريخي. كما يشتركان في نقد «الموضوعية» الزائفة، سواء في العلم أو في القراءات التقليدية.

ومع ذلك، توجد اختلافات جوهرية. هيدجر وغادامير ينطلقان من أزمة الميتافيزيقا الغربية والنسيان الأنطولوجي، فيما ينطلق الجابري وحنفي من أزمة التبعية الحضارية والاستعمار. الأولان يركزان على اللغة والوجود، بينما يركز الثانيان على العقل والإيديولوجيا والصراع الاجتماعي. غادامير يؤكد «الانتماء» إلى التراث كشرط إيجابي للفهم، في حين يميل الجابري إلى «النقد البنيوي» الذي قد يبدو أكثر مسافة نقدية. أما حنفي فيقترب من هيدجر في الطابع الوجودي، لكنه يتجاوزه باتجاه التزام سياسي يساري يغيب نسبياً عن الهرمينوطيقيا الغاداميرية. كذلك، تظهر اختلافات منهجية: الهرمينوطيقيا الغربية أكثر تركيزاً على اللغة والتأويل الفلسفي، بينما تندمج الهرمينوطيقيا العربية مع التحليل التاريخي والاجتماعي والسياسي، متأثرة بالواقع العربي المعاصر.

دلالات المقاربة للفكر العربي المعاصر

تقدم هذه المقارنة إمكانيات غنية لإعادة الاعتبار للتراث العربي الإسلامي. يمكن الجمع بين تفكيك هيدجر الجذري ونقد الجابري البنيوي لتحرير التراث من القراءات الأيديولوجية المغلقة. كما يمكن الاستفادة من اندماج الأفق عند غادامير وتأويل حنفي الملتزم لبناء حوار حي بين النصوص القديمة والتحديات المعاصرة (الهوية، العولمة، العدالة، البيئة). النتيجة المأمولة هي هرمينوطيقيا عربية إسلامية أصيلة: لا تقليدية ولا تابعة، بل قادرة على استيعاب الإنجازات الغربية دون الذوبان فيها، وإحياء التراث دون تقديسه. هذا يتطلب «اجتهاداً هرمينوطيقياً» جماعياً يجعل التراث شريكاً في صياغة المستقبل، لا عبئاً على الحاضر.

تأثير بول ريكور على الهرمينوطيقيا العربية

يُعد بول ريكور (1913-2005) أحد أبرز فلاسفة الهرمينوطيقيا في القرن العشرين، وهو الذي حاول بناء «هرمينوطيقيا وسطى» بين الشك والثقة، بين التفكيك والإعادة البناء، وبين النص والذات. مشروعه الفلسفي يتميز بالتوفيق بين الظاهراتية، والتحليل اللغوي، وعلم النفس، والتأويل النصي، مما جعله أداة فكرية غنية للفكر العربي الذي يعاني من أزمة التأويل في مواجهة تراثه المقدس والمعقد. دخل تأثير ريكور إلى الساحة الفكرية العربية تدريجياً منذ الثمانينيات والتسعينيات، ووجد صدى خاصاً لدى المفكرين الذين يسعون إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي والعربي بطريقة نقدية إبداعية، بعيداً عن التقديس السلفي والرفض الحداثي المسطح. يركز تأثيره على ثلاثة محاور رئيسية: هرمينوطيقيا الشك، نظرية النص والسرد، وفلسفة الذات والآخر. فما صلة ريكور بالحاجة العربية إلى هرمينوطيقيا وسيطة؟

مفاهيم ريكور الأساسية وصلاحيتها للسياق العربي

يقدم ريكور «هرمينوطيقيا الشك» كمرحلة أولى ضرورية، مستلهماً ماركس ونيتشه وفرويد. الشك ليس نهاية، بل طريق للوصول إلى فهم أعمق. هذا المفهوم أثر بشكل كبير في المفكرين العرب الذين أرادوا تفكيك القراءات التقليدية للتراث دون تدميره. فالشك الريكوري يسمح بنقد الأيديولوجيا الكامنة في التفسيرات الدينية والسياسية، مع الحفاظ على إمكانية «استعادة» المعنى بعد المرور بالشك. كذلك، طور ريكور مفهوم «النص» ككيان مستقل له «عالم» خاص به. فهم النص ليس استرجاعاً لقصد المؤلف، بل كشفاً عن «العالم أمام النص» الذي يدعو القارئ إلى السكن فيه. هذا التحول من الهرمينوطيقا الرومانتيكية (فهم قصد المؤلف) إلى الهرمينوطيقيا النصية ساعد المفكرين العرب على التعامل مع النصوص التراثية (القرآن، الحديث، الفقه، الفلسفة) ككيانات حية تنتج معاني جديدة في كل عصر. أما نظرية «الهوية السردية» في «عين الذات كآخر» فهي من أخصب المفاهيم تأثيراً. يرى ريكور أن الذات لا تُبنى إلا عبر السرد، أي عبر رواية حياتها داخل تقليد وتاريخ. هذا يناسب تماماً السياق العربي الذي يبحث عن هوية متوازنة بين الاستمرارية والتغيير، بين «الأنا» والتراث وبين «الأنا» والحداثة.

التأثير على المشروعين الجابري وحنفي وما بعدهما

وجد ريكور صدى واضحاً في مشروع عابد الجابري، خاصة في محاولته بناء نقد عقلاني للتراث. هرمينوطيقيا الشك الريكورية ساعدت الجابري في تبرير الحاجة إلى «نقد بنيوي» للعقل العربي، مع الحفاظ على إمكانية الاستفادة من التراث بعد التفكيك. كما استفاد الجابري من فكرة السياق والتاريخية عند ريكور ليؤكد أن فهم التراث يجب أن يكون مرتبطاً بمشكلات الحاضر العربي.أما حسن حنفي فتجلى تأثير ريكور فيه أكثر وضوحاً في مشروع «اليسار الإسلامي» و«التأويل المنهجي». يستخدم حنفي الهرمينوطيقيا الريكورية ليجعل التأويل أداة ثورية: يمر بالشك (نقد الأيديولوجيا) ثم يصل إلى مرحلة الاستعادة حيث يُعاد بناء المعاني التحررية الكامنة في التراث. مفهوم «العالم أمام النص» ساعده على تحويل النصوص الدينية من كتب تاريخية إلى مشاريع مستقبلية. تجاوز التأثير هذين المفكرين الكبيرين إلى جيل لاحق. تأثر به عدد من الباحثين في فلسفة الدين، وتأويل القرآن، ودراسات النص التراثي. أصبحت مفاهيم ريكور أداة لمواجهة الثنائيات الجامدة (أصالة/معاصرة، نص/واقع، دين/دنيا) وتحويلها إلى جدلية إبداعية. ساعدت هرمينوطيقيا ريكور على ظهور قراءات «ما بعد كولونيالية» للتراث، تجمع بين النقد الجذري والانتماء الحضاري.الأبعاد التطبيقية في الهرمينوطيقيا العربيةساهم ريكور في إثراء الهرمينوطيقيا العربية بعدة أبعاد:البعد الوسيط: ساعد على تجاوز الصراع بين «هرمينوطيقيا الثقة» (التقليدية) و«هرمينوطيقيا الشك» (الحداثية)، مقترحاً مساراً جدلياً يمر بالشك وينتهي بفهم أعمق.

البعد السردي: شجع على قراءة التاريخ العربي الإسلامي كسرد متعدد الأصوات، وليس كسرد واحد مقدس أو ميت، مما فتح الباب لقراءات تعددية للتاريخ والتراث.

البعد الأخلاقي: في «الذات كآخر»، أكد ريكور على مسؤولية الذات تجاه الآخر، وهو ما أثر في نقاشات حول المواطنة، التعددية الثقافية، وحوار الحضارات داخل الفكر العربي.

البعد اللغوي: أعاد النظر في اللغة كوسيط تأويلي، مما ساعد في إحياء الدراسات اللغوية والدلالية للنصوص العربية القديمة.

رغم غناه، واجه تأثير ريكور بعض التحديات في السياق العربي. أحياناً تم استيعابه بشكل سطحي كأداة غربية أخرى، أو تم تهميشه أمام التيارات السلفية أو الليبرالية المتطرفة. كما أن هرمينوطيقيته، بطابعها الفلسفي الغربي، تحتاج إلى «ترجمة حضارية» أعمق تراعي خصوصية النص الديني الإسلامي (القرآن كنص إلهي) الذي يختلف عن النصوص الأدبية أو الفلسفية الغربية.مع ذلك، تظل آفاق التأثير واعدة. في عصر الرقمنة وتعدد الخطابات، يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تساعد على بناء «تأويل عربي إسلامي معاصر» يتعامل مع تحديات الهوية، والتطرف، والعولمة. يمكن تطوير «ريكورية عربية» تجمع بين عمق ريكور الفلسفي وخصوصية الاجتهاد الإسلامي والنقد الاجتماعي العربي. لقد أحدث بول ريكور تحولاً نوعياً في الهرمينوطيقيا العربية بتحويله التأويل من عملية فنية أو دينية تقليدية إلى ممارسة فلسفية نقدية إبداعية. لم يكن تأثيره نقل أفكار جاهزة، بل إثارة لإمكانيات كامنة داخل الفكر العربي نفسه. بفضل ريكور، أصبحت إعادة قراءة التراث ليست مجرد واجب تاريخي، بل مغامرة وجودية وأخلاقية تسمح للعقل العربي الإسلامي بأن يعيد اكتشاف ذاته في مرآة نصوصه، وأن يواجه الحاضر بثقة تأويلية مفتوحة. هذا التأثير يمثل جسراً فكرياً حياً بين التراث والمستقبل، ويبقى مدعواً للتطوير والتعميق في الدراسات العربية المعاصرة.

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على القرآن الكريم

يُعد القرآن الكريم نصاً فريداً يجمع بين البعد الإلهي واللغوي والتاريخي والوجودي. مواجهة هذا النص تتطلب منهجاً تأويلياً يحترم قدسيته دون أن يتجمد في القراءات التقليدية، ويفتح أفقاً معاصراً دون أن يذيب خصوصيته. تقدم هرمينوطيقيا بول ريكور إطاراً فلسفياً غنياً لهذا الغرض، لأنها تتجاوز الثنائية التقليدية بين «التفسير» و«الفهم»، وتقترح مساراً جدلياً يمر بالشك وينتهي بالاستعادة والتطبيق.تطبيق ريكور على القرآن ليس نقل أداة غربية محايدة، بل حوار بين فلسفة التأويل المعاصرة والنص الإسلامي الأساسي. يسعى هذا التطبيق إلى جعل القرآن «عالماً أمام النص» يخاطب الإنسان المعاصر في وجوده، هويته، ومسؤوليته الأخلاقية. فما مدى إمكانية الهرمينوطيقيا الريكورية في النص القرآني؟

هرمينوطيقيا الشك والاستعادة في مواجهة القرآني

بدأ ريكور بمرحلة «هرمينوطيقيا الشك» المستوحاة من ماركس ونيتشه وفرويد. في تطبيقها على القرآن، لا تعني الشك في أصالته أو إلهيته، بل الشك في القراءات الأيديولوجية والتاريخية التي تراكمت عليه عبر القرون. يشمل ذلك فحص السياقات الاجتماعية والسياسية التي أنتجت تفسيرات معينة (كالتفسيرات السلطانية أو الطائفية أو الذكورية المفرطة). هذا الشك يسمح بتحرير النص من «التحيزات» التي تحجبه، مثلما يفعل ريكور مع النصوص الأدبية والفلسفية. بعد مرحلة الشك تأتي مرحلة «الاستعادة»، حيث يعود القارئ إلى النص ببراءة جديدة، مستعيداً قوته الرمزية والوجودية.

النص القرآني كـ«عالم أمام النص»

من أهم إسهامات ريكور فكرة أن النص يمتلك «عالماً» مستقلاً عن قصد المؤلف (أو المتكلم). بالنسبة للقرآن، يصبح هذا العالم «الرؤية الكونية القرآنية» التي تتجاوز السياق التاريخي للنزول (أسباب النزول) وتفتح أفقاً وجودياً كونياً.القرآن ليس مجرد أوامر ونواهٍ، بل هو «دعوة» للسكن في عالم يقوم على التوحيد، والعدل، والرحمة، والمسؤولية الخلافية. التأويل الريكوري يركز على «القوة الاستدعائية» للنص: كيف يدعو القارئ المعاصر إلى إعادة تشكيل ذاته؟ على سبيل المثال، قصص الأنبياء (آدم، موسى، عيسى، محمد) ليست مجرد أحداث تاريخية، بل سرديات وجودية تكشف عن بنية الإنسان في مواجهة الابتلاء، الغفلة، والتوبة.

الهوية السردية والذات أمام القرآن

يطور ريكور مفهوم «الهوية السردية» في كتاب «الذات كآخر». تطبيقه على القرآن يجعل القراءة عملية بناء للذات. الإنسان المؤمن لا يفهم القرآن فهماً نظرياً فقط، بل يروي حياته داخل السرد القرآني الكبير: من الخلق إلى البعث، مروراً بالابتلاء والعهد والميثاق. هذا يحول التلاوة من طقس روتيني إلى فعل وجودي: القارئ يسأل نفسه «من أنا أمام هذا النص؟» و«كيف أعيد تشكيل هويتي كخليفة في الأرض؟». كما يفتح الباب لـ«الذات كآخر»، حيث يصبح الآخر (الإنسان المختلف دينياً أو ثقافياً) جزءاً من الفهم الأخلاقي للقرآن، خاصة في آيات الرحمة والعدل والتعارف.

الجدل بين التفسير والفهم: اللغة والرمز والمجاز

يؤكد ريكور على ضرورة المرور بالتفسير العلمي (لغوي، تاريخي، بنيوي) قبل الوصول إلى الفهم الوجودي. في القرآن، يعني ذلك الاستفادة من علوم اللغة العربية، وعلم المعاني والبيان، والدراسات التاريخية، لا كغاية في حد ذاتها، بل كوسيلة للوصول إلى «الرمز» والمجاز القرآني.

القرآن غني بالرموز (النور، الماء، الجنة، الصراط)، وهرمينوطيقيا ريكور تسمح بقراءة هذه الرموز كـ«دلالات مفتوحة» تولد معاني جديدة في كل عصر. على سبيل المثال، يمكن تأويل مفهوم «الجهاد» هرمينوطيقياً كصراع داخلي وخارجي متعدد المستويات، يتجاوز القراءات الحرفية الضيقة دون إفراغه من مضمونه الأخلاقي والروحي.

يحقق تطبيق ريكور عدة فوائد:

يفتح القرآن على الحاضر دون أن يجعله أسيراً للماضي.

يسمح بتعدد القراءات مع الحفاظ على وحدة النص.

يربط بين الإيمان والعقل، والروحانية والأخلاق الاجتماعية.

يساعد في حوار الأديان والثقافات من خلال «عالم النص» الكوني.

ومع ذلك، توجد حدود واضحة. القرآن نص إلهي، وليس نصاً أدبياً بشرياً صرفاً. لذا يجب أن تظل هرمينوطيقيا ريكور أداة خادمة للنص، لا حاكمة عليه. كما أن الإيمان بالوحي يضع قيداً على «الشك» الريكوري، فيجعله شكاً منهجياً في التفسيرات البشرية لا في مصدر النص.

يُثري تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على القرآن إمكانية بناء تأويل إسلامي معاصر يجمع بين الاحترام العميق للنص والانفتاح الجريء على أسئلة العصر. يتحول القرآن من كتاب تاريخي يُحفظ إلى «دعوة وجودية» مستمرة تشكل الذات وتعيد بناء العالم. هذا التطبيق يدعو إلى اجتهاد جماعي يمر بالمراحل الريكورية: شك منهجي، تفسير علمي دقيق، ثم فهم وجودي وأخلاقي يؤدي إلى «تطبيق» يغير حياة القارئ والمجتمع. في نهاية المطاف، يبقى القرآن أكبر من أي هرمينوطيقيا بشرية، لكنه يدعو إلى التأويل المستمر كتعبير عن الخلافة الإنسانية الواعية في الأرض. هذا هو الطريق نحو قراءة حية تجعل كلام الله حاضراً في كل زمان ومكان. فكيف نسير نحو هرمينوطيقيا قرآنية معاصرة؟

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على سورة الفاتحة

سورة الفاتحة هي أم القرآن، ومفتاحه، وأكثر سورة تُتلى في حياة المسلم اليومية. تتكون من سبع آيات تشكل صلاة كاملة وموجزة تجمع بين الثناء، والتوحيد، والطلب، والتوجيه. تُعد هذه السورة نصاً مثالياً لتطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور، لأنها نص حواري، سردي، رمزي، ووجودي في آن واحد. ريكور يرى النص ليس كوثيقة تاريخية فحسب، بل كـ«عالم» يدعو القارئ إلى السكن فيه وإعادة تشكيل ذاته. تطبيق هرمينوطيقيته على الفاتحة يحولها من دعاء روتيني إلى فعل تأويلي عميق يعيد بناء الهوية الإنسانية والعلاقة بالله والعالم. كيف تعامل ريكور مع الفاتحة كنص تأسيسي؟

هرمينوطيقيا الشك: تحرير السورة من القراءات الآلية

يبدأ ريكور بمرحلة الشك المنهجي ليكشف التحيزات. في سورة الفاتحة، يدعونا هذا الشك إلى التشكيك في القراءة الطقسية الآلية التي تحول السورة إلى كلمات تُردد دون وعي أو تأثير وجودي. كما نشك في القراءات التقليدية التي تركز على الجانب التعبدي فقط وتهمل البعد الفلسفي والأخلاقي. هل «الحمد لله رب العالمين» مجرد ثناء، أم هو إعادة تأسيس لعلاقة الإنسان بالكون كله؟ وهل «اهدنا الصراط المستقيم» طلب فردي، أم برنامج وجودي واجتماعي يواجه انحرافات العصر؟

هذا الشك يحرر السورة من الاستخدام الروتيني ويعيدنا إلى أسئلتها الأولية: من أنا حين أقف أمام هذا النص؟ وكيف يعيد تشكيل فهمي للوجود؟

النص كعالم: بنية الفاتحة الهرمينوطيقية

وفق ريكور، يمتلك النص «عالماً أمامه». عالم سورة الفاتحة هو عالم العلاقة الحوارية بين الإنسان والإله، وهو عالم يتكون من ثلاث حركات أساسية:

حركة الثناء والاعتراف («الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين»): تؤسس رؤية كونية تجعل الله رباً للعوالم كلها (ربوبية شاملة)، ورحماناً ورحيماً (رحمة عامة وخاصة)، ومالكاً ليوم الدين (عدل مطلق). هذا يرسم عالماً منسجماً، غير عبثي، موجهاً نحو غاية أخلاقية.

حركة العبودية والطلب («إياك نعبد وإياك نستعين»): نقطة التحول الحاسمة. تنتقل السورة من الثناء إلى الإقرار بالعبودية المطلقة، وهي في الوقت نفسه طلب للعون. هنا يظهر التوازن الريكوري بين الذات والآخر المطلق.

حركة الهداية والاختيار («اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين»): طلب الهداية إلى الطريق المستقيم، مع الوعي بالمصائر الثلاثة (المنعم عليهم، المغضوب عليهم، الضالون). هذا يفتح أفقاً أخلاقياً وجودياً يدعو إلى الاختيار الواعي.

الهوية السردية والذات أمام الفاتحة

يُعد مفهوم «الهوية السردية» عند ريكور من أخصب المفاهيم. الفاتحة تقدم سرداً مصغراً للعلاقة الإنسانية بالله: من الخلق (رب العالمين) إلى الغاية (يوم الدين) مروراً بالاختيار الأخلاقي.

حين يقرأ المؤمن السورة، يعيد سرد هويته داخل هذا السرد الكبير. «أنا» الذي أحمد الله وأعبده وأطلب الهداية هو «أنا» يعيد اكتشاف نفسه كعبد حر، مرتبط بالرحمة، متجه نحو الصراط المستقيم. هذا يعالج أزمة الهوية المعاصرة: التفتت، الاغتراب، والضياع أمام كثرة الخيارات.

كما تُبرز «الذات كآخر» عند ريكور: العبودية لله هي التحرر من عبودية كل ما سواه. الآخر المطلق (الله) هو الذي يسمح للذات بأن تكون أصيلة.

الرمز والمجاز والدلالة المفتوحة

تحتوي الفاتحة على رموز غنية: «الصراط المستقيم» رمز للطريق الواضح المستقيم وسط الالتواءات؛ «يوم الدين» رمز للعدالة المطلقة والحساب؛ «الرحمن الرحيم» رمز للرحمة التي تسبق العدل وتكمله.

ريكور يرى في الرمز «فائض معنى» يولد تأويلات جديدة. في عصرنا، يمكن قراءة «الصراط المستقيم» كطريق يوازن بين المادة والروح، بين الحرية والمسؤولية، بين التقدم والأخلاق. كما يمكن تأويل «المغضوب عليهم والضالين» كتحذير من الانحرافات المعاصرة: الظلم المؤسسي (غضب) والجهل الثقافي (ضلال).

التطبيق والاستعادة: الفاتحة كفعل وجودي

المرحلة النهائية عند ريكور هي التطبيق. تلاوة الفاتحة في الصلاة تصبح فعلاً وجودياً: إعادة تأسيس العلاقة بالله خمس مرات يومياً. هي لحظة يستعيد فيها المؤمن براءته، ويعترف بعبوديته، ويطلب الهداية، فيخرج إلى الحياة بتوجه جديد. في السياق المعاصر، تحول السورة الإنسان من كائن مستهلك أو مشتت إلى كائن شاكر، عابد، طالب للهداية. هي برنامج يومي لمقاومة الاغتراب الحداثي.

يكشف تطبيق هرمينوطيقيا ريكور على سورة الفاتحة عن طابعها التأسيسي العميق. السورة ليست مقدمة للقرآن فحسب، بل هي نموذج للعلاقة الإنسانية بالمطلق: ثناء، اعتراف، طلب، وتوجيه.ريكور يساعدنا على قراءتها كـ«عالم» مفتوح يدعو كل قارئ في كل عصر إلى إعادة بناء ذاته داخل هذا العالم. بهذا يتحول تلاوتها من طقس إلى ممارسة هرمينوطيقية حية تجمع بين الروحانية والأخلاق والوجود.سورة الفاتحة تبقى مفتاحاً لا ينضب، يدعو الإنسان دائماً إلى أن يبدأ من جديد: «الحمد لله»... ثم يسير على الصراط المستقيم. هذا هو جوهر التأويل الريكوري المطبق على قلب القرآن وروحه. لكن لماذا تعامل ريكور مع الفاتحة كـ«نص حي»؟

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على سورة الإخلاص

سورة الإخلاص (قل هو الله أحد) من أعظم السور القرآنية الموجزة، وتُعد لبّ التوحيد الإسلامي. رغم قصرها (أربع آيات)، فإنها تحمل كثافة دلالية هائلة تجعلها قابله للتأويل المستمر. تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور عليها يُظهر كيف يمكن لهذه السورة أن تتحول من نص عقدي محفوظ إلى «عالم وجودي» يخاطب الذات المعاصرة، ويعيد تشكيل هويتها وعلاقتها بالكون. تتجاوز هرمينوطيقيا ريكور الثنائية بين الحرفية والتأويل، وتمر بمراحل: الشك المنهجي، التفسير، الفهم، والاستعادة. سنطبق هذه المراحل على السورة خطوة بخطوة. لكن كيف تراوحت قراءة ريكور لسورة الإخلاص بين القدسية والتأويل؟

هرمينوطيقيا الشك: تحرير النص من القراءات المغلقة

يبدأ ريكور بمرحلة الشك ليكشف الأيديولوجيات الكامنة في التفسيرات. في سورة الإخلاص، يسمح هذا الشك بنقد القراءات التي تحول التوحيد إلى شعار طائفي أو أداة سياسية للتكفير أو الإقصاء. كما يدعو إلى الشك في القراءات الحرفية الجامدة التي تحول السورة إلى «تعويذة» سحرية دون أن تمس الوجود. الشك هنا منهجي: هل نفهم «الله أحد» كمجرد نفي للشركاء، أم كدعوة جذرية لإعادة تنظيم كل العلاقات الإنسانية (مع النفس، المجتمع، الطبيعة) حول مركز واحد؟ هذا الشك يحرر السورة من تراكمات التاريخ الطويل، ويعيدنا إلى أسئلة أولية: ما معنى الأحدية في عالم متعدد الآلهة المعاصرة (المال، السلطة، التكنولوجيا، الهوية)؟

النص كعالم مستقل: «عالم أمام السورة»

وفق ريكور، النص يمتلك عالماً خاصاً به يتجاوز قصد المتكلم الأول. عالم سورة الإخلاص هو عالم التوحيد الخالص الذي يقوم على أربعة أركان مترابطة:

الله أحد: الأحدية المطلقة التي تنفي كل تعدد أو تركيب داخل الذات الإلهية. هذا ليس مجرد عدد، بل نفي لأي شكل من أشكال الشرك الداخلي أو الخارجي.

الصمد: الذي يصمد إليه كل شيء ولا يحتاج إلى أحد. يرسم هذا العالم كوناً يتجه فيه كل الكائنات نحو مركز واحد، بينما يظل هذا المركز غنياً مطلقاً.

لم يلد ولم يولد: نفي الولادة والتولد يقطع كل علاقة نسب أو صيرورة أو تبعية زمنية بالله. العالم هنا خالٍ من الأساطير الوثنية والفلسفات التي تجعل الإله جزءاً من عملية صيرورة كونية.

ولم يكن له كفواً أحد: نفي المماثلة والمشابهة يؤكد الاختلاف الأنطولوجي المطلق.

هذا «العالم أمام النص» ليس نظرية مجردة، بل رؤية كونية تجعل كل الوجود شفافاً نحو الله، وتنفي كل أشكال الاستقلال الوهمي للكائنات.

الهوية السردية والذات أمام السورة

يؤكد ريكور أن الذات تُبنى سردياً. سورة الإخلاص تقدم «سرداً مضغوطاً» للهوية الإلهية، وتدعو الإنسان إلى إعادة سرد هويته داخل هذا الأفق. قراءة السورة تصبح فعلاً وجودياً: «قل» أمر بالنطق والإقرار والتجسيد. الإنسان الذي يقول «هو الله أحد» يعيد تشكيل ذاته كـ«عبد» خالص، محرراً من كل أشكال العبودية للمخلوقات. هذا يولد «هوية سردية» جديدة: أنا لست مستقلاً، ولست مولوداً من فراغ، ولست مشابهاً لأي شيء، بل أنا مرتبط بالصمد الذي أتوجه إليه في كل حاجة.

هنا تظهر فكرة ريكور «الذات كآخر»: التوحيد يجعل الله «الآخر المطلق» الذي يسمح للذات بأن تكون حرة من كل أوثانها الداخلية والخارجية.

الرمز والمجاز والدلالة المفتوحة

تتميز السورة بإيجازها الشديد، مما يجعلها رمزية بامتياز. كلمات مثل «أحد» و«صمد» تحمل دلالات مفتوحة لا تنضب. «أحد» يرمز إلى الوحدة غير القابلة للتجزئة، ويفتح على تأملات في وحدة الكون ووحدة الإنسانية.

«صمد» يرمز إلى الغنى المطلق والملاذ الأخير، ويفتح على نقد كل الأنظمة التي تدّعي الاكتفاء الذاتي (رأسمالية، قومية، تكنولوجية).

هرمينوطيقيا ريكور تسمح بقراءة هذه الرموز في سياقات معاصرة: كيف يصبح التوحيد مقاومة لـ«الأصنام الحديثة» مثل الاستهلاك، أو السلطة المطلقة، أو الذات المغرورة بالتكنولوجيا؟

الاستعادة والتطبيق: السورة كفعل وجودي

المرحلة الأخيرة عند ريكور هي «الاستعادة» أو التطبيق. سورة الإخلاص لا تُفهم فهماً نظرياً، بل تُعاش. التلاوة الحقيقية هي إعادة صياغة الوجود: تحرير النفس من الشرك الخفي (حب الذات، الخوف من المخلوقين، الاعتماد على غير الله).في عالم اليوم المتعدد الآلهة، تصبح السورة برنامجاً أخلاقياً وسياسياً: رفض كل أشكال الاستعباد، بناء مجتمع يتوجه نحو القيم الصمدية (العدل، الرحمة، الإحسان)، وتجاوز النزاعات الهوياتية الضيقة نحو وحدة إنسانية أعمق.

دلالات التطبيق الريكوري

يكشف تطبيق هرمينوطيقيا ريكور على سورة الإخلاص عن عمقها غير المحدود. السورة ليست مجرد عقيدة، بل «دعوة وجودية» مفتوحة تحول القارئ من كائن مشتت إلى كائن موحد الاتجاه. ريكور يساعدنا على قراءة السورة كـ«نص حي» يمتلك قدرة على إعادة تشكيل العالم أمامه. هذا التأويل يحافظ على قدسية النص وإلهيته، بينما يفتحه على أفق معاصر يخاطب أزمات الهوية، السلطة، والمعنى في عصرنا. في النهاية، «قل هو الله أحد» ليست مجرد كلمات، بل فعل تأويلي مستمر يدعو الإنسان في كل عصر إلى أن يقولها بقلبه وعقله وحياته، فيعود إلى أصله الأحدي الصمدي. هذا هو جوهر الهرمينوطيقيا الريكورية المطبقة على قلب التوحيد الإسلامي.

تطبيق هرمينوطيقيا بول ريكور على آية الرحمن (الرحمن على العرش استوى)المقدمة: الآية وإشكاليتها التأويليةتُعد آية «الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ» (سورة طه: 5) من الآيات المتشابهات التي أثارت جدلاً كبيراً في التاريخ الإسلامي بين التأويل الحرفي والتأويل المجازي والتفويض. تمثل هذه الآية تحدياً هرمينوطيقياً مثالياً لتطبيق منهج بول ريكور، الذي يجمع بين هرمينوطيقيا الشك، والتفسير العلمي، والفهم الوجودي، والاستعادة.ريكور يرى أن النص (حتى الديني) يمتلك «عالماً» يتجاوز الحرفية، ويدعو القارئ إلى حوار وجودي. تطبيق منهجه على هذه الآية يحولها من نقطة خلاف كلامي إلى لحظة تأمل أنطولوجي عميقة.هرمينوطيقيا الشك: نقد القراءات الأيديولوجيةيبدأ ريكور بالشك المنهجي ليكشف التحيزات. في هذه الآية، يدعو الشك إلى التشكيك في القراءات التي تُسقط على الله صفات بشرية (التجسيم)، أو في القراءات التي تنفي المعنى تماماً (التعطيل). كما نشك في القراءات التي تحول الآية إلى أداة جدل طائفي أو إلى حجة فلسفية جافة. الشك هنا يسأل: ما الذي يريده النص فعلاً؟ هل هو وصف مكاني لله، أم هو رمز لعلاقة وجودية بين الرحمة الإلهية والخلق؟هذا الشك يحرر الآية من تراكمات التاريخ الكلامي (الأشعرية، المعتزلة، السلفية) ويعيدنا إلى النص نفسه في سياقه القرآني الأوسع.النص كعالم: «الرحمن على العرش استوى»وفق ريكور، النص يخلق «عالماً أمامه». عالم هذه الآية هو عالم الرحمة المتعالية المستقرة على العرش.الرحمن: ليس اسماً عادياً، بل يشير إلى الرحمة الشاملة التي تسبق الخلق وتغمر الكون. هي الرحمة الأصلية غير المشروطة.

على العرش استوى: «الاستواء» ليس جلوساً مادياً (كما في التجسيم)، ولا مجرد استعارة فارغة. ريكور يرى في مثل هذه العبارات «رمزاً» يحمل فائض معنى. «العرش» رمز للسلطة المطلقة، والسيادة الكونية، والمركز الذي يدير به الله الكون بطريقة لا يمكن تصورها.

الآية تخلق عالماً يجمع بين القرب الرحماني والالتعالي المطلق. الله ليس بعيداً عن خلقه (رحمانية)، ولكنه ليس محصوراً فيه (استواء على العرش). هذا العالم يرفض كلاً من التشبيه والتعطيل، ويفتح أفقاً أنطولوجياً يقوم على «التنزيه الموصوف بالرحمة».الرمز والمجاز والدلالة المفتوحةتُعد الآية نموذجاً للرمز عند ريكور. «العرش» ليس جسماً، بل رمز للملكوت، والقوة، والإدارة الإلهية للكون. «الاستواء» رمز للاستقرار، السيطرة، والحكم بلا مشقة أو تغيّر.هذا الرمز يولد دلالات مفتوحة:في السياق الكوني: الله يدير الكون برحمة من مركز متعالٍ.

في السياق الوجودي: الرحمة الإلهية ليست مجرد صفة، بل واقع أساسي يمكن للإنسان أن يعيش في ظله.

في السياق الأخلاقي: الاستواء على العرش يعني أن العدل والرحمة هما المبادئ الحاكمة للوجود، وليست قوى عشوائية.

الهوية السردية والذات أمام الآيةتساهم الآية في بناء «الهوية السردية» للمؤمن. حين يتأمل الإنسان «الرحمن على العرش استوى»، يعيد اكتشاف موقعه في الكون: هو مخلوق يعيش تحت رحمة متعالية، لا يخضع لقوى عمياء، ولا يملك السيطرة المطلقة.هذا يولد شعوراً بالأمان الوجودي (الرحمة) مع الخشوع والتعظيم (الاستواء). الذات تصبح «مستعينة» بالرحمن، ومدركة لحدودها أمام المتعالي. كما يفتح الباب لـ«الذات كآخر»: الرحمن هو الآخر المطلق الذي يقترب من الإنسان برحمته دون أن يفقد تعاليه.التطبيق والاستعادة: الآية كتجربة وجوديةالمرحلة الأخيرة عند ريكور هي التطبيق. الآية لا تُفهم نظرياً فقط، بل تُعاش. التأمل فيها ينتج حالة من الطمأنينة الروحية: العالم ليس مهجوراً، بل مدبر برحمة من مركز متعالٍ. في عصر القلق الحديث والشعور بالعبثية، تعيد الآية الإنسان إلى مركز رحماني مستقر. هي دعوة للثقة في تدبير إلهي يجمع بين الرحمة والحكمة، ودعوة للتواضع أمام هذا التدبير.الخاتمة: دلالات التطبيق الريكورييكشف تطبيق هرمينوطيقيا ريكور على آية «الرحمن على العرش استوى» عن عمقها غير المحدود. الآية ليست مجرد مسألة كلامية، بل رمز وجودي يجمع بين التعالي والقرب، بين الرحمة والسلطان.ريكور يساعد على تجاوز الجدل التقليدي نحو تأويل حي يخاطب الإنسان المعاصر: في عالم يبدو فيه كل شيء فوضوياً، هناك رحمة متعالية مستقرة تدير الكون بحكمة. هذا التأويل يحافظ على قدسية النص، ويفتحه على أفق معاصر، ويحوله إلى مصدر طمأنينة وتوجيه أخلاقي. الرحمن على العرش استوى، فالكون في أمان، والإنسان مدعو إلى العيش في ظل هذه الرحمة بوعي وخشوع. بهذا يصبح التأويل الريكوري جسراً بين النص الإلهي والتجربة الإنسانية في كل عصر.

هرمينوطيقيا بول ريكور في الإسلام: دراسة تأويلية معاصرة

ريكور والحاجة الإسلامية إلى هرمينوطيقيا نقدية إبداعية

تُعد هرمينوطيقيا بول ريكور من أهم المناهج الفلسفية في القرن العشرين، لأنها تقدم طريقاً وسطاً بين الشك الراديكالي والثقة البريئة، بين التفكيك والإعادة البناء، وبين النص والذات. مشروع ريكور يجمع بين الظاهراتية، والتحليل اللغوي، وعلم النفس، وفلسفة السرد، مما يجعله أداة غنية للفكر الإسلامي المعاصر الذي يواجه تحديات التأويل في عصر العولمة والحداثة.

في الإسلام، يشكل النص القرآني والتراث الفقهي والصوفي محوراً أساسياً للهوية. لذا أصبحت هرمينوطيقيا ريكور مدخلاً مهماً لدى بعض المفكرين العرب والمسلمين الذين يسعون إلى تجديد الفهم الإسلامي دون الوقوع في التقليد الأعمى أو التبعية الغربية الكاملة.

المفاهيم الريكورية الرئيسية وتطبيقاتها الإسلاميةهرمينوطيقيا الشك والاستعادة

ريكور يميز بين مرحلة «الشك» (مستوحاة من ماركس ونيتشه وفرويد) ومرحلة «الاستعادة» أو البراءة الثانية. في السياق الإسلامي، يسمح الشك المنهجي بنقد القراءات الأيديولوجية والتاريخية للنصوص الدينية (كالقراءات السياسية أو الطائفية أو الذكورية)، دون الطعن في مصدر النص. أما الاستعادة فتتيح العودة إلى النص بوعي جديد، مستخرجة معانيه الوجودية والأخلاقية للعصر الحالي.

عالم النص والدلالة المفتوحة

يؤكد ريكور أن النص يمتلك «عالماً» مستقلاً عن قصد المؤلف. بالنسبة للقرآن، يصبح «عالم النص» هو الرؤية الكونية التوحيدية التي تتجاوز السياق التاريخي للنزول وتفتح أفقاً وجودياً. هذا يسمح بقراءة النصوص القرآنية (كسورة الفاتحة أو الإخلاص أو آيات الصفات) كرموز حية تولد معاني جديدة في كل عصر.

الهوية السردية والذات كآخر

يُعد مفهوم «الهوية السردية» من أخصب إسهامات ريكور. في الإسلام، يمكن قراءة القرآن كسرد كبير (من الخلق إلى البعث) يساعد المؤمن على بناء هويته. كما أن «الذات كآخر» تتوافق مع مفهوم العبودية: الخضوع لله (الآخر المطلق) هو الطريق إلى تحرر الذات من الأصنام.

الجدل بين التفسير والفهم

ريكور يطالب بالمرور بالتفسير العلمي (لغوي، تاريخي، بنيوي) قبل الوصول إلى الفهم الوجودي. هذا يناسب تماماً المنهج الإسلامي التقليدي الذي يجمع بين علوم اللغة والتفسير والاجتهاد، مع إمكانية إثرائه بأدوات حديثة.

التأثير على الفكر الإسلامي المعاصر

وجدت هرمينوطيقيا ريكور صدى واضحاً في مشاريع بعض المفكرين العرب المسلمين. حسن حنفي استفاد منها في مشروعه «اليسار الإسلامي» ليجعل التأويل أداة تحررية، يمر بالشك ثم يصل إلى استعادة المعاني الثورية في التراث. كذلك ساهمت أفكار ريكور في إثراء دراسات النص القرآني المعاصرة، خاصة في محاولات تجاوز الثنائيات الجامدة (نص/واقع، قديم/جديد، دين/دنيا). ساعدت على ظهور قراءات هرمينوطيقية تجمع بين الاحترام لقدسية النص والانفتاح على أسئلة العصر (الهوية، العدالة، البيئة، حقوق الإنسان، حوار الأديان).

رغم غناها، تواجه هرمينوطيقيا ريكور تحديات في السياق الإسلامي:

قدسية النص: القرآن نص إلهي، وليس نصاً بشرياً. لذا يجب أن تظل الهرمينوطيقيا خادمة للنص لا حاكمة عليه.

الوحي والقصد الإلهي: ريكور يركز على استقلالية النص عن قصد المؤلف، بينما يرى المسلمون أن قصد الله جزء أساسي من فهم النص.

الخصوصية الحضارية: الهرمينوطيقيا الريكورية غربية المنشأ، وتحتاج إلى «ترجمة حضارية» تراعي خصوصية التجربة الإسلامية (الوحي، النبوة، الاجتهاد).

الخطر الاختزالي: قد يؤدي التطبيق السطحي إلى تحويل النص الديني إلى نص أدبي أو فلسفي محض.

آفاق هرمينوطيقيا ريكورية إسلامية

يمكن بناء «هرمينوطيقيا إسلامية ريكورية» تجمع بين:الشك المنهجي في التفسيرات البشرية مع الإيمان بالوحي.

التفسير العلمي الدقيق (علوم القرآن، اللغة، التاريخ) مع الفهم الوجودي والروحي.

الرمزية القرآنية مع فائض المعنى الذي لا ينضب.

بناء الهوية السردية الإسلامية في مواجهة أزمات الحداثة.

هذا المشروع يتطلب اجتهاداً جماعياً يربط بين تراث الاجتهاد الإسلامي (من ابن عربي إلى الشاطبي) وبين أدوات ريكور الفلسفية، ليخرج بمنهج أصيل يخدم تجديد الفكر الإسلامي.

هرمينوطيقيا بول ريكور تمثل فرصة تاريخية للفكر الإسلامي المعاصر. ليست بديلاً عن التراث، بل أداة تساعد على إحيائه وتجديده. تسمح بقراءة النصوص الإسلامية كـ«نصوص حية» تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، وتعيد بناء الذات المسلمة داخل عالم التوحيد والرحمة والعدل.

النجاح في استيعاب ريكور وتجاوزه يعتمد على القدرة على إنتاج هرمينوطيقيا إسلامية أصيلة، تجمع بين الوفاء للنص الإلهي والانفتاح على الإنسانية جمعاء. هذا هو الطريق نحو فهم إسلامي معاصر يعيد للإسلام حضوره الحضاري في عصرنا.

مقارنة بين هرمينوطيقيا بول ريكور والتفسير الإسماعيلي

هرمينوطيقيتان متعددتا المستويات

تمثل هرمينوطيقيا بول ريكور قمة التأويل الفلسفي الغربي الحديث، بينما يُعد التفسير الإسماعيلي (التأويل الباطني) أحد أعمق وأنظم المناهج التأويلية في التاريخ الإسلامي. كلاهما يرفض الحرفية السطحية ويؤكد على تعدد مستويات المعنى، لكنهما يختلفان في المنطلقات، المنهج، والغاية. ريكور ينطلق من فلسفة غربية حديثة تركز على الذات والنص والسرد، بينما ينطلق التفسير الإسماعيلي من رؤية دينية باطنية تربط بين الظاهر والباطن، وبين النبوة والإمامة، وبين التاريخ الدوري والحقيقة الأبدية.أسس كل منهماريكور: هرمينوطيقيا فلسفية تقوم على «الجدل بين الشك والاستعادة». يمر التأويل بالتفسير العلمي (لغوي، تاريخي، بنيوي) ثم يصل إلى الفهم الوجودي. يؤكد على استقلالية النص («عالم أمام النص») وعلى بناء الهوية السردية.التفسير الإسماعيلي: يعتمد على مبدأ «الظاهر والباطن». الظاهر (الحرف، الشريعة) هو قشرة تحمي الباطن (الحقيقة، المعرفة الإلهية). يرتبط التأويل بالإمام أو الداعي كحامل للمعنى الباطن، ويضع النص ضمن دورات النبوة والإمامة والقيامة.مقارنة في مفهوم التأويلالمشتركات:كلاهما يرفض القراءة الحرفية الوحيدة ويؤكد على «فائض المعنى».

كلاهما يرى النص متعدد المستويات: ريكور من خلال الرمز والسرد، والإسماعيليون من خلال الظاهر والباطن والمؤول.

كلاهما يربط التأويل بالتحول الوجودي: ريكور بالهوية السردية، والإسماعيلي بالصعود المعرفي نحو الحقيقة.

الاختلافات:المنهج: ريكور نقدي وفلسفي، يعتمد الشك المنهجي والتحليل العلمي. أما التفسير الإسماعيلي فيعتمد على «الكشف» المرتبط بالإمامة والتسلسل المعرفي (الناطق، الأساس، الداعي).

الغاية: ريكور يهدف إلى فهم الذات والعالم في الحاضر. أما الإسماعيلي فيهدف إلى تحقيق المعرفة الإلهية والعودة إلى الأصل من خلال دورات التاريخ الديني.

دور السلطة: في الإسماعيلية، التأويل مرتبط بسلطة الإمام. أما عند ريكور فهو عملية فردية-جماعية مفتوحة.

مقارنة في مفهوم النص والرمز

ريكور يرى النص يمتلك «عالماً» مستقلاً يدعو القارئ إلى السكن فيه. الرمز عنده «فائض معنى» يفتح آفاقاً وجودية.أما الإسماعيليون فيعتبرون النص (القرآن خاصة) طبقات: الظاهر (شريعة عامة)، والباطن (حقيقة خاصة بالمؤمنين)، وقد يصل إلى مستويات أعمق. الرمز (مثل أرقام، قصص الأنبياء، الطبيعة) هو مفتاح لعوالم علوية.التقاطع: كلاهما يعطي الرمز دوراً مركزياً كوسيط معرفي. ريكور يقترب من الإسماعيلية في تقديره للخيال المنتج، الذي يشبه إلى حد ما «عالم المثال» عند الإسماعيليين.مقارنة في الذات والتاريخريكور: الذات تُبنى سردياً من خلال مواجهة النصوص والآخرين. التاريخ مفتوح وغير محدد بدورات ثابتة.الإسماعيلي: الذات تتحقق بالصعود عبر مراتب المعرفة، مرتبطة بدورات النبوة والإمامة والقيامة. التاريخ دوري وله معنى باطن (كل نبي له وصي).التقاطع: كلاهما يرى الذات في حالة صيرورة ويربطها بالتأويل. ريكور يؤكد المسؤولية الأخلاقية، والإسماعيلي يؤكد الولاية والطاعة للإمام.الدلالات والإمكانيات المعاصرةتكشف المقارنة عن إمكانيات حوار مثمر:يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تضيف صرامة نقدية وانفتاحاً فلسفياً إلى التفسير الإسماعيلي، مما يساعد على تجديده في العصر الحديث.

يمكن للتفسير الإسماعيلي أن يضيف عمقاً روحياً وكونياً إلى ريكور، خاصة في مفهوم الرمز والتسلسل المعرفي.

في السياق الإسلامي المعاصر، يساعد الجمع بينهما على بناء هرمينوطيقيا إسلامية تجمع بين البعد الباطني الصوفي-الشيعي والنقد الفلسفي الحديث.

هرمينوطيقيا ريكور والتفسير الإسماعيلي يمثلان نموذجين متميزين للتأويل متعدد المستويات. ريكور يمثل التأويل «الفلسفي النقدي» المفتوح، بينما يمثل التفسير الإسماعيلي التأويل «الديني الباطني» المنظم حول الإمامة والحقيقة.التقاءهما يثري كلاً منهما: يعطي ريكور للإسماعيلية أدوات نقدية معاصرة، ويعطي الإسماعيلية لريكور عمقاً روحياً وكونياً. هذه المقارنة تفتح آفاقاً لمشروع هرمينوطيقي إسلامي معاصر يستوعب إنجازات الحداثة دون أن يفقد أصالته الباطنية والروحية. إنها دعوة للحوار بين الفكر الغربي والتراث الإسلامي على أرضية التأويل كطريق لفهم الإنسان والمطلق.

مقارنة بين هرمينوطيقيا بول ريكور والتأويل عند أبي حامد الغزالي

تأويلان بين النقد والتوازن

يُعد أبو حامد الغزالي (450-505 هـ) أحد أبرز علماء الإسلام في التوفيق بين الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة. أما بول ريكور فيُمثل قمة الهرمينوطيقيا الفلسفية الحديثة. رغم الفارق الزمني والحضاري، تكشف المقارنة بين تأويلهما نقاط تقاطع واختلاف مهمة في فهم النص الديني، دور الشك، علاقة الظاهر بالباطن، وغاية التأويل.منهج كل منهما في التأويلالغزالي: يقدم منهجاً متوازناً يحترم الظاهر (المعنى الحرفي والشرعي) ويسمح بالباطن (التأويل) لمن له أهلية. في كتاب «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة» و«إحياء علوم الدين»، ينتقد التأويل الزائد (كما عند بعض الفلاسفة) الذي ينفي الظاهر، وينتقد أيضاً الجمود الحرفي. يضع شروطاً للتأويل: أن يكون النص غير قطعي الدلالة، وأن يكون التأويل مبنياً على دليل شرعي أو عقلي، وألا يؤدي إلى إبطال الشريعة.ريكور: يقدم هرمينوطيقيا جدلية تمر بثلاث مراحل: الشك المنهجي، التفسير (التحليل العلمي)، والفهم (الاستعادة والتطبيق). يرى النص مستقلاً عن قصد المؤلف، ويؤكد على «عالم النص» الذي يدعو القارئ إلى السكن فيه.مقارنة في مفهوم الظاهر والباطنالمشترك: كلاهما يعترف بوجود مستويات متعددة للمعنى. الغزالي يتحدث عن ظاهر وباطن، وريكور عن معنى حرفي ورمزي ووجودي. كلاهما يرى التأويل ضرورياً للنصوص المتشابهات.الاختلاف: الغزالي يحافظ على أولوية الظاهر، ويجعل الباطن مكملاً له وليس ناقضاً. التأويل عنده مقيد بشرعاً وعقلاً.

ريكور يميل إلى استقلالية النص، وقد يصل التأويل إلى درجة كبيرة من الحرية، مع الحفاظ على الجدل مع التفسير العلمي.

مقارنة في دور الشك والعقلالغزالي: مرّ بمرحلة شك وجودي عميق (كما في «المنقذ من الضلال») لكنه انتهى إلى اليقين بالكشف والذوق إلى جانب العقل والنقل. الشك عنده أداة مؤقتة للوصول إلى اليقين.ريكور: الشك منهجي ومستمر، لكنه ليس نهاية بل مرحلة ضرورية تؤدي إلى استعادة أعمق. العقل والتحليل العلمي أساسيان في عملية التأويل.التقاطع: كلاهما يمر بالشك، لكن الغزالي يتجاوزه بالكشف الروحي، بينما يتجاوزه ريكور بالفهم الوجودي والسردي.مقارنة في غاية التأويلالغزالي: الغاية تربوية وروحية وأخلاقية. التأويل يهدف إلى تطهير القلب، وتحقيق الإحسان، وفهم أسرار الشريعة للوصول إلى الله. هو في خدمة الدين والسلوك.ريكور: الغاية فلسفية ووجودية. التأويل يهدف إلى فهم الذات («الذات كآخر») وبناء الهوية السردية، وفهم الوجود الإنساني في العالم.التقاطع: كلاهما يرى التأويل يحول الإنسان: الغزالي نحو التقوى والإحسان، وريكور نحو الوعي الأخلاقي والوجودي.الدلالات المعاصرة للمقارنةتقدم هذه المقارنة رؤى قيمة للفكر الإسلامي المعاصر:يمكن لمنهج الغزالي التوازني أن يقيد حرية ريكور ويحافظ على قدسية النص.

يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تضيف صرامة نقدية وانفتاحاً على أسئلة العصر إلى التأويل الغزالي.

الجمع بينهما يساعد على بناء هرمينوطيقيا إسلامية معاصرة: تحترم الظاهر (كالغزالي)، وتمر بالشك المنهجي والتحليل العلمي (كريكور)، وتصل إلى فهم وجودي وروحي.

الغزالي وريكور يمثلان نموذجين متميزين للتأويل. الغزالي يمثل التأويل «الديني المتوازن» الذي يخدم الشريعة والروح، بينما يمثل ريكور التأويل «الفلسفي النقدي» الذي يخدم فهم الذات والوجود.التقاءهما يثري الحوار بين التراث والحداثة: الغزالي يذكّر ريكور بأولوية النص المقدس وحدوده، وريكور يذكّر الغزالي بأهمية النقد المنهجي والانفتاح على الإنسان المعاصر.هذه المقارنة تفتح الباب أمام مشروع تأويلي إسلامي يجمع بين عمق الغزالي الروحي ودقة ريكور الفلسفية، ليلبي حاجات العصر دون أن يفقد أصالة التراث.

مقارنة بين هرمينوطيقيا بول ريكور وفكر محيي الدين ابن عربي

تقاطعان في تأويل الوجود والنص

يُمثل بول ريكور (1913-2005) قمة الهرمينوطيقيا الفلسفية الغربية الحديثة، بينما يُعد محيي الدين ابن عربي (1165-1240) أحد أعمق فلاسفة التأويل و«شيخ الهرمينوطيقيا» في التراث الإسلامي الصوفي. رغم تباعد الزمان والمكان والمصادر الثقافية، تكشف المقارنة بينهما تقاطعات مثيرة في فهم النص، الرمز، الذات، والعلاقة بين الإنسان والمطلق. كلاهما يرى التأويل ليس عملاً فنياً فحسب، بل طريقاً وجودياً لفهم الذات والعالم. هذه المقارنة ليست مجرد مقابلة تاريخية، بل محاولة لإثراء الحوار بين الفكر الغربي المعاصر والتراث الإسلامي.خلفية كل منهماريكور فيلسوف مسيحي بروتستانتي تأثر بالظاهراتية (هوسرل)، والوجودية (ياسبرز)، والفلسفة التحليلية. يسعى إلى بناء هرمينوطيقيا وسطى تجمع بين الشك والثقة، وتربط بين النص والذات.أما ابن عربي فيُلقب بـ«الشيخ الأكبر»، وهو عارف صوفي جمع بين الشريعة والحقيقة، وبين الفلسفة والكشف. مشروعه قائم على «وحدة الوجود» و«الخيال المنفصل»، ويُعد تأويله للقرآن والحديث نموذجاً للهرمينوطيقيا الصوفية العميقة.مقارنة في الهرمينوطيقيا والتأويلالمشترك: كلاهما يرفض الحرفية الضيقة ويؤكد على «فائض المعنى». ريكور يتحدث عن «دلالة مفتوحة» في النص، وابن عربي يرى أن لكل آية «ظهر وبطن» و«سبعين وجهاً». كلاهما يعتبر التأويل عملية حوارية: النص يخاطب القارئ ويغيّره.الاختلاف: ريكور يعتمد منهجاً فلسفياً يمر بالشك المنهجي والتفسير العلمي (لغوي، تاريخي) قبل الفهم الوجودي. أما ابن عربي فيعتمد على «الكشف» والذوق والإلهام إلى جانب العقل والنقل. تأويله «كشفي» أكثر منه «نقدي»، بينما ريكور «نقدي» أكثر منه «كشفي».ريكور يرى النص مستقلاً عن قصد المؤلف، بينما يرى ابن عربي أن التأويل الصحيح يعود في النهاية إلى «السر الإلهي» الذي أودعه الله في النص.مقارنة في الأنطولوجيا (الوجود)ريكور: يركز على «الكينونة» (Being) من خلال الظاهراتية والهرمينوطيقيا، لكنه لا يذهب إلى وحدة مطلقة. يحافظ على التمييز بين الخالق والمخلوق، ويهتم بالوجود الإنساني (الدازاين) في الزمن والسرد.ابن عربي: يقدم «وحدة الوجود» (أو وحدة الشهود) كرؤية أنطولوجية عميقة. الكون تجليات للحق، والإنسان «الإنسان الكامل» هو المرآة الأتم للأسماء الإلهية. التقاطع: كلاهما يرى الوجود متعدد الطبقات. ريكور من خلال السرد والرمز، وابن عربي من خلال التجلي والخيال. كلاهما يرفض الثنائية المادية الصلبة.مقارنة في مفهوم الذات والآخرريكور: في كتاب «الذات كآخر» يرى أن الذات تُبنى عبر السرد والعلاقة بالآخر. الهوية ليست مغلقة، بل مفتوحة ومسؤولة أخلاقياً.ابن عربي: الذات عنده «عبد» و«خليفة» في آن. الإنسان الكامل هو الذي يتحقق بجميع الأسماء الإلهية. علاقته بالآخر (الله) هي علاقة حب وعبودية ومعرفة.التقاطع: كلاهما يرى الذات تتحقق في علاقتها بالآخر. ريكور فلسفياً وأخلاقياً، وابن عربي وجودياً وروحياً. كلاهما يؤكد على «الانفتاح» ورفض الأنا المغلقة.الخيال والرمز: نقطة التقاء بارزةهنا يظهر التشابه الأعمق. ريكور يعطي أهمية كبرى للخيال المنتج والرمز كوسيط ضروري للوصول إلى المعنى. ابن عربي يطور مفهوم «الخيال المنفصل» (عالم المثال) كوسيط بين العالم المادي والعالم الروحي، ويعتبره مكان تجلي الحقائق.كلاهما يرى الرمز ليس زخرفة، بل طريقاً معرفياً أصيلاً. ريكور في الأدب والأسطورة، وابن عربي في الآيات الكونية والقرآنية.الدلالات المعاصرةتقدم هذه المقارنة إمكانيات غنية للفكر الإسلامي المعاصر:يمكن لهرمينوطيقيا ريكور أن تضيف صرامة نقدية إلى التأويل الصوفي عند ابن عربي.

يمكن لفكر ابن عربي أن يضيف عمقاً روحياً وأنطولوجياً إلى هرمينوطيقيا ريكور.

الجمع بينهما يساعد على بناء هرمينوطيقيا إسلامية معاصرة تجمع بين الكشف والنقد، وبين الروحانية والأخلاق.

رغم الاختلافات الجوهرية (ريكور فيلسوف حديث علماني نسبياً، وابن عربي عارف صوفي ملتزم بالشريعة)، فإن بينهما تقاطعات عميقة في فهم التأويل كطريق وجودي، والرمز كوسيط معرفي، والذات كعلاقة بالآخر.ابن عربي يمثل قمة التأويل «من الداخل» بالكشف، بينما ريكور يمثل التأويل «من الخارج» بالنقد الفلسفي. حوارهما الممكن يثري مشروع تجديد الهرمينوطيقيا الإسلامية، ويفتح آفاقاً لفهم أعمق للنص الديني والوجود الإنساني في عصرنا. هذه المقارنة ليست مجرد دراسة تاريخية، بل دعوة لإحياء تراث ابن عربي بأدوات معاصرة، وإثراء الفكر الغربي بعمق التجربة الإسلامية الصوفية.

خاتمة

إعادة الاعتبار للتراث ليست عملية أثرية أو أيديولوجية، بل هي ممارسة هرمينوطيقية وجودية وسياسية في آن. بين هيدجر وغادامير تكمن دعوة للعودة الأصيلة إلى الأسئلة الأولى، وبين الجابري وحنفي تكمن دعوة لتحرير التراث وتجسيده في الواقع العربي. التقاء هذين التقليدين يفتح آفاقاً لفكر عربي إسلامي معاصر يعيد اكتشاف ذاته من خلال تأويل مستمر لتراثه، ويسهم في الحوار الحضاري العالمي من موقع الندية والإبداع. هذا الطريق صعب وطويل، لكنه الوحيد الذي يحفظ للأمة حضورها التاريخي ويفتح لها أبواب المستقبل. فكيف يمكن التحول من كائنات تراثية الى كائنات لها تراث؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

دراسة فلسفية في أسس المناهج العلمية والفلسفية

مقدمة الدراسة: تعدّ إشكالية المنهج من أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر الفلسفي والعلمي منذ نشأة التأمل العقلي إلى اليوم، ذلك أن المنهج لا يمثل مجرد وسيلة تقنية لتنظيم المعرفة، بل يشكل البنية العميقة التي يتحدد من خلالها نمط التفكير وطبيعة الحقيقة الممكن بلوغها. فكل تحول عرفه تاريخ الفلسفة أو العلوم كان مرتبطًا بتحول في الرؤية المنهجية، لأن تطور المعرفة الإنسانية لم يكن يومًا منفصلًا عن تطور الأدوات العقلية التي تُنتج بها تلك المعرفة. ومن هنا ارتبط سؤال المنهج بسؤال الحقيقة ذاتها، إذ لا يمكن الحديث عن معرفة يقينية أو علمية أو فلسفية دون التساؤل عن الطريق المؤدي إليها، وعن القواعد التي تضبطها، وعن الحدود التي تتحرك داخلها.

لقد أدرك الفلاسفة منذ العصور اليونانية الأولى أن الوصول إلى الحقيقة لا يتحقق عبر الآراء العفوية أو التصورات الساذجة، وإنما عبر منهج عقلي منظم يقي الفكر من التناقض والزلل. ولذلك ارتبطت الفلسفة منذ بدايتها بمطلب البحث عن القواعد التي تجعل التفكير صحيحًا ومنطقيًا. وقد ظهر هذا الوعي بوضوح عند سقراط الذي جعل الحوار والتوليد وسيلة لبلوغ الحقيقة، ثم عند أفلاطون الذي ربط المعرفة بالجدل الصاعد نحو عالم المثل، قبل أن يبلغ هذا الوعي ذروته مع أرسطو الذي أسس علم المنطق بوصفه أداة للفكر البرهاني والتحليلي. وهكذا أصبح المنهج منذ الفكر اليوناني أساسًا لكل معرفة منظمة، وأضحى التفكير الفلسفي بحثًا دائمًا عن القواعد التي تضبط العقل في أثناء ممارسته للفهم والاستدلال.

ومع الانتقال إلى العصر الحديث، عرف سؤال المنهج تحولات كبرى نتيجة الثورة العلمية التي أعادت بناء العلاقة بين الإنسان والطبيعة. فقد برزت الحاجة إلى تأسيس منهج جديد يتجاوز التصورات المدرسية القديمة ويؤسس لمعرفة يقينية قادرة على تفسير العالم والسيطرة عليه. وفي هذا السياق ظهر المنهج الديكارتي بوصفه ثورة عقلية قائمة على الشك المنهجي والتحليل والتركيب والاستقراء العقلي المنظم، حيث اعتبر ديكارت أن المنهج هو الطريق الذي يقود العقل إلى اليقين، وأن الفكر لا يمكن أن يبلغ الحقيقة إلا إذا التزم بقواعد صارمة تقوم على الوضوح والتمييز والتدرج المنطقي. ومنذ ذلك الحين أصبحت قضية المنهج في قلب المشروع الفلسفي الحديث، وتحولت إلى أساس لكل بحث علمي أو فلسفي.

غير أن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية كشف أن وحدة المنهج ليست أمرًا بديهيًا، لأن موضوعات هذه العلوم تختلف عن موضوعات العلوم الطبيعية. فالظواهر الإنسانية والاجتماعية لا تخضع دائمًا لقوانين ثابتة يمكن قياسها بدقة رياضية، بل ترتبط بالإرادة والتاريخ والثقافة والتحولات الاجتماعية. ولذلك ظهر اتجاه يدعو إلى تعدد المناهج تبعًا لتعدد الموضوعات والأهداف، فبرز المنهج التاريخي والمنهج الوصفي والمنهج التحليلي والمنهج الاستقرائي والمنهج البنيوي والمنهج التأويلي وغيرها من المناهج التي حاولت كل منها أن تستجيب لطبيعة الموضوع الذي تدرسه.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة إشكالية المنهج باعتبارها دراسة تتجاوز الجانب التقني إلى البعد الإبستمولوجي والفلسفي العميق، لأن المنهج لا يحدد فقط كيفية البحث، بل يحدد أيضًا طبيعة المعرفة الممكنة وحدودها ومصداقيتها. فالاختلاف بين الفلاسفة والعلماء حول المنهج يعكس اختلافهم حول مفهوم الحقيقة ذاته، وحول طبيعة العقل، وحول العلاقة بين الذات والموضوع، وبين الفكر والواقع. ولذلك فإن دراسة المناهج ليست مجرد دراسة لأدوات التفكير، بل هي دراسة لتاريخ العقل الإنساني في سعيه إلى تنظيم المعرفة وتجاوز الخطأ وبناء اليقين.

كما أن أهمية هذه الدراسة تتجلى في كونها تتيح فهم العلاقة الجدلية بين المنهج والموضوع والغاية، إذ لا يمكن الحديث عن منهج معزول عن طبيعة الموضوع الذي يعالجه أو عن الغاية التي يسعى إليها الباحث. فالمناهج الرياضية تختلف عن المناهج التاريخية، والمناهج التجريبية تختلف عن المناهج الفلسفية، كما أن العلوم النظرية تختلف في أهدافها عن العلوم العملية والتطبيقية. ومن ثم فإن المنهج ليس قالبًا جامدًا، بل بنية دينامية تتكيف مع تطور المعرفة وتغير الحقول العلمية والفلسفية.

إن هذه الدراسة تسعى إلى الكشف عن الأسس الفكرية والفلسفية التي قامت عليها إشكالية المنهج، وتتبع تطورها التاريخي من الفكر اليوناني إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة، مع إبراز طبيعة العلاقة بين المناهج المختلفة، وتحليل وظائفها المعرفية، والكشف عن حدودها وإمكاناتها في إنتاج الحقيقة العلمية والفلسفية.

إشكالية الدراسة:

تنبثق إشكالية هذه الدراسة من التساؤل الجوهري الذي رافق تاريخ الفكر الإنساني منذ نشأة الفلسفة: هل توجد حقيقة يمكن للعقل الإنساني بلوغها بصورة يقينية؟ وإذا كانت الحقيقة ممكنة، فما السبيل أو المنهج الذي يسمح بالوصول إليها؟ لقد ظل هذا السؤال يشكل محورًا أساسيًا في الفلسفة والعلوم، لأن قيمة أي معرفة لا تتحدد فقط بنتائجها، بل بالطريقة التي أُنتجت بها تلك النتائج. ومن هنا ارتبطت مسألة المنهج بمسألة الحقيقة ارتباطًا عضويًا، حتى أصبح تاريخ الفكر في جانب كبير منه تاريخًا للصراع بين المناهج المختلفة.

وتتعمق هذه الإشكالية حين نلاحظ أن تطور العلوم وتنوع موضوعاتها أدى إلى تعدد المناهج واختلافها. فإذا كان المنهج الرياضي أو التجريبي قد نجح في العلوم الطبيعية نجاحًا باهرًا، فإن تطبيقه على العلوم الإنسانية والاجتماعية ظل محل جدل واسع، لأن الإنسان لا يمكن اختزاله إلى مجرد موضوع مادي خاضع لقوانين ثابتة. وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يمكن اعتماد منهج واحد يشمل جميع العلوم، أم أن لكل علم منهجه الخاص الذي تفرضه طبيعة موضوعه؟

إن هذا السؤال يقود إلى إشكالات فرعية متعددة، من بينها:

ما المقصود بالمنهج في الفلسفة والعلوم؟

ما العلاقة بين المنهج والموضوع والغاية؟

هل المنهج مجرد أداة تقنية أم أنه رؤية فلسفية للعالم؟

ما الفرق بين المنهج الفلسفي والمنهج العلمي؟

كيف انتقل الفكر الإنساني من المنهج التأملي إلى المنهج التجريبي؟

ما دور التحليل والتعريف والاستدلال والاستقراء في بناء المعرفة؟

هل يمكن الحديث عن يقين مطلق في العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

إلى أي حد يساهم المنهج في كشف الحقيقة أو في إعادة بنائها؟

ما حدود كل منهج؟ وهل توجد إمكانية للتكامل بين المناهج المختلفة؟

كما تتفرع عن هذه الإشكالية قضية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في العلاقة بين المنهج والواقع التاريخي والاجتماعي. فالمنهج ليس معطى ثابتًا خارج التاريخ، بل يتأثر بالتحولات الحضارية والعلمية والفكرية التي يعيشها الإنسان. ولذلك فإن تطور المناهج يعكس تطور نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى العالم. فكل عصر ينتج منهجه الخاص الذي ينسجم مع تصوراته المعرفية والفلسفية، وهو ما يجعل دراسة المناهج دراسة لتاريخ العقل الإنساني ذاته.

وتحاول هذه الدراسة أيضًا معالجة الإشكال المتعلق بطبيعة المنهج الفلسفي: هل يقوم على التحليل العقلي الخالص كما عند ديكارت وأرسطو، أم على التجربة والاستقراء كما عند التجريبيين، أم على التأويل والفهم كما في الفلسفات المعاصرة؟ وهل يمكن الجمع بين هذه المناهج داخل رؤية تكاملية تتجاوز الصراعات التقليدية بين العقلانية والتجريبية؟

إن الإشكالية المركزية لهذه الدراسة يمكن صياغتها في السؤال التالي:

إلى أي حد يمكن اعتبار المنهج أساسًا لبناء المعرفة الفلسفية والعلمية، وهل يقتضي تنوع الموضوعات تعدد المناهج أم أن هناك منهجًا موحدًا يمكن أن يشكل قاعدة عامة لكل معرفة إنسانية؟

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف الفكرية والمعرفية والفلسفية، من أهمها:

الكشف عن مفهوم المنهج وبيان أبعاده الفلسفية والمعرفية والعلمية.

تتبع التطور التاريخي لإشكالية المنهج منذ الفكر اليوناني إلى الفلسفة الحديثة والمعاصرة.

إبراز العلاقة بين المنهج والحقيقة، وبيان دور المنهج في بناء المعرفة العلمية والفلسفية.

تحليل الأسس التي يقوم عليها المنهج الفلسفي، خاصة التحليل والتعريف والاستدلال والاستقراء.

توضيح الفروق بين المناهج المختلفة، مثل المنهج التحليلي والمنهج الاستقرائي والمنهج التاريخي والمنهج الوصفي.

دراسة العلاقة بين طبيعة الموضوع والمنهج المناسب لدراسته.

الكشف عن حدود كل منهج وإمكاناته المعرفية.

بيان أثر المناهج العلمية والفلسفية في تطور الحضارة الإنسانية.

مناقشة إشكالية وحدة المنهج أو تعدده في مختلف العلوم.

إبراز أهمية المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخية.

توضيح دور المنهج في تجاوز الأحكام العفوية وبناء التفكير النقدي.

الكشف عن القيمة الإبستمولوجية للمنهج بوصفه شرطًا لإنتاج المعرفة الموضوعية.

تحليل العلاقة بين المنهج والتفسير والتأويل والفهم.

إبراز دور الفلاسفة الكبار، مثل أرسطو ورينيه ديكارت وإيمانويل كانط وإميل دوركايم في تطوير التفكير المنهجي.

المساهمة في ترسيخ الوعي بأهمية المنهج في البحث الأكاديمي والفلسفي المعاصر.

مفهوم المنهج وعلاقته بالمعرفة والحقيقة

مفهوم المنهج وأبعاده الفلسفية:

الدلالة اللغوية والاصطلاحية للمنهج:

يُعدّ مفهوم المنهج من المفاهيم المركزية التي ارتبطت بتاريخ الفكر الإنساني وتطور المعرفة العلمية والفلسفية، إذ لا يمكن الحديث عن أي بناء معرفي منظم دون وجود منهج يوجّه الفكر ويحدد آليات اشتغاله. فالإنسان منذ بدايات تفكيره كان يسعى إلى اكتشاف الوسائل التي تمكنه من فهم العالم المحيط به، والتمييز بين الحقيقة والوهم، وبين المعرفة اليقينية والمعرفة القائمة على الظن والتخمين. ومن هنا ظهر المنهج باعتباره ضرورة عقلية وفكرية، وليس مجرد أداة تقنية مرتبطة بمجال علمي معين.

في دلالته اللغوية، يشير مفهوم المنهج إلى الطريق الواضح أو السبيل المستقيم الذي يسلكه الإنسان للوصول إلى غاية محددة. وقد ارتبطت هذه الدلالة بفكرة الوضوح والتنظيم والانتظام، لأن الطريق المنهجي يفترض وجود خطوات مترابطة تقود الفرد نحو هدف معلوم. ويكشف هذا المعنى اللغوي عن البعد العميق للمنهج باعتباره انتقالًا من حالة التشتت والغموض إلى حالة النظام والوضوح، وهو ما جعل المفهوم يكتسب أهمية كبرى داخل الفكر الفلسفي والعلمي.

أما في الاصطلاح الفلسفي والعلمي، فإن المنهج لا يعني مجرد خطوات إجرائية معزولة، بل يدل على مجموعة من القواعد والمبادئ والعمليات العقلية التي يعتمدها الباحث في دراسة الظواهر وتحليلها والوصول إلى نتائج دقيقة وموضوعية. فالمنهج بهذا المعنى يمثل نظامًا فكريًا متكاملًا يحدد كيفية بناء المعرفة، وطريقة الانتقال من المعطيات الجزئية إلى الأحكام العامة، كما يحدد طبيعة العلاقة بين الذات الباحثة والموضوع المدروس.

ومن هنا، فإن المنهج لا يمكن اختزاله في كونه وسيلة تقنية أو إجراءً شكليًا، بل إنه يعكس رؤية فلسفية للعالم ولطبيعة الحقيقة ذاتها. فاختيار منهج معين يعني ضمنيًا تبني تصور محدد حول المعرفة: هل الحقيقة تُدرك بالعقل أم بالتجربة؟ وهل المعرفة تقوم على الحدس أم على البرهان؟ وهل يمكن الوصول إلى اليقين المطلق أم أن كل معرفة تظل نسبية وقابلة للمراجعة؟ ولذلك ارتبط تاريخ المناهج بتاريخ الصراعات الفلسفية الكبرى التي عرفها الفكر الإنساني.

لقد أدرك الفلاسفة منذ العصور القديمة أن التفكير العشوائي لا يمكن أن ينتج معرفة يقينية، لأن العقل إذا تُرك دون قواعد منظمة يصبح عرضة للأخطاء والأوهام والمغالطات. ولهذا سعى الفكر الفلسفي إلى وضع أسس تضبط عملية التفكير وتوجهها نحو الحقيقة. وقد ظهر هذا الوعي بوضوح عند الفيلسوف اليوناني سقراط الذي جعل من الحوار وسيلة للكشف عن الحقيقة، حيث اعتمد منهج التوليد القائم على طرح الأسئلة ومناقشة الأفكار بهدف دفع العقل إلى اكتشاف الحقيقة الكامنة فيه. فالحقيقة عند سقراط لا تُفرض من الخارج، بل تُولد من داخل الحوار العقلي والنقاش النقدي.

ثم تطور مفهوم المنهج مع أرسطو الذي وضع الأسس الأولى للمنطق الصوري، واعتبر أن التفكير السليم ينبغي أن يقوم على قواعد عقلية دقيقة تربط بين المقدمات والنتائج بطريقة منطقية. وقد ساهم المنطق الأرسطي في بناء تصور جديد للمعرفة يقوم على الاستدلال والبرهان، حيث أصبح المنهج أداة لتنظيم الفكر وحمايته من التناقض. ومن خلال هذا التصور، انتقل المنهج من مجرد ممارسة حوارية إلى بناء عقلي متكامل يهدف إلى تحقيق اليقين المعرفي.

ومع تطور الفكر الفلسفي خلال العصر الوسيط، استمر الاهتمام بالمنهج داخل الفلسفة الإسلامية، حيث حاول عدد من الفلاسفة المسلمين التوفيق بين العقل والنقل، وتطوير أدوات الاستدلال العقلي. فقد اهتم الفارابي وابن رشد بمسألة البرهان العقلي، واعتبرا أن المعرفة الحقيقية لا تتحقق إلا عبر منهج يقوم على التحليل والاستدلال المنطقي. كما ساهم هذا التوجه في تعزيز قيمة العقل داخل الثقافة الإسلامية، وإبراز أهمية المنهج في فهم النصوص والظواهر الطبيعية والإنسانية.

أما في العصر الحديث، فقد عرف مفهوم المنهج تحولًا جذريًا مع صعود العقلانية الحديثة والثورة العلمية. فقد أصبح المنهج مرتبطًا بفكرة اليقين العلمي والدقة الرياضية، خاصة مع الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت الذي سعى إلى تأسيس منهج عقلي صارم يضمن الوصول إلى الحقيقة بصورة واضحة ومتميزة. وقد انطلق ديكارت من مبدأ الشك المنهجي، معتبرًا أن العقل لا ينبغي أن يقبل أي فكرة ما لم تكن واضحة يقينية. ولذلك وضع قواعد منهجية تقوم على الشك، والتحليل، والتركيب، والمراجعة، بهدف بناء معرفة خالية من التسرع والأحكام المسبقة.

وقد شكّل المنهج الديكارتي نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكر الحديث، لأنه نقل المعرفة من سلطة التقليد إلى سلطة العقل النقدي. فلم يعد الإنسان يقبل الحقائق الجاهزة، بل أصبح مطالبًا بفحصها وتحليلها وفق قواعد عقلية دقيقة. ومن هنا أصبح المنهج أداة للتحرر الفكري، وليس مجرد وسيلة للبحث العلمي فقط.

ومع تطور العلوم الطبيعية والإنسانية، تعددت المناهج وتنوعت بتنوع الموضوعات المدروسة. فظهرت المناهج التجريبية التي تعتمد على الملاحظة والتجربة، والمناهج الاستقرائية التي تنطلق من الجزئيات نحو القوانين العامة، والمناهج النقدية والتأويلية التي تهتم بفهم المعاني والسياقات الثقافية والتاريخية. ويكشف هذا التنوع عن أن المنهج ليس قالبًا جامدًا، بل هو بناء فكري متطور يتغير بتغير طبيعة المعرفة وأسئلة الإنسان.

إن أهمية المنهج لا تكمن فقط في كونه وسيلة للوصول إلى النتائج، بل في كونه يحدد طبيعة التفكير ذاته. فالمنهج يعلم الإنسان كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يحلل، وكيف يربط بين الأسباب والنتائج. ولذلك فإن كل تقدم علمي أو فلسفي كان مرتبطًا بتطور المناهج التي استخدمها الإنسان في دراسة الواقع. فالثورات العلمية الكبرى لم تكن مجرد اكتشافات جديدة، بل كانت أيضًا ثورات منهجية غيرت طريقة التفكير والنظر إلى العالم.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المنهج يمثل البنية الأساسية لكل معرفة علمية وفلسفية، لأنه الأداة التي تسمح للعقل بالانتقال من الفوضى إلى النظام، ومن الرأي إلى البرهان، ومن الانطباع الذاتي إلى الحقيقة الموضوعية. ولهذا ظل مفهوم المنهج حاضرًا في مختلف مراحل الفكر الإنساني بوصفه شرطًا ضروريًا لبناء المعرفة وتحقيق اليقين والكشف عن الحقيقة.

العلاقة بين المنهج والموضوع والغاية:

تُعد العلاقة بين المنهج والموضوع والغاية من القضايا الأساسية في الفكر الفلسفي والعلمي، لأن المنهج لا يتحدد بصورة مستقلة أو معزولة، بل يرتبط بطبيعة الموضوع الذي تتم دراسته وبالهدف الذي يسعى الباحث إلى تحقيقه. ولذلك فإن أي دراسة علمية أو فلسفية لا يمكن أن تنجح إذا لم يتحقق الانسجام بين طبيعة الموضوع والمنهج المعتمد والغاية المرجوة من البحث. فاختيار المنهج ليس قرارًا اعتباطيًا، وإنما هو عملية عقلية دقيقة تفرضها طبيعة المعرفة نفسها.

إن الموضوع الذي يشتغل عليه الباحث يمثل العنصر الأول في تحديد المنهج المناسب، لأن لكل موضوع خصائصه ومجاله وإشكالاته الخاصة. فالظواهر الطبيعية مثلًا تختلف عن الظواهر الإنسانية والاجتماعية، كما أن القضايا الفلسفية تختلف عن القضايا الرياضية أو التجريبية. ولهذا فإن اختلاف الموضوعات يؤدي بالضرورة إلى تنوع المناهج وتعددها، إذ لا يمكن دراسة جميع الظواهر بالطريقة نفسها أو بالأدوات ذاتها.

فالعلوم الطبيعية، مثل الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياء، تهتم بدراسة الظواهر القابلة للملاحظة والتجربة والقياس، ولذلك تعتمد على المنهج التجريبي الذي يقوم على الملاحظة الدقيقة وصياغة الفروض وإجراء التجارب والتحقق من النتائج. ويقوم هذا المنهج على فكرة أساسية مفادها أن الحقيقة العلمية لا تتحقق إلا من خلال إخضاع الظواهر للتجربة العملية والقياس الموضوعي. ومن هنا أصبحت التجربة معيارًا للحقيقة في العلوم الطبيعية، وأصبح المنهج التجريبي أداة للكشف عن القوانين التي تحكم الطبيعة.

أما الفلسفة، فإن موضوعها لا يتعلق بالظواهر الحسية المباشرة فقط، بل بالقضايا العقلية والمفاهيم المجردة مثل الوجود، والمعرفة، والحقيقة، والأخلاق، والحرية. ولهذا تعتمد الفلسفة على التحليل العقلي والاستدلال المنطقي والنقد المفهومي، لأن موضوعاتها لا يمكن إخضاعها دائمًا للتجربة الحسية المباشرة. فالفيلسوف لا يكتفي بوصف الظواهر، بل يسعى إلى تفسيرها والكشف عن مبادئها العميقة وشروط إمكانها. ولذلك ارتبط المنهج الفلسفي بالتأمل العقلي والنقاش النقدي أكثر من ارتباطه بالملاحظة التجريبية.

كما أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تفرض بدورها إشكاليات منهجية خاصة، لأنها تدرس الإنسان بوصفه كائنًا واعيًا ومتغيرًا ومتأثرًا بالثقافة والتاريخ والمجتمع. ولهذا يصعب تطبيق المناهج التجريبية الصارمة نفسها المعتمدة في العلوم الطبيعية على الظواهر الاجتماعية، لأن الإنسان ليس موضوعًا جامدًا يمكن عزله داخل المختبر. ولذلك ظهرت مناهج خاصة بالعلوم الإنسانية، مثل المنهج الوصفي، والمنهج التاريخي، والمنهج التأويلي، والمنهج السوسيولوجي، التي تحاول فهم الظواهر الإنسانية في سياقاتها النفسية والاجتماعية والثقافية.

ولا يتحدد المنهج فقط بطبيعة الموضوع، بل كذلك بالغاية التي يسعى الباحث إلى تحقيقها. فالهدف من البحث يلعب دورًا حاسمًا في توجيه المنهج وتحديد أدواته وإجراءاته. فإذا كانت الغاية هي الوصول إلى اليقين الرياضي أو البرهان العقلي، فإن المنهج العقلي الاستنباطي يصبح هو الأنسب، لأنه يعتمد على مبادئ واضحة وقواعد منطقية صارمة تقود إلى نتائج يقينية. أما إذا كان الهدف هو تفسير الظواهر الطبيعية والكشف عن قوانينها، فإن المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتجربة يكون أكثر ملاءمة.

وفي المقابل، إذا كانت الغاية هي فهم السلوك الإنساني أو تحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية، فإن المناهج التفسيرية والتأويلية تصبح أكثر قدرة على تحقيق هذا الهدف، لأنها تهتم بفهم المعاني والدلالات والسياقات التي تتحكم في أفعال الإنسان. وهذا يعني أن المنهج ليس مجرد تقنية ثابتة، بل هو استجابة لطبيعة السؤال المطروح والغاية المرجوة من البحث.

إن العلاقة بين الموضوع والمنهج والغاية تكشف عن الطابع الديناميكي للمعرفة الإنسانية، لأن المعرفة لا تُبنى بطريقة واحدة، بل تتعدد بتعدد الموضوعات والأهداف. ولهذا فإن المنهج يمثل حلقة وصل بين العقل والواقع، وبين السؤال والحقيقة، وبين النظرية والتطبيق. كما أن نجاح أي بحث علمي أو فلسفي يتوقف على قدرة الباحث على اختيار المنهج الملائم لموضوعه وهدفه، لأن الخطأ في اختيار المنهج يؤدي غالبًا إلى نتائج مضطربة أو غير دقيقة.

ومن هنا يتضح أن المنهج ليس عنصرًا ثانويًا في عملية البحث، بل هو البنية التي تنظم التفكير وتحدد مسار الوصول إلى المعرفة. فالمنهج يشكل الإطار الذي تتحرك داخله عملية البحث، وهو الذي يسمح بتحويل التساؤلات العامة إلى معرفة منظمة وقابلة للفهم والتفسير. ولذلك ظل سؤال المنهج حاضرًا في مختلف الفلسفات والعلوم، باعتباره سؤالًا مرتبطًا بطبيعة الحقيقة نفسها وبكيفية الوصول إليها.

العلاقة بين المنهج والحقيقة:

تُعتبر العلاقة بين المنهج والحقيقة من أعقد القضايا التي شغلت الفكر الفلسفي عبر تاريخه الطويل، لأن الحقيقة ليست معطى جاهزًا يُدرك بصورة مباشرة، بل هي نتيجة لمسار عقلي ومنهجي معقد. فالإنسان لا يصل إلى الحقيقة بطريقة عفوية، وإنما عبر وسائل وأدوات تساعده على تنظيم التفكير وتجاوز الأخطاء والأوهام. ومن هنا أصبح المنهج شرطًا أساسيًا في بناء المعرفة والكشف عن الحقيقة.

إن كل تصور للحقيقة يرتبط ضمنيًا بتصور معين للمنهج، لأن الطريقة التي يفهم بها الإنسان الحقيقة تحدد في الوقت نفسه الوسائل التي يعتمدها للوصول إليها. ولهذا اختلف الفلاسفة والعلماء حول طبيعة الحقيقة تبعًا لاختلاف مناهجهم الفكرية والمعرفية. فالفلاسفة العقليون، مثل رينيه ديكارت، اعتبروا أن الحقيقة تُدرك بواسطة العقل والاستدلال المنطقي، لأن العقل في نظرهم يمتلك مبادئ فطرية وقواعد يقينية تمكنه من الوصول إلى معرفة واضحة ومتميزة. ولذلك ارتبط المنهج العقلي بالتحليل والبرهان واليقين الرياضي.

وفي المقابل، رأى الفلاسفة التجريبيون، مثل جون لوك وديفيد هيوم، أن التجربة الحسية هي المصدر الأساسي للمعرفة، وأن العقل لا يستطيع إنتاج الحقيقة بمعزل عن الواقع الحسي. ولذلك اعتمدوا على المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والاستقراء، معتبرين أن المعرفة تنشأ من تفاعل الإنسان مع العالم الخارجي.

ويكشف هذا الاختلاف عن أن الحقيقة ليست منفصلة عن المنهج، بل إن المنهج يحدد الطريقة التي تظهر بها الحقيقة للعقل الإنساني. فالحقيقة العلمية مثلًا لا تُبنى بصورة عشوائية، وإنما من خلال خطوات منهجية دقيقة تشمل الملاحظة، وصياغة الفرضيات، والتجربة، والتحقق من النتائج. ولذلك فإن المنهج لا يقتصر على الكشف عن الحقيقة فقط، بل يساهم أيضًا في تنظيمها وبنائها وتفسيرها.

كما أن المعرفة العلمية لا تمثل انعكاسًا آليًا وبسيطًا للواقع، بل هي بناء عقلي يعتمد على اختيار زاوية معينة للنظر إلى الظواهر. فالعالم حين يختار منهجًا معينًا، فإنه يحدد مسبقًا نوع الأسئلة التي سيطرحها وطبيعة النتائج التي يمكن الوصول إليها. ومن هنا فإن اختلاف المناهج يؤدي غالبًا إلى اختلاف طرق فهم العالم وتحليل الظواهر.

وقد أدى تطور العلوم الحديثة إلى إعادة النظر في فكرة الحقيقة المطلقة والثابتة، إذ أصبحت الحقيقة تُفهم بوصفها معرفة نسبية وقابلة للتطور والتعديل. فالنظريات العلمية التي كانت تُعتبر يقينية في مرحلة معينة قد يتم تجاوزها أو تعديلها مع ظهور مناهج واكتشافات جديدة. وهذا ما حدث في الانتقال من فيزياء إسحاق نيوتن إلى فيزياء ألبرت أينشتاين، حيث تغيرت طرق تفسير الزمان والمكان والحركة نتيجة تطور المناهج العلمية.

ومن هنا أصبح المنهج نفسه قابلًا للمراجعة والنقد، لأنه ليس نظامًا نهائيًا مغلقًا، بل أداة تتطور بتطور المعرفة الإنسانية. فكل تحول في تصور الحقيقة يؤدي بالضرورة إلى تحول في المناهج المعتمدة للوصول إليها. ولهذا فإن تاريخ الفكر الإنساني يمكن النظر إليه بوصفه تاريخًا لتحولات المناهج وتغير تصورات الحقيقة.

إن العلاقة بين المنهج والحقيقة تكشف في النهاية أن الحقيقة ليست مجرد نتيجة نهائية، بل هي عملية بحث مستمرة يقوم فيها العقل بمراجعة معارفه واختبارها بصورة دائمة. فالمنهج يمنح الفكر القدرة على الانتقال من الرأي إلى البرهان، ومن الاعتقاد الذاتي إلى المعرفة الموضوعية، كما يسمح ببناء معرفة قابلة للنقد والتطوير. ولذلك ظل المنهج عنصرًا جوهريًا في كل مشروع فلسفي أو علمي يسعى إلى فهم العالم والكشف عن قوانينه ومعانيه العميقة.

المنهج الفلسفي بين التحليل والاستدلال:

التحليل باعتباره أساس التفكير الفلسفي:

مفهوم التحليل ووظيفته في بناء المعرفة الفلسفية:

يُعدّ التحليل من أهم المبادئ التي يقوم عليها المنهج الفلسفي، لأنه يمثل الأداة العقلية التي تسمح للفكر بالانتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن التعقيد إلى التبسيط، ومن الأحكام العامة غير الدقيقة إلى الفهم المنظم والدقيق للظواهر والأفكار. فالفلسفة منذ نشأتها لم تكن مجرد تأملات عفوية أو تصورات انطباعية، بل كانت ممارسة عقلية تقوم على تفكيك المشكلات والكشف عن عناصرها الداخلية قصد فهمها وتفسيرها بصورة أعمق. ومن هنا أصبح التحليل شرطًا أساسيًا لكل تفكير فلسفي يسعى إلى بلوغ الحقيقة وتجاوز المعرفة السطحية.

وفي معناه العام، يشير التحليل إلى عملية عقلية تهدف إلى تفكيك الكل المركب إلى عناصره الأساسية من أجل الكشف عن طبيعة العلاقات التي تربط بين تلك العناصر. غير أن التحليل في المجال الفلسفي لا يقتصر على مجرد تقسيم الأشياء أو تصنيفها، بل يتجاوز ذلك إلى الكشف عن البنية العميقة للأفكار والمفاهيم والقضايا. فالتحليل الفلسفي يسعى إلى فهم المعاني الخفية التي تتضمنها المفاهيم، وإبراز التناقضات الكامنة داخل التصورات الشائعة، وتحديد الأسس التي تقوم عليها الأحكام والمواقف الفكرية.

إن أهمية التحليل ترتبط بطبيعة الفكر الإنساني نفسه، لأن العقل لا يستطيع الإحاطة بالمشكلات الكبرى دفعة واحدة، بل يحتاج إلى التعامل معها تدريجيًا عبر تفكيكها إلى أجزاء أبسط وأكثر وضوحًا. فالقضايا الفلسفية الكبرى، مثل الحقيقة، والعدالة، والحرية، والمعرفة، والوجود، ليست قضايا بسيطة يمكن فهمها بصورة مباشرة، وإنما هي موضوعات معقدة تتداخل فيها أبعاد متعددة عقلية وأخلاقية واجتماعية وسياسية. ولذلك كان التحليل ضرورة منهجية تسمح للعقل بفحص هذه القضايا بصورة دقيقة ومنظمة.

وقد أدرك الفلاسفة اليونانيون منذ وقت مبكر القيمة المعرفية للتحليل، وجعلوه أساسًا للتفكير الفلسفي. فقد اعتمد سقراط على الحوار التحليلي بوصفه وسيلة للكشف عن الحقيقة، حيث كان ينطلق من الآراء السائدة بين الناس حول مفاهيم مثل العدالة والفضيلة والشجاعة، ثم يقوم بتفكيك تلك التصورات عبر سلسلة من الأسئلة النقدية التي تكشف تناقضاتها الداخلية. ولم يكن هدف سقراط مجرد إحراج محاوريه، بل دفعهم إلى إدراك قصور تصوراتهم الأولية والبحث عن تعريفات أكثر دقة ووضوحًا. ومن هنا أصبح التحليل عند سقراط وسيلة لتطهير الفكر من الأوهام والأحكام الجاهزة.

وقد مثّل المنهج السقراطي تحولًا مهمًا في تاريخ الفلسفة، لأنه نقل التفكير من مستوى الخطابة والإقناع السطحي الذي اشتهر به السوفسطائيون إلى مستوى البحث العقلي المنظم القائم على الفحص والنقد. فالحقيقة عند سقراط لا تُنال عبر التسليم بالآراء الشائعة، وإنما عبر التحليل المستمر للمفاهيم واختبارها بصورة عقلية دقيقة. ولذلك يمكن اعتبار التحليل السقراطي بداية حقيقية للفلسفة النقدية التي تقوم على مساءلة الأفكار بدل قبولها بصورة تلقائية.

ثم جاء أرسطو ليمنح التحليل بعدًا منطقيًا أكثر تنظيمًا ودقة، حيث جعل منه أساسًا لبناء المنطق الصوري. فقد رأى أرسطو أن التفكير الصحيح يقتضي تحليل القضايا المركبة إلى عناصر بسيطة يمكن إدراكها بوضوح، ثم دراسة العلاقات التي تربط بين المفاهيم والأحكام بطريقة منطقية. ولهذا أسس علم المنطق باعتباره علمًا يهدف إلى وضع القواعد التي تميز بين التفكير السليم والتفكير الفاسد.

وقد أدى هذا التصور إلى ظهور القياس المنطقي بوصفه أداة تحليلية تقوم على الربط بين المقدمات والنتائج وفق قواعد عقلية دقيقة. ومن خلال هذا البناء المنطقي، أصبح التحليل وسيلة لتنظيم الفكر وحمايته من الوقوع في المغالطات والتناقضات. كما ساهم المنطق الأرسطي في ترسيخ فكرة أن الحقيقة لا تتحقق إلا عبر فحص العلاقات الداخلية بين القضايا والأفكار.

ومع تطور الفلسفة في العصور الحديثة، ازداد الاهتمام بالتحليل باعتباره أداة أساسية لبناء المعرفة العلمية والفلسفية. فقد جعل رينيه ديكارت من التحليل قاعدة مركزية في منهجه العقلي، حيث اعتبر أن المشكلات المعقدة لا يمكن حلها إلا بعد تقسيمها إلى عناصر بسيطة يسهل فهمها. وقد عبّر عن هذا المبدأ في قاعدته المنهجية الشهيرة التي تدعو إلى تقسيم كل مشكلة إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء قصد معالجتها بصورة واضحة ومنظمة.

ويكشف المنهج الديكارتي عن الدور العميق للتحليل في بناء اليقين العقلي، لأن العقل في نظر ديكارت لا يصل إلى الحقيقة إلا عندما ينتقل تدريجيًا من البسيط إلى المركب. فالتحليل هنا لا يمثل مجرد تقنية ذهنية، بل يشكل أساسًا للمعرفة اليقينية التي تقوم على الوضوح والدقة والترتيب العقلي.

وقد اكتسب التحليل أهمية أكبر داخل الفلسفة المعاصرة، خاصة مع ظهور الفلسفة التحليلية في القرن العشرين، التي جعلت من تحليل اللغة والمفاهيم محورًا أساسيًا للتفكير الفلسفي. فقد رأى فلاسفة هذا الاتجاه أن كثيرًا من المشكلات الفلسفية ناتجة عن سوء استعمال اللغة أو الغموض الكامن في المفاهيم. ولذلك سعوا إلى تفكيك الخطاب الفلسفي وتحليل البنية اللغوية للقضايا من أجل إزالة الالتباس وتحقيق الوضوح الفكري.

وقد برز هذا التوجه عند برتراند راسل ولودفيغ فيتغنشتاين اللذين اعتبرا أن مهمة الفلسفة لا تتمثل في إنتاج نظريات ميتافيزيقية غامضة، بل في تحليل اللغة والكشف عن الحدود المنطقية للفكر. ومن هنا أصبح التحليل اللغوي أداة لفهم طبيعة القضايا الفلسفية وتحديد ما يمكن قوله بصورة عقلية دقيقة.

ولا تقتصر وظيفة التحليل على المجال الفلسفي فقط، بل تمتد إلى مختلف العلوم والمعارف الإنسانية، لأن كل معرفة دقيقة تحتاج إلى تفكيك الظواهر وفحص مكوناتها الأساسية. فالتحليل يسمح بالكشف عن الأسباب والعلاقات والبنيات الداخلية التي تتحكم في الظواهر، كما يساعد على بناء تفسيرات أكثر عمقًا وموضوعية.

إن التحليل في النهاية يمثل جوهر التفكير الفلسفي، لأنه الأداة التي تمكن العقل من تجاوز الأحكام السطحية والانتقال إلى الفهم النقدي المنظم. فالفيلسوف لا يكتفي بملاحظة الظواهر أو وصفها، بل يعمل على تحليلها والكشف عن شروطها وإبراز تناقضاتها وبنيتها الداخلية. ولذلك ظل التحليل عبر تاريخ الفلسفة أساسًا لكل بحث عقلي يسعى إلى بناء معرفة دقيقة ومتماسكة وقادرة على الوصول إلى الحقيقة.

التحليل في الفلسفة الحديثة:

شهد مفهوم التحليل تحولًا عميقًا في الفلسفة الحديثة، حيث لم يعد مجرد وسيلة لتفكيك الأفكار والكشف عن عناصرها، بل أصبح أساسًا لبناء المعرفة اليقينية وإقامة منهج عقلي جديد يقوم على الوضوح والدقة والتنظيم. وقد ارتبط هذا التحول بالسياق الفكري والعلمي الذي عرفته أوروبا خلال العصر الحديث، خاصة مع تراجع سلطة الفكر المدرسي التقليدي وصعود النزعة العقلانية التي جعلت من العقل المصدر الأساسي للحقيقة والمعرفة.

لقد أدرك فلاسفة العصر الحديث أن أزمة المعرفة التي عرفها الفكر الأوروبي لم تكن مرتبطة فقط بمحتوى الأفكار، بل كذلك بالطرق والمناهج المعتمدة في التفكير. فقد كانت المعارف القديمة تقوم في كثير من الأحيان على سلطة التقليد والاعتماد على النصوص الموروثة دون إخضاعها للفحص النقدي. ولهذا ظهرت الحاجة إلى تأسيس منهج جديد يضمن للعقل الوصول إلى الحقيقة بصورة يقينية ومنظمة.

ويُعد رينيه ديكارت من أبرز الفلاسفة الذين منحوا للتحليل مكانة مركزية داخل المنهج الفلسفي الحديث. فقد رأى ديكارت أن العقل الإنساني قادر على الوصول إلى الحقيقة إذا التزم بقواعد منهجية دقيقة تمنعه من الوقوع في الخطأ والوهم. ولذلك سعى إلى بناء منهج عقلي صارم يكون شبيهًا بالمنهج الرياضي في وضوحه ودقته، لأن الرياضيات في نظره تمثل النموذج الأمثل للمعرفة اليقينية.

وانطلق ديكارت من فكرة أساسية مفادها أن المشكلات المعقدة لا يمكن فهمها دفعة واحدة، بل ينبغي تقسيمها إلى عناصر بسيطة يسهل إدراكها وتحليلها. ومن هنا جعل التحليل قاعدة جوهرية في منهجه الفلسفي، لأن العقل لا يستطيع التعامل مع القضايا المركبة إلا عبر تفكيكها تدريجيًا إلى مكوناتها الأساسية. فالتحليل عند ديكارت ليس مجرد إجراء تقني، بل هو عملية عقلية تهدف إلى الانتقال من الغموض إلى الوضوح، ومن التعقيد إلى البساطة.

وقد صاغ ديكارت منهجه في مجموعة من القواعد الشهيرة التي أصبحت أساسًا للفكر العقلاني الحديث. وتقوم القاعدة الأولى على ضرورة عدم قبول أي فكرة ما لم تكن واضحة ومتميزة بصورة تمنع الشك فيها، وهو ما يعكس أهمية الوضوح العقلي في بناء الحقيقة. أما القاعدة الثانية فتتمثل في تحليل المشكلات وتقسيمها إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء حتى يسهل فهمها ومعالجتها. ثم تأتي قاعدة التركيب التي تقوم على إعادة ترتيب الأفكار انطلاقًا من أبسط العناصر وصولًا إلى أكثرها تعقيدًا، وأخيرًا قاعدة المراجعة التي تهدف إلى التحقق من سلامة النتائج وتجنب السهو أو الخطأ.

وقد شكل هذا المنهج نقطة تحول كبرى في تاريخ الفكر الأوروبي، لأنه نقل المعرفة من مجال السلطة والتقليد إلى مجال العقل والنقد. فلم يعد الإنسان مطالبًا بتلقي الحقائق بصورة جاهزة، بل أصبح مدعوًا إلى فحصها وتحليلها والتأكد من صدقها اعتمادًا على قدراته العقلية الخاصة. ومن هنا أصبح التحليل أداة للتحرر الفكري، ووسيلة لبناء معرفة تقوم على اليقين العقلي بدل التسليم والانقياد.

كما ساهم المنهج التحليلي الحديث في تطور العلوم الطبيعية والرياضية، لأن التفكير العلمي الحديث أصبح قائمًا على تحليل الظواهر والكشف عن عناصرها الأساسية والعلاقات التي تربط بينها. فالعالم الحديث لا يكتفي بوصف الظواهر بصورة سطحية، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم قوانينها الداخلية من خلال منهج يقوم على التحليل والاستدلال والبرهان.

ولم يقتصر تأثير التحليل على الفلسفة العقلانية فقط، بل امتد إلى مختلف الاتجاهات الفكرية الحديثة والمعاصرة. فقد أصبحت عملية التحليل أداة مركزية في دراسة اللغة والمجتمع والتاريخ والنفس الإنسانية، لأن الفكر الحديث أدرك أن فهم أي ظاهرة يقتضي تحليل مكوناتها وشروطها وأبعادها المختلفة.

وقد تطور مفهوم التحليل بصورة أكبر في الفلسفة المعاصرة، خاصة مع ظهور الفلسفة التحليلية التي جعلت من تحليل اللغة والمفاهيم محورًا أساسيًا للتفكير الفلسفي. فالفلاسفة التحليليون رأوا أن كثيرًا من المشكلات الفلسفية ناتجة عن الغموض اللغوي وسوء استعمال المفاهيم، ولذلك سعوا إلى تفكيك الخطاب الفلسفي وتحليل البنية المنطقية للغة بهدف إزالة الالتباس وتحقيق الوضوح الفكري.

إن التحليل في الفلسفة الحديثة لم يكن مجرد تقنية عقلية معزولة، بل كان تعبيرًا عن تحول جذري في نظرة الإنسان إلى المعرفة والحقيقة والعقل. فقد أصبح الفكر الحديث قائمًا على النقد والفحص والتنظيم، وأصبح التحليل الوسيلة الأساسية التي تسمح للعقل ببناء معرفة دقيقة ومنهجية وقابلة للتحقق.

التعريف وعلاقته بالتحليل:

يُعتبر التعريف من أهم الأدوات التي يعتمدها الفكر الفلسفي في بناء المعرفة وتنظيم التفكير، لأنه يمثل الخطوة الأولى التي ينطلق منها العقل لفهم القضايا والمفاهيم المختلفة. فلا يمكن معالجة أي مشكلة فلسفية أو علمية بصورة دقيقة دون تحديد واضح للمفاهيم المستعملة، لأن الغموض المفاهيمي يؤدي غالبًا إلى اضطراب التفكير وظهور التناقضات وسوء الفهم. ومن هنا ارتبط التعريف ارتباطًا وثيقًا بالتحليل، إذ إن عملية التحليل نفسها تقوم على توضيح المفاهيم والكشف عن معانيها وحدودها وعلاقاتها.

إن التعريف في جوهره هو محاولة لتحديد ماهية الشيء وتمييزه عن غيره، وذلك عبر الكشف عن خصائصه الأساسية والعناصر التي تكوّن حقيقته. فحين يعرف الفيلسوف مفهومًا معينًا، فإنه لا يكتفي بذكر معناه اللغوي أو الشائع، بل يسعى إلى تحديد دلالته الدقيقة داخل النسق الفكري الذي ينتمي إليه. ولذلك فإن التعريف يمثل عملية عقلية تهدف إلى إزالة الغموض والالتباس، وجعل المفاهيم أكثر وضوحًا وانضباطًا.

وترجع أهمية التعريف إلى طبيعة اللغة نفسها، لأن الألفاظ قد تحمل معاني متعددة تختلف باختلاف السياقات والاستعمالات. ولهذا فإن الفيلسوف يحتاج إلى تحديد المفاهيم بدقة حتى يمنع الخلط بين المعاني المختلفة. فالكثير من النزاعات الفكرية والفلسفية لا تعود إلى اختلاف الوقائع بقدر ما تعود إلى اختلاف فهم المفاهيم المستعملة. ومن هنا أصبح التعريف شرطًا ضروريًا لكل حوار فلسفي أو علمي يسعى إلى تحقيق الوضوح والدقة.

وقد اهتم أرسطو بالتعريف اهتمامًا كبيرًا، لأنه اعتبر أن فهم المفاهيم يمثل المدخل الأساسي لكل معرفة صحيحة. فالمعرفة في نظره لا تتحقق إلا عندما يستطيع العقل تحديد ماهية الأشياء وخصائصها الجوهرية. ولهذا ربط أرسطو بين التعريف والمنطق، لأن التفكير السليم يقتضي استعمال مفاهيم واضحة ومحددة بصورة دقيقة.

وقد رأى أرسطو أن التعريف الحقيقي ينبغي أن يكشف عن جوهر الشيء، لا عن صفاته العرضية فقط. ولذلك اعتمد على التمييز بين الجنس والفصل في بناء التعريفات، حيث يتم تحديد الشيء عبر بيان الجنس الذي ينتمي إليه ثم ذكر الخاصية التي تميزه عن غيره. ويكشف هذا التصور عن العلاقة العميقة بين التعريف والتحليل، لأن الوصول إلى تعريف دقيق يقتضي تحليل المفهوم إلى عناصره الأساسية والكشف عن مكوناته الجوهرية.

كما استمر الاهتمام بالتعريف خلال الفلسفة الحديثة والمعاصرة، خاصة مع تطور الدراسات المنطقية واللغوية. فقد أدرك الفلاسفة أن كثيرًا من المشكلات الفلسفية ترجع إلى غموض اللغة وعدم تحديد المفاهيم بصورة دقيقة. ولهذا ركزت الفلسفة التحليلية على تحليل الألفاظ والقضايا اللغوية بهدف توضيح المعاني وإزالة الالتباس.

وقد برز هذا الاتجاه عند برتراند راسل ولودفيغ فيتغنشتاين اللذين اعتبرا أن مهمة الفلسفة الأساسية تتمثل في تحليل اللغة والكشف عن حدود المعنى. فالمفاهيم في نظرهما لا تكتسب معناها إلا من خلال طريقة استعمالها داخل اللغة، ولذلك فإن فهم المشكلات الفلسفية يقتضي أولًا تحليل المفاهيم المستعملة فيها.

إن العلاقة بين التعريف والتحليل تكشف عن الطابع النقدي للفكر الفلسفي، لأن الفيلسوف لا يقبل المفاهيم الجاهزة بصورة تلقائية، بل يعمل على فحصها وتحديد معانيها وكشف ما قد تتضمنه من تناقضات أو غموض. فالتعريف ليس مجرد خطوة شكلية، بل هو عملية تأسيسية تُمكّن العقل من بناء معرفة دقيقة ومنظمة.

ومن هنا يمكن القول إن التعريف يمثل المدخل الأساسي للتحليل، بينما يشكل التحليل الوسيلة التي تسمح ببناء تعريفات أكثر دقة ووضوحًا. ولهذا ظلت العلاقة بينهما علاقة تكامل وترابط داخل مختلف المناهج الفلسفية، لأن التفكير الفلسفي في جوهره يقوم على تحليل المفاهيم وتحديد معانيها من أجل الوصول إلى الحقيقة وفهم العالم بصورة عقلية منظمة.

الفرق بين التحليل والتعريف:

التعريف بوصفه مدخلًا للمعرفة:

يُعدّ التعريف من العمليات الأساسية التي يفتتح بها الفكر الفلسفي والعلمي مساره المعرفي، إذ لا يمكن لأي تفكير منظم أن ينطلق دون تحديد دقيق للمفاهيم التي يدور حولها البحث. فالتعريف لا يقتصر على كونه إجراءً لغويًا بسيطًا، بل يمثل خطوة تأسيسية تهدف إلى ضبط المعنى وتثبيته داخل إطار معرفي واضح، بما يسمح للعقل بالانتقال من الغموض إلى الدقة ومن الالتباس إلى الوضوح.

ويكمن الدور الجوهري للتعريف في كونه يحدد الحدود المفهومية للأشياء، بحيث يميز بين المفاهيم المتقاربة ويمنع الخلط بينها داخل الخطاب الفلسفي أو العلمي. فغياب التعريف الدقيق يؤدي غالبًا إلى اضطراب التفكير، لأن استعمال المفاهيم دون تحديد معانيها يجعل الاستدلالات عرضة للغموض والتناقض. ولذلك اعتبر الفلاسفة أن التعريف يمثل الشرط الأول لبناء معرفة منسجمة وقابلة للفهم والتحليل.

ومن هذا المنظور، يمكن القول إن التعريف يشكل المدخل الضروري لكل ممارسة معرفية، لأنه يضع الأساس الذي يُبنى عليه التحليل والاستدلال لاحقًا. فالفكر لا يستطيع تحليل قضية ما قبل أن يفهم المفاهيم المكونة لها، كما لا يمكنه بناء استدلال منطقي دون تحديد دقيق لمعاني الألفاظ المستعملة فيه. ولهذا ارتبط التعريف تاريخيًا بمحاولة الفلاسفة تأسيس لغة دقيقة قادرة على التعبير عن الأفكار بصورة واضحة ومنظمة.

وقد تنوعت أشكال التعريف تبعًا لتنوع السياقات المعرفية والوظائف التي يؤديها داخل الخطاب. فهناك التعريف الاصطلاحي الذي يحدد معنى المفهوم داخل مجال علمي أو فلسفي معين، ويهدف إلى تثبيت دلالة دقيقة متفق عليها بين الباحثين. وهناك التعريف القاموسي الذي يشرح المعنى الشائع للكلمة في اللغة العامة، ويعتمد على الاستخدام اللغوي المتداول. كما نجد التعريف الإقناعي الذي يُستخدم في الخطاب الجدلي أو البلاغي بهدف التأثير في المتلقي وتوجيه فهمه نحو معنى معين. إضافة إلى ذلك، يوجد التعريف بالإشارة أو التعيين الذي يعتمد على التوضيح العملي أو الإحالة المباشرة إلى الشيء المراد تعريفه.

ويعكس هذا التنوع في أنماط التعريف تعدد الوظائف التي يؤديها داخل المعرفة الإنسانية، فهو ليس مجرد أداة لغوية، بل وسيلة لضبط التفكير وتوجيه الفهم وتنظيم الخطاب. ومن هنا تتجلى أهميته بوصفه خطوة أولى لا غنى عنها في أي بناء معرفي، سواء كان فلسفيًا أو علميًا.

الاستدلال والاستقراء في بناء المعرفة:

الاستدلال ودوره في إنتاج اليقين:

يُعتبر الاستدلال من أهم العمليات العقلية التي يعتمد عليها الفكر الفلسفي والعلمي في بناء المعرفة، لأنه يمثل الآلية التي ينتقل بها العقل من معارف سابقة إلى نتائج جديدة مترتبة عنها وفق قواعد منطقية محددة. فبدل أن يكتفي الإنسان بتجميع المعلومات أو ملاحظتها بشكل منفصل، يقوم الاستدلال بربط هذه المعارف ضمن نسق عقلي منظم يسمح باستخلاص نتائج جديدة ذات طابع منطقي.

ويقوم الاستدلال في جوهره على بنية تتكون من مقدمات ونتائج، حيث تنطلق عملية التفكير من قضايا أو معطيات أولية، ثم يتم تحليلها وربطها وفق قواعد عقلية تؤدي إلى استنتاج نتيجة تكون مرتبطة منطقيًا بما سبقها. ولذلك فإن قيمة الاستدلال لا تكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل في ضمان تماسكها الداخلي واتساقها المنطقي.

ويُعد أرسطو من أبرز الفلاسفة الذين أسسوا نظرية متكاملة للاستدلال، من خلال تطويره للقياس المنطقي الذي يُعتبر الشكل الأكثر تنظيمًا للتفكير الاستدلالي في المنطق التقليدي. فقد ميّز أرسطو بين أنواع متعددة من الاستدلال، أهمها الاستدلال البرهاني الذي يقوم على مقدمات يقينية تؤدي بالضرورة إلى نتائج يقينية، مما يمنح المعرفة طابعًا من الصرامة واليقين.

وقد جعل أرسطو من القياس أداة أساسية لضبط التفكير، لأنه يسمح بانتقال منظم من العام إلى الخاص أو من المقدمات إلى النتائج دون الوقوع في التناقض أو الخطأ المنطقي. ومن خلال هذا التصور، أصبح الاستدلال معيارًا لتمييز التفكير الصحيح عن التفكير الفاسد، إذ إن صحة النتيجة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بصحة البناء المنطقي الذي أُقيمت عليه.

وتكمن أهمية الاستدلال في كونه يربط بين الأفكار والمعارف داخل نسق عقلي متماسك، مما يجعل الفكر قادرًا على تجاوز العشوائية والانتقال إلى مستوى أعلى من التنظيم والدقة. فبدل أن تبقى المعارف مشتتة وغير مترابطة، يعمل الاستدلال على تنظيمها داخل علاقات منطقية واضحة، تسمح بفهم أعمق للموضوعات المدروسة.

كما أن الاستدلال لا يقتصر على المجال الفلسفي فقط، بل يمتد إلى مختلف العلوم، حيث تعتمد الرياضيات على الاستدلال الصوري القائم على البرهان، وتعتمد العلوم الطبيعية على الاستدلال التجريبي الذي يربط بين الملاحظات والنتائج عبر قوانين عامة. وهذا ما يجعل الاستدلال أداة معرفية شاملة تسهم في بناء المعرفة الإنسانية بمختلف مجالاتها.

ومن جهة أخرى، فإن قوة الاستدلال تكمن في قدرته على الحد من الأخطاء الفكرية، لأن الالتزام بقواعد منطقية دقيقة يمنع الوقوع في التناقضات والمغالطات. ولذلك اعتُبر الاستدلال أحد أهم أسس التفكير العلمي الرصين، لأنه يضمن انتقالًا منظمًا وموثوقًا بين الأفكار، ويجعل المعرفة أكثر دقة واتساقًا وقابلية للتحقق.

وبهذا المعنى، يشكل الاستدلال مرحلة متقدمة من التفكير الفلسفي، لأنه لا يكتفي بتحديد المفاهيم أو تحليلها، بل يعمل على بناء علاقات منطقية بينها تسمح بإنتاج معرفة جديدة قائمة على البرهان واليقين النسبي أو المطلق حسب طبيعة المجال المعرفي.

التحليل بوصفه تفكيكًا للمركبات:

إذا كان التعريف يهدف أساسًا إلى ضبط المفاهيم وتوضيح دلالاتها وإزالة ما يعتريها من غموض أو التباس، فإن التحليل يتجاوز هذا المستوى التمهيدي ليبلغ درجة أعمق وأكثر تعقيدًا في الاشتغال الفكري. فهو لا يكتفي بتحديد معنى المفهوم أو شرح مدلوله، بل ينصرف إلى تفكيك البنى المركبة للقضايا والأفكار، بغرض الكشف عن العناصر المكونة لها، وإبراز العلاقات الداخلية التي تنظمها وتمنحها معناها الكلي.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم التحليل بوصفه عملية عقلية تقوم على تفكيك الكل إلى أجزائه، ليس بشكل اعتباطي أو ميكانيكي، بل بهدف فهم كيفية تشكل المعنى داخل البنية الفكرية. فالقضايا الفلسفية والعلمية لا تُبنى من عناصر بسيطة منفصلة، بل من شبكة من العلاقات المفهومية والمنطقية التي تحتاج إلى تفكيك منهجي يسمح بإدراك طريقة اشتغالها الداخلية. ولذلك فإن التحليل يمثل خطوة متقدمة في التفكير، لأنه ينتقل من مستوى  "الفهم الأولي” إلى مستوى “الفهم البنيوي”.

ويكتسب التحليل أهميته الفلسفية من كونه أداة نقدية بامتياز، إذ يسمح بإعادة فحص الأفكار والمفاهيم، والكشف عن التناقضات أو الافتراضات الخفية التي قد تكون كامنة داخلها دون وعي مباشر. فالفكر غير المحلل قد يبدو متماسكًا في ظاهره، لكنه يخفي داخله تناقضات أو ثغرات منطقية لا تظهر إلا عبر التفكيك الدقيق لمكوناته. ومن هنا يصبح التحليل وسيلة لتقويم الفكر وتطهيره من الالتباس والخلل.

كما أن التحليل لا ينفصل عن بناء المعرفة، بل يُعد شرطًا أساسيًا لإنتاجها بصورة دقيقة. فكل محاولة لفهم ظاهرة معقدة تستدعي أولًا تفكيك عناصرها الأساسية، ثم إعادة تركيبها وفق رؤية واضحة. وبهذا المعنى، فإن التحليل لا يقف عند حدود الهدم أو التفكيك، بل يفتح الطريق أمام إعادة البناء الفهمي بشكل أكثر دقة واتساقًا.

ولهذا السبب، اعتُبر التحليل في الفلسفة الحديثة والمعاصرة أداة مركزية لفهم المشكلات الفلسفية، خاصة تلك المرتبطة باللغة والمفاهيم، حيث أصبح تحليل الخطاب وسيلة لكشف الغموض وتوضيح المعاني الدقيقة للأفكار.

الاستقراء وأهميته في العلوم:

يُعد الاستقراء من أهم الأساليب المنهجية التي ساهمت في تطور المعرفة العلمية الحديثة، خاصة في مجال العلوم الطبيعية. فإذا كان الاستدلال المنطقي الكلاسيكي يقوم غالبًا على الانتقال من القضايا العامة إلى النتائج الجزئية، فإن الاستقراء يسلك مسارًا معاكسًا، إذ ينطلق من ملاحظة الجزئيات والوقائع الخاصة ليصل تدريجيًا إلى صياغة قوانين عامة وشاملة.

ويقوم الاستقراء على عملية منهجية تبدأ بجمع المعطيات التجريبية من الواقع، ثم تحليل هذه المعطيات ومقارنتها، قبل الانتقال إلى استخلاص قواعد عامة تفسر الظواهر المتكررة. ومن خلال هذا المسار، يتحول الواقع الجزئي إلى معرفة قانونية عامة، تسمح بفهم الظواهر والتنبؤ بها في المستقبل. ولذلك ارتبط الاستقراء ارتباطًا وثيقًا بالمنهج التجريبي الذي قامت عليه العلوم الحديثة.

وقد لعب الاستقراء دورًا حاسمًا في بناء العلوم الطبيعية، لأنه وفّر لها آلية دقيقة للانتقال من الملاحظة إلى القانون العلمي. فبدل الاعتماد على التأمل العقلي المجرد، أصبحت المعرفة العلمية تقوم على التجربة والملاحظة المنظمة، مما سمح بتراكم النتائج وتطوير النظريات العلمية بشكل تدريجي ومنهجي.

غير أن الاستقراء، رغم أهميته الكبيرة، لا يضمن الوصول إلى يقين مطلق ونهائي، لأن نتائجه تبقى قائمة على ما تم رصده وملاحظته من حالات محدودة. وبالتالي فإن ظهور معطيات جديدة أو اكتشاف حالات لم تكن معروفة سابقًا قد يؤدي إلى تعديل القوانين أو إعادة صياغتها بشكل مختلف. وهذا ما يجعل المعرفة الاستقرائية معرفة قابلة للتطور والتصحيح المستمر.

ومن هنا يتضح أن قوة الاستقراء لا تكمن في إنتاج يقين نهائي، بل في قدرته على بناء معرفة علمية مرنة، تتطور مع تطور التجربة وتوسع مجال الملاحظة. فالعلم في جوهره ليس نظامًا مغلقًا من الحقائق الثابتة، بل هو بناء معرفي مفتوح على المراجعة والتجديد، والاستقراء هو الأداة المنهجية التي تجعل هذا التطور ممكنًا.

الاستدلال والاستقراء بين اليقين والاحتمال:

الاستدلال والمنهج البرهاني:

مفهوم الاستدلال:

يُعدّ الاستدلال من أهم العمليات العقلية التي يقوم عليها البناء المعرفي في الفلسفة والمنطق والعلوم، إذ يُمثّل الآلية الأساسية التي ينتقل بها الفكر من معطيات أو مقدمات معلومة سلفًا إلى نتائج جديدة لم تكن معطاة بشكل مباشر. وبهذا المعنى، فإن الاستدلال لا يضيف مجرد معلومات إضافية، بل يعيد تنظيم المعارف السابقة داخل نسق منطقي يسمح باستخراج معانٍ ونتائج جديدة بشكل منسجم ودقيق.

ويُنظر إلى الاستدلال في التراث المنطقي بوصفه قمة النشاط العقلي المنظم، لأنه يعبّر عن قدرة العقل على الربط بين القضايا وفق قواعد محددة، بعيدًا عن العشوائية أو الحدس غير المنضبط. فالفكر الاستدلالي يقوم على بنية عقلية دقيقة تجعل من المعرفة عملية متسلسلة، تبدأ من مقدمات وتصل إلى نتائج عبر علاقات منطقية ضرورية أو راجحة حسب طبيعة الاستدلال.

وقد أولى أرسطو أهمية مركزية لمفهوم الاستدلال، حيث أسّس له داخل إطار المنطق الصوري من خلال نظرية الأقيسة. فقد ميّز بين أنواع متعددة من الاستدلال، تختلف بحسب طبيعة المقدمات والنتائج ودرجة اليقين التي تحققها. ويأتي في مقدمة هذه الأنواع القياس البرهاني، الذي يقوم على مقدمات يقينية تؤدي بالضرورة إلى نتائج يقينية، مما يجعل المعرفة الناتجة عنه ذات طابع قطعي لا يقبل الشك من الناحية المنطقية.

ويكشف هذا التصور عن أن الاستدلال البرهاني يمثل نموذجًا مثاليًا للمعرفة العقلية الصارمة، حيث يتم الانتقال من الكليات إلى الجزئيات أو من المبادئ العامة إلى النتائج الخاصة وفق قواعد دقيقة تضمن الاتساق الداخلي للفكر. ومن هنا ارتبط الاستدلال عند أرسطو بفكرة البرهان بوصفه أعلى أشكال التفكير العقلي.

قيمة الاستدلال في العلوم:

يحظى الاستدلال بمكانة أساسية في عدد من العلوم الدقيقة، وعلى رأسها الرياضيات والمنطق والفلسفة الميتافيزيقية، لأنه يوفر لهذه الحقول العلمية إمكانية بناء نتائج جديدة انطلاقًا من مبادئ أولية تُعتبر بمثابة مسلمات أو قضايا أولى. فبفضل الاستدلال، يصبح العقل قادرًا على توسيع المعرفة دون الحاجة المستمرة إلى التجربة المباشرة، وذلك عبر الاشتغال داخل نسق منطقي مغلق نسبيًا يقوم على الاتساق والضرورة.

وفي الرياضيات، على سبيل المثال، يُعد الاستدلال الأداة الأساسية لبناء البراهين وإثبات النظريات، حيث يتم الانتقال من بديهيات ومسلّمات إلى نتائج معقدة عبر خطوات عقلية منظمة ودقيقة. وفي المنطق، يُستخدم الاستدلال لضبط صحة التفكير وتمييز الاستنتاجات الصحيحة من المغالطات، مما يجعل منه معيارًا لسلامة البناء العقلي. أما في الفلسفة الميتافيزيقية، فيُستخدم الاستدلال لمحاولة فهم القضايا الكبرى المتعلقة بالوجود والمعرفة والحقيقة، اعتمادًا على مبادئ عقلية مجردة.

ومع ذلك، فإن فعالية الاستدلال البرهاني تظل مرتبطة بطبيعة الموضوعات التي يشتغل عليها. فهو يحقق أعلى درجات الدقة واليقين عندما يتعلق الأمر بالموضوعات الثابتة أو المجردة التي تسمح بالبناء العقلي الصارم، لكنه يصبح محدودًا عندما يواجه ظواهر متغيرة أو واقعية لا تخضع لقوانين ثابتة بشكل مطلق، كما هو الحال في بعض مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية التي تتسم بالتغير والتعقيد.

ومن هنا يظهر أن قيمة الاستدلال لا تكمن فقط في إنتاج المعرفة، بل أيضًا في تحديد حدودها، أي في توضيح المجالات التي يكون فيها فعالًا ومجالات أخرى يحتاج فيها إلى مناهج موازية مثل الاستقراء والملاحظة والتجربة.

المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية:

المنهج التاريخي:

طبيعة المنهج التاريخي:

يُعدّ المنهج التاريخي من المناهج الأساسية في دراسة الظواهر الإنسانية، لأنه يتيح فهم تطور الأحداث والأفكار والمؤسسات عبر الزمن، من خلال العودة إلى الماضي وتحليل مكوناته المختلفة. ويقوم هذا المنهج على جمع المادة التاريخية من مصادر متعددة، مثل الوثائق المكتوبة، والشهادات، والروايات، والآثار، ثم العمل على تحليلها وفهم سياقاتها التاريخية والاجتماعية.

ولا يقتصر العمل التاريخي على مجرد تسجيل الوقائع أو ترتيب الأحداث زمنيًا، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة تفسيرها وفهم العلاقات السببية التي تربط بينها. فالمؤرخ لا يكتفي بالإخبار عما حدث، بل يسعى إلى الإجابة عن سؤال “لماذا حدث ذلك؟” وكيف تطورت الظواهر عبر الزمن، وما العوامل التي ساهمت في تشكيلها وتحولها.

وبهذا المعنى، يصبح المنهج التاريخي منهجًا مركبًا يجمع بين الوصف والتحليل والتفسير، لأنه لا يتعامل مع الماضي كمعطى ثابت، بل كعملية دينامية تحتاج إلى إعادة بناء عقلية مستمرة. فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو محاولة لفهم منطق تطورها الداخلي وشروط حدوثها.

التوثيق والإسناد في البحث التاريخي:

يقوم المنهج التاريخي على أساس منهجي جوهري يتمثل في التوثيق والإسناد، لأن قيمة المعرفة التاريخية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى مصداقية المصادر التي تستند إليها. فكل حدث تاريخي لا يُقبل إلا إذا كان مدعومًا بشواهد أو وثائق أو روايات يمكن التحقق من صحتها ونقدها علميًا.

ولهذا يُعدّ نقد المصادر مرحلة أساسية في البحث التاريخي، حيث يعمل المؤرخ على فحص الوثائق والروايات المختلفة، ومقارنة ما ورد فيها، وتحليل درجة صدقها، والكشف عن التحيزات أو الثغرات التي قد تؤثر في دقتها. فالمصدر التاريخي لا يُؤخذ على علاته، بل يخضع لعملية تمحيص دقيقة تهدف إلى التمييز بين ما هو موثوق وما هو مشكوك فيه.

ويُظهر هذا الجانب أن المنهج التاريخي ليس مجرد عملية وصفية، بل هو في جوهره ممارسة نقدية معقدة تقوم على التحليل والمقارنة والتحقق. فالمؤرخ لا يعيد إنتاج الماضي كما هو، بل يعيد بناءه معرفيًا اعتمادًا على أدوات منهجية تسمح بفهمه في سياقاته المختلفة.

ومن هنا يتضح أن المنهج التاريخي يجمع بين البعد التوثيقي والبعد التحليلي، حيث يعتمد في آن واحد على الدقة في نقل المعطيات وعلى العمق في تفسيرها، مما يجعله أحد أهم المناهج في دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية عبر الزمن.

الاستقراء والمنهج التجريبي

مفهوم الاستقراء

يُعدّ الاستقراء من أهم الآليات المنهجية التي يقوم عليها التفكير العلمي الحديث، إذ ينطلق أساسًا من ملاحظة الجزئيات والتجارب الجزئية، ثم يعمل العقل على الانتقال التدريجي نحو صياغة قواعد عامة وقوانين كلية تفسر تلك الجزئيات. وبذلك فإن حركة الاستقراء هي حركة صاعدة تبدأ من الواقع الملموس وتنتهي إلى بناء نظري مجرد يهدف إلى تفسير الظواهر وربطها ضمن نسق قانوني منظم.

وقد ارتبط هذا المنهج ارتباطًا وثيقًا بتطور العلوم الطبيعية، حيث أصبح أداة أساسية في دراسة الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، لما يوفره من إمكانية ضبط الملاحظة وتكرار التجربة والتحقق من النتائج. فالعالم، من خلال هذا المنهج، لا يكتفي بالتأمل النظري، بل ينخرط في اختبار الواقع وتجريبه بهدف الوصول إلى قوانين عامة يمكن الاعتماد عليها في التفسير والتنبؤ.

وبهذا المعنى، أصبح الاستقراء يشكل أحد الأعمدة المركزية في بناء المعرفة العلمية الحديثة، لأنه يسمح بتحويل الخبرة الحسية إلى معرفة منظمة قابلة للتعميم، مما جعله يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الموضوعية في البحث العلمي.

حدود الاستقراء:

ورغم المكانة المركزية التي يحتلها الاستقراء في بناء المعرفة العلمية، فإنه يظل منهجًا غير يقيني بالمعنى الصارم، لأن نتائجه تستند إلى التعميم انطلاقًا من عدد محدود من الحالات الملاحظة. وهذا يعني أن القاعدة العامة التي يتم التوصل إليها تبقى قابلة للمراجعة أو التعديل كلما ظهرت معطيات جديدة أو حالات استثنائية لم تكن ضمن نطاق الملاحظة السابقة.

ومن هنا، فإن المعرفة الاستقرائية تُبنى على الاحتمال أكثر من اليقين المطلق، مما يجعلها معرفة قابلة للتطور المستمر وليست نهائية أو مغلقة. فحتى أكثر القوانين العلمية رسوخًا تبقى مفتوحة على إمكانية التصحيح أو إعادة الصياغة إذا ما ظهرت معطيات تجريبية جديدة تناقضها أو تحدّ من عموميتها.

وقد أدى هذا الوضع إلى بروز نقاش فلسفي عميق بين الاتجاه العقلي الذي يرى أن اليقين لا يتحقق إلا عبر البرهان العقلي الصارم، وبين الاتجاه التجريبي الذي يعتبر أن التجربة والملاحظة هما المصدر الأساسي للمعرفة العلمية. ويعكس هذا الجدل إشكالية مركزية في فلسفة العلم تتعلق بطبيعة الأساس الذي تقوم عليه المعرفة: هل هو العقل أم التجربة؟

المنهج الاجتماعي والوصفي:

المنهج الوصفي في علم الاجتماع:

تطور المنهج الوصفي في سياق نشأة العلوم الاجتماعية الحديثة، التي سعت إلى دراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية منظمة، على غرار ما تم في العلوم الطبيعية. وقد كان للفكر السوسيولوجي، خاصة مع إميل دوركايم، دور أساسي في ترسيخ هذا الاتجاه، حيث دعا إلى التعامل مع الظواهر الاجتماعية باعتبارها "أشياء" يمكن إخضاعها للملاحظة والتحليل العلمي الموضوعي.

ويقوم هذا المنهج على وصف الظواهر الاجتماعية وصفًا دقيقًا، من خلال رصد خصائصها وتصنيفها وتحليل العلاقات القائمة بينها، بهدف الكشف عن القوانين أو الانتظامات التي تحكمها. كما يركز على ضرورة الابتعاد عن الأحكام المسبقة والتصورات الذاتية والقيم الشخصية، حتى يتمكن الباحث من الاقتراب قدر الإمكان من الموضوعية العلمية.

وبذلك، يسعى المنهج الوصفي إلى تحويل الظاهرة الاجتماعية من مجرد تجربة معيشة إلى موضوع علمي يمكن دراسته وفق أدوات منهجية دقيقة، تسمح بفهم بنيتها الداخلية وآليات اشتغالها داخل المجتمع.

خصوصية الظاهرة الإنسانية:

تتميز الظاهرة الإنسانية عن باقي الظواهر الطبيعية بكونها ظاهرة مركبة ومتغيرة باستمرار، لأنها لا تخضع فقط للعوامل المادية، بل تتداخل فيها عناصر الوعي والإرادة والقيم والثقافة والتاريخ. وهذا التعقيد يجعل دراستها أكثر صعوبة، ويجعل نتائجها أقل قابلية للتعميم الصارم مقارنة بالعلوم الطبيعية.

فالفعل الإنساني لا يمكن فهمه فهماً كاملاً من خلال التفسير الآلي أو السببي البسيط، بل يتطلب استحضار المعاني والدلالات التي يضفيها الإنسان على أفعاله وسلوكاته. ومن هنا، برز الاتجاه التأويلي الذي يؤكد أن فهم الظواهر الإنسانية يقتضي فهم العالم الداخلي للفرد، أي مقاصده ودوافعه وسياقات فعله الاجتماعية والثقافية.

وبذلك، فإن دراسة الإنسان لا تقتصر على وصف السلوك الخارجي فقط، بل تمتد إلى تفسيره وتأويله في ضوء المعاني التي يحملها، مما يجعل العلوم الإنسانية علومًا تأويلية بامتياز، تجمع بين الوصف والفهم، وبين التحليل العلمي والتأويل الدلالي.

المناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية

المنهج التاريخي:

يُعدّ المنهج التاريخي من المناهج الأساسية في دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية، لأنه يرتبط مباشرة بفهم الماضي بوصفه عنصرًا مؤسسًا للحاضر. ويقوم هذا المنهج على مجموعة من الإجراءات العلمية الدقيقة، أبرزها التوثيق، والتحقيق، ونقد المصادر، وتحليل الروايات والشهادات التاريخية بهدف التمييز بين ما هو موثوق وما هو مشكوك فيه أو متحيّز.

فالحادثة التاريخية لا تكتسب قيمتها العلمية بمجرد وقوعها في الزمن، وإنما تتحول إلى معرفة تاريخية عندما تُنقل عبر مصادر قابلة للتحقق والمراجعة النقدية. ومن هنا تبرز أهمية ما يُعرف بـ"النقد التاريخي"، سواء كان نقدًا خارجيًا يهمّ مصدر الوثيقة وصحتها، أو نقدًا داخليًا يتعلق بمضمونها ومدى اتساقها مع السياق العام للأحداث.

ويتميز المنهج التاريخي كذلك بتركيزه على فهم الحدث في سياقه الكلي، أي في إطار الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي ساهمت في إنتاجه. فالحدث التاريخي لا يُفهم بمعزل عن بيئته، بل يُفسَّر باعتباره نتيجة لتفاعلات معقدة بين مجموعة من العوامل المتداخلة.

كما لا يكتفي هذا المنهج بوصف الوقائع، بل يسعى إلى تفسيرها وربطها ببعضها البعض من أجل بناء تصور شامل لمسار التطور التاريخي، سواء على مستوى المجتمعات أو الحضارات أو المؤسسات.

المنهج الاجتماعي عند إميل دوركايم:

يُعتبر إميل دوركايم من أبرز المؤسسين لعلم الاجتماع الحديث، حيث سعى إلى إرساء أسس علمية صارمة لدراسة الظواهر الاجتماعية، على غرار ما هو معمول به في العلوم الطبيعية. وقد انطلق من فكرة أساسية مفادها أن المجتمع ليس مجرد مجموع أفراد، بل هو كيان مستقل له قوانينه وبنياته الخاصة التي يجب دراستها بطريقة موضوعية.

ولهذا دعا دوركايم إلى التعامل مع الظواهر الاجتماعية باعتبارها "أشياء"، أي موضوعات خارجية عن وعي الباحث، يمكن ملاحظتها وقياسها وتحليلها بشكل علمي. ويهدف هذا التصور إلى تقليص التدخل الذاتي والابتعاد عن الأحكام المسبقة والانطباعات الشخصية التي قد تُشوّه نتائج البحث العلمي.

كما اهتم دوركايم بوضع قواعد منهجية واضحة لضبط البحث السوسيولوجي، من بينها ضرورة تعريف الظواهر الاجتماعية تعريفًا دقيقًا، والاعتماد على الملاحظة المنظمة، والمقارنة بين المجتمعات، واستخلاص القوانين العامة التي تحكم الحياة الاجتماعية.

ومن بين الإسهامات المهمة في فكره أيضًا، تمييزه بين الظواهر الاجتماعية السوية والظواهر المرضية، حيث اعتبر أن لكل مجتمع حالة "طبيعية" ينبغي تحديدها علميًا، وأن الانحراف أو المرض الاجتماعي يمكن فهمه ضمن إطار القوانين العامة التي تحكم المجتمع.

وبذلك أسهم دوركايم في تحويل علم الاجتماع من تأملات فلسفية عامة إلى علم قائم على الملاحظة والتحليل والبحث التجريبي المنظم.

إشكالية وحدة المنهج وتعدده:

الاتجاه القائل بوحدة المنهج:

يرى أنصار الاتجاه القائل بوحدة المنهج أن المعرفة العلمية، رغم تنوع موضوعاتها، تقوم على أساس منهجي واحد مشترك. فالعقل البشري، بحسب هذا التصور، يعتمد في كل مجالات المعرفة على نفس الآليات الأساسية، مثل الملاحظة، والتحليل، والتجريب، والاستدلال المنطقي.

ويؤكد هذا الاتجاه أن الاختلاف بين العلوم لا يعود إلى اختلاف في طبيعة المناهج، بل إلى اختلاف في الموضوعات المدروسة فقط. فالعلم الطبيعي، والعلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية، جميعها تسعى إلى الكشف عن القوانين المنظمة للظواهر، وإن اختلفت أدوات التطبيق ومستويات التعقيد.

كما يرى أنصار هذا الاتجاه أن توحيد المنهج العلمي يساهم في تعزيز موضوعية المعرفة، ويجعلها أكثر دقة وقابلية للتعميم، ويمنحها طابعًا علميًا موحدًا يقترب من النموذج الرياضي أو التجريبي الصارم.

الاتجاه القائل بتعدد المناهج:

في المقابل، يذهب أنصار الاتجاه القائل بتعدد المناهج إلى أن طبيعة الظواهر تفرض بالضرورة اختلاف طرق دراستها. فليس من المنطقي، في نظرهم، التعامل مع الظواهر الطبيعية والظواهر الإنسانية بنفس الأدوات المنهجية، نظرًا للاختلاف الجوهري بينهما.

فالظواهر الطبيعية تتميز بالثبات النسبي والقابلية للتكرار والقياس، مما يجعلها مناسبة للمنهج التجريبي القائم على الملاحظة الدقيقة والتجربة والتحقق. أما الظواهر الإنسانية والاجتماعية، فهي ظواهر مركبة، تتداخل فيها الأبعاد النفسية والثقافية والقيمية والتاريخية، مما يجعلها أقل قابلية للتجريب المباشر والتكرار الصارم.

ومن هنا، يؤكد هذا الاتجاه على ضرورة اعتماد مناهج متعددة، مثل المنهج التأويلي الذي يركز على فهم المعاني والدلالات، والمنهج الوصفي الذي يصف الظواهر كما هي في الواقع، إضافة إلى المناهج التاريخية والسوسيولوجية التي تراعي خصوصية السياقات الإنسانية.

وبذلك فإن تعدد المناهج لا يعني تناقضها، بل يعكس ثراء الظاهرة الإنسانية وتعقيدها، ويؤكد أن فهم الإنسان لا يمكن أن يُختزل في نموذج علمي واحد، بل يحتاج إلى مقاربات متكاملة تجمع بين التفسير والفهم والتأويل.

خاتمة الدراسة:

لقد كشفت هذه الدراسة أن إشكالية المنهج ليست قضية تقنية بسيطة تتعلق بكيفية تنظيم البحث فحسب، بل هي قضية فلسفية عميقة ترتبط بطبيعة العقل الإنساني وحدود المعرفة وإمكان الوصول إلى الحقيقة. فالمنهج يمثل الأداة التي ينتقل بها الفكر من العفوية والارتجال إلى النظام والبرهان، ومن الرأي إلى المعرفة، ومن الظن إلى اليقين النسبي أو المطلق بحسب طبيعة الموضوع المدروس.

وقد تبين من خلال هذه الدراسة أن تاريخ الفلسفة والعلوم هو في جوهره تاريخ لتحولات المناهج، لأن كل ثورة معرفية كانت ترتبط بإعادة بناء طرق التفكير وأساليب البحث. فمن المنهج الجدلي عند اليونان، إلى المنهج البرهاني عند أرسطو، إلى المنهج العقلي عند ديكارت، ثم المناهج التجريبية والاجتماعية والتاريخية الحديثة، ظل الفكر الإنساني يسعى إلى تطوير أدواته المنهجية من أجل فهم العالم بصورة أكثر دقة وموضوعية.

كما أظهرت الدراسة أن المنهج لا يمكن فصله عن الموضوع والغاية، لأن طبيعة الظاهرة المدروسة هي التي تحدد نوع المنهج الملائم لها. فالعلوم الطبيعية تعتمد بدرجة كبيرة على التجربة والملاحظة والاستقراء، بينما تقوم العلوم الفلسفية على التحليل والاستدلال والنقد العقلي، في حين تحتاج العلوم الإنسانية والاجتماعية إلى مناهج خاصة تراعي تعقيد الظاهرة الإنسانية وتداخل أبعادها النفسية والاجتماعية والتاريخية والثقافية.

وقد اتضح أيضًا أن الجدل حول وحدة المنهج أو تعدده يعكس في العمق اختلافًا حول طبيعة المعرفة نفسها. فهناك من يرى أن المنهج العلمي الواحد يمكن أن يشكل أساسًا لكل العلوم، وهناك من يؤكد أن تنوع الموضوعات يفرض تعدد المناهج. غير أن الدراسة بينت أن هذا التعارض ليس مطلقًا، لأن جميع المناهج تشترك في غاية أساسية هي البحث عن الحقيقة وتنظيم المعرفة، وإن اختلفت في الوسائل والإجراءات.

ومن النتائج المهمة التي خلصت إليها الدراسة أن المنهج ليس مجرد وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل هو أيضًا أداة نقدية تكشف الأخطاء والمغالطات، وتساعد على بناء التفكير العقلاني الموضوعي. ولذلك فإن أزمة الفكر في كثير من الأحيان ليست أزمة معلومات، بل أزمة مناهج وطرائق تفكير.

كما أكدت الدراسة أن الفلسفة لعبت دورًا حاسمًا في تأسيس التفكير المنهجي، وأنها ما تزال إلى اليوم تشكل الإطار النقدي الذي يسمح بمراجعة المناهج وتقويمها وتجاوز حدودها. فكل منهج مهما بلغت دقته يظل نسبيًا وقابلًا للتطوير، لأن المعرفة الإنسانية نفسها معرفة متطورة وغير مكتملة.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن دراسة إشكالية المنهج ليست دراسة لموضوع جزئي داخل الفلسفة، بل هي مدخل أساسي لفهم طبيعة الفكر الإنساني وآليات اشتغاله، كما أنها شرط ضروري لكل ممارسة علمية أو فلسفية جادة تسعى إلى إنتاج معرفة دقيقة وموضوعية وقابلة للنقد والتطوير.

نتائج الدراسة:

توصلت هذه الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، من أبرزها:

المنهج يمثل الأساس الذي تقوم عليه كل معرفة علمية أو فلسفية منظمة.

لا يمكن فصل المنهج عن طبيعة الموضوع والغاية المعرفية.

تطور الفلسفة والعلوم ارتبط تاريخيًا بتطور المناهج.

المنهج الفلسفي يقوم أساسًا على التحليل والتعريف والاستدلال.

الاستقراء يشكل أداة مركزية في العلوم الطبيعية والاجتماعية.

العلوم الإنسانية تحتاج إلى مناهج خاصة تراعي خصوصية الظاهرة الإنسانية.

لا يوجد تعارض مطلق بين وحدة المنهج وتعدده، بل توجد عناصر مشتركة بين المناهج المختلفة.

المنهج يسهم في بناء التفكير النقدي والكشف عن المغالطات.

المناهج ليست ثابتة، بل تتطور بتطور المعرفة والواقع التاريخي.

الفلسفة تظل المجال الأساسي لنقد المناهج وتقويمها.

المعرفة العلمية لا يمكن أن تتحقق دون قواعد منهجية دقيقة.

المنهج ليس مجرد وسيلة للوصول إلى الحقيقة، بل هو أيضًا أداة لبناء الحقيقة وتنظيمها.

توصيات الدراسة:

ضرورة تعميق الاهتمام بدراسة المناهج داخل التكوينات الجامعية والفلسفية.

تشجيع الدراسات المقارنة بين المناهج الفلسفية والعلمية المختلفة.

تعزيز التفكير النقدي والمنهجي في المؤسسات التعليمية.

تجاوز النظرة الاختزالية التي تحصر المنهج في الجانب التقني فقط.

الانفتاح على المناهج المعاصرة والاستفادة من تكاملها بدل النظر إليها باعتبارها متعارضة بصورة مطلقة.

تطوير البحث في مجال فلسفة العلوم والإبستمولوجيا.

الاهتمام بالمناهج الخاصة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية نظرًا لتعقيد موضوعاتها.

ترسيخ ثقافة التحليل والاستدلال والنقد داخل الممارسة الأكاديمية.

تشجيع الباحثين على الربط بين المنهج والواقع الاجتماعي والتاريخي.

تعزيز الوعي بأهمية المنهج في مواجهة الفكر السطحي والأحكام الجاهزة.

ضرورة الجمع بين الصرامة العلمية والانفتاح الفلسفي في الدراسات المعاصرة.

إعادة قراءة التراث الفلسفي العربي والغربي من زاوية منهجية للكشف عن أسسه المعرفية العميقة.

***

بقلم د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

من نسبية السفسطائيين إلى نظرية الاعتدال عند أرسطو والفارابي وابن رشد

مقدمة الدراسة: تُعدّ الأخلاق من أعمق الإشكالات التي استأثرت باهتمام الفكر الإنساني عبر مختلف العصور والحضارات، لأنها ترتبط بجوهر الوجود الإنساني وبالسؤال المركزي الذي ظلّ الإنسان يطرحه منذ اللحظات الأولى لوعيه بذاته والعالم: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟ فالفلسفة، منذ نشأتها اليونانية الأولى، لم تكن بحثا في الطبيعة والكون فحسب، بل كانت أيضا محاولة لبناء تصور متكامل للحياة الإنسانية، يقوم على الكشف عن معنى الخير، وتحديد أسس الفضيلة، والبحث عن السعادة بوصفها الغاية القصوى للوجود البشري. ولهذا ارتبط التفكير الأخلاقي دائمًا بالسعي إلى فهم طبيعة الإنسان، وحدود حريته، وعلاقته بالمجتمع، وبالمدينة، وبالقيم التي تمنح الحياة معناها الإنساني العميق.

وقد شكّلت "أخلاق الفضيلة"  أحد أهم التصورات الأخلاقية التي عرفها تاريخ الفلسفة، لأنها لم تنظر إلى الأخلاق باعتبارها مجرد منظومة من القوانين أو الأوامر الخارجية التي تفرض على الإنسان، بل بوصفها بناء داخليا يهدف إلى تهذيب النفس وتكميل الشخصية الإنسانية. فالفضيلة، في هذا التصور، ليست فعلا منفصلا أو سلوكا عابرا، وإنما هي ملكة راسخة تتكوّن عبر التربية والممارسة والتعوّد والوعي العقلي، حتى تصبح جزءا من طبيعة الإنسان وهويته الأخلاقية. ومن هنا ارتبطت أخلاق الفضيلة بفكرة الكمال الإنساني، إذ لم يكن الهدف منها فقط تنظيم السلوك، بل صناعة الإنسان الفاضل القادر على تحقيق التوازن بين العقل والرغبة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المصلحة الفردية والخير العام.

ولقد كان الفكر اليوناني المجال الأول الذي تبلورت داخله فلسفة الفضيلة بوصفها مشروعا فلسفيا متكاملا. ففي سياق التحولات الفكرية والسياسية التي عرفتها المدينة اليونانية، برز السوفسطائيون بوصفهم ممثلين للنسبية الأخلاقية، حيث رأوا أن القيم ليست ثابتة، وإنما تتغير تبعا للعادات والمصالح والظروف الاجتماعية، وأن الإنسان هو 'مقياس الأشياء جميعًا'. وقد أدى هذا التصور إلى زعزعة فكرة الحقيقة الأخلاقية المطلقة، وإلى تحويل الأخلاق إلى مجال للمنفعة والإقناع والخطابة. غير أن هذا الاتجاه أثار اعتراضا فلسفيا عميقا لدى سقراط الذي رأى أن الأخلاق لا يمكن أن تقوم على النسبية والهوى، بل ينبغي أن تؤسس على المعرفة العقلية والحقيقة الثابتة. ولذلك ربط الفضيلة بالحكمة، واعتبر أن الإنسان لا يرتكب الشر بإرادة واعية، وإنما نتيجة الجهل بحقيقة الخير، فالمعرفة عنده ليست معرفة نظرية مجردة، بل وعي أخلاقي يقود الإنسان إلى الفعل القويم.

ثم جاء أفلاطون ليمنح فلسفة الفضيلة بعدا ميتافيزيقيا أكثر عمقا، حين ربط الخير بعالم المثل، وجعل العدالة انسجاما بين قوى النفس الثلاث: العقل، والغضب، والشهوة. فالإنسان الفاضل، في نظره، هو الذي تخضع فيه الرغبات لسلطة العقل والحكمة، كما أن المدينة الفاضلة لا تتحقق إلا حين يسود الانسجام بين طبقات المجتمع تحت قيادة الفيلسوف الحكيم. وهكذا تحولت الأخلاق عند أفلاطون إلى مشروع سياسي وتربوي يسعى إلى بناء مجتمع يقوم على العدالة والحكمة والتناغم الروحي.

غير أن التحول الأكبر في فلسفة أخلاق الفضيلة تحقق مع أرسطو الذي نقل التفكير الأخلاقي من المجال المثالي المجرد إلى المجال الإنساني العملي. فقد رفض أرسطو اختزال الفضيلة في المعرفة النظرية وحدها، واعتبرها عادة عملية تكتسب بالممارسة والاعتياد. فالإنسان لا يصبح عادلا لأنه يعرف معنى العدالة فقط، بل لأنه يمارس الأفعال العادلة بصورة متكررة حتى تتحول إلى سلوك ثابت. ومن هنا صاغ أرسطو نظريته الشهيرة في "الوسط الذهبي"، حيث تقوم الفضيلة على الاعتدال بين الإفراط والتفريط، فالشجاعة مثلا هي وسط بين الجبن والتهور، والكرم وسط بين البخل والإسراف. وقد ربط أرسطو الفضيلة بالسعادة، معتبرًا أن السعادة الحقيقية لا تتحقق في اللذة العابرة أو الثروة أو السلطة، بل في ممارسة العقل وتحقيق التوازن الأخلاقي الذي ينسجم مع طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا عاقلًا واجتماعيًا.

ولم يبقَ تأثير فلسفة الفضيلة محصورا داخل حدود الفكر اليوناني، بل انتقل إلى الحضارة الإسلامية عبر حركة الترجمة والانفتاح على التراث الفلسفي القديم، حيث أعاد الفلاسفة المسلمون صياغة هذا التصور الأخلاقي داخل أفق حضاري جديد يجمع بين العقل والوحي، وبين الحكمة الفلسفية والتصور الديني للإنسان والعالم. فقد سعى أبو نصر الفارابي إلى بناء فلسفة أخلاقية وسياسية تجعل السعادة غاية قصوى للفرد والمجتمع، وربط الفضيلة بالنظام السياسي للمدينة الفاضلة التي يقودها الحاكم الحكيم الجامع بين المعرفة والأخلاق. أما ابن مسكويه فقد جعل تهذيب النفس أساس المشروع الأخلاقي، واعتبر أن الأخلاق ليست معطى فطريا ثابتا، بل ملكات قابلة للتقويم عبر التربية والمجاهدة والممارسة العملية. في حين عمل ابن رشد على إعادة قراءة التراث الأرسطي قراءة عقلانية، مؤكدًا أن الفضيلة ليست معرفة مجردة، وإنما ممارسة عقلية وتربوية تهدف إلى تحقيق الخير العام والعدالة الاجتماعية.

وقد اكتسبت أخلاق الفضيلة حضورًا متجددًا في الفلسفة المعاصرة، خاصة بعد تصاعد الأزمات الأخلاقية التي يعيشها الإنسان الحديث في ظل هيمنة النزعات الفردانية والمادية والاستهلاكية. فمع التقدم التقني الهائل وتراجع المرجعيات القيمية التقليدية، أصبح الإنسان يعيش حالة من الاغتراب الأخلاقي وفقدان المعنى، الأمر الذي دفع عددًا من الفلاسفة المعاصرين إلى إعادة الاعتبار لفلسفة الفضيلة باعتبارها مشروعًا لإعادة بناء الإنسان أخلاقيا وروحيا. فالقوانين وحدها لا تكفي لصناعة مجتمع عادل، كما أن التركيز على النتائج والمنفعة لا يضمن دائمًا تحقيق الخير الإنساني، لذلك عادت أخلاق الفضيلة لتؤكد أن جوهر الأخلاق يكمن في تكوين الشخصية الإنسانية القادرة على ممارسة الخير بإرادة واعية وحسّ إنساني عميق.

وتنبع أهمية دراسة فلسفة أخلاق الفضيلة من كونها لا تقتصر على تحليل المفاهيم الأخلاقية المجردة، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة طبيعة الإنسان ذاته، والكشف عن العلاقة المعقدة بين الأخلاق والتربية والسياسة والمعرفة والدين والمجتمع. فهي فلسفة تسعى إلى فهم الإنسان باعتباره مشروعًا أخلاقيًا مفتوحًا على التهذيب والتكميل المستمر، لا كائنًا محكومًا فقط بالرغبات أو المصالح الآنية. كما أن هذا التصور الأخلاقي يطرح أسئلة عميقة حول إمكانية بناء مجتمع يقوم على العدالة والاعتدال والحكمة في عالم تتزايد فيه الصراعات والأزمات القيمية.

وانطلاقا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تتبع التطور التاريخي لفلسفة أخلاق الفضيلة منذ جذورها اليونانية الأولى وصولًا إلى امتداداتها داخل الفلسفة الإسلامية، مع تحليل الأسس الفلسفية التي قامت عليها تصورات الفضيلة والسعادة والعقل والتربية والمدينة الفاضلة. كما تهدف إلى إبراز أوجه الاتفاق والاختلاف بين مختلف التصورات الأخلاقية، والكشف عن التحولات التي عرفتها فلسفة الفضيلة عبر التاريخ، إضافة إلى مناقشة أهم الانتقادات التي وُجهت إليها، خاصة ما يتعلق بإشكالية نسبية القيم، وتعدد السياقات الثقافية، وصعوبة تطبيق الفضائل في بعض المواقف العملية المعقدة.

وبذلك، فإن هذه الدراسة لا تسعى فقط إلى تقديم عرض تاريخي لفلسفة أخلاق الفضيلة، بل تروم أيضا الانخراط في سؤال الإنسان المعاصر حول إمكانية استعادة المعنى الأخلاقي في عالم تتسارع فيه التحولات الحضارية وتتراجع فيه القيم الإنسانية الجامعة. فالبحث في الفضيلة هو، في جوهره، بحث في الإنسان ذاته، وفي قدرته على بناء حياة أكثر توازنا وعدالة وسموا، حياة يتحقق فيها الانسجام بين العقل والقلب، وبين الذات والآخر، وبين الحرية والمسؤولية، بما يجعل الأخلاق أفقا لإنسانية أكثر كمالا ووعيا.

إشكالية الدراسة:

تتمحور إشكالية هذه الدراسة حول واحد من أعمق الأسئلة التي رافقت الفكر الفلسفي منذ نشأته الأولى، وهو السؤال المتعلق بطبيعة الفضيلة ومصدرها ووظيفتها في حياة الإنسان: ما الذي يجعل الإنسان فاضلا؟ وهل تتحقق الفضيلة بوصفها معرفة عقلية يدرك بها الإنسان حقيقة الخير، أم باعتبارها ممارسة عملية تتكون عبر التربية والعادة والاعتياد؟ وهل الأخلاق قائمة على معايير كونية ثابتة تتجاوز اختلاف الأزمنة والثقافات، أم أنها نسبية تتشكل تبعًا للبيئات الاجتماعية والتحولات التاريخية؟ إن هذا السؤال لا يتعلق فقط بتحديد مفهوم الفضيلة، بل يمتد ليشمل فهم طبيعة الإنسان ذاته، وموقعه داخل العالم، وعلاقته بذاته وبالآخرين وبالمجتمع الذي ينتمي إليه.

لقد شكّلت فلسفة أخلاق الفضيلة أحد أهم المشاريع الفلسفية التي حاولت تقديم إجابة متكاملة عن سؤال الخير الإنساني، لأنها لم تجعل محور الأخلاق هو الفعل المعزول أو القانون الخارجي، بل الإنسان نفسه بوصفه ذاتًا أخلاقية قابلة للتهذيب والتكميل. فالفضيلة، وفق هذا التصور، ليست مجرد التزام بمجموعة من القواعد، وإنما هي بناء داخلي للشخصية الإنسانية، يهدف إلى تكوين إنسان قادر على ممارسة الخير بصورة واعية، وتحقيق التوازن بين قواه النفسية والعقلية والاجتماعية. غير أن هذا التصور، رغم وحدته الظاهرية، لم يكن مفهومًا ثابتًا أو متجانسًا عبر التاريخ، بل عرف تحولات عميقة واختلافات جوهرية بحسب السياقات الفلسفية والحضارية التي تشكل داخلها.

ففي السياق اليوناني القديم، ظهر السوفسطائيون بوصفهم ممثلين للنسبية الأخلاقية، حيث اعتبروا أن القيم لا تستند إلى حقيقة مطلقة، وإنما تتحدد وفق الأعراف والمصالح والظروف الاجتماعية، وأن الإنسان هو المعيار الذي تقاس به الأشياء جميعا. وقد أدى هذا التصور إلى تحويل الأخلاق من مجال للحقيقة إلى مجال للمنفعة والخطابة والإقناع، مما أثار ردود فعل فلسفية قوية لدى سقراط، الذي رفض هذا المنظور النسبي، وسعى إلى تأسيس الأخلاق على المعرفة العقلية، معتبرا أن الفضيلة لا تنفصل عن الحكمة، وأن الشر ليس سوى نتيجة للجهل بحقيقة الخير. ومن هنا تبرز أولى الإشكالات الكبرى: هل الفضيلة معرفة عقلية خالصة، بحيث يكفي أن يعرف الإنسان الخير حتى يفعله، أم أن المعرفة وحدها لا تكفي لتحقيق السلوك الأخلاقي؟

وقد عمّق أفلاطون هذا السؤال حين نقل الأخلاق إلى مستوى ميتافيزيقي، فربط الفضيلة بعالم المثل، وجعل العدالة تعبيرا عن الانسجام بين قوى النفس المختلفة، بحيث يصبح الإنسان الفاضل هو من تخضع فيه الشهوة والغضب لسلطة العقل. وهنا تبرز إشكالية ثانية تتعلق بالعلاقة بين النفس والفضيلة: هل الفضيلة حالة داخلية من الانسجام النفسي والروحي، أم أنها سلوك خارجي يمكن قياسه بالأفعال؟ وهل العدالة تتحقق أولا داخل الإنسان أم داخل المدينة والمجتمع؟

أما أرسطو فقد أحدث تحولا حاسما في فهم الفضيلة، حين نقلها من مستوى التأمل النظري إلى مستوى الممارسة العملية، معتبرا أن الإنسان لا يولد فاضلا، وإنما يصبح كذلك عبر التمرين والاعتياد والتربية المستمرة. فالفضيلة عنده ليست فكرة مجردة، بل عادة أخلاقية تبنى عبر الأفعال اليومية، وتتحقق من خلال "الوسط الذهبي" الذي يوازن بين الإفراط والتفريط. ومن هنا تظهر إشكالية ثالثة أساسية: هل الفضيلة معطى فطري كامن في طبيعة الإنسان، أم أنها بناء مكتسب يتحقق عبر التنشئة والتربية؟ وإذا كانت مكتسبة، فما دور الإرادة والعقل في بنائها؟

ومع انتقال هذا التراث إلى الحضارة الإسلامية، لم تنقل فلسفة الفضيلة بوصفها معرفة جامدة، بل أعيدت صياغتها داخل أفق حضاري جديد جمع بين الحكمة اليونانية والرؤية الإسلامية للإنسان والعالم. فقد ربط أبو نصر الفارابي الفضيلة بالسعادة السياسية والاجتماعية، معتبرًا أن الإنسان لا يحقق كماله إلا داخل المدينة الفاضلة التي تقوم على العدالة والحكمة. بينما جعل ابن مسكويه تهذيب النفس وتزكيتها جوهر المشروع الأخلاقي، وربط الفضيلة بالتربية الداخلية والانضباط السلوكي. أما ابن رشد فقد سعى إلى التوفيق بين العقل والشريعة، مؤكدًا أن الفضيلة لا تتحقق إلا من خلال تفاعل المعرفة النظرية مع الممارسة العملية. وهنا تبرز إشكالية جديدة: كيف أمكن للفكر الإسلامي أن يعيد بناء مفهوم الفضيلة داخل منظومة تجمع بين العقل والوحي؟ وهل أدى ذلك إلى تطوير المفهوم أم إلى إعادة تأويله فقط؟

ومن داخل هذه المسارات الفكرية المتعددة، تتولد إشكالية محورية أخرى تتعلق بالعلاقة بين الفضيلة والسعادة، وهي من أكثر القضايا حضورا في تاريخ الفلسفة الأخلاقية. فقد اتفق معظم فلاسفة الفضيلة على أن غاية الأخلاق هي تحقيق السعادة، لكنهم اختلفوا في تحديد طبيعتها: هل السعادة حالة عقلية تتحقق بالتأمل والمعرفة؟ أم حالة نفسية تتحقق بالانسجام الداخلي؟ أم هي نمط عيش اجتماعي يقوم على العدالة والمشاركة في الخير العام؟ وبصيغة أخرى: هل السعادة نتيجة للفضيلة، أم أن الفضيلة نفسها هي شكل من أشكال السعادة؟

كما تثير فلسفة أخلاق الفضيلة إشكالا بالغ الأهمية يتعلق بالعلاقة بين الفرد والمجتمع. فإذا كانت بعض التصورات، مثل تصور أفلاطون والفارابي، قد ربطت الفضيلة بالنظام السياسي وبناء المدينة الفاضلة، فإن تصورات أخرى، مثل تصور ابن مسكويه، جعلت تهذيب النفس الفردية هو المدخل الأساسي للأخلاق. ومن هنا يبرز سؤال فلسفي جوهري: هل الفضيلة شأن فردي يخص بناء الذات، أم أنها مشروع اجتماعي وسياسي لا يكتمل إلا داخل مجتمع عادل؟ وهل يمكن الحديث عن إنسان فاضل داخل مجتمع فاسد، أم أن فساد المجتمع يُفشل المشروع الأخلاقي الفردي؟

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا حين ننتقل إلى السياق المعاصر، حيث يشهد العالم تحولات قيمية عميقة، وتراجعًا واضحًا للمرجعيات الأخلاقية التقليدية، وهيمنة للنزعات الفردانية والنفعية والمادية. ففي ظل هذه التحولات، يعود السؤال بقوة: هل ما تزال فلسفة أخلاق الفضيلة قادرة على تقديم نموذج أخلاقي صالح لمعالجة أزمات الإنسان المعاصر؟ وهل يمكن للفضيلة، بوصفها مشروعًا لتكوين الشخصية، أن تواجه تحديات الحداثة وما بعدها، مثل الاستهلاك، والتفكك الاجتماعي، والأزمات البيئية، والتحولات الرقمية؟

وانطلاقًا من هذه الإشكالات المتداخلة، فإن الدراسة تنبني على الإشكالية المركزية الآتية:

كيف تطور مفهوم الفضيلة من النسبية الأخلاقية عند السوفسطائيين إلى التصورات العقلية والعملية عند سقراط وأفلاطون وأرسطو، ثم إلى إعادة بنائه داخل الفلسفة الإسلامية مع الفارابي وابن مسكويه وابن رشد؟ وإلى أي حد استطاعت فلسفة أخلاق الفضيلة أن تؤسس نموذجًا أخلاقيًا متكاملًا قادرًا على بناء الإنسان الفاضل وتحقيق السعادة الفردية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة أزمات الإنسان المعاصر؟

ويتفرع عن هذه الإشكالية المركزية عدد من الأسئلة الفرعية، من أبرزها:

ما المقصود بمفهوم الفضيلة في تاريخ الفكر الفلسفي؟ وكيف تطور دلاليًا ومفهوميًا عبر المراحل المختلفة؟

هل الأخلاق قيم مطلقة ثابتة أم أنها نسبية ومتغيرة باختلاف المجتمعات والثقافات؟

ما العلاقة بين الفضيلة والمعرفة؟ وهل يكفي العلم بالخير لتحقيق السلوك الأخلاقي؟

هل الفضيلة فطرية أم مكتسبة؟ وما دور التربية والعادة في بنائها؟

ما العلاقة بين الفضيلة والسعادة؟ وهل يمكن تحقيق السعادة خارج الفعل الأخلاقي؟

كيف انتقل مفهوم الفضيلة من السياق اليوناني إلى السياق الإسلامي؟ وما أوجه الاستمرارية والتحول بينهما؟

ما العلاقة بين الأخلاق والسياسة داخل فلسفة الفضيلة؟ وهل يمكن تحقيق المدينة العادلة دون بناء الإنسان الفاضل؟

ما حدود فلسفة أخلاق الفضيلة؟ وما أبرز الانتقادات التي وُجهت إليها، خاصة في الفلسفات الأخلاقية الحديثة والمعاصرة؟

وأخيرًا: هل تمثل أخلاق الفضيلة اليوم مجرد تراث فلسفي تاريخي، أم أنها ما تزال مشروعا حيًا قادرا على الإسهام في إعادة بناء الإنسان المعاصر أخلاقيا وقيميا؟

وبذلك، فإن إشكالية هذه الدراسة لا تنحصر في تتبع تاريخ مفهوم الفضيلة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة مكانة الأخلاق نفسها في حياة الإنسان، وإلى البحث عن إمكانية استعادة المعنى الأخلاقي في عالم تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه الحاجة إلى إنسان أكثر وعيًا، وأكثر توازنا، وأكثر قدرة على الجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الذات والآخر، وبين الفكر والعمل.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق جملة من الأهداف العلمية والفلسفية والمعرفية التي تروم الإحاطة بمفهوم أخلاق الفضيلة من مختلف أبعاده النظرية والتاريخية والإنسانية، وذلك من خلال تحليل تطور هذا التصور الأخلاقي داخل الفكر الفلسفي اليوناني والإسلامي، والكشف عن الأسس التي قام عليها، ومدى راهنيته في معالجة الإشكالات الأخلاقية المعاصرة. وتتمثل أهم أهداف الدراسة فيما يأتي:

الكشف عن مفهوم أخلاق الفضيلة بوصفه أحد أبرز التصورات الأخلاقية في تاريخ الفلسفة، وبيان أسسه الفلسفية والمعرفية والإنسانية، مع توضيح طبيعة الفضيلة باعتبارها ملكة أخلاقية تهدف إلى بناء الإنسان الفاضل وتحقيق التوازن النفسي والاجتماعي.

تتبع التطور التاريخي لفلسفة الفضيلة منذ بداياتها الأولى داخل الفكر اليوناني، مرورًا بالتصورات السقراطية والأفلاطونية والأرسطية، وصولًا إلى امتداداتها داخل الفلسفة الإسلامية، بما يسمح بفهم التحولات الفكرية التي عرفها مفهوم الفضيلة عبر مختلف السياقات الحضارية.

تحليل التصور السوفسطائي للأخلاق، والكشف عن طبيعة النسبية الأخلاقية التي دافع عنها السوفسطائيون، مع بيان أثرها في تطور النقاش الفلسفي حول الخير والشر والحقيقة الأخلاقية.

إبراز موقف سقراط من النسبية الأخلاقية، وتحليل تصوره الذي يربط الفضيلة بالمعرفة العقلية، واعتباره أن الجهل يمثل المصدر الأساسي للسلوك الشرير والانحراف الأخلاقي.

دراسة التصور الأخلاقي عند أفلاطون، خاصة فيما يتعلق بعلاقة الفضيلة بانسجام النفس والعدالة والمدينة الفاضلة، وبيان البعد الميتافيزيقي الذي منحه للأخلاق داخل مشروعه الفلسفي.

تحليل فلسفة أرسطو الأخلاقية، والكشف عن مفهوم الفضيلة باعتبارها عادة عملية تُكتسب بالممارسة والاعتياد، مع دراسة مبدأ الوسط الذهبي وأثره في بناء التصور الأرسطي للسعادة والتوازن الأخلاقي.

توضيح طبيعة العلاقة بين الفضيلة والسعادة، وبيان كيف اعتبرت الفلسفات الأخلاقية القديمة أن السعادة تمثل الغاية القصوى للحياة الإنسانية، وأن تحقيقها لا يتم إلا عبر تهذيب النفس وممارسة الفضائل الأخلاقية والعقلية.

دراسة العلاقة بين الفضيلة والعقل، والكشف عن الدور الذي يؤديه العقل في توجيه السلوك الإنساني وضبط الرغبات وتحقيق الاعتدال والتوازن داخل الشخصية الإنسانية.

إبراز أثر الفلسفة اليونانية في الفكر الأخلاقي الإسلامي، وتحليل الكيفية التي أعاد بها الفلاسفة المسلمون بناء فلسفة الفضيلة داخل إطار حضاري يجمع بين الحكمة العقلية والتصور الديني للإنسان والعالم.

تحليل إسهامات أبو نصر الفارابي في بناء تصور أخلاقي وسياسي يربط الفضيلة بالسعادة والمدينة الفاضلة، مع توضيح العلاقة بين الأخلاق والنظام السياسي العادل.

دراسة مشروع ابن مسكويه الأخلاقي، خاصة فيما يتعلق بتهذيب النفس والتربية الأخلاقية، وبيان تصوره للإنسان باعتباره كائنًا قابلًا للإصلاح والتكميل المستمر.

الكشف عن إسهامات ابن رشد في تطوير فلسفة أخلاق الفضيلة، وتحليل محاولته التوفيق بين العقل والشريعة، وربطه الفضيلة بالممارسة العقلية والتجربة الإنسانية.

توضيح الدور المحوري للتربية الأخلاقية في بناء الإنسان الفاضل، وبيان كيف اعتبرت فلسفة الفضيلة أن الأخلاق ليست معطى فطريًا ثابتًا، بل سلوكًا يُكتسب بالتربية والاعتياد والتوجيه العقلي.

تحليل العلاقة بين الأخلاق والسياسة داخل مفهوم المدينة الفاضلة، والكشف عن الكيفية التي ربط بها عدد من الفلاسفة بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، وبين الفضيلة والنظام السياسي العادل.

إبراز أهمية الاعتدال والتوازن في التصورات الأخلاقية اليونانية والإسلامية، وبيان كيف شكّل مبدأ الوسط والانسجام أساسًا لتحقيق الاستقرار النفسي والاجتماعي.

مناقشة أبرز الانتقادات الموجهة إلى فلسفة أخلاق الفضيلة، خاصة ما يتعلق بإشكالية نسبية القيم، وصعوبة تحديد الفضائل بصورة كونية، وحدود تطبيق هذا التصور الأخلاقي في بعض القضايا العملية المعقدة.

الكشف عن راهنية أخلاق الفضيلة في الفكر المعاصر، وبيان قدرتها على الإسهام في معالجة الأزمات الأخلاقية التي يشهدها العالم الحديث، في ظل تصاعد النزعات الفردانية والمادية وتراجع المرجعيات القيمية.

المساهمة في إعادة التفكير في معنى الإنسان والخير والسعادة داخل الواقع المعاصر، من خلال إبراز أهمية بناء الشخصية الأخلاقية المتوازنة القادرة على تحقيق الانسجام بين العقل والرغبة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع.

الإسهام في تعميق البحث الفلسفي العربي في مجال الأخلاق، عبر تقديم دراسة تحليلية موسعة تربط بين التراث الفلسفي اليوناني والإسلامي وبين الإشكالات الأخلاقية الراهنة، بما يفتح المجال أمام قراءة جديدة لفلسفة الفضيلة بوصفها مشروعًا إنسانيًا متجددًا.

الجذور اليونانية لفلسفة أخلاق الفضيلة:

تمهيد:

يُعدّ الفكر اليوناني المنطلق الأساسي الذي تشكّلت داخله الفلسفة الأخلاقية بوصفها مجالًا مستقلًا من مجالات التأمل العقلي، إذ انتقل الاهتمام الفلسفي تدريجيًا من البحث في أصل الكون والطبيعة إلى الاهتمام بالإنسان وقضاياه الوجودية والأخلاقية والسياسية. وقد ارتبط هذا التحول العميق بجملة من المتغيرات الفكرية والاجتماعية التي عرفتها المدن اليونانية، خاصة مدينة أثينا، حيث برزت الديمقراطية والخطابة والجدل بوصفها عناصر مركزية في الحياة العامة. وفي هذا السياق ظهر السفسطائيون الذين أحدثوا تحولًا نوعيًا في طبيعة التفكير الفلسفي، حين جعلوا الإنسان محور المعرفة والتفكير، وأثاروا إشكالات جديدة تتعلق بالحقيقة والقيم والعدالة والفضيلة.

لقد شكّلت الفلسفة السوفسطائية بداية الجدل الحقيقي حول نسبية الأخلاق، لأنها رفضت فكرة القيم المطلقة والثابتة، واعتبرت أن الخير والشر والعدل والفضيلة ليست حقائق كونية قائمة بذاتها، وإنما هي تصورات بشرية تتغير تبعًا لاختلاف المجتمعات والعادات والمصالح. ومن هنا تحوّل السؤال الأخلاقي من البحث عن حقيقة موضوعية ثابتة إلى التساؤل حول طبيعة القيم ذاتها، وحول مدى ارتباطها بالإنسان وظروفه الاجتماعية والثقافية.

غير أن هذا التصور النسبي أثار أزمة فلسفية عميقة، لأنه هدد فكرة الحقيقة الأخلاقية الثابتة، وفتح الباب أمام الشك في إمكانية وجود معيار أخلاقي كوني يحتكم إليه الجميع. ولذلك ظهر سقراط بوصفه ردًا فلسفيًا على النزعة السوفسطائية، محاولًا إعادة تأسيس الأخلاق على العقل والمعرفة، ثم جاء أفلاطون وأرسطو ليطورا هذا المشروع الأخلاقي في اتجاه البحث عن الفضيلة والسعادة والعدالة باعتبارها غايات إنسانية عليا.

وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا الفصل إلى دراسة الجذور اليونانية لفلسفة أخلاق الفضيلة، من خلال تحليل الفلسفة السوفسطائية وموقفها من الأخلاق، والكشف عن طبيعة النسبية الأخلاقية التي دافع عنها السفسطائيون، قبل الانتقال إلى دراسة النقد السقراطي والأفلاطوني والأرسطي لهذا التصور، وبيان كيف تحولت الأخلاق من مجال للمنفعة والإقناع إلى مشروع فلسفي يهدف إلى بناء الإنسان الفاضل وتحقيق السعادة الإنسانية.

السفسطائيون وبداية الجدل حول نسبية الأخلاق:

أولًا: ظهور الفلسفة السوفسطائية وسياقها التاريخي:

ظهرت الفلسفة السوفسطائية في اليونان خلال القرن الخامس قبل الميلاد، خاصة في مدينة أثينا التي شهدت تحولات سياسية وثقافية وفكرية عميقة. فقد ساهم النظام الديمقراطي الأثيني في جعل الخطابة والجدل وسيلتين أساسيتين للمشاركة في الحياة السياسية، إذ أصبح النجاح داخل المجالس والمحاكم مرتبطًا بقدرة الفرد على الإقناع والتأثير في الجمهور أكثر من ارتباطه بالحقيقة الموضوعية. وفي هذا المناخ الفكري الجديد برز السفسطائيون باعتبارهم معلمين متنقلين يقدّمون دروسًا في البلاغة والخطابة وفنون الجدل، مقابل أجر مادي.

وقد اشتُق اسم "السفسطائيين" من الكلمة اليونانية Sophistes التي تعني الحكيم أو المعلم، غير أن هذا المصطلح اكتسب لاحقًا دلالة سلبية بسبب اعتمادهم على الجدل الخطابي والمغالطة أحيانًا، بدل البحث عن الحقيقة الثابتة. وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه بروتاغوراس، وغورغياس، وهيبياس، وبروديكوس.

وقد مثّل السفسطائيون تحولًا حاسمًا في مسار الفلسفة اليونانية، لأنهم نقلوا اهتمام الفكر من التأمل في أصل الكون والطبيعة إلى الاهتمام بالإنسان وقضاياه العملية والأخلاقية والسياسية. فبعد أن كان الفلاسفة الطبيعيون منشغلين بالبحث عن العنصر الأول الذي تكوّن منه العالم، أصبح السؤال الفلسفي عند السفسطائيين مرتبطًا بالإنسان: كيف يفكر؟ وكيف يعيش؟ وكيف يمارس السلطة والإقناع داخل المجتمع؟

ثانيًا: النسبية الأخلاقية عند السفسطائيين:

تقوم الفلسفة الأخلاقية عند السفسطائيين على مبدأ النسبية، إذ رفضوا وجود حقيقة أخلاقية مطلقة أو قيم ثابتة صالحة لكل زمان ومكان. فالخير والشر، والعدل والظلم، والفضيلة والرذيلة، ليست في نظرهم، معايير كونية مستقلة عن الإنسان، وإنما هي تصورات تختلف باختلاف البيئات والثقافات والمصالح الإنسانية.

وقد عبّر بروتاغوراس عن هذا التصور بقوله الشهير:

"الإنسان مقياس كل شيء."

ويعني ذلك أن الحقيقة لا توجد خارج إدراك الإنسان، وأن الأحكام الأخلاقية ترتبط بوجهة نظر الفرد أو الجماعة. فما يُعتبر خيرًا في مجتمع معين قد يُنظر إليه باعتباره شرًا في مجتمع آخر، وما يُعد عدلًا لدى جماعة قد يُعتبر ظلمًا لدى جماعة أخرى. ومن ثمّ، فإن الأخلاق ليست قائمة على أساس عقلي أو ميتافيزيقي ثابت، بل هي نتاج الاتفاق البشري والعادات الاجتماعية والمصالح المتغيرة.

لقد أدت هذه الرؤية إلى تحرير الفكر الأخلاقي من سلطة التقاليد المطلقة، وفتحت المجال أمام التفكير النقدي في طبيعة القيم ومصدرها، كما ساهمت في ترسيخ فكرة أن الإنسان هو مركز التفكير الفلسفي. غير أن هذا التصور حمل في داخله أيضًا نوعًا من الشك الأخلاقي، لأنه جعل القيم خاضعة للتغير المستمر، وربطها بالمنفعة والمصلحة بدل ربطها بالحقيقة أو العدالة المطلقة.

ثالثًا: الأخلاق بين المنفعة والإقناع:

لم يكن اهتمام السفسطائيين بالأخلاق قائمًا على البحث عن الفضيلة بوصفها غاية إنسانية عليا، بقدر ما كان مرتبطًا بالنجاح العملي داخل المجتمع. ولذلك ركّزوا على تعليم فن الخطابة والقدرة على الإقناع، لأن الإنسان في نظرهم، يستطيع عبر اللغة والجدل أن يجعل الرأي الضعيف يبدو قويًا، وأن يؤثر في الآخرين مهما كانت حقيقة موقفه.

وقد أدى ذلك إلى ربط الأخلاق بالمنفعة والنجاح السياسي والاجتماعي، بحيث أصبحت القيمة الأخلاقية تُقاس بمدى فائدتها العملية لا بمدى انسجامها مع حقيقة ثابتة. ومن هنا تحولت البلاغة عند السفسطائيين إلى أداة للسلطة والتأثير، وأصبح الإقناع أهم من الحقيقة ذاتها.

غير أن هذا التصور أثار انتقادات واسعة، خاصة من قبل سقراط وأفلاطون، لأن تحويل الأخلاق إلى مجرد أداة للمنفعة والخطابة قد يؤدي إلى انهيار المعايير الأخلاقية، ويفتح المجال أمام الفوضى القيمية وهيمنة القوة والمصلحة على حساب العدالة والحقيقة.

رابعًا: نقد النسبية الأخلاقية وآثارها الفكرية

رغم الانتقادات الكثيرة التي وُجهت إلى السفسطائيين، فإن دورهم في تاريخ الفكر الفلسفي يظل بالغ الأهمية، لأنهم كانوا أول من طرح بصورة واضحة إشكالية نسبية القيم ومصدر الأخلاق. فقد ساهموا في تحرير العقل من التسليم الأعمى بالموروث، وأثاروا تساؤلات عميقة حول العلاقة بين الحقيقة واللغة، وبين الأخلاق والمجتمع، وبين الإنسان والمعرفة.

غير أن النسبية السفسطائية حملت نتائج فلسفية خطيرة، لأنها جعلت الخير والشر مفاهيم متغيرة لا تستند إلى معيار ثابت، الأمر الذي هدد إمكانية تأسيس أخلاق إنسانية مشتركة. فإذا كانت كل القيم نسبية، فإن العدالة نفسها تصبح خاضعة للمصلحة والقوة، ويصبح من الصعب التمييز بين الفضيلة والرذيلة بصورة موضوعية.

ومن هنا جاءت الفلسفة السقراطية بوصفها محاولة لإعادة بناء الأخلاق على أساس العقل والمعرفة، والبحث عن تعريفات ثابتة للخير والفضيلة والعدالة. وهكذا شكّل الجدل بين السفسطائيين وسقراط البداية الحقيقية لتطور فلسفة الأخلاق داخل الفكر اليوناني، وهو الجدل الذي سيستمر لاحقًا مع أفلاطون وأرسطو في إطار البحث عن الإنسان الفاضل والسعادة والمدينة العادلة.

سقراط وتأسيس الفضيلة على المعرفة:

شكل سقراط منعطفا حاسمًا في تاريخ الفلسفة الأخلاقية، لأنه نقل التفكير الفلسفي من دائرة النسبية السوفسطائية إلى البحث عن الحقيقة الأخلاقية الثابتة. فإذا كان السوفسطائيون قد جعلوا الأخلاق خاضعة للمنفعة والاتفاق الاجتماعي، فإن سقراط رفض هذا التصور، واعتبر أن الخير والعدل والفضيلة ليست مجرد آراء متغيرة، بل حقائق عقلية يمكن للعقل الإنساني أن يدركها عبر الحوار والتأمل والتفكير النقدي. ومن هنا ارتبط المشروع السقراطي بمحاولة إعادة تأسيس الأخلاق على المعرفة والعقل، بدل الخطابة والمصلحة والمنفعة العملية.

لقد عاش سقراط في مرحلة شهدت اضطرابات سياسية وفكرية عميقة داخل مدينة أثينا، حيث انتشرت النزعة السوفسطائية التي جعلت النجاح في الإقناع أهم من الوصول إلى الحقيقة. غير أن سقراط رأى في هذا التوجه خطرًا يهدد القيم الأخلاقية ويؤدي إلى انهيار المعايير الإنسانية، ولذلك جعل من الفلسفة رسالة أخلاقية هدفها تهذيب النفس وتحرير الإنسان من الجهل والأوهام.

وقد تمحور المشروع الأخلاقي السقراطي حول سؤال أساسي: ما الفضيلة؟ فبدل الاكتفاء بالآراء الشائعة والتصورات النسبية، سعى سقراط إلى البحث عن تعريفات كلية وثابتة للخير والعدالة والشجاعة والحكمة. وكان يؤمن بأن الوصول إلى هذه التعريفات لا يتم عبر الحواس أو الخطابة، بل عبر العقل والحوار الفلسفي القائم على الفحص والتأمل.

أولًا: الفضيلة بوصفها معرفة عقلية

يُعدّ الربط بين الفضيلة والمعرفة أهم مبدأ في الفلسفة الأخلاقية السقراطية. فقد اعتبر سقراط أن الإنسان لا يرتكب الشر بإرادة واعية، وإنما نتيجة الجهل بحقيقة الخير. فالإنسان — في نظره — يميل بطبيعته إلى ما يراه نافعًا له، وإذا أدرك الخير إدراكًا حقيقيًا فإنه سيختاره بالضرورة، لأن النفس الإنسانية لا ترغب عمدًا فيما يضرها.

ومن هنا جاءت مقولته الضمنية الشهيرة التي يمكن تلخيصها في فكرة: "الفضيلة معرفة، والرذيلة جهل."

فالأخلاق عند سقراط ليست مجموعة أوامر خارجية تُفرض على الإنسان، بل هي وعي عقلي بحقيقة الخير. ولذلك يصبح العقل هو الأساس الذي تقوم عليه الحياة الأخلاقية، ويصبح الجهل أصل الانحراف والرذيلة والظلم.

وقد مثّل هذا التصور ثورة فكرية كبرى، لأنه جعل السلوك الأخلاقي مرتبطًا بالمعرفة الذاتية والتأمل العقلي، لا بالخوف من العقاب أو الخضوع للتقاليد الاجتماعية. فالإنسان الفاضل عند سقراط ليس من يطيع القوانين بصورة عمياء، بل من يدرك بعقله معنى الخير والعدل، ثم يجعل سلوكه منسجمًا مع هذا الإدراك.

ثانيًا: وحدة الفضائل والعقل أساس الأخلاق:

يرى سقراط أن الفضائل الإنسانية المختلفة تعود في حقيقتها إلى الحكمة. فالشجاعة والعدل والاعتدال ليست فضائل منفصلة تمامًا، وإنما تجليات متعددة لمعرفة الخير. فالإنسان الشجاع حقا هو الذي يعرف متى ينبغي الإقدام ومتى ينبغي التراجع، والإنسان العادل هو الذي يدرك بعقله معنى العدالة ويمارسها عن وعي.

ومن هنا ظهرت فكرة "وحدة الفضائل" في الفلسفة السقراطية، حيث تصبح الحكمة أصل جميع الفضائل الأخرى. فإذا تحقق العقل السليم تحقق معه السلوك الأخلاقي القويم، لأن العقل هو القادر على التمييز بين الخير والشر، وبين النافع والضار، وبين الفضيلة والرذيلة.

لقد منح سقراط للعقل مكانة مركزية داخل الأخلاق، وجعل الإنسان كائنًا أخلاقيًا لأنه كائن عاقل. ولذلك لم يعد معيار الفضيلة مرتبطًا بالقوة أو الثروة أو النجاح السياسي، كما كان الحال عند بعض السوفسطائيين، بل أصبح مرتبطًا بمدى قدرة الإنسان على معرفة ذاته وضبط رغباته وتوجيه سلوكه وفق مبادئ عقلية.

ثالثًا: منهج سقراط في البحث عن الحقيقة الأخلاقية

لم يكن سقراط يقدّم تعاليم جاهزة أو نظريات مكتملة، بل اعتمد منهجًا حواريًا يهدف إلى تدريب العقل على التفكير النقدي واكتشاف الحقيقة بنفسه. وقد عُرف هذا الأسلوب بالمنهج السقراطي، وهو منهج يقوم على الحوار والسؤال والفحص المستمر.

أولا: التهكم السقراطي:

كان سقراط يبدأ حواره غالبًا بإظهار الجهل والتواضع المعرفي، مدّعيًا أنه لا يعرف شيئًا، وذلك من أجل دفع محاوره إلى التعبير عن آرائه بثقة. ثم يبدأ بعد ذلك في مناقشة هذه الآراء وكشف تناقضاتها الداخلية. وقد عُرف هذا الأسلوب باسم “التهكم السقراطي”، وكان هدفه تحطيم اليقين الزائف الذي يقوم على الوهم أو التقليد.

ثانيا: التوليد:

بعد كشف التناقضات، ينتقل سقراط إلى مرحلة “التوليد”، وهي محاولة مساعدة المحاور على اكتشاف الحقيقة بنفسه عبر الأسئلة المتتابعة. وقد شبّه سقراط نفسه بالقابلة التي تساعد على ولادة الأفكار الكامنة داخل النفس الإنسانية. ولذلك لم يكن هدفه تلقين المعرفة، بل تحرير العقل من الجهل وتمكين الإنسان من الوصول إلى الحقيقة عن طريق التفكير الذاتي.

ثالثا: الحوار

شكّل الحوار جوهر الفلسفة السقراطية، لأن الحقيقة  في نظر سقراط، لا تُفرض بالقوة أو الخطابة، بل تُبنى عبر النقاش العقلي الحر. ومن هنا أصبحت الفلسفة عنده ممارسة نقدية تهدف إلى فحص الأفكار والمعتقدات بدل التسليم بها بصورة عمياء.

رابعًا: الأخلاق وتهذيب النفس:

تكمن أهمية الفلسفة السقراطية في أنها جعلت الأخلاق قضية داخلية مرتبطة بالنفس الإنسانية، لا مجرد التزام خارجي بالقوانين والعادات. فالفضيلة الحقيقية لا تتحقق عبر المظاهر أو الشهرة أو السلطة، وإنما عبر تهذيب النفس وتطهيرها من الجهل والأهواء.

وقد ربط سقراط السعادة بالحياة الفاضلة، معتبرًا أن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيدًا إذا كانت نفسه مضطربة وفاسدة، حتى وإن امتلك المال أو السلطة. فالسعادة الحقيقية تقوم على الانسجام الداخلي وصفاء الروح، وهي لا تتحقق إلا عبر المعرفة والحكمة وممارسة الفضيلة. ولهذا جاءت عبارته الشهيرة:

"الحياة التي لا تخضع للفحص لا تستحق أن تُعاش."

وتكشف هذه العبارة عن البعد العميق للفلسفة السقراطية، إذ إن الإنسان لا يصبح إنسانًا كاملًا إلا حين يمارس التفكير النقدي ويتأمل ذاته وأفعاله وقيمه بصورة مستمرة.

خامسًا: أثر الفلسفة السقراطية في تطور الأخلاق

لقد مهّد سقراط الطريق أمام تطور الفلسفة الأخلاقية اليونانية، لأن مشروعه الفلسفي أعاد الاعتبار للعقل والحقيقة في مواجهة النسبية السوفسطائية. وقد كان تأثيره واضحًا في فلسفة أفلاطون الذي جعل العدالة انسجامًا بين قوى النفس، كما امتد أثره إلى أرسطو الذي طوّر مفهوم الفضيلة وربطه بالممارسة العملية والاعتدال.

وبذلك يمكن القول إن سقراط وضع الأساس الحقيقي لفلسفة أخلاق الفضيلة، لأنه جعل الإنسان محور الأخلاق، وربط الفضيلة بالمعرفة والعقل وتهذيب النفس، مؤسسًا تصورًا أخلاقيًا يرى أن الخير ليس مجرد منفعة أو اتفاق اجتماعي، بل حقيقة عقلية تسعى النفس الإنسانية إلى إدراكها وتحقيقها في الحياة العملية.

أفلاطون: العدالة بوصفها انسجامًا للنفس وبناءً للمدينة الفاضلة:

يمثل أفلاطون مرحلة متقدمة في تطور الفكر الأخلاقي اليوناني، حيث لم يعد الاهتمام منصبًا على نقد النسبية السفسطائية أو البحث عن تعريفات جزئية للفضيلة، بل انتقل إلى بناء تصور شامل يجعل الأخلاق مرتبطة ببنية الوجود ذاته. فالأخلاق عند أفلاطون ليست مجرد قواعد سلوكية أو أعراف اجتماعية، وإنما هي انعكاس لنظام ميتافيزيقي أعلى تحكمه فكرة الخير المطلق، الذي يُعد المصدر النهائي لكل القيم الإنسانية. ومن هنا تصبح الفضيلة عنده مرتبطة بالاقتراب من هذا الخير الأعلى، عبر تهذيب النفس وتنظيم قواها الداخلية.

وينطلق أفلاطون في تحليله للأخلاق من تصور نفسي دقيق يقوم على تقسيم النفس الإنسانية إلى ثلاث قوى رئيسية متمايزة ولكنها مترابطة في الوقت نفسه. فهناك النفس العاقلة التي تمثل مركز التفكير والتأمل وإدراك الحقيقة، وهي التي تتكفل بتوجيه الإنسان نحو المعرفة الصحيحة، وتكون فضيلتها الأساسية هي الحكمة. وإلى جانبها توجد النفس الغضبية التي ترتبط بالانفعالات مثل الغضب والحماسة والدفاع عن الذات، وتتمثل فضيلتها في الشجاعة. أما النفس الشهوانية فهي مرتبطة بالرغبات الجسدية والميول المادية واللذات الحسية، وتكون فضيلتها في العفة وضبط الشهوات. وبذلك لا ينظر أفلاطون إلى هذه القوى باعتبارها متناقضة بشكل مطلق، بل باعتبارها عناصر يجب تنظيمها داخل وحدة نفسية متوازنة.

ومن هذا التصور النفسي ينطلق أفلاطون إلى تحديد مفهومه المركزي في الأخلاق، وهو مفهوم العدالة. فالعدالة ليست مجرد سلوك خارجي أو التزام قانوني، بل هي حالة داخلية من الانسجام والتوازن بين قوى النفس المختلفة. وتتحقق العدالة عندما تقود النفس العاقلة بقية القوى، فتخضع النفس الغضبية لتوجيه العقل، وتلتزم النفس الشهوانية بالاعتدال وعدم التمرد على النظام الداخلي للنفس. وبذلك يصبح الإنسان العادل هو الإنسان المتوازن الذي تعيش قواه النفسية في انسجام دون صراع أو هيمنة، حيث يؤدي كل جزء وظيفته الطبيعية تحت قيادة العقل.

ولا يقتصر هذا التصور على الفرد فقط، بل يمتد ليشمل البنية السياسية للمجتمع، حيث يعكس أفلاطون تصور النفس على المدينة الفاضلة. فكما تتكون النفس من ثلاث قوى، تتكون المدينة من ثلاث طبقات اجتماعية متكاملة. فالحكام الفلاسفة يمثلون العقل في المجتمع، لأنهم الأكثر قدرة على إدراك الحقيقة والخير، وهم المؤهلون لقيادة الدولة. أما الجنود فيمثلون القوة الغضبية، ووظيفتهم حماية المدينة والدفاع عنها، في حين يمثل العمال الجانب الشهواني، وهم المسؤولون عن الإنتاج وتلبية الحاجات المادية. وتتحقق العدالة في المجتمع عندما يؤدي كل فرد وظيفته دون تجاوز أو تعدٍّ على وظائف الآخرين، في انسجام يشبه انسجام النفس العادلة.

ويترتب على هذا التصور أن السعادة عند أفلاطون ليست مرتبطة باللذة أو الثروة أو السلطة، بل ترتبط أساسًا بالانسجام الداخلي للنفس. فالسعادة الحقيقية تتحقق عندما ينجح الإنسان في ضبط رغباته وتوجيه انفعالاته بالعقل، فيعيش حالة من التوازن الداخلي الذي يعكس العدالة النفسية. كما أن هذه السعادة تتعزز كلما اتجهت النفس نحو عالم المثل، وخاصة نحو “مثال الخير” الذي يمثل الغاية القصوى للوجود الإنساني. ومن هنا تصبح الحياة الفاضلة هي الحياة التي تتجاوز العالم الحسي المتغير، وتسعى نحو الحقيقة المطلقة والثبات العقلي.

ويولي أفلاطون أهمية مركزية للتربية، باعتبارها الوسيلة الأساسية لبناء الإنسان الفاضل وتأسيس المدينة العادلة. فالتربية ليست مجرد عملية تعليمية لنقل المعرفة، بل هي عملية تهذيب للنفس وتشكيل لميولها واتجاهاتها. فهي تعمل على تنمية الجانب العقلي، وضبط الانفعالات، وتنظيم الرغبات، بما يضمن تكوين شخصية متوازنة قادرة على العيش داخل مجتمع عادل. ومن هنا يتضح أن مشروع أفلاطون الأخلاقي ليس مشروعًا فرديًا فقط، بل هو مشروع حضاري شامل يهدف إلى إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع على أساس الانسجام والعدالة والعقل.

أرسطو وأخلاق الوسط الذهبي: الفضيلة بوصفها اعتدالا وممارسةً عملية للسعادة:

يمثل أرسطو مرحلة حاسمة في تطور الفكر الأخلاقي اليوناني، إذ انتقل بالفلسفة الأخلاقية من المجال المثالي الذي صاغه أفلاطون إلى مجال أكثر واقعية وارتباطًا بالحياة الإنسانية اليومية. فقد رفض أرسطو فكرة أن الفضيلة تُفهم من خلال عالم المثل أو التصورات المجردة، واعتبر أن الأخلاق لا تنفصل عن التجربة الإنسانية الملموسة، بل تنبع من طبيعة الإنسان نفسه بوصفه كائنًا عاقلًا واجتماعيًا يعيش داخل المجتمع ويسعى إلى تحقيق غاياته العملية. ومن هنا أسس تصوره الأخلاقي على مبدأ أساسي مفاده أن كل فعل إنساني يتجه نحو غاية، وأن الغاية العليا التي يسعى إليها الإنسان هي السعادة.

غير أن السعادة عند أرسطو ليست مجرد لذة حسية أو متعة عابرة، بل هي حالة من الكمال الإنساني تتحقق من خلال نشاط النفس وفق الفضيلة، أي من خلال ممارسة عقلية وأخلاقية متوازنة تجعل الإنسان منسجمًا مع طبيعته العاقلة. ولهذا ربط أرسطو بين السعادة والفضيلة ربطًا وثيقًا، بحيث تصبح الفضيلة هي الطريق الوحيد المؤدي إلى الحياة السعيدة، لأنها تمثل التوازن الصحيح في أفعال الإنسان وسلوكياته.

وفي هذا السياق، قدم أرسطو نظريته الشهيرة في الأخلاق، وهي نظرية “الوسط الذهبي”، التي تقوم على فكرة أن الفضيلة تقع دائمًا في نقطة وسط بين طرفين متناقضين يمثلان الرذيلة. فكل فضيلة عنده هي حالة اعتدال بين الإفراط والتفريط، وبين الزيادة والنقصان في السلوك الإنساني. فالشجاعة مثلًا ليست تهورًا ولا جبنًا، بل هي وسط بين التهور المفرط والجبن المنقوص، والكرم ليس تبذيرًا ولا بخلًا، بل هو اعتدال في الإنفاق والعطاء، كما أن الاعتدال نفسه يمثل توازنًا بين الانغماس في الشهوات والجمود أو الحرمان الكامل منها. وهكذا تتحول الفضيلة عند أرسطو إلى فنّ في إدارة الحياة يقوم على ضبط السلوك وتوجيهه نحو التوازن.

وتتميز الأخلاق الأرسطية بكونها أخلاقًا عملية مكتسبة، وليست فطرية أو نظرية فقط. فالإنسان لا يصبح فاضلًا بمجرد معرفة معنى الفضيلة، بل من خلال التكرار والممارسة والتدريب المستمر، حتى تتحول الأفعال الأخلاقية إلى عادات راسخة في الشخصية. فالعدل لا يُكتسب إلا بممارسة الأفعال العادلة، والشجاعة لا تتشكل إلا من خلال مواجهة المواقف التي تتطلب الشجاعة. وبذلك تصبح الفضيلة عند أرسطو عادة مستقرة في النفس تنشأ عبر التربية والتجربة.

كما ميّز أرسطو بين نوعين من الفضائل: الفضائل الأخلاقية التي تُكتسب بالممارسة والعادة، مثل العدل والشجاعة والكرم، والفضائل العقلية التي تُكتسب بالتعليم والتأمل، مثل الحكمة والفهم والمعرفة النظرية. وهذا التمييز يعكس تصورًا متكاملًا للإنسان باعتباره كائنًا يجمع بين العقل والسلوك، وبين النظر والعمل.

ومن جهة أخرى، حملت فلسفة أرسطو بعدًا اجتماعيًا واضحًا، إذ اعتبر أن الإنسان لا يمكن أن يحقق كماله الأخلاقي خارج المجتمع، لأن الفضيلة لا تتجلى إلا داخل الحياة المشتركة في المدينة. فالأخلاق ليست شأنًا فرديًا منعزلًا، بل هي ممارسة اجتماعية تنظم العلاقات بين الأفراد وتضمن استقرار المجتمع وتوازنه.

أخلاق الفضيلة في الفلسفة الإسلامية:

أبو نصر الفارابي والمدينة الفاضلة بوصفها نموذجًا للسعادة الإنسانية:

يعدّ أبو نصر الفارابي من أبرز الفلاسفة الذين سعوا إلى إعادة بناء الفلسفة الأخلاقية والسياسية في إطار يجمع بين التراث اليوناني والتصور الإسلامي، حيث حاول تقديم رؤية متكاملة تجعل من الأخلاق والسياسة مجالا واحدًا متداخلا، هدفه الأسمى هو تحقيق السعادة الإنسانية. فقد انطلق الفارابي من فكرة مركزية مفادها أن الإنسان لا يستطيع بلوغ كماله الأخلاقي أو تحقيق سعادته الحقيقية بصورة فردية منعزلة، بل لا بد له من الانخراط داخل مجتمع منظم تسوده قيم التعاون والعدالة والتكامل، لأن الطبيعة الإنسانية نفسها قائمة على الافتقار إلى الآخرين والحاجة إلى الحياة المشتركة.

ومن هذا المنطلق، صاغ الفارابي تصوره الشهير عن "المدينة الفاضلة" ، التي تمثل النموذج الأعلى للمجتمع الإنساني المثالي. فالمدينة الفاضلة عنده ليست مجرد تنظيم سياسي، بل هي بناء أخلاقي وروحي متكامل، تتحقق فيه السعادة بوصفها الغاية القصوى للوجود الإنساني. وتقوم هذه المدينة على أسس من العدل والتعاون والتكامل بين أفرادها، حيث يؤدي كل فرد وظيفته وفق قدراته الطبيعية، بما يضمن انسجام البنية الاجتماعية واستقرارها.

وفي قلب هذا التصور السياسي والأخلاقي، يضع الفارابي شخصية “الحاكم الفاضل” الذي يشكل محور المدينة الفاضلة وركيزتها الأساسية. فهذا الحاكم لا يكون مجرد قائد سياسي، بل يجب أن يجمع بين الحكمة والمعرفة النظرية والفضيلة الأخلاقية، بحيث يكون قادرًا على إدراك الحقائق الكلية وتوجيه المجتمع نحو الخير الأسمى. وقد تأثر الفارابي في هذا التصور بفلسفة أفلاطون، خاصة فكرة الفيلسوف الحاكم، لكنه أعاد صياغتها داخل أفق إسلامي يمنحها بعدًا روحيًا وأخلاقيًا أعمق، يجعل القيادة السياسية مرتبطة بالهداية العقلية والأخلاقية معًا.

ويرى الفارابي أن السعادة ليست حالة حسية أو مادية، بل هي حالة عقلية وأخلاقية تتحقق عبر الارتقاء بالنفس من مستوى الإدراك الحسي إلى مستوى المعرفة العقلية، ثم إلى مستوى الكمال الأخلاقي. ولذلك تصبح السعادة عنده مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفضيلة، لأن الفضيلة هي الوسيلة التي يرتقي بها الإنسان نحو تحقيق كماله الحقيقي. ومن هنا فإن المدينة الفاضلة ليست غاية سياسية فحسب، بل هي أيضًا وسيلة لتحقيق السعادة الإنسانية القصوى.

كما يولي الفارابي أهمية خاصة للتربية والتعليم في بناء الإنسان الفاضل، إذ يرى أن الإنسان لا يولد كاملًا أو فاضلًا بطبيعته، بل يكتسب الفضائل عبر التوجيه والتربية والتنشئة داخل مجتمع منظم. فالتعليم عنده ليس مجرد نقل للمعرفة، بل هو عملية تهذيب للنفس وصقل للقدرات العقلية والأخلاقية، بما يسمح بتكوين أفراد قادرين على المساهمة في بناء مجتمع فاضل.

ويبرز من خلال هذا التصور أن الفارابي قد ربط الأخلاق بالسياسة ربطًا وثيقًا، بحيث يصبح إصلاح المجتمع شرطًا أساسيًا لإصلاح الفرد، كما يصبح تحقيق العدالة داخل المدينة شرطًا لتحقيق السعادة الفردية والجماعية معًا. فالأخلاق عنده ليست شأنًا فرديًا معزولًا، بل هي جزء من مشروع سياسي-فلسفي شامل يهدف إلى بناء مجتمع متوازن، تتكامل فيه الوظائف الإنسانية تحت قيادة عقلية حكيمة، وتتحقق فيه السعادة بوصفها الغاية النهائية للحياة الإنسانية.

المبحث الثاني: ابن مسكويه وتهذيب الأخلاق وبناء النفس الفاضلة:

يُعدّ ابن مسكويه من أبرز أعلام الفلسفة الأخلاقية في الحضارة الإسلامية، إذ مثّل مشروعه محاولة عقلانية دقيقة لإعادة بناء الأخلاق على أسس علمية وتربوية تجمع بين الإرث الفلسفي اليوناني، خاصة عند أرسطو، وبين الرؤية الإسلامية التي تجعل من تهذيب النفس طريقًا إلى الكمال الإنساني والسعادة الأخروية والدنيوية في آن واحد. وقد تميز فكره بكونه لم يقتصر على التنظير الأخلاقي المجرد، بل اتجه إلى صياغة تصور عملي يهدف إلى تكوين الإنسان الفاضل عبر التربية والممارسة والمجاهدة النفسية المستمرة.

وينطلق ابن مسكويه في بناء نظريته الأخلاقية من تصور دقيق لبنية النفس الإنسانية، حيث يرى أنها تتكون من ثلاث قوى أساسية متكاملة ومتفاعلة: القوة العاقلة التي تمثل مركز التفكير والإدراك والتمييز بين الخير والشر، والقوة الغضبية التي ترتبط بالانفعال والدفاع عن الذات والحماسة، والقوة الشهوانية التي تمثل مصدر الرغبات الجسدية والميول المادية. ولا ينظر ابن مسكويه إلى هذه القوى باعتبارها متعارضة في ذاتها، بل باعتبارها عناصر ضرورية لبناء الشخصية الإنسانية، غير أن صلاح الإنسان أو فساده يتوقف على مدى قدرة العقل على ضبطها وتنظيمها داخل توازن دقيق.

ومن هذا التصور النفسي، يتأسس مفهوم الفضيلة عند ابن مسكويه على مبدأ الاعتدال والتوازن بين قوى النفس المختلفة، حيث تتحقق الفضائل الأساسية عندما تُدار هذه القوى بصورة متوازنة. فالحكمة هي فضيلة القوة العاقلة، والشجاعة هي فضيلة القوة الغضبية عندما تخضع لتوجيه العقل، والعفة هي فضيلة القوة الشهوانية عندما تُضبط ضمن حدود الاعتدال، أما العدالة فهي الفضيلة الجامعة التي تتحقق عندما تنسجم هذه القوى جميعًا تحت قيادة العقل دون طغيان إحداها على الأخرى. وبذلك تصبح العدالة عنده حالة من التوازن الداخلي الشامل الذي يعكس سلامة النفس واستقامتها.

ويتبنى ابن مسكويه في هذا السياق نظرية الوسط الأخلاقي التي تأثر فيها بوضوح بالفلسفة الأرسطية، إذ يرى أن الفضيلة لا توجد في الإفراط ولا في التفريط، وإنما في الحد الوسطي بينهما. غير أن هذا الوسط ليس مجرد توازن حسابي، بل هو حالة نفسية مكتسبة تتشكل عبر التربية المستمرة، والتدريب العملي، والمجاهدة الذاتية، بحيث تتحول الفضيلة إلى عادة راسخة في شخصية الإنسان. ومن هنا يؤكد ابن مسكويه أن الأخلاق ليست فطرية بالكامل، بل قابلة للتكوين والتعديل، وأن الإنسان يستطيع أن يعيد تشكيل سلوكه ونفسه من خلال التربية والاعتياد.

وتكتسب التربية عند ابن مسكويه أهمية مركزية في بناء الإنسان الفاضل، إذ يعتبرها الوسيلة الأساسية لتهذيب النفس منذ الطفولة المبكرة، حيث يتم غرس القيم الأخلاقية تدريجيًا عبر التوجيه والممارسة والتكرار، إلى أن تصبح جزءًا من الطبيعة الثانية للإنسان. فالتربية في تصوره ليست مجرد تعليم نظري، بل هي عملية تهذيب شامل للنفس، تهدف إلى توجيه الإنسان نحو ضبط رغباته وتنمية عقله وتطوير سلوكه الأخلاقي.

أما السعادة، فهي في فلسفة ابن مسكويه ليست مرتبطة باللذة الحسية أو المكاسب المادية، بل تتحقق عبر الارتقاء الروحي والعقلي، أي من خلال تغليب جانب العقل على الشهوات والانفعالات، وتحقيق الانسجام بين قوى النفس المختلفة. فالإنسان السعيد هو الإنسان الذي يعيش حالة من التوازن الداخلي، حيث تكون نفسه منسجمة، وعقله قائدًا لسلوكه، ورغباته خاضعة لمبدأ الاعتدال.

وبذلك يقدم ابن مسكويه تصورًا أخلاقيًا متكاملًا يجمع بين البعد النظري والبعد العملي، ويجعل من الأخلاق مشروعًا تربويًا طويل الأمد يهدف إلى بناء الإنسان الفاضل القادر على تحقيق التوازن الداخلي والعيش وفق فضائل راسخة، وهو ما يمنح فكره مكانة مركزية في تطور فلسفة الأخلاق داخل الفكر الإسلامي.

المبحث الثالث: ابن رشد والأخلاق العقلانية وبناء الفضيلة العملية:

يُعدّ ابن رشد من أبرز الفلاسفة الذين سعوا إلى إعادة بناء التصور الأخلاقي على أساس عقلاني صارم، من خلال قراءة معمّقة للفلسفة الأرسطية وإعادة إدماجها داخل السياق الإسلامي بطريقة تُبرز الانسجام بين الحكمة والشريعة. فقد انطلق ابن رشد من قناعة مركزية مفادها أن الأخلاق لا يمكن أن تفهم بوصفها مجرد التزام خارجي بالقوانين أو مجموعة من المواعظ النظرية، بل هي قدرة عقلية وعملية في آن واحد، تمكّن الإنسان من اختيار الخير عن وعي وإرادة حرة، وفق إدراك عقلي لمقتضيات الفعل الأخلاقي وغاياته.

ومن هذا المنطلق، أعاد ابن رشد تعريف الفضيلة باعتبارها ملكة عملية مكتسبة، لا تتحقق إلا عبر التدريب والممارسة والخبرة الحياتية، وليس عبر المعرفة النظرية المجردة وحدها. فالإنسان لا يصبح فاضلًا بمجرد إدراكه لمفهوم الخير، بل من خلال تكرار الأفعال الخيّرة إلى أن تتحول إلى عادات راسخة في السلوك، تُوجّهها قوة العقل وتضبطها الإرادة الواعية. ولذلك ربط ابن رشد الأخلاق ارتباطًا وثيقًا بالتربية والتجربة الاجتماعية، باعتبارهما المجالين الأساسيين لتكوين الشخصية الأخلاقية وتنميتها.

كما يؤكد ابن رشد أن السعادة الإنسانية لا تتحقق إلا من خلال تكامل العقل والفضيلة، حيث يصبح العقل هو الأداة التي تهدي الإنسان إلى التمييز بين الخير والشر، بينما تمثل الفضيلة التطبيق العملي لهذا التمييز في الواقع. فالسعادة عنده ليست حالة انفعالية أو شعورًا عابرًا، بل هي حالة من الكمال الإنساني تتحقق عندما تنسجم قوى النفس مع مقتضيات العقل، وتنتظم أفعال الإنسان داخل نظام أخلاقي متوازن. ومن هنا يصبح المجتمع العادل شرطًا أساسيًا لتحقيق السعادة، لأنه يوفر البيئة التي تسمح للأفراد بتنمية قدراتهم العقلية والأخلاقية في إطار منظم وعادل.

ويظهر الطابع الواقعي في فلسفة ابن رشد الأخلاقية من خلال تأكيده على أن بناء الإنسان الفاضل هو عملية طويلة ومعقدة، لا تتحقق دفعة واحدة، بل تحتاج إلى التربية المستمرة والتدريب المتدرج والانخراط الفعلي داخل الحياة الاجتماعية. فالفعل الأخلاقي لا ينفصل عن الواقع، بل يتشكل داخله ويتطور عبره، مما يجعل الأخلاق عند ابن رشد مشروعًا عمليًا يهدف إلى تهذيب الإنسان من خلال التجربة والتفاعل مع المجتمع.

كما منح ابن رشد للتربية والتعليم دورًا جوهريًا في تشكيل الإنسان الأخلاقي، إذ اعتبرهما الوسيلتين الأساسيتين لاكتساب الفضيلة وتنمية القدرة على الاختيار العقلاني. فالتربية لا تقتصر على نقل المعرفة، بل تمتد إلى بناء ملكة التفكير النقدي وتنمية القدرة على التمييز الأخلاقي، بما يجعل الإنسان قادرًا على توجيه أفعاله وفق مبادئ عقلية راسخة.

وفي سياق رؤيته الشاملة، دافع ابن رشد عن وحدة الحقيقة بين العقل والشريعة، منتقدًا التصورات التي تفصل بينهما أو تجعل بينهما تعارضًا. فقد اعتبر أن الشريعة الحقة لا يمكن أن تتناقض مع الحكمة الفلسفية، لأن كليهما يهدف إلى تحقيق الخير العام وسعادة الإنسان. وبذلك أعاد ابن رشد الاعتبار للعقل داخل المجال الأخلاقي، وجعله أداة أساسية لفهم الشريعة وتطبيقها في الحياة العملية.

ومن خلال هذا التصور، يقدم ابن رشد نموذجًا للأخلاق العقلانية التي تقوم على الربط بين الفكر والعمل، وبين النظرية والتطبيق، وبين الفرد والمجتمع، بحيث تصبح الفضيلة مشروعًا إنسانيًا متكاملًا يتأسس على التربية والممارسة والعقل، ويهدف في النهاية إلى تحقيق السعادة داخل مجتمع عادل ومنظم.

السعادة والفضيلة والعقل:

المبحث الأول: مفهوم السعادة في فلسفة الفضيلة:

تحتل السعادة موقعًا مركزيًا داخل فلسفة أخلاق الفضيلة، إذ تمثل الغاية النهائية التي يتجه إليها الفعل الإنساني في مختلف التصورات الفلسفية، سواء في الفكر اليوناني أو في امتداداته داخل الفلسفة الإسلامية. فالسعادة ليست مجرد نتيجة عرضية للسلوك الأخلاقي، بل هي الهدف الأسمى الذي يمنح الأخلاق معناها ووظيفتها، ويجعل من الفضيلة طريقًا ضروريًا لتحقيق حياة إنسانية متكاملة. غير أن مفهوم السعادة لم يكن واحدًا أو بسيطًا، بل عرف تطورًا عميقًا عبر تاريخ الفكر الفلسفي، حيث انتقل من الفهم الحسي الضيق إلى التصور العقلي والروحي الشامل.

ففي الفلسفة السقراطية، ارتبطت السعادة ارتباطًا وثيقًا بالمعرفة والحكمة، إذ اعتبر سقراط أن الإنسان لا يمكن أن يكون سعيدًا إلا إذا عرف الخير معرفة عقلية صحيحة، لأن الجهل هو أصل الشقاء والانحراف الأخلاقي. فالسعادة عنده ليست حالة شعورية مؤقتة، بل حالة داخلية ناتجة عن صفاء النفس ووضوح الرؤية العقلية تجاه الخير والشر. أما في الفلسفة الأفلاطونية، فقد أخذت السعادة بعدًا ميتافيزيقيًا أعمق، حيث ربطها أفلاطون بانسجام قوى النفس الثلاث، وبالارتقاء التدريجي نحو عالم المثل، وخاصة “مثال الخير” الذي يمثل الغاية العليا للوجود الإنساني. فالسعادة هنا هي نتيجة تحقيق التوازن الداخلي والسمو الروحي نحو الحقيقة المطلقة.

أما عند أرسطو، فقد اكتسب مفهوم السعادة طابعًا أكثر واقعية وارتباطًا بالفعل الإنساني، إذ عرّفها بأنها نشاط النفس وفق الفضيلة، أي أنها ليست مجرد حالة نظرية أو تأملية، بل ممارسة عملية مستمرة تحقق الكمال الإنساني عبر الاعتدال والتوازن. فالسعادة عنده تتحقق حين يعيش الإنسان وفق طبيعته العاقلة، ويُفعّل قدراته الأخلاقية والعقلية في إطار من الانسجام بين الفكر والعمل.

ومع انتقال الفكر الفلسفي إلى السياق الإسلامي، أعاد الفلاسفة المسلمون صياغة مفهوم السعادة داخل رؤية تجمع بين العقل والوحي، وبين البعد الروحي والبعد الأخلاقي. فقد ربط الفارابي وابن مسكويه وابن رشد السعادة بالكمال الإنساني الشامل، معتبرين أن الإنسان لا يبلغ السعادة الحقيقية إلا عندما يحقق التوازن بين حاجات الجسد ومتطلبات الروح، وبين المعرفة العقلية والالتزام الأخلاقي. وهكذا أصبحت السعادة في الفلسفة الإسلامية مشروعًا تكامليًا يهدف إلى تهذيب الإنسان ورفعته في الدنيا والآخرة.

وبذلك يتضح أن مفهوم السعادة في فلسفة الفضيلة ليس مفهومًا بسيطًا أو أحادي البعد، بل هو تصور مركب يعكس رؤية شاملة للإنسان بوصفه كائنًا يسعى إلى الكمال عبر المعرفة والفضيلة والتوازن الداخلي.

المبحث الثاني: العقل بوصفه أساسًا للأخلاق

تجمع فلسفة أخلاق الفضيلة، في مختلف مراحلها التاريخية، على أن العقل يمثل الأساس الجوهري الذي يقوم عليه السلوك الأخلاقي الإنساني، وأنه الأداة التي تمكن الإنسان من إدراك الخير وتمييزه عن الشر، ومن ثم توجيه أفعاله وفق هذا الإدراك. فالعقل ليس مجرد ملكة معرفية، بل هو قوة تنظيمية داخل النفس، تضبط الرغبات والانفعالات، وتمنح السلوك الإنساني طابعًا عقلانيًا متزنا.

ففي الفلسفة السقراطية، يُعد العقل الوسيلة الأساسية للوصول إلى الحقيقة الأخلاقية، إذ يرى سقراط أن الإنسان لا يفعل الشر عن قصد، بل نتيجة الجهل، مما يجعل المعرفة العقلية شرطًا أساسيًا للفضيلة. أما في الفلسفة الأفلاطونية، فقد ارتقى العقل إلى مرتبة أعلى، إذ أصبح يمثل القوة التي ينبغي أن تحكم النفس وتوجّه قواها المختلفة، بحيث تتحقق العدالة الداخلية عندما تخضع الرغبات والانفعالات لسلطة العقل. وفي هذا الإطار، يصبح العقل هو الضامن للانسجام الداخلي وتحقيق الفضيلة بوصفها حالة توازن نفسي وروحي.

أما عند أرسطو، فقد اكتسب العقل وظيفة أكثر واقعية وارتباطًا بالحياة العملية، إذ اعتبره الأداة التي تمكن الإنسان من اتخاذ القرار الأخلاقي الصحيح، ومن تحقيق مبدأ الاعتدال أو “الوسط الذهبي”. فالعقل هنا لا يكتفي بإدراك الخير نظريًا، بل يشارك في توجيه الفعل الإنساني وضبطه داخل الواقع الاجتماعي.

وفي الفلسفة الإسلامية، حافظ الفلاسفة المسلمون على مركزية العقل، لكنهم أضافوا إليه بعدًا دينيًا وروحيًا جديدًا، حيث لم يعد العقل منفصلًا عن الهداية الإلهية، بل أصبح وسيلة لفهم الوحي وتفسيره وتحقيق مقاصده الأخلاقية. وبهذا الجمع بين العقل والوحي، اكتسبت الأخلاق بعدًا تكامليًا يجمع بين المعرفة العقلية والتوجيه الروحي.

ومن خلال هذا التصور المتكامل، يتضح أن أخلاق الفضيلة تقوم على رؤية تجعل الإنسان كائنًا عاقلًا بالأساس، قادرًا على تهذيب نفسه وتطوير سلوكه عبر الوعي والمعرفة والممارسة المستمرة، مما يجعل العقل محور البناء الأخلاقي وشرط تحقيق السعادة والفضيلة معًا.

الانتقادات الموجهة لأخلاق الفضيلة وحدودها النظرية والتطبيقية:

إشكالية النتائج والنوايا في أخلاق الفضيلة:

رغم المكانة المركزية التي تحتلها أخلاق الفضيلة داخل تاريخ الفلسفة الأخلاقية، بوصفها تصورًا يركز على بناء الشخصية الإنسانية الفاضلة أكثر من تركيزه على القواعد الصارمة أو النتائج المباشرة للأفعال، فإنها لم تسلم من نقد فلسفي عميق طاول بنيتها النظرية وحدودها التطبيقية. ومن أبرز هذه الانتقادات ذلك الذي يتعلق بمسألة العلاقة بين النية الأخلاقية ونتائج الفعل، حيث يُؤخذ على هذا الاتجاه أنه يمنح أهمية مفرطة لصفات الفاعل الداخلية ونواياه، على حساب ما ينتج عن أفعاله في الواقع العملي. فالفعل قد يصدر عن نية حسنة وشخص يتمتع بفضائل أخلاقية معتبرة، ومع ذلك يؤدي إلى نتائج سلبية أو حتى كارثية بسبب سوء التقدير أو نقص المعرفة بالظروف المحيطة بالفعل، مما يطرح إشكالًا حقيقيًا حول مدى كفاية التركيز على الشخصية الأخلاقية وحدها دون اعتبار كافٍ لعواقب الأفعال ونتائجها الفعلية في العالم الخارجي.

نسبية الفضائل وإشكالية الكونية الأخلاقية:

ومن الانتقادات الجوهرية الأخرى التي وجهت إلى أخلاق الفضيلة، إشكالية النسبية القيمية، إذ إن مفهوم الفضيلة نفسه يبدو متغيرا باختلاف الثقافات والمجتمعات والتقاليد التاريخية، مما يجعل من الصعب التوصل إلى تصور أخلاقي كوني ثابت ومشترك بين جميع البشر. فما يُعد فضيلة في سياق ثقافي معين قد لا يُنظر إليه بالطريقة نفسها في سياق آخر، بل قد يتحول إلى رذيلة أو سلوك غير مقبول. وهذا التباين يثير تساؤلًا فلسفيًا عميقًا حول إمكانية تأسيس أخلاق فضيلة ذات طابع إنساني شامل، تتجاوز الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، وتقدم معايير ثابتة يمكن الاحتكام إليها في الحكم الأخلاقي على الأفعال والسلوكيات. ومن هنا تظهر صعوبة بناء نموذج كوني للفضيلة في ظل هذا التعدد والتباين في القيم والتصورات الأخلاقية.

صعوبة التطبيق العملي وتعارض الفضائل:

كما تُواجه فلسفة أخلاق الفضيلة إشكالًا عمليًا يتعلق بقدرتها على تقديم إرشادات واضحة في المواقف الأخلاقية المعقدة، إذ يُلاحظ أنها لا تقدم دائمًا قواعد دقيقة أو حاسمة تساعد على اتخاذ القرار في الحالات التي تتداخل فيها القيم وتتعارض فيها الفضائل. ففي كثير من المواقف الواقعية، يجد الإنسان نفسه أمام تعارض بين فضائل مختلفة، مثل التعارض بين الصدق والرحمة، أو بين العدالة والشفقة، أو بين الوفاء للقاعدة الأخلاقية والاستجابة للظرف الإنساني الخاص. وفي مثل هذه الحالات، لا تقدم أخلاق الفضيلة معيارًا حاسمًا وواضحًا للفصل بين البدائل، مما يجعل عملية الاختيار الأخلاقي أكثر تعقيدًا واعتمادًا على التقدير الشخصي والحدس الأخلاقي بدل القاعدة النظرية الصارمة.

ورغم هذه الانتقادات، فإنها لم تؤدِ إلى إلغاء قيمة أخلاق الفضيلة أو التقليل من أهميتها الفلسفية، بل على العكس دفعت الفلاسفة المعاصرين إلى إعادة النظر في بنيتها وتطويرها، من خلال محاولة ربطها بقضايا العدالة الاجتماعية، والهوية الأخلاقية، والمسؤولية الفردية والجماعية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تعقيدات الواقع المعاصر وإشكالاته الأخلاقية المتجددة.

خاتمة الدراسة:

تكشف فلسفة أخلاق الفضيلة عن عمق الوعي الفلسفي بالسؤال الأخلاقي، باعتباره سؤالًا مرتبطًا بجوهر الإنسان وغاية وجوده. فمنذ البدايات الأولى للفلسفة اليونانية، ظل التفكير في الفضيلة والسعادة والعدالة يشكل محورًا رئيسيًا داخل المشروع الفلسفي، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش خارج منظومة من القيم والمعايير التي توجه سلوكه وتحدد علاقته بذاته وبالآخرين.

وقد بينت هذه الدراسة أن أخلاق الفضيلة لم تكن مجرد نظرية أخلاقية بسيطة، بل مشروعًا فلسفيًا متكاملًا يهدف إلى بناء الإنسان الفاضل القادر على تحقيق التوازن الداخلي والانسجام الاجتماعي. فسقراط جعل المعرفة أساس الفضيلة، وأفلاطون ربط العدالة بانسجام النفس والمدينة، بينما نقل أرسطو الأخلاق من المجال المثالي إلى المجال العملي، حين اعتبر الفضيلة عادة تُكتسب بالممارسة والاعتياد، وحدد الاعتدال بوصفه جوهر السلوك الأخلاقي.

كما أبرزت الدراسة أن الفلسفة الإسلامية لم تكن مجرد ناقل للفكر اليوناني، بل قامت بإعادة إنتاجه داخل رؤية حضارية خاصة، حيث حاول الفارابي وابن مسكويه وابن رشد التوفيق بين العقل والوحي، وبين الأخلاق الفردية والتنظيم الاجتماعي والسياسي. وقد ساهم ذلك في بناء تصور أخلاقي يجمع بين البعد الروحي والعقلي والعملي، ويجعل الفضيلة طريقًا نحو تحقيق السعادة الإنسانية والكمال الأخلاقي.

ومن خلال تحليل مختلف التصورات الأخلاقية، اتضح أن الفضيلة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتربية والتهذيب والممارسة العملية، وأن الأخلاق ليست معطى ثابتًا بل مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا على التكوين المستمر. كما تبين أن السعادة، في مختلف التصورات المدروسة، ليست لذة عابرة أو منفعة مؤقتة، بل حالة من الانسجام الداخلي وتحقيق الخير الإنساني الأسمى.

غير أن الدراسة أظهرت كذلك أن فلسفة أخلاق الفضيلة تواجه مجموعة من الإشكالات، خاصة ما يتعلق باختلاف القيم والفضائل بين المجتمعات والثقافات، وصعوبة تقديم معايير أخلاقية موحدة في بعض المواقف المعقدة. ومع ذلك، فإن هذا التصور الأخلاقي ما يزال يحتفظ بقيمته الفكرية والإنسانية، لأنه يركز على بناء الإنسان ذاته، لا على إخضاعه لمنظومة جامدة من القوانين فقط.

وفي عالم يشهد أزمات أخلاقية متزايدة، وتراجعًا لمنظومات القيم التقليدية، تبدو العودة إلى فلسفة الفضيلة ضرورة فكرية وإنسانية، لأنها تتيح إعادة التفكير في معنى الخير والعدالة والسعادة والمسؤولية. كما تمنح الإنسان إمكانية استعادة التوازن بين العقل والرغبة، وبين الحرية والواجب، وبين الفرد والمجتمع.

وهكذا تؤكد فلسفة أخلاق الفضيلة أن بناء المجتمع العادل يبدأ أولًا ببناء الإنسان الفاضل، وأن إصلاح العالم لا يمكن أن يتحقق دون إصلاح النفس الإنسانية وتوجيهها نحو الحكمة والاعتدال والخير.

نتائج الدراسة:

توصلت الدراسة إلى مجموعة من النتائج الأساسية، أهمها:

- أن فلسفة أخلاق الفضيلة تقوم على الاهتمام ببناء الشخصية الأخلاقية أكثر من اهتمامها بالقوانين المجردة أو النتائج العملية للأفعال.

- أن الفضيلة ارتبطت في الفكر السقراطي بالمعرفة العقلية، بينما أصبحت عند أرسطو ممارسة عملية وعادة مكتسبة.

- أن أفلاطون ربط الفضيلة بانسجام النفس وتحقيق العدالة الداخلية والخارجية.

- أن أرسطو قدّم تصورًا واقعيًا للأخلاق قائمًا على الاعتدال ومبدأ الوسط الذهبي.

- أن الفلاسفة المسلمين أعادوا توظيف نظرية الفضيلة داخل رؤية تجمع بين العقل والشريعة.

- أن الفارابي ربط الأخلاق بالنظام السياسي والمدينة الفاضلة.

- أن ابن مسكويه ركّز على تهذيب النفس والتربية الأخلاقية واكتساب الفضائل بالممارسة.

- أن ابن رشد أكد الطابع العقلي والعملي للأخلاق وربط الفضيلة بالاختيار الواعي.

- أن السعادة تمثل الغاية النهائية للأخلاق في مختلف التصورات الفلسفية المدروسة.

- أن التربية تشكل عنصرًا أساسيًا في بناء الفضائل الأخلاقية.

- أن أخلاق الفضيلة ما تزال تمتلك قدرة كبيرة على معالجة أزمات الإنسان المعاصر رغم الانتقادات الموجهة إليها.

- أن اختلاف السياقات الثقافية والاجتماعية يجعل تحديد الفضائل بشكل كوني مسألة فلسفية معقدة.

التوصيات:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يمكن تقديم مجموعة من التوصيات، أبرزها:

- ضرورة إعادة الاعتبار للتربية الأخلاقية داخل المؤسسات التعليمية.

- تعزيز الدراسات الفلسفية المتعلقة بالأخلاق والفضيلة في الجامعات العربية.

- تشجيع المقاربات التي تربط بين الأخلاق والتربية والسلوك الاجتماعي.

- الاستفادة من التراث الفلسفي الإسلامي في بناء تصورات أخلاقية معاصرة.

- تطوير مناهج تعليمية تُعنى بتكوين الشخصية الأخلاقية لا بتلقين المعرفة فقط.

- تعزيز ثقافة الاعتدال والحوار والتسامح داخل المجتمع.

- توجيه البحث الفلسفي نحو معالجة الأزمات الأخلاقية المعاصرة في ضوء فلسفة الفضيلة.

- الاهتمام بالبعد العملي للأخلاق وربط القيم بالسلوك اليومي.

- تشجيع الدراسات المقارنة بين التصورات الأخلاقية القديمة والحديثة.

- ترسيخ قيم المسؤولية والعدالة والتعاون باعتبارها أسسًا لبناء مجتمع متوازن.

***

بقلم د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

من الامتداد التراثي إلى الأفق التداولي الحديث

مقدمة الدراسة: تعدّ البلاغة العربية من أعرق العلوم التي نشأت في الحضارة العربية الإسلامية وأكثرها ارتباطًا بجوهرها اللغوي والثقافي والجمالي، إذ لم تكن منذ بداياتها مجرد قواعد تقنية تضبط أساليب القول، بل كانت مشروعا معرفيًا متكاملا انشغل بالكشف عن أسرار الخطاب، وتحليل آليات التأثير في المتلقي، واستكناه القيم الجمالية الكامنة في اللغة العربية شعرا ونثرا وخطابا دينيًا، وعلى رأسه الخطاب القرآني. وقد جعل هذا الارتباط الوثيق بالقرآن الكريم من البلاغة علمًا يتجاوز حدود اللغة بوصفها أداة تواصل، ليغدو مجالا للتفكير في طبيعة المعنى، وحدود الدلالة، وإمكانات التعبير الإنساني.

ومنذ نشأتها الأولى، ارتبطت البلاغة العربية بإشكالية مركزية تمثلت في محاولة فهم الإعجاز القرآني وتفسير سر تفوقه البياني، وهو ما دفع العلماء إلى تطوير أدوات تحليلية دقيقة لفحص بنية الخطاب، ودراسة النظم، والصورة، والإيقاع، والأساليب التعبيرية المختلفة. ومع مرور الزمن، تبلورت هذه الملاحظات الأولى في إطار علوم مستقلة نسبيا هي علم المعاني والبيان والبديع، لتشكل فيما بعد البنية الكلاسيكية للبلاغة العربية. غير أن هذا التطور لم يكن خطيًا أو متجانسا، بل كان نتيجة تفاعل معقد بين اللغة والدين والفلسفة والمنطق والنقد الأدبي، مما منح البلاغة طابعا موسوعيا وجعلها جزءا من المشروع الفكري العام للحضارة الإسلامية.

وفي هذا السياق العام، برزت البلاغة المغربية والأندلسية بوصفها إحدى أهم المحطات الفكرية في تاريخ البلاغة العربية، حيث لم تكتفِ بنقل التراث البلاغي المشرقي أو شرحه، بل عملت على إعادة صياغته وإنتاجه ضمن أفق معرفي جديد، تأثر بالمنطق الأرسطي والفلسفة الرشدية والعلوم العقلية. وقد أدى هذا التفاعل إلى ظهور مقاربات بلاغية ذات طابع تحليلي وحجاجي، تجاوزت الوصف الجزئي للأساليب إلى بناء تصورات نظرية تهتم ببنية الخطاب ووظائفه التداولية والإقناعية والجمالية في آن واحد.

لقد شكلت البيئة العلمية في المغرب والأندلس خلال العصور الوسطى فضاء خصبا لتطور هذه الرؤية، حيث تداخلت علوم اللغة مع الفلسفة والمنطق وأصول الفقه، مما ساعد على نشوء اتجاه بلاغي متميز، يتجلى بوضوح في أعمال عدد من العلماء، من أبرزهم حازم القرطاجني، وابن البناء المراكشي، والسجلماسي، وغيرهم ممن سعوا إلى تجاوز الطابع الشكلي للبلاغة التقليدية نحو بلاغة أكثر عمقا وارتباطا ببنية التفكير الإنساني وآليات الاستدلال والحجاج.

كما أن هذا التطور لم يكن معزولا عن السياق التاريخي والسياسي والثقافي للغرب الإسلامي، إذ تأثرت البلاغة المغربية بالتحولات الحضارية التي عرفتها المنطقة، وبالتحديات الفكرية التي واجهت الهوية الثقافية العربية الإسلامية، الأمر الذي جعل من البلاغة أداة للدفاع عن اللغة والهوية، ووسيلة للحفاظ على النموذج البياني العربي في مواجهة التحولات الداخلية والخارجية. ومن هنا اكتسبت البلاغة بعدًا حضاريًا يتجاوز بعدها الجمالي الصرف، لتصبح جزءًا من آليات إنتاج المعرفة والدفاع عن الثقافة.

وتنبع أهمية دراسة البلاغة المغربية من كونها تمثل أحد الجوانب الأقل حضورا في الدراسات الحديثة، رغم غناها النظري وعمقها المنهجي، إذ ظلّت إلى حد كبير مهمشة مقارنة بالبلاغة المشرقية، سواء بسبب ضياع عدد كبير من مؤلفاتها أو بسبب هيمنة التصورات التقليدية لتاريخ البلاغة العربية. ومن ثم فإن إعادة قراءة هذا التراث المغربي لا تهدف فقط إلى الإنصاف التاريخي، بل إلى إعادة اكتشاف إمكاناته النظرية التي ما تزال قابلة للاستثمار في ضوء المناهج اللسانية والتداولية والحجاجية المعاصرة.

وتسعى هذه الدراسة إلى تتبع المسار التاريخي للبلاغة المغربية منذ تشكلها الأولي، مرورا بمرحلة النضج والتأصيل، وصولا إلى مرحلة التصنيف والتنظير، مع الوقوف عند أبرز القضايا التي شغلت الدرس البلاغي المغربي، مثل الإعجاز القرآني، والمقام، والحجاج، والبديع، والعلاقة بين البلاغة والمنطق، وأثر الفلسفة الأرسطية والرشدية في تشكيل التصورات البلاغية. كما تهدف إلى إبراز خصوصية هذا التراث من خلال تحليل نصوصه الكبرى واستجلاء بنياته المفاهيمية والمنهجية.

وتسعى الدراسة كذلك إلى إعادة ربط البلاغة العربية القديمة بالتصورات اللسانية الحديثة، من خلال الكشف عن استمرار بعض المفاهيم البلاغية التقليدية داخل النظريات التداولية والحجاجية المعاصرة، بما يؤكد أن التراث البلاغي العربي لم يكن منغلقًا أو جامدًا، بل كان يحمل في داخله إمكانات نظرية قابلة للتجدد والتفاعل مع الفكر الحديث.

وانطلاقًا من طبيعة هذا الموضوع، تعتمد الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، القائم على تتبع تطور المفاهيم البلاغية المغربية عبر مختلف مراحلها، وتحليل النصوص المؤسسة، واستقراء الخلفيات الفكرية والمنهجية التي حكمت إنتاجها، مع الإفادة من المناهج النقدية الحديثة في تحليل الخطاب والبلاغة وتحليل الحجاج.

وبذلك تسعى هذه الدراسة إلى المساهمة في إعادة كتابة تاريخ البلاغة العربية من منظور أكثر شمولية وتوازنا، يبرز الدور العلمي والحضاري للغرب الإسلامي، ويعيد الاعتبار للبلاغة المغربية بوصفها تجربة فكرية أصيلة أسهمت في بناء النظرية البلاغية العربية، وفتحت آفاقا جديدة للتفكير في اللغة والخطاب والمعنى.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية تتأسس على محاولة تفكيك طبيعة التصور البلاغي الذي بلورته التجربة المغربية داخل سياقها التاريخي والمعرفي، ومدى قدرتها على إنتاج خطاب بلاغي يتميز بخصوصيته المفهومية والمنهجية، سواء على مستوى بناء المفاهيم أو على مستوى أدوات التحليل وآليات مقاربة الخطاب. فالسؤال الذي يحكم هذا البحث لا يتعلق فقط بمدى حضور البلاغة المغربية داخل النسق البلاغي العربي العام، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة درجة إسهامها في إعادة تشكيل هذا النسق نفسه، من خلال إدخال تعديلات جوهرية على طريقة فهم اللغة والخطاب والمعنى، في ضوء تفاعلها مع علوم المنطق والفلسفة والعلوم العقلية.

ومن هذا المنظور، تفترض الدراسة أن البلاغة المغربية لم تكن مجرد امتداد للبلاغة المشرقية أو إعادة إنتاج لها، بل كانت فضاءً معرفيًا تفاعليا أعاد فيه العلماء المغاربة صياغة عدد من المفاهيم المركزية التي تشكل جوهر التفكير البلاغي، مثل مفهوم المعنى، والسياق، والبيان، والحجاج، والإقناع. وقد تم هذا الاشتغال في إطار سياق ثقافي وعلمي اتسم بانفتاح واسع على الفلسفة الأرسطية، والمنطق الصوري، والجدل الكلامي، مما أفضى إلى تشكل رؤية بلاغية مركبة تتجاوز الحدود التقليدية للبلاغة بوصفها علمًا للزينة الأسلوبية إلى اعتبارها علما لتحليل الخطاب وآليات اشتغاله في سياقاته المختلفة.

وانطلاقا من هذه الإشكالية العامة، تتفرع مجموعة من الإشكالات الفرعية التي تسعى إلى توسيع دائرة الفهم وتفكيك البنية الداخلية لهذا الموضوع، من خلال تتبع المسار التاريخي لتشكل الدرس البلاغي في المغرب، والكشف عن المراحل التي مر بها من حيث الانتقال من التلقي إلى التأسيس، ومن الشرح إلى التصنيف، ومن التبعية إلى الاجتهاد والإنتاج النظري المستقل. كما تطرح الدراسة سؤالا حول طبيعة العلاقة التفاعلية التي ربطت البلاغة المغربية بالمنطق والفلسفة، وكيف أسهم هذا التداخل المعرفي في إعادة بناء الجهاز المفاهيمي للبلاغة، بما جعله أكثر قدرة على تحليل البنيات العميقة للخطاب بدل الاكتفاء بمستوياته السطحية.

وفي السياق نفسه، تسعى هذه الإشكالية إلى مساءلة الكيفية التي تعامل بها العلماء المغاربة مع مفاهيم مركزية في النظرية البلاغية، مثل مفهوم المعنى باعتباره نتاجا تفاعليا بين النص والسياق والمتلقي، ومفهوم السياق بوصفه عنصرًا حاسما في توجيه الدلالة وتحديد المقاصد، ثم مفهوم الحجاج بوصفه آلية خطابية تهدف إلى الإقناع والتأثير وبناء الموقف داخل الخطاب. وهو ما يكشف عن انتقال تدريجي في التفكير البلاغي المغربي من الاهتمام بالزخرف اللغوي إلى الاهتمام بوظيفة الخطاب ودلالاته التداولية والاجتماعية.

كما تثير هذه الإشكالية سؤالا آخر ذا بعد إبستمولوجي، يتعلق بإمكانية اعتبار بعض ملامح البلاغة المغربية بمثابة إرهاصات مبكرة لتصورات حديثة في اللسانيات التداولية وتحليل الخطاب، خاصة فيما يتعلق بفهم اللغة باعتبارها ممارسة اجتماعية وتواصلية تتحدد داخل سياقات استعمالها، وليس فقط كنظام لغوي مغلق. وهو ما يفتح المجال لإعادة قراءة هذا التراث في ضوء المناهج اللسانية الحديثة، دون السقوط في إسقاطات تاريخية غير مبررة.

وبذلك، فإن هذه الدراسة لا تقتصر على وصف تطور البلاغة المغربية، بل تسعى إلى إعادة مساءلة بنيتها الفكرية العميقة، من خلال تحليل مفاهيمها ومناهجها وسياقات إنتاجها، بهدف الكشف عن خصوصيتها داخل تاريخ البلاغة العربية، وتحديد موقعها في مسار تطور الفكر اللغوي والبلاغي الإسلامي. كما تهدف إلى إبراز مدى إسهامها في تطوير النظرية البلاغية العربية، ليس فقط من خلال الشرح والتلخيص، بل أيضًا من خلال الإضافة والتأسيس وإعادة البناء المفاهيمي.

وفي ضوء ما سبق، يمكن صياغة الإشكالية العامة لهذه الدراسة على النحو الآتي:

إلى أي حد استطاعت البلاغة المغربية، في سياقها التاريخي والمعرفي، أن تؤسس لتصور بلاغي ذي خصوصية منهجية ومفاهيمية، يختلف في بنيته التحليلية عن التصورات البلاغية المشرقية، وما طبيعة الإضافات النظرية التي قدمتها في فهم الخطاب وآليات اشتغاله، خاصة في علاقته بالسياق والمعنى والحجاج؟

ومن هذه الإشكالية المركزية تتفرع الأسئلة التالية:

كيف تطور الدرس البلاغي في المغرب عبر مراحله التاريخية المختلفة، وما العوامل التي حكمت هذا التطور؟

ما طبيعة العلاقة التي ربطت البلاغة المغربية بالمنطق والفلسفة والعلوم العقلية، وكيف انعكس ذلك على بنيتها المفاهيمية؟

كيف أعاد العلماء المغاربة صياغة مفاهيم المعنى والسياق والحجاج في ضوء هذا التفاعل المعرفي؟

وإلى أي حد يمكن اعتبار البلاغة المغربية تمهيدا معرفيًا لبعض التصورات اللسانية والتداولية الحديثة في تحليل الخطاب؟

أهداف الدراسة: تهدف هذه الدراسة إلى:

الكشف عن الجذور التاريخية للبلاغة المغربية.

إبراز خصوصية التجربة البلاغية في المغرب والأندلس.

دراسة تطور الدرس البلاغي المغربي عبر مراحله المختلفة.

بيان أثر الفلسفة والمنطق في تشكيل البلاغة المغربية.

إعادة الاعتبار للتراث البلاغي المغربي وإبراز قيمته العلمية.

ربط البلاغة المغربية بالنظريات التداولية والحجاجية الحديثة.

المساهمة في إعادة كتابة تاريخ البلاغة العربية بصورة أكثر شمولا.

نشأة البلاغة المغربية وتحولاتها التاريخية:

مفهوم البلاغة وأبعادها المعرفية:

تعَدّ البلاغة من أبرز العلوم التي تبلورت داخل الفضاء الثقافي العربي الإسلامي، حيث ارتبطت منذ نشأتها الأولى بوظيفة مركزية تتمثل في تنظيم العلاقة بين اللغة والمعنى والمتلقي، بما يجعلها أداة لفهم الخطاب وتوجيه أثره في آن واحد. فهي لا تُختزل في كونها فرعًا من فروع المعرفة اللغوية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشكل نسقًا معرفيًا متكاملًا يعكس تصور العرب القدماء لوظائف اللغة وقدرتها على الإفهام والإقناع والتأثير الجمالي.

ومن الناحية الاشتقاقية، يُرجع مفهوم البلاغة إلى الجذر اللغوي «ب-ل-غ»، الذي يدل على الوصول والانتهاء وبلوغ الغاية. غير أن هذا المعنى الأولي، رغم بساطته، يشكل مدخلًا دلاليًا مهمًا لفهم التحول الذي عرفه المصطلح لاحقًا، إذ انتقل من مجرد معنى “الإيصال” إلى معنى أكثر تركيبًا يتعلق بكيفية إيصال المعنى نفسه، وليس فقط نقله. ومن هنا بدأت البلاغة تتحدد بوصفها قدرة على جعل الخطاب يبلغ غايته التأثيرية في المتلقي بأكثر الطرق دقة وفاعلية.

ومع تطور الفكر اللغوي العربي، لم تعد البلاغة مجرد عملية نقل للمعنى، بل أصبحت مرتبطة بجملة من المبادئ الفنية والمعرفية، من بينها اختيار الألفاظ المناسبة، ومراعاة السياق أو المقام، وتحقيق الانسجام بين البنية اللغوية والدلالة المقصودة. فالمعنى في التصور البلاغي لا يوجد بمعزل عن الشكل، بل يتشكل من خلاله، كما أن الشكل لا يُنظر إليه بوصفه زخرفة خارجية، بل باعتباره حاملًا دلاليًا يسهم في إنتاج المعنى وتوجيهه.

وعليه، فإن البلاغة لا يمكن اختزالها في كونها تزيينًا أسلوبيًا أو زخرفة لفظية، كما قد يُفهم بشكل سطحي، بل هي في جوهرها آلية معقدة لبناء الخطاب، تقوم على تنظيم العلاقات بين عناصر اللغة داخل سياق تواصلي محدد، بما يضمن تحقيق أقصى درجات التأثير في المتلقي. فهي بذلك تجمع بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الإقناعية، وتربط بين البعد الفني والبعد التداولي للغة.

وقد اختلفت التصورات النظرية للبلاغة عند علماء التراث العربي باختلاف الزوايا التي انطلقوا منها في تعريفها. فهناك من ركّز على مبدأ الإيجاز باعتباره علامة على قوة التعبير وفاعليته، وهناك من جعل معيار البلاغة هو وضوح البيان وحسن الإفهام، بينما اتجه فريق ثالث إلى اعتبار البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، أي ملاءمته للسياق الذي يُنتَج فيه وللمقام الذي يُلقى فيه. هذا التعدد في التعريفات يعكس في الواقع غنى التصور البلاغي العربي ومرونته، وعدم انحصاره في تحديد واحد جامد.

وفي هذا السياق، يبرز تصور ابن الأثير الذي قدّم رؤية ذات بعد حجاجي واضح للبلاغة، حيث اعتبرها فنًا يقوم على استدراج المتلقي وإقناعه وإحداث التأثير فيه، وهو ما يكشف عن إدراك مبكر للبعد التداولي للخطاب، حيث لا يُنظر إلى اللغة بوصفها نظامًا مغلقًا، بل بوصفها أداة للتأثير في الآخر وتوجيهه داخل سياق تواصلي حيّ.

ومع مرور الزمن، لم تتشكل البلاغة العربية في شكلها العلمي دفعة واحدة، بل جاءت نتيجة مسار تطوري طويل، تداخلت فيه مجموعة من الحقول المعرفية مثل التفسير، والنحو، والنقد الأدبي، وعلوم الأدب. وقد أدى هذا التفاعل بين مختلف التخصصات إلى بلورة رؤية أكثر تنظيمًا للبلاغة، انتهت إلى استقرارها في شكل علم مستقل نسبيًا قائم على ثلاثة أقسام أساسية هي: علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع.

ويمثل هذا التقسيم الثلاثي لحظة تأسيسية في تاريخ البلاغة العربية، إذ سمح بإعادة تنظيم الظواهر اللغوية وفق منظور منهجي يربط بين البنية اللغوية والدلالة والسياق، ويجعل من الخطاب وحدة تحليل متكاملة، لا يمكن فهمها إلا من خلال تداخل عناصرها المختلفة.

وبهذا المعنى، فإن البلاغة لا تُعد مجرد علم وصفي لخصائص اللغة، بل هي أيضًا إطار معرفي لفهم كيفية اشتغال الخطاب، وآليات إنتاج المعنى، وشروط التأثير في المتلقي، وهو ما يمنحها مكانة مركزية في دراسة النصوص والخطابات داخل التراث العربي وخارجه.

المبحث الثاني: البدايات الأولى للبلاغة المغربية:

يُعدّ تشكّل الدرس البلاغي في المغرب والأندلس نتيجةً لمسارٍ تاريخيّ طويل تداخلت فيه عوامل حضارية وثقافية وعلمية متعددة، حيث ارتبط هذا التشكّل بالسياق العام للغرب الإسلامي الذي عرف حركةً نشطة في نقل العلوم والمعارف من المشرق العربي إلى الأندلس والمغرب. وقد شملت هذه الحركة علوم اللغة والأدب والنقد، بما في ذلك اللبنات الأولى للفكر البلاغي الذي لم يتبلور في البداية كعلم مستقل، بل ظهر ضمن سياقات معرفية متفرقة داخل كتب الأدب والتفسير والنقد.

ففي هذه المرحلة التأسيسية الأولى، لم تكن البلاغة قد استقلت بعد بوصفها علماً ذا جهاز مفاهيمي مكتمل، وإنما كانت حاضرة على شكل ملاحظات نقدية وتأملات ذوقية تتعلق بجماليات التعبير وطرائق الإقناع وخصائص الأسلوب. وقد انعكس ذلك بشكل واضح في عدد من المصنفات الأدبية الكبرى التي شكلت خزّاناً مبكراً للتفكير البلاغي، وعلى رأسها كتاب «العقد الفريد» لــالعقد الفريد لـ ابن عبد ربه، حيث تتوزع فيه إشارات دقيقة إلى مفاهيم الفصاحة والبيان والإيجاز والإطناب، وإن كانت غير مؤطرة ضمن نسق نظري صارم، إلا أنها تعكس حساً بلاغياً مبكراً يقوم على الذوق والتجربة الأدبية أكثر من التنظير العلمي.

ومع تطور الحياة الثقافية في الأندلس، وازدهار الحركة الأدبية والنقدية خاصة خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، بدأت تتبلور ملامح وعي بلاغي أكثر نضجاً ووضوحاً. فقد ساهم الاحتكاك بين الثقافتين العربية والمغربية من جهة، وبين الموروث الأدبي المشرقي والتجربة الأندلسية من جهة أخرى، في إنتاج خطاب نقدي جديد أكثر اهتماماً ببنية النص وآليات تشكيله الجمالي والدلالي.

وفي هذا السياق، يبرز كل من ابن بسام الشنتريني في كتابه الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، وابن شهيد الأندلسي بوصفهما من أبرز الأعلام الذين أسهموا في تطوير الحس البلاغي في الغرب الإسلامي. فقد تجاوزت مقارباتهما مستوى الوصف الانطباعي للنصوص الأدبية إلى محاولة تحليل عناصرها الداخلية، من صور بيانية واستعارات وتشبيهات وإيقاع لغوي، مما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو التفكير في البلاغة بوصفها أداة لتحليل الخطاب وليس مجرد وسيلة لتزيينه.

كما يمكن القول إن هذه المرحلة اتسمت بغياب التنظير المنهجي الصارم، مقابل حضور قوي للذوق الأدبي والملكة النقدية الفردية، وهو ما جعل البدايات البلاغية المغربية والأندلسية تتخذ طابعاً تجميعياً تراكمياً، يمهّد لاحقاً لظهور التصورات البلاغية الأكثر نضجاً وتنظيماً في الفترات اللاحقة، خاصة مع تطور الدرس النحوي والبياني وتداخل البلاغة مع المنطق والفلسفة.

وبذلك يمكن اعتبار هذه المرحلة التأسيسية بمثابة أرضية معرفية أولى أسهمت في بناء الحس البلاغي في الغرب الإسلامي، من خلال الجمع بين التلقي المشرقي والإبداع المحلي، وهو ما منح البلاغة المغربية لاحقاً خصوصيتها المنهجية في فهم الخطاب وتحليل آليات اشتغاله.

المبحث الثالث: مراحل تطور البلاغة المغربية:

يمكن النظر إلى تطور البلاغة المغربية بوصفه مسارا تاريخيا ومعرفيا تدرّج عبر مجموعة من التحولات التدريجية، التي لم تكن فجائية بقدر ما كانت نتيجة تفاعل طويل بين الموروث البلاغي المشرقي من جهة، والخصوصيات الثقافية والعلمية للغرب الإسلامي من جهة أخرى. ويمكن، في ضوء هذا التصور، تمييز ثلاث مراحل كبرى شكّلت البنية العامة لهذا التطور، مع ما يرافق كل مرحلة من خصائص منهجية ومعرفية مميزة.

أولاً: مرحلة التلقي والإشارات الأولية

تمثل هذه المرحلة البذرة الأولى لتشكل الوعي البلاغي في السياق المغربي، حيث لم تكن البلاغة قد استقلت بعد بوصفها علماً قائماً بذاته، بل كانت حاضرة بشكل ضمني داخل مجالات معرفية أوسع، مثل الأدب، والنقد، والتفسير، وعلوم اللغة.

في هذا السياق، كانت المفاهيم البلاغية تظهر على شكل إشارات متفرقة أو ملاحظات نقدية عابرة، تُستحضر لتفسير جودة النصوص أو ضعفها، دون أن تخضع لبناء نظري متكامل أو تصنيف منهجي دقيق. ويُلاحظ أن الاهتمام كان ينصب أساساً على الذوق الأدبي وتقويم الأسلوب، أكثر من الانشغال بالتقعيد المفهومي أو التنظير العلمي.

كما أن هذه المرحلة اتسمت بطابع التلقي المباشر للمعرفة البلاغية القادمة من المشرق، حيث جرى استيعابها ضمن السياق الثقافي المغربي دون إعادة صياغة شاملة، وهو ما جعل البلاغة في هذه الفترة أقرب إلى ممارسة نقدية ضمنية منها إلى علم مستقل له أدواته ومصطلحاته الخاصة.

ثانيا: مرحلة التخصص النسبي والتبلور الجزئي

تُعد هذه المرحلة مرحلة انتقالية حاسمة في تاريخ البلاغة المغربية، إذ بدأت فيها ملامح الاستقلال النسبي للدرس البلاغي بالظهور تدريجياً، سواء على مستوى التناول أو على مستوى التنظيم داخل المؤلفات العلمية.

فقد أصبحت القضايا البلاغية تحظى بموقع أكثر وضوحاً داخل البنية التأليفية، حيث جرى تخصيص أبواب وفصول مستقلة تعالج مسائل البيان والبديع والمعاني، بدل الاكتفاء بالإشارات المتفرقة. ويعكس هذا التحول بداية وعي منهجي بأهمية تنظيم المعرفة البلاغية وتحديد مجالاتها بشكل أكثر دقة.

وقد ساهم عدد من العلماء في ترسيخ هذا التوجه، من خلال إدراج مباحث بلاغية أكثر انتظاماً في مؤلفاتهم، ومن أبرزهم ابن رشيق القيرواني في إطار التأثير المغاربي العام، إضافة إلى القاضي عياض الذي ساهمت كتاباته في إبراز الحس النقدي والبلاغي ضمن سياقات علمية متعددة.

وتكمن أهمية هذه المرحلة في كونها مهّدت للانتقال من البلاغة بوصفها ممارسة نقدية ضمنية إلى البلاغة بوصفها مجالاً معرفياً شبه مستقل، له موضوعاته وأدواته ومجالات اشتغاله الخاصة.

ثالثا: مرحلة النضج والتقعيد النظري

تمثل هذه المرحلة ذروة التطور في المسار البلاغي المغربي، حيث بلغ الدرس البلاغي مستوى من النضج سمح له بالتحول إلى علم قائم بذاته، يتميز بالاستقلال النسبي من حيث الموضوع والمنهج والمصطلح.

في هذه الفترة، ظهرت مؤلفات بلاغية مستقلة تناولت قضايا الخطاب بشكل أكثر عمقاً وتنظيماً، حيث لم تعد البلاغة مجرد ملاحظات أو أبواب ضمن كتب أخرى، بل أصبحت موضوعاً مركزياً للتأليف والتحليل. وقد شمل هذا الاهتمام مختلف مستويات التحليل البلاغي، بما في ذلك البيان، والمعاني، والبديع، إضافة إلى بدايات التفكير في البعد الحجاجي للخطاب.

كما اتسمت هذه المرحلة بوضوح النزعة التقعيدية، أي السعي إلى ضبط القواعد العامة التي تحكم إنتاج الخطاب وتلقيه، مع محاولة بناء جهاز مفاهيمي أكثر دقة وصرامة. ويُلاحظ أيضاً أن هذا التطور ارتبط بتزايد الوعي النقدي وبالاحتكاك المستمر بالمنطق والفلسفة، مما منح البلاغة المغربية بعداً تحليلياً أعمق.

وبذلك يمكن القول إن هذه المرحلة شكلت لحظة اكتمال النسق البلاغي المغربي، حيث انتقلت البلاغة من مستوى التلقي الجزئي إلى مستوى البناء النظري المتكامل.

إن تتبع مراحل تطور البلاغة المغربية يكشف عن مسار معرفي تصاعدي، انتقل من التلقي غير المنظم إلى التخصص النسبي، ثم إلى التقعيد النظري المتكامل. وهذا التطور لا يعكس فقط نموّاً داخلياً في علم البلاغة، بل يعكس أيضاً دينامية الثقافة المغربية في استيعاب المعارف الوافدة وإعادة إنتاجها ضمن سياقها الخاص.

البلاغة المغربية بين البيان والحجاج:

المقام بوصفه محورًا تأسيسيًا في إنتاج المعنى بين البلاغة العربية والبلاغة المغربية:

يُعدّ مفهوم المقام من أكثر المفاهيم رسوخًا وعمقًا في النظرية البلاغية العربية، إذ يمثل الأساس الذي يقوم عليه فهم الخطاب وتحديد دلالته ووظيفته التواصلية. فمنذ البدايات الأولى لتشكل الفكر البلاغي العربي، ترسّخ الوعي بأن اللغة لا تُنتج المعنى في فراغ، ولا تُفهم بمعزل عن سياقها، بل داخل شبكة مركبة من الظروف والعلاقات التي تحيط بالفعل الكلامي. وقد تمثل هذا التصور في إدراك مبكر لأهمية السياق بوصفه عنصرًا حاسمًا في توجيه الدلالة، حيث لا يكفي تحليل البنية اللغوية للنص لفهم مقاصده، وإنما ينبغي الانفتاح على كل ما يحيط بعملية التلفظ من معطيات تتعلق بالمتكلم والمخاطَب والظروف الاجتماعية والثقافية والغايات التداولية. وفي هذا الإطار، برزت البلاغة المغربية باعتبارها امتدادًا نقديًا وتطوريًا لهذا الوعي، حيث أعادت قراءة مفهوم المقام وتوسيعه بشكل يجعل منه عنصرًا بنيويًا داخل عملية إنتاج المعنى، لا مجرد إطار خارجي محيط بالخطاب. فالمقام في التصور المغربي لم يعد خلفية تفسيرية فحسب، بل أصبح مكوّنًا فاعلًا في بناء الدلالة وتوجيهها، بحيث يتشكل المعنى من خلال تفاعل دينامي بين عناصر متعددة ومتداخلة تشمل ذات المتكلم، وهوية المتلقي، وسياق الإلقاء، والغاية التواصلية، إضافة إلى الخلفيات المعرفية والثقافية التي تؤطر فعل الفهم والتأويل. وبهذا المعنى، يتحول الخطاب من كيان لغوي مغلق إلى ممارسة تواصلية مفتوحة على محيطها الاجتماعي، حيث لا يكون المعنى ثابتًا أو جاهزًا داخل النص، بل يتولد لحظة التلقي عبر عملية تفاعل معقدة بين النص وسياقه. ومن هنا تتقاطع البلاغة المغربية بشكل لافت مع التصورات التداولية الحديثة في اللسانيات المعاصرة، التي تؤكد أن الدلالة ليست معطى مستقلاً ومستقرًا داخل البنية اللغوية، وإنما هي نتاج عملية تفاعلية تتشكل داخل سياق اجتماعي وتواصلي حي، يتحدد فيه المعنى عبر العلاقة بين المتكلم والمتلقي والظروف المحيطة بالفعل الكلامي. وفي امتداد هذا التصور، يتبين أن البلاغة العربية القديمة كانت قد وضعت الأسس الأولى لهذا الفهم السياقي، إذ أولت أهمية كبيرة للمقام باعتباره المحدد الحقيقي لقيمة الخطاب ووظيفته، وهو ما يتجلى بوضوح عند الجاحظ الذي جعل البلاغة قائمة على الإفهام والتأثير ومراعاة أحوال المخاطبين، مؤكداً أن جودة القول لا تُقاس بزينته اللفظية فقط، بل بقدرته على تحقيق الفهم والتأثير وفق اختلاف المقامات وتنوع المتلقين. كما واصل عدد من البلاغيين العرب والمغاربة تطوير هذا المفهوم وربطه بوظائف الخطاب المختلفة، سواء كانت إقناعية أو جمالية أو حجاجية، مما جعل المقام معيارًا أساسياً في تقييم فعالية الخطاب ونجاحه في أداء وظيفته التواصلية. وبهذا الشكل، يتضح أن مفهوم المقام لم يعد مجرد أداة تفسير في التراث البلاغي، بل تحول في امتداده المغربي إلى مفهوم مركزي يؤسس لفهم جديد للخطاب بوصفه فعلاً اجتماعياً ودلالياً متحركًا، تتداخل فيه اللغة مع السياق في إنتاج المعنى وإعادة تشكيله باستمرار.

البلاغة الجمالية وتحول وظيفة البديع في الدرس البلاغي المغربي:

تُعدّ قضية البديع من القضايا المركزية التي عرفت تحوّلا عميقًا داخل مسار البلاغة العربية، خاصة حين ننتقل من التصور المشرقي الكلاسيكي إلى التصور المغربي الذي أعاد قراءة هذا المفهوم ضمن أفق دلالي وجمالي أكثر تركيبًا واتساعًا. فإذا كانت بعض الاتجاهات البلاغية المشرقية قد ركّزت، في مراحل تاريخية معينة، على البعد الزخرفي للمحسنات البديعية، باعتبارها أدوات لتحسين اللفظ وتزيين الخطاب، فإن التجربة البلاغية المغربية قد عملت على إعادة توجيه هذا المفهوم نحو وظيفة معرفية وجمالية أعمق، تجعل من البديع عنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى لا مجرد ملحق شكلي به.

لقد تجاوزت البلاغة المغربية، في هذا السياق، التصور التقليدي الذي حصر البديع في دائرة التجميل اللفظي، لتعيد إدماجه داخل بنية الخطاب بوصفه آلية دلالية تسهم في تشكيل المعنى وتكثيفه. فالمحسنات البديعية، مثل الجناس والطباق والمقابلة والتورية، لم تعد تُقرأ باعتبارها عناصر زخرفية مستقلة، بل بوصفها علاقات بنيوية داخل النص تسهم في خلق التوتر الدلالي، وتوجيه انتباه المتلقي نحو طبقات متعددة من المعنى. وهكذا يصبح الجناس، على سبيل المثال، ليس مجرد تشابه صوتي، بل تقنية لإنتاج المفارقة الدلالية، في حين يتحول الطباق إلى وسيلة لإبراز التوتر المفهومي بين الأضداد داخل الخطاب.

ويجد هذا التحول جذوره في تطور الوعي البلاغي العربي نفسه، كما يظهر عند عبد القاهر الجرجاني الذي ربط بين النظم والمعنى، مؤكدًا أن القيمة الجمالية لا تنفصل عن العلاقات الداخلية بين الألفاظ والمعاني (الجرجاني، 1992). غير أن البلاغة المغربية ذهبت في هذا الاتجاه خطوة إضافية حين وسّعت من دائرة الاشتغال البديعي ليصبح جزءًا من هندسة الخطاب لا من زخرفته فقط، وهو ما ينسجم أيضًا مع بعض الإشارات النقدية عند ابن خلدون الذي ميّز بين البلاغة بوصفها صناعة شكلية وبين البلاغة بوصفها قدرة على التأثير والإقناع (ابن خلدون، 2004).

وفي ضوء هذا التصور، لم يعد البديع عنصرا هامشيا في بناء النص، بل أصبح مكوّنا بنيويا يسهم في إنتاج الدلالة وتوجيه التأويل. فالنص، في التجربة البلاغية المغربية، لا يُفهم من خلال معانيه المباشرة فقط، بل من خلال شبكة العلاقات البديعية التي تولّد مستويات متعددة من القراءة، حيث يتداخل الجمالي بالدلالي، ويتقاطع الإيقاعي مع المعنوي في وحدة خطابية متكاملة.

ومن جهة أخرى، يمكن القول إن هذا التحول يعكس انتقالًا من بلاغة التزيين إلى بلاغة التأسيس الدلالي، حيث يصبح البديع وسيلة لإعادة تنظيم المعنى داخل النص بدل الاكتفاء بإضافة مسحة جمالية خارجية عليه. وقد أسهم هذا التصور في إعادة الاعتبار للبعد التفاعلي للخطاب، إذ لم يعد المتلقي يواجه نصًا مغلقًا على زينة لفظية، بل نصًا مفتوحًا على إمكانات تأويلية متعددة تتأسس على تفاعل البنى البديعية مع السياق والمعنى.

كما أن هذا التوجه ينسجم مع ما أشار إليه ابن رشيق في "العمدة" من أن جودة الشعر لا تُقاس بكثرة المحسنات، بل بقدرتها على خدمة المعنى وإبرازه في صورة أبلغ (ابن رشيق، 1981). وهو ما يجعل البلاغة المغربية امتدادًا نقديًا وتجديديًا لهذا الوعي، لكنها في الوقت نفسه تضيف إليه بعدًا تحليليًا أكثر تركيبًا، يربط بين البديع وبنية الخطاب ككل.

وفي النهاية، يمكن القول إن البلاغة الجمالية في التصور المغربي لم تعد مجرد بحث في مظاهر الزينة اللفظية، بل أصبحت مشروعًا لإعادة تعريف وظيفة البديع داخل النص، بوصفه أداة لإنتاج المعنى، وتكثيف الدلالة وخلق التفاعل الجمالي والدلالي بين عناصر الخطاب المختلفة.

البلاغة الحجاجية بين التراث المغربي ونظرية الحجاج الحديثة:

تُبرز البلاغة الحجاجية في التصورين المغربي والحديث تحولًا عميقًا في فهم وظيفة الخطاب، إذ لم يعد هذا الأخير يُختزل في كونه أداة للتزيين اللفظي أو تحقيق المتعة الجمالية فحسب، بل أصبح فضاءً مركزيًا لبناء المعنى وتوجيه المتلقي وإنتاج القناعة الفكرية. ومن هذا المنظور، يتضح أن النصوص البلاغية المغربية المبكرة قد استوعبت، بصورة صريحة أو ضمنية، البعد الإقناعي للخطاب، حين جعلت من آليات الاستدلال، والتمثيل، والمقارنة، والإيحاء وسائل أساسية لتشكيل مواقف ذهنية لدى المتلقي، بما يجعل البلاغة أقرب إلى ممارسة فكرية-حجاجية منها إلى مجرد صناعة زخرفية للغة.

ويُفهم الحجاج في هذا السياق لا بوصفه إضافة خارجية على البلاغة، بل باعتباره مكوّنًا بنيويًا داخلها، ينهض بوظيفة تنظيم العلاقة بين المتكلم والمتلقي عبر بناء سلسلة من المبررات التي تقود إلى الإقناع. وهذا التصور ينسجم مع ما ستؤكد عليه لاحقًا نظرية الحجاج الحديثة، التي أعادت الاعتبار للبعد الإقناعي في الخطاب، معتبرة أن البلاغة ليست مجرد علم للأسلوب، بل هي دراسة لآليات التأثير في العقول وتوجيه الاختيارات الفكرية والسلوكية. وقد بلور بيرلمان وزميله أولبريشتس-تيتيكا هذا التوجه ضمن ما يُعرف بـ«البلاغة الجديدة»، حيث تم التركيز على تقنيات بناء الحجة وتوجيهها وفق طبيعة الجمهور المخاطَب.

كما أن هذا التصور الحديث لا ينفصل عن الجذور الأولى للبلاغة الأرسطية، التي جعلت من الخطابة (Rhetoric) أداة مركزية للإقناع، قائمة على تحليل الوسائل التي تجعل الخطاب مقبولًا ومؤثرًا في المتلقي (Aristotle, Rhetoric). ومن ثمّ، فإن التقاطع بين البلاغة المغربية التراثية ونظرية الحجاج الحديثة لا يقوم على التطابق المباشر، بل على وجود استمرارية فكرية عميقة تجعل من الخطاب ممارسة عقلية-تواصلية تهدف إلى بناء المعقولية وإنتاج القناعة. ويكشف هذا التقاطع أن الوعي الحجاجي كان حاضرًا في التراث البلاغي المغربي بصورة مبكرة، قبل أن تتم بلورته في إطار نظري مستقل في الدراسات الحديثة، مما يعكس غنى هذا التراث وقدرته على استباق بعض التحولات المفاهيمية في الفكر البلاغي المعاصر.

الفصل الثالث: التيار البلاغي المنطقي في المغرب:

المبحث الأول: تداخل البلاغة والفلسفة وإعادة تأسيس الخطاب البلاغي في الغرب الإسلامي:

شهد الغرب الإسلامي، ولا سيما في السياقين المغربي والأندلسي، تفاعلاً معرفياً عميقاً بين البلاغة والفلسفة، وهو تفاعل يتجاوز حدود التأثر العرضي أو الاستفادة الجزئية من بعض المفاهيم الفلسفية، ليصل إلى مستوى إعادة بناء نسق التفكير البلاغي نفسه. فقد مثّل انتقال الفلسفة الأرسطية إلى المجال الثقافي العربي الإسلامي، عبر الترجمات والشروح والتلخيصات، ثم عبر إعادة صياغتها داخل المدرسة المشائية، لحظة حاسمة في تاريخ تطور العلوم، حيث لم يعد المنطق مجرد أداة فلسفية مستقلة، بل أصبح إطاراً مرجعياً يؤثر في العلوم اللغوية والبلاغية على حد سواء. وفي هذا السياق، أسهمت الشروح الأرسطية، خاصة كما أعاد قراءتها فلاسفة مثل الفارابي وابن رشد، في فتح أفق جديد أمام التفكير البلاغي، يقوم على ربط البلاغة بمفاهيم عقلية صارمة مثل التعليل، والاستدلال، وترتيب الحجج، بدل الاكتفاء بالوصف الجمالي أو التصنيف الأسلوبي التقليدي.

وقد أدى هذا التداخل إلى بروز تصور جديد للبلاغة في المغرب والأندلس، لم يعد يحصرها في كونها فناً للزخرفة اللفظية أو صناعة للإقناع العاطفي، بل جعلها أقرب إلى علم منظم يسعى إلى تحليل آليات الخطاب من الداخل، وفهم كيفية إنتاج المعنى وتوجيه المتلقي عبر بنى حجاجية قابلة للتفكيك والتفسير. وهكذا، انتقلت البلاغة تدريجياً من مجال الذوق والانطباع إلى مجال العقلنة والتقعيد، حيث أصبحت تُفهم بوصفها علماً يشتغل على تنظيم الخطاب وفق مبادئ منطقية تضبط العلاقة بين المقدمات والنتائج، وبين القول وغاياته الإقناعية. كما ساهم حضور الفكر الرشدي في تعميق هذا الاتجاه، من خلال التأكيد على وحدة المعرفة العقلية، وربط البلاغة بالمنطق ضمن تصور شمولي للخطاب، يجعل من اللغة أداة لإنتاج المعنى القابل للتبرير والتحليل.

وبذلك، يمكن القول إن هذا التفاعل بين البلاغة والفلسفة في الغرب الإسلامي لم يكن مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل كان منعطفاً معرفياً مهماً أسهم في إعادة تشكيل مفهوم البلاغة ذاته، وإدخاله في أفق جديد قوامه التحليل العقلي للخطاب، والبحث في آليات الإقناع باعتبارها بنى منظمة تخضع للبرهنة والتفسير، لا مجرد مهارات أسلوبية أو زخرفية.

المبحث الثاني: حازم القرطاجني ونظرية التخييل بوصفها أساس فلسفة البلاغة

يُعدّ حازم القرطاجني (ت. 684هـ) من أبرز المفكرين الذين أسهموا في إعادة بناء الدرس البلاغي العربي في أفق فلسفي تحليلي جديد، حيث لم يكتفِ بالاشتغال على البلاغة بوصفها علماً وصفيًا يهتم بتصنيف الأساليب والمحسنات، بل سعى إلى تأسيس نظرية متكاملة لفهم الشعر واللغة الجمالية في بعدها الإبداعي والتأثيري. وقد تجلّى هذا الطموح بوضوح في كتابه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، الذي يُعدّ علامة فارقة في تاريخ التفكير البلاغي المغربي والأندلسي، إذ انتقل فيه من مجرد شرح الظواهر الأدبية إلى بناء نسق نظري يقوم على مفاهيم مركزية، في مقدمتها مفهوم التخييل الذي جعله جوهر العملية الشعرية وعمودها الفقري.

فالتخييل عند حازم لا يعني محاكاة الواقع كما هو، بل إعادة تشكيله داخل بنية لغوية وفنية قادرة على إحداث أثر نفسي وجمالي في المتلقي، بحيث يصبح الشعر قوة إنتاج للمعنى لا مجرد انعكاس له. ومن هنا فإن قيمة الخطاب الشعري لا تُقاس بمدى مطابقته للواقع، بل بقدرته على إحداث الإيهام الجمالي والتأثير الوجداني عبر آليات البلاغة والإيقاع والصورة. وهذا التصور يجعل من البلاغة عنده علماً للخطاب المؤثر لا للزينة اللفظية فقط، كما يرفع من مكانة المتلقي بوصفه شريكاً في إنتاج الدلالة عبر التفاعل مع الصور المتخيلة.

ويتميّز مشروع حازم أيضاً بقدرته على الجمع بين الموروث البلاغي العربي من جهة، وخاصة ما ارتبط بنظريات البيان والبديع، وبين الفلسفة الأرسطية من جهة أخرى، خصوصاً ما يتعلق بمفاهيم المحاكاة والتأثير والإقناع. هذا التداخل بين المرجعية العربية واليونانية أفضى إلى بناء رؤية مركبة للبلاغة، تتجاوز الحدود التقليدية بين الأدب والفلسفة، وتجعل من الخطاب الشعري بنية معرفية وجمالية في آن واحد. وبذلك يمكن اعتبار حازم القرطاجني أحد أهم المفكرين الذين أسهموا في تحويل البلاغة من مجرد ممارسة نقدية وصفية إلى مشروع نظري فلسفي متكامل، أسّس لتحول عميق في تاريخ الفكر البلاغي المغربي، قائم على مركزية التخييل بوصفه آلية إنتاج للمعنى والتأثير والجمال.

المبحث الثالث: البلاغة والمنطق عند السجلماسي وابن عميرة: نحو تأسيس قراءة عقلانية للخطاب:

يُعدّ كلٌّ من السجلماسي وابن عميرة من أبرز أعلام الدرس البلاغي في الغرب الإسلامي الذين سعوا إلى إعادة صياغة مفهوم البلاغة في ضوء أدوات المنطق والفلسفة، بما أسهم في انتقالها من مجرد علم يصف جماليات التعبير وزخارفه الأسلوبية إلى مجال معرفي يقوم على التحليل العقلي الدقيق لبنية الخطاب وآليات إنتاج المعنى داخله. فقد عمل السجلماسي، خاصة في مؤلفه منهاج البلغاء وسراج الأدباء، على إعادة تنظيم المفاهيم البلاغية التقليدية وفق تصور منهجي يستند إلى مفاهيم منطقية مثل الحدّ، والتعريف، والقياس، معتبرًا أن فهم الخطاب لا يتحقق من خلال الانطباع الجمالي فقط، بل عبر تفكيك بنيته الذهنية واللغوية ورصد العلاقات المنطقية التي تحكم انتقال المعنى من مستوى التصور إلى مستوى التعبير. وبهذا المعنى، لم تعد البلاغة عنده مجرد أدوات لتحسين القول، بل أصبحت علمًا يسعى إلى ضبط آليات التفكير داخل اللغة نفسها.

وفي السياق نفسه، يبرز ابن عميرة بوصفه امتدادًا لهذا التوجه العقلاني الذي يربط البلاغة بالمنطق، إذ حاول توظيف مفاهيم الاستدلال والتمييز والتحليل في مقاربة النصوص والخطابات، بهدف الكشف عن الكيفية التي يتشكل بها المعنى داخل البنية اللغوية. ومن خلال هذا التصور، تصبح البلاغة عنده مرتبطة بفهم العلاقات الداخلية بين الألفاظ والمعاني، وبكيفية بناء الحجة داخل الخطاب، وليس فقط بتزيين الأسلوب أو تحسين العبارة. وقد أدى هذا التداخل بين البلاغة والمنطق إلى بروز تصور جديد للخطاب البلاغي يقوم على التحليل البنيوي والدلالي بدل الاقتصار على الوصف الخارجي، مما جعل البلاغة أكثر انفتاحًا على الفلسفة المشائية والمنطق الأرسطي.

وبذلك، يمكن القول إن مشروع السجلماسي وابن عميرة مثّل نقلة نوعية في تاريخ البلاغة العربية بالمغرب والأندلس، حيث أسهم في توسيع أفقها المعرفي وربطها بالتصورات العقلانية للمعنى، وجعلها أداة لفهم آليات الخطاب بدل الاكتفاء بتذوق جمالياته، وهو ما مهد لظهور بلاغة ذات طابع تحليلي يزاوج بين الحس الجمالي والدقة المنطقية في آن واحد.

خاتمة:

خلصت هذه الدراسة، من خلال تتبعها لمسار البلاغة المغربية وتطورها التاريخي والفكري، إلى أن البلاغة في المغرب لم تكن مجرد صدى للبلاغة المشرقية أو تكرارًا لما أنتجه المشارقة من تصورات ومفاهيم، بل شكلت تجربة علمية وفكرية مستقلة نسبياً، استطاعت أن تطور الدرس البلاغي العربي وأن تضيف إليه أبعادًا فلسفية ومنهجية جديدة. فقد أبانت النصوص البلاغية المغربية عن وعي عميق بوظيفة الخطاب، وعن اهتمام متزايد بقضايا التأثير والإقناع والجمال والتواصل، وهو ما جعل البلاغة المغربية تتجاوز حدود الزخرفة اللفظية إلى البحث في فلسفة البلاغة وأسسها المعرفية.

وقد كشفت الدراسة أن نشأة البلاغة المغربية ارتبطت بالسياق الحضاري العام الذي عرفه الغرب الإسلامي، حيث لعبت الظروف السياسية والثقافية دورًا حاسمًا في توجيه البحث البلاغي نحو الاهتمام بالإعجاز القرآني، والدفاع عن الهوية العربية الإسلامية، وإحياء التراث البياني العربي. كما تبين أن العلاقة بين المغرب والمشرق أسهمت في انتقال العلوم البلاغية إلى المغرب، غير أن العلماء المغاربة لم يكتفوا بالتلقي، بل مارسوا فعل التفاعل والتطوير والاجتهاد.

وأظهرت الدراسة أن البلاغة المغربية مرت بعدة مراحل تاريخية، بدأت بمرحلة الملاحظات والإشارات البلاغية المتفرقة، ثم انتقلت إلى مرحلة التركيز النسبي داخل المؤلفات الأدبية والنقدية، قبل أن تبلغ مرحلة النضج والتصنيف المختص، حيث ظهرت مؤلفات بلاغية مستقلة تناولت قضايا البيان والبديع والمعاني والحجاج والمقام وغير ذلك من المباحث البلاغية الدقيقة.

كما تبين أن البلاغة المغربية تأثرت تأثرًا واضحًا بالفكر الفلسفي والمنطقي، خصوصًا بالفلسفة الأرسطية والشروح الرشدية، وهو ما أدى إلى ظهور تيار بلاغي منطقي حاول تأسيس البلاغة على أسس عقلية ومنهجية دقيقة. وقد تجلى ذلك في أعمال حازم القرطاجني والسجلماسي وابن عميرة وغيرهم، الذين سعوا إلى بناء تصور جديد للبلاغة يربطها بالمنطق والحجاج والشعرية.

ومن النتائج المهمة التي انتهت إليها الدراسة أن البلاغة المغربية لم تكن منحصرة في تحليل الصور البيانية والمحسنات البديعية، بل اهتمت كذلك بالمقام والسياق ووظيفة الخطاب وأثره في المتلقي، وهو ما يجعلها قريبة في كثير من جوانبها من التصورات التداولية والحجاجية الحديثة. فقد أدرك البلاغيون المغاربة مبكرًا أهمية المتلقي، ووعوا أن الخطاب لا يكتسب قيمته إلا من خلال علاقته بالسياق والمقام وأحوال المخاطبين.

كما أكدت الدراسة أن ضياع عدد كبير من المؤلفات البلاغية المغربية أدى إلى تشكل صورة ناقصة عن تاريخ البلاغة في المغرب، وهو ما يستدعي ضرورة إعادة البحث في المخطوطات والكتب التراثية للكشف عن الجوانب المغمورة من هذا التراث العلمي الثري. فالمصادر التي وصلت إلينا تشير إلى وجود حركة بلاغية نشيطة وغنية، غير أن ضياع كثير من النصوص حال دون تكوين تصور كامل عنها.

وقد أبرزت الدراسة كذلك أن البلاغة المغربية شكلت فضاءً لتفاعل علوم متعددة، حيث تداخلت مع الفلسفة والمنطق والنحو والنقد وأصول الفقه والتفسير، وهو ما منحها طابعًا موسوعيًا جعلها أكثر عمقًا واتساعًا من مجرد علم لغوي محدود. ومن هنا فإن البلاغة المغربية تمثل نموذجًا للمعرفة العربية الإسلامية القائمة على التكامل بين العلوم لا على الفصل بينها.

وإذا كانت البلاغة الحديثة قد أعادت الاعتبار لمفاهيم الحجاج والمقام والتداول والتأثير، فإن كثيرا من هذه المفاهيم كانت حاضرة في التراث البلاغي المغربي بصيغ مختلفة، مما يدل على أن التراث البلاغي العربي يمتلك إمكانات نظرية كبيرة يمكن الإفادة منها في الدراسات اللسانية والنقدية المعاصرة.

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن البلاغة المغربية ليست مجرد مرحلة هامشية في تاريخ البلاغة العربية، بل هي مكون أساسي من مكونات هذا التاريخ، أسهم في تطويره وإغنائه، وأنتج رؤى نقدية وجمالية وفلسفية ذات قيمة معرفية كبيرة. ولذلك فإن إعادة قراءة هذا التراث تمثل ضرورة علمية وثقافية، ليس فقط من أجل إنصاف جهود العلماء المغاربة، بل أيضًا من أجل فهم أعمق لمسار البلاغة العربية وتحولاتها الفكرية والمنهجية.

نتائج الدراسة:

- أثبتت الدراسة أن البلاغة المغربية تمثل امتدادًا أصيلًا للبلاغة العربية، لكنها استطاعت في الوقت نفسه أن تطور لنفسها خصوصية منهجية وفكرية متميزة.

- كشفت الدراسة أن علماء المغرب لم يكونوا مجرد نقلة للبلاغة المشرقية، بل مارسوا فعل الإبداع والاجتهاد والتطوير داخل الدرس البلاغي.

- تبين أن الاهتمام المغربي بالبلاغة ارتبط أساسًا بقضايا الإعجاز القرآني والدفاع عن الهوية الثقافية العربية الإسلامية.

- أظهرت الدراسة أن البلاغة المغربية تأثرت بالفلسفة والمنطق الأرسطي، مما أدى إلى نشوء تيار بلاغي منطقي ذي طابع عقلاني.

- أكدت الدراسة أن حازم القرطاجني يمثل أحد أهم المنعطفات في تاريخ البلاغة المغربية والعربية، لأنه نقل البلاغة من مستوى الوصف إلى مستوى التنظير الفلسفي.

- كشفت الدراسة أن البلاغيين المغاربة اهتموا بالمقام والسياق والمتلقي، وهو ما يجعل تصورهم البلاغي قريبًا من التداولية الحديثة.

- بينت الدراسة أن البلاغة المغربية شهدت تطورًا تدريجيًا انتقل من الملاحظات الجزئية إلى بناء نظريات بلاغية متكاملة.

- أظهرت الدراسة أن ضياع عدد كبير من المؤلفات البلاغية المغربية أدى إلى غياب صورة متكاملة عن تاريخ البلاغة في الغرب الإسلامي.

- تبين أن البلاغة المغربية كانت مجالًا لتفاعل علوم متعددة مثل المنطق والنحو والفلسفة والنقد وأصول الفقه.

- أكدت الدراسة أن البلاغة الجديدة والحجاج المعاصر يعيدان إحياء كثير من المفاهيم التي كانت حاضرة ضمنيًا في التراث البلاغي العربي.

- كشفت الدراسة أن البلاغة المغربية لم تكن معزولة عن التحولات الاجتماعية والسياسية، بل تأثرت بها وأسهمت في التعبير عنها.

- أظهرت الدراسة أن الخطاب البلاغي المغربي كان يسعى إلى تحقيق وظائف متعددة، منها الإقناع والتأثير والإمتاع والتعليم والدفاع الثقافي.

- تبين أن البلاغة المغربية تمثل جزءًا مهمًا من الهوية الثقافية المغربية والعربية الإسلامية.

- أكدت الدراسة أن إعادة قراءة البلاغة المغربية بمنهج حديث يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة في الدراسات اللسانية والنقدية المعاصرة.

توصيات الدراسة:

- ضرورة إعادة تحقيق المخطوطات البلاغية المغربية المفقودة أو غير المحققة، لما تحمله من قيمة علمية كبيرة.

- تشجيع الباحثين على دراسة البلاغة المغربية بوصفها مجالًا مستقلًا داخل تاريخ البلاغة العربية.

- إدماج التراث البلاغي المغربي ضمن المناهج الجامعية والدراسات النقدية الحديثة.

- ضرورة إعادة قراءة النصوص البلاغية المغربية في ضوء المناهج التداولية والحجاجية المعاصرة.

- إنشاء مشاريع أكاديمية متخصصة لجمع التراث البلاغي المغربي وفهرسته ورقمنته.

- توسيع الدراسات المقارنة بين البلاغة المغربية والبلاغة المشرقية للكشف عن أوجه التأثير والتمايز.

- تشجيع الدراسات البين-تخصصية التي تربط البلاغة بالفلسفة والمنطق واللسانيات الحديثة.

- إعادة الاعتبار لأعلام البلاغة المغربية الذين لم يحظوا بما يستحقونه من الدراسة والاهتمام.

- ضرورة الاهتمام بالمصادر الأندلسية والمغربية باعتبارها جزءًا من التراث البلاغي العربي المشترك.

- الإفادة من المفاهيم البلاغية التراثية في تطوير مناهج تحليل الخطاب المعاصرة.

- العمل على ترجمة الدراسات البلاغية المغربية إلى لغات أجنبية للتعريف بالإسهام المغربي في الفكر البلاغي العالمي.

- تشجيع الندوات والمؤتمرات العلمية المتخصصة في البلاغة المغربية وتاريخها وتحولاتها.

- تطوير بحوث أكاديمية تربط البلاغة المغربية بالنظريات النقدية الحديثة مثل التداولية والسيميائيات وتحليل الخطاب.

- الدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ البلاغة العربية بصورة أكثر شمولًا وعدالة، تُبرز إسهامات المغرب والأندلس إلى جانب المشرق.

***

بقلم د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث مغربي في الأدب والفكر والتاريخ الحضاري والسياسي

 

قراءة في نظرية الحرب والسياسية عند كلاوز فيتز

(الحرب أم الأشياء كلها).. هرقليطس

"من شروط القيادة على وفرتها.. ليس يوجد بينها ماهو ألزم للقائد من القدرة على سبر قوته وسبر قوة خصمه..".

ع.م.العقاد ـ (عبقرية خالد)

تمهيد: التفكير في معنى الحرب وأبعادها..

لا جدال أن التفكير في معنى الحرب وحول الحرب سيؤدي بنا إلى التفكير حول السياسية والدولة ومن لا يعرف معنى الحرب لا يمكن أن يعرف معنى السلام.. الحرب هي أعظم الظواهر الاجتماعية والتاريخية وعلم اجتماع الحرب يتناول كل أشكال الحروب وأسبابها ووظائفها ونتائجها، باعتبارها ظاهرة اجتماعية وتاريخية..، ممتدة، عبر التاريخ في حياة المجتمعات والدول والإمبراطوريات..

هناك أشكال من الحروب وكلها درجات متفاوتة في نطاق فرض السلطة والهيمنة على الآخر للانصياع لمطلب ما..

وقد تصدرت الحرب كل العلاقات الأخرى.. فالحرب داخل علاقات السلطة هي علاقات هيمنة والحرب هي السياسية في مظهر مغاير.. والسياسة هي الحرب بوسائل أخرى.. إن الطبيعة المعقدة للمجتمعات البشرية جعلت ظاهرة الحرب من ظواهر الاجتماع، والعمران الجديرة، بالتأمل، والدراسة نتيجة أنه بالحرب تثبيت الحضارات أو تزول..، نظرا للدور المحوري للمعارك في تشكل أبرز المعالم التاريخية.. وكذلك تكون الصراعات بين المجتمعات عبر العصور، تقوم على الحروب من أجل التحكم والسيطرة، والاستحواذ على مقدرات العالم وثروته.

ومن هذا المنطلق أكد الفيلسوف أرسطو بأن فن الحرب مهارة طبيعية للسيطرة والتملك (1)...

تعتبر الحرب صراعا سياسيا بالدرجة الأولى تتداخل فيه السيناريوهات العسكرية، والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقومية هي مجال الصراع والتدافع وأدواتها الكبرى هي القدرة العقلية والمعرفية والتخطيط، والتنظيم، والإعلام.. وقدرتها على التأثير الحضاري...

وستظل ثلاثة عناصر حاكمة في صراع الإنسان على مدى العصور، وهي القدرة على التنظيم البشري.. ونوع السلاح، والقدرة على الحركة.. القوة التي تتجسد في قدرات التنظيم العسكري كما ونوعا..(2).

وقد شهدت السياسة الدولية صراعا، من أجل حيازة القوة.. ومن ثم فإن الدول تصارع للدفاع عن مصالحها بميزان القوة..

في لحظة التحولات العالمية الكبرى فإن القوى المدججة بالأسلحة الفاتكة تجعل الغلبة في كفة منطق القوة، لا في ميزان قوة المنطق..

تستخدم الحرب كأداة للسياسة القومية للدولة في الحالات التي تثبت فيها الدبلوماسية إخفاقها..

على الرغم من أن المواثيق الدولية تحظر استخدام القوة في العلاقات بين الدول.. وتنظر إليها على أنها عمل غير مشروع، ولا يمكن التسليم بشرعية النتائج التي تترتب على استخدامها...

إلا أن ظاهرة استعمال القوة في العلاقات الدولية قائمة ومستمرة، ويشهد على ذلك سباق التسلح بين الدول الذي يعاني منه العالم..(3).

إن الصراعات الدولية تلقي بظلالها على العالم وتعيد صياغته، وفق أهداف جيوسياسية واستراتيجية، فالنظريات الاستراتيجية تنطوي على خطط وأهداف تتعامل مع حقائق القوة كعامل لحسم الصراعات بين مختلف القوى المتصارعة عبر العصور المتطاولة.

فمفهوم الحرب عرف تطورا داخل منظومة الفكر الاستراتيجي، حيث ترسم الطريقة التي تصاغ بها السياسة أو توضع مخططات عسكرية يعني أن الحرب هي فن استخدام القوة لتحقيق الأهداف السياسية المقررة.. (4).

يقسم الفكر الاستراتيجي الحرب إلى قسمين: الحرب الهجومية والحرب الدفاعية..

أولا الحرب الهجومية تستخدم فيها القوة العسكرية لانتهاك السيادة الإقليمية والاستقلال السياسي لدولة من الدول، أو بهدف تغيير جيوسياسي وفرض علاقات قوى جديدة..

فاستخدام القوة يوفر العديد من المزايا، للدول التي تلجأ إلى أسلوب الهجوم، سواء باستغلال عنصر الوقت أو باستخدام نوع الأسلحة المتطورة والفتاكة..

تتخذ الحرب الهجومية مظهرين أو أسلوبين: الحرب التكتيكية التي تستهدف القوات المسلحة التي يوجه ضدها الهجوم..، أو مظهر الحرب الاستراتيجية التي تتجاوز القوات المسلحة للعدو، إلى تدمير اقتصادها، والنيل من جبهتا القومية(5)..

الهدف الذي يتوخاه الهجوم، الاستسلام الكامل للدولة التي يستهدفها الهجوم وفي هذه الحالة تكون الحرب غير محدودة أو يكون الهدف محددا مثل إكراه الطرف على الرضوخ لطلب معين يخدم المصلحة القومية للدولة المهاجمة وحينئذ تكون الحرب ذات طبيعة محدودة...

ثانيا: الحرب الدفاعية معناها أن الدولة، لا تستخدم قواتها المسلحة إلا إذا اضطرتها الظروف إلى ذلك، إما دفاعا، عن الهجوم الذي استهدفها أو دفعها للتهديد بالأدوات الأخرى الأقل عنفا، كالضغط الاقتصادي والدبلوماسي...

وقد تطورت الإمكانات الدفاعية للدول بفعل التطورات التكنولوجية، والاستحداث المستمر، لأساليب الحرب وارتقاء فنونها.. مما ترتب عليه دعم القدرة الدفاعية للدولة بامتلاكها لترسانة من الأسلحة تناسب كافة الاستخدامات، وغيرها من الوسائل الإلكترونية التي تكفل للدولة نظاما متطورا وفعالا للتحذير من الهجوم..، كما يجب أن تحتفظ الدولة بقوات عسكرية دفاعية قادرة على صد الهجوم، وفي نفس الوقت تقوى قدرتها على الردع فالردع يسبق الدفاع، وأخفاق الردع يدفع الدولة التي يستهدفها، الهجوم إلى التجاء إلى الدفاع الفعال عن كيانها ومصالحها وسيادتها الإقليمية في مواجهة أعدائها..

إن بعض المزايا الاستراتيجية، والتكتيكية قد ترجح كفة الحرب الهجومية على الدولة المدافعة، من حيث أنه يفقدها زمام المبادرة، ويضيق فرص الاختيار أمامها.. ويكرهها على أن تخوض حربا، غير مهيأة لها في المكان والزمان..، وبسلاح غير قادر على صد القوة الهجومية.

إن التخطيط للدفاع يشتمل على إجراء تقييم لنوايا وقدرات وسلوك الطرف المهاجم بحسب ما تمليه أوضاعه أكثر مما تحدده أهداف الدولة المدافعة...

فمسؤولية تحديد نطاق الحرب الدفاعية وكذلك تقرير الأهداف المتوخاة من ورائها، إنما تقع على السلطة الحاكمة التي يجب أن تدرك الإمكانات المتاحة القابلة للاستخدام لأنها المعيار الأساسي الذي يعتمد في تحديد نطاق الحرب الدفاعية وأهدافها..، كما يجب أن تدخل في اعتبارها كل الاحتمالات حتى لا تتورط في الأضرار بالمصلحة القومية العليا.. (6).

الاستراتيجية:

إن عملية تحديد الوضع الاستراتيجية لعالم ما بعد الحرب الباردة، تعتبر أصعب لارتباطها، بفهم الدولة الديناميكي والمتغير إلى حد كبير.

على الدولة أن تعيد بناء نفسها من جديد لأنها تعيش أهم تحولاتها التاريخية..، ضمن محيط دولي يشهد أهم تحولاته..، مما يتطلب عملية تفكير دقيق وعميق تحمل في طياتها تحليلا استراتيجيا مستوعبا لجميع الأوضاع الدولية (7)...

تسعى النظريات الاستراتيجية لتجاوز الصعوبات التي تتعرض لها المجتمعات في فترة التحولات التاريخية، وتفسر قدرتها ومدى استعدادها لأن تتحول إلى قوة فاعلة ومؤثرة.

لقد تبلورت الرؤية الاستراتيجية في ظل تأرجح توازنات القوى المتعددة..

إن القوة الأمريكية مثلا تشكلت نتيجة الصراع الذي دار بين القوى الأوربية المتنافسة في الفترة ما بعد الحربين العالميتين..

الفكر الاستراتيجي يركز أساسا، على تحديد معنى القوة، ومظاهرها ومحاور تغيرها، وتفسير العلاقة بين القوة والقيم.. وبهذا الصدد تطرق المؤرخ البوناني توسيدس(Thucydes) في كتابه حول الحروب ببلوبونسية إلى أهمية القوة في تحديد الأهداف السياسية وعرض الفيلسوف الفارابي في كتابه المدينة الفاضلة البعد القيمي للسياسة، أما ابن خلدون فقد تناول في مقدمته العناصر الديناميكية التي تحقق التغيير المحوري للقوة في السياسة..، لقد حاولت الثقافة القديمة بناء نوع من الانسجام بين القوة والقيم..، فقد فصل "ميكافيلي" بين الواقع السياسي والبعد القيمي (في كتابه الأمير) الذي يعد مؤشرا على التحول من النظام الإقطاعي إلى الدولة القومية(8)...

إن اتفاقية "ووسفاليا التي أبرمت سنة 1648 بعد حروب الثلاثين ترتب عنها ظهور النظام الذي أدى إلى تشكيل الدولة القومية، وجعلت من القوة إطارا قانونيا..

بعد الثورة الفرنسية وما تمخض عنها من أطر نظرية، بالإضافة غلى ما أفرزته علاقة الحركات القومية، من تنافس استعماري وتشكل الواقع السياسي..، كما أن القضاء على الإمبراطوريات التقليدية أدى إلى ظهور عدد كبير من الدول القومية في أوربا وخارجها..

وبعد الحرب العالمية الثانية سقطت الإمبراطوريات الاستعمارية، مما أدى إلى جعل مسألة القوة عنصرا أساسيا في العلاقات الدولية..

المدرسة الواقعية تدافع عن معنى القوة بمفهومي المنفعة والسيادة بشكل متكامل، في إمكانية إنشاء نظام عالمي وفقد توازنات من القوى التي تربط بين الدول القومية..، في حين ترى المدرسة المثالية ضرورة أن تكتسب العلاقات الدولية بعدا قانونيا وقيميا.. وقد أدت التبعية المتبادلة بين الدول بتأثير العوامل الاقتصادية والسياسية، فجعلت من مفهوم القوة مسألة مختلطة ومتشابكة(9)...

ونتيجة لهذا الوضع برزت مفاهيم لتحديد معنى القوة خصوصا مع المتغيرات الجيوسياسية والاستراتيجية العالمية...

إن عناصر القوة المتغيرة لبلد ما والتي يمكن تفعليها في المدى القريب والمتوسط هي التي تعكس مدى قدرة الدولة على استخدام قوتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية بشكل منسق ومثمر، في بناء سياسة خارجية تكرس مكانة الدولة في التوازنات العالمية..

إن عدم قدرة الدول على إعادة بناء عناصرها الفعالة، بشكل منظم ينتج عنه أن نصاب بالوهن وبضعف تأثيرها في العلاقات الدولية.

لقد أصبحت الخيارات الاقتصادية والسياسية للدولة عنصرا قويا من عناصر استراتيجيتها، وهذا هو حال القوى الكبرى التي تعد طرفا في المنافسة الاقتصادية والسياسية، على الصعيد الدولي، وكذلك القوى الإقليمية التي تقع تحت تأثير هذه المنافسة (10)..

لقد عملت الدول على توجيه سياساتها نحو اتخاذ مكانة في التوازنات من خلال نماذج تنموية..مما أدى الى ربط قوة الدولة وبتأثيرها على المسرح الدولي..

ومن الأمثلة في هذا المجال، هو قيام اليابان بوضع الاقتصاد في مركز سياستها الخارجية’ كمقياس استراتيجي بعد الحرب العالمية الثانية..

وأصبحت المنافسة المتعلقة بالتفوق العلمي والتكنولوجي من أسباب التوتر والصراع بين مختلف الدول..، لذلك فإن القوى المهيمنة على النظام الدولي تبذل جهودا كبيرة حتى لا يفلت منها زمام التفوق التكنولوجي.

الولايات المتحدة تسعى لتحافظ على وضعها كقوة مهيمنة في العلاقات الدولية باعتمادها على تفوقها التكنولوجي، وتأخذ في الاعتبار المنافسة الشديدة بينها وبين القوى الأخرى على الساحة الدولية التي تملك القدرة على المنافسة في هذا المجال..، في مقدمتها الصين واليابان والاتحاد الأوربي.

إن القضية الأساسية في الحرب الاقتصادية تتعلق بتحويل التكنولوجيا إلى وسيلة تستخدم من طرف المجتمعات في جميع المجالات الحياتية.

وينصب الصراع بين المتنافسين على التحكم في التكنولوجيا المتطورة، والجديدة.

كلما ازدادت الحرب التكنولوجية حدة، فإنها سترسم ملامح الحروب الاقتصادية والسياسية والعسكرية في المستقل.

كما أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على جبهات متعددة، ستحدد الشكل الذي ستؤول إليه الهيمنة الأمريكية(11)..

إن القدرة العسكرية هي التي تحول كل العناصر إلى قوة فعلية، وهي إحدى المؤشرات الأساسية للقوة الكامنة للدولة في زمن السلم وأهم مظهر يعكس القوة الحقيقية للدولة زمن الحرب.

القدرة العسكرية تعتبر المقياس الذي تحدد على ضوئه القرارات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية وما ينتج عنها من توجهات وتطبيقات (12)..

فهناك علاقة وطيدة بين القوة العسكرية للولايات المتحدة وقوتها الاقتصادية والتكنولوجية وسياستها الخارجية..، وهذا الترابط الوثيق بين عناصر القوة هو الذي جعل منها قوة مهيمنة ومؤثرة في العلاقات الدولية..

إن الذهنية الاستراتيجية، لمجتمع ما هي نتاج لوعي مشترك بالتراكم التاريخي الذي يحمل في داخله العالم الثقافي والنفسي، والديني والقيم الاجتماعية.. كما أن هذه الرؤية تحدد وضع المجتمع ودوره التاريخي..، وتتقاطع فيها الآثار المكانية المستندة إلى المعطيات الجغرافية مع الآثار الزمانية المستندة إلى الوعي التاريخي..، ومن ثم فإن الاختلاف في وجهات النظر الاستراتيجية للمجتمعات هو اختلاف عالم التصورات الذي يستند على البعدين المكاني والزماني. أي أنها تتخذ من تجاربها التاريخية محورا لها لصياغة البنية الذهنية التي تؤثر على توجهاتها ووضع سياساتها الخارجية.

إذا أخذنا مفهوم الأمة كوحدة سياسية تكونت ضمن مراحل تاريخية طويلة تظهر الذهنية الاستراتيجية للمجتمع، وتتشكل من جديد ضمن المسيرة التاريخية التي يمر بها الوعي بالهوية، وتبدي هذه الذهنية استمرار طويل الأمد يتعدي التموجات السياسية العابرة.

تعتبر الذهنية المانية نتاج وعي تاريخي تمتد جذوره إلى الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة، إضافة إلى الأسس الفلسفية للدولة القومية الحديثة.

يرى الفيلسوف "هيجل" بأن جذور الوعي التاريخي الماني يعتبر استمرارا للذهنية الاستراتيجية المانية التي يتداخل فيها الوعي بالهوية بوعي المكان والزمان.. (13).

ان المجتمعات التي تحافظ على إرثها التاريخي تكون قادرة بفعل الذهنية الاستراتيجية على إعادة بناء هويتها من أجل الظهور مجددا على مسرح التاريخ والمساهمة في البناء الحضاري، فالذهنية الاستراتيجية تربط علاقة بالآثار الناتجة عن المعطيات الثابتة والمتغيرة في صيغة معادلة القوة...

فالعناصر التي تشكل مجمل معادلة القوة، يؤثر بعضها في بعض..، بحيث لا يمكن للدول التي لا تملك ذهنية استراتيجية، وإرادة سياسة قوية ومنسجمة، أن تشكل القوة التي تحقق التفوق بالنسبة لعناصرها الثابتة والمتغيرة (14)..

إن معادلة القوة في حالة الدفاع أو الهجوم تندرج في إطار فن الحرب على المستويات التكتيكي والاستراتيجي وضمن هذا الإطار يتم اختيار البديل الأمثل للوصول إلى الأهداف من الحرب..، في ظل المعرفة بقدرات الذات وقوة الخصم..، وكذلك بالأرض التي يتم عليها الصراع وبالمجال والظروف المحيطة بالصراع.

ولا يمكن للحسابات أن تلغي المخاطر..، لأن الحرب تبقى وسيلة من أجل هدف جاد..، وهي أداة سياسية بامتياز. وليست غاية في ذاتها، كما أن النصر العسكري ليس هدفا في ذاته..

إن العلاقة السياسية بالقوة المسلحة، علاقة، وطيدة، لا انفصام لها، تقوم على صراع المصالح، وتستند إلى موازين القوة، بين المتصارعين من أجل التوفيق من خلال تحويل التصورات السياسية عن طريق التكامل، بين القوة والأهداف بغرض تطويع الواقع، وذلك بتحديد القضايا، التي قد يجري حولها تهديد بالصراع أو الحرب..

وإن أي سياسة لا تسندها قوة قابلة للاستعمال، تفقد هدفها وتضل عنه..، ويخطئ الذين يتصورون أن الاحتكام إلى القوة يعني التخلي عن العمل السياسي، أو أن التجاء إلى العمل السياسي يعني التخلي عن القوة..

إن القوة عنصرا واحدا، وليس وحيدا والسياسة المعزولة عن القوة هي سياسة عقيمة..، إن مصالح الدول ترتبط بقوتها والقوة مزيج مركب يتكون من القدرة العسكرية والموارد الاقتصادية، وممارسة القوة تعتمد بالدرجة الأولى على نوعية القيادة السياسية في الدولة..، ومدى قدرتها على تحقيق الأهداف التي قررتها أو أعلنتها..، فالسياسة لا تقوم على الأخلاق وحدها ولا على القوة وحدها، وإنما لكل منهما دوره في تحقيق الهدف..، الأخلاق تعطي الهدف غطاءه الشرعي والقوة تمنحه فاعليته الحقيقية فلا فائدة من اي قوة مسلحة، لا تعززها الإرادة السياسية..، وبدون إرادة سياسية تتحول القوة إلى مخزون سلاح..

الدولة إذا بدت ضعيفة، فإنها تدعو غيرها للعدوان عليها، حتى وإن لم تكن ضعيفة..، ونتيجة لذلك تفقد قوتها الرادعة قيمتها في التأثير على الحوادث(15)..

ومن نافل القول أن استخدام القوة في الصراعات بين المجتمعات والدول عبر العصور تم من أجل تحقيق الأهداف السياسية، وترجيح مصالح الأقوياء بإخضاع الضعفاء لإرادة القوة الغالبة، ضمن ما تفرضه موازين القوى الاستراتيجية الجديدة تأسيسا على أن القوة في التاريخ أداة، ووسيلة السياسية في رسم الأهداف وتحديد المصالح الحيوية في الحرب والسلم..، وذلك باعتماد رؤية جيواستراتيجية شاملة، قادرة على التصدي لجملة تحديات المسار التاريخي المتغير.. وهذا ما شغل فكر منظري الحرب وفلاسفة الحكم وعلماء السياسة والاجتماع..، فقاموا بصياغة نظريات وتصورات تلخص الرؤية الاستراتيجية المطلوبة في العلاقة الوطيدة بين القوة والسياسة..، إن ما يهمنا مما سنعرض له من نظريات ليس فقط عمق التحليل والقدرة على استخلاص النتائج، وتجنب الوقوع في خطأ الحساب والتورط في الصراع بقدر ما تنطوي عليه الصراعات من انتقال القوة نتيجة تنامي نفوذ القوى الصاعدة في التنافس على الموارد والأمن والكسب الاقتصادي(16)..

فلا محيص إذن من الرجوع إلى أسباب الغلبة، وسبر أسباب الهزيمة.. بغرض فهم طبيعة الصراعات الجارية على الساحة الدولية ضمن مخططات جيوسياسية.. ترتكز على القوة في المقام الأول باعتبارها العامل الرئيس في رسم السياسات، وتحديد الأهداف وصياغة النظريات الاستراتيجية التي تضع أنجع الطرق لاستخدام القوة العسكرية لحسم الصراع والوصول إلى أهداف السياسة.. من هذا المنطلق سنعرض لعلاقة الحرب بالسياسة من منظور الفكر الاستراتيجي الذي يحدد طرق استخدام الدولة لقوتها العسكرية لتحقيق أهدافها.. يعتبر كارل فون كلاورفيتز (1780-1831) أهم مفكر استراتيجي في العصر الحديث وضع كتابا "عن الحرب" صدر سنة 1832 تطرق فيه إلى العلاقة الجدلية بين الحرب والسياسة، وبسط فيه المخططات الأساسية للحرب في جميع أطوارها وضمن الكتاب نظرية حول الحرب والسياسة.

***

أحمد بابانا العلوي

.................

ملحوظة: هذه مقدمة لمقال حول نظرية الحرب والسياسة عند "كلاوزفيتز

 

مفتتح: ثمة علاقة عميقة وصميمية تربط الأديان التوحيدية الكبرى في نصوصها التأسيسية بالإنسان. إذ أن كل التشريعات الدينية تتجه إلى الإنسان موضوعا وغاية. وحتى في الحقب التاريخية واللحظات الزمنية التي تراجع فيها موقع الدين في الحياة العامة، فإن السعي والكدح الذي يبذله المتدينون أفرادا وجماعات، يتجه إلى إعادة الإنسان إلى الله، بصرف النظر عن طبيعة القضايا الجزئية والتفصيلية التي تتمايز من دين لآخر فيما يرتبط وتجسيد الوجدان الديني في حياة الإنسان الخاصة والعامة.

وبمقدار ما ينفتح علماء الأديان ومتخصصيه على القيم والمبادئ الكبرى التي صاغتها النصوص التأسيسية للأديان، بذات القدر يتم الانفتاح على الإنسان وقضاياه الملحة. لذلك فإننا نعتقد أن الخطوة الأولى في مشروع صياغة رؤية ومشروع ودور الدين في بناء الإنسان، تتجسد في انفتاحنا وتواصلنا مع النصوص التأسيسية للأديان التوحيدية، التي تختزن مضامين إنسانية سامية. وذلك لأن استغراقنا في القضايا اللاهوتية مع أهمية بحثها والتحاور بشأنها، إلا أنها تنتمي إلى حقل غير الحقل الذي ينبغي أن نبحث عن دور الدين في بناء الإنسان.

فالحقل الثقافي الذي يتواصل بفعالية مع القيم والخيارات الكبرى للأديان، هو الحقل والمدى الفكري والإنساني الذي يوصلنا إلى بلورة وصياغة رؤية مشتركة لدور ووظيفة الدين في بناء الإنسان.

 دور الدين في بناء الإنسان:

إن بناء الإنسان وتنمية مداركه ومواهبه، لا يمكن أن يتم إلا بتنمية دوافع الخير والصلاح والمحبة في نفس الإنسان. فالإنسان الذي يمتلئ قلبه محبة للناس هو الذي يمارس فعل الخير والتنمية في الفضاء الإنساني، والإنسان الذي يختزن في عقله قيم الحوار والالتزام، هو الذي يحوّل حياته إلى شعلة من النشاط والحيوية بما يفيد الإنسان الفرد والجماعة.

والدين بما هو منظومة قيمية وأخلاقية وإيمانية، هو الذي ينمي في الإنسان دوافع الخير والصلاح، ويدفعه نحو تجسيد هذه القيم في الواقع الخارجي. لذلك فبمقدار تمكن قيم الإيمان من نفس الإنسان، بذات القدر يمارس الخير والمحبة للجميع. فالإيمان ليس هروبا من الحياة أو انزواءً وانكفاءً عن قضايا الإنسان والتزاماته المتعددة بل هو حركة في العقل.

" فكل ما في الوجود لا بد من أن يكون للعقل دور في رصده، وإن لم يملك هذا الأخير وسائل البحث في بعض امتداداته، فالوجود لا بد أن يكون عقلانيا، وإن كان العقل لا يتمتع بالقدرة على معالجة ما في داخله من مفردات وتعقيدات تخرج عن دائرة الحس والمألوف. فنحن ندرك الله بالعقل، ولكننا لا نملك الوسيلة للبحث في ذات الله.. في البرهان الديني نحن نرصد الغيب بالعقل حقيقة ووجودا، ولكننا لا نعرف ما وراءه وكنه وجوده، تماما كما هي الفلسفة، قد لا تستطيع من خلالها معرفة كنه الجوهر، ولكنك تستطيع أن تشير إليه.

فالإنسان مؤمن بما يعقل، وعلى هذا الأساس كان لا بد له من خوض تجربة الشك، من أجل الوصول إلى اليقين، وذلك يتطلب رحلة طويلة في عالم الصراع الفكري الداخلي، حيث تتجاذب الإنسان الاهتزازات من خلال تناقض الاحتمالات، وتضاد الأفكار، وتعارض الاتجاهات، التي تتم مناقشتها وجدانيا وعقليا بكل موضوعية وانفتاح، ليعرف الحق من الباطل، وينتقل من الجهل إلى العلم. " (1).

ويقول تبارك وتعالى [الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار] (2).

وقال عز من قائل [قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير] (3).

فالتفكير والتأمل في ظواهر الكون ومتغيراته وأسرار الإنسان وخباياه، هو الذي يقود إلى تعميق مفهوم الإيمان في نفس الإنسان. وبذلك يتحول الدين والإيمان بقيمه ومبادئه ونظمه، حافزا للعمل والبناء والعمران. لذلك نجد أن آيات الذكر الحكيم تحث وتحض على التفكير والتأمل حتى يتحرر الإنسان من كل القيود والضغوطات. إذ قال رب العزة [قل إنما أعظكم بواحدة، تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد] (4).

وفي ذات الوقت هدد القرآن الحكيم أولئك النفر الذي يحتكرون المعرفة ويكتمون ما أنزل الله من البينات باللعنة الإلهية. إذ يقول تبارك وتعالى [إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون] (5).

ومن الطبيعي القول أن نبذ احتكار المعرفة بوحده لا يكفي من أجل خلق الشروط الضرورية لبناء الإنسان على أسس الإيمان والحرية والعلم. لذلك يؤكد القرآن الحكيم في العديد من آياته على قوة العلم وسلطان الحجة. فالجدال ليس هدفا بذاته، لذلك من المهم أن يستند إلى قوة العلم والحجة والبرهان. يقول تعالى [ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير] (6).

وبهذا تتأسس كل شروط ومرتكزات البناء السليم للإنسان. فمشروع البناء الحقيقي للإنسان، يبدأ من نبذ احتكار المعرفة وكتمان الحق، وحث العارفين والعلماء بنشر العلم والمعرفة وتعميمهما والاحتكام الدائم إلى الحجة والبرهان والخروج من كل دوائر الجدل الذي يبتعد عن الحقائق أو لا يستهدف الوصول إليها. وتوج الباري عز وجل كل هذه القيم والمرتكزات بضرورة اتباع أسلوب اللين والكلمة الطيبة والطرق المرنة التي تفتح القلوب على الحق وتقرب الأفكار إلى دائرة مفاهيمه وأحكامه. إذ يقول تعالى [ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم] (7).

فالأساليب العنفية والانفعالية في التعامل مع الآخرين، ليست من الإسلام في شيء، وهي أساليب تهدم ولا تبني. ووظيفة الأديان في عمليات البناء الإنساني، تنطلق حينما يتحرر الإنسان من كل أساليب العنف والنبذ والإلغاء التي قد يستخدمها البعض باسم الدين.

وحوار الأديان بكل مستوياته، من الأهمية أن يأتي في سياق الحوار الموضوعي، الذي لا يهدف الانحباس في القضايا اللاهوتية، وإنما تأكيد وتعميق أسس ومرتكزات مشاركة الأديان في بناء الإنسان وتطوير الحياة المعاصرة في أبعاد القيم والمبادئ والجوانب المعنوية التي يحتاجها الإنسان الفرد والجماعة في مختلف مراحل حياته.

وهذا يجعلنا نقرر حقيقة أساسية في هذا المجال وهي: حينما تتجسد قيم الإسلام في شخصية الإنسان المسلم، وتتجسد قيم المسيحية في شخصية الإنسان المسيحي، وتتجسد قيم اليهودية في شخصية الإنسان اليهودي، يتحرر الإنسان من كل القيود والكوابح التي تحول دون تقدم الإنسان ورقيه المادي والمعنوي.

وإن أفق الرسالات الدينية السماوية رحب وواسع في نصوصها التأسيسية وخياراتها الكبرى، إلا أن بعض الأتباع ولعوامل عديدة ذاتية وموضوعية يغلقون الأفق على الآخرين، ويضيقون الوسع الذي تتميز به النصوص التأسيسية للأديان التوحيدية الكبرى.

لذلك من الأهمية التفريق بين الدين المعياري والذي هو مجموع القيم والمبادئ العليا التي جاء بها الدين، وبين الدين التاريخي والمعيوش، وهو تلك التجربة الإنسانية التي عملت على تجسيد قيم الدين أو تسمت باسمه. وفي تقديرنا أن فض الاشتباك والالتحام بين المعياري والتاريخي يساهم في تجلية وتظهير دور الأديان السماوية في بناء الإنسان. ولعلنا لا نجانب الحقيقة حين القول: أن الدين التاريخي في بعض حقبه التاريخية، (وهذا الكلام ينطبق على كل الأديان) كان دوره سلبيا وسيئا تجاه الإنسان وقضاياه الجوهرية. فحينما يخضع رجل / عالم الدين كفرد أو مؤسسة للسلطان السياسي الغشوم، ويسوغ له كل أعماله وتصرفاته، فإن هذا الدين المعيوش والممارس أضحى كابحا للإنسان ومانعا من نيله حقوقه وحريته. لهذا فإن مرجعيتنا في بيان دور الأديان في بناء الإنسان، ليس التجربة التاريخية بكل فصولها ومحطاتها، وإنما بعض الحقب المجيدة بإطارها ومرجعيتها القيمية التي مارس فيها الدين دوره التاريخي والحضاري المأمول. لهذا فإن التحرر من عبء التاريخ والانعتاق من آسار الواقع وبعض قواه السياسية المحلية والدولية والتي تسعى لتوظيف حوار الأديان توظيفا سيئا وضيقا، والتفاعل الخلاق مع الأديان في نصوصها التأسيسية وحقبها التاريخية المجيدة فحسب، هو الذي يساهم في بلورة المناخ المواتي لكي تمارس الأديان دورها في بناء الإنسان والمجتمعات.

وإننا نعتقد أن العمل على اكتشاف وتظهير الينابيع الإنسانية العميقة لكل الأديان السماوية، سيساهم بشكل كبير في بلورة خيارات إنسانية أكثر عدلا ومساواة وحرية للبشرية جمعاء. وإن كل محاولات الانحباس دون البعد والروح الإنسانية، سيكلف البشرية الكثير من العناء والشقاء. فالمجتمعات الإنسانية اليوم، تحتاج إلى الدين في بعده الإنساني والأخلاقي والروحي، وإن الانكفاء دون تجلية وتظهير هذه الأبعاد من الأديان السماوية، يعني المزيد من الحروب والصراعات المفتوحة والدمار الذي يهدد الإنسان فردا وجماعة في أمنه وكرامته وضرورات عيشه.

لذلك فإن المهمة الأساس في مشروع حوار الأديان، ليست الدخول في نفق السجالات اللاهوتية والأيدلوجية، وإنما العمل على تظهير كل القيم الإنسانية والحضارية التي تختزنها الأديان السماوية، وإعمال العقل وإطلاق حرية التفكير من أجل بناء نظام علاقات بين مختلف المجموعات الدينية، على قاعدة العدل والحرية وحقوق الإنسان.

فالانتماء الديني ليس مدعاة للانتقاص من حقوق الإنسان أو التقليل من فرصه في العدل والحرية. فالحقوق مصانة للجميع والفرص متاحة للجميع، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو القومية. فالتواصل بين المختلفين والمتغايرين دينيا، لا يتم عبر العقائد، وإنما عبر الثقافة التي تدفع جميع المكونات إلى الحوار والتفاهم ونسج المشتركات وتنميتها.

والحوار بكل مستوياته لا يعني مغادرة موقعك الديني أو الفكري، وإنما يعني اكتشاف المساحات المشتركة والانطلاق للعمل معا منها.

وإن المنظومة القيمية الكبرى للأديان التوحيدية، تدفع الإنسان لكي يكون مباركا، أي نفاعا للناس، بحيث لا تتجمد حياته في ذاته، ولكنها تمتد إلى الناس الآخرين وتتحرك في حياتهم.

والقرآن الحكيم يحدثنا عن هذه القضية الهامة (النفع المستديم للناس) من خلال ذكر قصة السيد المسيح (ع). إذ يقول تبارك وتعالى [قال إني عبد الله آتانيَ الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا] (8).

والبركة التي تتحدث عنها هذه الآيات ليست شكلية، وإنما هي ممارسة وفعل متواصل. فهي تتحرك من خلال فكر الإنسان وجهده وطاقته في مستويات الحياة المتعددة. فالنفع والخدمة، هي عنوان الدين في علاقته بالإنسان. ولعلنا لا نذهب بعيدا حين القول: أن دور الأديان في بناء الإنسان، لا يخرج في مضمونه وجوهره، عن هذه الآيات التي توضح كيف جعل الله تعالى السيد المسيح (ع) مباركا أينما كان. فحينما يكون الإنسان في سلام مع الله، يتحرك في أطوار حياته في رحلة السلام، مع نفسه، ومع الناس. وبهذا تكون حياة الإنسان وفق الرؤية الدينية محبة وسلاما وخيرا وبركة للآخرين.

الدين والحرية.. أية علاقة:

 ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.

فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم، هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.

من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقة، يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده، لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (9).وقال عز من قائل {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (10). وقال تبارك وتعالى {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (11).

فآيات الذكر الحكيم السالفة تؤكد بشكل لا لبس فيه أن توحيد الناس معتقدا من الأمور الصعبة والمحالة. والحل الطبيعي والمنسجم وفطرة الإنسان وحقائق الوجود الإنساني هو كفالة حرية الدين والمعتقد.

وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:

1- إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.

2- يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا اصل له.

هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس إنشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.

فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..

فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.

والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.

إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.

فالحياة دائماً لكل امة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.

لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية في حركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.

لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.

وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.

ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني، تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.

فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.

لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.

لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.

وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.

فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.

الإنسان والحرية:

 ثمة حقيقة أساسية يبرزها النص القرآني، وهي أن الإنسان هو صانع حركة الحياة ضمن السنن الكونية والاجتماعية التي تمثل القوانين التي أودعها الله في الكون وفي حركة الإنسان في المجتمع. لذلك يقول تبارك وتعالى {ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميعٌ عليم} (12).

فالإنسان يتحرك في الحياة من خلال أفكاره، وحركة الأفكار هي التي تمثل حركة الحياة. لأن حركة الحياة هي صورة ما نفكر به. لذلك كله فإن التغيير الذاتي على مستوى الطبائع والأفكار والقناعات، هو قاعدة التغيير الاجتماعي والسياسي. فقضايا الاجتماع الإنساني لا تتغير وتتحول إلا بشرط التحول الداخلي - الذاتي - النفسي.

فالتعاليم القرآنية واضحة في أن في هذا الكون وحياة الإنسان سنناً وقوانين، هي التي تتحكم في مسيرة الكون، كما أنها هي القوانين المسيرة لحياة الإنسان الفرد والجماعة.

والإنسان في المنظور القرآني، هو نفحة ربانية استحقت التكريم الذي بوأها أعلى مرتبة في الوجود، أعني الاستخلاف في الأرض بصريح الآية القرآنية {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون} (13).

ومن أجل ذلك استحق الإنسان التكريم بقوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} (14).

وحتى يحقق الإنسان وظيفته على أحسن وجه كان كل ما في الوجود مسخراً لفائدته، وكان العالم مسرحاً لكل فعالياته بصريح آيات قرآنية عديدة منها قوله تعالى {ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرؤوف رحيم} (15).

والكائن الإنساني في الرؤية القرآنية، له القدرة والاستطاعة على ممارسة الحرية والاختيار. بمعنى أن الفعل الإنساني ليس خاضعاً لمقولات القسر والجبر، كما أنه ليس بعيداً عن قوانين الله سبحانه وأنظمته في الكون والمجتمع. بمعنى أن الباري عز وجل هو خالق أفعال الإنسان، لأنه بجميع أفعاله مخلوق الله، ولكن مع ذلك له استطاعة يحدثها الله فيه مقارنة للفعل. لذلك فإن الإنسان مكتسب لعمله، والله سبحانه خالق لكسبه. فالفعل الإنساني في مختلف دوائره ووجوده، هو خاضع لمنظومة من القيم والسنن والتي ينطلق الفعل الإنساني من خلال الالتزام بهذه المنظومة. فالإنسان ليس خالقاً لأفعاله، كما أنه ليس مجبوراً في أفعاله وإنما هو (لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين).. لذلك يقول تبارك وتعالى {وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون} (16). والله سبحانه وتعالى أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون، والله أعز من أن يكون في سلطانه مالا يريد.. فإرادة الله هي التي صنعت إرادة الإنسان. والإنسان هو الكائن الوحيد الذي اختار أن يكون قدره أكثر من إمكان واحد، وأوفر من احتمال واحد في الزمان والمكان. لهذا كله فإن احترام الإنسان وصيانة حقوقه من أعظم المهام والوظائف في حياة الإنسان في الوجود. فلا يصح بأي شكل من الأشكال أن الباري عز وجل يكرم الإنسان ويصون حرماته وحقوقه، ويأتي الإنسان ويمتهن حقوق الإنسان وكرامته.

إن التوجيهات الإسلامية، تؤكد وبشكل لا لبس فيه، أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال انتهاك كرامة الإنسان أو التعدي على حقوقه ومكتسباته الإنسانية والمدنية.

والاختلافات العقدية والفكرية والسياسية بين بني الإنسان، ليست مدعاة ومبرراً لانتهاك حقوقه أو التعدي على كرامته. بل هي مدعاة للحوار والتواصل وتنظيم الاختلافات وضبطها تحت سقف كرامة الإنسان وصون حقوقه.

ولقد آن الأوان بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين، إلى إعادة الاعتبار إلى الإنسان ومقاومة كل حالات التعدي على حقوقه ومكتسباته. فالاختلاف مهما كان شكله أو طبيعته، ليس مبرراً ومسوغاً لانتهاك حقوق الإنسان. فالخالق سبحانه وتعالى أكرم الإنسان، ودعانا وحثنا جميعاً وعبر نصوص قرآنية عديدة على احترام الإنسان بصرف النظر عن لونه أو عرقه أو فكره، وصيانة كرامته وحقوقه.

والحرية بوصفها مصدر المسؤولية، لا تفضي بالكائن البشري إلى اختيار الحق والعدل والخير بالضرورة. بل تجعل الاختيار مفتوحاً على جميع الاتجاهات والاحتمالات. لذلك كان التاريخ البشري حافلاً باختيار الظلم والشر إلى جانب العدل والخير، وكان الإنسان مسؤولاً عن ذلك كله. أما الكائنات الأخرى، فليست مسؤولة عن ما يعرض لها أو بسببها لأنها ليست كائنات مختارة. فالباري عز وجل لم يخلق الإنسان خلقاً جامداً خاضعاً للقوانين الحتمية التي تتحكم به فتديره وتصوغه بطريقة مستقرة ثابتة، لا يملك فيها لنفسه أية فرصة للتغيير وللتبديل، بل خلقه متحركاً من مواقع الإرادة المتحركة التي تتنوع فيها الأفكار والمواقف والأفعال، مما يجعل حركة مصيره تابعة لحركة إرادته. فهو الذي يصنع تاريخه من خلال طبيعة قراره المنطلق من موقع إرادته الحرة، وهو الذي يملك تغيير واقعه من خلال تغييره للأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تتحرك في واقعه الداخلي لتحرك الحياة من حوله. وهكذا أراد الله للإنسان أن يملك حريته، فيتحمل مسؤوليته من موقع الحرية. ويدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه. وعليه فإن تطوير واقع الحرية في الحياة الإنسانية، يتوقف على الإرادة الإنسانية التي ينبغي أن تتبلور باتجاه الوعي بهذه القيمة الكبرى أولاً، ومن ثمَّ العمل على إزالة كل المعوقات والكوابح التي تحول دون الحرية. فالحرية في الواقع الإنساني لا توهب، وإنما هي نتاج كفاح إنساني متواصل ضد كل النزعات التي تعمل على إخضاع الإنسان وإرادته. سواء كانت هذه النزعات ذاتية مرتبطة بحياة الإنسان الداخلية، أو خارجية مرتبطة بطبيعة الخيارات السياسية والاقتصادية والثقافية، التي قد تساهم في إرجاء الحرية أو تعطيلها ووأد بذورها الأولية وموجباتها الأساسية.

وما دام الإنسان يعيش على ظهر هذه البسيطة، سيحتاج إلى الحرية التي تمنحه المعنى الحقيقي لوجوده. ولكي ينجز هذا المعنى، هو بحاجة إلى إرادة وكفاح إنساني لتذليل كل العقبات التي تحول دون ممارسة الحرية الإنسانية على قاعدة الفهم العميق لطبيعة عمل سنن الله سبحانه في الاجتماع الإنساني. ومن هنا ومن خلال هذه المعادلة التي تربط الوجود الإنساني برمته بالحرية والإرادة والمسؤولية، فإن الكدح الإنساني سيتواصل، والشوق الإنساني إلى الحرية والسعادة سيستمر، والإحباطات والنزعات المضادة ستبقى موجودة وتعمل في حياة الإنسان. لذلك فإن الوجود الإنساني هو عبارة عن معركة مفتوحة بين الخير الذي ينشد الحرية والسعادة والطمأنينة القلبية، والشر الذي لا سبيل لاستمراره إلا البطر والطغيان والاستئثار.

ولكي ينتصر الإنسان في معركته الوجودية، هو بحاجة إلى الإيمان والعلم والتقوى، حتى يتمكن من هزيمة نوازعه الشريرة وإجهاض وتهذيب نزعات البطر والطغيان.

ولا يخفى أن شعور الإنسان بالأمن والطمأنينة في الحياة هو الشرط الضروري لكي يقدم على العمل والإنتاج والتعمير في الأرض. ففي مناخ الأمن النفسي تنمو القدرات الذهنية وتتجه نحو الإبداع، وتنشيط القدرات الإنجازية وتتضاعف فعاليتها ويزكو إنتاجها. فإنسانية الإنسان في جوهرها وعمقها مرهونة بحرية الإنسان. إذ إن الحرية هي شرط إنسانية الإنسان. وحينما يفقد هذا الشرط، يفقد الإنسان مضمونه وجوهره الحقيقي. لذلك فإننا نرى أن احترام آدمية الإنسان، ومجابهة أي محاولة تستهدف انتهاك حقوقه الأساسية، هي الخطوة الأولى في مشروع تحقيق إنسانية الإنسان. فالإنسان بكرامته وحرماته وحقوقه، هو حجر الأساس في أي مشروع تنموي أو تقدمي. لذلك فنحن بحاجة دائماً إلى رفع شعار ومشروع صيانة حقوق الإنسان وكرامته بصرف النظر عن عرقه أو لونه أو قوميته أو أيدلوجيته.

الحرية والمصلحة:

لعلنا لا نضيف شيئا حين القول: أن الدين الإسلامي بكل تشريعاته ونظمه، وبالرغم من تقريره للغيب، فإنه ذو سمة عقلانية، أي أنه جاء ليوافق منطق العقل الإنساني وأحكامه. لذلك لا نجد أن هناك حكم في الدائرة التشريعية للإسلام، لا ينسجم وحقائق العقل الإنساني. وعالم الغيب في المنظور الإسلامي، ليس نفيا أو تغييبا لعالم الشهود والعقل. وإنما بالنظر العقلي المستند على حقائق الوحي يتم اكتشاف بعض جوانب وأبعاد عالم الغيب.

وإن الحرية الإنسانية لا تنجز على الصعيد العملي، إلا على قاعدة توفير المصالح التي يسعد بها الإنسان ويحيا حياة كريمة، ودفع الأضرار التي تجلب إليه الشقاء والبعد على الجادة والحياة الكريمة. (لذا لا يمكن تصور الإنسان حرا في المفهوم الإسلامي، إلا منذ أن أصبح يعتقد أنه مكلف ومسؤول. ذلك، لأن معنى الحرية الذي نهض به التكليف قد غدا في أغوار النفس الإنسانية معتقدا، يمارسه على الوجه المرسوم له شرعا، امتثالا لأمر الله، وعن طواعية وكامل رضا، أو بعبارة أخرى، إن المسلم الحق لا يصدر عنه تصرف أو نشاط حيوي، مادي أو فكري أو وجداني، بمقتضى ما رسم له الشارع فيما خوطب به من تكاليف، إلا إذا كان يعتقد ابتداء، وفي قرارة نفسه، أنه مكلف به شرعا، لا بعامل الاستهواء، أو بتسليط الغرائز الدنيا الأولية السليقية التي تغري بالتصرف المطلق، طمعا في تحصيل الثمرات القريبة العاجلة، أو استجابة للعصبية، والهوى، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم، وحذر منه، لفساد مآلاته على المجتمع البشري كله. بقوله تعالى [ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض]. (17).

وهذه الحرية ليست منفصلة في حقائقها وتجلياتها المتعددة عن نظام الحقوق، سواء كانت هذه الحقوق خاصة أم عامة. وإنما هي متداخلة مع نظام الحقوق ولا يمكن أن يتم إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي، إلا بصيانة الحقوق. فحماية الحقوق وصيانتها هي بوابة إنجاز الحرية في الواقع الاجتماعي. وبدون ذلك تبقى الحرية شعارات مجردة بعيدة عن حركة الإنسان الفرد والمجتمع .

" لذا ترى الإسلام قد أقام فلسفته التشريعية على أساس تضمين المعنى الإنساني والاجتماعي مفهوم الحرية، ضمانا كافيا للحيلولة دون الاعتساف في ممارستها، وناط بهذا المعنى مفهوم العدل، بأن جعل بينه وبين المشروعية تلازما، بحيث إذا انتفى المعنى الاجتماعي في التصرف الفردي، انتفت المشروعية وسقطت، ولاسيما عند تعارض الحرية الفردية مع المصلحة العامة، كما بينا، وهذا أصل مقطوع به، ومجمع عليه، تحقيقا للتوازن عملا وواقعا، ثم أقام الحق والحرية على أساس التكليف المؤيد بالعقيدة، ضمانا للتقيد بالمعنى الإنساني، لأنه يستند إلى أصل اعتقادي قبل أن يكون تدبيرا تشريعيا أو سياسيا محضا. ومن هنا نشأت الوظيفة الاجتماعية للحق والحرية وهذه الوظيفة هي أساس التكافل الاجتماعي الملزم أو جهة التعاون واستخلص العلماء من هذا المبدأ العام الذي هو قوام الحريات والحقوق، ومؤداه أن حق الغير محافظ عليه شرعا وهو حق الله تعالى في كل حق فردي، بما يحقق من معنى الحق الاجتماعي في الإسلام. " (18).

وبما أن المصلحة العامة من الشروط التي تتوقف عليها قدرة الفرد وإمكانيته من تحقيق مصالحه الذاتية المباشرة. لذلك فإن صيانة المصالح العامة بكل مقتضياتها ومتطلباتها من صميم صيانة الإنسان لمصالحة الخاصة والذاتية. وبهذا تتضح العلاقة العميقة والوثيقة في آن، بين رعاية المصالح الذاتية ورعاية المصالح العامة. وإنه لا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نصون مصالحنا الخاصة إلا بصيانة مصالحنا العامة. لأنه وببساطة شديدة لا تبقى مصالح خاصة على الصعيد الواقعي معتبرة، إذا تم التهاون والتضحية بالمصالح العامة. ولعل هذا هو مؤدى المأثور التاريخي القائل (إن قوما ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها، إذا أرادوا أن يستقوا، مروا على من فوقهم، فقال أحدهم: لو إنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، وإن تركوه، هلك وهلكوا جميعا).

من هنا نستطيع القول: أن حياة الإنسان وفق الرؤية الإسلامية ليست حقا أو ملكا خالصا له، بل هي مسيجة بحق الله تعالى وحق المجتمع، تنفيذا لأمانة التكليف، وتفسيرا لمعنى استخلافه في الأرض. ويقول تبارك وتعالى [ولا تقتلوا أنفسكم]. (19).

ولقد صاغ الفقهاء مجموعة من القواعد الفقهية التي تنظم وتحدد وتوازن العلاقة وأولوياتها بين المصالح الخاصة والعامة. ومن هذه القواعد، لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ويتحمل الضرر الخاص في سبيل دفع ضرر عام، والضرر الأشد يزال بالأخف.

وكل هذه الحقوق والحريات العامة، التي هي ضرورية لأمن واستقرار المجتمعات، بحاجة إلى ركائز وسياج مجتمعي وقيمي، يحمي الحقوق، ويعزز فرص الاستقرار في المجتمع. وهذه الركائز هي:

1- الوفاء بالعهود والمواثيق، لأن ذلك هو الذي يؤكد الثقة بين أفراد المجتمع ويحفظ لهم تماسكهم الاجتماعي.

2- المحافظة على الروابط الروحية والاجتماعية، فإنها تشد أواصر المجتمع وتجعله وحدة متماسكة بعيدة عن أي انقطاع وانفصام.

3- النزعة الإصلاحية التي تعمل على إصلاح ما فسد من حياة الناس، ومحاربة تجدد الفساد وانطلاقه في المجتمع سواء في ذلك فساد العقيدة، أو فساد السلوك والوجدان، وهذا هو سر الإيمان في حياة المؤمنين عندما ينطلق الإيمان في حياتهم ليقوي هذه الركائز. فهم يحفظون عهد الله في كل التزاماتهم ومواثيقهم في العقيدة والحياة، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل في علاقة الإيمان والقرابة والجوار وغيرها، ويصلحون الفساد في الأرض)(20)

وتتضح هذه الركائز من قول الباري عز وجل [الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون] (21).

فالعلاقات الاجتماعية الداخلية القائمة على الوفاء بالعهود والمواثيق، والمزيد من أشكال التضامن وأطر التعاون، والحيوية والدينامية في ملاحقة الانحرافات وكل أشكال الفساد. هذه العلاقات هي القادرة على احتضان واستيعاب كل أسس الحرية وآفاق المشاركة في الحياة العامة. فالمجتمعات لا تصون حقوقها، ولا تنجز حريتها، إلا إذا كانت حية وحيوية، وتمتاز بعلاقات حسنة وإيجابية بين مختلف مكوناتها وتعبيراتها.

أما المجتمعات المفككة والمبعثرة في جهودها وطاقاتها، والخاملة تجاه حقوقها وحرياتها، فإنها مهما رفعت من شعارات لن تتمكن من القبض على كل أسباب عزتها وحريتها. لهذا فإننا مع كل المبادرات والخطوات التي تعزز وحدة المجتمع وتضامنه الداخلي، وضد كل نزعات التشظي والفرقة التي قد تصيب المجتمعات، وتضيع عليها فرص حقيقية ونوعية في مضمار التقدم والتطور. فالحقوق مهما كانت صريحة وواضحة،فإننا لن نحصل عليها إلا إذا وفرنا كل الأسباب الذاتية والموضوعية المؤدية إلى نيل الحقوق وكسب الحريات. وتوفير هذه الأسباب بكل مستوياتها، لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة،وإنما عبر عمليات التراكم والبناء المتواصل.ولعل من أهم المداخل لهذه المسألة،هي بناء قدرات المجتمع الذاتية في مختلف المجالات.

لهذا فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله [هلاك أمتي في ترك العلم] (22). فالمجتمعات لا تبني قدراتها إلا بالعلم والمعرفة، لذلك وكما قال رسول الله (ص) [من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما فعليه بالعلم] (23). ويقول الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام [اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة] (24). ومن الضروري في إطار بناء المجتمع وتطوير قواه الذاتية، الاهتمام بالتخطيط والابتعاد عن كل أشكال العشوائية وردود الأفعال الغير محسوبة التي قد تضر باستراتيجية بناء قدرات المجتمع الذاتية. لذلك جاء في الحديث عن الإمام علي عليه السلام [إن الطيش لا تقوم به حجج الله ولا تظهر براهين الله] (25).

حقوق الإنسان ومفارقات الواقع:

يقول تبارك وتعالى [أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون] (26).

هذه الآية الكريمة توضح طبيعة الانحراف السلوكي الذي كان يعيشه اليهود في عصر الرسالة الإسلامية. فقد جعلوا من أنفسهم حماة الكتاب والحق والاستقامة، ولكنهم على الصعيد العلمي والسلوكي هم الذين يمارسوا الأدوار النقيضة لذلك. ويبدو من خلال هذه الآية الكريمة أن هذه المشكلة، أي مشكلة الازدواجية والفصام النكد بين القول والفعل قد تصيب أي مجتمع. وقد عالجها الذكر الحكيم في أكثر من آية وموقع قرآني. فالمطلوب قرآنيا أن يتحد القول مع العمل، والكلمة مع الموقف، حتى يتحقق الإيمان الحقيقي سواء على الصعيد الفردي أو المجتمعي.

" ولقد جاء في معاني الأخبار عن الحسين البزاز قال: قال لي أبو عبد الله جعفر الصادق عليه السلام: ألا أحدثك بأشد ما فرض الله على خلقه ؟ قلت: بلى، قال: إنصاف الناس من نفسك ومواساتك لأخيك، وذكر الله في كل موطن ".

وما نود أن نثيره في هذا السياق، هو طبيعة التناقض بين القول والعمل فيما يرتبط بحقوق الإنسان في مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة.

ولعل من المفارقات الصارخة في واقعنا الإسلامي المعاصر، هي تلك المفارقة المرتبطة بحقوق الإنسان في فضائنا الثقافي والسياسي والاجتماعي. حيث إننا نمتلك من جهةٍ تراثاً ونصوصاً دينية هائلة، تحث على احترام الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته، والتعامل معه وفق رؤية أخلاقية نبيلة. وبين واقع لا يتوانى في انتهاك حقوق الإنسان وتدمير كرامته وهتك خصوصياته. فنحن في المجال الإسلامي نعيش هذه المفارقة بكل مستوياتها وتأثيراتها.

فنصوصنا الدينية تحثنا على الالتزام بحقوق الإنسان وصيانة كرامته وتلبية حاجاته. ولكن في المقابل هناك الحياة الواقعية المليئة على مختلف المستويات بأشكال تجاوز وانتهاك حقوق الإنسان. ولا يمكن ردم هذه الفجوة وتوحيد الواقع مع المثال على هذا الصعيد إلا بتطوير خطابنا الديني وإبراز مضمونه الإنساني والحضاري. وذلك لأن هذا الخطاب في أحد أطواره ومستوياته كان يمارس التبرير والتسويغ لتلك المفارقة الحضارية التي يعيشها واقعنا العربي والإسلامي. وإن تجاوز هذه المفارقة، يتطلب العمل على بلورة خطاب حقوقي إسلامي، يرفض كل أشكال التجاوز والانتهاك لحقوق الإنسان الخاصة والعامة، ويبلور ثقافة اجتماعية عامة، تُعلي من شأن الإنسان وتحث الناس بكل فئاتهم وشرائحهم على احترام آدمية الإنسان وصيانة كرامته والحفاظ على مقدساته. وإن صيانة حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي، بحاجة إلى نظام الحرية والديموقراطية. لأنه لا يمكن أن تصان حقوق الإنسان بعيداً عن الحريات السياسية والديموقراطية. وإن ضمان الحقوق الأساسية للإنسان، بحاجة إلى نظام، ينظم العلاقات، ويضبطها بعيداً عن الإفراط والتفريط. فلا حقوق للفرد والمجتمع، بدون مرجعية عُليا ينتظم تحت لوائها ومظلتها الجميع. فلا يمكن أن تصان الحقوق، حينما تنتشر الفوضى، ويغيب النظام وذلك لأن كل متواليات هذا الغياب تنعكس سلباً على واقع حقوق الإنسان في المجتمع.

لذلك نجد أن المجتمع الذي يعاني من حروب داخلية أو أهلية، لا يتمكن من صيانة حقوق الإنسان فيه. وذلك لأن مفاعيل غياب النظام تحول دون احترام الإنسان وصيانة حقوقه. ولعل في مقولة الإمام علي بن أبي طالب التالية إشارة إلى هذه المسألة: (لا بد للناس من أمير بَرٍّ أو فاجر يعمل في أمرته المؤمنون، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتؤمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بَرٌّ أو يستراح به من فاجر). والدعوة إلى النظام لضمان الحقوق، لا تشرع بطبيعة الحال إلى الاستبداد والحكم المطلق. لأن هذا بدوره أيضاً يمتهن الكرامات ويدمر نظام الحقوق في المجتمع.

من هنا نصل إلى حقيقة أساسية وهي: أن النظام الذي يكفل الحريات للمجتمع، هو النظام القادر على صيانة حقوق الإنسان. ولا يمكن أن نصل إلى هذه الحقيقة، إلا بحيوية وفعالية اجتماعية تنتظم في أطر ومؤسسات وتعمل وتكافح لخلق الحقائق في واقعها، وتفرض ظرفاً جديداً، بحيث تكون صيانة حقوق الإنسان من الحقائق الثابتة في الفضاء الاجتماعي.

إننا دون تغيير واقعنا الاجتماعي، لن نتمكن من خلق نظام سياسي يصون الحريات والحقوق. من هنا تنبع أهمية العمل الاجتماعي والثقافي المتواصل، باتجاه تنقية واقعنا الاجتماعي من كل رواسب التخلف والانحطاط، ومقاومة كل الكوابح التي تحول دون التنمية والبناء الحضاري. إن حيويتنا الاجتماعية وفعلنا الثقافي المتميز والنوعي من الروافد الأساسية لبلورة قيم حقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي والثقافي. فلا يكفينا أن تكون النصوص الدينية حاضنة لحقوق الإنسان ومشرعة لها وإنما لا بد من العمل والكفاح لسن القوانين واتخاذ الإجراءات وخلق الوقائع المفضية جميعاً إلى صيانة حقوق الإنسان.

وعليه فإننا نشعر بأهمية أن يتجه الخطاب الديني إلى مسألة حقوق الإنسان، ليس بوصفها مسألة تكتيكية أو مرحلية، وإنما بوصفها جزءاً أصيلاً من التوجيهات الإسلامية والمنظومة الدينية. لذلك ينبغي أن يتجه هذا الخطاب إلى الإعلاء من شأن هذه المسألة، وتنقية مفرداته ووقائعه من كل الشوائب التي لا تنسجم والحقوق الأساسية للإنسان.

فالإنسان بصرف النظر عن منبته الأيديولوجي أو انتمائه المذهبي أو القومي أو العرقي، يجب أن تحترم آدميته وتصان حقوقه. وأي فهم لأية قيمه من قيم الدين، لا تنسجم وهذه الرؤية، هو فهم مشوب وملتبس، ولا يتناغم والقيم العليا للدين.

فالإسلام بكل قيمه ومبادئه ونظمه وتشريعاته، هو حرب ضد كل العناوين والعناصر التي تنتقص من قيمة الإنسان أو تنتهك حقوقه.فهي قيم من أجل الإنسان وفي سبيله، ولا يمكن بأية حال من الأحوال أن يشرع الإسلام لأي فعل أو سلوك يفضي إلى انتهاك حقوق الإنسان.

لذلك كله نستطيع القول: إن الانتهاكات المتوفرة في المجالين العربي والإسلامي لحقوق الإنسان، هي وليدة الأنظمة الاستبدادية والشمولية التي تمارس كل أنواع الظلم والعسف والقهر لبقاء سلطانها الاستبدادي، والإسلام بريء من هذه الانتهاكات. وإن المحاولات التي يبذلها علماء السلطان لسبغ الشرعية على تجاوزات السلطة الاستبدادية، لا تنطلي على الواعين من أبناء الأمة، ولا تحسب بأي شكل من الأشكال على الإسلام مبادئاً وقيماً ومثلاً عليا. والإصلاح الديني المنشود، هو الذي يتجه إلى العناصر التالية:

1- تحرير المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي من كل أشكال الهيمنة وانتهاك الحقوق وتجاوز ثوابت الدين القائمة على العدل والحرية والمساواة.

2- تنقية الثقافة الدينية السائدة، من كل رواسب التخلف السياسي والانحطاط الثقافي والأخلاقي. فلا يمكن أن تكون ثقافة دينية أصيلة، تلك الثقافة التي تبرر الظلم أو تسوغ التعذيب أو تشرع للعسف وانتهاك الحقوق والحريات العامة للإنسان.

3- بناء المجال السياسي والثقافي في الأمة، على أسس العدل والحرية والمساواة وصيانة حقوق الإنسان. فالمهم أولاً ودائماً أن يكون واقعنا بكل مستوياته منسجماً ومقتضيات الإسلام ومثله العليا.

4- تحرير العلاقات وأنماط التواصل بين مختلف المكونات والتعبيرات، من كل أشكال التمييز والتهميش والإقصاء بدعاوى ومسوغات دينية أو فكرية أو سياسية. وبناء العلاقة بين هذه التعبيرات على أساس الجوامع المشتركة ومقتضيات الشراكة والمسؤولية المتبادلة.

وهذا يتطلب تطوير علاقتنا المنهجية والمعرفية بالنصوص الإسلامية، وتجسير الفجوة بين مؤسساتنا ومعاهدنا العلمية ومصادر المعرفة الإسلامية الأساسية. وذلك من أجل إنتاج ثقافة إسلامية أصيلة ومنفتحة ومتفاعلة مع مكاسب العصر والحضارة.

وهذا بطبيعة الحال، ليس سهل المنال، وإنما هو بحاجة إلى جهود فكرية ومؤسسية متواصلة، لتنقية المجال السياسي والثقافي والاجتماعي من كل مظاهر الأنانية والآحادية والاستبداد.

وإن مشروع النهضة الوطنية على الصعد كافة اليوم، بحاجة إلى وعي وثقافة دينية جديدة، تتصالح مع الحرية وحقوق الإنسان، وتنبذ العسف والظلم بكل مستوياته ودوائره، وتتفاعل على نحو إيجابي مع التنوع والتعددية، وتقطع نفسيا ومعرفيا مع الرؤية الآحادية التي لا ترى إلى قناعاتها وتتعامل معها بوصفها الحقائق المطلقة.

والفكر الديني المعاصر ينبغي أن لا يكون منعزلا أو بعيدا عن قضايا الحرية وحقوق الإنسان ونقد الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله.

فالإسلام لا يشرع للظلم والاستبداد، بل يدعو المسلمين إلى رفض الظلم ومقاومة الاستبداد ونشدان المساواة والعدل في كل الأحوال والظروف.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن التحدي الأكبر الذي يواجه البلدان العربية والإسلامية اليوم، هو في قدرة هذه الدول والبلدان على تجسير الفجوة بين الواقع والمثال فيما يرتبط بحقوق الإنسان. لأن الكثير من الأزمات والمآزق التي تواجه هذه البلدان، هي من جراء تراجع مستوى حقوق الإنسان في هذه الدول. ولا ريب أن هذا التراجع له تأثيرات سلبية عميقة على مختلف صعد ومستويات الحياة.. لهذا فإن صيانة الأمن الثقافي والاجتماعي والسياسي، لا يمكن تحقيقه بدون صيانة حقوق الإنسان. كما أن بوابة الاستقرار الاجتماعي والسياسي في كل هذه الدول، هي احترام حقوق الإنسان وصيانتها ومنع أي تعدي عليها.

لهذا فإننا نستطيع القول، وبلغة لا لبس فيها، أن شكل وطبيعة المستقبل الذي ينتظر دولنا العربية والإسلامية، مرهون إلى حد بعيد على قدرة هذه الدول على تطوير أنظمتها وواقعها السياسي، باتجاه المزيد من احترام وصيانة حقوق الإنسان.

وإن المهمة الأساس الملقاة على عاتقنا جميعا، هي العمل على تجسير الفجوة وردم الهوة، بحيث تصبح كل حقائق ومتطلبات حقوق الإنسان شاخصة وبارزة في فضائنا الاجتماعي والثقافي.

فلا يمكن أن تتوفر في فضائنا الاجتماعي والوطني، عناصر القوة والقدرة والحيوية، بدون صيانة حقوق الإنسان. لهذا فإن جسر العبور إلى القوة بكل تجلياتها والحيوية بكل تمظهراتها، هو الإصرار على صيانة حقوق الإنسان وتجسير الفجوة على هذا الصعيد بين الواقع والمثال والمأمول.

وفي الختام: فإن الناس أفرادا وجماعات، تتمايز عن بعضها في طريقة التعامل مع حقوقها وحريتها. فالمجتمعات الحية هي التي تقبض على حقوقها وتدافع عن حريتها. أما المجتمعات الميتة، فهي التي تفرط بحقوقها وحريتها. لذلك جاء في الحديث الشريف [ليس من ابتاع نفسه فأعتقها كمن باع نفسه فأوبقها].(27).

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

.....................

الهوامش

1- السيد محمد حسين فضل الله – في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي – ص 4 – الطبعة الثالثة – دار الملاك – بيروت 2005م.

2- سورة آل عمران، الآية 91.

3- سورة العنكبوت، الآية 20.

4- سورة سبأ، الآية 46.

5- سورة البقرة، الآية 159.

6- سورة الحج، الآية 8.

7- سورة فصلت، الآيات 33 – 35.

8- سورة مريم، الآيات 30 – 32.

9- سورة الكهف، الآية 29.

10- سورة الغاشية، الآية 22.

11- سورة يونس، الآية 99.

12- سورة الأنفال، الآية 53.

13- سورة البقرة، الآية 30.

14- سورة الإسراء، الآية 70.

15- سورة الحج، الآية 65.

16- سورة القصص، الآية 68.

17- الدكتور محمد فتحي الدريني، دراسات وبحوث في الفكر الإسلامي المعاصر، الجزء الأول، ص 44، دار قتيبة للطباعة والنشر، دمشق 1988م.

18- المصدر السابق، ص 47.

19- سورة النساء، الآية 79.

20- السيد محمد حسين فضل الله، تفسير من وحي القرآن، المجلد الأول، ص 137، دار الزهراء، الطبعة الثالثة، بيروت 1985م.

21- سورة البقرة، الآية 27.

22- الحسن الديلمي، إرشاد القلوب، ج 1، ص 183.

23- المصدر السابق.

24- عبد الواحد الآمدي التميمي، غرر الحكم ودرر الكلم، المجلد الأول، مؤسسة الأعلمي، الطبعة الأولى، بيروت 1987م.

25- الشيخ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 54، ص 232، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1983م.

26- سورة البقرة، الآية 44.

27- محمدي الريشهري، ميزان الحكمة، المجلد الثاني، ص 353، الدار الإسلامية، لبنان.

من الوصف البنيوي إلى التفسير الذهني للغة وتطبيقاته في الدرس العربي

مقدمة الدراسة: تُعدّ اللسانيات الحديثة أحد الحقول المعرفية التي شهدت تحولات إبستمولوجية عميقة أعادت تشكيل موضوعها ومنهجها وحدودها العلمية، إذ لم يكن مسارها خطيًا أو تراكميًا بسيطًا، بل اتسم بقطائع معرفية حاسمة نقلتها من تصور إلى آخر، ومن نموذج تفسيري إلى نموذج مغاير أكثر قدرة على استيعاب الظاهرة اللغوية في تعقيدها وتركيبها. وفي هذا الإطار، هيمن خلال النصف الأول من القرن العشرين الاتجاه البنيوي الوصفي، الذي ارتبط بأسماء بارزة مثل فرديناند دو سوسير (Ferdinand de Saussure) وبلومفيلد (Leonard Bloomfield)، حيث سعى هذا الاتجاه إلى تأسيس علم للغة يقوم على مبدأ الموضوعية العلمية، من خلال اعتماد الملاحظة الدقيقة والتصنيف الصارم للمعطيات اللغوية.

وقد انطلق هذا التصور من اعتبار اللغة نسقًا مغلقًا من العلاقات، يمكن تحليله عبر تفكيك وحداته الصوتية والصرفية والتركيبية، ورصد انتظامها داخل السلسلة الكلامية، دون الحاجة إلى استحضار أي معطيات ذهنية أو نفسية. وهكذا، تم اختزال الظاهرة اللغوية في بعدها الخارجي القابل للملاحظة، حيث أصبح التحليل اللساني مرتهنًا بمبادئ التوزيع والتقابل، وموجّهًا نحو الكشف عن البنيات الشكلية للغة، لا عن آليات إنتاجها أو شروط إمكانها. غير أن هذا التوجه، على الرغم من صرامته المنهجية ودقته الإجرائية، ظل محدود الأفق التفسيري، إذ عجز عن الإجابة عن سؤال جوهري يتعلّق بطبيعة القدرة اللغوية الإنسانية: كيف يستطيع المتكلم أن ينتج ويفهم عددًا لا متناهٍ من الجمل انطلاقًا من موارد لغوية محدودة؟

من هنا بدأت تتكشف حدود المقاربة البنيوية، خاصة مع تنامي الوعي بأن اللغة ليست مجرد سلوك لفظي قابل للوصف، بل هي نشاط ذهني معقد ينطوي على عمليات تجريدية عميقة. وفي هذا السياق، جاء المشروع اللساني الذي بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) ليُحدث تحوّلًا نوعيًا في دراسة اللغة، ويؤسس لما يمكن اعتباره ثورة علمية داخل الحقل اللساني. فقد شكّل صدور كتابه البنيات التركيبية (Syntactic Structures) سنة 1957 لحظة فارقة، إذ أعاد من خلاله تعريف موضوع اللسانيات، ليس بوصفها علمًا يصف البنى السطحية للغة، بل باعتبارها علمًا يسعى إلى تفسير البنى العميقة التي تتحكم في إنتاجها.

لقد نقلت النظرية التوليدية التحويلية البحث اللساني من مستوى الوصف إلى مستوى التفسير، ومن الاستقراء القائم على تجميع المعطيات إلى الاستنباط المعتمد على بناء النماذج الصورية، ومن التركيز على الأداء اللغوي إلى الاهتمام بالكفاءة اللغوية باعتبارها قدرة ذهنية فطرية كامنة في ذهن المتكلم. وبهذا المعنى، لم تعد اللغة موضوعًا خارجيًا مستقلًا عن الإنسان، بل أصبحت جزءًا من بنيته المعرفية، تخضع لقواعد داخلية تتيح له إنتاج عدد لا متناهٍ من التراكيب انطلاقًا من عدد محدود من القواعد.

إن هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في أدوات التحليل أو توسيع في مجال الدراسة، بل مثّل إعادة تأسيس جذرية لمفهوم العلم داخل اللسانيات، حيث أصبح النموذج النظري يحتل مكانة مركزية في إنتاج المعرفة، ولم يعد المعطى التجريبي كافيًا في حد ذاته، بل صار يحتاج إلى تأطير ضمن جهاز مفاهيمي يفسر آلياته العميقة. ومن هنا، انفتحت اللسانيات على حقول معرفية مجاورة، مثل علم النفس المعرفي والفلسفة، وأصبحت جزءًا من مشروع أوسع يُعنى بدراسة الذهن البشري وبنياته.

وعلى هذا الأساس، لم يعد السؤال اللساني مقتصرًا على وصف اللغة كما تُستعمل في الواقع، بل تجاوز ذلك ليطرح إشكالات أعمق تتعلق بكيفية تشكّل المعرفة اللغوية في الذهن، وطبيعة القواعد التي تحكمها، ومدى فطريتها أو اكتسابها. وهو ما جعل من النحو التوليدي التحويلي إطارًا نظريًا قادرًا على إعادة صياغة الإشكاليات اللسانية في ضوء تصور جديد للغة بوصفها ملكة إنسانية مميزة.

وإذا كان هذا التحول قد أحدث أثرًا بالغًا في الدرس اللساني الغربي، فإنه لم يظل حبيس هذا السياق، بل امتد تأثيره إلى الدرس اللساني العربي، حيث بدأ الباحثون العرب في استثمار مفاهيمه وآلياته، ومحاولة تكييفها مع خصوصيات اللغة العربية. غير أن هذا الانتقال لم يكن دائمًا سلسًا أو مباشرًا، بل أثار مجموعة من الإشكالات النظرية والمنهجية، تتعلق بمدى قابلية النموذج التوليدي للتطبيق على اللغة العربية، وحدود استيعابه لبنياتها الخاصة.

وانطلاقًا من هذه المعطيات، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل التحول الإبستمولوجي الذي عرفته اللسانيات الحديثة مع ظهور النظرية التوليدية التحويلية، من خلال الوقوف على أسسه النظرية، ومقارنة منطلقاته بالتصور البنيوي الوصفي، ثم استجلاء انعكاساته على الدرس اللساني العربي. كما تهدف إلى إبراز الرهانات المعرفية التي ينطوي عليها هذا التحول، سواء على مستوى فهم اللغة في ذاتها، أو على مستوى إدراجها ضمن مشروع علمي أشمل يُعنى بدراسة الذهن الإنساني.

وبذلك، فإن هذه المقدمة لا تمثل مجرد تمهيد شكلي للدراسة، بل تُعد مدخلًا نظريًا يؤطر إشكاليتها، ويحدد أفقها المعرفي، ويكشف عن طبيعة التحول الذي ستنخرط في تحليله، باعتباره أحد أبرز التحولات التي أعادت رسم ملامح اللسانيات المعاصرة، وفتحت أمامها إمكانات جديدة للفهم والتفسير.

إشكالية الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مركّبة تسعى إلى استقصاء طبيعة التحول الإبستمولوجي الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي داخل الحقل اللساني، وذلك من خلال مساءلة مدى قدرته على تجاوز الحدود التفسيرية التي كرّسها المنهج البنيوي الوصفي، وإعادة بناء الدرس اللساني على أسس ذهنية–تفسيرية جديدة. وبعبارة أدق، تتمحور الإشكالية حول السؤال الآتي:

إلى أي حد استطاع النحو التوليدي التحويلي، كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، أن يؤسس لنموذج علمي بديل يتجاوز قصور المنهج البنيوي الوصفي، ليس فقط على مستوى الأدوات الإجرائية، بل على مستوى التصور الإبستمولوجي للغة ذاتها، بوصفها قدرة ذهنية فطرية، وما مدى نجاعته في إعادة بناء المفاهيم اللسانية، خاصة عند تطبيقه على اللغة العربية؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية المركزية شبكة من التساؤلات المتداخلة التي تعكس أبعادها النظرية والمنهجية والتطبيقية، من أبرزها:

ما طبيعة النقد الذي وجّهه نعوم تشومسكي ( Noam Chomsky) إلى الاتجاه البنيوي، وما الأسس المعرفية التي استند إليها في تفكيك منطلقاته التجريبية والوصفية؟

هل مثّل النحو التوليدي التحويلي قطيعة إبستمولوجية حقيقية مع البنيوية، أم مجرد امتداد مطوّر لها في إطار علمي جديد؟

كيف أعاد هذا النموذج تعريف مفاهيم مركزية مثل: اللغة، النحو، الكفاءة اللغوية، والبنية العميقة والسطحية؟

إلى أي مدى أسهم في نقل اللسانيات من علم وصفي قائم على الملاحظة إلى علم تفسيري يعتمد النمذجة الذهنية والاستنباط؟

ما الأسس النظرية والمنهجية التي يقوم عليها النحو التوليدي التحويلي، وكيف تتجلى في بناء القواعد وتفسير الظواهر اللغوية؟

ما حدود قابلية هذا النموذج للتطبيق على اللغة العربية، في ضوء خصوصياتها التركيبية والدلالية؟

هل يمكن اعتبار النحو التوليدي التحويلي بديلاً إبستمولوجيًا للنحو العربي التقليدي، أم أنه يظل إطارًا نظريًا مكمّلًا يضيء بعض جوانبه دون أن يحل محله؟

وأخيرًا، ما طبيعة التأثير الذي مارسه هذا الاتجاه في الدرس اللساني العربي، من حيث التلقي، والتكييف، وإعادة الإنتاج؟

وبهذا المعنى، لا تقتصر هذه الإشكالية على مجرد مقارنة بين نموذجين لسانيين، بل تنخرط في مساءلة أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة اللغوية ذاتها، وحدود النماذج العلمية في تفسيرها، وإمكانات نقلها وتطبيقها عبر سياقات لغوية وثقافية مغايرة، وهو ما يمنح الدراسة بعدها النقدي والتحليلي في آن واحد.

فرضيات الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من حزمة ومجموعة من الفرضيات العلمية المترابطة والقابلة للفحص، والتي تُصاغ في أفق اختبار التحول الإبستمولوجي الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي داخل الحقل اللساني، واستجلاء حدوده النظرية والتطبيقية، خاصة في علاقته باللغة العربية. ويمكن بلورة هذه الفرضيات في صيغة موسّعة على النحو الآتي:

تفترض الدراسة، في مستوى أول، أن النحو التوليدي التحويلي، كما بلوره نعوم  تشومسكي (Noam Chomsky)، لا يمثّل مجرد امتداد منهجي للاتجاه البنيوي، بل يشكّل قطيعة إبستمولوجية عميقة معه، من حيث إعادة تعريف موضوع اللسانيات ووظيفتها. فبينما انحصرت البنيوية في وصف البنى اللغوية الظاهرة وفق منطق تجريبي–تصنيفي، يفترض هذا البحث أن النموذج التوليدي قد نقل مركز الثقل من الظاهر إلى الباطن، ومن المعطى إلى الآلية، مؤسسًا بذلك لتحول نوعي من علم وصفي إلى علم تفسيري.

وفي مستوى ثانٍ، تفترض الدراسة أن هذا التحول لم يكن ممكنًا إلا عبر تبنّي مقاربة ذهنية–استنباطية، تجعل من اللغة قدرة فطرية كامنة في الذهن البشري، لا مجرد سلوك مكتسب. ومن ثم، يُفترض أن مفهوم "القدرة اللغوية" (competence) يشكّل حجر الزاوية في هذا البناء النظري، إذ يسمح بتفسير الإبداع اللغوي بوصفه نتاجًا لقواعد داخلية محدودة قادرة على توليد عدد لا متناهٍ من الجمل. وبناءً على ذلك، ترجّح الدراسة أن اعتماد المنهج الاستنباطي، القائم على بناء نماذج صورية تجريدية، قد مكّن اللسانيات من تجاوز حدود الملاحظة السطحية نحو تفسير البنى العميقة التي تنظّم اللغة.

وفي مستوى ثالث، تفترض الدراسة أن النحو التوليدي التحويلي قد أسهم في إعادة بناء المفاهيم اللسانية الأساسية، مثل مفهوم النحو ذاته، الذي لم يعد يُفهم بوصفه مجموعة قواعد معيارية، بل كنظام توليدي يصف المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بلغته. كما يُفترض أنه أعاد صياغة العلاقة بين البنية السطحية والبنية العميقة، وبين الشكل والمعنى، بما يسمح بفهم أكثر تركيبًا وتعقيدًا للظاهرة اللغوية.

أما في المستوى التطبيقي، فتفترض الدراسة أن تطبيق النموذج التوليدي على اللغة العربية يفتح آفاقًا تفسيرية واعدة، خاصة في تحليل الظواهر التركيبية المعقدة، والكشف عن القواعد الكامنة التي تحكم إنتاج الجملة العربية. غير أن هذه الإمكانات، في المقابل، لا تخلو من حدود، إذ يُرجّح أن خصوصيات العربية—من حيث نظام الإعراب، والبنية الصرفية الغنية، والتداخل بين المستويات—تطرح تحديات حقيقية أمام النقل الحرفي للنموذج التوليدي.

وأخيرًا، تفترض الدراسة أن العلاقة بين النحو التوليدي التحويلي والنحو العربي التقليدي ليست علاقة إلغاء أو تعويض، بل علاقة إعادة تأويل وإدماج. فبدل النظر إلى النحو العربي بوصفه نظامًا متجاوزًا، يُفترض أنه يحتوي على إمكانات وصفية وتفسيرية يمكن إعادة قراءتها في ضوء التصورات التوليدية الحديثة، بما يسمح ببناء نموذج تركيبي يجمع بين التراث والحداثة.

وبناءً على هذه الفرضيات، تسعى الدراسة إلى اختبار مدى تماسك هذا الطرح، والكشف عن حدود صلاحيته، من خلال تحليل نقدي يجمع بين البعد النظري والتطبيقي، في أفق الإسهام في تعميق النقاش حول موقع اللسانيات التوليدية داخل الدرس اللساني المعاصر، وعلاقتها بالخصوصية اللغوية العربية.

منهجية الدراسة:

شهد المنهج الوصفي البنيوي، الذي تكرّس خلال النصف الأول من القرن العشرين مع أعمال روّاده من أمثال فرديناند دو سوسير ( Ferdinand de Saussure)  وليونارد بلومفيلد            (Leonard Bloomfield)، بناءً منهجيًا دقيقًا قائمًا على خطوات متسلسلة تبدأ بالملاحظة المباشرة للمعطيات اللغوية، ثم جمعها وتصنيفها وفق معايير توزيعية صارمة، وصولًا إلى صياغة قواعد عامة تحكم انتظام هذه المعطيات. وقد منح هذا التوجه للدرس اللساني طابعًا علميًا واضحًا، من حيث التزامه بالموضوعية والتجريب، وسعيه إلى إقصاء كل ما هو ذاتي أو تأملي. غير أن هذه الصرامة المنهجية، على أهميتها، سرعان ما كشفت عن حدودها، إذ ظل التحليل البنيوي حبيس المعطى الظاهر، عاجزًا عن النفاذ إلى الآليات الذهنية العميقة التي تفسّر إنتاج اللغة وفهمها.

فقد انحصر اهتمام البنيويين في تحليل السلاسل الكلامية المسموعة، دون أن يتمكنوا من تفسير القدرة الإبداعية التي يمتلكها المتكلم، تلك القدرة التي تتيح له توليد عدد لا متناهٍ من الجمل انطلاقًا من موارد محدودة. كما عجز هذا المنهج عن معالجة ظواهر معقدة مثل اللبس التركيبي، حيث تتعدد التأويلات الممكنة لبنية واحدة، دون أن يقدّم تفسيرًا للعلاقات العميقة التي تربط بين هذه التأويلات. إضافة إلى ذلك، ركّز التحليل البنيوي على التصنيف الشكلي للوحدات اللغوية، مهمِلًا الأبعاد الوظيفية والدلالية التي تسهم في تحديد المعنى، وهو ما أدى إلى اختزال اللغة في قائمة من العناصر المتجاورة، بدل النظر إليها كنظام ديناميكي قادر على الإنتاج والتوليد.

وفي هذا السياق، وجّه نعوم تشومسكي (Noam Chomsky ) نقدًا جذريًا لهذا الاتجاه، معتبرًا أنه متأثر إلى حد بعيد بمبادئ علم النفس السلوكي، الذي يختزل اللغة في مجرد استجابات لمثيرات خارجية، متجاهلًا البعد الذهني-المعرفي الذي يشكّل جوهر الظاهرة اللغوية. ومن هنا، دعا تشومسكي إلى إعادة توجيه البحث اللساني نحو دراسة اللغة بوصفها قدرة فطرية كامنة في الذهن البشري، لا مجرد سلوك قابل للملاحظة.

وقد مهّد هذا النقد لظهور تحول إبستمولوجي عميق تمثّل في بروز المنهج التوليدي التحويلي، الذي نقل اللسانيات من منطق الاستقراء القائم على تجميع المعطيات إلى منطق الاستنباط الذي ينطلق من فرضيات نظرية عامة تُختبر على الوقائع اللغوية. وبهذا المعنى، لم يعد الهدف هو وصف الظواهر كما تبدو، بل تفسيرها من خلال بناء نموذج نظري قادر على الكشف عن القواعد الكامنة التي تحكمها. وهنا تبرز أهمية مفهوم “النموذج” في العلم، حيث لم يعد العلم مقتصرًا على التعامل مع الظواهر المحسوسة، بل أصبح ينفتح على كيانات تجريدية غير مرئية، يُستدل عليها من خلال آثارها، كما هو الحال في النسق الذهني للغة.

ويتأسس هذا النموذج التوليدي على مكوّنين أساسيين: من جهة، مجموعة من الرموز الأولية التي تمثل الوحدات المجردة للغة، ومن جهة أخرى، مجموعة من العمليات التركيبية (القواعد التوليدية والتحويلية) التي تسمح بإنتاج عدد غير محدود من البنى انطلاقًا من تلك الوحدات. ولا تُقاس قيمة هذا النموذج بمدى مطابقته السطحية للمعطيات، بل بقدرته على تحقيق شروط علمية أساسية، من قبيل الكفاية التفسيرية، والاتساق الداخلي، والقدرة على التعميم.

وبهذا التحول، انتقل الدرس اللساني من مرحلة تصنيف الظواهر إلى مرحلة تفسيرها، ومن التعامل مع اللغة كموضوع خارجي إلى فهمها كبنية ذهنية داخلية، وهو ما أعاد تعريف طبيعة المعرفة اللسانية ذاتها، وفتح أمامها آفاقًا جديدة تتجاوز حدود الوصف نحو بناء نظرية علمية قادرة على تفسير الإبداع اللغوي في أعمق مستوياته.

التحول الإبستمولوجي في اللسانيات: من وصف البنية إلى تفسير القدرة اللغوية:

شهد الدرس اللساني الحديث تحوّلًا إبستمولوجيًا عميقًا تمثّل في الانتقال من التصور البنيوي الوصفي إلى التصور التوليدي التفسيري، وهو تحول لم يقتصر على تغيير في الأدوات أو التقنيات، بل طال الأسس النظرية التي يقوم عليها فهم اللغة ذاتها. فقد ارتكزت اللسانيات البنيوية، كما تبلورت مع فرديناند دوسوسير (Ferdinand de Saussure ) و ليونارد بلومفيلد           (Leonard Bloomfield)، على منهج استقرائي ينطلق من ملاحظة المعطيات اللغوية الجاهزة، ثم يعمل على تصنيفها ضمن وحدات صوتية وصرفية وتركيبية، وصولًا إلى استخراج قواعد عامة تحكم انتظامها. وقد أتاح هذا التوجه بناء جهاز وصفي دقيق مكن من تحليل اللغة باعتبارها نسقا من العلاقات الشكلية، غير أنه ظل حبيس حدود الظاهر اللغوي، عاجزا عن تفسير الآليات الذهنية التي تقف وراء إنتاجه.

فقد انصبّ اهتمام البنيويين على المادة اللغوية كما تستعمل فعليًا، مع التركيز على تفكيكها إلى عناصرها الأولية، دون الالتفات إلى القدرة الإبداعية التي يمتلكها المتكلم، والتي تمكنه من إنتاج عدد لا متناه من الجمل انطلاقًا من موارد محدودة. كما أدّى هذا التوجه إلى إهمال ظواهر معقّدة مثل اللبس التركيبي، والعلاقات العميقة التي تربط بين البنى المختلفة، فضلا عن تغليب التصنيف الشكلي على حساب التفسير الدلالي والوظيفي. وهكذا، تم اختزال اللغة في كونها منتجا جاهزا للتحليل، بدل النظر إليها كعملية ذهنية ديناميكية.

في مقابل ذلك، جاء المشروع اللساني الذي بلوره نعوم تشومسكي ( Noam Chomsky) ليعيد النظر في هذا التصور من أساسه، منتقدا اعتماده الضمني على مبادئ علم النفس السلوكي، الذي يختزل اللغة في مجرد استجابات لمثيرات خارجية. وقد أكد تشومسكي أن هذا المنظور يعجز عن تفسير الإبداع اللغوي، أي قدرة الإنسان على إنتاج وفهم جمل لم يسمعها من قبل، كما يفشل في معالجة ظواهر مثل الغموض التركيبي أو الكشف عن البنى العميقة المشتركة بين التراكيب المختلفة. ومن هنا، دعا إلى إعادة توجيه البحث اللساني نحو دراسة اللغة بوصفها قدرة ذهنية فطرية، تتجسد في ما يعرف بالقدرة اللغوية.

وقد أسفر هذا التحول عن إعادة تعريف جوهر العلم اللساني ذاته، إذ لم يعد ينظر إليه كعلم وصفي يكتفي برصد الظواهر وتصنيفها، بل كعلم تفسيري يسعى إلى الإجابة عن سؤال "لماذا" وليس فقط "كيف". فالمعطى اللغوي، في المنظور التوليدي، لا يعدّ كافيًا في حد ذاته، بل يحتاج إلى تأطير ضمن نموذج نظري قادر على الكشف عن القواعد الكامنة التي تنظّمه. ومن هنا، أصبح بناء النماذج الصورية، القائمة على فرضيات تختبر وتعدّل، هو جوهر الممارسة العلمية في اللسانيات.

إن هذا التحول يعكس انتقالا حاسمًا من منطق الاستقراء إلى منطق الاستنباط، ومن التعامل مع اللغة كموضوع خارجي إلى فهمها كبنية داخلية مرتبطة بالذهن البشري، وهو ما قرّب اللسانيات من العلوم النظرية التي تعتمد النمذجة والتجريد، مثل الفيزياء النظرية. وبهذا المعنى، لم يعد الهدف من البحث اللساني هو مجرد وصف البنى اللغوية، بل بناء نظرية علمية تفسّر شروط إمكانها، وتكشف عن المبادئ الكونية التي تحكمها، وهو ما منح النحو التوليدي التحويلي مكانته بوصفه أحد أبرز التحولات المعرفية في تاريخ اللسانيات الحديثة.

اللغة بين القدرة والإنجاز: من السلوك الظاهر إلى البنية الذهنية:

يُعدّ التمييز الذي صاغه نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) بين القدرة (Competence) والإنجاز (Performance) من أكثر المفاهيم حسمًا في إعادة بناء التصور اللساني للغة داخل الإطار التوليدي، إذ يمثّل هذا التمييز انتقالا نوعيا من فهم اللغة بوصفها سلوكا ظاهريا إلى اعتبارها نظامًا ذهنيًا داخليًا منظمًا. فالقدرة اللغوية تُحيل إلى تلك المعرفة الضمنية العميقة التي يمتلكها المتكلم–المستمع بقواعد لغته، وهي معرفة غير واعية في الغالب، لكنها تمكّنه من إنتاج عدد لا متناهٍ من الجمل الصحيحة نحويًا، وفهمها، حتى وإن لم يسبق له أن سمعها من قبل. إنها، بهذا المعنى، تمثل البنية الذهنية المجردة التي تشكّل جوهر الملكة اللغوية، والتي تُختزل فيها القواعد التوليدية التي تنظّم اللغة في مستوياتها المختلفة.

في المقابل، يشير مفهوم الإنجاز إلى الاستعمال الفعلي للغة في سياقات تواصلية واقعية، حيث تتداخل عوامل متعددة غير لغوية، مثل الذاكرة والانتباه والظروف النفسية والاجتماعية، مما يجعل الأداء اللغوي عرضة للتعثر أو الخطأ أو التردد. ومن هنا، فإن الإنجاز لا يعكس دائمًا الصورة “النقية” للنظام اللغوي، بل يقدّم تمثيلًا جزئيًا ومشوّشًا له في كثير من الأحيان. وبناءً على ذلك، يصبح من الضروري، في المنظور التوليدي، الفصل بين ما هو جوهري (أي القدرة بوصفها نظامًا مثاليًا) وما هو عرضي (أي الإنجاز بوصفه ممارسة واقعية متغيرة).

وتكمن أهمية هذا التمييز في أنه يعيد توجيه موضوع اللسانيات من دراسة الظواهر السطحية المتقلبة إلى تحليل البنى العميقة المستقرة التي تحكمها، بحيث لا يعود الهدف هو وصف ما يُقال فعليًا، بل تفسير الكيفية التي يصبح بها القول ممكنًا أصلًا. وبهذا المعنى، تُفهم اللغة لا كمجموعة من الجمل المنطوقة، بل كنسق ذهني داخلي يشتغل وفق قواعد مجردة، وهو ما يفتح المجال أمام بناء نماذج نظرية قادرة على تمثيل هذه القواعد وتفسير اشتغالها.

إن هذا التصور لا يعيد تعريف اللغة فحسب، بل يوسّع أفق اللسانيات لتتجاوز حدودها التقليدية، من خلال انفتاحها على حقول معرفية مجاورة، وعلى رأسها علم النفس المعرفي، حيث تصبح دراسة اللغة جزءًا من مشروع أوسع يهدف إلى فهم بنية الذهن البشري وآليات اشتغاله. ومن ثم، فإن التمييز بين القدرة والإنجاز لا يُعد مجرد أداة تحليلية، بل يمثل حجر الزاوية في بناء اللسانيات التوليدية بوصفها علمًا تفسيريًا يسعى إلى الكشف عن المبادئ الكونية التي تحكم اللغة بوصفها خاصية إنسانية مميزة.

النحو بوصفه جهازًا توليديًا: من وصف القواعد إلى تفسير البنية العميقة:

يمثّل النحو في التصور التوليدي، كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، تحوّلًا جذريًا في فهم طبيعته ووظيفته، إذ لم يعد يُنظر إليه بوصفه مجرد مجموعة من القواعد التنظيمية التي تهدف إلى وصف الاستعمال اللغوي وتقنينه، بل أصبح يفهم باعتباره جهازا صوريا تجريديا يمتلك قدرة توليدية تمكّنه من إنتاج عدد لا متناه من الجمل النحوية انطلاقا من مجموعة محدودة من القواعد والمبادئ. وبهذا المعنى، فإن النحو لا يقتصر على وصف ما هو موجود في الاستعمال، بل يسعى إلى تفسير الكيفية التي يصبح بها هذا الاستعمال ممكنا، من خلال تمثيل المعرفة الضمنية التي يمتلكها المتكلم بلغته، أي تلك القدرة اللغوية الكامنة التي تتيح له التمييز بين الجمل النحوية وغير النحوية، حتى في غياب الخبرة المباشرة بها.

ومن هذا المنطلق، يغدو النحو جهازا معرفيا يعكس البنية الذهنية للغة، حيث لا يقتصر دوره على توليد الجمل، بل يتجاوز ذلك إلى تفسير العلاقات البنيوية التي تربط بينها، والكشف عن الروابط العميقة التي قد لا تظهر في البنية السطحية. فهو، على سبيل المثال، يفسّر الصلة بين الجمل المختلفة شكليًا والمتقاربة دلاليًا، كما في العلاقة بين الجمل المبنية للمعلوم وتلك المبنية للمجهول، أو بين الجمل البسيطة ونظيراتها المركبة، فضلا عن قدرته على تحليل ظواهر معقدة مثل اللبس التركيبي، من خلال إرجاعها إلى اختلاف في البنى العميقة التي تقف وراءها.

ويستند هذا الجهاز التوليدي إلى بنية داخلية مركبة تتألف من مكونات متكاملة، يشكّل المكون التركيبي نواتها المركزية، حيث يتم من خلاله توليد البنية العميقة للجملة اعتمادا على قواعد تركيبية ومعجمية تحدد العلاقات بين العناصر اللغوية. ثم تتدخل القواعد التحويلية لنقل هذه البنية إلى مستوى البنية السطحية، التي تمثّل الشكل النهائي للجملة كما تظهر في الاستعمال. وعلى هذا الأساس، تتكامل مع المكون التركيبي مكونات أخرى، أبرزها المكون الدلالي الذي يتولى تأويل البنية العميقة وربطها بالمعنى، والمكون الفونولوجي الذي يحوّل البنية السطحية إلى تمثيل صوتي قابل للنطق، بما يجعل اللغة قابلة للتجسيد في الواقع التواصلـي.

وتكمن أهمية هذا التصور في كونه يتيح فهم اللغة بوصفها نظاما ديناميكيا قائما على التوليد لا على التعداد، حيث لا تختزل في قائمة من الجمل أو القواعد الجاهزة، بل تفهم كآلية إنتاج مستمرة تحكمها مبادئ مجردة. كما يتيح هذا النموذج تفسير ظواهر لغوية لم يكن بالإمكان معالجتها في إطار التحليل البنيوي، خاصة تلك المتعلقة بالعلاقات العميقة بين التراكيب المختلفة، أو بقدرة المتكلم على إصدار أحكام حدسية حول نحوية الجمل، وهي أحكام تستند إلى معرفة ضمنية لا يمكن رصدها مباشرة، بل تستدل عليها من خلال أدائها.

وبذلك، فإن النحو التوليدي لا يمثّل مجرد تطوير تقني داخل اللسانيات، بل يشكّل إعادة بناء شاملة لمفهوم النحو ذاته، بوصفه نظرية تفسيرية تسعى إلى الكشف عن القواعد الكونية التي تنظّم اللغة في الذهن البشري، وتبرزها كخاصية إنسانية مميزة تقوم على الإبداع والتجريد، لا على التكرار والمحاكاة.

من النموذج المعياري إلى نموذج الربط العاملي: نحو تعميم المبادئ وبناء كونية اللغة:

شهدت اللسانيات التوليدية، في مسار تطورها النظري كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، انتقالًا نوعيًا من مرحلة التركيز على القواعد التحويلية إلى مرحلة أرقى من التجريد تقوم على مبدأ تعميم القوانين الكلية التي تحكم اللغة البشرية في عمومها، وهو ما يتجلى بوضوح في الانتقال من النموذج المعياري (Standard Theory) إلى نموذج الربط العاملي (Government and Binding Theory). ففي إطار النموذج المعياري، تم تأسيس تصور ثنائي البنية للغة، يقوم على التمييز بين البنية العميقة التي تُعد الحامل الأساسي للمعنى، والبنية السطحية التي تمثل الشكل النهائي للجملة كما تظهر في الاستعمال. وقد ارتبطت هاتان البنيتان بسلسلة من القواعد، أبرزها قواعد إعادة الكتابة التي تُولّد البنية العميقة، والقواعد التحويلية—مثل الحذف والنقل—التي تُعيد تشكيل هذه البنية لتنتج البنية السطحية، وهو ما أتاح تفسير العلاقات القائمة بين جمل مختلفة ظاهريًا ومتشابهة دلاليًا، كالعلاقة بين المبني للمعلوم والمبني للمجهول، أو بين الصيغ البسيطة والمركبة.

غير أن هذا النموذج، على أهميته التأسيسية، ظل مرتبطًا بمنطق القواعد الجزئية التي تُصاغ لكل لغة على حدة، وهو ما دفع نحو تطويره في اتجاه أكثر تجريدًا وشمولًا، تجسّد في نموذج الربط العاملي، الذي مثّل لحظة نضج في الفكر التوليدي، حيث تم الانتقال من منطق القواعد إلى منطق المبادئ الكلية التي يُفترض أنها مشتركة بين جميع اللغات الإنسانية. وفي هذا الإطار، لم يعد النحو يُبنى انطلاقًا من قوائم قواعد خاصة، بل من منظومة من المبادئ العامة التي تنظّم العلاقات البنيوية داخل الجملة، من قبيل مبدأ الإسناد المحوري الذي يحدد الأدوار الدلالية (كالفاعل والمفعول)، ونظرية الإعراب التي تعالج مسألة الحالات الإعرابية، ونظرية الربط التي تفسّر العلاقات المرجعية بين الضمائر وسوابقها، فضلًا عن مبادئ أخرى تضبط عمليات النقل وتقيّدها داخل بنية الجملة.

ويكشف هذا التحول عن نزوع واضح نحو تأكيد كونية اللغة، أي وجود بنية عميقة مشتركة بين جميع اللغات، تُعبّر عن الخصائص الأساسية للذهن البشري، وهو ما يعزّز الطابع العقلي للنظرية التوليدية، ويقرّبها من العلوم الصورية التي تبحث عن القوانين العامة الكامنة وراء الظواهر. وفي هذا السياق، يظل المكون التركيبي هو القلب النابض لهذا الجهاز، إذ يتولى توليد البنى الأساسية التي تتكفّل المكونات الأخرى،الدلالية والصوتية بتأويلها وتحقيقها في الاستعمال، مما يجعل من النحو نسقًا متكاملًا يربط بين الشكل والمعنى والصوت ضمن بنية موحدة.

وبذلك، فإن الانتقال من النموذج المعياري إلى نموذج الربط العاملي لا يمثّل مجرد تطوير تقني داخل النظرية، بل يعكس تحوّلًا عميقًا في تصور اللغة ذاتها، من نظام تحكمه قواعد جزئية إلى بنية كونية تحكمها مبادئ عامة، وهو ما يفتح أمام اللسانيات آفاقًا جديدة لفهم اللغة بوصفها خاصية إنسانية مشتركة، تتأسس على بنيات ذهنية مجردة تتجاوز حدود اللغات الفردية نحو أفق إنساني كلي.

امتداد النحو التوليدي في اللسانيات العربية: بين التكييف النظري وتحديات الخصوصية اللغوية:

لم يظل التحول الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي حبيس السياق الغربي الذي نشأ فيه، بل امتد تأثيره ليشمل الدرس اللساني العربي، حيث برزت محاولات جادة لإعادة قراءة اللغة العربية في ضوء هذا النموذج التفسيري الحديث. وقد قاد هذا المسار عدد من اللسانيين العرب البارزين، من بينهم عبد القادر الفاسي الفهري وعبد المجيد جحفة وحسن نجمي  وميشال زكريا ومازن الوعر، الذين سعوا إلى استثمار المفاهيم التوليدية في تحليل البنية اللغوية العربية، ليس فقط بوصفها مادة وصفية، بل باعتبارها نظامًا ذهنيًا يمكن تفسيره ضمن إطار نظري كوني.

وقد انصبت جهود هؤلاء الباحثين على إعادة بناء الجملة العربية في ضوء مفهوم البنية العميقة، بما يسمح بالكشف عن العلاقات الخفية التي تحكم تنظيمها، كما عملوا على تفسير الظواهر الإعرابية في إطار نظرية الحالات، وربطها بالبنية التركيبية بدل الاكتفاء بوصفها علامات شكلية. كذلك اهتموا بدراسة العلاقات بين الفعل والفاعل والمفعول من منظور الأدوار المحورية، بما يتيح فهمًا أدق لتوزيع الوظائف داخل الجملة، ويكشف عن انتظامات بنيوية تتجاوز ظاهر الترتيب الخطي للكلمات. ولم تقتصر هذه الجهود على التطبيق فحسب، بل انخرطت أيضًا في نقد التصورات النحوية التقليدية، ومحاولة إعادة تأويلها في ضوء المفاهيم التوليدية، بما يفتح أفقًا لتركيب معرفي يجمع بين التراث والحداثة.

غير أن هذا المسار، على غناه وأهميته، لم يكن خاليًا من التحديات، إذ اصطدم بعدد من الإشكالات المرتبطة بخصوصية اللغة العربية ذاتها. فالنظام الإعرابي العربي، بما يتسم به من تعقيد وتعدد في العلامات والعلاقات، يطرح صعوبات أمام إدراجه ضمن نماذج صورية صُممت أساسًا انطلاقًا من لغات مختلفة البنية. كما أن الغنى الصرفي الذي تتميز به العربية، من حيث الاشتقاق والتصريف، يفرض إعادة النظر في بعض الفرضيات التوليدية التي تفصل بوضوح بين المستويات اللغوية. يضاف إلى ذلك التداخل الوثيق بين النحو والدلالة في العربية، حيث يصعب في كثير من الأحيان الفصل بين البنية التركيبية والمعنى، وهو ما يتطلب توسيع النموذج التوليدي أو تعديله ليستوعب هذه الخصوصيات.

ومن هنا، يطرح تطبيق النحو التوليدي على العربية سؤالًا إبستمولوجيًا أعمق يتعلق بمدى قابلية النماذج اللسانية ذات الطابع الكوني للتعميم عبر لغات مختلفة، وما إذا كانت هذه النماذج قادرة فعلًا على استيعاب تنوع البنى اللغوية دون أن تفقد دقتها التفسيرية. ومع ذلك، فإن هذه المحاولات، رغم ما تواجهه من صعوبات، تمثل خطوة أساسية في تحديث الدرس اللساني العربي، إذ تسهم في نقله من مستوى الوصف إلى مستوى التفسير، وتفتح المجال أمام بناء نماذج تحليلية جديدة تستفيد من منجزات اللسانيات المعاصرة دون أن تنفصل عن خصوصية اللغة العربية.

 على سبيل الختام:

يتبيّن من خلال هذا المسار التحليلي أن النحو التوليدي التحويلي، كما بلوره نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، لم يكن مجرد إضافة تقنية إلى حقل اللسانيات، بل مثّل تحوّلا إبستمولوجيا عميقا أعاد صياغة طبيعة السؤال اللساني ذاته، وحدّد أفقا جديدا لفهم اللغة بوصفها قدرة ذهنية ابداعبة، لا مجرد سلوك قابل للوصف أو مادة جاهزة للتصنيف. فقد أفضى هذا التحول إلى نقل مركز الاهتمام من الظاهر اللغوي إلى البنى العميقة التي تنظّمه، ومن ملاحظة المعطيات إلى بناء النماذج النظرية القادرة على تفسيرها، وهو ما منح اللسانيات طابعًا تفسيريًا أقرب إلى العلوم الصورية منه إلى العلوم الوصفية.

وقد أتاح هذا المنظور إمكانات واسعة لإعادة التفكير في قضايا اللغة عمومًا، وفي النحو العربي خصوصًا، حيث أسهم في زحزحة كثير من المسلّمات التقليدية، وفتح المجال أمام قراءة جديدة للتراث النحوي في ضوء مفاهيم حديثة، مثل القدرة اللغوية، والبنية العميقة، والعلاقات التحويلية. غير أن هذا الانفتاح، على أهميته، لم يكن خاليا من التحديات، إذ سرعان ما اصطدم بخصوصيات اللغة العربية، سواء على مستوى نظامها الإعرابي المعقّد، أو بنيتها الصرفية الغنية، أو التداخل الوثيق بين مستوياتها التركيبية والدلالية، وهو ما يحدّ من إمكانية تطبيق النموذج التوليدي تطبيقا حرفيً دون إعادة نظر أو تكييف.

ومن هنا، تتبدّى أهمية الوعي النقدي في التعامل مع هذا النموذج، إذ لا يكمن الرهان في استيراده بوصفه نسقا جاهزا مكتملا، بل في إعادة بنائه داخل أفق لساني عربي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية البنيوية والثقافية للغة العربية، دون أن ينغلق على ذاته أو ينفصل عن منجزات اللسانيات المعاصرة. فالتفاعل الخلاق بين التراث والحداثة، بين المعطى العربي والنموذج الكوني، هو الكفيل بإنتاج معرفة لسانية متوازنة، تستفيد من الطابع التفسيري للنحو التوليدي، وفي الآن ذاته تحافظ على عمق التراث النحوي وثرائه.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن النحو التوليدي التحويلي، على الرغم من طموحه الكوني، يظل مشروعا مفتوحا، قابلا للمراجعة والتطوير، خاصة في ضوء تطبيقاته على لغات متنوعة. وهو ما يفرض على الباحث اللساني العربي أن يتجاوز موقع التلقي إلى موقع الإبداع، من خلال اقتراح نماذج تحليلية بديلة أو مكمّلة، أكثر قدرة على تفسير الظواهر اللغوية العربية في تعقيدها وخصوصيتها.

وفي ضوء ما سبق، فإن مستقبل الدرس اللساني العربي لا يكمن في المفاضلة بين نموذجين متعارضين، بل في القدرة على تركيب معرفة جديدة تتجاوز هذا التعارض، وتؤسس لنموذج تفسيري منفتح، يجمع بين دقة التحليل البنيوي وعمق التفسير التوليدي، في أفق بناء علم للغة يعبّر عن خصوصية العربية، وينخرط في الوقت ذاته في المشروع الإنساني العام لفهم اللغة بوصفها إحدى أبرز تجليات الذهن البشري.

نتائج الدراسة:

تكشف هذه الدراسة، في ضوء تحليلها للتحول الذي أحدثه النحو التوليدي التحويلي، أن اللسانيات المعاصرة قد شهدت انتقالا حاسما من منطق الوصف إلى منطق التفسير، وهو انتقال لم يكن مجرد تطور منهجي، بل مثّل قطيعة إبستمولوجية مع التصور البنيوي الذي هيمن على الدرس اللساني في مرحلة سابقة. فقد أعاد هذا التحول، كما صاغه نعوم تشوسكي (Noam Chomsky)، الاعتبار للبعد الذهني في تفسير اللغة، وجعل من مفهوم "القدرة اللغوية" محورًا أساسا في تحديد موضوع اللسانيات، بما أتاح فهم الظاهرة اللغوية بوصفها نشاطا إبداعيا قائما على قواعد داخلية توليدية.

كما تبيّن أن النحو التوليدي لا يقتصر على تقديم أدوات وصفية، بل يوفر جهازًا نظريًا قويًا قادرًا على تحليل البنى العميقة للغة، والكشف عن العلاقات الخفية التي تربط بين التراكيب المختلفة، وهو ما مكّنه من تفسير ظواهر لغوية معقدة، مثل الإبداع اللغوي واللبس التركيبي، التي عجزت المقاربات السابقة عن استيعابها. وفي السياق العربي، يتضح أن اللسانيات الحديثة قد تأثرت بشكل ملحوظ بهذا النموذج، حيث سعت إلى إعادة قراءة النحو العربي في ضوء مفاهيمه، غير أن هذا التطبيق كشف في الآن ذاته عن ضرورة تكييف هذه النماذج مع خصوصيات اللغة العربية، سواء على المستوى التركيبي أو الصرفي أو الدلالي.

وعليه، يمكن القول إن النحو التوليدي التحويلي قد أسهم في تجديد الدرس اللساني العربي، لكنه لم يقدّم نموذجًا جاهزًا قابلًا للتطبيق المباشر، بل فتح أفقًا نظريًا يستدعي مزيدًا من الاشتغال والتطوير، في اتجاه بناء تصور لساني أكثر قدرة على استيعاب الخصوصية العربية ضمن إطار تفسيري حديث.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، تبرز مجموعة من التوصيات التي يمكن أن تسهم في تطوير البحث اللساني العربي وتعميق انخراطه في المشروع العلمي المعاصر. وفي مقدمة هذه التوصيات، تبرز ضرورة تعميق البحث في تطبيق النحو التوليدي على اللغة العربية، ليس من خلال النقل الحرفي لنماذجه، بل عبر إعادة بنائه وتكييفه بما يتلاءم مع طبيعة العربية وخصائصها البنيوية.

كما توصي الدراسة بأهمية إعادة قراءة التراث النحوي العربي قراءة تفسيرية حديثة، تستثمر المفاهيم التوليدية دون أن تُقصي المنجز التراثي، بل تعمل على تأويله وإدماجه ضمن أفق نظري جديد يحقق نوعًا من التكامل بين الأصالة والمعاصرة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تطوير نماذج لسانية هجينة تجمع بين العمق الوصفي للنحو العربي والدقة التفسيرية للنحو التوليدي، بما يسمح ببناء نظرية أكثر شمولًا وملاءمة.

ومن جهة أخرى، تؤكد الدراسة على ضرورة تعزيز التكوين اللساني النظري في الجامعات العربية، من خلال الانفتاح على اللسانيات المعرفية والنماذج الحديثة، وتشجيع الدراسات المقارنة بين اللغات، بما يرسّخ الوعي العلمي ويطوّر أدوات البحث. كما يمكن أن يمتد هذا التوجه إلى مجال تعليم اللغة، عبر تحديث مناهج تدريس العربية في ضوء التصورات التوليدية، بما يعزّز فهم البنية العميقة للغة بدل الاكتفاء بالحفظ والتلقين.

وفي المحصلة، فإن الرهان المستقبلي لا يكمن في استهلاك النماذج اللسانية الجاهزة، بل في الإسهام في إنتاج معرفة لسانية عربية أصيلة، تستفيد من المنجز العالمي، وتُعيد صياغته في ضوء خصوصياتها، بما يضمن حضورها الفاعل في المشهد العلمي المعاصر.

***

بقلم د. منير محقق: كاتب وناقد وباحث في اللغة والفكر والأدب

 

مقدمة: الحب كأفق أنطولوجي وجمالي مفتوح:

لا يمكن مقاربة الحب باعتباره مجرد حالة وجدانية عابرة أو استجابة نفسية لحظية، لأن مثل هذا الاختزال لا يكتفي بتبسيط التجربة، بل يفرغها من عمقها الأنطولوجي ويقصي بعدها التأملي الذي ظل، عبر التاريخ، موضوعًا مركزيًا في الفلسفة والشعر معًا. فالحب، في جوهره، ليس انفعالًا طارئًا، بل تجربة إنسانية مركبة تتقاطع فيها مستويات متعددة من الكينونة: الجسد بما يحمله من رغبة وتوتر حسي، والروح بما تنطوي عليه من توق نحو الاكتمال، واللغة بما تتيحه من إمكانات لإعادة بناء العالم وصياغة المعنى. ومن ثمّ، فإن الحب لا يُعطى بوصفه معطى جاهزًا، بل يتشكل داخل التجربة، ويتولد من صراع خفي بين الحضور والغياب، وبين الرغبة والحرمان، وبين الواقع وما يفتحه الخيال من آفاق بديلة.

بهذا المعنى، يغدو الحب فعلًا تأمليًا يتجاوز طبيعته الغريزية، ويتحول إلى مسار من التشكّل الداخلي، حيث لا يكتفي الإنسان بأن يعيش الحب، بل يسعى إلى مساءلته وفهمه وإعادة إنتاجه داخل ذاته. وقد تنبّه أفلاطون إلى هذا البعد حين اعتبر الحب حركة ارتقاء من المحسوس إلى المجرد، ومن الجمال الجزئي إلى الجمال المطلق، في حين أعاد ابن حزم الأندلسي صياغة هذا التصور داخل الثقافة العربية، حين رأى في الحب اتصالًا خفيًا بين النفوس، يتجاوز الحواس والعقل معًا، ولا تُدرك حقيقته إلا بالمعاناة. وبين هذين التصورين، يتبلور فهم للحب بوصفه تجربة تتخطى الثنائية التقليدية بين الجسد والروح، لتغدو أفقًا جامعًا بينهما، ومجالًا لإعادة اكتشاف الذات في علاقتها بالعالم.

غير أن هذا الأفق الفلسفي لا يكتمل إلا حين ينتقل الحب من مستوى التفكير إلى مستوى التمثيل الجمالي، أي إلى المجال الأدبي، حيث لا يعود موضوعًا للتأمل فحسب، بل يصبح أداة للخلق وإنتاج المعنى. فالشعر، بخاصة، لا يصف الحب بقدر ما يعيد تشكيله، ويحوّله من تجربة فردية إلى بنية دلالية مركبة، تتداخل فيها الذاتية بالرمزية، والوجداني بالوجودي. وهنا تحديدًا تتجلى فرادة تجربة محمود درويش، الذي لم يتعامل مع الحب بوصفه غرضًا شعريًا تقليديًا، بل بوصفه أفقًا وجوديًا يتقاطع فيه الشخصي بالجمعي، والذاتي بالوطني، بحيث يغدو الحب صيغة لفهم العالم ومقاومة انكساراته.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة التجربة الدرويشية بوصفها انتقالًا نوعيًا في تمثّل الحب، إذ لا يعود هذا الأخير مجرد علاقة بين عاشقين، بل يتحول إلى تجربة وعي تتأسس على التأمل وإعادة النظر في معنى القرب والآخر. فالحب، كما يتبدى في بعض نصوصه، لا يتحقق في وضوح النهار بقدر ما ينمو في عتمة التخيّل، حيث يعيد كل طرف تشكيل الآخر وفق ما يتمنى لا وفق ما هو كائن. ومن هنا تنشأ مفارقة عميقة: نحن نمارس الحب دون حب.، لأننا نحب الصورة التي نبنيها أكثر مما نحب الواقع ذاته. غير أن هذا التوتر لا يلغي الحب، بل يكشف طبيعته بوصفه فعل بناء وتخييل، لا مجرد انعكاس لمعطى جاهز.

وفي لحظة مفصلية من هذا الوعي، يتحول الجسد من موضوع للرغبة إلى موضوع للتأمل، حيث يكتشف الشاعر لذة مختلفة، لا تقوم على استعجال الشهوة، بل على تأمل حضور الآخر في صفائه الهش. وهنا يرتقي الحب من مستوى الغريزة إلى مستوى الجمال، ويغدو تجربة بطيئة تتشكل عبر الإنصات والصمت، لا عبر الامتلاك. ومن ثمّ، لا يعود الحب هبة تهبط من السماء، بل يصبح جهدا إنسانيًا واعيا، ومسارا من التقارب التدريجي الذي يجعل كل ذات ضرورة للذات الأخرى، داخل شبكة من الكلمات والأفعال والصمت، حيث تتكثف اللحظة وتغدو حاملة لمعناها الخاص.

في هذا السياق، تكتسب تجربة الحب عند درويش بعدها الأكثر تعقيدًا حين تتأسس على ثنائية مركزية هي: الأرض/المرأة. فهذه الثنائية لا تقوم على مجرد تشابه رمزي، بل على تماهٍ عميق بين الإنساني والمكاني، إلى حد يصعب معه الفصل بين الحبيبة والوطن. فالمرأة، في هذا التصور، ليست كائنا فرديا بقدر ما هي تمثيل رمزي للأرض، كما أن الأرض ليست فضاءً جغرافيا محايدا، بل كيان حيّ يتجسد في صورة الأنثى. وهكذا، يتخذ الحب بعدا كونيا، حيث يصبح الخروج من رحم المرأة بداية الوجود، فيما يشكل الدخول في رحم الأرض نهايته، في دورة رمزية تعيد تعريف الحياة بوصفها حركة بين أصلين: الولادة والانتماء.

غير أن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في إعادة بناء صورة المرأة، بل في تفكيك التصورات التقليدية التي أحاطت بها في التراث. فإذا كانت المرأة قد اكتسبت قداسة في المخيال الشرقي بوصفها حاملة لقيم الشرف المرتبطة بالانفصال، فإنها عند درويش تكتسب قداسة من نوع آخر، قوامها الاتصال والاحتواء، حيث تصبح فضاءً للانتماء وموطنًا للذات. ومن هنا، يتحول الحب من علاقة خارجية إلى تجربة داخلية تؤسس لمعنى السكن والوجود.

وانطلاقًا من هذا كله، تطرح التجربة الدرويشية سؤالا نقديا حادا: هل يحق لشاعر ارتبط اسمه بالمقاومة والقضية والوطن أن يكتب الحب بوصفه موضوعا مستقلا؟ أم أن الحب، في سياقه، لا يمكن أن يكون إلا امتدادا للأرض؟ وهل يمكن للعاشق أن يقول " أحبك " دون أن تتسلل الأرض إلى هذه الكلمة؟ أم أن المرأة، التي قرأها النقد طويلا بوصفها استعارة للوطن، يمكن أن تستعاد بوصفها كيانا حيًا من لحم ودم، له حضوره الحسي ورغباته المؤجلة؟

إن هذه الأسئلة لا تنفي البعد الرمزي للحب عند درويش، بل تعمّقه، لأنها تكشف عن توتر دائم بين مستويين: مستوى العاطفة الفردية، ومستوى الرمز الجماعي. وفي هذا التوتر تحديدًا تتشكل فرادة تجربته، حيث لا يعود الحب مجرد موضوع شعري، بل يصبح إشكالية وجودية مفتوحة، تتطلب إعادة قراءة مستمرة، وتدفع القارئ إلى الصعود نحو آفاق تأملية أرحب، حيث تتداخل لذة النص مع لذة التفكير، ويتحول الشعر إلى تجربة معرفة بقدر ما هو تجربة إحساس.

إشكالية الدراسة:

يندرج هذا البحث ضمن أفق نقدي يسعى إلى مساءلة موقع الحب داخل التجربة الشعرية عند محمود درويش، انطلاقا من مفارقة تبدو للوهلة الأولى إشكالية: كيف يمكن لشاعر ارتبط اسمه بالقضية الوطنية والمقاومة أن يكتب الحب لا بوصفه هامشا جماليا، بل باعتباره مركزا دلاليًا قائمًا بذاته؟ وهل يظل هذا الحب تعبيرا خالصا عن تجربة عاطفية فردية، أم أنه مشروط في عمقه بأفق الوطن، بحيث يستحيل فصله عن السياق التاريخي والوجودي الذي يتشكل فيه؟

تتأسس هذه الإشكالية على توتر مزدوج: من جهة أولى، توتر بين الخاص والعام، حيث يبدو الحب تجربة ذاتية حميمة، لكنه في شعر درويش يتسرب إلى المجال الجمعي ليغدو حاملا لذاكرة الأرض ومعاناة الإنسان، ومن جهة ثانية، توتر بين الدلالة الحسية والدلالة الرمزية، حيث لا يستقر الحب عند حدود الجسد أو العاطفة، بل ينفتح على أبعاد أنطولوجية تتقاطع فيها المرأة مع الأرض، والعاشق مع المنفي، واللذة مع الألم.

وانطلاقًا من هذا التوتر، تطرح الدراسة سؤالها المركزي على النحو الآتي:

كيف يتحول الحب في شعر محمود درويش من تجربة وجدانية فردية إلى بنية رمزية وجودية، تتداخل فيها دلالات الجسد والوطن والإنسان، وتعيد تشكيل العلاقة بين الشعر والواقع؟

ويتفرع عن هذا السؤال المركزي عدد من الأسئلة الإجرائية التي توجه مسار التحليل: كيف يمكن التمييز بين مفهومي "الغزل" و"الحب" داخل البنية الدلالية للشعر العربي؟ وهل يتعلق الأمر باختلاف اصطلاحي، أم بتحول عميق في طبيعة التجربة الشعرية من الوصف الحسي إلى البناء الرمزي؟

بأي معنى أعاد الفكر الفلسفي من أفلاطون إلى ابن حزم الأندلسي، تعريف الحب خارج حدوده الحسية، وكيف يمكن استثمار هذه التصورات في قراءة الشعر؟

كيف يتجاوز الحب عند درويش ثنائية المرأة/الجسد ليغدو تمثيلا للأرض والوجود، دون أن يفقد في الآن ذاته بعده العاطفي والإنساني؟

وإلى أي حد يتداخل الحب مع القهر والموت داخل التجربة الدرويشية، بحيث يتحول من حالة وجدانية إلى فعل مقاومة، ومن عاطفة فردية إلى طاقة لإنتاج المعنى في سياق تاريخي مأزوم؟

بهذا المعنى، لا تنحصر إشكالية الدراسة في توصيف حضور الحب عند درويش، بل تتجه نحو تفكيك آلياته الرمزية، والكشف عن الكيفية التي يعاد بها بناء الحب داخل النص الشعري، ليغدو أفقًا وجوديا مفتوحا، تتقاطع فيه الذات بالآخر، والجسد بالتاريخ، والشعر بالحياة.

الغزل والحب: من التحديد المعجمي إلى الانفجار الدلالي:

الغزل: من خطاب اللهو إلى بنية شعرية مولدة للمعنى:

ينبثق مفهوم الغزل في الثقافة العربية من حقل دلالي يبدو، للوهلة الأولى، بسيطا ومباشرا، غير أن هذا البساط الظاهري يخفي في عمقه تعقيدا بنيويا يزداد وضوحا كلما انتقلنا من المستوى المعجمي إلى المستوى الأدبي. فإذا كان لسان العرب لابن منظور يحدد الغزل بوصفه حديث الفتيان مع الفتيات، وما يتضمنه من ملاطفة ومراودة ومخاطبة تقوم على نوع من التكلف، فإن هذا التعريف، على دقته الوصفية، يظل حبيس أفق التداول اللغوي المباشر، حيث تفهم العلاقة بوصفها تفاعلا بين ذات مرسلة: العاشق وموضوع مرسل إليه: المحبوبة، عبر رسالة لغوية هدفها تحقيق اللذة أو الإغواء.

غير أن هذا التحديد، حين ينقل إلى المجال الشعري، يتعرض لانزياح دلالي عميق، إذ تتحرر الكلمة من معناها القاموسي لتدخل في شبكة من العلاقات الرمزية التي تعيد إنتاج معناها داخل النص. فالغزل في الشعر لا يختزل في كونه خطابا تواصليا بين طرفين، بل يتحول إلى جهاز تخييلي معقد، تتداخل فيه الرؤية باللغة، ويغدو فضاء لإعادة تشكيل العالم عبر الحساسية الجمالية. وهنا تحديدا، لا تعود المرأة مجرد موضوع للرغبة أو الوصف، بل تصبح مركزا لتوليد المعنى، وأفقًا تتقاطع فيه الذات الشاعرة مع العالم الخارجي.

إنّ "النظرة" في الغزل الشعري ليست مجرد فعل بصري محايد، بل هي فعل تأويلي مشحون بالرغبة، يضفي على الموضوع دلالات تتجاوز حضوره المادي، فتتحول المرأة إلى كيان رمزي يختزن أبعادًا نفسية ووجودية. ومن ثمّ، فإن الغزل لا يتحقق إلا داخل علاقة، لكنه في الوقت نفسه يعيد بناء هذه العلاقة، بحيث يصبح النص الشعري مجالا لإعادة إنتاج الذات والآخر معًا. وهذا ما يفسر ارتباط المخيلة الشعرية العربية بالمرأة بوصفها كائنا لغويا بامتياز، لا توصف فقط، بل تنتج اللغة من خلالها، وتعاد صياغة التجربة الإنسانية عبر حضورها.

وقد انعكس هذا التحول على بنية القصيدة العربية منذ القديم، حيث شكّلت المقدمات الغزلية مدخلا أساسيا لبناء القصيدة، لا باعتبارها تمهيدا شكليًا فحسب، بل بوصفها لحظة استدعاء للذاكرة والخيال، تفتح من خلالها إمكانات الانتقال إلى موضوعات أخرى. فذكر الحبيبة لم يكن غاية في ذاته، بل كان أفقا لتفجير التجربة الشعرية، واستدعاء العاطفة بوصفها طاقة مولدة للمعنى. ومع تطور التجربة الشعرية، لم يعد الغزل مجرد مقدمة، بل استقل بوصفه غرضا قائما بذاته، خصوصا ابتداء من العصر الأموي، حيث بدأ يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا وجرأة.

الغزل بين الإباحي والعذري: جدلية المتعة والحرمان:

بلغ الغزل في العصر الأموي مرحلة من النضج الفني والدلالي، تمثلت في انقسامه إلى تيارين رئيسيين: الغزل الإباحي والغزل العذري، وهما تياران يبدوان، في الظاهر، متقابلين، لكنهما يشتركان في بنية عميقة واحدة، تتمثل في البحث عن المعنى عبر تجربة الحب.

فالغزل الإباحي، الذي ارتبط ببيئات حضرية منفتحة، يعكس تحررا نسبيا من القيود الأخلاقية والاجتماعية، حيث يحتفى بالجسد بوصفه موضوعا للمتعة، وتعرض الرغبة في صورتها المباشرة، دون مواربة أو تعفف. وقد ساهمت ظروف اجتماعية معينة كانتشار دور اللهو ووجود القيان والإماء وتعدد الثقافات في تشكيل هذا الخطاب، الذي يمكن اعتباره، في بعض وجوهه، نوعا من التمرد على القيم السائدة، أو حتى ثورة جمالية تعيد تعريف العلاقة بين الجسد واللغة.

في المقابل، يتأسس الغزل العذري على نقيض ظاهري، إذ يقوم على الحرمان والتعالي، حيث تتحول المرأة إلى كائن مثالي، ويغدو الحب تجربة روحية مشبعة بالألم، يعيشها العاشق بوصفها قدرا لا ينال. هنا، لا تتحقق المتعة في الوصال، بل في استدامة الرغبة ذاتها، وفي تحويل الحرمان إلى طاقة شعرية تنتج نصا مشحونا بالعاطفة والصدق الفني. فالعاشق العذري لا يسعى إلى امتلاك المعشوقة، بل إلى الاندماج الروحي بها، حتى لو كان هذا الاندماج مستحيلا في الواقع.

غير أن هذا التقابل بين التيارين لا ينبغي أن يفهم بوصفه اختلافا جذريا، بل بوصفه تجليين مختلفين لبنية واحدة، هي بنية البحث عن المتعة بوصفها أصل التجربة الشعرية. فالغزل الإباحي يلاحق المتعة في تحققها المباشر، بينما يلاحقها الغزل العذري في غيابها، حيث يتحول الحرمان ذاته إلى شكل من أشكال اللذة المؤجلة. وفي الحالتين، ينشأ التوتر الخلاق بين الرغبة والاستحالة، وهو التوتر الذي ينتج الشعر ويمنحه كثافته الدلالية.

الحب: من التجربة الحسية إلى الأفق الوجودي:

إذا كان الغزل يمثل أحد أشكال التعبير عن الحب داخل الحقل الأدبي، فإن الحب ذاته يتجاوز هذا الإطار ليغدو مفهوما أكثر اتساعا وتعقيدا، يتداخل فيه ما هو حسي بما هو روحي، وما هو فردي بما هو كوني. فالحب، في أفق التأمل الفلسفي، ليس مجرد انفعال عاطفي، بل تجربة وجودية تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم.

وقد تنبّه أفلاطون إلى هذا البعد حين اعتبر الحب حركة ارتقائية تبدأ من الانجذاب إلى الجمال الحسي، لتتجاوز تدريجيًا حدود الجسد نحو إدراك الجمال المطلق، بما يجعله مسارًا للمعرفة بقدر ما هو تجربة عاطفية. وفي السياق العربي، أعاد ابن حزم صياغة هذا التصور، حين رأى في الحب اتصالا خفيا بين النفوس، لا تدرك حقيقته إلا بالمعاناة، مؤكدا أن الحب لا يقوم على الصورة الحسية وحدها، بل على نوع من التآلف الروحي الذي يتجاوز الظاهر إلى جوهر الكينونة.

بهذا المعنى، يغدو الحب تجربة دينامية، لا تعطى جاهزة، بل تبنى عبر الجهد والتأمل، وتتطور باستمرار، لتعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالآخر. وهو، في الآن ذاته، تجربة متوترة، تقوم على جدلية الحضور والغياب، والوصال والفراق، والرغبة والحرمان، مما يجعلها مصدرا دائما لإنتاج المعنى، سواء في الفلسفة أو في الأدب.

ومن هنا، يمكن القول إن العلاقة بين الغزل والحب ليست علاقة ترادف، بل علاقة احتواء وتجاوز: فالغزل يمثل التعبير الجمالي عن الحب داخل اللغة، بينما الحب هو الأفق الوجودي الذي يمنح هذا التعبير عمقه ودلالته. وإذا كان الغزل قد بدأ بوصفه خطابًا للهو، فإنه، عبر تحوله داخل الشعر، أصبح وسيلة لاكتشاف الذات والعالم، تمامًا كما أصبح الحب، في أفقه الأوسع، تجربة لتشكّل الكينونة الإنسانية في بعدها الأعمق.

ثانيًا: الحب في الفكر الفلسفي: من الحس إلى التجاوز:

الحب كاتصال روحي عند ابن حزم: من الظاهر إلى الجوهر:

حين ننتقل من الحقل الأدبي إلى الأفق الفلسفي، يتبدّى الحب بوصفه تجربة أكثر تعقيدا من أن تختزل في بعدها الحسي أو تُفسَّر ضمن حدود الإدراك المباشر، إذ يتحول إلى ظاهرة وجودية تستدعي تأملا عميقًا في طبيعة الإنسان ذاته. وفي هذا السياق، يقدّم ابن حزم تصورا متميّزا للحب، يقوم على تجاوز التفسير الحسي والارتقاء به إلى مستوى التآلف الروحي بين النفوس، حيث لا يكون الانجذاب نتيجة جمال ظاهر أو صفة مدركة بالحواس، بل استجابة داخلية خفية، لا تخضع لمنطق السببية أو التفسير العقلاني المباشر.

فالحب، وفق هذا التصور، ليس اختيارا واعيا ولا قرارا إراديا، بل هو انبثاق مفاجئ لعلاقة كامنة بين الأرواح، علاقة تسبق التجربة الحسية وتفوقها، بحيث يغدو اللقاء بين العاشق والمعشوق نوعًا من "التذكّر الوجودي" لما كان كامنا في أصل التكوين. ومن هنا، يميّز ابن حزم بوضوح بين نوعين من الحب: حب حقيقي يقوم على الامتزاج النفسي والتآلف الروحي، وهو حب عميق يتجاوز الزمان والمكان، وحب زائف يقتصر على الصورة الحسية، سرعان ما يتلاشى بزوال موضوعه، لأنه لم يتأسس على جوهر ثابت، بل على عرض زائل.

إن هذا التمييز لا ينطوي فقط على حكم قيمي، بل يكشف عن رؤية أنطولوجية للحب، تجعله تجربة تتعلق بجوهر الإنسان لا بمظهره، وتربطه بالبنية الداخلية للنفس لا بالعالم الخارجي. لذلك، فإن الحواس في هذا السياق، تعد عاجزة عن الإحاطة بحقيقة الحب، لأنها لا تدرك إلا الظاهر، بينما الحب الحقيقي يتشكل في مستوى أعمق، حيث تتلاقى النفوس في فضاء غير مرئي، لا يمكن القبض عليه إلا بالمعاناة والتجربة.

غير أن هذا الارتقاء بالحب إلى مستوى الروح لا يلغي توتره الداخلي، بل يضاعفه، لأن هذا الاتصال الروحي، رغم صفائه، يظل هشا، مهددا بالانقطاع، وغير قابل للضبط أو الاستمرار وفق قوانين ثابتة. ومن هنا، فإن الحب عند ابن حزم ليس حالة استقرار، بل تجربة قلق دائم، تتأرجح بين الانسجام والانفصال، وبين الحضور والغياب، مما يمنحه طابعه الإنساني العميق.

الحب بين الهيام والهوى في الفكر الحديث: هشاشة التوازن واستحالة الاكتمال:

إذا كان التصور الكلاسيكي، كما عند ابن حزم، قد سعى إلى تأسيس الحب على بعد روحي متعالٍ، فإن الفكر الفلسفي الحديث يعيد النظر في هذه الرؤية، لا لينفيها، بل ليكشف عن هشاشتها الداخلية، ويبرز الطابع الإشكالي للعلاقة بين الذات والآخر داخل التجربة العاطفية. وفي هذا الإطار، يقدّم لوك فيري تمييزا دقيقا بين نمطين من الحب، يكشفان عن بنيتهما المتوترة وغير المستقرة.

فالنمط الأول هو حب قائم على التوازن والتكافؤ، حيث يسعى كل طرف إلى الحفاظ على استقلاله داخل العلاقة، دون أن يذوب في الآخر أو يفقد هويته. هذا النوع من الحب يفترض وجود نوع من الانسجام بين العاشق والمعشوق، ويقوم على تبادل متكافئ للعاطفة، مما يمنحه قدرًا من الاستقرار النسبي. غير أن هذا التوازن، في جوهره، يظل هشًا، لأنه يتطلب شروطًا دقيقة يصعب تحققها في الواقع، حيث تتغير الرغبات وتتبدل المواقف، مما يجعل العلاقة عرضة للاختلال في أي لحظة.

أما النمط الثاني، فهو حب يقوم على الفناء في الآخر، حيث يسعى العاشق إلى الذوبان الكامل في معشوقه، متخليا عن حدوده الذاتية، في تجربة تتسم بالاندفاع والهيام. هنا، لا يعود الحب علاقة بين ذاتين مستقلتين، بل يتحول إلى رغبة في التماهي المطلق، وهو ما يمنحه طابعا دراميا حادا، لأنه ينطوي على خطر فقدان الذات، ويجعل العلاقة غير قابلة للاستمرار على المدى الطويل.

وفي كلا النمطين، يكشف الحب عن طبيعته التراجيدية، لأنه يقوم على توازن دقيق بين عناصر متناقضة: بين القرب والمسافة، بين الرغبة في الامتلاك والحاجة إلى الحرية، بين الانفتاح على الآخر والحفاظ على الذات. وهذا التوتر البنيوي هو ما يجعل الحب تجربة غير مستقرة، مهددة دائمًا بالانهيار، سواء بسبب فقدان التوازن أو بسبب الإفراط في التماهي.

الحب كتجربة توتر بين الجسد والروح: نحو أفق وجودي مفتوح:

إن التأمل في هذين التصورين الكلاسيكي والحديث، يكشف أن الحب، في جوهره، ليس حالة انسجام تام، بل تجربة توتر دائم بين مستويات متعددة من الكينونة. فهو، من جهة، يرتبط بالجسد بما يحمله من رغبة وانجذاب حسي، ومن جهة أخرى، يتجاوز هذا البعد ليغدو تجربة روحية تسعى إلى التماهي والاكتمال. وبين هذين البعدين، يتشكل الحب بوصفه مسارا ديناميا، لا يستقر على حال، بل يتغير باستمرار تبعًا لتحولات الذات والعالم.

هذا التوتر بين الحس والتجاوز، بين الرغبة والكبح، لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تناقضا ينبغي حله، بل بوصفه شرطًا لإنتاج المعنى داخل التجربة الإنسانية. فالحب، في هذا الأفق، لا يتحقق إلا بقدر ما يظل مفتوحًا على النقص، ومشدودًا إلى ما لا ينال، وهو ما يجعله مصدرا دائمًا للقلق والإبداع في آن واحد.

ومن هنا، يمكن القول إن الحب في الفكر الفلسفي لا يُختزل في كونه علاقة بين شخصين، بل يُفهم بوصفه تجربة وجودية تكشف عن هشاشة الإنسان ورغبته في الاكتمال، وعن سعيه الدائم إلى تجاوز حدوده دون أن يفقد ذاته. وهذا ما يجعل الحب، في نهاية المطاف، أفقًا مفتوحًا للتفكير، لا موضوعًا مغلقًا للتعريف، ومسارًا للتشكّل، لا حالةً مكتملة يمكن القبض عليها بشكل نهائي.

الحب في شعر محمود درويش: من العاطفة إلى البنية الرمزية الوجودية:

على سبيل الافتتاح: من التجربة الفردية إلى الأفق الكوني:

لا يمكن مقاربة تجربة الحب في شعر محمود درويش باعتبارها امتدادا تقليديا للغزل العربي، لأن هذا الشاعر لا يكتب الحب بوصفه غرضا شعريا منفصلا، بل يعيد بناءه داخل شبكة معقدة من العلاقات الوجودية والتاريخية والرمزية. فالحب عنده لا يُختزل في علاقة بين ذاتين، بل يتحول إلى أفق تأويلي لفهم العالم، وإلى بنية دلالية تتقاطع فيها مستويات متعددة: الجسد، الذاكرة، الأرض، اللغة، والموت.

ومن هنا، فإن التحول الأساسي الذي يطرأ على الحب في تجربته يتمثل في انتقاله من كونه عاطفة فردية إلى كونه بنية رمزية كلية، حيث يصبح الحب وسيطًا لإعادة إنتاج المعنى في عالم مهدد بالانكسار.

الحب كتجربة حسية متعالية: من الجسد إلى التأمل:

لا يتأسس الحب في شعر محمود درويش على اندفاع غريزي عابر، بل ينبثق من لحظة حسية أولى تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها سرعان ما تنفتح على أفق تأملي عميق يعيد تشكيل معنى التجربة العاطفية برمتها. فمشهد تأمل جسد المرأة وخاصة في حالة السكون أو النوم ، لا يقدم بوصفه لحظة امتلاك أو استثارة حسية، بل بوصفه لحظة انكشاف جمالي خالص، تتعطل فيها آليات الشهوة لصالح نوع من الرؤية المتأنية التي تستبدل التملك بالإنصات، والاندفاع بالتأمل. إن الجسد، في هذا السياق، لا يعود موضوعًا للاستهلاك، بل يتحول إلى نصّ بصري مفتوح، يستدعي القراءة والتأويل، ويُثير في الذات العاشقة دهشة وجودية تتجاوز حدود اللذة المباشرة.

ومن هنا، فإن التحول الذي يحدث داخل هذه اللحظة الحسية هو تحول بنيوي في طبيعة الحب ذاته؛ إذ ينتقل من كونه استجابة فورية للرغبة إلى كونه تجربة زمنية بطيئة، تتشكل عبر التراكم والتأمل والوعي. فالعاشق عند درويش لا يأخذ الجسد، بل ينظر إليه ، ولا " يمتلكه بل “يتأمله”، وهو ما يخلق مسافة جمالية ضرورية بين الذات والموضوع، تجعل من الحب فعلًا إدراكيًا بقدر ما هو فعل وجداني. هذه المسافة لا تعني البرود أو الانفصال، بل على العكس، تمثل شرطًا لإنتاج معنى أعمق، حيث تتحول العلاقة من علاقة استهلاك إلى علاقة معرفة، ومن رغبة في الامتلاك إلى رغبة في الفهم.

وفي هذا الإطار، يغدو الحب عند درويش تجربة معرفية مركبة، لا تكتفي بإثارة العاطفة، بل تسعى إلى مساءلة ذاتها، وإلى فهم شروطها وإمكاناتها وحدودها. فالعاشق لا يذوب في اللحظة، بل يتأملها، ولا ينغلق داخل الانفعال، بل يفتحه على أفق التفكير، وهو ما يجعل الحب مسارًا للارتقاء الداخلي، يتقاطع مع التصورات الفلسفية الكبرى، وخاصة عند أفلاطون الذي رأى في الحب حركة صعود من المحسوس إلى المجرد، ومن الجمال الجزئي إلى الجمال المطلق. غير أن درويش لا يعيد إنتاج هذا التصور بشكل تجريدي، بل يجسّده شعريًا داخل تجربة حسية معاشة، حيث يصبح الجسد ذاته نقطة انطلاق نحو التأمل، لا عائقا أمامه.

وبذلك، يتأسس في شعره شكل من "الحب المتعال” الذي لا يلغي الجسد، بل يعيد تأويله، ولا يقمع الرغبة، بل يهذبها ويبطئ إيقاعها، بحيث تتحول من طاقة اندفاعية إلى طاقة تأملية. وهذا ما يجعل الحب عنده تجربة بناء داخلي مستمر، تتشكل عبر اللغة والصمت، عبر الحضور والغياب، وعبر تلك اللحظات الهشة التي يتقاطع فيها الحسّي بالروحي، ليولد منها معنى جديد للحب، بوصفه فعلًا جماليًا ومعرفيًا في آن واحد، لا يكتمل إلا بقدر ما يظل مفتوحًا على السؤال.

المرة بوصفها بنية رمزية: من الحبيبة إلى الوطن:

يبلغ الحب في تجربة محمود درويش لحظة تحوّله القصوى حين تتجاوز المرأة حدود كونها كيانًا فرديًا محددًا لتغدو بنية رمزية كثيفة، تتشابك داخلها طبقات متعددة من الدلالة، بحيث لا تعود الحبيبة مجرد موضوع للعاطفة، بل تتحول إلى أفق تأويلي مفتوح يُعاد من خلاله بناء العلاقة بين الذات والعالم. فدرويش لا يكتب المرأة بوصفها "آخر" منفصلا، بل يكتبها بوصفها امتدادا وجوديا للذات، ومرآة تنعكس فيها أسئلة الانتماء والهوية والذاكرة، وهو ما يجعل حضورها في النص الشعري حضورًا مركبًا، يتجاوز الإحالة المباشرة إلى التمثيل الرمزي العميق.

ضمن هذا الأفق، تتأسس ثنائية الأرض/المرأة بوصفها البنية المركزية التي ينتظم حولها الخيال الشعري عند درويش، غير أن هذه الثنائية لا تقوم على مجرد استعارة بلاغية سطحية، بل على تماهٍ وجودي يجعل من الصعب بل من المستحيل، ٩الفصل بين الجغرافي والإنساني. فالمرأة ليست صورة للأرض فحسب، بل هي الأرض وقد تشخّصت في جسد، كما أن الأرض ليست فضاءً خارجيًا محايدًا، بل هي جسد أنثوي محتشد بالدلالات، ينبض بالحياة والحنين والألم. وهنا يتجاوز الرمز وظيفته التقليدية ليصبح بنية توليدية للمعنى، حيث تتقاطع في نقطة واحدة دلالات الجسد والوطن والذاكرة، فينتج عن ذلك أفق شعري تتلاشى فيه الحدود بين الداخل والخارج، بين الذات والموضوع.

إن المرأة، في هذا السياق، لا تُحب بوصفها فردًا، بل بوصفها كيانًا كليًا، يحمل في داخله طبقات من المعنى: فهي الأرض بما تمثله من مجال للانتماء، وهي الطفولة بما تنطوي عليه من براءة مفقودة، وهي الذاكرة بما تتيحه من مقاومة للنسيان. ومن ثمّ، فإن العلاقة بها لا تُختزل في بعدها العاطفي، بل تتخذ طابعًا وجوديًا، حيث يصبح الحب شكلًا من أشكال التشبث بالمعنى في عالم مهدد بالتلاشي. فالدخول إلى جسد المرأة لا يُفهم هنا بوصفه فعلًا حسيًا صرفا، بل بوصفه معادلا رمزيًا للدخول إلى الأرض، أي إلى الأصل، إلى الجذر الأول للوجود، كما أن الخروج من رحمها يقابله، في مستوى أعمق، العودة إلى رحم الأرض، بما يجعل من هذه العلاقة دائرة وجودية مغلقة، يتداخل فيها البدء بالنهاية، والحياة بالموت، في جدلية كونية تتجاوز حدود الفردي نحو أفق إنساني شامل.

ومن هنا، تتغير دلالة "قداسة المرأة: داخل هذا التصور الشعري. فإذا كانت هذه القداسة، في كثير من تمثلات التراث الشرقي، تقوم على مبدأ الانفصال أي على رفع المرأة إلى مرتبة تجعلها بعيدة عن التجربة الحسية المباشرة—فإنها عند درويش تتحول إلى قداسة اتصال، قائمة على الاحتواء والتماهي، لا على التعالي والانفصال. فالمرأة لا تُقدَّس لأنها بعيدة، بل لأنها قريبة إلى حد الامتزاج، لأنها تحتوي الرجل كما تحتوي الأرض الإنسان، ولأنها تمنحه إمكانية الانتماء، لا مجرد موضوع للرغبة. وهكذا، تنتقل العلاقة من منطق الامتلاك إلى منطق السكن: لا يعود العاشق “يمتلك” المرأة، بل “يسكنها”، كما يسكن الوطن، وكما يسكن اللغة.

وفي ضوء هذا التحول، يمكن فهم كيف أن الحبيبة عند درويش لا تستقر على صورة واحدة، بل تتعدد بتعدد السياقات، فتارة تظهر ككائن حميمي شديد الخصوصية، وتارة كرمز جمعي يتسع ليشمل الوطن والتاريخ والذاكرة. هذا التعدد لا يُضعف الدلالة، بل يثريها، لأنه يجعل من المرأة نقطة تقاطع بين مستويات مختلفة من الوجود، بحيث تتحول إلى مركز دلالي” تُعاد عبره صياغة العالم. ومن ثمّ، فإن الحب ذاته لم يعد تجربة ثنائية بين "أنا" و"أنت" ، بل أصبح شبكة علاقات تتداخل فيها الذوات والأمكنة والأزمنة، وهو ما يمنح التجربة الشعرية عند درويش طابعها الكوني، ويجعلها قادرة على تجاوز حدود التجربة الفردية نحو أفق إنساني شامل.

إن هذا التماهي العميق بين المرأة والأرض لا يعكس فقط حساسية شعرية عالية، بل يكشف أيضًا عن رؤية فلسفية للوجود، ترى أن الكينونة الإنسانية لا تُفهم إلا داخل شبكة من العلاقات التي تربطها بالمكان والذاكرة والتاريخ. ومن هنا، يصبح الحب في صيغته الدرويشية ، وسيلة لإعادة بناء هذه العلاقات، ولإعادة وصل ما انقطع بينها، بحيث يتحول إلى فعل مقاومة رمزي، لا يواجه فقط فقدان الحبيبة، بل فقدان الوطن ذاته. وبذلك، لا يعود الحب مجرد تجربة شعورية، بل يصبح أفقًا أنطولوجيًا يعاد من خلاله تعريف معنى الوجود، ومعنى الانتماء، ومعنى الإنسان.

الحب تحت القهر: من التجربة العاطفية إلى المأساة الوجودية:

حين يُستحضر الحب داخل السياق التاريخي الذي يكتب فيه محمود درويش، فإنه يفقد براءته الأولى بوصفه تجربة إنسانية حرة، ليدخل في مدار القهر، حيث لا تعود العاطفة شأنًا خاصًا، بل تصبح واقعة وجودية محاصرة بشروط العنف والمراقبة والمنع. ففي ظل الاحتلال، لا يُمنع الجسد من الحركة فحسب، بل تُقيد أيضًا إمكانات الشعور ذاته، فيغدو الحب فعلًا محفوفًا بالخطر، واللقاء احتمالًا مهددًا، والعاطفة نفسها مشروعا مؤجلا أو مؤجل التحقيق. ومن هنا، يتحول الحب من تجربة وجدانية طبيعية إلى بنية تراجيدية عميقة، تتأسس على التوتر بين الرغبة في التحقق واستحالة هذا التحقق، بين التوق إلى الآخر واستحالة الوصول إليه.

ضمن هذا الأفق، لم يعد العاشق كائنا حرًا يختار حبه، بل أصبا مهددة، مراقبة، ومطاردة حتى في أكثر لحظاتها حميمية. فالحب، الذي يُفترض أن يكون ملاذًا من قسوة العالم، يتحول إلى جزء من هذه القسوة، بل إلى أحد تجلياتها الأكثر إيلامًا، لأنه يكشف هشاشة الإنسان أمام واقع يسلبه حتى حقه في أن يحب. وهكذا، تتكثف في شعر درويش صور شعرية بالغة الدلالة، تجعل من الحب كائنًا مطاردا وعصفورا يلاحقه الرصاص، أو زهرة محاطة بالشوك.وهي صور لا تنقل مجرد إحساس بالألم، بل تؤسس لرؤية عميقة مفادها أن الحب، في ظل القهر، لا يعيش إلا بوصفه إمكانية مهددة، أو حلمًا دائم الانكسار، أو رغبة مؤجلة إلى أفق لا يتحقق.

غير أن المفارقة التي تمنح هذه التجربة بعدها الفلسفي العميق تكمن في أن هذا القمع ذاته لا يؤدي إلى إخماد الحب، بل إلى تكثيفه وتوهجه. فكلما ازداد المنع، ازداد الحب إلحاحًا، لأنه يتحول إلى آخر مساحة ممكنة للحرية داخل واقع مغلق. وهنا، لا يعود الحب مجرد عاطفة، بل يصبح موقفًا وجوديًا، بل فعل مقاومة رمزي، إذ إن الإصرار على الحب في عالم يمنعه هو في ذاته شكل من أشكال التحدي. ومن ثمّ، فإن العلاقة العاطفية، في هذا السياق، لا تُفهم بوصفها علاقة بين ذاتين فقط، بل بوصفها فعلًا مضادًا للقهر، يحاول استعادة إنسانية الإنسان في وجه ما يسعى إلى سلبها.

وفي هذا المستوى، يتحول الشعر ذاته إلى البديل الممكن عن الواقع المستحيل؛ فإذا كان اللقاء في الخارج مهددًا أو ممنوعًا، فإن القصيدة تصبح فضاءً لتحقيقه رمزيًا، حيث يُعاد بناء العلاقة داخل اللغة، وتُستعاد لحظة الحب في شكل جمالي يقاوم الفناء. ومن هنا، لا يعود الحب موضوعًا للقول الشعري فحسب، بل يغدو شرطًا لإمكان القول ذاته، لأنه يمدّ اللغة بطاقة الحياة في مواجهة العدم. وهذا ما يفسر اقتران الحب بالموت في كثير من نصوص درويش، حيث لا يظهر الموت بوصفه نهاية تقطع التجربة، بل بوصفه امتدادًا لها، أو شرطًا لإدراك عمقها، إذ إن الحب لا يكتسب معناه الكامل إلا حين يُهدد بالفقد، ولا يتجلى في أقصى كثافته إلا حين يقف على حافة الزوال.

ومع ذلك، فإن هذا التوتر الحاد بين الحب والقهر، بين الرغبة والاستحالة، لا ينتهي إلى العدم، بل يفتح أفقًا جديدًا يعاد فيه تعريف الحب ذاته. فهو لم يعد علاقة ثنائية بين عاشق ومعشوق، بل أصبح تجربة كونية تشمل الإنسان في علاقته بالطبيعة والوطن والوجود بأسره. وهنا، يلتقي درويش جزئيًا مع تصورات نزار قباني الذي رأى في الحب مدخلًا إلى حب العالم، غير أن درويش يذهب أبعد، إذ يجعل هذا الحب مشروطًا بالقضية، ومتشكلًا داخلها، بحيث لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الذي ينتجه. ومن ثمّ، فإن الحب عنده ليس هروبًا من الواقع، بل انخراطًا أعمق فيه، لأنه يحمل ملامحه، ويتشبع بآلامه، ويعيد صياغتها في شكل جمالي قادر على المقاومة.

وفي ضوء ذلك، يغدو السؤال: هل يحق لشاعر ارتبط اسمه بالمقاومة أن يكتب قصيدة حب خالصة؟ سؤالًا يكشف عن تصور قاصر لطبيعة التجربة الشعرية عند درويش. فالحب في شعره ليس نقيضًا للمقاومة، بل أحد تجلياتها الأكثر عمقًا، لأنه يحافظ على جوهر الإنسان في لحظة يراد له أن يتحول إلى مجرد رقم أو ضحية. ومن هنا، فإن قصيدة الحب عنده لا تُقصي الوطن، بل تعيد كتابته بطريقة أخرى، أكثر حميمية، وأكثر التصاقًا بالوجود اليومي، بحيث يصبح الحب ذاته شكلا من أشكال الانتماء، ولغة من لغات البقاء في عالم مهدد بالزوال.

الحب كفعل مقاومة: إعادة بناء الإنسان:

على الرغم من الثقل التراجيدي الذي يطبع تجربة الحب في شعر محمود درويش، فإن هذه التجربة لا تنتهي إلى الانكسار أو العدم، بل تعيد إنتاج ذاتها في صيغة أكثر عمقًا وفاعلية، حيث يتحول الحب من حالة وجدانية مهددة إلى فعل مقاومة رمزي، يواجه القهر لا بالإنكار، بل بإعادة بناء المعنى من داخله. فالحب عند درويش لا يُمارَس بوصفه انسحابًا من الواقع أو تعويضًا عنه، بل بوصفه انخراطًا أكثر كثافة في صميمه، لأنه يُبقي على ما يحاول العنف مصادرته: إنسانية الإنسان، وقدرته على الشعور، وعلى الحلم، وعلى إعادة تخيل العالم خارج شروط القهر المفروضة عليه.

في هذا السياق، يغدو الحب طاقة وجودية خلاقة، لا تكتفي بتسجيل الألم، بل تعمل على تحويله إلى إمكانية للمعنى، حيث تتحول العاطفة إلى أداة لترميم الذات الممزقة، وإلى وسيلة لاستعادة التوازن الداخلي في عالم يتداعى. فالعاشق، وهو يصرّ على الحب في ظل المنع، لا يدافع عن علاقة عاطفية فحسب، بل يدافع عن حقه في أن يكون إنسانا، في أن يشعر، في أن يحتفظ بذاكرته الحية في مواجهة محاولات الطمس والنسيان. ومن هنا، فإن الحب لا يعود مجرد علاقة بين أنا وأنت بل يصبح فعلًا جماعيا، يحفظ الذاكرة المشتركة، ويعيد وصل الحاضر بالماضي، ويمنح الجماعة إمكانية الاستمرار في وجه محوٍ ممنهج للهوية.

وهكذا، يتخذ الحب وظيفة مزدوجة: فهو من جهة فعل مقاومة للعدم، لأنه ينتج أملا داخل واقع فاقد للمعنى، ومن جهة أخرى فعل إعادة إنتاج للمعنى ذاته، لأنه يعيد تعريف الوجود بوصفه قابلا للحياة رغم كل ما يهدده. إن الإصرار على الحب في عالم يضيّق عليه ليس مجرد موقف عاطفي، بل هو اختيار وجودي عميق، ينطوي على رفض ضمني لمنطق القهر، وعلى تأكيد بأن الإنسان لا يُختزل في شروطه التاريخية، بل يمتلك قدرة دائمة على تجاوزها عبر الخيال واللغة والعاطفة.

ومن هنا، تتحول القصيدة عند درويش إلى فضاء مقاوم بامتياز، حيث يُعاد تشكيل الحب داخل اللغة بوصفه إمكانًا مفتوحًا، لا تحدّه القيود الخارجية. فالشعر لا يعكس الحب فقط، بل يخلقه، ويمنحه شكلًا قادرًا على الاستمرار، حتى حين يستحيل تحققه في الواقع. وبهذا المعنى، يصبح الحب فعلًا إبداعيًا بقدر ما هو فعل وجداني، لأنه ينتج عالمًا بديلًا، يعيد فيه الإنسان بناء ذاته، ويستعيد فيه قدرته على الحلم.

إن الحب، في أفقه الدرويشي، ليس ترفا عاطفيا ولا موضوعًا هامشيًا، بل هو جوهر المقاومة في بعدها الإنساني الأعمق، لأنه يحافظ على ما لا يمكن للقوة أن تستولي عليه: القدرة على الإحساس، وعلى التعلق بالحياة، وعلى الإيمان بإمكانية المعنى. وهكذا، يغدو الحب ليس فقط ردّ فعل على القهر، بل فعل تأسيس لوجود جديد، يتجاوز شروط الانكسار، ويؤسس من داخل الهشاشة ذاتها قوة قادرة على الاستمرار.

اتساع الغزل: من المرأة إلى الكون:

يتخذ الغزل في تجربة محمود درويش مسارًا تحوليا بالغ الدلالة، إذ لا يبقى محصورًا داخل دائرة المرأة بوصفها موضوعًا تقليديًا للغزل العربي، بل ينفتح تدريجيا على أفق كوني شامل، تتسع فيه العاطفة لتغدو رؤية للوجود بأسره. فالحب، في هذا السياق، لا يعود مجرد علاقة بين ذات عاشقة وموضوع محبوب، بل يتحول إلى بنية إدراكية شاملة تُعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم، بحيث يصبح كل ما يحيط به قابلاً لأن يُحب: الأرض بما هي مجال الانتماء الأول، الفقراء بما هم تجسيد للهشاشة الإنسانية، الخبز بوصفه رمزا للعيش اليومي، السنابل بوصفها امتدادًا للحياة في بعدها الزراعي والخصب، والطبيعة بما تحمله من انتظام كوني يفيض بالمعنى، وصولًا إلى الحياة ذاتها بوصفها أفقا مفتوحا للتجربة الإنسانية.

إن هذا الاتساع لا يعني مجرد إضافة موضوعات جديدة إلى الغزل التقليدي، بل يعكس تحولًا جذريا في وظيفة الحب ذاته، إذ ينتقل من كونه إحساسًا فرديًا موجّهًا نحو “آخر” محدد، إلى كونه رؤية شاملة للعالم، يصبح فيها الحب شكلًا من أشكال الوعي بالوجود، وطريقة في إدراك العلاقات الخفية التي تربط بين عناصره المختلفة. فالعاشق عند درويش لا يقف أمام العالم بوصفه متلقيًا سلبيًا للجمال، بل بوصفه كائنًا يعيد إنتاج العالم من خلال الحب، أي من خلال إعادة تأويل كل ما يحيط به بوصفه قابلًا لأن يُحب، وبالتالي قابلًا لأن يُفهم ويُعاد منحه المعنى.

ومن هنا، يصبح الغزل امتدادًا للرؤية الوجودية وليس مجرد غرض شعري، إذ يتحول إلى أداة لفهم العالم لا لتزيينه فقط. فحب الأرض مثلًا لا ينفصل عن حب الإنسان، وحب الخبز لا ينفصل عن حب الحياة اليومية في بساطتها، وحب الفقراء لا ينفصل عن إدراك العدالة بوصفها قيمة وجودية، مما يجعل الحب عند درويش شبكة دلالية متداخلة تتجاوز الفردي نحو الجماعي، وتتجاوز العاطفي نحو الأخلاقي والإنساني والكوني في آن واحد.

وفي هذا الأفق، يلتقي درويش جزئيًا مع تصور نزار قباني الذي يرى أن حب المرأة يمكن أن يكون مدخلا إلى حب العالم، غير أن درويش لا يقف عند هذا الحد، بل يدفع الفكرة إلى أقصاها، إذ لا يجعل الحب مجرد مدخل للعالم، بل يجعله أداة لفهم الوجود كله وإعادة بنائه رمزيًا. فالعالم عنده لا يُدرك إلا من خلال الحب، والحب لا يكتمل إلا حين يتسع ليشمل العالم، في حركة جدلية تجعل من العاطفة شكلًا من أشكال المعرفة، ومن الغزل رؤية فلسفية للوجود.

وهكذا، يتجاوز الغزل عند درويش حدوده الجمالية التقليدية ليصبح أفقًا كونيًا مفتوحًا، تتداخل فيه الذوات بالأشياء، وتندمج فيه العاطفة بالرؤية، بحيث يغدو الحب ليس مجرد تجربة شعورية، بل طريقة في الوجود نفسه، تُعيد للإنسان قدرته على الانتماء إلى العالم بوصفه فضاءً حيًا، متعدد الطبقات، ومشحونًا بالمعنى.

جدلية الحب والموت: من الفقد إلى إنتاج المعنى:

يمثل اقتران الحب بالموت في شعر محمود درويش أحد أكثر الأبعاد عمقًا وتعقيدًا في تجربته الجمالية والفكرية، إذ لا يظهر الحب في معزل عن التهديد بالفناء، ولا يتجلى بوصفه حالة صفاء خالصة، بل بوصفه توترًا دائمًا بين الرغبة في الحياة وإمكان الانطفاء. فالموت في هذا السياق لا يُفهم كحدٍّ نهائي يقصي الحب أو ينفيه، بل كقوة داخلية تعيد تشكيله وتمنحه كثافة وجودية أعلى، بحيث يصبح الحب أكثر حضورًا كلما ازداد اقترابه من العدم. ومن هنا تتأسس جدلية دقيقة، قوامها أن الحب لا يكتسب عمقه إلا عبر الفقد، وأن التجربة العاطفية لا تبلغ ذروتها إلا حين تتعرض للاهتزاز أو التهديد أو الانقطاع، وكأن المعنى لا يتولد إلا من داخل الجرح، لا من خارج التجربة.

وفي هذا الأفق، يتحول الموت من كونه نهاية بيولوجية إلى بنية رمزية داخل النص الشعري، تؤدي وظيفة الكشف لا الإلغاء. فهو الذي يضع الحب في مواجهة حدوده القصوى، ويجعله يتجاوز ذاته نحو شكل أعلى من الإدراك، حيث لا يعود العاشق مشغولًا بامتلاك الحبيبة، بل بالحفاظ على أثرها واستمرار حضورها داخل الذاكرة واللغة. وهكذا يصبح الموت شرطًا لإعادة اكتشاف الحياة، لا نقيضًا لها، لأن الفقد يفتح المجال أمام إعادة بناء المعنى من جديد، ويحوّل الحب إلى تجربة مقاومة ضد العدم والنسيان في آن واحد. إننا أمام بنية جدلية لا تنفصل عناصرها، بل تتغذى من توترها الداخلي، حيث يعيد كل طرف تعريف الآخر باستمرار: فالحب يتعمق عبر الفقد، والموت يتحول إلى أفق لإعادة إنتاج الحياة في مستوى رمزي أعلى.

وتتجلى هذه الجدلية بوضوح في الصور الشعرية المكثفة التي يصوغها درويش، حيث يغدو الحب كائنًا مطاردًا، أو عصفورًا محاصرًا بألف بندقية، أو طاقة تبحث عن مأوى داخل اللغة حين يُغلق الواقع أبوابه. فالحب هنا ليس حالة استقرار، بل حركة دائمة بين المنع والرغبة، بين القمع والتوق، بين الحضور والغياب. وكلما اشتد القهر، ازدادت التجربة العاطفية توهجًا، وكأن العنف الخارجي يضاعف من كثافة الداخل الشعوري بدل أن يطفئه. ومن ثمّ فإن اقتران الحب بالموت لا يقود إلى الانطفاء، بل إلى إنتاج شكل جديد من البقاء، بقاء قائم على الأثر لا على الحضور المادي، وعلى الذاكرة لا على الامتلاك المباشر.

وفي هذا السياق، يصبح النص الشعري ذاته هو الفضاء البديل الذي يحتضن هذا الحب المستحيل، حيث تتحول القصيدة إلى مكان للنجاة الرمزية من واقع محاصر، وإلى مساحة يعاد فيها تشكيل العلاقة بين العاشق والمعشوق خارج شروط القهر التاريخي. فالحب، في ظل هذا التوتر، لا يعود مجرد علاقة فردية، بل يتحول إلى تجربة وجودية شاملة، تتقاطع فيها الذات مع العالم، والرغبة مع المصير، والحياة مع إمكانية الفناء. وبهذا المعنى، لا يكون الموت نهاية للحب، بل شرطًا من شروط استمراره في صورة أعمق وأكثر كثافة، حيث يتحول إلى أثر ومعنى وذاكرة لا تزول، بل تعيد إنتاج نفسها داخل اللغة وفي الوعي الشعري باستمرار.

الحب والطفولة والذاكرة: استعادة البراءة الأولى

يمثل حضور الطفولة في شعر محمود درويش أحد المفاتيح الجوهرية لفهم البنية العميقة للحب، إذ لا يتجلى هذا الأخير بوصفه علاقة آنية أو تجربة عاطفية معزولة، بل كحركة استرجاعية تتجه نحو الماضي، نحو تلك اللحظة الأولى التي كانت فيها الذات أكثر صفاء وانفتاحا على العالم قبل أن تجرحها التجربة التاريخية وتعيد تشكيل وعيها تحت ضغط القهر والمنفى والاقتلاع. ومن ثمّ، فإن الحب لا ينفصل عن الذاكرة، بل يتأسس داخلها، ويشتغل بوصفه آلية لإعادة بناء ما انكسر في الزمن النفسي والوجودي للذات.

في هذا السياق، تصبح الحبيبة في شعر درويش أكثر من مجرد موضوع غزلي؛ إنها تتحول إلى صورة مركبة تستعيد من خلالها الذات الشاعرة زمن البراءة الأولى، ذلك الزمن الذي تتداخل فيه الدهشة بالعفوية، والحياة بالطبيعة، والانتماء بالمكان الأولي. فهي ليست امرأة فقط، بل نبع طفولة مفقودة، وصوتًا داخليًا يعيد فتح أبواب الذاكرة المغلقة، وإمكانية رمزية للعودة إلى زمن لم تفسده التجربة السياسية ولا العنف التاريخي. وهكذا يغدو الحب، في أعمق دلالاته، محاولة لإعادة ترميم الذات عبر استحضار ما ضاع منها، وكأن العاشق لا يبحث عن الآخر بقدر ما يبحث عن نفسه في مرآة ذلك الآخر.

وتتجسد هذه الرؤية بوضوح في استدعاء صور الطفولة المرتبطة بالمكان الأول: البيت، الحقول، الوردة، الينابيع، والدار، وهي عناصر تتحول إلى علامات وجودية على زمن كان فيه العالم أكثر بساطة وانسجامًا. غير أن هذا الاستدعاء لا يأتي بوصفه حنينًا ساذجا، بل بوصفه فعلًا شعريًا معقدًا يعيد مساءلة العلاقة بين الماضي والحاضر، بين البراءة والانكسار، بين ما كان وما أصبح. فالحب هنا لا يعيد الطفولة كما هي، بل يعيد تأويلها داخل وعي مأزوم، يجعل من الذاكرة فضاءً لإعادة خلق الذات لا مجرد استرجاعها.

ومن ثمّ، يصبح الحب في هذا المستوى شكلا من أشكال المقاومة الداخلية ضد التشظي، لأنه يسمح للذات بأن تستعيد توازنها عبر إعادة ربطها بجذورها الأولى، حيث كانت أكثر قدرة على الانتماء وأكثر قربًا من العالم الطبيعي غير المشوه. فالحبيبة تتحول إلى مرآة للزمن الضائع، وإلى وسيط رمزي بين الذات وطفولتها، بحيث يغدو الحب فعلًا مزدوجا: استرجاعًا للماضي وبناءً جديدًا للذات في الحاضر.

الحب كفضاء شعري: القصيدة بوصفها ملاذا:

في ظل تعذر تحقق الحب في الواقع المعيش، نتيجة شروط القهر التاريخي والسياسي التي تحاصر الإنسان في تجربة درويش، تتحول القصيدة إلى فضاء بديل يحتضن هذا الحب ويمنحه إمكانية الوجود. فاللغة هنا لا تقوم بوظيفة التمثيل فقط، بل تصبح أداة خلق وإعادة تشكيل للعالم، بحيث يغدو النص الشعري هو المجال الوحيد الذي يمكن أن يتحقق فيه الحب خارج قيود الواقع وانكساراته. ومن ثمّ، لا يعود الحب تجربة تُعاش في الخارج، بل تجربة تُبنى داخل اللغة نفسها، حيث تصبح الكتابة فعلا وجوديًا يعيد إنتاج المعنى في مواجهة العدم.

إن القصيدة في هذا السياق ليست مجرد تعبير عن شعور مسبق، بل هي شرط لإمكان هذا الشعور ذاته. فالحب لا يوجد خارج النص، بل يتولد داخله، ويكتسب شرعيته من قدرته على تحويل المستحيل إلى ممكن رمزي. وهكذا تتحول الكتابة إلى شكل من أشكال الإنقاذ الوجودي، إذ تتيح للعاشق أن يمنح لعاطفته شكلاً قابلاً للاستمرار، حتى حين يكون الواقع قد أغلق كل منافذ الاستمرار الفعلي. فالنص يصبح مساحة للحرية الممكنة، حيث يتجاوز الحب حدود الزمن والمكان، ويتحرر من شروط القمع والمراقبة والفقد.

ومن هذا المنظور، تتخذ القصيدة وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تحفظ الحب من الانمحاء داخل واقع مأزوم، ومن جهة ثانية تعيد تشكيله بوصفه تجربة معرفية وجمالية في آن واحد. فالشاعر لا يكتفي بتسجيل العاطفة، بل يعيد التفكير فيها داخل بنية لغوية مفتوحة، تجعل من الحب تجربة تأمل في الوجود ذاته، لا مجرد انفعال شخصي. وبذلك، تتحول القصيدة إلى ملاذ وجودي، وإلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة بالرغبة، والحلم بالواقع، والذات بالعالم.

إن هذا التحول يضعنا أمام تصور جديد للكتابة الشعرية، حيث لا تعود اللغة أداة وصف، بل تصبح أداة خلق، وحيث لا يعود الحب موضوعًا شعريًا فقط، بل يصبح قوة مولِّدة للنص ذاته. وهكذا يغدو الشعر عند درويش شكلًا من أشكال الحياة البديلة، التي تُبنى في مواجهة الانكسار التاريخي، وتمنح للإنسان إمكانية استعادة ذاته داخل عالم يهدده الفقد المستمر.

خلاصة المبحث: الحب بوصفه بنية وجودية متعددة المستويات عند محمود درويش:

يتبيّن من خلال هذا التحليل الموسّع أن الحب في شعر محمود درويش لا يمكن اختزاله في كونه تجربة عاطفية أو غزلًا تقليديًا موجّهًا نحو موضوع أنثوي محدد، بل يتجاوز ذلك ليغدو بنية وجودية مركّبة تتداخل فيها مستويات متعددة من التجربة الإنسانية: الجسدية، الرمزية، التاريخية، الذاكراتية، واللغوية. فالحب عنده ليس حالة شعورية منعزلة، بل رؤية للعالم، وطريقة في إدراك الوجود وإعادة صياغته داخل اللغة.

فمن جهة أولى، يتأسس الحب بوصفه امتدادًا للطفولة والذاكرة، حيث تستعيد التجربة العاطفية في شعره زمن البراءة الأولى المفقودة، ذلك الزمن الذي كان فيه العالم أكثر صفاءً وبساطة قبل أن تكسّره الوقائع التاريخية القاسية. لذلك تصبح الحبيبة في كثير من الأحيان مرآة لطفولة الشاعر، ونافذة على زمن بدئي كان فيه الانسجام مع الطبيعة والذات ممكنًا. غير أن هذا الاسترجاع لا يأتي بوصفه حنينًا ساذجًا، بل باعتباره فعلًا وجوديًا مقاومًا، يعيد عبره الشاعر بناء ذاته في مواجهة التمزق والانكسار، إذ تتحول الذاكرة إلى آلية لاستعادة ما ضاع من المعنى والدفء والاكتمال.

ومن جهة ثانية، يتجلى الحب بوصفه فضاءً شعريًا بديلًا، حيث تصبح القصيدة هي المجال الوحيد الممكن لعيش التجربة العاطفية في ظل استحالة تحققها الكامل في الواقع. فالحب لا يُمارس خارج النص، بل يُعاد إنتاجه داخل اللغة، بحيث تغدو الكتابة نفسها فعل حب، وشرطًا لوجود العاطفة واستمرارها. وفي هذا السياق، لا تعود القصيدة مجرد تعبير عن الحب، بل تتحول إلى بنية توليدية تُنتج العاطفة وتمنحها شكلًا ووجودًا ومعنى، فتقوم مقام الواقع الغائب وتعيد تشكيله وفق منطق شعري خاص.

كما يتّضح أن التجربة العاطفية عند درويش تتأسس على ثنائية رمزية كبرى هي ثنائية الأرض/المرأة، حيث يحدث تماهي عميق بين الجغرافي والإنساني، بين الجسد والمكان، إلى درجة يصبح فيها الفصل بينهما أمرًا متعذرًا. فالمرأة ليست مجرد موضوع حب، بل هي امتداد للأرض، والذاكرة، والهوية، والطفولة، والخصب، في حين تتحول الأرض إلى جسد أنثوي محتوى بالرغبة والانتماء. وهكذا يغدو الحب عنده شكلًا من أشكال الانتماء الكوني، لا مجرد علاقة فردية، حيث تتداخل الذات بالوطن، والعاطفة بالقضية، والجمال بالتاريخ.

ومن جهة ثالثة، يظهر الحب عند درويش بوصفه تجربة مشروطة تاريخيًا، مرتبطة بسياق الاحتلال والقهر، حيث يفقد الحب شروطه الطبيعية ويتحول إلى تجربة محاصرة ومهددة. غير أن هذا القهر لا يلغي الحب، بل يعمّقه ويحوّله إلى شكل من أشكال المقاومة الرمزية، إذ يصبح الحب فعلًا ضد العدم، وضد النسيان، وضد الموت. ومن هنا تتولد جدلية الحب والموت، حيث لا يُفهم الموت بوصفه نهاية، بل كجزء من بنية الحب ذاته، وكشرط لبلوغ عمقه الوجودي.

وفي السياق نفسه، يتسع الغزل عند درويش ليخرج من حدوده التقليدية الضيقة نحو أفق كوني شامل، حيث لا يعود الحب مقتصرًا على المرأة، بل يمتد ليشمل الأرض، الفقراء، الخبز، السنابل، الطبيعة، والحياة نفسها. وبهذا المعنى، يتحول الحب إلى رؤية شاملة للوجود، وإلى شكل من أشكال الوعي بالعالم، يتجاوز الفردي نحو الكوني، والذاتي نحو الجماعي.

كما يبرز الحب عنده بوصفه فعل مقاومة وجودية، يعيد ترميم الذات الممزقة، ويحفظ الذاكرة من التلاشي، ويعيد إنتاج الأمل داخل واقع مأزوم. فهو ليس هروبًا من العالم، بل مواجهة له عبر اللغة، حيث تتحول العاطفة إلى طاقة خلاقة قادرة على إعادة بناء الإنسان من الداخل.

ويُضاف إلى ذلك أن حضور الحب في شعر درويش لا ينفصل عن البعد الرمزي والسياسي، إذ تتداخل صورة الحبيبة مع صورة الوطن، حتى يغدو الحب نفسه شكلًا من أشكال الوعي بالقضية، وتجليًا من تجليات الانتماء للأرض والإنسان معًا. ومن هنا، فإن التجربة العاطفية عنده لا تنفصل عن التجربة التاريخية، بل تتداخل معها في نسيج واحد يجعل من الحب خطابًا إنسانيًا شاملًا يتجاوز الفردي والخاص.

وعليه، يمكن القول إن الحب في شعر محمود درويش يتأسس بوصفه بنية وجودية متعددة المستويات، تتحرك بين الطفولة والذاكرة، بين الجسد والرمز، بين القصيدة والواقع، وبين الحياة والموت. إنه ليس مجرد إحساس عاطفي، بل مشروع لإعادة بناء الإنسان داخل اللغة، وإعادة تشكيل العالم عبر الشعر، بحيث يصبح الحب في النهاية شكلًا من أشكال مقاومة العدم، ومسارًا مفتوحًا لإنتاج المعنى داخل عالم متصدع ومفتوح على الفقدان.

خاتمة: الحب بوصفه أفقًا لإعادة بناء المعنى:

تفضي هذه الدراسة، في أفقها التركيبي، إلى أن الحب في تجربة محمود درويش لا يمكن فهمه داخل حدوده التقليدية بوصفه انفعالًا وجدانيًا أو غرضًا شعريًا معزولًا، بل ينبغي مقاربته بوصفه بنية دلالية مركبة، تتقاطع فيها مستويات متعددة من الوجود الإنساني، وتتداخل داخلها أبعاد الجسد واللغة والذاكرة والتاريخ. ومن ثمّ، فإن الحب عنده لا يُعطى كمعطى جاهز، بل يُبنى داخل التجربة، ويتشكل عبر التوتر المستمر بين الممكن والمستحيل، بين الرغبة والقهر، وبين الحياة والموت.

لقد كشفت الدراسة أن التحول الجوهري الذي يطرأ على مفهوم الحب في شعر درويش يتمثل في انتقاله من مستوى العاطفة الفردية إلى مستوى الرمز الوجودي، حيث لم تعد الحبيبة كيانا مستقلاً، بل غدت بنية رمزية تتماهى مع الأرض، وتستوعب داخلها معاني الوطن والهوية والذاكرة. وفي هذا التماهي، لا يعود الحب علاقة بين ذاتين، بل يصبح علاقة بين الإنسان والعالم، وبين الفرد وتاريخه، بما يجعل التجربة العاطفية نفسها شكلًا من أشكال الوعي الوجودي.

كما أبانت الدراسة أن الحب، في سياق التجربة الفلسطينية، يفقد شروطه الطبيعية، ويتحول إلى تجربة مأساوية محاصرة بالقهر والعنف، حيث يغدو العاشق مهددًا، واللقاء مستحيلاً، والعاطفة نفسها فعلاً إشكاليًا. غير أن هذا القهر لا يؤدي إلى انطفاء الحب، بل يعيد تشكيله في صورة أكثر كثافة، حيث يتحول إلى فعل مقاومة رمزية، يحافظ من خلاله الإنسان على إنسانيته، ويقاوم به النسيان والمحو.

وفي هذا الإطار، يتبدى الحب عند درويش بوصفه طاقة خلاقة، لا تكتفي بالتعبير عن الواقع، بل تسهم في إعادة إنتاجه دلاليًا، عبر تحويل الألم إلى معنى، والفقد إلى حضور، والموت إلى إمكانية للحياة. ومن هنا، فإن اقتران الحب بالموت لا يشكل نهاية للتجربة، بل يمثل شرطًا لتعميقها، إذ لا يُدرك الحب في أقصى تجلياته إلا في مواجهة الفقد، ولا يكتسب معناه الكامل إلا داخل أفق الزوال.

كما بيّنت الدراسة أن الغزل، في شعر درويش، لم يعد خطابًا موجّهًا نحو المرأة بوصفها موضوعًا جماليًا، بل اتسع ليشمل العالم بأسره، بحيث أصبح الحب شكلًا من أشكال الانتماء الكوني، يتجه نحو الإنسان والطبيعة والوطن، في آن واحد. وهذا الاتساع يعكس تحولًا عميقًا في بنية الخطاب الشعري، حيث يغدو الحب أداة لفهم الوجود، لا مجرد وسيلة للتعبير عن العاطفة.

وعلى هذا الأساس، يمكن القول إن تجربة محمود درويش تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي الحديث، لأنها أعادت تعريف الحب خارج ثنائية الجسد/الروح، وحررته من اختزاله الغزلي، لتجعله أفقًا أنطولوجيًا وجماليًا لإعادة بناء الإنسان في عالم مهدد بالانهيار.

نتائج الدراسة:

تُفضي هذه الدراسة إلى جملة من النتائج الأساسية التي يمكن إجمالها فيما يلي:

تحول الحب من عاطفة إلى بنية رمزية:

أثبتت الدراسة أن الحب في شعر درويش لم يعد تجربة وجدانية فردية، بل تحول إلى بنية رمزية معقدة، تتداخل فيها دلالات الجسد والوطن والذاكرة، مما يمنحه طابعًا وجوديًا شاملاً.

تماهي المرأة بالأرض:

كشفت الدراسة أن صورة المرأة في شعر درويش لا تُفهم إلا ضمن علاقتها بالأرض، حيث تتحول الحبيبة إلى تجسيد للوطن، بما يجعل الفصل بين العاطفي والوطني أمرًا متعذرًا.

تراجيدية الحب في سياق القهر:

بينت الدراسة أن الحب، في ظل الاحتلال، يفقد شروطه الطبيعية، ويتحول إلى تجربة مأساوية، حيث يصبح محاصرًا ومهددًا، مما يضفي عليه طابعًا تراجيديًا عميقًا.

الحب كفعل مقاومة:

توصلت الدراسة إلى أن الحب عند درويش يؤدي وظيفة مقاومة، إذ يحافظ على إنسانية الإنسان، ويشكل وسيلة رمزية لمواجهة العنف والنسيان.

اتساع مفهوم الغزل؛

أكدت الدراسة أن الغزل عند درويش تجاوز حدوده التقليدية، ليصبح حبًا كونيًا يشمل الإنسان والطبيعة والوطن، مما يعكس تحولًا في البنية الجمالية للشعر.

جدلية الحب والموت:

أظهرت الدراسة أن اقتران الحب بالموت يشكل بنية مركزية في تجربة درويش، حيث يتحول الموت إلى شرط لإدراك معنى الحب، لا إلى نقيض له.

البعد الفلسفي للحب:

أبرزت الدراسة أن تصور درويش للحب يلتقي مع التصورات الفلسفية التي ترى فيه تجربة تتجاوز الحسي إلى الروحي، كما عند ابن حزم الأندلسي وأفلاطون، مع احتفاظه بخصوصيته المرتبطة بالسياق التاريخي.

توصيات الدراسة:

في ضوء النتائج المتوصل إليها، تقترح هذه الدراسة عددا من التوصيات البحثية التي يمكن أن تشكل امتدادا علميا لهذا العمل.

توسيع المقاربة المقارنة:

يُستحسن إجراء دراسات مقارنة بين تجربة محمود درويش وتجارب شعرية أخرى، مثل تجربة نزار قباني، للكشف عن أوجه التشابه والاختلاف في تمثيل الحب بين البعد الذاتي والبعد الكوني.

الاشتغال على البعد السيميائي:

توصي الدراسة بتحليل الحب في شعر درويش من منظور سيميائي، للكشف عن آليات إنتاج المعنى داخل ثنائية الأرض/المرأة، وكيفية اشتغال الرمز داخل النص.

الانفتاح على المقاربات الفلسفية المعاصرة:

يمكن تعميق البحث عبر توظيف تصورات فلسفية حديثة حول الحب، خصوصًا تلك التي تدرس علاقته بالهوية والآخر، لفهم أعمق للتجربة الدرويشية.

دراسة الحب في علاقته بالذاكرة الجماعية:

تقترح الدراسة البحث في علاقة الحب بالذاكرة في شعر درويش، وكيف يتحول إلى وسيلة لحفظ التاريخ ومقاومة النسيان.

تحليل البنية الأسلوبية للحب:

يُوصى بالتركيز على الأدوات اللغوية والأسلوبية التي يوظفها درويش في بناء خطاب الحب، مثل الصورة الشعرية، والتكرار، والانزياح الدلالي.

استثمار المقاربة الثقافية:

يمكن دراسة الحب عند درويش ضمن سياق الثقافة العربية الحديثة، وربطه بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي أثرت في إعادة تعريف العاطفة.

***

بقلم د. منير محقق - باحث في الأدب والفكر والتاريخ

 

بقلم: بيث آن ييغير

ترجمة: صالح الرزوق

***

* مقدمة: "هناك نافذة تغلق بسرعة على الفرصة المتاحة لتأمين مستقبل حي ومتجدد لنا جميعا" ولتجنب النتائج الكارثية التي يسببها ارتفاع الحرارة العالمي الأنثروحيوي IPCC: 2033 *

بالرغم من قناعة أمريكيي الولايات المتحدة** أن التبدل المناخي جزء من دورة طبيعية، أو أنه كارثة تهدد الحياة، أو لعله شيء بين الحالتين، يتصرفون على أساس إنكاره. فقد تجاوز الاستهلاك والسفر مستويات ما قبل الجائحة، والخطط على قدم وساق بخصوص مشاربع الوقود الأحفوري الجديدة، ولا يوجد وعي شعبي واسع يتعامل مع الكارثة المناخية. يضاف إلى ذلك أن استطلاع الرأي الحالي يشير إلى ارتفاع في أعداد أمريكيي الولايات المتحدة، الذين يقللون من أثر ارتفاع الحرارة العالمي، ويرون أنه مبالغ به. وكذلك الأمر بالنسبة لمن يعتقد أن الأفضلية للنمو الاقتصادي وليس لحماية البيئة. فالعدد يرتفع أيضا وعلى نحو حاد (منظمة غالوب، 2022). بالإشارة لبحوث سابقة، إنكار المناخ يأخذ عدة أشكال، ابتداء من أولئك الرافضين لفكرة ارتفاع الحرارة العالمي وحتى الذين يهتمون به، لكنهم يعيشون "حياتهم كما لو أنهم 'لم' يسمعوا عنه أو لم يخافوا منه" - وربما ينطبق ذلك علينا جميعا بين حين وآخر (نورغارد 2006ب، ص 352-353). يوجد طيف عريض من الأسباب التي تقود إلى إنكار المناخ. في هذه القراءة، أدعو إلى تقصي أسباب المشاعر التي تنتابنا من جراء إنكار المناخ: وهي الشعور بالتقصير، ولا سيما في الجو العام. "فالنظام البيئي في خطر، وهذا الإحساس بالخطر يغزو عالمنا من الداخل، يغزو عقولنا، ويتسبب بخلق حالة من العجز المخزي" (ماثيرز، 2021، ص 162). وهذه المؤثرات (العجز والتقصير) تأتي مع إنكار المناخ. خجل التقصير يتسبب بالاغتراب، والعزلة والشلل (بروني، 2019. فريدريكس، 2021. تانجني & ترايسي، 2011). وهو كما يبدو وضع لا يمكن إصلاحه ويقود إلى الشعور بالعجز واليأس، الأمر الذي يودي بدوره إلى الإحساس بالخجل (ليش & سيدام، 201t. ميسيلي & كاستيلفرانشي، 2018). ولكن غالبا نحن لا نشعر بالخزي ولا نعبر عنه. الخجل ننكره، ونفصله عن أساليب دفاعية ونستره وراءها ومنها الإنكار والغضب واللوم، وسلوكيات تبدو غير خجولة، وكلها تدير مؤقتا المشاعر السيئة الناجمة عن الخجل (إتروفيتش، 2020. تانجني & ترايسي، 2011، ترايسي & روبينز، 2007).

لماذا الخجل الجماعي؟. بعيدا عن ردود الأفعال حيال الخجل الشخصي، تكون استجابة الناس (الشعور بالشيء والكلام عنه، أو إنكاره) غير مباشر، وبالنيابة عن الآخرين،، وهو بالعادة يرتكز على الهوية الاجتماعية المشتركة (ليكيل وآخرون، 202t. ليكل وآخرون، 2011. ويلتين وآخرون، 2012). والهوية الاجتماعية أداة في إنكار المناخ، لأن إنكار المناخ، كما تثبت الدراسات، يتكون اجتماعيا (كيلود وآخرون، 2016. كيلود وآخرون، 2019. نورغارد، a 2006 (2006b، 2011، . أضف إلى ذلك هناك فراغ في البحوث. حتى الآن، الذنب التراكمي الأساسي، وليس الخجل، هو الذي كان موضع البحوث. وذلك فقط، لمتابعة كيف تسبب بالسلوك البيئي (كيلود وآخرون، 2011، 2019. فرغسون & برانسكومب، 2010.، ريس وآخرون 2015). ولا توجد بحوث تفحص إذا كان الخجل الجماعي او التراكمي (أو حتى الذنب) يتدخل في إنكار المناخ. وهدفي هنا أن أشرع بملء هذا الفراغ وأوسع البحث الحالي في مجال العواطف التراكية أو عاطفة الجماعة، ليشمل إنكار البيئة باستعمال دليل موجود يشير إلى أن الخجل التراكمي (كما تشعر به وتعبر عنه، أو تنكره) هو المسؤول عن تركيب وبناء إنكار المناخ (1) إما المبني على هوية اجتماعية مشتركة أو (2) المبني على مخاطر تلحق بالهوية الاجتماعي المشتركة. بعد إعادة النظر بالخجل الجماعي، إنكار المناخ، ودليل على أن العار التراكمي الناشط في مجال إنكار المناخ، أفترض أن أي تأمل في الخجل التراكمي في مجال إنكار المناخ هو نتيجة رؤيته بعدسة نفس بيئية. فالسيكلوجيا البيئية تعترف أن البشرية لا تنفصل عن الطبيعة وهي موجودة ضمن أنظمة متشابكة، هي بنفس الوقت تصنعها الطبيعة، والإنسان. وكلاهما يؤثر بالهوية الاجتماعية (كانير، 2014). كذلك إن السيكلوجيا البيئية ورثت اهتمامات تتعلق بالبنية والنظام - النظام البيئي - حيث تتواجد المجموعات والتقاطعات التراكمية. وأقترح بالنهاية إيجاد معابر لمزيد من البحوث والمقاربات العيادية.2649 saleh

* الخزي أو العار الجماعي

العار والخجل عاطفة معقدة، وهي اجتماعية وأخلاقية (بيكالا 2022، تانجني وآخرون 2007، تانجني وترايسي 2011). وهي علائقية، تشكلت بتداخل هويات متشابكة صنعتها، بين أمور أخرى، العائلة والثقافة والمجتمع والأمة والعالم (كونستابل 1999). العار مفتاح للتطور الإنساني والاجتماعي وذلك بنقل وفرض ظواهر وقيم، إذا أهملت يمكنها أن تهدم ليس الانتماء الشخصي، ولكن أيضا البقاء الكلي للجماعة (دافيدسون وكيسينسكي 2022، ديكرسون وآخرون 2004، فيشكن 2016، كيميني وآخرون 2004). البحث في مجال العار العملي يؤكد أيضا أن الحفاظ على النفس الاجتماعية يمكنه أن يكون حرجا مثل الحفاظ على الذات الفيزيائية (ديكرسون وآخرون 2004، كيميني وآخرون 2004).

الإحساس بالعار قد يتضمن مشاعر الرفض والدونية (غوسيل وآخرون 2012)، وهو شعور مؤلم لأن التعدي يعزى لعيب في الشخصية أو مشكلة جوهرية في الهوية، بعكس الذنب، الذي يركز على السلوك العشوائي بشكل جوهري (تانجني وآخرون 2005. تانجني وآخرون 2007). أضف لذلك غالبا لا نشعر بالعار، ولكن ننكره، ولا نقر به، ونخفيه أو ندفنه (إتروفيتش 2020). ويقال إن العار ليس إشكاليا، ولكن ميكانيزم التأقلم تتضمن - الإنكار والقلق والغضب والعدائية والاغتراب والضعف والانغمار واليأس (بروني 2019، إتروفيتش 2020، ليش وسيدام 2015، لي وآخرون 2011، ميسيلي وكاستل فرانشي 2018، تانجني وترايسي 2011، ترايسي وروبنز 2007). والتركيب السيكلوجي السائد يعكس ما يلي: العار يحرص على التحاشي والإنكار والانسحاب، لكن الذنب حريص على الاقتراب والإصلاح والمحرضات الاجتماعية وتبعاتها (ليش وسيدام 2015، تانجني وآخرون 2007).

الخجل ليس تجربة شخصية فقط، ولكنه أيضا عاطفة جماعة أو حساسية مشتركة. الخجل أو الذنب الجماعي أو التراكمي قد يكون كذلم تجمعات لخبرات فردية مشتركة (باييز وآخرون 2006. بيتيغروف وبارسونز 2012). أو ربما تكون خبرات غير مباشرة لأنها معرفة أو مرتبطة بجماعة (كالود وآخرون 2016، ليكل وشركاه 2011. ريس وآخرون 2015). الخجل (أو الذنب) المرتكز على جماعة يعزى لمفهوم المرء الذاتي معكوسا من خلال جماعة - هوية اجتماعية. المخاطر التي تهدد تلك الهوية الاجتماعية تولد خجلا تراكميا أو جماعيا (كيميني وآخرون 2004، ليكل وآخرون 2005، 2011). وقد بينت البحوث أن الخجل الذي يكون أساسه الجماعة يتشكل ويتفاقم حيثما هناك هوية اجتماعية مشتركة، على الأرجح لأن الأخلاق هي مفتاح لمفهوم الهوية الاجتماعية (شيفرد وآخرون 2013، ويلتين وآخرون 2012). قد يرتكز العار أو الذنب التراكمي إما على نقد الجماعات (ما بين الجماعات) أو داخل الجماعة، وهو الشعور بالعار الذي يفرضه نقد العيب في أخلاق الجماعات أو أن النقد قد يأتي من الفحص الخارجي (غوسيل وآخرون 2012). "حينما يصنف الأفراد أنفسهم أعضاء في جماعة مسؤولة عن تصرف ضار، يمرون بعواطف تراكمية سلبية [مثل العار والخجل]، ويشعرون أن هويتهم الاجتماعية عرضة للتهديد" (كيلود وآخرون 2016 ص300). قد يكون الخجل (والذنب) المرتكز على جماعة نتيجة حاضر تاريخي إو تاريخ مستمر و/أو فشل وضرر متوقع. وقد يتضمن تجاوزات داخل أو بين الجماعات أو إلغاء ذلك، وقد يشمل كلا من العار الفعلي والمتوقع (فيرغسون برانسكومب 2014. غان وويلسون 2011، ليكل وآخرون 2011، شيفرد وآخرون 2013).

حينما تسود اهتمامات هوية الجماعة أو المجتمع يكون الخجل التراكمي أنشط وينجم عنه ردود أفعال دفاعية (غان وويلسون 2011. ليكل وآخرون 2011). وجدت دراسات محدودة شملت السلوك اللأخلاقي لداخل الجماعات أن الشعور بالعار يرتبط بدرجة معينة مع أسباب لها دوافع اجتماعية، وهو نمطيا نتيجة العار التراكمي (غوسيل وآخرون 2012). غوسيل 2012 وغوسيل وآخرون 2012 يؤكدان أن التميز يكون نتيجة للشعور بعار وراءه الرفض الاجتماعي، حيث أننا نبحث عن الإصلاح عوضا عن إنكار العار، وحينها يكون الدفاع، مثل الإنكار نفسه، سائدا. وإذا كان الاهتمام بهوية الجماعة (والعار) يحرض الإصلاح، حالما يصبح الإصلاح صعبا أو عالي الكلفة، أو أن الطريق البديل لإصلاح صورة الجماعة ذات العلاقة يكون متاحا، يتوقف العار عن تشجيع الإصلاحات (غان وولسون 2011). وفي إرساء العلاقات الداخلية والبينية يمكن لقيمة الجماعة أو تثبيتها أن تعارض الاستجابات الدفاعية بسبب العار (غان وولسون 2011).

*الخجل التراكمي في بلورة إنكار ظاهرة المناخ

من مناقشة دليل الخجل الجماعي في الهوية الاجتماعية يظهر أن للخجل دورا في التركيب الاجتماعي لظاهرة إنكار المناخ في كل طيف إنكار المناخ.

* طيف إنكار ظاهرة المناخ

يشمل إنكار المناخ نطاقا من الاستجابات لارتفاع الحرارة الكوني: إنكار حرفي وتأويلي وتداخلي لظاهرة ارتفاع الحرارة الكونية على أساس جين - أنتروبولوجي AGW (ليفيتسون وووكير 2012، نورغارد 2006 أ، 2006ب، 2011. وينتروب 2021). الإنكار الحرفي هو "الرفض العلني للحقائق" والمتعلقة بكارثة المناخ (لبفتسوز وووكير، 2012 ص279، انظر أيضا نورغارد 2011). يتداخل الإنكار الحرفي مع الشك. ومع أن الشك نمطيا يمكن تطبيقه على سيرورة ديناميكية لكن المزاعم تكون مقبولة بأدلة مؤكدة بما فيه الكفاية، يحيل الشك في إنكار المناخ إلى من يرفض الأرقام العلمية حيال ارتفاع الحرارة الكوني (لايناس وهولتون وبيري 2021)، ويتكئ على دراسات لم يتم مرتجعتها وتحكيمها، وتمولها اهتمامات بالوقود الأحفوري (جايلها 2017). الإنكار التأويلي هو مجال انتقائي وتفسير للحقائق، أو أنه يدور (نورغارد 2011) ويتداخل مع الإنكارية، حيث أن المزاعم منظمة وإيديولوجية (وينتروب 2021). (هذا الجزء من الطيف سيناقش لاحقا مع "آلة الإنكار"). كان الإنكار الحرفي والتأويلي عرضة للبحث المفصل، وتبين أنها موجودة بشكل متدرج (دونلاب 2013). الإنكار العاملي Implicatory يعترف ب AGW (تبدل المناخ بفعل الإنسان)، ولكنه يقلل من العوامل الاجتماعية والسياسية والنفسية أو الأخلاقية (نورغارد 2011). الإنكار العاملي أيضا يشمل "تبرير وعقلنة وتفادي فشل الإجراءات حينما يعرف المراقب ما يجب فعله وتتوفر لديه الإمكانات ليؤدي دوره" (ليفيتسون وواكير 2012، ص279). هذا النوع من الإنكار يماثل الصمت (الامتناع عن قطع الوعد) disavowal الذي يقر ب AGW لكنه يقلل منه (وينتروب 2012). الصمت "حالة التعرف وعدم التعرف بنفس الوقت" وهذا "جدلا الأكثر انتشارا 'و' جدلا الأكثر ضررا" (هاسلي 2019 ص110). الإنكار الحرفي والشك من جهة، والإنكار العاملي و الصمت من جهة مقابلة، يضم تقريبا المجموعتين من طرفي طيف إنكار المناخ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن "مواصلة رؤية كارثة المناخ بسياق 'واقعيون قبالة منكرين" وهو بحد ذاته شكل إنكاري" (وودبوري 2019 ص6. التأكيد على بحد ذاته من الأصل).

* دليل العار التراكمي أو الإنكار العاملي

يظهر كل من الشعور بالعار وإنكار العار بين أولئك من يتم تصنيفهم ضمن الصمت أو الإنكار العاملي، كما بينت البحوث. ألتولا 2021 ونيكل وهاسينفراتز 2021 عرفا السلوك الدفاعي تجاه تبدل المناخ حسب معايير التقصير والخجل. ملاحظة جايلها 2017 تنص على أن " التجنب والإنكار هما الأكثر احتمالا إذا شعر الأفراد بااعبء والخجل و/أو اليأس.. أو إذا غلبهم العجز عن علاج تبدل المناخ بإجراءاتهم الشخصية" ص2. وجد ليرتزمان 2015 أنه بالعكس من الرأي السائد ومفاده أن الولايات المتحدة لا تهتم بالتبدل المناخي، كان مواطنوها يهتمون كثيرا ولكنهم غير بادرين على اتخاذ إجراء حيال الموضوع، بسبب الخجل والقلق العميق والعجز وخيبة الأمل. يعرف وينتروب 2013 الصمت في إنكار المناخ بأنه طريقة لإدارة القلق الناجم عن الذنب والعار بسبب معرفة أن الجانب النرجسي في البشر هو المسؤول عن ارتفاع الحرارة العالمي. توجد أيضا أدلة محددة على وجود شعور بالخزي الجماعي في البناء الاجتماعي لإنكار تغير المناخ على هذا الجانب من الطيف. وثقت فريدريكس (2021) على نطاق واسع شعور الخزي (والذنب) بين "الناشطين البيئيين العاديين" في الولايات المتحدة الذين عبّروا عن مشاعرهم وأداروها في الأوساط الاجتماعية، كما أشارت إلى وجود دليل على خزي جماعي بسبب تدمير الإنسان للبيئة. ووجد نورغارد (2006أ، 2006ب، 2011) مؤشرات على الخزي: "الخوف من أن يكون المرء شخصا سيئا"؛ "الرغبة في الحفاظ على شعور إيجابي باحترام الذات"؛ انعدام الأمن الوجودي؛ مشاعر العجز والضعف والإرهاق، من بين أمور أخرى، "للمشاركة في نظام لم يعرفوا كيف يخرجون منه" (2011، ص195). ووجد كايو وآخرون (2019) (في فرنسا وألمانيا) الخزي ضمن المشاعر الجماعية السلبية التي تم التعبير عنها استجابة لتغير المناخ. كما وجدت دراسة (2016) آليات للتكيف لاستعادة الهوية الاجتماعية الإيجابية، مما يشير إلى ضرورة مواجهة الشعور بالخزي الجماعي. وتتمثل هذه الآليات فيما هو متوقع في حالات الإنكار والتنصل الضمني: إنكار المسؤولية أو التقليل من شأن العواقب، وتبرير النظام، وتهميش الآخرين من خلال الصور النمطية للجماعات التي قد ينظر إليها على أنها أكثر مسؤولية عن أزمة المناخ (كيلود وآخرون 2016).

* دليل العار التراكمي في الإنكار الحرفي أو الشك

على النقيض تماما من إنكار تبدل المناخ، حيث يسود التشكيك أو الإنكار التام لظاهرة الاحتباس الحراري، أُجريت أبحاث مستفيضة عن المعتقدات والمواقف المرتبطة بهذا الإنكار (بينغال، 2018؛ بينغال وهولمان، 2021؛ جايلها وآخرون، 2016؛ جايلها وهيلمر، 2020؛ مكرايت ودنلاب، 2011؛ نيلسون، 2019، 2020؛ ثوما وآخرون، 2021؛ وونغ-بارودي وفيجينا، 2020)، إلا أن أيا منها لم يتطرق إلى المشاعر الفردية أو الجماعية الكامنة. مع ذلك، تشير الأبحاث التي تناولت الهوية الاجتماعية للأفراد المنتمين لهذه المجموعة إلى وجود شعور بالخزي الجماعي، شعر به البعض، لكنهم أنكروا معظمه. بحسب دراسات واسعة النطاق، يعد الإنكار أو التشكيك الحرفي "مكونا أساسيا تقريبا" للهوية المحافظة البيضاء في الولايات المتحدة (نيلسون، 2020، ص 285؛ انظر أيضا جايلها وهيلمر، 2020؛ مكرايت ودنلاب، 2011؛ نيلسون، 2019، 2020؛ ثوما وآخرون، 2021). مع ذلك، لا تشكل أي جماعة كتلة واحدة، ولا يقتصر هذا الإنكار على المحافظين، ولا يقتصر المحافظون على هذا الإنكار. ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن ارتفاع مستوى الانتماء الأمريكي، الذي يصف هذه الجماعة أيضا، يرتبط بإنكار الضرر البيئي أو تبريره (فيرغسون وبرانسكومب، 2010). ترتبط الهوية الاجتماعية لهذه المجموعة أيضا بدعم الرئيس السابق ترامب، والمسيحية الإنجيلية، والقومية، ورأسمالية السوق الحرة، والفردية، وتبرير النظام (جايلها وهيلمر 2020، مكرايت ودنلاب 2011، نيلسون 2019، 2020، سيلفا 2019، فيلدمان 2019). تنبع مؤشرات الشعور بالعار الجماعي، التي تشكل أساس إنكار تغير المناخ لدى هذه المجموعة، من تهديدات الهوية الاجتماعية، كما يتضح من الأبحاث التي كشفت عن مخاوف معلنة من التهميش الثقافي وانحدار الجيل الجيلي (كايد 2021، نيلسون 2019، 2020، سيلفا 2019). وقد وجدت الأبحاث أيضا أن المحافظين البيض تم تنظيمهم وتعبئتهم انطلاقا من اعتقادهم أن نخبة ليبرالية علمانية تستهدفهم بصفات تدل على العار والإدانة، وأن النزعة الإنسانية العلمانية تشكل تهديدا لهويتهم الاجتماعية (سيلفا 2019، ستاين 2001، فيلدمان 2019). وبالمثل، وجد أن الشعور بالتهميش والحصار، الذي يشير إلى تهديد الهوية الاجتماعية، يمثل جوهر إنكار تبدل المناخ لدى المسيحيين الإنجيليين (فيلدمان 2019، فيلدمان وآخرون 2021). تشير الأبحاث إلى أن العديد من المحافظين البيض يعرفون أنفسهم بأنهم من الطبقة العاملة، وأن الانهيار الاقتصادي لهذه الطبقة وما نتج عنه من فقر كان مصدرا لمشاعر اليأس والعجز والإذلال، مما يدل على شعور الفرد والجماعة بالعار (نيلسون، 2019؛ بايز وآخرون، 2006؛ بيتغروف وبارسونز، 2012). وقد وجدت أبحاث أخرى أن الهشاشة والفقر والخزي غالبا ما تكون مترابطة، وأن الخزي يكون مؤلما بشكل خاص عند فقدان المكانة الاجتماعية (ستورمان ودوفورد، وبريمسر وشانتيل، 2017). بالنسبة للمحافظين البيض في المناطق الريفية (وغيرهم) الذين يعيشون في مجتمعات ريفية يعتمد اقتصادها على الجني والتنقيب، ويواجهون خطر فقدان الوظائف والمكانة الاجتماعية لتحقيق متطلبات الحياد الكربوني، فإن أزمة المناخ "تشكل... تهديدا بالإقصاء الاجتماعي"، وهو شعور مسبق بالخزي (ديفيدسون وكيسينسكي، 2022، ص6). قد تؤدي هذه المشاعر إلى شكل جماعي من الشلل، فضلا عن الهياكل الدفاعية الأيديولوجية، مثل النظر على قدم المساواة إلى الممارسات البيئية على أنها غير رأسمالية و"غير أمريكية" (ليرتزمان، 2015، ص127).

* آلة الإنكار

يمثل الإنكار التأويلي أو الإنكارية بآلة الإنكار. يستعمل مصطلح "آلة الإنكار" أو "آلة إنكار المناخ" منذ 15 عاما في الولايات المتحدة لوصف حركة بدأت في نهايات الثمانينات لتشجيع وتطبيع الشك إو إنكار المناخ حرفيا (فيلدمان 2019). يدير آلة الإنكار الإعلام المحافظ، والملاحظون والسياسيون و "المتخصصون" والعلماء المعارضون الذين تمولهم صناعة الوقود الأحفوري وغيرها من الاهتمامات المعنية والأهداف وسواها، والمحافظون البيض والمسيحيون الأنجيليون (كوان وبوساليس وكوك ونانكو 2021، دونلاب 2013، ثوما وآخرون 2021، فيلدمان 2019). تعمل آلة الإنكار لعزل جمهورها المستهدف من تأثير AGW "باستثمار استراتيجي لعدة عقود يحرص على التقليل من الثقة بالحكومة والتقليل من حماية ودعم المجتمعات المهمشة، والملونين، والجماعات غير المفضلة اقتصاديا ممن تأثر على نحو غير متوازن وغير متناسب بتغير المناخ" (باسيشيس وآخرون 2022 ص10 من 24). وكانت البحوث تستفسر إذا ما كان إنكار المناخ العلني أو الشك موجود أو أنه ملح، باستثناء حملة تضليل الآلة الإنكارية (دونلاب 2013، حايلها 2017، نيلسون 2019، فيلدمان 2019). آلة الإنكار فجرت العار والإرادة والإحساس بالخلافات حول القيم المحافظة لخلق وتمكين روابط داخل الجماعات (جايلها 2017، جايلها وآخرون 2021، نيلسون 2019، 2020، ستاين 2001، فيلدمان 2019، فيلدمان وآخرون 2021). "تبديل المناخ ظاهرة علمية فعلا، ولكنها معدلة ومعاد بناؤها في جملة ظروف من الواقع الاجتماعي" (كيلود وآخرون 2019، ص65). بذر الانقسامات بالاستناد إلى الثقافة العلمانية المحاصرة (أولئك الذين يعترفون ب AGW) الثقافة القتالية الدينية والمحافظة (أولئك من يعارضون AGW) يخلق أيضا هويات اجتماعية مستقلة بطريقة مفيدة لآلة الإنكار وهو ما يحفز على إنكار المناخ على أنها مشكلة بين الجماعات (فيلدمان 2019، فيلدمان وآخرون 2021).

* الخزي كعامل إنكار مناخي مشترك

لمواجهة أزمة المناخ، بات إيجاد أرضية مشتركة أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لا سيما مع ازدياد حدة الانقسام السياسي، أو ما يعرف بالاستقطاب العاطفي، في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة (بوكسيل، جينتزكو، وشابيرو، 2022). ويمكن القول إن إحدى المجموعتين تتصرف بما يتوافق مع الإنكار (أولئك الذين يتبنون الإنكار الحرفي والتشكيك)، بينما لا تفعل المجموعة الأخرى ذلك (أولئك الذين يقبلون ظاهرة الاحتباس الحراري، لكنهم في حالة إنكار ضمني). ولعل الشعور بالخزي الجماعي هو أحد القواسم المشتركة بين المجموعات المتباينة ظاهريا على طيف إنكار تغير المناخ، وكيف أن "الإنكار الحرفي والضمني يسيران جنبًا إلى جنب" (نورغارد، 2011، ص 181). في كل من البحث وتحليلات المفاهيم، تحرض أزمة المناخ إجراء تقييمات أخلاقية، وهذه بدورها تثير مشاعر الخزي، سواء أُقر بها أم تم تجاهلها (آلتولا، 2021؛ ماركويتز وشريف، 2012؛ ستول-كليمان وأوريوردان، 2020؛ وينتروب، 2018). وصفت أزمة المناخ بأنها "عاصفة أخلاقية عاتية"، تطالبنا بخيارات أخلاقية تجعلنا جميعا "عرضة للفساد الأخلاقي وبشدة" (غاردينر، 2011، ص 398)، وعرضة للخزي. بالنسبة للأمريكيين، يشكل تغير المناخ تهديدا للهوية الاجتماعية، والهوية الجماعية، والأمن الوجودي الذي بني بشكل هش على "نمط حياة استبدادي" (براند وويسن، 2018). قد يبدو نمط الحياة الاستهلاكي للأمريكيين وقحا، و"أصبح انعدام الحياء وبسرعة فضيلة، وأصبحت الحلول السريعة للتخلص من الشعور بالذنب مقبولة اجتماعيا على نطاق واسع" (وينتروب، 2010، ص119). مع ذلك، ربما تكون هذه الوقاحة دفاعا آخر عن الشعور بالخجل، إذ "قد يؤدي إنكار الخجل إلى أفعال تبدو (ظاهريا) وقحة" (مارشينكو، بيليتش، وإيتيروفيتش، 2021، ص S700). في كلتا الحالتين، يشترك الأمريكيون شعوريا أو لا شعوريا في "خوف مرعب ترافقها مشاعر الذنب (حيال استخدامنا للبترول أو غيره من السلوكيات الضارة المماثلة المتعلقة بالمناخ)، أو أنه يرافقها كذلك الشعور بالعجز" (نيلسون، 2020، ص284). قد يكون إلقاء اللوم على الطرف الآخر في دائرة إنكار تغير المناخ حلا سريعا آخر لتجنب الشعور بألم الخزي (وينتروب، 2021). وقد يساعد الاعتراف بالخزي الجماعي والشعور به تجاه إنكار المجموعة لتغير المناخ بشكل كبير في رأب الصدع العاطفي في هذا البلد، لا سيما وأن الخزي الجماعي المعبر عنه من قبل ما يمكن اعتباره مجموعة مرتكبة للجريمة يمكن أن يخفف من حدة التهديد المحتمل في الصراع بين المجموعات (فيرغسون وبرانسكومب، 2014). بعبارة أخرى، علينا أن نتجاوز الخزي المنكر إلى الخزي المحسوس والمعبر عنه بالندم. علاوة على ذلك "بما أن الجميع مسؤولون جزئيا على الأقل عن المشكلة، فمن ذا الذي يرفض أو يدين شخصا آخر بسبب تغير المناخ؟" (ريس وآخرون، 2015).

* كشف وتفكيك العار على أنه مقاربة نفس بيئية

قد يكون علم النفس البيئي مناسبا بشكل خاص لكشف وفك تشابك شعور الجماعة والشعور التراكمي بالعار في طيف إنكار تغير المناخ. فهو يكشف أن العمليات الجماعية، كالشعور بالخزي الجماعي وإنكار تغير المناخ، تنشأ في سياق أوسع، موجهة البشرية بعيدا عن الفردية نحو الجماعية، ونحو هوية أشمل تتضمن الطبيعة، ورؤية الذات في الآخر - وأن تكون في كل الآخرين. يظهر علم النفس البيئي أن سبب أزمة المناخ ومصدر الخزي والإنكار الناتج عنها واحد، وهو "نظرة للعالم تقوم على فصل البشرية عن بقية الطبيعة" (فريدريكس، 2021، ص84)، وهي نظرة يبدو أنها مشتركة عبر طيف إنكار تغير المناخ. إلى جانب الهويات الاجتماعية التي تشكل إنكار تغير المناخ لدى المجموعتين المذكورتين سابقا، يكمن هذا الشعور المشترك بالخزي. فبدلا من أن يؤدي ذلك إلى عجز جماعي، فإن إدراك آلية عمل هذا الخزي الجماعي - سواء أُعرب عنه بالشعور بالعار أو إنكاره - قد يشير إلى اغتراب جماعي عن الطبيعة. "إن الإصغاء إلى هذه الصرخة [صرخة العار] قد يكون بالتالي مشروعا نفسيا بيئيا ذا أهمية تاريخية بالغة، يصل مباشرة إلى جوهرنا العاطفي" (فيشر، 2013أ، ص 191). وقد يحفز الإصغاء إلى الخزي الجماعي التعاطف الذي "ينبغي أن يكون علاجا للخزي المرضي، على المستوى الفردي أو الاجتماعي" (مارسينكو وآخرون، 2021، ص S700). إن الشعور بالخزي الجماعي القائم على الاغتراب عن الطبيعة، بدلا من إنكاره، ورؤية هذا الخزي في أنفسنا وفي الآخرين، قد يسهم بشكل كبير في فك الخزي عن الهوية الاجتماعية الأمريكية ودور هذه الهوية في تشكيل إنكار تغير المناخ. مع ذلك، فإن مشكلات العمل الجماعي، مثل ظاهرة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية، يستحيل تغييرها دون معالجة المشكلات البنيوية الكامنة التي تجسد ثنائية الإنسان/الطبيعة (جاكيه، 2015). ويقدم علم النفس البيئي منظورا نقديا يكشف الظروف البنيوية والمؤسسية والمادية التي تولد كلا من ظاهرة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية وإنكار تغير المناخ (كانر، 2014؛ فلاسوف وآخرون، 2021). وبعيدا عن ثنائية النفس والطبيعة، يدرس علم النفس البيئي ثنائية المجتمع والطبيعة، و"المصادر الاجتماعية للعنف الممارس ضد الطبيعة البشرية وغير البشرية، والجذور التاريخية والثقافية والسياسية والاقتصادية لأزمة علم النفس البيئي التي نعيشها" (فيشر، 2013ب، ص 167). أحد مصادر هذا المفهوم هو "الرأسمالية المنكرة للحياة" (فيشر، 2013أ، ص 24)، التي تسمح بالاستغلال غير الأخلاقي للآخرين، بدءا من الطبيعة وصولا إلى أولئك الذين أُجبروا على لعب دور الطبيعة، والذين يتعرضون للاستغلال البشري والتربح (ميرشانت، 1980). يحظر في الولايات المتحدة بشدة انتقاد الرأسمالية، والمحظورات تدل على العار، ربما لأن الرأسمالية تكافئ الجشع والأنانية، بل وحتى انعدام الحياء (كانر، 2014)، وقد عززت ثقافة اللامبالاة، بل وحتى أنها مهدت لعدم الشعور بالخزي (وينتروب، 2021). كما أن الرأسمالية "تخلق ظروفا اجتماعية واقتصادية محفوفة بالمخاطر ومثيرة للقلق، وفي نفس الوقت تعمق حاسة انعدام الأمن والخوف الحتمي وارتباطاتها لدينا وتنظر لها كشيء يدعو للخزي والعار " (نيلسون، 2019، ص 235). وللتصدي لأزمة المناخ، يلقي النظام الرأسمالي بالمسؤولية على عاتق المستهلكين، وهذا النهج الفردي "يؤهل المرء للشعور الداخلي بالعار" (فيشر، 2013أ، ص 79، التشديد في الأصل). وهكذا، يستفيد النظام الرأسمالي من طرفي ظاهرة الاحتباس الحراري - السبب والنتيجة - من خلال تسويق سلع استهلاكية "صديقة للبيئة" أو "خضراء" لتخفيف الشعور بالعار الفردي والجماعي (على سبيل المثال، سيارتي الكهربائية لا تصدر انبعاثات كربونية مثل شاحنتك التي تعمل بالديزل)، ولكنه في الوقت نفسه يزيد من انقسامنا. كما تستهدف هذه المنتجات النساء والآباء الذين يميلون أصلا إلى الشعور بالعار البيئي في الولايات المتحدة، معتمدة على "ديناميكيات القوة غير العادلة والمعلومات المضللة التي تركز بشكل مفرط على حلول المستهلكين الفردية على حساب التغيير الاجتماعي أو السياسي" (فريدريكس، 2021، ص 127).

* الخاتمة

يمتلك الشعور بالذنب القدرة على إحداث تغيير في معتقد أو قيمة أو فعل محدد، لكن الشعور بالخزي قد يحدث تغييرا أعمق وأكثر شمولية في أنظمة المعتقدات والقيم والأفعال بأكملها (آلتولا، 2021، ص 12). يوسع إجراء بحوث محددة وموجهة نطاق الدراسات التي أُجريت حول الشعور الجماعي بالذنب والخزي لتشمل البناء الاجتماعي لإنكار تغير المناخ، وهذا من شأنه أن يؤكد أو ينفي دور الخزي الجماعي، سواء كان ذلك من خلال اعتباره جزءا من الهوية الاجتماعية أو نتيجة لتهديدات هذه الهوية. لذلك سيفتح تطبيق بحوث الخزي (والشعور التراكمي بالذنب) على إنكار تغير المناخ آفاقا بحثية واسعة. وجد الباحثون، خارج سياق إنكار تغير المناخ، أن الشعور بالخزي (والغضب) المسبق بين الجماعات، استنادا إلى ما اعتبر سلوكا غير أخلاقي داخلها - وهو ما يفترض أنه تجاوز للجماعة - قد حفز بعض أفراد الجماعة على العمل الجماعي. وقد افترض الباحثون أن الشعور بالذنب الجماعي لن يكون له نفس القدرة على العمل التي يتمتع بها الشعور بالخزي الجماعي في سياق التفاعل بين الجماعات (شيبارد وآخرون، 2013). فعلى سبيل المثال، إذا اعتبر الطيران سلوكا غير أخلاقي داخل الجماعة وتجاوزا بين الجماعات [على الطبيعة؛ ريس وآخرون (2015)]، فهل يمكن أن يحفز ذلك العمل الجماعي؟ وإن لم يكن كذلك، فلماذا؟ إن تطبيق أبحاث أخرى حول الخزي الجماعي على إنكار تغير المناخ قد يكشف، جزئيا، كيف يمكن تحويل سيكولوجية إنكار تغير المناخ من مجرد انفصال أخلاقي إلى إحداث تغيير اجتماعي (ستول-كليمان وأوريوردان، 2020). قد تتناول الأبحاث المستقبلية آثار الانتماء داخل المجموعة وبين المجموعات، استنادا إلى المجموعتين اللتين ناقشتهما سابقا، أو آثار توسيع تعريف المجموعة ليشمل جميع الأمريكيين. مؤخرا، رأيت ملصقا على سيارة كتب عليه: "تغير المناخ؟ مجرد طقس، يا غبي!"، فانحنيت إلى الأمام، وانقبض صدري - رد فعل فسيولوجي فطري تجاه موقف مخجل، وهو نفس رد الفعل الذي وجد في بحث حول الخجل أُجري في بيئة طبيعية، دون الاعتماد على مواقف مختلقة أو متخيلة لاستحضار التقرير الذاتي [تريسي وماتسوموتو (2008)، دراسة تقارن بين رياضيين مبصرين، ومكفوفين، ومكفوفين خلقيا، عبر ثقافات مختلفة]. أدركت على الفور رد فعلي الجسدي قبل أن يتدخل شعور الدفاع (لست غبيا!). مع ذلك، لم تكن ردود أفعالي بسبب أدائي المخجل، بل بسبب أداء شخص آخر، شخص اعترفت له، ولو للحظة، بأنه من مجموعتي. قد يركز البحث على مجموعة داخلية محددة، على سبيل المثال، الإنكار الحرفي للمناخ أو الشك فيه، حيث من غير المرجح أن يؤدي الاحتباس الحراري إلى فشل أخلاقي، على الدفاعات التي قد تخفي الشعور بالعار أو البحث عن استجابات فسيولوجية للعار الجماعي - الاستجابات الوضعية الفطرية، أو ردود الفعل على الإجهاد التي يظهرها أولئك الذين يمثلون تهديدات مزمنة للذات الاجتماعية مثل زيادة إنتاج الكورتيزول ونشاط السيتوكينات المشجعة للالتهابات، وانخفاض الاستجابات المناعية العامة (كيميني وآخرون 2004). قد يكشف البحث في الشعور بالخزي الجماعي في سياق إنكار تغير المناخ عن "نقطة مثالية" يمكن عندها الشعور بالخزي الجماعي وتحفيز العمل الجماعي أو الإصلاحات، قبل أن يتحول إلى موقف دفاعي وإنكاري؛ وإذا ما تحول، فهل يمكن إعادته إلى تلك النقطة المثالية من خلال تأكيد الذات الجماعية أو تقديرها (غوزيل, 2012. غان وويلسون 2011. ليكل وآخرون 2011. ريس وآخرون 2015). كما يجب أن يأخذ هذا البحث في الحسبان تكاليف الإصلاحات، ويتوقع أنها باهظة، إذا أراد الأمريكيون الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية، وفي هذا الحال ستعاكس الأثر المحرض للخزي. بدلا من ذلك، قد يتفاعل الأفراد مع الشعور بالعار من خلال تلميع الهوية، على سبيل المثال، عن طريق التضليل البيئي، أو إذا رفضت المجموعة الداخلية القيم الأساسية (على سبيل المثال، الوصول إلى صافي الصفر)، فقد يتم تشجيع تلك المجموعة اجتماعيا على أن تكون معادية للعار المناخي، مما يجعلها أكثر رسوخا في إنكارها للمناخ (ألتولا 2021. يادين 2023). أخيرا، ثمة حاجة إلى بحث حول ما إذا كان شعور الجماعة بالعار أو الخزي التراكمي يشترك في عنصر يربط بين إنكار تغير المناخ وما أسميه الأمراض المصاحبة له، أي العنصرية، والتمييز الجنسي، ورهاب المثلية، والتمييز على أساس السن، وكراهية الأجانب، والتوجه نحو الهيمنة الاجتماعية، والتمييز ضد الحيوانات، استنادا إلى دراسات سابقة وجدت أن هذه الآراء أو ما شابهها ترتبط بالإنكار والتشكيك الحرفيين (أجيوس وآخرون، 2020. بينغال، 2018؛ بينغال وهولمان، 2021. كافيولا وآخرون، 2019. دهونت وآخرون، 2016). قد يكشف هذا البحث عن وجود علاقات متبادلة عبر طيف الإنكار، و/أو يسلط الضوء على كيفية دعم حركات العدالة البيئية التي تتناول تقاطع هذه الأمراض المصاحبة لإنكار تغير المناخ (كايزر وكرونسيل، 2014). ومع ذلك صعوبات البحث في الشعور بالخزي لدى الأفراد تنطبق أيضاً على دراسة الخزي الجماعات أو العار الجماعي. فعلى الرغم من البناء النفسي السائد للخزي في مقابل الشعور بالذنب، فقد تم تصور الخزي وقياسه بطرق متنوعة، بل ومتضاربة (غوزيل وآخرون 2012). ويستخدم الباحثون والمشاركون على حد سواء مصطلحي الشعور بالذنب والخزي بشكل متبادل، كما أنهما غير محددين بدقة في الأدبيات العلمية والأكاديمية (فريدريكس 2021، كاشادوريان 2010). ويشير تحليل ودراسات أخرى إلى أنه على الرغم من أن الشعور بالذنب والخزي عاطفتان متمايزتان، إلا أنهما تتعايشان، ويتم الخلط بينهما أو دمجهما مع عواطف أخرى ذات صلة (مثل الندم والإذلال والإحراج). تتشابه هذه المشاعر في شدتها وقوتها، وتؤدي إما إلى سلوك اجتماعي إيجابي أو سلوك دفاعي عن النفس (غوزيل 2021، غوزيل وآخرون 2012، ليش وسيدام 2015، ميسيلي وكاستيل فرانشي 2018). كما أن تحديد الشعور بالخزي قد يكون صعبا لأن "آليات الدفاع ضد الخزي تخفي وراءها قدرة على التكيف أو انعدام الخزي"، و"إن مساواة تجربة الخزي بما يتم الاعتراف به فقط، بدلا من الاعتماد على التقرير الذاتي، لا يعني فقط تجاهل العمليات اللاواعية، بل يعني أيضا تعزيزها" (إتيروفيتش 2020 ص 346). بغض النظر عن البحوث الكمية أو النوعية، فإن كيفية عمل الشعور بالخزي الجماعي في إنكار تغير المناخ له تداعيات سريرية محتملة. قد يكون هناك عميل أو مريض يعاني من قلق بيئي أو قلق مناخي، وقد يكون الخزي كامنا لديه (سواء شعر به أو عبر عنه أو أنكره)، ليس بسبب سلوكه أو تصرفاته، بل بدلا من ذلك أو بالإضافة إليه، بسبب سلوك أو تصرفات مجموعته، مهما كان نطاقها، ولكنها مع ذلك مجموعة يتماهى معها، سواء كانت عائلة أو مجتمعا أو جماعة أو ثقافة أو نوعا، أو حتى أمريكيين آخرين باعتبارهم رمزا لعصر الأنثروبوسين والذين ساهموا بشكل غير متناسب في أزمة المناخ (جنسن، 2019؛ بيهكالا، 2022). في الواقع، يفاقم الخزي والقلق - بما في ذلك القلق المناخي - بعضهما البعض في حلقة تغذية راجعة إيجابية (مارسينكو وآخرون، 2021؛ وينتروب، 2013، 2021). كذلك، قد يرى الشخص الذي يعمل مع المجموعات، حتى الصغيرة منها، الديناميكيات التي نوقشت هنا على أنها جزء من العار الجماعي الذي يعمل في الهوية الاجتماعية، والذي بدوره يبني إنكار المناخ في نقاط مختلفة عبر طيف الإنكار. تشكل أزمة المناخ مفارقة تشبه معضلة السجين: فما هو الأفضل للجماعة (مثل الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية) ليس بالضرورة الأفضل للفرد المستهلك الحر، على الأقل ليس على المدى القصير (انظر غاردينر، 2011). كما ينشأ الشعور بالخزي من التعرض للخداع - فمن يخدعني مرة، يعود العار عليه؛ وإذا خدعت مرتين، يقع العار علي. وقد انعكس هذان الأمران في دراسة جماعية كشفت أن أولئك الذين يقرون بظاهرة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية يدافعون عن التخفيف من آثارها، لكنهم "يفضلون تبني إجراءات فردية لا تتطلب تخفيضات كبيرة في استهلاكهم للطاقة والموارد طالما لم يبدأ الآخرون بذلك" (ستول-كليمان وأوريوردان، 2020، ص 12). ويشير هذا إلى أن مواجهة الاحتباس الحراري الناتج عن الأنشطة البشرية تتطلب عملا جماعيا، وتضحيات جماعية تخفف من قلق التضحية الفردية والتعرض للخداع (ستول-كليمان وأوريوردان، 2020؛ وينتروب، 2021). على الرغم من ذلك، فإن الشعور بالخزي والتعبير عنه يمكن أن يعزز الروابط الجماعية (فريدريكس، 2021؛ بايز وآخرون، 2006؛ بيتيغروف وبارسونز، 2012)، ويعيد الهوية الجماعية الإيجابية ويلهم العمل الجماعي والتعويض (مارسينكو وآخرون، 2021؛ بايز وآخرون، 2006) - وكلها ستكون ضرورية لضمان مستقبل جماعي مؤهل للعيش ومستدام.

***

......................

* بيث آن ييغر Beth Anne Yeager حقوقية أمريكية وناشطة في مجال البيئة والحقوق المدنية والتمييز العنصري والتحرش الجنسي في أماكن النشاط والتوظيف والعمل.

ملاحظات

مصطلح أمريكي - الولايات المتحدة تقلل من النزوع الإمبريالي والعرقي في استخدام كلمة "أمريكي" للإشارة إلى شعب الولايات المتحدة (فريدريكس 2021). وكما ذكر موريسون (1970) كلمة "أمريكي" تدل على معنى أبيض، وتجعل من كل الآخرين تابعين.

المراجع

Aaltola E. (2021). Defensive over climate change? Climate shame as a method of moral cultivation. Journal of Agricultural and Environmental Ethics, 34, 1–23.

Agius C., Rosamond A. B., & Kinnvall C. (2020). Populism, ontological insecurity and gendered nationalism: Masculinity, climate denial and Covid-19. Politics, Religion & Ideology, 21, 432–450.

Basseches J. A., Bromley-Trujillo R., Boykoff M. T., Culhane T., Hall G., Healy N., … Stephens J. (2022). Climate policy conflict in the U.S. states: A critical review and way forward. Climatic Change, 170, 32.

Benegal S., & Holman M. R. (2021). Understanding the importance of sexism in shaping climate denial and policy opposition. Climatic Change, 167, 1–19.

Benegal S. D. (2018). The spillover of race and racial attitudes into public opinion about climate change. Environmental Politics, 27, 733–756.

Boxell L., Gentzkow M., & Shapiro J. M. (2022). Cross-country trends in affective polarization. Review of Economics and Statistics, 1–60. Retrieved from https://doi.org/10.1162/rest_a_01160

Brand U., & Wissen M. (2018). What kind of great transformation? The imperial mode of living as a major obstacle to sustainability politics. GAIA, 27, 287–292.

Bruni L. (2019). Shame as a form of alienation: On sociological articulation of Rahel Jaeggi's theory. Societa´ Mutamento Politica, 10, 229–237.

Caillaud S., Bonnot V., Ratiu E., & Krauth-Gruber S. (2016). How groups cope with collective responsibility for ecological problems: Symbolic coping and collective emotions. British Journal of Social Psychology, 55, 297–317.

Caillaud S., Krauth-Gruber S., & Bonnot V. (2019). Facing climate change in France and Germany: Different emotions predicting the same behavioral intentions?. Ecopsychology, 11, 49–58.

Caviola L., Everett J. A. C., & Faber N. S. (2019). The moral standing of animals: Towards a psychology of speciesism. Journal of Personality and Social Psychology, 116, 1011–1029.

Coan T. G., Boussalis C., Cook J., & Nanko M. O. (2021). Computer-assisted classification of contrarian claims about climate change. Scientific Reports, 11, 22320.

Constable L. (1999). Introduction—States of shame. L'Esprit Createur, 39,

Davidson D. J., & Kecinski M. (2022). Emotional pathways to climate change responses. Wiley Interdisciplinary Reviews: Climate Change, 13, e751.

Dhont K., Hodson G., & Leite A. (2016). Common ideological roots of speciesism and generalized ethnic prejudice: The social dominance human–animal relations model (SD-HARM). European Journal of Personality, 30, 507–522.

Dickerson S. S., Gruenewald T. L., & Kemeny M E. (2004). When the social self is threatened: Shame, physiology, and health. Journal of Personality, 72, 1191–1216.

Dunlap R. E. (2013). Climate change skepticism and denial: An introduction. American Behavioral Scientist, 57, 691–698.

Eterović M. (2020). Recognizing the role of defensive processes in empirical assessment of shame. Psychoanalytic Psychology, 37, 344–349.

Ferguson M. A., & Branscombe N. R. (2010). Collective guilt mediates the effect of beliefs about global warming on willingness to engage in mitigation behavior. Journal of Environmental Psychology, 30, 135–142.

Ferguson M. A., & Branscombe N. R. (2014). The social psychology of collective guilt. In C. von Scheve, & M. Salmela (eds.), Collective emotions: Perspectives from psychology, philosophy, and sociology (pp. 251–265). Oxford University Press

Fisher A. (2013a). Radical psychology: Psychology in the service of life (2nd ed.). State University of New York.

Fisher A. (2013b). Ecopsychology at the crossroads: Contesting the nature of a field. Ecopsychology, 5, 167–176.

Fishkin G. L. (2016). The science of shame and its treatment. Parkhurst Brothers Publishers.

Fredericks S. E. (2021). Environmental guilt and shame: Signals of individual & collective responsibility & the need for ritual responses. Oxford University Press.

Gallup Organization. (2022). In depth: Topics A to Z: Environment. Retrieved from https://news.gallup.com/poll/1615/environment.aspx

Gardiner S. M. (2011). A perfect moral storm: The ethical tragedy of climate change. Oxford University Press.

Gausel N. (2012). Facing in-group immorality: Differentiating expressed shame from expressed guilt. Rev Eur Stud, 4, 1.

Gausel N., Leach C. W., Vignoles V. L., & Brown R. (2012). Defend or repair? Explaining responses to in-group moral failure by disentangling feelings of shame, rejection, and inferiority. Journal of personality and social psychology, 102, 941.

Gunn G. R., & Wilson A. E. (2011). Acknowledging the skeletons in our closet: The effect of group affirmation on collective guilt, collective shame, and reparatory attitudes. Personality and Social Psychology Bulletin, 37, 1474–1487.

Harrison P. R., & Mallett R. K. (2013). Mortality salience motivates the defense of environmental values and increases collective ecoguilt. Ecopsychology, 5, 1–2.

Haseley D. (2019). Climate change: Clinical considerations. International Journal of Applied Psychoanalytical Studies, 16, 109–115.

IPCC. (2023). Summary for policymakers. In P. Arias, M. Bustamante, I. Elgizouli, G. Flato, M. Howden, C. Me´ndez, …, N. Yassaa (eds.), Synthesis report to the sixth assessment report of the intergovernmental panel on climate change. https://report.ipcc.ch/ar6syr/pdf/IPCC_AR6_SYR_SPM.pdf

Jacquet J. (2015). Is shame necessary? New uses for an old tool. Pantheon.

Jensen T. (2019). Guilty of shame in the anthropocene. In T. Jensen (ed.), Ecologies of guilt in environmental rhetorics (pp. 103–121). Palgrave Macmillan.

Jylhä K. M. (2017). Denial versus reality of climate change. In D. A. DellaSala, & M. I. Goldstein (eds.), Encyclopedia of the anthropocene (pp. 487–492). http://dx.doi.org/10.1016/B978-0-12-409548-9.09762-1.

Jylha¨ K. M., Cantal C., Akrami N., & Milfont T. L. (2016). Denial of anthropogenic climate change: Social dominance orientation helps explain the conservative male effect in Brazil and Sweden. Personality and Individual Differences, 98, 184–187.

Jylha¨ K. M., & Hellmer K. (2020). Right-wing populism and climate change denial: The roles of exclusionary and anti-egalitarian preferences, conservative ideology, and antiestablishment attitudes. Analyses of Social Issues and Public Policy, 20, 315–335.

Kaijser A., & Kronsell A. (2014). Climate change through the lens of intersectionality. Environmental Politics, 23, 417–433.

Kanner A. D. (2014). Ecopsychology's home: The interplay of structure and person. Ecopsychology, 6, 69–80.

Katchadourian H. (2010). Guilt: The bite of conscience. Stanford General Books.

Kemeny M. E., Gruenewald T. L., & Dickerson S, S. (2004). Shame as the emotional response to threat to the social self: Implications for behavior, physiology, and health. Psychological Inquiry, 15, 153–160.

Kydd A. H. (2021). Decline, radicalization and the attack on the U.S. Capitol. Violence: An International Journal, 2, 3–23.

Leach C. W., & Cidam A. (2015). When is shame linked to constructive approach orientation? A meta-analysis. Journal of Personality and Social Psychology, 109, 983–1002.

Lee D. A., Scragg P., & Turner S. (2011). The role of shame and guilt in traumatic events: A clinical model of shame-based and guilt-based PTSD. British Journal of Medical Psychology, 74, 451–466.

Lertzman R. (2015). Environmental melancholia: Psychoanalytic dimensions of engagement. Routledge.

Levitson Z., & Walker I. (2012). Beliefs and denials about climate change: An Australian perspective. Ecopsychology, 4, 277–284.

Lickel B., Schmader T., Curtis M., Scarnier M., & Ames D. R. (2005). Vicarious shame and guilt. Group Processes & Intergroup Relations, 8, 145–157.

Lickel B., Steele R. R., & Schmader T. (2011). Group-based shame and guilt: Emerging directions in research. Social and Personality Psychology Compass, 5, 153–163.

Lynas M., Houlton B. Z., & Perry S. (2021). Greater than 99% consensus on human caused climate change in the peer-reviewed scientific literature. Environmental Research Letters, 16, 114005.

Marčinko D., Bilić V., & Eterović M. (2021). Shame and Covid-19 pandemic. Psychiatria Danubia, 33, 697–701.

Markowitz E. M., & Shariff A. F. (2012). Climate change and moral judgement. Nature Climate Change, 2, 243–247.

Mathers D. (2021). Time, intuition and imagination. In D. Mathers (ed.), Depth psychology and climate change: The green book (pp. 161–176). Routledge.

Merchant C. (1980). The death of nature: Women, ecology, and the scientific revolution. Harper & Row.

McCright A. M., & Dunlap R E. (2011). Cool dudes: The denial of climate change among conservative white males in the United States. Global Environmental Change, 21, 1163–1172.

Miceli M., & Castelfranchi C. (2018). Reconsidering the differences between shame and guilt. Europe's Journal of Psychology, 14, 710–733.

Morrison T. (1970). The bluest eye. Holt, Rinehart and Winston.

Neckel S., & Hasenfratz M. (2021). Climate emotions and emotional climates: The emotional map of ecological crises and the blind spots on our sociological landscapes. Social Science Information, 60, 253–271.

Nelson J. (2019). Psychodynamics and their associated myths and fantasies in the contemporary American right wing. International Journal of Applied Psychoanalytical Studies, 16, 229–243.

Nelson J. (2020). Petro-masculinity and climate change denial among white, politically conservative American males. International Journal of Applied Psychoanalytical Studies, 17, 282–295.

Norgaard K. M. (2006a). “People want to protect themselves a little bit”: Emotions, denial, and social movement nonparticipation. Sociological Inquiry, 76, 372–396.

Norgaard K. M. (2006b). “We don't really want to know”: Environmental justice and socially organized denial of global warming in Norway. Organization & Environment, 19, 347–370.

Norgaard K. M. (2011) Living in denial: Climate change, emotions and everyday life. The MIT Press.

Páez D., Marques J., Valencia J., & Vincze O. (2006). Dealing with collective shame and guilt. Psicología Política, 32, 59–78.

Pihkala P. (2022). Toward a taxonomy of climate emotions. Frontiers in Climate, 3, 738154. Shame: A case study of collective emotion. Social theory and practice, 38, 504–530

Rees J. H., Klug S., & Bamberg S. (2015). Guilty conscience: Motivating pro-environmental behavior by inducing negative moral emotions. Climatic change, 130, 439–452.

Shepherd L., Spears R., & Manstead A. S. (2013). ‘This will bring shame on our nation’: The role of anticipated group-based emotions on collective action. Journal of Experimental Social Psychology, 49, 42–57.

Silva E. O. (2019). Donald Trump's discursive field: A juncture of stigma contests over race, gender, religion, and democracy. Sociology Compass, 13, e12757.

Stein A. (2001). Revenge of the shamed: The Christian right's emotional culture war. In J. Goodwin, J. M. Jasper, & F. Polletta (eds.), Passionate politics: Emotions and social movements (pp. 115–131). The University of Chicago Press.

Stoll-Kleemann S., & O'Riordan T. (2020). Revisiting the psychology of denial concerning low-carbon behaviors: From moral disengagement to generating social change. Sustainability, 12, 935.

Sturman E. D., Dufford A., Bremser J., & Chantel C. (2017). Status striving and hypercompetitiveness as they relate to overconsumption and climate change. Ecopsychology, 9, 44–50.

Tangney J. P., Mashek D., & Stuewig J. (2005). Shame, guilt, and embarrassment: Will the real emotion please stand up?. Psychological Inquiry, 16, 44–48.

Tangney J. P., Stuewig J., & Mashek D. (2007). Moral emotions and moral behavior. Annual Review of Psychology, 58, 345–372.

Tangney J. P., & Tracy J. (2011). Self-conscious emotions. In M. Leary, & J. P. Tangney (eds.), Handbook of self and identity. Guilford Press.

Thoma M. V., Rohleder N., & Rohner S. L. (2021). Clinical ecopsychology: The mental health impacts and underlying pathways of the climate and environmental crisis. Frontiers in Psychiatry, 12, 1–20.

Tracy J. L., & Matsumoto D. (2008). The spontaneous expression of pride and shame: Evidence for biologically innate nonverbal displays. PNAS, 105, 11655–11660.

Tracy J. L., & Robins R. W. (2007). The self in self-conscious emotions: A cognitive appraisal approach. In J. L. Tracy, R. W. Robins, & J. P.Tangney (eds.), The self-conscious emotions: Theory and research. Guilford Press.

Veldman R. G. (2019). The gospel of climate skepticism: Why evangelical Christians oppose action on climate change. Univ of California Press.

Veldman R. G., Wald D. M., Mills S. B., & Peterson D. A. (2021). Who are American Evangelical Protestants and why do they matter for U.S. climate policy?. Wiley Interdisciplinary Reviews: Climate Change, 12, e693.

Vlasov M., Heikkurinen P., & Bonnedahl K. J. (2021). Suffering catalyzing ecopreneurship: Critical ecopsychology of organizations. Organization. [Epub ahead of print];

Weintrobe S. (2010). Engaging with climate change means engaging with our human nature. Ecopsychology, 2, 119–120.

Weintrobe S. (2013). The difficult problem of anxiety in thinking about climate change. In S. Weintrobe (ed.), Engaging with climate change: Psychoanalytic and interdisciplinary perspectives (pp. 33–47). Routledge.

Weintrobe S. (2018). Climate change: The moral dimension. The British Journal of Psychotherapy Integration, 14, 64–70.

Weintrobe S. (2021). Psychological roots of the climate crisis: Neoliberal exceptionalism and the culture of uncare. Psychoanalytic Horizons.

Welten S. C., Zeelenberg M., & Breugelmans S. M. (2012). Vicarious shame. Cognition & Emotion, 26, 836–846.

Wong-Parodi G., & Feygina I. (2020). Understanding and countering the motivated roots of climate change denial. Current Opinion in Environmental Sustainability, 42, 60–64.

Yadin S. (2023). Regulatory shaming and the problem of Corporate Climate Obstruction. Harvard Journal on Legislation, 60, (forthcoming). https://papers.ssrn.com/sol3/papers.cfm?abstract_id=4215387.

Woodbury Z. (2019). Climate trauma: Toward a new taxonomy of trauma. Ecopsychology, 11, 1–8.

*الهيئة الحكومية للتبدل المناخي.

*هذه ترجمة للمقالة التالية:

Collective Shame in Climate Denial: An Ecopsychological Undertaking. Beth Anne Yeager

Ecopsychology. Volume 16, Issue 1. March 2024.

مقدمة: ثمة مقتضيات وضرورات عديدة، تدفعنا إلى القول: أن الاجتماع الوطني، لا يمكنه الدخول النوعي في حركة العصر واستيعاب منجزاته ومكاسبه، وتمثل القيم والمبادئ الرافعة إلى التطور والتقدم، بدون الانخراط في مشروع الإصلاح الديني، نتجاوز من خلاله فهمنا القشري لقيم الدين، ونحرر وعينا الديني من الخرافة والتقليد واجترار الحواشي والشروح، والدفع بعملية الاجتهاد والتجديد والإبداع إلى الأمام.

والإصلاح الديني الذي نرى ضرورته ونشعر بأهمية تجاوز الكثير من معوقات التقدم لا يعني رفض قيم الدين أو الخروج عن ضوابطه ومتطلباته. وإنما يعني إعادة تأسيس فهمنا للدين بعيدا عن الآحادية في التفكير والقشرية في الفهم والتعامل مع الاجتهادات الإنسانية في فهم الدين بعيدا عن التقديس الأعمى أو مفهوم الحقائق المطلقة. بل هي إفهام مرتبطة بزمان ومكان محددين وعلينا فهم هذه الاجتهادات واحترامها، ولكن دون إلغاء عقولنا أو التعامل مع تلك الاجتهادات وكأنها نصوص خالدة لا تقبل المناقشة والجدل والحوار. فبدون تحرير وعينا وفهمنا من عوائق الجمود والحرفية والتأخر، لن نتمكن من الولوج في مشروع التقدم والتطور الإنساني والحضاري.

لذلك فإن الإصلاح الديني وتجاوز الفهم الآحادي والمتعسف لقيم الدين، من الضرورات القصوى التي تؤهلنا لبناء واقع مجتمعي جديد. فالكثير من متطلبات التقدم وعوامل الرقي، لا يمكن القبض عليها اجتماعيا، بدون عملية الإصلاح الديني التي تحرر الفهم والرؤية من الجمود والقشرية، وتعيد صياغة الوعي على أسس القيم الحضارية التي نادى بها الدين، وعمل من أجلها أهله عبر المسيرة التاريخية الطويلة. " نعم، إن المعركة خيضت عربيا على امتداد القرن العشرين من أجل حيازة بعض أسباب الانتهاض المجتمعي، من جنس المعركة ضد الأمية، والتخلف، والاستبداد، ومن أجل التعليم والتنمية والديمقراطية، لم تكن في حصيلتها الإجمالية صفرا على اليسار، بل أنجزت الكثير من المهام وراكمت الكثير من المكتسبات، ومع ذلك، من ينفي أنها كانت دون ما تطلع إليه النهضويون الاصلاحيون منذ أزيد من قرن، ومن ينفي أنها ما زالت حتى اليوم ضعيفة الاستجابة لحاجات موضوعية ضاغطة ومستمرة بل دون معدل مطالبها ؟ سيقول قائل إن ذلك من حصيلة سياسات غير رشيدة درجت عليها النخب والسلط، ونحن لا نشك في ذلك، ولكن هل فكرنا مثلا في حلقات نهضوية تحتية عليها يقوم صرح السياسات والبرامج، وعلى هديها تترشد تلك. هل فكرنا في علاقة ذلك القصور بالإخفاق الذي مني به مشروع الإصلاح الديني " (1).

فالبنية التحتية لعملية الإصلاح الشامل في الاجتماع الوطني، لا يمكن أن تنجز دون الانخراط الفعلي والنوعي في عملية الإصلاح الديني الذي يوفر لنا إمكانيات هائلة على المستويات الثقافية والاجتماعية والسياسية.

فالنزعة الإصلاحية التي نطالب بها في قراءتنا ووعينا للدين وقيمه تعني فيما تعني النقاط التالية:

نقد الفهم الآحادي:

أن الدين الإسلامي بقيمه ومبادئ وتاريخه، حافل بالغنى والاتساع والتعدد. إذ أنه شكل علامة فارقة ومنعطفا ضخما في التاريخ الإنساني قاطبة، ولا ريب أن العمل على حصر هذه القيم والمبادئ بفهم بشري واحد، من الخطايا والأخطار الكبرى التي تواجهنا اليوم. وقد كلفنا توجه البعض إلى فرض رؤيتهم وتفسيرهم الخاص للدين على المجتمع الكثير من المآزق والمخاطر.

وذلك لأن هذا الفهم الآحادي للدين يفقر قيم الدين، ولا يجعل المسلمين اليوم على تواصل رحب مع كل قيم وآفاق الدين الواسعة، لذلك فلا يمكن أن تختزل الإسلام بقيمه ومبادئه وثرائه المعرفي والإنساني والحضاري بفهم واحد ورؤية واحدة، لا تمتلك القدرة المنهجية والمعرفية على إدراك واستيعاب كل قيم الدين.

من هنا فإن من أهم خطوات الإصلاح الديني في مجالنا الوطني هو: القبول والاعتراف الصريح والتام بوجود قراءات متعددة للدين. وأن هناك تفسيرات ثرية لقيم الدين، نحن بحاجة إلى احترامها وفسح المجال لنتاجها ومنهجها للعمل في الاجتماع الوطني في مختلف الدوائر والمستويات.

وإن الوعي الديني السائد في كثير من صوره وأشكاله، هو أحد المسئولين المباشرين عن الاحتقانات الاجتماعية والسياسية والمآزق الوطنية. لذلك فإن عملية الإصلاح الوطني، بحاجة إلى ممارسة قطيعة فكرية وعملية مع مقولات الوعي الديني التي تغرس الفرقة والتشتت بدعاوي مذهبية أو طائفية، أو تمارس دور الوصاية والاحتكار لفهم قيم الدين. حيث أن كل فهم، لا ينسجم وتصوراتهم ينعت بالزيغ والضلال والكفر. فلا يمكن بأي حال من الأحوال، اختزال فهم الإسلام بطريقة واحدة، وإصرار البعض على ذلك، وممارسة القهر والغرض والإكراه في سبيل ذلك، ساهم بشكل مباشر في تفاقم التوترات وازدياد المشكلات في الحياة الإسلامية ذات الطابع المذهبي والطائفي. ولقد كلف هذا النهج والمنحى الأمة والوطن الكثير من الإخفاقات والخسائر على المستويين الداخلي والخارجي. فبفعل هذه العقلية وممارساتها الخاطئة والعنيفة ورهاناتها البائسة، تحول الإسلام إلى عدو رئيسي للكثير من الدول والأمم والشعوب، وبدأت من جراء ذلك تمارس مضايقات حقيقية على الوجود الإسلامي هناك.

وعلى المستوى الداخلي تحول هذا النهج إلى صانع للتوترات والأزمات والعنف. ونظرة واحدة إلى مناطق التوتر والعنف والعنف المضاد في العالم الإسلامي، نجد أن لهذا النهج الإقصائي والعنفي دور في بروز هذه الأزمات والمآزق.

 وعلى كل حال، إننا لا نستطيع أن نطور فهمنا ومعرفتنا إلى قيم الدين الإسلامي ودورها في الحياة العامة، بدون ممارسة نقد حقيقي ونوعي تجاه الفهم الآحادي للدين، والذي يستخدم القهر والإكراه للخضوع والالتزام بقيم الدين.

 إن الإصلاح الديني المنشود، يتطلع للوقوف بحزم ضد كل محاولات حصر الدين الإسلامي بفهم بشري واحد، وممارسة الإكراه في سبيل تثبيت هذا الفهم في الحياة العامة للمسلمين. وذلك لأن الفهم الآحادي للدين بكل توابعه وتأثيراته، هو صانع للفرقة والانشقاق والفتنة في الأمة، ولا يمكن الخروج من هذه المحن لا بنقد وممارسة القطيعة المعرفية مع كل المنهجيات والمحاولات التي تختزل الإسلام في فهم معين.

صحيح أن الدين الإسلامي يحتضن جملة من الثوابت لا يمكن تجاوزها، ولكن فهم هذه الثوابت متعددة ومتنوع، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إقصاء هذه الأفهام والرؤى من الدائرة الإسلامية. والذي يخالف هذا الفهم أو يقف منه موقف المناقض، لا يتهم بالضلال والزيغ والخروج على مقتضيات الصراط المستقيم. وذلك لأن هذا الفهم البشري لا يلزم إلا أصحابه، وأي محاولة لإضفاء صفة الخلود على هذا الفهم، هو إدخال للمجتمع والأمة في أتون الصراعات الدينية والمذهبية.

من هنا ومن منطلق نقد الفهم الآحادي للإسلام، نحن بحاجة إلى إعادة بناء تصوراتنا الثقافية والاجتماعية عن الاجتهاد والتعدد الفكري والمذهبي والاختلاف والتنوع على أسس جديدة، يحتضنها المشترك الديني والوطني.

 فالاختلاف ليس حالة مرذولة ومذمومة، وإنما المرذول والمذموم هو الفرقة والانقسام. والتعدد والتنوع المذهبي والفكري، ليس زيغا وضلالا، وإنما هو من طبائع الأمور والحياة ومقتضيات مبدأ الاجتهاد الذي أقره الدين الإسلامي. وأن أي محاولة لقهر التعدد أو إقصاء التنوع، لا يفضي إلا المزيد من التوترات والتشظي وغياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي. و حرصنا على الوحدة ينبغي أن لا يدفعنا إلى ممارسة العسف والإكراه تجاه الآراء والقناعات المغايرة والمختلفة.

لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع الإصلاح الديني وتجديد الخطاب الإسلامي، هو رفض الرؤية الآحادية للإسلام، والتي تبرر لنفسها ممارسة العسف والإكراه وإطلاق أحكام القيمة تجاه غيرها من الرؤى والقناعات.

إن الفهم الآحادي للقيم والمبادئ، هو أحد البذور الأساسية لانتهاك قيم الحرية والعدالة وحقوق الإنسانية.

وذلك لأن هذا الفهم الآحادي يقود صاحبه إلى الاعتقاد الجازم بأنه هو وحده الذي على الحق وغيره يعيش الزيغ والضلال والانحراف. وهذا الاعتقاد بمتوالياتها النفسية والسلوكية، هو الذي يساهم في دفع هذا الإنسان إلى ممارسة العسف والإكراه تجاه الآخرين وجودا ورأيا وأفكارا.

إن الرؤية الاصطفائية إلى الذات وما تحتضنها من معارف وعقائد ومواقف، هي التي تقود إلى انتهاك الحقوق والانتقاص من كرامة الآخر المختلف.

 إننا هنا لا ندعو إلى جلد الذات أو تحقيرها، وإنما إلى مساواة الآخر بالذات، وإن الفهم الآحادي للدين والاعتقاد من قبل مجموعة بشرية إنها وحدها القابضة على الحقيقة والعارفة لقيم الدين وأهدافه، إن هذا المنحى يقود إلى تلغيم صيغ التعايش السلمي ومجالات التواصل الإنساني. لأن هذا الفهم يعيد ترتيب العلاقات والحقوق على قاعدة المنسجم مع هذا الفهم والمناقض والمخالف له.

وخلاصة الأمر: أن القضية الأساسية التي ينبغي أن تتجه إليها جهود المصلحين والمفكرين، هي نقد الفهم الآحادي وتفكيك النظام المعرفي الذي يبرر ويسوغ لصاحبه ممارسة العسف والقهر ضد الآخر المختلف والمغاير.

وإن هذا النقد هو محاولة فكرية ومعرفية لتجديد أنماط الرؤية وقواعد الفهم، وفحص متواصل لفضح إدعاء القبض على الحقيقة وتفكيك مبررات ومسوغات التمايز والإقصاء.

تفكيك الاستبداد:

لا ريب أن الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله، من العقبات الكبرى التي تحول دون الإصلاح والتجديد والتطوير. لذلك فإن نشدان التجديد والإصلاح، يقتضي العمل بكفاءة عالية لتفكيك أسس الاستبداد والعمل على تحرير المجال الاجتماعي والسياسي والثقافي من كل أشكال الديكتاتورية والتسلط والاستفراد بالقرار والسلطة. وذلك حتى يتسنى للمجتمع بكل شرائحه من ممارسة دوره في عملية التطوير والتحديث. وإنه لا يمكن بأي حال من الأحوال إن نتصور إصلاحا من دون الحد من صلاحيات السلطات الشمولية والمطلقة. من هنا فإن تجديد الخطاب الإسلامي، يقتضي العمل على التحرر من كل أشكال ومبررات ممارسة القهر والاستبداد والانعتاق من ذلك العبء والإرث التاريخي المليء بصور الاستبداد وممارسة السلطة القهرية تجاه الأمة والمجتمع.

فتفكيك الاستبداد السياسي والديني ونقد أسسهما الثقافية والسياسية، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تطوير مشروع الإصلاح وتجديد الخطاب الديني. فلا يمكن أن يتم التجديد في ظل ثقافة تبرر الاستبداد وتدعو إلى ممارسته بعناوين ويافطات مموهة.

إننا ينبغي أن نقف ضد كل أشكال وحالات الاستبداد بصرف النظر عن أصحابها أو المشروع الفكري الذي يقف ورائها.

والأحوال السيئة التي يعيشها اليوم المجالين العربي والإسلامي، هي من جراء التسلط السياسي والاستبداد الشمولي الذي ألغى الكثير من عناصر الفعالية والحيوية في جسم الأمة. فهو الداء (الاستبداد) الذي قضى على الكثير من الإمكانات والمكاسب، وهو المسؤول عن الكثير من العثرات والإخفاقات، وهو بوابة أزماتنا المزمنة وسيطرة الأجنبي على الكثير من ثرواتنا ومقدراتنا، فهو المرض الذي يختزل كل الأمراض، وهو العاهة التي تغطي كل العاهات، وهو أحد مصادر العنف والإرهاب.

 لذلك كله فإن بوابة الإصلاح في المجالين العربي والإسلامي، وجسر الخروج من مآزق الراهن وأزماته، هو العمل على تفكيك الاستبداد وخلق الحقائق والوقائع السياسية والثقافية والمجتمعية التي تحد من تغّول السلطات، وتساهم في منع الاستبداد السياسي من التمدد والانتشار في جسم الأمة. وأن موقعنا في خريطة العالم، يتحدد بمقدار قدرة مجتمعاتنا على الحد من ظاهرة الاستبداد السياسي المستشرية في واقع مجتمعاتنا.

" ولا شك أن علاقة العرب بالخارج تتوقف على وضعيتهم الوجودية بالداخل، أي على ما يصنعونه بأنفسهم وعلى ما يقدمونه للعالم، بمعنى أن ما يرفضونه من التقييمات السلبية التي تصدر بحقهم من جانب الغير، يحملون مسئولياتها هم أنفسهم وإن بصورة جزئية. ذلك أنهم يستعدون للعالم ولا يحسنون التعامل معه، والأخطر أنهم لا يحسنون المشاركة في صناعته عبر المساهمات الغنية والمبتكرة في ميادين الثروة والقيمة أو العلم والتقنية " (2).

 فمأزقنا الأكبر يتجسد في الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله ولا نتمكن من تحسين صورتنا في العالم إلا بتغيير واقعنا. وطرد كل موجبات الاستفراد والاستبداد من فضائنا الاجتماعي والوطني. وأن تفكيك الاستبداد من الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي يقتضي القيام بالأمور التالية:

1. تنقية مصادر المعرفة وأنظمة المعنى وسلم القيم الثقافية والاجتماعية، من كل جراثيم الاستبداد، وبذور التسلط والهيمنة. إذ لا يمكن أن نفكك الاستبداد السياسي من دون تطهير وتنقية ثقافتنا ووعينا الديني والاجتماعي والثقافي من كل بذور وموجبات الهيمنة والاستبداد.

 ولا تنمو الحرية في واقعنا الاجتماعي والسياسي، إلا إذا نمت في ثقافتنا وأصبح وعينا العام منسجما ومطالبا بهذه القيم والمبادئ الدستورية والديمقراطية.

2. تنمية الإنتاج الثقافي والمعرفي الديني، الذي يتجه إلى تطوير الوعي السياسي والاجتماعي المناقض للاستبداد السياسي والمساهم في تعميق الخيار الديمقراطي في مستويات الحياة المتعددة.

لهذا فإننا نعتقد أن تفكيك الاستبداد السياسي من واقعنا العام، يتطلب العمل على خلق معرفة دينية جديدة تبلور خيار الحرية، وتفكك كل السياقات الثقافية والاجتماعية المولدة لظاهرة الاستئثار والاستبداد.

3. القيام بمبادرات مجتمعية، هدفها خلق الوقائع والحقائق التي تحد من ظاهرة الاستبداد، وتوسع من دائرة المشاركة الشعبية في الشأن العام. فتفكيك هذه الظاهرة الخطيرة من واقعنا الاجتماعي والسياسي، يقتضي تشجيع الخطوات والمبادرات التي تتجه إلى خلق حقائق الحرية والمشاركة في الفضاء الاجتماعي، وتحد من تغوّل السلطة السياسية وهيمنتها على كل مفاصل الحياة. فالحرية والديمقراطية تتطلب عملا متواصلا وجهدا مضاعفا، لتثبيت حقائق الديمقراطية وتوسيع مستوى المشاركة السياسية والحد من تغّول السلطة وهيمنتها الشمولية. فتفكيك الاستبداد، لا يتم بالرغبة والتمني المجرد، بل بالكفاح المتواصل والعمل الشعبي الضاغط باتجاه نيل الحقوق وإصلاح المسار السياسي للدولة والمجتمع.

4. تنظيم وصياغة العلاقة بين مختلف قوى المجتمع وتعبيراته الفكرية والسياسية والمدنية على أسس الاحترام المتبادل ومشاركة الجميع في مقاومته ومجابهة الاضطهاد ومحاربة كل أشكال الاستبداد. وذلك لأنه لا يمكن تفكيك ظاهرة الاستبداد السياسي بمجتمع مفكك ومبعثر. ولا شك أن الخطوة الأولى في مشروع الوحدة الاجتماعية هو تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، ونبذ كل حالات الاحتراب الداخلي والتهميش المتبادل. والعمل على بناء نظام علاقات وعمل تضم كل الأطياف والتعبيرات، وذلك من أجل العمل على تعميق الخيار الديمقراطي في الفضاء الاجتماعي والسياسي، وتفكيك القاعدة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يستمد منها الاستبداد آلياته وفعاليته. لذلك ينبغي دائما وفي كل الأحوال، الاهتمام بموضوع العلاقات الداخلية بين قوى المجتمع وأطرافه المتعددة. لأنه لا يمكن بناء القوة الاجتماعية الحقيقية والقادرة على مواجهة الاستبداد السياسي، بدون تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع.

من هنا فإننا مع كل مبادرة وخطوة عملية تتجه أو تستهدف توطيد العلاقات الداخلية أو لامتصاص بعض السلبيات العالقة في طبيعة العلاقة السائدة بين أطراف المجتمع.

فضبط الاختلافات الداخلية وتنظيم تباينات المجتمع الثقافية والسياسية، يساهم بشكل كبير في خلق القدرة المؤاتية لمواجهة الاستبداد بكل آلياته ومخططاته.

والفكر الديني المعاصر ينبغي أن لا يكون منعزلا أو بعيدا عن قضايا الحرية والديمقراطية، ونقد الاستبداد بكل صنوفه وأشكاله. وإنما من المهم أن يستفيد الفكر الديني المعاصر من التراث والقيم التحررية التي يتضمنها الدين الإسلامي، والعمل على بلورتها في سياق خطاب إسلامي جديد، يتجه صوب تفكيك الاستبداد وخلق حقائق الحرية والديمقراطية في الفضاء الاجتماعي. فالدين الإسلامي بقيمه ومبادئه ونظمه، هو مناقض جوهري لنزعة الهيمنة والتسلط السياسي. لذلك من الضروري أن يتوجه معنى وسؤال الإصلاح الديني إلى تحرير الدين من استغلال وتوظيف المجال السياسي، وخلق الوعي والثقافة المنطلقة من قيم الدين ومبادئه الرافضة لخيار الاستبداد ونزعات التسلط والهيمنة. وأي محاولة لتسويغ الاستبداد دينيا، هي محاولة مصلحية ولا تنسجم والقيم الكبرى والأصلية للدين. فالإسلام جاء من أجل تحرير الإنسان من أهواءه وشهواته ونزعاته الشيطانية، ومن كل القوى البشرية الضاغطة أو المانعة لحريته واستقلاله.

فالتوجيهات الإسلامية تحث الإنسان على رفض الذل والخضوع للظلم والاستبداد. فقد جاء في الحديث الشريف (ألا وإن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور لا يطلب. فإما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، قال تعالى: [إن الله لا يغفر أن يشرك به] وأما الظلم الذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات. وأما الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا. القصاص هناك شديد، ليس هو جرحا بالمدى ولا ضربا بالسياط، ولكنه ما يستصغر ذلك معه. فإياكم والتلون في دين الله، فإنه جماعة فيما تكرهون من الحق خير من فرقة فيما تحبون من الباطل " (3). وفي حديث آخر " فأعلم أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هدي وهدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة. وإن السنن لنيرة لها أعلام، وإن البدع لظاهرة لها أعلام. وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضلّ وضُلّ به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيى بدعة متروكة. وأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى ثم يرتبط في قعرها " (4).

فالإسلام لا يشرع للظلم والاستبداد، بل يدعو المسلمين إلى رفض الظلم ومقاومة الاستبداد ونشدان المساواة والعدل في كل الأحوال والظروف.

صيانة حقوق الإنسان:

لعل من المفارقات الصارخة في واقعنا الإسلامي المعاصر، هي تلك المفارقة المرتبطة بحقوق الإنسان في فضائنا الثقافي والسياسي والاجتماعي. حيث إننا نمتلك من جهة تراثا ونصوصا دينية هائلة، تحث على احترام الإنسان وصيانة حقوقه وكرامته، والتعامل معه وفق رؤية أخلاقية نبيلة. وبين واقع لا يتوانى من انتهاك حقوق الإنسان وتدمير كرامته وهتك خصوصياته. فنحن في المجال الإسلامي نعيش هذه المفارقة بكل مستوياتها وتأثيراتها. فنصوصنا الدينية تحثنا على الالتزام بحقوق الإنسان وصيانة كرامته وتلبية حاجاته. ولكن في المقابل هناك الحياة الواقعية المليئة على مختلف المستويات بأشكال تجاوز وانتهاك حقوق الإنسان. ولا يمكن ردم هذه لفجوة وتوحيد الواقع مع المثال على هذا الصعيد إلا بتطوير خطابنا الديني وإبراز مضمونه الإنساني والحضاري. وذلك لأن هذا الخطاب في أحد أطواره ومستوياته كان يمارس التبرير والتسويغ لتلك المفارقة الحضارية التي يعيشها واقعنا العربي والإسلامي. وإن تجاوز هذه المفارقة، يتطلب العمل على بلورة خطاب حقوقي إسلامي، يرفض كل أشكال التجاوز والانتهاك لحقوق الإنسان الخاصة والعامة، ويبلور ثقافة اجتماعية عامة، تعلي من شأن الإنسان وتحث الناس بكل فئاتهم وشرائحهم باحترام آدمية الإنسان وصيانة كرامته والحفاظ على مقدساته. وإن صيانة حقوق الإنسان في الفضاء الاجتماعي، بحاجة إلى نظام الحرية والديمقراطية. لأنه لا يمكن أن تصان حقوق الإنسان بعيدا عن الحريات السياسية والديمقراطية. وإن ضمان الحقوق الأساسية للإنسان، بحاجة إلى نظام، ينظم العلاقات، ويضبطها بعيدا عن الإفراط والتفريط. فلا حقوق للفرد والمجتمع، بدون مرجعية عليا ينتظم تحت لوائها ومظلتها الجميع. فلا يمكن أن تصان الحقوق، حينما تنتشر الفوضى، ويغيب النظام وذلك لأن كل متواليات هذا الغياب تنعكس سلبا على واقع حقوق الإنسان في المجتمع. لذلك نجد أن المجتمع الذي يعاني من حروب داخلية أو أهلية، لا يتمكن من صيانة حقوق الإنسان فيه. وذلك لأن مفاعيل غياب النظام تحول دون احترام الإنسان وصيانة حقوقه. ولعل في مقولة الإمام علي (ع) التالية إشارة إلى هذه المسألة. " لا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في أمرته المؤمنون، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ويقاتل به العدو وتؤمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر أو يستراح به من فاجر ".

والدعوة إلى النظام لضمان الحقوق، لا تشرع بطبيعة الحال إلى الاستبداد والحكم المطلق. لأن هذا بدوره أيضا يمتهن الكرامات ويدمر نظام الحقوق في المجتمع. من هنا نصل إلى حقيقة أساسية وهي: أن النظام الذي يكفل الحريات للمجتمع، هو النظام القادر على صيانة حقوق الإنسان. ولا يمكن أن نصل إلى هذه الحقيقة، إلا بحيوية وفعالية اجتماعية تنتظم في أطر ومؤسسات وتعمل وتكافح لخلق الحقائق في واقعها، وتفرض ظرفا جديدا، بحيث تكون صيانة حقوق الإنسان من الحقائق الثابتة في الفضاء الاجتماعي.

إننا بدون تغيير واقعنا الاجتماعي، لن نتمكن من خلق نظام سياسي يصون الحريات والحقوق.

 من هنا تنبع أهمية العمل الاجتماعي والثقافي المتواصل، باتجاه تنقية واقعنا الاجتماعي من كل رواسب التخلف والانحطاط، ومقاومة كل الكوابح التي تحول دون التنمية والبناء الحضاري. إن حيويتنا الاجتماعية وفعلنا الثقافي المتميز والنوعي من الروافد الأساسية لبلورة قيم حقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي والثقافي. فلا يكفينا أن تكون النصوص الدينية حاضنة لحقوق الإنسان ومشرعة لها وإنما لا بد من العمل والكفاح لسن القوانين واتخاذ الإجراءات وخلق الوقائع المفضية جميعا إلى صيانة حقوق الإنسان. وعليه فإننا نشعر بأهمية أن يتجه الخطاب الديني إلى مسألة حقوق الإنسان، ليس باعتبارها مسألة تكتيكية أو مرحلية، وإنما باعتبارها جزء أصيل من التوجيهات الإسلامية والمنظومة الدينية. لذلك ينبغي أن يتجه هذا الخطاب إلى الإعلاء من شأن هذه المسألة، وتنقية مفرداته ووقائعه من كل الشوائب التي لا تنسجم والحقوق الأساسية للإنسان.

فالإنسان بصرف النظر عن منبته الأيدلوجي أو انتماءه المذهبي أو القومي أو العرقي، يجب أن تحترم آدميته وتصان حقوقه. وأي فهم لأي قيمه من قيم الدين، لا تنسجم وهذه الرؤية، هو فهم مشوب وملتبس، ولا يتناغم والقيم العليا للدين.

فالإسلام بكل قيمه ومبادئه ونظمه وتشريعاته، هو حرب ضد كل العناوين والعناصر التي تنتقص من قيمة الإنسان أو تنتهك حقوقه.

فهي قيم من أجل الإنسان وفي سبيله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يشرع الإسلام لأي فعل أو سلوك يفضي إلى انتهاك حقوق الإنسان.

لذلك كله نستطيع القول: أن الانتهاكات المتوفرة في المجالين العربي والإسلامي لحقوق الإنسان، هي وليدة الأنظمة الاستبدادية والشمولية التي تمارس كل أنواع الظلم والعسف والقهر لبقاء سلطانها الاستبدادي والإسلام بريء من هذه الانتهاكات. وإن المحاولات التي يبذلها علماء السلطان لسبغ الشرعية على تجاوزات السلطة الاستبدادية، لا تنطلي على الواعين من أبناء الأمة، ولا تحسب بأي شكل من الأشكال على الإسلام كمبادئ وقيم ومثل عليا.

 والإصلاح الديني المنشود، هو الذي يتجه إلى العناصر التالية:

1. تحرير المجال الاجتماعي والثقافي والسياسي من كل أشكال الهيمنة وانتهاك الحقوق وتجاوز ثوابت الدين القائمة على العدل والحرية والمساواة.

2. تنقية الثقافة الدينية السائدة، من كل رواسب التخلف السياسي والانحطاط الثقافي والأخلاقي. فلا يمكن أن تكون ثقافة دينية أصيلة، تلك الثقافة التي تبرر الظلم أو تسوغ التعذيب أو تشرع للعسف وانتهاك الحقوق والحريات العامة للإنسان.

3. بناء المجال السياسي والثقافي في الأمة، على أسس العدل والحرية والمساواة وصيانة حقوق الإنسان. فالمهم أولا ودائما أن يكون واقعنا بكل مستوياته منسجما ومقتضيات الإسلام ومثله العليا.

4. تحرير العلاقات وأنماط التواصل بين مختلف المكونات والتعبيرات، من كل أشكال التمييز والتهميش والإقصاء بدعاوي ومسوغات دينية أو فكرية أو سياسية. وبناء العلاقة بين هذه التعبيرات على أساس الجوامع المشتركة ومقتضيات الشراكة والمسؤولية المتبادلة.

وهذا يتطلب تطوير علاقتنا المنهجية والمعرفية بالنصوص الإسلامية، وتجسير الفجوة بين مؤسساتنا ومعاهدنا العلمية ومصادر المعرفة الإسلامية الأساسية. وذلك من أجل إنتاج ثقافة إسلامية أصيلة ومنفتحة ومتفاعلة مع مكاسب العصر والحضارة.

الخاتمة:

ثمة حقيقة أساسية نصل إليها من خلال بحثنا في معنى الإصلاح الديني في مجالنا الوطني، وهي أن المآزق والتوترات والاختناقات التي نعانيها على أكثر من صعيد، هي نتاج شبكة من الأسباب والعوامل. لذلك تتأكد حاجتنا إلى عملية الإصلاح الديني، الذي يتجه إلى إرساء حقائق ومعالم التعددية وإحترام التنوع وحق الاختلاف والحريات العامة والتسامح وحقوق الإنسان.

وهذا بطبيعة الحال، ليس سهل المنال، وإنما هو بحاجة إلى جهود فكرية ومؤسسية متواصلة، لتنقية المجال السياسي والثقافي والاجتماعي من كل مظاهر الأنانية والآحادية والاستبداد.

وإن مشروع النهضة الوطنية على الصعد كافة اليوم، بحاجة إلى وعي وثقافة دينية جديدة، تتصالح مع الحرية وتنبذ العسف والاستبداد، وتتفاعل على نحو إيجابي مع التنوع والتعددية، وتقطع نفسيا ومعرفيا مع الرؤية الآحادية التي لا ترى إلا قناعاتها وتتعامل معها باعتبارها الحقائق المطلقة.

ويتحمل العلماء والمفكرون المسلمون اليوم، مسؤولية بلورة وخلق خطاب ديني جديد، يجيب على أسئلة وتحديات الراهن، ويصيغ حركة المجتمع باتجاه البناء والتنمية والعمران الحضاري.

ووفق معطيات الراهن بكل مستوياته، فإن الإصلاح الديني في فضائنا الاجتماعي والوطني، هو جسر الاستقرار والتقدم وامتلاك ناصية المستقبل.

***

محمد محفوظ

.......................

الهوامش

1. عبد الإله بلقزيز، الإسلام والسياسة - دور الحركة الإسلامية في صوغ المجال السياسي، ص 177، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 2001م.

2. علي حرب، العالم ومأزقه - منطق الصدام ولغة التداول، ص 44، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 2002م.

3. محمد جواد مغنية، في ظلال نهج البلاغة، المجلد الثاني، ص 540، دار العلم للملايين، الطبعة الثالثة، بيروت 1979م.

4. المصدر السابق، ص 460.

مفتتح: ثمة نزوع فكري ومعرفي في هذه الأيام، يتجه نحو الاهتمام بالمسائل المدنية والأهلية في المجال العربي والإسلامي. وذلك بفعل أن المؤسسات المدنية والأهلية وذات الاستقلال التام والحيوية في مسار بناء الأمة بعيدا عن الإرادات السياسية الظالمة، هي إما غائبة أو مهمشة ومغيبّة. وفي كلا الحالتين، كان للإرادة السلطوية الدور الأكبر في تغييب هذه المؤسسات، التي تشكل روح الأمة ودينامو المجتمعات العربية والإسلامية في تاريخها المديد، أو في تهميشها وتضييق مجال حركتها وفعلها الحضاري، والعمل على إفراغها من مضمونها الحقيقي والجوهري. فالمشروعات السياسية التي لا تتضمن مضمونا حضاريا، فإنها تعمل بكل ما أوتيت من قوة إلى تقليص القاعدة الاجتماعية لهذه المؤسسات والأنشطة المدنية والحضارية، وذلك عبر استخدام القوة بكل صنوفها وتجلياتها، في سبيل منع قيام القطاعات الاجتماعية باحتضان هذه المؤسسات وتنمية دورها ووظائفها في مسار الأمة العربية والإسلامية. ولأسباب مرتبطة ببنية المشروعات السياسية الخالية من المضامين الحضارية والمدنية، فإنها تقف موقفا مضادا من هذه المؤسسات والأدوار الموكولة لها.

ونتحدث عن المسألة المدنية أو المؤسسات الأهلية الاجتماعية والحضارية في إطار الواقع العربي والإسلامي، الذي يعاني اليوم من تغوّل الدولة والمشروعات السياسية التي تسعى عبر ترسانتها الإعلامية وإمكانياتها المالية وإرادة الهيمنة والقوة، إلى ابتلاع وتذويب كل المؤسسات والقوى التي تساهم في تنمية الأمة وتطوير أدائها في مختلف المجالات، بالاعتماد على إمكانات الأمة الذاتية الاجتماعية والحضارية.

لذلك سيستمر الخلل يزيد من تأثيراته الخطيرة على واقع الأمة، إذا لم تبذل الجهود في سبيل إعـادة التوازن بين الدولة بمؤسساتها وضروراتها، والمجتمع بهياكله ومؤسساته وتطلعاته في التطوير والبناء. ولا ريب أن الخطوة الأولى في إطار إعادة التوازن بين الطرفين، هو إعادة الاعتبار إلى المؤسسات الأهلية (مؤسسات الأمة) وتنمية أدوارها ووظائفها، وخلق الأنشطة الأهلية والمدنية التي تساهم في تمدين الواقع الاجتماعي، وجعله مؤهلا من الناحية النفسية والعقلية والواقعية لممارسة دوره والقيام بواجباته الكبرى في الوجود.

ويبدو أن المدخل الفعال لمناقشة هذه المسائل، هو جدليات الأمة والدولة في التجربة الإسلامية التاريخية.

جذر المأزق

من الطبيعي أن تتمايز بنية المجتمع عن بنية الدولة، إذ لكل طرف أدواره ومقتضيات مختلفة عن الآخر، إلا أنه مـن غير الطبيعي أن تتناقض أهداف الدولة ومشروعاتها عن أهداف ومشروعات الأمة.

إذ أن هذا التناقض، هو الفجوة الكبرى التي حدثت في التجربة الإسلامية التاريخية، ودخلت واستوطنت من خلالها الأزمات والمآزق والمعضلات والتداعيات الذي لا زال واقعنا يعاني من آثارها وتأثيراها.

فالأزمة الحقيقية والمعضلة الكبرى، بدأت منذ تناقضت مشروعات الدولة مع مشروعات الأمة، وأصبحت الدولة تمارس كل جبروتها في سبيل إقصاء الأمة بنخبها وعلمائها واهتماماتها عن مسرح الحياة السياسية والثقافية للعالم الإسلامي.

فالاستبداد السياسي الذي تمارسه الدولة، أخذ طريقه للتوسع والانتشار على قاعدة تهميش الأمة وإقصائها عن الفعل السياسي والحضاري.

إذ أن مراقبة الأمة ومحاسبتها للحكام وحضورها الدائم على مسرح الأحداث، كان يحول دون تغوّل الدولة واعتمادها المطلق على القهر والبطش والاستبداد في الإدارة والحكم.

وحين تتأزم العلاقة بين الدولة والأمة، تبرز على السطح كل العناوين الفرعية التي أعطى لها الإسلام مضمونا جديدا، أو حالت قيمه ومبادئه دون التعصب الأعمى لتلك العناوين الفرعية. فالعشيرة والقبيلة مثلا أصبحت في التجربة الإسلامية التاريخية، كيانات اجتماعية طبيعية، تمارس دورها في التضامن الداخلي والدعوة وبناء المجتمع الجديد. ولكن حينما تتخلى الدولة عن مشروع الأمة الحضاري والسياسي، أو تتناقض خيارات الدولة مع خيارات الأمة، فإن كل العناوين الفرعية المتوفرة في الجسم الاجتماعي والسياسي للمسلمين، تبدأ بالبروز القلق وممارسة أدوار مختلفة وخطيرة. وفي بعض الحقب والتجارب كان لعودة هؤلاء الناس إلى عناوينهم الفرعية تأثيرات سلبية خطيرة على وحدة الأمة والمجتمع الإسلامي.

وذلك لعـودة هؤلاء إلى المضامين الجاهلية أو السيئة وذات البعد العصبوي إلى عناوينهم الفرعية.

ولذلك نستطيع القول أن تكامل الأمة والدولة في التجربة الإسلامية، هو الكفيل بصهر كل العناوين الفرعية في بوتقة الأمة ومشروعاتها الحضارية. ودائما تبدأ محنة المسلم الكبرى، حينما تبتعد الدولة ككيان سياسي وإداري عن الأمة وخياراتها. وتتأزم العلاقة بين المجتمع والــدولة حينما تمارس الدولة عمليات التهميش والإقصاء لقوى الأمة الذاتية (الأهلية)، وتسعى نحو إضعاف الأمة، حتى يتسنى لها القيام بكل شيء على مختلف الصعد بدون حسيب أو رقيب.

لذلك فإن حضور الأمة وحيويتها وجهادها، واستمرار تطور قواها الذاتية، هو الضمان الوحيد لعدم تغوّل الدولة وتحولها إلى كيان يختزل إمكانات الأمة في مؤسساته وأطره، ويحركها وفق مصالحه الضيقة. إننا مع الدولة القوية القادرة على الدفاع عن سيادة المسلمين وعزهم واستقلالهم، ولكن قوة الدولة الحقيقية لا تتأتى إلا من خلال ممارسة الأمة بمؤسساتها ومنابرها الأهلية والمدنية لدورها وحريتها.

حيوية الأمة وقوتها، هو طريق صناعة الدولة القوية، وأي طريق يتجه إلى صناعة قوة الدولة بعيدا عن هذا الخيار، فإنه يؤدي بنا إلى الدخول في نفق مظلم من العلاقة المتوترة وذات الطابع الصراعي بين الدولة والأمة.

وهذا النفق المظلم، هو الذي يعطل المجال الحضاري الإسلامي من القيام بدوره الكوني.

مأزق الدولة الوطنية

مع اتساع دائرة انحراف السلطنة العثمانية، وتضخم نزعة الاستبداد لديها، واشتداد استخدام العنف والقوة تجاه الآراء الحرة والأفكار الجديدة. لدرجة أن المؤرخين أطلقوا على السلطان عبد الحميد اسم (السلطان الأحمر) كتعبير عن سياسة الشدة والغلظة والاستبداد التي ينتهجها. مع اتساع هذه الدائرة التي أصبحت ككرة الثلج، حيث أن السلطنة بدأت تواجه أزماتها وإشكالياتها بالمزيد من استخدام العنف والقوة والقهر، بدأت النخب الثقافية والسياسية، تطرح مشروعات بديلة عن السلطنة العثمانية. وأضحت الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية للعالم الإسلامي آنذاك سجالا محموما بين اتجاهات ثلاث:

1-  السلطنة العثمانية بما تشكل من رمزية تاريخية وثقل روحي وامتداد جغرافي وقوة عسكرية.

2-  القوى الاستعمارية الجديدة، التي بدأت تنشط على ساحة العالم الإسلامي وذلك لتثبيت أقـدامها ودحر عدوها التاريخي الذي أصابته في تلك الآونة أعراض الضعف والمرض.

3-  النخب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي لم تكن على رأي واحد، وإنما هي عبارة عن قوة جديدة، وذات مرجعيات مختلفة، وثقافات متباينة، إلا أن القاسم المشترك بين هذه النخب، هو إيمانها بضرورة تغيير الواقع المعيش، والسعي نحو تحديث العالم العربي والإسلامي.

ومن خلال هذه السجالات المستديمة، تمخضت مشروعات سياسية وفكرية كثيرة، وبدأت تتوالد التحالفات والإستقطابات الجديدة، وتبرز التناقضات في تشخيص الواقع وطرق معالجته، وبدأت القوى الاستعمارية تمارس مكرها وكيدها ودسائسها لتوجيه هذه السجالات ومن وراءها إرادة التغيير في تجاه يخدم مصالح المستعمر، ويثبت حقائقه السياسية والعسكرية والثقافية على الأرض العربية والإسلامية. وبفعل عوامل عديدة ذاتية وموضوعية، طرح شعار الاستقلال القطري، كخيار إستراتيجي بالنسبة إلى العديد من الأقاليم العربية والإسلامية.

وبدأت النخب السياسية والثقافية بحشد الجمهور تجاه الهدف الجديد.

وهكذا ولدت الدولة الوطنية في المجال العربي والإسلامي، وهي تحمل مأزقها وأزمتها. فهل الدولة الوطنية هي خيار نهائي، أم هي مقدمة ضرورية للوصول إلى الدولة القومية.. ووفق أي قواعد تتشكل علاقة هذه الدولة الوطنية مع شقيقاتها، وكيف تكون علاقة الجميع بالحلم القومي وبالأمة.

(ومما زاد وهن الدولة العربية على وهنها السابق، هو أنها لم تتمكن من اكتساب الشرعية الأيدلوجية اللازمة. حيث تتداخل في الوعي والوجدان العربي الإسلامي عامة، حلقات الولاء القطري المحلي والقومي والإسلامي. ورغم كل المحاولات التي بذلت لاستنبات مشروعية تاريخية وأيدلوجية للكيانات القطرية العربية المستجدة من خلال استدعاء الأدبيات القومية الغربية، ومن خلال النبش في السجلات التاريخية القديمة. ومع ذلك فقد ظل قطاع واسع من الرعايا، ينظر إلى هذه الدولة بعين الـريبة والشك، ولم يـر فيها في أحسن الحـالات سوى محـطة عبور إلى ما بعدها) (1).

وأضحت المشكلة الأساسية التي تواجه الدولة الوطنية في العالم العربي والإسلامي، هي غياب مفهوم الأمة الشامل عن فضائها ومحيطها السياسي، وعدم قدرتها على تجاوز الثقل المعنوي والثقافي لمشروع الوحدة القومية أو الإسلامية.

الأمة أولاً

لم يأت مفهوم الأمة في القواميس اللغوية بمعنى واحد، وإنما بمعاني متعددة، حتى ذكر ابن الأنباري في كتابه (الزاهر في معاني كلمات الناس) (2) أن الأمة تنقسم في كلام العرب إلى ثمانية أقسام منها: الجماعة قال تعالى [ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس..] (القصص 23).

والزمان قال تعالى [ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة …] (هود 8).

والدين قال تعالى [وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة..] (الزخرف 23).

وأضافت القواميس اللغوية الأخرى أيضا معاني وأوصاف أخرى لمفهوم الأمة، فهي تعني لدى (ابن منظور) الطريق والسبيل، ويعرّفها عبد القاهر البغدادي بأنها: " كل دار ظهرت فيها دعوة الإسلام من أهله بلا خفير ولا مجير ولا بذل جزية ونفذ فيها حكم المسلمين على أهل الذمة إن كان فيهم ذمي " (3).

فالأمة محورها الأساس هو الدين. فالجماعة البشرية التي تتمحور حول دين وعقيدة، وتسعى وتعمل على تحويل هذا الدين أو تلك العقيدة إلى وقائع وحقائق. هذه الجماعة البشرية يطلق عليها مصطلح (الأمة).

ولقد حاولت الدول المنحرفة والاستبدادية في التجربة الإسلامية التاريخية، أن تغيّر من محور الأمة وقطبها الأساس، فجاءت دول سعت أن تكون القرابة هي محور الجماعة، وأخرى العنصر العربي وهكذا. ولذلك نجد أن في التاريخ كانت هناك صراعات وانقسامات على هذه القواعد. فحاول البعض التمييز في العطاء، وإعطاء الفرص والمناصب السياسية الهامة إلى شخصيات معيار اختيارها ليس الكفاءة والقدرة، وإنما القرابة الدموية. ومع اتساع رقعة الإسلام بدأ التمييز على قاعدة العرب والموالي، ولقد أحدث هذا التمييز في التجربة الإسلامية التاريخية العديد من الصراعات والحروب والثورات.

فالمحور الأساسي لمفهوم (الأمة) هو الدين والعقيدة، لذلك فإن مفهوم الأمة سيرورة تاريخية، إذ مع اتساع رقعة الإسلام تتسع دائرة الأمة ومسؤولياتها.

لهذا نجد أن التوجهات العامة والتكاليف الاجتماعية والحضارية، التي أرسى دعائمها الدين الإسلامي لم تتوجه إلى آحاد الأمة أو كيانها السياسي (الدولة)، وإنما هي توجهت بشكل مباشر إلى الأمة. فهي المسئولة عن تنفيذ تلك التوجهات، وهي الحاضن إلى القوى المـؤهلة لتحويل تلك التكاليف إلى وقائع قائمة في المجال الاجتماعي والحضاري.

قال تعالى [واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين لكم آياته لعلكم تهتدون * ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد وما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم] (4).

فالوحدة كقيمة إسلامية وإنسانية كبرى، يتجه التكليف فيها إلى الأمة. فالوحدة تبدأ من الدوائر الاجتماعية الصغيرة، حتى تصل إلى الدوائر الكبيرة. فالأمة هي المسئولة الأولى عن خلق الوحدة بوعيها وإرادتها وتصميمها على تجاوز كل العقبات المتوفرة في الواقع المجتمعي التي تحول دون ذلك.

وقال تعالى [وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا...] (5).

فالعمران الحضاري يتطلب حضورا حيويا للأمة وشهودا متواصلا من قبل القوى والأطر التي تجسد إرادة الأمة، حتى يتحقق الرقي الحضاري.

فشهود الأمة ووسطيتها، هو الشرط الضروري للتقدم الشامل.

وتاريخيا كان للأمة بمؤسساتها ومنابرها وإمكاناتها الأهلية، الدور الرئيسي والجوهري في توسع رقعة الإسلام، وتذليل الكثير من العقبات التي تحول دون استمرار حركة الفتح الروحي والحضاري.

واستخدمت في سبيل ذلك وسائل حضارية كالدعوة بالتي هي أحسن إلى الدين الجديد، والتواصل الإنساني، وصناعة القدوة الحسنة، التي تمارس فعلا دعويا متواصلا من خلال سلوكها وحركتها العامة.

وفي إطار مشروع الأمة الحضاري، الذي يتجه إلى الأقوام والشعوب الأخرى لإشراكها في عملية العمران الحضاري وفق القيم الجديدة التي جاء بها الإسلام.

لم تمارس (الأمة) أي فعل عنفي أو لم تستخدم وسائل القهر والبطش في سبيل إخضاع الشعوب الأخرى. وإنما قامت بنشر العلم والمعرفة بوسائل حضارية، وتحولت بيوتات العلم ومراكز المعرفة في الأمة إلى مراكز إشعاع علمي - حضاري، أخذت على عاتقها تعميم قيم الدين الجديد، وتعريف الآخرين بقيم الإسلام ومثله ومبادئه.

ومنذ انطلاقة الإسلام " سعى لاستيعاب القبلية عن طريق توسيعها لتشمل الأمة التي يُفترض أن تنمو تدريجيا لتشمل العالم. ويعتبر أعضاء القبيلة أنفسهم إخوة على أساس قرابة نسبية. يتخذ الإسلام مبدأ الأخوة القبلي منطلقا لكنه ينسف أساسه البيولوجي ويوسعه ليشمل جميع أعضاء الأمة. هذا التوسيع للمفاهيم يحولها إلى نقيضها، فتصبح منطلقا لتكوين جماعة واسعة قائمة على أسس إنسانية شمولية بدل أن تبقى محصورة في الجماعة الضيقة لكل ما هو خارج إطارها ". (6).

وبهذه الطريقة حقق الإسلام تحولا نوعيا في الواقع المجتمعي، إذ تم صهر كل العناوين الفرعية في دائرة الأمة (مع احترام كامل للخصوصيات الذاتية)، وتم تأسيس الدولة والتجربة السياسية على قاعدة الأمة الجديدة.

فالأمة في التجربة الحضارية، هي الإرادة الكبرى لإنجاز مشروعات الإسلام الحضارية. فهي التي أوصلت الإسلام إلى أصقاع المعمورة، وهي التي احتضنت المجاهدين والعلماء والذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدعوة والإرشاد، وهي التي أبدعت وسائل عديدة لاستمرار مشروعات صناعة الخير على مختلف الصعد والمستويات. وهي التي أمدت مشروعات الفتح الحضاري بالكفاءات البشرية المؤهلة والقادرة على ممارسة دورا متميزا في هذا المجال.

فمن مؤسسات الأمة العلمية والتربوية، برز آلاف العلماء والفقهاء والمجاهدين والمصلحين، الذين مارسوا أو قاموا بأدوار جوهرية وحاسمة في عمليات النهضة والبناء.

ومن مؤسسات الأمة الخيرية والأهلية والتطوعية، تم دعم الدعاة والمجاهدين، وتوفير كل مستلزمات الانطلاق في رحاب المعمورة.ومن هذه المؤسسات برزت إمكانات الأمة الاقتصادية والإنتاجية، التي أصبحت جزءا رئيسيا في حركة الاقتصاد والإنتاج لعالم المسلمين. ومن بركات هذه المؤسسات، تم رعاية واحتضان كل الحلقات الضعيفة في المجتمع والأمة.

فالأمة هي التي قامت بالأدوار الكبرى في سبيل إنقاذ العالم من جاهليته وخلاصه من كل المعوقات التي تحول دون انطلاقته.

ونحن هنا لا ننكر دور الدولة في التجربة الحضارية والإسلامية، فالدولة في المنظور الإسلامي ضرورة شرعية وحضارية وذلك لأنها " المنهج الوحيد الذي يمكنه تفجير طاقات الإنسان في العالم الإسلامي والارتفاع به إلى مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة والإنسانية، وإنقاذه مما يعانيه من ألوان التشتت والتبعية والضياع " (7).

فما دامت الدولة في المنظور الإسلامي ضرورة شرعية وحضارية، لذلك ينبغي أن يهتم بها المسلمون ويجعلها دائما مع خيارات الأمة. ولا ريب أن فعالية الأمة وحركية المجتمع السياسي الإسلامي، هي من العوامل الجوهرية والضرورية التي تحول دون تغوّل الدولة أو ابتعادها عن خيارات الأمة ومطامحها الكبرى.

وما نريد قوله في هذا الإطار، هو أن الأمة هي الفيصل في عمليات العمران الحضاري، ولولاها لما وصل الإسلام إلى أقاصي الأرض. وكان دور الدولة في التجربة التاريخية الإسلامية في هذا المجال هو دفع هذه الحركة، والتفاعل مع معطياتها ومتطلباتها. وإن الأزمة الكبرى التي وجدت في التجربة الحضارية الإسلامية، بدأت حينما سعت الدولة بآلياتها العسكرية والحربية وجبروتها وطغيانها السياسي، أن تلغي دور الأمة أو تقلصه تحت مبررات داخلية أو خارجية. حينذاك بدأت الدولة بمحاربة الأمة ومؤسساتها، وانعزلت الأمة عن الدولة ومقتضياتها.

ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول: أن الكثير من الإخفاقات والنكسات التي أصابت التجربة الإسلامية على المستوى التاريخي، هي من جراء الانفصال الذي بدأ في مراحل مبكرة من التاريخ الإسلامي بين الدولة والأمة. ولولا الأمة وجهادها ومؤسساتها ومراكزها العلمية والدعوية والجهادية، لما استمرت حضارة الإسلام بالإشعاع حقب زمنية طويلة. وذلك لأن انحراف الدولة المبكر، جعلها بعيدة في سلوكها واختياراتها عن جوهر الإسلام ومثله في السياسة والحكم والإدارة.

فالتوسع المدني والحضاري الذي شهده العالم الإسلامي في عصره الذهبي (القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين)، لم تصنعه إلا الأمة التي عملت وجاهدت على مستويين:

المستوى الأول: محاصرة انحراف الدولة الإسلامية، والعمل بكل الوسائل المتاحة والمشروعة لضبط مؤسسة الدولة، وإخضاع خياراتها وسياساتها الداخلية والخارجية لضوابط الشرع الإسلامية.

والمستوى الثاني: الانطلاق في رحاب العالم، بإمكانات الأمة وآفاقها، لتوصيل الإسلام إلى الشعوب الجديدة.

وتاريخنا الإسلامي في الكثير من مراحله، هو عبارة عن مد وجزر بين الأمة والدولة. فالكثير من الأمجاد صنعتها الأمة بمؤسساتها وإمكاناتها الأهلية، كما أن الكثير من الإخفاقات والانكسارات كانت من جراء طغيان الدولة، وابتعادها التدريجي عن ضوابط الإسلام في الحكم والإدارة.

فالحركية الاجتماعية الجـديدة، وذات الفعالية الكبرى التي عاشها العرب والمسلمون في تاريخهم الغابر، يرجع الفضل فيها إلى الأمة ومؤسساتها. أما الدولة (وبالذات بعد التجربة الراشدية في الحكم) فهي على العكس من ذلك تماما، حيث أنها حاربت إبداعات الأمة، وحالت دون ممارسة حريتها في الدعوة وإيصال صوت الإسلام إلى الذات والآخر، وضربت بيد من حديد كل صاحب مشروع علمي أو ثقافي أو اقتصادي خارج عن نطاق الدولة وبعيداً عن سياساتها وجبروتها. لهذا يزخر تاريخنا الإسلامي بالانتفاضات والثورات التي قامت بها نخب الأمة وطليعتها ضد الطغيان والاستبداد الذي تمارسه الدولة وأجهزتها المختلفة.

وذروة الحضارة في المجال العربي - الإسلامي، تبدأ حينما تتطابق إرادة الدولة وإرادة الأمة. والتطابق هنا يعني أن لا تمارس الدولة بأجهزتها المتعددة أي إقصاء ونفي وتهميش لإرادة الأمة، وأن يـكون لها دورها الحضاري في مجال سيادة قيم الدين في الواقع الخارجي.

وليس من المبالغة في شيء القول: إن غياب هذا التطابق الحضاري في الدور والإرادة بين الأمة والدولة، هو الذي فتح الباب على مصراعيه للمشاكل والأزمات والإخفاقات التي يعاني منها واقعنا العربي والإسلامي.

ولقد استغلت قوى الشر والبغي والهيمنة في العالم هذه اللحظة لتشتيت قوى الأمة وتفتيت عضدها، وتثبيت الحوائل التي تحول دون الاستقلال والتحرر والتنمية، وتكريس التخلف والاحباطات في عقل وفكر الأمة. فحينما غاب مشروع الأمة من التأثير والفعل النوعي، ضاعت فلسطين، ودخلنا جميعا في نفق التبعية والاستتباع الحضاري على مختلف المستويات، وتم اختراقها على مستوى السياسة والحكم، والاقتصاد والاجتماع، والثقافة والعلم، وأصبحنا من جراء كل هذا على هامش حركة التاريخ، وبعيدا عن متطلبات الاستقلال والتنمية الشاملة.

من هنا فإننا نستطيع القول: أن الإخفاقات الكبرى التي أصابت عالم العرب والمسلمين، كانت في زمن كان مشروع الأمة في أسوأ حالاته، وكانت العلاقة بين الأمة والدولة علاقة توتر وصراع. كما أن لحظات الظفر والانتصار تشكلت في التجربة الحضارية الإسلامية، حينما عادت للأمة روحها، وأصبحت تشارك بكفاحها وجهادها في تكريس إرادتها العامة على مسرح الأحداث الكبرى.

وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية في التجربة السياسية للعرب والمسلمين وهي:

أن بداية الانطلاقة الحضارية الحقيقية، تبدأ من الأمة وقواها الحية، وأي مراهنة على غير الأمة، تزيدنا غبشا وضياعا وترددا. فحينما نعيد الحياة إلى جسم الأمة، فإنها تتحرك صوب أهدافها الكبرى بدون تعب أو كلل.

لذلك فإن مهمتنا الكبرى اليوم تتجسد في إنهاض الأمة وبناء قواها الذاتية، وتأهيلها من جديد، لكي تمارس حضورها وشهودها على العالم.

وإن نجاحنا كله مرهون بمدى قدرتنا على تحريك قوى الأمة، وتنظيم إمكاناتها وطاقاتها صوب أهداف محددة وغايات مشتركة. فحينما تتحرك الأمة، ويكون حضورها وشهودها شاملا، لن تصبح السلطة أو الدولة غريبة عن أهداف ومشروعات الأمة. " وفي العصور الإسلامية المتأخرة، حين صارت اكثر السلطات غريبة عن المدينة، لعبت المدينة دور الصامد، والحافظ، والمستوعب، فصارت هي القائمة بالوظائف الحضارية والسياسية للدولة بعد أن غابت تلك لا من حيث البنية، بل من حيث الارتباط بالمشروع التاريخي للأمة " (8).

ففي زمن ضعف الدولة واهتراء مشروعها، كانت الأمة تمارس دورها في مختلف المجالات على أكمل وجه. وحينما تتناقض إرادة الدولة والأمة، فإنها (الأخيرة) تجاهد لإعادة الدولة إلى وضعها الطبيعي، وفي نفس الوقت فإنها ترعى وتحتضن المناشط الحضارية للعرب والمسلمين.

أما إذا تكاملت إرادة الدولة مع إرادة الأمة، فإن ملحمة البناء والحضارة، تبدأ بالبروز والانطلاقة في عالم العرب والمسلمين. وكل الحقب المجيدة في تاريخنا، هو من جراء تكامل الإرادتين، أو فعالية إرادة الأمة في زمن خواء الدولة وضعفها الحضاري.

وإنه لولا قوى الأمة الذاتية وتنوعها الثري، لأصبحت الدولة كيانا خطيرا، يلتهم الجميع، ويقضي على كل فرص النمو والبناء خارج نطاق الدولة ومشروعاتها ذات الطابع المطلق والكلاني.

فالأمة في النص والتجربة التاريخية الإسلامية، لها دورا مركزيا في الحياة الدينية والاقتصادية والعلمية والسياسية والحضارية والخيرية للمسلمين. إذ أن أكثر المؤسسات والأطر في تاريخ التجربة الإسلامية، هي تنتمي إلى الأمة وتستند إليها في أنشطتها وأعمالها. وإن تغييب الأمة من الفعل الحضاري، حرم المجتمع الإسلامي من مصادر قوته وعزته وتطوره، وأتاح المجال لعوامل خارجية من اختراق الجسم الإسلامي، والتحكم في مستقبله ومصائره.

و " إن ما يحرك العرب ويعبر عن مزاجهم التاريخي هو مفهوم الأمة، والأمة موجودة في وعيهم سواء توحدوا أم لم يتوحدوا وسواء وجدت الدولة الواحدة أم لم توجد. هم يعلمون أن الوحدة ضرورية، وبدونها يبقى مفهوم الأمة متحققا على الصعيد الثقافي وحسب. كما يعلمون أن الدولة ضرورية أيضا لأنها تنقل وجود الأمة من الصعيد الثقافي إلى الصعيد السياسي، فهي الأداة التي تحقق الأمة بها وجودا فعليا يساعدها على ممارسة دعوتها التي تخرجها من الحيز القومي الضيق إلى مجال أرحب وأوسع هو العالم والكون بأسره. الأمة تقود إلى الوحدة، والوحدة تقود إلى الدولة، لكن وجود الأمة لا يتوقف على تحقيق الوحدة أو الدولة، بل أن وجود الأمة هو الشرط الضروري لكل ما عداه " (9).

فالأمة في المجال الحضاري الإسلامي، هو المجال الحيوي الذي يتحرك فيه المسلمون لتنمية قدراتهم وتطوير أوضاعهم والتواصل مع العالم والقوى الدولية. والدولة هنا وفق هذا المنظور، ليست منفصلة عن الأمة وإرادتها وخياراتها، وإنما هي جزء من إرادة الأمة وجسرها لإنجاز مفاهيم السيادة والعزة والاستقلال والتنمية.

فالأمة هي التي تصنع الدولة، لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية الكبرى، والتي تؤكد على قيم مفصلية في التجربة التاريخية الإسلامية تتوجه إلى الأمة بأسرها..

قال تعالى [كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون] (10).

كما أن الدولة ضرورة من ضرورات الأمة والوجود الإنساني. فبها تستطيع الأمم خلق الوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 " فالسلطة ضرورية لانتظام الدنيا، وانتظام الدنيا ضروري لانتظام الدين، وانتظام الدين ضروري لتحقيق السعادة في الآخرة " (11).

وجــاء في الحـديث مـا رواه (الفضـل بن شـاذان) عـن الإمام علي بن موسى الرضا (ع): " إنا لا نجــد فرقة من الفرق، ولا ملة من الملل، بقوا وعاشوا إلا بقيم ورئيس، لما لا بد لهم منه في أمـر الدين والـدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق مما يعلم أنه لا بد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به فيقاتلون به عدوهم، ويقسمون به فيئهم، ويقيمون بـه جمعتهـم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم " (12).

" وهي (الدولة) استجابة للفطرة والضرورة التي يقتضيها الاجتماع البشري الذي لا يعقل تحققه من دونها. والمجتمع الإسلامي ليس شذوذا خارجا عن هذه الفطرة، وعن هذه الضرورة. وهي ضرورة يفرضها كون الإنسان - المجتمع جزءا من الكون المحكوم بنظام كـوني ثابت وشامل لجميع الموجودات في عوالم الجماد، والحياة النباتية، والحيوانية.. هذه العوالم التي يقف الإنسان في قمتها كائنا، واعيا، عاقلا، مريدا، مختارا، حرا.وقد سخر الله له سائر العوالم، وزوده بالوسائل والقدرات المادية والعقلية، والنفسية، للانتفاع بها في نطاق استخلافه " (13).

ولكن ينبغي أن لا تتحول هذه الضرورة إلى غول يلتهم كل إمكانات المجال الحضاري الإسلامي، أو يعطل من حركة الأمة صوب أهدافها الكبرى وتطلعاتها المستقبلية.

فالــدولة الإسـلامية التاريخية، لم تبنى إلا بعد بناء الأمة، فهي المجال الاجتماعي - الحضاري الضروري لبناء الدولة. كما أن الإضافات النوعية التي أضافتها التجربة الإسلامية إلى التاريخ الإنساني قاطبة، يرجع الفضل إلى الأمة في ذلك. إذ هي التي احتضنت إبـداعات وجهود وجهاد المسلمين، وهي التي تحملت كل الصعاب في هذا السبيل.

والدولة الحقة في عالم الإسلام، هي التي تنبثق من إرادة الأمة، بمعنى أن يكون قيام الدولة ووظائفها ومشروعها السياسي، ليس على تناقض مع مقتضيات الشرع والمصلحة العليا للمسلمين. " والدولة لا تكسب الشرعية إلا بمقدار انتمائها للأمة، وبمقدار ما تستطيع البرهان على أنها تدافع عنها وتبذل الجهد لحل مشاكلها " (14).

فالدولة وفق هذا المنظور، هي في حالاتها السوية مؤسسة من مؤسسات الأمة، لها أدوارها ووظائفها المحددة. ومع هذه المؤسسة (الدولة) تحتضن الأمة مؤسسات أخرى، وتمارس وظائف وأدوار عديدة، تتكامل في المحصلة الأخيرة مع أدوار ووظائف مؤسسة الدولة.

وانشقاق وابتعاد الدولة عن الأمة، يخرجها من كونها مؤسسة من مؤسسات الأمة، وذلك لأن انشقاقها وخروجها عن الأمة، يعني فيما يعني أن الدولة تقوم بأدوار أو تمارس خيارات ليست من خيارات الأمة. ويمكننا القول تاريخيا أن مرحلة ما بعد صفين، هي المرحلة التي تبلور في المجال العربي والإسلامي للدولة مشروعا خاصا، وهو مشروع الاستحواذ والقمع بعيدا عن مصالح الأمة الحقيقية وشؤونها العليا.

و " إن المشروع السياسي للإسلام هو تكوين الجماعة / الأمة. فهي الإطار الوحيد الذي يمكن أن يمارس الفرد فيه شعائر الدين كاملة. وهي المجال الوحيد لتحقيق الدين. وإن كانت مفارقة سخيفة أن نقول إن الدين لا يمكن تحقيقه خارج الجماعة لكنها حقيقة بديهية ربما يتناساها الكثيرون من الذين يعتبرون أن الدين، خاصة الإسلام، يمكن تحقيقه على الصعيد الفردي المحض. هذه التجربة حاولتها الصوفية لكنها تحولت عنها بعد فترة من الزمن. فقد بدأت الصوفية كأسلوب فردي في التعبير والاتصال بالله لكنها تحولت مع مرور الزمن إلى ممارسات جماعية وصارت طرقا جماعية " (15).

واختلاف المسلمين التاريخي لم يكن حول الأمة ودورها التاريخي والحضاري، ولا حول ضرورة الدولة وأهميتها للتجربة الجديدة، وإنما حول عملية إنشاءها، وطريقة ممارستها لأدوارها في الأمة على الصعيد الداخلي والخارجي، ومن أين تستمد شرعيتها وسلطتها. فالإطار المرجعي لكل المسلمين مع اختلافاتهم وتباين وجهات نظرهم بعد انتقال رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى لم يكن الدولة وإنما الأمة.

وهـذا ما يفسر لنا صمت الإمام علي بن أبي طالب عن حقوقه لمصلحة بقاء الأمة واحدة - متحدة. إذ يقول " لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري. والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله، وزهدا فيما تنافستموه من زخرفة وزبرجة " (16).

ولقد كانت لقيم الأخوة والمساواة والتعاون والتكافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومؤسسات العلم والمعرفة والخير، وجهاد وجهود الفقهاء والعلماء والمصلحين دورا مركزيا في تثبيت مرجعية الأمة، وأنها صاحبة الصوت الأعلى في التجربة التاريخية الإسلامية.

ومن خلال هذه القيم والمؤسسات كانت الأمة تؤكد ذاتها، وتعمل على تنفيذ مشروعها الحضاري، وتحصين كيانها في مواجهة أخطار الدولة المنحرفة، المستبدة، والأخطار القادمة إلى الأمة من الخارج.

الأمة والمجتمع السياسي

إن الأمة في التجربة الإسلامية التاريخية، كانت تحتضن العديد من القوى الاجتماعية والسياسية، وقد أعلنت هذه القوى عن نفسها في زمن الرسول (ص) بصورة سلمية، تحافظ على وحدة المسلمين، وتخضع جميعا إلى رمز هذه الوحدة وهو رسول الله (ص).

إلا أنه وبعد انتقال رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى، أعلنت هذه القوى عن نفسها بطرق مختلفة ومتناقضة، وأدت فيما أدت إليه إلى انقسام في جسم الأمة الإسلامية من جراء تباين آراء وخيارات المجتمع السياسي للمسلمين، والذي كان يتشكل من مجموع القوى المتوفرة في الساحة.

فالأمة التي صنعها الإسلام ومنذ بداية انطلاقته الكبرى، كانت تحتضن مجتمعا سياسيا، تطور بتطور حركة الإسلام في العالم، ومن رحم المجتمع السياسي انبثقت الدولة في التجربة السياسية الإسلامية.

لذلك نجد أن دستور (المدينة)، هو عبارة عن مشروع سياسي شامل، يسعى نحو استيعاب كل الأطياف والقوى الدينية والقبلية والسياسية الموجودة في المدينة المنورة، مشكلا منهم المجتمع السياسي الجديد، القائم على قواعد دستورية واضحة. لهذا فإن هذا الكتاب (الدستور أو الوثيقة) يعتبر المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهــم وجاهد معهم.. فهــو يعتبر جميع هؤلاء: أمة واحدة من دون الناس. (17).

 ويظهر من هذه الوثيقة، وجود رغبة أكيدة عند رسول الله (ص) لخلق نمط جديد من العلاقات بين الأفراد الذين يعيشون في مجتمع واحد.

وفي زمن الفتنة والانقسامات الداخلية التي حدثت في التجربة الإسلامية وبالذات في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، نجد أن الأمام علي بن أبي طالب وحرصا منه على سلامة الأمة ووحدتها، وإيمانه العميق بالأمة ودورها في العمران الحضاري، يتجه صوب الأمة، يحافظ على وحدتها، يعمل ويجاهد على استمرارية نهجها الحضاري، ويسعى نحو تجميع أطرافها وقواها. وفي تقديرنا أن الإمام علي بن أبي طالب بعمله هذا، استطاع أن يحد من الآثار السلبية والخطيرة على الأمة الإسلامية، من جراء الفتنة والانقسامات التي حدثت في التاريخ الإسلامي.

فكان هو ضمير الأمة ووجدانها الحي، الذي عمل على وأد الفتنة وإخماد نار وأسباب الحرب الأهلية [35 - 41 هـ].

ففي زمن التغييب القسري والإقصاء المتعمد للقيادة الشرعية في الأمة، كانت الأمة وبكل جدارة واقتدار، هي حارسة الدين وسائسة الدنيا. وبجهادها أفشلت في بعض الحقب التاريخية مؤامرات الدولة المستبدة، المتجهة إلى تقويض الأمة من الداخل، وفي حقب أخرى تمكنت الأمة من الحد من الآثار السيئة المترتبة على استبداد الدولة وغطرستها.

فالعديد من الوقائع الصدامية في العالم العربي والإسلامي، بين الدولة والمجتمع، ترجع في جوهرها إلى ابتعاد ومعاداة الدولة لخيارات الأمة السياسية. وهذه المعادة تؤدي إلى انفصال تام بين الأمة والدولة، وتصبح إمكانيات الدولة وآلياتها موجهة ضد الأمة، تسعى نحو تفتيت قواها، وزرع الشقاق في محيطها، وحرف مساراتها الحضارية.

فالدولة المستبدة عملت على إفراغ الداخل الإسلامي، من كل مقومات النهوض الحقيقي، وحاربت كل القوى الحية في الأمة، وذلك من أجل أن تسهل عملية قيادة الأمة والتحكم في مصائرها. " وإن التجربة التاريخية لأمتنا ما خلت من سلطة بل من دولة. لكن تلك الدولة شكلا ومضمونا ظلت أداة لتحقيــق أهداف الأمة الكبرى. وقد جمع الفقهاء السمتين الرئيسيتين للدولة المرجوة في مصطلحي: الكفاية والشوكة، الكفاية في الداخل، والشوكة في مواجهة الخارج. وقد بلغت السلطة اليوم على أرضنا حدا لم تعد تحقق عنده أيا من هذين الأمرين. وحركية مجتمعاتنا الآن باتجاه التغيير، واستنباط الوسائل الكفيلة بإعادة الأمور إلى نصابها، والسلطة إلى سياقها الاجتماعي: سياق الكفاية والشوكة. أمــا المستمر الآن بمعزل عن المجتمعات فهو البقاء البائس من أجل البقاء ! " (18).

وإن الوهن الحقيقي الذي أصاب التجربة السياسية الإسلامية، وأدخلها في أتون النزاعات والانقسامات الداخلية، هو في انفصال مشروع الدولة عن مشروع الأمة، وفي سعي السلطة المستميت لإقصاء قوى الأمة ومنعها من التعبير عن آراءها ومواقفها ومشروعاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية والحضارية. ومن جراء هذا الانفصال أضحى المجتمع السياسي (أو النخب السياسية في العالم الإسلامي آنذاك) منقسمة على نفسها، ودخلت مع بعضها في صراعات وانقسامات أثرت أيما تأثير على مسـار الأمة الحضاري. فالدولة المتطابقة مع مفهوم الأمة، تشكـلت من صميم الدعوة الإسلامية الجديدة، ولم تضع نفسها خارج إطار الدعوة الإسلامية حين خرجت إلى الوجود في مدينة الرسول (ص) فلقـد جاءت " كرد على حاجة تحقيق الدين الجديد " (19).

" والحقيقة المجتمعية المطلقة - والحقيقة التنظيمية المطلقة - في الإسلام هي حقيقة الأمة التي كونها الإسلام وتكونت به وصنعت تاريخها به، وتاريخ الإسلام في الحقيقة إذا حذفنا منه تاريخ الأمة، فإن الدولة الإســلامية التي تعاقبت على هذه الأمة لا يبقى لها شيء على الإطلاق " (20).

" وإذا حررت الأمة نفسها [من الاستبداد والقهر السياسي] فخط الخلافة ينتقل إليها فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأمة بتطبيق أحكام الله وعلى أساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الرباني. وتمارس الأمة دورها في الخلافة وفي الإطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين التاليتين: [وأمرهم شورى بينهم] (الشورى 38).

[والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر] (التوبة 71).

فإن النص الأول يعطي للأمة صلاحية ممارسة أمورها عن طريق الشورى ما لم يرد نص خاص على خلاف ذلك. والنص الثاني يتحدث عن الولاية وإن كل مؤمن وليّ الآخرين، ويريد بالولاية تولي أموره بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه، والنص ظاهر في سريان الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية. وينتج عن ذلك الأخذ بمبدأ الشورى، وبرأي الأكثرية عند الاختلاف " (21).

وستسعى الأمة تكافح وتجـــاهد، حتى تتشكــــل دولتها، التي تحمل على عاتقها أهداف الأمة ومطامحها الكبرى. [كنتــم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر] (آل عمران 110).

***

محمد محفوظ - باحث سعودي

......................

 الهوامش

(1) جريدة الشاهد الدولي ـ صحيفة أسبوعية تصدر في لندن العدد 24 - السبت 11 ابريل1998 مقال (الدول العربية وجدلية التحديث والعنف) للأستاذ رفيق بوشلاكه.

(2) رضوان السيد - الأمة والجماعة والسلطة: دراسات في الفكر السياسي العربي الإسلامي ص 43-44 بيروت دار اقرأ 1984م.

(3) ندوة - الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي ـ ص 143- الجزء الأول - مركز دراسات الوحدة العربية - بيروت 1989م.

(4) القرآن الكريم - سورة آل عمران (آية 103-105).

(5) القرآن الكريم - سورة البقرة - (آية 143).

(6) الفضل شلق - الأمة والدولة - جدليات الجماعة والسلطة في المجال العربي الإسلامي - ص 200-201 ـ دار المنتخب العربي - بيروت 1993م.

(7) السيد محمد باقر الصدر - الإسلام يقود الحياة - ص 159 - دار التعارف، بيروت 1990م.

(8) مجلة الاجتهاد ـ تعنى بقضايا الدين والمجتمع والتجديد العربي الإسلامي - العدد السابع، ص 12 - السنة الثانية - ربيع 1990/ 1410هـ.

(9) مجـلة الاجتهاد - تصدر عن دار الاجتهاد - العدد الثاني - ص14-15 شتاء 1989م.

(10) القرآن الكريم - سورة آل عمران (آية 110).

(11) أبو حامد الغزالي - الاقتصاد في الاعتقاد - ص 325 - الطبعة الثانية - مطبعة السعادة -مصر 1327هـ.

(12) الشيخ محمد مهدي شمس الدين - في الاجتماع السياسي الإسلامي - المجتمع السياسي الإسلامي محاولة تأصيل فقهي وتاريخي - ص 77 - المؤسسة الدولية للدراسات والنشر - بيروت 1992م.

(13) المصدر السابق - ص79.

(14) مجلة الاجتهاد - العدد السابع عشر - ص29 - السنة الرابعة - خريف العام 1992م / 1413هـ.

(15) الفضل شلق - الأمة والدولة - مصدر سابق - ص 15.

(16) محمد جواد مغنية - في ظلال نهج البلاغة - محاولة لفهم جديد - خطبة 73 - ص 360 - الجزء الأول، دار العلم للملايين - بيروت 1972م.

(17) نص الكتاب / الوثيقة (في سيرة بن هشام 2/ 501-504/ وطبقات ابن سعد 1/ 198، والبداية والنهاية لابن كثير 3/224-226).

(18) مجلة الاجتهاد - العدد الرابع عشر - ص 248- السنة الرابعة شتاء العام 1992 / 1312هـ.

(19) برهان غليون - نقد السياسة - الدولة والدين - ص67- المؤسسة العربية للدراسات والنشر - الطبعة الثانية - بيروت 1993م.

(20) راجع دراسة الشيخ محمد مهدي شمس الدين - المقدس وغير المقدس في الإسلام - مجلة المنطلق - ص10 - العدد 98 - رجب 1413هـ كانون الثاني 1993م.

(21) السيد محمد باقر الصدر - الإسلام يقود الحياة - مصدر سابق - ص153.

مقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن

يجيء السؤال عن العقل داخل التجربة الفكرية العربية المعاصرة مثقلاً بتاريخ طويل من التوتر الخلّاق بين مطلب البرهان ومطلب المعنى، بين صرامة الاستدلال ودفء الذوق وبين هندسة المفهوم وارتعاشة الروح ساعة يلامسها الوجود من داخله. ذلك أن العقل كما وعاه تراثنا الفلسفي والكلامي والأصولي والعرفاني لم يكن أداة صمّاء تُستعمل في ترتيب الأدلة فحسب، ولا كان مجرد مرآة تعكس معطيات الحس أو تنسّق مبادئ المنطق، وإنما ظلّ على الدوام موضع نزاع معرفي عميق حول ماهيته وحدوده ووظيفته ومجال سلطانه. وقد عبّر أبو حامد الغزالي في لحظة مفصلية من تاريخ الفكر الإسلامي عن هذا القلق المعرفي تعبيراً بالغ الدلالة حين جعل للعقل منزلة العين السليمة وجعل للشرع منزلة الضوء الكاشف فكأن المعرفة الحقّة لا تقوم بعين وحدها ولا بضوء وحده، وإنما تنشأ من تآلف البصيرة بما يفتح لها أفق الرؤية. وعند ابن رشد يترسخ المعنى ذاته بصيغة أخرى أكثر انتظاماً في البناء البرهاني إذ يغدو النظر العقلي فريضة شرعية ويغدو البرهان أرفع مراتب الكشف عن الموجودات، لأن “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”. أمّا عند ابن عربي فإن العقل مع جلال قدره يقف عند عتبة لا يتجاوزها إلا الذوق، لأن “الطور وراء طور العقل” ولأن الحقيقة ساعة تتجلى، تخلخل مقاييس الترتيب الذهني المعتاد فتدعونا إلى نوع من الإدراك أعمق من مجرّد التصور والتصديق.

داخل هذا الأفق المركّب تكتسب المقارنة بين محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن قيمة استثنائية لا لكونها مقابلة بين اسمين بارزين في الفكر المغربي الحديث فحسب، بل لكونها مواجهة نظرية بين تصورين متباينين لجوهر العقل العربي الإسلامي ووظيفته التاريخية ومصيره الحضاري. فالجابري يمضي بالعقل صوب مطلب البرهان ويعيد بناء مشروع النهضة على قاعدة نقد البنيات المعرفية التي حكمت الثقافة العربية الإسلامية قروناً طويلة، مستلهماً درس باشلار في القطيعة الإبستمولوجية ومستأنساً بحسّ ألتوسير في تحليل الأجهزة المفهومية، ومجاوراً على نحو مخصوص روح ابن رشد في تعظيم البرهان وترتيب المعرفة على مقتضى الدليل. أمّا طه عبد الرحمن فيسلك طريقاً آخر أشدّ التصاقاً بسؤال الإنسان في كليّته وأشدّ حذراً من اختزال العقل في وظيفته البرهانية فيردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية والأخلاقية والائتمانية ويُدخل الفعل التعبدي والسلوك التزكوي ضمن شروط إنتاج المعنى كأن العقل عنده لا يكتمل إلا إذا تهذّب ولا يصفو إلا إذا تزكّى ولا يبلغ تمام فاعليته إلا إذا تحرّر من دعوى السيادة الجافة التي جعلت الإنسان الحديث بتعبير هايدغر “سيّداً على الموجودات” قبل أن يغدو غريباً عن سرّ وجوده.

تنبع أهمية هذا الموضوع من أن الخلاف بين الرجلين لا ينحصر في اختلاف منهجي عابر ولا يُختزل في تباين لغوي بين خطاب إبستمولوجي وخطاب تداولي أخلاقي، بل يضرب في عمق التصور الحضاري للمعرفة ذاتها. فالعقل عند الجابري يطلب التحرر من سطوة البيان والعرفان حين يتحولان إلى عائق إبستمولوجي ويطلب إعادة تأسيس الذات العربية على قاعدة نقدية تجعل البرهان معياراً للتمييز بين أنماط القول، لأن أزمة النهضة في جانب معتبر منها أزمة عقل تشكّل تاريخياً داخل أنساق معرفية غير متكافئة في إنتاج الفعالية التاريخية. لذلك بدا مشروعه أشبه بمحاولة “تشريح للعقل” قصد ردّه إلى شروط إمكانه وإبراز مواطن تعثره ومواطن إمكان نهوضه. أمّا عند طه فالأزمة أعمق من مجرد اختلال في ترتيب أنظمة المعرفة؛ إنها أزمة إنسان فقد نسبته الأخلاقية إلى العالم وأصابته غفلة حضارية جعلته يستورد مفاهيم الحداثة دون أن يستنبتها في تربته الروحية. في هذا المقام ينكشف قصور العقل البرهاني متى استبدّ وحده بالمشهد، مهما بلغ من الإحكام الصوري، لأن صورة الإنسان لا تُستوفى إلا بمجموع قواه: عقل يبرهن وقلب يتأدب وروح تتطهّر ولسان يصدق وعمل يشهد على ما يعتقد صاحبه.

هذا التوتر بين البرهان والتجربة الروحية يعيد إلى الذاكرة أسئلة قديمة متجددة عرفها الفكر الإنساني في أكثر من سياق. أفلاطون رفع العقل إلى مرتبة التذكّر فجعل المعرفة ارتقاءً نحو الحق والخير والجمال. وأرسطو شدّد على انتظام البرهان ومراتب القياس. وديكارت جعل البداهة العقلية أساس اليقين بعد أن مرّ عبر نار الشك. وكانط رسم للعقل حدوده حتى لا يتورط في أوهام الميتافيزيقا حين يتجاوز مجاله المشروع. وبيرغسون نبّه إلى أن الحدس يلتقط من الحياة ما يعجز عنه العقل التحليلي ساعة يجزّئ الحركة ويقتل الديمومة. أمّا الغزالي فقد خبر حدود النظر ثم خبر حدود الذوق فخرج من المحنة الفكرية إلى مقام تتعانق فيه الحجة مع المجاهدة. كأن تاريخ الفكر كله يهمس في أذن قارئ الجابري وطه معاً، العقل لا يُفهم من داخل تعريف واحد ولا يُختزل في آلة واحدة ولا يُحاكم بمعيار منفرد.

وتتحدد مهمة هذا المقال في مساءلة الكيفية التي صاغ بها الجابري صورة العقل البرهاني بوصفه أفقاً لتحرير الفكر العربي من اختناقات الموروث المعرفي والكيفية التي أعاد بها طه عبد الرحمن وصل العقل بالتجربة الروحية والأخلاقية حتى يستعيد الإنسان وحدته الممزقة تحت ضغط الحداثة الأداتية. والمقصود هنا ليس ترجيح اسم على اسم ولا إقامة مفاضلة مدرسية سطحية بين مشروعين كبيرين، بل الكشف عن طبقات السؤال الفلسفي الكامن وراءهما، هل يكفي البرهان كي يُنتج عقلانية قادرة على حمل الإنسان العربي إلى أفق حضاري جديد؟ أم أن البرهان إذا انفصل عن التزكية والائتمان يتحول إلى عقل أداتي فاقد للبوصلة؟ وهل التجربة الروحية قادرة وحدها على بناء معرفة عمومية مؤسسة أم تحتاج بدورها إلى نظام من الضبط المفهومي يحفظها من الانزلاق إلى التسيّب والالتباس؟ هنا بالذات تنفتح المقارنة على رهان أوسع، رهان إعادة تعريف العقل العربي المعاصر على صورة كائن يفكر ويزكّي نفسه معاً، يبرهن ويتهذّب ويقرأ العالم بعيون المنطق ويصغي إليه بقلب المسؤولية.

إذا كان الفكر العربي المعاصر قد عرف أسماء كثيرة اشتغلت على سؤال النهضة والحداثة والتراث والإنسان، فإن قليلين منهم استطاعوا أن يجعلوا من مفهوم العقل نفسه ميداناً لصراع فلسفي حقيقي لا على مستوى الاصطلاح وحده، بل على مستوى الرؤية الكلية للوجود والمعرفة والتاريخ. ويبرز محمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن في سياقنا هذا بوصفهما اسمين كبيرين لا لأنهما قدّما مشروعين مؤثرين داخل الثقافة العربية الحديثة فحسب، بل لأنهما جعلا من العقل سؤالاً مصيرياً يرتبط بمستقبل الإنسان العربي ومآل حضارته ويرتبط أيضاً بحدود ما يمكن أن تمنحه الحداثة حين تُستقبل داخل أفقنا الثقافي وما يمكن أن يتيحه التراث حين يُقرأ قراءة نقدية أو يُستعاد استعادة إبداعية. وعند التأمل العميق في المشروعين يتبيّن أن الخلاف بينهما لا يدور حول تفاصيل منهجية جزئية ولا حول مجرد تباين في اللغة أو الأسلوب أو الإحالات المرجعية بل يتعلق بجوهر الموقف من العقل ذاته، هل العقل في أساسه برهاني نقدي يقوم على القطع مع أنماط الوعي التي أعاقت فعاليته التاريخية أم أن العقل مهما بلغ من الصرامة البرهانية يبقى ناقصاً إذا انفصل عن التجربة الروحية والأفق الأخلاقي والتزكوي الذي يمنحه معناه الإنساني الأعلى؟.

لقد كان الجابري شديد الوعي بأن سؤال النهضة في المجال العربي الإسلامي لا يُجاب عنه بخطابات وجدانية ولا بشعارات عامة عن الأصالة والمعاصرة ولا بالاحتماء بمجد ماضٍ جليل، وإنما يُجاب عنه بالعودة إلى البنية العميقة التي شكّلت طرائق التفكير، أي إلى ما سمّاه “العقل العربي” بما هو منظومة من الآليات والإجراءات والمسلّمات التي حكمت إنتاج المعرفة وتداولها داخل الثقافة العربية الإسلامية. وهو حين اختار هذا المدخل لم يكن يبحث عن وصف سيكولوجي للعرب ولا عن حكم جوهري على ماهية ثابتة وإنما كان يتقصّد ما يمكن تسميته بالبنية الإبستمولوجية للثقافة، أي الشروط التي تنظّم القول وترتب سلّم الشرعية المعرفية وتحدّد ما يُقبل دليلاً وما يُرفض، وما يدخل في حيّز البرهان وما يُلقى في مجال التسليم أو الذوق أو البيان. لذلك جاء مشروعه في “نقد العقل العربي” أقرب إلى حفريات فكرية واسعة النطاق تشتغل على تفكيك الأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، ثم تعيد ترتيبها على ضوء سؤال الفعالية التاريخية.

في هذا الترتيب تتبدى مركزية البرهان عند الجابري. فالبرهان في تصوره ليس مجرد تقنية منطقية ولا هو صورة مدرسية للقياس الأرسطي بل هو نمط في بناء العقل يقتضي الوضوح والاتساق والقدرة على إقامة العلاقة بين المقدمات والنتائج على نحو يسمح بالمراجعة والنقد والاختبار. ولعل هذا ما يفسر احتفاءه بابن رشد احتفاءً بالغاً حتى بدا وكأنه يستعيده لا بوصفه شخصية تراثية كبيرة فحسب، بل بوصفه إمكاناً تاريخياً معطّلاً داخل الثقافة العربية أو بوصفه النموذج الذي كان يمكن أن يُؤسّس تقليداً عقلانياً مختلفاً لو أن الشروط التاريخية أسعفته. وكان الجابري يرى أن البيان على جلالة مكانته في علوم اللغة والفقه والكلام قد أسّس في كثير من تجلياته لعقل يطلب المشروعية من سلطة النص في صورته الموروثة أكثر مما يطلبها من انتظام النظر. كما رأى أن العرفان بما هو بناء معرفي قائم على الكشف والإشراق والباطن قد وسّع مساحة اللامفكَّر فيه وأدخل في بنية الوعي عناصر تُضعف مطلب الموضوعية وتربك صرامة البرهان. ومن هنا كان ميله واضحاً إلى إعادة الاعتبار للعقل البرهاني لا على سبيل النسخ الميكانيكي للتراث الرشدي بل على سبيل جعله أفقاً نقدياً لنهضة حديثة.

ولم يكن هذا الخيار عند الجابري معزولاً عن أفق فلسفي أوسع، تأثر فيه بوضوح بالدرس الإبستمولوجي الفرنسي خاصة عند باشلار الذي نبّه إلى أن المعرفة العلمية لا تتقدّم إلا عبر قطيعات مع عوائقها الداخلية وأن العقل لا ينمو نمواً خطياً بريئاً بل يتشكّل عبر صراع مع أوهامه ومسبقاته. كما تأثر من جهة أخرى بألتوسير في حسّه البنيوي الذي يبحث عن الأجهزة المفهومية لا عن النوايا الذاتية. لذلك بدت قراءته للتراث قراءة تحاكمه بمنطق الفعالية المعرفية لا بمنطق التقديس أو الاستهجان. وهذا ما منح مشروعه قوة كبيرة لأنه حرّر سؤال التراث من ثنائية التمجيد والرفض وأدخله في حقل النقد. غير أن هذه القوة نفسها كانت تحمل نقطة توتر خفية، فالعقل البرهاني الذي أعاد الجابري بناءه بدا أحياناً وكأنه يتعامل مع أنماط أخرى من المعرفة بوصفها عوائق أو بقايا تاريخية أو أنساقاً أقلّ جدوى أكثر مما يتعامل معها بوصفها تعبيرات عن حاجات إنسانية وروحية وأنثروبولوجية عميقة.

هنا يجيء طه عبد الرحمن ليقلب ترتيب السؤال من أساسه. فهو لا يبدأ من تشريح البنية الإبستمولوجية للتراث كما فعل الجابري بل يبدأ من مساءلة المفهوم الحديث للعقل نفسه ومن نقد دعوى الاكتفاء البرهاني حين يتحول العقل إلى أداة تجريدية تفصل الإنسان عن أخلاقه وعن سرّه الوجودي. وطه بما هو فيلسوف لغوي ومنطقي من جهة ومفكر أخلاقي روحي من جهة أخرى لا يرفض البرهان من حيث المبدأ ولا يستخف بقيمته بل مارس المنطق واشتغل في التداوليات ووعى صرامة المفهوم على نحو يجعل الاعتراض عليه باسم “اللاعقلانية” اعتراضاً متهافتاً. غير أن طه يرى أن الحداثة الغربية نفسها وقد رفعت العقل إلى مقام المرجعية العليا، انتهت في كثير من وجوهها إلى عقل أداتي يحسن التنظيم والسيطرة والحساب ويعجز عن أن يمنح الإنسان معنى وجوده أو يرشده إلى الغاية من فعله. وفي هذا يلتقي من وجه ما مع نقد هوركهايمر للعقل الأداتي ومع تنبيهات هايدغر إلى أن التقنية ليست مجرد أدوات بل هي نمط في انكشاف العالم يهدد الإنسان نفسه بالتحول إلى مورد ضمن جهاز الاستعمال.

ومن هذا المنطلق يميّز طه بين مراتب للعقل ويرفض اختزاله في صورة واحدة. فالعقل عنده ليس آلة صورية تشتغل في فراغ وإنما هو ممارسة وجودية وأخلاقية وروحية. والإنسان لا يعقل حقا إلا بمقدار ما يتأدب في استعمال العقل ويتزكّى في قصده ويتحمّل مسؤوليته أمام الحق والخلق. ولهذا كان مشروعه الائتماني مشروعاً لإعادة وصل المعرفة بالأمانة والفكر بالعمل والمنطق بالتزكية والحرية بالمسؤولية. إن طه يرفض أن يُفصل العقل عن مجاله التداولي الحي كما يرفض أن يُعزل عن شروطه الأخلاقية. ولذلك نجده يوسّع من مفهوم الدليل فلا يحصره في البرهان المنطقي وحده بل يفتح المجال أمام ما يمكن تسميته بالشهادة الوجودية أو الصدق العملي أو المعنى المتحقق في التجربة. والحق أن هذا التوسيع ليس استسلاماً للغموض كما قد يظن بعض قرّائه بل هو احتجاج فلسفي على النزعة التي جعلت العقل الحديث أسير ما يمكن قياسه أو برهنته في حدوده الصورية الضيقة.

إذا أردنا أن نصوغ الفرق بين الرجلين في عبارة مكثفة أمكننا القول إن الجابري يسأل كيف نحرر العقل من الشوائب التي عطّلت فعاليته التاريخية؟ وطه يسأل كيف نحرر العقل من وهم الاكتفاء بذاته حين ينسى جذره الأخلاقي والروحي؟ السؤال الأول تحكمه هواجس النهضة والتاريخ والبنية المعرفية. والسؤال الثاني تحكمه هواجس الإنسان والائتمان والمعنى. الأول يتطلع إلى عقل ينهض بالأمة عبر البرهان والنقد وإعادة ترتيب العلاقة بالتراث. الثاني يتطلع إلى عقل ينهض بالإنسان عبر التزكية والتخلق وتجديد الصلة بالمطلق. وبين السؤالين مسافة واسعة لكنها ليست مسافة قطيعة مطلقة لأن كليهما في نهاية المطاف يعترف بأن أزمة العالم العربي أزمة عقل غير أن كلا منهما يحدد العلة في موضع مختلف.

لقد كان الجابري في عمق مشروعه متأثراً بروح ابن رشد أكثر من تأثره بحرفية نصوصه. فهو لم يستدع ابن رشد لكي يكرر عباراته بل استدعاه بوصفه إمكاناً رمزياً لعقلانية عربية ممكنة. وابن رشد كما هو معلوم لم يكن ينظر إلى البرهان نظرة تقنية محضة بل كان يراه طريقاً إلى فهم الشرع والعالم معاً، وكان يعتبر أن النظر في الموجودات من جهة دلالتها على الصانع فريضة. غير أن الجابري بحكم انشغاله بإعادة بناء العقل العربي داخل أفق حداثي أعاد قراءة الرشدية قراءة حديثة فصارت البرهانية عنده أقرب إلى أفق إبستمولوجي وتاريخي لا إلى تكامل ميتافيزيقي أو لاهوتي. ومن هنا يجيء اعتراض طه الضمني عليه، إذ يرى أن كل قراءة تفصل العقل عن مقام التعبد والتخلق ولو كانت باسم التحرير فإنها تقع في صورة أخرى من الاختزال.

ولا يمكن فهم موقف طه دون استحضار أثر الغزالي وابن عربي وأهل السلوك في خلفيته مع أن طه لا يكررهم تكراراً. فالغزالي حين قال إن العقل شرط في أصل المعرفة ثم بيّن أن العقل نفسه قد يقف عند حدّ لا يتجاوزه إلا نور يقذفه الله في القلب لم يكن يهدم العقل، بل كان يعيد ترتيبه داخل بنية أوسع للمعرفة. وابن عربي حين يميّز بين العلم العقلي والعلم الذوقي لا يسخر من البرهان بل يبيّن أن الوجود أغنى من أن يُستوعب في شبكات المفهوم وحدها. وطه يلتقط هذا الخيط لكنّه يصوغه بلغة فلسفية حديثة فيجعل التجربة الروحية نفسها موضوعاً للتفكير المفهومي ويجعل الأخلاق منطقاً أعلى للفعل الإنساني. بهذا المعنى فإن مشروعه لا يكتفي بنقد الحداثة الغربية بل ينقد أيضاً صور التحديث العربي التي أخذت من الغرب أدواته وتركت سؤاله الأخلاقي معلّقاً.

غير أن الإنصاف الفلسفي يقتضي أن نقول إن كلا من المشروعين يواجه بدوره إشكالات داخلية لا يجوز إغفالها. فالجابري مع كل ما قدّمه من دقة تحليلية ومن شجاعة نقدية ومن إعادة بناء كبرى للخريطة المعرفية للتراث قد وقع أحياناً في نوع من الصرامة التصنيفية التي تجعل الحدود بين البيان والعرفان والبرهان أكثر صلابة مما تسمح به الوقائع النصية والتاريخية. فالتراث الإسلامي في كثير من نصوصه الكبرى أكثر تداخلاً من أن يُحشر في خانات مفصولة بإحكام. وقد نجد عند فقيهٍ عناصر ذوقية وعند صوفيّ بناءً استدلالياً وعند متكلمٍ حسا بيانيا وميتافيزيقيا معاً. بل إن ابن رشد نفسه الذي احتفى به الجابري لم يكن مجرد منطقي جاف وإنما كان فقيهاً أصوليا فيلسوفا وقاضيا وطبيباً، أي كان عقلاً موسوعياً يتنفس داخل وحدة ثقافية مركبة. لذلك فإن تعظيم البرهان إذا تحول إلى حساسية استبعادية تجاه بقية الأبعاد، قد ينتهي إلى إعادة إنتاج نوع من الاختزال الذي كان الجابري نفسه يقاومه في صور أخرى.

وفي المقابل فإن طه عبد الرحمن على عمق مشروعه وفرادته وقوته المفهومية يظل عرضة لسؤال آخر، كيف يمكن للتجربة الروحية بما هي ذاتية وذوقية وتزكوية أن تتحول إلى أفق عمومي مشترك داخل فضاء فكري يحتاج إلى معايير قابلة للتداول والنقاش والاختبار؟ إن البرهان على محدوديته يمتلك قابلية عمومية واضحة لأن منطق الدليل يسمح بالمراجعة والاعتراض والتفنيد. أمّا الذوق الروحي فمهما ارتفع مقامه يظل مهدداً بسوء الفهم أو الادعاء أو الانزلاق إلى سلطة رمزية يصعب ضبطها. ولهذا كان المتصوفة الكبار أنفسهم شديدي الحذر من إطلاق القول في دقائق التجربة دون ميزان. يقول الجنيد: “علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة”، وكأن الروح نفسها تحتاج إلى قانون يحفظها من الفوضى. ومن هنا فإن مشروع طه كي يتحول إلى بديل حضاري كامل يظل مطالباً دوماً ببيان الكيفية التي تُترجم بها التجربة الروحية إلى مؤسسات ومعايير ومجالات تداول عمومي دون أن تفقد روحها أو تتحول إلى وعظ مجرّد.

على أن القيمة الحقيقية للمقارنة بين الجابري وطه لا تكمن في إعلان انتصار أحدهما على الآخر، فذلك تبسيط مخلّ لا يليق بمشروعين من هذا الحجم، وإنما تكمن في أن كلا منهما يضيء نقص الآخر ويكشف حدّه. فالجابري يذكّرنا بأن النهضة لا تقوم على النوايا الطيبة ولا على الحنين الروحي إذا غاب النقد الصارم للبنيات المعرفية التي تنتج التخلف. وطه يذكّرنا بأن العقل إذا صار جهازاً بارداً للفرز والتصنيف والتحليل دون أن يتصل بالأخلاق والروح فإنه قد ينتج حضارة فعالة وآلة متقدمة وإنساناً ناقصاً. الجابري يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام التراث حين يتحول إلى سلطة تعطل السؤال. وطه يطالبنا بأن نكون يقظين إزاء أوهام الحداثة حين تتحول إلى سلطة تنزع عن الإنسان سره. وفي هذا المعنى العميق يبدو الرجلان على شدة اختلافهما متكاملين أكثر مما يبدو لأول وهلة.

ولعل الفكر العربي اليوم أحوج ما يكون إلى تجاوز القراءة الاصطفافية التي تجعلنا مضطرين إلى الاختيار القاطع بين البرهان والروح، بين النقد والتزكية، بين ابن رشد والغزالي وبين العقلانية والإحسان. فالتاريخ الفعلي للثقافة الإسلامية نفسها يشهد بأن لحظات العطاء الكبرى لم تكن وليدة قطيعة جذرية بين هذه الأبعاد بل كانت ثمرة توتر خلاق بينها. كان الشاطبي وهو من أدق العقول المقاصدية يمارس استدلالاً بالغ الصرامة دون أن يقطع مع المقصد الإيماني للشريعة. وكان فخر الدين الرازي يجمع بين الجدل العقلي الرفيع وحسّ روحي ظاهر. وكان ابن عاشور في العصر الحديث يستثمر أدوات الأصول واللغة والتاريخ دون أن يفصلها عن هاجس الهداية. حتى في الفلسفة الغربية الحديثة لم تكن المسألة محسومة على صورة عقل محض. فباسكال صاحب العقل الرياضي العظيم قال كلمته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”. وبيرغسون دافع عن الحدس دون أن يهدم التحليل. وكيركغارد جعل الوجود الفردي أعمق من نسق هيغل المغلق. كأن التجربة الإنسانية كلما نضجت ازدادت مقاومةً للاختزال.

إن الجابري وطه عبد الرحمن يعبّران عن لحظتين ضروريتين في وعي العقل العربي بذاته. لحظة تطلب التحرير عبر النقد والبرهان وإعادة ترتيب الخريطة المعرفية. ولحظة تطلب الإنقاذ عبر الأخلاق والائتمان وإعادة وصل الإنسان بأفقه الروحي. الأولى تحمي الفكر من السقوط في التكرار والتسليم والتمويه. والثانية تحميه من السقوط في الجفاف والعدمية والفراغ القيمي. الأولى تسأل عن شروط إنتاج الحقيقة في المجال المعرفي. والثانية تسأل عن شروط استحقاق الحقيقة في المجال الوجودي. الأولى تنظر إلى العقل من جهة بنيته ووظيفته. والثانية تنظر إليه من جهة مقامه ووجهته، وكل عقل يكتفي بواحدة منهما يظل عقلاً مبتوراً.

والذي يظهر عند التأمل أن أفقاً تركيبياً يلوح في الأفق لمن أراد أن يقرأ الرجلين قراءة مثمرة لا مدرسية. هذا الأفق لا يساوي بينهما تسوية سطحية ولا يذيب الفروق الجوهرية بين مشروعين مختلفين، بل يستثمر التوتر بينهما لإعادة بناء مفهوم أرحب للعقل. عقلٌ يملك شجاعة النقد التي طالب بها الجابري فلا يخضع لسلطة الموروث دون تمحيص ولا يكتفي بمهابة النصوص أو سطوة الجماعة أو هيبة التاريخ. وعقلٌ يملك في الوقت نفسه تواضع الائتمان الذي دعا إليه طه فلا يغترّ بقدرته البرهانية حتى يتوهّم أنه مركز الوجود وغايته. عقلٌ يعرف أن الحقيقة تُطلب بالدليل وأن الدليل نفسه يحتاج إلى ضمير يحسن استعماله. عقلٌ يقرأ التراث بعين الناقد وقلب الوارث ويقرأ الحداثة بعين المستفيد وقلب المتحفّظ فلا يستسلم لماضوية مغلقة ولا يذوب في حداثة فاقدة للروح.

إن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن ليست مجرد درس في تاريخ الأفكار المغربية المعاصرة على جلالة هذا الدرس، وإنما هي امتحان حيّ لقدرتنا على إعادة التفكير في الإنسان العربي نفسه. أي إنسان نريد؟ أإنساناً يبرهن دون أن يتطهّر؟ أم إنساناً يتطهّر دون أن يبرهن؟ أي نهضة نرجو؟ أنهضة تبني مؤسسات وتنتج مفاهيم وتعيد ترتيب المعرفة لكنها تترك الروح عطشى؟ أم نهضة تُكثر من الحديث عن المعنى والصفاء والتزكية لكنها تعجز عن بناء عقل عمومي نقدي قادر على إدارة العالم؟ إن الجواب الذي يليق بتاريخنا وبتحديات عصرنا معاً لا يسعه أن يكتفي بأحد الطرفين. فالعقل الذي يطلبه زمننا العربي اليوم عقلٌ جامع: رشديٌّ في صرامته، غزاليٌّ في محاسبته لنفسه، شاطبيٌّ في فقهه للمقاصد، وابن عربيٌّ في وعيه بأن الوجود أوسع من حدود العبارة. وحين يبلغ الفكر هذا المقام يغدو البرهان نفسه تجربة روحية من حيث هو طلب مخلص للحقيقة وتغدو التجربة الروحية نفسها برهاناً من حيث هي تزكية تُنير النظر وتطهّر القصد.

ويظل الجابري علماً على ضرورة النقد ويظل طه علماً على ضرورة الائتمان، وبين النقد والائتمان، بين البرهان والذوق وبين صرامة المفهوم وحرارة المعنى تتحدد معركة العقل العربي المقبلة. وهي معركة لا تحتاج إلى انتصار اسم على اسم بل تحتاج إلى شجاعة فكرية تعترف بأن العقل لا يُستنفد في المنطق وحده ولا يُستوفى في الوجدان وحده وأن الحضارة التي نطلبها لا تُبنى بآلة بلا روح ولا بروح بلا آلة، بل تُبنى بإنسان اكتملت فيه ملكة النظر كما اكتملت فيه أهلية الأمانة. وذلك في ظني هو الدرس الأعمق الذي تهبنا إياه هذه المقارنة، أن العقل الحق لا يكتفي بأن يكون قادراً على إقامة الدليل بل يحرص أيضاً أن يكون جديراً بحمل الحقيقة.

غير أن المقارنة بين الجابري وطه عبد الرحمن لا تستنفد معناها إذا وقفت عند حدود التمييز بين عقل برهاني وعقل موصول بالتجربة الروحية لأن هذا التحديد على أهميته يظل في مستوى الوصف العام ما لم ننفذ إلى الطبقة الأعمق التي يتحرك فيها كل مشروع، أعني طبقة التصور الكلي للإنسان وللعالم وللحقيقة. فالفلاسفة الكبار لا يختلفون فقط في أدوات النظر وإنما يختلفون قبل ذلك وبعده في صورة الإنسان التي يحملونها في ضمائرهم وهم يفكرون. إن الجابري حين كان يدافع عن البرهان لم يكن ينتصر لصيغة منطقية مجردة بل كان يدافع عن صورة للإنسان العربي بوصفه كائناً ينبغي أن يتحرر من أشكال الوعي التي كبّلت فعله التاريخي وأن يستعيد قدرته على النقد والتمييز والاختيار. وطه حين كان يردّ الاعتبار إلى التجربة الروحية لم يكن يطلب من الإنسان أن يفرّ من العالم إلى زاوية وجدانية وإنما كان يريد له أن يستردّ كرامته الوجودية التي أضاعتها حضارة التقنية حين جعلته سيداً في الظاهر وأسيراً في العمق.

ولذلك فإن الفارق بين الرجلين يظهر بجلاء في موقف كل واحد منهما من التراث. الجابري يقرأ التراث بعين المؤرّخ الإبستمولوجي الذي يسائل البنيات ويُخضع النصوص لميزان الفعالية المعرفية ويبحث عن اللحظة التي انحرف فيها العقل العربي عن إمكانه البرهاني. ولهذا كانت قراءته في مواضع كثيرة أقرب إلى التشريح العقلي الصارم حيث تتراجع حرارة الانتماء لصالح برودة التحليل. وقد كان في هذا وفاء لمهمة فكرية دقيقة لأن التراث حين يتحول إلى موضوع للمهابة المطلقة يفقد قابليته للإثمار ويصير عبئاً على الحاضر بدل أن يكون رصيداً له. وما أكثر ما وقع الفكر العربي الحديث في هذا المأزق حين ظنّ أن الوفاء للسلف يقتضي تكرار عباراتهم لا استئناف روح اجتهادهم. وقد كانت شجاعة الجابري في تفكيك البنى المعرفية للتراث عملاً تأسيسياً لأنه ردّ إلينا حقّ السؤال داخل فضاء طالما أحاطته قداسة تمنع الاقتراب.

غير أن طه عبد الرحمن ينظر إلى التراث من جهة أخرى أعمق التصاقاً بالمعنى الحي الذي يسكنه. فهو لا يرفض النقد لكنه يرفض أن يتحول النقد إلى قطيعة وجدانية أو أن يُختزل التراث في جهاز مفاهيمي يُفكَّك كما تُفكَّك الآلات. فالتراث عنده ليس مجرد مواد معرفية متراكمة بل هو أيضاً ميراث روحي وأخلاقي وتجربة وجودية أي هو “حياة” قبل أن يكون “نصوصاً”. وهنا كان شديد التحفّظ من كل قراءة تفصل الأقوال عن أحوال أصحابها أو تفصل المفاهيم عن المقامات التي نشأت فيها. فالفقيه والمتكلم والصوفي عنده لا يُفهمون حقا إذا اكتفينا بتصنيف أنساقهم لأن لكل واحد منهم خبرة مخصوصة بالعالم وصلة مخصوصة بالحقيقة وسلوكاً ينعكس في بنية خطابه. هذه الحساسية العميقة تجاه “الحيّ” في التراث هي التي تجعل مشروع طه أقرب إلى الاستنبات منه إلى الاستيراد وأقرب إلى التخلّق منه إلى التمفصل النظري المحض.

وهنا يتكثف موضع الخلاف الحقيقي، الجابري يبحث عن شروط إمكان نهضة عقلية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس برهاني نقدي. وطه يبحث عن شروط إمكان نهضة إنسانية عبر إعادة ترتيب العلاقة بالتراث على أساس ائتماني أخلاقي. الأول يسأل عن البنية، والثاني يسأل عن الروح. الأول يريد أن يعرف كيف اشتغل العقل العربي في التاريخ، والثاني يريد أن يعرف كيف ينبغي أن يشتغل الإنسان العربي في الوجود. ولعل هذه المفارقة الدقيقة هي التي تفسر لماذا بدت لغة الجابري أكثر التصاقاً بالدرس الفلسفي الحديث في صيغته الإبستمولوجية بينما بدت لغة طه أكثر اشتباكاً مع الموروث اللغوي والأصولي والصوفي مع استثمار عميق للمنطق والتداوليات الحديثة. فلكل واحد منهما “اقتصاد مفهومي” يعكس أفقه الوجودي قبل أن يعكس اختياره المنهجي.

ومن أخصب المداخل لفهم هذا التباين النظر في معنى “العقلانية” عند كل واحد منهما. العقلانية عند الجابري ذات طابع تحريري وتاريخي لأنها تُستدعى بوصفها أداة لكسر البنيات المانعة للفعل وتحرير الوعي من أشكال الخلط بين مستويات المعرفة وإقامة علاقة جديدة بين الفكر والواقع. إنها عقلانية تسائل المسلّمات وتعيد ترتيب الشرعيات وتفضّل الوضوح المفهومي على الغموض وتُعلي من شأن البرهان بوصفه القاسم المشترك الذي يمكن أن تتأسس عليه معرفة عمومية قابلة للنقاش. حيث إن الجابري رغم اختلاف سياقه كان قريباً من الروح التي جعلت كانط يعلن أن التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. فالعقل هنا شجاعة استعمال للفكر دون وصاية.

أما العقلانية عند طه فليست مجرد شجاعة فكرية بل هي أيضاً أهلية أخلاقية. لا يكفي أن تستعمل عقلك بل ينبغي أن تستعمله استعمالاً مؤتمناً. لا يكفي أن تُحسن البرهنة بل ينبغي أن يكون قصدك متطهراً من الأهواء التي تُفسد النظر. لا يكفي أن تملك أدوات التحليل بل ينبغي أن تدرك أن الحقيقة لا تُنال كلها من خارج الذات بل يُنال بعضُها بتهذيب الذات نفسها. ومن هنا كانت عقلانيته أقرب إلى ما يمكن تسميته “العقلانية المتخلّقة”، حيث العقل ليس سيداً متعالياً على بقية الملكات بل هو قوة تتكامل مع الضمير والحياء والعبودية والمسؤولية. وهذا البعد يجعل مشروعه شديد الأصالة لأنه يحررنا من الوهم الشائع القائل إن البديل عن العقل الأداتي هو الوجدان الغامض أو الخطاب الوعظي، بينما هو في الحقيقة يبني تصوراً فلسفياً دقيقاً لعقل أوسع من الحساب وأعمق من التجريد.

غير أن ما يثير الانتباه أكثر هو أن الخلاف بينهما يتجاوز المجال النظري إلى تصور مختلف للحداثة نفسها. الجابري على الرغم من نقده العميق للتراث لم يكن منبهرا بالغرب انبهار التابع بل كان يسعى إلى عقلنة العلاقة بالحداثة. كان يريد أن يأخذ منها آلياتها المعرفية وروحها النقدية لا أن يذوب فيها ذوباناً. ولذلك ظلّ مشروعه في جوهره مشروعاً لإعادة بناء الذات العربية من الداخل وإن استأنس بمناهج حديثة. لكن هذه الحداثة في صورته تظل مرتبطة بقوة بالفضاء المعرفي والسياسي والتاريخي أي بقدرة المجتمع على إنتاج عقل عمومي نقدي.

أما طه فإنه يرى أن الحداثة الغربية رغم ما حققته من مكاسب هائلة تحمل في أصلها اختلالاً بنيوياً لأنها فصلت بين التقدم المادي والارتقاء الروحي وبين القوة والمسؤولية وبين الحرية والانضباط الأخلاقي. لذلك لم يكن معركته مع الحداثة معركة رفض بل معركة تفكيك وانتقاء وتجاوز. كان يصرّ على أن لكل أمة حقها في حداثتها وأن الحداثة ليست قالباً جاهزاً يُستنسخ بل إمكاناً تاريخياً يُعاد توليده بحسب المرجعيات الحية للشعوب. ومن هنا كان حديثه عن “روح الحداثة” لا عن قشورها وعن إمكان حداثة أخلاقية أو ائتمانية تستفيد من منجزات العصر دون أن تخسر روح الإنسان.

وهذا كله يفضي بنا إلى السؤال الأصعب، هل يمكن فعلاً تركيب أفق يجمع بين مطلب الجابري ومطلب طه أم أن التوتر بينهما تَنازُع لا يقبل المصالحة؟ الظاهر أن كثيراً من القراءات المتعجلة تتعامل مع المشروعين بمنطق المفاضلة الحدّية، إما أن نكون مع البرهان ضد الروح أو مع الروح ضد البرهان. وهذا في تقديري فهم قاصر لأن تاريخ الفكر الإنساني كله يعلّمنا أن الثنائيات الحية لا تُحلّ بالإلغاء بل بالتجاوز الخلاق. إن البرهان إذا فهمناه في جوهره الأصيل ليس عدوا للروح لأن الروح الصادقة لا تخاف من الحقيقة والحقيقة لا تضيق بالدليل. كما أن التجربة الروحية إذا تحررت من الادعاء والالتباس لا تُلغي العقل بل تزكّيه وتطهّر مجاله من الشهوات الخفية التي قد تفسد منطقه من حيث لا يشعر.

لقد أدرك كبار مفكرينا هذا التوازن بطرائق مختلفة. فابن رشد مع كل صرامته البرهانية لم يكن فيلسوفاً ماديا ولا عقلاً أداتياً بل كان ينظر إلى الوجود بوصفه كتاباً مفتوحاً على الحكمة. والغزالي مع كل احتفائه بالتجربة الباطنية لم يهدم العقل بل وصفه في أكثر من موضع بأنه أصلٌ في معرفة الشرع. والشاطبي في تأسيسه للمقاصد جمع بين الاستقراء العقلي والنظر المقاصدي الذي يستبطن حكمة الشريعة وروحها. وحتى ابن تيمية على ما بينه وبين الفلاسفة والمتكلمين من جدل كان يصرّ على أن صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول. كأن تراثنا في أجود لحظاته كان واعياً بأن الانقسام الحاد بين العقل والروح انقسام مصطنع أكثر مما هو قدر محتوم.

ومن ثمّ تتجلى القيمة الأخصب للمقارنة بين الجابري وطه أنها لا تكمن في أن ننصب أحدهما قاضياً على الآخر بل في أن نستخرج من التوتر بينهما درساً مركباً لزمننا. نحن اليوم في عالم عربي يئنّ تحت ضغط أزمتين متداخلتين، أزمة بنيوية في المعرفة والسياسة والمؤسسات والتعليم وأزمة معنوية في الأخلاق والغاية والهوية والإنسان. الأزمة الأولى لا يعالجها خطاب روحي منفصل عن نقد البنيات. والأزمة الثانية لا يعالجها عقل تقني بارع في التشخيص عاجز عن بثّ المعنى. إن من يريد أن يفكر اليوم بجدية لا يملك ترف الانحياز الأحادي. عليه أن يتعلم من الجابري صرامة النقد ومن طه شرف الائتمان. عليه أن يدرك أن تحرير العقل من الخرافة لا يكفي إذا بقي القلب مستباحاً للنزوات ولعبادة القوة. وعليه أن يدرك كذلك أن تزكية القلب لا تكفي إذا بقي العقل أسير التكرار وسلطة الموروث وكسل السؤال.

ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه القارئ العربي اليوم هو أن يحوّل المشروعين إلى رايتين أيديولوجيتين بدل أن يجعلهما موردين للفهم. فكم من قارئ اتخذ الجابري ذريعة للازدراء السهل لكل تراث روحي وكأن التصوف كله عتمة والعرفان كله ضلال إبستمولوجي. وكم من قارئ اتخذ طه ذريعة للارتياب في كل مطلب نقدي وكأن البرهان بدعة حداثية غربية لا نصيب لها في بنية الفكر الإسلامي. والحال أن الرجلين لو قُرئا بإنصاف أرفع من هذه الاستعمالات الضيقة. الجابري لم يكن عدوا للتراث في ذاته بل كان عدوا لجموده ولأوهامه المعرفية. وطه لم يكن عدوا للعقل بل كان عدوا لاختزاله ولغطرسته حين يدّعي الكفاية المطلقة.

وأرى أن ما يحتاجه الدرس الفلسفي العربي اليوم هو إعادة فتح الحوار بين المشروعين على نحو أكثر نضجاً وأقلّ انفعالاً. نحتاج إلى قراءة الجابري من داخل سؤال الإنسان لا من داخل سؤال البنية وحده. ونحتاج إلى قراءة طه من داخل سؤال العمومية المعرفية لا من داخل سؤال التزكية وحده. نحتاج إلى أن نسأل كيف يمكن للبرهان أن يصير أخلاقيا وكيف يمكن للتجربة الروحية أن تصير قابلة للتداول العمومي دون أن تُبتذل؟ كيف يمكن للعقل النقدي أن يظل متواضعاً أمام ما يتجاوز حدوده؟ وكيف يمكن للروح أن تبقى منضبطة بميزان يمنعها من الانفلات؟ تلك أسئلة لو أُحسن طرحها لأثمرت فلسفة عربية معاصرة أكثر رسوخاً وأقلّ ارتهاناً للثنائيات الكسولة.

إن الجابري وطه عبد الرحمن لا يمثلان مجرد اتجاهين مختلفين داخل الفكر المغربي الحديث بل يمثلان امتحانين متكاملين للعقل العربي في سعيه إلى استعادة نفسه. الجابري يمتحن قدرتنا على الشك المنهجي وعلى تفكيك المسلّمات وعلى إعادة ترتيب علاقتنا بالتراث وفق منطق البرهان والفعالية التاريخية. وطه يمتحن قدرتنا على مقاومة الإغراء الحداثي حين يتحول إلى عبادة للأداة وعلى استرداد البعد الأخلاقي والروحي للعقل حتى لا ينقلب التقدم إلى فراغ والحرية إلى تيه والمعرفة إلى سلطة بلا حكمة. وليس من الحكمة أن نختزل هذا الامتحان في اختيار ساذج بين اسمين لأن الحضارات لا تنهض باختيار الأسماء بل ببناء المعاني.

إن العقل الذي يحتاجه واقعنا العربي اليوم لا يشبه العقل المدرسي الضيق الذي يكتفي بترتيب الحجج ثم ينسحب من ميدان الحياة. كما لا يشبه الوجدان المنفلت الذي يلوذ بحرارة الشعور كلما استعصى عليه عبء الدليل. نحن أحوج ما نكون إلى عقل مركّب، عقلٍ يعرف أن الحقيقة لا تُهدى إلى الكسالى وأنها تحتاج إلى صبر البرهان كما تحتاج إلى صدق التزكية. عقل يقرأ ابن رشد دون أن يخاصم الغزالي ويقرأ الغزالي دون أن يرتاب في ابن رشد. عقل يتعلّم من الجابري أن التراث لا يُعبد ومن طه أن الحداثة لا تُعبد كذلك. عقل يدرك أن الإنسان لا يكتمل بالمعرفة وحدها ولا بالتعبد وحده بل يكتمل حين تصير المعرفة عبادةً من جهة الإخلاص للحق وحين يصير التعبد معرفةً من جهة انكشاف البصيرة على المعنى.

إن البرهان والتجربة الروحية في أعمق مستويات المقارنة ليسا خصمين متنافيين إلا في القراءات الفقيرة. إنهما حدّان لتوتر خلاق إذا أحسن الفكر العربي المعاصر استثماره أمكنه أن يخرج من أسر ثنائياته العقيمة. فكل برهان لا يُنير صاحبه أخلاقياً يظل ناقصاً وكل تجربة روحية لا تصمد أمام ميزان العقل تظل معرّضة للالتباس. وبين هذا وذاك يتشكل الأفق الأجدر بنا، أفق عقلٍ يبرهن بصرامة ويؤمن بتواضع ويعمل بمسؤولية ويحمل الحقيقة لا بوصفها غنيمة فكرية بل بوصفها أمانة وجودية.

***

د. حمزة مولخنيف

من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة

ليس مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر لفظا عابرا من ألفاظ التداول الفلسفي الحديث ولا هو حدٌّ منطقيٌّ يُستوفى بالتعريف ثم يُطوى وإنما هو من المفاهيم التي استقرّت في قلب المعركة الفكرية والثقافية التي خاضها المغرب الحديث وهو يواجه أسئلة الذات والتاريخ والمصير. ذلك أنّ العقل في هذا السياق لم يُطرح من حيث هو ملكة ذهنية مجردة ولا من حيث هو أداة صورية للاستدلال فحسب، وإنما طُرح من حيث علاقته ببناء الإنسان وبكيفية تمثّل العالم وبطبيعة الصلة بين التراث والواقع وبحدود القدرة على استئناف فعل حضاري تعطّلت شروطه واختلّت موازينه. وقد اكتسب هذا المفهوم ثقله النظري وامتداده الحضاري لأنّ الكلام فيه كان كلاما في الوقت نفسه عن النهضة والإصلاح والحرية والهوية وعن إمكان الخروج من زمن التبعية إلى أفق الفعل التاريخي المنتج.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بالعقل ترفا فلسفيا ولا محاكاةً مدرسية لمباحث الفلسفة الغربية الحديثة وإنما كان استجابةً عميقةً لوضع تاريخي مأزوم تداخلت فيه آثار الانحطاط الطويل مع صدمة الحداثة ومع التوتر المستمر بين مرجعيات متنازعة. فقد بدا لكثير من المفكرين المغاربة أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة سياسة وحدها ولا أزمة اقتصاد أو إدارة أو تعليم بالمعنى التقني الضيق وإنما هي في جوهرها أزمة في نظام النظر نفسه وأزمة في كيفية اشتغال الوعي وأزمة في طرائق الفهم التي تحكم علاقتنا بالنصوص وبالوقائع وبالمفاهيم. لهذا لم يكن السؤال كيف ننهض فقط؟ بل صار قبل ذلك بأيّ عقل ننهض؟ وأيّ بنية معرفية تسند هذا النهوض؟ وأيّ علاقة ينبغي أن تُعاد صياغتها بين العقل والتراث وبين العقل والوحي وبين العقل والتاريخ وبين العقل والقيمة؟.

وقد ازداد هذا السؤال تعقيدا كلّما تعمّق الفكر المغربي في نقده لذاته لأنّ العقل الذي بدا في مرحلة من المراحل عنوانا للخلاص من التقليد والجمود سرعان ما صار هو نفسه موضوع مساءلة دقيقة. ذلك أنّ الرهان النهضوي الذي علّق على العقل آمالا واسعة لم يُفضِ إلى النتائج التي وُعد بها الوعي العربي الحديث، إذ لم تنجح الدعوات العقلانية وحدها في إنتاج حداثة متوازنة كما لم تستطع الشعارات التنويرية أن تمنع استمرار الازدواجية في المرجعيات أو أن توقف تمدد الخطاب الإيديولوجي أو أن تحسم العلاقة الملتبسة بين الأصالة والمعاصرة. وعند هذا المنعطف لم يعد العقل اسما لحلّ جاهز بل صار اسما لمشكلة مركبة وصار التفكير فيه يقتضي الانتقال من التمجيد الخطابي إلى الفحص النقدي ومن استعماله شعارا في السجال إلى جعله موضوعا للتحليل والحفر والكشف.

وهنا تتحدد القيمة الخاصة للفكر المغربي المعاصر في معالجته لمفهوم العقل إذ لم يكتفِ باستدعائه من خارج التاريخ ولم يذبه في تعميمات تجريدية فضفاضة، وإنما حاول أن يرده إلى شروطه الثقافية والمعرفية والأخلاقية وأن يقرأه من داخل التوترات التي صنعت مساره. ولهذا وجدنا العقل يتحول عند بعضهم إلى بنية إبستمولوجية تُفكّك أنظمة المعرفة العربية الإسلامية ويتحوّل عند بعضهم إلى أفق أخلاقي وائتماني يعيد وصل الفكر بالفعل والمعرفة بالقيمة ويتحوّل عند آخرين إلى وعي تاريخي صارم لا يرى إمكانا للفعل إلا بامتلاك المفهوم واستيعاب منطق العصر. إن البحث في مفهوم العقل داخل الفكر المغربي المعاصر ليس بحثا في لفظٍ فلسفيّ محدود الدلالة وإنما هو بحث في صورة الذات المغربية والعربية وهي تختبر قدرتها على فهم ماضيها وعلى نقد حاضرها وعلى تشييد أفقٍ جديد تتصالح فيه مع نفسها من غير انغلاق وتنفتح فيه على العالم من غير ذوبان.

إذا كان سؤال النهضة قد مثّل في الوعي العربي الحديث أشدّ الأسئلة إلحاحا وأوسعها امتدادا فإنّ الفكر المغربي المعاصر قد منح هذا السؤال صيغة أكثر تعقيدا وأعمق تركيبا حين ربطه منذ وقت مبكر بمسألة العقل لا بوصفه مجرد ملكة ذهنية من جملة الملكات ولا بوصفه أداة استدلال صورية محايدة، وإنما بوصفه الإطار الذي تنتظم داخله علاقة الإنسان بالعالم وبالتراث وبالزمن التاريخي وبإمكان الفعل الحضاري نفسه. فالعقل في هذا السياق لم يُطرح باعتباره حدا منطقيا يكتمل بالتعريف وإنما طُرح باعتباره مشكلةً تاريخية وثقافية وحضارية تتقاطع فيها الأسئلة المعرفية بالأخلاقية وتتداخل فيها رهانات الإصلاح بمآلات الهوية ويتعالق فيها نقد الموروث بإمكان استيعاب الحداثة من غير ذوبان ولا انغلاق.

ولذلك لم يكن انشغال الفكر المغربي المعاصر بمفهوم العقل انشغالا تجريديا صرفا ولا كان استعادة مدرسية لمباحث الفلسفة القديمة أو الحديثة وإنما كان استجابةً واعيةً لوضع حضاري مأزوم بدا فيه أنّ أزمة العرب والمسلمين ليست أزمة أدوات أو مؤسسات فحسب وإنما هي قبل ذلك أزمة في طرائق النظر وأزمة في بنية الوعي وأزمة في شروط إنتاج المعرفة وأزمة في صورة الإنسان عن نفسه وهو يحاول أن يقرأ تاريخه ويحدّد موقعه من العالم. ومن هنا جرى الانتقال من سؤال بسيط في ظاهره لماذا تأخرنا؟ إلى سؤال أكثر عمقا وأشدّ خطورة كيف يشتغل العقل الذي أنتج هذا التأخر؟ وهل العطب كامن في غياب العقل أم في نمط مخصوص من التعقل أم في علاقة مختلة بين العقل والنص وبين العقل والتاريخ وبين العقل والسلطة وبين العقل والأخلاق؟.

ولعلّ أول ما ينبغي تقريره في هذا المقام أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل بوصفه مفهوما واحدا بسيطا وإنما تعامل معه بوصفه مفهوما كثيفا تتنازعه مستويات متعدّدة من الدلالة. فالعقل قد يكون بنية معرفية وقد يكون منهجا في النظر وقد يكون سلطةً معياريةً تضبط الحكم والتمييز وقد يكون قابليةً أخلاقيةً تحفظ للإنسان توازنه في الفعل وقد يكون وعيا تاريخيا يدرك منطق التحولات العميقة في الاجتماع والعمران. ولهذا لم يكن الخلاف بين مفكري المغرب المعاصرين حول العقل خلافا في الاصطلاح وحده وإنما كان خلافا في المنبع والمجال والوظيفة والغاية. وهذا ما يفسّر أنّ العقل ظلّ حاضرا في قلب السجال المغربي المعاصر حضورا مركزيا لأنّ كلّ مشروع فكري كبير اضطرّ إلى أن يحدّد موقفه منه صراحةً أو ضمنا وأن يربط به تصوّره للتراث وللحداثة وللإنسان.

وإذا أردنا أن نفهم هذا الحضور الكثيف للعقل في الفكر المغربي المعاصر وجب أن نستحضر أنّ المغرب لم يدخل الحداثة من باب الترف النظري وإنما دخلها من باب الصدمة التاريخية. لقد جاءت الحداثة في العالم العربي عموما وفي المغرب خصوصا مقترنةً بتجارب الاستعمار والهيمنة والاختلال البنيوي في موازين القوة، فجعلت سؤال التقدّم متصلا اتصالا عضويا بسؤال التحرر. غير أنّ التحرر لم يكن ممكنا من غير مراجعة عميقة لأدوات الفهم نفسها. ولهذا كان العقل عند المفكر المغربي الحديث والمعاصر عنوانا مزدوجا، عنوانا للتحرر من الخارج وعنوانا للتحرر من الداخل. التحرر من الخارج يقتضي مقاومة التبعية والهيمنة. والتحرر من الداخل يقتضي نقد التقليد والجمود والتكرار وكسل المفهوم. ونفهم هنا لماذا لم يكن استدعاء العقل في الثقافة المغربية الحديثة مجرد ترديد لشعارات الأنوار وإنما كان محاولة لتشييد ذات قادرة على مقاومة الاستلاب الحضاري من غير أن تسقط في انغلاق دفاعي يعيد إنتاج أسباب الضعف.

ولا يمكن إغفال الخلفية التراثية العميقة التي ظلّت تؤطر النقاش المغربي حول العقل، لأنّ المغرب الفكري لم يبدأ من فراغ ولم يدخل إلى سؤال العقل من خارج تاريخه. فالمجال المغربي الأندلسي قد ورث تقاليد عقلية راسخة تتجلى في الفلسفة الرشدية وفي علم أصول الفقه وفي بعض وجوه النظر الكلامي وفي الممارسة الاجتهادية التي لم تكن تنفصل عن التقدير العقلي للمصالح والمآلات. وليس من قبيل المصادفة أن يظلّ ابن رشد حاضرا في الضمير الفلسفي المغربي الحديث حضورا استثنائيا. فالرجل الذي قرّر في فصل المقال أنّ «الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» لم يكن يقدّم عبارةً بلاغيةً تُستشهد للزينة وإنما كان يضع قاعدة كبرى في إمكان التساند بين البرهان والوحي، بين النظر العقلي والهداية الشرعية وبين الحكمة والشريعة. وقد ظلّت هذه العبارة على امتداد الفكر المغربي المعاصر أشبه بمرجع ضمني يعاد استدعاؤه كلما احتدم النزاع حول موقع العقل في الثقافة الإسلامية.

وليس ابن رشد وحده هو الذي يمدّ هذا النقاش بمواده العميقة بل إنّ التراث الأصولي نفسه قد ظلّ مصدرا مهما في فهم العقل ووظيفته. فحين يشتغل الأصولي على القياس والاستصحاب والاستحسان وتحقيق المناط وتنقيحه وتخريجه فإنّه لا يمارس مجرد صناعة فقهية جزئية وإنما يمارس عقلا استدلاليا مركّبا، عقلا يربط النص بالواقع والجزئي بالكلي والعلّة بالحكم والمآل بالمقصد. ولذلك الشاطبي حين كان يقول إنّ «وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل» يفتح أفقا لعقل مقاصدي لا يقف عند ظاهر الدليل من غير فقه لعلله وغاياته. وكان القرافي حين يميّز بين التصرفات بحسب المقامات والعلل والآثار يكشف عن حسّ عقلي دقيق لا يمكن اختزاله في حرفية النصوص. إنّ الفكر المغربي المعاصر حين عاد إلى سؤال العقل لم يكن مضطرا إلى استيراده من الخارج على نحو كامل لأنّ في تراثه نفسه إمكانات عقلية معتبرة، غير أنّ هذه الإمكانات كانت في حاجة إلى إعادة قراءة ونقد وإعادة ترتيب.

إنّ مجرد التذكير بوجود تقاليد عقلية في التراث لم يكن كافيا عند مفكري المغرب المعاصرين، لأنّ المشكلة لم تكن في إثبات أنّ أسلافنا عقلانيون، بل كانت في فهم كيف تعطّلت فعالية هذه العقلانية وكيف تحوّلت في مراحل لاحقة إلى أنماط من التكرار المذهبي أو الانغلاق المدرسي أو التبرير السلطوي. هنا انتقل السؤال من مجرد الدفاع عن العقل إلى الحفر في شروط انكساره التاريخي. ولم يعد المقصود أن نردّ على من يتهم الثقافة الإسلامية باللاعقلانية فقط وإنما صار المقصود أن نسأل أنفسنا بصرامة لماذا لم يتحول ما نملكه من رصيد عقلي إلى قوة حضارية متجددة؟ ولماذا انتهت كثير من أدواتنا المفهومية إلى العجز عن مواكبة التحولات الكبرى في العالم؟ ولماذا صار الاجتهاد استثناءً والتقليد قاعدة؟ ولماذا انكمش العقل العمومي أمام سلطات متعددة سياسية واجتماعية ورمزية؟.

تتبدّى القيمة الكبرى هنا لهاته المشاريع الفكرية المغربية المعاصرة لأنها لم تتوقف عند حدود الخطاب الإصلاحي العام بل نقلت النقاش إلى مستوى أكثر عمقا حيث صار العقل نفسه موضوعا للتفكيك والتحليل. ويبرز في هذا السياق محمد عابد الجابري بوصفه أحد أكثر المفكرين المغاربة وعيا بأنّ سؤال النهضة لا يُجاب عنه من خارج بنية العقل العربي ذاته. فالجابري لم يتعامل مع العقل العربي على أنّه جوهر عرقي أو ماهية ثابتة وإنما نظر إليه بوصفه منظومةً من القواعد الضمنية التي تشكلت تاريخيا داخل الثقافة العربية الإسلامية ووجّهت طرائق الفهم والاستدلال والتصنيف والبرهنة. ولهذا كان يفرّق بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، أي بين القدرة المنتجة للمعرفة من جهة وبين الترسبات الثقافية والمؤسساتية والمعيارية التي تحدّد كيف يشتغل العقل فعليا من جهة أخرى. وهذا التمييز بالغ الأهمية لأنه يجعلنا نخرج من وهم القول بأنّ المشكلة في الإنسان العربي من حيث طبيعته لنفهم أنّ المشكلة في بنية ثقافية تاريخية قابلة للنقد وإعادة البناء.

ومن هذا المنظور جاءت قراءته الشهيرة لأنظمة المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية حيث ميّز بين البيان والعرفان والبرهان. وليس هذا التمييز مجرّد تصنيف أكاديمي للمعارف بل هو تشخيص عميق لبنية العقل كما تشكّلت في التاريخ العربي الإسلامي. فالبيان عنده يمثل سلطة اللغة والنص والقياس الفقهي والكلامي في صيغته المهيمنة، والعرفان يمثل الأنساق الباطنية والإشراقية والهرمسية التي جعلت المعرفة ضربا من الكشف والذوق والاتصال، أمّا البرهان فيمثل أفق العقل الفلسفي الأرسطي كما استوعبه الفلاسفة المسلمون وخصوصا في ذروته الرشدية. وقد كان الجابري يرى أنّ اختلال التوازن بين هذه الأنظمة هو أحد أسباب العجز الحضاري لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على نفسها أو تمدد العرفان حين يهيمن على مجالات لا يضبطها يؤديان إلى إضعاف البرهان بوصفه أداة للنقد والتمييز والصرامة المفهومية.

وهنا نفهم لماذا كان ابن رشد عند الجابري ليس مجرد اسم من أسماء الفلاسفة بل كان رهانا حضاريا ومنهجيا. لقد رأى فيه نموذجا لعقلانية عربية إسلامية قادرة على التمييز بين مجالات القول وعلى ضبط العلاقة بين الشريعة والحكمة وعلى تحرير النظر من الخلط بين مقتضيات البرهان ومقتضيات الخطابة أو الجدل. ولذلك لم يكن دفاع الجابري عن الرشدية حنينا إلى ماضٍ ذهبيٍّ يُستعاد على نحو متحفي وإنما كان فعل اختيار داخل التراث نفسه، أي تمييزا بين عناصر تصلح لبناء حداثة عربية نقدية وأخرى تمثل عوائق معرفية ينبغي تفكيكها. وقد عبّر في أكثر من موضع عن هذا المعنى حين جعل من «نقد العقل العربي» شرطا في إمكان أيّ نهضة لأنّ النهضة لا تتحقق بتكديس الشعارات ولا باستيراد التقنيات وإنما تتحقق بإعادة بناء أدوات الفهم ذاتها.

غير أنّ مشروع الجابري على قوته واتساع أثره لم يمرّ دون مساءلة عميقة بل لعلّ قيمته الكبرى تكمن في كونه فتح بابا واسعا لإعادة تعريف العقل نفسه. فإذا كان الجابري قد راهن على البرهان والنقد الإبستمولوجي والقطيعة مع البنيات المعرفية الموروثة التي رآها معيقة فإنّ طه عبد الرحمن سيأتي ليقول إنّ هذا الرهان على ضرورته يظلّ ناقصا إذا لم يُستكمل بردّ العقل إلى مجاله الأخلاقي والروحي. فالعقل عند طه ليس مجرد آلة استدلال أو جهاز مفهومي أو أداة تفكيك للأنساق وإنما هو فعل وجودي وأخلاقي يتحدد بقدر ما يقدر الإنسان على التخلّق وعلى الوفاء وعلى الائتمان. ولهذا فإنّ الاقتصار على العقل البرهاني أو الأداتي يفضي في نظره إلى صورة مبتورة من الإنسان، صورةٍ تفصل بين المعرفة والقيمة وبين النظر والعمل وبين الفكر والسلوك.

إنّ طه عبد الرحمن لا يرفض العقل كما يتوهم بعض قرّائه السطحيين بل يمكن القول إنّه من أكثر المفكرين المغاربة دفاعا عن العقل، غير أنّه يدافع عن عقل موسّع لا عن عقل مختزل. وهو يذكّر في غير موضع بأنّ العقل إذا انفصل عن الأخلاق تحوّل إلى مكر وإذا انفصل عن العمل تحوّل إلى ترف ذهني وإذا انفصل عن الروح تحوّل إلى سلطة تقنية قد تبهر الإنسان وتستعبده في آن واحد. ومن هنا جاءت مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«التسديد» و«الائتمانية» و«فقه الفلسفة» لتؤكد أنّ العقل الحق لا يكتمل بصرامة البرهان وحدها وإنما يكتمل حين يظلّ موصولا بأفق قيمي يزكّيه ويهذّبه ويمنع تحوّله إلى مجرد فاعلية أداتية. وفي هذا المعنى يلتقي من جهة بعيدة مع تحذيرات فلاسفة الحداثة النقديين في الغرب أنفسهم الذين نبّهوا إلى مخاطر العقل الأداتي. فهابرماس مثلا تحدّث عن «استعمار العالم المعيش» بواسطة الأنظمة التقنية والإدارية حين ينفصل العقل عن التواصل والمعنى. وأدورنو وهوركهايمر في جدل التنوير أشارا إلى أنّ التنوير نفسه قد ينقلب إلى أسطورة جديدة إذا تحوّل العقل إلى أداة سيطرة محضة. غير أنّ طه يذهب أبعد من ذلك حين يربط إصلاح العقل بإصلاح الإنسان في باطنه وظاهره معا.

ويتجلّى هنا التحول العميق من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي الأفق النهضوي كان العقل يظهر غالبا بوصفه العلاج المباشر للتقليد والجمود، وكان يكفي في كثير من الأحيان أن نرفع شعار العقلانية والنقد والاجتهاد لنظنّ أنّنا اقتربنا من الحل. أمّا في الأفق الذي تبلور لاحقا داخل الفكر المغربي المعاصر فقد صار العقل نفسه موضع مساءلة لأنّ التجربة التاريخية كشفت أنّ مجرّد الدعوة إلى العقل لا تكفي. لقد رفعت النخب العربية الحديثة شعارات العقل والتنوير والإصلاح، ومع ذلك ظلّت البنيات العميقة للتخلّف فاعلة بل أفرزت أشكالا جديدة من الازدواجية والتبعية والانفصام بين القول والممارسة. ولم يعد السؤال كيف ننتصر للعقل؟ بل صار أيّ عقل نريد؟ وكيف نضمن ألّا يتحول إلى أيديولوجيا؟ وكيف نحول دون انفصاله عن المجتمع وعن الأخلاق وعن شروطه التاريخية الفعلية؟ .

ولا يمكن إغفال عبد الله العروي في هذا السياق، لأنّ حضوره في النقاش المغربي حول العقل حاسم وإن لم يشتغل دائما بالمصطلح نفسه بالقدر الذي فعل الجابري أو طه. فالعروي يفكّر في العقل من خلال التاريخية الصارمة ومن خلال المفهوم ومن خلال ضرورة استيعاب منطق الحداثة الحديثة لا الاكتفاء بالتغني بها أو التلفظ بمفرداتها. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لأنماط من الوعي الملتبس الذي يريد أن يجمع بين أزمنة متباعدة من غير حسم ويستعمل المفاهيم الحديثة استعمالا لغويا أو شعاريا من غير أن يدخل في شروطها البنيوية. فالعقل عند العروي ليس مجرد استعداد نظري وإنما هو قدرة على التمثل التاريخي الدقيق وعلى إدراك أنّ المفاهيم الكبرى مثل الدولة والحرية والتاريخ والعقلانية لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ بل تُكتسب داخل مسار تاريخي صعب يقتضي وعيا صارما بالتحولات العميقة التي صنعتها.

ومن هنا كان العروي شديد الحذر من كلّ نزعة توفيقية ساذجة لأنّ التوفيق عنده قد يتحول إلى ستر للعجز عن الحسم المفهومي. وهو بهذا المعنى ينتمي إلى ذلك المزاج الفكري الذي يرى أنّ الأزمة ليست في نقص الحماسة ولا في ضعف النوايا وإنما في غموض المفاهيم واختلاط الأزمنة والتردد في مواجهة مقتضيات العصر. وهذا وجه آخر من وجوه التفكير في العقل، وجه يجعل العقل وعيا بالتاريخ قبل أن يكون مجرد أداة تحليل. فإذا كان الجابري يحفر في بنية العقل العربي وكان طه يردّ العقل إلى أفقه الأخلاقي الائتماني فإنّ العروي يربط العقل بالصرامة التاريخية وبالقدرة على امتلاك المفهوم الحديث امتلاكا فعليا لا إنشائيا.

إنّ هذا التعدد في المقاربات لا يعني تشتتا عقيما كما قد يتوهم بعض القرّاء، وإنما يدلّ على نضج استثنائي في الفكر المغربي المعاصر. فاللحظة التي يتوقف فيها المفكرون عن ترديد الشعارات العامة ويشرعون في مساءلة أدواتهم نفسها، هي لحظة انتقال من الخطابة إلى الفكر. ولهذا فإنّ القيمة الكبرى للنقاش المغربي حول العقل أنّه لم يكتفِ بتمجيد العقل كما تفعل كثير من الأدبيات التنويرية السطحية بل جعل من العقل نفسه موضوعا للنقد وسأل عن حدوده وعن أنماطه وعن إمكان انحرافه وعن علاقته بالسلطة وعن قابليته لأن يتحول من أداة تحرير إلى أداة تبرير. وهذه منزلة عالية في التفكير لأنّها تضعنا أمام حقيقة مفادها أنّ العقل ليس خيرا خالصا في ذاته إذا لم يُضبط، وليس قوةً منقذةً بمجرد الإعلان عنها بل هو فاعلية تاريخية مركبة قد تُنتج التحرر وقد تُنتج الوهم وقد تُنير وقد تُضل بحسب البنية التي يعمل داخلها والغاية التي يتجه إليها.

ولذلك فإنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتقالا من الأمل إلى اليأس، وإنما بوصفه انتقالا من بساطة الوعي إلى تعقيده ومن الحماس الإصلاحي العام إلى الصرامة النقدية. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نقول إنّ الخلل في التقليد وإنّ العلاج في العقل والاجتهاد، أمّا بعد تراكم التجارب والإخفاقات فقد صار واضحا أنّ المسألة أشدّ عمقا. فالعقل الذي ندعو إليه قد يكون هو نفسه مشروطا بتراث لم يُفهم بعد أو بحداثة لم تُهضم بعد أو بمؤسسات لا تسمح له أن يتحول إلى ممارسة اجتماعية أو بنخب تستعمله استعمالا سجاليا أكثر مما تستعمله استعمالا بنائيا. ومن هنا غدا العقل في الفكر المغربي المعاصر اسما لمعضلة كبرى لا لأنه فقد قيمته وإنما لأنّ قيمته نفسها صارت مشروطةً بحسن تعريفه وبسلامة مجاله وبالقدرة على التمييز بين مستوياته وبإدخاله في صلب مشروع حضاري لا يكتفي بالنقد النظري.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح في تحويل العقل من شعار عام إلى إشكال فلسفي وحضاري مركب. لقد أخرجه من فضاء المديح الخطابي وأدخله فضاء التحليل والحفر والمساءلة. وهذا في حدّ ذاته مكسب كبير لأنّ الأمم لا تتقدم بمجرد الإيمان بالعقل في المستوى الشكلي وإنما تتقدم حين تجعل من العقل موضوعا لتربية مؤسساتها ولمناهج تعليمها ولطرائق اجتهادها ولأساليب تدبيرها السياسي والثقافي ولصورة الإنسان التي تريد أن تبنيها في المستقبل. وهنا بالضبط تتجلى الخصوصية المغربية: ليس في مجرّد الدفاع عن العقل وإنما في جعل الدفاع عنه مشروطا بنقده وجعل نقده بابا لإعادة تأسيسه وجعل إعادة تأسيسه جزءا من سؤال أوسع هو سؤال الذات وهي تبحث عن سبيلها بين تراث يطالبها بالوفاء وعصر يفرض عليها شروطا قاسية وأزمة تتجاوز حدود الفكر إلى عمق الوجود التاريخي نفسه.

وإذا كنا قد بينا أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يتعامل مع العقل باعتباره مفهوما ساكنا أو شعارا إصلاحيا بسيطا، فإنّ التعمق في مواقف أعلامه الكبار يبيّن أنّ هذا المفهوم تحوّل بالفعل إلى ساحة كبرى للتنازع الفلسفي والمعرفي والأخلاقي وأنّ هذا التنازع نفسه هو الذي منح التجربة الفكرية المغربية فرادتها داخل الفضاء العربي الحديث. ذلك أنّ المغرب لم يُنتج فقط دعوات عامة إلى التنوير أو اجتهادات جزئية في الإصلاح وإنما أنتج مشاريع فكرية متماسكة جعلت من العقل محورا لإعادة بناء العلاقة بالتراث وبالحداثة وبالإنسان. غير أنّ هذه المشاريع على تباينها تكشف في الوقت نفسه أنّ سؤال العقل لم يعد قادرا على البقاء داخل أفق النهضة وحده، لأنّ الوعي العربي بعد عقود من الوعود الكبرى والإخفاقات المتراكمة دخل مرحلة صار فيها العقل نفسه موضع مساءلة لا من حيث قيمته في ذاته بل من حيث شروطه التاريخية وحدوده العملية ومخاطر انحرافه وإمكان تحوّله من أداة تحرر إلى أداة تبسيط أو اختزال أو حتى هيمنة.

ولعلّ محمد عابد الجابري يمثّل أوضح صورة لهذا التحول، لأنّ مشروعه لم يكن مجرد مساهمة في الفلسفة العربية المعاصرة بل كان محاولة شاملة لإعادة صياغة سؤال النهضة من داخل بنية العقل العربي ذاته. لقد أدرك الجابري أنّ التفسير الأخلاقي العام للتخلّف لم يعد كافيا وأنّ الخطاب الذي يكتفي بلعن الاستبداد أو التباكي على الماضي أو التغني بالعلم لا يلامس جوهر المشكلة. ومن هنا جاء رهانه على ما سمّاه «نقد العقل العربي»، وهو عنوان بالغ الدلالة لأنّه ينقل التفكير من مجال التشخيص السطحي إلى مجال الحفر في الشروط العميقة التي تنظّم إنتاج المعرفة داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالعقل العربي عنده ليس طبيعةً بيولوجية وليس جوهرا قوميا وليس وصفا نفسيا للأفراد وإنما هو نسق ثقافي تاريخي تشكّل عبر قرون ترسّبت فيه قواعد للفهم والاستدلال والتصنيف وصارت تعمل عمل البداهات المضمرة التي توجّه الوعي من غير أن يشعر بها دائما.

وقد جاءت أهمية تفريقه بين «العقل المكوِّن» و«العقل المكوَّن»، فالعقل المكوِّن هو تلك القدرة البشرية الكونية على الإنتاج والإبداع والنقد والتركيب. أمّا العقل المكوَّن فهو ذلك البناء الثقافي الموروث الذي يحدّد في كل حضارة ما الذي يُعدّ معقولا وما الذي يُقبل بوصفه دليلا وما الذي يُستبعد من دائرة المشروعية المعرفية. وهذا التفريق يفتح بابا بالغ الأهمية في فهم الأزمة لأنه يرفع عن الذات العربية تهمة العجز الجوهري ويحوّل المشكلة إلى مستوى البنيات التاريخية القابلة للنقد والتجاوز. لذلك لم يكن الجابري بصدد إدانة العقل العربي من حيث هو عقل وإنما كان بصدد تفكيك أنماط اشتغاله كما تشكّلت في التاريخ ليكشف مواطن القوة ومواطن الاختلال معا.

وليس من المصادفة أن ينتهي هذا المسار إلى التمييز الشهير بين البيان والعرفان والبرهان. فهذا الثلاثي ليس مجرد تصنيف مدرسي للمعارف الإسلامية وإنما هو في العمق إعادة رسم للخريطة الذهنية التي تشكّلت بها الثقافة العربية الإسلامية. فالبيان يمثّل سلطة النص واللغة والقياس والاشتغال الفقهي والكلامي في صورته الغالبة. والعرفان يمثّل أنماطا من المعرفة تقوم على الكشف والذوق والإشراق والباطن. والبرهان يمثّل العقل الفلسفي المنضبط بقوانين الاستدلال الأرسطي وبطلب الضرورة والعلّية والاتساق المفهومي. وقد رأى الجابري أنّ أزمة الثقافة العربية الحديثة لا يمكن فهمها من غير فهم العلاقة المضطربة بين هذه الأنظمة، لأنّ سيادة البيان حين تنغلق على ذاتها تنتج عقلا يعيد إنتاج الموروث من داخل منطقه اللغوي والقياسي وتمدد العرفان حين يخرج من مجاله ينتج عقلا يستعيض عن البرهنة بالذوق أو الرمز أو الإيحاء، أمّا البرهان فقد ظلّ في تاريخنا محدود الامتداد مقموع الأثر غير قادر على التحول إلى روح ثقافية عامة.

ولهذا السبب بالذات كان استدعاء ابن رشد عند الجابري استدعاءً تأسيسيا لا زخرفيا. فابن رشد لم يكن بالنسبة إليه مجرد فيلسوف كبير من الماضي وإنما كان إمكانا تاريخيا لم يكتمل. لقد رأى فيه ذروةً لعقلانية عربية إسلامية كان يمكن أن تتطور لو لم تتعثر شروطها السياسية والثقافية ولو لم يُغلق عليها باب الامتداد داخل المجال الإسلامي. ويغدو الدفاع عن الرشدية دفاعا عن إمكان مهمل في الذات لا عن ذكرى ثقافية فحسب. وليس بعيدا عن هذا ما كان يقوله الجابري من أنّ «التراث ليس هو ما ورثناه فقط بل هو أيضا ما نختاره منه». فاختيار ابن رشد هنا هو اختيار لنمط من التعقل، لنمط من العلاقة بين النص والبرهان، بين الشريعة والحكمة وبين الفقه والفلسفة. وهذا يبيّن أنّ الجابري لم يكن يريد قطيعة مع التراث بوصفه تراثا وإنما كان يريد قطيعة مع كيفية معينة في التعامل معه، قطيعة مع التراث حين يتحول إلى سلطة غير مفكّر فيها أو إلى جهاز لإعادة إنتاج الماضي داخل الحاضر.

غير أنّ هذا المسار الجابري على ما فيه من قوة منهجية وصرامة تحليلية أثار سؤالا بالغ الحساسية، هل يكفي ردّ الاعتبار إلى البرهان وإلى العقل النقدي لكي نتجاوز الأزمة؟ وهل يمكن لعقلانية إبستمولوجية أن تنهض وحدها بمشروع حضاري تتشابك فيه المعرفة بالأخلاق والتقنية بالمعنى والمؤسسة بالإنسان؟ هنا يتدخل طه عبد الرحمن لا لينقض قيمة العقل بل ليكشف أنّ العقل الذي يقتصر على ذاته قد يفضي إلى صورة من النقص وأنّ العقل الذي ينفصل عن الأخلاق والروح قد يتحول إلى فاعلية مبتورة. إنّ طه يعيد ترتيب السؤال من أساسه. فالمشكلة عنده ليست في العقل من حيث هو عقل وإنما في «صورة العقل» التي سادت في الحداثة الغربية ثم انتقلت إلى المجال العربي في صيغ مقلَّدة. فالعقل حين يُختزل في الآلة المفهومية أو في الفاعلية البرهانية الصرفة أو في القدرة على السيطرة التقنية يفقد بعدا جوهريا من أبعاده، لأنّ الإنسان ليس كائنا يستدلّ فقط وإنما هو كائن يتخلّق ويشهد ويأتمن ويُبتلى ويُحاسب.

من هنا نفهم لماذا لم يجعل طه عبد الرحمن من «الأخلاق» مجرد مجال مضاف إلى العقل بل شرطا في كماله. وهو يصرّ على أنّ كل عقلانية تنفصل عن العمل الأخلاقي تبقى ناقصة لأنّها تملك أدوات الحكم ولا تملك ضمانات السلامة في الاستعمال. وقد عبّر عن هذا المعنى في صيغ متعددة حين نبّه إلى أنّ الفعل الإنساني لا يُختزل في المنفعة وأنّ الحداثة التي تجعل من الإنسان مركزا مكتفيا بذاته قد تفضي إلى استبداد جديد، هو استبداد الإنسان المتضخم على الطبيعة وعلى الغير وعلى المعنى. لذلك فإنّ العقل عنده لا يُطلب من حيث فعاليته التقنية فقط بل من حيث أهليته للاهتداء ومن حيث قابليته لأن يكون موصولا بالتزكية وبالائتمان وبالمسؤولية. وهذا ما يجعل مفاهيمه مثل «العقل المؤيد» و«العمل الديني» و«الائتمانية» و«المسدد» مفاهيم تؤسس لرؤية مغايرة، رؤية لا ترفض البرهان لكنها ترفض تأليهه ولا ترفض الحداثة لكنها ترفض تقليدها ولا ترفض الإنسان، لكنها ترفض تضخيمه حتى يفقد نسبته إلى الغيب وإلى القيمة وإلى الأمانة.

وليس من الصعب أن نرى أنّ هذا الموقف يعبّر عن انتقال حقيقي من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة. ففي زمن النهضة كان يكفي أن نعلن الحرب على التقليد وأن نرفع راية العقل وأن نستحضر أمجاد الاجتهاد لكي نشعر أننا نسير في الاتجاه الصحيح. أمّا بعد أن تكشفت أزمات الحداثة نفسها وبعد أن بدا أنّ العقل الأداتي قد يشيّد العالم ويفرغه من المعنى في الآن نفسه صار لزاما أن يُعاد السؤال من جديد، هل نريد عقلا ينتج الفعالية فقط أم عقلا يحفظ إنسانية الإنسان؟ هل نريد عقلا يقيس ويحسب ويبرهن فحسب أم عقلا يضبط الصلة بين المعرفة والواجب؟ وهل يمكن لمجتمع أن ينهض بعقلانية باردة منفصلة عن البنية الأخلاقية العميقة التي تمنح الفعل غايته ومشروعيته؟ في هذا المستوى لا يكون الخلاف بين الجابري وطه خلافا بين عقل ولاعقل كما سطّحه بعض القرّاء، بل يغدو خلافا بين تصورين للعقلانية نفسها، عقلانية نقدية إبستمولوجية تراهن على تفكيك البنيات المعرفية، وعقلانية أخلاقية ائتمانية تراهن على إعادة وصل المعرفة بالمسؤولية.

أمّا عبد الله العروي فإنه يضيف إلى هذا النقاش بُعدا ثالثا لا يقلّ أهمية وهو البعد التاريخي المفهومي. فالعروي لم ينشغل بالعقل بوصفه موضوعا معجميا أو مبحثا نظريا معزولا وإنما انشغل به من خلال أسئلة الدولة والحرية والتاريخ والإيديولوجيا والمفهوم. ولذلك كان في عمقه يفكر في العقل من حيث هو قدرة على استيعاب العصر لا بمعنى الانبهار به بل بمعنى امتلاك منطقه الداخلي. لقد كان العروي شديد الحساسية تجاه الأوهام التوفيقية التي تظنّ أنّ الحداثة يمكن أن تُنال بانتقاء بعض مظاهرها من غير الدخول في بنيتها العميقة. ولهذا كان نقده للإيديولوجيا العربية المعاصرة نقدا لوعيٍ يريد أن يجمع بين المتباعدات من غير أن يحسم في الترتيب التاريخي للمفاهيم. فالعقل عنده هو هذا الوعي الصارم الذي يدرك أنّ المفاهيم الحديثة لا تُستعار كما تُستعار الألفاظ، وأنّ الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري وأنّ الحرية ليست مجرد شعار أخلاقي وأنّ العقلانية ليست مجرد دعوة عامة إلى التفكير بل هي بناء تاريخي تشكل عبر صراعات وتحولات عميقة.

وقد كان العروي ينظر بعين الريبة إلى كثير من محاولات المصالحة السهلة بين التراث والحداثة لأنّ هذه المحاولات قد تنتهي إلى نوع من التلفيق الذي يريح الضمير ولا يحلّ المشكلة. إنّه يدعو إلى وعي تاريخي شديد الصرامة، يضع الذات أمام مقتضيات العصر من غير مواربة. وقد عبّر في أكثر من موضع عن أن الأزمة العربية هي أزمة وعي بالتاريخ وأنّ الفجوة بيننا وبين العالم الحديث ليست فجوة رغبة أو شعور فقط وإنما فجوة مفاهيم ومؤسسات وأزمنة. وهذا يضيف إلى سؤال العقل بُعدا حاسما، فالعقل ليس فقط جهازا للاستدلال أو أفقا للأخلاق بل هو أيضا قدرة على التمثل التاريخي الصحيح وعلى التمييز بين ما يمكن توفيقه وما ينبغي حسمه وبين ما هو قابل للاستيعاب وما هو غير قابل للتعليق في الفراغ.

وعند هذا الحدّ يتبيّن أنّ الفكر المغربي المعاصر لم يقدّم لنا مفهوما واحدا للعقل وإنما قدّم لنا خريطة من التوترات الخلّاقة. الجابري يذكّرنا بأنّ النهضة مستحيلة من غير نقد بنية العقل كما تشكلت في التراث. وطه يذكّرنا بأنّ نقد البنية المعرفية لا يكفي إذا لم يُستردّ البعد الأخلاقي والروحي للعقل. والعروي يذكّرنا بأنّ كل حديث عن العقل يبقى ناقصا إذا لم يُربط بصرامة المفهوم وبالوعي التاريخي وبشروط الدولة والحداثة والمؤسسة. وهذا التعدد ليس علامة ضعف بل هو منبع قوة لأنه يمنعنا من اختزال الأزمة في سبب واحد ويمنعنا من الاعتقاد أنّ الحل يكمن في وصفة فكرية جاهزة. بل إنّ القيمة الكبرى لهذا التعدد أنّه يكشف أنّ العقل في السياق المغربي والعربي لا يمكن أن يُفهم إلا بوصفه عقدة حضارية شاملة تتداخل فيها بنية المعرفة مع أخلاق الفعل ومع شروط التاريخ ومع صورة الإنسان ومع شكل المجال العمومي.

غير أنّ هذا الثراء النظري لا ينبغي أن يحجب حقيقة مرة، وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر على علوّ مستواه ظلّ في كثير من الأحيان أرفع من البنيات الاجتماعية والمؤسساتية التي كان يأمل أن يؤثر فيها. فالمشكلة لم تكن دائما في ضعف الأفكار بل في ضعف قابلية الواقع لاستقبالها. إنّ العقل الذي دافع عنه الجابري لم يتحول بالقدر الكافي إلى روح في التعليم العمومي ولا إلى منهج في قراءة التراث داخل المؤسسات الدينية ولا إلى ممارسة نقدية عامة في المجال الثقافي. والعقل الأخلاقي الائتماني الذي نادى به طه ظلّ في كثير من الأحيان أفقا فلسفيا عميقا لم يجد بعد شروط ترجمته الواسعة في مؤسسات التربية والإعلام والسياسة. والوعي التاريخي الصارم الذي دعا إليه العروي ظلّ يصطدم باستمرار بنخب تتردد بين الحنين إلى الماضي والانبهار المجتزأ بالحداثة. وهنا نبلغ لبّ الأزمة، ليست الأزمة في غياب التصورات الكبرى بل في تعثر انتقالها من مستوى الفكر العالي إلى مستوى التكوين الاجتماعي والمؤسسي.

ونفهم هنا لماذا صار سؤال العقل في الفكر المغربي المعاصر سؤالا عن الأزمة بامتياز. إنّه لم يعد مجرد سؤال في الفلسفة النظرية ولا مجرد فصل في تاريخ الأفكار وإنما صار سؤالا في التربية والسياسة والدين والثقافة واللغة والمؤسسة. ذلك أنّ العقل لا يُختبر في الكتب وحدها بل يُختبر في المناهج وفي المدرسة وفي الجامعة وفي خطاب الفقيه وفي لغة الإعلام وفي طريقة إدارة الاختلاف وفي قدرة المجتمع على قبول السؤال الحر وفي قدرة الدولة على بناء مؤسسات تتسع للنقد بدل أن تخافه. وقد أدرك كثير من المفكرين المغاربة هذه الحقيقة ضمنا أو صراحة، ولذلك لم يكن حديثهم عن العقل منفصلا عن حديثهم عن الجامعة واللغة والسلطة والمثقف. فالعقل الذي لا يجد مؤسسة تحميه يتحول إلى مجرد زينة خطابية. والعقل الذي لا يجد لغة دقيقة يتشوش. والعقل الذي لا يجد أخلاقا تضبطه قد ينقلب إلى مكر أو إلى تبرير. والعقل الذي لا يجد تاريخا يستوعبه يبقى معلقا في هواء المفاهيم.

وهنا تبرز مسألة أخرى لا تقلّ أهمية وهي أنّ الفكر المغربي المعاصر لم ينظر إلى العقل من داخل قطيعة ساذجة مع التراث كما لم يذبه في تمجيد تراثي مغلق. لقد كان واعيا بأنّ التراث الإسلامي نفسه متعدّد وأنّ داخله إمكانات عقلية كبيرة كما داخله عوائق كبرى. ففي علم أصول الفقه كما أسلفنا نجد نماذج رفيعة من التعقل المنهجي، من القياس إلى فقه المآلات. وفي التراث الفلسفي نجد ابن باجة وابن طفيل وابن رشد بوصفهم وجوها لعقلانية عالية. وفي الكلام نجد محاولات لصوغ العلاقة بين العقل والنقل داخل أفق جدلي دقيق. وفي التصوف نفسه نجد عند بعض أعلامه كأبي حامد الغزالي في بعض مقاماته حسا نقديا لا يمكن تجاهله. غير أنّ هذا التراث نفسه تعرّض لتحولات جعلت كثيرا من عناصره الحية تنكمش، وتحوّلت بعض مدارسه إلى أنماط من التكرار وتداخلت فيه سلطة المعرفة بسلطة السياسة ووقع فيه ما يقع في كل تراث حيّ حين يفقد شروط التجدد. لذلك فإنّ الفكر المغربي المعاصر لم يكن أمامه خياران فقط: إما تمجيد التراث أو إلغاؤه. بل كان أمامه عمل أشدّ صعوبة وهي أن يميّز داخله بين ما يُستأنف وما يُنقد، بين ما يُحيي العقل وما يعطله وبين ما يصلح سندا للمستقبل وما يتحول إلى عبء عليه.

وعند هذه النقطة يصبح واضحا أنّ الانتقال من سؤال النهضة إلى سؤال الأزمة لا يعني سقوط مشروع العقل وإنما يعني تعميقه. فالعقل لم يفقد مكانته بل فقد براءته. لم يعد بالإمكان أن نذكره كما يذكر الخطباء كلمةً سحرية تفتح الأبواب المغلقة. لقد صار مفهوما متوترا مشروطا معقدا، يتطلب ضبطا في تعريفه وحذرا في استعماله وتمييزا بين مستوياته وهذا في ذاته مكسب ناضج. فالأمم لا تتقدم حين تُكثر من تمجيد العقل في الخطب وإنما حين تجعل من العقل بنيةً في مؤسساتها ومنهجا في تربيتها وفضيلةً في أخلاقها وشرطا في اجتهادها ومقياسا في تدبير اختلافها. وهذا ما جعل الفكر المغربي المعاصر في أفضل لحظاته لا يكتفي بالتبشير بالعقل بل يشتغل على شروط إمكانه وعلى عوائقه وعلى أنماطه وعلى مخاطر انحرافه.

إنّ الفكر المغربي المعاصر قد نجح نجاحا بيّنا في جعل مفهوم العقل أحد أعقد المفاهيم وأكثرها خصوبة في الثقافة العربية الحديثة. لقد أخرجه من فضاء البلاغة الإصلاحية العامة وأدخله فضاء التحليل البنيوي والنقد الإبستمولوجي والمساءلة الأخلاقية والصرامة التاريخية وهذه منزلة عالية لا يُستهان بها. فبفضل هذا الجهد لم يعد العقل عندنا مجرد مرادف للذكاء أو للاجتهاد أو للعلم، وإنما صار اسما لمشكلة حضارية شاملة. وتبرز هنا أهمية الإصغاء الجاد إلى هذا التراث الفكري المغربي لا على سبيل الاحتفاء المدرسي بأعلامه بل على سبيل استئناف أسئلته الكبرى في حاضرنا الراهن.

ذلك أنّ حاضرنا يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحا مما كان عليه في العقود السابقة. فنحن لا نعيش اليوم فقط أزمة تأخر بالمعنى الكلاسيكي الذي عاشته الأجيال النهضوية وإنما نعيش أيضا أزمة تفكك في المعايير واضطرابا في المرجعيات وتضخما في الوسائط التقنية وتراجعا في سلطة القراءة العميقة وتوسعا في الخطاب السريع الذي يخلط بين الرأي والمعرفة وبين الشهرة والحجة وبين الانفعال والحكم. وقد أصبح المجال العمومي العربي في كثير من وجوهه مجالا تُستهلك فيه الأفكار أكثر مما تُبنى وتُتداول فيه الأحكام أكثر مما تُبرهن وتُرفع فيه شعارات الهوية أو الحداثة أو الحرية من غير جهد كافٍ في تحرير مفاهيمها. وفي مثل هذا السياق يصبح سؤال العقل سؤالا وجوديا لا نخبويا. أيّ عقل يمكنه أن يواجه طوفان السطحية؟ أيّ عقل يمكنه أن يصالح بين الحاجة إلى الفعالية التقنية والحاجة إلى المعنى؟ أيّ عقل يمكنه أن يمنع الدين من أن يتحول إلى أداة تعبئة عاطفية والحداثة من أن تتحول إلى قشرة استهلاكية والسياسة من أن تنحدر إلى تدبير انفعالات جماعية بلا رؤية؟.

هنا يستعيد الفكر المغربي المعاصر راهنيته الحقيقية. فالجابري يعلّمنا أنّ من لا ينقد أدوات فهمه يظلّ أسيرا لها وإن ظنّ أنه يهاجمها. وطه يعلّمنا أنّ من يفصل العقل عن الأخلاق يربح بعض القوة ويخسر الإنسان. والعروي يعلّمنا أنّ من لا يمتلك المفهوم ولا يستوعب التاريخ يحيا في منطقة رمادية بين الرغبة في التقدم والعجز عن شروطه. وهذه الدروس إذا أُحسن استثمارها لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مواقف متصارعة فقط وإنما بوصفها إمكانات متكاملة في بناء وعي عربي جديد. فالعقل الذي نحتاجه اليوم ليس عقلا برهانيا مجردا من الأخلاق ولا عقلا أخلاقيا غافلا عن صرامة المفهوم ولا وعيا تاريخيا يذوب في الحتمية ويغفل عن المعنى. إنّ ما نحتاجه هو عقل مركّب، عقل يبرهن ولا يتجبر، ينقد ولا يهدم لمجرد الهدم، يتصل بالقيمة من غير أن يفرّ من الواقع ويستوعب التاريخ من غير أن يستسلم له.

ولعلّ هذا هو الأفق الذي يمكن أن يفتح به المقال بابا إلى ما بعده. فمفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر ليس فصلا منجزا في تاريخ الأفكار يمكن الاكتفاء بسرده وإنما هو مشروع لم يكتمل بعد. إنّه سؤال مفتوح على المستقبل لأنّ كلّ جيل سيضطر إلى أن يعيد صياغته بحسب أزماته الخاصة. وقد كان الجيل النهضوي يسأل عن العقل في مواجهة الانحطاط. وكان الجيل النقدي يسأل عنه في مواجهة بنية التراث وآليات المعرفة. أمّا جيلنا فيبدو أنّه مدعوّ إلى أن يسأل عنه في مواجهة التفكك الشامل الذي أصاب المجال العمومي، وفي مواجهة الاستهلاك الرقمي للمعنى وفي مواجهة تحوّل الإنسان نفسه إلى كائن مشتّت بين وفرة المعلومات وندرة الحكمة. إنّ الوفاء الحقيقي للفكر المغربي المعاصر لا يكون بتكرار عباراته ولا بتحويل أعلامه إلى أصنام مدرسية وإنما يكون بمواصلة عملهم في الاتجاه الذي أرادوه، اتجاه مساءلة الأدوات قبل النتائج واتجاه تشديد السؤال قبل التسرع في الجواب واتجاه بناء عقل لا يستمد مشروعيته من ادعائه الكونية المجردة فقط بل من قدرته على تحرير الإنسان العربي من أشكال التبعية القديمة والجديدة معا.

وعليه فإنّ مفهوم العقل في الفكر المغربي المعاصر يكشف لنا أنّ أزمة النهضة لم تكن يوما أزمة نقص في الموارد المادية أو في الشعارات الإصلاحية وحدها، وإنما كانت في عمقها أزمة في صورة الإنسان عن نفسه وفي كيفية تنظيمه لعلاقته بالمعرفة وبالقيمة وبالزمن وبالسلطة وبالتراث وبالعالم. فإذا كان العقل هو الاسم الذي يختصر هذه العلاقة المعقدة فإنّ إنقاذه لا يكون بتمجيده وإنما بإعادة بنائه. وإعادة بنائه لا تكون بردّه إلى البرهان وحده ولا إلى الأخلاق وحدها ولا إلى التاريخ وحده وإنما بتركيب هذه الأبعاد في مشروع حضاري جديد يتصالح فيه النقد مع الوفاء وتتساند فيه الحرية مع المسؤولية ويغدو فيه الاجتهاد فعلا مؤسسيا لا بطولة فردية معزولة وتصبح فيه الجامعة مصنعا للمفاهيم لا مستودعا للشهادات ويستعيد فيه الفقيه شجاعة النظر بدل الاكتفاء بحراسة الموروث ويستعيد فيه المثقف شرف السؤال بدل الارتماء في التبرير أو المزايدة.

بهذا المعنى لا يكون العقل جوابا جاهزا وإنما يكون تكليفا. لا يكون امتيازا نظريا وإنما يكون مجاهدةً معرفية وأخلاقية وتاريخية. لا يكون كلمةً في مقدمة كتاب وإنما يكون صورةً للإنسان وهو يرفض أن يعيش داخل بداهات لم يمتحنها أو داخل موروث لم ينقده أو داخل حداثة لم يفهم شروطها أو داخل إيمان فقد صلته بالحكمة أو داخل علم فقد صلته بالمعنى. وهذا هو الدرس الذي يمكن أن نخرج به من التجربة المغربية المعاصرة في أعمق مستوياتها: أنّ العقل ليس ضدّ التراث إذا أُحسن فهم التراث، وليس ضدّ الدين إذا أُحسن فهم الدين، وليس ضدّ الحداثة إذا أُحسن فهم الحداثة، ولكنه ضدّ كلّ ما يتحول إلى سلطة مغلقة تمنع السؤال. وحيث يُمنع السؤال يبدأ موت العقل، وحيث يموت العقل لا تقوم نهضة، وحيث لا تقوم نهضة تتحول الأزمة من عارض تاريخي إلى قدر موهوم. أمّا الفكر المغربي المعاصر في أفضل تجلياته فقد رفض أن يجعل الأزمة قدرا وجعل منها مناسبةً لإعادة اختراع السؤال. وذلك وحده كافٍ ليمنحه مكانته الرفيعة في تاريخ الفكر العربي الحديث.

***

د. حمزة مولخنيف

إمكاناته وحدوده في أفق قراءة فلسفية نقدية

حين يُستدعى اسم ابن رشد في سياق الفكر العربي المعاصر، فالأمر لا يتصل بتمجيد عَلَمٍ من أعلام التراث ولا بإحياء ذكرى فيلسوف عظيم على نحو احتفاليّ تستهلكه المناسبات الثقافية وتستنفده البلاغة الخطابية. القضية أعمق من ذلك بكثير لأنها تمسّ في الصميم سؤال العقل العربي عن شروط نهوضه وتمتحن قدرته على أن يستخرج من تاريخه إمكاناتٍ معطّلة وأن يسترد من ذاكرته الفلسفية لحظاتٍ عالية من التكوين البرهاني ثم يعيد صوغها في لغة العصر وفي معترك الصراعات المعرفية والسياسية والقيمية التي تشقّ الوجود العربي الحديث. فابن رشد ليس مجرّد شارح لأرسطو كما اختزلته قراءاتٌ كثيرة، وليس مجرد فقيه وفيلسوف عاش في منعطف مضطرب من تاريخ الأندلس بل هو في عمق مشروعه أحد أكثر العقول الإسلامية جرأةً في تشييد هندسة فكرية دقيقة للعلاقة بين الحكمة والشريعة، بين البرهان والتأويل، بين الحقيقة ووحدة الحقيقة، بين النظر العقلي وشرعية النظر، بين المدينة والسياسة، بين العلم والفضيلة  وبين انتظام الكون وانتظام العقل.

من أجل ذلك ظلّ ابن رشد يستحضر في كل منعطف عربي عسير. يعود كلما تعقّد السؤال عن الدين والعقل. يعود كلما استبدّ التقليد وارتبكت سلطة التأويل. يعود كلما اضطربت صلة المثقف بالتراث والحداثة. يعود كلما بدا أن الثقافة العربية تُستدرج إلى ثنائيات قاتلة: أصالة/معاصرة، نقل/عقل، هوية/كونية، دين/فلسفة، تراث/حداثة، شرق/غرب. ففي كل هذه اللحظات ينهض اسم ابن رشد بوصفه علامةً على إمكانٍ تاريخيّ لم يُستنفد وبوصفه شاهداً على أن العقلانية العربية الإسلامية لم تكن هامشاً عابراً ولا قشرةً مستوردة ولا زينةً لفظية بل كانت في مرحلة من مراحلها قدرةً تأسيسية على إنتاج معرفة منضبطة وتدبير اختلافٍ معرفيّ وصوغ علاقة مع الوحي لا تُبطل النظر ولا تُسقط الشرع.

وقد أدرك كبار مفكري النهضة العربية الحديثة ثم فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، أن استدعاء ابن رشد لا قيمة له إن ظلّ حبيس القراءة التاريخية الباردة أو الإعجاب الماضويّ العقيم. لذلك تحوّل في كثير من المشاريع الفكرية إلى مرآة يُقرأ فيها الحاضر أكثر مما يُقرأ فيها الماضي. فمحمد عابد الجابري لم يتعامل مع ابن رشد بوصفه موضوعاً للتاريخ الفكري فقط بل بوصفه ذروةً لما سماه “العقل البرهاني” داخل الثقافة العربية الإسلامية حتى قال في عبارة صارت من أشهر عباراته: «إن الرشدية تمثل في الثقافة العربية الإسلامية لحظة انتصار العقل البرهاني». والجابري في نحن والتراث وفي تكوين العقل العربي وفي بنية العقل العربي لم يكن يستعيد ابن رشد استعادة مدرسية، بل كان يسائل عبره بنية العقل العربي نفسه ويحاول أن يستأنف من داخله إمكاناً معرفياً يرى أنه انقطع تحت ضغط البيان والعرفان والسياسة.

أما عبد الله العروي فعلى الرغم من اختلاف زاويته المنهجية فقد كان يدرك أن مأزق الثقافة العربية لا يُفهم خارج علاقتها المتوترة بتاريخها المفهومي وخارج عجزها عن امتلاك حداثتها امتلاكاً تاريخياً واعياً. لذلك تبدو الرشدية في أفقٍ عرويّ جزءاً من تراث العقل الذي يمكن أن يُعاد فهمه في ضوء سؤال التاريخ لا بوصفه ملجأً تعويضياً من الحداثة بل بوصفه أحد الشروط التي تجعل الوعي التاريخي أكثر قدرة على فرز عناصر القوة والقصور في الذاكرة الحضارية. وطه عبد الرحمن مع مسافة نقدية واسعة تجاه كثير من رهانات العقلانية الحديثة وقراءاتها العربية، لم يترك ابن رشد خارج دائرة النظر، بل كان واعياً بأن استعادة أيّ نموذج من نماذج التراث تقتضي فحص شروطه ومقدماته ومآلاته وأن التكرار لا يُنتج استئنافاً وأن الاستئناف الحقّ يقتضي تجاوزاً خلاقاً.

المشكل إذن لا يكمن في حضور ابن رشد في الخطاب العربي، فحضورُه قائم منذ عقود وفي بعض اللحظات اتخذ طابعاً كثيفاً يكاد يرقى إلى “الموضة الفكرية”. المشكل يكمن في طبيعة هذا الحضور، هل هو حضور رمزيّ يلوذ بالاسم الكبير طلباً للمشروعية الثقافية؟ أم هو حضور معرفيّ يشتغل على المفاهيم والبنيات والرهانات؟ هل نقرأ ابن رشد قراءةً تؤسس أم نقرأه قراءةً تزيينية؟ هل نستأنف مشروعه أم نكتفي بترتيل اسمه في مناسبات الحديث عن التسامح والعقلانية؟ هل نمتلك من الجرأة ما يجعلنا نضع المشروع الرشدي نفسه تحت مشرط النقد فنأخذ منه ما يصلح للزمن الحاضر ونتجاوز ما ارتبط بسياق تاريخي مخصوص أم نقع في صنمية فلسفية جديدة تستبدل صنم التقليد بصنم “العقلانية التراثية”؟.

إن سؤال “إمكانات استئناف المشروع الرشدي” يفرض منذ البدء تحرير مفهوم “الاستئناف” ذاته. فالاستئناف ليس بعثاً ميكانيكياً لنصوص قديمة وليس إعادة تمثيل لمشهد تاريخي مضى وليس تعليقاً لافتة رشدية على واجهة مشروع حداثي مستعار. الاستئناف فعل تأويليّ وإبداعيّ في آن. هو استعادة مشروطة بوعي تاريخي صارم وبقدرة على التمييز بين ما هو بنيوي في المشروع وما هو ظرفي، بين ما هو منهجي وما هو سجالي وبين ما هو كونيّ في الدرس الرشدي وما هو متعلق بحدود المعرفة في القرن السادس الهجري. ولعلّ أجمل ما قيل في هذا المعنى ما عبّر عنه هانز-غيورغ غادامير حين كتب في الحقيقة والمنهج: «الفهم ليس تكراراً لإنتاج المعنى الماضي بل هو اندماج آفاق». فاستئناف ابن رشد بهذا المعنى اندماج أفقين: أفق الرشدية بوصفها لحظةً في تاريخ العقل الإسلامي وأفق المعاصرة العربية بما يعتمل فيها من أزمات الدولة والمعرفة والهوية والتأويل والحرية.

لقد كان ابن رشد واعياً في نصوصه الكبرى بأن الفلسفة ليست ترفاً ذهنياً بل فريضة نظرية على من استكمل شروطها. يقول في فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال: «فإن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع... وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك، فبيّن أن هذا الذي يُسمى فلسفةً إما واجب بالشرع وإما مندوب إليه». هذه العبارة وحدها تكفي للكشف عن طبيعة الانعطاف الرشدي، الفلسفة تُستمدّ مشروعيتها من صميم الأمر الشرعي بالنظر، والنظر في الموجودات يفضي إلى معرفة الصانع، والبرهان أداة معتبرة في هذا المسار. هنا تنفتح أمامنا أولى إمكانات الاستئناف، تحرير العلاقة بين الدين والعقل من منطق الخصومة الغليظة وإعادتها إلى أفق التساند المنهجي المشروط بالتمييز بين مراتب الخطاب وطرائق الإقناع وأهلية التلقي.

وقد كان ابن رشد حاسماً في تأكيده على أن الحقيقة لا تضاد الحقيقة. عبارته الشهيرة في فصل المقال تكاد تكون دستوراً فلسفياً كاملاً: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». في زمننا العربي الراهن حيث تُبنى خصومات كثيرة على سوء فهم العلاقة بين المرجعيات وحيث تُستثمر الثنائية بين “العقل” و“الدين” في صراعات أيديولوجية مبتذلة، تستعيد هذه العبارة قوتها التأسيسية. فهي لا تنطوي على تسوية سطحية ولا على مجاملة توفيقية رخيصة بل تعكس بناءً نظرياً دقيقاً، الحق واحد في ذاته وإن تعددت طرق الوصول إليه، والاختلاف قد يقع في مناهج النظر أو في مراتب البيان أو في قابلية العقول أو في فساد التأويل أو في جهل المتلقي، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تتشظى بتشظي المناهج. هنا تتبدى الرشدية قوةً مضادةً لكل أشكال الانقسام المعرفي الذي ينهك الثقافة العربية المعاصرة.

غير أن استئناف هذا المبدأ في الحاضر العربي يقتضي أن نُحسن فهم حدوده أيضاً. فابن رشد لم يكن يدعو إلى تسطيح الفوارق بين الخطاب البرهاني والخطاب الجدلي والخطاب الخطابي. بالعكس لقد أقام تمييزاً صارماً بين طرائق النظر ومراتب الناس في التلقي. يقول في فصل المقال: «والناس في الشرع ثلاثة أصناف: صنف أهل البرهان وصنف أهل الجدل وصنف أهل الخطابة». هذه القسمة ليست نزعةً أرستقراطيةً معرفيةً خالصة كما قد يتبادر إلى بعض القراءات المتعجلة، بل هي وعيٌ باختلاف البنيات الإدراكية وأنماط الإقناع وبأن الخطاب العمومي لا يُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها الحجاجات البرهانية الدقيقة. في الثقافة العربية الراهنة حيث اختلطت مجالات القول وصار الرأي العام يُستثار بخطاب انفعاليّ كثيف بينما تُستبعد التربية المنهجية على البرهان، تكتسب هذه الرؤية قيمةً نقدية بالغة. فاستئناف الرشدية يقتضي إعادة الاعتبار إلى التربية العقلية وإلى بناء الكفايات المنهجية وإلى التمييز بين فضاء البحث الأكاديمي وفضاء الوعظ وفضاء السياسة وفضاء الإعلام.

ولا يجوز اختزال المشروع الرشدي في مقولة “التوفيق بين الفلسفة والدين” لأن هذا الاختزال على شيوعه قد ظلم ابن رشد مرتين: مرة حين حوّله إلى وسيطٍ تصالحيّ محض، ومرة حين حجب كثافة مشروعه الإبستمولوجي والأنطولوجي والسياسي. فالرشدية في عمقها مشروع لإعادة ترتيب الوعي نفسه. هي دفاع عن البرهان نعم، لكنها أيضاً نقدٌ لأشكال الالتباس في التأويل. وهي دفاع عن الحكمة نعم، لكنها كذلك دفاع عن انضباط المعرفة وحدود التأويل ومخاطر تعميم الخطاب الفلسفي على غير أهله. وهي انفتاح على العقل اليوناني نعم، لكنها كذلك محاولة لتوطين هذا العقل داخل أفق الشريعة، لا بآلية الجمع التلفيقي بل عبر مساءلة المقدمات والغايات.

وإذا تأملنا اللحظة التاريخية التي ظهر فيها ابن رشد أدركنا أن مشروعه وُلد من قلب أزمة حضارية مركبة. فقد عاش في سياق صراع بين سلطة الفقه وسلطة الفلسفة وبين الدولة وتقلباتها وبين إرث الموحدين وضرورات الشرعية وبين آثار الغزالي في نقد الفلاسفة وبين محاولات الدفاع عن النظر العقلي. هذا المعطى مهمّ جداً لأنه يُظهر أن الرشدية لم تنبثق في فضاء هادئ بل تشكلت في بيئة توترٍ كثيف. وهنا تلوح دلالة عميقة للفكر العربي المعاصر، المشاريع الكبرى لا تولد في الطمأنينة المريحة بل تتخلق في مناطق الاحتكاك القصوى. ابن رشد نفسه ذاق المحنة والنفي والمصادرة. وها هنا يحضر قول باروخ سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة: «إن الغاية من الدولة هي الحرية». فكل مشروع عقلاني يحتاج إلى فضاء مدني وسياسي يسمح له بالتنفس وإلا ظلّ البرهان مخنوقاً داخل أسوار الخوف والرقابة.

ولذلك فإن أي حديث جاد عن استئناف المشروع الرشدي خارج سؤال الدولة والحرية والمؤسسات يظل حديثاً منقوصاً. لا يكفي أن نُعيد طباعة كتب ابن رشد ولا أن نُدرّس مقتطفات من فصل المقال ولا أن نحتفي به في الندوات ما دامت بنية المجال العمومي العربي في كثير من تجلياته تُعيد إنتاج أنماط من السلطوية الفكرية وتُضعف التربية النقدية وتُحوّل الجامعة إلى مؤسسة تلقين أكثر منها مؤسسة إنتاج. إن الرشدية في جوهرها تحتاج إلى بيئة تسمح للعقل بأن يعمل وللاختلاف بأن يُدار وللمعرفة بأن تتكاثر من داخل النقاش الحرّ. هنا يلتقي الدرس الرشدي مع الدرس الكانطي في معنى الأنوار. فكانط كتب في مقاله الشهير ما الأنوار؟: «الأنوار هي خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه» ثم يضيف: «تجرأ على أن تعرف». هذا النداء الكانطي يجاور على نحو مدهش الروح الرشدية التي تجعل النظر فريضة وتجعل البرهان طريقاً وتجعل القصور المعرفي علةً من علل الاضطراب.

إن استئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُصاغ في قالب استعادة “عقلانية صلبة” مغلقة على ذاتها وكأن ابن رشد معصوم من النقد أو كأن التاريخ الفلسفي توقف عنده. فالرشدية نفسها تحتاج إلى قراءة نقدية مزدوجة، قراءة تكشف عظمتها وقراءة تكشف حدودها. فابن رشد مهما بلغ من عمق يبقى ابن زمنه أيضاً. تصوره للعلوم وحدود اشتغاله في السياسة العملية وموقع التجربة العلمية بالمعنى الحديث وبعض رهاناته الأنثروبولوجية، كل ذلك محكوم بشروط عصره. لهذا كان الجابري نفسه مع إعجابه العميق بابن رشد حريصاً على أن يميّز بين استئناف “الروح الرشدية” وبين استنساخ النص الرشدي. وقد قال في التراث والحداثة: «المطلوب ليس أن نعود إلى ابن رشد بل أن نعيد تأسيس العقلانية في حاضرنا انطلاقاً من الدرس الذي يقدمه». هذه الفكرة بالذات هي مفتاح المقال كله، الاستئناف لا يعني الرجوع إلى الوراء بل يعني المضيّ إلى الأمام على هدي درسٍ تاريخيّ رفيع.

وإذا شئنا أن نُحدّد الملامح الكبرى للمشروع الرشدي القابل للاستئناف، أمكننا أن نلمس عدداً من المرتكزات العميقة التي تمنحه راهنيته. أولها مركزية البرهان. فالبرهان عند ابن رشد ليس مجرد تقنية منطقية بل هو أخلاق فكرية أيضاً. هو انضباط للعقل وحراسة من التسرع وتمييز بين الظن واليقين وبين المقبول والمبرهن. في زمن يتضخم فيه الرأي وتتسع فيه صناعة الوهم وتتحول فيه المنصات الرقمية إلى معامل لإنتاج الانفعالات واليقينيات الزائفة تبدو الحاجة إلى أخلاق البرهان أشدّ من أي وقت مضى. لقد قال أرسطو في الميتافيزيقا: «جميع الناس بالطبع يرغبون في المعرفة». غير أن الرشدية تُعلّمنا أن الرغبة في المعرفة لا تكفي ما لم تقترن بمنهج يميز المعرفة من الوهم.

وثانيها مركزية التأويل المنضبط. ابن رشد لم يفتح باب التأويل على مصراعيه فتحاً فوضوياً ولم يغلقه إغلاقاً حرفياً. لقد قرر قاعدةً بديعة حين قال في فصل المقال: «إذا أدى البرهان إلى شيء ما وخالف ظاهر الشرع فإن ذلك الظاهر يقبل التأويل». هذه القاعدة من أخصب ما أنجزه العقل الإسلامي في باب علاقة النص بالعقل. فهي تمنح النص قدسيته وتمنح البرهان سلطته وتمنح التأويل شرعيته وتمنع في الآن نفسه عبثية القراءة أو تسلط الحرفية. في الفكر العربي المعاصر حيث يتنازع النصَّ تياران متقابلان: تيار يفرغه من سلطته باسم الحداثة وتيار يجمّده في ظاهره باسم الهوية، تقدّم الرشدية إمكاناً ثالثاً: عقلنة التأويل من داخل احترام النص.

وثالثها وحدة الحقيقة وتعدد السبل إليها. وهذه الفكرة على بساطتها الظاهرة تحمل أثراً حضارياً هائلاً. لأنها تؤسس لإمكان التعايش المعرفي ولإمكان الحوار بين الحقول ولإمكان تجاوز الحروب الصغيرة بين “رجال الدين” و“رجال الحداثة” و“حراس التراث” و“مبشري القطيعة”. وقد عبّر ابن عربي في أفق مغاير تماماً عن معنى قريب حين قال في الفتوحات المكية: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». وإذا كانت الرشدية لا تشارك العرفانَ منطقه ولا لغته فإنها تلتقي معه على مستوى بعيد في الإقرار بتعدد الطرق إلى المعنى. غير أن ابن رشد يمنح هذه الفكرة صياغة عقلية برهانية منضبطة.

ورابعها التمييز بين مستويات الخطاب ومخاطره. هذا الدرس شديد الأهمية في زمننا، لأن كثيراً من الكوارث الفكرية تنشأ من نقل مسائل دقيقة إلى المجال العمومي دون أدواتها أو من تعميم مسائل عمومية على فضاءات تخصصية. ابن رشد كان واعياً بخطورة “إفشاء التأويلات البرهانية” لمن لا يتهيأ لها. وقد كتب: «من صرّح بشيء من هذه التأويلات لغير أهلها فقد كفر من حيث لا يشعر»، والعبارة واردة بمعناها في فصل المقال. بغضّ النظر عن حمولة العبارة في سياقها العقدي والجدلي، فإن معناها المنهجي واضح: ليس كل ما يُعرف يُقال بالطريقة نفسها ولا في المقام نفسه ولا للجمهور نفسه. في الحاضر العربي حيث اختلط التخصص بالاستعراض وتحوّلت القضايا الكبرى إلى مادة للاستهلاك السريع تستعيد هذه الفكرة راهنيتها بقوة.

وخامسها أن الفلسفة عند ابن رشد ليست غريبة عن المدينة. كثيرون ينسون أن ابن رشد كتب في السياسة وشرح الجمهورية لأفلاطون وتأمل في تدبير الاجتماع الإنساني. صحيح أن أثره السياسي لا يُقارن من حيث الامتداد بأثره في الميتافيزيقا والمنطق والطب غير أن حضوره السياسي دالّ. فهو يفهم أن المعرفة لا تُثمر إلا داخل نظام اجتماعي وسياسي يتيح لها أن تعمل. هنا يتقاطع على نحو بعيد مع ما سيقوله الفارابي قبله عن “المدينة الفاضلة” ومع ما سيقوله هيغل بعد قرون عن أن العقل يتجلى في التاريخ والمؤسسات. يقول هيغل في أصول فلسفة الحق: «ما هو عقلي هو واقعي وما هو واقعي هو عقلي». ورغم ما في العبارة من التباسات وتأويلات فإنها تذكّرنا بأن العقل لا يعيش في فراغ بل يتجسد في أشكال تاريخية. واستئناف الرشدية بهذا المعنى يحتاج إلى مؤسسات لا إلى شعارات.

وعند هذه النقطة بالذات يبرز سؤال مركزي، لماذا تعثّر استئناف المشروع الرشدي عربياً رغم كثافة الحديث عنه؟ الجواب يقتضي شجاعةً فكرية. لأن العائق لا يكمن في خصوم الرشدية فقط بل يكمن أحياناً في بعض أنصارها أيضاً. هناك من حوّل ابن رشد إلى أيقونة خطابية تُستعمل ضدّ الخصوم الأيديولوجيين أكثر مما تُستعمل لتأسيس برنامج معرفي. وهناك من اكتفى بتمجيد “العقلانية العربية” دون أن يخوض في شروطها التعليمية والمؤسسية واللغوية. وهناك من قرأ ابن رشد بعينٍ انتقائية فأخذ منه ما يوافق معركته وأهمل ما يربكها. وهناك من استعار منجز الحداثة الأوروبية كاملاً ثم علّق عليه اسم ابن رشد طلباً للمشروعية التراثية. وفي كل هذه الحالات يضيع الاستئناف الحقيقي.

لقد نبّه عبد الله العروي في أكثر من موضع إلى أن أكبر أخطاء الفكر العربي المعاصر تكمن في التردد بين التبني الشكلي للمفاهيم الحديثة وبين رفضها العاطفي من غير حسم تاريخي حقيقي. وفي مفهوم العقل يكتب العروي بما معناه العميق أن العقل لا يُستعاد بالتغني به بل يُبنى داخل شروط تاريخية مخصوصة وأن المفاهيم الحديثة لا تدخل الثقافة بقرار خطابي. وهذا التنبيه ثمين جداً. فالرشدية إذا أُريد لها أن تُستأنف تحتاج إلى أن تدخل في صميم معارك التعليم والجامعة والبحث العلمي والسياسات الثقافية وإصلاح الخطاب الديني وبناء المجال العمومي. ما لم يحدث ذلك ستظل “الرشدية” اسماً جميلاً في المقالات أكثر منها قوةً فاعلة في الاجتماع العربي.

وإذا كان الجابري قد جعل من ابن رشد محوراً في مشروعه النقدي، فإن هذا الاختيار لم يكن مجرد ميل شخصي بل كان حكماً إبستمولوجياً على بنية التراث. ففي نحن والتراث يقول: «إذا كان لا بد من اختيار ممثل للعقلانية العربية في أرقى صورها فإن ابن رشد هو هذا الممثل». وهذه العبارة مهما اختلفنا معها أو ناقشنا حدودها تكشف عن شيء أساسي، ابن رشد عند الجابري ليس فيلسوفاً بين فلاسفة بل نموذجاً لنسق معرفي. ولذلك سعى الجابري إلى جعل “القطيعة الإبستمولوجية” مع البيان والعرفان على الطريقة الباشلارية المعدّلة مدخلاً لاستعادة البرهان الرشدي. غير أن هذه القراءة نفسها تعرّضت لنقد واسع لأن بعض الباحثين رأى فيها تبسيطاً للخريطة المعرفية الإسلامية وإقصاءً لأبعادٍ روحية وبيانية لا يجوز اختزالها. وهنا تتبدى ضرورة القراءة النقدية المركبة، نحتاج إلى ابن رشد نعم، ونحتاج إلى الجابري قارئاً له نعم، لكننا نحتاج أيضاً إلى أن نقرأ الجابري نفسه نقدياً.

أما طه عبد الرحمن فقد خاض مع الجابري سجالاً عميقاً في معنى العقل وفي طبيعة التراث وفي حدود الحداثة وفي إمكان تأسيس عقلانية أخلاقية وروحية تتجاوز الاختزال الأداتي للعقل. وفي روح الحداثة ثم في سؤال الأخلاق نلمح بوضوح أن طه لا يطمئن إلى كل أشكال التمجيد غير المفحوص للعقلانية الحديثة أو للعقل البرهاني إذا فُصل عن جذره الأخلاقي والائتماني. وهذه الملاحظة تهمّنا كثيراً في موضوعنا. لأن استئناف المشروع الرشدي إن جرى على نحو اختزالي قد ينتهي إلى عقلانية تقنية جافة أو إلى تمجيد للبرهان من غير سؤال عن أخلاق البرهان وغاياته. لذلك قد يكون من ثمرات الحوار بين الجابري وطه أن يُعاد فتح الرشدية نفسها على أفق أخلاقي أرحب من غير أن تُفرَّغ من صرامتها المنهجية.

والحق أن واحدة من أعظم إمكانات استئناف المشروع الرشدي تكمن في قدرته على المساهمة في تجاوز الانقسام المصطنع بين “العقلانية” و“الروحانية” داخل الثقافة العربية. فالرشدية وإن لم تكن مشروعاً صوفياً لا تستلزم عداءً للباطن بمعناه التربوي أو الروحي وإنما تعادي الفوضى التأويلية والادعاء المعرفي غير المنضبط وهذا فرق جوهري. لذلك يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستلهم من ابن رشد منهجية البرهان ومن غيره من كبار التراث أفق التزكية والذوق والأخلاق شريطة أن تُحترم الحدود المنهجية بين الحقول وأن لا يُفرض منطق حقل على حقل آخر. هكذا يمكن أن تُبنى ثقافة مركبة غير ممزقة بين جفاف عقلاني وانفعال روحاني.

ويتعاظم هذا الإمكان حين نضع الرشدية في مواجهة سؤال العلوم الحديثة. فابن رشد كان طبيباً وقاضياً وفقيهاً وفيلسوفاً، وكانت صورة “العالم الموسوعي” في شخصه تعكس وحدةً معرفية افتقدناها في كثير من مراحلنا الحديثة. صحيح أن العصر الراهن عصر تخصصات دقيقة ولا يمكن الحنين فيه إلى الموسوعية القديمة على نحو ساذج غير أن الدرس الرشدي هنا واضح، المعرفة كلٌّ متصل والتخصص لا ينبغي أن يقتل الأفق الكلي. الجامعة العربية اليوم تعاني في كثير من مواقعها من انفصال الحقول، الفقيه بعيد عن الفيلسوف والفيلسوف بعيد عن العالم الطبيعي والباحث في العلوم الاجتماعية بعيد عن المشتغل باللسانيات والمثقف العمومي بعيد عن المختبر. استئناف الرشدية في هذا المقام يعني بناء جسور معرفية وتكوين نخب قادرة على الحوار بين التخصصات وتحرير الفلسفة من عزلتها المدرسية.

وقد قال إدغار موران وهو من كبار فلاسفة التعقيد في عصرنا: «المعرفة المجزأة تُنتج عقولاً عاجزة عن فهم المركب». هذه العبارة تصلح أن تُقرأ على ضوء الحاجة إلى روح رشدية جديدة. لأن الرشدية التاريخية لم تكن تجزئةً للمعرفة بل كانت سعياً إلى انتظامها. واستئنافها اليوم يقتضي أن تُستعاد الفلسفة بوصفها قدرةً على الربط لا بوصفها ترفاً إنشائياً. كما يقتضي أن يُعاد وصل التعليم الفلسفي بالعلوم وأن يُحرَّر تدريس الفلسفة من التلخيص المدرسي إلى التمرين على بناء السؤال وتحليل الحجة.

ومن الجوانب التي تحتاج إلى عناية خاصة في هذا الاستئناف: اللغة، فاللغة العربية المعاصرة في كثير من الاستعمالات الفكرية تعيش بين طرفين متباعدين، لغة تراثية مثقلة بالمحاكاة والرتابة ولغة حديثة مكسورة المفاهيم أو مرتهنة للترجمة الحرفية. وابن رشد يعلّمنا درساً بالغ الأهمية في صناعة اللغة الفلسفية، الدقة والاقتصاد والتحديد والقدرة على صوغ المفهوم داخل العربية من غير تفريط في الصرامة. إن مشروع استئناف الرشدية يقتضي عملاً معجمياً ومفاهيمياً كبيراً لأن أزمة الفكر العربي المعاصر في جانب منها أزمة مصطلح وأزمة لغة. وقد نبّه عبد السلام بنعبد العالي في غير ما موضع إلى أن التفكير في الفلسفة هو أيضاً تفكير في اللغة التي تقولها، وهذا صحيح إلى أبعد حد. فكل مشروع فلسفي عربي معاصر لا يُحسن صناعة لغته محكوم عليه بأن يبقى تابعاً ولو رفع راية الاستقلال.

وعند الحديث عن استئناف الرشدية يبرز بقوة سؤال “النقد”. لأن المشروع الرشدي نفسه كان مشروعاً نقدياً بامتياز. ابن رشد لم يكتف بشرح أرسطو بل مارس نقداً للمتكلمين وردّاً على الغزالي ومراجعةً لكثير من المسالك السائدة في عصره. كتابه تهافت التهافت شاهدٌ ساطع على ذلك. في مقدمة هذا الكتاب ومن خلال بنيته العامة نشهد عقلاً يحاور خصماً عظيماً مثل أبي حامد الغزالي لا بعصبية بل بحجاج دقيق وبإيمان عميق بأن القضايا الكبرى تُناقش بالحجة لا بالتشهير. والغزالي نفسه على عظمته كان قد كتب في المنقذ من الضلال: «الشكوك هي الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال». هذه الروح النقدية عند الغزالي مع اختلاف المآلات تلتقي مع روح ابن رشد في أن الفكر لا يُبنى بالتسليم الكسول. لذلك فاستئناف الرشدية لا ينبغي أن يتحول إلى معاداة للغزالي أو شيطنته كما فعلت بعض القراءات السطحية لأن ذلك يفسد فهم التاريخ الفكري الإسلامي ويحوّله إلى معركة كاريكاتورية بين “بطل العقل” و“عدو العقل”. الأجدر أن نقرأ الاثنين معاً قراءةً تركيبيةً دقيقة فنفهم مواقع التوتر ونستخرج الدروس.

ومن الدروس الكبرى هنا أن الفكر العربي المعاصر يحتاج إلى الخروج من منطق “الأبطال الخلاصيّين”. فلا ابن رشد وحده يكفي ولا الغزالي وحده ولا ابن خلدون وحده ولا الشاطبي وحده ولا الجابري وحده. الثقافة الحية لا تُبنى بعبادة الأسماء بل بحوار المشاريع. ومع ذلك يظلّ ابن رشد موقعاً مفصلياً لأنه يمنحنا مفهوماً قوياً للبرهان وللتأويل ولعلاقة العقل بالنص ويقدّم نموذجاً نادراً لمثقفٍ جمع بين الفقه والفلسفة والقضاء والطب والسياسة من غير أن يذوب في أيّ واحد منها.

ومن أشدّ ما يحتاج إليه الفكر العربي اليوم أن يتجاوز الاستقطاب الحادّ بين “التراثيين” و“الحداثيين” عبر نموذجٍ رشديّ مُجدَّد. فالتراثي المغلق يتعامل مع النصوص بوصفها أجوبةً نهائيةً على أسئلة لم تُطرح بعد، والحداثي المبتور يتعامل مع الحداثة بوصفها قدراً مكتفياً بذاته لا يحتاج إلى ترجمة حضارية عميقة، وبين هذين الطرفين تضيع إمكانات التأسيس. ابن رشد يقدّم في أفقٍ ما إمكاناً ثالثاً: الوفاء للنص دون عبودية للحرف والانفتاح على العقل دون تبعية عمياء للمركز الخارجي. هنا نستحضر عبارة بول ريكور: «التراث ليس ما نرثه فقط بل ما نُعيد قراءته». هذا المعنى هو عين ما نحتاجه في موضوعنا.

غير أن أخطر ما يهدد أي استئناف للمشروع الرشدي هو أن يتحول إلى “أيديولوجيا عقلانية” تُقصي ما لا تفهمه. لأن العقلانية حين تفقد تواضعها المعرفي تنقلب إلى سلطة جديدة. وقد نبّه باسكال منذ زمن بعيد إلى حدود العقل حين قال: «للقلب براهينه التي لا يعرفها العقل». والمقصود هنا ليس إبطال العقل بل تذكيره بحدوده وحقوله. والرشدية إذا قُرئت قراءة ناضجة فهي قادرة على استيعاب هذا الدرس لأنها لا تدّعي أن البرهان يشتغل في كل شيء بالطريقة نفسها وإنما تميّز بين مراتب النظر. أما إذا قُرئت قراءة أيديولوجية فإنها قد تُستخدم لتكريس نمط من العنف الرمزي ضدّ كل ما لا يندرج في صورتها المبسطة عن “العقل”.

إن إمكانات استئناف المشروع الرشدي في الفكر العربي المعاصر ترتبط كذلك بقدرتنا على تحرير مفهوم “العقل” نفسه من الاختزال. فالعقل عند ابن رشد عقل برهاني منضبط نعم، لكنه ليس آلةً صمّاء. والعقل في تراثنا على تنوع صوره يحمل أيضاً أبعاداً أخلاقية وعملية ووجودية. وقد كان أرسطو الذي شكّل أحد أعمدة التكوين الرشدي يميز في الأخلاق النيقوماخية بين الحكمة النظرية والحكمة العملية. واستئناف الرشدية في زمننا يقتضي أن نصل البرهان بالحكمة العملية وأن نجعل العقل قادراً على الإسهام في بناء الدولة العادلة وفي ترشيد الاقتصاد وفي إصلاح التعليم وفي تحرير الخطاب الديني وفي تهذيب المجال العمومي.

وإذا أردنا أن نُنزّل هذا الكلام من التجريد إلى مستوى البرنامج أمكن القول إن استئناف المشروع الرشدي يمر عبر مسالك محددة. يمر أولاً عبر إصلاح جذري لتدريس الفلسفة والمنطق وعلوم الحجاج في المدرسة والجامعة. يمر ثانياً عبر إعادة بناء العلاقة بين الدراسات الشرعية والدراسات الفلسفية بحيث ينكسر الجدار المصطنع بينهما ويُفتح حوار منهجي جادّ بين الأصوليين والفلاسفة واللغويين والمؤرخين. ويمر ثالثاً عبر مشروع ترجمة ومراجعة للمفاهيم الحديثة في العربية لأن الفكر لا ينهض بلغة مرتجفة. ويمر رابعاً عبر بناء فضاء عمومي يحترم الاختلاف ويصون حرية البحث. يمر خامساً عبر تحرير البحث العلمي من البيروقراطية والولاءات الصغيرة. يمر سادساً عبر تخليص الخطاب الثقافي من الاستعراض والإنشاء الفضفاض لصالح الحجة والتحليل. وكل هذه المسالك ليست “إضافات” على الرشدية بل هي الشروط التاريخية التي تجعل روحها قابلةً للحياة.

ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون لأنه فيلسوف العمران وناقد الأحوال حيث قال في المقدمة: «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب». هذه العبارة الخلدونية تكشف لنا وجهاً خطيراً من أزمة الفكر العربي الحديث. فكثير من مشاريع “الحداثة” العربية جرى فيها الاقتداء بالغالب على نحو مبهور من غير تمثل عميق لشروط المفاهيم ومن غير قدرة على إعادة إنتاجها داخل التربة الثقافية الخاصة. واستئناف الرشدية يمكن أن يكون سبيلاً لمقاومة هذا الولع لا بمعنى الانغلاق القومي أو الحضاري بل بمعنى امتلاك القدرة على الحوار الندّي مع الفكر العالمي. فالعالم لا يحترم من يكرر بل يحترم من يضيف.

وقد كان مارتن هايدغر يقول: «اللغة بيت الكينونة». وإذا كان في هذه العبارة أفق أنطولوجي خاص، فإنها تُفيدنا هنا من جهة أن كل نهضة فكرية تحتاج إلى بيت لغوي يسكنها. والرشدية الجديدة إن جاز التعبير لا بد أن تُبنى في لغة عربية حية قوية قادرة على احتضان المفهوم دون أن تنكسر وقادرة على حمل الدقة دون أن تفقد الجزالة، لأن جزءاً من استئناف الرشدية اليوم يمر عبر هذا الإصرار على أن تكون العربية لغة تفكير لا مجرد لغة وعظ أو زخرفة.

ومهما قيل في إمكانات الاستئناف فإن الصدق العلمي يفرض الإقرار بأن الطريق شاق، فالعوائق البنيوية كثيرة، هشاشة المؤسسات، ضعف تقاليد البحث، تغوّل الاستهلاك الثقافي، هيمنة الخطاب الانفعالي، التباس العلاقة بين الدين والسياسة، غياب الإرادة الإصلاحية العميقة في كثير من البنى التعليمية. لذلك فاستئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُقدَّم كحلّ سحري ولا كطريق معبّد. إنه أفق نضاليّ طويل يحتاج إلى أجيال ويحتاج إلى صبر حضاري. هنا تلوح حكمة هيغل من جديد حين قال في محاضرات في فلسفة التاريخ: «بومة منيرفا لا تبدأ طيرانها إلا عند حلول الغسق». أي إن الفلسفة غالباً ما تأتي متأخرة لتفهم ما جرى. غير أن الفكر العربي اليوم لا يملك ترف التأخر الأبدي. عليه أن يجعل الفلسفة أداة فهم وأداة تأسيس معاً.

إن المشروع الرشدي ما يزال يحمل إمكانات هائلة للفكر العربي المعاصر شريطة أن نقرأه بعينين لا بعين واحدة، عين تعترف بعظمته وعين تمارس عليه النقد. بعين تستلهم منه وعين تتجاوزه. بعين تحفظ له مكانته في تاريخ العقل الإسلامي وعين ترفض تحويله إلى ضريح مفهومي. فابن رشد لا يُكرَّم بتمجيده اللفظي وإنما يُكرَّم حين نعيد تشغيل الأسئلة التي شغلته، ما حدود العقل؟ كيف يُفهم النص؟ ما شروط التأويل؟ ما طبيعة البرهان؟ كيف تنتظم المعرفة؟ ما صلة الحقيقة بالشرع؟ ما دور الفلسفة في المدينة؟ كيف تُدار مراتب الخطاب؟ كيف نمنع العوامّ من أن يُستثاروا ضدّ الحكمة ونمنع الحكماء من أن يفسدوا العامّة بسوء البيان؟.

في هذا المنحى يغدو استئناف المشروع الرشدي فعلاً من أفعال الشجاعة الحضارية. لأن الثقافة العربية اليوم في أمسّ الحاجة إلى عقل يملك الجرأة على النقد والتواضع أمام الحقيقة والانضباط في الاستدلال والصرامة في التأويل والقدرة على الجمع بين الوفاء والأفق. وليس المقصود أن نُعيد إنتاج القرن السادس الهجري ولا أن نستبدل مركزية غربية بمركزية تراثية ولا أن نُحوّل ابن رشد إلى أيديولوجيا جاهزة. المقصود أن نحرر من تراثنا ما يساعدنا على أن نفكر بحرية وعمق ومسؤولية. وهنا يستعيد قول ابن رشد نفسه ألقه النادر: «الحق لا يضاد الحق». تلك ليست عبارة في التوفيق فحسب بل هي إعلان عن ميثاق معرفي كامل، لا خصومة بين الحقيقة والحقيقة والخصومة، إنما تقع بين الأهواء أو بين الجهل والحقيقة أو بين سوء التأويل والبرهان.

وعند هذا الأفق يلوح معنى آخر أشد رسوخاً: استئناف المشروع الرشدي ليس شأناً فلسفياً صرفاً بل هو امتحان أخلاقي وسياسي وثقافي للمجتمعات العربية. فالمجتمع الذي لا يحتمل السؤال لن يحتمل الرشدية. والجامعة التي لا تربي على الحجة لن تلد عقلاً رشدياً. والخطاب الديني الذي يخاف من التأويل المنضبط سيبقى أسير التكرار. والمثقف الذي يكتفي بالشعار لن يبني تقليداً نقدياً. والدولة التي ترتاب من الحرية ستخنق كل مشروع عقلي قبل ولادته. لذلك فالرشدية ليست مجرد نصوص تقرأ بل هي شكل من أشكال الوجود الحضاري.

وقد يكون من أبلغ ما نختم به مقالتنا هاته أن نستحضر العبارة التي جعلها ابن رشد مبدأً في فصل المقال ثم نقرأها في ضوء الحاضر العربي بكل جراحه وآماله: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». لو أُعيد بناء ثقافتنا على هذا المبدأ وحده لتغير كثير من وجوه الخصومة العقيمة التي تستنزفنا. ولعادت الفلسفة إلى مكانها الطبيعي لا خصماً للدين ولا تابعاً له بل شريكاً في طلب الحقيقة. ولعاد الفقيه إلى مقامه الأصيل لا حارساً للخوف بل مؤتمناً على المعنى. ولعاد المثقف إلى دوره الحق لا بائعَ مواقف بل صانعَ أسئلة. ولعادت الجامعة إلى رسالتها لا مصنعَ شهادات بل ورشةَ عقل.

هكذا وحده يمكن أن يكون الحديث عن إمكانات استئناف المشروع الرشدي حديثاً جاداً لا زينة خطابية ولا حنيناً مثقلاً بالمجاز. وهكذا وحده يصير ابن رشد معاصراً لنا لا لأنه عاش في زمننا بل لأن أسئلتنا الكبرى ما تزال تجد في مشروعه طاقةً على الإضاءة ومادةً للمراجعة ودعوةً إلى أن نكون أوفياء للعقل من غير قطيعة مع الجذور وأوفياء للجذور من غير عداوة للعقل. ذلك هو الدرس الرشدي الأسمى وذلك هو الرهان الذي يظل مفتوحاً أمام الفكر العربي المعاصر، أن يخرج من زمن التكرار إلى زمن التأسيس ومن زمن الاستهلاك إلى زمن الإنتاج ومن زمن الاصطفاف الأيديولوجي إلى زمن البناء المفهومي ومن زمن الحنين إلى زمن العمل.

فإذا نجحنا في ذلك فلن نكون قد “أحيينا” ابن رشد لأن الكبار لا يحتاجون إلى من يحييهم بل نكون قد أحيينا في أنفسنا القدرة على التفكير التي بها تُبنى الحضارات وتُصان الكرامات وتُستعاد المعاني. وتلك في تقديري المتواضع هي الغاية الأبعد من كل قراءة رشديّة جادة، أن نستردّ العقل لا بوصفه شعاراً بل بوصفه سلوكاً حضارياً ومِراناً منهجياً وفضيلةً أخلاقية ورسالةً تاريخية.

***

د. حمزة مولخنيف

انتقال الأفكار الفلسفية بين الأندلس وأوروبا الوسيطة

لم تكن الرشدية مجرد مذهب فلسفي انتسب إلى اسم شارح كبير من شراح أرسطو ولم تكن أثرا تعليميا عابرا انقضى بانقضاء صاحبه أو بانطفاء مجالسه العلمية في قرطبة ومراكش وإشبيلية وإنما كانت منعرجا معرفيا حاسما في تاريخ العقل المتوسطي كله بما هو عقل تشكل في مجرى الترجمة وتربى في أحضان النزاع بين السلط الدينية والبرهانية، ثم أخذ صورته الأكثر درامية ساعة خرجت شروح ابن رشد من فضائها الأندلسي الإسلامي لتستقر في المدارس اللاتينية والجامعات الناشئة في باريس وبادوفا وبولونيا. فهناك تحديدا ابتدأ نص ابن رشد حياة ثانية، حياة لم يعد فيها مجرد فقيه مالكي وقاضٍ أندلسي وطبيب فيلسوف، وإنما غدا “الشارح الأكبر” في الوعي المدرسي الأوروبي وغدا اسمه نفسه علما على نمط مخصوص من النظر له جرأته وله منطقه وله خصومه وله آثاره التي تجاوزت زمنه وبيئته ومقصوده الأصلي أحيانا.

إن الحديث عن الرشدية في الفضاء المتوسطي حديث عن عبور كثيف للأفكار عبر اللغات والحدود والأنساق، حديث عن نص فلسفي ولد في تماس حاد بين الشريعة والحكمة ثم أعيدت صياغته داخل بنية لاهوتية مسيحية كانت في حاجة إلى أرسطو وكانت في الآن نفسه تخشاه، وكانت في حاجة إلى ابن رشد لأنه فتح لها مغالق أرسطو، وكانت تخشاه لأنه حمل معها تصورا للعقل الذي لا يرضى أن يظل تابعا للسلطة التأويلية الجامدة. هنا بالضبط تظهر الرشدية لا باعتبارها مجرد انتقال نصوص، وإنما باعتبارها انتقالا لمشكل فلسفي كامل، ما حدود العقل؟ ما منزلة البرهان؟ كيف يقرأ النص الديني في ضوء الحقيقة البرهانية؟ ما معنى أن تكون للفلسفة استقلالية منهجية داخل مجتمع يؤسس شرعيته على الوحي؟ وما الذي يقع عندما تنتقل هذه الأسئلة من سياق إسلامي أندلسي إلى سياق لاتيني مدرسي شديد الحساسية تجاه كل ما يهدد بناء العقيدة الكنسية؟.

لقد كان ابن رشد في العمق مفكرا للاتساق العقلي، ولم يكن همه أن ينتصر للفلسفة على الدين انتصارا دعائيا ساذجا ولا أن يجعل الشريعة ذريعة لقمع النظر، وإنما سعى إلى بناء مجال تواطؤ بين الحقيقة الموحى بها والحقيقة المبرهن عليها. عبارته التي صارت من أشهر العبارات في التراث الفلسفي الإسلامي “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له” لم تكن مجرد صياغة بلاغية ذات وقع أخلاقي، وإنما كانت قاعدة إبستمولوجية كبرى تؤسس لنظام في الفهم وتعيد ترتيب العلاقة بين ظاهر النص وباطنه بين العامة والخاصة وبين الجدل والبرهان وبين مستويات الإدراك البشري وتمنح العقل البرهاني شرعية لا بوصفه قوة تمرد بل بوصفه أداة من أدوات إدراك الحكمة الإلهية في العالم والشرع معا. بهذا المعنى كانت الرشدية أعمق من أن تختزل في شروح أرسطية وأخطر من أن تُحصر في نزاع حول قِدم العالم أو وحدة العقل أو تأويل الصفات، لقد كانت نظرية في العقل الحضاري نفسه. ومع ذلك فإن الرشدية ساعة خرجت من مجالها الإسلامي إلى أوروبا الوسيطة لم تنتقل نقية صافية كما صاغها صاحبها. فالنصوص لا تسافر بلا خسائر والأفكار لا تعبر البحار بلا تحولات والترجمات لا تحمل المعاني وحدها بل تحمل معها انحرافات الفهم وانتقاءات المترجمين وحاجات المؤسسات المستقبلة وصراعات المدارس وضغوط الرقابة. ولهذا لم تكن “الرشدية اللاتينية” صورة مطابقة لـ “الرشدية الأندلسية” كما لم تكن خصومة الكنيسة مع بعض الرشديين خصومة مع ابن رشد نفسه على الدوام بل كانت في كثير من المواطن خصومة مع قراءات مخصوصة له أو مع نتائج استنبطها بعض الشراح من تعليقاته أو مع استعمالات جامعية جعلت من اسمه راية لاستقلال الفلسفة عن اللاهوت وهو أمر يتجاوز أحيانا ما صرح به ابن رشد نفسه في سياقه الإسلامي.

إن الفضاء المتوسطي إذا نظرنا إليه من زاوية تاريخ الأفكار لم يكن بحرا يفصل بين حضارات متجاورة وإنما كان معبرا عميقا ومختبرا هائلا ووسطا ناقلا ومحوِّلا في آن. فيه تحركت النصوص اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية ثم من السريانية إلى العربية ثم من العربية إلى اللاتينية والعبرية، وفيه تشكلت طبقات متراكبة من التلقي والتعليق وإعادة البناء. والرشدية ليست إلا إحدى أكثر اللحظات تعبيرا عن هذا الحراك. لقد تلقى الغرب اللاتيني أرسطو عبر ابن رشد أكثر مما تلقاه مباشرة حتى صار هذا الفيلسوف الأندلسي بالنسبة إلى كثير من أساتذة الفنون في باريس أشبه بالمفتاح الذي لا يفتح أرسطو إلا به. ولم يكن غريبا تبعا لذلك أن يلقب في التقاليد المدرسية باسم “الشارح” على جهة الإطلاق كما لُقِّب أرسطو باسم “الفيلسوف”، وهو توزيع رمزي للأدوار يكشف عن عمق الحضور الرشدي داخل البنية التعليمية الأوروبية الوسيطة.

هذا الحضور لم يكن حضورا هادئا فكلما اشتد نفوذ الشروح الرشدية داخل مدارس الفنون، اشتدت معها الأسئلة التي تمس بنية العقيدة المسيحية المدرسية، إذا كان العقل واحدا على نحو ما فُهِم من بعض التأويلات الرشدية فماذا يبقى من المسؤولية الشخصية؟ وإذا كان العالم أزليا من جهة الحركة والنظام الكوني فكيف يُفهم الخلق؟ وإذا كانت الحقيقة الفلسفية تبلغ مرتبة من البرهان قد لا تبلغها المقاربات الوعظية أو الجدلية فكيف يُعاد ترتيب العلاقة بين الأستاذ في كلية الفنون والأستاذ في كلية اللاهوت؟ هنا نشأت تلك التوترات التي صنعت ما عُرف لاحقا بالرشدية اللاتينية وجعلت من أسماء مثل سيجر البرابانتي وبويتيوس الدانماركي ويوحنا الجندوني علامات على نزاع فلسفي حاد داخل قلب المسيحية المدرسية.

غير أن اختزال الرشدية في هذه المقولات الثلاث أو الأربع ظلم مزدوج، ظلم لابن رشد وظلم لتاريخ الاستقبال الأوروبي نفسه. فالرشدية كانت قبل ذلك وبعده منهجا في القراءة وأخلاقا في التعامل مع النصوص وصرامة في البرهنة وميلا إلى رد الفروع إلى الأصول وتحريرا للفلسفة من الشروح الخطابية الفضفاضة ووفاء لأرسطو مقرونا بجرأة التأويل، وهي العناصر التي جعلت منها أداة تأسيس في بناء العقل المدرسي الأوروبي حتى لدى من عارضها. لقد كان توما الأكويني خصما للرشدية في مواضع معلومة، لكنه كان في الآن ذاته أحد أكبر المستفيدين من الجهد الرشدي في شرح المتن الأرسطي وكان اعتراضه على بعض النتائج الرشدية مشروطا سلفا بكون ابن رشد قد فرض نفسه مرجعا لا يمكن القفز عليه. فالخصومة نفسها دليل حضور والنقد نفسه شهادة تأثير والردود الكبرى لا تكتب ضد الأفكار الهامشية.

على هذا الأساس يصير من اللازم أن نفهم الرشدية بوصفها طبقات متداخلة، رشدية أندلسية نشأت في حضن الثقافة العربية الإسلامية ورشدية يهودية عبرت إلى الفكر العبري الوسيط وأسهمت في إعادة تشكيل فلسفة موسى بن ميمون وشراحه ورشدية لاتينية دخلت الجامعات المسيحية وأثارت الزوابع اللاهوتية ورشدية نهضوية مبكرة أعادت اكتشاف قيمة العقل الطبيعي واستقلالية البحث، ثم رشدية حديثة ومعاصرة استعادتها الثقافة العربية بوصفها رمزا للعقلانية المفقودة أو المؤجلة. وكل طبقة من هذه الطبقات لا تكرر سابقتها وإنما تعيد تأويلها على قدر حاجتها التاريخية.

في الأندلس كان ابن رشد ابن أزمة كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي الغربي، فقد جاء بعد قرون من الجدل بين المتكلمين والفلاسفة والفقهاء وبعد اللحظة الغزالية التي هزت مشروعية الفلسفة هزا عنيفا وبعد تجربة ابن باجة وابن طفيل اللذين مهدا لقدر من الاستئناف العقلي داخل الغرب الإسلامي. وإذا كان الغزالي قد كشف هشاشة بعض دعاوى الفلاسفة المشرقيين، فإن ابن رشد لم يرد عليه بإنكار الدين أو السخرية من الكلام وإنما رد عليه من داخل مطلب أعلى: مطلب التمييز بين مراتب الخطاب ومراتب البرهان. لهذا كان مشروعه في “فصل المقال” و”تهافت التهافت” و”الكشف عن مناهج الأدلة”، مشروعا يتجاوز الدفاع عن الفلسفة إلى إعادة بناء المجال النظري الذي تتجاور فيه العلوم الشرعية والعلوم البرهانية من غير أن يلتهم أحدهما الآخر. لقد أدرك أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود نص ديني وعقل فلسفي وإنما تكمن في سوء توزيع السلط المعرفية وفي الخلط بين مقام العامة ومقام الخاصة وفي تحويل الظاهر الخطابي إلى سيف يُشهر في وجه البرهان.

ومن هنا كانت الرشدية الأندلسية في أصلها مشروعا للتوفيق العميق لا التلفيق السطحي. فالتوفيق عند ابن رشد لا يعني جمع المتناقضات على سبيل المراوغة وإنما يعني إقامة نسق معرفي يُحفظ فيه لكل نوع من أنواع القول مجاله ووظيفته. الشريعة تخاطب الناس جميعا بطرائق متعددة والبرهان لا يقدر عليه الجميع، والتأويل ليس حقا شعبويا مبذولا لكل أحد لأن إخراج المعاني من ظواهرها يحتاج إلى آلة وملكة وانضباط. تتحول الفلسفة من ترف نخبوي إلى واجب كفائي في حق من استكمل شروط النظر وتتحول الشريعة من خصم للعقل إلى حاضنة لمشروعيته. هذا التصور كان في ذاته ثوريا داخل السياق الإسلامي كما كان قابلا لأن يثير قلقا مضاعفا ساعة يترجم إلى اللاتينية لأن الكنيسة لم تكن تنظر إلى العلاقة بين اللاهوت والفلسفة بالطريقة نفسها ولأن بنية السلطة المعرفية فيها مختلفة جذريا عن بنية الفقه الإسلامي.

لقد تمت ترجمة كثير من أعمال ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية عبر مراكز الترجمة في طليطلة وغيرها وعبر جهود مترجمين كان بعضهم يشتغل في مناطق التماس الحضاري بين المسلمين والمسيحيين واليهود. ولم تكن الترجمة مجرد نقل لغوي وإنما كانت حدثا مؤسسيا. فما دخل اللاتينية من شروح ابن رشد حيث لم يدخل إلى خزائن النخبة فقط وإنما دخل إلى قاعات التدريس وإلى برامج التعليم وإلى الجدل الجامعي وإلى بنية الامتحان المدرسي. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للرشدية في أوروبا، إنها ليست “تأثيرا” ثقافيا عاما فحسب وإنما هي تشكل فعلي لآلة الفهم داخل مؤسسة الجامعة. ولهذا لا يصح أن يقال إن أوروبا “قرأت” ابن رشد فقط بل الأدق أن يقال إنها “درست” أرسطو عبره و”تعلمت” طرائق البرهنة معه و”تشاجرت” بواسطته مع نفسها. وقد كان لهذا التلقي أثر بالغ في صوغ ما يمكن تسميته بالوعي المدرسي الجديد، فالرشدية علمت المدرسة اللاتينية أن النص الفلسفي لا يقرأ بالمواعظ وأن المعنى لا يستخرج بالإنشاء وأن الفهم يحتاج إلى ضبط للمصطلح وترتيب للمقدمات وتفكيك للأقوال وردّ للمسائل إلى أصولها المنهجية، لهذا كان تأثيرها يتجاوز المضامين الميتافيزيقية إلى البنية العقلية نفسها. وإذا كان بعض الباحثين المعاصرين قد بالغوا في الحديث عن “فضل ابن رشد” على النهضة الأوروبية بصيغة سببية ساذجة فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن أثره في تشكيل العقل الجامعي الوسيط أثر بالغ العمق حتى لو لم يكن وحده المسؤول عن كل التحولات اللاحقة، فالتاريخ لا يصنعه رجل واحد لكنه أحيانا لا يمر من غيره.

في جامعة باريس حيث كان الصراع على أشده برزت الرشدية بوصفها قوة فكرية تربك التوازنات. فكلية الفنون التي كانت تتولى تدريس المنطق والطبيعيات والأخلاق وما يتصل بأرسطو، وجدت في الشروح الرشدية مادة خصبة تمنحها قدرا من الاستقلال المعرفي عن اللاهوت. وهذا الاستقلال لم يكن سياسيا فقط بل كان منهجيا قبل كل شيء. فالأستاذ الذي يتتبع البرهان الأرسطي كما شرحه ابن رشد قد يصل إلى نتائج لا تنسجم دائما مع التأويلات العقائدية الرسمية. هنا ابتدأ التوتر بين “ما يقتضيه البرهان” و”ما تقرره العقيدة”. وليس المقصود بذلك أن الرشديين اللاتينيين كانوا ملاحدة بالمعنى الشائع وإنما كانوا يدافعون عن حق الفلسفة في أن تسلك مقتضى مقدماتها حتى النهاية ولو أدى ذلك إلى تمييز بين ما يصح فلسفيا وما يعتنق إيمانيا. وقد نُسب إلى بعضهم ما صار يعرف لاحقا ولو على نحو تبسيطي بنظرية “الحقيقتين” مع أن هذا التعبير في صورته المدرسية المشهورة أكثر التباسا مما يتداوله الخطاب الشائع.

إن ربط الرشدية بنظرية “الحقيقتين” على وجه القطع يحتاج إلى حذر شديد. فابن رشد نفسه لم يقل بتعدد الحقيقة وإنما قرر وحدة الحق واختلاف طرق إدراكه. أما بعض الرشديين اللاتينيين فقد وجدوا أنفسهم داخل نظام جامعي كنسي يفرض عليهم التمييز بين ما يثبت فلسفيا وما يلتزم دينيا فظهرت صيغ لغوية من قبيل: “هذا صحيح بحسب الفلسفة” أو “هذا صحيح بحسب الإيمان”. هذه الصياغات لم تكن دائما إعلان انفصام أنطولوجي بين حقيقتين، بل كانت أحيانا مجرد تقنية مدرسية لإدارة التوتر بين مجالين. غير أن اللاهوت الكنسي قرأها قراءة تهديدية لأنها تفتح الباب أمام استقلال العقل الطبيعي استقلالا قد يتحول إلى سلطة موازية. وهنا نفهم لماذا لم تكن مقاومة الرشدية مجرد اعتراض على مسألة جزئية وإنما كانت دفاعا عن البنية الهرمية للمعرفة في المسيحية الوسيطة.

لقد كان توما الأكويني المثال الأبرز لهذا الرد العميق، حيث لم يواجه الرشدية من موقع الجهل بها بل من موقع الوعي الدقيق بخطورتها وبقيمتها في آن. كان يعرف أن ابن رشد هو أبرع شارح لأرسطو في زمانه، وكان يدرك أن مناقشته تقتضي امتلاك آلة فلسفية صارمة لا مجرد تنديد وعظي. لذلك جاءت نصوصه المضادة لبعض الأطروحات الرشدية نصوصا فلسفية من الطراز الأول خصوصا في مسألة وحدة العقل المفارق وعلاقة النفس بالبدن. لقد كان دفاع الأكويني عن فردية النفس العاقلة دفاعا عن أساس المساءلة الأخلاقية والخلاص المسيحي وكان رفضه لوحدة العقل رفضا لما يراه تهديدا لمعنى الشخص نفسه. غير أن هذا الرفض لا يلغي حقيقة أخرى أكثر عمقا، أن الأكويني في كثير من مباحثه كان يتحاور مع ابن رشد أكثر مما يتحاور مع أي شارح آخر، وأن بناء التوماوية المدرسية لم يكن ممكنا بالصورة التي عرفناها لولا المرور الصارم عبر الامتحان الرشدي.

إن الرشدية انتصرت حتى في مواضع هزيمتها الظاهرة، فقد أدت الإدانة الكنسية لبعض الأطروحات المنسوبة إلى الرشديين في سنتي 1270 و1277 إلى محاولة الحد من تغول العقل الأرسطي كما تمثله بعض القراءات، لكنها في الآن ذاته دفعت الفكر المسيحي إلى مزيد من التحديد المفهومي وإلى مزيد من صقل التمييز بين الفلسفة واللاهوت وإلى مزيد من الانتباه إلى استقلال بعض المجالات المعرفية، أي إن قمع الرشدية لم يؤد إلى إعدام أثرها وإنما أدى إلى تعميقه بطريقة جدلية. فالفكرة الممنوعة كثيرا ما تواصل عملها في باطن النسق الذي حاول طردها وقد يكون تأثيرها الأبعد ناشئا من المقاومة التي أُقيمت ضدها أكثر مما هو ناشئ من قبولها المباشر. ثم إن الرشدية لم تتوقف عند باريس، ففي إيطاليا وخاصة في بادوفا وجدت بيئة أكثر قابلية لاستمرار بعض اتجاهاتها فاستمرت تقاليد تفسير أرسطو على نحو يحمل آثارا رشدية واضحة وأخذت بعض مسائل النفس والطبيعيات والميتافيزيقا تتطور داخل أفق يظل فيه ابن رشد حاضرا بوصفه سلطة تفسيرية لا يمكن إلغاؤها. هذا الامتداد الإيطالي يهمنا كثيرا لأنه يكشف أن الرشدية لم تكن نزوة باريسية عابرة وإنما كانت تيارا أوسع داخل الثقافة الجامعية اللاتينية. كما أن هذا الامتداد يبين أن الانتقال المتوسطي للأفكار ليس خطا مستقيما من الأندلس إلى فرنسا بل هو شبكة من المسالك: طليطلة، صقلية، جنوب إيطاليا، المراكز اليهودية، الدوائر الطبية، حلقات الترجمة، الجامعات الناشئة ومراكز النسخ والتداول.

وإذا كان الجانب اللاتيني قد استأثر غالبا بالحديث عن “الرشدية الأوروبية” فإن إغفال الوسيط اليهودي يفضي إلى بتر صورة الانتقال. فقد كانت الثقافة اليهودية الوسيطة خاصة في الأندلس وجنوب فرنسا من أهم الحواضن التي استقبلت ابن رشد ووسّطته بين العربية واللاتينية أو بين الأرسطية واللاهوت اليهودي. وكان حضور ابن ميمون وما تلاه من شروح وتأويلات جزءا من هذا المسار المعقد الذي جعل من المتوسط فضاء حوار ثلاثي لا ثنائيا فحسب، إسلامي مسيحي يهودي، وهذا التعدد في وسائط الاستقبال يؤكد أن الرشدية لم تكن ملكية حضارية مغلقة وإنما كانت حدثا عابرا للملل واللغات تَصرّف فيه الجميع بحسب حاجتهم ومقدار توترهم مع السؤال العقلي.

إن الذي يمنح الرشدية هذه القدرة الفائقة على العبور هو أنها لم تكن مجرد حزمة من الأجوبة بل كانت فنا في طرح الأسئلة. لقد علمت أوروبا الوسيطة أن النص الأرسطي يمكن أن يُقرأ قراءة نسقية صارمة وأن الفلسفة ليست خطابا أخلاقيا عاما فحسب بل بناء استدلالي متدرج. وعلمتها أيضا أن الشارح ليس ناقلا سلبيا، وإنما هو منتج للمعنى عبر تنظيم المادة وتحديد المفاهيم وتحرير موارد الخلاف. ومن هذه الزاوية فإن أثر ابن رشد لا يقاس فقط بما “أخذه” الأوروبيون من آرائه بل بما تعلموه من طريقته، فكم من فكرة رفضوها لكنهم احتفظوا بأداتها وكم من أطروحة عارضوها لكنهم ورثوا منطقها وكم من خصومة ضدها كانت في العمق اعترافا بأنها غير قابلة للتجاوز.

لقد أساء بعض المستشرقين القدامى قراءة هذه الحقيقة فحوّلوا ابن رشد إلى مجرد جسر نقل أرسطو إلى أوروبا وكأن قيمته تكمن في الوساطة وحدها. وهذه قراءة مجحفة ومضللة. فابن رشد ليس ساعي بريد فلسفي بين اليونان واللاتين وإنما هو مفكر كبير أعاد بناء الأرسطية نفسها داخل أفق إسلامي مخصوص ثم صارت هذه الأرسطية المعاد بناؤها هي التي دخلت أوروبا. الفارق هنا جوهري، فالأوروبيون لم يتلقوا أرسطو “خامّا”، بل تلقوه مفسَّرا ومؤطَّرا ومصاغا عبر عقل رشدِي شديد الانضباط. وهذا ما يفسر أن كثيرا من المعارك المدرسية في أوروبا كانت في حقيقتها معارك حول “أرسطو كما قرأه ابن رشد”، لا حول أرسطو التاريخي وحده. ومن هنا كان اسم “أفيرّويس” في المخيال المدرسي الأوروبي أحيانا أقرب حضورا من اسم أرسطو نفسه في بعض المسائل التفسيرية الدقيقة.

وليس بخاف على القاريء الكريم أن الرشدية بما حملته من دفاع عن البرهان فتحت في الوعي الأوروبي بابا عميقا لما سيغدو لاحقا مطلبا للاستقلال النسبي للعقل الطبيعي. لا يعني ذلك أن ابن رشد هو مؤسس الحداثة الأوروبية على النحو الدعائي الذي يردده بعض الخطاب الثقافي السطحي، فهذا من التبسيط الذي لا يليق بتاريخ الأفكار لكن يعني أن الرشدية أسهمت بعمق في تكوين الشروط البعيدة التي جعلت من الممكن أن يتمايز النظر الفلسفي عن الاحتكار اللاهوتي الصارم. والفرق كبير بين القولين، فالتاريخ لا يشتغل بخطوط سببية قصيرة بل بسلاسل طويلة من التحولات والتراكمات. والرشدية واحدة من تلك الحلقات التي لا يكتمل فهم السلسلة من غيرها.

وقد أدرك بعض المفكرين العرب المحدثين هذه الحقيقة فأعادوا استدعاء ابن رشد لا بوصفه مجرد تراث محفوظ بل بوصفه رهانا معاصرا. فمحمد عابد الجابري على سبيل المثال، لم يكن يرى في ابن رشد مجرد شارح لأرسطو وإنما كان يراه ذروة في تشكل “العقلانية المغربية الأندلسية” بما تمثله من نزوع برهاني يختلف عن كثير من البنى العرفانية والبيانية التي سادت في لحظات أخرى من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وفي هذا الاستدعاء المعاصر ما يبين أن الرشدية لم تمت وأنها كلما ضاق أفق العقل في زمان ما عادت بوصفها وعدا مؤجلا أو مرآة نقدية أو إمكانا غير مستنفد.

غير أن الإنصاف يقتضي أيضا ألا نجعل من ابن رشد أيقونة معصومة. فالرشدية نفسها تحمل توتراتها وحدودها، فتصوره للتمييز بين مراتب الناس في تلقي الحقيقة وإن كان مفهوما في سياقه يطرح أسئلة حديثة حول ديمقراطية المعرفة. وحرصه على صيانة البرهان من التداول الشعبي قد يفضي إذا أسيء استعماله إلى نوع من الأرستقراطية العقلية. كما أن وفاءه الشديد لأرسطو قد يجعل بعض جوانب مشروعه أسيرة لأفق كوني قديم لا يسمح دائما بتجاوزات جذرية كتلك التي ستعرفها العلوم الحديثة. غير أن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمته التاريخية بل تعيد وضعه في مقامه الحقيقي، مفكر عظيم داخل زمنه، صانع لتحول عميق، لا نبيّ للعقل خارج التاريخ.

وإذا عدنا إلى عنوان هذا المقال أي “الرشدية في الفضاء المتوسطي”، أدركنا أن القضية لا تتعلق بابن رشد وحده بل بالمجال الحضاري الذي جعل من عبور الأفكار ممكنا. فالمتوسط هنا ليس جغرافيا فحسب بل بنية تداول وساحة ترجمة وفضاء جدل وممر نصوص ومنطقة تفاعل بين لغات كبرى: العربية، اللاتينية، العبرية، ثم اللغات الرومانسية الناشئة. وفي هذا الفضاء تشكلت واحدة من أعقد قصص انتقال الأفكار في التاريخ. انتقلت نصوص أرسطو إلى العرب، ثم عاد أرسطو إلى أوروبا عبر شروح المسلمين واليهود، فصار “الآخر” شرطا في فهم “الأصل” وصار التوسط الثقافي أعمق من أن يختزل في علاقة أخذ وعطاء بسيطة. والرشدية هي المثال الأوضح على هذا التعالق، عقل أندلسي يشرح يونانيا، يترجمه لاتيني، يخاصمه لاهوتي، يستثمره جامعي ويعيد تأويله يهودي، ثم تستحضره حداثة عربية متأخرة بحثا عن مشروعية العقل.

هذه السلسلة كلها تعلمنا درسا بالغ الأهمية، الأفكار الكبرى لا تنتمي نهائيا إلى موطن واحد. إنها تولد في بيئة ثم تختبر مصيرها في بيئات أخرى وقد تتجدد خارج موطنها أكثر مما تتجدد داخله وهذا ما وقع للرشدية. ففي الوقت الذي تعرض فيه ابن رشد في بعض مراحل حياته للمحنة والنفي والتضييق، كانت نصوصه تشق طريقها نحو حياة أوروبية أخرى ستجعل منه بعد عقود سلطة فكرية مهيبة في قاعات لم يرها قط. يا لها من مفارقة حضارية قاسية وعميقة في آن: أن يُضيق على العقل في بيته الأول ثم يُستدعى في بيت آخر ليصير معلما ولو مؤقتا للعقل نفسه. ولعل هذه المفارقة هي التي منحت الرشدية بعدا رمزيا يتجاوز حدود التاريخ المدرسي. فقد غدت تمثل في المخيال العربي الحديث صورة “العقل المطرود” الذي يجد اعترافه في الخارج وصورة “التراث المؤجل” الذي لا نستعيده إلا بعد أن يمر في مرآة الآخر. وهذه القراءة وإن كانت مشحونة بشيء من الدراما الثقافية فهي تحمل جانبا من الحقيقة. فابن رشد لم يُقرأ عربيا حديثا بالقدر الذي قرئ به أوروبيا في بعض المراحل وإعادة اكتشافه في الثقافة العربية المعاصرة لم تكن بريئة من سؤال النهضة وسؤال العقل وسؤال الخروج من مأزق الانغلاق. ولهذا فإن كل كتابة جادة عن الرشدية اليوم لا يجوز أن تبقى أسيرة الوصف التاريخي بل ينبغي أن تستبطن هذا السؤال: ماذا بقي من الرشدية فينا؟ وأي معنى يبقى لعبارة “الحق لا يضاد الحق” داخل عالم عربي وإسلامي ما يزال يعاني في كثير من مستوياته ومن سوء إدارة العلاقة بين النص والعقل وبين الفقه والمعرفة وبين المقدس والبرهان؟.

إن الرشدية ليست مرثية لزمن ضائع ولا احتفالا ساذجا بعقلانية مجردة وإنما وعي نقدي بأن تاريخ البحر المتوسط قد شهد عبر ابن رشد واحدة من أخصب لحظات التبادل الحضاري في تاريخ الإنسانية. لقد علمتنا هذه اللحظة أن الفلسفة لا تزدهر داخل الأسوار المغلقة وأن النصوص العظيمة تعيش بالترجمة بقدر ما تعيش بالتأليف وأن الخصومات الكبرى قد تكون أحيانا أكثر إنتاجا من الوفاقات الكسولة وأن العقل إذا صيغ بصرامة وأخلاق علمية قادر على عبور اللغات والأديان والحدود. لقد خرج ابن رشد من الأندلس ولم يخرج منها في الوقت نفسه، خرج نصه وسافر وتأول وتنازع عليه المختلفون وبقيت روحه البرهانية شاهدة على أن الحضارات لا تتفوق بما تملكه من يقينيات جاهزة بل بما تسمح به من أسئلة صعبة. وتكاد تكون الرشدية أكثر من فصل في تاريخ الفلسفة الوسيطة، إنها عنوان على قابلية الفكر العربي الإسلامي لأن يكون فاعلا لا منفعلا، مؤسسا لا ناقلا فقط، قادرا على أن يصوغ من داخل لغته وأفقه الديني مشروعا عقليا يفرض نفسه حتى على خصومه. وهي أيضا تذكير صارم بأن العلاقة بين الأندلس وأوروبا لم تكن علاقة حرب وحدها ولا علاقة حدود سياسية وعسكرية فحسب وإنما كانت كذلك علاقة تداول مفاهيم وتنازع تأويلات وتناقل مناهج وتاريخا عميقا من المثاقفة المركبة التي لا يفهم المتوسط من دونها. فكل قراءة تختزل هذا البحر في جغرافيا القوة وتنسى جغرافيا الفكر قراءة عمياء بنصف الحقيقة.

إن الرشدية في الفضاء المتوسطي ليست ماضيا منتهيا نؤرخه ببرودة وإنما هي سؤال حاضر بامتياز. سؤال عن شروط انتقال الأفكار وعن مصير العقل داخل المجتمعات الدينية وعن الترجمة بوصفها خلقا جديدا للنص وعن الحدود الدقيقة بين الوفاء للتراث والقدرة على تجاوزه وعن إمكان بناء كونية فلسفية من داخل الخصوصيات الحضارية لا ضدها. وابن رشد في هذا كله ليس مجرد اسم كبير من أسماء التراث وإنما هو شاهد على أن البحر المتوسط أنجب في بعض لحظاته النادرة عقولا استطاعت أن تجعل من الاختلاف طريقا إلى مزيد من العمق لا ذريعة إلى مزيد من الانغلاق.

فإذا كان التاريخ قد منح أوروبا الوسيطة نص ابن رشد لتعيد به ترتيب علاقتها بأرسطو والعقل والجامعة واللاهوت، فإن التاريخ نفسه يمنحنا اليوم إمكانا آخر، وهو أن نعيد قراءة الرشدية لا بوصفها ذخيرة رمزية للافتخار الثقافي بل بوصفها تمرينا شاقا على الانضباط البرهاني وعلى تحرير السؤال من الكسل وعلى التمييز بين قداسة المعنى وقداسة التأويلات البشرية وعلى إدراك أن الأمم لا تنهض بما تكرره من أمجاد، وإنما بما تحسن استئنافه من طاقات كامنة في تراثها. ومن هذه الزاوية وحدها يصير ابن رشد معاصرا لنا بحق لا لأننا نلوذ باسمه في كل أزمة بل لأننا نتعلم منه كيف يكون العقل وفيا للحقيقة أكثر من وفائه للضجيج وكيف يكون البرهان أشرف من العصبية وكيف يكون الحوار بين الحضارات فعلا منتجا لا شعارا مناسباتيا.

إن الرشدية لم تنتصر لأنها أجابت عن كل الأسئلة بل لأنها أبقت السؤال الفلسفي حيا في لحظة كان من السهل فيها أن يُدفن تحت ثقل السلطتين، سلطة التقليد وسلطة الخوف وذلك هو سر بقائها وسر عبورها وسر عودتها المتكررة كلما شعر العقل بأنه مهدد في حقه في النظر.

لقد برزت الرشدية في الفضاء المتوسطي كواحدة من أجمل الشواهد على أن الأفكار الكبرى لا تموت بالنفي ولا تُهزم بالإدانة ولا تتوقف عند حدود اللغة وإنما تواصل رحلتها حيث تجد عقولا مستعدة لأن تصغي إليها ولو بعد قرون.

***

د. حمزة مولخنيف

الإنسان بين الضرورة الطبيعية والاختيار الأخلاقي

تستقرّ مسألةُ المسؤولية العقلية في قلب البناء الفلسفي الذي شاده ابن رشد لأنّها تمسّ جوهرَ التصور الذي أقامه للإنسان من حيث هو موجودٌ طبيعيٌّ وعاقلٌ مكلَّفٌ وفاعلٌ أخلاقيٌّ وعضوٌ في المدينة وخاضعٌ لنظامٍ كونيٍّ محكمٍ لا يترك مجالا للفوضى ولا يسلِّمُ في الآن نفسه بسقوط الفعل الإنساني في قبضة الجبر الماحق. وكما هو معلوم أنّ مساءلة الإنسان عند ابن رشد لا تنصرف إلى كونه ذاتا حرةً بالمعنى المتأخر الذي كرّسته فلسفات الإرادة الحديثة ولا إلى اعتباره آلةً مندفعةً تحت سلطان العلل دون نصيب من التمييز بل تنصرف إلى فهم منزلته الدقيقة بين قانون الطبيعة ومقتضى الفضيلة بين سلطان الأسباب ومجال التروّي وبين ما يَرِدُ عليه من الخارج وما يصدر عنه بعد نظرٍ وتقدير.

ولذلك تكتسب هذه القضية وزنا استثنائيا داخل النسق الرشدي لأنّها تكشف عن إحدى أكثر نقاطه إحكاما وتعقيدا، كيف يُعقَلُ ثبوتُ التكليف من غير تعطيلٍ للسببية؟ وكيف يُفهَمُ استحقاقُ المدح والذم من غير إفسادٍ للنظام الطبيعي؟ وكيف يُصانُ المعنى الأخلاقي للفعل من غير السقوط في أوهام الحرية المطلقة أو ذرائع الحتمية العمياء؟ تلك أسئلةٌ لا تقف عند حدود الجدل الكلامي حول الجبر والكسب والاستطاعة، بل تنفذ إلى البنية العميقة التي تنتظم تصوّر ابن رشد للعقل والخلق والشريعة والسياسة معا. فالرجل لا يفكّر في الفعل الإنساني من زاويةٍ لاهوتيةٍ مجرّدة ولا من أفقٍ نفسيٍّ معزول، بل يربطه بشبكةٍ واسعةٍ من المحددات، بطبائع النفس ومراتب الإدراك وأثر العادة وقوة الملكة ووظيفة التربية وسلطة القانون ومقاصد الشرع وتفاوت العقول في تلقي الحقائق والتجاوب مع مقتضياتها.

وعلى هذا الأساس تعتبر المسؤولية عند ابن رشد مفهوما مركبا لا ينعقد على مجرد إمكان الفعل بل على أهلية التمييز وسلامة التقدير ومقدار ما يبلغه الإنسان من القدرة على تدبير قواه وردّ شهواته إلى الاعتدال. فالإنسان لا يُسأل عنده لأنه يتحرك فقط بل لأنه قادرٌ على أن يُحسنَ توجيهَ حركته ولا يُؤاخذ لأنه يشتهي أو يغضب أو يتأثر بل لأنه مدعوٌّ إلى أن يجعل من العقل سلطانا ناظما لهذه القوى لا شاهدا عاجزا عليها. ومن هنا كانت الأخلاق في أفقه امتدادا طبيعيا للأنطولوجيا وكان التكليف الشرعي ترجمةً عمليةً لما تقتضيه الفطرة العاقلة وكان التشريع نفسُه جزءا من مشروع تكميل الإنسان لا مجرد نظام زجريٍّ خارجيٍّ مفروض.

إنّ قراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد تفتح بابا واسعا لفهم مذهبه برمّته؛ لأنّها تجمع بين ما قد يبدو متباعدا في الظاهر بين دفاعه الصارم عن السببية ضدّ المتكلمين وتمسّكه الصريح بمعنى التكليف؛ بين وفائه العميق لأرسطو وحسن إدراجه للمباحث الفقهية والكلامية ضمن أفقٍ برهانيٍّ أشمل؛ بين إقراره بتفاوت الناس في الاستعداد والمرتبة وإصراره على بقاء الإنسان محلاًّ للتهذيب والتقويم والمساءلة. وبذلك تنكشف الرشدية لا بوصفها تكرارا لميراث يونانيٍّ منقول بل بوصفها جهدا فلسفيا أصيلا سعى إلى تشييد صورةٍ متوازنةٍ للإنسان، صورةُ الكائن الذي لا يملك أن يخرج من العالم غير أنّه يملك أن يسمو داخل العالم؛ ولا يملك أن ينسخ طبعه الأوّل غير أنّه يملك أن يُهذّبَه؛ ولا يملك أن يتحرر من كل ضرورة غير أنّه يملك أن يجعل من العقل أداةً لتحويل الضرورة من قيدٍ أعمى إلى شرطٍ من شروط الفضيلة.

وتفترض هذه المقالةُ نفسها بوصفها مساءلةً فلسفيةً لموضع الإنسان بين ما يحدّه وما يرفعه، بين ما يُكرهُه وما يُلزمه، بين ما يرثه من الطبيعة وما يصنعه في ذاته عبر التروي والاعتياد والمجاهدة. فالمسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست قضيةً جزئيةً في باب الأخلاق، بل هي مفتاحٌ لقراءة تصوره للإنسان كلّه، ذلك الكائن الذي لا يستحق كرامته إلا بقدر ما ينجح في أن يجعل من العقل ميزانا للفعل ومن الفضيلة صورةً للحياة ومن الشريعة أفقا لتكميل ما أودع الله فيه من قابلية النظر والعمل.

ليس من اليسير أن يُقارب الباحثُ مسألةَ المسؤولية العقلية عند ابن رشد من داخل جهازه المفهومي من غير أن يقع في أحد مأزقين متقابلين: مأزق القراءة الكلامية التي تُقحم الرجل في معارك المتكلمين حول الجبر والاختيار إقحاما يُفسد انتظام مشروعه الفلسفي، ومأزق القراءة الحداثية المتعجلة التي تستنطق نصوصه بمنطق الحرية الذاتية الحديثة كما تشكلت في فلسفات الإرادة والوعي والضمير. ذلك أن ابن رشد لا يفكر في الإنسان باعتباره ذاتا منغلقة على نفسها مستقلة عن العالم منشئة لمعناها من داخل قرارها الباطني، وإنما يفكر فيه باعتباره كائنا طبيعيا مدنيا عاقلا مندرجا في نظام الكون محكوما بشروط المادة والحركة والعادة والملكة ومفتوحا في الآن نفسه على أفق التكميل العقلي والتهذيب الخلقي والتشريع العملي. إن السؤال عن المسؤولية عنده لا يمكن أن يُطرح إلا داخل هذا التوتر الدقيق بين انخراط الإنسان في السببية الكونية وبين تميزه بالفعل العقلي الذي يجعله قابلا للتكليف وقادرا على الترجيح ومستحقا للمدح والذم.

إن ابن رشد وهو الشارح الأكبر لأرسطو في الحضارة الإسلامية لم يورثنا رسالة مستقلة بعنوان المسؤولية أو الحرية أو الاختيار كما فعل بعض المتكلمين في مصنفاتهم الخاصة بالكسب والقدرة والاستطاعة. غير أن هذا لا يعني أن المسألة غائبة عن فكره بل هي مبثوثة في مواضع كثيرة من شروحه لأرسطو وفي كتبه الكلامية والفقهية وبخاصة في تهافت التهافت وفصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة وشرحه لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، بل وفي طريقته العامة في فهم العلاقة بين الشريعة والحكمة. ذلك أن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مجرد قضية جزئية في باب الأفعال الإنسانية وإنما هي أثر مباشر لتصوره للإنسان وللعقل وللنظام الطبيعي وللقانون الأخلاقي وللخطاب الشرعي. وإذا كان بعض المتكلمين قد انصرفوا إلى الدفاع عن عدل الله عبر بناء نظريات في خلق الأفعال أو كسبها فإن ابن رشد يتجه وجهة مغايرة، إنه ينقل النقاش من ميتافيزيقا الجدل الكلامي إلى أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفعل وسياسة المدينة، فيصير السؤال كيف يكون الإنسان مسؤولا ما دام جزءا من الطبيعة؟ وكيف يصح التكليف ما دام الفعل لا يقع خارج سلسلة الأسباب؟ وكيف يستقيم المدح واللوم إذا كانت الأهواء والطبائع والملكات تؤثر في السلوك؟ وكيف يمكن للتشريع أن يكون عادلا ما لم يفترض في الإنسان قدرا من الإدراك والاختيار؟.

وتكتسب قضية المسؤولية العقلية عند ابن رشد قيمتها الفلسفية الكبرى لأنها تكشف عن عبقرية ذلك المسلك الذي لا يُسقط الضرورة الطبيعية باسم حرية متوهمة ولا يُبطل الاختيار الأخلاقي باسم حتمية عمياء بل يشتغل على تركيب معقد يجعل الإنسان واقعا تحت سلطان الطبيعة من جهة، وقابلا للارتقاء بالعقل والتربية والتشريع من جهة أخرى. إن هذا التركيب هو الذي يمنح الفلسفة الرشدية راهنيتها لأنه يضعنا أمام نموذج تفكير يرفض الثنائية الساذجة بين الجبر والاختيار ويبحث بدل ذلك عن شروط المسؤولية الواقعية الممكنة داخل عالم منظم بالأسباب.

لقد كان أرسطو يرى في الأخلاق النيقوماخية أن موضوع الثناء واللوم إنما هي الأفعال الإرادية، أما ما يقع بالإكراه أو الجهل المحض فليس محلا للمؤاخذة على الوجه نفسه. وقد سبق أن ميز بين ما هو بإرادة وما هو بغير إرادة، ثم ردّ الفضيلة والرذيلة إلى العادة والاعتياد والاختيار المتكرر حتى صار الإنسان في نظره صانعا لملكات نفسه من حيث هو فاعل لأفعاله المتكررة. هذه الأرضية الأرسطية هي المفتاح الأول لفهم ابن رشد لأن الرجل لا يتبنى منطق الإرادة المنفصلة عن العقل كما ستتبلور لاحقا عند بعض اللاهوتيين بل يربط الفعل الإنساني بملكة عقلية عملية تجعل الاختيار ثمرة مداولة وترجيح لا مجرد اندفاع نفسي. ولذلك كان شرحه للأخلاق الأرسطية مجالا خصبا لفهم تصوره للمسؤولية. فالفعل عنده لا يكون إنسانيا بالمعنى الدقيق إلا إذا صدر عن مبدأ داخلي مع علم بالغايات والوسائل، وإذا كان الفاعل قد أمكنه أن يختار بين الممكنات بحسب ما يظهر له أنه خير. وهنا تتأسس المسؤولية لا على مجرد القدرة الفيزيائية على الفعل بل على قابلية العقل العملي لتقدير ما ينبغي فعله. غير أن هذا الأساس لا ينفصل عند ابن رشد عن بنية كونية صارمة. فالكون عنده ليس مجالا للفوضى بل هو انتظام علّي محكم. وقد كان شديد النقد للمتكلمين الذين توسعوا في نفي السببية الطبيعية بدعوى حفظ قدرة الله المطلقة. ففي تهافت التهافت يقرر بما لا يدع مجالا للبس أن إنكار الارتباط بين الأسباب والمسببات يؤدي إلى إبطال العلم نفسه لأن العلم إنما يقوم على معرفة العلل، وإذا رُفع هذا الارتباط لم يعد ثمة موضوع حقيقي للمعرفة. ومعنى ذلك أن الإنسان لا يتحرك في فراغ وجودي بل في عالم تُحدِّد فيه الطبائعُ والأمزجةُ والظروفُ والأسبابُ الخارجيةُ كثيرا من إمكانات الفعل. وهذا الإدراك الرشدي للضرورة الطبيعية ليس عرضا هامشيا بل هو شرط أولي لأي فهم واقعي للمسؤولية؛ إذ لا مسؤولية تُفهم خارج معرفة ما يحد الفعل وما يوجهه وما يؤثر فيه.

وهنا يظهر الفرق العميق بين ابن رشد وبين كثير من معالجات المتكلمين. فالمتكلمون كانوا يتساءلون هل الله خالق أفعال العباد أم العباد خالقوها؟ هل للعبد قدرة مؤثرة أم لا؟ هل الاستطاعة قبل الفعل أم معه؟ وهذه أسئلة تنتمي إلى أفق جدلي لاهوتي يبتغي في الغالب تنزيه الباري أو حفظ العدل الإلهي. أما ابن رشد فيسأل من موقع آخر ما طبيعة الفعل الإنساني؟ كيف يتكون الاختيار؟ ما دور العقل العملي والملكة والعادة والتربية؟ ما موقع الانفعال والشهوة والغضب؟ كيف تُبنى الفضيلة؟ متى يكون اللوم معقولا؟ وهذا التحول في موضع السؤال هو نفسه تحول في معنى المسؤولية. فهي عنده ليست لغزا ميتافيزيقيا حول من يخلق الفعل بل هي وصف معياري للفعل الإنساني من حيث نسبته إلى فاعل قادر على التمييز والتروي والاعتياد.

ولئن كان ابن رشد قد انتقد الأشاعرة في بعض تصوراتهم للسببية فإن نقده لا يعني تبنيه لمذهب فلسفي يلغي الحرية الإنسانية بل إن العكس هو الصحيح، إنه يرفض إنكار الأسباب لأن ذلك يهدم إمكان المحاسبة والتدبير والتعليم. فإذا لم تكن هناك طبائع ثابتة ولا روابط معتبرة بين المقدمات والنتائج فكيف نُربي؟ وكيف نُشرّع؟ وكيف نُقوّم الأفعال؟ وكيف نفهم أثر العادة في تكوين الخلق؟ لقد فهم ابن رشد أن الدفاع عن السببية ليس خصومة مع الحرية بل هو الشرط الوحيد لفهم حرية منضبطة متدرجة قابلة للتكميل. فالحرية المطلقة التي لا تُحدها طبائع ولا أسباب ليست حرية إنسانية بل هي وهم لغوي. والإنسان لا يكون حرا إلا بقدر ما يعرف شروطه ويهذب ميوله ويُحسن استعمال ما أُعطي من قوة التمييز.

ينبغي في هذا السياق أن نستحضر أن ابن رشد بحكم تكوينه الفقهي والقضائي لم يكن ينظر إلى الإنسان نظرة نظرية مجردة. لقد كان قاضيا وفقيها قبل أن يكون شارحا لأرسطو، وكان يعرف أن المسؤولية في المجال العملي لا تُبنى على مثال تجريدي للفاعل بل على تمييز دقيق بين حالات العلم والجهل والعمد والخطأ والإكراه والاختيار والقدرة والعجز والقصد والغفلة. وهذه المعاني كلها حاضرة في الفقه الإسلامي لا باعتبارها مسائل لغوية بل باعتبارها معايير للحكم. لذلك فحين نقرأ ابن رشد في بداية المجتهد نجد ذلك الحس العملي العميق الذي يربط الأحكام بأوصاف الأفعال والنيات والقدرات والأعذار. صحيح أن بداية المجتهد كتاب فقهي مقارن لكنه يكشف عن عقلية رشديّة ترى أن التكليف لا ينفصل عن الطاقة وأن المؤاخذة لا تستقيم من غير تمييز بين الأحوال. وهو ما يلتقي مع الآية الكريمة: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، ومع الحديث المشهور: «رفع القلم عن ثلاثة». غير أن ابن رشد لا يكتفي باستحضار هذه المعاني نقلا بل يجعلها مندرجة في تصور عقلي عام للإنسان بوصفه موجودا متفاوت الاستعدادات مختلف القابليات لا يُخاطَب خطابا واحدا من غير مراعاة لمستواه العقلي والنفسي والاجتماعي.

ونفهم هنا أيضا صلته بمسألة التأويل في فصل المقال. فالتفاوت في العقول عنده ليس مجرد وصف معرفي بل له أثر أخلاقي وسياسي وتشريعي. الناس ليسوا سواء في طرق التصديق ولا في مناهج الفهم ولا في القدرة على البرهان. منهم من يقنعه الخطاب البرهاني ومنهم من يأنس بالجدل ومنهم من لا يتجاوز مرتبة الخطابة والتمثيل. وهذا التفاوت ليس ذما للإنسان من حيث هو إنسان بل اعتراف ببنية اجتماعية معرفية تقتضي تنوع الخطاب. لكن هذا التفاوت نفسه يؤثر في مفهوم المسؤولية لأن من لا يدرك البرهان لا يُطالب بما يُطالب به البرهاني من حيث دقة النظر. ومن كان أسير الخيال أو العادة لا يُعامل معاملة من استكمل ملكة التمييز. هكذا تصبح المسؤولية عند ابن رشد متدرجة لا بمعنى إسقاط التكليف بل بمعنى أن مراتب المؤاخذة مرتبطة بمراتب الإدراك والقدرة والملكة.

وقديما قال أرسطو إن «الإنسان مبدأ أفعاله»، لكن هذا المبدأ ليس مبدأ مطلقا على مثال العلة الأولى بل مبدأ نسبي داخل شبكة من العلل. وهذا المعنى الأرسطي هو الذي يتخذه ابن رشد أساسا لفهم الفعل الإنساني. فالإنسان مبدأ فعله لأنه يحمل في نفسه قوة الشهوة والغضب والتخيل والنظر ولأنه يقدر على المداولة في الوسائل المؤدية إلى الغايات. لكنه ليس مبدأ مطلقا لأنه ليس مفصولا عن الطبيعة ولا عن المجتمع ولا عن التربية ولا عن السنن. ولذلك فإن المسؤولية عنده لا تُفهم بوصفها استقلالا ميتافيزيقيا بل بوصفها نسبة الفعل إلى فاعل عاقل داخل شروط محددة. وهذا المعنى أقرب إلى ما سيعبر عنه سبينوزا بعد قرون بصيغة مغايرة حين يقول إن الناس «يظنون أنفسهم أحرارا لأنهم يشعرون بأفعالهم ويجهلون الأسباب التي تحددهم». غير أن الفرق بين الرجلين كبير؛ لأن سبينوزا يميل إلى رد الحرية إلى فهم الضرورة نفسها بينما يظل ابن رشد متمسكا بأفق أخلاقي وتشريعي يجعل الفعل الإنساني قابلا للحكم القيمي وللتقويم العملي. ومع ذلك فإن الجمع بينهما يكشف لنا أن الوعي بالأسباب ليس نقيضا للمسؤولية بل قد يكون شرطا لتعميقها.

إن الإنسان عند ابن رشد ليس جوهرا بسيطا، إنه بنية مركبة: جسم ونفس، حس وتخيل، شهوة وغضب، عقل نظري وعقل عملي، عادة وملكة. وهذه التركيبية هي التي تجعل الفعل الأخلاقي معقدا. فالذي يختار ليس العقل وحده في عزلة بل الإنسان كله بما فيه من نزوعات ومقاومات وذكريات وعوائد وتصورات. ولذلك فإن ابن رشد على خطى أرسطو يجعل تهذيب الأخلاق قائما على صناعة العادة الصالحة قبل أن يكون مجرد تلقين نظري للمبادئ. الفضيلة ليست معرفة مجردة بل ملكة راسخة تتكون من التكرار وتُقوَّم بالتربية وتُصان بالقانون. وهذا المعنى بالغ الأهمية في موضوعنا لأنه يدل على أن المسؤولية لا تبدأ عند لحظة القرار فحسب بل تتكون قبل ذلك في مسار طويل من بناء الذات. فمن اعتاد الظلم حتى صار له خلقا ليس معذورا لمجرد أن الرذيلة استحكمت فيه لأن استحكامها نفسه ثمرة أفعال سابقة قابلة للنسبة إليه. وقد قرر أرسطو هذا المعنى بوضوح حين قال إن الناس إذا صاروا ظالمين أو منحلين بسبب أفعالهم المتكررة لم يعد لهم أن يحتجوا بأنهم صاروا كذلك بالطبع. وابن رشد يلتقط هذا الجوهر الأرسطي ويُدخله في سياق إسلامي يجعل التهذيب والتشريع متساندين.

وهنا يظهر أن الضرورة الطبيعية عند ابن رشد ليست شيئا واحدا بسيطا. فهناك ضرورة تتعلق ببنية الجسد والمزاج وضرورة تتعلق بالمحيط والعادة وضرورة تتعلق بالقوانين العامة للطبيعة وضرورة تتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية. لكن هذه الضرورات كلها لا تُبطل إمكان التهذيب بل تجعل الحاجة إليه أشد. فالمدينة الفاضلة أو المدينة الصالحة في أفق الفكر القديم ليست مجرد تجمع للأفراد بل هي جهاز تربية وتشريع وتوزيع للوظائف وضبط للأهواء. ولذلك كان أفلاطون يرى أن العدالة في النفس والمدينة معا تتأسس على ترتيب القوى وإعطاء كل قوة موضعها، وكان أرسطو يؤكد أن المشرع هو صانع الفضائل بسن القوانين التي تعوّد الناس الخير. وابن رشد وإن لم ينسج تصورا سياسيا مستقلا في مستوى الجمهورية أو السياسة فإنه يظل وفيا لهذا المعنى، لا أخلاق من غير سياسة ولا مسؤولية من غير نظام مدني يهيئ شروطها.

ولعل من أدق المواضع التي تتجلى فيها بصيرة ابن رشد هو ربطه بين العقل العملي والاختيار. فالاختيار عنده ليس مرادفا للإرادة بمعناها المنفلت بل هو فعل يمر عبر التروي. لقد ورث من أرسطو أن الاختيار إنما يتعلق بالوسائل الممكنة المؤدية إلى غاية متصورة على أنها خير. أما الغايات العليا فترتبط بتكوين الخلق وتقدير العقل لما هو حسن في الجملة. إن الإنسان لا يختار الخير دائما اختيارا مباشرا لأن نظره قد يختل وذوقه قد يفسد وشهوته قد تغلبه وخياله قد يضلله. لكن هذا كله لا يرفع عنه المسؤولية مطلقا لأن العقل العملي لا يُختزل في لحظة حضور مجردة بل هو ملكة تُبنى وتُنمّى. فإذا أفسد المرء آلة حكمه زمنا طويلا كان مسؤولا عن فساد أحكامه اللاحقة بقدر ما كان قادرا على التدارك ولم يفعل.

ولقد أدرك الفقهاء المسلمون كل من موقعه أن مناط التكليف هو العقل، ولذلك قالوا في عباراتهم المأثورة: «لا تكليف إلا بعقل»، و«المجنون غير مكلف»، و«الخطاب الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين». غير أن ابن رشد يمنح هذا المبدأ بعدا فلسفيا أعمق. فالعقل ليس مجرد شرط قانوني شكلي بل هو الصورة التي بها يصير الإنسان إنسانا على التمام. إن العقل هو الذي ينقل الفعل من مستوى الانفعال الطبيعي إلى مستوى الفعل المقصود. وإذا كان الحيوان يتحرك بالشهوة والخيال، فإن الإنسان يضيف إليهما التمييز والمداولة والنظر في العواقب. وقد كانت المسؤولية العقلية عند ابن رشد أخص من مجرد المسؤولية القانونية لأنها تتعلق بكون الإنسان محكوما بأن يرقى إلى ما يقتضيه نوعه. وهذا المعنى يذكرنا بما قاله الفارابي في تحصيل السعادة من أن كمال الإنسان إنما هو في أن يصير عقلا بالفعل ويذكرنا كذلك بما سيقرره كانط لاحقا وإن في أفق مغاير حين يجعل الاستقلال العقلي شرط الكرامة الأخلاقية. غير أن الفرق واضح، فكانط يؤسس المسؤولية على الإرادة العاقلة التي تشرع لنفسها، أما ابن رشد فيؤسسها على عقل عملي مندرج في نظام طبيعي ومدينة وشريعة.

ومن المسائل التي لا بد من إبرازها أن ابن رشد لا يفهم الشريعة بوصفها خصما للفلسفة بل بوصفها نظاما عمليا لتكميل الإنسان بحسب طاقته. وهذا ينعكس مباشرة على مفهوم المسؤولية. فالتكليف الشرعي عنده ليس اعتباطا ولا امتحانا منفصلا عن طبيعة الإنسان بل هو موافق لما تقتضيه الفطرة العقلية من طلب الخير ودفع الشر. وإذا كانت الشريعة تأمر وتنهى وتعد وتتوعد فلأنها تخاطب كائنا قابلا للتأثر بالموعظة وبالعقوبة وبالرجاء لا مجرد عقل محض. وهذا الاعتبار التربوي في الخطاب الشرعي يؤكد أن المسؤولية ليست فكرة نظرية صرفة بل هي بنية تربوية تستند إلى معرفة دقيقة بالنفس الإنسانية. وقد قال الغزالي رغم خصومته المعروفة مع الفلاسفة في مسائل أخرى كلاما له صلة بموضوعنا حين قرر أن العلم إذا لم يقترن بالعمل كان حجة على صاحبه. فالمعرفة تُحمّل صاحبها تبعة زائدة. وهذا المعنى لا يبعد عن الروح الرشدية، فكلما اتسع أفق الإدراك اشتدت المؤاخذة لأن الحجة تكون قد قامت على وجه أتم.

وعند هذا الحد تبرز لنا مسألة دقيقة، هل المسؤولية عند ابن رشد متساوية بين الناس؟ الجواب: لا، إذا فهمنا المساواة بمعنى التماثل التام في مقدار التبعة. نعم، من حيث الأصل العام الناس مخاطبون، لكن من حيث التفصيل تتفاوت مراتبهم بحسب العقل والملكة والقدرة والعلم والاعتياد والمقام. وهذه الفكرة ليست تمييزا تعسفيا بل هي عين العدل في التصور الرشدي. فالتسوية بين المختلفين ظلم كما أن التفريق بين المتماثلين ظلم. ولذلك كان الفقه الإسلامي حافلا بمراعاة الأحوال، الصبي غير البالغ ليس كالبالغ والناسي غير العامد والمكره غير المختار والجاهل في بعض المواطن غير العالم والمضطر غير المختار. غير أن ابن رشد يوسع هذا المعنى من الإطار الفقهي إلى الإطار الفلسفي فيجعل تفاوت المدارك جزءا من فهم الخطاب نفسه. فليس كل إنسان يخطئ في الاعتقاد أو العمل سواء في الذنب لأن الخطأ قد يكون وليد تقصير وقد يكون ثمرة قصور. وبين التقصير والقصور فرق جوهري في باب المسؤولية.

إن التقصير هو أن يترك الإنسان ما يقدر عليه من طلب الحق أو تهذيب النفس أو تحصيل العلم أو مقاومة الهوى. أما القصور فهو أن لا تتأتى له الآلة أصلا أو لا تكتمل له الشروط. وهذا التمييز بالغ الدقة ويصلح مفتاحا لقراءة كثير من مواقف ابن رشد. فالرجل لا يعذر من عطّل عقله وهو قادر على النظر ولا يساوي بين من غلبته شهوة عارضة بعد مجاهدة وبين من استسلم لها حتى صارت قانون نفسه. لكنه في الوقت ذاته لا يبني الأحكام على مثال طوباوي للإنسان الكامل بل يدرك أن البشر درجات وأن السياسة الشرعية والعقلية الرشيدة إنما تتعامل مع الممكن البشري لا مع المثال المفارق.

ولعل هذا ما يجعل مفهوم المسؤولية العقلية عنده مفهوما مركبا لا يُختزل في الحرية المجردة ولا في الحتمية الصماء. إنها مسؤولية تقوم على ثلاثة أركان متداخلة، إدراك عقلي يميز بين الممكنات وملكة خلقية تتكون بالاعتياد ونظام مدني شرعي يوجه السلوك ويقوّمه. فإذا اختل الإدراك ضعفت المسؤولية، وإذا فسدت الملكة تعقدت المؤاخذة من حيث هي ثمرة تاريخ شخصي، وإذا غاب النظام المدني اضطربت شروط الفعل نفسه. وبمقتضى هذا التصور، يصير الإنسان مجرد ضحية للضرورة ولا سيدا مطلقا عليها بل كائنا يفاوض شروطه ويشتغل على نفسه ويتدرج في التحرر النسبي من سلطان الهوى بقدر ما يزداد نصيبه من العقل.

إن ابن رشد يقدم لنا تصورا للمسؤولية أقرب إلى الحرية المُمكنة لا الحرية المطلقة. فالحرية عنده ليست نفيا للعلل بل حسنُ الانخراط فيها وتوجيهُها بقدر الطاقة. وهي ليست انفلاتا من الطبيعة بل تهذيبا للطبيعة الإنسانية حتى تصير الشهوة مطاوعة للعقل والغضب خادما للعدل والخيال عونا على الإدراك لا مصدرا للوهم. وهذه الرؤية تلتقي في بعض جوانبها مع ما قاله الرواقيون من أن الحرية الحقة هي موافقة العقل الكوني، لكنها تختلف عنهم لأن ابن رشد لا يذيب الفرد في قدر كوني صلد بل يترك مجالا حقيقيا للتربية والاختيار والتدرج واللوم والثناء.

ولذلك فإن أي قراءة تبسيطية لابن رشد تُصوره إما جبريا بحكم إيمانه بالسببية وإما تحرريا حداثيا بحكم دفاعه عن العقل وبالتالي فهي قراءة قاصرة. إن عبقريته تكمن في هذا التوازن العسير، أي الدفاع عن انتظام الطبيعة ضد العبث الكلامي والدفاع عن التكليف ضد الحتمية العمياء والدفاع عن العقل ضد الغوغائية والدفاع عن الشريعة ضد التأويل الفوضوي والدفاع عن التدرج في الخطاب ضد التسوية الساذجة بين العقول. وكل ذلك ينعكس في مفهومه للمسؤولية بوصفها فعلا عقلانيا أخلاقيا مشروطا لا مطلقا ولا معدوما.

ويصبح الإنسان عند ابن رشد واقفا في منزلة وسطى بين عالمين، عالم الضرورة الذي يشده إلى الأرض والجسد والعادة والمجتمع، وعالم الغاية الذي يدعوه إلى الخير والعدل والحكمة والاعتدال. وهذه المنزلة الوسطى ليست ضعفا بل هي عين إنسانيته. إذ لو كان ضرورة محضة لانتفى معنى الأخلاق، ولو كان حرية مطلقة لانقطع عن العالم وصار شبيها بإله صغير متوهم. أما وهو هذا الكائن المركب فإن كرامته تقوم في قدرته على أن يصنع من الضرورة مادةً للفضيلة ومن القيد طريقا إلى التهذيب ومن الطبيعة أفقا للتكميل لا سجنا مغلقا.

ويمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد حريصا على أن يُبقي العلاقة بين الحكمة والشريعة علاقةَ توافق لا تناقض. لأن كلا منهما، على اختلاف المنهج واللسان يشتغل على الإنسان نفسه، ذلك الكائن الذي لا يُصلحه مجرد العلم ولا يكفيه مجرد الوعظ بل يحتاج إلى برهان يهديه وشريعة تهذبه وسياسة تقيمه وعادة ترسخه. إن المسؤولية العقلية ليست عنده مفهوما قانونيا باردا بل هي عنوان مشروع حضاري كامل قوامه أن يصير الإنسان أهلا لما أودع فيه من قوة النظر وقادرا على أن يحمل تبعة فعله في عالم لا يرحم الجاهل بقوانينه ولا يعذر من فرّط في إنسانيته.

إن الفعل الإنساني عند ابن رشد لا يصدر عن الإرادة كما تُفهم في صورها المتأخرة باعتبارها قوة سيادية مستقلة عن سائر قوى النفس بل يخرج من شبكة متكاملة تتآزر فيها الحواس والتخيل والشهوة والغضب والعقل العملي. إن الاختيار ليس قرارا فجائيا يهبط على النفس من فراغ وإنما هو ثمرة مداولة داخلية يتقدم فيها تصور الغاية ثم النظر في الوسائل ثم الترجيح ثم العزم. وهذا المعنى مأخوذ في جوهره من أخلاق أرسطو التي قرأها ابن رشد قراءة دقيقة حيث يكون الاختيار متعلقا بما هو ممكن للإنسان من الأفعال لا بما هو مستحيل ولا بما وقع وانقضى ولا بما لا سلطان له عليه. فالإنسان لا يختار أن يكون مولودا في هذا الزمان أو ذاك ولا يختار طبعه الأولي اختيارا مباشرا لكنه يختار كيف يتصرف فيما وُهب له من استعدادات وكيف يوجه ميوله وكيف يتعامل مع إمكاناته وحدوده، وهذا التمييز هو لبّ المسؤولية العقلية. إذ ليست المسؤولية عند ابن رشد متعلقة بكل ما يقع من الإنسان على جهة الإطلاق بل بما يصدر عنه بعد أن يمر بدرجة ما من التمثل والتمييز. ولذلك فإن العقل العملي عنده ليس مجرد ملكة نظرية تُصدر أحكاما في الخير والشر بل هو قوة تدبيرية تضبط الحركة بين الممكنات. وهو بهذا المعنى أقرب إلى ما سماه الفلاسفة المسلمون التعقل العملي الذي يربط المعرفة بالفعل ويجعل الحكمة ليست في أن يعرف المرء ما هو الخير فحسب بل في أن يقدر على حمل نفسه عليه. وقديما قال سقراط إن الفضيلة علم غير أن أرسطو صحح هذا القول حين بين أن العلم وحده لا يكفي لأن المرء قد يعرف الخير ولا يفعله لغلبة شهوة أو ضعف ملكة أو فساد عادة. وابن رشد ينحاز إلى هذا التعديل الأرسطي؛ فهو لا يردّ الرذيلة إلى الجهل المحض ولا الفضيلة إلى المعرفة المجردة بل يجعل بينهما مسافة تملؤها التربية والاعتياد والمجاهدة.

ويكتسب مفهوم الملكة مكانة مركزية في فهم المسؤولية. فالملكة عند ابن رشد على خطى أرسطو ليست فعلا عابرا بل هيئة راسخة تتكون بالتكرار حتى تصير للنفس طبيعة ثانية. والإنسان لا يُحاكم أخلاقيا على الأفعال المنفردة فحسب بل على ما تكشف عنه هذه الأفعال من تكوين داخلي رسخ فيه الخير أو الشر. فإذا كان قد تكرر منه العدل حتى صار سهلا عليه أو تكرر منه الظلم حتى صار مألوفا عنده فإن المؤاخذة أو الثناء يتجاوزان اللحظة المفردة إلى البناء الباطني الذي صنعه بيده. وهنا تظهر عبقرية التصور الرشدي، فالضرورة لا تُفهم فقط باعتبارها قانون الطبيعة الخارجية بل أيضا باعتبارها ما يصنعه الإنسان في نفسه من عادات حتى تصير قريبة من الضرورة. فالمدمن على الكذب أو المسترسل في الجور أو المستكين لشهواته قد يبدو بعد زمن كأنه مسلوب الإرادة غير أن هذه الحال ليست في أصلها قدرا منزلا بل نتيجة تراكم اختيارات سابقة أفضت إلى تضييق مجال اختياره اللاحق. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل الحرية عند ابن رشد لا تُفهم كمعطى جاهز بل كقوة تُبنى أو تُهدم.

لقد أدرك الفقهاء قبل الفلاسفة أن التكرار يغيّر الحكم على الأفعال من حيث الدلالة على القصد والاعتياد. فالزلة غير الإصرار، والخطأ العارض غير الإمعان، واللمم غير اتخاذ الذنب خُلقا. غير أن ابن رشد يرفع هذا الإدراك الفقهي إلى مستوى فلسفي أشمل، فيجعل الإنسان مسؤولا لا عن أفعاله المباشرة فقط بل عن صناعة نفسه عبر الأفعال. وهنا تلتقي الرشدية مع عبارة أرسطو الشهيرة التي تفيد أن الفضائل والرذائل تكون فينا من قبل ما نفعله مرارا. كما تلتقي مع ما قاله ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق من أن النفس وإن كانت تقبل استعدادات مختلفة فإنها قابلة للرياضة والتقويم وأن الأخلاق ليست سجونا مغلقة لا تُبدّل. هذا المعنى هو الذي يردّ على كل قراءة تستسهل تعليق الرذائل على شماعة الطبع أو المزاج أو المجتمع وحده؛ فهذه كلها مؤثرات حقيقية لكن الإنسان يظل مع ذلك معنياً بقدر ما يستطيع من التهذيب والمقاومة وإعادة التشكيل.

وعند هذا الموضع يبرز السؤال الكلامي الكبير في خلفية المشروع كيف يمكن إثبات هذه المسؤولية من غير الوقوع في وهم الاستقلال المطلق للإنسان عن العناية الإلهية أو النظام الكوني؟ إن ابن رشد لا يدخل هذا السؤال من مدخل الأشاعرة ولا من مدخل المعتزلة وإن كان يقترب أحيانا من بعض مقاصد هؤلاء وأولئك من غير أن يتطابق معهم. فالأشاعرة في تشديدهم على عموم القدرة الإلهية انتهوا في كثير من صيغهم إلى نظرية الكسب التي تُبقي للعبد نسبةً ما إلى الفعل من غير أن تجعل له تأثيرا حقيقيا مستقلا. والمعتزلة في دفاعهم عن عدل الله وسّعوا من دائرة قدرة العبد حتى كاد الفعل يصير مضافا إليه إضافة أقوى. أما ابن رشد فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى هذا التقابل الحاد لأن تصوره للسببية الطبيعية ولتعدد مراتب العلل يسمح له بفهم الفعل الإنساني بوصفه واقعا داخل نظام عام مع بقائه منسوبا إلى فاعله الإنساني من حيث هو مبدأ قريب واعٍ. فالفاعل الإنساني ليس علة أولى لكنه علة قريبة معتبرة. وإذا أُلغيت هذه العلية القريبة بطل معنى التربية والتشريع والمدح واللوم.

ولهذا كان نقده للمذاهب التي تضعف السببية الطبيعية نقدا أخلاقيا بقدر ما هو معرفي. فإنكار العلل لا يُفسد العلم وحده بل يفسد كذلك فقه الإنسان بنفسه. فإذا لم تكن للشهوة آثار معلومة وللعادة سلطان مفهوم وللتربية أثر ثابت وللبيئة الاجتماعية تأثير معتبر فإن كل سياسة أخلاقية تصبح عبثا. وكيف يُطلب من المشرّع أن يُصلح ومن المعلم أن يُهذب ومن القاضي أن يُقدّر إذا كان الفعل ينبت من فراغ غير قابل للفهم؟ لقد كان ابن رشد أعمق من أن ينخدع بثنائية الجبر والاختيار في صيغتها المدرسية. إنه يدرك أن الإنسان محكوم بسلسلة من العلل لكن بعض هذه العلل داخل فيه ومنه وبها يكون محلا للتكليف. ولذلك فإن العذر عنده لا يتقرر لمجرد وجود سبب إذ لا فعل بلا سبب أصلا بل يتقرر بحسب نوع السبب، هل هو قاهر يسلب التمييز؟ أم هو باعث يمكن مقاومته؟ هل هو قصور أصلي؟ أم هو تقصير مكتسب؟ هل هو إكراه خارجي؟ أم هو هوى داخلي استُرسل معه حتى تغلّب؟.

هذا التمييز الدقيق بين القصور والتقصير هو من أنفذ المفاتيح لقراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد. فالقصور يتعلق بحدود التكوين والاستعداد والآلة. فقد يولد الإنسان ضعيف الحافظة أو بطيء الفهم أو شديد الانفعال أو محدود البيئة أو قليل المعين. وهذه كلها ليست في أصلها موضوعا للذم من حيث هي كذلك. أما التقصير فهو ترك ما أمكن فعله من تكميل النفس أو إهمال ما وجب طلبه من العلم أو الاستسلام للهوى مع القدرة على المجاهدة أو تعطيل العقل مع قيام دواعي النظر، وهنا يمكن أن نفهم سرّ التفاوت في المؤاخذة بين الناس عنده. فليس كل جاهل معذورا كما أنه ليس كل مخطئ ملوما على السواء. الجاهل الذي قصّر في التعلم ليس كالجاهل الذي حُرم الآلة أو المعلّم أو اللسان أو السبيل. والمخطئ بعد نظر واجتهاد ليس كالمخطئ عن هوى واستخفاف. ويلتقي ابن رشد هنا مع القاعدة الأصولية التي فرّق بها الفقهاء بين الخطأ والتفريط وبين الاجتهاد والتلاعب وبين العذر والدعوى.

ومن أظهر آثار هذا التصور أن التكليف الشرعي عند ابن رشد ليس خطابا واحدا مصمتا بل هو خطاب يراعي تفاوت المدارك. لقد كان شديد الوعي بأن الناس ليسوا سواء في طرق الإقناع والتصديق، ولذلك قرر في فصل المقال أن منهم البرهاني والجدلي والخطابي. وهذه ليست مجرد قسمة معرفية بل لها نتائج أخلاقية وتشريعية عميقة. فالذي أدرك البرهان ثم أعرض عنه عنادا ليس كالذي لم تتأهل له نفسه لهذا الطريق. والذي قامت عليه الحجة في مستوى رفيع من النظر ليس كالذي لا يتجاوز إدراكه التمثيل والخطابة. وهذا المعنى يجد صداه في التراث الشرعي في قولهم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفي تقرير الأصوليين أن المشقة تجلب التيسير وأن التكليف بحسب الوسع. غير أن ابن رشد يضفي على هذه القواعد بعدا فلسفيا يجعلها متصلة بطبيعة العقل الإنساني لا بمجرد استثناءات عملية.

إن المسؤولية العقلية عنده ليست مساواة حسابية بين جميع الذوات بل عدالة تقديرية تراعي اختلاف الأنفس. وهذه العدالة ليست رخاوة ولا تفلتا بل هي عين الصرامة العقلية؛ لأن الصرامة الحقة لا تعني التسوية بين المختلفين بل وضع كل فعل في موضعه بحسب شروطه. ولذلك كان القضاء الرشدي من حيث روحه أقرب إلى فقه الملابسات منه إلى ميكانيكا النصوص الجامدة. وهو ما نلمحه في الحس المقاصدي الذي يسري في كثير من اختياراته الفقهية حين يعرض للخلافات ويكشف عللها ومآخذها.

ولا تكتمل صورة المسؤولية عند ابن رشد إلا إذا رُبطت بالمدينة. فالإنسان عنده كما عند أرسطو مدني بالطبع. ومعنى هذا أن أخلاقه لا تُصاغ في الفراغ بل داخل بنية اجتماعية وسياسية تحدد ما يُمدح وما يُذم وتُيسر بعض الفضائل وتُعسر بعضها وتُعين على العدل أو تُغري بالفساد. إن تحميل الفرد وحده كل تبعة الانحراف من غير نظر إلى فساد المدينة هو سذاجة أخلاقية. لكن العكس أيضا باطل، فإعفاء الفرد بدعوى فساد المجتمع إبطال لمعنى التهذيب الشخصي. والحق عند ابن رشد أن المسؤولية موزعة على مراتب، مسؤولية الفرد عن مجاهدة نفسه ومسؤولية المشرّع عن إقامة القوانين ومسؤولية المربّي عن صناعة الملكات ومسؤولية المدينة عن تهيئة شروط الخير العام. وهنا تتسع المسؤولية من بعدها الفردي إلى بعدها الحضاري. فالفساد الأخلاقي ليس دائما سقوطا ذاتيا معزولا بل قد يكون أثرا لبنية سياسية مختلة تُعلي من منطق المنفعة أو تُفسد الذوق العام أو تُضعف سلطان العلم والعدل. وهذا المعنى يفسر لماذا كان الفلاسفة القدماء يربطون بين الأخلاق والسياسة ربطا عضويا ولماذا لا يمكن قراءة ابن رشد قراءة فردانية حديثة تقطع الإنسان عن مدينته.

إن أعمق ما يميز التصور الرشدي في هذا الباب أنه لا يجعل العقل مجرد قاضٍ خارجي على الأفعال بل يجعله مبدأ لتحرير الإنسان تدريجيا من الضرورات الدنيا. فالعقل لا يُبطل الطبيعة لكنه يُهذّبها. لا يقتل الشهوة بل يردها إلى الاعتدال. لا يلغي الغضب بل يحوله إلى شجاعة وعدل. لا يمحو الخيال بل يُخضعه لمقتضى الحق. إن المسؤولية العقلية ليست عبئا قانونيا فحسب بل هي اسم لعملية ترقية الوجود الإنساني. وكلما ازداد الإنسان نصيبا من العقل ازداد تحررا من الانفعال الأعمى، وكلما ازداد تحررا اشتدت مسؤوليته. ولذلك كان العلماء والحكماء أشد تبعة من العامة وكان فساد العارف أقبح من خطأ الجاهل لأن الحجة عليه أتم ولأن ما في يده من آلة التمييز أقوى. وقد قال بعض السلف: «ليس العالم من يعلم الخير من الشر، ولكن العالم من يعلم خير الشرين وشر الخيرين». وهذه العبارة وإن خرجت من سياق حكمي إسلامي فهي تلتقي بعمق مع الروح الرشدية التي ترى أن العقل العملي ليس معرفة مجردة بالمبادئ بل فقه بالموازين وتقدير للعواقب وترجيح بين الممكنات في عالم لا يخلو من التعقيد.

إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مفهوما عابرا في هوامش مشروعه بل هي نقطة التقاء كبرى بين أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفضيلة وفقه التكليف وسياسة المدينة ونظرية الخطاب. والحق أن عظمة هذا التصور تكمن في أنه يرفض المزالق التي طالما أفسدت التفكير في الإنسان، مزلق التبسيط الكلامي الذي يحصر المسألة في سؤال من يخلق الفعل ومزلق الفردانية المتأخرة التي تتوهم ذاتا شفافة لنفسها مستقلة عن كل شرط ومزلق الحتمية الصماء التي تردّ السلوك إلى أسباب مادية أو اجتماعية بحيث يذوب فيه معنى اللوم والمدح. أما ابن رشد فيشق طريقا أرسخ وأدق، الإنسان محكوم بالأسباب لكنه ليس معدوما فيها، محدود بالطبيعة لكنه ليس مسلوبا أمامها، متأثر بالعادات لكنه قادر على إعادة تشكيلها، متفاوت الاستعداد لكنه غير معفى من طلب الكمال الممكن له.

إن المسؤولية عنده ليست حدثا لحظيا يُختزل في لحظة الاختيار المعزولة بل تاريخ داخلي طويل تصنع فيه النفس ملكاتها ويشتغل فيه العقل على تهذيب القوى وتتدخل فيه التربية والقانون والخطاب الشرعي والسياسة المدنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط لأنه فعل هذا الفعل أو ذاك بل لأنه صار ما صار إليه عبر سلسلة من الأفعال والتروكات والمجاهدات والإهمالات. إن الذنب في المنظور الرشدي ليس مجرد مخالفة بل قد يكون أحيانا فشلا في صناعة النفس. والفضيلة ليست مجرد امتثال بل هي انتصار طويل للعقل العملي على فوضى الانفعال. ولذلك فالمسؤولية العقلية ليست عقوبة فحسب بل هي في جوهرها تكريم للإنسان؛ لأنها تفترض أنه قادر على أن يسمو فوق اندفاعه الأول وأن يحوّل طبيعته من مادة خام إلى صورة أخلاقية أرقى.

وإذا أردنا أن نلتقط راهنية ابن رشد في زمننا فإنها تتجلى بأشد ما تكون في هذا الباب. لقد أصبح الإنسان المعاصر محاصرا بخطابات شتى تسعى إلى تفسير سلوكه بردّه إلى الوراثة أو البنية العصبية أو الصدمات النفسية أو ضغط السوق أو هندسة الإعلام أو سلطات المجتمع. وهذه كلها عوامل لا يجوز إنكارها كما لم يكن ابن رشد لينكر أثر الأسباب. غير أن الخطر كل الخطر أن يتحول الوعي بالأسباب إلى ذريعة لإلغاء الفاعل أو أن ينقلب تفسير الإنسان إلى تبرئة شاملة له من تبعة نفسه. هنا ينهض ابن رشد شاهدا على إمكان الجمع بين الفهم والمساءلة، بين التحليل والعقاب وبين الرأفة والعدل. نفهم الإنسان في علله لكي نحسن تقويمه لا لكي نرفع عنه كل مؤاخذة. ونراعي قصوره لكي لا نظلمه، لكننا لا نغفل تقصيره لكي لا نهدم معنى الأخلاق.

ثم إن هذا التصور يحررنا من الوهم الشائع الذي يجعل الحرية نقيضا للانضباط. فالحرية عند ابن رشد ليست أن يفعل المرء ما يشاء بل أن يبلغ من تربية قواه ما يجعله لا يشاء إلا ما يليق بالإنسان العاقل. وهذا تعريف أرفع وأصعب لأنه ينقل الحرية من مستوى الرغبة إلى مستوى الاستحقاق، ومن هوى النفس إلى نظام الفضيلة. وبهذا المعنى لا يكون العقل خصما للإنسانية كما تتوهم بعض النزعات المعاصرة بل هو شرطها الأسمى. إن الإنسان لا يصير أقل إنسانية حين يحتكم إلى العقل بل يصير أكثر وفاء لحقيقته.

ولعل هذه هي الخلاصة الكبرى التي يهبها لنا ابن رشد في موضوع المسؤولية العقلية، الإنسان ليس معذورا لمجرد أنه محدود وليس مدانا لمجرد أنه أخطأ. إنما يُنظر إليه في ضوء قدرته على النظر واستعداده للتقويم وسعيه إلى الخير ومقدار ما فرّط أو جاهد ومقدار ما قامت عليه الحجة أو غابت عنه. إنها عدالة دقيقة لا تستسهل الإدانة ولا تسترخي في التبرير. عدالة تعرف أن النفس تُبتلى بطبائعها لكنها تؤمن أيضا أن العقل خُلق ليقود لا ليشهد صامتا. إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست فقط مسألة في فلسفة الأخلاق بل هي ميثاق حضاري كامل يضع الإنسان أمام نفسه، إما أن يظل أسير الضرورة الدنيا وإما أن يجعل من العقل سلما يرتقي به من الممكن الحيواني إلى الممكن الإنساني الأكرم.

***

د. حمزة مولخنيف

إن من أكثر القضايا إشكاليّة في الخطاب الإسلامي، وبخاصة في الخطاب الفقهي، هي قضيّة التعامل مع الحديث من جهتين: الأولى: هل الرسول أمر بكتابة الحديث أم لا، والثانية: ما يتعلق في كتابة وتوصيف الحديث وتبيان صحة متنه وسنده. وبناءً على هاتين المسألتين درا صراع فكري بين أهل العقل وأهل النقل كثيراً الأمر الذي أدى إلى تكفير المختلف والنيل منه فكرياً مع ظهور هذه القضية منذ الخلافة الأمويّة حتى اليوم.

قبل أن ندخل في تقويمنا لمسألة الحديث وقدسيته والإشكالات التي دارت عليه وحوله، لابد لنا أن نقف قليلاً عند قضيّة القرآن الكريم، من الناحية المنهجيّة والمعرفيّة معاً. ففي الحقيقة لا يستطيع أحد أن يتجاهل تلك الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة التي رافقت القرآن الكريم، وتركت تأثيرها الواضح والعميق على حياة العرب والمسلمين بشكل عام، منذ نزوله وبداية تدوينه حتى هذا التاريخ، وهي إشكالات أكثر ما تجلت في تفسير وتأويل النص القرآني وانعكاسهما على ظهور الكثير من الفرق الكلاميّة والمذهبيّة والفقهيّة، وذلك لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بطبيعة نزول القرآن منجماً (مفرقاً) على مدى عشرين عاماً، وأن الكثير ممَنْ يعرف أسباب النزول لكل آية قد مات كما يقول "أحمد بن حنبل"، ثم بسبب الناسخ والمنسوخ، وجهل الكثيرين ممن تعاطوا مع النص القرآني في جوهر وطبيعة هاتين المسألتين وتأثيرهما على آليّة التشريع وتبريك أو منح الشرعيّة لمستجدات العصور اللاحقة، يضاف إلى ذلك طبيعة الغموض في الكثير من الآيات القرآنيّة المتشابهات منها، حيث جعلت هذه الآيات من القرآن حمال أوجه في تفسيره وتأويله. وهناك أيضاً مسألة جمع القرآن بعد وفاة الرسول الكريم وطريقة تدوينه أو حفظه في عهد الرسول، حيث كان يدون بعضه على سطوح عظام الحيوانات والجلود وفي صدور بعض الصحابة ممن سمي بكتبة الوحي، وما تركته هذه الطريقة من آثار سلبيّة على عمليّة ضبط الآيات زمانيّاً ومنهجيّاً، فكثيراً ما نجد في القرآن أول آية نزلت تأتي في سور متأخرة في متن النص القرآني مثل آية (إقرأ)، أو تكرار بعض الآيات في بعض الصور. أما قضية غياب التنقيط عند تدوين القرآن، فهي مشكلة عويصة بالنسبة لتحديد معاني ودلالات المفردات والجمل والعبارات وبالتالي الآيات القرآنيّة ذاتها، وهذا ما ساهم في خلق تفسيرات عديدة للنص القرآني، أو في قراءته. أما مسألة الصراع السياسي على السلطة ما بين الأمويين والعباسيين والعلويين فقد كان لها تأثير كبير على قراءة النص القرآني من حيث تفسيره أو تأويله خدمة لهذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة، بدءً من الفتنة الأولى مروراً بصفين وظهور الخوارج وصولاً إلى عصر الوهابيّة وفتاواها.

إذن إن إشكالات النص القرآني التي جئنا عليها هنا، ثم عدم مقدرة من كان يعمل من رجال الدين في خدمة الصراعات السياسيّة الحاكمة على التلاعب في النص القرآني، وبخاصة عدم القدرة على إضافة أي شيء إليه بعد تدوينه وأخذه صفة التقديس كونه كلام الله، لجأوا إلى وضع الحديث على لسان الرسول لخدمة مصالح القوى المتصارعة على السلطة. (راجع في هذا الاتجاه كتاب السيوطي تاريخ الخلفاء وانظر إلى تلك الأحاديث التي وضعت لخدمة الأمويين والعباسيين والعلويين).

إن تفسيرهم مثلاً للآية الكريمة: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)، على اعتبار كل ما قاله الرسول الكريم هو كلام مقدس وبالتالي لا يختلف في مصداقيته عن مصداقيّة النص القرآني، قد فسح في المجال لهم في وضع الحديث لتحقيق ضالتهم خدمة لمواقفهم ومصالحهم التي كانت بحاجة للتبريك أو الشرعنة لتمريرها أو جعلها بحكم الواقع، وهذا ما أوصل عدد الأحاديث التي قيلت على لسان الرسول إلى أكثر من (130000) حديثاً، وهذا أيضاً ما أدخل مسألة الحديث وحتى الإجماع في حقل الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة أيضاً.

الاشكاليات المنهجيّة والمعرفيّة للحديث:

نقول إن الحديث والإجماع أصبحا من المصادر المقدسة لدى أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما جرى حولهما الاختلاف، إن كان حول قضيّةً تحديد مفهوم الإجماع، ومن هي الجماعة التي ينطبق عليها هذا المفهوم، هل هم أهل المدينة؟، أم الصحابة؟، أم التابعون وتابعوهم حتى القرن الثالث للهجرة؟، وهل هم علماء الدين بشكل عام؟..إلخ. أما لو ركزنا في دراستنا على الحديث لوجدنا أن الأمّة الإسلامية لم تهتم بشيء بعد اهتمامها بكتاب الله عز وجل، كاهتمامها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعيها في ذلك السعي العجيب الفذ. فانطلاقاً من كون السنة النبويّة الركن الثاني لهذا الدين العظيم، وما لذلك من آثار وخلفيات، فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وحتى هذا التاريخ ظلت علوم السنة النبويّة شغلهم الشاغل وعملهم العلمي المتواصل. تارة يحفظون الحديث، وتارة يدونونه، وتارة يحضون الناس على تحمله، وتارة يقسمونه إلى أقسام بحسب مواضيعه أو بحسب مراتبه، وتارة يَذٌبونَ الشبهات عنه، وتارة يكشفون أمر الوضاعين فيه، وتارة يبينون القواعد العامة والأصول التي يقبل بها الحديث أو يرد... وهكذا تولدت علوم جمّة ومعارف كثيرة، حملتها صدور أولئك الرجال العلماء، وسطرتها أقلامهم النشطة، وطوتها كتبهم النفيسة.(1). ونحن عندما نقول (علوم الحديث) نعني بذلك كمّا كبيراً ضخماً من المؤلفات والمواضيع، ملأت المكتبات الإسلاميّة الكبيرة بمساحات واسعة. وبالتالي هذا ما يؤكد عندنا القدرة على القول إن بإمكاننا تفنيد أو إضعاف الكثير من المواقف المقدسة للسلفية تجاه الحديث كنص مقدس لا يمكن مسه أو التشكيك في صحته.

تعاليم وحكم الرسول في مسألة الحديث:

كانت تعاليم الرسول (ص) وحكمه، ذات طابع ديني مقدرة أو يوحى بها من قبل الله تعالى للرسول: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)....). (سورة النجم. 1-4). فالرسول الكريم وفق هذه الآيات، هو ناقل تعاليم الله سبحانه وتعالى له كي يعطيها للناس، ويبشر بها لتحقيق عالم العدالة والمساواة والمحبة بين الناس. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيريّة. فهو ليس أكثر من مبشر وداع لمعرفة وممارسة تعاليم الله جل جلاله بالحكمة والموعظة الحسنة. فهو فيما يدعوا إليه بتعبير آخر. ليس من عنده وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما وهو وحي يوحى، وقد ميز الرسول ما بين ما يقوله هو كبشر وما بين ما يوحى إليه. فهو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين.

تأكيد الرسول على بشريته:

هناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا بشريّة الرسول. كما في قول الله عز وجل في الآية الكريمة: (قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء. (الآية 93). وقول الله عز وجل ايضاً: (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).

وفي مسألة (تأبير النخيل) مثلاً، وهذه من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول، حيث قال لهم عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم. (إني ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل.). وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو من الوحي، وهذا القول يضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول. وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار.).(2).

إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله، وما للرسول من قول خاص به فله. وما قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)، فهي لما يختص بالقرآن فقط ولا يدخل فيها ما سمي بالحديث.

إن مسألة تدوين الحديث بالذات من قبل بعض الصحابة بعد وفاة الرسول الكريم، لاقت إشكالات كثيرة يأتي في مقدمتها موقف الرسول نفسه من كتابة ما يقوله هو من عنده، حيث كان يرفض أن يكتب عنه شيئاً، وبالتالي فإن مسألة كتابة الحديث هي مسألة تخالف تعاليم الرسول والخلفاء الراشدين.

أولاً موقف الرسول والخلفاء الراشدين من كتابة الحديث:

وإذا ما استشهدنا بالحديث ذاته الذي يقاتل أهل الحديث من أجل تأكيد ضرورة اعتماد أحاديث الرسول، نجد في حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: (قال رسول الله (ص) " لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه").

وعن أبي هريرة يقول: (خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: " ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى). أما موقف "أبو بكر" رضي الله عنه: فقد قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه.).(3).

أما موقف "عمر" رضي الله عنه فقد قال: (إني كنت أريد أن اكتب السنتين، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.).. وله قول آخر أيضاً: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(4).

ولنا في موقف مروان بن الحكم من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أميّة وظلمهم دليل على عدم الركون إلى موقف السلفيّة في تقديس الحديث. حيث خاطب أهل المدينة قائلاً: (يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. لقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم – عثمان - رحمه الله، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم.). (5).

وقد روي عن "الخطيب البغدادي" عن كيفية كتابة "البخاري" للحديث بناءً على قول البخاري ذاته: (رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له: يا أبا عبد الله بتمامه؟. فسكت). (6).

بعد هذا ماذا علينا أن نقول لمن دونوا الحديث وقد وصل عدد ما دون منه كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة إلى أكثر من (130) ألف حديث، لم يستطع من جمعوها أن يأخذوا منها إلا ما ورد كثقة في السند والمتن. بل حتى عمليّة دراسة الحديث والأخذ به وتدوينه كانت تدخل فيها (العلوم العقليّة). أي البحث عن مدى صحة أو خطأ هذا الحديث. وكيفيّة التحقق منه. وهذا مؤشر على أن عملية نقله أو لأخذ به من مصادره لم تكن موثوقة، عدا المتواتر والمشهور منه. إضافة إلى ذلك إن الحديث المنقول يعتبر من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد ظنيّة والله عز وجل يقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (يونس – الآية -63).. هذا إذا ما وقفنا أيضاً عند مسألة أخرى تتعلق بكتب الحديث، حيث تذكر المصادر على سبيل المثال، إن صحيحي مسلم والبخاري تعتبران من أصدق كتب الحديث، وهذا ما أكده إمام الحرمين الجويني بقوله: (إن علماء المسلمين أجمعوا على صحة ومصداقيّة ما جاء في الصحيحين وأنه: "والله لو أن شخصاً ما قال بطلاق زوجته بأن كل ما جاء في صحيحي مسلم والبخاري صح، لما طلقت زوجته.). (7). وعلى هذه القدسيّة في الصحيحين، كيف لنا أن نعتمد الحديث مصدراً مقدساً من مصادر التشريع، وقد ورد عند مسلم والبخاري وغيرهما أحاديث تشير إلى منع الرسول كتابة الحديث أو الأخذ بها كما بينا أعلاه؟؟..!!

إن متابعة هذه المسألة عند أئمّة السلفيّة ترينا أن الكثير منهم أيد ما جاء به الجويني. وقد وصلت القناعات عند الكثيرين من رجال الدين السلفيين من (أهل الحديث) إلى القطع بثبوت ما ورد في الصحيحين (مسلم والبخاري). حيث ذكر النووي في التقريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح، أن ما رواه أحدهما مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه.). (8).

وقال السيوطي: (إن قول ابن صلاح هذا هو قول أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعريّة وجماعة الشافعيّة، وأبي إسحاق الشيرازي، ومن الحنفيّة كالسرخس، ومن المالكيّة كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلى وابي الخطاب وابن الزعفراني.).(9).

لقد كان هؤلاء جميعا يقولون: (إن أخبار الآحاد تفيد حصول العلم القطعي بثبوتها بشرط واحد هو ورودها في البخاري ومسلم.). بينما الآية القرآنية تقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (10).

أما موقف "أبو حنيفة" من الحديث في التشريع، فقد كان يلجأ إلى عموم القرآن دون أن يخصصه بأخبار الآحاد، كونه لا يدخل في مفهوم (السنة) إلا ما كان قطعيّاً في ثبوته. لذلك كان كثير الاستدلال بالقرآن، قليل الاعتداد بالأخبار التي كان أهل الحديث بصدد البدء في تجميعها على نحو كمي واضح. من هنا كانت دائرة المباح عنده واسعة أكثر من بقية المذاهب الفقهيّة ألأخرى، وبخاصة عند أهل الحديث، وهذا ما جعله يتعرض لحملة ضارية من منظومة أهل الحديث، إلى حد القول بتكفيره تارة وتبديعه تارة أخرى، حتى تراجع عن قناعاته في مسألة موقفه من الحديث رضوخاً لضغطهم عليه. (11).

ما هو المعتمد من الحديث؟:

يعتبر الحديث (المتواتر) والمشهور هما الأكثر مصداقيّة بالنسبة لعلماء الحديث السنة، كونهما لا يحتاجان في إثبات سندهما ومتنهما إلى مصادر بحاجة لإثبات صحتها. والمتواتر من الحديث هو ما يدل على أفعال الرسول التي كان يأتيها تطبيقاً تفصيليّاً لعموم القرآن. حيث كان "عمر بن الخطاب" يؤمن بهذا المتواتر من الحديث حيث قال: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل.) (12). ويحدد علماء الحديث الأفعال المتواترة للنبي على ضربين هما:

الأول: تنفيذ الأوامر القرآنية.. (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد فصله الرسول بقوله: (وخذو عني مناسككم.). وهذا في الحقيقة كان ثابتاً لا شك فيه.

الثاني: وهو مالم يصل من أفعال وأقوال للرسول بطريق التواتر المستفيض، وهي لا تدخل في دائرة الوحي الثابت ثبوتاً لاشك فيه.). وهنا أعطى الرسول الإباحة بما لم يرد فيه نص، حيث عبر عن هذه المسألة أحسن تعبير حين قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليهم، فحرم عليهم من أجل مسألته. (أخرجه البخاري ومسلم.)

وختاماً نقول في هذا الاتجاه: إن منهاج الله لا يعرف إلا بما جاء به الوحي، وهو الثابت ثبوتاً لا شك فيه. والوحي الثابت ثبوتاً لا شك فيه لا يخرج عن القرآن والمتواتر من حديث رسوله في شرحه وتفصيله. وهذا هو معنى السنة الحقيقية

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.......................

1- يراجع مقال: علوم الحديث الشريفة- موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت.

2-  فجر الإسلام – احمد أمين ص 234.

3- الذهبي – تذكرة الحفاظ- 1333هـ ج1 – ص3. طبعة الهند.

4- ابن عبد البر – جامع العلم وفضله- المطبعة المنيرية- ج1- ص64-65.

5-). ابن سعد – الطبقات- دار صادر بيروت- ج5- ص233

6. الخطيب البغدادي- تاريخ بغداد- ج2 – نقلاً عن السلطة في الإسلام. ص291. مرجع سابق.

7- السيوطي – تدريب الرواية في شرح تقريبالنواي- دار الكتب العلمية- بيروتط2- 1979- المجلد الأول-ص131.

8 - السيوطي – تدريب الراوي في شرح تقريب النواي- مرجع سابق ص 133.

9- السيوطي – المرجع نفسه. ص132

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص285.

11- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 248.

12- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

 

نحو نظرية في التمايز الوظيفي للمعرفة

تتجلى أهمية دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة في إدراك ديناميكية الفكر الإنساني وقدرته على التوفيق بين المطالب العقلية والغايات الروحية. وتشكل معرفة الإنسان للكون ونفسه وحركته في الحياة محورا أساسيا للبحث الفلسفي في حين تحدد الشريعة الإطار الأخلاقي والاجتماعي الذي يوجه هذه المعرفة نحو الكمال البشري. وينظر ابن رشد إلى هذه العلاقة باعتبارها مسارا معقدا يتداخل فيه العقل مع النصوص والتأمل مع الواجبات والفكر مع القيم. ومن خلال تحليله يظهر أن الحكمة لا تتجاوز الشريعة ولا تكتفي الشريعة بإجابات جاهزة عن الأسئلة العقلية، بل يتفاعل كل منهما مع الآخر في منظومة معرفية متكاملة.

ويقدم ابن رشد تصورا دقيقا للتمايز الوظيفي للمعرفة حيث تتوزع المهام على مستويات مختلفة من الإدراك ويُحدد لكل نوع من المعرفة مجالها، من خلال التجربة العقلية إلى التأويل الشرعي وصولاً إلى الحكمة العليا التي تجمع بين الغايات الإنسانية العليا والحقائق الكونية. وهذه المقاربة تمثل جسرا بين الفكر الديني والفلسفي إذ تؤسس لمنهجية تحليلية تمكّن من فهم كيف يمكن للعقل أن يرتقي إلى مستويات الحقيقة دون الإخلال بالثوابت الدينية وكيف يمكن للشريعة أن توجه العقل دون أن تحجمه.

تنفتح هذه الأسطر المتواضعة على آفاق واسعة لدراسة العلاقة بين المعرفة والغاية، بين الحقيقة العملية والحقيقة النظرية وبين الفهم العقلي والالتزام الروحي. إن دراسة ابن رشد تتيح رؤية متعمقة للعقل البشري وقدرته على التكيف مع المبادئ الدينية وتوضح كيفية بناء نظام معرفي متوازن يحترم الوظائف المختلفة لكل نوع من المعرفة ويؤكد على التكامل بين الحكمة والشريعة كركيزتين أساسيتين للحياة الإنسانية.

وتتخذ فلسفة ابن رشد في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة منحىً متميزاً يعكس رؤية عقلانية عميقة تسعى إلى تجاوز التصادم الظاهري بين ما يُعرف بالعقلاني والشرعي وبين ما يُفهم تقليديا من أن الحكمة والفلسفة منفصلتان عن الدين أو أن الشريعة تحتكر الحقيقة المطلقة وتغلق الباب أمام الاجتهاد العقلي. إن هذا الفيلسوف الأندلسي لم يكتفِ بمجرد محاولة التوفيق بينهما بل أسس إطاراً مفاهيمياً جديداً يمكن أن نسميه بـ "التماثل الوظيفي للمعرفة" حيث يضع كل حقل معرفي في سياقه ومهمته الخاصة، مستنداً إلى تفريق دقيق بين مستويات الإدراك البشري ومعايير المعرفة، وهو تفريق يحدّد متى يكون للعقل الحر دور في تفسير العالم ومتى يكون للشرع سلطة التأطير الأخلاقي والاجتماعي للوجود الإنساني.

لقد سبق لابن رشد أن أعلن في مقدمته على "تهافت التهافت" عن موقفه الواضح من التصادم المزعوم بين الفلسفة والشريعة، مصرحاً بأن العقل والشريعة ليسا في صراع حتمي بل يمكن أن يتعاونا إذا فهم كل طرف دوره وحدوده. يقول ابن رشد إن "حكمة الفلاسفة هي معرفة الأمور الطبيعية بأسبابها والشريعة معرفة ما يجب على الناس من الطاعات"، وهو بهذا البيان يؤسس لتقسيم وظيفي معرفي يمكن أن نقول عنه اليوم إنه يسبق مفاهيم التفكيك الوظيفي للمعرفة. إنه يدعو إلى إدراك أن الشريعة تسعى إلى تهذيب النفس البشرية وتنظيم حياتها العملية والأخلاقية، بينما يسعى العقل الفلسفي إلى إدراك قوانين الطبيعة وحقائق الوجود بما يفيد الإنسان في فهم العالم واستثماره. هذا التمييز ليس مجرد تعريف نظري بل قاعدة منهجية عميقة تمكن من إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والفكر، بحيث لا يصبح أحدهما تابعاً أو معارضاً للآخر.

ولعل أهم ما يميز نظرية ابن رشد في هذا السياق هو اعترافه بأن العقل الفلسفي يمتلك استقلالية معرفية حقيقية لكنه يظل ملتزماً بالحدود التي تفرضها الشريعة على ما يتعلق بالقيم والأحكام العملية. في "تهافت التهافت" و"فصل المقال"، يوضح ابن رشد أن الفلاسفة يمكنهم الوصول إلى حقائق تتجاوز ما يُفهم عادة من نصوص الشريعة الظاهرية، ولكن هذه الحقائق لا تتعارض مع الغاية الأخلاقية والدينية للشريعة إذ أن الحقيقة العلمية لا تلغي الحقائق العملية بل تؤكدها على مستوى أعمق. هذا الطرح يجعل من ابن رشد رائد ما يمكن أن نطلق عليه "التمييز الوظيفي بين المعارف"، إذ لا يلغي الشريعة العقل ولا يجعل العقل بديلاً عن الشريعة، بل كل منهما يؤدي دوراً محدداً وواضحاً.

إن هذا التصور يعيد إلى الأذهان آراء بعض المفكرين المسلمين السابقين مثل الفارابي الذي ركز على ضرورة الجمع بين الدين والفلسفة مع الحفاظ على كل مجال ضمن وظائفه وحيث إن الفلسفة وسيلة لفهم الكون والدين وسيلة لتنشئة المجتمع على الفضائل. كما يتقاطع ابن رشد مع ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي من حيث تأكيده على دور الشريعة في تهذيب النفس والمجتمع، ولكنه أيضا يختلف معه جذرياً في تقييم قدرة العقل على إدراك الحقائق الطبيعية والميتافيزيقية. إن ابن رشد يرفض ما يسميه "تهافت التهافت" الغزالي، أي رفض العقل والتجربة العلمية بدعوى أن الشرع يكفي لتفسير كل شيء ويعيد بناء الثقة بالعقل كأداة للوصول إلى المعرفة من دون تخطي حدود الشريعة.

ويمكن النظر إلى ابن رشد باعتباره أول من حاول تأسيس نظرية متماسكة للمعرفة متعددة الوظائف، حيث لكل نوع من المعرفة دوره الخاص: المعرفة الطبيعية تتعلق بالأسباب والعلل، والمعرفة الشرعية تتعلق بالواجبات والأخلاق، والمعرفة الفلسفية تتعلق بالقيم العليا والحكمة المطلقة. إن هذا التوزيع الوظيفي للمعرفة يفسر لماذا يصر ابن رشد على أن الفلاسفة الذين يدركون الحقائق الطبيعية بطريقة عقلية دقيقة لا يمكن أن يُتهموا بالزندقة أو الخروج عن الدين، فالإسلام في منظوره يرحب بالمعرفة التي تنير العقل وتخدم الفضيلة.

ويُمكننا أيضا أن نفهم موقف ابن رشد من مسألة "تأويل النصوص"، حيث يرى أن بعض النصوص الدينية إذا أخذت على ظاهرها دون تأويل قد تتعارض مع المعرفة العقلية، في حين أن التأويل السليم يعيد التناغم بين النص والعقل. يشير ابن رشد في "فصل المقال" إلى أن "أهل التأويل والذين يدرسون الحكمة يعلمون أن الكتاب والشرع لم يأتيا لنفي العقل أو تعطيل السعي نحو الحقيقة"، وهذا يعني أن التأويل ليس رفاهية لغوية أو فنية بل هو أداة فلسفية لضمان التوافق بين مختلف مستويات المعرفة. وهنا يتضح أن ابن رشد يضع الفلسفة في خدمة فهم أعمق للشريعة، والشريعة في خدمة توجيه الفلسفة نحو غاياتها الأخلاقية، في عملية جدلية دقيقة ومعقدة تتجاوز أي محاولات للجمود العقلي أو التطرف الديني.

لقد شكّل هذا التصور لأهمية التمايز الوظيفي للمعرفة نقطة تحول في الفكر الإسلامي لأنه يرفض الاستقطاب التقليدي بين "العقل" و"النقل"، ويؤكد على إمكانية التعايش بينهما على أساس واضح من المهام والمسؤوليات. إن ابن رشد وفق هذا المنهج يفسح المجال للفلسفة للتعمق في حقائق الطبيعة ويتيح للشريعة أن تحقق وظائفها الأخلاقية والاجتماعية دون أن يكون هناك تصادم حتمي. ولعل هذه الرؤية تذكرنا بما ذهب إليه هيجل في مفهومه عن التقدم التاريخي للروح، إذ يرى أن كل مرحلة معرفية لها وظيفتها الخاصة، وأن التطور لا يتم إلا من خلال إدراك وتوظيف كل مرحلة وفق قوانينها الداخلية.

إن هذه الرؤية تؤثر مباشرة في فهم الاجتهاد، إذ يصبح الاجتهاد أداة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع وبين القيم العليا والمتغيرات الطبيعية والاجتماعية. فالفقه في منظور ابن رشد ليس مجرد تطبيق حرفي للنصوص بل هو عملية عقلية منظمة تهدف إلى تحقيق الخير والعدل وفق ما يفرضه الواقع وما تتيحه المعارف العقلية، حيث إن ابن رشد يسهم في تأسيس نظرية متقدمة في أصول الفقه تقوم على التمايز الوظيفي للمعرفة ويتكامل العقل الشرعي مع العقل الفلسفي في خدمة الهدف النهائي للحياة البشرية.

هذا النهج يجعل من ابن رشد نموذجاً فريداً في التاريخ الإسلامي لأنه يقدم رؤية شاملة لإعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة بحيث لا تكون كل منهما معارضة أو متفوقة على الأخرى، بل كل منهما تؤدي دورها الخاص وفق إطار وظيفي محدد. ويستفاد من هذه النظرية في معالجة كثير من التحديات المعاصرة سواء في مجال العلاقة بين الدين والعلم أو في فهم الموازنة بين القيم الأخلاقية والمعرفة العلمية، إذ يقدّم ابن رشد إطاراً يسمح بالتعامل مع التعددية المعرفية دون فقدان المعايير الأخلاقية والدينية.

ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن هذه الرؤية تتطلب من الإنسان التمسك بالموضوعية والقدرة على التمييز بين مختلف مستويات المعرفة، وهو ما أكده الفلاسفة الأوروبيون لاحقاً مثل ديكارت وكانط وغيرهم، اللذين شددا على ضرورة معرفة حدود العقل ومعرفة مهامه، وهو نفس المبدأ الذي ركزه ابن رشد في سياق الشريعة والحكمة. كما أن ابن رشد يبرز هنا الفرق بين ما يمكن إدراكه عقلياً وما يُفهم من النصوص مؤكدا أن تعارض الظاهر مع العقل لا يعني بالضرورة خطأ الشريعة بل يشير إلى ضرورة التأويل والفهم العميق، وهو ما يفتح المجال لحوار مستمر بين الفكر الفلسفي والتفكير الشرعي بما يعزز من قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة الكاملة دون التنازل عن قيمه الروحية والأخلاقية.

إن ابن رشد أسس لما يمكن أن نسميه "نظرية الوظائف المتكاملة للمعرفة"، حيث يشكل التوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة قاعدة لإعادة ترتيب المعرفة الإنسانية. هذه النظرية لا تلغي التعددية المعرفية بل تؤسسها على قاعدة فلسفية وأخلاقية متينة بحيث لا يكون للعقل دور سلبي على النصوص ولا للشريعة دور معيق على العقل. إنه بذلك يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والدين من خلال علاقة تصادمية محتملة إلى علاقة تكاملية حقيقية، وهي رؤية تتسم بالجرأة والعمق وتفتح آفاقاً واسعة للفكر المعاصر في فهم أدوار المعرفة المختلفة في حياة الإنسان والمجتمع.

إن تحليل ابن رشد لهذه العلاقة لا يقتصر على الجانب النظري بل يمتد إلى تطبيقات عملية في مسألة التربية والتعليم، حيث يمكنه أن يشكل قاعدة لإعادة التفكير في مناهج التعليم الديني والفلسفي ويتم بذلك تعليم الطلبة قيم الشريعة وأحكامها مع تمكينهم من التفكير النقدي والفلسفي. ومن هذا المنطلق يمكن أن نرى أن ابن رشد يسهم في تأسيس نموذج معرفي مرن يستطيع التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون أن يتنازل عن الثوابت الأخلاقية والدينية وهو إنجاز فلسفي عميق يعكس فهما ناضجا لطبيعة المعرفة ودور كل حقل معرفي في بناء الإنسان والمجتمع. هذا الطرح لابن رشد وهو مقاربة إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة على أساس التمايز الوظيفي، يمكن أن يشكل مرجعية للنقاشات المعاصرة حول التوفيق بين العقل والدين، بين العلم والقيم وبين المعرفة النظرية والتطبيقية. كما أنه يفتح الباب أمام مراجعة العلاقة بين النصوص والفهم العقلي ويؤكد أن التعددية المعرفية ليست تهديدا للوحدة الأخلاقية أو الدينية بل هي وسيلة لإثراء الفهم وتعميق إدراك الحقيقة.

ويتضح من خلال استعراضنا لفكر ابن رشد أن دوره في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة يتجاوز مجرد معالجة التصادم الظاهر بين العقل والنقل ويصل إلى بناء رؤية شمولية للمعرفة الإنسانية. هذا البناء يشتمل على مستويات متعددة من الإدراك تمتزج فيها الطبيعة الإنسانية مع المبادئ الإلهية بحيث يتحقق تكامل معرفي متدرّج. إن إدراك هذه البنية يتطلب فهم التدرج بين معرفة الفلاسفة ومعرفة الفقهاء دون اختزال أي منهما إلى وظيفة جزئية أو ثانوية. وإن المعرفة الفلسفية بحسب ابن رشد تركز على التعمق في معرفة الأسباب والعلل، أما المعرفة الشرعية فتسهم في ضبط السلوك وتحقيق العدالة الاجتماعية والأخلاقية، في حين تشكل الحكمة العليا المجال الذي يتقاطع فيه الفكر العقلي مع الغاية النهائية للوجود، وهو إدراك الحقيقة المطلقة.

ويمكن فهم هذه الرؤية على أنها تأسيس لمنهج عقلاني أخلاقي، حيث تتكامل المعرفة التجريبية والفكرية مع المبادئ الدينية في منظومة متماسكة. فابن رشد يعالج مسألة التعددية المعرفية بمقاربة فلسفية دقيقة تعتمد على مبدأ التمايز الوظيفي بحيث يُفهم كل نوع من المعرفة ضمن سياقه الخاص ومهمته المحددة. التأمل في كتاباته يظهر أن الفكر العقلي ليس وظيفة مستقلة عن الغاية الدينية وإنما أداة لفهم الطبيعة والكون بما يخدم الإنسان في تحقيق كماله الروحي والأخلاقي. هذه الرؤية تعكس وعيا عميقا بضرورة الفصل بين المستويات النظرية والعملية للمعرفة بما يسمح بتحقيق انسجام بين التجربة العقلية والالتزام الديني.

إن التحليل المقارن لمواقف ابن رشد والفلاسفة المسلمين السابقين يكشف عن استمرار دقيق للتقليد الفلسفي الإسلامي في إطار تصحيح مسار العلاقة بين العقل والنقل. الفارابي شدد على ضرورة استخدام الفلسفة لفهم الكون وإبراز قوانين الطبيعة، بينما ركز الغزالي على وظائف الشريعة في تنظيم الحياة الروحية والاجتماعية مع تحذيره من تجاوز العقل لحدوده. إن ابن رشد يجمع بينهما بربط كل منهما بمستواه المعرفي الخاص مع توضيح أن تجاوز العقل لحدوده لا يعني رفض الدين، وإنما يعني ضرورة التدرّج في تطبيق المعارف العقلية بما يتوافق مع الغايات الأخلاقية والشرعية. وهذه المقاربة توضح قدرة الفكر الفلسفي على بناء تصورات معرفية متسقة مع الغايات الروحية وتعيد الاعتبار للعقل ضمن إطار ديني متماسك.

في سياق هذا التأويل يظهر دور التأمل العقلي في تفسير النصوص الدينية، إذ أن ابن رشد يطرح آلية لفهم ما وراء الظاهر دون انتقاص من قدسية النص. التأويل عند ابن رشد عملية منهجية دقيقة تمكّن من الوصول إلى جوهر الشريعة من خلال الفهم العميق لمقاصد النصوص مع مراعاة ما يتيحه العقل من إمكانات إدراكية.

إن هذه العملية تمثل نقطة التقاء بين الحكمة والفلسفة الدينية بحيث يسهم التأويل في الكشف عن القواعد العامة التي تؤطر سلوك الإنسان، بينما يبقى الفهم التفصيلي للظواهر الخاضعة للطبيعة في مجال العقل الفلسفي. وينبثق من هذا التصور دور الاجتهاد في الفقه، إذ يصبح الاجتهاد وسيلة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع مع التأكيد على أن الهدف النهائي هو تحقيق الخير والعدل. الاجتهاد وفق رؤية ابن رشد ليس مجرد ممارسة بل هو عملية عقلية مدروسة توازن بين المبادئ الشرعية والحقائق الطبيعية وتضمن انسجامها في إطار تكاملي. ومن هذا المنطلق تتضح إمكانية بناء منظومة فقهية فلسفية تحقق تطوراً معرفياً متوازناً يواكب التغيرات الطبيعية والاجتماعية دون التنازل عن الثوابت الروحية والأخلاقية.

وتتجلى عظمة هذا الطرح عند ملاحظة قدرة ابن رشد على إدماج الفكر الفلسفي الغربي لا سيما أفلاطون وأرسطو مع المبادئ الإسلامية. إن ابن رشد يرى في الفلسفة اليونانية أداة لتوضيح الأسباب الطبيعية والميتافيزيقية مع إعادة صياغتها ضمن إطار يتوافق مع المبادئ الشرعية. هذا الدمج الفلسفي لا يشكل محاكاة أو تقليدا أعمى وإنما تحويلا واعيا للمعرفة يضعها في خدمة فهم أعمق للوجود ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة على أساس من الوضوح المنهجي والوظيفي.

ويمكن النظر إلى أثر هذا المنهج في تطوير النظرية الأخلاقية والفكرية حيث يرى ابن رشد أن المعرفة المتعددة المستويات تمكّن الإنسان من التمييز بين ما هو واجب وما هو ممكن، بين ما يمكن إدراكه بالتجربة وما يظل مرهونا بالإيمان. هذه الثنائية المعرفية تخلق رؤية فلسفية متكاملة تشجع على التعلم المستمر وتعزز من قدرة الإنسان على التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون المساس بالقيم الأساسية التي تؤطر الحياة الفردية والاجتماعية.

التأمل في هذه النظرية يظهر أيضا أنها تمثل سابقة تاريخية في الفكر الإسلامي من حيث إدراك التمايز الوظيفي للمعرفة. إن ابن رشد من خلال هذه المقاربة يضع أسسا يمكن أن تلهم الفكر المعاصر في مجالات متعددة، من التعليم إلى الفقه ومن الفلسفة إلى العلوم الطبيعية. هذه النظرية تقدم نموذجا لإعادة ترتيب الأولويات المعرفية، بحيث يمكن للعقل والفلسفة والشريعة أن تتكامل في تحقيق غايات الإنسان العليا مع احترام خصوصية كل مجال وظيفي ومعرفي.

إن مساهمة ابن رشد تمتد إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والكون وبين المعرفة والغاية. فالعقل هنا ليس مجرد أداة تحليلية بل وسيلة لفهم النظام الكوني بما يحقق انسجاما مع المبادئ الأخلاقية والدينية. الشريعة بالمقابل تشكل سياقا يوجه الفكر والمعرفة بحيث لا ينحرف الإنسان عن قيمه الروحية والأخلاقية مما يخلق انسجاما بين مستويات الإدراك المختلفة. هذا الانسجام يعكس رؤية فلسفية متقدمة تؤكد على ضرورة التوازن بين التجربة العقلية والالتزام الديني وبين المعرفة النظرية والواجبات العملية.

الجانب الأهم في هذه النظرية هو إدراك الطبيعة الوظيفية لكل نوع من المعرفة. معرفة الطبيعة تقع ضمن اختصاص العقل الفلسفي والتجربة العلمية بينما معرفة الواجبات والأحكام تقع ضمن اختصاص الشريعة. الحكمة العليا تعمل على توجيه هذه المعارف نحو غاية كونية موحدة تتمثل في إدراك الحقيقة المطلقة وتحقيق كمال الإنسان. هذا التوزيع يعيد تعريف العلاقة بين المعارف المختلفة ويبرز إمكاناتها التكاملية، وهو ما يمكن أن يشكل نموذجا لإدارة المعرفة في السياق المعاصر، حيث تتعدد مصادر المعلومات وتتباين أهدافها.

تسمح هذه الرؤية أيضا بفهم الحوار بين الثقافات المختلفة، إذ أن الفلسفة كأداة عقلية يمكن أن تتجاوز حدود الثقافات الخاصة مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للأخلاق والدين. ابن رشد بهذا الطرح يقدم إطارا للتعامل مع الاختلافات الفكرية والثقافية من خلال التركيز على الوظائف الجوهرية للمعرفة، وليس على الصدام الظاهري بين المدارس الفكرية المختلفة.

في ضوء هذه المقالة المتواضعة يتضح أن ابن رشد أسس نموذجا معرفيا يوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة، بحيث يتحقق انسجام بين مستويات الإدراك المختلفة مع مراعاة الغايات الأخلاقية والروحية. هذا النموذج يمثل رؤية متقدمة في الفكر الإسلامي ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والدين بما يعزز من قدرة الإنسان على فهم نفسه والعالم من حوله، دون المساس بالقيم الجوهرية التي تحدد هويته الروحية والأخلاقية.

وتستند مساهمة ابن رشد في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة إلى وعي عميق بدور كل نوع من المعرفة في حياة الإنسان والمجتمع. إن تبني منهج التمايز الوظيفي للمعرفة يوفر إطارا متكاملاً يسمح للعقل الفلسفي بفهم قوانين الطبيعة والوجود وللفقه والشريعة بضبط السلوك الفردي والاجتماعي وللحكمة العليا بتوجيه هذه المعارف نحو غايات كونية أخلاقية وروحية. هذا التصور يعيد الاعتبار للتعددية المعرفية ويبرز إمكانية انسجام بين مختلف مستويات الإدراك دون أن تتعرض المبادئ الأساسية للقيم للخطر.

ويقدم هذا النموذج أيضا فرصة لإعادة التفكير في دور الفلسفة والتعليم والفقه في العصر المعاصر، حيث يمكن استخدامه كأساس لبناء برامج تعليمية ومعرفية متكاملة تربط بين التفكير العقلاني والفهم الشرعي وتؤسس لثقافة حوارية مرنة بين المعرفة العلمية والفكر الديني. كما يوفر هذا النموذج قاعدة لفهم كيفية التوفيق بين التجربة العقلية والتزامات القيم بين الحقائق الطبيعية والغايات الروحية وبما يسهم في إثراء الفهم الإنساني وتوسيع آفاق الفكر.

إن رؤية ابن رشد تمثل إرثا فلسفيا عميقا يفتح أبوابا للتفكير في العلاقة بين الدين والعقل، بين الفلسفة والشريعة وبين المعرفة النظرية والتطبيقية بطريقة تراعي التمايز الوظيفي لكل حقل معرفي وتتيح استثمار كل معرفة وفق غاياتها الخاصة. هذا الإرث يقدم قاعدة صلبة للحوار المعرفي بين الماضي والحاضر ويؤسس لإعادة ترتيب المعارف الإنسانية على أسس فلسفية وأخلاقية متينة مما يجعله مرجعا خالدا في دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة وبين العقل والدين وبين المعرفة والغاية في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

المادية التاريخية لإنتاج الأوليغارشية وفخ الريع في العراق.. دراسة في انتقال الاستبداد من الفرد إلى الطبقة ومصير «الفتات المتبقي»

المقدمة: ماديّة الاستبداد وديالكتيك التحلل

الاستهلال: «الشسمه» كصورة جدلية للنظام العراقي

- في أزقة بغداد المنهكة التي رسمها أحمد سعداوي في روايته الاستثنائية، يجمع «هادي العتّاق» أشلاء ضحايا الانفجارات؛ ساقٌ من «الكرادة»، وذراعٌ من «الصدر»، وصدرٌ من «الأعظمية»، ليخلق كائناً مُركَّباً أطلق عليه الناس اسم «الشسمه» — الذي لا اسم له. كان الهدف «إكرامَ الموتى»، لكن الكائن نهض فجأةً ليبدأ رحلةً دموية، مدّعياً أنه يثأر لأصحاب الأشلاء التي يتكوّن منها (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 201).

- هذا الكائن ليس مجرد شخصية روائية؛ إنه «المانيفستو» المادي للنظام العراقي بعد 2003: قامت الأوليغارشية بجمع أشلاء الدولة المحطَّمة وخياطة «المحاصصة الطائفية» بخيوط خارجية لتصنع «دكتاتوراً جماعياً» مشوَّهاً. وحشٌ يتكوّن من هويات متصارعة في الظاهر، لكنه في جوهره «جسدٌ واحد» يقتات على دماء الريع النفطي. وهذا ما يُسمّيه البحث — مستعيناً بمصطلح والتر بنيامين — «الصورة الجدلية»: تلك اللحظة التي تتكثّف فيها الحقيقة التاريخية في صورة واحدة قادرة على اختراق الوعي الزائف.

الإشكالية المركزية وفرضية البحث

- إن الإشكالية التي يطرحها هذا البحث لا تتعلق بـ«فشل الديمقراطية» كقيمة إجرائية، بل بشيء أكثر جوهرية: كيف تحوَّل الشكلُ الديمقراطي إلى غرفة عمليات لإعادة إنتاج الاستبداد على شكل طبقي؟ وما الأدوات المادية والأيديولوجية التي تُبقي هذا النظام قائماً رغم أزمته البنيوية المتعمّقة؟

- ينطلق البحث من الفرضية التالية: إن الأزمة البنيوية للعراق بعد 2003 ليست أزمة حوكمة أو تنمية قابلة للإصلاح بآليات تقنية، بل هي أزمة طبقية بامتياز تعكس تناقضاً جوهرياً بين نمط الإنتاج الريعي-التوزيعي وضرورات إعادة الإنتاج الاجتماعي للمجتمع. وإن ما يبدو «فساداً» أو «طائفيةً» هو في حقيقته ضرورة مادية لنظام لا يستطيع البقاء إلا بشراء الولاءات ونهب الموارد.

الإطار النظري: المادية التاريخية

- ينتمي هذا البحث منهجياً إلى تقليد المادية التاريخية، موظِّفاً — لتحاشي الاختزالية الميكانيكية وتوسيع الأدوات التحليلية — إسهامات مفكرين متعددين: غرامشي في نظريتَي الهيمنة والمثقف العضوي، وبورديو في مفاهيم رأس المال الرمزي والعنف الرمزي، وسمير أمين في نقد التبعية والاقتصاد المحيطي، وفالح عبد الجبار وحنّا بطاطو وعلي علاوي في التحليل التاريخي الخاص بالسياق العراقي. المنهج هنا ليس تطبيقاً ميكانيكياً لمخطط جاهز، بل هو بحث في الخصوصية التاريخية الملموسة بأدوات مادية تحليلية دقيقة.

هيكل البحث

- يسير البحث في مسار جدلي من خمسة فصول: يبدأ بتحليل الانتقال الطبقي بعد 2003 (الفصل الأول)، ثم آليات إعادة الإنتاج الهيمني وظاهرة الأنتلجنسيا الرثة (الفصل الثاني)، ثم بنية الارتهان الخارجي والكومبرادور السياسي (الفصل الثالث)، ثم ديناميكيات انسداد أفق الريع ومرحلة الكانيبالية المادية (الفصل الرابع)، وصولاً إلى معضلة البديل الغائب وشروط إنتاجه (الفصل الخامس)، ليُختتم بسيناريوهات مادية للمآل الممكن.

الفصل الأول: من الدكتاتور الفرد إلى مجلس إدارة الاستبداد

تمهيد: السؤال الجوهري

- حين سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان 2003، بدا المشهد في سطحه الإعلامي وكأنه لحظة تحرّر تاريخية. غير أن المادية التاريخية تُعلّمنا أن نسأل: ماذا سقط فعلاً؟ هل سقط الاستبداد، أم سقط شكلٌ واحد من أشكاله؟ وهل مع سقوط الفرد-الدكتاتور تفككت علاقات الإنتاج التي أنتجته وأعادت إنتاجه؟

- هذا الفصل يطرح أطروحة جوهرية: إن ما جرى في العراق بعد 2003 لم يكن انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل كان انتقالاً من نمطٍ في الاستبداد إلى نمطٍ آخر؛ من الاستبداد الفردي حيث يتمركز الريع في يد شخص واحد وشبكته الضيّقة، إلى ما يمكن تسميته «مجلس إدارة الاستبداد»: أوليغارشية مُركَّبة تتوزّع فيها الحصص الريعية بين كارتيلات طائفية-سياسية-عسكرية متنافسة في الشكل ومتآمرة في الجوهر.

المبحث الأول: الدولة الريعية العراقية — التشكّل التاريخي

أولاً: النفط كعلاقة إنتاج — بنية الريع

- يُعرّف الاقتصادي حازم الببلاوي الريع بأنه «دخل يتحقق دون أن يستلزم عملية إنتاج داخلية منظّمة»، مُميِّزاً بين أثرين: الأثر الاقتصادي في «تشويه بنية الحوافز الإنتاجية»، والأثر السياسي في «إعفاء الدولة من الحاجة إلى الخضوع لضغط الضريبة الذي يُولّد تاريخياً الديمقراطية» (الببلاوي، حازم والمبيض، غسّان، الدولة الريعية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987، ص 48-52). وبحلول عام 1973، باتت عائدات النفط تُشكّل ما بين 85 و95% من إيرادات الموازنة العراقية.

- يُبيّن علي علاوي أن «نظام صدام لم يكن استثناءً من الدولة الريعية العراقية بل كان تطرّفها الأقصى؛ إذ تمركزت الثروة النفطية في يد الفرد الدكتاتور ومحيطه الضيّق، فأنتج نمطاً من الدولة لا تعكس مؤسساتها توازناً اجتماعياً بل تعكس إرادة مالك العائد الريعي» (علاوي، علي أ.، احتلال العراق: انتصار الكوارث، ترجمة أحمد محمود، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2009، ص 71).

ثانياً: حنّا بطاطو والبنية الطبقية التاريخية

- يُبيّن بطاطو في عمله الموسوعي أن الدولة العراقية لم تنبثق من صراع طبقي داخلي ناضج، بل نُزرعت بقرار خارجي فوق بنية قبلية متشققة، مما أنتج «طبقة إدارية» لا «طبقة رأسمالية» بالمعنى الكلاسيكي. وأن «الولاء في ظل نظام صدام لم يكن ظاهرة أيديولوجية بحتة، بل كان قبل كل شيء مصلحةً اقتصادية مادية ملموسة» (بطاطو، حنّا، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، ترجمة عفيف الرزاز، المجلد الثالث، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990، ص 1082-1085).

المبحث الثاني: الانتقال الطبقي بعد 2003

أولاً: المحاصصة كآلية لإنتاج علاقات إنتاج جديدة

- «المحاصصة» في جوهرها آليةٌ لتوزيع «حصص الريع» بين مراكز القوى المتنافسة؛ إنها عقدٌ بين كارتيلات سياسية طائفية-عسكرية على «تقاسم الغنيمة المادية» التي تمثّلها موارد الدولة الريعية. يُوثّق الرفاعي أن «الهدر التراكمي في ميزانية الاستثمار بلغ 240 مليار دولار خلال 2004-2014، لم تُستثمر منها سوى 30% في مشاريع فعلية» (الرفاعي، خضير، اقتصاد المحاصصة، بغداد: دار الرافدين، 2019، ص 78-82).

ثانياً: تشريح مجلس إدارة الاستبداد — ثلاث طبقات

- تتكوّن الأوليغارشية العراقية من ثلاث طبقات متداخلة: قادة الكارتيلات السياسية-الطائفية الذين حوّلوا  رأس المال السياسي إلى ريعي. والبرجوازية الكومبرادورية التي يصفها سمير أمين بأنها «تتوسّط بين رأس المال الأجنبي أو الريع الخارجي والاقتصاد المحلي مستخلصةً فائضاً دون أن تُضيف أي قيمة مُنتَجة» (أمين، سمير، في مواجهة أزمة عصرنا، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار الفارابي، 2009، ص 203-207). والميليشيات التي تحوّلت إلى «إمبراطوريات اقتصادية» موازية تسيطر على المنافذ والعقارات والتعاقدات.

المبحث الثالث: غياب التراكم الرأسمالي الإنتاجي

- لم تتجاوز نسبة الاستثمار الخاص العراقي غير النفطي 8% من الناتج المحلي حتى في أفضل السنوات، مقارنةً بـ22% في ماليزيا وأكثر من 28% في كوريا الجنوبية في مراحل مماثلة (الشهرستاني، مصطفى كاظم، الاقتصاد العراقي: التشخيص والإصلاح، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2018، ص 119-123). هذا الأثر الريعي الطارد للاستثمار الإنتاجي هو المؤشر الأقوى على أن الإشكالية بنيوية لا ظرفية.

خلاصة الفصل الأول

- ما توصّل إليه هذا الفصل: إن الانتقال الذي شهده العراق من 2003 إلى الحاضر هو انتقالٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره المادي. انتقل الريع النفطي من قبضة الفرد-الدكتاتور إلى قبضة الكارتيل الأوليغارشي، وانتقلت آلية تحويله إلى سلطة من «أمر الدكتاتور المباشر» إلى «عقد المحاصصة المُركَّب». هذا التحوّل في الشكل مع الثبات في الجوهر هو ما يُسمّيه المنهج الجدلي «النفي غير المكتمل».

الفصل الثاني: آليات إعادة الإنتاج: الرشوة والولاء والأنتلجنسيا الرثة

كيف يُعيد النظام الريعي إنتاج هيمنته اجتماعياً وأيديولوجياً؟

تمهيد: إشكالية الاستمرارية

- يطرح أي نظام تسلطي سؤالاً أساسياً: كيف يستمر؟ السلطة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها. ميّز غرامشي بين نوعين من ممارسة السلطة: السلطة بالقسر والسلطة بالموافقة، كاتباً: «الهيمنة هي حكمٌ بالموافقة، والديكتاتورية حكمٌ بالقوة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن: المثقفون والمسألة الوطنية، ترجمة عادل العامل، بيروت: دار الفارابي، 1994، ص 57). هذا الفصل يكشف الآليات المحددة التي يُعيد بها النظام الريعي إنتاج هيمنته.

المبحث الأول: فخ الصرف الزائد — الرشوة الاجتماعية

أولاً: التوظيف الحكومي المترهل

- كشف تقرير البنك الدولي لعام 2022 أن فاتورة رواتب القطاع العام بلغت أكثر من 23 مليار دولار سنوياً. وتُبيّن دراسة مظهر محمد صالح أن نسبة العمالة الحكومية ارتفعت من 17% عام 2003 إلى أكثر من 42% عام 2020، مستخلصاً أن «هذا التضخم لا يُفسَّر بالنمو الطبيعي للجهاز الإداري، بل بالدور الوظيفي للتعيين الحكومي كأداة لاحتواء الضغط الاجتماعي وشراء الولاء الانتخابي» (صالح، مظهر محمد، الاقتصاد العراقي بين الريع والتنويع، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص 88-94).

ثانياً: الزبائنية السياسية — بنية الولاء الهرمي

- يُعرّف جيمس سكوت الزبائنية بأنها «علاقة تبادل شخصية غير متكافئة بين «الراعي» الذي يمتلك الموارد و«الزبون» الذي يمتلك الأصوات والولاء» (Scott, James C., «Patron-Client Politics», American Political Science Review, Vol. 66, No. 1, 1972, p. 92). وقد أسهم بورديو بمفهوم «رأس المال الاجتماعي» الذي يُشغّل آلة الزبائنية حين تشحّ الموارد المالية (بورديو، بيير، الأسباب العملية، ترجمة ماهر تريمش، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص 103).

المبحث الثاني: الأنتلجنسيا الرثة — تشريح المثقف الزبائني

أولاً: من المثقف العضوي إلى المثقف الرث

ميّز غرامشي بين المثقف التقليدي المنفصل عن علاقات الإنتاج والمثقف العضوي الذي ينبثق من طبقة ليُعبّر عن وعيها (غرامشي، المرجع السابق، ص 9-10). يطرح هذا البحث مفهوماً نقيضاً: «الأنتلجنسيا الرثة» — المثقف الذي يرتبط عضوياً بطبقة ريعية طفيلية لا مشروع تاريخياً لها سوى الحفاظ على امتيازاتها، فيُنتج وعياً زائفاً يُخدّر ويُشوّه ويُبرّر بدل أن يُنير.

ثانياً: الوظائف الثلاث للأنتلجنسيا الرثة

- تُؤدي الأنتلجنسيا الرثة ثلاث وظائف بنيوية: إنتاج الأيديولوجيا المُشرعِنة عبر مسارات الخطاب الطائفي وخطاب المقاومة والمقاربة التكنوقراطية البراغماتية. وتدمير الذاكرة التاريخية الجمعية بالطمس والإسدال أو بإعادة الكتابة. وثالثاً «إنتاج اليأس النشط» — تحويل الإحباط إلى قناعة بانتفاء الجدوى، وهو ما وصفه فريري بـ«ثقافة الصمت» التي ينتجها المثقف الزبائني: «المقهور الذي تعمّقت فيه ثقافة الصمت يُطوّر وعياً سحرياً بواقعه، يراه قدراً لا حيلة فيه» (فريري، باولو، تربية المقهورين، ترجمة بدر الدين عرودكي، بيروت: دار الآداب، 2001، ص 61).

المبحث الثالث: الآليات الأيديولوجية للهيمنة

- يُقدّم مفهوم «رأس المال الرمزي» لبورديو أداةً نافذة لفهم كيف تُحوّل الأوليغارشية مصادر سيطرتها المادية إلى «طبيعة ثقافية» مُتقبَّلة اجتماعياً: «رأس المال الرمزي هو القوة الخفية التي تجعل العلاقات الاجتماعية غير المتكافئة تبدو طبيعية وعادلة» (بورديو، بيير، العنف الرمزي، ترجمة نظير جاهل، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994، ص 161-164). كما أن أكثر من 63% من القنوات التلفزيونية العراقية تمتلكها أحزاب أو كتل سياسية دينية (IFJ, Iraq Media Landscape Report, Brussels, 2021, p. 17).

المبحث الرابع: تشرين — قراءة مادية في التعثّر

- واجهت انتفاضة تشرين 2019 حائطاً مادياً مُركَّباً من ثلاثة أبعاد: الارتهان المعيشي لأسر المحتجين بالراتب الحكومي ذاته الذي يُطعم من يثأرون منه. وغياب الذات الطبقية المنظّمة — «العقم التنظيمي للغضب التلقائي» بوصف أوتو باور (باور، أوتو، المسألة القومية والاشتراكية، ترجمة صلاح الدين المحسن، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 203-206). والتدخل المُحكم للأنتلجنسيا الرثة بكامل آلياتها لإعادة تأطير الحراك وتطييفه وتقزيمه.

خلاصة الفصل الثاني

- كشف هذا الفصل أن الأوليغارشية الريعية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة متكاملة: الرشوة الهيكلية (التوظيف والإنفاق الاجتماعي)، والزبائنية الهرمية، والأنتلجنسيا الرثة التي تُزوّد الهيمنة بغلافها الثقافي والرمزي. غير أن كل آلية تحمل في بنيتها بذرة تناقضها: التوظيف يُثقل الميزانية، والزبائنية تُغذّي توقعات تتجاوز طاقة الوفاء، والأنتلجنسيا تفقد مصداقيتها حين يتّسع الفارق بين خطابها والواقع.

الفصل الثالث: الارتهان المادي والتبعية الخارجية

الكومبرادور السياسي العراقي: بنية التبعية وآليات الاشتراط الخارجي

المبحث الأول: الكومبرادور السياسي — إطار نظري

- يُصوّر سمير أمين العلاقة بين المركز والمحيط بأنها «علاقة استخلاص مزدوجة: يستخلص المركز فائض القيمة من المحيط، ويستخلص الكومبرادور ريعه المحلي من التيسير الذي يُقدّمه لهذه العملية» (أمين، سمير، التراكم على الصعيد العالمي، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار ابن خلدون، 1975، ص 301-305). في العراق، الكومبرادور السياسي لا يتوسط فقط بين رأس المال الأجنبي والسوق المحلية، بل بين إرادة مراكز القوى الخارجية ومنظومة الحكم المحلية.

- يُوثّق علي علاوي بنزاهة نقدية نادرة: «لم يكن الكثير من القادة العائدين على دراية فعلية باقتصاد البلاد، لكنهم كانوا على دراية تامة بمزاج الجهات التي أوصلتهم ومتطلباتها. وقد ظل هذا التوجه الخارجي حاكماً لمنطق صنع القرار» (علاوي، المرجع السابق، ص 148-151).

المبحث الثاني: النموذج الإيراني — التبعية الأكثر عمقاً

أولاً: تمييز ثلاثة مستويات للنفوذ

- ينبغي التمييز بين النفوذ الثقافي-الديني التاريخي، والنفوذ الاستراتيجي الجيوسياسي المشروع، وبين النفوذ التبعوي-الريعي الذي يُصبح بنيوياً حين يرتبط بقاء شرائح من الأوليغارشية ارتباطاً عضوياً بالدعم الإيراني. يُبيّن فالح عبد الجبار أن «إيران بنت سوق علاقات: تُقدّم الحماية والشرعية الإقليمية، وشركاؤها العراقيون يُؤمّنون لها عمقاً استراتيجياً على حساب السيادة العراقية» (عبد الجبار، فالح، مجلة المستقبل العربي، العدد 423، 2014، ص 28-33).

ثانياً: الضريبة الاقتصادية للتبعية — ملف الطاقة

- يكشف باسم جميل أنطوان أن قيمة الغاز المُحرَق في حقول النفط العراقية تتجاوز ملياري دولار سنوياً، فيما تدفع العراق قرابة مليار دولار سنوياً ثمن الكهرباء المستوردة من إيران. هذه المفارقة لا تُفسَّر بغياب التقنية «بل في أن القيود التي تحول دون استثمار الغاز المحلي ترتبط باعتبارات تبعوية تجعل الاستيراد من إيران أنسب سياسياً من الاكتفاء الذاتي» (أنطوان، باسم جميل، ملف الطاقة العراقي، بغداد: دار المدى، 2022، ص 88-96).

المبحث الثالث: النفوذ الأمريكي — من الاحتلال إلى الاشتراط الريعي

- بعد 2011، تحوّل النفوذ الأمريكي من عسكري مباشر إلى «مزاد العملة» الذي يمنح الاحتياطي الفيدرالي رقابة شبه يومية على حركة السيولة العراقية. يُبيّن مظهر محمد صالح أن «الدولار هو العملة الحقيقية للاقتصاد العراقي دون إعلان ذلك رسمياً، وأي اضطراب في إمداده يتحوّل فوراً إلى أزمة معيشية مباشرة» (صالح، المرجع السابق، ص 134-138). وتصف الباحثة توبي دودج هذا الوضع بـ«فخ الحياد المستحيل»: الأوليغارشية محاصرة بين التبعيتين الإيرانية والأمريكية في آنٍ واحد فتنتج «النفاق الاستراتيجي الهيكلي» (دودج، توبي، العراق: من الحرب إلى استبداد جديد، ترجمة حسن الشيخ، بيروت: الشبكة العربية، 2014، ص 201).

المبحث الرابع: تضارب المصالح ومضيق هرمز

- الأطروحة الجوهرية: إن إبقاء مسار تصدير النفط العراقي رهيناً بمضيق هرمز ليس قصوراً إدارياً بل هو ضمانة تبعوية بنيوية. فطالما أن قطع هذا المسار يُشكّل تهديداً وجودياً للاقتصاد العراقي، تظل إيران تمتلك ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها في كل تفاوض لفرض شروطها.

- يُبيّن وليد خدوري أن خط الأنابيب العراقي-السعودي (IPSA) بطاقة 1.65 مليون برميل يومياً أُغلق منذ 1990 ولم يُعَد تشغيله رغم أن تأهيله لا يكلّف أكثر من ملياري دولار — أقل من أسبوع من عائدات النفط. «وغياب الإرادة السياسية لعشرين عاماً لا يُمكن تفسيره بأي منطق اقتصادي، بل ينكشف حين يُقرأ في ضوء الالتزامات التبعوية» (خدوري، وليد، النفط العراقي في المعادلة الإقليمية، بيروت: الشركة العربية للنشر، 2018، ص 112-119).

خلاصة الفصل الثالث

- السيادة الوطنية في العراق مُجزَّأة ومُوزَّعة بين مراكز نفوذ متعددة بصورة مُنهِكة للموارد الوطنية. لكن هذا الارتهان يحمل بُعداً جدلياً: حين يُهدَّد المسار الخارجي — أزمة إقليمية كبرى أو انهيار نفطي — تنكشف هشاشة النظام بكاملها دفعةً واحدة. وهذا التقاطع بين الأزمة الداخلية وهشاشة الارتهان الخارجي هو لحظة الانفجار التي يُحلّلها الفصل الرابع.

الفصل الرابع: لحظة الانفجار: انسداد أفق الريع

السكتة القلبية للنظام الريعي وانتقاله من توزيع الفائض إلى نهب الأصول

«الأزمة تحدث بالضبط حين يستحيل استمرار القديم وتعجز قوى التجديد عن الوصول. هذا الفراغ هو حقبة الأعراض الشديدة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن، المرجع السابق، ص 276)

المبحث الأول: السكتة القلبية المالية

- وثّق صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2023 أن «سعر التعادل» — أي سعر برميل النفط اللازم لموازنة متوازنة — ارتفع من 60 دولاراً عام 2010 إلى أكثر من 96 دولاراً عام 2023، وهو ارتفاع يعكس تضخّم الالتزامات بمعدل يفوق أي نمو في الطاقة الإنتاجية (IMF, Iraq: 2023 Article IV Consultation Report, Washington: IMF, 2023, p. 14). ويُحلّل أحمد موسى جياد أن الصدمة النفطية لعام 2014 دفعت الحكومة إلى إصدارِ سندات خزينة بـ20 تريليون دينار لتسديد الرواتب، محوّلةً «إنفاق الريع» إلى «إنفاق الديون» للمرة الأولى (جياد، أحمد موسى، الاقتصاد العراقي وتداعيات انهيار أسعار النفط، أبو ظبي: مركز الخليج للأبحاث، 2017، ص 63-68).

المبحث الثاني: الكانيبالية المادية

أولاً: مفهوم الكانيبالية المادية

- يطرح هذا البحث مفهوم «الكانيبالية المادية» لوصف الانتقال من نهب الريع الجاري إلى التهام أصول الدولة المتبقية. إنها مرحلة «التفكيك الذاتي» التي وصفها كارل بولاني: حين يبدأ النظام في استهلاك الموارد التي تُتيح له إعادة إنتاج نفسه (بولاني، كارل، التحوّل الكبير، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، 2008، ص 136).

ثانياً: التجليات الثلاثة

- أولاً نهب عقود البنية التحتية: ما يزيد على 40 مليار دولار لملف الكهرباء خلال 2006-2021 مع هدر تراكمي يُقدّر بـ25-30 مليار دولار، يتوزّع على عقود مُضخَّمة بـ40% ومشاريع مدفوعة غير منجزة (Global Integrity, Iraq Electricity Sector Integrity Assessment, Washington, 2020, p. 22). ثانياً التهام الاحتياطيات السيادية: تراجعت من 90 إلى 53 مليار دولار بين 2014 و2020. ثالثاً إفراغ صناديق التقاعد عبر استثمارات خاسرة في مشاريع حزبية مرتبطة بالكارتيلات (الموسوي، محمد، حقوق التقاعد في العراق، بغداد: هيومن رايتس ووتش، 2022، ص 18).

المبحث الثالث: معادلة هرمز — جغرافيا الهشاشة

- يمرّ عبر مضيق هرمز (34 كم في أضيق نقاطه) أكثر من 90% من صادرات النفط العراقي. ومحاكاة خدوري الحسابية تُشير إلى أن تراجع الصادرات بنسبة 30% لستة أشهر سيُنتج عجزاً يبلغ 18 مليار دولار «يُجاوز كل الاحتياطيات المتاحة للضخ الطارئ» (خدوري، المرجع السابق، ص 163-167). وهذا الانكشاف ليس عجزاً تقنياً بل ضمانة تبعوية بنيوية محسوبة.

المبحث الرابع: ما بعد الذروة النفطية

- تتجاوز الأزمة دورات الأسعار لتُواجه تحدياً بنيوياً: التحوّل الطاقوي العالمي. يُقدّر تقرير IEA لعام 2023 أن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته قبل عام 2030 (IEA, World Energy Outlook 2023, Paris, 2023, p. 41). وعلى المستوى التنافسي، يُضيق صعود النفط الصخري الأمريكي مساحة المناورة السعرية لأوبك+ مُضيّقاً بدوره العائد العراقي المتوقع. «الدول الريعية التي تُفوّت فرصة التحوّل تُشبه إقطاعياً يبيع أراضيه لتمويل حفلة طويلة» (قرم، جورج، الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، بيروت: دار الطليعة، 2011، ص 248-253).

المبحث الخامس: سلوك المُحاصَر

- يُحدّد مايكل روس في «لعنة النفط» أربعة أنماط استجابة للأوليغارشيات في مواجهة أزمات الموارد: التقشف الانتقائي، والاستدانة الخارجية، وتصعيد القمع، وتسارع نهب الأصول. ويُلاحَظ في العراق الراهن حضور الأنماط الأربعة بصورة متزامنة (روس، مايكل، لعنة النفط، ترجمة أيمن شكر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015، ص 88). والأهم أن تسارع النهب يعكس وعياً ضمنياً لدى النخبة بحتمية الانهيار — وهو ما يُسمّى «استراتيجية الخروج».

خلاصة الفصل الرابع

- الأدلة جميعها — من منحنيات سعر التعادل إلى تراجع الاحتياطيات إلى الكانيبالية المادية إلى هشاشة الممر الهرمزي — تُشير إلى نظام يقترب من عتبة اللاعودة في قدرته على إعادة إنتاج بنيته الريعية. لكن المادية التاريخية تُذكّرنا أن الأزمة البنيوية ليست سقوطاً آلياً مبرمجاً. وهنا تبرز إشكالية الفصل الخامس: غياب البديل المنظّم القادر على تحويل اللحظة الانفجارية إلى لحظة تأسيسية.

الفصل الخامس

معضلة البديل الغائب

غياب الذات الواعية: لماذا لا تُنتج الأزمة البنيوية تحوّلاً تلقائياً؟

تمهيد: المفارقة الجوهرية

- إذا كانت الأزمة البنيوية للنظام الريعي بهذه الحدة والعمق — فلماذا لا يتحوّل؟ التناقض البنيوي شرطٌ ضروري لكنه ليس كافياً. الشرط الكافي هو الذات الواعية المنظّمة القادرة على تحويل الأزمة من ألم مُعاش إلى مشروع تاريخي مُصاغ. وهذا بالضبط ما يغيب في الحالة العراقية.

المبحث الأول: تجريف الطبقات المنتجة

- بيانات الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2021 تكشف أن نسبة العاملين في الصناعات التحويلية الخاصة لا تتجاوز 6% من القوى العاملة، مقابل 42% في القطاع الحكومي (الجهاز المركزي للإحصاء، مسح سوق العمل، بغداد، 2021، ص 17-19). يُضيف إبراهيم الحيدري أن الريعية أنتجت «طبقة عاملة مُفتَّتة هوياتياً: يرى الكثيرون أنفسهم أبناء طائفة أو عشيرة لا أعضاء في طبقة ذات مصالح مشتركة» (الحيدري، إبراهيم، سوسيولوجيا المجتمع العراقي، بيروت: دار الساقي، 2020، ص 178-183).

- ويرصد فالح عبد الجبار غياب «التنظيم المدني المستقل مالياً وعقائدياً، النابع من المصالح الطبقية المحلية وخادم لها» بين التنظيمات الحزبية المُغلَّفة مدنياً والتنظيمات الممولة دولياً بأجندات خارجية (عبد الجبار، فالح، المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص 211-215). وتُقدّر أرقام IOM أن 5-7 ملايين عراقي يعيشون خارج البلاد وأن أكثر من 60% من الكفاءات المتخصصة غادروا البلاد خلال العشر سنوات الأولى بعد تخرجهم (IOM, Iraq Migration Report, Geneva, 2022, pp. 11-14).

المبحث الثاني: الوعي الزائف وإشكالية تشرين

- وصف لوكاتش هذا النوع من الحالات بـ«الوعي في طور التشكّل»: مرحلة يُدرك فيها أفراد الطبقة المقهورة واقع استغلالها دون أن يمتلكوا الإطار المفاهيمي لترجمة هذا الإدراك إلى استراتيجية تحرر (لوكاتش، جورج، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشيخ، بيروت: دار الطليعة، 1983، ص 97-102). في تشرين، الشعارات كانت طبقية في روحها لكنها ظلت أعراضاً تعبيرية لا مشروعاً سياسياً، ويعكس ذلك مباشرةً غياب المثقف العضوي الغرامشي الذي يُترجم «الغضب إلى برنامج». يُبيّن حيدر سعيد أن المثقف العراقي يواجه معادلة قاسية: «إما الانضمام إلى الزبائنية الحزبية فيحصل على الموارد ويفقد الاستقلالية، وإما أن يظل مستقلاً فيُعزل ويُهمَّش مادياً» (سعيد، حيدر، السياسة والثقافة في العراق المعاصر، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2018، ص 134-140).

المبحث الثالث: معضلة الاستقلال الاقتصادي

- كل مصادر التمويل المتاحة للبديل السياسي مُرتهِنة للمنظومة: الحكومي يعني الزبائنية، والخارجي يعني الأجندات المستوردة والتشكيك الوطني، والخاص يعني الارتهان لمزاج الثروات المرتبطة بشبكة الريع. وفي غياب قطاع إنتاجي مستقل يُولّد ثروات بمعزل عن الريع الحكومي، تظل القوى البديلة رهينة هذا المثلث المسموم.

المبحث الرابع: شروط إنتاج البديل الممكن

- يستلزم بناء «الكتلة التاريخية» بمفهوم غرامشي ثلاثة عناصر مادية: نواة تنظيمية مستقلة مادياً، وبرنامج اقتصادي بديل محدد لـ«ما بعد الريع»، ولغة سياسية تُخاطب المواطن في مصلحته الاقتصادية لا «ابن المكوّن» في هواجسه الهوياتية. وتُوفّر تجربة بوليفيا مع إيفو موراليس درساً قيّماً: وجود «قاعدة إنتاجية مستقلة ولو جزئية» كان العمود الفقري للتحوّل (Rees, Gilbert, «Extractivism and Social Change in Bolivia», Latin American Politics and Society, Vol. 55, No. 3, 2013, p. 47).

- في قلب المشهد القاتم، ثمة عامل واحد يستحق قراءةً متأنية: أكثر من 60% من السكان دون سن الثلاثين، يحمل معظمهم «وعياً نقدياً مقارناً» غير مسبوق في التاريخ العراقي. يُحلّل حارث حسن أن «هذا الجيل يُطوّر وعياً نقدياً يرى في الواقع سياسةً قابلة للتغيير لا حتمية مُسلَّماً بها» (حسن، حارث، مجلة سياسة دولية، العدد 214، بيروت، 2020، ص 48-52).

خلاصة الفصل الخامس

- بذور التجاوز موجودة — في تراكم الوعي التشريني النقدي وفي الحاجة الموضوعية المتصاعدة وفي الجيل الجديد — لكنها تحتاج إلى شروط مادية لنموّها: استقلالية اقتصادية تُتيح التنظيم المستقل، ومشروع اقتصادي بديل محدد الملامح. وفي غياب هذه الشروط لا تنتهي الأزمة بثورة بل بسيناريوهات متعددة الأشكال.

الخاتمة: السيناريوهات المادية القادمة

التغيير في البنية الفوقية مستحيل دون زلزال في القاعدة المادية

أولاً: تكثيف الأطروحة — ما أثبته البحث

على مسار فصوله الخمسة، أثبت هذا البحث بالتحليل المادي التاريخي الموثَّق أربع أطروحات مترابطة:

1. الأطروحة الأولى: إن ما جرى في العراق بعد 2003 ليس انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل تحوّلٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره الريعي. انتقلت السلطة من «فرد-دكتاتور» إلى «مجلس إدارة أوليغارشي»، لكن علاقة الإنتاج الريعية لم تتغيّر.

2. الأطروحة الثانية: إن الأوليغارشية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة مُركَّبة من الرشوة الاجتماعية والزبائنية والأنتلجنسيا الرثة والارتهان الخارجي الذي يُحوّل التبعية إلى ضرورة بقاء.

3. الأطروحة الثالثة: إن النظام يعيش الآن مرحلة «التعفن البنيوي» المتسارع، يُجسّدها ارتفاع سعر التعادل المالي وتراجع الاحتياطيات والانتقال إلى الكانيبالية المادية. هذا المسار لا رجعة عنه في إطار البنية القائمة.

4. الأطروحة الرابعة: إن الأزمة البنيوية لا تُنتج تلقائياً بديلاً تحرريّاً؛ لأن الذات الطبقية القادرة على تحويل الأزمة إلى مشروع تاريخي غائبة أو مُجزَّأة نتيجة عقود من تجريف الطبقات المنتجة وتدمير المجتمع المدني المستقل.

ثانياً: السيناريوهات المادية الثلاثة

1. السيناريو الأول ك التحلل الشامل والفوضى المُركَّبة (الأعلى احتمالاً على المدى المتوسط)

تصاعد متوازٍ بين عجز مالي متنامٍ وتدهور الخدمات، وتفكّك تدريجي لسلطة الدولة المركزية لصالح أمراء الحرب المحليين وشبكات الميليشيات الاقتصادية، وتسارع الكانيبالية المادية في سباق يؤجّج ذاته. لا انهيار مفاجئ بل تحلّل بطيء متسارع — ما وصفه ابن خلدون بـ«الترهل»: حين يفقد الجسم السياسي عصبيته الجامعة ويبدأ في الانحلال من الأطراف قبل المركز (ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، بيروت: المكتبة العصرية، 2005، ص 174).

2. السيناريو الثاني البونابرتية المادية (ممكن في لحظة الأزمة الحادة)

ظهور زعيم فردي قوي يُطيح بالأوليغارشية مُدَّعياً تمثيل الإرادة الشعبية، مستغلاً حاجة الجماهير الحادة إلى الأمان والخبز في لحظة انهيار نظام الولاء الزبائني. لا تحرر حقيقي بل إعادة تمركز السلطة في يد الفرد. يُلفت عزمي بشارة إلى أن «الشعب المُرهَق والجائع يميل في لحظات الاستعصاء إلى القبول بالقوي الذي يُوقف الفوضى حتى لو كان ذلك على حساب حريته» (بشارة، عزمي، في المسألة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007، ص 233).

3. السيناريو الثالث الكتلة التاريخية والتحوّل البنيوي (الأصعب تحقيقاً والأكثر عدالةً)

نشوء قوى اجتماعية منظّمة تمتلك استقلالية اقتصادية كافية، وقادرة على بناء تحالف طبقي عابر للهويات حول مشروع اقتصادي بديل واضح المعالم. يستلزم: الاستمرار الصبور في بناء التنظيم المستقل، وانتهاز لحظة الأزمة المالية الحادة، ووجود برنامج اقتصادي يُجيب على سؤال «ماذا بعد الريع». إنه سيناريو الأمل المحفور في المنطق الجدلي: فكل نظام يحمل في تناقضاته بذور تجاوزه.

ثالثاً: الاستنتاج النهائي

- الأوليغارشية في العراق ليست «قدراً سياسياً» ولا «خصوصيةً ثقافية» ولا «عاهةً أخلاقية» في أبناء هذا البلد. إنها «ضرورة مادية» تُنتِجها وتُعيد إنتاجها علاقاتُ إنتاج ريعية محددة لم تتغيّر في جوهرها منذ عقود. وإن نهايتها — متى جاءت — لن تكون بتغيير الأشخاص أو بإجراء انتخابات أو بضخ خطاب وطني جديد؛ بل ستكون حصراً بتفكيك هذه العلاقات الريعية وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة تُولّد ثروةً حقيقية وتُنتج بالضرورة طبقةً اجتماعية ذات مصالح مادية في دولة قانون وحوكمة ومحاسبة.

- في النهاية نستعير من «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي: «أنا لستُ ما صنعني هادي؛ أنا ما صنعتْه الحرب». بالقياس: الأوليغارشية العراقية ليست ما صنعه هذا الزعيم أو ذاك، إنها ما صنعه الريع النفطي والتبعية الخارجية والتفكيك المنظّم للمجتمع المنتج. وهذا التمييز بين الفرد والبنية هو ما يجعل تغيير الوجوه دون تغيير البنية مجرد إعادة إنتاج للأشلاء ذاتها بترتيب جديد (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 287).

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

تحليل في بنية الحجاج في كتاب "الكشف عن مناهج الأدلة"

في المتون الكبرى التي تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والوحي يبرز الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة بوصفه نصا مؤسِّسا لا في تاريخ الجدل العقدي فحسب، بل في تاريخ الوعي الإسلامي بذاته وهو يراجع أدواته ومناهجه ومسلّماته. فابن رشد لا يكتب هنا من موقع المتكلّم الذي يدافع عن مذهب داخل سوق الاختلاف ولا من موقع الفيلسوف الذي يفرض على الشريعة منطقا غريبا عن بنيتها، بل من موقع المفكّر الذي أدرك أنّ أزمة العقيدة في الثقافة الإسلامية قد استقرّت طويلا في مناهج النظر قبل أن تستقرّ في مضامين الاعتقاد، وأنّ العطب الذي أصاب المعنى الديني لم ينشأ من فقر النصّ ولا من قصور الوحي بل من تضخّم الجدل ومن سوء الترتيب بين مراتب الخطاب ومن الخلط بين ما يقتضيه البرهان وما يكتفي به الإقناع ومن توهّم أنّ كثافة الاعتراض دليل على قوة اليقين. ومن هنا جاء هذا الكتاب على صورة مراجعة عميقة لآلة الاستدلال ذاتها وعلى صورة مساءلة صارمة للطرق التي سلكها المتكلّمون في تقرير العقائد وعلى صورة استئنافٍ فلسفيّ رفيع يروم تخليص الدين من الأدلة التي أضعفته أكثر مما خدمته وردَّ الإيمان إلى أفقه الأصفى حيث يتعانق المعنى والبرهان وتلتقي الهداية بالنظر.تلك هي النقطة التي تمنح النصّ الرشدي فرادته الحقيقية. فالمسألة عنده لا تُختزل في إثبات وجود الله أو تقرير الصفات أو الدفاع عن النبوّة أو الحديث عن المعاد، لأنّ هذه الموضوعات كلّها تظلّ في مرتبة المقولات الجزئية ما لم تُفهم في ضوء السؤال الأعمق، بأيّ عقل تُدرَك العقيدة وبأيّ منهج تُبنى وبأيّ خطاب تُنقل من حيّز الحقيقة إلى حيّز التلقّي العام دون أن تفقد تماسكها أو تنقلب إلى مادة خصام؟ هنا يتقدّم ابن رشد بخطاب نادر الصرامة لأنّه ينقل البحث من "ماذا نعتقد؟" إلى "كيف نعتقد على وجه صحيح؟"، ومن مضمون القضية إلى شرعية الدليل ومن ظاهر الاختلافات المذهبية إلى البنية المعرفية التي صنعتها وأدامت سلطانها. ويعتبر الكشف عن مناهج الأدلة نصا يتجاوز علم الكلام من داخله ويخترق الفلسفة من غير أن يستسلم لها ويؤسّس إمكانا ثالثا للمعقول الديني إمكانا لا يخاصم النصّ ولا يستقيل من العقل ولا يسلّم الحقيقة إلى الجدل ولا يتركها أسيرة الظاهرية العمياء.

وانطلاقا من هذا المسار يتحدّد الرهان المركزي لهذا المقال الوجيز حول تفكيك مفهوم "المعقول الديني" عند ابن رشد عبر تحليل البنية الحجاجية التي تنتظم كتاب الكشف عن مناهج الأدلة بوصفها بنيةً تكشف عن مشروع فكري متكامل يروم إعادة بناء المجال العقدي على أساس من الانضباط البرهاني والوفاء لروح الشريعة معا. فالمقصود لا يقف عند تتبّع مواقف ابن رشد في قضايا الإلهيات والنبوات والسمعيات بل يتجاوز ذلك إلى استجلاء المنطق الداخلي الذي يحكم انتقاله من نقد أدلة المتكلّمين إلى استخراج مناهج القرآن في الاستدلال، ومن تفكيك الصناعات الجدلية إلى إرساء نموذج معرفي يرى في الدين خطابا مؤسَّسا على المعقول في جوهره وفي العقل أداةً للهداية لا آلةً للمشاغبة وفي التأويل حدا معرفيا مضبوطا لا ممرا للفوضى وفي البرهان قيمةً حضاريةً تحفظ وحدة الحقيقة من التمزّق بين الفرق والاصطلاحات. وعلى هذا الأساس يتبدّى ابن رشد في هذا النصّ الكبير واحدا من أعمق من وعى أنّ معركة الفكر لا تُحسم عند حدود النتائج بل تُحسم في طرائق الوصول إليها وأنّ فساد الدليل قد يسيء إلى الحقّ أكثر ممّا يسيء إليه خصومه وأنّ الدين كلّما استعاد معقوله الأصيل استعاد قدرته على أن يكون مصدر يقين لا مادة انقسام وأفقَ بناءٍ لا ساحةَ تنازع.

ليس من اليسير أن يُقرأ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة قراءةً خارج الأفق الذي أنشأه ابن رشد لنفسه بوصفه فقيها وأصوليا ومتكلما وشارحا لأرسطو في آن. فالنص الرشدي هنا لا يقدّم نفسه مجرد رسالة في العقيدة ولا مجرّد ردّ على المتكلمين ولا مجرد ملحق بكتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل يكشف عن مشروع أعمق يتعلّق بإعادة بناء المجال الديني من الداخل على أساس عقلاني برهاني يردّ الاعتبار إلى "المعقول" في الدين ويُنقذه من أسر الجدل الخطابي الذي استبدّ بمناهج النظر في قضايا الإلهيات والنبوات والمعاد. وإنّ قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعاته المعلومة التي تتصل بإثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه وإثبات النبوة وتأويل الصفات والحديث عن السعادة الأخروية، وإنما تكمن على نحو أخص في بنية الحجاج التي تنتظم الكتاب كله وتجعل منه وثيقة فكرية كاشفة عن مفهوم مخصوص للمعقول الديني عند ابن رشد.

وإذا كان كثير من الدارسين قد تعاملوا مع الكشف بوصفه نصا "كلاميا" في ظاهر بنيته الموضوعية فإنّ النظر المتأني يكشف أنّ الرجل إنما كان بصدد تفكيك البنية الداخلية لعلم الكلام نفسه لا من أجل الانتصار لمذهب كلامي على آخر، بل من أجل مساءلة الأصل المنهجي الذي قامت عليه طرائق المتكلمين في الاستدلال. ولذلك فإنّ ابن رشد لا يدخل إلى المسألة من باب النتائج الاعتقادية فقط، بل من باب مناهج الأدلة. وهذا العنوان نفسه بالغ الدلالة لأنّه لا يَعِدُ القارئ بتقرير عقائد الملة على نحو تلقيني بل يعده بـ"كشف" المناهج التي ينبغي أن تُسلك في إقامة الأدلة عليها. والفرق بعيد بين من ينشغل بتقرير مضمون المعتقد وبين من ينشغل بفحص آلة الوصول إليه. هنا يتبدّى الطابع الفلسفي الأصيل للنص الرشدي إذ لا قيمة للحقيقة ما لم تُدرَك من طريق يليق بها ولا معنى للمعقول الديني إن لم يكن مصحوبا بنقد للمسالك التي تُفضي إليه أو تحول دونه.

إنّ ابن رشد في هذا الكتاب لا ينطلق من افتراض التعارض بين العقل والدين حتى يسعى إلى التوفيق بينهما كما شاع في كثير من القراءات التبسيطية، بل ينطلق من فرضية أعمق وأشد إحكاما وهي أنّ الشريعة في أصلها مبنية على المعقول، وأنّ ما يبدو من خصومة بين الدين والعقل إنما هو ثمرة خلل في الفهم أو فساد في المنهج أو انحراف في الترتيب بين مراتب الخطاب. وهذا ما يجعل مشروعه في الكشف امتدادا عضويا لما قرره في فصل المقال من أنّ "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له". وهذه العبارة الموجزة ليست شعارا تلفيقيا كما قد يتوهم بعضهم بل هي قاعدة إبستمولوجية ذات لوازم ثقيلة، لأنّ مقتضاها أنّ التعارض المزعوم ليس بين حقّين بل بين حق ووهم أو بين نص أسيء فهمه وعقل أسيء استعماله، أو بين ظاهر خطاب أُخرج عن مقصوده ومنهج نظر لم يراعِ شروط البرهان.

ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ ابن رشد لم يكن خصمه الحقيقي هو النص الديني، بل التأويل الكلامي الذي صادر إمكانات النص وأغلقها داخل قوالب جدلية. إنّه هنا قريب من ذلك الذي عبّر عنه أبو الوليد نفسه في أكثر من موضع حين جعل فساد النظر تابعا لفساد القياس وكأنّه يردّد بطريقة أخرى ما قرره أرسطو من أنّ الخطأ ليس في الأشياء بل في الأحكام التي نصوغها عنها. وقد أدرك ابن رشد أنّ الأزمة التي أصابت المعقول الديني في الثقافة الإسلامية لم تكن أزمة "مضمون" فحسب، بل كانت قبل ذلك أزمة "صورة" و"منهج" و"صناعة". لذلك لم يكن غريبا أن يوجّه سهام نقده إلى المتكلمين من حيث هم أهل جدل لا من حيث هم متدينون، وأن يرى أنّ ما أحدثوه من اضطراب في العقائد راجع إلى كونهم نقلوا مسائل الإيمان من ساحة الإقناع الشرعي المركّب إلى ساحة الخصومة المدرسية التي يتضخم فيها الاعتراض أكثر مما يتضح فيها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد لا يعني اختزال الدين في العقل المجرد ولا تفريغه من أبعاده الرمزية والتربوية والروحية، وإنما يعني أنّ للدين بنية عقلية داخلية وأنّ الشريعة إنما تخاطب الإنسان بما هو كائن عاقل قابل للفهم والترتيب والتمييز. وإذا كانت مراتب الناس مختلفة في القدرة على الإدراك فإنّ هذا الاختلاف لا ينفي المعقول بل يفرض تعدد طرائق عرضه. وقد كان الفارابي أحد السباقين إلى تقرير هذا المعنى حين فرّق بين البرهان والجدل والخطابة وجعل المدينة الفاضلة محتاجة إلى صور مختلفة من الإقناع بحسب استعدادات الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التصور بعدا شرعيا صريحا إذ يجعل الخطاب القرآني نفسه مشتملاً على هذه المراتب ويعتبر أنّ الخلل نشأ حين خلط المتكلمون بين ما خوطب به الجمهور وما ينبغي أن يُطلب فيه البرهان لأهل النظر، ثم زادوا على ذلك بأن حوّلوا العقائد إلى موضوعات سجالية تتنازعها الاصطلاحات.

ويعد الكشف كتابا في "نقد العقل الكلامي" قبل أن يكون كتابا في العقيدة، وإن جاز لنا أن نستعير عبارة حديثة على سبيل التقريب. فهو لا يكتفي بأن يقول إنّ أدلة المتكلمين ضعيفة بل يبيّن أن ضعفها بنيوي لأنها لا تستند إلى المناسبة بين طبيعة الموضوع وطبيعة الدليل. فالموضوع الإلهي بما هو أعلى الموجودات وأشرفها لا يليق به إلا ما كان من الأدلة أشرفَ وأوضحَ وأقربَ إلى الفطرة. أما الأدلة الصناعية المعقدة التي لا يفهمها الجمهور ولا يطمئن إليها الخاصة إلا بعد تكلفات طويلة فإنها في نظره لا تصلح أن تكون عمادا للعقيدة العامة. وقد كان ابن رشد شديد العناية بما يمكن أن نسميه "الاقتصاد البرهاني" في الدين، أي طلب الدليل الأوضح والأقرب إلى مقتضى الفطرة السليمة والنظر الصحيح. وهو بهذا يلتقي مع ما قرره الشاطبي لاحقا من أنّ الشريعة "أمية" بالمعنى الإيجابي، أي أنها جارية على مقتضى العموم البشري ومراعية لما يطيقه الجمهور في الإدراك والتلقي وإن اختلف السياق والاصطلاح.

غير أنّ هذا "الاقتصاد البرهاني" لا يعني التبسيط المخل ولا الاستقالة من التعقيد حين يقتضيه البحث، بل يعني ردّ كل مقام إلى ما يلائمه. فابن رشد لا ينكر البرهان العقلي الدقيق من حيث هو كذلك بل هو من أشد الناس انتصارا له، لكنه ينكر أن تتحول العقيدة العامة إلى ميدان لاستعراض الصناعات المنطقية التي لا تخدم اليقين بقدر ما تثير التشويش. ولأجل ذلك يميّز تمييزا حاسما بين البرهان بوصفه صناعة خاصة بأهل النظر وبين الخطاب الشرعي الذي يقيم للناس من الأدلة ما يكفيهم على حسب طبائعهم. إنّ المعقول الديني عنده ليس "عقلانية نخبوية" منقطعة عن جمهور الأمة كما أنه ليس "تدينا شعبيا" معاديا للنظر، بل هو بناء هرمي تتكامل فيه مستويات الإدراك من غير أن ينقض بعضها بعضا.

ومن أدقّ ما يلفت النظر في الكشف أنّ ابن رشد لا يعامل النص القرآني معاملة المتكلمين الذين يبدؤون بمقدمات عقلية ثم يجرّون النصوص إليها جرا، بل يعامل القرآن نفسه بوصفه حقلا دلاليا غنيا يشتمل على أنماط من الاستدلال ينبغي استخراجها وفهم نظامها الداخلي. ولذلك فإنّ كتابه في جوهره محاولة لاكتشاف "العقلانية الكامنة" في الخطاب القرآني. إنّه لا يفرض على النص بنية برهانية خارجية بل يحاول أن يستخرج منه ما يسميه مناهج الأدلة التي سلكها الشرع في تقرير أصول العقائد. وهذا المسلك بالغ الأهمية لأنه يكشف أنّ ابن رشد لا يدافع عن الفلسفة في مواجهة الدين بل يدافع عن الدين في مواجهة التأويلات التي حجبت معقوليته الأصلية.

ولذلك نجده يرفض كثيرا من الأدلة الكلامية الشهيرة لا لأنها عقلية أكثر مما ينبغي، بل لأنها ليست عقلية بما يكفي أو لأنها عقلية ناقصة أو لأنها عقلانية جدلية لا برهانية وهذا فرق جوهري، فليس كل ما نُسب إلى العقل عقلا بالمعنى الرشدي. إنّ العقل عنده صناعة مضبوطة لها شروطها ومقدماتها ومراتبها، ومن لم يلتزم ذلك كان في حكم المتشبه بالحكماء وليس منهم. وهنا نستحضر ما قاله ابن باجة في نقده لفساد التعليم حين نبّه إلى أنّ كثيرا من الناس "يظنون أنهم يعلمون وليسوا بعالمين"، لأنهم لم يدركوا حدود الصناعات ولا مقتضياتها. ويكاد ابن رشد في الكشف يطبق هذا المعنى على المتكلمين الذين ادعوا الدفاع عن العقيدة لكنهم أدخلوها في مسالك لم يشرعها الوحي ولم يقتضها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد يقوم على ثلاث دعائم متلازمة: ردّ العقيدة إلى أصولها الشرعية البيانية وتنقيح مناهج الاستدلال بما يوافق مقتضى البرهان والتمييز بين مراتب الخطاب بحسب مراتب الناس في الإدراك. وهذه الدعائم ليست متجاورة فحسب بل هي متشابكة في نسيج واحد. فلو اكتفى بردّ العقيدة إلى النص دون نقد للمناهج لبقي أسير القراءة الظاهرية أو الخطابية المحضة. ولو اكتفى بنقد المناهج دون مراعاة مراتب الخطاب لتحول الدين إلى فلسفة مدرسية نخبوية. ولو ميّز بين مراتب الناس دون ردّ ذلك إلى أصل شرعي لانفتح الباب لفصلٍ بين "حقيقة" للفلاسفة و"رمز" للعامة على نحو قد يُفضي إلى الازدواجية. لكنّ ابن رشد يحاول أن يتفادى كل ذلك ببناء توازن دقيق بين وحدة الحقيقة وتعدد طرائق عرضها.

وهذا ما يفسّر أيضا موقفه من التأويل. فالتأويل عنده ليس عبثا بالنصوص ولا رخصة مفتوحة للفرار من ظواهر الشرع، بل هو ضرورة منهجية لا تُستعمل إلا عند قيام البرهان القطعي على أنّ الظاهر غير مراد في حقّ من ثبت له ذلك البرهان. وهو بهذا يضع التأويل داخل نظام معرفي مضبوط لا داخل مزاج مذهبي أو رغبة جدلية. وقد نبّه الغزالي نفسه في غير ما موضع إلى خطورة التسرع في التكفير بسبب مسائل التأويل، غير أنّه لم يخرج نهائيا من الإطار الكلامي الذي ظلّ ابن رشد يراه جزءا من المشكلة. وتبدو مفارقة عميقة بين الرجلين، فالغزالي أراد إنقاذ الإيمان من الفلسفة بينما أراد ابن رشد إنقاذ المعقول الديني من الكلام ومن سوء فهم الفلسفة معا.

إنّ قراءة الكشف على هذا النحو تبيّن أنّ ابن رشد لم يكن مشغولا فقط بإثبات أنّ العقائد الإسلامية قابلة للدفاع العقلي، بل كان مشغولا قبل ذلك بتأسيس صورة مخصوصة للعقلانية الدينية. وهذه الصورة لا تقوم على مبدأ "العقل فوق النص" ولا على مبدأ "النص ضد العقل"، وإنما تقوم على مبدأ أدقّ هو أنّ النص الحق لا يفهم إلا بعقل سليم وأن العقل السليم لا يكتمل إلا إذا أدرك مقاصد الخطاب ومراتبه. ولعلّ هذا المعنى يلتقي مع ما سيقوله لاحقا ابن تيمية في سياق مختلف حين يقرر أنّ "صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول". وعلى الرغم من التباين الكبير بين المشروعين فإنّ الجامع بينهما هو رفض الثنائية المفتعلة بين العقل والوحي مع اختلاف بيّن في طبيعة العقل المقصود وفي أدوات التحليل.

وفي صميم هذا المشروع يبرز نقد ابن رشد للمتكلمين بوصفه نقدا معرفيا لا مجرد خصومة مذهبية. فهو لا يخاصمهم لأنهم أشاعرة أو معتزلة أو غير ذلك فحسب بل لأنّ الصناعة التي غلبت عليهم هي صناعة الجدل لا البرهان. والجدل عند أرسطو وعند الشراح من بعده ليس باطلا من حيث الأصل، لكنه أدنى مرتبة من البرهان لأنه يتعامل مع المشهورات والمسلّمات الظنية لا مع المبادئ اليقينية. فإذا نُقلت قضايا العقيدة التي يُراد لها اليقين إلى فضاء الجدل نشأ الاضطراب من حيث لا يشعر المتكلم. ولذلك كان ابن رشد يرى أنّ علم الكلام لم يزد الناس في كثير من الأحيان إلا حيرة وأنّ ما سُمّي أدلة عقلية لم يكن في أحوال كثيرة إلا تعقيدات اصطلاحية بعيدة عن روح الشرع وعن مقتضى البرهان معا. وهنا تكتسب بنية الحجاج في الكشف معناها الحقيقي، فابن رشد لا يقدّم نتائج ثم يطلب التسليم بها، بل يبني خطابه على مسار تفكيكي تركيبي يبدأ بتشخيص فساد المناهج السائدة ثم ينتقل إلى بيان المناهج التي اعتمدها الشرع، ثم يبيّن أنّ هذه المناهج ليست مجرد وسائل وعظية بل تتضمن من المعقولية ما يفوق كثيرا من المصنوعات الكلامية. وهذا التحول من النقد إلى الاستخراج ثم إلى التأسيس هو الذي يمنح النص قوته. إنه لا يكتفي بهدم الخصم بل يعيد بناء الأرضية التي ينبغي أن يقوم عليها النظر الديني. ولذلك فإنّ "الكشف" هنا ليس كشفا عن أدلة فحسب، بل كشفٌ عن بنية عقلانية في صميم الوحي.

ولئن كان بعض الباحثين المحدثين قد رأى في هذا المسلك نزعة "إصلاحية" مبكرة داخل التراث الإسلامي فإنّ الأدقّ من ذلك أن نقول إنّ ابن رشد كان بصدد استعادة التوازن المفقود بين البيان والبرهان. فالحضارة الإسلامية في أوجها لم تكن قد عرفت هذا الانفصال الحاد بين علوم الشرع وعلوم العقل بالصورة التي استقرّت لاحقا في الوعي المدرسي. بل إنّ أئمة كبارا مثل الشافعي حين بنى أصول النظر الفقهي إنما كان يؤسس لصرامة استدلالية لا تقل في جوهرها عن مطلب الانضباط العقلي وإن اختلفت موضوعاتها وأدواتها. وكذلك فعل المالكية في باب المقاصد والمصالح حين ربطوا الأحكام بمعانيها وحِكمها. وابن رشد وهو الفقيه المالكي العارف بصناعة الأصول لم يكن بعيدا عن هذا الأفق. لذلك فإنّ معقوله الديني ليس طارئا مستوردا من خارج الشريعة بل هو استنطاق لأبعاد عقلية كامنة فيها.

بل يمكن القول إنّ إحدى عبقريات ابن رشد في هذا الكتاب أنه لا يفصل بين "المعقول" و"المشروع". فليس كل ما يمكن للعقل أن يتصوره صالحا لأن يكون جزءًا من البناء الديني العام. ولهذا يظلّ وفيا لمقتضى الشرع من حيث هو خطاب هداية لا مجرد نسق ميتافيزيقي. إنّه يعرف أنّ الدين ليس كتابا في المنطق ولا في الطبيعيات وأنّ المقصود الأسمى منه هو هداية الإنسان إلى السعادة العملية والنظرية. غير أنّ هذه الهداية نفسها لا يمكن أن تستقيم إذا ساد فيها اضطراب المناهج. ولذلك كان إصلاح مناهج النظر في العقائد جزءا من إصلاح العمران المعرفي للأمة. وهنا يبدو ابن رشد قريبا من الروح المدنية للفلسفة الكلاسيكية حيث لا تكون الحقيقة شأنا فرديا محضا بل ركيزة لنظام المدينة واستقامة الاجتماع.

وهذا يقودنا إلى ملاحظة أخرى، وهي أنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مسألة معرفية محضة، بل له بعد تربوي وسياسي وثقافي. فحين ينتقد المتكلمين لأنهّم نشروا بين الناس أدلة لا يفهمونها فهو لا يشتكي فقط من ضعف البرهان بل من الأثر الاجتماعي لهذا الضعف. إنّ العقائد حين تُصاغ في قوالب جدلية عسيرة تنشأ عنها الفرق والانقسامات ويضعف اليقين ويحلّ محلّ الطمأنينة اضطرابٌ مذهبي لا ينتهي. لذلك كان ابن رشد حريصا على أن يردّ العامة إلى ما ينفعهم من ظاهر الشرع الصحيح وأن يردّ الخاصة إلى ما يليق بهم من البرهان وأن يمنع التداخل الفاسد بين المقامين. وهذه الفكرة في غاية العمق لأنها تجعل من تدبير المعرفة الدينية جزءا من تدبير السلم الرمزي داخل الجماعة.

وقد عبّر ابن خلدون بعده بقرون عن شيء من هذا المعنى حين رأى أنّ علم الكلام لما استقرّت العقائد وصار الإيمان مندرجا في تقاليد الأمة خفّت الحاجة إلى كثير من صنائعه الأولى وصار الاشتغال به على النحو الجدلي القديم قليل الجدوى إلا في مواطن مخصوصة. وعلى الرغم من اختلاف السياق بين الرجلين، فإنّ في كلام ابن خلدون صدى بعيدا للنقد الرشدي الذي كان يرى أنّ الإغراق في الجدل لا يبني يقينا راسخا بقدر ما يُنشئ عادات سجالية.

ويتضح أنّ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة ليس نصا ثانويا في المشروع الرشدي كما ظنّ بعضهم، بل هو من أكثر نصوصه التصاقا بجوهر معركته الفكرية. ففيه تتقاطع الفلسفة بالأصول والفقه بالكلام والتأويل بالبرهان. وفيه يظهر ابن رشد لا شارحا لأرسطو فحسب بل مفكرا مسلما كبيرا يسعى إلى تحرير العقل الديني من الانحباس داخل الصيغ التي حجبت فاعليته. إنّ "المعقول الديني" عنده ليس تسمية طارئة بل هو جوهر الرهان، أن يعود الدين مجالا للحقيقة المضيئة لا ساحةً للخصومات العمياء وأن يُفهم الوحي في ضوء ما أودعه الله في الإنسان من قوة النظر لا في ضوء ما راكمته المدارس من أغلال الجدل. وإذا كان هذا هو الإطار العام الذي تنتظم فيه بنية الحجاج في الكتاب، فإنّ الانتقال إلى تحليل المباحث الداخلية وبخاصة طريقة ابن رشد في نقد دليل الحدوث ثم بنائه لأدلة العناية والاختراع ثم معالجته لمسألة الصفات والتأويل والنبوة، يكشف بدرجة أوضح عن أن الرجل لا يبدّل الأدلة فقط، بل يبدّل تصورنا ذاته لماهية الدليل الديني. وهو ما يجعل الكشف نصا تأسيسيا في تاريخ العقلانية الإسلامية، لا لأنه يكرّر الفلسفة داخل الدين، بل لأنه يعيد اكتشاف المعقول الذي في صلب الدين نفسه.

إنّ الدخول إلى البنية الداخلية للحجاج في الكشف عن مناهج الأدلة يبيّن بجلاء أنّ ابن رشد لم يكن بصدد استبدال دليل بدليل فحسب، بل كان يباشر مراجعةً جذرية للكيفية التي تُبنى بها الحقيقة الدينية في الوعي الإسلامي. فالمسألة عنده لا تتعلق بمجرّد ترجيح مذهبي بين متكلم وفيلسوف وإنما تتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل والبرهان والجمهور. لذلك كان أول ما وجّهه بالنقد هو ذلك النمط من الأدلة الذي شاع عند المتكلمين تحت اسم "دليل الحدوث"، لأنّه رأى فيه مثالا ساطعا على انتقال العقيدة من فضاء البداهة الهادية إلى فضاء الصناعة الجدلية الملتبسة.

لقد أدرك ابن رشد أنّ دليل الحدوث كما صاغه المتكلمون سواء في صيغته المبنية على حدوث الأجسام أو في صيغته المتوسلة بإبطال التسلسل أو في وجوهه المتعددة القائمة على تقسيمات الجوهر والعرض، ليس دليلا صالحا لأن يكون أصلا عاما في تقرير الإيمان لا من جهة وضوحه ولا من جهة مطابقته لسنن الخطاب القرآني. فهو عنده دليل عسير المأخذ لا يسلكه إلا من تمرّس بالاصطلاحات المدرسية، ثم هو فوق ذلك ليس برهانيا خالصا بل جدليٌّ في أكثر مواضعه، لأن مقدماته نفسها ليست يقينية على النحو الذي يقتضيه البرهان. وحين تصبح المقدمات مظنونة أو مختلفا فيها فإنّ النتيجة لا تتجاوز رتبة الظن الغالب مهما اشتدّ التزويق المنطقي في عرضها. إنّ اعتراض ابن رشد ليس اعتراضا على استعمال العقل في إثبات الصانع بل اعتراض على عقلٍ لم يُحسن اختيار موضعه ولا مادته ولا صورته.

إنّ في هذا النقد بعدا منهجيا بالغ العمق، فابن رشد يميّز بين العقل من حيث هو قوة إدراك وبين "الصناعة" التي تنظّم هذه القوة وتمنعها من التخبّط. ولذلك فإنّ كثيرا مما يسميه الناس عقلا قد لا يكون عنده إلا توهّما عقليا أو شبهة منطقية لا ترقى إلى رتبة البرهان. وهو هنا يظلّ وفيا للميراث الأرسطي الذي يربط اليقين بنوع المقدّمات لا بمجرد صورة الاستدلال. وإذا كانت العقائد أصولا كبرى يُراد لها الرسوخ في النفس فإنّ بناءها على مقدمات دقيقة متنازع فيها يفضي إلى نقيض المقصود، لأنّ ما لا يرسخ إلا بصناعة شاقة سرعان ما يتزلزل بأدنى اعتراض. ويمكن هنا فهم حرصه على أن تكون الأدلة الدينية الكبرى أقرب إلى الفطرة وأظهر في الحسّ والنظر لأنّ ما كان أقرب إلى نظام الوجود وإلى التجربة الإنسانية أرسخ في النفس وأدعى إلى الطمأنينة.

على هذا الأساس ينتقل ابن رشد إلى ما يعدّه الطريق الأقوم في الاستدلال، وهو ما اصطلح عليه بـ"دليل العناية" و"دليل الاختراع". وهذان الدليلان لا ينبغي فهمهما على أنهما مجرد بديلين تقنيين عن دليل الحدوث، بل هما في الحقيقة ترجمة لرؤية مخصوصة للعالم وللعلاقة بين الإنسان والوجود. فدليل العناية يقوم على النظر في مناسبة الموجودات لوجود الإنسان وانتظامها على نحو يدلّ على قصد وحكمة وتقدير. ليس المقصود هنا مجرد المنفعة السطحية بل الكشف عن كون العالم مبنيا على نظام يمكن للعقل أن يدرك فيه جهة الغائية والملاءمة. فتعاقب الليل والنهار وتقدير الفصول وتناسب عناصر الحياة وتهيؤ الموجودات لما به قوام الإنسان والحيوان والنبات ليست عند ابن رشد مظاهر عشوائية، بل علامات على عناية سابقة في الوجود. وهنا يبدو قريبا من تلك الحكمة التي تجعل الكون كتابا مفتوحا للقراءة، لا كتلةً صمّاء من الوقائع.

أما دليل الاختراع فيقوم على النظر في نفس الموجودات من حيث تركيبها وصورها وخصائصها العجيبة التي تشهد بأنّها صادرة عن فاعل مبدع. فإذا كان دليل العناية ينظر إلى العالم من حيث ملاءمته وغائيته فإنّ دليل الاختراع ينظر إليه من حيث بناؤه وتكوينه وإبداع صورته. وبهذا المعنى يتكامل الدليلان، أحدهما يقرأ النظام من جهة الغاية والآخر يقرأه من جهة الصنعة. وكلاهما أقرب إلى البيان القرآني الذي يردّد النظر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير البحر وإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح وخلق الإنسان في أحسن تقويم. إنّ ابن رشد لا يبتدع هذين الدليلين من خارج النص بل يستنبطهما من صميم الحسّ القرآني في الاستدلال، ولذلك كان يراهما أصلحَ للعامة وأقربَ إلى الخاصة معا.

والحق أنّ هذا الموضع من أخصب مواضع الفكر الرشدي، فهنا لا يدافع عن الفلسفة باسم الفلسفة بل يبيّن أنّ الشرع نفسه أكثر عقلانية من المتكلمين الذين ظنّوا أنهم يحمونه. إنّ القرآن عنده لا يجرّد الإنسان من حسّه ولا يطالبه بالقفز فوق العالم إلى تصورات مجرّدة بل يربّيه على النظر في الموجودات باعتبارها آيات. والآية في بنيتها العميقة ليست "شيئا" فقط، بل "شيئا يدلّ". وهذا الانتقال من الشيء إلى دلالته هو عين الفعل العقلي. لذلك فإنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس تمرينا ذهنيا منفصلا عن الوجود بل هو فعل تأمّل في العالم بما هو مشحون بالمعنى. وهنا أيضا تتجلّى مسافة الرجل عن كل نزعة حرفية جامدة لأنّ الحرفية تقف عند ظاهر اللفظ كما تقف الحسّية الغافلة عند ظاهر الشيء بينما الرشدية تطلب باطن الدلالة من غير أن تنقض ظاهر الخطاب.

وإذا انتقلنا إلى مسألة الصفات الإلهية ظهر وجه آخر من وجوه إحكامه الحجاجي. فهذه القضية كانت من أعقد قضايا الكلام الإسلامي وأشدّها إنتاجا للانقسام المذهبي إذ تنازعتها اتجاهات التعطيل والتشبيه والتفويض والتأويل. وابن رشد لا ينخرط فيها على الطريقة الجدلية الموروثة بل يحاول ردّها إلى مقتضى الشرع ومقتضى البرهان معا. فهو يرى أنّ النصوص الواردة في الصفات لا يجوز أن تُفهم على نحو يفضي إلى التجسيم ولا على نحو يفضي إلى تعطيل مدلولاتها رأسا، وإنما تُفهم بحسب القاعدة التي تحفظ التنزيه وتراعي مستويات المخاطبين. فالشرع خاطب الجمهور بما يقرب إلى أفهامهم من غير أن يلزم من ذلك حمل الصفات على المعاني الحسية التي تليق بالمخلوقات. أما الخاصة الذين قام عندهم البرهان على تنزّه الباري عن مشابهة الحوادث فإنّهم يعلمون أنّ هذه الألفاظ جارية على سبيل التمثيل أو التقريب أو المجاز الذي تقتضيه اللغة الدينية في خطابها البشري، وهنا تتجلى دقة تصوره للتأويل. فالتأويل عنده ليس موقفا ميتافيزيقيا سابقا على النص بل هو نتيجة لقيام البرهان. فإذا ثبت برهان قطعي في باب من الأبواب امتنع حمل النص على ما يناقضه لأنّ الحق لا يتناقض. لكنّ هذا لا يفتح الباب لكل أحد أن يؤوّل بحسب هواه، لأنّ التأويل صناعة لها أهلها وحدودها ونشرها بين العامة فساد مضاعف. ولا يكون التأويل أداة لهدم الظاهر بل وسيلة لحفظ الحقيقة من أن تُفهم على وجه مستحيل. وقد أحسن ابن رشد هنا ضبط الموازنة بين حرمة النص وحرمة البرهان. فلا النص يُستباح باسم العقل ولا العقل يُلغى باسم الظاهر. وإذا كان الغزالي قد قال في بعض مقاماته إنّ "من ظنّ أنّ المنقول يعارض المعقول فقد ظنّ بالمصدرين جميعا سوءا"، فإنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك بجعل هذا التوافق أصلا بنيويا في فهم الدين لا مجرد حلّ اضطراري عند التعارض.

وتبلغ بنية الحجاج الرشدي درجة أعمق من الإحكام حين يتناول مسألة النبوة. فهو لا يتعامل معها باعتبارها معجزة خارقة فحسب، بل باعتبارها ضرورة في نظام الاجتماع الإنساني وفي كمال النوع البشري. فالإنسان عنده لا يكتمل بمجرد العقل النظري لأنّ أكثر الناس لا يطيقون إدراك الحقائق في صورتها البرهانية الخالصة. ومن هنا كانت النبوة رحمةً معرفيةً وتشريعيةً وتربويةً في آن. إنها تنقل الحقائق الكبرى إلى مستوى يمكن للجماعة البشرية أن تتلقاه في صورة أمثال وصور وتشريعات ومواعظ وعبادات. وتبدو النبوة عند ابن رشد ذروة الحكمة العملية الإلهية في تدبير البشر. إنها ليست نقيض العقل بل صورته العليا في أفق الهداية العامة. فالفيلسوف يدرك الحقيقة بالبرهان، أما النبي فيجمع إلى ذلك القدرة على تمثيلها للناس في صور تخاطب خيالهم وعقولهم وضمائرهم.

وهذا التصور يجعل من الدين بنيةً رمزيةً عميقة لا يمكن اختزالها في خطاب مفهومي مجرد. وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد من دعاة تحويل الشريعة إلى فلسفة مدرسية، لأنّه يعلم أنّ الحقيقة إذا نزعت عنها قدرتها على التمثيل والتخييل والتربية فقدت أثرها في الجمهور. وقد سبق الفارابي إلى تقرير هذا المعنى حين جعل الملّة محاكاةً فلسفيةً للحقائق النظرية بلغة المدينة، لكنّ ابن رشد يحرص على ألا يُفهم هذا في اتجاه ينتقص من الوحي أو يجعله مجرد صورة أدنى من الحقيقة. بل الحقيقة واحدة غير أنّ طرق إفادتها مختلفة بحسب المقامات. والنبوة ليست منزلة أدنى من البرهان بل هي نمط أعلى من الإفاضة الإلهية يجمع ما تفرّق في الصناعات البشرية.

أما في باب المعاد فإنّ ابن رشد يتجنب الانزلاق إلى تفصيلات جدلية أنهكت التراث وأنتجت خصومات لا تنتهي. فهو يثبت للشرع ما أثبته من الجزاء والسعادة والشقاء، لكنه لا يرى أن كل الصور الواردة في النصوص يجب أن تُحمل على ظاهر حسّي واحد عند جميع الناس. فالمقصد الأسمى هو تقرير المعنى الأخلاقي والوجودي للمعاد ، أي أنّ الإنسان ليس كائنا عابرا منقطع الصلة بمصيره وأنّ أفعاله مندرجة في نظام عدل كوني لا يضيع فيه خير ولا شر. وإذا كانت اللغة الدينية قد صاغت ذلك بصور محسوسة في كثير من المواضع فإنما فعلت ذلك لأنّ الجمهور لا ينهض أكثره إلى المعاني المجردة. أما أهل النظر فقد يدركون من هذه الصور ما وراءها من الحقائق المناسبة لمراتبهم. وبهذا يظلّ ابن رشد وفيا لقاعدته الكبرى، وحدة الحقيقة وتعدد طرائق التعبير عنها.

إنّ الذي يلفت النظر في كل هذه المباحث أنّ ابن رشد لا يسلك مسلك الهجوم الانفعالي على مخالفيه، بل يبني اعتراضه على قاعدة منهجية صارمة، فساد الدليل يفسد المدلول في الوعي ولو صحّ المدلول في نفسه، وهذا من أدقّ ما في فلسفته. فكم من حق أفسدته طرائق الدفاع عنه، وكم من عقيدة صحيحة أضعفتها صناعة سيئة. ولذلك كان همه منصبا على "تخليص" العقائد من الأدلة التي شوّهت صورتها. وهنا يتجاوز ابن رشد مجرّد الجدل المذهبي إلى ما يمكن تسميته أخلاقا للبرهان. فالبرهان ليس مجرد آلة معرفية بل هو أيضا مسؤولية حضارية لأنّ طريقة عرض الحقيقة قد تحفظها في الأمة أو تُفسدها في وجدانها.

ومن ثم فإنّ الكشف عن مناهج الأدلة ليس كتابا في الرد على الأشاعرة أو المعتزلة وحسب، ولا كتابا في التوفيق بين الحكمة والشريعة بالمعنى المدرسي الضيق، بل هو نصّ تأسيسي في إصلاح العقل الديني الإسلامي. إنه يعلن أن الأزمة ليست في وفرة النصوص ولا في ضعف الإيمان من حيث المبدأ، بل في سوء ترتيب العلاقة بين النصوص ومناهج فهمها. وما لم يُصلح هذا الموضع ظلّت الثقافة الدينية عرضة للتنازع بين حرفية تقتل المعنى وجدلية تقتل اليقين وفلسفة مغلقة على نخبويتها. أما الرشدية فإنها تقترح طريقا ثالثا أكثر توازنا، عقلٌ برهاني لا يستنكف عن الشرع وشرعٌ بياني لا يعادي البرهان.

ولعلّ هذه هي النقطة التي تجعل ابن رشد حاضرا في كل لحظة فكرية يُعاد فيها طرح سؤال الدين والعقل. فالرجل لا يقدّم وصفة جاهزة ولا يسلّمنا مذهبا مكتملا بقدر ما يعلّمنا فضيلةً منهجية، أن نفحص الطريق قبل أن نتشبث بالنتيجة وأن نميّز بين مراتب الخطاب قبل أن نعمّم أحكامنا وأن نعرف أنّ الدفاع عن الدين قد يكون أحيانا بإبعاد بعض المدافعين عنه عن صدارته المعرفية. وهذه جرأة نادرة لا يقدر عليها إلا من جمع بين التديّن العميق والثقة الصارمة في العقل.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مفهوم فلسفي بل هو رؤية للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس متلقيا سلبيا للوحي ولا صانعا مستقلا للحقيقة، بل هو كائن أُعطي من العقل ما يؤهله لفهم الدلالة، وأُعطي من الوحي ما يهديه إلى تمام المقصد. وإذا انفصل العقل عن الوحي استحال دهاءً باردا أو جدلا عقيما، وإذا انفصل الوحي عن العقل انقلب إلى ألفاظ تتنازعها الأهواء والظواهر. أما حين يلتقيان في أفقهما الصحيح فإنّ الدين يغدو معقولا من غير أن يفقد قدسيته ويغدو العقل متدينا من غير أن يفقد حريته، وفي هذا تكمن فرادة ابن رشد. ولم يكن همه أن يجعل الدين تابعا للفلسفة ولا أن يجعل الفلسفة خادمةً ذليلة للدين، بل أن يكشف عن المجال الذي يلتقي فيه الاثنان في صورة أرفع، صورة الحقيقة التي تتسع للبرهان وتفيض بالهداية. لذلك ظلّ الكشف كتابا يتجاوز زمانه لأنّه لا يعالج خلافات المدارس فقط، بل يمسّ السؤال الأبقى، كيف يمكن أن يكون الإيمان عقلانيا من غير أن يفقد حرارة الإيمان، وكيف يمكن أن يكون العقل وفيا للحقيقة من غير أن يتحول إلى خصم للمعنى؟.

إنّ ابن رشد أعاد للدين حقّه في أن يُفهم لا أن يُردَّد فقط، وأعاد للعقل حقّه في أن يهتدي لا أن يتسلّط، وأعاد للبرهان كرامته في ساحة امتلأت طويلا بصخب الجدل. لقد كان يرى أن الله الذي خلق العقل لا يمكن أن يشرع ما يهدمه وأن الشريعة التي جاءت لهداية الإنسان لا يمكن أن تؤسس ذاتها على ما يعجز أكثر الناس عن إدراكه أو يفضي إلى اضطرابهم. لذلك كانت عنايته بمناهج الأدلة عنايةً بجوهر الدين لا بهامشه وبمستقبل الثقافة الإسلامية لا بمسألة مدرسية عابرة.

وينتهي النظر في الكشف عن مناهج الأدلة إلى أن ابن رشد لم يكن يكتب في العقيدة وحسب بل كان يكتب في شروط إمكان العقل الديني نفسه. كان يفتّش عن دينٍ قادر على أن يسكن العالم من غير أن يستسلم له وعن عقلٍ قادر على أن ينظر في الوجود من غير أن يتكبّر على الوحي وعن لغةٍ تقدر أن تحمل الحقيقة إلى العامة والخاصة معا من غير أن تخونها. وتلك منزلة لا يبلغها إلا فكر كبير لأنّ الفكر الكبير ليس هو الذي يكثر من الأجوبة، بل الذي يعيد صياغة السؤال في مستوى أعمق. وابن رشد في هذا الكتاب لم يسأل فقط كيف نثبت العقائد؟ بل سأل قبل ذلك بأي عقل نثبتها وبأي خطاب نحفظها وبأي منهج نجعلها مصدرا للوحدة لا مادةً للفرقة.

لهذا السبب يظلّ الكشف نصا حيا في كل مشروع يروم تجديد النظر الديني من الداخل. إنه لا يمنحنا مجرد تراث نقرأه بل يهبنا معيارا نحاكم به طرائقنا نحن في التفكير والإقناع والتعليم. وحين نقرأه اليوم ندرك أنّ أزمتنا ليست بعيدة عن أزمته، ما زلنا نتنازع بين ظاهرية تضيق بالمعنى وبين عقلانية سطحية لا تعرف من العقل إلا الاعتراض. أما ابن رشد فيعلّمنا أنّ العقل الحق ليس خصومةً بل إنصاف، وأنّ الدين الحق ليس انغلاقا بل انكشاف، وأنّ البرهان إذا اقترن بالحكمة صار طريقا إلى السكينة لا إلى الشقاق.

***

د. حمزة مولخنيف

حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط

حين تلوح الفلسفة في أفق الحضارات الكبرى فإنها لا تظهر بوصفها علما من علوم النظر فحسب، بل تنبثق باعتبارها امتحانا دقيقا لمدى قدرة المجتمع على احتمال الحقيقة في صورتها العارية وعلى تدبير العلاقة الشائكة بين المعرفة وسلطتها وبين البرهان وحدود تداوله وبين النخبة العالمة والجماعة الحاملة للمعنى الديني والأخلاقي. وتغدو مسألة الفلسفة في المجال الإسلامي الوسيط أعمق من أن تُختزل في نزاع مدرسي بين الفقهاء والحكماء أو أن تُقرأ في ضوء ثنائية مكرورة بين العقل والنقل. فالأمر يتعلق في جوهره بسؤال ثقيل الوطأة، نافذ الأثر، متصل ببنية الاجتماع الإسلامي نفسه، كيف يمكن للمعرفة البرهانية أن تجد موطئ قدمها داخل مجتمع تشكّلت وحدته الرمزية في كنف الوحي وتحددت فيه مراتب القول وشرائط الفهم ومقامات التلقي على نحو بالغ الحساسية؟.

وفي قلب هذا السؤال ينهض ابن رشد بوصفه أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بطبيعة المعضلة وأشدها إدراكا لما يترتب عنها من آثار معرفية وسياسية وتربوية. فالرجل لم يقتصر جهده على الذب عن الفلسفة من تهم الزندقة والابتداع ولم يحصر همه في إقامة الصلح النظري بين الحكمة والشريعة، بل مضى إلى مستوى أبعد وأدق، وهو مستوى مساءلة شروط تعليم الفلسفة نفسها والبحث في حدود بثها وتعيين جمهورها والتمييز بين من يطيق حمل البرهان ومن يقف به الخطاب عند أفق التمثيل والإقناع. ويتجاوز ابن رشد صورة الشارح الكبير لأرسطو إلى صورة المفكر الذي أدرك أن الحقيقة لا تُقاس بمضمونها المجرد وحده، بل بما تقتضيه من آداب في التبليغ وما تستلزمه من حكمة في ترتيب الخطابات وما تستدعيه من فقه دقيق بمراتب العقول واختلاف قوى الإدراك.

ذلك أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن موضع بالغ الدقة في تاريخ العقل الإسلامي حيث تتقاطع مشروعية النظر البرهاني مع رهانات الاستقرار العقدي وتتداخل سلطة التأويل مع مسؤولية التعليم ويتحول السؤال عن الفلسفة من سؤال في الجواز إلى سؤال في الأهلية والوظيفة والمآل. فليس كل حق يقال على وجه واحد ولا كل معنى يودع في كل ذهن على السواء ولا كل حقيقة تنجو من الفساد إذا انتقلت من مقامها إلى غير مقامها. ومن ثم فإن البحث في حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لا يفضي إلى استعادة خصومة قديمة بين فقيه وفيلسوف بقدر ما يفضي إلى تفكيك بنية ثقافية كاملة كانت تصارع من أجل التوفيق بين مقتضيات الهداية العمومية ومطالب اليقين العقلي وبين وحدة الجماعة وحرية النظر وبين ظاهر النص وعمق التأويل.

وعلى هذا الأساس يعد النظر في مشروع ابن رشد بابا إلى فهم إحدى أعقد اللحظات في تاريخ الفكر الإسلامي، لحظة حاول فيها العقل البرهاني أن ينتزع لنفسه شرعية داخل فضاء شديد الانضباط وأن يؤسس لوجوده من غير أن يتحول إلى قوة تقويض أو مادة فتنة. وتنبع أهمية هذا الموضوع إذ يضعنا أمام سؤال يتجاوز سياقه الوسيط ليطال كل حضارة تتنازعها الحاجة إلى الحقيقة والخشية من آثارها، بأي قدر من الحكمة يُعلَّم العقل؟ وأين ينتهي حق المعرفة ويبتدئ واجب التدرج؟ وكيف تصان الفلسفة من خصومها ومن سوء صنيع بعض أهلها في آن واحد؟.

ليس من اليسير تناول موقع الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط من غير الوقوف طويلا عند المعضلة التي صاغها ابن رشد في صورة سؤال مضمر يجاوز مجرد الدفاع عن الحكمة إلى مساءلة شروط تداولها وحدود بثها وطرائق تعليمها ومجال المخاطبين بها. ذلك أن الإشكال عنده لم يكن محصورا في إثبات مشروعية النظر العقلي فحسب، بل كان متعلقا أيضا بتحديد من يحق له أن ينظر وكيف ينظر وبأي لغة يتلقى المعارف البرهانية. وتتبدى مسألة الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا بوصفها تفصيلا تعليميا عارضا بل باعتبارها عقدة نظرية تمس بنية الاجتماع الإسلامي الوسيط وتكشف عن توتر عميق بين الحقيقة ووسائطها وبين الحكمة وأهليتها وبين المعرفة ومآلاتها في المجال العمومي.

لقد كان ابن رشد يعيش في لحظة تاريخية شديدة الحساسية. فالفلسفة لم تكن حينئذ علما غريبا لم يلتفت إليه أحد بل غدت موضوع نزاع حاد بين المتكلمين والفقهاء والفلاسفة وأهل الحديث والمتصوفة. وكانت آثار أبي حامد الغزالي قد تركت في الوعي الإسلامي جرحا معرفيا لم يندمل. فهو وإن لم يهدم الفلسفة من أساسها كما يتوهم كثير من القراء فإنه زعزع ثقة الجمهور في الفلاسفة وأعاد ترسيم حدود المقبول من علومهم. وقد كان قوله في تهافت الفلاسفة ذا وقع بعيد: «نُكفِّرهم في ثلاث مسائل ونبدّعهم في سبع عشرة». وهذه العبارة لم تكن مجرد تقرير مذهبي بل كانت إعلانا عن خطورة انتقال بعض القضايا الفلسفية من حيز الدرس الخاص إلى فضاء الاعتقاد العام. لذلك فإن ابن رشد حين تصدى للرد في تهافت التهافت لم يكن يدافع عن أرسطو أو الفارابي أو ابن سينا فقط بل كان يدافع عن إمكان قيام حقل برهاني داخل حضارة يهيمن عليها منطق البيان والجدل.

غير أن دفاعه هذا لم يتخذ صورة تبشير مفتوح بالفلسفة لعامة الناس، وهنا تظهر مفارقته الكبرى. فابن رشد الذي قرر في فصل المقال أن «الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له» هو نفسه الذي شدد على خطورة كشف التأويلات البرهانية لغير أهلها. وليس هذا تناقضا في بنية المشروع الرشدي كما قد يتوهم بعض الدارسين بل هو عين منطقه الداخلي. ذلك أن الرجل كان يميز بصرامة بين مراتب العقول وطرائق التصديق وأنماط الخطاب. فالناس عنده ليسوا سواء في تحصيل اليقين ولا في القدرة على حمل المعاني الكلية المجردة. إن الحقيقة الواحدة قد تتعدد سبل عرضها بحسب طبائع المتلقين من غير أن يعني ذلك تعدد الحقيقة في ذاتها. وهذه الفكرة هي المفتاح الأساس لفهم إشكالية الجمهور الفلسفي عنده.

إن ابن رشد في هذا الباب وريث مباشر للتقسيم الأرسطي لأنماط البرهان والإقناع. فليس كل خطاب برهانيا بالمعنى الدقيق. هناك البرهاني الذي يخاطب الخاصة القادرين على استيفاء المقدمات الضرورية واستنباط النتائج على وجه لا يتطرق إليه الشك. وهناك الجدلي الذي يقوم على المشهورات والمقبولات ويصلح للمناظرات الكلامية والفقهية. وهناك الخطابي الذي يعتمد التمثيل والتخييل والتأثير الوجداني وهو الأليق بمخاطبة الجمهور الواسع. وقد استثمر ابن رشد هذا التمييز داخل الحقل الشرعي نفسه، فالشرع عنده خاطب الناس جميعا بحسب مراتبهم. وفي ذلك يقول في معنى قريب: إن الشرع دعا إلى الاعتبار والنظر لكنه لم يكلّف الناس جميعا بطريق واحد في تحصيل المعرفة. فمنهم من يصدق بالبرهان ومنهم من يصدق بالجدل ومنهم من يصدق بالخطابة. وليس المقصود هنا تفضيل صنف على آخر أخلاقيا بل بيان اختلاف القوى الإدراكية.

وهذه الفكرة تجد لها صدى بعيدا في التراث الإسلامي نفسه. فالشافعي حين تكلم على مراتب الفهم في الرسالة كان واعيا بأن الخطاب الشرعي لا يتلقاه الناس على درجة واحدة. والجويني في البرهان والغياثي كان يميز بين طبقات النظار والعوام. وأبو حامد الغزالي نفسه قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «اعلم أن الحق الصريح الذي لا مرية فيه عند أهل البصائر أن الخوض في هذا العلم حرام على أكثر الخلق». وليس بين هذا وبين موقف ابن رشد من حيث البنية العامة تباين مطلق وإن اختلفت المقاصد والمقدمات. فالغزالي يخشى فساد العقائد من الكلام كما يخشى ابن رشد فسادها من إساءة عرض البرهان. لكن الفرق الجوهري أن الغزالي يجعل الاحتياط مفضيا إلى تضييق أفق الفلسفة بينما يجعل ابن رشد الاحتياط نفسه شرطا لحفظ الفلسفة لا لإلغائها.

إن سؤال الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا ينهض على احتقار العامة كما يذهب إليه بعض القراءات المتعجلة بل على تصور إبستمولوجي واجتماعي معا. فالمعرفة البرهانية عنده ليست قابلة للتعميم المباشر لأنها مشروطة بملكة مخصوصة وبرياضة عقلية طويلة وبقدرة على احتمال التجريد. وإذا انتقلت إلى غير موضعها تحولت من علم إلى فتنة. وقد صرح في فصل المقال بمعنى بالغ الدلالة حين قال إن من صرح بالتأويلات لغير أهلها «فقد دعاهم إلى الكفر». هذه العبارة شديدة القوة ولا يمكن فهمها إلا في سياق إدراكه العميق للفارق بين الحقيقة في ذاتها والحقيقة من حيث تلقيها الاجتماعي. فالفكرة الصحيحة إذا وردت على ذهن غير مهيأ قد تنقلب إلى سبب للإنكار والاضطراب. ولذلك كان يرى أن كثيرا من خصومات الفلاسفة مع الجمهور إنما نشأت من سوء الوساطة لا من فساد المقاصد.

إن هذا الوعي بالوساطة المعرفية يجعل ابن رشد فيلسوفا سياسيا بقدر ما هو شارح لأرسطو. فهو يعلم أن الاجتماع الديني لا يقوم على البرهان وحده بل يحتاج إلى الرموز الجامعة والصور التمثيلية والمقاصد العملية التي تحفظ النظام الأخلاقي والمدني. وقد كان أفلاطون قبله قد لمح إلى شيء قريب حين جعل المدينة لا تنتظم إلا إذا عرفت طبقات النفوس ودرجات الاستعداد للحكمة. وفي الجمهورية لا تُعطى الفلسفة لكل أحد لأن «أكثر النفوس إذا ذاقت منها شيئا يسيرا فسدت». وأرسطو نفسه لم يكن يرى أن التعليم الفلسفي الأول يصلح لكل الناس على السواء. ثم إن الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة والملة أقام تمييزا حاسما بين الحقيقة الفلسفية وتمثلاتها الملية. فالمعقولات البرهانية تتجسد في صور تخييلية لكي تصير قابلة للتداول العمومي. وقد كان ابن رشد وارثا لهذا الخط وإن كان أقل ميلا إلى البناء اليوتوبي وأكثر التصاقا بالمشكل الفقهي والسياسي الواقعي.

غير أن المثير في المشروع الرشدي أن هذا التمييز بين الخاصة والعامة لا ينتهي إلى قطيعة معرفية مطلقة بل إلى توزيع وظيفي للخطاب. فالجمهور ليس خارج الحقيقة من حيث المآل وإنما هو يتلقاها في صورة تناسب طاقته الإدراكية. لذلك لم يكن ابن رشد يدعو إلى إنشاء نخبة مغلقة تتملك الحقيقة وتحتكرها على نحو باطني كما قد يفعل بعض الاتجاهات الإشراقية أو الباطنية. بل كان يرى أن الشريعة نفسها قد تضمنت الحقيقة على أنحاء مختلفة. فالظاهر للعامة والباطن للراسخين في العلم. وهذه الصيغة ليست بعيدة عن الآية المؤسسة: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ على أحد وجوه القراءة المعروفة. كما أنها تتجاوب مع مقولات قديمة عند ابن عباس وغيره في تمييز مستويات الفهم. ولعل ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله» يمثل خلفية ثقافية عميقة لهذا المنزع. فالمسألة ليست كتمانا للحقيقة بل مراعاة لأهلية المتلقي.

ونفهم هنا لماذا كان ابن رشد شديد النقد لأولئك الذين خلطوا بين الصناعات وأفسدوا نظام التعليم. فهو يرى أن المتكلمين من جهة والفلاسفة غير المحكمين من جهة أخرى أسهموا في تشويش المجال العمومي. أما المتكلمون فلأنهم نقلوا مسائل دقيقة إلى جمهور لم يُخلق لها وجعلوا العقائد محل منازعات جدلية لا تنتهي. وأما بعض المنتسبين إلى الفلسفة فلأنهم لم يلتزموا البرهان الصارم بل مزجوا بين الظن واليقين وبين الحكمة والجدل. ولهذا كان ابن رشد في مواضع كثيرة أكثر قسوة على «أهل الكلام» لا لأنهم استعملوا العقل بل لأنهم استعملوه استعمالا غير منضبط في نظره. وهو هنا قريب من أرسطو في نفوره من السفسطة، فليست كل دعوى عقلية عقلانية بالفعل. وقد قال أرسطو في التحليلات ما معناه إن البرهان لا يقوم إلا على مبادئ أولى ضرورية. فإذا غابت الضرورة حضر التوهم.

وإذا تأملنا هذا الموقف في ضوء البنية الثقافية للمجتمع الإسلامي الوسيط أدركنا أن ابن رشد كان يواجه معضلة مزدوجة. فمن جهة كان عليه أن يثبت شرعية الفلسفة داخل أفق ديني تهيمن فيه سلطة النص وعلومه، ومن جهة أخرى كان عليه أن يحول دون تحول الفلسفة إلى مادة اضطراب اجتماعي أو ذريعة اتهام عقدي. ولهذا جاءت لغته في فصل المقال حذرة جدا. فهو لا يقول إن كل أحد مأمور بالنظر البرهاني بل يقول إن الشرع أوجب النظر على من كان من أهله. وهذه العبارة الدقيقة تؤسس لما يمكن تسميته فقه الأهلية المعرفية. فكما أن الفقهاء يميزون بين مراتب التكليف والقدرة والاستطاعة يميز ابن رشد بين مراتب النظر العقلي والاستعداد البرهاني. وليس غريبا أن يصوغ دفاعه عن الفلسفة بلغة فقهية أصولية لأن المعركة لم تكن نظرية مجردة بل كانت معركة مشروعية داخل فضاء تهيمن عليه أدوات الفقه والجدل.

ولئن كان بعض الدارسين المعاصرين قد رأى في هذا التمييز نزعة أرستقراطية معرفية فإن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم ابن رشد بمقاييس حديثة نشأت في سياقات مغايرة. ففكرة تعميم التعليم الفلسفي على النحو الذي نتصوره اليوم لم تكن متاحة لا من حيث البنية المؤسسية ولا من حيث مفهوم المعرفة ذاته. لقد كان العلم في المجتمع الوسيط مرتبطا بالإجازة والتدرج والصناعة والملكة. ولم يكن مجرد مضمون يُنقل بل هيئة نفسية تُكتسب. وابن خلدون بعد ابن رشد بقرون سيقول في المقدمة إن «العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة» وأن الملكات لا تحصل إلا بالتدرج والتكرار والمباشرة. وسيبين أن التعليم إذا تجاوز طاقة المتعلم أورثه العجز. وهذا المعنى بعينه نجده عند ابن رشد في صورة أرقى وأشد التصاقا بمشكل الفلسفة. فليس كل من سمع قولا فلسفيا صار فيلسوفا كما أن سماع مسائل الخلاف لا يجعل المرء فقيها.

ومع ذلك فإن الموقف الرشدي لا يخلو من توتر داخلي بالغ العمق. فإذا كانت الحقيقة واحدة والشرع داعيا إلى النظر وكانت الفلسفة واجبة على من استكمل شروطها فكيف يمكن للمجتمع أن يضمن تكوين هذا الجمهور الخاص من غير أن يفتح باب الفلسفة على نحو أوسع؟ وإذا كان إخفاء التأويلات عن العامة لازما صيانةً للإيمان فكيف تتجدد النخبة البرهانية جيلا بعد جيل؟ هنا تنكشف إحدى أعقد الإشكالات في المشروع الرشدي. فهو من جهة يريد حفظ التراتب المعرفي ومن جهة أخرى يحتاج إلى مؤسسات تعليمية تنتج أهل البرهان. لكن المجتمع الذي يضيق بالفلسفة أو يرتاب فيها لا يوفر بسهولة شروط هذا الإنتاج. إن الدفاع عن الفلسفة عند ابن رشد يظل معلقا بين مثال نظري دقيق وواقع سياسي مضطرب.

لقد أدرك ابن طفيل هذا التوتر بطريقة رمزية في قصته الفلسفية حي بن يقظان. فحي يبلغ الحقيقة بالعقل الخالص ثم يلتقي بالمجتمع ممثلا في أبصال وسلامان. وحين يحاول أن ينقل ما أدركه إلى الجمهور يكتشف أن أكثر الناس لا يحتملون ذلك. فيرجع إلى العزلة بعد أن يوقن أن للناس منازل وأن «الحكمة لا تعطى إلا لأهلها». هذه الثيمة ليست بعيدة عن ابن رشد الذي قدم لكتاب ابن طفيل وعرف مشروعه. بل يمكننا القول إن حي بن يقظان يقدم المشهد الرمزي لما يعالجه فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة معالجة نظرية مباشرة. ففي الحالتين نحن أمام السؤال نفسه: كيف تُصان الحقيقة حين تدخل المجال العمومي؟ وكيف يظل الدين جامعا للأمة من غير أن يتحول إلى خصومة تأويلية لا قرار لها؟.

إن ابن رشد في عمق مشروعه لا ينظر إلى الجمهور بوصفه كتلة جاهلة يجب استبعادها بل بوصفه مكونا ضروريا في انتظام المدينة الدينية. فالجمهور هو حامل الملة ووعاء العادات والفضائل العملية. وما تحتاجه المدينة ليس أن يتحول الجميع إلى فلاسفة بل أن تستقيم العلاقة بين البرهان والشرع وبين الخاصة والعامة على قاعدة التكامل لا التنازع. ولعل هذا ما يفسر قوله الضمني إن الشرع جاء بتعليم الجمهور على وجه خطابي وتمثيلي لا لأن الخطاب الخطابي أدنى قيمة مطلقا بل لأنه الأوفق بوظيفة الهداية العامة. وقد كان ابن سينا قد لمح إلى هذا المعنى حين قرر أن الأنبياء يخاطبون الجمهور بالأمثال والصور لأن «التصريح بالحقيقة المجردة لا تحتمله العامة». لكن ابن رشد يذهب أبعد من ابن سينا في ضبط هذه الفكرة ضمن أفق فقهي وسياسي أكثر صرامة.

ويتبين  لنا أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد ليست هامشا في مشروعه بل هي قلب المسألة. إنها النقطة التي تتقاطع فيها نظرية البرهان مع سياسة المعرفة وفقه التأويل وبنية الاجتماع الإسلامي الوسيط. ومن غير فهم هذا التقاطع يغدو الدفاع الرشدي عن الفلسفة مبتورا أو مشوها. فهو ليس دعوة مطلقة إلى إطلاق الفلسفة في الفضاء العام ولا هو رضوخ كامل لمنطق المنع والتحريم. إنه محاولة دقيقة لتأسيس مشروعية الحكمة داخل نظام ديني مدني مع الاعتراف بأن للحقيقة شروطا في التعليم والتلقي لا يجوز القفز عليها. وهذا ما يجعل ابن رشد أقرب إلى فيلسوف التوازنات الدقيقة منه إلى داعية عقلانية ساذجة أو باطنية مغلقة.

وفي هذا المستوى بالذات تنفتح أمامنا أسئلة أشد عمقا، هل كان ابن رشد يؤسس لنوع من النخبوية المعرفية الضرورية أم أنه كان يسجل مأزق الحضارة التي لم تستطع أن تحول الفلسفة إلى ثقافة عمومية؟ وهل كان احترازه من الجمهور حلا مرحليا فرضته ظروف عصره أم أنه مبدأ بنيوي في تصوره للمعرفة؟ ثم إلى أي حد أسهم هذا الاحتراز نفسه في تضييق دائرة الفلسفة داخل المجال الإسلامي بدل توسيعها؟ تلك أسئلة لا يمكن معالجتها من غير تفكيك تصوره لمراتب التصديق ولنقده لعلم الكلام ولطبيعة العلاقة بين التأويل والسلطة الدينية والسياسية. وهو ما يقتضي أن نواصل النظر في النص الرشدي نفسه وفي شروطه التاريخية وفي أثره اللاحق داخل الإسلام والغرب اللاتيني على السواء.

غير أن استيعاب إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا يكتمل إلا إذا تجاوزنا الصيغة العامة التي عرضها في فصل المقال إلى النظر في البنية الداخلية التي تنتظم بها العلاقة بين البرهان والتأويل والسلطة المعرفية. فابن رشد لم يكن معنيا بمجرد الدفاع عن حق الفيلسوف في التفكير وإنما كان معنيا أكثر من ذلك بتحديد الشرط الذي يجعل التفكير الفلسفي ممكنا من غير أن ينقلب إلى قوة هدم داخل المجال الديني والمدني. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يشتغل في عمق نصوصه ليس هل يجوز تعليم الفلسفة؟ بل لمن يجوز؟ وكيف يجوز؟ وبأي لغة يجوز؟ وما الحد الذي إذا تجاوزته الفلسفة في خطابها العمومي تحولت من أداة تحرير إلى سبب اضطراب؟.

هنا تحديدا يتعين استحضار الكشف عن مناهج الأدلة لأنه النص الذي تتجلى فيه حساسية ابن رشد تجاه المجال العمومي الديني. ففي هذا الكتاب لا يكتفي بانتقاد المتكلمين من جهة قصور مناهجهم البرهانية بل يتهمهم ضمنا بأنهم أفسدوا على الجمهور عقائدهم حين نقلوا قضايا دقيقة إلى ساحة النزاع. إن الذي يزعج ابن رشد في الكلام ليس فقط كونه لا يبلغ اليقين البرهاني بل كونه يخلط بين مقام التعليم ومقام الجدل. فالجمهور يحتاج إلى ما يرسخ المعنى الإيماني ويؤسس الاستقامة العملية، بينما يأتي المتكلم فيجرّه إلى مساحات من الاحتمال لا يملك أدوات حسمها،  حيث إن علم الكلام عنده لا يفسد الفلسفة وحدها بل يربك الدين نفسه من حيث هو نظام هداية عمومية.

وهذا الاعتراض في غاية العمق لأن ابن رشد لا يهاجم مضمون الكلام بقدر ما يهاجم وضعيته التداولية. فالقضية ليست في صحة القول أو فساده فقط بل في ملاءمة القول لمقامه. إن العبارة إذا خرجت من مقامها فسدت وإن كانت في ذاتها حقا. وهذا من أبلغ ما وعاه ابن رشد في مسألة التعليم. فالحقيقة لا تقاس عنده بمضمونها المجرد وحده بل بقدرتها على أن تُعطى في صورتها المناسبة. وفي هذا المعنى يبدو كأنه يزاوج بين نظرية في الصدق ونظرية في الحكمة العملية. وليس بعيدا عن هذا ما نجده عند أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس حين يقرر أن الدقة لا تطلب في كل شيء على السواء وأن طلب اليقين في غير موضعه جهل بطبيعة الموضوع. فإذا كان لكل موضوع منهجه فإن لكل جمهور أيضا مستوى من الخطاب يليق به.

وتكتسب ثنائية الظاهر والباطن عند ابن رشد معناها الدقيق، فهي ليست ثنائية سرية بالمعنى الباطني الذي يجعل النص الشرعي قناعا لمعنى آخر لا يعرفه إلا المصطفون، وإنما هي ثنائية وظيفية تقوم على أن النص الواحد يحتمل مراتب من الفهم تبعا لمراتب العقول. فالمعنى الظاهر ليس باطلا ولا مجرد حيلة خطابية، بل هو حق في مرتبته لأنه يؤدي وظيفة الهداية العامة ويحفظ انتظام الجماعة. والمعنى المؤول ليس نقضا له بل تعميق له عند من استكمل آلة البرهان. لذلك كان ابن رشد شديد الحذر من التأويل المنفلت، فهو لا يجيز التأويل إلا حيث قام البرهان القطعي على أن الظاهر غير مراد. أما إذا لم يوجد البرهان فالوقوف مع الظاهر أولى. وهذا الشرط يكشف أن التأويل عنده ليس لعبا حرا للمعنى بل عملية مقيدة بمنطق صارم.

ويظهر الفارق الحاسم هنا بين ابن رشد وكثير من التيارات التي جعلت التأويل أداة لإنتاج سلطة معرفية مغلقة. فالتأويل عنده ليس امتيازا اجتماعيا خالصا بل استحقاق برهاني. وليس الراسخ في العلم من احتكر الرمز بل من استوفى شروط النظر. ولهذا فإن النخبة الرشدية ليست نخبة نسب أو سلطة أو قداسة بل نخبة صناعة عقلية. وهذه نقطة جديرة بالتشديد لأنها تميز مشروعه عن كثير من أنماط التراتب المعرفي في التراث. إن الخاصة عنده ليست طائفة مقدسة بل فئة متمرسة. وقد كان هذا في ذاته ضربا من عقلنة السلطة المعرفية داخل الثقافة الإسلامية الوسيطة.

غير أن هذه العقلنة لا تلغي الطابع الإشكالي للموقف، إذ ما دام التأويل محصورا في أهل البرهان فإن إمكان اتساع دائرة الفلسفة يظل مشروطا بوجود بنية تعليمية وثقافية قادرة على تكوين هؤلاء، وهذا ما لم يكن متاحا دائما. بل لعل المجتمع الذي كان ابن رشد يتحرك داخله كان قد بدأ بالفعل يفقد شروط التوازن بين علوم الشرع وعلوم النظر. فالتحول السياسي في الأندلس والمغرب وتصلب المجال العقدي وتزايد الحساسية تجاه الفلسفة جعل الفيلسوف مضطرا إلى أن يكتب دفاعه في صورة احترازية. ومن ثم فإن مشروعه يحمل في طياته مفارقة مؤلمة، إنه يدافع عن الفلسفة من داخل شروط تضيق عليها، ولذلك لم يكن غريبا أن ينتهي مصيره الشخصي إلى المحنة والنفي وحرق بعض كتبه. إن سيرة ابن رشد ليست حادثة عرضية منفصلة عن نظريته في الجمهور بل هي في وجه من الوجوه برهان تاريخي على صعوبة التوفيق بين الحقيقة البرهانية والفضاء العمومي حين يختل ميزان الثقافة والسياسة.

ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الرشدية اللاتينية ازدهرت في الغرب المسيحي الوسيط في الوقت الذي كان فيه حضورها في المجال الإسلامي يتقلص. فالنص الرشدي وجد في الجامعات اللاتينية مؤسسة تؤهله للتداول المدرسي والتعليق والنقاش، أما في المجال الإسلامي فقد بقي محاصرا بحدود الريبة أو الاستعمال الجزئي. وليس معنى ذلك أن الإسلام كان عدوا جوهريا للفلسفة كما روجت بعض السرديات الاستشراقية الساذجة، بل معناه أن البنية المؤسسية التي تسمح للفلسفة بأن تصير صناعة تعليمية مستقرة لم تتكرس على النحو نفسه. وقد لمح محمد عابد الجابري في غير موضع إلى أن مأساة ابن رشد لم تكن مأساة رجل فقط بل مأساة «العقل البرهاني» حين عجز عن أن يصير تقليدا مؤسسا داخل الثقافة العربية الإسلامية. ومع أن الجابري قرأ ابن رشد في أفق مشروعه النهضوي المعاصر فإن ملاحظته في هذا الباب تظل ذات قيمة، الفلسفة لا تعيش بالعبقرية الفردية وحدها بل تحتاج إلى حاضنة تداولية.

وإذا رجعنا إلى أصل الإشكال أمكن القول إن ابن رشد كان يقاوم نزعتين متقابلتين كلتاهما مدمرة. النزعة الأولى هي تعميم ما لا يعمم، أي نقل المعاني البرهانية المجردة إلى غير أهلها باسم تحرير العقل. والنزعة الثانية هي منع ما ينبغي أن يوجد، أي حجب النظر البرهاني نفسه باسم حماية الإيمان. وبين هذين الحدين يحاول أن يبني طريقا وسطا شديد الدقة. فالبرهان لا بد منه لأن الشرع لا يعادي العقل بل يدعو إليه. لكن البرهان لا يتحول إلى خطاب عمومي مباشر لأن الاجتماع لا يقوم على اليقين الفلسفي وحده. ويفهم من هذا أن ابن رشد لم يكن فيلسوف عقلانية تجريدية صماء، بل كان واعيا بالبنية الرمزية والأخلاقية والسياسية التي ينتظم بها العالم الديني.

وهذا الوعي يجعله أقرب إلى فيلسوف تربية بقدر ما هو فيلسوف برهان. فتعليم الفلسفة عنده ليس مجرد نقل مسائل المنطق والطبيعيات والإلهيات، بل هو تربية على ملكة مخصوصة. ولذلك فإن الحد الفاصل بين الخاصة والعامة ليس معرفيا فقط بل تربوي أيضا. إن الفيلسوف لا يتكون بالاطلاع بل بالتدرج والمران والتطبع بالصناعة. وهذا ما يجعل السؤال عن «الجمهور الفلسفي» سؤالا في إمكان التربية العقلية داخل الحضارة. هل تستطيع المدينة الإسلامية الوسيطة أن تنتج مواطنين قادرين على تلقي البرهان من غير أن تهدد تماسكها الرمزي؟ هذا هو السؤال الذي لم يصرح به ابن رشد دائما لكنه حاضر في كل سطر من مشروعه.

وفي هذا الموضع يمكن أن نستحضر ابن خلدون مرة أخرى، فهو حين تحدث عن العلوم العقلية لم ينكرها من حيث الأصل لكنه قرر أن ازدهارها رهين بشروط عمرانية دقيقة. وإذا ضعفت تلك الشروط ضعفت العلوم ذاتها. وهذا التحليل العمراني يضيء ما كان عند ابن رشد في صورة حدس فلسفي وسياسي. فالفلسفة لا تنمو في الفراغ، إنها تحتاج إلى استقرار مدني وإلى مؤسسات تعليم وإلى تقاليد نقاش وإلى قدر من التسامح المعرفي. وإذا غابت هذه العناصر صارت الحكمة إما معزولة في دوائر ضيقة وإما متهمة في أصلها. ولذلك فإن حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط ليست حدودا نصية فحسب بل هي حدود تاريخية ومؤسسية أيضا.

غير أن القراءة الدقيقة للموقف الرشدي تمنعنا من السقوط في اختزال آخر لا يقل خطرا وهو اعتبار الرجل مجرد ممثل لسياسة الكتمان. فهذا تبسيط لا يليق بمشروعه. ابن رشد لم يدع إلى دفن الفلسفة بل إلى تنظيم تداولها، ولم يقل إن الجمهور لا حق له في الحقيقة بل قال إن الحقيقة تعطى له في الصيغة التي تحفظ غايتها الهداية لا البلبلة. ولم يجعل الشرع خصما للبرهان بل قرر أن البرهان أحد وجوه الوفاء لمقصد الشرع في دعوة الإنسان إلى الاعتبار. إن ما يرفضه ابن رشد ليس انفتاح العقل بل الفوضى المعرفية. ولهذا كان يمكن اعتباره من زاوية ما فيلسوفا لـ«أخلاق التعليم». فالمدرس الحق عنده ليس من يعلن كل ما يعلم في كل مقام، بل من يزن القول بميزان الحقيقة والمصلحة والقدرة على الفهم.

وفي هذا المعنى تستعيد العبارة المنسوبة إلى سفيان بن عيينة معناها العميق: «ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم نور يضعه الله في القلب». فالملكة مقدمة على التكديس. وليس بعيدا عنها قول الجاحظ في معنى قريب إن المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وموافقة الحال. وقد كان ابن رشد من هذا الجنس من المفكرين الذين يدركون أن الفكرة لا تُقاس بصحتها المجردة فقط بل أيضا بقدرتها على أن تجد موضعها الصحيح في نظام الثقافة. إن أزمة الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لم تكن في جوهرها أزمة تعارض بسيط بين العقل والنقل كما تحب بعض القراءات التبسيطية أن تردد، بل كانت أزمة تنظيم للمجال المعرفي وأزمة توزيع للسلطة التأويلية وأزمة ثقة بين الصناعات العلمية المختلفة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس هل أخطأ ابن رشد حين قيد تعليم الفلسفة أم أصاب، بل هل كان يملك في سياق عصره بديلا أكثر واقعية؟ لو دعا إلى تعميم الفلسفة بلا قيد لربما عجل بإعدامها الرمزي والمؤسسي. ولو رضي بمنطق المنع لكان قد خان أصل مشروعه. فاختار الطريق الأصعب، أن يفتح الباب ويضع عليه حراسة معرفية. وهذا الاختيار وإن بدا للبعض محافظا فإنه في سياقه التاريخي كان من أجرأ أشكال الدفاع عن العقل، لأن الجرأة ليست دائما في الهتاف المعلن، بل قد تكون في بناء الشروط الدقيقة التي تسمح للفكرة بأن تعيش.

إن ابن رشد هنا يقدم لنا درسا يتجاوز زمنه، فكل حضارة تواجه بطريقتها الخاصة معضلة العلاقة بين المعرفة المتخصصة والجمهور الواسع، وكل مجتمع يسأل نفسه وإن بصيغ مختلفة، ما الذي ينبغي أن يعمم؟ وما الذي يحتاج إلى تدرج؟ وما الفرق بين الحق في المعرفة والقدرة على استيعابها؟ وما حدود المسؤولية الأخلاقية للمعلم حين يتعامل مع قضايا قد تهز التصورات الراسخة؟ وإذا كان السياق الحديث قد وسع إمكانات التعليم وأعاد تعريف الجمهور فإن أصل الإشكال لم يختف. بل لعله ازداد تعقيدا مع الانفجار الإعلامي وسرعة تداول الأفكار خارج مؤسسات التكوين الصارم. ومن هذه الزاوية يبدو ابن رشد معاصرا لنا على نحو مدهش، فهو ينبهنا إلى أن المعرفة إذا خرجت من نظامها التربوي قد تتحول إلى شبهة أو أيديولوجيا أو ضجيج.

إن القيمة الحقيقية للموقف الرشدي لا تكمن في تقسيم الناس إلى خاصة وعامة فحسب، بل في وعيه بأن الحقيقة لا تحيا في الذهن وحده بل في شروط تداولها. إن البرهان في ذاته لا يكفي إذا لم يجد لسانه الملائم وسياقه التربوي ومؤسسته الحاضنة. والحكمة ليست مجرد امتلاك للنتائج بل معرفة بطرق الإيصال. ولهذا كان ابن رشد في العمق مفكرا في «سياسة الحقيقة»، لا بمعنى التلاعب بها بل بمعنى صيانتها من سوء الاستعمال. لقد فهم أن أعظم ما يهدد الفلسفة ليس فقط عداؤها الخارجي بل أيضا سوء تقديمها من أهلها أنفسهم حين ينسون أن لكل مقام مقالا وأن للمعرفة أدبا لا يقل أهمية عن مضمونها.

إن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن وجه من أكثر الوجوه تعقيدا في تاريخ العقل الإسلامي. فهي لا تحيلنا إلى معركة سطحية بين فقيه وفيلسوف ولا إلى ثنائية مستهلكة بين النص والعقل بل تضعنا أمام سؤال أعمق، كيف يمكن للحقيقة البرهانية أن تسكن مدينة دينية من غير أن تهدمها ومن غير أن تُدفن تحت تراب التحريم؟ لقد كان جواب ابن رشد مشروطا بعصره لكنه لم يكن عابرا. إنه جواب يقوم على أن الفلسفة ضرورة وأن الشريعة لا تناقضها وأن التأويل حق لمن استحقه وأن التعليم مسؤولية قبل أن يكون كشفا وأن الجمهور ليس خصما للحقيقة بل مخاطبا بها على قدر طاقته.

ولعل مأساة هذا الجواب أنه كان أرقى من شروطه التاريخية. فقد وُلد في زمن كانت فيه الحاجة إلى البرهان عظيمة لكن الاستعداد الاجتماعي لاحتماله محدودا. ولذلك بقي ابن رشد شاهدا على إمكان لم يكتمل. إمكان أن تتصالح الحضارة الإسلامية مع أعلى أشكال العقل من غير أن تفقد بنيتها الروحية. إمكان أن يكون الفيلسوف فقيها في طرق التعليم كما يكون الفقيه عاقلا في حدود الظاهر. إمكان أن يُبنى المجال العمومي على توازن لا يقصي الحكمة ولا يبتذلها. وإذا كانت الرشدية قد لمعت في الغرب بوصفها تقليدا شارحا ومؤسسا، فإنها في المجال الإسلامي بقيت أشبه بنداء لم يُستوفَ صداه كله.

إن القيمة الباقية لابن رشد لا تقاس بما تحقق من مشروعه وحده، بل بما كشفه من عمق المعضلة. لقد علّمنا أن الفلسفة لا تموت فقط حين تُحارَب بل قد تموت أيضا حين تُلقى إلى غير أهلها بلا تدرج ولا صناعة. وعلّمنا أن الدفاع عن العقل لا يكون بالصخب بل ببناء شروطه. وعلّمنا أخيرا أن المجتمع الذي يريد حكمة حية لا يكفيه أن يمدح الفلاسفة بعد موتهم، بل عليه أن يؤسس في قلبه فضاءً تتعايش فيه مراتب الخطاب من غير قطيعة وتتكامل فيه الهداية مع البرهان ويُصان فيه الحق من أن يتحول إلى فتنة أو إلى صنم. ويستعيد ابن رشد هنا مكانته لا بوصفه شارح أرسطو فقط، بل بوصفه مفكرا في مصير الحقيقة حين تدخل التاريخ.

***

د. حمزة مولخنيف

من التفسير الغائي إلى انتظام العالم

في تاريخ الفكر الفلسفي تحتل الطبيعة مقاما يتجاوز حدود الموضوع المعرفي إلى مرتبة الأصل الذي تُوزَن به قدرة العقل على النفاذ إلى بنية الوجود. فكلُّ نظرٍ في الطبيعة ينطوي في العمق على امتحانٍ خفيٍّ لمشروعية البرهان وعلى مساءلةٍ دقيقة لمعنى النظام، وعلى استنطاقٍ متواصل للعلاقة التي تصل الموجود بتعقّله والحركةَ بمبدئها والكثرةَ بوحدتها. ومن ثَمّ غدت الطبيعة في ضمير الفلسفة الكبرى موضعا تنكشف فيه منزلة الإنسان من العالم، كما تنكشف فيه منزلة العالم من الحكمة؛ إذ لا يستقيم للعقل أن يطمئن إلى نفسه إلا في كونٍ تُدرك أجزاؤه بعللها وتُفهم حوادثه بسننه وتُقرأ مظاهره على ضوء انتظامٍ باطنٍ يردّ الكثرة إلى نسق والتفرق إلى تأليف والتبدل إلى قانون.

وعلى هذا الأفق الموشّى بكثافة الأسئلة وصرامة النظر، ينهض فكر ابن رشد بوصفه أحد أصفى التعبيرات الفلسفية عن معقولية العالم وأحد أمتن المحاولات التي شُيِّدت في الثقافة الإسلامية لإعادة وصل الطبيعة بالعقل والكون بالحكمة والبرهان بالإيمان. فالرجل لم يقف عند حدود الشرح المدرسي لأرسطو ولم يتعامل مع الموجود الطبيعي على أنه مادةٌ مبذولةٌ للحس أو حشدٌ من الوقائع المتجاورة، بل قرأه من داخل بنيته واستنطق حركته من داخل عللها، وردّ تفرّق ظواهره إلى مبدأ انتظامٍ يجعل العالم قابلا لأن يُفهم وجديرا بأن يُتخذ سبيلا إلى معرفة ما فوقه. وفي هذا تتحدد قيمة المشروع الرشدي، طبيعةٌ تنكشف بوصفها نظاما ونظامٌ يُفضي إلى حكمة وحكمةٌ لا تُنال بإبطال الوسائط بل بإحكام النظر فيها.

وتزداد هذه الرؤية عمقا إذا استُحضر السياق الجدلي الذي تشكّلت فيه. فقد كان ابن رشد يكتب في زمنٍ اشتدّ فيه النزاع حول معنى السببية وحول موقع الطبائع من الفعل الإلهي وحول إمكان ردّ العالم إلى سننٍ مطردة أو إلى تعاقبٍ منقطعٍ للحوادث. لذلك جاءت فلسفته في الطبيعة مشروطةً بمعركةٍ فكرية كبرى، موضوعها الحقيقي أوسع من الفيزياء وأبعد من وصف الظواهر؛ إذ كانت معركةً حول صورة العالم في العقل، أهو عالمٌ تُمسك به العلل وتضبطه القوانين وتخترقه الغايات، أم مجالٌ للانفصال، يتعذّر فيه الوثوق برباط الأسباب، ويضيق فيه أفق البرهان؟ ولعل الدفاع عن الطبيعة عنده معنىً يتجاوز البحث في العناصر والحركات إلى الدفاع عن كرامة العقل نفسه، لأن العقل لا يُثبت جدارته إلا في كونٍ يقبل الفهم ولا يُظهر قوته إلا في عالمٍ يحمل في باطنه قابليةَ الانتظام.

ولهذا ارتبط مفهوم الطبيعة في فلسفة ابن رشد ارتباطا وثيقا بمفهوم الغاية لا على جهة الزيادة الخطابية أو التلوين اللاهوتي، بل على جهة التأسيس البنيوي لمعنى الموجود الطبيعي. فالموجود في الأفق الرشدي لا يُستوفى بالنظر إلى مادته ولا يُستكمل بوصف صورته ولا يُفهم تماما بردّه إلى علته الفاعلة وحدها، بل يطلب في حقيقته جهةً رابعةً تمنح حركته معناها، وتكشف عن الوجه الذي به ينتظم الفعل في سياق الكمال. وقد اكتسب الغائية في فلسفته دلالةً مركزية؛ لأنها تُخرج الوجود من رتبة الوقائع المتراكمة إلى رتبة البنية المقصودة وتُعيد وصل الجزئي بالكلي وتفتح الطريق أمام قراءة العالم لا باعتباره مشهدا متبدّلا فحسب، بل باعتباره أثرا متماسكا لحكمةٍ تسري في أجزائه وتنتظم بها مراتبه وتغدو معها الطبيعة مرآةً كاشفةً عن عقلانية الوجود. وإذا كان الفكر الفلسفي قد عرف منذ أرسطو تقاليد متباينة في فهم الطبيعة، فإن خصوصية ابن رشد تتجلى في قدرته على الارتقاء بهذا الإرث إلى صياغةٍ جديدةٍ أكثر تماسكا في الجمع بين الدقة البرهانية والرهان الحضاري. فالمسألة عنده لا تتعلق ببيان كيفية حدوث الأشياء فحسب، بل تمس صورة الإنسان عن العالم الذي يسكنه وعن الحقيقة التي يطلبها وعن الإله الذي يستدل عليه. لأن عالما بلا نظام لا يورث علما، وعالما بلا علل لا يورث برهانا، وعالما بلا انتظام لا يورث حكمةً، بل يورث حيرةً لا تنتهي. أما العالم الذي تتساند فيه الحركات وتتآزر فيه الأسباب وتنتظم فيه الموجودات بحسب مراتبها فهو وحده العالم الذي يسمح للعقل أن يعبر من الظاهر إلى الباطن ومن الأثر إلى المؤثّر ومن الطبيعة إلى ما يجعل الطبيعة نفسها ممكنةً ومفهومةً.

من هذا المدخل تنفتح القراءة الرشدية للطبيعة بوصفها أفقا فلسفيا بالغ الثراء، تتقاطع فيه الفيزياء مع الميتافيزيقا ويتعانق فيه البرهان مع التأويل ويتحول فيه النظر في العالم من رصدٍ للظواهر إلى استكشافٍ لمعمار الوجود. ويغدو الانتقال من التفسير الغائي إلى انتظام العالم انتقالا من ملاحظة الوظائف الجزئية إلى إدراك النسق الكوني ومن تعليل الحركة في أفراد الموجودات إلى فهم الحركة في كلية العالم، ومن الوقوف عند ظاهر الطبيعة إلى النفاذ نحو معقوليتها الباطنة. وعلى هذا الأساس يتحدد مقصد هذا المقال المتواضع، مساءلة الكيفية التي صاغ بها ابن رشد مفهوم الطبيعة ضمن رؤيةٍ تجعل العالم نظاما معقولا وتجعل من انتظامه برهانا على حكمةٍ متعالية، من غير أن تُفرغ الموجودات من طبائعها أو تُعطل العلل في مراتبها أو تُحول القدرة الإلهية إلى نقيضٍ للنظام الذي به يقوم العالم ويُعرف.

ليس النظر في الطبيعة عند ابن رشد ترفا نظريا منفصلا عن صميم مشروعه الفلسفي ولا هو مجرد تلخيص شارحٍ لفلسفة أرسطو في العالم الإسلامي، بل هو موضعُ التقاءٍ دقيق بين الأنطولوجيا والفيزياء والإلهيات وأصول النظر العقلي في الموجودات. ذلك أن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مجموعا مبعثرا من الظواهر التي تُدرَك بالحس وحده، ولا ميدانا للفوضى أو المصادفة المطلقة، وإنما هي بنيةٌ محكومةٌ بقوانين مشدودةٌ إلى علل ومفصَّلةٌ وفق ترتيب يكشف عن معقولية العالم وانضباطه. ومن هنا كانت الطبيعة عنده أقرب إلى أن تكون “كتابا” آخر للوجود، تُقرأ صفحاته بمناهج البرهان كما تُقرأ آيات الوحي بمناهج التأويل الرشيد، ولهذا كان ابن رشد شديد الإصرار على أن فساد النظر في الطبيعة يفضي لا محالة إلى فساد النظر في الإلهيات لأن من عجز عن فهم انتظام الأثر تعذّر عليه إدراك حكمة المؤثِّر.

إن ما يميز المشروع الرشدي في هذا الباب هو أنه لا يتعامل مع الطبيعة بوصفها معطى خاما، بل بوصفها نظاما معقولا؛ أي إن الموجود الطبيعي عنده لا يُفهم من حيث هو واقعٌ فحسب، بل من حيث هو قابلٌ للتعليل ومن حيث هو حاملٌ لانتظام داخليّ يشي بأن الوجود ليس حادثا على سبيل العبث ولا قائما على محض التجاور العشوائي. وهذا المعنى هو الذي يجعل ابن رشد وريثا أمينا لأرسطو من جهة ومصححا لكثير من الانحرافات التي أدخلها المتكلمون وبعض الفلاسفة على معنى السببية والطبيعة من جهة أخرى. ولعل عبارة أرسطو الشهيرة “الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا” تمثل المفتاح المنهجي الأوضح لفهم الرؤية الرشدية للعالم، إذ تلقّاها ابن رشد لا بوصفها جملةً مدرسية مكرورة، بل بوصفها مبدأً كاشفا عن البنية العميقة للموجودات الطبيعية وعن امتناع رد العالم إلى المصادفة أو الفوضى أو الإرادة المنفصلة عن الحكمة.

لقد كان ابن رشد يدرك بحسّ الفيلسوف والمتكلم معا، أن السؤال عن الطبيعة هو في جوهره سؤال عن العقلانية الكامنة في الوجود. فإذا كانت الطبيعة تجري على سنن مطردة وإذا كانت الموجودات تصدر عن أسباب محددة وإذا كانت صور الأشياء ووظائفها ومآلاتها قابلة للفهم، فإن ذلك لا يعني فقط إمكان العلم بل يعني أيضا أن العالم نفسه مؤسَّس على نحوٍ معقول. 

ولهذا لم يكن غرضُه من شرح كتب أرسطو في السماع الطبيعي والسماء والعالم والكون والفساد مجرّدَ خدمةِ التراث اليوناني، بل كان يسعى إلى ترسيخ قاعدةٍ كبرى، مؤدّاها أن البرهان على الله وعلى العناية وعلى الحكمة لا يمرّ عبر خرق النظام الطبيعي، بل عبر فهمه. فالإعجاز في نظر العقل الرشدي لا يتمثّل في إبطال السببية بل في انكشافها في أتمّ صورها؛ إذ كلّما ازداد النظام إحكاما ازداد العقل اقترابا من إدراك الحكمة الكلية التي يفيض عنها الوجود. وهنا يتبيّن أن التفسير الغائي في فلسفة ابن رشد ليس عنصرا زائدا على التفسير الطبيعي ولا هو تسرّبٌ لخطابٍ لاهوتيّ إلى قلب الفيزياء، كما قد تتوهّم بعض القراءات الحديثة ذات النزعة الاختزالية، بل هو الوجه الأكمل للتفسير الطبيعي نفسه. فالعلة الغائية عنده ليست بديلا من العلة الفاعلة أو الصورية أو المادية وإنما هي المبدأ الذي يهب سائر العلل معناها، لأن المادة لا تُفهم إلا من حيث قابليتها للصورة والصورة لا تُفهم إلا من حيث تحقّقها في الفعل، والفعل لا يُفهم إلا من حيث توجّهه إلى غاية. لذلك كان أرسطو يرى وكان ابن رشد يؤكّد بإلحاحٍ أشدّ أن إنكار الغاية ليس مجرّد حذفٍ لنوعٍ من أنواع العلل، بل هو تقويضٌ للنسق التفسيري برمّته، إذ يغدو العالم عندئذٍ سلسلةً من الوقائع المتجاورة بلا مقصد، وجملةً من الحركات التي لا يربط بينها شيءٌ سوى التعاقب الأعمى. 

ولعل هذا ما يفسر شدة ابن رشد في نقده للاتجاهات التي فرّغت الطبيعة من فاعليتها الداخلية. فهو يعترض على المتكلمين وبخاصة الأشاعرة، لا لأنهم أثبتوا القدرة الإلهية بل لأنهم – في نظره – أثبتوها على حساب الحكمة والنظام، فجعلوا العادة تحل محل الطبيعة والانفصال يحل محل السببية والحدوث المنفصل يحل محل الاتصال الكوني. إن العالم بحسب هذا التصور لا يعود نسقا متماسكا، بل يصير تجمعا لحوادث متجاورة لا ضرورة بينها ولا علية في باطنها ولا رابطة إلا إرادة تُحدِث الأشياء على التوالي من غير أن يكون في الأشياء أنفسها مبدأٌ للترابط. وقد رأى ابن رشد في هذا التصور تهديدا مزدوجا، تهديدا للعلم لأنه يبطل إمكان استقراء القوانين؛ وتهديدا للإيمان العقلي لأنه يجعل العالم أقل دلالة على الحكمة. فالله – في التصور الرشدي – لا يُعظَّم بإبطال الوسائط بل يُعظَّم بإحكامها؛ ولا يُعرَف بخرق النظام على الدوام بل يُعرَف من خلال انتظامه. ولذلك كان دفاعه عن الطبيعة دفاعا عن السببية بقدر ما هو دفاع عن العناية. ومن اللافت أن بعض الدراسات المعاصرة قد نبهت إلى أن ابن رشد يعدّ مبدأ الغائية أصلا أساسيا في الفيزياء والميتافيزيقا معا، وأنه يرى أن إنكار القصدية في الطبيعة يُفضي إلى إبطال سائر العلل، بل وإلى تعذر البرهنة على عناية الله بالموجودات السفلية؛ لأن المادة لأجل الصورة والصورة بفعل الفاعل والفاعل إنما يفعل من أجل غاية . وهذا المعنى وإن بدا أرسطيّ الجذر إلا أنه في الصياغة الرشدية يكتسب كثافةً لاهوتية وفلسفية خاصة إذ يتحول من مجرد مبدأ في تفسير الحركة إلى أساسٍ في إثبات التناسب بين العقل والوجود.

إن الطبيعة بهذا الاعتبار ليست عند ابن رشد قوةً عمياء. وقد كان تعريف أرسطو للطبيعة بأنها “مبدأ الحركة والسكون في الشيء من حيث هو هو” حاضرا في خلفية البناء الرشدي، لكن ابن رشد وسّع هذا التعريف عمليا حين قرأه ضمن شبكة العلل الأربع. فالشيء الطبيعي لا يتحرك لأنه متحرك فحسب، بل لأنه يحمل في ذاته مبدأً صوريا يوجّه مادته نحو كمال مخصوص. البذرة لا تصير شجرةً بمحض المصادفة ولا الجنين يصير كائنا حيا على سبيل التجاور الاعتباطي بل لأن في الطبيعة انتظاما يجعل الممكنات تتجه إلى كمالاتها بحسب استعداداتها. وهذا ما جعل أرسطو يقول إن الفن يحاكي الطبيعة لا العكس؛ لأن الطبيعة أسبق من الصناعة وأعمق نظاما منها. وابن رشد يلتقط هذه الإشارة ليجعل منها برهانا على أن النظام الطبيعي أشدّ إحكاما من النظام الصناعي، لأن الطبيعة تفعل من الداخل بينما الصناعة تفعل من الخارج.

ويكتسب القول الغائي في هذا المنحى عند ابن رشد معنىً دقيقا ينبغي تحريره من سوء الفهم الشائع. فالغائية هنا ليست إسقاطا نفسيا لنية بشرية على الكون ولا هي تشبيهٌ ساذج للطبيعة بفاعلٍ يقصد كما يقصد الإنسان في أفعاله الإرادية الجزئية وإنما هي تعبيرٌ عن انتظامٍ بنيويّ يجعل أجزاء الموجود تتوجه نحو وظائفها وكمالاتها في إطار الكل. وهذا المعنى قريب مما سيلمح إليه لاحقا ابن ميمون في حديثه عن حكمة الخلق وما سيؤكده توما الأكويني في قوله الشهير: “إن الأشياء التي تفتقر إلى المعرفة تتجه إلى غاية كما لو كانت موجهة من عقل”. غير أن ابن رشد أسبق منهما في جعل هذا المعنى متولدا من تحليل الطبيعة نفسها، لا مفروضا عليها من خارجها. فهو لا يبدأ من اللاهوت لينتهي إلى الطبيعة بل يبدأ من الطبيعة بوصفها مجالا للبرهان، ثم يرتقي منها إلى ما وراءها.

ومن أعمق ما في التصور الرشدي أنه يربط بين الغائية وانتظام العالم ربطا لا يسمح بفصل الجزئي عن الكلي. فالعالم ليس عنده مجرد تجميعٍ لطبائع متفرقة، بل هو كلٌّ مترابط تتساند فيه الحركات وتتواشج فيه العلل ويؤدي فيه الأعلى وظيفةً في انتظام الأدنى. ولهذا كان النظام الكوني عنده قائما على تدرجٍ أنطولوجي وحركيّ من المحركات السماوية إلى عالم الكون والفساد بحيث لا تُفهم الحوادث الأرضية إلا في إطار النظام الأوسع الذي يضمها. وقد أبرزت بعض القراءات المعاصرة لهذا الجانب أن ابن رشد طوّر في ضوء شرحه لأرسطو، تصورا يجعل السلسلة الكونية متصلةً على نحوٍ يحفظ مبدأ العناية الإلهية ويقاوم فكرة الانقطاع أو البداية الاعتباطية للفعل، إذ إن أثر العلة الأولى لا يتأخر عن عليتها، والنظام الكوني لا يحتمل إرادةً أزلية تُحدث فعلا زمانيا منفصلا من غير واسطة نظامية . وهنا يظهر الفارق الجوهري بين ابن رشد وبعض المتكلمين في فهم القدرة الإلهية. فالمتكلم الذي يبالغ في نفي الطبائع يظن أنه ينزّه الله بينما ابن رشد يرى أن هذا النفي يُضعف دلالة العالم على الله. فالقدرة التي لا تقترن بالحكمة قد تُنتج تصورا عن إلهٍ يفعل كيفما اتفق، أما القدرة المقترنة بالنظام فتُنتج تصورا عن إلهٍ حكيمٍ جعل الوجود قابلا للفهم. وليس غريبا والحال هذه أن يلح ابن رشد على أن النظر في الموجودات مأمورٌ به شرعا، لأن الشرع – في أفقه – لا يدعو إلى الإعراض عن العلل بل إلى اكتشافها. وكم تبدو هنا عبارته في فصل المقال ذات دلالة بالغة حين يجعل “الاعتبار” هو استنباط المجهول من المعلوم وهو بعينه عمل البرهان. فالتفكر في العالم ليس مجرد خشوع وجداني بل هو اشتغال عقلي على معقولية الطبيعة.

ولذلك فإن الانتقال من التفسير الغائي إلى مفهوم انتظام العالم ليس انتقالا من جزء إلى جزء بل من مبدأٍ تفسيريّ إلى رؤيةٍ كونية شاملة. فحين نقول إن العين للإبصار وإن الرئة للتنفس وإن النبات يتجه إلى تمام صورته فإننا لا نصف فقط وظائف جزئية، بل نكشف عن قانونٍ عام وهي أن الوجود الطبيعي ليس مبنيا على اللامبالاة. وهذه الفكرة نفسها هي التي ستجد صداها مع اختلاف السياقات في كلمات أفلاطون عن “النفس التي تنظم العالم”، وفي قول الرواقيين إن الكون محكوم بـ لوغوس نافذ وفي تصريح ليبنتز بعد قرون بأننا نعيش في “أفضل العوالم الممكنة” لا بمعنى التبسيط الساذج، بل بمعنى أن العقلانية شرطٌ لفهم الوجود. غير أن ابن رشد يظل متميزا لأنه يصوغ هذه الرؤية في قلب الجدل بين الفلسفة والكلام وبين البرهان والجدل وبين السببية والعادة. وليس من قبيل المصادفة أن يكون نقده لابن سينا في بعض المواضع متصلا أيضا بهذه المسألة؛ لأن ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه كل تصور يهدد التوازن بين الإمكان في المادة والانتظام في الفعل. فهو يقبل أن في العالم السفلي مجالا للعارض والاتفاق، لكنه لا يسمح بأن يتحول الاتفاق إلى أصلٍ مفسر للوجود. والحق أن هذا من أدق جوانب نضجه الفلسفي؛ إذ لم يقع في حتمية ميكانيكية صماء ولم ينزلق إلى فوضى كلامية تُبطل السنن. فالعارض موجود لكن وجوده نفسه لا يُفهم إلا على خلفية القاعدة؛ والاستثناء لا يظهر إلا لأن النظام هو الأصل. وقد أشارت دراسات متخصصة في فلسفته الطبيعية إلى أن ابن رشد يعارض جعل الأفعال الطبيعية متساوية في الإمكان على الدوام لأن ذلك يفضي إلى أن تعمل الطبيعة “بلا قاعدة” و“عبثا”، وهو ما يرفضه بوصفه نقيضا لروح الفيزياء الأرسطية والرؤية الرشدية معا .

إن الطبيعة عند ابن رشد ليست مجرد “موضوع” للعلم بل هي شرط إمكان العلم ذاته؛ لأن العلم لا يقوم إلا حيث يوجد انتظام ولا يثمر البرهان إلا حيث تكون للموجودات طبائع وللأحداث أسباب وللأشكال غايات وللكل بنية تسمح بالانتقال من المشاهدة إلى الفهم. ولهذا فإن الدفاع عن الطبيعة في الفلسفة الرشدية ليس دفاعا عن مادةٍ فيزيائية، بل هو دفاع عن العقل نفسه وعن مشروعية البرهان وعن إمكان الانتقال من المحسوس إلى المعقول ومن النظام إلى الحكمة ومن العالم إلى مبدئه.

إن بلوغ ابن رشد لفكرة الطبيعة بوصفها نظاما معقولا لا يكتمل عند حدود تحليل الموجودات الجزئية ولا عند بيان وظائف الأعضاء والأشكال والكائنات، بل يرتفع إلى أفقٍ أرحب تتداخل فيه الفيزياء بالإلهيات ويتحول فيه انتظام العالم من مجرد وصفٍ للظواهر إلى برهانٍ على البنية العاقلة للوجود. فالطبيعة في هذا المستوى الأعلى من النظر ليست فقط مجالا تتبدّى فيه الغايات، وإنما هي أيضا أثرٌ متصل لعلةٍ أولى لا تعمل على نحوٍ متقطع ولا تُحدِث العالم على هيئة الفجاءة الاعتباطية، بل تفيض عنه الموجودات بحسب مراتبها وتنتظم الحركات بحسب درجاتها وتترابط الكائنات ضمن شبكة من الوسائط تحفظ للعالم وحدته وللبرهان مشروعيته.

ولهذا كان ابن رشد شديد العناية بمسألة العلة الأولى لا من حيث هي قضية ميتافيزيقية مجردة، بل من حيث هي المفتاح الذي يفسر كيف يكون العالم منتظما من غير أن يكون مستقلا عن مبدئه وكيف يكون خاضعا لقوانين ثابتة من غير أن يتحول إلى نسق مغلق على ذاته. فالعلة الأولى عنده ليست فاعلا ميكانيكيا يباشر الأشياء كما يباشر الصانع مصنوعاته من خارجها، وليست إرادةً منفصلة تتدخل كيفما اتفق فتقطع روابط الأشياء بعضها ببعض وإنما هي مبدأٌ أعلى يهب الوجود نظامه ويمنح الحركة معناها ويجعل الكثرة مشدودةً إلى وحدة. وهذا ما يفسر أن ابن رشد على خطى أرسطو، فقد جعل المحرك الأول موضوعا للفكر من حيث هو غايةٌ أكثر منه من حيث هو دافعٌ حركيّ بالمعنى الحسي. فالعالم يتحرك شوقا إلى الكمال، لا دفعا أعمى من خلفه، والحركة الكونية في عمقها ليست صدمةً بل انجذاب.

وتكتسب الحركة السماوية في التصور الرشدي وظيفةً فلسفية تتجاوز الفلك القديم بوصفه علما للأجرام، لتصبح عنصرا مركزيا في فهم انتظام العالم. فالسماء عند ابن رشد ليست مجرد سقفٍ للعالم السفلي بل هي رتبةٌ أعلى من الوجود تنتظم حركاتها على نحوٍ أشد كمالا وتكون واسطةً بين المبدأ الأول وبين عالم الكون والفساد. والحركة الدورية المنتظمة للأفلاك ليست في هذا الإطار مجرد وصفٍ هندسيّ، بل هي الشاهد الأوضح على أن النظام أصلٌ في الوجود، وأن ما يقع في العالم السفلي من تعاقب الفصول ونمو النبات وتولّد الحيوان وتبدل الأمزجة، ليس إلا أثرا لذلك النسق الأعمّ الذي يربط الأدنى بالأعلى.

إن العالم عند ابن رشد ليس مجزّأً إلى إقليمين متباعدين: عالم إلهيّ لا يمسّ الطبيعة، وطبيعةٌ صماء تعمل وحدها؛ كما أنه ليس عالما تذوب فيه الطبيعة في الإلهي حتى تفقد خصائصها وقوانينها. بل هو بنيةٌ متصلة تتفاوت فيها مراتب الموجودات دون أن تنقطع وتتعالى فيها المبادئ دون أن تنفصل. ولعل هذا هو السر في أن ابن رشد كان حريصا على مقاومة كل تصور يجعل الفعل الإلهي منافسا للفعل الطبيعي؛ لأن المنافسة لا تقع إلا بين علتين من رتبة واحدة، أما إذا كان أحدهما مبدأً أعلى والآخر واسطةً داخلة في نسق التأثير، فإن إثبات الثاني لا ينفي الأول بل يؤكده. وهنا يبلغ النسق الرشدي درجةً من الدقة جعلت بعض الدارسين يعدّونه من أعمق المحاولات في الفكر الوسيط للتوفيق بين سيادة الله وثبات السنن من غير الوقوع في جبرية لاهوتية ولا في استقلال طبيعي. ولأجل هذا كان نقده للمصادفة والاتفاق نقدا يتجاوز الاعتراض العلمي إلى الاعتراض الميتافيزيقي. فهو لا ينكر أن في العالم ما يبدو اتفاقا ولا يرفض أن تقع حوادث لا تكون مقصودةً بالذات من الفاعل الطبيعي، لكنه يرفض أن يُجعل الاتفاق أصلا يُفسَّر به النظام أو أن تُجعل المصادفة بديلا عن العلة. إن الاتفاق عنده لا يكون إلا عرضا على أصل ولا يظهر إلا في مجالٍ تحكمه قاعدة، ولذلك فإن رد انتظام العالم إلى المصادفة يشبه رد القصيدة المحكمة إلى تناثر الحروف أو رد العمارة المتناسقة إلى تهاوي الأحجار على غير قصد. وما أبلغ ما يفهم من الروح الأرسطية هنا، إن ما يقع دائما أو في الأكثر لا يجوز أن يُحمل على الاتفاق لأن الاتفاق لا ينتج دواما ولا يؤسس تكرارا ولا يصنع نسقا.

وقد كان هذا المبدأ حاسما في معركة ابن رشد مع بعض النزعات الكلامية التي وسّعت مجال الإمكان حتى كادت تبتلع به نظام الطبيعة. فالقول إن كل شيء جائز على السواء في كل لحظة وإن النار لا تحرق بطبعها وإن الماء لا يروي بطبيعته وإن الترابط بين الأشياء مجرد تعاقبٍ عادي لا رابطة ضرورية فيه، ينتهي – في نظره – إلى تسويةٍ بين الممكن والممتنع وبين المنتظم والعشوائي وإلى نزع الثقة من الحس والعقل معا. فإذا لم تكن الأشياء تدل على طبائعها ولم تكن الأفعال تصدر عن أسبابها بطل الاستدلال، وصار العالم لغزا غير قابل للفهم. وها هنا تتجلى عبقرية ابن رشد في أنه لم يدافع عن السببية دفاعا تقنيا فحسب، بل جعلها جزءا من كرامة العقل. فالعقل لا يكون عقلا إلا إذا كان العالم معقولا؛ وإذا كان العالم لا يحمل في ذاته قابليةً للربط بين المقدمات والنتائج فإن البرهان كله يتحول إلى وهمٍ لغوي لا أكثر.

ولهذا لم يكن دفاعه عن انتظام العالم منفصلا عن دفاعه عن البرهان بوصفه أرفع مراتب النظر. فالعامة قد يكتفون بظاهر المشاهدة وأهل الجدل قد يكتفون بالاحتمال، أما الفيلسوف البرهاني فلا يطمئن إلا إلى ما يكشف عن الضرورة أو عما يقاربها في حدود الموجود الطبيعي. والطبيعة لا تُعطي نفسها دفعةً واحدة بل تنكشف على قدر ما يُحسن العقل ترتيب النظر فيها. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد يلحّ على أن كثيرا من الأخطاء في الإلهيات إنما منشؤها فسادٌ في الطبيعيات؛ لأن من لم يُحسن فهم الحركة والزمان والمكان والعلية والاتصال والانفصال، تعذّر عليه أن يبني تصورا سليما عن المبدأ الأول وعلاقته بالعالم. إن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مرحلةً دنيا تُطوى سريعا للوصول إلى اللاهوت، بل هي المعبر الضروري إليه. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل التفسير الغائي عنده متجاوزا للاستخدام الساذج الذي شاع عند بعض اللاهوتيين المتأخرين. فابن رشد لا يقول إن الأشياء منظمة إذن هناك منظِّم على نحوٍ خطابيّ مباشر، بل يشرع في تحليل البنية الداخلية للموجود الطبيعي، كيف تتحدد المادة بالصورة وكيف تنزع الصورة إلى فعلها وكيف لا يكون الفعل مفهوما إلا بغاية وكيف تتآزر العلل الجزئية ضمن كلٍّ أوسع، ثم كيف يستحيل أن يستمر هذا الترتيب من غير مبدأٍ أعلى يضمن اتساقه. فالبرهان عنده لا يقفز من المظهر إلى النتيجة بل يصعد عبر درجات المعقولية نفسها. ولذلك كانت فلسفته الطبيعية أصلب من كثير من “براهين النظام” السطحية التي اكتفت بإبراز التناسق الخارجي دون تحليل ماهيته. ولئن كان بعض المحدثين قد اتهموا الفكر الغائي بأنه يعوق العلم فإن النظر الدقيق في ابن رشد يكشف عكس ذلك تماما. فالغائية عنده لا تلغي البحث في الأسباب القريبة بل تحفز عليه؛ لأنها تجعل كل موجود قابلا للسؤال عن “لِمَ” لا عن “كيف” فقط. وما من شك أن سؤال “كيف” ضروريّ في وصف العمليات، لكنه يظل ناقصا إذا لم يُرفد بسؤال “لِمَ” الذي يكشف عن الوظيفة والتناسب والبنية والاتجاه. بل إن كثيرا من العلوم الحديثة نفسها وإن تحررت من الصياغات الأرسطية القديمة لم تستغنِ تماما عن لغة الوظيفة والتنظيم والانتظام وإن غيّرت أفقها المفهومي. إن قيمة ابن رشد اليوم لا تكمن في تفاصيل نموذجه الكوسمولوجي بل في دفاعه الجذري عن أن العالم ليس كتلةً من الوقائع وإنما هو نسيج من المعاني الطبيعية.

ولعل من أبهى ما في نسقه أنه يجعل العناية الإلهية متجليةً في انتظام العالم لا في فوضاه. فالعناية ليست عنده سلسلةً من التدخلات الاستثنائية التي تُظهر القدرة عبر تعطيل القوانين بل هي نفسُ القوانين من حيث إنها موضوعةٌ على وجه الحكمة. فأن يكون للنار إحراقٌ وللماء إرواءٌ وللأرض ثقلٌ وللأفلاك نظامٌ وللأحياء طبائعُ تؤدي وظائفها، فذلك أبلغ في الدلالة على العناية من عالمٍ تتبدل فيه الصفات كل لحظة على غير ميزان. ويغدو النظام نفسه رحمةً والاطراد نفسه وجها من وجوه الحكمة والسنن الكونية مظهرا من مظاهر اللطف الإلهي بالعقل البشري؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش ولا أن يعلم ولا أن يتعبد إلا في عالمٍ يمكن الوثوق به. وهنا تلتقي الفلسفة الرشدية على نحوٍ بديع مع حسٍّ قرآنيّ عميق وإن كانت أدواتها برهانية لا وعظية. فالقرآن حين يلفت النظر إلى تعاقب الليل والنهار وإلى إنزال الماء وإلى إحياء الأرض بعد موتها وإلى اختلاف الألسنة والألوان، لا يقدّم مشاهد متناثرة بل يفتح العين على السننية؛ أي على أن الوجود مؤسس على آيات، والآية لا تكون آية إلا إذا كانت دالة، والدلالة لا تستقيم إلا بقدر من الثبات والانتظام. لذلك كان ابن رشد في أصفى لحظاته الفكرية لا يرى تعارضا بين الشرع الصحيح والعقل الصريح، لأن كليهما في المجمل شاهدان على وحدة الحقيقة. الشرع يدعو إلى الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا في عالمٍ يمكن أن يُعتبر به.

ولئن كانت الفلسفة الحديثة قد سارت في مسالك أخرى وأعادت تعريف الطبيعة والسببية والقانون والزمان، فإن السؤال الذي أثاره ابن رشد لم يفقد راهنيته، كيف يكون العالم مفهوما؟ وكيف يمكن للعقل أن يثق في نفسه إذا لم يكن الوجود قابلا لأن يُقرأ؟ بل لعل الأزمة الكبرى في كثير من التصورات المعاصرة ليست في التقدم العلمي وإنما في فقدان القدرة على وصل العلم بالحكمة والوقائع بالمعنى والقانون بالغائية. لقد أمكن للحداثة أن تشرح كثيرا من “كيفيات” العالم، لكنها كثيرا ما ترددت في سؤال “لماذا” أو خشيت أن يُتَّهم هذا السؤال بالتجاوز. أما ابن رشد فإنه يذكّرنا بأن الفلسفة لا تُختزل في وصف الآليات وأن الطبيعة إذا لم تُقرأ بوصفها نظاما معقولا تحولت المعرفة نفسها إلى أرشيفٍ ضخم من الوقائع غير الموصولة.

إن قيمة ابن رشد لا تنحصر في كونه شارحا عظيما لأرسطو، كما درجت بعض الأحكام المدرسية المبتسرة، بل في كونه قد أعاد بناء الأرسطية في أفقٍ إسلاميّ أندلسي وجعل من الطبيعة ميدانا للمصالحة الرفيعة بين البرهان والإيمان وبين العلم والحكمة وبين النظام الكوني والعناية الإلهية. لقد كان يرى في عمق مشروعه أن العالم لا يليق به أن يُفهم على أنه صدفةٌ مؤقتة ولا أن يُختزل إلى لحظة انقطاعٍ دائم بين الأشياء وأسبابها، لأن ذلك إهانةٌ للعقل وإضعافٌ للشهادة الكونية. العالم عنده كتابٌ مفتوح، لكنه لا يُقرأ بالعين وحدها؛ بل يحتاج إلى عقلٍ يعرف أن الموجود الطبيعي لا يُستنفد في ظاهره وأن وراء الحركة قانونا ووراء القانون بنيةً ووراء البنية حكمةً.

إن ابن رشد لم ينظر إلى الطبيعة بوصفها مجرد مسرحٍ للحوادث، بل بوصفها نظاما دالا تتكثف فيه معقولية العالم وتُختبر فيه صلاحية العقل وتظهر من خلاله الحكمة الإلهية في صورتها الأرقى. فالتفسير الغائي عنده ليس زخرفا ميتافيزيقيا ولا زيادةً خطابيةً على الفيزياء، بل هو العمود الفقري الذي تنتظم به العلل وتتحدد به مراتب الفهم ويغدو به العالم أكثر من مجموع أجزائه. ومن غير الغاية يتفكك المعنى ومن غير السببية يتعذر العلم ومن غير الانتظام ينهار البرهان ومن غير البرهان يتحول النظر في الوجود إلى مجرد انفعالٍ حسيّ أو جدلٍ لغويّ لا يثمر يقينا.

لقد أدرك ابن رشد أن الدفاع عن الطبيعة هو في حقيقته دفاعٌ عن العقل الإنساني نفسه. فمن يسلب الأشياء طبائعها أو يحوّل الوجود إلى تعاقبٍ مفكك لا روابط فيه لا يهدد علم الطبيعيات فحسب، بل ينسف أيضا إمكان الانتقال من الشاهد إلى الغائب ومن الأثر إلى المؤثر ومن النظام إلى الحكمة. ولهذا كان مشروعه في هذا الباب مشروعا تأسيسيا بالغ العمق، لأن معركته لم تكن معركةً حول مسألة جزئية في تفسير الاحتراق أو الحركة وإنما كانت معركةً حول سؤال الحضارة الأكبر، هل العالم قابلٌ لأن يُفهم؟ وهل الإنسان مخلوقٌ في كونٍ معقول أم في فوضى تتخفّى في ثوب الإرادة؟.

وفي هذا تكمن راهنيته الباهرة. فالعصر الحديث على ما بلغه من فتوحات علمية مدهشة ما يزال مأزوما في علاقته بالمعنى؛ إذ كثيرا ما يملك أدوات التفسير، لكنه يعجز عن بناء رؤيةٍ توحِّد بين التفسير والدلالة. وهنا يعود ابن رشد لا بوصفه أثرا من آثار الماضي، بل بوصفه فكرا حيا يذكّرنا بأن العلم إذا انفصل عن الحكمة ضاق أفقه، وأن الفلسفة إذا هجرت الطبيعة فقدت أحد أهم ميادينها، وأن الإيمان إذا تأسس على تعطيل النظام بدل فهمه غدا هشا أمام أول امتحانٍ للعقل. إن عظمة ابن رشد أنه لم يطلب من الإنسان أن يختار بين العالم والله ولا بين الطبيعة والعناية ولا بين البرهان والشرع، بل علّمه أن يرى في انتظام العالم نفسه أثرا من آثار العناية وفي ثبات السنن مظهرا من مظاهر الحكمة وفي قابلية الطبيعة للفهم شهادةً على أن العقل ليس غريبا في هذا الكون. ولذلك فإن الطبيعة في فلسفته ليست “موضوعا” خارجيا فحسب، بل هي مرآةٌ يرى فيها العقل نسبته إلى الوجود. فإذا كان العالم منتظما أمكن للإنسان أن يسكن إليه معرفيا وأن يقرأه تأمليا وأن يعبُر منه إلى ما وراءه برهانيا. أما إذا كان العالم فوضى متنكرة في هيئة وقائع، فإن كل يقين ينهار وكل اعتبار يضيع وكل حكمة تتبدد. ولعل هذا هو المعنى الأسمى الذي يجعل من فلسفة ابن رشد في الطبيعة درسا دائما، أن الحقيقة لا تُنال بإبطال الوسائط بل بفهمها؛ وأن الله لا يُعرف بنقض النظام بل بإحكامه؛ وأن العالم لا يكون جديرا بالتأمل إلا لأنه مكتوبٌ بلغة العقل.

إن عبارة “الطبيعة بوصفها نظاما معقولا” ليست مجرد وصفٍ لجزءٍ من فلسفة ابن رشد، بل هي مفتاحٌ لقراءة مشروعه كله. ففيها يلتقي أرسطو بالأندلس ويلتقي البرهان بالتأويل وتلتقي الفيزياء بالإلهيات ويستعيد العقل ثقته بنفسه من غير أن يتأله ويستعيد الإيمان عمقه من غير أن يعادي الفكر. وذلك هو الدرس الرشدي الأعظم، أن الوجود ليس خصما للعقل بل ميدانه؛ وأن الطبيعة ليست حجابا عن الحقيقة، بل أحد أصفى مسالكها؛ وأن انتظام العالم في أرقى معانيه ليس مجرد قانون بل حكمةٌ متجسدة في بنية الكائنات.

***

د. حمزة مولخنيف

الضمير، أو الوجدان كما يُوصف بلغة الأدب، هو معيار عقلي لتقويم الأداء الشخصي وتقييم التصرفات وللتمييز بين الخطأ والصواب والحسن والقبح من الأفعال، وما هو حق وما هو باطل، وبشكل أعم هو معيار للتمييز بين الخير والشر، يمنح الإنسان "راحة الضمير" عند التزامه بالحق، أو "تأنيب الضمير" عند الإنحراف عن القيم المثالية او المجتمعية، ويُعدّ ركيزة أساسية للإنسانية.

اولاً- الضمير بين العقل والقلب:

يرتبط الضمير ارتباطاً وثيقاً بالعقل، فهو يُعتبر صوتاً داخلياً أو قاضياً عقلياً وأخلاقياً يُميز بين الصواب والخطأ، وهو يتأثر بالتنشئة، الثقافة، والمبادئ التي يعتنقها العقل.

في حين يميل البعض من منظور ديني وروحي لربط الضمير بالقلب من الناحية العاطفية الوجدانية، باعتباره مركز المشاعر، الأخلاق، والنية.

ومن منظور فلسفي، يُنظر إلى الضمير ككيان غير مادي، لا يمكن تحديد موقعه في القلب أو العقل، فحسب وجهة النظر هذه يعد الضمير قوة أخلاقية ووعي داخلي يمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، ومحاسبة النفس.

ثانياً- الضمير الحي والضمير الميت

يشير مصطلح "الضمير الحي" إلى أن يكون المرء محكوماً بالضمير لفعل ما هو صحيح، وهو احدى سمات الشخصية الخمسة (1) التي يتميز صاحبها بالإجتهاد والأخلاص والكفاءة والتنظيم، والوفاء بالالتزامات.

الضمير الميت، مصطلح رمزي، فالضمير قد يبالغ في التراخي وقد يبالغ في القسوة؛ فالضمير قد يكون سويا أو قد يتعرض للانحراف أو البلادة والخمول أو إلى المبالغة في تقدير الأخطاء.

ووفقاً للمعاني المتقدمة، يكون الضمير هو الدستور الشخصي لكل فرد يمنحه او يمنعه الرضا على تصرفاته.

ثالثا- اقسام الضمير: يمكن النظر للضمير من ثلاث زوايا، كالأتي:

1- الضمير الفردي: وهو "بوصلة أخلاقية" يمتلكها الفرد للتمييز ذاتياً بين الحق والباطل، والخير والشر، ويتخذ قراراته بناءً عليها، بصرف النظر عن مواقف الجماعة أو إجماعها.

2- الضمير الجماعي (ضمير الشعب): هو مصطلح سوسيولوجي ابتكره عالم الاجتماع إميل دوركايم، يشير إلى مجموعة المعتقدات، القيم، والمواقف الأخلاقية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد ويعمل كقوة توحيد غير مرئية توجّه سلوك الأفراد، وتشكل هويتهم المشتركة، وتتميز بوجود مستقل وقوي يتجاوز وعي الفرد الواحد، فهو يمتثل للمشاعر الوطنية المشتركة كمقاومة الطغيان والإحتلال وورفض الفقر والإستغلال والميل للتعاون الإجتماعي ومساعدة الايتام والمحرومين وذوي الاحتياجات الخاصة ...

وفي المجتمعات التقليدية، يكون الضمير الجمعي واسعاً وقوياً ويحكم تفاصيل حياة الناس، بينما يضعف مع تزايد الفردية في المجتمعات الحديثة.

2-الضمير المهني؛ وهو ما يُبديه الإنسان من استقامة وعناية وحرص ودقة فى قيامه بواجبات مهنته.

3- الضمير الإنساني؛ هو مشاعر فى نُفوس البشرية عامة، تهتدى إلى القيم الخلقية الإنسانية المشتركة بعفوية وتِلقائية، وتقف إلى حانب الضعفاء والفقراء وتبتغي العدالة الإنسانية.

رابعاً- الضمير والواجب:

(مدى اثر وجود الضمير او انعدامه في المؤسسات العامة والخاصة)

يرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب،

والضمير في الخدمة العامة يمثل الرقيب الداخلي والوازع الأخلاقي والمهني الذي يوجه الموظف للقيام بواجبه بأمانة ونزاهة، ومكافحة الفساد بعيداً عن المصالح الشخصية، ودون حاجة الى رقابة خارجية مستمرة، ويُعد أساساً لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

ماهي مظاهر انعدام الضمير المهني؟

لاشك ان أهم مظاهر انعدام الضمير هنا تتلخص بالفساد السياسي والمالي والإداري؛ ويتطابق انعدام الضمير هنا مع مفهوم خيانة الأمانة الملقاة على عاتق الموظف الذي وجد في منصبه أصلاً لخدمة الناس وتيسير اعمالهم ومعاملاتهم ويتقاضى راتبه من اموالهم العامة فإذا به يبتزهم ويحاول اذلالهم تحقيقاً لمأرب شخصية تعبر عن نفسية وضيعة منعدمة الضمير تغذي نفسها ومتعلقاتها بالمال الحرام متشبثة بحجج واعذار واهية شتى.

ماهي آثار غياب الضمير في الخدمة العامة؟

1- انتشار الفساد الإداري والمالي

2- ضعف الإنتاجية وتدني جودة الخدمات.

3- فقدان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

4- ظلم الأفراد وضياع الحقوق.

الضمير في الفلسفة والأدب:

احتل الضمير مكاناً مميزاً في الفسلفة والأدب والشعر، نختار في هذا المقام نبذة عنها؛

خامساً - الضمير والقانون:

اذا رجعنا الى المصادر البعيدة للقوانين والشرائع السماوية والأرضية وجميع القيم الخلقية والآداب العامة لدى مختلف الشعوب سنجد ولا شك ان صوت الضمير واضحاً ومسموعاً بقوة بين ثناياها.

وهكذا قيل ان الضمير الانساني، لولا تعارض المصالح والأنانية،لتمكن من التمييز بوضوح بين الخير والشر دون حاجة الى دراسة القانون أو الحاجة الى قاضي يقضي بالتمييز بينهما.

ذلك ان الضمير ينفر بطبيعته من الظلم والجريمة والأمور غير المنطقية وغير المعقولة.

فهل نحن بحاجة الى دراسة القانون لنعرف ان جريمة القتل جريمة بشعة تنال من الحق في الحياة، وكذلك الحال بالنسبة للسرقة والاحتيال والرشوة ...

ومما يدلل على ذلك ما يعرف في الفقه الإسلامي بحديث وابصة ابن معبد الذي سأل الرسول (صلى الله عليه وآله) عن البر والإثم فقال له: "يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون".

ولاشك ان تنمية الضمير وتهذيبه لدى الفرد والمجتمع تعطي نتائج قد لاتدركها القوانين والانظمة والتشريعات ومايلحقها من جزاء بدني ومادي وإنضباطي عند مخالفتها علانية أو خفية، ولكن للضرورات الواقعية والإجتماعية إذا خيرنا بين الضمير والقانون، فإن الأفضلية تكون للقانون.

واذا تمت الموائمة بين القانون والضمير الفردي والإجتماعي فأننا في الواقع سنُحي أمة عظيمة، وهذه الموائمة لا تكون إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وتشريعات عادلة تضعها نخبة إحتماعية مخلصة لشعبها لا لمصالحها الأنانية يطبقها قضاء يحترم هيبته وحقوق مجتمعه ويكافح الظلم اينما وجد.

سادساً - الضمير من وجهة نظر الفلسفة

ينظر للضمير هنا على انه جهاز مراقبة ومحاسبة، يثير مشاعر الرضا عند فعل الخير، والتبكيت والألم عند الخطأ.

وترى المدرسة الحدسية للضمير، وهي اتجاه فلسفي يعتبر الضمير قوة فطرية، داخلية، ومباشرة تميز بين الخير والشر دون الحاجة لتجربة سابقة أو استدلال عقلي.

اما المدرسة الطبيعية (المادية): فترجع أحكام الضمير إلى الخبرة والتجربة السابقة، والنتائج المترتبة على الأفعال، فالضمير حسب وجهة النظر هذه يعكس بيئة الجماعة وتلتقي فيه تعاليمها، فالإنسان ابن عصره ووليد بيئته، فالفرد يتلقّى توجيهات المجتمع ويستجيب لها راضياً أو كارهاً.

1- الضمير عند جان جاك روسو؛

الضمير عند جان جاك روسو هو "قاضياً عادلاً" لا يُخدع ويمثل صوت الطبيعة الهادئ الذي يعاكس أهواء البشر ويقاوم فساد المجتمع، يتقدم على العقل وهو ما يصنع إنسانية الإنسان ، بل انه منبع الأخلاق الحقيقية بعيداً عن زيف المجتمع. . “إن كلّ ما أحسّه خيراً فهو خير. وكلّ ما أحسّه شرَّاً فهو شرّ، وخير الفقهاء إطلاقاً حسب روسو هو الضمير.

2- الضمير عند إيمانويل كانت؛

أسس الفيلسوف الألماني كانت فلسفته في الأخلاق والضمير على ثلاثة أسس كبرى هي: وجود الخالق، وخلود الروح والحرية، واعتبر أنه لا يمكن للإنسان أن يؤسِّس للواجب الأخلاقي من دونها، لأن الواجب الذي يدفع الإنسان أخلاقياً يسمى بالقانون الأخلاقي الذي يسكن الضمير فعلاً، وهذا القانون ليس فطرياً في الضمير وإنما هو نتاج العقل العملي الذي شرّعه.

سابعاً- الضمير عند سيگموند فرويد هو جزء من الجهاز النفسي يُعرف بـ "الأنا العليا" ويتشكل من خلال استبطان قيم الوالدين والمجتمع والمعايير الأخلاقية، ليعمل كحكم داخلي يراقب الأنا ويُصدر مشاعر الذنب أو الخزي عند مخالفة القواعد، سعيًا نحو الكمال المثالي.

ويحاول كبح جماح دوافع "الهو" (الغرائز) العدوانية والجنسية، ويحث "الأنا" على تبني معايير واقعية ومثالية بدلًا من مجرد السعي وراء اللذة.

وهذا الضمير هو قوة نفسية عميقة تمارس فعل الكبت، فتوجه السلوك الإنساني توجهاً إنسانياً بإضعاف الطابع الحيواني فيه.

ثامناً- الضمير والأدب:

“يتساءل غائب طعمة فرمان في رواية خمسة أصوات قائلاً: (عجيب هذا الضمير الانساني مع انه يعيش في داخل الانسان الا انه لا يخضع لنظام جسمه ولا لقوته وضعفه، احيانا يمرض بأمراض فتاكة بينما يظل في عافية الثيران جسمياً، وأحيانا يتحجر كالغرانيت في جسم ما يزال يحتفظ في الظاهر بطراوة الدم واللحم واحيناً يغط في نوم عميق ...)

كثير من الروايات العالمية جعلت الضمير الإنساني يتتبع الشخصية ويوقظها، الذي بدوره يوقظ القارئ:

1- ضمير فيودور دوستويفسكي؛

تُعد رواية الأخوة كارامازوف ورواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي درساً مهماً في مبادئ الضمير الإنساني

بالنسبة ل “الأخوةكارامازوف” :يعد الضمير في هذه الرواية المحرك الأساسي للأحداث، حيث يمثل الصراع الداخلي بين الخير والشر، والإيمان والإلحاد، حيث يجسد دوستويفسكي الضمير عبر شخصيات تتقلب بين النبل والبهيمية، مؤكداً أن "كل شيء مسموح" في غياب الله، وأن المسؤولية الأخلاقية جماعية، وأن الضمير الحي يظهر عبر الحب، والتعاطف، والندم

ويركز دوستويفسكي على أن الإنسان ليس مسؤولاً عن أفعاله فقط، بل وعن أفعال الآخرين أيضاً، مما يثقل ضمير الشخصيات (مثل إيفان) بالذنب.

يمثل إيفان "العقل" الذي يشك في الأخلاق، بينما يمثل أليوشا "القلب" الذي يتبنى المحبة، وتتذبذب الشخصيات الأخرى بينهما

يجسد ديمتري (ميتيا) نموذج الضمير الذي يمر عبر الألم والمعاناة للوصول إلى التطهير والندم على أخطائه، خاصة علاقته بوالده وكاثرين، حيث يسمح إيفان لنفسه بحجة إغواء الشيطان بأن يقول ما يفكر فيه، حيث يحدث أليوشا عنه: “لقد سخر مني وذلك ببراعة، ببراعة شديدة قائلاً: الضمير! ما الضمير؟إنني اختلقه بنفسي، فلِمَ أعاني إذاً؟ بحكم العادة، بحكم العادة الإنسانية على مدار سبعة آلاف سنة. دعنا إذاً نتخلص من العادة، وسوف نصبح آلهة؛ لقد قال ذلك، لقد قال ذلك.

يشدد العمل على أن الضمير يُقتل عندما يكذب الإنسان على نفسه، وينحدر في الرذيلة.

وكذلك تُعد روايته "الجريمة والعقاب" دراسة نفسية وأخلاقية عميقة، تُقدم الضمير كقوة قاهرة لا مفر منها، حيث يُعذب بطلها "راسكولنيكوف" داخلياً بعد جريمة قتل، متجاوزاً العقاب القانوني إلى العقاب الذاتي. تُظهِر الرواية الصراع بين الأفكار العدمية والندم، مؤكدة أن الخلاص يأتي عبر التوبة والاعتراف.

2- ضمير البير كامو

يرى البير كامو أن الضمير هو وعي داخلي حي بعبثية الوجود، يرفض الاستسلام لليأس أو الأيديولوجيات التي تبرر القتل، وينتصر للإنسان وقيمه التضامنية. إنه ضمير متمرد يواجه صمت العالم بالاحتجاج، ويسعى للعدالة بوعي، رابطًا الفن والتمرد الأخلاقي بالحرية والكرامة الإنسانية، هذا الضمير لا يقود لليأس بل للتمرد، وهو احتجاج دائم ضد الموت والظلم.

رفض كامو التبريرات السياسية للقتل والإرهاب، معتبرًا أن الضمير الحق يضع الإنسان وقيمته قبل أي أيديولوجيا،

ويرى كامو أن العمل الفني هو شكل من أشكال الاعتراف والوعي، فهو لا يمنع الخطيئة دائمًا، لكنه يمنع المرء من الاستمتاع بها، ليظل الضمير يقظًا.

أظهر كامو ضميرًا إنسانيًا حيًا في دفاعه عن حقوق الإنسان، ورفضه لعقوبة الإعدام، واستقالته احتجاجًا على مواقف سياسية تخالف مبادئه.

ألبير كامو في روايته “السقطة”، التي تدور أحداثها في أمستردام وتعتمد على حوار نفسي حميم على لسان شخصية قاضٍ تائب، يروي للقارئ سيرة حياته بين مدينتي، باريس وأمستردام، مبيناً كيف يشعر بالمتعة والرضا عندما يقدّم نصائحه الودية للغرباء في الطرقات، ويهب الصدقات للفقراء، ويترك مقعده للآخرين في الحافلة، ويمد يده للمكفوفين كي يعبروا الشارع، هذا الرجل النبيل الذي نذر حياته لأجل الآخرين، ولكن ما آلمه وآرقه هو كيف انه تجاهل امرأة ترتدي ملابس سوداء، وتنحني على حافة الجسر، ومضى في طريقه بعدما تردَّد لوهلة، ولم يكد يخطو بضع خطوات حتى ضج صوت عنيف في الماء، حيث المرأة قفزت منتحرة، التفت وأراد أن يجري هارباً، لكن قدميه خذلتاه، فتوقف ينصت لصراخ غريقة، ثم مضى يمشي تحت المطر ببطء.

يعلق أحد النقاد على ذلك بالقول؛ (.... وبالطبع لم يخبر أحداً بذلك، لكنه أخبرنا نحن القرّاء بذلك، وصرنا نلاحقه على مدى عقود بجرمه هذا، تماماً كما يلاحقه ويؤنبه ضميره حتى يومنا هذا).

3- فرجينيا وولف

تُعد فرجينيا وولف سيدة الضمير الإنساني العميق"، حيث عكست أعمالها صراعًا داخليًا ونضالًا نسويًا ضد النظام الأبوي، معتمدةً على "تيار الوعي" لتجسيد الوجود الإنساني. تميزت برهافة حسٍّ شديدة وقلق إنساني تجاه الحروب، مما جعلها أيقونة للسلام والمساواة، رغم معاناتها النفسية التي قادتها للانتحار.

عكست مقالاتها -خاصة أثناء الحرب العالمية الثانية- صوتاً سلمياً ضد الهمجية، حيث رأت في الحرب تدميراً للروح والإبداع.

وارتادت آفاق الرواية الحديثة من خلال التركيز على "لحظات الوجود" الاستثنائية، وتصوير انسياب الأفكار والمشاعر داخل الشخصيات بدلاً من السرد التقليدي.

4- فيكتور هوگو

يقول احد النقاد ان فيكتور هوگو، في “أحدب نوتردام” يشد الضمير من ياقته، وينتصر دوماً للضعفاء والمحرومين والمقهورين.

وهو نفسه الذي جعل مسيو مادلين في “البؤساء” يتبع ضميره، ليسلّم نفسه للشرطة بصفته جان فالجان، السارق القديم، كي ينقذ رجلاً بريئاً متهماً.

تركز رواية البؤساء على شخصية السجين السابق جان فالجان ، ومعاناته بعد خروجه من السجن، حيث تدور أحداث الروايةحول الظلم المُجتمعي الذي تعرض له جان فالجان والذي حُبِسَ ظلمًا لمدة 19 عام لسرقته رغيفًا من الخبز. كما تعرض الرواية طبيعة الخير والشر والقانون فى قصة أخاذة تظهر فيها معالم باريس، الأخلاق، الفلسفة، القانون، العدالة، الدين وطبيعة الرومانسية والحب العائلى.

5- الضمير عند نجيب محفوظ

يُعد الضمير في أدب نجيب محفوظ محركاً أخلاقياً داخلياً، ومحور الصراع بين الخير والشر في النفس البشرية.

يبرز الضمير كقاضٍ نهائي (تأنيب الضمير) حينما تنحرف شخوص الرواية عن المبادئ يقول محفوظ: "من لا يؤدبه الضمير، تؤدبه الحياة حين تدور، مما يعني أن غياب الرادع الداخلي يؤدي إلى قصاص حتمي من القدر أو الواقع، ويتركز في أعماله على صدق المشاعر والمسؤولية الفردية، معتبراً أن راحة الضمير هي المعيار الحقيقي ولو عبرت فوق آراء الناس.

وقي قصتة "أيوب" ركز محفوظ على تحول الألم إلى قوة، والصراع بين الذاتية والموضوعية، مع نهاية مفتوحة.

تطرح القصة معضلة الأخلاق والضمير، ومفهوم الصبر والتطهر عبر الألم، وينتقد محفوظ من خلال القصة -بالتلميح والتصريح- سياسات الانفتاح الاقتصادي، والتحول نحو الرأسمالية الحرة، مما يشير إلى المكاسب الفردية على حساب المجموع

6- ضميرعلي الوردي

يقول علي الوردي في وعاظ السلاطين؛

الضمير لايردع الإنسان في عمل ضد عدوه؛ فهو يعتدي عليه ويسفك دمه وينتهك حرمته وينهب أمواله وهو مرتاح الضمير كأنه لم يفعل شيئاً.

ويثير الوردي مسألة ضمير الأمة بالقول (غريب أمر هذه الأمة فالفرد فيها مزدوج الشخصية، والمجتمع منشق الضمير).

وعن تكوين الضمير يقول الوردي في مؤلفه القيم(لمحات أجتماعية من تاريخ العراق الحديث) ج2؛

("أن (الضمير) في الواقع أمر نسبي وهو نتاج القيم الأجتماعية التي ينشأ عليها الأنسان أو يؤمن بها بعدئذ. ولهذا رأينا الكثير من الأخيار والزهاد والصالحين يرتكبون أفدح الجرائم تجاه من يخالفهم في العقيدة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا").

***

فارس حامد عبد الكريم - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

بغداد – العراق / 2026

...............................

(1) نظرية العوامل الخمسة الكبرى للشخصية هي نموذج علمي نفسي لتصنيف الشخصية البشرية إلى خمس سمات رئيسية ثابتة، تُعرف اختصاراً بـ (OCEAN):

1- الانفتاح على التجربة: يقيس مدى انفتاح الفرد للإبداع والتجديد، والخيال أو انه تقليدي، عملي، ويفضل الروتين.

2- الضمير الحي (يقضة الضمير)

3- الانبساط يقيس مدى الانفتاح الاجتماعي للفرد وهل هو مليء بالطاقة يتميز بالمرح او انه انطوائي متحفظ.

4- الوداعة او المقبولية: تعكس مدى التعاون، التعاطف، والانسجام مع الآخرين.

5- العصابية: تقيس مدى الاستقرار العاطفي، او الميل للشعور بالقلق، التوتر، والانفعالات السلبية.

الصفحة 1 من 7

في المثقف اليوم