دراسات وبحوث

دراسات وبحوث

انتقال الأفكار الفلسفية بين الأندلس وأوروبا الوسيطة

لم تكن الرشدية مجرد مذهب فلسفي انتسب إلى اسم شارح كبير من شراح أرسطو ولم تكن أثرا تعليميا عابرا انقضى بانقضاء صاحبه أو بانطفاء مجالسه العلمية في قرطبة ومراكش وإشبيلية وإنما كانت منعرجا معرفيا حاسما في تاريخ العقل المتوسطي كله بما هو عقل تشكل في مجرى الترجمة وتربى في أحضان النزاع بين السلط الدينية والبرهانية، ثم أخذ صورته الأكثر درامية ساعة خرجت شروح ابن رشد من فضائها الأندلسي الإسلامي لتستقر في المدارس اللاتينية والجامعات الناشئة في باريس وبادوفا وبولونيا. فهناك تحديدا ابتدأ نص ابن رشد حياة ثانية، حياة لم يعد فيها مجرد فقيه مالكي وقاضٍ أندلسي وطبيب فيلسوف، وإنما غدا “الشارح الأكبر” في الوعي المدرسي الأوروبي وغدا اسمه نفسه علما على نمط مخصوص من النظر له جرأته وله منطقه وله خصومه وله آثاره التي تجاوزت زمنه وبيئته ومقصوده الأصلي أحيانا.

إن الحديث عن الرشدية في الفضاء المتوسطي حديث عن عبور كثيف للأفكار عبر اللغات والحدود والأنساق، حديث عن نص فلسفي ولد في تماس حاد بين الشريعة والحكمة ثم أعيدت صياغته داخل بنية لاهوتية مسيحية كانت في حاجة إلى أرسطو وكانت في الآن نفسه تخشاه، وكانت في حاجة إلى ابن رشد لأنه فتح لها مغالق أرسطو، وكانت تخشاه لأنه حمل معها تصورا للعقل الذي لا يرضى أن يظل تابعا للسلطة التأويلية الجامدة. هنا بالضبط تظهر الرشدية لا باعتبارها مجرد انتقال نصوص، وإنما باعتبارها انتقالا لمشكل فلسفي كامل، ما حدود العقل؟ ما منزلة البرهان؟ كيف يقرأ النص الديني في ضوء الحقيقة البرهانية؟ ما معنى أن تكون للفلسفة استقلالية منهجية داخل مجتمع يؤسس شرعيته على الوحي؟ وما الذي يقع عندما تنتقل هذه الأسئلة من سياق إسلامي أندلسي إلى سياق لاتيني مدرسي شديد الحساسية تجاه كل ما يهدد بناء العقيدة الكنسية؟.

لقد كان ابن رشد في العمق مفكرا للاتساق العقلي، ولم يكن همه أن ينتصر للفلسفة على الدين انتصارا دعائيا ساذجا ولا أن يجعل الشريعة ذريعة لقمع النظر، وإنما سعى إلى بناء مجال تواطؤ بين الحقيقة الموحى بها والحقيقة المبرهن عليها. عبارته التي صارت من أشهر العبارات في التراث الفلسفي الإسلامي “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له” لم تكن مجرد صياغة بلاغية ذات وقع أخلاقي، وإنما كانت قاعدة إبستمولوجية كبرى تؤسس لنظام في الفهم وتعيد ترتيب العلاقة بين ظاهر النص وباطنه بين العامة والخاصة وبين الجدل والبرهان وبين مستويات الإدراك البشري وتمنح العقل البرهاني شرعية لا بوصفه قوة تمرد بل بوصفه أداة من أدوات إدراك الحكمة الإلهية في العالم والشرع معا. بهذا المعنى كانت الرشدية أعمق من أن تختزل في شروح أرسطية وأخطر من أن تُحصر في نزاع حول قِدم العالم أو وحدة العقل أو تأويل الصفات، لقد كانت نظرية في العقل الحضاري نفسه. ومع ذلك فإن الرشدية ساعة خرجت من مجالها الإسلامي إلى أوروبا الوسيطة لم تنتقل نقية صافية كما صاغها صاحبها. فالنصوص لا تسافر بلا خسائر والأفكار لا تعبر البحار بلا تحولات والترجمات لا تحمل المعاني وحدها بل تحمل معها انحرافات الفهم وانتقاءات المترجمين وحاجات المؤسسات المستقبلة وصراعات المدارس وضغوط الرقابة. ولهذا لم تكن “الرشدية اللاتينية” صورة مطابقة لـ “الرشدية الأندلسية” كما لم تكن خصومة الكنيسة مع بعض الرشديين خصومة مع ابن رشد نفسه على الدوام بل كانت في كثير من المواطن خصومة مع قراءات مخصوصة له أو مع نتائج استنبطها بعض الشراح من تعليقاته أو مع استعمالات جامعية جعلت من اسمه راية لاستقلال الفلسفة عن اللاهوت وهو أمر يتجاوز أحيانا ما صرح به ابن رشد نفسه في سياقه الإسلامي.

إن الفضاء المتوسطي إذا نظرنا إليه من زاوية تاريخ الأفكار لم يكن بحرا يفصل بين حضارات متجاورة وإنما كان معبرا عميقا ومختبرا هائلا ووسطا ناقلا ومحوِّلا في آن. فيه تحركت النصوص اليونانية من أثينا إلى الإسكندرية ثم من السريانية إلى العربية ثم من العربية إلى اللاتينية والعبرية، وفيه تشكلت طبقات متراكبة من التلقي والتعليق وإعادة البناء. والرشدية ليست إلا إحدى أكثر اللحظات تعبيرا عن هذا الحراك. لقد تلقى الغرب اللاتيني أرسطو عبر ابن رشد أكثر مما تلقاه مباشرة حتى صار هذا الفيلسوف الأندلسي بالنسبة إلى كثير من أساتذة الفنون في باريس أشبه بالمفتاح الذي لا يفتح أرسطو إلا به. ولم يكن غريبا تبعا لذلك أن يلقب في التقاليد المدرسية باسم “الشارح” على جهة الإطلاق كما لُقِّب أرسطو باسم “الفيلسوف”، وهو توزيع رمزي للأدوار يكشف عن عمق الحضور الرشدي داخل البنية التعليمية الأوروبية الوسيطة.

هذا الحضور لم يكن حضورا هادئا فكلما اشتد نفوذ الشروح الرشدية داخل مدارس الفنون، اشتدت معها الأسئلة التي تمس بنية العقيدة المسيحية المدرسية، إذا كان العقل واحدا على نحو ما فُهِم من بعض التأويلات الرشدية فماذا يبقى من المسؤولية الشخصية؟ وإذا كان العالم أزليا من جهة الحركة والنظام الكوني فكيف يُفهم الخلق؟ وإذا كانت الحقيقة الفلسفية تبلغ مرتبة من البرهان قد لا تبلغها المقاربات الوعظية أو الجدلية فكيف يُعاد ترتيب العلاقة بين الأستاذ في كلية الفنون والأستاذ في كلية اللاهوت؟ هنا نشأت تلك التوترات التي صنعت ما عُرف لاحقا بالرشدية اللاتينية وجعلت من أسماء مثل سيجر البرابانتي وبويتيوس الدانماركي ويوحنا الجندوني علامات على نزاع فلسفي حاد داخل قلب المسيحية المدرسية.

غير أن اختزال الرشدية في هذه المقولات الثلاث أو الأربع ظلم مزدوج، ظلم لابن رشد وظلم لتاريخ الاستقبال الأوروبي نفسه. فالرشدية كانت قبل ذلك وبعده منهجا في القراءة وأخلاقا في التعامل مع النصوص وصرامة في البرهنة وميلا إلى رد الفروع إلى الأصول وتحريرا للفلسفة من الشروح الخطابية الفضفاضة ووفاء لأرسطو مقرونا بجرأة التأويل، وهي العناصر التي جعلت منها أداة تأسيس في بناء العقل المدرسي الأوروبي حتى لدى من عارضها. لقد كان توما الأكويني خصما للرشدية في مواضع معلومة، لكنه كان في الآن ذاته أحد أكبر المستفيدين من الجهد الرشدي في شرح المتن الأرسطي وكان اعتراضه على بعض النتائج الرشدية مشروطا سلفا بكون ابن رشد قد فرض نفسه مرجعا لا يمكن القفز عليه. فالخصومة نفسها دليل حضور والنقد نفسه شهادة تأثير والردود الكبرى لا تكتب ضد الأفكار الهامشية.

على هذا الأساس يصير من اللازم أن نفهم الرشدية بوصفها طبقات متداخلة، رشدية أندلسية نشأت في حضن الثقافة العربية الإسلامية ورشدية يهودية عبرت إلى الفكر العبري الوسيط وأسهمت في إعادة تشكيل فلسفة موسى بن ميمون وشراحه ورشدية لاتينية دخلت الجامعات المسيحية وأثارت الزوابع اللاهوتية ورشدية نهضوية مبكرة أعادت اكتشاف قيمة العقل الطبيعي واستقلالية البحث، ثم رشدية حديثة ومعاصرة استعادتها الثقافة العربية بوصفها رمزا للعقلانية المفقودة أو المؤجلة. وكل طبقة من هذه الطبقات لا تكرر سابقتها وإنما تعيد تأويلها على قدر حاجتها التاريخية.

في الأندلس كان ابن رشد ابن أزمة كبرى في تاريخ الفكر الإسلامي الغربي، فقد جاء بعد قرون من الجدل بين المتكلمين والفلاسفة والفقهاء وبعد اللحظة الغزالية التي هزت مشروعية الفلسفة هزا عنيفا وبعد تجربة ابن باجة وابن طفيل اللذين مهدا لقدر من الاستئناف العقلي داخل الغرب الإسلامي. وإذا كان الغزالي قد كشف هشاشة بعض دعاوى الفلاسفة المشرقيين، فإن ابن رشد لم يرد عليه بإنكار الدين أو السخرية من الكلام وإنما رد عليه من داخل مطلب أعلى: مطلب التمييز بين مراتب الخطاب ومراتب البرهان. لهذا كان مشروعه في “فصل المقال” و”تهافت التهافت” و”الكشف عن مناهج الأدلة”، مشروعا يتجاوز الدفاع عن الفلسفة إلى إعادة بناء المجال النظري الذي تتجاور فيه العلوم الشرعية والعلوم البرهانية من غير أن يلتهم أحدهما الآخر. لقد أدرك أن المعضلة الحقيقية لا تكمن في وجود نص ديني وعقل فلسفي وإنما تكمن في سوء توزيع السلط المعرفية وفي الخلط بين مقام العامة ومقام الخاصة وفي تحويل الظاهر الخطابي إلى سيف يُشهر في وجه البرهان.

ومن هنا كانت الرشدية الأندلسية في أصلها مشروعا للتوفيق العميق لا التلفيق السطحي. فالتوفيق عند ابن رشد لا يعني جمع المتناقضات على سبيل المراوغة وإنما يعني إقامة نسق معرفي يُحفظ فيه لكل نوع من أنواع القول مجاله ووظيفته. الشريعة تخاطب الناس جميعا بطرائق متعددة والبرهان لا يقدر عليه الجميع، والتأويل ليس حقا شعبويا مبذولا لكل أحد لأن إخراج المعاني من ظواهرها يحتاج إلى آلة وملكة وانضباط. تتحول الفلسفة من ترف نخبوي إلى واجب كفائي في حق من استكمل شروط النظر وتتحول الشريعة من خصم للعقل إلى حاضنة لمشروعيته. هذا التصور كان في ذاته ثوريا داخل السياق الإسلامي كما كان قابلا لأن يثير قلقا مضاعفا ساعة يترجم إلى اللاتينية لأن الكنيسة لم تكن تنظر إلى العلاقة بين اللاهوت والفلسفة بالطريقة نفسها ولأن بنية السلطة المعرفية فيها مختلفة جذريا عن بنية الفقه الإسلامي.

لقد تمت ترجمة كثير من أعمال ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية عبر مراكز الترجمة في طليطلة وغيرها وعبر جهود مترجمين كان بعضهم يشتغل في مناطق التماس الحضاري بين المسلمين والمسيحيين واليهود. ولم تكن الترجمة مجرد نقل لغوي وإنما كانت حدثا مؤسسيا. فما دخل اللاتينية من شروح ابن رشد حيث لم يدخل إلى خزائن النخبة فقط وإنما دخل إلى قاعات التدريس وإلى برامج التعليم وإلى الجدل الجامعي وإلى بنية الامتحان المدرسي. وهنا يظهر المعنى الحقيقي للرشدية في أوروبا، إنها ليست “تأثيرا” ثقافيا عاما فحسب وإنما هي تشكل فعلي لآلة الفهم داخل مؤسسة الجامعة. ولهذا لا يصح أن يقال إن أوروبا “قرأت” ابن رشد فقط بل الأدق أن يقال إنها “درست” أرسطو عبره و”تعلمت” طرائق البرهنة معه و”تشاجرت” بواسطته مع نفسها. وقد كان لهذا التلقي أثر بالغ في صوغ ما يمكن تسميته بالوعي المدرسي الجديد، فالرشدية علمت المدرسة اللاتينية أن النص الفلسفي لا يقرأ بالمواعظ وأن المعنى لا يستخرج بالإنشاء وأن الفهم يحتاج إلى ضبط للمصطلح وترتيب للمقدمات وتفكيك للأقوال وردّ للمسائل إلى أصولها المنهجية، لهذا كان تأثيرها يتجاوز المضامين الميتافيزيقية إلى البنية العقلية نفسها. وإذا كان بعض الباحثين المعاصرين قد بالغوا في الحديث عن “فضل ابن رشد” على النهضة الأوروبية بصيغة سببية ساذجة فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن أثره في تشكيل العقل الجامعي الوسيط أثر بالغ العمق حتى لو لم يكن وحده المسؤول عن كل التحولات اللاحقة، فالتاريخ لا يصنعه رجل واحد لكنه أحيانا لا يمر من غيره.

في جامعة باريس حيث كان الصراع على أشده برزت الرشدية بوصفها قوة فكرية تربك التوازنات. فكلية الفنون التي كانت تتولى تدريس المنطق والطبيعيات والأخلاق وما يتصل بأرسطو، وجدت في الشروح الرشدية مادة خصبة تمنحها قدرا من الاستقلال المعرفي عن اللاهوت. وهذا الاستقلال لم يكن سياسيا فقط بل كان منهجيا قبل كل شيء. فالأستاذ الذي يتتبع البرهان الأرسطي كما شرحه ابن رشد قد يصل إلى نتائج لا تنسجم دائما مع التأويلات العقائدية الرسمية. هنا ابتدأ التوتر بين “ما يقتضيه البرهان” و”ما تقرره العقيدة”. وليس المقصود بذلك أن الرشديين اللاتينيين كانوا ملاحدة بالمعنى الشائع وإنما كانوا يدافعون عن حق الفلسفة في أن تسلك مقتضى مقدماتها حتى النهاية ولو أدى ذلك إلى تمييز بين ما يصح فلسفيا وما يعتنق إيمانيا. وقد نُسب إلى بعضهم ما صار يعرف لاحقا ولو على نحو تبسيطي بنظرية “الحقيقتين” مع أن هذا التعبير في صورته المدرسية المشهورة أكثر التباسا مما يتداوله الخطاب الشائع.

إن ربط الرشدية بنظرية “الحقيقتين” على وجه القطع يحتاج إلى حذر شديد. فابن رشد نفسه لم يقل بتعدد الحقيقة وإنما قرر وحدة الحق واختلاف طرق إدراكه. أما بعض الرشديين اللاتينيين فقد وجدوا أنفسهم داخل نظام جامعي كنسي يفرض عليهم التمييز بين ما يثبت فلسفيا وما يلتزم دينيا فظهرت صيغ لغوية من قبيل: “هذا صحيح بحسب الفلسفة” أو “هذا صحيح بحسب الإيمان”. هذه الصياغات لم تكن دائما إعلان انفصام أنطولوجي بين حقيقتين، بل كانت أحيانا مجرد تقنية مدرسية لإدارة التوتر بين مجالين. غير أن اللاهوت الكنسي قرأها قراءة تهديدية لأنها تفتح الباب أمام استقلال العقل الطبيعي استقلالا قد يتحول إلى سلطة موازية. وهنا نفهم لماذا لم تكن مقاومة الرشدية مجرد اعتراض على مسألة جزئية وإنما كانت دفاعا عن البنية الهرمية للمعرفة في المسيحية الوسيطة.

لقد كان توما الأكويني المثال الأبرز لهذا الرد العميق، حيث لم يواجه الرشدية من موقع الجهل بها بل من موقع الوعي الدقيق بخطورتها وبقيمتها في آن. كان يعرف أن ابن رشد هو أبرع شارح لأرسطو في زمانه، وكان يدرك أن مناقشته تقتضي امتلاك آلة فلسفية صارمة لا مجرد تنديد وعظي. لذلك جاءت نصوصه المضادة لبعض الأطروحات الرشدية نصوصا فلسفية من الطراز الأول خصوصا في مسألة وحدة العقل المفارق وعلاقة النفس بالبدن. لقد كان دفاع الأكويني عن فردية النفس العاقلة دفاعا عن أساس المساءلة الأخلاقية والخلاص المسيحي وكان رفضه لوحدة العقل رفضا لما يراه تهديدا لمعنى الشخص نفسه. غير أن هذا الرفض لا يلغي حقيقة أخرى أكثر عمقا، أن الأكويني في كثير من مباحثه كان يتحاور مع ابن رشد أكثر مما يتحاور مع أي شارح آخر، وأن بناء التوماوية المدرسية لم يكن ممكنا بالصورة التي عرفناها لولا المرور الصارم عبر الامتحان الرشدي.

إن الرشدية انتصرت حتى في مواضع هزيمتها الظاهرة، فقد أدت الإدانة الكنسية لبعض الأطروحات المنسوبة إلى الرشديين في سنتي 1270 و1277 إلى محاولة الحد من تغول العقل الأرسطي كما تمثله بعض القراءات، لكنها في الآن ذاته دفعت الفكر المسيحي إلى مزيد من التحديد المفهومي وإلى مزيد من صقل التمييز بين الفلسفة واللاهوت وإلى مزيد من الانتباه إلى استقلال بعض المجالات المعرفية، أي إن قمع الرشدية لم يؤد إلى إعدام أثرها وإنما أدى إلى تعميقه بطريقة جدلية. فالفكرة الممنوعة كثيرا ما تواصل عملها في باطن النسق الذي حاول طردها وقد يكون تأثيرها الأبعد ناشئا من المقاومة التي أُقيمت ضدها أكثر مما هو ناشئ من قبولها المباشر. ثم إن الرشدية لم تتوقف عند باريس، ففي إيطاليا وخاصة في بادوفا وجدت بيئة أكثر قابلية لاستمرار بعض اتجاهاتها فاستمرت تقاليد تفسير أرسطو على نحو يحمل آثارا رشدية واضحة وأخذت بعض مسائل النفس والطبيعيات والميتافيزيقا تتطور داخل أفق يظل فيه ابن رشد حاضرا بوصفه سلطة تفسيرية لا يمكن إلغاؤها. هذا الامتداد الإيطالي يهمنا كثيرا لأنه يكشف أن الرشدية لم تكن نزوة باريسية عابرة وإنما كانت تيارا أوسع داخل الثقافة الجامعية اللاتينية. كما أن هذا الامتداد يبين أن الانتقال المتوسطي للأفكار ليس خطا مستقيما من الأندلس إلى فرنسا بل هو شبكة من المسالك: طليطلة، صقلية، جنوب إيطاليا، المراكز اليهودية، الدوائر الطبية، حلقات الترجمة، الجامعات الناشئة ومراكز النسخ والتداول.

وإذا كان الجانب اللاتيني قد استأثر غالبا بالحديث عن “الرشدية الأوروبية” فإن إغفال الوسيط اليهودي يفضي إلى بتر صورة الانتقال. فقد كانت الثقافة اليهودية الوسيطة خاصة في الأندلس وجنوب فرنسا من أهم الحواضن التي استقبلت ابن رشد ووسّطته بين العربية واللاتينية أو بين الأرسطية واللاهوت اليهودي. وكان حضور ابن ميمون وما تلاه من شروح وتأويلات جزءا من هذا المسار المعقد الذي جعل من المتوسط فضاء حوار ثلاثي لا ثنائيا فحسب، إسلامي مسيحي يهودي، وهذا التعدد في وسائط الاستقبال يؤكد أن الرشدية لم تكن ملكية حضارية مغلقة وإنما كانت حدثا عابرا للملل واللغات تَصرّف فيه الجميع بحسب حاجتهم ومقدار توترهم مع السؤال العقلي.

إن الذي يمنح الرشدية هذه القدرة الفائقة على العبور هو أنها لم تكن مجرد حزمة من الأجوبة بل كانت فنا في طرح الأسئلة. لقد علمت أوروبا الوسيطة أن النص الأرسطي يمكن أن يُقرأ قراءة نسقية صارمة وأن الفلسفة ليست خطابا أخلاقيا عاما فحسب بل بناء استدلالي متدرج. وعلمتها أيضا أن الشارح ليس ناقلا سلبيا، وإنما هو منتج للمعنى عبر تنظيم المادة وتحديد المفاهيم وتحرير موارد الخلاف. ومن هذه الزاوية فإن أثر ابن رشد لا يقاس فقط بما “أخذه” الأوروبيون من آرائه بل بما تعلموه من طريقته، فكم من فكرة رفضوها لكنهم احتفظوا بأداتها وكم من أطروحة عارضوها لكنهم ورثوا منطقها وكم من خصومة ضدها كانت في العمق اعترافا بأنها غير قابلة للتجاوز.

لقد أساء بعض المستشرقين القدامى قراءة هذه الحقيقة فحوّلوا ابن رشد إلى مجرد جسر نقل أرسطو إلى أوروبا وكأن قيمته تكمن في الوساطة وحدها. وهذه قراءة مجحفة ومضللة. فابن رشد ليس ساعي بريد فلسفي بين اليونان واللاتين وإنما هو مفكر كبير أعاد بناء الأرسطية نفسها داخل أفق إسلامي مخصوص ثم صارت هذه الأرسطية المعاد بناؤها هي التي دخلت أوروبا. الفارق هنا جوهري، فالأوروبيون لم يتلقوا أرسطو “خامّا”، بل تلقوه مفسَّرا ومؤطَّرا ومصاغا عبر عقل رشدِي شديد الانضباط. وهذا ما يفسر أن كثيرا من المعارك المدرسية في أوروبا كانت في حقيقتها معارك حول “أرسطو كما قرأه ابن رشد”، لا حول أرسطو التاريخي وحده. ومن هنا كان اسم “أفيرّويس” في المخيال المدرسي الأوروبي أحيانا أقرب حضورا من اسم أرسطو نفسه في بعض المسائل التفسيرية الدقيقة.

وليس بخاف على القاريء الكريم أن الرشدية بما حملته من دفاع عن البرهان فتحت في الوعي الأوروبي بابا عميقا لما سيغدو لاحقا مطلبا للاستقلال النسبي للعقل الطبيعي. لا يعني ذلك أن ابن رشد هو مؤسس الحداثة الأوروبية على النحو الدعائي الذي يردده بعض الخطاب الثقافي السطحي، فهذا من التبسيط الذي لا يليق بتاريخ الأفكار لكن يعني أن الرشدية أسهمت بعمق في تكوين الشروط البعيدة التي جعلت من الممكن أن يتمايز النظر الفلسفي عن الاحتكار اللاهوتي الصارم. والفرق كبير بين القولين، فالتاريخ لا يشتغل بخطوط سببية قصيرة بل بسلاسل طويلة من التحولات والتراكمات. والرشدية واحدة من تلك الحلقات التي لا يكتمل فهم السلسلة من غيرها.

وقد أدرك بعض المفكرين العرب المحدثين هذه الحقيقة فأعادوا استدعاء ابن رشد لا بوصفه مجرد تراث محفوظ بل بوصفه رهانا معاصرا. فمحمد عابد الجابري على سبيل المثال، لم يكن يرى في ابن رشد مجرد شارح لأرسطو وإنما كان يراه ذروة في تشكل “العقلانية المغربية الأندلسية” بما تمثله من نزوع برهاني يختلف عن كثير من البنى العرفانية والبيانية التي سادت في لحظات أخرى من تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. وفي هذا الاستدعاء المعاصر ما يبين أن الرشدية لم تمت وأنها كلما ضاق أفق العقل في زمان ما عادت بوصفها وعدا مؤجلا أو مرآة نقدية أو إمكانا غير مستنفد.

غير أن الإنصاف يقتضي أيضا ألا نجعل من ابن رشد أيقونة معصومة. فالرشدية نفسها تحمل توتراتها وحدودها، فتصوره للتمييز بين مراتب الناس في تلقي الحقيقة وإن كان مفهوما في سياقه يطرح أسئلة حديثة حول ديمقراطية المعرفة. وحرصه على صيانة البرهان من التداول الشعبي قد يفضي إذا أسيء استعماله إلى نوع من الأرستقراطية العقلية. كما أن وفاءه الشديد لأرسطو قد يجعل بعض جوانب مشروعه أسيرة لأفق كوني قديم لا يسمح دائما بتجاوزات جذرية كتلك التي ستعرفها العلوم الحديثة. غير أن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمته التاريخية بل تعيد وضعه في مقامه الحقيقي، مفكر عظيم داخل زمنه، صانع لتحول عميق، لا نبيّ للعقل خارج التاريخ.

وإذا عدنا إلى عنوان هذا المقال أي “الرشدية في الفضاء المتوسطي”، أدركنا أن القضية لا تتعلق بابن رشد وحده بل بالمجال الحضاري الذي جعل من عبور الأفكار ممكنا. فالمتوسط هنا ليس جغرافيا فحسب بل بنية تداول وساحة ترجمة وفضاء جدل وممر نصوص ومنطقة تفاعل بين لغات كبرى: العربية، اللاتينية، العبرية، ثم اللغات الرومانسية الناشئة. وفي هذا الفضاء تشكلت واحدة من أعقد قصص انتقال الأفكار في التاريخ. انتقلت نصوص أرسطو إلى العرب، ثم عاد أرسطو إلى أوروبا عبر شروح المسلمين واليهود، فصار “الآخر” شرطا في فهم “الأصل” وصار التوسط الثقافي أعمق من أن يختزل في علاقة أخذ وعطاء بسيطة. والرشدية هي المثال الأوضح على هذا التعالق، عقل أندلسي يشرح يونانيا، يترجمه لاتيني، يخاصمه لاهوتي، يستثمره جامعي ويعيد تأويله يهودي، ثم تستحضره حداثة عربية متأخرة بحثا عن مشروعية العقل.

هذه السلسلة كلها تعلمنا درسا بالغ الأهمية، الأفكار الكبرى لا تنتمي نهائيا إلى موطن واحد. إنها تولد في بيئة ثم تختبر مصيرها في بيئات أخرى وقد تتجدد خارج موطنها أكثر مما تتجدد داخله وهذا ما وقع للرشدية. ففي الوقت الذي تعرض فيه ابن رشد في بعض مراحل حياته للمحنة والنفي والتضييق، كانت نصوصه تشق طريقها نحو حياة أوروبية أخرى ستجعل منه بعد عقود سلطة فكرية مهيبة في قاعات لم يرها قط. يا لها من مفارقة حضارية قاسية وعميقة في آن: أن يُضيق على العقل في بيته الأول ثم يُستدعى في بيت آخر ليصير معلما ولو مؤقتا للعقل نفسه. ولعل هذه المفارقة هي التي منحت الرشدية بعدا رمزيا يتجاوز حدود التاريخ المدرسي. فقد غدت تمثل في المخيال العربي الحديث صورة “العقل المطرود” الذي يجد اعترافه في الخارج وصورة “التراث المؤجل” الذي لا نستعيده إلا بعد أن يمر في مرآة الآخر. وهذه القراءة وإن كانت مشحونة بشيء من الدراما الثقافية فهي تحمل جانبا من الحقيقة. فابن رشد لم يُقرأ عربيا حديثا بالقدر الذي قرئ به أوروبيا في بعض المراحل وإعادة اكتشافه في الثقافة العربية المعاصرة لم تكن بريئة من سؤال النهضة وسؤال العقل وسؤال الخروج من مأزق الانغلاق. ولهذا فإن كل كتابة جادة عن الرشدية اليوم لا يجوز أن تبقى أسيرة الوصف التاريخي بل ينبغي أن تستبطن هذا السؤال: ماذا بقي من الرشدية فينا؟ وأي معنى يبقى لعبارة “الحق لا يضاد الحق” داخل عالم عربي وإسلامي ما يزال يعاني في كثير من مستوياته ومن سوء إدارة العلاقة بين النص والعقل وبين الفقه والمعرفة وبين المقدس والبرهان؟.

إن الرشدية ليست مرثية لزمن ضائع ولا احتفالا ساذجا بعقلانية مجردة وإنما وعي نقدي بأن تاريخ البحر المتوسط قد شهد عبر ابن رشد واحدة من أخصب لحظات التبادل الحضاري في تاريخ الإنسانية. لقد علمتنا هذه اللحظة أن الفلسفة لا تزدهر داخل الأسوار المغلقة وأن النصوص العظيمة تعيش بالترجمة بقدر ما تعيش بالتأليف وأن الخصومات الكبرى قد تكون أحيانا أكثر إنتاجا من الوفاقات الكسولة وأن العقل إذا صيغ بصرامة وأخلاق علمية قادر على عبور اللغات والأديان والحدود. لقد خرج ابن رشد من الأندلس ولم يخرج منها في الوقت نفسه، خرج نصه وسافر وتأول وتنازع عليه المختلفون وبقيت روحه البرهانية شاهدة على أن الحضارات لا تتفوق بما تملكه من يقينيات جاهزة بل بما تسمح به من أسئلة صعبة. وتكاد تكون الرشدية أكثر من فصل في تاريخ الفلسفة الوسيطة، إنها عنوان على قابلية الفكر العربي الإسلامي لأن يكون فاعلا لا منفعلا، مؤسسا لا ناقلا فقط، قادرا على أن يصوغ من داخل لغته وأفقه الديني مشروعا عقليا يفرض نفسه حتى على خصومه. وهي أيضا تذكير صارم بأن العلاقة بين الأندلس وأوروبا لم تكن علاقة حرب وحدها ولا علاقة حدود سياسية وعسكرية فحسب وإنما كانت كذلك علاقة تداول مفاهيم وتنازع تأويلات وتناقل مناهج وتاريخا عميقا من المثاقفة المركبة التي لا يفهم المتوسط من دونها. فكل قراءة تختزل هذا البحر في جغرافيا القوة وتنسى جغرافيا الفكر قراءة عمياء بنصف الحقيقة.

إن الرشدية في الفضاء المتوسطي ليست ماضيا منتهيا نؤرخه ببرودة وإنما هي سؤال حاضر بامتياز. سؤال عن شروط انتقال الأفكار وعن مصير العقل داخل المجتمعات الدينية وعن الترجمة بوصفها خلقا جديدا للنص وعن الحدود الدقيقة بين الوفاء للتراث والقدرة على تجاوزه وعن إمكان بناء كونية فلسفية من داخل الخصوصيات الحضارية لا ضدها. وابن رشد في هذا كله ليس مجرد اسم كبير من أسماء التراث وإنما هو شاهد على أن البحر المتوسط أنجب في بعض لحظاته النادرة عقولا استطاعت أن تجعل من الاختلاف طريقا إلى مزيد من العمق لا ذريعة إلى مزيد من الانغلاق.

فإذا كان التاريخ قد منح أوروبا الوسيطة نص ابن رشد لتعيد به ترتيب علاقتها بأرسطو والعقل والجامعة واللاهوت، فإن التاريخ نفسه يمنحنا اليوم إمكانا آخر، وهو أن نعيد قراءة الرشدية لا بوصفها ذخيرة رمزية للافتخار الثقافي بل بوصفها تمرينا شاقا على الانضباط البرهاني وعلى تحرير السؤال من الكسل وعلى التمييز بين قداسة المعنى وقداسة التأويلات البشرية وعلى إدراك أن الأمم لا تنهض بما تكرره من أمجاد، وإنما بما تحسن استئنافه من طاقات كامنة في تراثها. ومن هذه الزاوية وحدها يصير ابن رشد معاصرا لنا بحق لا لأننا نلوذ باسمه في كل أزمة بل لأننا نتعلم منه كيف يكون العقل وفيا للحقيقة أكثر من وفائه للضجيج وكيف يكون البرهان أشرف من العصبية وكيف يكون الحوار بين الحضارات فعلا منتجا لا شعارا مناسباتيا.

إن الرشدية لم تنتصر لأنها أجابت عن كل الأسئلة بل لأنها أبقت السؤال الفلسفي حيا في لحظة كان من السهل فيها أن يُدفن تحت ثقل السلطتين، سلطة التقليد وسلطة الخوف وذلك هو سر بقائها وسر عبورها وسر عودتها المتكررة كلما شعر العقل بأنه مهدد في حقه في النظر.

لقد برزت الرشدية في الفضاء المتوسطي كواحدة من أجمل الشواهد على أن الأفكار الكبرى لا تموت بالنفي ولا تُهزم بالإدانة ولا تتوقف عند حدود اللغة وإنما تواصل رحلتها حيث تجد عقولا مستعدة لأن تصغي إليها ولو بعد قرون.

***

د. حمزة مولخنيف

الإنسان بين الضرورة الطبيعية والاختيار الأخلاقي

تستقرّ مسألةُ المسؤولية العقلية في قلب البناء الفلسفي الذي شاده ابن رشد لأنّها تمسّ جوهرَ التصور الذي أقامه للإنسان من حيث هو موجودٌ طبيعيٌّ وعاقلٌ مكلَّفٌ وفاعلٌ أخلاقيٌّ وعضوٌ في المدينة وخاضعٌ لنظامٍ كونيٍّ محكمٍ لا يترك مجالا للفوضى ولا يسلِّمُ في الآن نفسه بسقوط الفعل الإنساني في قبضة الجبر الماحق. وكما هو معلوم أنّ مساءلة الإنسان عند ابن رشد لا تنصرف إلى كونه ذاتا حرةً بالمعنى المتأخر الذي كرّسته فلسفات الإرادة الحديثة ولا إلى اعتباره آلةً مندفعةً تحت سلطان العلل دون نصيب من التمييز بل تنصرف إلى فهم منزلته الدقيقة بين قانون الطبيعة ومقتضى الفضيلة بين سلطان الأسباب ومجال التروّي وبين ما يَرِدُ عليه من الخارج وما يصدر عنه بعد نظرٍ وتقدير.

ولذلك تكتسب هذه القضية وزنا استثنائيا داخل النسق الرشدي لأنّها تكشف عن إحدى أكثر نقاطه إحكاما وتعقيدا، كيف يُعقَلُ ثبوتُ التكليف من غير تعطيلٍ للسببية؟ وكيف يُفهَمُ استحقاقُ المدح والذم من غير إفسادٍ للنظام الطبيعي؟ وكيف يُصانُ المعنى الأخلاقي للفعل من غير السقوط في أوهام الحرية المطلقة أو ذرائع الحتمية العمياء؟ تلك أسئلةٌ لا تقف عند حدود الجدل الكلامي حول الجبر والكسب والاستطاعة، بل تنفذ إلى البنية العميقة التي تنتظم تصوّر ابن رشد للعقل والخلق والشريعة والسياسة معا. فالرجل لا يفكّر في الفعل الإنساني من زاويةٍ لاهوتيةٍ مجرّدة ولا من أفقٍ نفسيٍّ معزول، بل يربطه بشبكةٍ واسعةٍ من المحددات، بطبائع النفس ومراتب الإدراك وأثر العادة وقوة الملكة ووظيفة التربية وسلطة القانون ومقاصد الشرع وتفاوت العقول في تلقي الحقائق والتجاوب مع مقتضياتها.

وعلى هذا الأساس تعتبر المسؤولية عند ابن رشد مفهوما مركبا لا ينعقد على مجرد إمكان الفعل بل على أهلية التمييز وسلامة التقدير ومقدار ما يبلغه الإنسان من القدرة على تدبير قواه وردّ شهواته إلى الاعتدال. فالإنسان لا يُسأل عنده لأنه يتحرك فقط بل لأنه قادرٌ على أن يُحسنَ توجيهَ حركته ولا يُؤاخذ لأنه يشتهي أو يغضب أو يتأثر بل لأنه مدعوٌّ إلى أن يجعل من العقل سلطانا ناظما لهذه القوى لا شاهدا عاجزا عليها. ومن هنا كانت الأخلاق في أفقه امتدادا طبيعيا للأنطولوجيا وكان التكليف الشرعي ترجمةً عمليةً لما تقتضيه الفطرة العاقلة وكان التشريع نفسُه جزءا من مشروع تكميل الإنسان لا مجرد نظام زجريٍّ خارجيٍّ مفروض.

إنّ قراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد تفتح بابا واسعا لفهم مذهبه برمّته؛ لأنّها تجمع بين ما قد يبدو متباعدا في الظاهر بين دفاعه الصارم عن السببية ضدّ المتكلمين وتمسّكه الصريح بمعنى التكليف؛ بين وفائه العميق لأرسطو وحسن إدراجه للمباحث الفقهية والكلامية ضمن أفقٍ برهانيٍّ أشمل؛ بين إقراره بتفاوت الناس في الاستعداد والمرتبة وإصراره على بقاء الإنسان محلاًّ للتهذيب والتقويم والمساءلة. وبذلك تنكشف الرشدية لا بوصفها تكرارا لميراث يونانيٍّ منقول بل بوصفها جهدا فلسفيا أصيلا سعى إلى تشييد صورةٍ متوازنةٍ للإنسان، صورةُ الكائن الذي لا يملك أن يخرج من العالم غير أنّه يملك أن يسمو داخل العالم؛ ولا يملك أن ينسخ طبعه الأوّل غير أنّه يملك أن يُهذّبَه؛ ولا يملك أن يتحرر من كل ضرورة غير أنّه يملك أن يجعل من العقل أداةً لتحويل الضرورة من قيدٍ أعمى إلى شرطٍ من شروط الفضيلة.

وتفترض هذه المقالةُ نفسها بوصفها مساءلةً فلسفيةً لموضع الإنسان بين ما يحدّه وما يرفعه، بين ما يُكرهُه وما يُلزمه، بين ما يرثه من الطبيعة وما يصنعه في ذاته عبر التروي والاعتياد والمجاهدة. فالمسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست قضيةً جزئيةً في باب الأخلاق، بل هي مفتاحٌ لقراءة تصوره للإنسان كلّه، ذلك الكائن الذي لا يستحق كرامته إلا بقدر ما ينجح في أن يجعل من العقل ميزانا للفعل ومن الفضيلة صورةً للحياة ومن الشريعة أفقا لتكميل ما أودع الله فيه من قابلية النظر والعمل.

ليس من اليسير أن يُقارب الباحثُ مسألةَ المسؤولية العقلية عند ابن رشد من داخل جهازه المفهومي من غير أن يقع في أحد مأزقين متقابلين: مأزق القراءة الكلامية التي تُقحم الرجل في معارك المتكلمين حول الجبر والاختيار إقحاما يُفسد انتظام مشروعه الفلسفي، ومأزق القراءة الحداثية المتعجلة التي تستنطق نصوصه بمنطق الحرية الذاتية الحديثة كما تشكلت في فلسفات الإرادة والوعي والضمير. ذلك أن ابن رشد لا يفكر في الإنسان باعتباره ذاتا منغلقة على نفسها مستقلة عن العالم منشئة لمعناها من داخل قرارها الباطني، وإنما يفكر فيه باعتباره كائنا طبيعيا مدنيا عاقلا مندرجا في نظام الكون محكوما بشروط المادة والحركة والعادة والملكة ومفتوحا في الآن نفسه على أفق التكميل العقلي والتهذيب الخلقي والتشريع العملي. إن السؤال عن المسؤولية عنده لا يمكن أن يُطرح إلا داخل هذا التوتر الدقيق بين انخراط الإنسان في السببية الكونية وبين تميزه بالفعل العقلي الذي يجعله قابلا للتكليف وقادرا على الترجيح ومستحقا للمدح والذم.

إن ابن رشد وهو الشارح الأكبر لأرسطو في الحضارة الإسلامية لم يورثنا رسالة مستقلة بعنوان المسؤولية أو الحرية أو الاختيار كما فعل بعض المتكلمين في مصنفاتهم الخاصة بالكسب والقدرة والاستطاعة. غير أن هذا لا يعني أن المسألة غائبة عن فكره بل هي مبثوثة في مواضع كثيرة من شروحه لأرسطو وفي كتبه الكلامية والفقهية وبخاصة في تهافت التهافت وفصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة وشرحه لكتاب الأخلاق إلى نيقوماخوس، بل وفي طريقته العامة في فهم العلاقة بين الشريعة والحكمة. ذلك أن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مجرد قضية جزئية في باب الأفعال الإنسانية وإنما هي أثر مباشر لتصوره للإنسان وللعقل وللنظام الطبيعي وللقانون الأخلاقي وللخطاب الشرعي. وإذا كان بعض المتكلمين قد انصرفوا إلى الدفاع عن عدل الله عبر بناء نظريات في خلق الأفعال أو كسبها فإن ابن رشد يتجه وجهة مغايرة، إنه ينقل النقاش من ميتافيزيقا الجدل الكلامي إلى أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفعل وسياسة المدينة، فيصير السؤال كيف يكون الإنسان مسؤولا ما دام جزءا من الطبيعة؟ وكيف يصح التكليف ما دام الفعل لا يقع خارج سلسلة الأسباب؟ وكيف يستقيم المدح واللوم إذا كانت الأهواء والطبائع والملكات تؤثر في السلوك؟ وكيف يمكن للتشريع أن يكون عادلا ما لم يفترض في الإنسان قدرا من الإدراك والاختيار؟.

وتكتسب قضية المسؤولية العقلية عند ابن رشد قيمتها الفلسفية الكبرى لأنها تكشف عن عبقرية ذلك المسلك الذي لا يُسقط الضرورة الطبيعية باسم حرية متوهمة ولا يُبطل الاختيار الأخلاقي باسم حتمية عمياء بل يشتغل على تركيب معقد يجعل الإنسان واقعا تحت سلطان الطبيعة من جهة، وقابلا للارتقاء بالعقل والتربية والتشريع من جهة أخرى. إن هذا التركيب هو الذي يمنح الفلسفة الرشدية راهنيتها لأنه يضعنا أمام نموذج تفكير يرفض الثنائية الساذجة بين الجبر والاختيار ويبحث بدل ذلك عن شروط المسؤولية الواقعية الممكنة داخل عالم منظم بالأسباب.

لقد كان أرسطو يرى في الأخلاق النيقوماخية أن موضوع الثناء واللوم إنما هي الأفعال الإرادية، أما ما يقع بالإكراه أو الجهل المحض فليس محلا للمؤاخذة على الوجه نفسه. وقد سبق أن ميز بين ما هو بإرادة وما هو بغير إرادة، ثم ردّ الفضيلة والرذيلة إلى العادة والاعتياد والاختيار المتكرر حتى صار الإنسان في نظره صانعا لملكات نفسه من حيث هو فاعل لأفعاله المتكررة. هذه الأرضية الأرسطية هي المفتاح الأول لفهم ابن رشد لأن الرجل لا يتبنى منطق الإرادة المنفصلة عن العقل كما ستتبلور لاحقا عند بعض اللاهوتيين بل يربط الفعل الإنساني بملكة عقلية عملية تجعل الاختيار ثمرة مداولة وترجيح لا مجرد اندفاع نفسي. ولذلك كان شرحه للأخلاق الأرسطية مجالا خصبا لفهم تصوره للمسؤولية. فالفعل عنده لا يكون إنسانيا بالمعنى الدقيق إلا إذا صدر عن مبدأ داخلي مع علم بالغايات والوسائل، وإذا كان الفاعل قد أمكنه أن يختار بين الممكنات بحسب ما يظهر له أنه خير. وهنا تتأسس المسؤولية لا على مجرد القدرة الفيزيائية على الفعل بل على قابلية العقل العملي لتقدير ما ينبغي فعله. غير أن هذا الأساس لا ينفصل عند ابن رشد عن بنية كونية صارمة. فالكون عنده ليس مجالا للفوضى بل هو انتظام علّي محكم. وقد كان شديد النقد للمتكلمين الذين توسعوا في نفي السببية الطبيعية بدعوى حفظ قدرة الله المطلقة. ففي تهافت التهافت يقرر بما لا يدع مجالا للبس أن إنكار الارتباط بين الأسباب والمسببات يؤدي إلى إبطال العلم نفسه لأن العلم إنما يقوم على معرفة العلل، وإذا رُفع هذا الارتباط لم يعد ثمة موضوع حقيقي للمعرفة. ومعنى ذلك أن الإنسان لا يتحرك في فراغ وجودي بل في عالم تُحدِّد فيه الطبائعُ والأمزجةُ والظروفُ والأسبابُ الخارجيةُ كثيرا من إمكانات الفعل. وهذا الإدراك الرشدي للضرورة الطبيعية ليس عرضا هامشيا بل هو شرط أولي لأي فهم واقعي للمسؤولية؛ إذ لا مسؤولية تُفهم خارج معرفة ما يحد الفعل وما يوجهه وما يؤثر فيه.

وهنا يظهر الفرق العميق بين ابن رشد وبين كثير من معالجات المتكلمين. فالمتكلمون كانوا يتساءلون هل الله خالق أفعال العباد أم العباد خالقوها؟ هل للعبد قدرة مؤثرة أم لا؟ هل الاستطاعة قبل الفعل أم معه؟ وهذه أسئلة تنتمي إلى أفق جدلي لاهوتي يبتغي في الغالب تنزيه الباري أو حفظ العدل الإلهي. أما ابن رشد فيسأل من موقع آخر ما طبيعة الفعل الإنساني؟ كيف يتكون الاختيار؟ ما دور العقل العملي والملكة والعادة والتربية؟ ما موقع الانفعال والشهوة والغضب؟ كيف تُبنى الفضيلة؟ متى يكون اللوم معقولا؟ وهذا التحول في موضع السؤال هو نفسه تحول في معنى المسؤولية. فهي عنده ليست لغزا ميتافيزيقيا حول من يخلق الفعل بل هي وصف معياري للفعل الإنساني من حيث نسبته إلى فاعل قادر على التمييز والتروي والاعتياد.

ولئن كان ابن رشد قد انتقد الأشاعرة في بعض تصوراتهم للسببية فإن نقده لا يعني تبنيه لمذهب فلسفي يلغي الحرية الإنسانية بل إن العكس هو الصحيح، إنه يرفض إنكار الأسباب لأن ذلك يهدم إمكان المحاسبة والتدبير والتعليم. فإذا لم تكن هناك طبائع ثابتة ولا روابط معتبرة بين المقدمات والنتائج فكيف نُربي؟ وكيف نُشرّع؟ وكيف نُقوّم الأفعال؟ وكيف نفهم أثر العادة في تكوين الخلق؟ لقد فهم ابن رشد أن الدفاع عن السببية ليس خصومة مع الحرية بل هو الشرط الوحيد لفهم حرية منضبطة متدرجة قابلة للتكميل. فالحرية المطلقة التي لا تُحدها طبائع ولا أسباب ليست حرية إنسانية بل هي وهم لغوي. والإنسان لا يكون حرا إلا بقدر ما يعرف شروطه ويهذب ميوله ويُحسن استعمال ما أُعطي من قوة التمييز.

ينبغي في هذا السياق أن نستحضر أن ابن رشد بحكم تكوينه الفقهي والقضائي لم يكن ينظر إلى الإنسان نظرة نظرية مجردة. لقد كان قاضيا وفقيها قبل أن يكون شارحا لأرسطو، وكان يعرف أن المسؤولية في المجال العملي لا تُبنى على مثال تجريدي للفاعل بل على تمييز دقيق بين حالات العلم والجهل والعمد والخطأ والإكراه والاختيار والقدرة والعجز والقصد والغفلة. وهذه المعاني كلها حاضرة في الفقه الإسلامي لا باعتبارها مسائل لغوية بل باعتبارها معايير للحكم. لذلك فحين نقرأ ابن رشد في بداية المجتهد نجد ذلك الحس العملي العميق الذي يربط الأحكام بأوصاف الأفعال والنيات والقدرات والأعذار. صحيح أن بداية المجتهد كتاب فقهي مقارن لكنه يكشف عن عقلية رشديّة ترى أن التكليف لا ينفصل عن الطاقة وأن المؤاخذة لا تستقيم من غير تمييز بين الأحوال. وهو ما يلتقي مع الآية الكريمة: «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، ومع الحديث المشهور: «رفع القلم عن ثلاثة». غير أن ابن رشد لا يكتفي باستحضار هذه المعاني نقلا بل يجعلها مندرجة في تصور عقلي عام للإنسان بوصفه موجودا متفاوت الاستعدادات مختلف القابليات لا يُخاطَب خطابا واحدا من غير مراعاة لمستواه العقلي والنفسي والاجتماعي.

ونفهم هنا أيضا صلته بمسألة التأويل في فصل المقال. فالتفاوت في العقول عنده ليس مجرد وصف معرفي بل له أثر أخلاقي وسياسي وتشريعي. الناس ليسوا سواء في طرق التصديق ولا في مناهج الفهم ولا في القدرة على البرهان. منهم من يقنعه الخطاب البرهاني ومنهم من يأنس بالجدل ومنهم من لا يتجاوز مرتبة الخطابة والتمثيل. وهذا التفاوت ليس ذما للإنسان من حيث هو إنسان بل اعتراف ببنية اجتماعية معرفية تقتضي تنوع الخطاب. لكن هذا التفاوت نفسه يؤثر في مفهوم المسؤولية لأن من لا يدرك البرهان لا يُطالب بما يُطالب به البرهاني من حيث دقة النظر. ومن كان أسير الخيال أو العادة لا يُعامل معاملة من استكمل ملكة التمييز. هكذا تصبح المسؤولية عند ابن رشد متدرجة لا بمعنى إسقاط التكليف بل بمعنى أن مراتب المؤاخذة مرتبطة بمراتب الإدراك والقدرة والملكة.

وقديما قال أرسطو إن «الإنسان مبدأ أفعاله»، لكن هذا المبدأ ليس مبدأ مطلقا على مثال العلة الأولى بل مبدأ نسبي داخل شبكة من العلل. وهذا المعنى الأرسطي هو الذي يتخذه ابن رشد أساسا لفهم الفعل الإنساني. فالإنسان مبدأ فعله لأنه يحمل في نفسه قوة الشهوة والغضب والتخيل والنظر ولأنه يقدر على المداولة في الوسائل المؤدية إلى الغايات. لكنه ليس مبدأ مطلقا لأنه ليس مفصولا عن الطبيعة ولا عن المجتمع ولا عن التربية ولا عن السنن. ولذلك فإن المسؤولية عنده لا تُفهم بوصفها استقلالا ميتافيزيقيا بل بوصفها نسبة الفعل إلى فاعل عاقل داخل شروط محددة. وهذا المعنى أقرب إلى ما سيعبر عنه سبينوزا بعد قرون بصيغة مغايرة حين يقول إن الناس «يظنون أنفسهم أحرارا لأنهم يشعرون بأفعالهم ويجهلون الأسباب التي تحددهم». غير أن الفرق بين الرجلين كبير؛ لأن سبينوزا يميل إلى رد الحرية إلى فهم الضرورة نفسها بينما يظل ابن رشد متمسكا بأفق أخلاقي وتشريعي يجعل الفعل الإنساني قابلا للحكم القيمي وللتقويم العملي. ومع ذلك فإن الجمع بينهما يكشف لنا أن الوعي بالأسباب ليس نقيضا للمسؤولية بل قد يكون شرطا لتعميقها.

إن الإنسان عند ابن رشد ليس جوهرا بسيطا، إنه بنية مركبة: جسم ونفس، حس وتخيل، شهوة وغضب، عقل نظري وعقل عملي، عادة وملكة. وهذه التركيبية هي التي تجعل الفعل الأخلاقي معقدا. فالذي يختار ليس العقل وحده في عزلة بل الإنسان كله بما فيه من نزوعات ومقاومات وذكريات وعوائد وتصورات. ولذلك فإن ابن رشد على خطى أرسطو يجعل تهذيب الأخلاق قائما على صناعة العادة الصالحة قبل أن يكون مجرد تلقين نظري للمبادئ. الفضيلة ليست معرفة مجردة بل ملكة راسخة تتكون من التكرار وتُقوَّم بالتربية وتُصان بالقانون. وهذا المعنى بالغ الأهمية في موضوعنا لأنه يدل على أن المسؤولية لا تبدأ عند لحظة القرار فحسب بل تتكون قبل ذلك في مسار طويل من بناء الذات. فمن اعتاد الظلم حتى صار له خلقا ليس معذورا لمجرد أن الرذيلة استحكمت فيه لأن استحكامها نفسه ثمرة أفعال سابقة قابلة للنسبة إليه. وقد قرر أرسطو هذا المعنى بوضوح حين قال إن الناس إذا صاروا ظالمين أو منحلين بسبب أفعالهم المتكررة لم يعد لهم أن يحتجوا بأنهم صاروا كذلك بالطبع. وابن رشد يلتقط هذا الجوهر الأرسطي ويُدخله في سياق إسلامي يجعل التهذيب والتشريع متساندين.

وهنا يظهر أن الضرورة الطبيعية عند ابن رشد ليست شيئا واحدا بسيطا. فهناك ضرورة تتعلق ببنية الجسد والمزاج وضرورة تتعلق بالمحيط والعادة وضرورة تتعلق بالقوانين العامة للطبيعة وضرورة تتعلق بالبنية الاجتماعية والسياسية. لكن هذه الضرورات كلها لا تُبطل إمكان التهذيب بل تجعل الحاجة إليه أشد. فالمدينة الفاضلة أو المدينة الصالحة في أفق الفكر القديم ليست مجرد تجمع للأفراد بل هي جهاز تربية وتشريع وتوزيع للوظائف وضبط للأهواء. ولذلك كان أفلاطون يرى أن العدالة في النفس والمدينة معا تتأسس على ترتيب القوى وإعطاء كل قوة موضعها، وكان أرسطو يؤكد أن المشرع هو صانع الفضائل بسن القوانين التي تعوّد الناس الخير. وابن رشد وإن لم ينسج تصورا سياسيا مستقلا في مستوى الجمهورية أو السياسة فإنه يظل وفيا لهذا المعنى، لا أخلاق من غير سياسة ولا مسؤولية من غير نظام مدني يهيئ شروطها.

ولعل من أدق المواضع التي تتجلى فيها بصيرة ابن رشد هو ربطه بين العقل العملي والاختيار. فالاختيار عنده ليس مرادفا للإرادة بمعناها المنفلت بل هو فعل يمر عبر التروي. لقد ورث من أرسطو أن الاختيار إنما يتعلق بالوسائل الممكنة المؤدية إلى غاية متصورة على أنها خير. أما الغايات العليا فترتبط بتكوين الخلق وتقدير العقل لما هو حسن في الجملة. إن الإنسان لا يختار الخير دائما اختيارا مباشرا لأن نظره قد يختل وذوقه قد يفسد وشهوته قد تغلبه وخياله قد يضلله. لكن هذا كله لا يرفع عنه المسؤولية مطلقا لأن العقل العملي لا يُختزل في لحظة حضور مجردة بل هو ملكة تُبنى وتُنمّى. فإذا أفسد المرء آلة حكمه زمنا طويلا كان مسؤولا عن فساد أحكامه اللاحقة بقدر ما كان قادرا على التدارك ولم يفعل.

ولقد أدرك الفقهاء المسلمون كل من موقعه أن مناط التكليف هو العقل، ولذلك قالوا في عباراتهم المأثورة: «لا تكليف إلا بعقل»، و«المجنون غير مكلف»، و«الخطاب الشرعي يتعلق بأفعال المكلفين». غير أن ابن رشد يمنح هذا المبدأ بعدا فلسفيا أعمق. فالعقل ليس مجرد شرط قانوني شكلي بل هو الصورة التي بها يصير الإنسان إنسانا على التمام. إن العقل هو الذي ينقل الفعل من مستوى الانفعال الطبيعي إلى مستوى الفعل المقصود. وإذا كان الحيوان يتحرك بالشهوة والخيال، فإن الإنسان يضيف إليهما التمييز والمداولة والنظر في العواقب. وقد كانت المسؤولية العقلية عند ابن رشد أخص من مجرد المسؤولية القانونية لأنها تتعلق بكون الإنسان محكوما بأن يرقى إلى ما يقتضيه نوعه. وهذا المعنى يذكرنا بما قاله الفارابي في تحصيل السعادة من أن كمال الإنسان إنما هو في أن يصير عقلا بالفعل ويذكرنا كذلك بما سيقرره كانط لاحقا وإن في أفق مغاير حين يجعل الاستقلال العقلي شرط الكرامة الأخلاقية. غير أن الفرق واضح، فكانط يؤسس المسؤولية على الإرادة العاقلة التي تشرع لنفسها، أما ابن رشد فيؤسسها على عقل عملي مندرج في نظام طبيعي ومدينة وشريعة.

ومن المسائل التي لا بد من إبرازها أن ابن رشد لا يفهم الشريعة بوصفها خصما للفلسفة بل بوصفها نظاما عمليا لتكميل الإنسان بحسب طاقته. وهذا ينعكس مباشرة على مفهوم المسؤولية. فالتكليف الشرعي عنده ليس اعتباطا ولا امتحانا منفصلا عن طبيعة الإنسان بل هو موافق لما تقتضيه الفطرة العقلية من طلب الخير ودفع الشر. وإذا كانت الشريعة تأمر وتنهى وتعد وتتوعد فلأنها تخاطب كائنا قابلا للتأثر بالموعظة وبالعقوبة وبالرجاء لا مجرد عقل محض. وهذا الاعتبار التربوي في الخطاب الشرعي يؤكد أن المسؤولية ليست فكرة نظرية صرفة بل هي بنية تربوية تستند إلى معرفة دقيقة بالنفس الإنسانية. وقد قال الغزالي رغم خصومته المعروفة مع الفلاسفة في مسائل أخرى كلاما له صلة بموضوعنا حين قرر أن العلم إذا لم يقترن بالعمل كان حجة على صاحبه. فالمعرفة تُحمّل صاحبها تبعة زائدة. وهذا المعنى لا يبعد عن الروح الرشدية، فكلما اتسع أفق الإدراك اشتدت المؤاخذة لأن الحجة تكون قد قامت على وجه أتم.

وعند هذا الحد تبرز لنا مسألة دقيقة، هل المسؤولية عند ابن رشد متساوية بين الناس؟ الجواب: لا، إذا فهمنا المساواة بمعنى التماثل التام في مقدار التبعة. نعم، من حيث الأصل العام الناس مخاطبون، لكن من حيث التفصيل تتفاوت مراتبهم بحسب العقل والملكة والقدرة والعلم والاعتياد والمقام. وهذه الفكرة ليست تمييزا تعسفيا بل هي عين العدل في التصور الرشدي. فالتسوية بين المختلفين ظلم كما أن التفريق بين المتماثلين ظلم. ولذلك كان الفقه الإسلامي حافلا بمراعاة الأحوال، الصبي غير البالغ ليس كالبالغ والناسي غير العامد والمكره غير المختار والجاهل في بعض المواطن غير العالم والمضطر غير المختار. غير أن ابن رشد يوسع هذا المعنى من الإطار الفقهي إلى الإطار الفلسفي فيجعل تفاوت المدارك جزءا من فهم الخطاب نفسه. فليس كل إنسان يخطئ في الاعتقاد أو العمل سواء في الذنب لأن الخطأ قد يكون وليد تقصير وقد يكون ثمرة قصور. وبين التقصير والقصور فرق جوهري في باب المسؤولية.

إن التقصير هو أن يترك الإنسان ما يقدر عليه من طلب الحق أو تهذيب النفس أو تحصيل العلم أو مقاومة الهوى. أما القصور فهو أن لا تتأتى له الآلة أصلا أو لا تكتمل له الشروط. وهذا التمييز بالغ الدقة ويصلح مفتاحا لقراءة كثير من مواقف ابن رشد. فالرجل لا يعذر من عطّل عقله وهو قادر على النظر ولا يساوي بين من غلبته شهوة عارضة بعد مجاهدة وبين من استسلم لها حتى صارت قانون نفسه. لكنه في الوقت ذاته لا يبني الأحكام على مثال طوباوي للإنسان الكامل بل يدرك أن البشر درجات وأن السياسة الشرعية والعقلية الرشيدة إنما تتعامل مع الممكن البشري لا مع المثال المفارق.

ولعل هذا ما يجعل مفهوم المسؤولية العقلية عنده مفهوما مركبا لا يُختزل في الحرية المجردة ولا في الحتمية الصماء. إنها مسؤولية تقوم على ثلاثة أركان متداخلة، إدراك عقلي يميز بين الممكنات وملكة خلقية تتكون بالاعتياد ونظام مدني شرعي يوجه السلوك ويقوّمه. فإذا اختل الإدراك ضعفت المسؤولية، وإذا فسدت الملكة تعقدت المؤاخذة من حيث هي ثمرة تاريخ شخصي، وإذا غاب النظام المدني اضطربت شروط الفعل نفسه. وبمقتضى هذا التصور، يصير الإنسان مجرد ضحية للضرورة ولا سيدا مطلقا عليها بل كائنا يفاوض شروطه ويشتغل على نفسه ويتدرج في التحرر النسبي من سلطان الهوى بقدر ما يزداد نصيبه من العقل.

إن ابن رشد يقدم لنا تصورا للمسؤولية أقرب إلى الحرية المُمكنة لا الحرية المطلقة. فالحرية عنده ليست نفيا للعلل بل حسنُ الانخراط فيها وتوجيهُها بقدر الطاقة. وهي ليست انفلاتا من الطبيعة بل تهذيبا للطبيعة الإنسانية حتى تصير الشهوة مطاوعة للعقل والغضب خادما للعدل والخيال عونا على الإدراك لا مصدرا للوهم. وهذه الرؤية تلتقي في بعض جوانبها مع ما قاله الرواقيون من أن الحرية الحقة هي موافقة العقل الكوني، لكنها تختلف عنهم لأن ابن رشد لا يذيب الفرد في قدر كوني صلد بل يترك مجالا حقيقيا للتربية والاختيار والتدرج واللوم والثناء.

ولذلك فإن أي قراءة تبسيطية لابن رشد تُصوره إما جبريا بحكم إيمانه بالسببية وإما تحرريا حداثيا بحكم دفاعه عن العقل وبالتالي فهي قراءة قاصرة. إن عبقريته تكمن في هذا التوازن العسير، أي الدفاع عن انتظام الطبيعة ضد العبث الكلامي والدفاع عن التكليف ضد الحتمية العمياء والدفاع عن العقل ضد الغوغائية والدفاع عن الشريعة ضد التأويل الفوضوي والدفاع عن التدرج في الخطاب ضد التسوية الساذجة بين العقول. وكل ذلك ينعكس في مفهومه للمسؤولية بوصفها فعلا عقلانيا أخلاقيا مشروطا لا مطلقا ولا معدوما.

ويصبح الإنسان عند ابن رشد واقفا في منزلة وسطى بين عالمين، عالم الضرورة الذي يشده إلى الأرض والجسد والعادة والمجتمع، وعالم الغاية الذي يدعوه إلى الخير والعدل والحكمة والاعتدال. وهذه المنزلة الوسطى ليست ضعفا بل هي عين إنسانيته. إذ لو كان ضرورة محضة لانتفى معنى الأخلاق، ولو كان حرية مطلقة لانقطع عن العالم وصار شبيها بإله صغير متوهم. أما وهو هذا الكائن المركب فإن كرامته تقوم في قدرته على أن يصنع من الضرورة مادةً للفضيلة ومن القيد طريقا إلى التهذيب ومن الطبيعة أفقا للتكميل لا سجنا مغلقا.

ويمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد حريصا على أن يُبقي العلاقة بين الحكمة والشريعة علاقةَ توافق لا تناقض. لأن كلا منهما، على اختلاف المنهج واللسان يشتغل على الإنسان نفسه، ذلك الكائن الذي لا يُصلحه مجرد العلم ولا يكفيه مجرد الوعظ بل يحتاج إلى برهان يهديه وشريعة تهذبه وسياسة تقيمه وعادة ترسخه. إن المسؤولية العقلية ليست عنده مفهوما قانونيا باردا بل هي عنوان مشروع حضاري كامل قوامه أن يصير الإنسان أهلا لما أودع فيه من قوة النظر وقادرا على أن يحمل تبعة فعله في عالم لا يرحم الجاهل بقوانينه ولا يعذر من فرّط في إنسانيته.

إن الفعل الإنساني عند ابن رشد لا يصدر عن الإرادة كما تُفهم في صورها المتأخرة باعتبارها قوة سيادية مستقلة عن سائر قوى النفس بل يخرج من شبكة متكاملة تتآزر فيها الحواس والتخيل والشهوة والغضب والعقل العملي. إن الاختيار ليس قرارا فجائيا يهبط على النفس من فراغ وإنما هو ثمرة مداولة داخلية يتقدم فيها تصور الغاية ثم النظر في الوسائل ثم الترجيح ثم العزم. وهذا المعنى مأخوذ في جوهره من أخلاق أرسطو التي قرأها ابن رشد قراءة دقيقة حيث يكون الاختيار متعلقا بما هو ممكن للإنسان من الأفعال لا بما هو مستحيل ولا بما وقع وانقضى ولا بما لا سلطان له عليه. فالإنسان لا يختار أن يكون مولودا في هذا الزمان أو ذاك ولا يختار طبعه الأولي اختيارا مباشرا لكنه يختار كيف يتصرف فيما وُهب له من استعدادات وكيف يوجه ميوله وكيف يتعامل مع إمكاناته وحدوده، وهذا التمييز هو لبّ المسؤولية العقلية. إذ ليست المسؤولية عند ابن رشد متعلقة بكل ما يقع من الإنسان على جهة الإطلاق بل بما يصدر عنه بعد أن يمر بدرجة ما من التمثل والتمييز. ولذلك فإن العقل العملي عنده ليس مجرد ملكة نظرية تُصدر أحكاما في الخير والشر بل هو قوة تدبيرية تضبط الحركة بين الممكنات. وهو بهذا المعنى أقرب إلى ما سماه الفلاسفة المسلمون التعقل العملي الذي يربط المعرفة بالفعل ويجعل الحكمة ليست في أن يعرف المرء ما هو الخير فحسب بل في أن يقدر على حمل نفسه عليه. وقديما قال سقراط إن الفضيلة علم غير أن أرسطو صحح هذا القول حين بين أن العلم وحده لا يكفي لأن المرء قد يعرف الخير ولا يفعله لغلبة شهوة أو ضعف ملكة أو فساد عادة. وابن رشد ينحاز إلى هذا التعديل الأرسطي؛ فهو لا يردّ الرذيلة إلى الجهل المحض ولا الفضيلة إلى المعرفة المجردة بل يجعل بينهما مسافة تملؤها التربية والاعتياد والمجاهدة.

ويكتسب مفهوم الملكة مكانة مركزية في فهم المسؤولية. فالملكة عند ابن رشد على خطى أرسطو ليست فعلا عابرا بل هيئة راسخة تتكون بالتكرار حتى تصير للنفس طبيعة ثانية. والإنسان لا يُحاكم أخلاقيا على الأفعال المنفردة فحسب بل على ما تكشف عنه هذه الأفعال من تكوين داخلي رسخ فيه الخير أو الشر. فإذا كان قد تكرر منه العدل حتى صار سهلا عليه أو تكرر منه الظلم حتى صار مألوفا عنده فإن المؤاخذة أو الثناء يتجاوزان اللحظة المفردة إلى البناء الباطني الذي صنعه بيده. وهنا تظهر عبقرية التصور الرشدي، فالضرورة لا تُفهم فقط باعتبارها قانون الطبيعة الخارجية بل أيضا باعتبارها ما يصنعه الإنسان في نفسه من عادات حتى تصير قريبة من الضرورة. فالمدمن على الكذب أو المسترسل في الجور أو المستكين لشهواته قد يبدو بعد زمن كأنه مسلوب الإرادة غير أن هذه الحال ليست في أصلها قدرا منزلا بل نتيجة تراكم اختيارات سابقة أفضت إلى تضييق مجال اختياره اللاحق. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل الحرية عند ابن رشد لا تُفهم كمعطى جاهز بل كقوة تُبنى أو تُهدم.

لقد أدرك الفقهاء قبل الفلاسفة أن التكرار يغيّر الحكم على الأفعال من حيث الدلالة على القصد والاعتياد. فالزلة غير الإصرار، والخطأ العارض غير الإمعان، واللمم غير اتخاذ الذنب خُلقا. غير أن ابن رشد يرفع هذا الإدراك الفقهي إلى مستوى فلسفي أشمل، فيجعل الإنسان مسؤولا لا عن أفعاله المباشرة فقط بل عن صناعة نفسه عبر الأفعال. وهنا تلتقي الرشدية مع عبارة أرسطو الشهيرة التي تفيد أن الفضائل والرذائل تكون فينا من قبل ما نفعله مرارا. كما تلتقي مع ما قاله ابن مسكويه في تهذيب الأخلاق من أن النفس وإن كانت تقبل استعدادات مختلفة فإنها قابلة للرياضة والتقويم وأن الأخلاق ليست سجونا مغلقة لا تُبدّل. هذا المعنى هو الذي يردّ على كل قراءة تستسهل تعليق الرذائل على شماعة الطبع أو المزاج أو المجتمع وحده؛ فهذه كلها مؤثرات حقيقية لكن الإنسان يظل مع ذلك معنياً بقدر ما يستطيع من التهذيب والمقاومة وإعادة التشكيل.

وعند هذا الموضع يبرز السؤال الكلامي الكبير في خلفية المشروع كيف يمكن إثبات هذه المسؤولية من غير الوقوع في وهم الاستقلال المطلق للإنسان عن العناية الإلهية أو النظام الكوني؟ إن ابن رشد لا يدخل هذا السؤال من مدخل الأشاعرة ولا من مدخل المعتزلة وإن كان يقترب أحيانا من بعض مقاصد هؤلاء وأولئك من غير أن يتطابق معهم. فالأشاعرة في تشديدهم على عموم القدرة الإلهية انتهوا في كثير من صيغهم إلى نظرية الكسب التي تُبقي للعبد نسبةً ما إلى الفعل من غير أن تجعل له تأثيرا حقيقيا مستقلا. والمعتزلة في دفاعهم عن عدل الله وسّعوا من دائرة قدرة العبد حتى كاد الفعل يصير مضافا إليه إضافة أقوى. أما ابن رشد فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى هذا التقابل الحاد لأن تصوره للسببية الطبيعية ولتعدد مراتب العلل يسمح له بفهم الفعل الإنساني بوصفه واقعا داخل نظام عام مع بقائه منسوبا إلى فاعله الإنساني من حيث هو مبدأ قريب واعٍ. فالفاعل الإنساني ليس علة أولى لكنه علة قريبة معتبرة. وإذا أُلغيت هذه العلية القريبة بطل معنى التربية والتشريع والمدح واللوم.

ولهذا كان نقده للمذاهب التي تضعف السببية الطبيعية نقدا أخلاقيا بقدر ما هو معرفي. فإنكار العلل لا يُفسد العلم وحده بل يفسد كذلك فقه الإنسان بنفسه. فإذا لم تكن للشهوة آثار معلومة وللعادة سلطان مفهوم وللتربية أثر ثابت وللبيئة الاجتماعية تأثير معتبر فإن كل سياسة أخلاقية تصبح عبثا. وكيف يُطلب من المشرّع أن يُصلح ومن المعلم أن يُهذب ومن القاضي أن يُقدّر إذا كان الفعل ينبت من فراغ غير قابل للفهم؟ لقد كان ابن رشد أعمق من أن ينخدع بثنائية الجبر والاختيار في صيغتها المدرسية. إنه يدرك أن الإنسان محكوم بسلسلة من العلل لكن بعض هذه العلل داخل فيه ومنه وبها يكون محلا للتكليف. ولذلك فإن العذر عنده لا يتقرر لمجرد وجود سبب إذ لا فعل بلا سبب أصلا بل يتقرر بحسب نوع السبب، هل هو قاهر يسلب التمييز؟ أم هو باعث يمكن مقاومته؟ هل هو قصور أصلي؟ أم هو تقصير مكتسب؟ هل هو إكراه خارجي؟ أم هو هوى داخلي استُرسل معه حتى تغلّب؟.

هذا التمييز الدقيق بين القصور والتقصير هو من أنفذ المفاتيح لقراءة المسؤولية العقلية عند ابن رشد. فالقصور يتعلق بحدود التكوين والاستعداد والآلة. فقد يولد الإنسان ضعيف الحافظة أو بطيء الفهم أو شديد الانفعال أو محدود البيئة أو قليل المعين. وهذه كلها ليست في أصلها موضوعا للذم من حيث هي كذلك. أما التقصير فهو ترك ما أمكن فعله من تكميل النفس أو إهمال ما وجب طلبه من العلم أو الاستسلام للهوى مع القدرة على المجاهدة أو تعطيل العقل مع قيام دواعي النظر، وهنا يمكن أن نفهم سرّ التفاوت في المؤاخذة بين الناس عنده. فليس كل جاهل معذورا كما أنه ليس كل مخطئ ملوما على السواء. الجاهل الذي قصّر في التعلم ليس كالجاهل الذي حُرم الآلة أو المعلّم أو اللسان أو السبيل. والمخطئ بعد نظر واجتهاد ليس كالمخطئ عن هوى واستخفاف. ويلتقي ابن رشد هنا مع القاعدة الأصولية التي فرّق بها الفقهاء بين الخطأ والتفريط وبين الاجتهاد والتلاعب وبين العذر والدعوى.

ومن أظهر آثار هذا التصور أن التكليف الشرعي عند ابن رشد ليس خطابا واحدا مصمتا بل هو خطاب يراعي تفاوت المدارك. لقد كان شديد الوعي بأن الناس ليسوا سواء في طرق الإقناع والتصديق، ولذلك قرر في فصل المقال أن منهم البرهاني والجدلي والخطابي. وهذه ليست مجرد قسمة معرفية بل لها نتائج أخلاقية وتشريعية عميقة. فالذي أدرك البرهان ثم أعرض عنه عنادا ليس كالذي لم تتأهل له نفسه لهذا الطريق. والذي قامت عليه الحجة في مستوى رفيع من النظر ليس كالذي لا يتجاوز إدراكه التمثيل والخطابة. وهذا المعنى يجد صداه في التراث الشرعي في قولهم، الحكم على الشيء فرع عن تصوره وفي تقرير الأصوليين أن المشقة تجلب التيسير وأن التكليف بحسب الوسع. غير أن ابن رشد يضفي على هذه القواعد بعدا فلسفيا يجعلها متصلة بطبيعة العقل الإنساني لا بمجرد استثناءات عملية.

إن المسؤولية العقلية عنده ليست مساواة حسابية بين جميع الذوات بل عدالة تقديرية تراعي اختلاف الأنفس. وهذه العدالة ليست رخاوة ولا تفلتا بل هي عين الصرامة العقلية؛ لأن الصرامة الحقة لا تعني التسوية بين المختلفين بل وضع كل فعل في موضعه بحسب شروطه. ولذلك كان القضاء الرشدي من حيث روحه أقرب إلى فقه الملابسات منه إلى ميكانيكا النصوص الجامدة. وهو ما نلمحه في الحس المقاصدي الذي يسري في كثير من اختياراته الفقهية حين يعرض للخلافات ويكشف عللها ومآخذها.

ولا تكتمل صورة المسؤولية عند ابن رشد إلا إذا رُبطت بالمدينة. فالإنسان عنده كما عند أرسطو مدني بالطبع. ومعنى هذا أن أخلاقه لا تُصاغ في الفراغ بل داخل بنية اجتماعية وسياسية تحدد ما يُمدح وما يُذم وتُيسر بعض الفضائل وتُعسر بعضها وتُعين على العدل أو تُغري بالفساد. إن تحميل الفرد وحده كل تبعة الانحراف من غير نظر إلى فساد المدينة هو سذاجة أخلاقية. لكن العكس أيضا باطل، فإعفاء الفرد بدعوى فساد المجتمع إبطال لمعنى التهذيب الشخصي. والحق عند ابن رشد أن المسؤولية موزعة على مراتب، مسؤولية الفرد عن مجاهدة نفسه ومسؤولية المشرّع عن إقامة القوانين ومسؤولية المربّي عن صناعة الملكات ومسؤولية المدينة عن تهيئة شروط الخير العام. وهنا تتسع المسؤولية من بعدها الفردي إلى بعدها الحضاري. فالفساد الأخلاقي ليس دائما سقوطا ذاتيا معزولا بل قد يكون أثرا لبنية سياسية مختلة تُعلي من منطق المنفعة أو تُفسد الذوق العام أو تُضعف سلطان العلم والعدل. وهذا المعنى يفسر لماذا كان الفلاسفة القدماء يربطون بين الأخلاق والسياسة ربطا عضويا ولماذا لا يمكن قراءة ابن رشد قراءة فردانية حديثة تقطع الإنسان عن مدينته.

إن أعمق ما يميز التصور الرشدي في هذا الباب أنه لا يجعل العقل مجرد قاضٍ خارجي على الأفعال بل يجعله مبدأ لتحرير الإنسان تدريجيا من الضرورات الدنيا. فالعقل لا يُبطل الطبيعة لكنه يُهذّبها. لا يقتل الشهوة بل يردها إلى الاعتدال. لا يلغي الغضب بل يحوله إلى شجاعة وعدل. لا يمحو الخيال بل يُخضعه لمقتضى الحق. إن المسؤولية العقلية ليست عبئا قانونيا فحسب بل هي اسم لعملية ترقية الوجود الإنساني. وكلما ازداد الإنسان نصيبا من العقل ازداد تحررا من الانفعال الأعمى، وكلما ازداد تحررا اشتدت مسؤوليته. ولذلك كان العلماء والحكماء أشد تبعة من العامة وكان فساد العارف أقبح من خطأ الجاهل لأن الحجة عليه أتم ولأن ما في يده من آلة التمييز أقوى. وقد قال بعض السلف: «ليس العالم من يعلم الخير من الشر، ولكن العالم من يعلم خير الشرين وشر الخيرين». وهذه العبارة وإن خرجت من سياق حكمي إسلامي فهي تلتقي بعمق مع الروح الرشدية التي ترى أن العقل العملي ليس معرفة مجردة بالمبادئ بل فقه بالموازين وتقدير للعواقب وترجيح بين الممكنات في عالم لا يخلو من التعقيد.

إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست مفهوما عابرا في هوامش مشروعه بل هي نقطة التقاء كبرى بين أنطولوجيا الطبيعة وإتيقا الفضيلة وفقه التكليف وسياسة المدينة ونظرية الخطاب. والحق أن عظمة هذا التصور تكمن في أنه يرفض المزالق التي طالما أفسدت التفكير في الإنسان، مزلق التبسيط الكلامي الذي يحصر المسألة في سؤال من يخلق الفعل ومزلق الفردانية المتأخرة التي تتوهم ذاتا شفافة لنفسها مستقلة عن كل شرط ومزلق الحتمية الصماء التي تردّ السلوك إلى أسباب مادية أو اجتماعية بحيث يذوب فيه معنى اللوم والمدح. أما ابن رشد فيشق طريقا أرسخ وأدق، الإنسان محكوم بالأسباب لكنه ليس معدوما فيها، محدود بالطبيعة لكنه ليس مسلوبا أمامها، متأثر بالعادات لكنه قادر على إعادة تشكيلها، متفاوت الاستعداد لكنه غير معفى من طلب الكمال الممكن له.

إن المسؤولية عنده ليست حدثا لحظيا يُختزل في لحظة الاختيار المعزولة بل تاريخ داخلي طويل تصنع فيه النفس ملكاتها ويشتغل فيه العقل على تهذيب القوى وتتدخل فيه التربية والقانون والخطاب الشرعي والسياسة المدنية. الإنسان لا يُحاسَب فقط لأنه فعل هذا الفعل أو ذاك بل لأنه صار ما صار إليه عبر سلسلة من الأفعال والتروكات والمجاهدات والإهمالات. إن الذنب في المنظور الرشدي ليس مجرد مخالفة بل قد يكون أحيانا فشلا في صناعة النفس. والفضيلة ليست مجرد امتثال بل هي انتصار طويل للعقل العملي على فوضى الانفعال. ولذلك فالمسؤولية العقلية ليست عقوبة فحسب بل هي في جوهرها تكريم للإنسان؛ لأنها تفترض أنه قادر على أن يسمو فوق اندفاعه الأول وأن يحوّل طبيعته من مادة خام إلى صورة أخلاقية أرقى.

وإذا أردنا أن نلتقط راهنية ابن رشد في زمننا فإنها تتجلى بأشد ما تكون في هذا الباب. لقد أصبح الإنسان المعاصر محاصرا بخطابات شتى تسعى إلى تفسير سلوكه بردّه إلى الوراثة أو البنية العصبية أو الصدمات النفسية أو ضغط السوق أو هندسة الإعلام أو سلطات المجتمع. وهذه كلها عوامل لا يجوز إنكارها كما لم يكن ابن رشد لينكر أثر الأسباب. غير أن الخطر كل الخطر أن يتحول الوعي بالأسباب إلى ذريعة لإلغاء الفاعل أو أن ينقلب تفسير الإنسان إلى تبرئة شاملة له من تبعة نفسه. هنا ينهض ابن رشد شاهدا على إمكان الجمع بين الفهم والمساءلة، بين التحليل والعقاب وبين الرأفة والعدل. نفهم الإنسان في علله لكي نحسن تقويمه لا لكي نرفع عنه كل مؤاخذة. ونراعي قصوره لكي لا نظلمه، لكننا لا نغفل تقصيره لكي لا نهدم معنى الأخلاق.

ثم إن هذا التصور يحررنا من الوهم الشائع الذي يجعل الحرية نقيضا للانضباط. فالحرية عند ابن رشد ليست أن يفعل المرء ما يشاء بل أن يبلغ من تربية قواه ما يجعله لا يشاء إلا ما يليق بالإنسان العاقل. وهذا تعريف أرفع وأصعب لأنه ينقل الحرية من مستوى الرغبة إلى مستوى الاستحقاق، ومن هوى النفس إلى نظام الفضيلة. وبهذا المعنى لا يكون العقل خصما للإنسانية كما تتوهم بعض النزعات المعاصرة بل هو شرطها الأسمى. إن الإنسان لا يصير أقل إنسانية حين يحتكم إلى العقل بل يصير أكثر وفاء لحقيقته.

ولعل هذه هي الخلاصة الكبرى التي يهبها لنا ابن رشد في موضوع المسؤولية العقلية، الإنسان ليس معذورا لمجرد أنه محدود وليس مدانا لمجرد أنه أخطأ. إنما يُنظر إليه في ضوء قدرته على النظر واستعداده للتقويم وسعيه إلى الخير ومقدار ما فرّط أو جاهد ومقدار ما قامت عليه الحجة أو غابت عنه. إنها عدالة دقيقة لا تستسهل الإدانة ولا تسترخي في التبرير. عدالة تعرف أن النفس تُبتلى بطبائعها لكنها تؤمن أيضا أن العقل خُلق ليقود لا ليشهد صامتا. إن المسؤولية العقلية عند ابن رشد ليست فقط مسألة في فلسفة الأخلاق بل هي ميثاق حضاري كامل يضع الإنسان أمام نفسه، إما أن يظل أسير الضرورة الدنيا وإما أن يجعل من العقل سلما يرتقي به من الممكن الحيواني إلى الممكن الإنساني الأكرم.

***

د. حمزة مولخنيف

إن من أكثر القضايا إشكاليّة في الخطاب الإسلامي، وبخاصة في الخطاب الفقهي، هي قضيّة التعامل مع الحديث من جهتين: الأولى: هل الرسول أمر بكتابة الحديث أم لا، والثانية: ما يتعلق في كتابة وتوصيف الحديث وتبيان صحة متنه وسنده. وبناءً على هاتين المسألتين درا صراع فكري بين أهل العقل وأهل النقل كثيراً الأمر الذي أدى إلى تكفير المختلف والنيل منه فكرياً مع ظهور هذه القضية منذ الخلافة الأمويّة حتى اليوم.

قبل أن ندخل في تقويمنا لمسألة الحديث وقدسيته والإشكالات التي دارت عليه وحوله، لابد لنا أن نقف قليلاً عند قضيّة القرآن الكريم، من الناحية المنهجيّة والمعرفيّة معاً. ففي الحقيقة لا يستطيع أحد أن يتجاهل تلك الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة التي رافقت القرآن الكريم، وتركت تأثيرها الواضح والعميق على حياة العرب والمسلمين بشكل عام، منذ نزوله وبداية تدوينه حتى هذا التاريخ، وهي إشكالات أكثر ما تجلت في تفسير وتأويل النص القرآني وانعكاسهما على ظهور الكثير من الفرق الكلاميّة والمذهبيّة والفقهيّة، وذلك لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بطبيعة نزول القرآن منجماً (مفرقاً) على مدى عشرين عاماً، وأن الكثير ممَنْ يعرف أسباب النزول لكل آية قد مات كما يقول "أحمد بن حنبل"، ثم بسبب الناسخ والمنسوخ، وجهل الكثيرين ممن تعاطوا مع النص القرآني في جوهر وطبيعة هاتين المسألتين وتأثيرهما على آليّة التشريع وتبريك أو منح الشرعيّة لمستجدات العصور اللاحقة، يضاف إلى ذلك طبيعة الغموض في الكثير من الآيات القرآنيّة المتشابهات منها، حيث جعلت هذه الآيات من القرآن حمال أوجه في تفسيره وتأويله. وهناك أيضاً مسألة جمع القرآن بعد وفاة الرسول الكريم وطريقة تدوينه أو حفظه في عهد الرسول، حيث كان يدون بعضه على سطوح عظام الحيوانات والجلود وفي صدور بعض الصحابة ممن سمي بكتبة الوحي، وما تركته هذه الطريقة من آثار سلبيّة على عمليّة ضبط الآيات زمانيّاً ومنهجيّاً، فكثيراً ما نجد في القرآن أول آية نزلت تأتي في سور متأخرة في متن النص القرآني مثل آية (إقرأ)، أو تكرار بعض الآيات في بعض الصور. أما قضية غياب التنقيط عند تدوين القرآن، فهي مشكلة عويصة بالنسبة لتحديد معاني ودلالات المفردات والجمل والعبارات وبالتالي الآيات القرآنيّة ذاتها، وهذا ما ساهم في خلق تفسيرات عديدة للنص القرآني، أو في قراءته. أما مسألة الصراع السياسي على السلطة ما بين الأمويين والعباسيين والعلويين فقد كان لها تأثير كبير على قراءة النص القرآني من حيث تفسيره أو تأويله خدمة لهذا الطرف أو ذاك من الأطراف المتصارعة، بدءً من الفتنة الأولى مروراً بصفين وظهور الخوارج وصولاً إلى عصر الوهابيّة وفتاواها.

إذن إن إشكالات النص القرآني التي جئنا عليها هنا، ثم عدم مقدرة من كان يعمل من رجال الدين في خدمة الصراعات السياسيّة الحاكمة على التلاعب في النص القرآني، وبخاصة عدم القدرة على إضافة أي شيء إليه بعد تدوينه وأخذه صفة التقديس كونه كلام الله، لجأوا إلى وضع الحديث على لسان الرسول لخدمة مصالح القوى المتصارعة على السلطة. (راجع في هذا الاتجاه كتاب السيوطي تاريخ الخلفاء وانظر إلى تلك الأحاديث التي وضعت لخدمة الأمويين والعباسيين والعلويين).

إن تفسيرهم مثلاً للآية الكريمة: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)، على اعتبار كل ما قاله الرسول الكريم هو كلام مقدس وبالتالي لا يختلف في مصداقيته عن مصداقيّة النص القرآني، قد فسح في المجال لهم في وضع الحديث لتحقيق ضالتهم خدمة لمواقفهم ومصالحهم التي كانت بحاجة للتبريك أو الشرعنة لتمريرها أو جعلها بحكم الواقع، وهذا ما أوصل عدد الأحاديث التي قيلت على لسان الرسول إلى أكثر من (130000) حديثاً، وهذا أيضاً ما أدخل مسألة الحديث وحتى الإجماع في حقل الإشكالات المنهجيّة والمعرفيّة أيضاً.

الاشكاليات المنهجيّة والمعرفيّة للحديث:

نقول إن الحديث والإجماع أصبحا من المصادر المقدسة لدى أهل السنة والجماعة، وكثيراً ما جرى حولهما الاختلاف، إن كان حول قضيّةً تحديد مفهوم الإجماع، ومن هي الجماعة التي ينطبق عليها هذا المفهوم، هل هم أهل المدينة؟، أم الصحابة؟، أم التابعون وتابعوهم حتى القرن الثالث للهجرة؟، وهل هم علماء الدين بشكل عام؟..إلخ. أما لو ركزنا في دراستنا على الحديث لوجدنا أن الأمّة الإسلامية لم تهتم بشيء بعد اهتمامها بكتاب الله عز وجل، كاهتمامها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعيها في ذلك السعي العجيب الفذ. فانطلاقاً من كون السنة النبويّة الركن الثاني لهذا الدين العظيم، وما لذلك من آثار وخلفيات، فإن علماء المسلمين منذ السنوات الأولى لفجر الإسلام وحتى هذا التاريخ ظلت علوم السنة النبويّة شغلهم الشاغل وعملهم العلمي المتواصل. تارة يحفظون الحديث، وتارة يدونونه، وتارة يحضون الناس على تحمله، وتارة يقسمونه إلى أقسام بحسب مواضيعه أو بحسب مراتبه، وتارة يَذٌبونَ الشبهات عنه، وتارة يكشفون أمر الوضاعين فيه، وتارة يبينون القواعد العامة والأصول التي يقبل بها الحديث أو يرد... وهكذا تولدت علوم جمّة ومعارف كثيرة، حملتها صدور أولئك الرجال العلماء، وسطرتها أقلامهم النشطة، وطوتها كتبهم النفيسة.(1). ونحن عندما نقول (علوم الحديث) نعني بذلك كمّا كبيراً ضخماً من المؤلفات والمواضيع، ملأت المكتبات الإسلاميّة الكبيرة بمساحات واسعة. وبالتالي هذا ما يؤكد عندنا القدرة على القول إن بإمكاننا تفنيد أو إضعاف الكثير من المواقف المقدسة للسلفية تجاه الحديث كنص مقدس لا يمكن مسه أو التشكيك في صحته.

تعاليم وحكم الرسول في مسألة الحديث:

كانت تعاليم الرسول (ص) وحكمه، ذات طابع ديني مقدرة أو يوحى بها من قبل الله تعالى للرسول: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)....). (سورة النجم. 1-4). فالرسول الكريم وفق هذه الآيات، هو ناقل تعاليم الله سبحانه وتعالى له كي يعطيها للناس، ويبشر بها لتحقيق عالم العدالة والمساواة والمحبة بين الناس. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يعرف دوره في هذه المسألة التبشيريّة. فهو ليس أكثر من مبشر وداع لمعرفة وممارسة تعاليم الله جل جلاله بالحكمة والموعظة الحسنة. فهو فيما يدعوا إليه بتعبير آخر. ليس من عنده وهو لا ينطق عن الهوى، وإنما وهو وحي يوحى، وقد ميز الرسول ما بين ما يقوله هو كبشر وما بين ما يوحى إليه. فهو في نهاية المطاف بشر شأنه شأن الآخرين.

تأكيد الرسول على بشريته:

هناك في الحقيقة أدلة كثيرة تؤكد لنا بشريّة الرسول. كما في قول الله عز وجل في الآية الكريمة: (قل سبحان ربي، هل كنت إلا بشراً رسولاً). الإسراء. (الآية 93). وقول الله عز وجل ايضاً: (وقل إنما أنا بشر مثلكم.). الكهف – الآية – 110).

وفي مسألة (تأبير النخيل) مثلاً، وهذه من الحوادث التاريخية المعروفة والمشهورة في حياة الرسول، حيث قال لهم عن نفسه: (إنما أنا بشر مثلكم إذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر). رواه مسلم والنسائي. وكذلك في حديث له رواه مسلم. (إني ظننت ظناً فلا تأخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل.). وهذا ما يؤكد بأن ليس كل ما يقوله الرسول هو من الوحي، وهذا القول يضع الحدود بين كلام الله وكلام الرسول. وكذلكً قول الرسول في حجة الوداع: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقضي له قطعة من نار.).(2).

إن هذه النصوص تؤكد بلا شك أن ما لله في وحيه لله، وما للرسول من قول خاص به فله. وما قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى)، فهي لما يختص بالقرآن فقط ولا يدخل فيها ما سمي بالحديث.

إن مسألة تدوين الحديث بالذات من قبل بعض الصحابة بعد وفاة الرسول الكريم، لاقت إشكالات كثيرة يأتي في مقدمتها موقف الرسول نفسه من كتابة ما يقوله هو من عنده، حيث كان يرفض أن يكتب عنه شيئاً، وبالتالي فإن مسألة كتابة الحديث هي مسألة تخالف تعاليم الرسول والخلفاء الراشدين.

أولاً موقف الرسول والخلفاء الراشدين من كتابة الحديث:

وإذا ما استشهدنا بالحديث ذاته الذي يقاتل أهل الحديث من أجل تأكيد ضرورة اعتماد أحاديث الرسول، نجد في حديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، وأحمد والدرامي عن أبي سعيد ألخدري قال: (قال رسول الله (ص) " لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فاليمحه").

وعن أبي هريرة يقول: (خرج علينا رسول الله (ص) ونحن نكتب الأحاديث، فقال: " ما هذا الذي تكتبون ؟. قلنا أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله ؟. أتدرون؟. ما ضل الأمم قبلكم إلا بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى). أما موقف "أبو بكر" رضي الله عنه: فقد قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله (ص) أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه.).(3).

أما موقف "عمر" رضي الله عنه فقد قال: (إني كنت أريد أن اكتب السنتين، وإني ذكرت قوماً قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.).. وله قول آخر أيضاً: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما يعمل.).(4).

ولنا في موقف مروان بن الحكم من الأحاديث التي كانت تروى عن الرسول ضد بني أميّة وظلمهم دليل على عدم الركون إلى موقف السلفيّة في تقديس الحديث. حيث خاطب أهل المدينة قائلاً: (يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لا أنتم. لقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق لا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن. فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم – عثمان - رحمه الله، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم.). (5).

وقد روي عن "الخطيب البغدادي" عن كيفية كتابة "البخاري" للحديث بناءً على قول البخاري ذاته: (رب حديث سمعته بالبصرة كتبته بالشام، ورب حديث سمعته بالشام كتبته بمصر، فقيل له: يا أبا عبد الله بتمامه؟. فسكت). (6).

بعد هذا ماذا علينا أن نقول لمن دونوا الحديث وقد وصل عدد ما دون منه كما بينا في موقع سابق من هذه الدراسة إلى أكثر من (130) ألف حديث، لم يستطع من جمعوها أن يأخذوا منها إلا ما ورد كثقة في السند والمتن. بل حتى عمليّة دراسة الحديث والأخذ به وتدوينه كانت تدخل فيها (العلوم العقليّة). أي البحث عن مدى صحة أو خطأ هذا الحديث. وكيفيّة التحقق منه. وهذا مؤشر على أن عملية نقله أو لأخذ به من مصادره لم تكن موثوقة، عدا المتواتر والمشهور منه. إضافة إلى ذلك إن الحديث المنقول يعتبر من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد ظنيّة والله عز وجل يقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (يونس – الآية -63).. هذا إذا ما وقفنا أيضاً عند مسألة أخرى تتعلق بكتب الحديث، حيث تذكر المصادر على سبيل المثال، إن صحيحي مسلم والبخاري تعتبران من أصدق كتب الحديث، وهذا ما أكده إمام الحرمين الجويني بقوله: (إن علماء المسلمين أجمعوا على صحة ومصداقيّة ما جاء في الصحيحين وأنه: "والله لو أن شخصاً ما قال بطلاق زوجته بأن كل ما جاء في صحيحي مسلم والبخاري صح، لما طلقت زوجته.). (7). وعلى هذه القدسيّة في الصحيحين، كيف لنا أن نعتمد الحديث مصدراً مقدساً من مصادر التشريع، وقد ورد عند مسلم والبخاري وغيرهما أحاديث تشير إلى منع الرسول كتابة الحديث أو الأخذ بها كما بينا أعلاه؟؟..!!

إن متابعة هذه المسألة عند أئمّة السلفيّة ترينا أن الكثير منهم أيد ما جاء به الجويني. وقد وصلت القناعات عند الكثيرين من رجال الدين السلفيين من (أهل الحديث) إلى القطع بثبوت ما ورد في الصحيحين (مسلم والبخاري). حيث ذكر النووي في التقريب: (ذكر الشيخ ابن صلاح، أن ما رواه أحدهما مقطوع بصحته، والعلم القطعي حاصل فيه.). (8).

وقال السيوطي: (إن قول ابن صلاح هذا هو قول أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة وأكثر أهل الكلام من الأشعريّة وجماعة الشافعيّة، وأبي إسحاق الشيرازي، ومن الحنفيّة كالسرخس، ومن المالكيّة كالقاضي عبد الوهاب، ومن الحنابلة كأبي يعلى وابي الخطاب وابن الزعفراني.).(9).

لقد كان هؤلاء جميعا يقولون: (إن أخبار الآحاد تفيد حصول العلم القطعي بثبوتها بشرط واحد هو ورودها في البخاري ومسلم.). بينما الآية القرآنية تقول: (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.). (10).

أما موقف "أبو حنيفة" من الحديث في التشريع، فقد كان يلجأ إلى عموم القرآن دون أن يخصصه بأخبار الآحاد، كونه لا يدخل في مفهوم (السنة) إلا ما كان قطعيّاً في ثبوته. لذلك كان كثير الاستدلال بالقرآن، قليل الاعتداد بالأخبار التي كان أهل الحديث بصدد البدء في تجميعها على نحو كمي واضح. من هنا كانت دائرة المباح عنده واسعة أكثر من بقية المذاهب الفقهيّة ألأخرى، وبخاصة عند أهل الحديث، وهذا ما جعله يتعرض لحملة ضارية من منظومة أهل الحديث، إلى حد القول بتكفيره تارة وتبديعه تارة أخرى، حتى تراجع عن قناعاته في مسألة موقفه من الحديث رضوخاً لضغطهم عليه. (11).

ما هو المعتمد من الحديث؟:

يعتبر الحديث (المتواتر) والمشهور هما الأكثر مصداقيّة بالنسبة لعلماء الحديث السنة، كونهما لا يحتاجان في إثبات سندهما ومتنهما إلى مصادر بحاجة لإثبات صحتها. والمتواتر من الحديث هو ما يدل على أفعال الرسول التي كان يأتيها تطبيقاً تفصيليّاً لعموم القرآن. حيث كان "عمر بن الخطاب" يؤمن بهذا المتواتر من الحديث حيث قال: (أقلوا الرواية عن رسول الله إلا فيما عمل.) (12). ويحدد علماء الحديث الأفعال المتواترة للنبي على ضربين هما:

الأول: تنفيذ الأوامر القرآنية.. (واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وقد فصله الرسول بقوله: (وخذو عني مناسككم.). وهذا في الحقيقة كان ثابتاً لا شك فيه.

الثاني: وهو مالم يصل من أفعال وأقوال للرسول بطريق التواتر المستفيض، وهي لا تدخل في دائرة الوحي الثابت ثبوتاً لاشك فيه.). وهنا أعطى الرسول الإباحة بما لم يرد فيه نص، حيث عبر عن هذه المسألة أحسن تعبير حين قال: (إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم عليهم، فحرم عليهم من أجل مسألته. (أخرجه البخاري ومسلم.)

وختاماً نقول في هذا الاتجاه: إن منهاج الله لا يعرف إلا بما جاء به الوحي، وهو الثابت ثبوتاً لا شك فيه. والوحي الثابت ثبوتاً لا شك فيه لا يخرج عن القرآن والمتواتر من حديث رسوله في شرحه وتفصيله. وهذا هو معنى السنة الحقيقية

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

.......................

1- يراجع مقال: علوم الحديث الشريفة- موقع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الكويت.

2-  فجر الإسلام – احمد أمين ص 234.

3- الذهبي – تذكرة الحفاظ- 1333هـ ج1 – ص3. طبعة الهند.

4- ابن عبد البر – جامع العلم وفضله- المطبعة المنيرية- ج1- ص64-65.

5-). ابن سعد – الطبقات- دار صادر بيروت- ج5- ص233

6. الخطيب البغدادي- تاريخ بغداد- ج2 – نقلاً عن السلطة في الإسلام. ص291. مرجع سابق.

7- السيوطي – تدريب الرواية في شرح تقريبالنواي- دار الكتب العلمية- بيروتط2- 1979- المجلد الأول-ص131.

8 - السيوطي – تدريب الراوي في شرح تقريب النواي- مرجع سابق ص 133.

9- السيوطي – المرجع نفسه. ص132

10- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص285.

11- السلطة في السياسة- عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 248.

12- ابن سعد في الطبقات. عن السلطة في الإسلام مصدر سابق. ص 240.

 

نحو نظرية في التمايز الوظيفي للمعرفة

تتجلى أهمية دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة في إدراك ديناميكية الفكر الإنساني وقدرته على التوفيق بين المطالب العقلية والغايات الروحية. وتشكل معرفة الإنسان للكون ونفسه وحركته في الحياة محورا أساسيا للبحث الفلسفي في حين تحدد الشريعة الإطار الأخلاقي والاجتماعي الذي يوجه هذه المعرفة نحو الكمال البشري. وينظر ابن رشد إلى هذه العلاقة باعتبارها مسارا معقدا يتداخل فيه العقل مع النصوص والتأمل مع الواجبات والفكر مع القيم. ومن خلال تحليله يظهر أن الحكمة لا تتجاوز الشريعة ولا تكتفي الشريعة بإجابات جاهزة عن الأسئلة العقلية، بل يتفاعل كل منهما مع الآخر في منظومة معرفية متكاملة.

ويقدم ابن رشد تصورا دقيقا للتمايز الوظيفي للمعرفة حيث تتوزع المهام على مستويات مختلفة من الإدراك ويُحدد لكل نوع من المعرفة مجالها، من خلال التجربة العقلية إلى التأويل الشرعي وصولاً إلى الحكمة العليا التي تجمع بين الغايات الإنسانية العليا والحقائق الكونية. وهذه المقاربة تمثل جسرا بين الفكر الديني والفلسفي إذ تؤسس لمنهجية تحليلية تمكّن من فهم كيف يمكن للعقل أن يرتقي إلى مستويات الحقيقة دون الإخلال بالثوابت الدينية وكيف يمكن للشريعة أن توجه العقل دون أن تحجمه.

تنفتح هذه الأسطر المتواضعة على آفاق واسعة لدراسة العلاقة بين المعرفة والغاية، بين الحقيقة العملية والحقيقة النظرية وبين الفهم العقلي والالتزام الروحي. إن دراسة ابن رشد تتيح رؤية متعمقة للعقل البشري وقدرته على التكيف مع المبادئ الدينية وتوضح كيفية بناء نظام معرفي متوازن يحترم الوظائف المختلفة لكل نوع من المعرفة ويؤكد على التكامل بين الحكمة والشريعة كركيزتين أساسيتين للحياة الإنسانية.

وتتخذ فلسفة ابن رشد في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة منحىً متميزاً يعكس رؤية عقلانية عميقة تسعى إلى تجاوز التصادم الظاهري بين ما يُعرف بالعقلاني والشرعي وبين ما يُفهم تقليديا من أن الحكمة والفلسفة منفصلتان عن الدين أو أن الشريعة تحتكر الحقيقة المطلقة وتغلق الباب أمام الاجتهاد العقلي. إن هذا الفيلسوف الأندلسي لم يكتفِ بمجرد محاولة التوفيق بينهما بل أسس إطاراً مفاهيمياً جديداً يمكن أن نسميه بـ "التماثل الوظيفي للمعرفة" حيث يضع كل حقل معرفي في سياقه ومهمته الخاصة، مستنداً إلى تفريق دقيق بين مستويات الإدراك البشري ومعايير المعرفة، وهو تفريق يحدّد متى يكون للعقل الحر دور في تفسير العالم ومتى يكون للشرع سلطة التأطير الأخلاقي والاجتماعي للوجود الإنساني.

لقد سبق لابن رشد أن أعلن في مقدمته على "تهافت التهافت" عن موقفه الواضح من التصادم المزعوم بين الفلسفة والشريعة، مصرحاً بأن العقل والشريعة ليسا في صراع حتمي بل يمكن أن يتعاونا إذا فهم كل طرف دوره وحدوده. يقول ابن رشد إن "حكمة الفلاسفة هي معرفة الأمور الطبيعية بأسبابها والشريعة معرفة ما يجب على الناس من الطاعات"، وهو بهذا البيان يؤسس لتقسيم وظيفي معرفي يمكن أن نقول عنه اليوم إنه يسبق مفاهيم التفكيك الوظيفي للمعرفة. إنه يدعو إلى إدراك أن الشريعة تسعى إلى تهذيب النفس البشرية وتنظيم حياتها العملية والأخلاقية، بينما يسعى العقل الفلسفي إلى إدراك قوانين الطبيعة وحقائق الوجود بما يفيد الإنسان في فهم العالم واستثماره. هذا التمييز ليس مجرد تعريف نظري بل قاعدة منهجية عميقة تمكن من إعادة ترتيب العلاقة بين الدين والفكر، بحيث لا يصبح أحدهما تابعاً أو معارضاً للآخر.

ولعل أهم ما يميز نظرية ابن رشد في هذا السياق هو اعترافه بأن العقل الفلسفي يمتلك استقلالية معرفية حقيقية لكنه يظل ملتزماً بالحدود التي تفرضها الشريعة على ما يتعلق بالقيم والأحكام العملية. في "تهافت التهافت" و"فصل المقال"، يوضح ابن رشد أن الفلاسفة يمكنهم الوصول إلى حقائق تتجاوز ما يُفهم عادة من نصوص الشريعة الظاهرية، ولكن هذه الحقائق لا تتعارض مع الغاية الأخلاقية والدينية للشريعة إذ أن الحقيقة العلمية لا تلغي الحقائق العملية بل تؤكدها على مستوى أعمق. هذا الطرح يجعل من ابن رشد رائد ما يمكن أن نطلق عليه "التمييز الوظيفي بين المعارف"، إذ لا يلغي الشريعة العقل ولا يجعل العقل بديلاً عن الشريعة، بل كل منهما يؤدي دوراً محدداً وواضحاً.

إن هذا التصور يعيد إلى الأذهان آراء بعض المفكرين المسلمين السابقين مثل الفارابي الذي ركز على ضرورة الجمع بين الدين والفلسفة مع الحفاظ على كل مجال ضمن وظائفه وحيث إن الفلسفة وسيلة لفهم الكون والدين وسيلة لتنشئة المجتمع على الفضائل. كما يتقاطع ابن رشد مع ما ذهب إليه أبو حامد الغزالي من حيث تأكيده على دور الشريعة في تهذيب النفس والمجتمع، ولكنه أيضا يختلف معه جذرياً في تقييم قدرة العقل على إدراك الحقائق الطبيعية والميتافيزيقية. إن ابن رشد يرفض ما يسميه "تهافت التهافت" الغزالي، أي رفض العقل والتجربة العلمية بدعوى أن الشرع يكفي لتفسير كل شيء ويعيد بناء الثقة بالعقل كأداة للوصول إلى المعرفة من دون تخطي حدود الشريعة.

ويمكن النظر إلى ابن رشد باعتباره أول من حاول تأسيس نظرية متماسكة للمعرفة متعددة الوظائف، حيث لكل نوع من المعرفة دوره الخاص: المعرفة الطبيعية تتعلق بالأسباب والعلل، والمعرفة الشرعية تتعلق بالواجبات والأخلاق، والمعرفة الفلسفية تتعلق بالقيم العليا والحكمة المطلقة. إن هذا التوزيع الوظيفي للمعرفة يفسر لماذا يصر ابن رشد على أن الفلاسفة الذين يدركون الحقائق الطبيعية بطريقة عقلية دقيقة لا يمكن أن يُتهموا بالزندقة أو الخروج عن الدين، فالإسلام في منظوره يرحب بالمعرفة التي تنير العقل وتخدم الفضيلة.

ويُمكننا أيضا أن نفهم موقف ابن رشد من مسألة "تأويل النصوص"، حيث يرى أن بعض النصوص الدينية إذا أخذت على ظاهرها دون تأويل قد تتعارض مع المعرفة العقلية، في حين أن التأويل السليم يعيد التناغم بين النص والعقل. يشير ابن رشد في "فصل المقال" إلى أن "أهل التأويل والذين يدرسون الحكمة يعلمون أن الكتاب والشرع لم يأتيا لنفي العقل أو تعطيل السعي نحو الحقيقة"، وهذا يعني أن التأويل ليس رفاهية لغوية أو فنية بل هو أداة فلسفية لضمان التوافق بين مختلف مستويات المعرفة. وهنا يتضح أن ابن رشد يضع الفلسفة في خدمة فهم أعمق للشريعة، والشريعة في خدمة توجيه الفلسفة نحو غاياتها الأخلاقية، في عملية جدلية دقيقة ومعقدة تتجاوز أي محاولات للجمود العقلي أو التطرف الديني.

لقد شكّل هذا التصور لأهمية التمايز الوظيفي للمعرفة نقطة تحول في الفكر الإسلامي لأنه يرفض الاستقطاب التقليدي بين "العقل" و"النقل"، ويؤكد على إمكانية التعايش بينهما على أساس واضح من المهام والمسؤوليات. إن ابن رشد وفق هذا المنهج يفسح المجال للفلسفة للتعمق في حقائق الطبيعة ويتيح للشريعة أن تحقق وظائفها الأخلاقية والاجتماعية دون أن يكون هناك تصادم حتمي. ولعل هذه الرؤية تذكرنا بما ذهب إليه هيجل في مفهومه عن التقدم التاريخي للروح، إذ يرى أن كل مرحلة معرفية لها وظيفتها الخاصة، وأن التطور لا يتم إلا من خلال إدراك وتوظيف كل مرحلة وفق قوانينها الداخلية.

إن هذه الرؤية تؤثر مباشرة في فهم الاجتهاد، إذ يصبح الاجتهاد أداة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع وبين القيم العليا والمتغيرات الطبيعية والاجتماعية. فالفقه في منظور ابن رشد ليس مجرد تطبيق حرفي للنصوص بل هو عملية عقلية منظمة تهدف إلى تحقيق الخير والعدل وفق ما يفرضه الواقع وما تتيحه المعارف العقلية، حيث إن ابن رشد يسهم في تأسيس نظرية متقدمة في أصول الفقه تقوم على التمايز الوظيفي للمعرفة ويتكامل العقل الشرعي مع العقل الفلسفي في خدمة الهدف النهائي للحياة البشرية.

هذا النهج يجعل من ابن رشد نموذجاً فريداً في التاريخ الإسلامي لأنه يقدم رؤية شاملة لإعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة بحيث لا تكون كل منهما معارضة أو متفوقة على الأخرى، بل كل منهما تؤدي دورها الخاص وفق إطار وظيفي محدد. ويستفاد من هذه النظرية في معالجة كثير من التحديات المعاصرة سواء في مجال العلاقة بين الدين والعلم أو في فهم الموازنة بين القيم الأخلاقية والمعرفة العلمية، إذ يقدّم ابن رشد إطاراً يسمح بالتعامل مع التعددية المعرفية دون فقدان المعايير الأخلاقية والدينية.

ولا تفوتنا هنا الإشارة إلى أن هذه الرؤية تتطلب من الإنسان التمسك بالموضوعية والقدرة على التمييز بين مختلف مستويات المعرفة، وهو ما أكده الفلاسفة الأوروبيون لاحقاً مثل ديكارت وكانط وغيرهم، اللذين شددا على ضرورة معرفة حدود العقل ومعرفة مهامه، وهو نفس المبدأ الذي ركزه ابن رشد في سياق الشريعة والحكمة. كما أن ابن رشد يبرز هنا الفرق بين ما يمكن إدراكه عقلياً وما يُفهم من النصوص مؤكدا أن تعارض الظاهر مع العقل لا يعني بالضرورة خطأ الشريعة بل يشير إلى ضرورة التأويل والفهم العميق، وهو ما يفتح المجال لحوار مستمر بين الفكر الفلسفي والتفكير الشرعي بما يعزز من قدرة الإنسان على إدراك الحقيقة الكاملة دون التنازل عن قيمه الروحية والأخلاقية.

إن ابن رشد أسس لما يمكن أن نسميه "نظرية الوظائف المتكاملة للمعرفة"، حيث يشكل التوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة قاعدة لإعادة ترتيب المعرفة الإنسانية. هذه النظرية لا تلغي التعددية المعرفية بل تؤسسها على قاعدة فلسفية وأخلاقية متينة بحيث لا يكون للعقل دور سلبي على النصوص ولا للشريعة دور معيق على العقل. إنه بذلك يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والدين من خلال علاقة تصادمية محتملة إلى علاقة تكاملية حقيقية، وهي رؤية تتسم بالجرأة والعمق وتفتح آفاقاً واسعة للفكر المعاصر في فهم أدوار المعرفة المختلفة في حياة الإنسان والمجتمع.

إن تحليل ابن رشد لهذه العلاقة لا يقتصر على الجانب النظري بل يمتد إلى تطبيقات عملية في مسألة التربية والتعليم، حيث يمكنه أن يشكل قاعدة لإعادة التفكير في مناهج التعليم الديني والفلسفي ويتم بذلك تعليم الطلبة قيم الشريعة وأحكامها مع تمكينهم من التفكير النقدي والفلسفي. ومن هذا المنطلق يمكن أن نرى أن ابن رشد يسهم في تأسيس نموذج معرفي مرن يستطيع التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون أن يتنازل عن الثوابت الأخلاقية والدينية وهو إنجاز فلسفي عميق يعكس فهما ناضجا لطبيعة المعرفة ودور كل حقل معرفي في بناء الإنسان والمجتمع. هذا الطرح لابن رشد وهو مقاربة إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة على أساس التمايز الوظيفي، يمكن أن يشكل مرجعية للنقاشات المعاصرة حول التوفيق بين العقل والدين، بين العلم والقيم وبين المعرفة النظرية والتطبيقية. كما أنه يفتح الباب أمام مراجعة العلاقة بين النصوص والفهم العقلي ويؤكد أن التعددية المعرفية ليست تهديدا للوحدة الأخلاقية أو الدينية بل هي وسيلة لإثراء الفهم وتعميق إدراك الحقيقة.

ويتضح من خلال استعراضنا لفكر ابن رشد أن دوره في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة يتجاوز مجرد معالجة التصادم الظاهر بين العقل والنقل ويصل إلى بناء رؤية شمولية للمعرفة الإنسانية. هذا البناء يشتمل على مستويات متعددة من الإدراك تمتزج فيها الطبيعة الإنسانية مع المبادئ الإلهية بحيث يتحقق تكامل معرفي متدرّج. إن إدراك هذه البنية يتطلب فهم التدرج بين معرفة الفلاسفة ومعرفة الفقهاء دون اختزال أي منهما إلى وظيفة جزئية أو ثانوية. وإن المعرفة الفلسفية بحسب ابن رشد تركز على التعمق في معرفة الأسباب والعلل، أما المعرفة الشرعية فتسهم في ضبط السلوك وتحقيق العدالة الاجتماعية والأخلاقية، في حين تشكل الحكمة العليا المجال الذي يتقاطع فيه الفكر العقلي مع الغاية النهائية للوجود، وهو إدراك الحقيقة المطلقة.

ويمكن فهم هذه الرؤية على أنها تأسيس لمنهج عقلاني أخلاقي، حيث تتكامل المعرفة التجريبية والفكرية مع المبادئ الدينية في منظومة متماسكة. فابن رشد يعالج مسألة التعددية المعرفية بمقاربة فلسفية دقيقة تعتمد على مبدأ التمايز الوظيفي بحيث يُفهم كل نوع من المعرفة ضمن سياقه الخاص ومهمته المحددة. التأمل في كتاباته يظهر أن الفكر العقلي ليس وظيفة مستقلة عن الغاية الدينية وإنما أداة لفهم الطبيعة والكون بما يخدم الإنسان في تحقيق كماله الروحي والأخلاقي. هذه الرؤية تعكس وعيا عميقا بضرورة الفصل بين المستويات النظرية والعملية للمعرفة بما يسمح بتحقيق انسجام بين التجربة العقلية والالتزام الديني.

إن التحليل المقارن لمواقف ابن رشد والفلاسفة المسلمين السابقين يكشف عن استمرار دقيق للتقليد الفلسفي الإسلامي في إطار تصحيح مسار العلاقة بين العقل والنقل. الفارابي شدد على ضرورة استخدام الفلسفة لفهم الكون وإبراز قوانين الطبيعة، بينما ركز الغزالي على وظائف الشريعة في تنظيم الحياة الروحية والاجتماعية مع تحذيره من تجاوز العقل لحدوده. إن ابن رشد يجمع بينهما بربط كل منهما بمستواه المعرفي الخاص مع توضيح أن تجاوز العقل لحدوده لا يعني رفض الدين، وإنما يعني ضرورة التدرّج في تطبيق المعارف العقلية بما يتوافق مع الغايات الأخلاقية والشرعية. وهذه المقاربة توضح قدرة الفكر الفلسفي على بناء تصورات معرفية متسقة مع الغايات الروحية وتعيد الاعتبار للعقل ضمن إطار ديني متماسك.

في سياق هذا التأويل يظهر دور التأمل العقلي في تفسير النصوص الدينية، إذ أن ابن رشد يطرح آلية لفهم ما وراء الظاهر دون انتقاص من قدسية النص. التأويل عند ابن رشد عملية منهجية دقيقة تمكّن من الوصول إلى جوهر الشريعة من خلال الفهم العميق لمقاصد النصوص مع مراعاة ما يتيحه العقل من إمكانات إدراكية.

إن هذه العملية تمثل نقطة التقاء بين الحكمة والفلسفة الدينية بحيث يسهم التأويل في الكشف عن القواعد العامة التي تؤطر سلوك الإنسان، بينما يبقى الفهم التفصيلي للظواهر الخاضعة للطبيعة في مجال العقل الفلسفي. وينبثق من هذا التصور دور الاجتهاد في الفقه، إذ يصبح الاجتهاد وسيلة لتنظيم العلاقة بين النصوص والواقع مع التأكيد على أن الهدف النهائي هو تحقيق الخير والعدل. الاجتهاد وفق رؤية ابن رشد ليس مجرد ممارسة بل هو عملية عقلية مدروسة توازن بين المبادئ الشرعية والحقائق الطبيعية وتضمن انسجامها في إطار تكاملي. ومن هذا المنطلق تتضح إمكانية بناء منظومة فقهية فلسفية تحقق تطوراً معرفياً متوازناً يواكب التغيرات الطبيعية والاجتماعية دون التنازل عن الثوابت الروحية والأخلاقية.

وتتجلى عظمة هذا الطرح عند ملاحظة قدرة ابن رشد على إدماج الفكر الفلسفي الغربي لا سيما أفلاطون وأرسطو مع المبادئ الإسلامية. إن ابن رشد يرى في الفلسفة اليونانية أداة لتوضيح الأسباب الطبيعية والميتافيزيقية مع إعادة صياغتها ضمن إطار يتوافق مع المبادئ الشرعية. هذا الدمج الفلسفي لا يشكل محاكاة أو تقليدا أعمى وإنما تحويلا واعيا للمعرفة يضعها في خدمة فهم أعمق للوجود ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين الشريعة والحكمة على أساس من الوضوح المنهجي والوظيفي.

ويمكن النظر إلى أثر هذا المنهج في تطوير النظرية الأخلاقية والفكرية حيث يرى ابن رشد أن المعرفة المتعددة المستويات تمكّن الإنسان من التمييز بين ما هو واجب وما هو ممكن، بين ما يمكن إدراكه بالتجربة وما يظل مرهونا بالإيمان. هذه الثنائية المعرفية تخلق رؤية فلسفية متكاملة تشجع على التعلم المستمر وتعزز من قدرة الإنسان على التعامل مع المستجدات العلمية والفكرية دون المساس بالقيم الأساسية التي تؤطر الحياة الفردية والاجتماعية.

التأمل في هذه النظرية يظهر أيضا أنها تمثل سابقة تاريخية في الفكر الإسلامي من حيث إدراك التمايز الوظيفي للمعرفة. إن ابن رشد من خلال هذه المقاربة يضع أسسا يمكن أن تلهم الفكر المعاصر في مجالات متعددة، من التعليم إلى الفقه ومن الفلسفة إلى العلوم الطبيعية. هذه النظرية تقدم نموذجا لإعادة ترتيب الأولويات المعرفية، بحيث يمكن للعقل والفلسفة والشريعة أن تتكامل في تحقيق غايات الإنسان العليا مع احترام خصوصية كل مجال وظيفي ومعرفي.

إن مساهمة ابن رشد تمتد إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والكون وبين المعرفة والغاية. فالعقل هنا ليس مجرد أداة تحليلية بل وسيلة لفهم النظام الكوني بما يحقق انسجاما مع المبادئ الأخلاقية والدينية. الشريعة بالمقابل تشكل سياقا يوجه الفكر والمعرفة بحيث لا ينحرف الإنسان عن قيمه الروحية والأخلاقية مما يخلق انسجاما بين مستويات الإدراك المختلفة. هذا الانسجام يعكس رؤية فلسفية متقدمة تؤكد على ضرورة التوازن بين التجربة العقلية والالتزام الديني وبين المعرفة النظرية والواجبات العملية.

الجانب الأهم في هذه النظرية هو إدراك الطبيعة الوظيفية لكل نوع من المعرفة. معرفة الطبيعة تقع ضمن اختصاص العقل الفلسفي والتجربة العلمية بينما معرفة الواجبات والأحكام تقع ضمن اختصاص الشريعة. الحكمة العليا تعمل على توجيه هذه المعارف نحو غاية كونية موحدة تتمثل في إدراك الحقيقة المطلقة وتحقيق كمال الإنسان. هذا التوزيع يعيد تعريف العلاقة بين المعارف المختلفة ويبرز إمكاناتها التكاملية، وهو ما يمكن أن يشكل نموذجا لإدارة المعرفة في السياق المعاصر، حيث تتعدد مصادر المعلومات وتتباين أهدافها.

تسمح هذه الرؤية أيضا بفهم الحوار بين الثقافات المختلفة، إذ أن الفلسفة كأداة عقلية يمكن أن تتجاوز حدود الثقافات الخاصة مع الحفاظ على المبادئ الأساسية للأخلاق والدين. ابن رشد بهذا الطرح يقدم إطارا للتعامل مع الاختلافات الفكرية والثقافية من خلال التركيز على الوظائف الجوهرية للمعرفة، وليس على الصدام الظاهري بين المدارس الفكرية المختلفة.

في ضوء هذه المقالة المتواضعة يتضح أن ابن رشد أسس نموذجا معرفيا يوازن بين العقل والنقل وبين الفلسفة والشريعة، بحيث يتحقق انسجام بين مستويات الإدراك المختلفة مع مراعاة الغايات الأخلاقية والروحية. هذا النموذج يمثل رؤية متقدمة في الفكر الإسلامي ويتيح إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والدين بما يعزز من قدرة الإنسان على فهم نفسه والعالم من حوله، دون المساس بالقيم الجوهرية التي تحدد هويته الروحية والأخلاقية.

وتستند مساهمة ابن رشد في إعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة إلى وعي عميق بدور كل نوع من المعرفة في حياة الإنسان والمجتمع. إن تبني منهج التمايز الوظيفي للمعرفة يوفر إطارا متكاملاً يسمح للعقل الفلسفي بفهم قوانين الطبيعة والوجود وللفقه والشريعة بضبط السلوك الفردي والاجتماعي وللحكمة العليا بتوجيه هذه المعارف نحو غايات كونية أخلاقية وروحية. هذا التصور يعيد الاعتبار للتعددية المعرفية ويبرز إمكانية انسجام بين مختلف مستويات الإدراك دون أن تتعرض المبادئ الأساسية للقيم للخطر.

ويقدم هذا النموذج أيضا فرصة لإعادة التفكير في دور الفلسفة والتعليم والفقه في العصر المعاصر، حيث يمكن استخدامه كأساس لبناء برامج تعليمية ومعرفية متكاملة تربط بين التفكير العقلاني والفهم الشرعي وتؤسس لثقافة حوارية مرنة بين المعرفة العلمية والفكر الديني. كما يوفر هذا النموذج قاعدة لفهم كيفية التوفيق بين التجربة العقلية والتزامات القيم بين الحقائق الطبيعية والغايات الروحية وبما يسهم في إثراء الفهم الإنساني وتوسيع آفاق الفكر.

إن رؤية ابن رشد تمثل إرثا فلسفيا عميقا يفتح أبوابا للتفكير في العلاقة بين الدين والعقل، بين الفلسفة والشريعة وبين المعرفة النظرية والتطبيقية بطريقة تراعي التمايز الوظيفي لكل حقل معرفي وتتيح استثمار كل معرفة وفق غاياتها الخاصة. هذا الإرث يقدم قاعدة صلبة للحوار المعرفي بين الماضي والحاضر ويؤسس لإعادة ترتيب المعارف الإنسانية على أسس فلسفية وأخلاقية متينة مما يجعله مرجعا خالدا في دراسة العلاقة بين الحكمة والشريعة وبين العقل والدين وبين المعرفة والغاية في الفكر الإسلامي والعالمي.

***

د. حمزة مولخنيف

المادية التاريخية لإنتاج الأوليغارشية وفخ الريع في العراق.. دراسة في انتقال الاستبداد من الفرد إلى الطبقة ومصير «الفتات المتبقي»

المقدمة: ماديّة الاستبداد وديالكتيك التحلل

الاستهلال: «الشسمه» كصورة جدلية للنظام العراقي

- في أزقة بغداد المنهكة التي رسمها أحمد سعداوي في روايته الاستثنائية، يجمع «هادي العتّاق» أشلاء ضحايا الانفجارات؛ ساقٌ من «الكرادة»، وذراعٌ من «الصدر»، وصدرٌ من «الأعظمية»، ليخلق كائناً مُركَّباً أطلق عليه الناس اسم «الشسمه» — الذي لا اسم له. كان الهدف «إكرامَ الموتى»، لكن الكائن نهض فجأةً ليبدأ رحلةً دموية، مدّعياً أنه يثأر لأصحاب الأشلاء التي يتكوّن منها (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 201).

- هذا الكائن ليس مجرد شخصية روائية؛ إنه «المانيفستو» المادي للنظام العراقي بعد 2003: قامت الأوليغارشية بجمع أشلاء الدولة المحطَّمة وخياطة «المحاصصة الطائفية» بخيوط خارجية لتصنع «دكتاتوراً جماعياً» مشوَّهاً. وحشٌ يتكوّن من هويات متصارعة في الظاهر، لكنه في جوهره «جسدٌ واحد» يقتات على دماء الريع النفطي. وهذا ما يُسمّيه البحث — مستعيناً بمصطلح والتر بنيامين — «الصورة الجدلية»: تلك اللحظة التي تتكثّف فيها الحقيقة التاريخية في صورة واحدة قادرة على اختراق الوعي الزائف.

الإشكالية المركزية وفرضية البحث

- إن الإشكالية التي يطرحها هذا البحث لا تتعلق بـ«فشل الديمقراطية» كقيمة إجرائية، بل بشيء أكثر جوهرية: كيف تحوَّل الشكلُ الديمقراطي إلى غرفة عمليات لإعادة إنتاج الاستبداد على شكل طبقي؟ وما الأدوات المادية والأيديولوجية التي تُبقي هذا النظام قائماً رغم أزمته البنيوية المتعمّقة؟

- ينطلق البحث من الفرضية التالية: إن الأزمة البنيوية للعراق بعد 2003 ليست أزمة حوكمة أو تنمية قابلة للإصلاح بآليات تقنية، بل هي أزمة طبقية بامتياز تعكس تناقضاً جوهرياً بين نمط الإنتاج الريعي-التوزيعي وضرورات إعادة الإنتاج الاجتماعي للمجتمع. وإن ما يبدو «فساداً» أو «طائفيةً» هو في حقيقته ضرورة مادية لنظام لا يستطيع البقاء إلا بشراء الولاءات ونهب الموارد.

الإطار النظري: المادية التاريخية

- ينتمي هذا البحث منهجياً إلى تقليد المادية التاريخية، موظِّفاً — لتحاشي الاختزالية الميكانيكية وتوسيع الأدوات التحليلية — إسهامات مفكرين متعددين: غرامشي في نظريتَي الهيمنة والمثقف العضوي، وبورديو في مفاهيم رأس المال الرمزي والعنف الرمزي، وسمير أمين في نقد التبعية والاقتصاد المحيطي، وفالح عبد الجبار وحنّا بطاطو وعلي علاوي في التحليل التاريخي الخاص بالسياق العراقي. المنهج هنا ليس تطبيقاً ميكانيكياً لمخطط جاهز، بل هو بحث في الخصوصية التاريخية الملموسة بأدوات مادية تحليلية دقيقة.

هيكل البحث

- يسير البحث في مسار جدلي من خمسة فصول: يبدأ بتحليل الانتقال الطبقي بعد 2003 (الفصل الأول)، ثم آليات إعادة الإنتاج الهيمني وظاهرة الأنتلجنسيا الرثة (الفصل الثاني)، ثم بنية الارتهان الخارجي والكومبرادور السياسي (الفصل الثالث)، ثم ديناميكيات انسداد أفق الريع ومرحلة الكانيبالية المادية (الفصل الرابع)، وصولاً إلى معضلة البديل الغائب وشروط إنتاجه (الفصل الخامس)، ليُختتم بسيناريوهات مادية للمآل الممكن.

الفصل الأول: من الدكتاتور الفرد إلى مجلس إدارة الاستبداد

تمهيد: السؤال الجوهري

- حين سقط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في التاسع من نيسان 2003، بدا المشهد في سطحه الإعلامي وكأنه لحظة تحرّر تاريخية. غير أن المادية التاريخية تُعلّمنا أن نسأل: ماذا سقط فعلاً؟ هل سقط الاستبداد، أم سقط شكلٌ واحد من أشكاله؟ وهل مع سقوط الفرد-الدكتاتور تفككت علاقات الإنتاج التي أنتجته وأعادت إنتاجه؟

- هذا الفصل يطرح أطروحة جوهرية: إن ما جرى في العراق بعد 2003 لم يكن انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل كان انتقالاً من نمطٍ في الاستبداد إلى نمطٍ آخر؛ من الاستبداد الفردي حيث يتمركز الريع في يد شخص واحد وشبكته الضيّقة، إلى ما يمكن تسميته «مجلس إدارة الاستبداد»: أوليغارشية مُركَّبة تتوزّع فيها الحصص الريعية بين كارتيلات طائفية-سياسية-عسكرية متنافسة في الشكل ومتآمرة في الجوهر.

المبحث الأول: الدولة الريعية العراقية — التشكّل التاريخي

أولاً: النفط كعلاقة إنتاج — بنية الريع

- يُعرّف الاقتصادي حازم الببلاوي الريع بأنه «دخل يتحقق دون أن يستلزم عملية إنتاج داخلية منظّمة»، مُميِّزاً بين أثرين: الأثر الاقتصادي في «تشويه بنية الحوافز الإنتاجية»، والأثر السياسي في «إعفاء الدولة من الحاجة إلى الخضوع لضغط الضريبة الذي يُولّد تاريخياً الديمقراطية» (الببلاوي، حازم والمبيض، غسّان، الدولة الريعية في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987، ص 48-52). وبحلول عام 1973، باتت عائدات النفط تُشكّل ما بين 85 و95% من إيرادات الموازنة العراقية.

- يُبيّن علي علاوي أن «نظام صدام لم يكن استثناءً من الدولة الريعية العراقية بل كان تطرّفها الأقصى؛ إذ تمركزت الثروة النفطية في يد الفرد الدكتاتور ومحيطه الضيّق، فأنتج نمطاً من الدولة لا تعكس مؤسساتها توازناً اجتماعياً بل تعكس إرادة مالك العائد الريعي» (علاوي، علي أ.، احتلال العراق: انتصار الكوارث، ترجمة أحمد محمود، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2009، ص 71).

ثانياً: حنّا بطاطو والبنية الطبقية التاريخية

- يُبيّن بطاطو في عمله الموسوعي أن الدولة العراقية لم تنبثق من صراع طبقي داخلي ناضج، بل نُزرعت بقرار خارجي فوق بنية قبلية متشققة، مما أنتج «طبقة إدارية» لا «طبقة رأسمالية» بالمعنى الكلاسيكي. وأن «الولاء في ظل نظام صدام لم يكن ظاهرة أيديولوجية بحتة، بل كان قبل كل شيء مصلحةً اقتصادية مادية ملموسة» (بطاطو، حنّا، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، ترجمة عفيف الرزاز، المجلد الثالث، بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1990، ص 1082-1085).

المبحث الثاني: الانتقال الطبقي بعد 2003

أولاً: المحاصصة كآلية لإنتاج علاقات إنتاج جديدة

- «المحاصصة» في جوهرها آليةٌ لتوزيع «حصص الريع» بين مراكز القوى المتنافسة؛ إنها عقدٌ بين كارتيلات سياسية طائفية-عسكرية على «تقاسم الغنيمة المادية» التي تمثّلها موارد الدولة الريعية. يُوثّق الرفاعي أن «الهدر التراكمي في ميزانية الاستثمار بلغ 240 مليار دولار خلال 2004-2014، لم تُستثمر منها سوى 30% في مشاريع فعلية» (الرفاعي، خضير، اقتصاد المحاصصة، بغداد: دار الرافدين، 2019، ص 78-82).

ثانياً: تشريح مجلس إدارة الاستبداد — ثلاث طبقات

- تتكوّن الأوليغارشية العراقية من ثلاث طبقات متداخلة: قادة الكارتيلات السياسية-الطائفية الذين حوّلوا  رأس المال السياسي إلى ريعي. والبرجوازية الكومبرادورية التي يصفها سمير أمين بأنها «تتوسّط بين رأس المال الأجنبي أو الريع الخارجي والاقتصاد المحلي مستخلصةً فائضاً دون أن تُضيف أي قيمة مُنتَجة» (أمين، سمير، في مواجهة أزمة عصرنا، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار الفارابي، 2009، ص 203-207). والميليشيات التي تحوّلت إلى «إمبراطوريات اقتصادية» موازية تسيطر على المنافذ والعقارات والتعاقدات.

المبحث الثالث: غياب التراكم الرأسمالي الإنتاجي

- لم تتجاوز نسبة الاستثمار الخاص العراقي غير النفطي 8% من الناتج المحلي حتى في أفضل السنوات، مقارنةً بـ22% في ماليزيا وأكثر من 28% في كوريا الجنوبية في مراحل مماثلة (الشهرستاني، مصطفى كاظم، الاقتصاد العراقي: التشخيص والإصلاح، بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 2018، ص 119-123). هذا الأثر الريعي الطارد للاستثمار الإنتاجي هو المؤشر الأقوى على أن الإشكالية بنيوية لا ظرفية.

خلاصة الفصل الأول

- ما توصّل إليه هذا الفصل: إن الانتقال الذي شهده العراق من 2003 إلى الحاضر هو انتقالٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره المادي. انتقل الريع النفطي من قبضة الفرد-الدكتاتور إلى قبضة الكارتيل الأوليغارشي، وانتقلت آلية تحويله إلى سلطة من «أمر الدكتاتور المباشر» إلى «عقد المحاصصة المُركَّب». هذا التحوّل في الشكل مع الثبات في الجوهر هو ما يُسمّيه المنهج الجدلي «النفي غير المكتمل».

الفصل الثاني: آليات إعادة الإنتاج: الرشوة والولاء والأنتلجنسيا الرثة

كيف يُعيد النظام الريعي إنتاج هيمنته اجتماعياً وأيديولوجياً؟

تمهيد: إشكالية الاستمرارية

- يطرح أي نظام تسلطي سؤالاً أساسياً: كيف يستمر؟ السلطة لا تقوم على القوة العسكرية وحدها. ميّز غرامشي بين نوعين من ممارسة السلطة: السلطة بالقسر والسلطة بالموافقة، كاتباً: «الهيمنة هي حكمٌ بالموافقة، والديكتاتورية حكمٌ بالقوة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن: المثقفون والمسألة الوطنية، ترجمة عادل العامل، بيروت: دار الفارابي، 1994، ص 57). هذا الفصل يكشف الآليات المحددة التي يُعيد بها النظام الريعي إنتاج هيمنته.

المبحث الأول: فخ الصرف الزائد — الرشوة الاجتماعية

أولاً: التوظيف الحكومي المترهل

- كشف تقرير البنك الدولي لعام 2022 أن فاتورة رواتب القطاع العام بلغت أكثر من 23 مليار دولار سنوياً. وتُبيّن دراسة مظهر محمد صالح أن نسبة العمالة الحكومية ارتفعت من 17% عام 2003 إلى أكثر من 42% عام 2020، مستخلصاً أن «هذا التضخم لا يُفسَّر بالنمو الطبيعي للجهاز الإداري، بل بالدور الوظيفي للتعيين الحكومي كأداة لاحتواء الضغط الاجتماعي وشراء الولاء الانتخابي» (صالح، مظهر محمد، الاقتصاد العراقي بين الريع والتنويع، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص 88-94).

ثانياً: الزبائنية السياسية — بنية الولاء الهرمي

- يُعرّف جيمس سكوت الزبائنية بأنها «علاقة تبادل شخصية غير متكافئة بين «الراعي» الذي يمتلك الموارد و«الزبون» الذي يمتلك الأصوات والولاء» (Scott, James C., «Patron-Client Politics», American Political Science Review, Vol. 66, No. 1, 1972, p. 92). وقد أسهم بورديو بمفهوم «رأس المال الاجتماعي» الذي يُشغّل آلة الزبائنية حين تشحّ الموارد المالية (بورديو، بيير، الأسباب العملية، ترجمة ماهر تريمش، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2007، ص 103).

المبحث الثاني: الأنتلجنسيا الرثة — تشريح المثقف الزبائني

أولاً: من المثقف العضوي إلى المثقف الرث

ميّز غرامشي بين المثقف التقليدي المنفصل عن علاقات الإنتاج والمثقف العضوي الذي ينبثق من طبقة ليُعبّر عن وعيها (غرامشي، المرجع السابق، ص 9-10). يطرح هذا البحث مفهوماً نقيضاً: «الأنتلجنسيا الرثة» — المثقف الذي يرتبط عضوياً بطبقة ريعية طفيلية لا مشروع تاريخياً لها سوى الحفاظ على امتيازاتها، فيُنتج وعياً زائفاً يُخدّر ويُشوّه ويُبرّر بدل أن يُنير.

ثانياً: الوظائف الثلاث للأنتلجنسيا الرثة

- تُؤدي الأنتلجنسيا الرثة ثلاث وظائف بنيوية: إنتاج الأيديولوجيا المُشرعِنة عبر مسارات الخطاب الطائفي وخطاب المقاومة والمقاربة التكنوقراطية البراغماتية. وتدمير الذاكرة التاريخية الجمعية بالطمس والإسدال أو بإعادة الكتابة. وثالثاً «إنتاج اليأس النشط» — تحويل الإحباط إلى قناعة بانتفاء الجدوى، وهو ما وصفه فريري بـ«ثقافة الصمت» التي ينتجها المثقف الزبائني: «المقهور الذي تعمّقت فيه ثقافة الصمت يُطوّر وعياً سحرياً بواقعه، يراه قدراً لا حيلة فيه» (فريري، باولو، تربية المقهورين، ترجمة بدر الدين عرودكي، بيروت: دار الآداب، 2001، ص 61).

المبحث الثالث: الآليات الأيديولوجية للهيمنة

- يُقدّم مفهوم «رأس المال الرمزي» لبورديو أداةً نافذة لفهم كيف تُحوّل الأوليغارشية مصادر سيطرتها المادية إلى «طبيعة ثقافية» مُتقبَّلة اجتماعياً: «رأس المال الرمزي هو القوة الخفية التي تجعل العلاقات الاجتماعية غير المتكافئة تبدو طبيعية وعادلة» (بورديو، بيير، العنف الرمزي، ترجمة نظير جاهل، بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994، ص 161-164). كما أن أكثر من 63% من القنوات التلفزيونية العراقية تمتلكها أحزاب أو كتل سياسية دينية (IFJ, Iraq Media Landscape Report, Brussels, 2021, p. 17).

المبحث الرابع: تشرين — قراءة مادية في التعثّر

- واجهت انتفاضة تشرين 2019 حائطاً مادياً مُركَّباً من ثلاثة أبعاد: الارتهان المعيشي لأسر المحتجين بالراتب الحكومي ذاته الذي يُطعم من يثأرون منه. وغياب الذات الطبقية المنظّمة — «العقم التنظيمي للغضب التلقائي» بوصف أوتو باور (باور، أوتو، المسألة القومية والاشتراكية، ترجمة صلاح الدين المحسن، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص 203-206). والتدخل المُحكم للأنتلجنسيا الرثة بكامل آلياتها لإعادة تأطير الحراك وتطييفه وتقزيمه.

خلاصة الفصل الثاني

- كشف هذا الفصل أن الأوليغارشية الريعية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة متكاملة: الرشوة الهيكلية (التوظيف والإنفاق الاجتماعي)، والزبائنية الهرمية، والأنتلجنسيا الرثة التي تُزوّد الهيمنة بغلافها الثقافي والرمزي. غير أن كل آلية تحمل في بنيتها بذرة تناقضها: التوظيف يُثقل الميزانية، والزبائنية تُغذّي توقعات تتجاوز طاقة الوفاء، والأنتلجنسيا تفقد مصداقيتها حين يتّسع الفارق بين خطابها والواقع.

الفصل الثالث: الارتهان المادي والتبعية الخارجية

الكومبرادور السياسي العراقي: بنية التبعية وآليات الاشتراط الخارجي

المبحث الأول: الكومبرادور السياسي — إطار نظري

- يُصوّر سمير أمين العلاقة بين المركز والمحيط بأنها «علاقة استخلاص مزدوجة: يستخلص المركز فائض القيمة من المحيط، ويستخلص الكومبرادور ريعه المحلي من التيسير الذي يُقدّمه لهذه العملية» (أمين، سمير، التراكم على الصعيد العالمي، ترجمة حسن قبيسي، بيروت: دار ابن خلدون، 1975، ص 301-305). في العراق، الكومبرادور السياسي لا يتوسط فقط بين رأس المال الأجنبي والسوق المحلية، بل بين إرادة مراكز القوى الخارجية ومنظومة الحكم المحلية.

- يُوثّق علي علاوي بنزاهة نقدية نادرة: «لم يكن الكثير من القادة العائدين على دراية فعلية باقتصاد البلاد، لكنهم كانوا على دراية تامة بمزاج الجهات التي أوصلتهم ومتطلباتها. وقد ظل هذا التوجه الخارجي حاكماً لمنطق صنع القرار» (علاوي، المرجع السابق، ص 148-151).

المبحث الثاني: النموذج الإيراني — التبعية الأكثر عمقاً

أولاً: تمييز ثلاثة مستويات للنفوذ

- ينبغي التمييز بين النفوذ الثقافي-الديني التاريخي، والنفوذ الاستراتيجي الجيوسياسي المشروع، وبين النفوذ التبعوي-الريعي الذي يُصبح بنيوياً حين يرتبط بقاء شرائح من الأوليغارشية ارتباطاً عضوياً بالدعم الإيراني. يُبيّن فالح عبد الجبار أن «إيران بنت سوق علاقات: تُقدّم الحماية والشرعية الإقليمية، وشركاؤها العراقيون يُؤمّنون لها عمقاً استراتيجياً على حساب السيادة العراقية» (عبد الجبار، فالح، مجلة المستقبل العربي، العدد 423، 2014، ص 28-33).

ثانياً: الضريبة الاقتصادية للتبعية — ملف الطاقة

- يكشف باسم جميل أنطوان أن قيمة الغاز المُحرَق في حقول النفط العراقية تتجاوز ملياري دولار سنوياً، فيما تدفع العراق قرابة مليار دولار سنوياً ثمن الكهرباء المستوردة من إيران. هذه المفارقة لا تُفسَّر بغياب التقنية «بل في أن القيود التي تحول دون استثمار الغاز المحلي ترتبط باعتبارات تبعوية تجعل الاستيراد من إيران أنسب سياسياً من الاكتفاء الذاتي» (أنطوان، باسم جميل، ملف الطاقة العراقي، بغداد: دار المدى، 2022، ص 88-96).

المبحث الثالث: النفوذ الأمريكي — من الاحتلال إلى الاشتراط الريعي

- بعد 2011، تحوّل النفوذ الأمريكي من عسكري مباشر إلى «مزاد العملة» الذي يمنح الاحتياطي الفيدرالي رقابة شبه يومية على حركة السيولة العراقية. يُبيّن مظهر محمد صالح أن «الدولار هو العملة الحقيقية للاقتصاد العراقي دون إعلان ذلك رسمياً، وأي اضطراب في إمداده يتحوّل فوراً إلى أزمة معيشية مباشرة» (صالح، المرجع السابق، ص 134-138). وتصف الباحثة توبي دودج هذا الوضع بـ«فخ الحياد المستحيل»: الأوليغارشية محاصرة بين التبعيتين الإيرانية والأمريكية في آنٍ واحد فتنتج «النفاق الاستراتيجي الهيكلي» (دودج، توبي، العراق: من الحرب إلى استبداد جديد، ترجمة حسن الشيخ، بيروت: الشبكة العربية، 2014، ص 201).

المبحث الرابع: تضارب المصالح ومضيق هرمز

- الأطروحة الجوهرية: إن إبقاء مسار تصدير النفط العراقي رهيناً بمضيق هرمز ليس قصوراً إدارياً بل هو ضمانة تبعوية بنيوية. فطالما أن قطع هذا المسار يُشكّل تهديداً وجودياً للاقتصاد العراقي، تظل إيران تمتلك ورقة ضغط استراتيجية تستخدمها في كل تفاوض لفرض شروطها.

- يُبيّن وليد خدوري أن خط الأنابيب العراقي-السعودي (IPSA) بطاقة 1.65 مليون برميل يومياً أُغلق منذ 1990 ولم يُعَد تشغيله رغم أن تأهيله لا يكلّف أكثر من ملياري دولار — أقل من أسبوع من عائدات النفط. «وغياب الإرادة السياسية لعشرين عاماً لا يُمكن تفسيره بأي منطق اقتصادي، بل ينكشف حين يُقرأ في ضوء الالتزامات التبعوية» (خدوري، وليد، النفط العراقي في المعادلة الإقليمية، بيروت: الشركة العربية للنشر، 2018، ص 112-119).

خلاصة الفصل الثالث

- السيادة الوطنية في العراق مُجزَّأة ومُوزَّعة بين مراكز نفوذ متعددة بصورة مُنهِكة للموارد الوطنية. لكن هذا الارتهان يحمل بُعداً جدلياً: حين يُهدَّد المسار الخارجي — أزمة إقليمية كبرى أو انهيار نفطي — تنكشف هشاشة النظام بكاملها دفعةً واحدة. وهذا التقاطع بين الأزمة الداخلية وهشاشة الارتهان الخارجي هو لحظة الانفجار التي يُحلّلها الفصل الرابع.

الفصل الرابع: لحظة الانفجار: انسداد أفق الريع

السكتة القلبية للنظام الريعي وانتقاله من توزيع الفائض إلى نهب الأصول

«الأزمة تحدث بالضبط حين يستحيل استمرار القديم وتعجز قوى التجديد عن الوصول. هذا الفراغ هو حقبة الأعراض الشديدة» (غرامشي، أنطونيو، دفاتر السجن، المرجع السابق، ص 276)

المبحث الأول: السكتة القلبية المالية

- وثّق صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2023 أن «سعر التعادل» — أي سعر برميل النفط اللازم لموازنة متوازنة — ارتفع من 60 دولاراً عام 2010 إلى أكثر من 96 دولاراً عام 2023، وهو ارتفاع يعكس تضخّم الالتزامات بمعدل يفوق أي نمو في الطاقة الإنتاجية (IMF, Iraq: 2023 Article IV Consultation Report, Washington: IMF, 2023, p. 14). ويُحلّل أحمد موسى جياد أن الصدمة النفطية لعام 2014 دفعت الحكومة إلى إصدارِ سندات خزينة بـ20 تريليون دينار لتسديد الرواتب، محوّلةً «إنفاق الريع» إلى «إنفاق الديون» للمرة الأولى (جياد، أحمد موسى، الاقتصاد العراقي وتداعيات انهيار أسعار النفط، أبو ظبي: مركز الخليج للأبحاث، 2017، ص 63-68).

المبحث الثاني: الكانيبالية المادية

أولاً: مفهوم الكانيبالية المادية

- يطرح هذا البحث مفهوم «الكانيبالية المادية» لوصف الانتقال من نهب الريع الجاري إلى التهام أصول الدولة المتبقية. إنها مرحلة «التفكيك الذاتي» التي وصفها كارل بولاني: حين يبدأ النظام في استهلاك الموارد التي تُتيح له إعادة إنتاج نفسه (بولاني، كارل، التحوّل الكبير، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، 2008، ص 136).

ثانياً: التجليات الثلاثة

- أولاً نهب عقود البنية التحتية: ما يزيد على 40 مليار دولار لملف الكهرباء خلال 2006-2021 مع هدر تراكمي يُقدّر بـ25-30 مليار دولار، يتوزّع على عقود مُضخَّمة بـ40% ومشاريع مدفوعة غير منجزة (Global Integrity, Iraq Electricity Sector Integrity Assessment, Washington, 2020, p. 22). ثانياً التهام الاحتياطيات السيادية: تراجعت من 90 إلى 53 مليار دولار بين 2014 و2020. ثالثاً إفراغ صناديق التقاعد عبر استثمارات خاسرة في مشاريع حزبية مرتبطة بالكارتيلات (الموسوي، محمد، حقوق التقاعد في العراق، بغداد: هيومن رايتس ووتش، 2022، ص 18).

المبحث الثالث: معادلة هرمز — جغرافيا الهشاشة

- يمرّ عبر مضيق هرمز (34 كم في أضيق نقاطه) أكثر من 90% من صادرات النفط العراقي. ومحاكاة خدوري الحسابية تُشير إلى أن تراجع الصادرات بنسبة 30% لستة أشهر سيُنتج عجزاً يبلغ 18 مليار دولار «يُجاوز كل الاحتياطيات المتاحة للضخ الطارئ» (خدوري، المرجع السابق، ص 163-167). وهذا الانكشاف ليس عجزاً تقنياً بل ضمانة تبعوية بنيوية محسوبة.

المبحث الرابع: ما بعد الذروة النفطية

- تتجاوز الأزمة دورات الأسعار لتُواجه تحدياً بنيوياً: التحوّل الطاقوي العالمي. يُقدّر تقرير IEA لعام 2023 أن الطلب العالمي على النفط سيبلغ ذروته قبل عام 2030 (IEA, World Energy Outlook 2023, Paris, 2023, p. 41). وعلى المستوى التنافسي، يُضيق صعود النفط الصخري الأمريكي مساحة المناورة السعرية لأوبك+ مُضيّقاً بدوره العائد العراقي المتوقع. «الدول الريعية التي تُفوّت فرصة التحوّل تُشبه إقطاعياً يبيع أراضيه لتمويل حفلة طويلة» (قرم، جورج، الاقتصاد السياسي للشرق الأوسط، بيروت: دار الطليعة، 2011، ص 248-253).

المبحث الخامس: سلوك المُحاصَر

- يُحدّد مايكل روس في «لعنة النفط» أربعة أنماط استجابة للأوليغارشيات في مواجهة أزمات الموارد: التقشف الانتقائي، والاستدانة الخارجية، وتصعيد القمع، وتسارع نهب الأصول. ويُلاحَظ في العراق الراهن حضور الأنماط الأربعة بصورة متزامنة (روس، مايكل، لعنة النفط، ترجمة أيمن شكر، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2015، ص 88). والأهم أن تسارع النهب يعكس وعياً ضمنياً لدى النخبة بحتمية الانهيار — وهو ما يُسمّى «استراتيجية الخروج».

خلاصة الفصل الرابع

- الأدلة جميعها — من منحنيات سعر التعادل إلى تراجع الاحتياطيات إلى الكانيبالية المادية إلى هشاشة الممر الهرمزي — تُشير إلى نظام يقترب من عتبة اللاعودة في قدرته على إعادة إنتاج بنيته الريعية. لكن المادية التاريخية تُذكّرنا أن الأزمة البنيوية ليست سقوطاً آلياً مبرمجاً. وهنا تبرز إشكالية الفصل الخامس: غياب البديل المنظّم القادر على تحويل اللحظة الانفجارية إلى لحظة تأسيسية.

الفصل الخامس

معضلة البديل الغائب

غياب الذات الواعية: لماذا لا تُنتج الأزمة البنيوية تحوّلاً تلقائياً؟

تمهيد: المفارقة الجوهرية

- إذا كانت الأزمة البنيوية للنظام الريعي بهذه الحدة والعمق — فلماذا لا يتحوّل؟ التناقض البنيوي شرطٌ ضروري لكنه ليس كافياً. الشرط الكافي هو الذات الواعية المنظّمة القادرة على تحويل الأزمة من ألم مُعاش إلى مشروع تاريخي مُصاغ. وهذا بالضبط ما يغيب في الحالة العراقية.

المبحث الأول: تجريف الطبقات المنتجة

- بيانات الجهاز المركزي للإحصاء لعام 2021 تكشف أن نسبة العاملين في الصناعات التحويلية الخاصة لا تتجاوز 6% من القوى العاملة، مقابل 42% في القطاع الحكومي (الجهاز المركزي للإحصاء، مسح سوق العمل، بغداد، 2021، ص 17-19). يُضيف إبراهيم الحيدري أن الريعية أنتجت «طبقة عاملة مُفتَّتة هوياتياً: يرى الكثيرون أنفسهم أبناء طائفة أو عشيرة لا أعضاء في طبقة ذات مصالح مشتركة» (الحيدري، إبراهيم، سوسيولوجيا المجتمع العراقي، بيروت: دار الساقي، 2020، ص 178-183).

- ويرصد فالح عبد الجبار غياب «التنظيم المدني المستقل مالياً وعقائدياً، النابع من المصالح الطبقية المحلية وخادم لها» بين التنظيمات الحزبية المُغلَّفة مدنياً والتنظيمات الممولة دولياً بأجندات خارجية (عبد الجبار، فالح، المجتمع المدني والتحوّل الديمقراطي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012، ص 211-215). وتُقدّر أرقام IOM أن 5-7 ملايين عراقي يعيشون خارج البلاد وأن أكثر من 60% من الكفاءات المتخصصة غادروا البلاد خلال العشر سنوات الأولى بعد تخرجهم (IOM, Iraq Migration Report, Geneva, 2022, pp. 11-14).

المبحث الثاني: الوعي الزائف وإشكالية تشرين

- وصف لوكاتش هذا النوع من الحالات بـ«الوعي في طور التشكّل»: مرحلة يُدرك فيها أفراد الطبقة المقهورة واقع استغلالها دون أن يمتلكوا الإطار المفاهيمي لترجمة هذا الإدراك إلى استراتيجية تحرر (لوكاتش، جورج، التاريخ والوعي الطبقي، ترجمة حنا الشيخ، بيروت: دار الطليعة، 1983، ص 97-102). في تشرين، الشعارات كانت طبقية في روحها لكنها ظلت أعراضاً تعبيرية لا مشروعاً سياسياً، ويعكس ذلك مباشرةً غياب المثقف العضوي الغرامشي الذي يُترجم «الغضب إلى برنامج». يُبيّن حيدر سعيد أن المثقف العراقي يواجه معادلة قاسية: «إما الانضمام إلى الزبائنية الحزبية فيحصل على الموارد ويفقد الاستقلالية، وإما أن يظل مستقلاً فيُعزل ويُهمَّش مادياً» (سعيد، حيدر، السياسة والثقافة في العراق المعاصر، بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2018، ص 134-140).

المبحث الثالث: معضلة الاستقلال الاقتصادي

- كل مصادر التمويل المتاحة للبديل السياسي مُرتهِنة للمنظومة: الحكومي يعني الزبائنية، والخارجي يعني الأجندات المستوردة والتشكيك الوطني، والخاص يعني الارتهان لمزاج الثروات المرتبطة بشبكة الريع. وفي غياب قطاع إنتاجي مستقل يُولّد ثروات بمعزل عن الريع الحكومي، تظل القوى البديلة رهينة هذا المثلث المسموم.

المبحث الرابع: شروط إنتاج البديل الممكن

- يستلزم بناء «الكتلة التاريخية» بمفهوم غرامشي ثلاثة عناصر مادية: نواة تنظيمية مستقلة مادياً، وبرنامج اقتصادي بديل محدد لـ«ما بعد الريع»، ولغة سياسية تُخاطب المواطن في مصلحته الاقتصادية لا «ابن المكوّن» في هواجسه الهوياتية. وتُوفّر تجربة بوليفيا مع إيفو موراليس درساً قيّماً: وجود «قاعدة إنتاجية مستقلة ولو جزئية» كان العمود الفقري للتحوّل (Rees, Gilbert, «Extractivism and Social Change in Bolivia», Latin American Politics and Society, Vol. 55, No. 3, 2013, p. 47).

- في قلب المشهد القاتم، ثمة عامل واحد يستحق قراءةً متأنية: أكثر من 60% من السكان دون سن الثلاثين، يحمل معظمهم «وعياً نقدياً مقارناً» غير مسبوق في التاريخ العراقي. يُحلّل حارث حسن أن «هذا الجيل يُطوّر وعياً نقدياً يرى في الواقع سياسةً قابلة للتغيير لا حتمية مُسلَّماً بها» (حسن، حارث، مجلة سياسة دولية، العدد 214، بيروت، 2020، ص 48-52).

خلاصة الفصل الخامس

- بذور التجاوز موجودة — في تراكم الوعي التشريني النقدي وفي الحاجة الموضوعية المتصاعدة وفي الجيل الجديد — لكنها تحتاج إلى شروط مادية لنموّها: استقلالية اقتصادية تُتيح التنظيم المستقل، ومشروع اقتصادي بديل محدد الملامح. وفي غياب هذه الشروط لا تنتهي الأزمة بثورة بل بسيناريوهات متعددة الأشكال.

الخاتمة: السيناريوهات المادية القادمة

التغيير في البنية الفوقية مستحيل دون زلزال في القاعدة المادية

أولاً: تكثيف الأطروحة — ما أثبته البحث

على مسار فصوله الخمسة، أثبت هذا البحث بالتحليل المادي التاريخي الموثَّق أربع أطروحات مترابطة:

1. الأطروحة الأولى: إن ما جرى في العراق بعد 2003 ليس انتقالاً من الاستبداد إلى الديمقراطية، بل تحوّلٌ في شكل الاستبداد مع الحفاظ على جوهره الريعي. انتقلت السلطة من «فرد-دكتاتور» إلى «مجلس إدارة أوليغارشي»، لكن علاقة الإنتاج الريعية لم تتغيّر.

2. الأطروحة الثانية: إن الأوليغارشية تُعيد إنتاج هيمنتها عبر منظومة مُركَّبة من الرشوة الاجتماعية والزبائنية والأنتلجنسيا الرثة والارتهان الخارجي الذي يُحوّل التبعية إلى ضرورة بقاء.

3. الأطروحة الثالثة: إن النظام يعيش الآن مرحلة «التعفن البنيوي» المتسارع، يُجسّدها ارتفاع سعر التعادل المالي وتراجع الاحتياطيات والانتقال إلى الكانيبالية المادية. هذا المسار لا رجعة عنه في إطار البنية القائمة.

4. الأطروحة الرابعة: إن الأزمة البنيوية لا تُنتج تلقائياً بديلاً تحرريّاً؛ لأن الذات الطبقية القادرة على تحويل الأزمة إلى مشروع تاريخي غائبة أو مُجزَّأة نتيجة عقود من تجريف الطبقات المنتجة وتدمير المجتمع المدني المستقل.

ثانياً: السيناريوهات المادية الثلاثة

1. السيناريو الأول ك التحلل الشامل والفوضى المُركَّبة (الأعلى احتمالاً على المدى المتوسط)

تصاعد متوازٍ بين عجز مالي متنامٍ وتدهور الخدمات، وتفكّك تدريجي لسلطة الدولة المركزية لصالح أمراء الحرب المحليين وشبكات الميليشيات الاقتصادية، وتسارع الكانيبالية المادية في سباق يؤجّج ذاته. لا انهيار مفاجئ بل تحلّل بطيء متسارع — ما وصفه ابن خلدون بـ«الترهل»: حين يفقد الجسم السياسي عصبيته الجامعة ويبدأ في الانحلال من الأطراف قبل المركز (ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، تحقيق درويش الجويدي، بيروت: المكتبة العصرية، 2005، ص 174).

2. السيناريو الثاني البونابرتية المادية (ممكن في لحظة الأزمة الحادة)

ظهور زعيم فردي قوي يُطيح بالأوليغارشية مُدَّعياً تمثيل الإرادة الشعبية، مستغلاً حاجة الجماهير الحادة إلى الأمان والخبز في لحظة انهيار نظام الولاء الزبائني. لا تحرر حقيقي بل إعادة تمركز السلطة في يد الفرد. يُلفت عزمي بشارة إلى أن «الشعب المُرهَق والجائع يميل في لحظات الاستعصاء إلى القبول بالقوي الذي يُوقف الفوضى حتى لو كان ذلك على حساب حريته» (بشارة، عزمي، في المسألة العربية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2007، ص 233).

3. السيناريو الثالث الكتلة التاريخية والتحوّل البنيوي (الأصعب تحقيقاً والأكثر عدالةً)

نشوء قوى اجتماعية منظّمة تمتلك استقلالية اقتصادية كافية، وقادرة على بناء تحالف طبقي عابر للهويات حول مشروع اقتصادي بديل واضح المعالم. يستلزم: الاستمرار الصبور في بناء التنظيم المستقل، وانتهاز لحظة الأزمة المالية الحادة، ووجود برنامج اقتصادي يُجيب على سؤال «ماذا بعد الريع». إنه سيناريو الأمل المحفور في المنطق الجدلي: فكل نظام يحمل في تناقضاته بذور تجاوزه.

ثالثاً: الاستنتاج النهائي

- الأوليغارشية في العراق ليست «قدراً سياسياً» ولا «خصوصيةً ثقافية» ولا «عاهةً أخلاقية» في أبناء هذا البلد. إنها «ضرورة مادية» تُنتِجها وتُعيد إنتاجها علاقاتُ إنتاج ريعية محددة لم تتغيّر في جوهرها منذ عقود. وإن نهايتها — متى جاءت — لن تكون بتغيير الأشخاص أو بإجراء انتخابات أو بضخ خطاب وطني جديد؛ بل ستكون حصراً بتفكيك هذه العلاقات الريعية وبناء قاعدة إنتاجية مستقلة تُولّد ثروةً حقيقية وتُنتج بالضرورة طبقةً اجتماعية ذات مصالح مادية في دولة قانون وحوكمة ومحاسبة.

- في النهاية نستعير من «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي: «أنا لستُ ما صنعني هادي؛ أنا ما صنعتْه الحرب». بالقياس: الأوليغارشية العراقية ليست ما صنعه هذا الزعيم أو ذاك، إنها ما صنعه الريع النفطي والتبعية الخارجية والتفكيك المنظّم للمجتمع المنتج. وهذا التمييز بين الفرد والبنية هو ما يجعل تغيير الوجوه دون تغيير البنية مجرد إعادة إنتاج للأشلاء ذاتها بترتيب جديد (سعداوي، أحمد، فرانكشتاين في بغداد، بيروت: دار الآداب، 2013، ص 287).

***

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

باحث في مجال حقوق الانسان

تحليل في بنية الحجاج في كتاب "الكشف عن مناهج الأدلة"

في المتون الكبرى التي تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والوحي يبرز الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة بوصفه نصا مؤسِّسا لا في تاريخ الجدل العقدي فحسب، بل في تاريخ الوعي الإسلامي بذاته وهو يراجع أدواته ومناهجه ومسلّماته. فابن رشد لا يكتب هنا من موقع المتكلّم الذي يدافع عن مذهب داخل سوق الاختلاف ولا من موقع الفيلسوف الذي يفرض على الشريعة منطقا غريبا عن بنيتها، بل من موقع المفكّر الذي أدرك أنّ أزمة العقيدة في الثقافة الإسلامية قد استقرّت طويلا في مناهج النظر قبل أن تستقرّ في مضامين الاعتقاد، وأنّ العطب الذي أصاب المعنى الديني لم ينشأ من فقر النصّ ولا من قصور الوحي بل من تضخّم الجدل ومن سوء الترتيب بين مراتب الخطاب ومن الخلط بين ما يقتضيه البرهان وما يكتفي به الإقناع ومن توهّم أنّ كثافة الاعتراض دليل على قوة اليقين. ومن هنا جاء هذا الكتاب على صورة مراجعة عميقة لآلة الاستدلال ذاتها وعلى صورة مساءلة صارمة للطرق التي سلكها المتكلّمون في تقرير العقائد وعلى صورة استئنافٍ فلسفيّ رفيع يروم تخليص الدين من الأدلة التي أضعفته أكثر مما خدمته وردَّ الإيمان إلى أفقه الأصفى حيث يتعانق المعنى والبرهان وتلتقي الهداية بالنظر.تلك هي النقطة التي تمنح النصّ الرشدي فرادته الحقيقية. فالمسألة عنده لا تُختزل في إثبات وجود الله أو تقرير الصفات أو الدفاع عن النبوّة أو الحديث عن المعاد، لأنّ هذه الموضوعات كلّها تظلّ في مرتبة المقولات الجزئية ما لم تُفهم في ضوء السؤال الأعمق، بأيّ عقل تُدرَك العقيدة وبأيّ منهج تُبنى وبأيّ خطاب تُنقل من حيّز الحقيقة إلى حيّز التلقّي العام دون أن تفقد تماسكها أو تنقلب إلى مادة خصام؟ هنا يتقدّم ابن رشد بخطاب نادر الصرامة لأنّه ينقل البحث من "ماذا نعتقد؟" إلى "كيف نعتقد على وجه صحيح؟"، ومن مضمون القضية إلى شرعية الدليل ومن ظاهر الاختلافات المذهبية إلى البنية المعرفية التي صنعتها وأدامت سلطانها. ويعتبر الكشف عن مناهج الأدلة نصا يتجاوز علم الكلام من داخله ويخترق الفلسفة من غير أن يستسلم لها ويؤسّس إمكانا ثالثا للمعقول الديني إمكانا لا يخاصم النصّ ولا يستقيل من العقل ولا يسلّم الحقيقة إلى الجدل ولا يتركها أسيرة الظاهرية العمياء.

وانطلاقا من هذا المسار يتحدّد الرهان المركزي لهذا المقال الوجيز حول تفكيك مفهوم "المعقول الديني" عند ابن رشد عبر تحليل البنية الحجاجية التي تنتظم كتاب الكشف عن مناهج الأدلة بوصفها بنيةً تكشف عن مشروع فكري متكامل يروم إعادة بناء المجال العقدي على أساس من الانضباط البرهاني والوفاء لروح الشريعة معا. فالمقصود لا يقف عند تتبّع مواقف ابن رشد في قضايا الإلهيات والنبوات والسمعيات بل يتجاوز ذلك إلى استجلاء المنطق الداخلي الذي يحكم انتقاله من نقد أدلة المتكلّمين إلى استخراج مناهج القرآن في الاستدلال، ومن تفكيك الصناعات الجدلية إلى إرساء نموذج معرفي يرى في الدين خطابا مؤسَّسا على المعقول في جوهره وفي العقل أداةً للهداية لا آلةً للمشاغبة وفي التأويل حدا معرفيا مضبوطا لا ممرا للفوضى وفي البرهان قيمةً حضاريةً تحفظ وحدة الحقيقة من التمزّق بين الفرق والاصطلاحات. وعلى هذا الأساس يتبدّى ابن رشد في هذا النصّ الكبير واحدا من أعمق من وعى أنّ معركة الفكر لا تُحسم عند حدود النتائج بل تُحسم في طرائق الوصول إليها وأنّ فساد الدليل قد يسيء إلى الحقّ أكثر ممّا يسيء إليه خصومه وأنّ الدين كلّما استعاد معقوله الأصيل استعاد قدرته على أن يكون مصدر يقين لا مادة انقسام وأفقَ بناءٍ لا ساحةَ تنازع.

ليس من اليسير أن يُقرأ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة قراءةً خارج الأفق الذي أنشأه ابن رشد لنفسه بوصفه فقيها وأصوليا ومتكلما وشارحا لأرسطو في آن. فالنص الرشدي هنا لا يقدّم نفسه مجرد رسالة في العقيدة ولا مجرّد ردّ على المتكلمين ولا مجرد ملحق بكتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، بل يكشف عن مشروع أعمق يتعلّق بإعادة بناء المجال الديني من الداخل على أساس عقلاني برهاني يردّ الاعتبار إلى "المعقول" في الدين ويُنقذه من أسر الجدل الخطابي الذي استبدّ بمناهج النظر في قضايا الإلهيات والنبوات والمعاد. وإنّ قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعاته المعلومة التي تتصل بإثبات وجود الله ووحدانيته وتنزيهه وإثبات النبوة وتأويل الصفات والحديث عن السعادة الأخروية، وإنما تكمن على نحو أخص في بنية الحجاج التي تنتظم الكتاب كله وتجعل منه وثيقة فكرية كاشفة عن مفهوم مخصوص للمعقول الديني عند ابن رشد.

وإذا كان كثير من الدارسين قد تعاملوا مع الكشف بوصفه نصا "كلاميا" في ظاهر بنيته الموضوعية فإنّ النظر المتأني يكشف أنّ الرجل إنما كان بصدد تفكيك البنية الداخلية لعلم الكلام نفسه لا من أجل الانتصار لمذهب كلامي على آخر، بل من أجل مساءلة الأصل المنهجي الذي قامت عليه طرائق المتكلمين في الاستدلال. ولذلك فإنّ ابن رشد لا يدخل إلى المسألة من باب النتائج الاعتقادية فقط، بل من باب مناهج الأدلة. وهذا العنوان نفسه بالغ الدلالة لأنّه لا يَعِدُ القارئ بتقرير عقائد الملة على نحو تلقيني بل يعده بـ"كشف" المناهج التي ينبغي أن تُسلك في إقامة الأدلة عليها. والفرق بعيد بين من ينشغل بتقرير مضمون المعتقد وبين من ينشغل بفحص آلة الوصول إليه. هنا يتبدّى الطابع الفلسفي الأصيل للنص الرشدي إذ لا قيمة للحقيقة ما لم تُدرَك من طريق يليق بها ولا معنى للمعقول الديني إن لم يكن مصحوبا بنقد للمسالك التي تُفضي إليه أو تحول دونه.

إنّ ابن رشد في هذا الكتاب لا ينطلق من افتراض التعارض بين العقل والدين حتى يسعى إلى التوفيق بينهما كما شاع في كثير من القراءات التبسيطية، بل ينطلق من فرضية أعمق وأشد إحكاما وهي أنّ الشريعة في أصلها مبنية على المعقول، وأنّ ما يبدو من خصومة بين الدين والعقل إنما هو ثمرة خلل في الفهم أو فساد في المنهج أو انحراف في الترتيب بين مراتب الخطاب. وهذا ما يجعل مشروعه في الكشف امتدادا عضويا لما قرره في فصل المقال من أنّ "الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له". وهذه العبارة الموجزة ليست شعارا تلفيقيا كما قد يتوهم بعضهم بل هي قاعدة إبستمولوجية ذات لوازم ثقيلة، لأنّ مقتضاها أنّ التعارض المزعوم ليس بين حقّين بل بين حق ووهم أو بين نص أسيء فهمه وعقل أسيء استعماله، أو بين ظاهر خطاب أُخرج عن مقصوده ومنهج نظر لم يراعِ شروط البرهان.

ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ ابن رشد لم يكن خصمه الحقيقي هو النص الديني، بل التأويل الكلامي الذي صادر إمكانات النص وأغلقها داخل قوالب جدلية. إنّه هنا قريب من ذلك الذي عبّر عنه أبو الوليد نفسه في أكثر من موضع حين جعل فساد النظر تابعا لفساد القياس وكأنّه يردّد بطريقة أخرى ما قرره أرسطو من أنّ الخطأ ليس في الأشياء بل في الأحكام التي نصوغها عنها. وقد أدرك ابن رشد أنّ الأزمة التي أصابت المعقول الديني في الثقافة الإسلامية لم تكن أزمة "مضمون" فحسب، بل كانت قبل ذلك أزمة "صورة" و"منهج" و"صناعة". لذلك لم يكن غريبا أن يوجّه سهام نقده إلى المتكلمين من حيث هم أهل جدل لا من حيث هم متدينون، وأن يرى أنّ ما أحدثوه من اضطراب في العقائد راجع إلى كونهم نقلوا مسائل الإيمان من ساحة الإقناع الشرعي المركّب إلى ساحة الخصومة المدرسية التي يتضخم فيها الاعتراض أكثر مما يتضح فيها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد لا يعني اختزال الدين في العقل المجرد ولا تفريغه من أبعاده الرمزية والتربوية والروحية، وإنما يعني أنّ للدين بنية عقلية داخلية وأنّ الشريعة إنما تخاطب الإنسان بما هو كائن عاقل قابل للفهم والترتيب والتمييز. وإذا كانت مراتب الناس مختلفة في القدرة على الإدراك فإنّ هذا الاختلاف لا ينفي المعقول بل يفرض تعدد طرائق عرضه. وقد كان الفارابي أحد السباقين إلى تقرير هذا المعنى حين فرّق بين البرهان والجدل والخطابة وجعل المدينة الفاضلة محتاجة إلى صور مختلفة من الإقناع بحسب استعدادات الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التصور بعدا شرعيا صريحا إذ يجعل الخطاب القرآني نفسه مشتملاً على هذه المراتب ويعتبر أنّ الخلل نشأ حين خلط المتكلمون بين ما خوطب به الجمهور وما ينبغي أن يُطلب فيه البرهان لأهل النظر، ثم زادوا على ذلك بأن حوّلوا العقائد إلى موضوعات سجالية تتنازعها الاصطلاحات.

ويعد الكشف كتابا في "نقد العقل الكلامي" قبل أن يكون كتابا في العقيدة، وإن جاز لنا أن نستعير عبارة حديثة على سبيل التقريب. فهو لا يكتفي بأن يقول إنّ أدلة المتكلمين ضعيفة بل يبيّن أن ضعفها بنيوي لأنها لا تستند إلى المناسبة بين طبيعة الموضوع وطبيعة الدليل. فالموضوع الإلهي بما هو أعلى الموجودات وأشرفها لا يليق به إلا ما كان من الأدلة أشرفَ وأوضحَ وأقربَ إلى الفطرة. أما الأدلة الصناعية المعقدة التي لا يفهمها الجمهور ولا يطمئن إليها الخاصة إلا بعد تكلفات طويلة فإنها في نظره لا تصلح أن تكون عمادا للعقيدة العامة. وقد كان ابن رشد شديد العناية بما يمكن أن نسميه "الاقتصاد البرهاني" في الدين، أي طلب الدليل الأوضح والأقرب إلى مقتضى الفطرة السليمة والنظر الصحيح. وهو بهذا يلتقي مع ما قرره الشاطبي لاحقا من أنّ الشريعة "أمية" بالمعنى الإيجابي، أي أنها جارية على مقتضى العموم البشري ومراعية لما يطيقه الجمهور في الإدراك والتلقي وإن اختلف السياق والاصطلاح.

غير أنّ هذا "الاقتصاد البرهاني" لا يعني التبسيط المخل ولا الاستقالة من التعقيد حين يقتضيه البحث، بل يعني ردّ كل مقام إلى ما يلائمه. فابن رشد لا ينكر البرهان العقلي الدقيق من حيث هو كذلك بل هو من أشد الناس انتصارا له، لكنه ينكر أن تتحول العقيدة العامة إلى ميدان لاستعراض الصناعات المنطقية التي لا تخدم اليقين بقدر ما تثير التشويش. ولأجل ذلك يميّز تمييزا حاسما بين البرهان بوصفه صناعة خاصة بأهل النظر وبين الخطاب الشرعي الذي يقيم للناس من الأدلة ما يكفيهم على حسب طبائعهم. إنّ المعقول الديني عنده ليس "عقلانية نخبوية" منقطعة عن جمهور الأمة كما أنه ليس "تدينا شعبيا" معاديا للنظر، بل هو بناء هرمي تتكامل فيه مستويات الإدراك من غير أن ينقض بعضها بعضا.

ومن أدقّ ما يلفت النظر في الكشف أنّ ابن رشد لا يعامل النص القرآني معاملة المتكلمين الذين يبدؤون بمقدمات عقلية ثم يجرّون النصوص إليها جرا، بل يعامل القرآن نفسه بوصفه حقلا دلاليا غنيا يشتمل على أنماط من الاستدلال ينبغي استخراجها وفهم نظامها الداخلي. ولذلك فإنّ كتابه في جوهره محاولة لاكتشاف "العقلانية الكامنة" في الخطاب القرآني. إنّه لا يفرض على النص بنية برهانية خارجية بل يحاول أن يستخرج منه ما يسميه مناهج الأدلة التي سلكها الشرع في تقرير أصول العقائد. وهذا المسلك بالغ الأهمية لأنه يكشف أنّ ابن رشد لا يدافع عن الفلسفة في مواجهة الدين بل يدافع عن الدين في مواجهة التأويلات التي حجبت معقوليته الأصلية.

ولذلك نجده يرفض كثيرا من الأدلة الكلامية الشهيرة لا لأنها عقلية أكثر مما ينبغي، بل لأنها ليست عقلية بما يكفي أو لأنها عقلية ناقصة أو لأنها عقلانية جدلية لا برهانية وهذا فرق جوهري، فليس كل ما نُسب إلى العقل عقلا بالمعنى الرشدي. إنّ العقل عنده صناعة مضبوطة لها شروطها ومقدماتها ومراتبها، ومن لم يلتزم ذلك كان في حكم المتشبه بالحكماء وليس منهم. وهنا نستحضر ما قاله ابن باجة في نقده لفساد التعليم حين نبّه إلى أنّ كثيرا من الناس "يظنون أنهم يعلمون وليسوا بعالمين"، لأنهم لم يدركوا حدود الصناعات ولا مقتضياتها. ويكاد ابن رشد في الكشف يطبق هذا المعنى على المتكلمين الذين ادعوا الدفاع عن العقيدة لكنهم أدخلوها في مسالك لم يشرعها الوحي ولم يقتضها البرهان.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد يقوم على ثلاث دعائم متلازمة: ردّ العقيدة إلى أصولها الشرعية البيانية وتنقيح مناهج الاستدلال بما يوافق مقتضى البرهان والتمييز بين مراتب الخطاب بحسب مراتب الناس في الإدراك. وهذه الدعائم ليست متجاورة فحسب بل هي متشابكة في نسيج واحد. فلو اكتفى بردّ العقيدة إلى النص دون نقد للمناهج لبقي أسير القراءة الظاهرية أو الخطابية المحضة. ولو اكتفى بنقد المناهج دون مراعاة مراتب الخطاب لتحول الدين إلى فلسفة مدرسية نخبوية. ولو ميّز بين مراتب الناس دون ردّ ذلك إلى أصل شرعي لانفتح الباب لفصلٍ بين "حقيقة" للفلاسفة و"رمز" للعامة على نحو قد يُفضي إلى الازدواجية. لكنّ ابن رشد يحاول أن يتفادى كل ذلك ببناء توازن دقيق بين وحدة الحقيقة وتعدد طرائق عرضها.

وهذا ما يفسّر أيضا موقفه من التأويل. فالتأويل عنده ليس عبثا بالنصوص ولا رخصة مفتوحة للفرار من ظواهر الشرع، بل هو ضرورة منهجية لا تُستعمل إلا عند قيام البرهان القطعي على أنّ الظاهر غير مراد في حقّ من ثبت له ذلك البرهان. وهو بهذا يضع التأويل داخل نظام معرفي مضبوط لا داخل مزاج مذهبي أو رغبة جدلية. وقد نبّه الغزالي نفسه في غير ما موضع إلى خطورة التسرع في التكفير بسبب مسائل التأويل، غير أنّه لم يخرج نهائيا من الإطار الكلامي الذي ظلّ ابن رشد يراه جزءا من المشكلة. وتبدو مفارقة عميقة بين الرجلين، فالغزالي أراد إنقاذ الإيمان من الفلسفة بينما أراد ابن رشد إنقاذ المعقول الديني من الكلام ومن سوء فهم الفلسفة معا.

إنّ قراءة الكشف على هذا النحو تبيّن أنّ ابن رشد لم يكن مشغولا فقط بإثبات أنّ العقائد الإسلامية قابلة للدفاع العقلي، بل كان مشغولا قبل ذلك بتأسيس صورة مخصوصة للعقلانية الدينية. وهذه الصورة لا تقوم على مبدأ "العقل فوق النص" ولا على مبدأ "النص ضد العقل"، وإنما تقوم على مبدأ أدقّ هو أنّ النص الحق لا يفهم إلا بعقل سليم وأن العقل السليم لا يكتمل إلا إذا أدرك مقاصد الخطاب ومراتبه. ولعلّ هذا المعنى يلتقي مع ما سيقوله لاحقا ابن تيمية في سياق مختلف حين يقرر أنّ "صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول". وعلى الرغم من التباين الكبير بين المشروعين فإنّ الجامع بينهما هو رفض الثنائية المفتعلة بين العقل والوحي مع اختلاف بيّن في طبيعة العقل المقصود وفي أدوات التحليل.

وفي صميم هذا المشروع يبرز نقد ابن رشد للمتكلمين بوصفه نقدا معرفيا لا مجرد خصومة مذهبية. فهو لا يخاصمهم لأنهم أشاعرة أو معتزلة أو غير ذلك فحسب بل لأنّ الصناعة التي غلبت عليهم هي صناعة الجدل لا البرهان. والجدل عند أرسطو وعند الشراح من بعده ليس باطلا من حيث الأصل، لكنه أدنى مرتبة من البرهان لأنه يتعامل مع المشهورات والمسلّمات الظنية لا مع المبادئ اليقينية. فإذا نُقلت قضايا العقيدة التي يُراد لها اليقين إلى فضاء الجدل نشأ الاضطراب من حيث لا يشعر المتكلم. ولذلك كان ابن رشد يرى أنّ علم الكلام لم يزد الناس في كثير من الأحيان إلا حيرة وأنّ ما سُمّي أدلة عقلية لم يكن في أحوال كثيرة إلا تعقيدات اصطلاحية بعيدة عن روح الشرع وعن مقتضى البرهان معا. وهنا تكتسب بنية الحجاج في الكشف معناها الحقيقي، فابن رشد لا يقدّم نتائج ثم يطلب التسليم بها، بل يبني خطابه على مسار تفكيكي تركيبي يبدأ بتشخيص فساد المناهج السائدة ثم ينتقل إلى بيان المناهج التي اعتمدها الشرع، ثم يبيّن أنّ هذه المناهج ليست مجرد وسائل وعظية بل تتضمن من المعقولية ما يفوق كثيرا من المصنوعات الكلامية. وهذا التحول من النقد إلى الاستخراج ثم إلى التأسيس هو الذي يمنح النص قوته. إنه لا يكتفي بهدم الخصم بل يعيد بناء الأرضية التي ينبغي أن يقوم عليها النظر الديني. ولذلك فإنّ "الكشف" هنا ليس كشفا عن أدلة فحسب، بل كشفٌ عن بنية عقلانية في صميم الوحي.

ولئن كان بعض الباحثين المحدثين قد رأى في هذا المسلك نزعة "إصلاحية" مبكرة داخل التراث الإسلامي فإنّ الأدقّ من ذلك أن نقول إنّ ابن رشد كان بصدد استعادة التوازن المفقود بين البيان والبرهان. فالحضارة الإسلامية في أوجها لم تكن قد عرفت هذا الانفصال الحاد بين علوم الشرع وعلوم العقل بالصورة التي استقرّت لاحقا في الوعي المدرسي. بل إنّ أئمة كبارا مثل الشافعي حين بنى أصول النظر الفقهي إنما كان يؤسس لصرامة استدلالية لا تقل في جوهرها عن مطلب الانضباط العقلي وإن اختلفت موضوعاتها وأدواتها. وكذلك فعل المالكية في باب المقاصد والمصالح حين ربطوا الأحكام بمعانيها وحِكمها. وابن رشد وهو الفقيه المالكي العارف بصناعة الأصول لم يكن بعيدا عن هذا الأفق. لذلك فإنّ معقوله الديني ليس طارئا مستوردا من خارج الشريعة بل هو استنطاق لأبعاد عقلية كامنة فيها.

بل يمكن القول إنّ إحدى عبقريات ابن رشد في هذا الكتاب أنه لا يفصل بين "المعقول" و"المشروع". فليس كل ما يمكن للعقل أن يتصوره صالحا لأن يكون جزءًا من البناء الديني العام. ولهذا يظلّ وفيا لمقتضى الشرع من حيث هو خطاب هداية لا مجرد نسق ميتافيزيقي. إنّه يعرف أنّ الدين ليس كتابا في المنطق ولا في الطبيعيات وأنّ المقصود الأسمى منه هو هداية الإنسان إلى السعادة العملية والنظرية. غير أنّ هذه الهداية نفسها لا يمكن أن تستقيم إذا ساد فيها اضطراب المناهج. ولذلك كان إصلاح مناهج النظر في العقائد جزءا من إصلاح العمران المعرفي للأمة. وهنا يبدو ابن رشد قريبا من الروح المدنية للفلسفة الكلاسيكية حيث لا تكون الحقيقة شأنا فرديا محضا بل ركيزة لنظام المدينة واستقامة الاجتماع.

وهذا يقودنا إلى ملاحظة أخرى، وهي أنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مسألة معرفية محضة، بل له بعد تربوي وسياسي وثقافي. فحين ينتقد المتكلمين لأنهّم نشروا بين الناس أدلة لا يفهمونها فهو لا يشتكي فقط من ضعف البرهان بل من الأثر الاجتماعي لهذا الضعف. إنّ العقائد حين تُصاغ في قوالب جدلية عسيرة تنشأ عنها الفرق والانقسامات ويضعف اليقين ويحلّ محلّ الطمأنينة اضطرابٌ مذهبي لا ينتهي. لذلك كان ابن رشد حريصا على أن يردّ العامة إلى ما ينفعهم من ظاهر الشرع الصحيح وأن يردّ الخاصة إلى ما يليق بهم من البرهان وأن يمنع التداخل الفاسد بين المقامين. وهذه الفكرة في غاية العمق لأنها تجعل من تدبير المعرفة الدينية جزءا من تدبير السلم الرمزي داخل الجماعة.

وقد عبّر ابن خلدون بعده بقرون عن شيء من هذا المعنى حين رأى أنّ علم الكلام لما استقرّت العقائد وصار الإيمان مندرجا في تقاليد الأمة خفّت الحاجة إلى كثير من صنائعه الأولى وصار الاشتغال به على النحو الجدلي القديم قليل الجدوى إلا في مواطن مخصوصة. وعلى الرغم من اختلاف السياق بين الرجلين، فإنّ في كلام ابن خلدون صدى بعيدا للنقد الرشدي الذي كان يرى أنّ الإغراق في الجدل لا يبني يقينا راسخا بقدر ما يُنشئ عادات سجالية.

ويتضح أنّ كتاب الكشف عن مناهج الأدلة ليس نصا ثانويا في المشروع الرشدي كما ظنّ بعضهم، بل هو من أكثر نصوصه التصاقا بجوهر معركته الفكرية. ففيه تتقاطع الفلسفة بالأصول والفقه بالكلام والتأويل بالبرهان. وفيه يظهر ابن رشد لا شارحا لأرسطو فحسب بل مفكرا مسلما كبيرا يسعى إلى تحرير العقل الديني من الانحباس داخل الصيغ التي حجبت فاعليته. إنّ "المعقول الديني" عنده ليس تسمية طارئة بل هو جوهر الرهان، أن يعود الدين مجالا للحقيقة المضيئة لا ساحةً للخصومات العمياء وأن يُفهم الوحي في ضوء ما أودعه الله في الإنسان من قوة النظر لا في ضوء ما راكمته المدارس من أغلال الجدل. وإذا كان هذا هو الإطار العام الذي تنتظم فيه بنية الحجاج في الكتاب، فإنّ الانتقال إلى تحليل المباحث الداخلية وبخاصة طريقة ابن رشد في نقد دليل الحدوث ثم بنائه لأدلة العناية والاختراع ثم معالجته لمسألة الصفات والتأويل والنبوة، يكشف بدرجة أوضح عن أن الرجل لا يبدّل الأدلة فقط، بل يبدّل تصورنا ذاته لماهية الدليل الديني. وهو ما يجعل الكشف نصا تأسيسيا في تاريخ العقلانية الإسلامية، لا لأنه يكرّر الفلسفة داخل الدين، بل لأنه يعيد اكتشاف المعقول الذي في صلب الدين نفسه.

إنّ الدخول إلى البنية الداخلية للحجاج في الكشف عن مناهج الأدلة يبيّن بجلاء أنّ ابن رشد لم يكن بصدد استبدال دليل بدليل فحسب، بل كان يباشر مراجعةً جذرية للكيفية التي تُبنى بها الحقيقة الدينية في الوعي الإسلامي. فالمسألة عنده لا تتعلق بمجرّد ترجيح مذهبي بين متكلم وفيلسوف وإنما تتصل بإعادة ترتيب العلاقة بين النص والعقل والبرهان والجمهور. لذلك كان أول ما وجّهه بالنقد هو ذلك النمط من الأدلة الذي شاع عند المتكلمين تحت اسم "دليل الحدوث"، لأنّه رأى فيه مثالا ساطعا على انتقال العقيدة من فضاء البداهة الهادية إلى فضاء الصناعة الجدلية الملتبسة.

لقد أدرك ابن رشد أنّ دليل الحدوث كما صاغه المتكلمون سواء في صيغته المبنية على حدوث الأجسام أو في صيغته المتوسلة بإبطال التسلسل أو في وجوهه المتعددة القائمة على تقسيمات الجوهر والعرض، ليس دليلا صالحا لأن يكون أصلا عاما في تقرير الإيمان لا من جهة وضوحه ولا من جهة مطابقته لسنن الخطاب القرآني. فهو عنده دليل عسير المأخذ لا يسلكه إلا من تمرّس بالاصطلاحات المدرسية، ثم هو فوق ذلك ليس برهانيا خالصا بل جدليٌّ في أكثر مواضعه، لأن مقدماته نفسها ليست يقينية على النحو الذي يقتضيه البرهان. وحين تصبح المقدمات مظنونة أو مختلفا فيها فإنّ النتيجة لا تتجاوز رتبة الظن الغالب مهما اشتدّ التزويق المنطقي في عرضها. إنّ اعتراض ابن رشد ليس اعتراضا على استعمال العقل في إثبات الصانع بل اعتراض على عقلٍ لم يُحسن اختيار موضعه ولا مادته ولا صورته.

إنّ في هذا النقد بعدا منهجيا بالغ العمق، فابن رشد يميّز بين العقل من حيث هو قوة إدراك وبين "الصناعة" التي تنظّم هذه القوة وتمنعها من التخبّط. ولذلك فإنّ كثيرا مما يسميه الناس عقلا قد لا يكون عنده إلا توهّما عقليا أو شبهة منطقية لا ترقى إلى رتبة البرهان. وهو هنا يظلّ وفيا للميراث الأرسطي الذي يربط اليقين بنوع المقدّمات لا بمجرد صورة الاستدلال. وإذا كانت العقائد أصولا كبرى يُراد لها الرسوخ في النفس فإنّ بناءها على مقدمات دقيقة متنازع فيها يفضي إلى نقيض المقصود، لأنّ ما لا يرسخ إلا بصناعة شاقة سرعان ما يتزلزل بأدنى اعتراض. ويمكن هنا فهم حرصه على أن تكون الأدلة الدينية الكبرى أقرب إلى الفطرة وأظهر في الحسّ والنظر لأنّ ما كان أقرب إلى نظام الوجود وإلى التجربة الإنسانية أرسخ في النفس وأدعى إلى الطمأنينة.

على هذا الأساس ينتقل ابن رشد إلى ما يعدّه الطريق الأقوم في الاستدلال، وهو ما اصطلح عليه بـ"دليل العناية" و"دليل الاختراع". وهذان الدليلان لا ينبغي فهمهما على أنهما مجرد بديلين تقنيين عن دليل الحدوث، بل هما في الحقيقة ترجمة لرؤية مخصوصة للعالم وللعلاقة بين الإنسان والوجود. فدليل العناية يقوم على النظر في مناسبة الموجودات لوجود الإنسان وانتظامها على نحو يدلّ على قصد وحكمة وتقدير. ليس المقصود هنا مجرد المنفعة السطحية بل الكشف عن كون العالم مبنيا على نظام يمكن للعقل أن يدرك فيه جهة الغائية والملاءمة. فتعاقب الليل والنهار وتقدير الفصول وتناسب عناصر الحياة وتهيؤ الموجودات لما به قوام الإنسان والحيوان والنبات ليست عند ابن رشد مظاهر عشوائية، بل علامات على عناية سابقة في الوجود. وهنا يبدو قريبا من تلك الحكمة التي تجعل الكون كتابا مفتوحا للقراءة، لا كتلةً صمّاء من الوقائع.

أما دليل الاختراع فيقوم على النظر في نفس الموجودات من حيث تركيبها وصورها وخصائصها العجيبة التي تشهد بأنّها صادرة عن فاعل مبدع. فإذا كان دليل العناية ينظر إلى العالم من حيث ملاءمته وغائيته فإنّ دليل الاختراع ينظر إليه من حيث بناؤه وتكوينه وإبداع صورته. وبهذا المعنى يتكامل الدليلان، أحدهما يقرأ النظام من جهة الغاية والآخر يقرأه من جهة الصنعة. وكلاهما أقرب إلى البيان القرآني الذي يردّد النظر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار وتسخير البحر وإنزال المطر وإحياء الأرض بعد موتها وتصريف الرياح وخلق الإنسان في أحسن تقويم. إنّ ابن رشد لا يبتدع هذين الدليلين من خارج النص بل يستنبطهما من صميم الحسّ القرآني في الاستدلال، ولذلك كان يراهما أصلحَ للعامة وأقربَ إلى الخاصة معا.

والحق أنّ هذا الموضع من أخصب مواضع الفكر الرشدي، فهنا لا يدافع عن الفلسفة باسم الفلسفة بل يبيّن أنّ الشرع نفسه أكثر عقلانية من المتكلمين الذين ظنّوا أنهم يحمونه. إنّ القرآن عنده لا يجرّد الإنسان من حسّه ولا يطالبه بالقفز فوق العالم إلى تصورات مجرّدة بل يربّيه على النظر في الموجودات باعتبارها آيات. والآية في بنيتها العميقة ليست "شيئا" فقط، بل "شيئا يدلّ". وهذا الانتقال من الشيء إلى دلالته هو عين الفعل العقلي. لذلك فإنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس تمرينا ذهنيا منفصلا عن الوجود بل هو فعل تأمّل في العالم بما هو مشحون بالمعنى. وهنا أيضا تتجلّى مسافة الرجل عن كل نزعة حرفية جامدة لأنّ الحرفية تقف عند ظاهر اللفظ كما تقف الحسّية الغافلة عند ظاهر الشيء بينما الرشدية تطلب باطن الدلالة من غير أن تنقض ظاهر الخطاب.

وإذا انتقلنا إلى مسألة الصفات الإلهية ظهر وجه آخر من وجوه إحكامه الحجاجي. فهذه القضية كانت من أعقد قضايا الكلام الإسلامي وأشدّها إنتاجا للانقسام المذهبي إذ تنازعتها اتجاهات التعطيل والتشبيه والتفويض والتأويل. وابن رشد لا ينخرط فيها على الطريقة الجدلية الموروثة بل يحاول ردّها إلى مقتضى الشرع ومقتضى البرهان معا. فهو يرى أنّ النصوص الواردة في الصفات لا يجوز أن تُفهم على نحو يفضي إلى التجسيم ولا على نحو يفضي إلى تعطيل مدلولاتها رأسا، وإنما تُفهم بحسب القاعدة التي تحفظ التنزيه وتراعي مستويات المخاطبين. فالشرع خاطب الجمهور بما يقرب إلى أفهامهم من غير أن يلزم من ذلك حمل الصفات على المعاني الحسية التي تليق بالمخلوقات. أما الخاصة الذين قام عندهم البرهان على تنزّه الباري عن مشابهة الحوادث فإنّهم يعلمون أنّ هذه الألفاظ جارية على سبيل التمثيل أو التقريب أو المجاز الذي تقتضيه اللغة الدينية في خطابها البشري، وهنا تتجلى دقة تصوره للتأويل. فالتأويل عنده ليس موقفا ميتافيزيقيا سابقا على النص بل هو نتيجة لقيام البرهان. فإذا ثبت برهان قطعي في باب من الأبواب امتنع حمل النص على ما يناقضه لأنّ الحق لا يتناقض. لكنّ هذا لا يفتح الباب لكل أحد أن يؤوّل بحسب هواه، لأنّ التأويل صناعة لها أهلها وحدودها ونشرها بين العامة فساد مضاعف. ولا يكون التأويل أداة لهدم الظاهر بل وسيلة لحفظ الحقيقة من أن تُفهم على وجه مستحيل. وقد أحسن ابن رشد هنا ضبط الموازنة بين حرمة النص وحرمة البرهان. فلا النص يُستباح باسم العقل ولا العقل يُلغى باسم الظاهر. وإذا كان الغزالي قد قال في بعض مقاماته إنّ "من ظنّ أنّ المنقول يعارض المعقول فقد ظنّ بالمصدرين جميعا سوءا"، فإنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك بجعل هذا التوافق أصلا بنيويا في فهم الدين لا مجرد حلّ اضطراري عند التعارض.

وتبلغ بنية الحجاج الرشدي درجة أعمق من الإحكام حين يتناول مسألة النبوة. فهو لا يتعامل معها باعتبارها معجزة خارقة فحسب، بل باعتبارها ضرورة في نظام الاجتماع الإنساني وفي كمال النوع البشري. فالإنسان عنده لا يكتمل بمجرد العقل النظري لأنّ أكثر الناس لا يطيقون إدراك الحقائق في صورتها البرهانية الخالصة. ومن هنا كانت النبوة رحمةً معرفيةً وتشريعيةً وتربويةً في آن. إنها تنقل الحقائق الكبرى إلى مستوى يمكن للجماعة البشرية أن تتلقاه في صورة أمثال وصور وتشريعات ومواعظ وعبادات. وتبدو النبوة عند ابن رشد ذروة الحكمة العملية الإلهية في تدبير البشر. إنها ليست نقيض العقل بل صورته العليا في أفق الهداية العامة. فالفيلسوف يدرك الحقيقة بالبرهان، أما النبي فيجمع إلى ذلك القدرة على تمثيلها للناس في صور تخاطب خيالهم وعقولهم وضمائرهم.

وهذا التصور يجعل من الدين بنيةً رمزيةً عميقة لا يمكن اختزالها في خطاب مفهومي مجرد. وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد من دعاة تحويل الشريعة إلى فلسفة مدرسية، لأنّه يعلم أنّ الحقيقة إذا نزعت عنها قدرتها على التمثيل والتخييل والتربية فقدت أثرها في الجمهور. وقد سبق الفارابي إلى تقرير هذا المعنى حين جعل الملّة محاكاةً فلسفيةً للحقائق النظرية بلغة المدينة، لكنّ ابن رشد يحرص على ألا يُفهم هذا في اتجاه ينتقص من الوحي أو يجعله مجرد صورة أدنى من الحقيقة. بل الحقيقة واحدة غير أنّ طرق إفادتها مختلفة بحسب المقامات. والنبوة ليست منزلة أدنى من البرهان بل هي نمط أعلى من الإفاضة الإلهية يجمع ما تفرّق في الصناعات البشرية.

أما في باب المعاد فإنّ ابن رشد يتجنب الانزلاق إلى تفصيلات جدلية أنهكت التراث وأنتجت خصومات لا تنتهي. فهو يثبت للشرع ما أثبته من الجزاء والسعادة والشقاء، لكنه لا يرى أن كل الصور الواردة في النصوص يجب أن تُحمل على ظاهر حسّي واحد عند جميع الناس. فالمقصد الأسمى هو تقرير المعنى الأخلاقي والوجودي للمعاد ، أي أنّ الإنسان ليس كائنا عابرا منقطع الصلة بمصيره وأنّ أفعاله مندرجة في نظام عدل كوني لا يضيع فيه خير ولا شر. وإذا كانت اللغة الدينية قد صاغت ذلك بصور محسوسة في كثير من المواضع فإنما فعلت ذلك لأنّ الجمهور لا ينهض أكثره إلى المعاني المجردة. أما أهل النظر فقد يدركون من هذه الصور ما وراءها من الحقائق المناسبة لمراتبهم. وبهذا يظلّ ابن رشد وفيا لقاعدته الكبرى، وحدة الحقيقة وتعدد طرائق التعبير عنها.

إنّ الذي يلفت النظر في كل هذه المباحث أنّ ابن رشد لا يسلك مسلك الهجوم الانفعالي على مخالفيه، بل يبني اعتراضه على قاعدة منهجية صارمة، فساد الدليل يفسد المدلول في الوعي ولو صحّ المدلول في نفسه، وهذا من أدقّ ما في فلسفته. فكم من حق أفسدته طرائق الدفاع عنه، وكم من عقيدة صحيحة أضعفتها صناعة سيئة. ولذلك كان همه منصبا على "تخليص" العقائد من الأدلة التي شوّهت صورتها. وهنا يتجاوز ابن رشد مجرّد الجدل المذهبي إلى ما يمكن تسميته أخلاقا للبرهان. فالبرهان ليس مجرد آلة معرفية بل هو أيضا مسؤولية حضارية لأنّ طريقة عرض الحقيقة قد تحفظها في الأمة أو تُفسدها في وجدانها.

ومن ثم فإنّ الكشف عن مناهج الأدلة ليس كتابا في الرد على الأشاعرة أو المعتزلة وحسب، ولا كتابا في التوفيق بين الحكمة والشريعة بالمعنى المدرسي الضيق، بل هو نصّ تأسيسي في إصلاح العقل الديني الإسلامي. إنه يعلن أن الأزمة ليست في وفرة النصوص ولا في ضعف الإيمان من حيث المبدأ، بل في سوء ترتيب العلاقة بين النصوص ومناهج فهمها. وما لم يُصلح هذا الموضع ظلّت الثقافة الدينية عرضة للتنازع بين حرفية تقتل المعنى وجدلية تقتل اليقين وفلسفة مغلقة على نخبويتها. أما الرشدية فإنها تقترح طريقا ثالثا أكثر توازنا، عقلٌ برهاني لا يستنكف عن الشرع وشرعٌ بياني لا يعادي البرهان.

ولعلّ هذه هي النقطة التي تجعل ابن رشد حاضرا في كل لحظة فكرية يُعاد فيها طرح سؤال الدين والعقل. فالرجل لا يقدّم وصفة جاهزة ولا يسلّمنا مذهبا مكتملا بقدر ما يعلّمنا فضيلةً منهجية، أن نفحص الطريق قبل أن نتشبث بالنتيجة وأن نميّز بين مراتب الخطاب قبل أن نعمّم أحكامنا وأن نعرف أنّ الدفاع عن الدين قد يكون أحيانا بإبعاد بعض المدافعين عنه عن صدارته المعرفية. وهذه جرأة نادرة لا يقدر عليها إلا من جمع بين التديّن العميق والثقة الصارمة في العقل.

إنّ المعقول الديني عند ابن رشد ليس مجرد مفهوم فلسفي بل هو رؤية للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس متلقيا سلبيا للوحي ولا صانعا مستقلا للحقيقة، بل هو كائن أُعطي من العقل ما يؤهله لفهم الدلالة، وأُعطي من الوحي ما يهديه إلى تمام المقصد. وإذا انفصل العقل عن الوحي استحال دهاءً باردا أو جدلا عقيما، وإذا انفصل الوحي عن العقل انقلب إلى ألفاظ تتنازعها الأهواء والظواهر. أما حين يلتقيان في أفقهما الصحيح فإنّ الدين يغدو معقولا من غير أن يفقد قدسيته ويغدو العقل متدينا من غير أن يفقد حريته، وفي هذا تكمن فرادة ابن رشد. ولم يكن همه أن يجعل الدين تابعا للفلسفة ولا أن يجعل الفلسفة خادمةً ذليلة للدين، بل أن يكشف عن المجال الذي يلتقي فيه الاثنان في صورة أرفع، صورة الحقيقة التي تتسع للبرهان وتفيض بالهداية. لذلك ظلّ الكشف كتابا يتجاوز زمانه لأنّه لا يعالج خلافات المدارس فقط، بل يمسّ السؤال الأبقى، كيف يمكن أن يكون الإيمان عقلانيا من غير أن يفقد حرارة الإيمان، وكيف يمكن أن يكون العقل وفيا للحقيقة من غير أن يتحول إلى خصم للمعنى؟.

إنّ ابن رشد أعاد للدين حقّه في أن يُفهم لا أن يُردَّد فقط، وأعاد للعقل حقّه في أن يهتدي لا أن يتسلّط، وأعاد للبرهان كرامته في ساحة امتلأت طويلا بصخب الجدل. لقد كان يرى أن الله الذي خلق العقل لا يمكن أن يشرع ما يهدمه وأن الشريعة التي جاءت لهداية الإنسان لا يمكن أن تؤسس ذاتها على ما يعجز أكثر الناس عن إدراكه أو يفضي إلى اضطرابهم. لذلك كانت عنايته بمناهج الأدلة عنايةً بجوهر الدين لا بهامشه وبمستقبل الثقافة الإسلامية لا بمسألة مدرسية عابرة.

وينتهي النظر في الكشف عن مناهج الأدلة إلى أن ابن رشد لم يكن يكتب في العقيدة وحسب بل كان يكتب في شروط إمكان العقل الديني نفسه. كان يفتّش عن دينٍ قادر على أن يسكن العالم من غير أن يستسلم له وعن عقلٍ قادر على أن ينظر في الوجود من غير أن يتكبّر على الوحي وعن لغةٍ تقدر أن تحمل الحقيقة إلى العامة والخاصة معا من غير أن تخونها. وتلك منزلة لا يبلغها إلا فكر كبير لأنّ الفكر الكبير ليس هو الذي يكثر من الأجوبة، بل الذي يعيد صياغة السؤال في مستوى أعمق. وابن رشد في هذا الكتاب لم يسأل فقط كيف نثبت العقائد؟ بل سأل قبل ذلك بأي عقل نثبتها وبأي خطاب نحفظها وبأي منهج نجعلها مصدرا للوحدة لا مادةً للفرقة.

لهذا السبب يظلّ الكشف نصا حيا في كل مشروع يروم تجديد النظر الديني من الداخل. إنه لا يمنحنا مجرد تراث نقرأه بل يهبنا معيارا نحاكم به طرائقنا نحن في التفكير والإقناع والتعليم. وحين نقرأه اليوم ندرك أنّ أزمتنا ليست بعيدة عن أزمته، ما زلنا نتنازع بين ظاهرية تضيق بالمعنى وبين عقلانية سطحية لا تعرف من العقل إلا الاعتراض. أما ابن رشد فيعلّمنا أنّ العقل الحق ليس خصومةً بل إنصاف، وأنّ الدين الحق ليس انغلاقا بل انكشاف، وأنّ البرهان إذا اقترن بالحكمة صار طريقا إلى السكينة لا إلى الشقاق.

***

د. حمزة مولخنيف

حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط

حين تلوح الفلسفة في أفق الحضارات الكبرى فإنها لا تظهر بوصفها علما من علوم النظر فحسب، بل تنبثق باعتبارها امتحانا دقيقا لمدى قدرة المجتمع على احتمال الحقيقة في صورتها العارية وعلى تدبير العلاقة الشائكة بين المعرفة وسلطتها وبين البرهان وحدود تداوله وبين النخبة العالمة والجماعة الحاملة للمعنى الديني والأخلاقي. وتغدو مسألة الفلسفة في المجال الإسلامي الوسيط أعمق من أن تُختزل في نزاع مدرسي بين الفقهاء والحكماء أو أن تُقرأ في ضوء ثنائية مكرورة بين العقل والنقل. فالأمر يتعلق في جوهره بسؤال ثقيل الوطأة، نافذ الأثر، متصل ببنية الاجتماع الإسلامي نفسه، كيف يمكن للمعرفة البرهانية أن تجد موطئ قدمها داخل مجتمع تشكّلت وحدته الرمزية في كنف الوحي وتحددت فيه مراتب القول وشرائط الفهم ومقامات التلقي على نحو بالغ الحساسية؟.

وفي قلب هذا السؤال ينهض ابن رشد بوصفه أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بطبيعة المعضلة وأشدها إدراكا لما يترتب عنها من آثار معرفية وسياسية وتربوية. فالرجل لم يقتصر جهده على الذب عن الفلسفة من تهم الزندقة والابتداع ولم يحصر همه في إقامة الصلح النظري بين الحكمة والشريعة، بل مضى إلى مستوى أبعد وأدق، وهو مستوى مساءلة شروط تعليم الفلسفة نفسها والبحث في حدود بثها وتعيين جمهورها والتمييز بين من يطيق حمل البرهان ومن يقف به الخطاب عند أفق التمثيل والإقناع. ويتجاوز ابن رشد صورة الشارح الكبير لأرسطو إلى صورة المفكر الذي أدرك أن الحقيقة لا تُقاس بمضمونها المجرد وحده، بل بما تقتضيه من آداب في التبليغ وما تستلزمه من حكمة في ترتيب الخطابات وما تستدعيه من فقه دقيق بمراتب العقول واختلاف قوى الإدراك.

ذلك أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن موضع بالغ الدقة في تاريخ العقل الإسلامي حيث تتقاطع مشروعية النظر البرهاني مع رهانات الاستقرار العقدي وتتداخل سلطة التأويل مع مسؤولية التعليم ويتحول السؤال عن الفلسفة من سؤال في الجواز إلى سؤال في الأهلية والوظيفة والمآل. فليس كل حق يقال على وجه واحد ولا كل معنى يودع في كل ذهن على السواء ولا كل حقيقة تنجو من الفساد إذا انتقلت من مقامها إلى غير مقامها. ومن ثم فإن البحث في حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لا يفضي إلى استعادة خصومة قديمة بين فقيه وفيلسوف بقدر ما يفضي إلى تفكيك بنية ثقافية كاملة كانت تصارع من أجل التوفيق بين مقتضيات الهداية العمومية ومطالب اليقين العقلي وبين وحدة الجماعة وحرية النظر وبين ظاهر النص وعمق التأويل.

وعلى هذا الأساس يعد النظر في مشروع ابن رشد بابا إلى فهم إحدى أعقد اللحظات في تاريخ الفكر الإسلامي، لحظة حاول فيها العقل البرهاني أن ينتزع لنفسه شرعية داخل فضاء شديد الانضباط وأن يؤسس لوجوده من غير أن يتحول إلى قوة تقويض أو مادة فتنة. وتنبع أهمية هذا الموضوع إذ يضعنا أمام سؤال يتجاوز سياقه الوسيط ليطال كل حضارة تتنازعها الحاجة إلى الحقيقة والخشية من آثارها، بأي قدر من الحكمة يُعلَّم العقل؟ وأين ينتهي حق المعرفة ويبتدئ واجب التدرج؟ وكيف تصان الفلسفة من خصومها ومن سوء صنيع بعض أهلها في آن واحد؟.

ليس من اليسير تناول موقع الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط من غير الوقوف طويلا عند المعضلة التي صاغها ابن رشد في صورة سؤال مضمر يجاوز مجرد الدفاع عن الحكمة إلى مساءلة شروط تداولها وحدود بثها وطرائق تعليمها ومجال المخاطبين بها. ذلك أن الإشكال عنده لم يكن محصورا في إثبات مشروعية النظر العقلي فحسب، بل كان متعلقا أيضا بتحديد من يحق له أن ينظر وكيف ينظر وبأي لغة يتلقى المعارف البرهانية. وتتبدى مسألة الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا بوصفها تفصيلا تعليميا عارضا بل باعتبارها عقدة نظرية تمس بنية الاجتماع الإسلامي الوسيط وتكشف عن توتر عميق بين الحقيقة ووسائطها وبين الحكمة وأهليتها وبين المعرفة ومآلاتها في المجال العمومي.

لقد كان ابن رشد يعيش في لحظة تاريخية شديدة الحساسية. فالفلسفة لم تكن حينئذ علما غريبا لم يلتفت إليه أحد بل غدت موضوع نزاع حاد بين المتكلمين والفقهاء والفلاسفة وأهل الحديث والمتصوفة. وكانت آثار أبي حامد الغزالي قد تركت في الوعي الإسلامي جرحا معرفيا لم يندمل. فهو وإن لم يهدم الفلسفة من أساسها كما يتوهم كثير من القراء فإنه زعزع ثقة الجمهور في الفلاسفة وأعاد ترسيم حدود المقبول من علومهم. وقد كان قوله في تهافت الفلاسفة ذا وقع بعيد: «نُكفِّرهم في ثلاث مسائل ونبدّعهم في سبع عشرة». وهذه العبارة لم تكن مجرد تقرير مذهبي بل كانت إعلانا عن خطورة انتقال بعض القضايا الفلسفية من حيز الدرس الخاص إلى فضاء الاعتقاد العام. لذلك فإن ابن رشد حين تصدى للرد في تهافت التهافت لم يكن يدافع عن أرسطو أو الفارابي أو ابن سينا فقط بل كان يدافع عن إمكان قيام حقل برهاني داخل حضارة يهيمن عليها منطق البيان والجدل.

غير أن دفاعه هذا لم يتخذ صورة تبشير مفتوح بالفلسفة لعامة الناس، وهنا تظهر مفارقته الكبرى. فابن رشد الذي قرر في فصل المقال أن «الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة» وأن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له» هو نفسه الذي شدد على خطورة كشف التأويلات البرهانية لغير أهلها. وليس هذا تناقضا في بنية المشروع الرشدي كما قد يتوهم بعض الدارسين بل هو عين منطقه الداخلي. ذلك أن الرجل كان يميز بصرامة بين مراتب العقول وطرائق التصديق وأنماط الخطاب. فالناس عنده ليسوا سواء في تحصيل اليقين ولا في القدرة على حمل المعاني الكلية المجردة. إن الحقيقة الواحدة قد تتعدد سبل عرضها بحسب طبائع المتلقين من غير أن يعني ذلك تعدد الحقيقة في ذاتها. وهذه الفكرة هي المفتاح الأساس لفهم إشكالية الجمهور الفلسفي عنده.

إن ابن رشد في هذا الباب وريث مباشر للتقسيم الأرسطي لأنماط البرهان والإقناع. فليس كل خطاب برهانيا بالمعنى الدقيق. هناك البرهاني الذي يخاطب الخاصة القادرين على استيفاء المقدمات الضرورية واستنباط النتائج على وجه لا يتطرق إليه الشك. وهناك الجدلي الذي يقوم على المشهورات والمقبولات ويصلح للمناظرات الكلامية والفقهية. وهناك الخطابي الذي يعتمد التمثيل والتخييل والتأثير الوجداني وهو الأليق بمخاطبة الجمهور الواسع. وقد استثمر ابن رشد هذا التمييز داخل الحقل الشرعي نفسه، فالشرع عنده خاطب الناس جميعا بحسب مراتبهم. وفي ذلك يقول في معنى قريب: إن الشرع دعا إلى الاعتبار والنظر لكنه لم يكلّف الناس جميعا بطريق واحد في تحصيل المعرفة. فمنهم من يصدق بالبرهان ومنهم من يصدق بالجدل ومنهم من يصدق بالخطابة. وليس المقصود هنا تفضيل صنف على آخر أخلاقيا بل بيان اختلاف القوى الإدراكية.

وهذه الفكرة تجد لها صدى بعيدا في التراث الإسلامي نفسه. فالشافعي حين تكلم على مراتب الفهم في الرسالة كان واعيا بأن الخطاب الشرعي لا يتلقاه الناس على درجة واحدة. والجويني في البرهان والغياثي كان يميز بين طبقات النظار والعوام. وأبو حامد الغزالي نفسه قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «اعلم أن الحق الصريح الذي لا مرية فيه عند أهل البصائر أن الخوض في هذا العلم حرام على أكثر الخلق». وليس بين هذا وبين موقف ابن رشد من حيث البنية العامة تباين مطلق وإن اختلفت المقاصد والمقدمات. فالغزالي يخشى فساد العقائد من الكلام كما يخشى ابن رشد فسادها من إساءة عرض البرهان. لكن الفرق الجوهري أن الغزالي يجعل الاحتياط مفضيا إلى تضييق أفق الفلسفة بينما يجعل ابن رشد الاحتياط نفسه شرطا لحفظ الفلسفة لا لإلغائها.

إن سؤال الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا ينهض على احتقار العامة كما يذهب إليه بعض القراءات المتعجلة بل على تصور إبستمولوجي واجتماعي معا. فالمعرفة البرهانية عنده ليست قابلة للتعميم المباشر لأنها مشروطة بملكة مخصوصة وبرياضة عقلية طويلة وبقدرة على احتمال التجريد. وإذا انتقلت إلى غير موضعها تحولت من علم إلى فتنة. وقد صرح في فصل المقال بمعنى بالغ الدلالة حين قال إن من صرح بالتأويلات لغير أهلها «فقد دعاهم إلى الكفر». هذه العبارة شديدة القوة ولا يمكن فهمها إلا في سياق إدراكه العميق للفارق بين الحقيقة في ذاتها والحقيقة من حيث تلقيها الاجتماعي. فالفكرة الصحيحة إذا وردت على ذهن غير مهيأ قد تنقلب إلى سبب للإنكار والاضطراب. ولذلك كان يرى أن كثيرا من خصومات الفلاسفة مع الجمهور إنما نشأت من سوء الوساطة لا من فساد المقاصد.

إن هذا الوعي بالوساطة المعرفية يجعل ابن رشد فيلسوفا سياسيا بقدر ما هو شارح لأرسطو. فهو يعلم أن الاجتماع الديني لا يقوم على البرهان وحده بل يحتاج إلى الرموز الجامعة والصور التمثيلية والمقاصد العملية التي تحفظ النظام الأخلاقي والمدني. وقد كان أفلاطون قبله قد لمح إلى شيء قريب حين جعل المدينة لا تنتظم إلا إذا عرفت طبقات النفوس ودرجات الاستعداد للحكمة. وفي الجمهورية لا تُعطى الفلسفة لكل أحد لأن «أكثر النفوس إذا ذاقت منها شيئا يسيرا فسدت». وأرسطو نفسه لم يكن يرى أن التعليم الفلسفي الأول يصلح لكل الناس على السواء. ثم إن الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة والملة أقام تمييزا حاسما بين الحقيقة الفلسفية وتمثلاتها الملية. فالمعقولات البرهانية تتجسد في صور تخييلية لكي تصير قابلة للتداول العمومي. وقد كان ابن رشد وارثا لهذا الخط وإن كان أقل ميلا إلى البناء اليوتوبي وأكثر التصاقا بالمشكل الفقهي والسياسي الواقعي.

غير أن المثير في المشروع الرشدي أن هذا التمييز بين الخاصة والعامة لا ينتهي إلى قطيعة معرفية مطلقة بل إلى توزيع وظيفي للخطاب. فالجمهور ليس خارج الحقيقة من حيث المآل وإنما هو يتلقاها في صورة تناسب طاقته الإدراكية. لذلك لم يكن ابن رشد يدعو إلى إنشاء نخبة مغلقة تتملك الحقيقة وتحتكرها على نحو باطني كما قد يفعل بعض الاتجاهات الإشراقية أو الباطنية. بل كان يرى أن الشريعة نفسها قد تضمنت الحقيقة على أنحاء مختلفة. فالظاهر للعامة والباطن للراسخين في العلم. وهذه الصيغة ليست بعيدة عن الآية المؤسسة: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ على أحد وجوه القراءة المعروفة. كما أنها تتجاوب مع مقولات قديمة عند ابن عباس وغيره في تمييز مستويات الفهم. ولعل ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قوله: «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله» يمثل خلفية ثقافية عميقة لهذا المنزع. فالمسألة ليست كتمانا للحقيقة بل مراعاة لأهلية المتلقي.

ونفهم هنا لماذا كان ابن رشد شديد النقد لأولئك الذين خلطوا بين الصناعات وأفسدوا نظام التعليم. فهو يرى أن المتكلمين من جهة والفلاسفة غير المحكمين من جهة أخرى أسهموا في تشويش المجال العمومي. أما المتكلمون فلأنهم نقلوا مسائل دقيقة إلى جمهور لم يُخلق لها وجعلوا العقائد محل منازعات جدلية لا تنتهي. وأما بعض المنتسبين إلى الفلسفة فلأنهم لم يلتزموا البرهان الصارم بل مزجوا بين الظن واليقين وبين الحكمة والجدل. ولهذا كان ابن رشد في مواضع كثيرة أكثر قسوة على «أهل الكلام» لا لأنهم استعملوا العقل بل لأنهم استعملوه استعمالا غير منضبط في نظره. وهو هنا قريب من أرسطو في نفوره من السفسطة، فليست كل دعوى عقلية عقلانية بالفعل. وقد قال أرسطو في التحليلات ما معناه إن البرهان لا يقوم إلا على مبادئ أولى ضرورية. فإذا غابت الضرورة حضر التوهم.

وإذا تأملنا هذا الموقف في ضوء البنية الثقافية للمجتمع الإسلامي الوسيط أدركنا أن ابن رشد كان يواجه معضلة مزدوجة. فمن جهة كان عليه أن يثبت شرعية الفلسفة داخل أفق ديني تهيمن فيه سلطة النص وعلومه، ومن جهة أخرى كان عليه أن يحول دون تحول الفلسفة إلى مادة اضطراب اجتماعي أو ذريعة اتهام عقدي. ولهذا جاءت لغته في فصل المقال حذرة جدا. فهو لا يقول إن كل أحد مأمور بالنظر البرهاني بل يقول إن الشرع أوجب النظر على من كان من أهله. وهذه العبارة الدقيقة تؤسس لما يمكن تسميته فقه الأهلية المعرفية. فكما أن الفقهاء يميزون بين مراتب التكليف والقدرة والاستطاعة يميز ابن رشد بين مراتب النظر العقلي والاستعداد البرهاني. وليس غريبا أن يصوغ دفاعه عن الفلسفة بلغة فقهية أصولية لأن المعركة لم تكن نظرية مجردة بل كانت معركة مشروعية داخل فضاء تهيمن عليه أدوات الفقه والجدل.

ولئن كان بعض الدارسين المعاصرين قد رأى في هذا التمييز نزعة أرستقراطية معرفية فإن الإنصاف يقتضي ألا نحاكم ابن رشد بمقاييس حديثة نشأت في سياقات مغايرة. ففكرة تعميم التعليم الفلسفي على النحو الذي نتصوره اليوم لم تكن متاحة لا من حيث البنية المؤسسية ولا من حيث مفهوم المعرفة ذاته. لقد كان العلم في المجتمع الوسيط مرتبطا بالإجازة والتدرج والصناعة والملكة. ولم يكن مجرد مضمون يُنقل بل هيئة نفسية تُكتسب. وابن خلدون بعد ابن رشد بقرون سيقول في المقدمة إن «العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة» وأن الملكات لا تحصل إلا بالتدرج والتكرار والمباشرة. وسيبين أن التعليم إذا تجاوز طاقة المتعلم أورثه العجز. وهذا المعنى بعينه نجده عند ابن رشد في صورة أرقى وأشد التصاقا بمشكل الفلسفة. فليس كل من سمع قولا فلسفيا صار فيلسوفا كما أن سماع مسائل الخلاف لا يجعل المرء فقيها.

ومع ذلك فإن الموقف الرشدي لا يخلو من توتر داخلي بالغ العمق. فإذا كانت الحقيقة واحدة والشرع داعيا إلى النظر وكانت الفلسفة واجبة على من استكمل شروطها فكيف يمكن للمجتمع أن يضمن تكوين هذا الجمهور الخاص من غير أن يفتح باب الفلسفة على نحو أوسع؟ وإذا كان إخفاء التأويلات عن العامة لازما صيانةً للإيمان فكيف تتجدد النخبة البرهانية جيلا بعد جيل؟ هنا تنكشف إحدى أعقد الإشكالات في المشروع الرشدي. فهو من جهة يريد حفظ التراتب المعرفي ومن جهة أخرى يحتاج إلى مؤسسات تعليمية تنتج أهل البرهان. لكن المجتمع الذي يضيق بالفلسفة أو يرتاب فيها لا يوفر بسهولة شروط هذا الإنتاج. إن الدفاع عن الفلسفة عند ابن رشد يظل معلقا بين مثال نظري دقيق وواقع سياسي مضطرب.

لقد أدرك ابن طفيل هذا التوتر بطريقة رمزية في قصته الفلسفية حي بن يقظان. فحي يبلغ الحقيقة بالعقل الخالص ثم يلتقي بالمجتمع ممثلا في أبصال وسلامان. وحين يحاول أن ينقل ما أدركه إلى الجمهور يكتشف أن أكثر الناس لا يحتملون ذلك. فيرجع إلى العزلة بعد أن يوقن أن للناس منازل وأن «الحكمة لا تعطى إلا لأهلها». هذه الثيمة ليست بعيدة عن ابن رشد الذي قدم لكتاب ابن طفيل وعرف مشروعه. بل يمكننا القول إن حي بن يقظان يقدم المشهد الرمزي لما يعالجه فصل المقال والكشف عن مناهج الأدلة معالجة نظرية مباشرة. ففي الحالتين نحن أمام السؤال نفسه: كيف تُصان الحقيقة حين تدخل المجال العمومي؟ وكيف يظل الدين جامعا للأمة من غير أن يتحول إلى خصومة تأويلية لا قرار لها؟.

إن ابن رشد في عمق مشروعه لا ينظر إلى الجمهور بوصفه كتلة جاهلة يجب استبعادها بل بوصفه مكونا ضروريا في انتظام المدينة الدينية. فالجمهور هو حامل الملة ووعاء العادات والفضائل العملية. وما تحتاجه المدينة ليس أن يتحول الجميع إلى فلاسفة بل أن تستقيم العلاقة بين البرهان والشرع وبين الخاصة والعامة على قاعدة التكامل لا التنازع. ولعل هذا ما يفسر قوله الضمني إن الشرع جاء بتعليم الجمهور على وجه خطابي وتمثيلي لا لأن الخطاب الخطابي أدنى قيمة مطلقا بل لأنه الأوفق بوظيفة الهداية العامة. وقد كان ابن سينا قد لمح إلى هذا المعنى حين قرر أن الأنبياء يخاطبون الجمهور بالأمثال والصور لأن «التصريح بالحقيقة المجردة لا تحتمله العامة». لكن ابن رشد يذهب أبعد من ابن سينا في ضبط هذه الفكرة ضمن أفق فقهي وسياسي أكثر صرامة.

ويتبين  لنا أن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد ليست هامشا في مشروعه بل هي قلب المسألة. إنها النقطة التي تتقاطع فيها نظرية البرهان مع سياسة المعرفة وفقه التأويل وبنية الاجتماع الإسلامي الوسيط. ومن غير فهم هذا التقاطع يغدو الدفاع الرشدي عن الفلسفة مبتورا أو مشوها. فهو ليس دعوة مطلقة إلى إطلاق الفلسفة في الفضاء العام ولا هو رضوخ كامل لمنطق المنع والتحريم. إنه محاولة دقيقة لتأسيس مشروعية الحكمة داخل نظام ديني مدني مع الاعتراف بأن للحقيقة شروطا في التعليم والتلقي لا يجوز القفز عليها. وهذا ما يجعل ابن رشد أقرب إلى فيلسوف التوازنات الدقيقة منه إلى داعية عقلانية ساذجة أو باطنية مغلقة.

وفي هذا المستوى بالذات تنفتح أمامنا أسئلة أشد عمقا، هل كان ابن رشد يؤسس لنوع من النخبوية المعرفية الضرورية أم أنه كان يسجل مأزق الحضارة التي لم تستطع أن تحول الفلسفة إلى ثقافة عمومية؟ وهل كان احترازه من الجمهور حلا مرحليا فرضته ظروف عصره أم أنه مبدأ بنيوي في تصوره للمعرفة؟ ثم إلى أي حد أسهم هذا الاحتراز نفسه في تضييق دائرة الفلسفة داخل المجال الإسلامي بدل توسيعها؟ تلك أسئلة لا يمكن معالجتها من غير تفكيك تصوره لمراتب التصديق ولنقده لعلم الكلام ولطبيعة العلاقة بين التأويل والسلطة الدينية والسياسية. وهو ما يقتضي أن نواصل النظر في النص الرشدي نفسه وفي شروطه التاريخية وفي أثره اللاحق داخل الإسلام والغرب اللاتيني على السواء.

غير أن استيعاب إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد لا يكتمل إلا إذا تجاوزنا الصيغة العامة التي عرضها في فصل المقال إلى النظر في البنية الداخلية التي تنتظم بها العلاقة بين البرهان والتأويل والسلطة المعرفية. فابن رشد لم يكن معنيا بمجرد الدفاع عن حق الفيلسوف في التفكير وإنما كان معنيا أكثر من ذلك بتحديد الشرط الذي يجعل التفكير الفلسفي ممكنا من غير أن ينقلب إلى قوة هدم داخل المجال الديني والمدني. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يشتغل في عمق نصوصه ليس هل يجوز تعليم الفلسفة؟ بل لمن يجوز؟ وكيف يجوز؟ وبأي لغة يجوز؟ وما الحد الذي إذا تجاوزته الفلسفة في خطابها العمومي تحولت من أداة تحرير إلى سبب اضطراب؟.

هنا تحديدا يتعين استحضار الكشف عن مناهج الأدلة لأنه النص الذي تتجلى فيه حساسية ابن رشد تجاه المجال العمومي الديني. ففي هذا الكتاب لا يكتفي بانتقاد المتكلمين من جهة قصور مناهجهم البرهانية بل يتهمهم ضمنا بأنهم أفسدوا على الجمهور عقائدهم حين نقلوا قضايا دقيقة إلى ساحة النزاع. إن الذي يزعج ابن رشد في الكلام ليس فقط كونه لا يبلغ اليقين البرهاني بل كونه يخلط بين مقام التعليم ومقام الجدل. فالجمهور يحتاج إلى ما يرسخ المعنى الإيماني ويؤسس الاستقامة العملية، بينما يأتي المتكلم فيجرّه إلى مساحات من الاحتمال لا يملك أدوات حسمها،  حيث إن علم الكلام عنده لا يفسد الفلسفة وحدها بل يربك الدين نفسه من حيث هو نظام هداية عمومية.

وهذا الاعتراض في غاية العمق لأن ابن رشد لا يهاجم مضمون الكلام بقدر ما يهاجم وضعيته التداولية. فالقضية ليست في صحة القول أو فساده فقط بل في ملاءمة القول لمقامه. إن العبارة إذا خرجت من مقامها فسدت وإن كانت في ذاتها حقا. وهذا من أبلغ ما وعاه ابن رشد في مسألة التعليم. فالحقيقة لا تقاس عنده بمضمونها المجرد وحده بل بقدرتها على أن تُعطى في صورتها المناسبة. وفي هذا المعنى يبدو كأنه يزاوج بين نظرية في الصدق ونظرية في الحكمة العملية. وليس بعيدا عن هذا ما نجده عند أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس حين يقرر أن الدقة لا تطلب في كل شيء على السواء وأن طلب اليقين في غير موضعه جهل بطبيعة الموضوع. فإذا كان لكل موضوع منهجه فإن لكل جمهور أيضا مستوى من الخطاب يليق به.

وتكتسب ثنائية الظاهر والباطن عند ابن رشد معناها الدقيق، فهي ليست ثنائية سرية بالمعنى الباطني الذي يجعل النص الشرعي قناعا لمعنى آخر لا يعرفه إلا المصطفون، وإنما هي ثنائية وظيفية تقوم على أن النص الواحد يحتمل مراتب من الفهم تبعا لمراتب العقول. فالمعنى الظاهر ليس باطلا ولا مجرد حيلة خطابية، بل هو حق في مرتبته لأنه يؤدي وظيفة الهداية العامة ويحفظ انتظام الجماعة. والمعنى المؤول ليس نقضا له بل تعميق له عند من استكمل آلة البرهان. لذلك كان ابن رشد شديد الحذر من التأويل المنفلت، فهو لا يجيز التأويل إلا حيث قام البرهان القطعي على أن الظاهر غير مراد. أما إذا لم يوجد البرهان فالوقوف مع الظاهر أولى. وهذا الشرط يكشف أن التأويل عنده ليس لعبا حرا للمعنى بل عملية مقيدة بمنطق صارم.

ويظهر الفارق الحاسم هنا بين ابن رشد وكثير من التيارات التي جعلت التأويل أداة لإنتاج سلطة معرفية مغلقة. فالتأويل عنده ليس امتيازا اجتماعيا خالصا بل استحقاق برهاني. وليس الراسخ في العلم من احتكر الرمز بل من استوفى شروط النظر. ولهذا فإن النخبة الرشدية ليست نخبة نسب أو سلطة أو قداسة بل نخبة صناعة عقلية. وهذه نقطة جديرة بالتشديد لأنها تميز مشروعه عن كثير من أنماط التراتب المعرفي في التراث. إن الخاصة عنده ليست طائفة مقدسة بل فئة متمرسة. وقد كان هذا في ذاته ضربا من عقلنة السلطة المعرفية داخل الثقافة الإسلامية الوسيطة.

غير أن هذه العقلنة لا تلغي الطابع الإشكالي للموقف، إذ ما دام التأويل محصورا في أهل البرهان فإن إمكان اتساع دائرة الفلسفة يظل مشروطا بوجود بنية تعليمية وثقافية قادرة على تكوين هؤلاء، وهذا ما لم يكن متاحا دائما. بل لعل المجتمع الذي كان ابن رشد يتحرك داخله كان قد بدأ بالفعل يفقد شروط التوازن بين علوم الشرع وعلوم النظر. فالتحول السياسي في الأندلس والمغرب وتصلب المجال العقدي وتزايد الحساسية تجاه الفلسفة جعل الفيلسوف مضطرا إلى أن يكتب دفاعه في صورة احترازية. ومن ثم فإن مشروعه يحمل في طياته مفارقة مؤلمة، إنه يدافع عن الفلسفة من داخل شروط تضيق عليها، ولذلك لم يكن غريبا أن ينتهي مصيره الشخصي إلى المحنة والنفي وحرق بعض كتبه. إن سيرة ابن رشد ليست حادثة عرضية منفصلة عن نظريته في الجمهور بل هي في وجه من الوجوه برهان تاريخي على صعوبة التوفيق بين الحقيقة البرهانية والفضاء العمومي حين يختل ميزان الثقافة والسياسة.

ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الرشدية اللاتينية ازدهرت في الغرب المسيحي الوسيط في الوقت الذي كان فيه حضورها في المجال الإسلامي يتقلص. فالنص الرشدي وجد في الجامعات اللاتينية مؤسسة تؤهله للتداول المدرسي والتعليق والنقاش، أما في المجال الإسلامي فقد بقي محاصرا بحدود الريبة أو الاستعمال الجزئي. وليس معنى ذلك أن الإسلام كان عدوا جوهريا للفلسفة كما روجت بعض السرديات الاستشراقية الساذجة، بل معناه أن البنية المؤسسية التي تسمح للفلسفة بأن تصير صناعة تعليمية مستقرة لم تتكرس على النحو نفسه. وقد لمح محمد عابد الجابري في غير موضع إلى أن مأساة ابن رشد لم تكن مأساة رجل فقط بل مأساة «العقل البرهاني» حين عجز عن أن يصير تقليدا مؤسسا داخل الثقافة العربية الإسلامية. ومع أن الجابري قرأ ابن رشد في أفق مشروعه النهضوي المعاصر فإن ملاحظته في هذا الباب تظل ذات قيمة، الفلسفة لا تعيش بالعبقرية الفردية وحدها بل تحتاج إلى حاضنة تداولية.

وإذا رجعنا إلى أصل الإشكال أمكن القول إن ابن رشد كان يقاوم نزعتين متقابلتين كلتاهما مدمرة. النزعة الأولى هي تعميم ما لا يعمم، أي نقل المعاني البرهانية المجردة إلى غير أهلها باسم تحرير العقل. والنزعة الثانية هي منع ما ينبغي أن يوجد، أي حجب النظر البرهاني نفسه باسم حماية الإيمان. وبين هذين الحدين يحاول أن يبني طريقا وسطا شديد الدقة. فالبرهان لا بد منه لأن الشرع لا يعادي العقل بل يدعو إليه. لكن البرهان لا يتحول إلى خطاب عمومي مباشر لأن الاجتماع لا يقوم على اليقين الفلسفي وحده. ويفهم من هذا أن ابن رشد لم يكن فيلسوف عقلانية تجريدية صماء، بل كان واعيا بالبنية الرمزية والأخلاقية والسياسية التي ينتظم بها العالم الديني.

وهذا الوعي يجعله أقرب إلى فيلسوف تربية بقدر ما هو فيلسوف برهان. فتعليم الفلسفة عنده ليس مجرد نقل مسائل المنطق والطبيعيات والإلهيات، بل هو تربية على ملكة مخصوصة. ولذلك فإن الحد الفاصل بين الخاصة والعامة ليس معرفيا فقط بل تربوي أيضا. إن الفيلسوف لا يتكون بالاطلاع بل بالتدرج والمران والتطبع بالصناعة. وهذا ما يجعل السؤال عن «الجمهور الفلسفي» سؤالا في إمكان التربية العقلية داخل الحضارة. هل تستطيع المدينة الإسلامية الوسيطة أن تنتج مواطنين قادرين على تلقي البرهان من غير أن تهدد تماسكها الرمزي؟ هذا هو السؤال الذي لم يصرح به ابن رشد دائما لكنه حاضر في كل سطر من مشروعه.

وفي هذا الموضع يمكن أن نستحضر ابن خلدون مرة أخرى، فهو حين تحدث عن العلوم العقلية لم ينكرها من حيث الأصل لكنه قرر أن ازدهارها رهين بشروط عمرانية دقيقة. وإذا ضعفت تلك الشروط ضعفت العلوم ذاتها. وهذا التحليل العمراني يضيء ما كان عند ابن رشد في صورة حدس فلسفي وسياسي. فالفلسفة لا تنمو في الفراغ، إنها تحتاج إلى استقرار مدني وإلى مؤسسات تعليم وإلى تقاليد نقاش وإلى قدر من التسامح المعرفي. وإذا غابت هذه العناصر صارت الحكمة إما معزولة في دوائر ضيقة وإما متهمة في أصلها. ولذلك فإن حدود تعليم الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط ليست حدودا نصية فحسب بل هي حدود تاريخية ومؤسسية أيضا.

غير أن القراءة الدقيقة للموقف الرشدي تمنعنا من السقوط في اختزال آخر لا يقل خطرا وهو اعتبار الرجل مجرد ممثل لسياسة الكتمان. فهذا تبسيط لا يليق بمشروعه. ابن رشد لم يدع إلى دفن الفلسفة بل إلى تنظيم تداولها، ولم يقل إن الجمهور لا حق له في الحقيقة بل قال إن الحقيقة تعطى له في الصيغة التي تحفظ غايتها الهداية لا البلبلة. ولم يجعل الشرع خصما للبرهان بل قرر أن البرهان أحد وجوه الوفاء لمقصد الشرع في دعوة الإنسان إلى الاعتبار. إن ما يرفضه ابن رشد ليس انفتاح العقل بل الفوضى المعرفية. ولهذا كان يمكن اعتباره من زاوية ما فيلسوفا لـ«أخلاق التعليم». فالمدرس الحق عنده ليس من يعلن كل ما يعلم في كل مقام، بل من يزن القول بميزان الحقيقة والمصلحة والقدرة على الفهم.

وفي هذا المعنى تستعيد العبارة المنسوبة إلى سفيان بن عيينة معناها العميق: «ليس العلم بكثرة الرواية ولكن العلم نور يضعه الله في القلب». فالملكة مقدمة على التكديس. وليس بعيدا عنها قول الجاحظ في معنى قريب إن المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وموافقة الحال. وقد كان ابن رشد من هذا الجنس من المفكرين الذين يدركون أن الفكرة لا تُقاس بصحتها المجردة فقط بل أيضا بقدرتها على أن تجد موضعها الصحيح في نظام الثقافة. إن أزمة الفلسفة في المجتمع الإسلامي الوسيط لم تكن في جوهرها أزمة تعارض بسيط بين العقل والنقل كما تحب بعض القراءات التبسيطية أن تردد، بل كانت أزمة تنظيم للمجال المعرفي وأزمة توزيع للسلطة التأويلية وأزمة ثقة بين الصناعات العلمية المختلفة.

إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس هل أخطأ ابن رشد حين قيد تعليم الفلسفة أم أصاب، بل هل كان يملك في سياق عصره بديلا أكثر واقعية؟ لو دعا إلى تعميم الفلسفة بلا قيد لربما عجل بإعدامها الرمزي والمؤسسي. ولو رضي بمنطق المنع لكان قد خان أصل مشروعه. فاختار الطريق الأصعب، أن يفتح الباب ويضع عليه حراسة معرفية. وهذا الاختيار وإن بدا للبعض محافظا فإنه في سياقه التاريخي كان من أجرأ أشكال الدفاع عن العقل، لأن الجرأة ليست دائما في الهتاف المعلن، بل قد تكون في بناء الشروط الدقيقة التي تسمح للفكرة بأن تعيش.

إن ابن رشد هنا يقدم لنا درسا يتجاوز زمنه، فكل حضارة تواجه بطريقتها الخاصة معضلة العلاقة بين المعرفة المتخصصة والجمهور الواسع، وكل مجتمع يسأل نفسه وإن بصيغ مختلفة، ما الذي ينبغي أن يعمم؟ وما الذي يحتاج إلى تدرج؟ وما الفرق بين الحق في المعرفة والقدرة على استيعابها؟ وما حدود المسؤولية الأخلاقية للمعلم حين يتعامل مع قضايا قد تهز التصورات الراسخة؟ وإذا كان السياق الحديث قد وسع إمكانات التعليم وأعاد تعريف الجمهور فإن أصل الإشكال لم يختف. بل لعله ازداد تعقيدا مع الانفجار الإعلامي وسرعة تداول الأفكار خارج مؤسسات التكوين الصارم. ومن هذه الزاوية يبدو ابن رشد معاصرا لنا على نحو مدهش، فهو ينبهنا إلى أن المعرفة إذا خرجت من نظامها التربوي قد تتحول إلى شبهة أو أيديولوجيا أو ضجيج.

إن القيمة الحقيقية للموقف الرشدي لا تكمن في تقسيم الناس إلى خاصة وعامة فحسب، بل في وعيه بأن الحقيقة لا تحيا في الذهن وحده بل في شروط تداولها. إن البرهان في ذاته لا يكفي إذا لم يجد لسانه الملائم وسياقه التربوي ومؤسسته الحاضنة. والحكمة ليست مجرد امتلاك للنتائج بل معرفة بطرق الإيصال. ولهذا كان ابن رشد في العمق مفكرا في «سياسة الحقيقة»، لا بمعنى التلاعب بها بل بمعنى صيانتها من سوء الاستعمال. لقد فهم أن أعظم ما يهدد الفلسفة ليس فقط عداؤها الخارجي بل أيضا سوء تقديمها من أهلها أنفسهم حين ينسون أن لكل مقام مقالا وأن للمعرفة أدبا لا يقل أهمية عن مضمونها.

إن إشكالية الجمهور الفلسفي عند ابن رشد تكشف عن وجه من أكثر الوجوه تعقيدا في تاريخ العقل الإسلامي. فهي لا تحيلنا إلى معركة سطحية بين فقيه وفيلسوف ولا إلى ثنائية مستهلكة بين النص والعقل بل تضعنا أمام سؤال أعمق، كيف يمكن للحقيقة البرهانية أن تسكن مدينة دينية من غير أن تهدمها ومن غير أن تُدفن تحت تراب التحريم؟ لقد كان جواب ابن رشد مشروطا بعصره لكنه لم يكن عابرا. إنه جواب يقوم على أن الفلسفة ضرورة وأن الشريعة لا تناقضها وأن التأويل حق لمن استحقه وأن التعليم مسؤولية قبل أن يكون كشفا وأن الجمهور ليس خصما للحقيقة بل مخاطبا بها على قدر طاقته.

ولعل مأساة هذا الجواب أنه كان أرقى من شروطه التاريخية. فقد وُلد في زمن كانت فيه الحاجة إلى البرهان عظيمة لكن الاستعداد الاجتماعي لاحتماله محدودا. ولذلك بقي ابن رشد شاهدا على إمكان لم يكتمل. إمكان أن تتصالح الحضارة الإسلامية مع أعلى أشكال العقل من غير أن تفقد بنيتها الروحية. إمكان أن يكون الفيلسوف فقيها في طرق التعليم كما يكون الفقيه عاقلا في حدود الظاهر. إمكان أن يُبنى المجال العمومي على توازن لا يقصي الحكمة ولا يبتذلها. وإذا كانت الرشدية قد لمعت في الغرب بوصفها تقليدا شارحا ومؤسسا، فإنها في المجال الإسلامي بقيت أشبه بنداء لم يُستوفَ صداه كله.

إن القيمة الباقية لابن رشد لا تقاس بما تحقق من مشروعه وحده، بل بما كشفه من عمق المعضلة. لقد علّمنا أن الفلسفة لا تموت فقط حين تُحارَب بل قد تموت أيضا حين تُلقى إلى غير أهلها بلا تدرج ولا صناعة. وعلّمنا أن الدفاع عن العقل لا يكون بالصخب بل ببناء شروطه. وعلّمنا أخيرا أن المجتمع الذي يريد حكمة حية لا يكفيه أن يمدح الفلاسفة بعد موتهم، بل عليه أن يؤسس في قلبه فضاءً تتعايش فيه مراتب الخطاب من غير قطيعة وتتكامل فيه الهداية مع البرهان ويُصان فيه الحق من أن يتحول إلى فتنة أو إلى صنم. ويستعيد ابن رشد هنا مكانته لا بوصفه شارح أرسطو فقط، بل بوصفه مفكرا في مصير الحقيقة حين تدخل التاريخ.

***

د. حمزة مولخنيف

من التفسير الغائي إلى انتظام العالم

في تاريخ الفكر الفلسفي تحتل الطبيعة مقاما يتجاوز حدود الموضوع المعرفي إلى مرتبة الأصل الذي تُوزَن به قدرة العقل على النفاذ إلى بنية الوجود. فكلُّ نظرٍ في الطبيعة ينطوي في العمق على امتحانٍ خفيٍّ لمشروعية البرهان وعلى مساءلةٍ دقيقة لمعنى النظام، وعلى استنطاقٍ متواصل للعلاقة التي تصل الموجود بتعقّله والحركةَ بمبدئها والكثرةَ بوحدتها. ومن ثَمّ غدت الطبيعة في ضمير الفلسفة الكبرى موضعا تنكشف فيه منزلة الإنسان من العالم، كما تنكشف فيه منزلة العالم من الحكمة؛ إذ لا يستقيم للعقل أن يطمئن إلى نفسه إلا في كونٍ تُدرك أجزاؤه بعللها وتُفهم حوادثه بسننه وتُقرأ مظاهره على ضوء انتظامٍ باطنٍ يردّ الكثرة إلى نسق والتفرق إلى تأليف والتبدل إلى قانون.

وعلى هذا الأفق الموشّى بكثافة الأسئلة وصرامة النظر، ينهض فكر ابن رشد بوصفه أحد أصفى التعبيرات الفلسفية عن معقولية العالم وأحد أمتن المحاولات التي شُيِّدت في الثقافة الإسلامية لإعادة وصل الطبيعة بالعقل والكون بالحكمة والبرهان بالإيمان. فالرجل لم يقف عند حدود الشرح المدرسي لأرسطو ولم يتعامل مع الموجود الطبيعي على أنه مادةٌ مبذولةٌ للحس أو حشدٌ من الوقائع المتجاورة، بل قرأه من داخل بنيته واستنطق حركته من داخل عللها، وردّ تفرّق ظواهره إلى مبدأ انتظامٍ يجعل العالم قابلا لأن يُفهم وجديرا بأن يُتخذ سبيلا إلى معرفة ما فوقه. وفي هذا تتحدد قيمة المشروع الرشدي، طبيعةٌ تنكشف بوصفها نظاما ونظامٌ يُفضي إلى حكمة وحكمةٌ لا تُنال بإبطال الوسائط بل بإحكام النظر فيها.

وتزداد هذه الرؤية عمقا إذا استُحضر السياق الجدلي الذي تشكّلت فيه. فقد كان ابن رشد يكتب في زمنٍ اشتدّ فيه النزاع حول معنى السببية وحول موقع الطبائع من الفعل الإلهي وحول إمكان ردّ العالم إلى سننٍ مطردة أو إلى تعاقبٍ منقطعٍ للحوادث. لذلك جاءت فلسفته في الطبيعة مشروطةً بمعركةٍ فكرية كبرى، موضوعها الحقيقي أوسع من الفيزياء وأبعد من وصف الظواهر؛ إذ كانت معركةً حول صورة العالم في العقل، أهو عالمٌ تُمسك به العلل وتضبطه القوانين وتخترقه الغايات، أم مجالٌ للانفصال، يتعذّر فيه الوثوق برباط الأسباب، ويضيق فيه أفق البرهان؟ ولعل الدفاع عن الطبيعة عنده معنىً يتجاوز البحث في العناصر والحركات إلى الدفاع عن كرامة العقل نفسه، لأن العقل لا يُثبت جدارته إلا في كونٍ يقبل الفهم ولا يُظهر قوته إلا في عالمٍ يحمل في باطنه قابليةَ الانتظام.

ولهذا ارتبط مفهوم الطبيعة في فلسفة ابن رشد ارتباطا وثيقا بمفهوم الغاية لا على جهة الزيادة الخطابية أو التلوين اللاهوتي، بل على جهة التأسيس البنيوي لمعنى الموجود الطبيعي. فالموجود في الأفق الرشدي لا يُستوفى بالنظر إلى مادته ولا يُستكمل بوصف صورته ولا يُفهم تماما بردّه إلى علته الفاعلة وحدها، بل يطلب في حقيقته جهةً رابعةً تمنح حركته معناها، وتكشف عن الوجه الذي به ينتظم الفعل في سياق الكمال. وقد اكتسب الغائية في فلسفته دلالةً مركزية؛ لأنها تُخرج الوجود من رتبة الوقائع المتراكمة إلى رتبة البنية المقصودة وتُعيد وصل الجزئي بالكلي وتفتح الطريق أمام قراءة العالم لا باعتباره مشهدا متبدّلا فحسب، بل باعتباره أثرا متماسكا لحكمةٍ تسري في أجزائه وتنتظم بها مراتبه وتغدو معها الطبيعة مرآةً كاشفةً عن عقلانية الوجود. وإذا كان الفكر الفلسفي قد عرف منذ أرسطو تقاليد متباينة في فهم الطبيعة، فإن خصوصية ابن رشد تتجلى في قدرته على الارتقاء بهذا الإرث إلى صياغةٍ جديدةٍ أكثر تماسكا في الجمع بين الدقة البرهانية والرهان الحضاري. فالمسألة عنده لا تتعلق ببيان كيفية حدوث الأشياء فحسب، بل تمس صورة الإنسان عن العالم الذي يسكنه وعن الحقيقة التي يطلبها وعن الإله الذي يستدل عليه. لأن عالما بلا نظام لا يورث علما، وعالما بلا علل لا يورث برهانا، وعالما بلا انتظام لا يورث حكمةً، بل يورث حيرةً لا تنتهي. أما العالم الذي تتساند فيه الحركات وتتآزر فيه الأسباب وتنتظم فيه الموجودات بحسب مراتبها فهو وحده العالم الذي يسمح للعقل أن يعبر من الظاهر إلى الباطن ومن الأثر إلى المؤثّر ومن الطبيعة إلى ما يجعل الطبيعة نفسها ممكنةً ومفهومةً.

من هذا المدخل تنفتح القراءة الرشدية للطبيعة بوصفها أفقا فلسفيا بالغ الثراء، تتقاطع فيه الفيزياء مع الميتافيزيقا ويتعانق فيه البرهان مع التأويل ويتحول فيه النظر في العالم من رصدٍ للظواهر إلى استكشافٍ لمعمار الوجود. ويغدو الانتقال من التفسير الغائي إلى انتظام العالم انتقالا من ملاحظة الوظائف الجزئية إلى إدراك النسق الكوني ومن تعليل الحركة في أفراد الموجودات إلى فهم الحركة في كلية العالم، ومن الوقوف عند ظاهر الطبيعة إلى النفاذ نحو معقوليتها الباطنة. وعلى هذا الأساس يتحدد مقصد هذا المقال المتواضع، مساءلة الكيفية التي صاغ بها ابن رشد مفهوم الطبيعة ضمن رؤيةٍ تجعل العالم نظاما معقولا وتجعل من انتظامه برهانا على حكمةٍ متعالية، من غير أن تُفرغ الموجودات من طبائعها أو تُعطل العلل في مراتبها أو تُحول القدرة الإلهية إلى نقيضٍ للنظام الذي به يقوم العالم ويُعرف.

ليس النظر في الطبيعة عند ابن رشد ترفا نظريا منفصلا عن صميم مشروعه الفلسفي ولا هو مجرد تلخيص شارحٍ لفلسفة أرسطو في العالم الإسلامي، بل هو موضعُ التقاءٍ دقيق بين الأنطولوجيا والفيزياء والإلهيات وأصول النظر العقلي في الموجودات. ذلك أن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مجموعا مبعثرا من الظواهر التي تُدرَك بالحس وحده، ولا ميدانا للفوضى أو المصادفة المطلقة، وإنما هي بنيةٌ محكومةٌ بقوانين مشدودةٌ إلى علل ومفصَّلةٌ وفق ترتيب يكشف عن معقولية العالم وانضباطه. ومن هنا كانت الطبيعة عنده أقرب إلى أن تكون “كتابا” آخر للوجود، تُقرأ صفحاته بمناهج البرهان كما تُقرأ آيات الوحي بمناهج التأويل الرشيد، ولهذا كان ابن رشد شديد الإصرار على أن فساد النظر في الطبيعة يفضي لا محالة إلى فساد النظر في الإلهيات لأن من عجز عن فهم انتظام الأثر تعذّر عليه إدراك حكمة المؤثِّر.

إن ما يميز المشروع الرشدي في هذا الباب هو أنه لا يتعامل مع الطبيعة بوصفها معطى خاما، بل بوصفها نظاما معقولا؛ أي إن الموجود الطبيعي عنده لا يُفهم من حيث هو واقعٌ فحسب، بل من حيث هو قابلٌ للتعليل ومن حيث هو حاملٌ لانتظام داخليّ يشي بأن الوجود ليس حادثا على سبيل العبث ولا قائما على محض التجاور العشوائي. وهذا المعنى هو الذي يجعل ابن رشد وريثا أمينا لأرسطو من جهة ومصححا لكثير من الانحرافات التي أدخلها المتكلمون وبعض الفلاسفة على معنى السببية والطبيعة من جهة أخرى. ولعل عبارة أرسطو الشهيرة “الطبيعة لا تفعل شيئا عبثا” تمثل المفتاح المنهجي الأوضح لفهم الرؤية الرشدية للعالم، إذ تلقّاها ابن رشد لا بوصفها جملةً مدرسية مكرورة، بل بوصفها مبدأً كاشفا عن البنية العميقة للموجودات الطبيعية وعن امتناع رد العالم إلى المصادفة أو الفوضى أو الإرادة المنفصلة عن الحكمة.

لقد كان ابن رشد يدرك بحسّ الفيلسوف والمتكلم معا، أن السؤال عن الطبيعة هو في جوهره سؤال عن العقلانية الكامنة في الوجود. فإذا كانت الطبيعة تجري على سنن مطردة وإذا كانت الموجودات تصدر عن أسباب محددة وإذا كانت صور الأشياء ووظائفها ومآلاتها قابلة للفهم، فإن ذلك لا يعني فقط إمكان العلم بل يعني أيضا أن العالم نفسه مؤسَّس على نحوٍ معقول. 

ولهذا لم يكن غرضُه من شرح كتب أرسطو في السماع الطبيعي والسماء والعالم والكون والفساد مجرّدَ خدمةِ التراث اليوناني، بل كان يسعى إلى ترسيخ قاعدةٍ كبرى، مؤدّاها أن البرهان على الله وعلى العناية وعلى الحكمة لا يمرّ عبر خرق النظام الطبيعي، بل عبر فهمه. فالإعجاز في نظر العقل الرشدي لا يتمثّل في إبطال السببية بل في انكشافها في أتمّ صورها؛ إذ كلّما ازداد النظام إحكاما ازداد العقل اقترابا من إدراك الحكمة الكلية التي يفيض عنها الوجود. وهنا يتبيّن أن التفسير الغائي في فلسفة ابن رشد ليس عنصرا زائدا على التفسير الطبيعي ولا هو تسرّبٌ لخطابٍ لاهوتيّ إلى قلب الفيزياء، كما قد تتوهّم بعض القراءات الحديثة ذات النزعة الاختزالية، بل هو الوجه الأكمل للتفسير الطبيعي نفسه. فالعلة الغائية عنده ليست بديلا من العلة الفاعلة أو الصورية أو المادية وإنما هي المبدأ الذي يهب سائر العلل معناها، لأن المادة لا تُفهم إلا من حيث قابليتها للصورة والصورة لا تُفهم إلا من حيث تحقّقها في الفعل، والفعل لا يُفهم إلا من حيث توجّهه إلى غاية. لذلك كان أرسطو يرى وكان ابن رشد يؤكّد بإلحاحٍ أشدّ أن إنكار الغاية ليس مجرّد حذفٍ لنوعٍ من أنواع العلل، بل هو تقويضٌ للنسق التفسيري برمّته، إذ يغدو العالم عندئذٍ سلسلةً من الوقائع المتجاورة بلا مقصد، وجملةً من الحركات التي لا يربط بينها شيءٌ سوى التعاقب الأعمى. 

ولعل هذا ما يفسر شدة ابن رشد في نقده للاتجاهات التي فرّغت الطبيعة من فاعليتها الداخلية. فهو يعترض على المتكلمين وبخاصة الأشاعرة، لا لأنهم أثبتوا القدرة الإلهية بل لأنهم – في نظره – أثبتوها على حساب الحكمة والنظام، فجعلوا العادة تحل محل الطبيعة والانفصال يحل محل السببية والحدوث المنفصل يحل محل الاتصال الكوني. إن العالم بحسب هذا التصور لا يعود نسقا متماسكا، بل يصير تجمعا لحوادث متجاورة لا ضرورة بينها ولا علية في باطنها ولا رابطة إلا إرادة تُحدِث الأشياء على التوالي من غير أن يكون في الأشياء أنفسها مبدأٌ للترابط. وقد رأى ابن رشد في هذا التصور تهديدا مزدوجا، تهديدا للعلم لأنه يبطل إمكان استقراء القوانين؛ وتهديدا للإيمان العقلي لأنه يجعل العالم أقل دلالة على الحكمة. فالله – في التصور الرشدي – لا يُعظَّم بإبطال الوسائط بل يُعظَّم بإحكامها؛ ولا يُعرَف بخرق النظام على الدوام بل يُعرَف من خلال انتظامه. ولذلك كان دفاعه عن الطبيعة دفاعا عن السببية بقدر ما هو دفاع عن العناية. ومن اللافت أن بعض الدراسات المعاصرة قد نبهت إلى أن ابن رشد يعدّ مبدأ الغائية أصلا أساسيا في الفيزياء والميتافيزيقا معا، وأنه يرى أن إنكار القصدية في الطبيعة يُفضي إلى إبطال سائر العلل، بل وإلى تعذر البرهنة على عناية الله بالموجودات السفلية؛ لأن المادة لأجل الصورة والصورة بفعل الفاعل والفاعل إنما يفعل من أجل غاية . وهذا المعنى وإن بدا أرسطيّ الجذر إلا أنه في الصياغة الرشدية يكتسب كثافةً لاهوتية وفلسفية خاصة إذ يتحول من مجرد مبدأ في تفسير الحركة إلى أساسٍ في إثبات التناسب بين العقل والوجود.

إن الطبيعة بهذا الاعتبار ليست عند ابن رشد قوةً عمياء. وقد كان تعريف أرسطو للطبيعة بأنها “مبدأ الحركة والسكون في الشيء من حيث هو هو” حاضرا في خلفية البناء الرشدي، لكن ابن رشد وسّع هذا التعريف عمليا حين قرأه ضمن شبكة العلل الأربع. فالشيء الطبيعي لا يتحرك لأنه متحرك فحسب، بل لأنه يحمل في ذاته مبدأً صوريا يوجّه مادته نحو كمال مخصوص. البذرة لا تصير شجرةً بمحض المصادفة ولا الجنين يصير كائنا حيا على سبيل التجاور الاعتباطي بل لأن في الطبيعة انتظاما يجعل الممكنات تتجه إلى كمالاتها بحسب استعداداتها. وهذا ما جعل أرسطو يقول إن الفن يحاكي الطبيعة لا العكس؛ لأن الطبيعة أسبق من الصناعة وأعمق نظاما منها. وابن رشد يلتقط هذه الإشارة ليجعل منها برهانا على أن النظام الطبيعي أشدّ إحكاما من النظام الصناعي، لأن الطبيعة تفعل من الداخل بينما الصناعة تفعل من الخارج.

ويكتسب القول الغائي في هذا المنحى عند ابن رشد معنىً دقيقا ينبغي تحريره من سوء الفهم الشائع. فالغائية هنا ليست إسقاطا نفسيا لنية بشرية على الكون ولا هي تشبيهٌ ساذج للطبيعة بفاعلٍ يقصد كما يقصد الإنسان في أفعاله الإرادية الجزئية وإنما هي تعبيرٌ عن انتظامٍ بنيويّ يجعل أجزاء الموجود تتوجه نحو وظائفها وكمالاتها في إطار الكل. وهذا المعنى قريب مما سيلمح إليه لاحقا ابن ميمون في حديثه عن حكمة الخلق وما سيؤكده توما الأكويني في قوله الشهير: “إن الأشياء التي تفتقر إلى المعرفة تتجه إلى غاية كما لو كانت موجهة من عقل”. غير أن ابن رشد أسبق منهما في جعل هذا المعنى متولدا من تحليل الطبيعة نفسها، لا مفروضا عليها من خارجها. فهو لا يبدأ من اللاهوت لينتهي إلى الطبيعة بل يبدأ من الطبيعة بوصفها مجالا للبرهان، ثم يرتقي منها إلى ما وراءها.

ومن أعمق ما في التصور الرشدي أنه يربط بين الغائية وانتظام العالم ربطا لا يسمح بفصل الجزئي عن الكلي. فالعالم ليس عنده مجرد تجميعٍ لطبائع متفرقة، بل هو كلٌّ مترابط تتساند فيه الحركات وتتواشج فيه العلل ويؤدي فيه الأعلى وظيفةً في انتظام الأدنى. ولهذا كان النظام الكوني عنده قائما على تدرجٍ أنطولوجي وحركيّ من المحركات السماوية إلى عالم الكون والفساد بحيث لا تُفهم الحوادث الأرضية إلا في إطار النظام الأوسع الذي يضمها. وقد أبرزت بعض القراءات المعاصرة لهذا الجانب أن ابن رشد طوّر في ضوء شرحه لأرسطو، تصورا يجعل السلسلة الكونية متصلةً على نحوٍ يحفظ مبدأ العناية الإلهية ويقاوم فكرة الانقطاع أو البداية الاعتباطية للفعل، إذ إن أثر العلة الأولى لا يتأخر عن عليتها، والنظام الكوني لا يحتمل إرادةً أزلية تُحدث فعلا زمانيا منفصلا من غير واسطة نظامية . وهنا يظهر الفارق الجوهري بين ابن رشد وبعض المتكلمين في فهم القدرة الإلهية. فالمتكلم الذي يبالغ في نفي الطبائع يظن أنه ينزّه الله بينما ابن رشد يرى أن هذا النفي يُضعف دلالة العالم على الله. فالقدرة التي لا تقترن بالحكمة قد تُنتج تصورا عن إلهٍ يفعل كيفما اتفق، أما القدرة المقترنة بالنظام فتُنتج تصورا عن إلهٍ حكيمٍ جعل الوجود قابلا للفهم. وليس غريبا والحال هذه أن يلح ابن رشد على أن النظر في الموجودات مأمورٌ به شرعا، لأن الشرع – في أفقه – لا يدعو إلى الإعراض عن العلل بل إلى اكتشافها. وكم تبدو هنا عبارته في فصل المقال ذات دلالة بالغة حين يجعل “الاعتبار” هو استنباط المجهول من المعلوم وهو بعينه عمل البرهان. فالتفكر في العالم ليس مجرد خشوع وجداني بل هو اشتغال عقلي على معقولية الطبيعة.

ولذلك فإن الانتقال من التفسير الغائي إلى مفهوم انتظام العالم ليس انتقالا من جزء إلى جزء بل من مبدأٍ تفسيريّ إلى رؤيةٍ كونية شاملة. فحين نقول إن العين للإبصار وإن الرئة للتنفس وإن النبات يتجه إلى تمام صورته فإننا لا نصف فقط وظائف جزئية، بل نكشف عن قانونٍ عام وهي أن الوجود الطبيعي ليس مبنيا على اللامبالاة. وهذه الفكرة نفسها هي التي ستجد صداها مع اختلاف السياقات في كلمات أفلاطون عن “النفس التي تنظم العالم”، وفي قول الرواقيين إن الكون محكوم بـ لوغوس نافذ وفي تصريح ليبنتز بعد قرون بأننا نعيش في “أفضل العوالم الممكنة” لا بمعنى التبسيط الساذج، بل بمعنى أن العقلانية شرطٌ لفهم الوجود. غير أن ابن رشد يظل متميزا لأنه يصوغ هذه الرؤية في قلب الجدل بين الفلسفة والكلام وبين البرهان والجدل وبين السببية والعادة. وليس من قبيل المصادفة أن يكون نقده لابن سينا في بعض المواضع متصلا أيضا بهذه المسألة؛ لأن ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه كل تصور يهدد التوازن بين الإمكان في المادة والانتظام في الفعل. فهو يقبل أن في العالم السفلي مجالا للعارض والاتفاق، لكنه لا يسمح بأن يتحول الاتفاق إلى أصلٍ مفسر للوجود. والحق أن هذا من أدق جوانب نضجه الفلسفي؛ إذ لم يقع في حتمية ميكانيكية صماء ولم ينزلق إلى فوضى كلامية تُبطل السنن. فالعارض موجود لكن وجوده نفسه لا يُفهم إلا على خلفية القاعدة؛ والاستثناء لا يظهر إلا لأن النظام هو الأصل. وقد أشارت دراسات متخصصة في فلسفته الطبيعية إلى أن ابن رشد يعارض جعل الأفعال الطبيعية متساوية في الإمكان على الدوام لأن ذلك يفضي إلى أن تعمل الطبيعة “بلا قاعدة” و“عبثا”، وهو ما يرفضه بوصفه نقيضا لروح الفيزياء الأرسطية والرؤية الرشدية معا .

إن الطبيعة عند ابن رشد ليست مجرد “موضوع” للعلم بل هي شرط إمكان العلم ذاته؛ لأن العلم لا يقوم إلا حيث يوجد انتظام ولا يثمر البرهان إلا حيث تكون للموجودات طبائع وللأحداث أسباب وللأشكال غايات وللكل بنية تسمح بالانتقال من المشاهدة إلى الفهم. ولهذا فإن الدفاع عن الطبيعة في الفلسفة الرشدية ليس دفاعا عن مادةٍ فيزيائية، بل هو دفاع عن العقل نفسه وعن مشروعية البرهان وعن إمكان الانتقال من المحسوس إلى المعقول ومن النظام إلى الحكمة ومن العالم إلى مبدئه.

إن بلوغ ابن رشد لفكرة الطبيعة بوصفها نظاما معقولا لا يكتمل عند حدود تحليل الموجودات الجزئية ولا عند بيان وظائف الأعضاء والأشكال والكائنات، بل يرتفع إلى أفقٍ أرحب تتداخل فيه الفيزياء بالإلهيات ويتحول فيه انتظام العالم من مجرد وصفٍ للظواهر إلى برهانٍ على البنية العاقلة للوجود. فالطبيعة في هذا المستوى الأعلى من النظر ليست فقط مجالا تتبدّى فيه الغايات، وإنما هي أيضا أثرٌ متصل لعلةٍ أولى لا تعمل على نحوٍ متقطع ولا تُحدِث العالم على هيئة الفجاءة الاعتباطية، بل تفيض عنه الموجودات بحسب مراتبها وتنتظم الحركات بحسب درجاتها وتترابط الكائنات ضمن شبكة من الوسائط تحفظ للعالم وحدته وللبرهان مشروعيته.

ولهذا كان ابن رشد شديد العناية بمسألة العلة الأولى لا من حيث هي قضية ميتافيزيقية مجردة، بل من حيث هي المفتاح الذي يفسر كيف يكون العالم منتظما من غير أن يكون مستقلا عن مبدئه وكيف يكون خاضعا لقوانين ثابتة من غير أن يتحول إلى نسق مغلق على ذاته. فالعلة الأولى عنده ليست فاعلا ميكانيكيا يباشر الأشياء كما يباشر الصانع مصنوعاته من خارجها، وليست إرادةً منفصلة تتدخل كيفما اتفق فتقطع روابط الأشياء بعضها ببعض وإنما هي مبدأٌ أعلى يهب الوجود نظامه ويمنح الحركة معناها ويجعل الكثرة مشدودةً إلى وحدة. وهذا ما يفسر أن ابن رشد على خطى أرسطو، فقد جعل المحرك الأول موضوعا للفكر من حيث هو غايةٌ أكثر منه من حيث هو دافعٌ حركيّ بالمعنى الحسي. فالعالم يتحرك شوقا إلى الكمال، لا دفعا أعمى من خلفه، والحركة الكونية في عمقها ليست صدمةً بل انجذاب.

وتكتسب الحركة السماوية في التصور الرشدي وظيفةً فلسفية تتجاوز الفلك القديم بوصفه علما للأجرام، لتصبح عنصرا مركزيا في فهم انتظام العالم. فالسماء عند ابن رشد ليست مجرد سقفٍ للعالم السفلي بل هي رتبةٌ أعلى من الوجود تنتظم حركاتها على نحوٍ أشد كمالا وتكون واسطةً بين المبدأ الأول وبين عالم الكون والفساد. والحركة الدورية المنتظمة للأفلاك ليست في هذا الإطار مجرد وصفٍ هندسيّ، بل هي الشاهد الأوضح على أن النظام أصلٌ في الوجود، وأن ما يقع في العالم السفلي من تعاقب الفصول ونمو النبات وتولّد الحيوان وتبدل الأمزجة، ليس إلا أثرا لذلك النسق الأعمّ الذي يربط الأدنى بالأعلى.

إن العالم عند ابن رشد ليس مجزّأً إلى إقليمين متباعدين: عالم إلهيّ لا يمسّ الطبيعة، وطبيعةٌ صماء تعمل وحدها؛ كما أنه ليس عالما تذوب فيه الطبيعة في الإلهي حتى تفقد خصائصها وقوانينها. بل هو بنيةٌ متصلة تتفاوت فيها مراتب الموجودات دون أن تنقطع وتتعالى فيها المبادئ دون أن تنفصل. ولعل هذا هو السر في أن ابن رشد كان حريصا على مقاومة كل تصور يجعل الفعل الإلهي منافسا للفعل الطبيعي؛ لأن المنافسة لا تقع إلا بين علتين من رتبة واحدة، أما إذا كان أحدهما مبدأً أعلى والآخر واسطةً داخلة في نسق التأثير، فإن إثبات الثاني لا ينفي الأول بل يؤكده. وهنا يبلغ النسق الرشدي درجةً من الدقة جعلت بعض الدارسين يعدّونه من أعمق المحاولات في الفكر الوسيط للتوفيق بين سيادة الله وثبات السنن من غير الوقوع في جبرية لاهوتية ولا في استقلال طبيعي. ولأجل هذا كان نقده للمصادفة والاتفاق نقدا يتجاوز الاعتراض العلمي إلى الاعتراض الميتافيزيقي. فهو لا ينكر أن في العالم ما يبدو اتفاقا ولا يرفض أن تقع حوادث لا تكون مقصودةً بالذات من الفاعل الطبيعي، لكنه يرفض أن يُجعل الاتفاق أصلا يُفسَّر به النظام أو أن تُجعل المصادفة بديلا عن العلة. إن الاتفاق عنده لا يكون إلا عرضا على أصل ولا يظهر إلا في مجالٍ تحكمه قاعدة، ولذلك فإن رد انتظام العالم إلى المصادفة يشبه رد القصيدة المحكمة إلى تناثر الحروف أو رد العمارة المتناسقة إلى تهاوي الأحجار على غير قصد. وما أبلغ ما يفهم من الروح الأرسطية هنا، إن ما يقع دائما أو في الأكثر لا يجوز أن يُحمل على الاتفاق لأن الاتفاق لا ينتج دواما ولا يؤسس تكرارا ولا يصنع نسقا.

وقد كان هذا المبدأ حاسما في معركة ابن رشد مع بعض النزعات الكلامية التي وسّعت مجال الإمكان حتى كادت تبتلع به نظام الطبيعة. فالقول إن كل شيء جائز على السواء في كل لحظة وإن النار لا تحرق بطبعها وإن الماء لا يروي بطبيعته وإن الترابط بين الأشياء مجرد تعاقبٍ عادي لا رابطة ضرورية فيه، ينتهي – في نظره – إلى تسويةٍ بين الممكن والممتنع وبين المنتظم والعشوائي وإلى نزع الثقة من الحس والعقل معا. فإذا لم تكن الأشياء تدل على طبائعها ولم تكن الأفعال تصدر عن أسبابها بطل الاستدلال، وصار العالم لغزا غير قابل للفهم. وها هنا تتجلى عبقرية ابن رشد في أنه لم يدافع عن السببية دفاعا تقنيا فحسب، بل جعلها جزءا من كرامة العقل. فالعقل لا يكون عقلا إلا إذا كان العالم معقولا؛ وإذا كان العالم لا يحمل في ذاته قابليةً للربط بين المقدمات والنتائج فإن البرهان كله يتحول إلى وهمٍ لغوي لا أكثر.

ولهذا لم يكن دفاعه عن انتظام العالم منفصلا عن دفاعه عن البرهان بوصفه أرفع مراتب النظر. فالعامة قد يكتفون بظاهر المشاهدة وأهل الجدل قد يكتفون بالاحتمال، أما الفيلسوف البرهاني فلا يطمئن إلا إلى ما يكشف عن الضرورة أو عما يقاربها في حدود الموجود الطبيعي. والطبيعة لا تُعطي نفسها دفعةً واحدة بل تنكشف على قدر ما يُحسن العقل ترتيب النظر فيها. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا كان ابن رشد يلحّ على أن كثيرا من الأخطاء في الإلهيات إنما منشؤها فسادٌ في الطبيعيات؛ لأن من لم يُحسن فهم الحركة والزمان والمكان والعلية والاتصال والانفصال، تعذّر عليه أن يبني تصورا سليما عن المبدأ الأول وعلاقته بالعالم. إن الطبيعة في الأفق الرشدي ليست مرحلةً دنيا تُطوى سريعا للوصول إلى اللاهوت، بل هي المعبر الضروري إليه. وهذا هو المعنى العميق الذي يجعل التفسير الغائي عنده متجاوزا للاستخدام الساذج الذي شاع عند بعض اللاهوتيين المتأخرين. فابن رشد لا يقول إن الأشياء منظمة إذن هناك منظِّم على نحوٍ خطابيّ مباشر، بل يشرع في تحليل البنية الداخلية للموجود الطبيعي، كيف تتحدد المادة بالصورة وكيف تنزع الصورة إلى فعلها وكيف لا يكون الفعل مفهوما إلا بغاية وكيف تتآزر العلل الجزئية ضمن كلٍّ أوسع، ثم كيف يستحيل أن يستمر هذا الترتيب من غير مبدأٍ أعلى يضمن اتساقه. فالبرهان عنده لا يقفز من المظهر إلى النتيجة بل يصعد عبر درجات المعقولية نفسها. ولذلك كانت فلسفته الطبيعية أصلب من كثير من “براهين النظام” السطحية التي اكتفت بإبراز التناسق الخارجي دون تحليل ماهيته. ولئن كان بعض المحدثين قد اتهموا الفكر الغائي بأنه يعوق العلم فإن النظر الدقيق في ابن رشد يكشف عكس ذلك تماما. فالغائية عنده لا تلغي البحث في الأسباب القريبة بل تحفز عليه؛ لأنها تجعل كل موجود قابلا للسؤال عن “لِمَ” لا عن “كيف” فقط. وما من شك أن سؤال “كيف” ضروريّ في وصف العمليات، لكنه يظل ناقصا إذا لم يُرفد بسؤال “لِمَ” الذي يكشف عن الوظيفة والتناسب والبنية والاتجاه. بل إن كثيرا من العلوم الحديثة نفسها وإن تحررت من الصياغات الأرسطية القديمة لم تستغنِ تماما عن لغة الوظيفة والتنظيم والانتظام وإن غيّرت أفقها المفهومي. إن قيمة ابن رشد اليوم لا تكمن في تفاصيل نموذجه الكوسمولوجي بل في دفاعه الجذري عن أن العالم ليس كتلةً من الوقائع وإنما هو نسيج من المعاني الطبيعية.

ولعل من أبهى ما في نسقه أنه يجعل العناية الإلهية متجليةً في انتظام العالم لا في فوضاه. فالعناية ليست عنده سلسلةً من التدخلات الاستثنائية التي تُظهر القدرة عبر تعطيل القوانين بل هي نفسُ القوانين من حيث إنها موضوعةٌ على وجه الحكمة. فأن يكون للنار إحراقٌ وللماء إرواءٌ وللأرض ثقلٌ وللأفلاك نظامٌ وللأحياء طبائعُ تؤدي وظائفها، فذلك أبلغ في الدلالة على العناية من عالمٍ تتبدل فيه الصفات كل لحظة على غير ميزان. ويغدو النظام نفسه رحمةً والاطراد نفسه وجها من وجوه الحكمة والسنن الكونية مظهرا من مظاهر اللطف الإلهي بالعقل البشري؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش ولا أن يعلم ولا أن يتعبد إلا في عالمٍ يمكن الوثوق به. وهنا تلتقي الفلسفة الرشدية على نحوٍ بديع مع حسٍّ قرآنيّ عميق وإن كانت أدواتها برهانية لا وعظية. فالقرآن حين يلفت النظر إلى تعاقب الليل والنهار وإلى إنزال الماء وإلى إحياء الأرض بعد موتها وإلى اختلاف الألسنة والألوان، لا يقدّم مشاهد متناثرة بل يفتح العين على السننية؛ أي على أن الوجود مؤسس على آيات، والآية لا تكون آية إلا إذا كانت دالة، والدلالة لا تستقيم إلا بقدر من الثبات والانتظام. لذلك كان ابن رشد في أصفى لحظاته الفكرية لا يرى تعارضا بين الشرع الصحيح والعقل الصريح، لأن كليهما في المجمل شاهدان على وحدة الحقيقة. الشرع يدعو إلى الاعتبار والاعتبار لا يكون إلا في عالمٍ يمكن أن يُعتبر به.

ولئن كانت الفلسفة الحديثة قد سارت في مسالك أخرى وأعادت تعريف الطبيعة والسببية والقانون والزمان، فإن السؤال الذي أثاره ابن رشد لم يفقد راهنيته، كيف يكون العالم مفهوما؟ وكيف يمكن للعقل أن يثق في نفسه إذا لم يكن الوجود قابلا لأن يُقرأ؟ بل لعل الأزمة الكبرى في كثير من التصورات المعاصرة ليست في التقدم العلمي وإنما في فقدان القدرة على وصل العلم بالحكمة والوقائع بالمعنى والقانون بالغائية. لقد أمكن للحداثة أن تشرح كثيرا من “كيفيات” العالم، لكنها كثيرا ما ترددت في سؤال “لماذا” أو خشيت أن يُتَّهم هذا السؤال بالتجاوز. أما ابن رشد فإنه يذكّرنا بأن الفلسفة لا تُختزل في وصف الآليات وأن الطبيعة إذا لم تُقرأ بوصفها نظاما معقولا تحولت المعرفة نفسها إلى أرشيفٍ ضخم من الوقائع غير الموصولة.

إن قيمة ابن رشد لا تنحصر في كونه شارحا عظيما لأرسطو، كما درجت بعض الأحكام المدرسية المبتسرة، بل في كونه قد أعاد بناء الأرسطية في أفقٍ إسلاميّ أندلسي وجعل من الطبيعة ميدانا للمصالحة الرفيعة بين البرهان والإيمان وبين العلم والحكمة وبين النظام الكوني والعناية الإلهية. لقد كان يرى في عمق مشروعه أن العالم لا يليق به أن يُفهم على أنه صدفةٌ مؤقتة ولا أن يُختزل إلى لحظة انقطاعٍ دائم بين الأشياء وأسبابها، لأن ذلك إهانةٌ للعقل وإضعافٌ للشهادة الكونية. العالم عنده كتابٌ مفتوح، لكنه لا يُقرأ بالعين وحدها؛ بل يحتاج إلى عقلٍ يعرف أن الموجود الطبيعي لا يُستنفد في ظاهره وأن وراء الحركة قانونا ووراء القانون بنيةً ووراء البنية حكمةً.

إن ابن رشد لم ينظر إلى الطبيعة بوصفها مجرد مسرحٍ للحوادث، بل بوصفها نظاما دالا تتكثف فيه معقولية العالم وتُختبر فيه صلاحية العقل وتظهر من خلاله الحكمة الإلهية في صورتها الأرقى. فالتفسير الغائي عنده ليس زخرفا ميتافيزيقيا ولا زيادةً خطابيةً على الفيزياء، بل هو العمود الفقري الذي تنتظم به العلل وتتحدد به مراتب الفهم ويغدو به العالم أكثر من مجموع أجزائه. ومن غير الغاية يتفكك المعنى ومن غير السببية يتعذر العلم ومن غير الانتظام ينهار البرهان ومن غير البرهان يتحول النظر في الوجود إلى مجرد انفعالٍ حسيّ أو جدلٍ لغويّ لا يثمر يقينا.

لقد أدرك ابن رشد أن الدفاع عن الطبيعة هو في حقيقته دفاعٌ عن العقل الإنساني نفسه. فمن يسلب الأشياء طبائعها أو يحوّل الوجود إلى تعاقبٍ مفكك لا روابط فيه لا يهدد علم الطبيعيات فحسب، بل ينسف أيضا إمكان الانتقال من الشاهد إلى الغائب ومن الأثر إلى المؤثر ومن النظام إلى الحكمة. ولهذا كان مشروعه في هذا الباب مشروعا تأسيسيا بالغ العمق، لأن معركته لم تكن معركةً حول مسألة جزئية في تفسير الاحتراق أو الحركة وإنما كانت معركةً حول سؤال الحضارة الأكبر، هل العالم قابلٌ لأن يُفهم؟ وهل الإنسان مخلوقٌ في كونٍ معقول أم في فوضى تتخفّى في ثوب الإرادة؟.

وفي هذا تكمن راهنيته الباهرة. فالعصر الحديث على ما بلغه من فتوحات علمية مدهشة ما يزال مأزوما في علاقته بالمعنى؛ إذ كثيرا ما يملك أدوات التفسير، لكنه يعجز عن بناء رؤيةٍ توحِّد بين التفسير والدلالة. وهنا يعود ابن رشد لا بوصفه أثرا من آثار الماضي، بل بوصفه فكرا حيا يذكّرنا بأن العلم إذا انفصل عن الحكمة ضاق أفقه، وأن الفلسفة إذا هجرت الطبيعة فقدت أحد أهم ميادينها، وأن الإيمان إذا تأسس على تعطيل النظام بدل فهمه غدا هشا أمام أول امتحانٍ للعقل. إن عظمة ابن رشد أنه لم يطلب من الإنسان أن يختار بين العالم والله ولا بين الطبيعة والعناية ولا بين البرهان والشرع، بل علّمه أن يرى في انتظام العالم نفسه أثرا من آثار العناية وفي ثبات السنن مظهرا من مظاهر الحكمة وفي قابلية الطبيعة للفهم شهادةً على أن العقل ليس غريبا في هذا الكون. ولذلك فإن الطبيعة في فلسفته ليست “موضوعا” خارجيا فحسب، بل هي مرآةٌ يرى فيها العقل نسبته إلى الوجود. فإذا كان العالم منتظما أمكن للإنسان أن يسكن إليه معرفيا وأن يقرأه تأمليا وأن يعبُر منه إلى ما وراءه برهانيا. أما إذا كان العالم فوضى متنكرة في هيئة وقائع، فإن كل يقين ينهار وكل اعتبار يضيع وكل حكمة تتبدد. ولعل هذا هو المعنى الأسمى الذي يجعل من فلسفة ابن رشد في الطبيعة درسا دائما، أن الحقيقة لا تُنال بإبطال الوسائط بل بفهمها؛ وأن الله لا يُعرف بنقض النظام بل بإحكامه؛ وأن العالم لا يكون جديرا بالتأمل إلا لأنه مكتوبٌ بلغة العقل.

إن عبارة “الطبيعة بوصفها نظاما معقولا” ليست مجرد وصفٍ لجزءٍ من فلسفة ابن رشد، بل هي مفتاحٌ لقراءة مشروعه كله. ففيها يلتقي أرسطو بالأندلس ويلتقي البرهان بالتأويل وتلتقي الفيزياء بالإلهيات ويستعيد العقل ثقته بنفسه من غير أن يتأله ويستعيد الإيمان عمقه من غير أن يعادي الفكر. وذلك هو الدرس الرشدي الأعظم، أن الوجود ليس خصما للعقل بل ميدانه؛ وأن الطبيعة ليست حجابا عن الحقيقة، بل أحد أصفى مسالكها؛ وأن انتظام العالم في أرقى معانيه ليس مجرد قانون بل حكمةٌ متجسدة في بنية الكائنات.

***

د. حمزة مولخنيف

الضمير، أو الوجدان كما يُوصف بلغة الأدب، هو معيار عقلي لتقويم الأداء الشخصي وتقييم التصرفات وللتمييز بين الخطأ والصواب والحسن والقبح من الأفعال، وما هو حق وما هو باطل، وبشكل أعم هو معيار للتمييز بين الخير والشر، يمنح الإنسان "راحة الضمير" عند التزامه بالحق، أو "تأنيب الضمير" عند الإنحراف عن القيم المثالية او المجتمعية، ويُعدّ ركيزة أساسية للإنسانية.

اولاً- الضمير بين العقل والقلب:

يرتبط الضمير ارتباطاً وثيقاً بالعقل، فهو يُعتبر صوتاً داخلياً أو قاضياً عقلياً وأخلاقياً يُميز بين الصواب والخطأ، وهو يتأثر بالتنشئة، الثقافة، والمبادئ التي يعتنقها العقل.

في حين يميل البعض من منظور ديني وروحي لربط الضمير بالقلب من الناحية العاطفية الوجدانية، باعتباره مركز المشاعر، الأخلاق، والنية.

ومن منظور فلسفي، يُنظر إلى الضمير ككيان غير مادي، لا يمكن تحديد موقعه في القلب أو العقل، فحسب وجهة النظر هذه يعد الضمير قوة أخلاقية ووعي داخلي يمكن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ، ومحاسبة النفس.

ثانياً- الضمير الحي والضمير الميت

يشير مصطلح "الضمير الحي" إلى أن يكون المرء محكوماً بالضمير لفعل ما هو صحيح، وهو احدى سمات الشخصية الخمسة (1) التي يتميز صاحبها بالإجتهاد والأخلاص والكفاءة والتنظيم، والوفاء بالالتزامات.

الضمير الميت، مصطلح رمزي، فالضمير قد يبالغ في التراخي وقد يبالغ في القسوة؛ فالضمير قد يكون سويا أو قد يتعرض للانحراف أو البلادة والخمول أو إلى المبالغة في تقدير الأخطاء.

ووفقاً للمعاني المتقدمة، يكون الضمير هو الدستور الشخصي لكل فرد يمنحه او يمنعه الرضا على تصرفاته.

ثالثا- اقسام الضمير: يمكن النظر للضمير من ثلاث زوايا، كالأتي:

1- الضمير الفردي: وهو "بوصلة أخلاقية" يمتلكها الفرد للتمييز ذاتياً بين الحق والباطل، والخير والشر، ويتخذ قراراته بناءً عليها، بصرف النظر عن مواقف الجماعة أو إجماعها.

2- الضمير الجماعي (ضمير الشعب): هو مصطلح سوسيولوجي ابتكره عالم الاجتماع إميل دوركايم، يشير إلى مجموعة المعتقدات، القيم، والمواقف الأخلاقية المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد ويعمل كقوة توحيد غير مرئية توجّه سلوك الأفراد، وتشكل هويتهم المشتركة، وتتميز بوجود مستقل وقوي يتجاوز وعي الفرد الواحد، فهو يمتثل للمشاعر الوطنية المشتركة كمقاومة الطغيان والإحتلال وورفض الفقر والإستغلال والميل للتعاون الإجتماعي ومساعدة الايتام والمحرومين وذوي الاحتياجات الخاصة ...

وفي المجتمعات التقليدية، يكون الضمير الجمعي واسعاً وقوياً ويحكم تفاصيل حياة الناس، بينما يضعف مع تزايد الفردية في المجتمعات الحديثة.

2-الضمير المهني؛ وهو ما يُبديه الإنسان من استقامة وعناية وحرص ودقة فى قيامه بواجبات مهنته.

3- الضمير الإنساني؛ هو مشاعر فى نُفوس البشرية عامة، تهتدى إلى القيم الخلقية الإنسانية المشتركة بعفوية وتِلقائية، وتقف إلى حانب الضعفاء والفقراء وتبتغي العدالة الإنسانية.

رابعاً- الضمير والواجب:

(مدى اثر وجود الضمير او انعدامه في المؤسسات العامة والخاصة)

يرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب،

والضمير في الخدمة العامة يمثل الرقيب الداخلي والوازع الأخلاقي والمهني الذي يوجه الموظف للقيام بواجبه بأمانة ونزاهة، ومكافحة الفساد بعيداً عن المصالح الشخصية، ودون حاجة الى رقابة خارجية مستمرة، ويُعد أساساً لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

ماهي مظاهر انعدام الضمير المهني؟

لاشك ان أهم مظاهر انعدام الضمير هنا تتلخص بالفساد السياسي والمالي والإداري؛ ويتطابق انعدام الضمير هنا مع مفهوم خيانة الأمانة الملقاة على عاتق الموظف الذي وجد في منصبه أصلاً لخدمة الناس وتيسير اعمالهم ومعاملاتهم ويتقاضى راتبه من اموالهم العامة فإذا به يبتزهم ويحاول اذلالهم تحقيقاً لمأرب شخصية تعبر عن نفسية وضيعة منعدمة الضمير تغذي نفسها ومتعلقاتها بالمال الحرام متشبثة بحجج واعذار واهية شتى.

ماهي آثار غياب الضمير في الخدمة العامة؟

1- انتشار الفساد الإداري والمالي

2- ضعف الإنتاجية وتدني جودة الخدمات.

3- فقدان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

4- ظلم الأفراد وضياع الحقوق.

الضمير في الفلسفة والأدب:

احتل الضمير مكاناً مميزاً في الفسلفة والأدب والشعر، نختار في هذا المقام نبذة عنها؛

خامساً - الضمير والقانون:

اذا رجعنا الى المصادر البعيدة للقوانين والشرائع السماوية والأرضية وجميع القيم الخلقية والآداب العامة لدى مختلف الشعوب سنجد ولا شك ان صوت الضمير واضحاً ومسموعاً بقوة بين ثناياها.

وهكذا قيل ان الضمير الانساني، لولا تعارض المصالح والأنانية،لتمكن من التمييز بوضوح بين الخير والشر دون حاجة الى دراسة القانون أو الحاجة الى قاضي يقضي بالتمييز بينهما.

ذلك ان الضمير ينفر بطبيعته من الظلم والجريمة والأمور غير المنطقية وغير المعقولة.

فهل نحن بحاجة الى دراسة القانون لنعرف ان جريمة القتل جريمة بشعة تنال من الحق في الحياة، وكذلك الحال بالنسبة للسرقة والاحتيال والرشوة ...

ومما يدلل على ذلك ما يعرف في الفقه الإسلامي بحديث وابصة ابن معبد الذي سأل الرسول (صلى الله عليه وآله) عن البر والإثم فقال له: "يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون".

ولاشك ان تنمية الضمير وتهذيبه لدى الفرد والمجتمع تعطي نتائج قد لاتدركها القوانين والانظمة والتشريعات ومايلحقها من جزاء بدني ومادي وإنضباطي عند مخالفتها علانية أو خفية، ولكن للضرورات الواقعية والإجتماعية إذا خيرنا بين الضمير والقانون، فإن الأفضلية تكون للقانون.

واذا تمت الموائمة بين القانون والضمير الفردي والإجتماعي فأننا في الواقع سنُحي أمة عظيمة، وهذه الموائمة لا تكون إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي وتشريعات عادلة تضعها نخبة إحتماعية مخلصة لشعبها لا لمصالحها الأنانية يطبقها قضاء يحترم هيبته وحقوق مجتمعه ويكافح الظلم اينما وجد.

سادساً - الضمير من وجهة نظر الفلسفة

ينظر للضمير هنا على انه جهاز مراقبة ومحاسبة، يثير مشاعر الرضا عند فعل الخير، والتبكيت والألم عند الخطأ.

وترى المدرسة الحدسية للضمير، وهي اتجاه فلسفي يعتبر الضمير قوة فطرية، داخلية، ومباشرة تميز بين الخير والشر دون الحاجة لتجربة سابقة أو استدلال عقلي.

اما المدرسة الطبيعية (المادية): فترجع أحكام الضمير إلى الخبرة والتجربة السابقة، والنتائج المترتبة على الأفعال، فالضمير حسب وجهة النظر هذه يعكس بيئة الجماعة وتلتقي فيه تعاليمها، فالإنسان ابن عصره ووليد بيئته، فالفرد يتلقّى توجيهات المجتمع ويستجيب لها راضياً أو كارهاً.

1- الضمير عند جان جاك روسو؛

الضمير عند جان جاك روسو هو "قاضياً عادلاً" لا يُخدع ويمثل صوت الطبيعة الهادئ الذي يعاكس أهواء البشر ويقاوم فساد المجتمع، يتقدم على العقل وهو ما يصنع إنسانية الإنسان ، بل انه منبع الأخلاق الحقيقية بعيداً عن زيف المجتمع. . “إن كلّ ما أحسّه خيراً فهو خير. وكلّ ما أحسّه شرَّاً فهو شرّ، وخير الفقهاء إطلاقاً حسب روسو هو الضمير.

2- الضمير عند إيمانويل كانت؛

أسس الفيلسوف الألماني كانت فلسفته في الأخلاق والضمير على ثلاثة أسس كبرى هي: وجود الخالق، وخلود الروح والحرية، واعتبر أنه لا يمكن للإنسان أن يؤسِّس للواجب الأخلاقي من دونها، لأن الواجب الذي يدفع الإنسان أخلاقياً يسمى بالقانون الأخلاقي الذي يسكن الضمير فعلاً، وهذا القانون ليس فطرياً في الضمير وإنما هو نتاج العقل العملي الذي شرّعه.

سابعاً- الضمير عند سيگموند فرويد هو جزء من الجهاز النفسي يُعرف بـ "الأنا العليا" ويتشكل من خلال استبطان قيم الوالدين والمجتمع والمعايير الأخلاقية، ليعمل كحكم داخلي يراقب الأنا ويُصدر مشاعر الذنب أو الخزي عند مخالفة القواعد، سعيًا نحو الكمال المثالي.

ويحاول كبح جماح دوافع "الهو" (الغرائز) العدوانية والجنسية، ويحث "الأنا" على تبني معايير واقعية ومثالية بدلًا من مجرد السعي وراء اللذة.

وهذا الضمير هو قوة نفسية عميقة تمارس فعل الكبت، فتوجه السلوك الإنساني توجهاً إنسانياً بإضعاف الطابع الحيواني فيه.

ثامناً- الضمير والأدب:

“يتساءل غائب طعمة فرمان في رواية خمسة أصوات قائلاً: (عجيب هذا الضمير الانساني مع انه يعيش في داخل الانسان الا انه لا يخضع لنظام جسمه ولا لقوته وضعفه، احيانا يمرض بأمراض فتاكة بينما يظل في عافية الثيران جسمياً، وأحيانا يتحجر كالغرانيت في جسم ما يزال يحتفظ في الظاهر بطراوة الدم واللحم واحيناً يغط في نوم عميق ...)

كثير من الروايات العالمية جعلت الضمير الإنساني يتتبع الشخصية ويوقظها، الذي بدوره يوقظ القارئ:

1- ضمير فيودور دوستويفسكي؛

تُعد رواية الأخوة كارامازوف ورواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي درساً مهماً في مبادئ الضمير الإنساني

بالنسبة ل “الأخوةكارامازوف” :يعد الضمير في هذه الرواية المحرك الأساسي للأحداث، حيث يمثل الصراع الداخلي بين الخير والشر، والإيمان والإلحاد، حيث يجسد دوستويفسكي الضمير عبر شخصيات تتقلب بين النبل والبهيمية، مؤكداً أن "كل شيء مسموح" في غياب الله، وأن المسؤولية الأخلاقية جماعية، وأن الضمير الحي يظهر عبر الحب، والتعاطف، والندم

ويركز دوستويفسكي على أن الإنسان ليس مسؤولاً عن أفعاله فقط، بل وعن أفعال الآخرين أيضاً، مما يثقل ضمير الشخصيات (مثل إيفان) بالذنب.

يمثل إيفان "العقل" الذي يشك في الأخلاق، بينما يمثل أليوشا "القلب" الذي يتبنى المحبة، وتتذبذب الشخصيات الأخرى بينهما

يجسد ديمتري (ميتيا) نموذج الضمير الذي يمر عبر الألم والمعاناة للوصول إلى التطهير والندم على أخطائه، خاصة علاقته بوالده وكاثرين، حيث يسمح إيفان لنفسه بحجة إغواء الشيطان بأن يقول ما يفكر فيه، حيث يحدث أليوشا عنه: “لقد سخر مني وذلك ببراعة، ببراعة شديدة قائلاً: الضمير! ما الضمير؟إنني اختلقه بنفسي، فلِمَ أعاني إذاً؟ بحكم العادة، بحكم العادة الإنسانية على مدار سبعة آلاف سنة. دعنا إذاً نتخلص من العادة، وسوف نصبح آلهة؛ لقد قال ذلك، لقد قال ذلك.

يشدد العمل على أن الضمير يُقتل عندما يكذب الإنسان على نفسه، وينحدر في الرذيلة.

وكذلك تُعد روايته "الجريمة والعقاب" دراسة نفسية وأخلاقية عميقة، تُقدم الضمير كقوة قاهرة لا مفر منها، حيث يُعذب بطلها "راسكولنيكوف" داخلياً بعد جريمة قتل، متجاوزاً العقاب القانوني إلى العقاب الذاتي. تُظهِر الرواية الصراع بين الأفكار العدمية والندم، مؤكدة أن الخلاص يأتي عبر التوبة والاعتراف.

2- ضمير البير كامو

يرى البير كامو أن الضمير هو وعي داخلي حي بعبثية الوجود، يرفض الاستسلام لليأس أو الأيديولوجيات التي تبرر القتل، وينتصر للإنسان وقيمه التضامنية. إنه ضمير متمرد يواجه صمت العالم بالاحتجاج، ويسعى للعدالة بوعي، رابطًا الفن والتمرد الأخلاقي بالحرية والكرامة الإنسانية، هذا الضمير لا يقود لليأس بل للتمرد، وهو احتجاج دائم ضد الموت والظلم.

رفض كامو التبريرات السياسية للقتل والإرهاب، معتبرًا أن الضمير الحق يضع الإنسان وقيمته قبل أي أيديولوجيا،

ويرى كامو أن العمل الفني هو شكل من أشكال الاعتراف والوعي، فهو لا يمنع الخطيئة دائمًا، لكنه يمنع المرء من الاستمتاع بها، ليظل الضمير يقظًا.

أظهر كامو ضميرًا إنسانيًا حيًا في دفاعه عن حقوق الإنسان، ورفضه لعقوبة الإعدام، واستقالته احتجاجًا على مواقف سياسية تخالف مبادئه.

ألبير كامو في روايته “السقطة”، التي تدور أحداثها في أمستردام وتعتمد على حوار نفسي حميم على لسان شخصية قاضٍ تائب، يروي للقارئ سيرة حياته بين مدينتي، باريس وأمستردام، مبيناً كيف يشعر بالمتعة والرضا عندما يقدّم نصائحه الودية للغرباء في الطرقات، ويهب الصدقات للفقراء، ويترك مقعده للآخرين في الحافلة، ويمد يده للمكفوفين كي يعبروا الشارع، هذا الرجل النبيل الذي نذر حياته لأجل الآخرين، ولكن ما آلمه وآرقه هو كيف انه تجاهل امرأة ترتدي ملابس سوداء، وتنحني على حافة الجسر، ومضى في طريقه بعدما تردَّد لوهلة، ولم يكد يخطو بضع خطوات حتى ضج صوت عنيف في الماء، حيث المرأة قفزت منتحرة، التفت وأراد أن يجري هارباً، لكن قدميه خذلتاه، فتوقف ينصت لصراخ غريقة، ثم مضى يمشي تحت المطر ببطء.

يعلق أحد النقاد على ذلك بالقول؛ (.... وبالطبع لم يخبر أحداً بذلك، لكنه أخبرنا نحن القرّاء بذلك، وصرنا نلاحقه على مدى عقود بجرمه هذا، تماماً كما يلاحقه ويؤنبه ضميره حتى يومنا هذا).

3- فرجينيا وولف

تُعد فرجينيا وولف سيدة الضمير الإنساني العميق"، حيث عكست أعمالها صراعًا داخليًا ونضالًا نسويًا ضد النظام الأبوي، معتمدةً على "تيار الوعي" لتجسيد الوجود الإنساني. تميزت برهافة حسٍّ شديدة وقلق إنساني تجاه الحروب، مما جعلها أيقونة للسلام والمساواة، رغم معاناتها النفسية التي قادتها للانتحار.

عكست مقالاتها -خاصة أثناء الحرب العالمية الثانية- صوتاً سلمياً ضد الهمجية، حيث رأت في الحرب تدميراً للروح والإبداع.

وارتادت آفاق الرواية الحديثة من خلال التركيز على "لحظات الوجود" الاستثنائية، وتصوير انسياب الأفكار والمشاعر داخل الشخصيات بدلاً من السرد التقليدي.

4- فيكتور هوگو

يقول احد النقاد ان فيكتور هوگو، في “أحدب نوتردام” يشد الضمير من ياقته، وينتصر دوماً للضعفاء والمحرومين والمقهورين.

وهو نفسه الذي جعل مسيو مادلين في “البؤساء” يتبع ضميره، ليسلّم نفسه للشرطة بصفته جان فالجان، السارق القديم، كي ينقذ رجلاً بريئاً متهماً.

تركز رواية البؤساء على شخصية السجين السابق جان فالجان ، ومعاناته بعد خروجه من السجن، حيث تدور أحداث الروايةحول الظلم المُجتمعي الذي تعرض له جان فالجان والذي حُبِسَ ظلمًا لمدة 19 عام لسرقته رغيفًا من الخبز. كما تعرض الرواية طبيعة الخير والشر والقانون فى قصة أخاذة تظهر فيها معالم باريس، الأخلاق، الفلسفة، القانون، العدالة، الدين وطبيعة الرومانسية والحب العائلى.

5- الضمير عند نجيب محفوظ

يُعد الضمير في أدب نجيب محفوظ محركاً أخلاقياً داخلياً، ومحور الصراع بين الخير والشر في النفس البشرية.

يبرز الضمير كقاضٍ نهائي (تأنيب الضمير) حينما تنحرف شخوص الرواية عن المبادئ يقول محفوظ: "من لا يؤدبه الضمير، تؤدبه الحياة حين تدور، مما يعني أن غياب الرادع الداخلي يؤدي إلى قصاص حتمي من القدر أو الواقع، ويتركز في أعماله على صدق المشاعر والمسؤولية الفردية، معتبراً أن راحة الضمير هي المعيار الحقيقي ولو عبرت فوق آراء الناس.

وقي قصتة "أيوب" ركز محفوظ على تحول الألم إلى قوة، والصراع بين الذاتية والموضوعية، مع نهاية مفتوحة.

تطرح القصة معضلة الأخلاق والضمير، ومفهوم الصبر والتطهر عبر الألم، وينتقد محفوظ من خلال القصة -بالتلميح والتصريح- سياسات الانفتاح الاقتصادي، والتحول نحو الرأسمالية الحرة، مما يشير إلى المكاسب الفردية على حساب المجموع

6- ضميرعلي الوردي

يقول علي الوردي في وعاظ السلاطين؛

الضمير لايردع الإنسان في عمل ضد عدوه؛ فهو يعتدي عليه ويسفك دمه وينتهك حرمته وينهب أمواله وهو مرتاح الضمير كأنه لم يفعل شيئاً.

ويثير الوردي مسألة ضمير الأمة بالقول (غريب أمر هذه الأمة فالفرد فيها مزدوج الشخصية، والمجتمع منشق الضمير).

وعن تكوين الضمير يقول الوردي في مؤلفه القيم(لمحات أجتماعية من تاريخ العراق الحديث) ج2؛

("أن (الضمير) في الواقع أمر نسبي وهو نتاج القيم الأجتماعية التي ينشأ عليها الأنسان أو يؤمن بها بعدئذ. ولهذا رأينا الكثير من الأخيار والزهاد والصالحين يرتكبون أفدح الجرائم تجاه من يخالفهم في العقيدة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا").

***

فارس حامد عبد الكريم - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

بغداد – العراق / 2026

...............................

(1) نظرية العوامل الخمسة الكبرى للشخصية هي نموذج علمي نفسي لتصنيف الشخصية البشرية إلى خمس سمات رئيسية ثابتة، تُعرف اختصاراً بـ (OCEAN):

1- الانفتاح على التجربة: يقيس مدى انفتاح الفرد للإبداع والتجديد، والخيال أو انه تقليدي، عملي، ويفضل الروتين.

2- الضمير الحي (يقضة الضمير)

3- الانبساط يقيس مدى الانفتاح الاجتماعي للفرد وهل هو مليء بالطاقة يتميز بالمرح او انه انطوائي متحفظ.

4- الوداعة او المقبولية: تعكس مدى التعاون، التعاطف، والانسجام مع الآخرين.

5- العصابية: تقيس مدى الاستقرار العاطفي، او الميل للشعور بالقلق، التوتر، والانفعالات السلبية.

قراءة في الأسس العقلية للتشريع في الفكر الأندلسي

إنّ النظر في فلسفة القانون عند ابن رشد لا يندرج ضمن ضروب الاستعادة التراثية التي تُمارَس بدافع الإعجاب التاريخي أو الحنين الثقافي بقدر ما يندرج ضمن مساءلةٍ معرفيةٍ دقيقةٍ لواحدٍ من أكثر المواضع حساسيةً في بنية الفكر الإسلامي الوسيط، الموضع الذي يلتقي فيه النصّ بالعقل والشرع بالبرهان والفقه بالحكمة والتشريع بسؤال العدل في معناه العميق. ذلك أنّ ابن رشد لا ينهض في هذا المقام بوصفه شارحا للفلسفة اليونانية فحسب، ولا بوصفه فقيها مالكيا منخرطا في صناعة الخلاف على نحوٍ مذهبيٍّ محدود، بل بوصفه عقلا مركّبا استطاع أن يُعيد ترتيب العلاقة بين القانون والحقيقة وبين الحكم وعلّته وبين ظاهر النصّ ومقاصده، على نحوٍ يجعل من التشريع نفسه مجالا للفهم الفلسفي، لا مجرد موضوعٍ للامتثال أو الحفظ أو النقل.

ولئن درج كثيرٌ من الدارسين على مقاربة ابن رشد من خلال ثنائية التوفيق بين الحكمة والشريعة، فإنّ هذه المقاربة – على أهميتها – تظلّ قاصرةً عن استيعاب العمق الحقيقي لمشروعه، ما لم تُرَدّ إلى حقلٍ أشدّ التصاقا بصلب التجربة الرشدية، وهو الحقل الذي يتبدّى فيه التشريع لا باعتباره جملةً من الأحكام المتفرقة، بل باعتباره نسقا عقلانيا منضبطا، تتحرك داخله النصوص والعلل وتتفاعل فيه الدلالات والمقاصد وتتشكل فيه سلطة الحكم من خلال شبكةٍ دقيقةٍ من الاستدلال، لا من خلال ظاهر اللفظ وحده. ومن هنا فإنّ السؤال عن فلسفة القانون عند ابن رشد ليس سؤالا عن حضور القانون في كتاباته عرضا ولا عن موقفه من بعض مسائل الفقه من جهة الانتماء المذهبي، بل هو سؤالٌ عن الأسس العقلية التي يقوم عليها التشريع في تصوره، وعن الكيفية التي يتحول بها الفقه – في أرقى صوره – من علمٍ بالأحكام إلى علمٍ بمبادئ إنتاجها، ومن حفظٍ للفروع إلى فهمٍ لنظامها الداخلي.

وإذا كان الفكر القانوني الحديث قد انشغل في وجوهه الكبرى بأسئلة المصدر والشرعية والتأويل والسلطة والعلاقة بين القاعدة والواقع، فإنّ قراءة ابن رشد تكشف أنّ التراث الأندلسي قد أنجب في لحظةٍ نادرةٍ من نضجه، عقلا قانونيا لا يقلّ عمقا في إدراك هذه الإشكالات، وإن صاغها ضمن أفقٍ مغايرٍ ومفاهيمَ مغايرة. فابن رشد لا يتعامل مع الخلاف الفقهي بوصفه عرضا عارضا في تاريخ المذاهب، بل بوصفه أثرا بنيويا لاختلاف المدارك وطرائق الاستدلال؛ ولا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه ترفا علميا، بل بوصفه الشرط الذي به تظلّ الشريعة حيّةً وقادرةً على النفاذ إلى الوقائع المتجددة؛ ولا يفهم النصّ الشرعيّ بوصفه سطحا لغويا مكتفيا بذاته، بل بوصفه خطابا تتفاوت مراتبه وتختلف وجوه تلقيه وتحتاج دلالاته إلى عقلٍ يميّز بين المنطوق والمعقول وبين الظاهر والمآل وبين اللفظ وحكمته التشريعية.

من هذه الزاوية تحديدا تتأسس أهمية إعادة قراءة ابن رشد في أفق فلسفة القانون، لا بوصفه موضوعا للتمجيد، بل بوصفه نموذجا معرفيا يكشف عن إمكانٍ بالغ الندرة في تاريخنا الفكري، هو إمكان بناء عقلانيةٍ تشريعيةٍ لا تُخاصم الوحي ولا تستقيل أمامه ولا تُفرّغ الفقه من سلطته ولا تُحوّله إلى أرشيفٍ للموروث، بل تجعل من النصّ أصلا ومن العقل آلةً ومن المقصد أفقا ومن العدل غايةً ومن الاجتهاد سبيلا إلى وصل الكلّيّ بالجزئيّ والثابت بالمتغيّر والشرع بالعمران. وعلى هذا الأساس فإنّ هذه المقالة لا تروم الوقوف عند ابن رشد باعتباره اسما كبيرا في سجلّ الفلاسفة المسلمين، بل تروم مساءلة بنيته النظرية في فهم التشريع والكشف عن الكيفية التي تتخلّق بها عنده فلسفةٌ ضمنيةٌ للقانون، قوامها ردّ الأحكام إلى عللها وردّ الاختلاف إلى أصوله وردّ النصوص إلى انتظامها العقليّ، بما يجعل من الفكر الأندلسيّ في شخص ابن رشد، أحدَ أرفع اللحظات التي بلغ فيها الوعي القانوني الإسلامي درجةً عاليةً من النضج البرهانيّ والتماسك المنهجيّ.

وليس من المبالغة في شيء أن يُقال إنّ الحديث عن ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليس حديثا عن فقيهٍ مارس الاجتهاد في إطار مدرسةٍ مذهبيةٍ فحسب، ولا عن فيلسوفٍ حاول التوفيق بين الحكمة والشريعة على نحوٍ دفاعيٍّ محض، بل هو حديثٌ عن عقلٍ أندلسيٍّ بلغ من النضج المنهجي مبلغا جعله يقف عند نقطةٍ دقيقةٍ وحاسمةٍ في تاريخ الفكر الإسلامي، النقطة التي يتحوّل فيها الفقه من مجرد استيعابٍ للأحكام إلى وعيٍ ببنية الحكم، ويتحوّل فيها التشريع من حفظٍ للفروع إلى إدراكٍ لمبادئ إنتاجها، ويغدو فيها الخلاف الفقهي لا علامةَ اضطرابٍ في النص، بل أثرا مشروعا لتعدّد طرائق النظر في علل النصوص ومقاصدها ومجالات تنزيلها. إنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا ينبغي أن تُلتمس فقط في نصوصه الفلسفية الصريحة من قبيل فصل المقال ولا فقط في ردوده الكلامية الجدلية في تهافت التهافت، وإنما ينبغي أن تُستخرج كذلك – وربما أساسا – من بنيته الفقهية العميقة كما تتجلّى في بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ذلك الكتاب الذي لا يقدّم فقها مقارنا بالمعنى المدرسي المتأخر فحسب، بل يقدّم في الحقيقة ما يمكن أن نسمّيه، نظريةً عقليةً في فهم التشريع أو ميتافيزيقا خفيّةً للاجتهاد، أو هندسةً إبستمولوجيةً للاختلاف القانوني.

ولعلّ ما يجعل ابن رشد في هذا الباب متفرّدا أنّه لم يتعامل مع القانون الشرعي بوصفه جملةً من الأوامر والنواهي الملقاة على الذمة في صورةٍ نهائيةٍ مغلقة، بل نظر إليه بوصفه نظاما معرفيا مركّبا تتداخل فيه النصوص والعلل والقياسات والمصالح والأعراف ومراتب الخطاب وتفاوت المدارك الإنسانية. ومن هنا كان التشريع عنده فعلاً عقلانيا منضبطا، لا لأنّ العقل يعلو على النصّ من حيث الأصل، بل لأنّ النصّ نفسه لا يستغني عن العقل في الفهم ولا يستقيم تنزيله إلا به ولا يُحسن حمله على مقاصده إلا من خلاله. وهذه الفكرة على بداهتها في ظاهرها، كانت في عمقها انقلابا على صورتين معا، صورة الفقيه الذي يغرق في الجزئيات حتى يضيع منه الكلي، وصورة المتكلم الذي يتوه في الجدل حتى يغيب عنه نظام الواقع، وصورة الفيلسوف – إن وُجد – الذي يظلّ أسير الكليات المجرّدة دون أن يلامس حرارة الوقائع وأعباء الأحكام.

إنّ ابن رشد ليس مجرد شارحٍ لأرسطو كما درجت بعض الاختزالات الاستشراقية أو التبسيطات المدرسية على تصويره، بل هو – في الحقل القانوني خصوصا – باني نسقٍ تأويليٍّ واجتهاديٍّ يردّ الفروع إلى أصولها ويُرجع الاختلاف إلى علله ويستبدل بعرض الأقوال المتراكمة منطقا كاشفا عن أسبابها. وقد لاحظت دراسات معاصرة أنّ خصوصية بداية المجتهد لا تكمن في كثرة الأقوال التي يجمعها، بل في كونه يعمد إلى تفسير أسباب اختلاف الفقهاء وردّها إلى قواعدها الكلية حتى يغدو المجتهد قادرا على مواجهة النوازل المستجدّة انطلاقا من فهم الآليات المنتجة للحكم لا من مجرد حفظ ما قيل في نظائرها . وهذا بالذات هو المدخل الصحيح إلى فلسفة القانون عنده، ليس القانون عند ابن رشد مجموعةَ نتائج، بل هو مسارُ إنتاجٍ عقلانيٍّ للنتائج.

إنّ أول ما ينبغي تقريره هو أنّ السؤال القانوني عند ابن رشد ليس سؤالا فقهيا ضيقا، بل هو سؤالٌ إبستمولوجيٌّ في المقام الأول. إنّه لا يسأل: ما الحكم؟ إلا ليعقبه بسؤالٍ أعمق: لماذا اختلفوا في الحكم؟ وما منشأ الاختلاف؟ وهل هو ناشئٌ عن تفاوتٍ في ثبوت الدليل أم عن اختلافٍ في فهم الدلالة أم عن تعارضٍ بين ظاهرٍ ومعنى أم عن تباينٍ في اعتبار القياس أم عن اختلافٍ في تحقيق المناط أم عن تردّدٍ بين أصلين؟ وهذا التحويل للسؤال من النتيجة إلى الآلية هو جوهر العقل القانوني الحديث قبل أن يكون جوهر العقل الفقهي الكلاسيكي. فإذا كانت فلسفة القانون المعاصرة قد جعلت من سؤال “مصدر الإلزام” و“بنية التأويل” و“علاقة القاعدة بالواقعة” أسئلةً مركزيةً، فإنّ ابن رشد كان قد مارس هذه الأسئلة – وإن بلغة عصره ومفاهيمه – ممارسةً عميقةً في قلب التراث الفقهي ذاته.

وليس عبثا أن يُفتتح النظر في ابن رشد من خلال استحضار خلفيته المركّبة: فهو قاضٍ وفقيهٌ مالكي وأصوليّ وطبيب وفيلسوف ومفسّرٌ لأرسطو ومشتغلٌ بالكلام والمنطق والطبائع. وهذه التعددية المعرفية لم تكن زخرفا ثقافيا، بل هي التي مكّنته من تجاوز الأحادية المنهجية. لقد كان يعرف – بوصفه فقيها – أنّ الحكم لا يستخرج من النصّ بآلةٍ واحدة، وكان يعرف – بوصفه منطقيا – أنّ الاستدلال درجات وأنّ البرهان غير الجدل وأنّ الإقناع غير اليقين، وكان يعرف – بوصفه قاضيا – أنّ الوقائع لا تُشبه القوالب دائما وأنّ العدالة لا تتحقق بآليةٍ صمّاء، وكان يعرف – بوصفه فيلسوفا – أنّ الوجود نفسه منتظمٌ على عللٍ وروابط، وأنّ إنكار السببية يفضي إلى انهيار إمكان العلم. لذلك لم يكن غريبا أن يتشكّل لديه تصورٌ للتشريع يقوم على أنّ القانون ليس قهرا للنصوص على الوقائع ولا إخضاعا للوقائع لأوهام الفقهاء، بل هو بحثٌ عن المعقول في المنقول وعن النظام في الاختلاف وعن المناسبة بين الكليّ الشرعيّ والجزئيّ الواقعيّ.

وإذا كان هانس كلسن قد أراد في العصر الحديث أن يؤسس “نظرية خالصة للقانون” تفصل القانون عن الأخلاق والدين والسياسة من أجل صرامةٍ معيارية، وإذا كان هربرت هارت قد أعاد تعريف القانون من خلال “قاعدة الاعتراف” وبنية النظام القاعدي، وإذا كان رونالد دوركين قد تمسّك بأنّ القانون لا يُفهم فقط من خلال القواعد بل من خلال المبادئ أيضا؛ فإنّ ابن رشد – ضمن أفقٍ حضاريٍّ مختلف – يقدّم لنا إمكانا آخر: قانونٌ شرعيٌّ لا ينفصل عن الأخلاق، لكنه لا يذوب فيها؛ يستند إلى النصّ لكنه لا يكتفي بظاهره؛ يعترف بالسلطة المعيارية للوحي، لكنه يجعل العقل آلةَ الكشف عن انتظامها ومجالاتها ومقاصدها. ولعلّ عبارة أرسطو في الأخلاق إلى نيقوماخوس ما تزال هنا ذات دلالة: “العدل هو الفضيلة الكاملة ولكن لا إطلاقها بل في علاقتنا بالغير.” فالقانون عند ابن رشد ليس مجرد حدٍّ للواجب، بل هو ترتيبٌ للعلاقات الإنسانية على مقتضى العدل الممكن، والعدل هنا لا يُنال إلا بفهم الغايات والعلل والمراتب.

إنّ المدخل الرشدي إلى التشريع يقوم في جوهره على رفض صورتين متقابلتين من الانحراف: صورة الحرفية الجامدة وصورة العقلانية المنفلتة. فالحرفية الجامدة تُحوّل النصّ إلى سطحٍ لفظيٍّ يُستنفد في ظاهره وتتعامل مع الشريعة كأنّها مخزنُ جزئياتٍ لا نظامَ لها إلا التكرار؛ والعقلانية المنفلتة تُغري صاحبها بتجاوز بنية الخطاب الشرعيّ نفسه، فتجعله يؤسّس الحكم من خارج اللغة التشريعية ومن خارج مقاصدها التداولية. أمّا ابن رشد فإنه يشتغل في المنطقة الوسطى الصعبة، لا يتخلّى عن النص ولا يسلّم له تسليما آليا؛ لا يقدّس المذهب ولا يهدمه هدما اعتباطيا؛ لا ينكر الاختلاف ولا يحتفل به لذاته؛ بل يسعى إلى عقلنة الاختلاف وضبطه وتحويله من فوضى أقوال إلى خريطة أصول.

ومن هنا كانت القيمة الفلسفية الكبرى لكتاب بداية المجتهد. فهذا الكتاب في حقيقته ليس مجرد مدونةٍ في الفقه المقارن، بل هو تدريبٌ منهجيٌّ على النظر القانوني. إنّه يعلّم القارئ كيف ينتقل من الحكم إلى علّته، ومن العلّة إلى أصلها ومن الأصل إلى شبكة العلاقات التي تفسّر ظهور الخلاف. وفي هذا المعنى يقترب ابن رشد من ذلك الذي قاله مونتسكيو بعد قرون في روح القوانين: “القوانين في أوسع معانيها هي العلاقات الضرورية الناشئة عن طبيعة الأشياء.” والحق أنّ ابن رشد – وإن لم يقلها بهذا اللفظ – فهو يمارسها بالفعل، فالأحكام عنده لا تُفهم بوصفها معزولةً عن طبيعة موضوعاتها ولا عن عللها ولا عن أسباب اختلاف النظار فيها. إنّه يبحث عن “روح الحكم” قبل أن يكتفي بلفظه، وعن “بنية الخلاف” قبل أن يحفظ أطرافه.

وليس خافيا أنّ هذا المسلك يقتضي إيمانا عميقا بمشروعية العلّية في المجالين معا، مجال الطبيعة ومجال التشريع. ولئن اشتهر ابن رشد في تهافت التهافت بدفاعه عن السببية الطبيعية ورده على النزعات التي تؤدي إلى تقويض انتظام العالم، فإنّ هذا الدفاع ليس منفصلا عن منطقه القانوني. فمن ينكر العلل في الكون يصعب عليه أن يؤسس علما، ومن يضعف اعتبار العلل في الأحكام يصعب عليه أن يؤسس اجتهادا. ذلك أنّ الفقه الذي يكتفي بالمنطوق دون المعقول يشبه في بعض وجوهه فلسفةً تنكر أنّ النار تحرق بطبعها. وكما رأى ابن رشد أنّ نفي الأسباب يفضي إلى السفسطة في معرفة العالم، يمكن أن يُقال في روحه إنّ نفي المعاني الجامعة والعلل المؤثرة في الفقه يفضي إلى نوعٍ من السفسطة العملية في معرفة الحكم. فالقانون لكي يكون معقولا لا بد أن يقوم على روابط قابلة للفهم وعلى انتقالات استدلالية لا تكون اعتباطية.

وهنا نفهم لماذا لم يكن ابن رشد ينظر إلى الخلاف الفقهي على أنّه عيبٌ في الشريعة، بل على أنّه أثرٌ طبيعيٌّ لاختلاف المدارك والأدلة وطرائق الاستدلال. وهذه الفكرة إذا أُحسن فهمها، ستُعدّ من أكثر أفكاره القانونية حداثةً وعمقا. فالاختلاف عنده ليس فوضى بل بنية. وليس انقساما عبثيا، بل نتيجةً لاختلافٍ في أصول النظر. وقد نبهت الدراسات الحديثة إلى أنّ مشروعه في بداية المجتهد يقوم تحديدا على ردّ هذا الاختلاف إلى أسبابه المنهجية، بحيث يصير الفقه علما بآليات الترجيح والتخريج، لا مجرد سجلٍّ للخلافات الموروثة . ويلتقي ابن رشد هنا – من حيث لا تاريخيا بل منهجيا – مع ذلك التمييز الذي سيصنعه لاحقا ماكس فيبر بين العقلانية الصورية والعقلانية المادية، فابن رشد لا يريد للفقه أن يكون شكلا خالصا بلا مقاصد ولا مادةً أخلاقيةً بلا نظام، بل عقلانيةً مركّبةً يتداخل فيها البناء الشكلي للاستدلال مع الحسّ المقصديّ للعدالة.

وإذا كان من الضروري التنبيه إلى شيءٍ هنا، فهو أنّ “فلسفة القانون” عند ابن رشد لا تعني أنّه كتب نظريةً مستقلةً في القانون على الطريقة الحديثة كما فعلت الفلسفات القانونية الأوروبية منذ العصر الحديث، بل تعني أنّ نصوصه – وخاصةً الفقهية والأصولية والفلسفية المتصلة بالشريعة – تشتمل على تصوّرٍ ضمنيٍّ متماسك لطبيعة التشريع ومصادره ومراتب خطابه وحدود التأويل فيه ووظيفة العقل في فهمه وشروط المجتهد الذي يمارسه. وهذه العناصر إذا اجتمعت تكوّن ما يجوز تسميته بحقّ: فلسفةً للقانون حتى وإن لم تُسمَّ بهذا الاسم.

إنّ من أبرز ما يكشف عنه هذا التصور الرشدي ما قرّره في فصل المقال من أنّ النظر البرهاني ليس أمرا أجنبيا عن الشريعة، بل إنّ الشريعة نفسها قد ندبت إليه بل أوجبته على من كان أهلاً له. فالنصّ الرشدي هنا لا يدافع عن الفلسفة من خارج القانون بل من داخله، إنّه يصوغ علاقة الحكمة بالشريعة بصياغةٍ قانونيةٍ أصلاً. لقد نظر في حكم الفلسفة من جهة الشرع وانتهى إلى أنّ الاعتبار العقلي في الموجودات – لمن استكمل شروطه – داخلٌ في مقتضى الأمر الشرعي بالنظر. وتصف المصادر الحديثة فصل المقال بأنه رسالةٌ “فقهية-فلسفية” تؤكد أنّ البرهان الفلسفي لا يتعارض مع الشريعة وأنّ التعارض الظاهري بينهما يُرفع بالتأويل عند أهله، وأنّ الناس متفاوتون في قدراتهم بين الخطابيّ والجدليّ والبرهانيّ . وهذه الفكرة ليست قضيةً نظريةً عامةً فحسب؛ إنها تمسّ صميم فلسفة القانون عنده لأنّها تعني أنّ الخطاب الشرعي ليس أحاديّ الطبقة، وأنّ القانون لا يُخاطب الناس جميعا بالطريقة نفسها من حيث الإدراك، وإن كان يلزمهم من حيث الامتثال بحسب وسعهم.

وهذا التفريق بين مراتب الإدراك له أثرٌ بالغ في فهم القانون. فالنصّ القانوني – في كل حضارة – لا يعيش في فراغٍ لغويّ، بل يتوجّه إلى متلقّين متفاوتين. وقد أدرك ابن رشد هذه الحقيقة مبكرا، فهناك من يكتفي بالظاهر الخطابي وهناك من يتدرّب على الجدل وهناك من يبلغ رتبة البرهان. إنّ فهم النصوص ليس فعلا ديمقراطيا من حيث الكفاءة المعرفية، وإن كان التشريع موجّها من حيث الأصل إلى عموم المكلفين. هنا تظهر نخبوية ابن رشد المعرفية ولكنها ليست نخبويةً طبقيةً أو سلطويةً بالمعنى المبتذل، بل هي اعترافٌ بأنّ صناعة الحكم ليست متاحةً لكل من حفظ ألفاظ النصوص، بل لمن ملك آلة النظر فيها. وكأنّنا بإزاء صياغةٍ مبكرة لما سيقوله لاحقا بعض فلاسفة التأويل القانوني من أنّ تطبيق القانون ليس تكرارا آليا للنصّ، بل ممارسةٌ تتطلب كفاءةً في فهم اللغة والغايات والسياقات.

وهذا يقودنا إلى عنصرٍ آخر بالغ الأهمية في فلسفة القانون عند ابن رشد وهو عنصر التأويل. فالتأويل عنده ليس مناورةً لاهوتيةً لإنقاذ الفلسفة من سلطة النصّ، كما توهّم بعض القراءات السطحية، بل هو ضرورةٌ قانونيةٌ وفكريةٌ معا. ذلك أنّ النصّ الشرعي – بما هو خطابٌ موجّهٌ إلى الناس كافة – لا يمكن أن يُختزل في مستوىً واحدٍ من الدلالة. وقد يحدث أن يقوم البرهان اليقيني على معنىً لا يسع ظاهر النصّ حمله على وجهه الأول، فحينئذٍ يكون الانتقال إلى التأويل المشروع من وظائف أهل النظر. غير أنّ ابن رشد يضع لهذا الباب ضوابط صارمة، ليس كلّ تعارضٍ متوهَّم مبرّرا للتأويل وليس كلّ قارئٍ مؤهّلا له، وليس كلّ معنىً يجوز بثّه للعامة. إنّها نظريةٌ في “تدبير الحقيقة” داخل المجتمع بقدر ما هي نظريةٌ في فهم النص. وإذا شئنا لغةً معاصرةً قلنا: إنّ ابن رشد يؤسس لفكرة أنّ القانون ليس فقط ما يُقال بل أيضا ما يُفهم وأنّ الفهم نفسه محكومٌ بقواعد اختصاصٍ ومسؤولية.

وإذا كان الفقهاء قد اختلفوا كثيرا في مساحة التأويل وحدوده، فإنّ خصوصية ابن رشد أنّه يربطه بالبرهان لا بالهوى وبالاختصاص لا بالذوق وبحفظ النظام العامّ العقديّ والاجتماعيّ لا بإثارة الفوضى. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى سيولةٍ تأويلية بل إلى انضباطٍ تأويلي. إنّها تعترف بأنّ النصوص قابلةٌ لمراتب من الفهم، لكنها لا تُسقط هيبة الظاهر ولا تفتح الباب أمام العبث. وهذا التوازن من أدقّ ما في مشروعه، لأنه يبيّن أنّ العقل عنده ليس قوّةَ هدمٍ للنظام التشريعي، بل أداةُ حفظٍ له من الجمود والتناقض وسوء الفهم.

إنّ تأمل البنية الرشدية في بداية المجتهد يكشف عن نزوعٍ واضح إلى بناء “عقل قانوني مقارن”. والمقارنة هنا ليست غايةً وصفيةً، بل وسيلة لاكتشاف منطق التشريع. إنّ ابن رشد حين يعرض أقوال المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم، لا يفعل ذلك ليُشبع فضول القار ولا ليمنحه خريطةً مدرسيةً للخلاف، بل ليُدرّبه على إدراك أنّ وراء كلّ قولٍ بنية استدلالية ومقدمات وأصولا. وهذا في ذاته انتقالٌ من سلطة “المذهب” إلى سلطة “الحجة”. وقد يكون من أبلغ ما يُقال هنا ما رُوي عن الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.” فابن رشد وإن لم يكن شافعيا في المذهب، فإنه يستبطن هذه الروح المعرفية، الأحكام ليست أوثانا والمذاهب ليست جزرا مغلقة والحقّ في الفروع يُطلب بالاجتهاد والترجيح لا بمجرد الوراثة المدرسية.

إنّ هذا الوعي المقارن يجعل من فلسفة القانون عند ابن رشد فلسفةً ضدّ الوثوقية الفقهية لا ضدّ الفقه نفسه. فهو لا يرفض المذاهب، لكنه يرفض أن تتحوّل إلى بدائل عن العقل. ولا يرفض التقليد في موضعه لكنه يرفض أن يصبح عجزا بنيويا عن النظر. وتتضح في هذا السياق قيمة عنوان كتابه نفسه: بداية المجتهد ونهاية المقتصد. فالبداية هنا ليست بدايةَ الطالب في الحفظ، بل بدايةُ المجتهد في الفهم، والنهاية ليست نهايةَ الفقيه في الاستقصاء، بل نهايةُ المقتصد الذي يكتفي بما يقيم عمله. وفي هذا العنوان وحده فلسفةٌ كاملة، التشريع مجالٌ يتفاوت الناس فيه بحسب أهليتهم، والفقه ليس طبقةً واحدةً من التلقي بل درجات.

ولئن كان كثيرٌ من الدارسين قد ركّزوا على ابن رشد بوصفه رمزا للتوفيق بين الدين والفلسفة، فإنّ التركيز على هذا الجانب وحده يُفوّت علينا البعد الأخصب في مشروعه، وهو كونه قد حاول – في قلب الممارسة الفقهية ذاتها – أن يؤسس لعقلانيةٍ قانونيةٍ حقيقية. وهذه العقلانية ليست عقلانيةً علمانيةً بالمعنى الحديث ولا هي عقلانيةٌ نصّيةٌ مغلقة، بل عقلانيةٌ أصوليةٌ برهانيةٌ مقاصديةٌ منضبطة. وهنا أمكن لبعض الدراسات الحديثة أن تتحدث عن إمكان استلهام مشروعه بوصفه نموذجا لـ“شريعة حيّة” أو لفقهٍ قادرٍ على إنتاج مبادئ قانونية من خلال تحليل الأحكام الموروثة لا من خلال تكرارها الآليّ .

وإذا كان القانون في أحد تعريفاته الكبرى هو ذلك الجهد الإنسانيّ لتنظيم الممكن البشريّ تحت أفق العدالة، فإنّ ابن رشد يمثّل لحظةً فارقةً في التاريخ الإسلامي لأنّه جعل من الفقه علما بالكيفيات التي يُنتج بها هذا التنظيم، لا مجرد علمٍ بما استقرّ منه. إنّه ينقل الفقيه من حافظٍ للأجوبة إلى باحثٍ في شروط السؤال، ومن ناقلٍ للنتائج إلى محلّلٍ لآليات توليدها ومن تابعٍ للمذهب إلى ناظرٍ في مناطاته. وهذا ما يمنح مشروعه بعدا فلسفيا حقيقيا، إنه لا يسأل فقط “ماذا قال الفقهاء؟” بل “كيف يمكن أن نفكر مثلهم – أو أفضل منهم – في ضوء أصولهم ونصوصهم وعللهم؟”.

إنّ قراءة فلسفة القانون عند ابن رشد لا ينبغي أن تُختزل في ثنائية “العقل والنقل” السهلة، لأنّ هذه الثنائية – على شيوعها – كثيرا ما تحجب أكثر مما تكشف. فابن رشد لا يضع العقل في مواجهة النقل، بل يجعله شرطا في حسن تلقيه، ولا يضع الشريعة في خصومةٍ مع البرهان، بل يجعل البرهان من مقتضيات فهمها لمن استجمع آلته. إنّ القضية عنده ليست أيهما أولى؟ بل كيف يعمل كلّ منهما في مجاله وكيف يُرفع التعارض المتوهَّم بينهما وكيف يُبنى نظامٌ معرفيٌّ وتشريعيٌّ لا يتناقض فيه الحقّ مع الحقّ ?. ولذلك فإنّ عبارته الضمنية الكبرى التي يمكن استخراجها من مجموع مشروعه هي أنّ الحقيقة لا تضادّ الحقيقة وأنّ الشريعة – إذا كانت حقا – لا يمكن أن تأمر بما يناقض البرهان اليقيني كما أنّ البرهان – إذا كان برهانا حقا – لا يمكن أن يفضي إلى إبطال مقاصد الوحي.

وفي هذا المعنى يكون ابن رشد وريثا ناضجا لأرسطو من جهة الصرامة المنهجية، ووارثا مجدّدا للفقه الإسلامي من جهة إعادة بنائه على أصوله الحية، وناقدا ضمنيا لكثيرٍ من مظاهر الانحباس المذهبي في عصره. لقد أدرك أنّ الشريعة إذا تحوّلت إلى متونٍ محفوظةٍ بلا علل فإنّها تفقد قدرتها على الحياة؛ وأنّ العقل إذا انفصل عن نظام الخطاب الشرعيّ فإنّه يفقد شرعيته التداولية داخل الأمة؛ وأنّ الفقه إذا استغرق في الفروع حتى ينسى الأصول فإنه يُنتج مجتهدين في النقل لا في النظر.

وتبرز أهمية هذه القراءة هنا حيث إنّ ابن رشد لا يقدّم لنا “فقها عقلانيا” بمعنى التخفف من النصوص، بل يقدّم “عقلانيةً فقهية” بمعنى التمكّن من النصوص بردّها إلى قوانين اشتغالها. وهذه التفرقة دقيقةٌ وحاسمة. فكم من مشروعٍ معاصرٍ أراد أن يحدّث الفقه ففكّك سلطته المعيارية، وكم من مشروعٍ آخر أراد أن يحفظ الفقه فجمّد حيويته. أمّا ابن رشد فإنّه يعلّمنا أنّ الحفظ الحقيقيّ للشريعة لا يكون إلا بتجديد آلة النظر فيها وأنّ الوفاء للنصوص لا يكون إلا بإحياء العقول التي تُحسن فهمها.

ولذلك فإنّ المدخل الأوفى إلى فلسفة القانون عنده هو أن نراه لا بوصفه فيلسوفا كتب في الفقه ولا فقيها استعان بالمنطق، بل بوصفه عقلا بنى جسورا دقيقةً بين البرهان والتشريع، بين النصّ والتأويل، بين الخلاف والقاعدة، بين المذهب والاجتهاد وبين الظاهر والمعقول. وهذه الجسور هي التي تجعل مشروعه صالحا لأن يُقرأ اليوم لا على سبيل الإعجاب التاريخي وحده، بل على سبيل الاستئناف النظري أيضا.

إنّ ما يلفت النظر في التجربة الرشدية هو أنّها لا تتعامل مع الفقه بوصفه مخزنا للأحكام الجاهزة، بل بوصفه مجالا حيا تتحرك فيه قوى الاستدلال وتتفاعل فيه طبقات النصوص وتتزاحم فيه وجوه الدلالة وتتداخل فيه مقتضيات اللغة مع مقتضيات المقصد وتتعارض فيه أحيانا ظواهر الأدلة بما يستدعي صناعةً دقيقةً في الجمع والترجيح والتخريج. وقد كان ابن رشد في بداية المجتهد أشبه بمن يرسم خريطةً داخليةً للعقل الفقهي لا بمن يجمع أرشيفا للخلاف. فالقيمة الكبرى في هذا الكتاب لا تكمن في اتساع مادته وحده، بل في أنّه يُعيد ترتيب هذه المادة على نحوٍ يكشف عن هندسة التشريع نفسها. إنّه يجرّد الفقه من كسائه المدرسيّ الذي يغلب عليه التلقين، ليُظهر ما وراءه من بنيةٍ عقليةٍ دقيقة وكأنّه يردّ الأحكام إلى ما يشبه “قواعد توليدها” الكامنة.

وهنا بالذات يتجلى البعد الفلسفي العميق، فابن رشد لا يتوقف عند حدّ السؤال عن الحكم الشرعي بل يُصرّ على سؤالٍ أكثر خطورة، بأيّ آلةٍ أمكن إنتاج هذا الحكم؟ وما حدود صلاحية هذه الآلة؟ ومتى تكون النتيجة لازمةً عنها ومتى تكون محتملةً؟ إنّه يشتغل بلغةٍ معاصرة على “منطق إنتاج المعيار”، لا على المعيار في صورته الساكنة فقط. وهذا ما يجعل مشروعه أقرب إلى فلسفة القانون منه إلى الفقه التقليدي بالمعنى الضيق. فالقانون عنده ليس أمرا يُلقى على الذمم في صورةٍ نهائيةٍ لا تُسأل، بل بناءٌ استدلاليٌّ له مقدماتٌ وله درجاتٌ في القوة وله عللٌ في التأسيس وله شروطٌ في التطبيق.

ولعلّ من أنفذ المفاتيح إلى هذا البناء هو مفهوم الاجتهاد ذاته. فابن رشد لا ينظر إلى الاجتهاد بوصفه شجاعةً ذهنيةً أو قدرةً على الترجيح بين الأقوال فحسب، بل بوصفه مرتبةً معرفيةً تستلزم القدرة على النفاذ إلى أصول الخلاف، وفهم مدارك الأحكام وتقدير قوة الأدلة والتمييز بين ما هو تعبديٌّ محضٌ لا يتجاوز مورده وما هو معقول المعنى يُتعدّى به إلى غيره.

إنّ المجتهد عنده ليس حافظا للنصوص بل قارئا لبنية النصوص؛ وليس ناقلا للمذهب بل قادرا على استئناف النظر في ضوء المذهب وخارجه عند الاقتضاء؛ وليس تابعا لنتائج السابقين، بل محللا لشروط إمكان تلك النتائج. وهذا يذكّرنا بما قاله أرسطو في التحليلات الثانية من أنّ العلم الحقّ لا يتحقق بمعرفة أنّ الشيء هو كذلك فحسب، بل بمعرفة “لماذا هو كذلك”. والحق أنّ ابن رشد ينقل هذا المبدأ الأرسطي إلى قلب الفقه، لا يكفي أن تعرف أنّ الحكم كذا بل ينبغي أن تعرف لماذا قيل به وعلى أيّ أصلٍ بُني وبأيّ وجهٍ رجّح على غيره؟.

وتتبدّى العلاقة العضوية بين فلسفة القانون عند ابن رشد وعلم أصول الفقه. غير أنّ ابن رشد لا يشتغل على الأصول باعتبارها علما مستقلا منفصلا عن الفروع، كما صنع بعض الأصوليين الذين بالغوا في التجريد حتى صار علمهم أقرب إلى هندسةٍ ذهنيةٍ لا تلامس حرارة الوقائع؛ بل يُعيد الأصول إلى وظيفتها الحقيقية، وهي أن تكون آلةً لتفسير نشأة الحكم ووسيلةً لفهم أسباب الاختلاف وجسرا بين النصّ والنازلة. ولذلك فإنّ قراءته للأصول ليست قراءةً مدرسيةً صرفة، بل قراءةٌ تشغيليةٌ إن صحّ التعبير، تضع القاعدة في محكّ الاستعمال. وهذا ما يمنحها خصوبةً نادرة، فالأصول عنده ليست مجرد مباحث في الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد، بل هي – قبل ذلك وبعده – نظامٌ لفهم كيف يعمل القانون داخل اللغة والواقع.

ومن أهمّ ما يُبرز هذه العقلانية الأصولية عنده تعامله مع العلّة. فالعلّة في التجربة الرشدية ليست حيلةً فنيةً للعبور من المنصوص إلى غير المنصوص، بل هي جوهر المعقولية التشريعية نفسها. فإذا كان الحكم الشرعي لا يُدرك على أنه مجرد تعيينٍ اعتباطيٍّ للواجب أو الممنوع، فإنّ ذلك لأنّ وراءه معنىً مناسبا أو مصلحةً مرعيّةً أو وصفا مؤثرا أو نظاما مقصودا في ترتيب حياة الناس. والعلّة ليست مجرد اصطلاح أصوليّ بل هي الممرّ الذي تعبر منه الشريعة من النصّ إلى العالم ومن الحرف إلى الحياة ومن الخطاب إلى النظام.

إنّ كلّ فقهٍ يفقد حسّه بالعلّة مآله إلى الجمود، وكلّ عقلٍ قانونيٍّ ينكر المعنى وراء الحكم ينتهي إلى التبعية الصمّاء أو إلى التناقض العمليّ. وقد أدرك ابن رشد هذا بوضوح. لذلك لا يكتفي بذكر القياس بل يشتغل على منطقه الداخلي وعلى شروط صحته وعلى إمكانه وعلى ما يبرر نقل الحكم من محلٍّ إلى آخر. وهذا ما يجعل من فلسفة القانون عنده فلسفةً في “قابلية التشريع للتوسّع المعقول”. فالنصوص محدودة والوقائع غير متناهية والحياة أوسع من المدوّنات ومن ثمّ فإنّ بقاء الشريعة حيّةً يقتضي أن يكون في بنائها ما يسمح بتوليد أحكامٍ منضبطة لما يجدّ من النوازل. وهذا التوليد لا يكون بالهوى بل بالعلّة، ولا يكون بالتشهي بل بالقياس المنضبط، ولا يكون بالانطباع بل بتحقيق المناط.

وتتضح المسافة بين ابن رشد وبين كلّ نزعةٍ ظاهريةٍ صارمةٍ تُضيق من مجال المعقول في النصوص، أو تجعل القياس ضربا من التعدّي على سلطة الوحي. فابن رشد وإن كان لا يستخفّ بسلطة النصوص ولا يُهوّن من خطورة التوسع غير المنضبط، إلا أنّه يعلم أنّ إنكار المعقولية التشريعية يفضي في النهاية إلى نوعٍ من العبث المقنّع، لأنّ الفقيه الذي يمنع نفسه من إدراك العلل سيجد نفسه أمام وقائع لا يجد فيها نصا صريحا، فيضطر إما إلى التعطيل وإمّا إلى التحكّم باسم التوقّف. وكلاهما في النهاية ليس وفاءً للنصّ بل عجزٌ عن استثمار إمكاناته.

غير أنّ ابن رشد لا يسقط في الجهة المقابلة أي في اعتبار كلّ حكمٍ معلّلا تعليلا ظاهرا قابلاً للتعدية بلا قيد. فهنا تظهر دقته المنهجية. إنّه يميز – صراحةً أو ضمنا – بين ما يُعقل معناه وما يغلب فيه التعبد، وبين ما يُناط بمصلحةٍ ظاهرةٍ وما يرتبط ببنيةٍ شعائريةٍ أو توقيفيةٍ أشدّ خصوصية. وهذا التمييز من أهمّ ما في فلسفته القانونية؛ لأنّه يمنع من تحويل العقل إلى سلطةٍ استبداديةٍ فوق الشريعة، كما يمنع من تحويل الشريعة إلى قيدٍ يمنع العقل من أداء وظيفته. إنّه توازنٌ صعب لكنه هو سرّ الرشدية حقا، أن يكون العقل خادما للحقيقة لا متسلّطا عليها، وأن يكون النصّ هاديا للنظر لا حاجبا عنه.

وإذا كانت العلّة هي روح القياس فإنّ المصلحة هي الأفق الذي تُفهم فيه كثيرٌ من العلل. وليس من الدقة أن نقرأ ابن رشد كما لو كان منظرا صريحا للمقاصد على النحو الذي سيبلوره الشاطبي لاحقا، لكن من الظلم أيضا أن نغفل أن حسه الفقهي مشبعٌ بإدراكٍ قويٍّ للمعاني والمناسبات والغايات. إنّ طريقته في ردّ الخلافات إلى عللها وفي وزن الأقوال بحسب قوة مناسبتها وملاءمتها وفي اعتبار انتظام الأحكام داخل صورةٍ أوسع للعدل واليسر ودفع الضرر، كلّ ذلك يكشف عن عقلٍ لا يكتفي بحرف الحكم، بل يبحث عن جهته المقصودة. إنّ ابن رشد يهيّئ في عمق الممارسة الفقهية الأرضية التي ستزدهر عليها لاحقا النظرية المقاصدية بصورةٍ أكثر نسقيةً عند الشاطبي.

وليس مصادفةً أن يكون الفكر الأندلسي في بعض ذراه الكبرى، قد أنتج هذه الحساسية الخاصة تجاه انتظام الشريعة ومعقوليتها. فالأندلس بما كانت عليه من تداخل حضاريّ ومن احتكاكٍ بالتراث اليوناني ومن حيويةٍ مدنيةٍ وقضائيةٍ، لم تكن فضاءً يسمح بسهولةٍ باستمرار الفقه على صورة الحفظ وحده. كان لا بدّ من عقلٍ يفاوض الواقع ويصغي إلى تعقيد الاجتماع ويدرك أنّ القانون لا يعيش في الكتب بل في المحاكم والأسواق والمواريث والبيوع والخصومات والعهود. وهنا تظهر خلفية ابن رشد القضائية بوضوح. فالقاضي لا يملك ترفَ التجريد الخالص؛ إنّه يواجه الوقائع بما فيها من التباس ومن تفاوت ومن مقاومةٍ للقولبة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عند ابن رشد ليست تأملا ميتافيزيقيا محضا في ماهية التشريع، بل هي عقلانيةٌ عمليةٌ وُلدت من تماسّ مباشر مع الحاجة إلى الحكم.

ومن أخصب المواضع التي يتجلّى فيها هذا الحسّ العملي تعامله مع الاختلاف الفقهي. لقد كان يمكن لكتابٍ في الفقه المقارن أن يتحوّل بسهولةٍ إلى معجمٍ للخلافات لكن ابن رشد يرفض هذا المصير. إنّه لا يعرض الأقوال كما تُعرض الأشياء في خزائن العرض بل يعيدها إلى حركتها الأولى، أي إلى لحظة تشكّلها. وهذا في ذاته فعلٌ فلسفيّ. لأنّ الفلسفة في أحد معانيها الكبرى ليست حفظَ النتائج، بل رد النتائج إلى مبادئها. ولذلك فإنّ الخلاف عنده لا يُقدَّم على أنّه فضاءُ اضطراب، بل على أنّه أثرُ تباينٍ في مدارك الأدلة. ويصبح  هنا علم الخلاف علما بالعقل الفقهي ذاته، لا مجرد فنٍّ في الإحاطة بالمذاهب.

وهذا الفهم للاختلاف بالغ الأهمية في فلسفة القانون المعاصرة أيضا. فالقانون مهما ادّعى الصرامة لا يُطبَّق في فراغٍ من التأويل، ولا يخلو من مناطق رمادية ولا يستغني عن القاضي أو الفقيه أو المفسّر الذي يُنزل القاعدة على الواقعة. وقد تنبّهت الفلسفة القانونية الحديثة إلى هذه الحقيقة في أعمال من قبيل دوركين وغيره، حيث لا يعود القانون مجرد مجموعة قواعدٍ ميكانيكية، بل شبكةً من مبادئ وقيمٍ وسوابق وتأويلات. وإذا كان السياق مختلفا جذريا، فإنّ ابن رشد قد سبق – داخل أفقه الخاص – إلى إدراك أنّ الحكم لا يُنتج من النصّ وحده، بل من النصّ كما يُفهم ومن النصّ كما يُوزن بغيره ومن النصّ كما يُقرأ في ضوء العلّة، ومن النصّ كما يُنزّل على واقعةٍ مخصوصة. ومن ثمّ فإنّ “الحقيقة القانونية” عنده ليست دائما حقيقةً نصيةً بسيطة، بل هي ثمرةُ مسارٍ استدلاليٍّ مركّب.

غير أنّ هذا الإدراك لا يدفعه إلى النسبية. وهذه نقطة حاسمة. فابن رشد لا يقول إنّ كلّ الأقوال سواء ولا إنّ الخلاف قيمةٌ في ذاته ولا إنّ تعدّد الفهوم يُبطل إمكان الترجيح. على العكس من ذلك، هو يكتب أصلا من أجل أن يُظهر أنّ الخلاف يمكن فهمه وأنّ الفهم يفضي إلى الترجيح وأنّ الترجيح ليس مزاجا بل صناعة. ولذلك فإنّ فلسفة القانون عنده لا تنتهي إلى تفكيك المعيار بل إلى إعادة بنائه على أسسٍ أوضح. إنّه يحرّر الفقه من الوثوقية لكنّه لا يذوبه في السيولة. يفتح باب الاجتهاد لكنّه لا يرفعه عن مفاصله. يعترف بالتعدّد لكنّه يطلب النظام داخل التعدّد.

وهنا نصل إلى عنصرٍ لا يقلّ مركزية وهو التأويل القانوني. لقد شاع في كثيرٍ من القراءات السطحية أنّ التأويل عند ابن رشد مرتبطٌ فقط بالدفاع عن الفلسفة في وجه الظاهرية الكلامية أو الفقهية، غير أنّ هذا الفهم يُضيّق المسألة إلى حدّ الإخلال بها. فالتأويل عند ابن رشد أوسع من ذلك بكثير، إنّه مبدأٌ حاكمٌ للعلاقة بين ظاهر النصّ ومعناه الممكن، بين خطاب العموم وخطاب الخاصة، بين الدلالة المباشرة والدلالة التي يقتضيها البرهان، بين مقتضى اللغة ومقتضى الحقيقة. وهذا لا يخصّ مسائل الاعتقاد وحدها، بل يمسّ بنية النظر القانونيّ أيضا، لأنّ كثيرا من الأحكام لا تُفهم إلا بتمييزٍ دقيق بين ظاهر اللفظ وما يقتضيه مجموع الأدلة أو علل الأحكام أو سياقات الخطاب.

لكن التأويل عند ابن رشد ليس فضاءً مفتوحا بلا حراس. إنّه منضبطٌ بشروطٍ معرفيةٍ وأخلاقيةٍ وسياسيةٍ في آنٍ واحد. فليس كلّ أحدٍ مؤهّلا للتأويل، وليس كلّ نصٍّ محلا له، وليس كلّ تعارض ظاهر موجبا للعدول عن الظاهر، وليس كلّ معنىً يصلح للتداول العامّ. وهنا تظهر دقته – وربما حذره – في تدبير العلاقة بين الحقيقة والمعرفة والجمهور. قد يرى بعض المعاصرين في هذا نزوعا نخبويا حادا وربما كان كذلك من جهة، لكنّه من جهةٍ أخرى يكشف عن وعيٍ مبكرٍ بأنّ القانون والدين ليسا مجرد نظرياتٍ تُلقى في الفضاء العامّ دون نظرٍ إلى آثارها التداولية. إنّ المجتمعات لا تُدار بالحقائق المجرّدة وحدها بل بكيفية عرضها وبمراتب المتلقين وبحدود ما يحتمله النظام العامّ من التحوّلات في أنماط الفهم.

وهذا البعد السياسيّ الخفيّ في فلسفة القانون عند ابن رشد مهمٌّ للغاية. فهو لا يفصل التشريع عن العمران ولا النصّ عن الاجتماع ولا الحقيقة عن أثرها في النظام المدنيّ. ولعلّ صلته العميقة بأرسطو خاصةً في السياسة والأخلاق، تجعل هذا الأمر مفهوما. فالقانون ليس مجرد أمرٍ إلهيٍّ منزّهٍ عن شروط المدينة، بل هو أيضا نظامٌ لتدبير العيش المشترك. والعدل كما عند أرسطو لا يتحقق في النفس المجردة فقط، بل في علاقة الإنسان بالآخرين داخل الجماعة السياسية. لذلك فإنّ ابن رشد حين يفكّر في التشريع لا يفكّر في فردٍ معزولٍ أمام خطابٍ دينيّ، بل في مجتمعٍ يحتاج إلى نظام وإلى قضاء وإلى ضبطٍ للعقود والأنكحة والمواريث والحدود والمعاملات، وإلى توزيعٍ متوازنٍ بين حفظ الثوابت ومرونة التطبيق.

إنّ فلسفة القانون عنده تقاوم صورتين متقابلتين ما تزالان ماثلتين حتى اليوم، صورة القانون بوصفه نصا مقدسا لا يُفكَّر فيه، وصورة القانون بوصفه إرادةً بشريةً خالصةً لا مرجعية لها إلا القوة أو التوافق العابر. أمّا ابن رشد فإنه يقدّم تصورا ثالثا، قانونٌ يستمدّ سلطته من الوحي لكنّه لا يصير نافذا في العالم إلا بالعقل؛ قانونٌ له قداسةُ المصدر، لكنّ فاعليته متوقفةٌ على جودة الفهم؛ قانونٌ يعلو على الأهواء لكنّه لا ينجو من سوء التطبيق إلا بوجود طبقةٍ من أهل النظر القادرين على التمييز بين النصّ ومناطه، وبين الظاهر ومراد الشرع وبين الحكم في ذاته والحكم في ظرفه.

ويغدو من المشروع أن نقرأ ابن رشد بوصفه ممهدا – وإن بطريقٍ غير مباشر – لبعض ما سيتبلور لاحقا في الفكر المقاصديّ عند الشاطبي. فالشاطبي سيجعل المقاصد نظريةً أكثر تصريحا وتماسكا، وسيعطي للكلّيّ الشرعيّ حضورا أوضح في بناء الأحكام، غير أنّ ابن رشد قد سبق إلى ممارسة هذه الحساسية داخل الفقه نفسه. لقد كان في جوهره يفكّر في الأحكام من جهة انتظامها، وفي الخلاف من جهة معناه وفي النصوص من جهة معقوليتها وفي الاجتهاد من جهة كفاءته في وصل الجزئيّ بالكليّ. وإذا كان الشاطبي قد منحنا “فلسفة المقاصد” بصورةٍ أكثر نضجا اصطلاحيا، فإنّ ابن رشد منحنا قبل ذلك “عقلانية المقاصد” في مستوى التشغيل الفقهي.

غير أنّ الفرق بينهما أيضا كاشف. فابن رشد أقرب إلى عقلٍ تحليليٍّ تفكيكيٍّ يشرح أسباب الخلاف ويردّ الأحكام إلى أصولها، بينما الشاطبي أقرب إلى عقلٍ تركيبيٍّ بنائيٍّ يجمع الجزئيات في صورة كلياتٍ واضحة المعالم. ولذلك فإنّ قراءة ابن رشد اليوم لا ينبغي أن تكون فقط تمهيدا للشاطبي، بل اعترافا باستقلاليته الخاصة، فهو لا يشتغل على المقاصد بوصفها عنوانا، بل على المعقولية التشريعية بوصفها ممارسةً يوميةً داخل الفقه. وهذه ميزةٌ لا تقلّ قيمةً بل قد تكون – في بعض الوجوه – أشد قربا من سؤال فلسفة القانون كما نفهمه اليوم، لأنّها تنشغل بمسألة “كيف يُنتج الحكم؟” أكثر من انشغالها بصياغة نظريةٍ كليةٍ في الغايات.

وإذا وسعنا الدائرة قليلا أمكن أن نقول إنّ ابن رشد يمثّل داخل التراث الإسلامي لحظةً نادرةً التقت فيها ثلاثة أنماطٍ من العقل في شخصٍ واحد، العقل البرهاني والعقل الفقهي والعقل القضائي وهذه الثلاثية هي التي صنعت فرادته. فالعقل البرهاني يمنحه حسّ الاتساق وطلب العلل وكراهية التناقض والنفور من التعميمات الخطابية الفضفاضة. والعقل الفقهي يمنحه الحسّ بالنصوص وبمراتب الدلالات وبقيمة السوابق وبخطورة التسرّع في الإلغاء. والعقل القضائي يمنحه الشعور بوزن الواقع وبضرورة الحسم وبأنّ الناس لا يعيشون في المتون بل في المنازعات. ومن هذا التفاعل المركّب وُلدت فلسفة قانونية ذات طابعٍ خاص، ليست نظريةً تجريديةً معلّقةً فوق الحياة وليست فقها تقليديا غارقا في الجزئيات، بل هي عقلانيةٌ وسطى نادرة. وهذه الندرة هي ما يجعل استحضار ابن رشد اليوم أكثر من مجرد استدعاءٍ تراثيٍّ احتفالي. فنحن نعيش في كثيرٍ من البيئات الفكرية والقانونية العربية والإسلامية، توترا مزمنا بين نزعتين: نزعة تريد أن تحفظ النصوص فتجمّدها، ونزعةٍ تريد أن تحرّر العقل فتفكّك المرجعيات. وفي هذا المشهد يبدو ابن رشد شاهدا على إمكانٍ ثالث، إمكان أن يكون النص منبعا للعقل لا خصما له وأن يكون العقل خادما للشرع لا غريما له وأن يكون الاجتهاد حفظا للحيوية لا عدوانا على الثوابت، وأن يكون القانون مجالا للعدل لا مجرد جهازٍ للضبط.

بل إنّ الأهم من ذلك أنّ ابن رشد يعلّمنا درسا بالغا في التواضع المعرفيّ. فمع كلّ ما في مشروعه من ثقةٍ بالعقل فإن هذه الثقة ليست ادعاءً بالعصمة. إنّه يعترف بالخلاف ويشرح أسبابه ويقبل بإمكان تعدّد الوجوه ويميّز بين القطعي والظني ويعرف أن كثيرا من الفروع لا تحتمل يقينا واحدا قاهرا. وهذه الروح ضروريةٌ لكلّ فلسفة قانونية ناضجة. فالقانون الذي يزعم لنفسه الشفافية المطلقة يغدو أداةً للاستبداد كما أنّ القانون الذي يتخلّى عن أيّ معايير صلبة يغدو أداةً للفوضى. وابن رشد في أعمق ما فيه يسعى إلى بناء منطقةٍ وسطى، معيارية قوية لكن غير متعسّفة؛ عقلانية حازمة لكن غير متغطرسة؛ تأويل منضبط لكن غير خانق.

ولعلّ في هذا ما يفسر أيضا استمرارية حضوره في تاريخ الفكر الأوروبي الوسيط والحديث. فقد عُرف هناك في جانبٍ كبير بوصفه “المعلّق الأكبر” على أرسطو، لكنّ هذا اللقب – على وجاهته – يحجب جانبا آخر من فرادته، أنّه لم يكن مجرد ناقلٍ للبرهان الأرسطيّ، بل كان قادرا على إدخاله في صميم التفكير الديني والقانوني الإسلامي. وهذا عملٌ أعقد بكثير من مجرد الشرح. فالشرح قد يكون استعادةً أمينةً لفكر السابق، أمّا إدماج البرهان في بنيةٍ تشريعيةٍ دينيةٍ حية فهو فعلُ إبداعٍ حضاري. إنّ ابن رشد لا يُقرأ فقط بوصفه حلقةً في تاريخ الفلسفة، بل بوصفه لحظةً من لحظات نضج العقل القانوني في الحضارة الإسلامية.

إنّ التشريع ليس عند ابن رشد أمرا يُفهم بالسلطة وحدها بل بالمعنى؛ وليس بالنقل وحده بل بالنظر؛ وليس بالمذهب وحده بل بالحجة؛ وليس بالظاهر وحده بل بالبنية التي تجعل الظاهر معقولا ومنتظما وممكنَ التطبيق. إنّه باختصار يرد القانون إلى العقل دون أن ينتزعه من الوحي، ويرده إلى المقصد دون أن يفككه في النفعية، ويرده إلى الواقع دون أن يذيبه في البراغماتية.

إنّ استعادة ابن رشد في سياق فلسفة القانون ليست ترفا أكاديميا ولا مجرّد ميلٍ إلى تزيين الخطاب المعاصر بأسماء التراث الكبرى بل هي في حقيقتها عودةٌ إلى إحدى اللحظات النادرة التي بلغ فيها العقل الإسلامي قدرةً استثنائيةً على مساءلة ذاته من داخلها، دون قطيعةٍ مبتذلةٍ مع الأصول ودون خضوعٍ مستسلمٍ لتراكمات المألوف. فابن رشد حين فكّر في الفقه لم يفكر فيه بوصفه صناعةً محفوظةً بل بوصفه فعلاً معرفيا حيا؛ وحين نظر في التشريع لم ينظر إليه بوصفه مدوّنةً مغلقةً من الأحكام، بل بوصفه نظاما عقلانيا تتساند فيه النصوص والعلل والمقاصد ومراتب الفهم؛ وحين واجه الخلاف لم يجعله لعنةً على الوحدة، ولا شعارا للتسامح السهل، بل جعله موضوعا للشرح والتحليل والضبط.

إنّ القيمة الحقيقية لفلسفة القانون عند ابن رشد لا تكمن فقط في أنّها قدمت نموذجا متقدما للتوفيق بين الحكمة والشريعة كما شاع في كثيرٍ من الأدبيات، بل في أنّها كشفت عن إمكانٍ أعمق وأخصب، إمكان أن يكون التشريع نفسه مجالا للعقلانية العليا وأن يكون الفقه علما بأسباب الأحكام لا بمتونها فقط وأن يكون الاجتهاد رتبةً في المعرفة لا مجرد وظيفةٍ في الإفتاء، وأن يكون النص الشرعي قابلا لأن يُقرأ على نحوٍ يزداد به اتساقا، لا أن يتحول إلى حقلٍ للتعارضات المصطنعة بين النقل والعقل.

لقد فهم ابن رشد بحدس الفقيه وصرامة الفيلسوف وخبرة القاضي، أن القانون لا يحيا بمجرد تعظيم النصوص بل بحسن تشغيلها؛ وأنّ هيبة الشريعة لا تُصان بتعطيل النظر بل بترشيده؛ وأنّ حفظ الدين لا يكون بإنكار التعقيد الذي يطرحه الواقع بل بامتلاك الأدوات التي تجعل من الشريعة قادرةً على النفاذ إلى هذا الواقع دون أن تفقد جوهرها. ولذلك فإنّ مشروعه – في أعمق طبقاته – ليس مشروع دفاعٍ عن الفلسفة أمام الفقه كما قد يُتوهم، بل هو مشروع إنقاذٍ للفقه من أن يفقد روحه العقلية، وإنقاذ للعقل من أن يتحول إلى خصمٍ للشرع بدل أن يكون آلةً لفهمه.

إنّنا حين نقرأ بداية المجتهد في ضوء هذا المنظور، لا نقرأ كتابا في الفقه المقارن فحسب، بل نقرأ تمرينا حضاريا رفيعا على كيف يُعاد بناء القانون من داخل اختلافاته. وحين نقرأ فصل المقال لا نقرأ مجرد رسالة في مشروعية الفلسفة بل نقرأ نصا يؤسس – على نحوٍ ضمنيٍّ عميق – لشرعية النظر البرهاني داخل المجال التشريعيّ نفسه. وحين نقرأ دفاعه عن السببية والعلّية في تهافت التهافت لا نقرأ فقط سجالا ميتافيزيقيا مع الغزالي، بل نقرأ دفاعا أوسع عن شرط إمكان كلّ علم ومنه علم الأحكام. إذ كيف يمكن لعقلٍ ينكر العلل في الوجود أن يطمئنّ إلى العلل في التشريع؟ وكيف يمكن لفكرٍ يرضى بالقطيعة بين الأسباب والنتائج في الكون أن يبني قانونا متماسكا في الاجتماع؟.

ويتجلّى وجهٌ آخر من عبقرية ابن رشد:، أنّ وحدته الفكرية أعمق من تصنيفات المؤرخين. فالفيلسوف عنده ليس منفصلا عن الفقيه، والقاضي ليس منفصلا عن الشارح، والمنطقي ليس منفصلا عن الأصوليّ. بل إن كل واحدٍ من هذه الوجوه يمدّ الآخر بما ينقصه، المنطق يحفظ الفقه من الفوضى والفقه يحفظ المنطق من التعالي العقيم، والقضاء يرد الاثنين معا إلى امتحان الواقع. ومن هذا التكامل وُلدت فلسفة قانونية لا تزال إلى اليوم قادرةً على إلهام كلّ من يبحث عن صيغةٍ تخرج من الثنائية العقيمة بين جمود التقليد وفوضى التحرر.

ولذلك فإنّ إعادة قراءة ابن رشد اليوم ليست دعوةً إلى استنساخه، ولا إلى تحويله إلى سلطةٍ تراثيةٍ بديلة، بل إلى استعادة منهجه، منهج رد الأحكام إلى أصولها ورد الخلاف إلى علله ورد النصوص إلى نظامها ورد العقل إلى حدوده ووظيفته معا. إن ما نحتاجه من ابن رشد ليس فقط أن نقول إنه كان عقلانيا، فهذه عبارةٌ شديدة الفقر إذا تُركت مجرّدة بل أن نفهم كيف كانت عقلانيته تعمل وفي أيّ مستوياتٍ كانت تتدخل وكيف كانت تضبط علاقتها بالوحي وبالمذهب وبالناس وبالواقع وباللغة وبالمقصد، ذلك أن العبرة ليست في الأسماء بل في البنى.

إنّ فلسفة القانون عند ابن رشد يمكن أن تُصاغ – في خلاصةٍ مركزة – ضمن أربع حقائق كبرى.

أولها : أنّ التشريع في جوهره ليس مجرّد خطابٍ آمِرٍ ناهٍ، بل بنيةٌ معقولةٌ لا تُفهم إلا برد الأحكام إلى عللها ومناسباتها ومقاصدها.

وثانيها : أنّ الاختلاف الفقهي ليس دليلَ اضطرابٍ في الشريعة، بل دليلُ غنى في مسالك النظر، شريطة أن يُرد إلى أصوله ويُضبط بمنطق الترجيح.

وثالثها : أنّ العقل ليس خصما للنصّ، بل شرطٌ في حسن تلقيه، غير أنّه عقلٌ منضبطٌ بالبرهان والاختصاص، لا عقلٌ متسيبٌ باسم الحداثة أو الجرأة.

ورابعها : أن القانون لا يحيا في الكتب وحدها، بل في المجتمع والقضاء والعمران، ولذلك فإن كل فهمٍ للتشريع لا يراعي شروط التطبيق ومآلاته هو فهمٌ ناقصٌ مهما بدا نقيا من جهة النظر.

إنّ ابن رشد يظل في تاريخ الفكر الأندلسي والإسلامي شاهدا على لحظةٍ نادرةٍ تواطأ فيها الفقه والفلسفة على خدمة العدالة بدل أن يتحاربا على شرعية الكلام عنها. ولعل هذا هو سر راهنيته العميقة، أنّه يذكرنا بأن القانون متى انفصل عن العقل صار آلة للجمود؛ ومتى انفصل عن القيم صار آلةً للقهر؛ ومتى انفصل عن الواقع صار أثرا متحفيا؛ ومتى انفصل عن النص في السياق الإسلامي فقد شرعيته الرمزية والحضارية. أما حين تتعانق هذه العناصر على نحوٍ راشد فإنّ التشريع يغدو كما أراده ابن رشد ضمنا، صورةً من صور الحكمة العملية التي تنشد العدل في عالمٍ ناقص وتطلب النظام دون أن تقتل الحياة وتُعلي من سلطة الحق دون أن تُلغي تعقيد الإنسان.

وفي هذا المعنى الأخير لا يصير ابن رشد مجرد اسمٍ من أسماء التراث، بل يصبح سؤالا مفتوحا على الحاضر: كيف نعيد بناء العقل القانوني في ثقافتنا؟ وكيف نحرر الفقه من عبادة نتائجه دون أن نسقط هيبة أصوله؟ وكيف نعيد الاعتبار للاجتهاد بوصفه كفاءةً معرفيةً ومسؤوليةً حضارية لا مجرد شعارٍ يُرفع في وجه الخصوم؟ وكيف نصوغ قانونا يستمدّ مشروعيته من مرجعيته لكنه لا يفقد قابليته للحياة في عالمٍ يتغيّر؟ هذه الأسئلة وإن كانت معاصرةً في صيغتها، فإن ابن رشد قد ترك لنا مفاتيحها الأولى. ولذلك فإن الإنصاف يقتضي أن نقول، لم يكن ابن رشد فيلسوفا قرأ القانون، بل كان – في أحد أعمق معانيه – مفكرا في القانون من داخل الفلسفة ومفكرا في الفلسفة من داخل الشريعة ومفكرا في الشريعة من داخل مقتضيات العدل والعقل والعمران. وتلك منزلةٌ لا يظفر بها إلا القليل.

***

د. حمزة مولخنيف

إعادة قراءة في تراتبية أنماط الخطاب المعرفي

تندرج مسألةُ البرهان والجدل في فلسفة ابن رشد ضمن أعمق القضايا المنهجية التي انتظمت بها بنيةُ مشروعه الفكري، لأنّها لا تتصل بمجرد التمييز بين صنفين من أصناف القول أو مستويين من مستويات الاستدلال، بقدر ما ترتبط بإعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساسٍ من ترتيب مراتب الخطاب وضبط مناهج النظر وتحديد شروط الانتقال من الظن إلى اليقين. فابن رشد في سائر نصوصه الكبرى لا يتحرك بوصفه شارحا للمنطق الأرسطي فحسب، ولا باعتباره مدافعا عن الفلسفة في وجه خصومها فحسب، بل يظهر بوصفه مفكرا في هندسة العقل ومنظّرا لتراتبية الأنماط الخطابية التي تتوزع بين البرهان والجدل والخطابة، وفق ما يقتضيه اختلاف الموضوعات وتفاوت الاستعدادات الإنسانية وتباين المقامات التعليمية والتداولية داخل المجال الديني والفلسفي والسياسي.

وتنبع أهميةُ هذا الموضوع من كون ابن رشد قد وعى بحدس الفيلسوف ودقة الأصولي وصرامة القاضي، أنّ كثيرا من أزمات الفكر الإسلامي في عصره لم تكن ناشئةً فقط عن اختلاف المذاهب أو تباين النتائج، بل كانت في أصلها الأعمق ثمرةَ اختلالٍ في الوعي بطبيعة الدليل وفسادٍ في التمييز بين مراتب القول وخلطٍ بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وبين ما يُقصد به التعليم وما يُراد به الإلزام أو الإقناع. وقد اتخذ مشروعه الفكري صورةَ مراجعةٍ إبستمولوجية دقيقة لحدود الصناعات القولية، قصد بها ردَّ كلّ خطابٍ إلى مجاله وكلّ أداةٍ إلى وظيفتها وكلّ نمطٍ من أنماط النظر إلى رتبته المعرفية المشروعة بما يضمن صيانة الحقيقة من التباس المناهج وصيانة الشريعة من الفوضى التأويلية، وصيانة العقل من ادعاء اليقين فيما لا يجاوز حدود المشهور أو المظنون.

وقد استمدّ ابن رشد في بناء هذا التصور كثيرا من مقوماته من المنطق الأرسطي، غير أنّه لم يقف عند حدود الشرح أو النقل، بل أعاد توطين التمييز الأرسطي بين البرهان والجدل والخطابة داخل السياق الإسلامي، محوّلا إياه من مجرد تصنيفٍ صوريٍّ للصناعات المنطقية إلى مبدأٍ ناظمٍ للعلاقة بين الفلسفة والشريعة وبين الخاصة والعامة وبين ظاهر النص وباطنه وبين علم الكلام ومقتضيات النظر البرهاني. ولذلك فإنّ دراسة البرهان والجدل في منهجه لا ينبغي أن تُختزل في مقارنةٍ تقنية بين نوعين من الحجاج، وإنما ينبغي أن تُقرأ ضمن الأفق الأوسع الذي يشتغل فيه ابن رشد على إعادة ترتيب الاقتصاد المعرفي للثقافة الإسلامية، بحيث يستعيد البرهان منزلته العليا بوصفه طريقا إلى العلم اليقيني دون أن يُلغى بذلك حضورُ الخطابات الأخرى التي تؤدي وظائف ضرورية في التعليم والمحاجة والتبليغ والتدبير المدني والديني.

ومن ثمّ فإنّ هذا المقال يروم إعادة قراءة العلاقة بين البرهان والجدل عند ابن رشد بوصفها علاقةً تأسيسيةً في مشروعه الفلسفي، تكشف عن طبيعة التراتبية التي أقامها بين أنماط الخطاب المعرفي وتُبرز الأسس المنطقية والشرعية التي اعتمدها في هذا الترتيب، كما تُبيّن كيف تحوّل نقده للمتكلمين من مجرّد اعتراضٍ على بعض النتائج الكلامية إلى نقدٍ منهجيٍّ شاملٍ لآليات الاستدلال حين تتقمّص صناعةُ الجدل هيئةَ البرهان وتدّعي لنفسها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية. وسيسعى هذا النظر كذلك إلى إبراز أن الرشدية لا تقوم على إلغاء الجدل أو نفي الحاجة إلى الخطابة بل على ضبط حدودها ومنعها من الاستحواذ على مقام الحقيقة وإعادة وصلها بوظائفها الطبيعية داخل البنية الكلية للمعرفة.

وتتأكد راهنيةُ هذا الموضوع اليوم من أنّ سؤالَ تراتبية الخطاب ما يزال حاضرا بل أشدّ حضورا، في سياقاتٍ معاصرة اختلطت فيها مراتب القول وتداخلت فيها أشكال الإقناع والتعبئة والتحليل، وغدا التمييز بين البرهان والجدل والخطابة شرطا من شروط السلامة الفكرية والاتزان المنهجي. وتكاد تكون العودةُ إلى ابن رشد في هذه المسألة عودةً إلى أحد أكثر العقول الإسلامية وعيا بـ أخلاق الدليل وعدالة المناهج ومسؤولية القول في الحقيقة، وهي عودةٌ لا تستهدف استعادة الماضي بوصفه ماضياً، وإنما تروم استنطاقه في أفق مساءلة الحاضر واستخلاص ما ينطوي عليه من دروسٍ في تنظيم المعرفة وتحرير النظر وإعادة الاعتبار للصرامة العقلية داخل الثقافة.

وليس من قبيل المصادفة الفكرية أن يظلّ ابن رشد أحد أكثر فلاسفة الإسلام قابليةً لإعادة القراءة وأشدّهم استعصاءً على الاختزال في صورة شارحٍ لأرسطو أو قاضٍ مالكيٍّ جمع بين الفقه والفلسفة فحسب؛ ذلك أنّ الرجل لم يكن مجرّد ناقلٍ لمنطقٍ يوناني إلى فضاءٍ إسلامي، ولا مجرد مدافعٍ عن مشروعية النظر العقلي في وجه الاعتراضات الكلامية والفقهية، بل كان في العمق مهندسا دقيقا لخرائط الخطاب المعرفي، وبنّاءً لنظامٍ إبستمولوجيٍّ متكاملٍ يُعيد ترتيب طرائق القول ومراتب الإقناع وأنماط الوصول إلى الحقيقة بحسب اختلاف الموضوعات وتفاوت القابليات الإنسانية، وتمايز المقامات التداولية التي ينتظم فيها الخطاب.

إنّ النظر في العلاقة بين البرهان والجدل عنده لا ينبغي أن يُختزل في مقابلةٍ مدرسيةٍ بين يقينٍ وظنّ أو بين الفلسفة وعلم الكلام، وإنما ينبغي أن يُفهم ضمن مشروعٍ أوسع يروم إعادة بناء المجال المعرفي الإسلامي على أساس تمييزٍ دقيقٍ بين مراتب القول ودرجات التصديق، بحيث يستردّ العقل البرهاني مكانته بوصفه أداة الكشف عن الحقيقة في أعلى صورها، دون أن يُلغى بذلك وجود الخطابات الأخرى التي تضطلع بوظائف تربوية وتعليمية وجدالية وتدبيرية داخل الاجتماع الديني والسياسي.

ولقد كان ابن رشد واعيا بحدس الفيلسوف ودقة القاضي معا، بأنّ أكثر أزمات الثقافة الإسلامية في عصره لم تكن ناتجة عن غياب النصوص ولا عن انعدام النوايا الحسنة في طلب الحق، وإنما عن اختلاط مراتب الخطاب وفساد التمييز بين ما يُطلب فيه البرهان وما يُكتفى فيه بالجدل وما يُخاطَب به الخاصة وما يُلقى إلى العامة وما يكون من قبيل التعليم وما يكون من قبيل الإلزام أو الإقناع أو التخييل. وهذا الوعي العميق هو الذي يفسّر لنا لماذا اتخذ مشروعه في كثيرٍ من مواضعه شكل “تصفيةٍ منهجية” للمجال التداولي الإسلامي لا بهدف الهيمنة الفلسفية الجافة، بل بقصد ردّ كل صناعة إلى قانونها وكل خطاب إلى مرتبته وكل أداة إلى مجالها. ولعلّ هذا ما يجعل قراءة ابن رشد اليوم ضروريةً لا بوصفه صفحةً من تاريخ الفلسفة الإسلامية، بل بوصفه مفكرا في “أخلاق الخطاب المعرفي” قبل أن تتبلور هذه العبارة في الاصطلاح الحديث.

إنّ الفلسفة الرشدية ليست مجرد نظرٍ في الموجود بما هو موجود، بل هي أيضا نظرٌ في كيفيات القول في الموجود وفي الشروط التي تجعل قولا ما علما وتجعل آخر ظنا وتجعل ثالثا تمويها أو مغالطةً أو خطابا صالحا للعامة لا للخواص. إنّ سؤال البرهان والجدل في فكر ابن رشد هو في الجوهر سؤالٌ عن تراتبية العقل نفسه: كيف ينتظم العقل في مدارج؟ وكيف تتفاوت صوره بحسب الآلة والموضوع والمخاطب؟ وكيف يمكن أن يظلّ الدين مجالا للحقيقة دون أن يتحوّل إلى ساحةٍ للفوضى التأويلية؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تظلّ بحثا عن اليقين دون أن تنقلب إلى تعالٍ نخبويٍّ منفصلٍ عن شروط المدينة والمِلّة؟ إنّ هذه الأسئلة لا تُطرح عند ابن رشد عرضا بل هي لبّ مشروعه ومن دونها لا يمكن فهم “فصل المقال” ولا “الكشف عن مناهج الأدلة” ولا “تهافت التهافت” ولا حتى شروحه المنطقية والطبيعية والميتافيزيقية التي تبدو لأول وهلةٍ منفصلةً عن السجال الديني بينما هي في العمق جزءٌ من بناء آلة البرهان نفسها.

وقد أصاب طه عبد الرحمن على الرغم من اختلافه الجذري مع النزعة الرشدية في كثيرٍ من المقامات حين جعل من سؤال المنهج مفتاحا في فهم الفلاسفة المسلمين، إذ لا تُقاس قيمة الفيلسوف فقط بما يقرّره من نتائج بل بما يقيمه من شروطٍ للقول الصحيح. ولئن كان الجابري قد رأى في ابن رشد “لحظة اكتمال العقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية”، فإنّ هذا الحكم على وجاهته العامة، يحتاج إلى مزيدٍ من التدقيق؛ لأنّ ابن رشد لم يكن مجرّد ممثلٍ لـ”العقل البرهاني” في مقابل “العقل البياني” أو “العقل العرفاني”، بل كان على نحوٍ أدقّ، منظّرا للعلاقة بين الأنظمة الخطابية نفسها، وواعيا بأنّ البرهان لا يعمل في الفراغ وإنما يتحرك داخل عالمٍ مزدحمٍ بالجدل والخطابة والتخييل والسلطة والتأويل. إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده لا تعني تمجيد البرهان تمجيدا ميتافيزيقيا، بل تعني فهم البنية المركبة التي تجعل البرهان ممكنا وضروريا وتجعل الجدل في الوقت نفسه محدودا ومفيدا وخطرا معا.

لقد كان أرسطو الذي شغل في تكوين ابن رشد موقع المعلم الأوّل قد ميّز بوضوح بين البرهان والجدل والخطابة، وجعل لكلٍّ منها موضوعا وغرضا وأداةً ودرجةً في إفادة التصديق. فالبرهان عنده إنما يشتغل في الضروريات ويقوم على مقدماتٍ صادقةٍ أوليةٍ أو راجعةٍ إلى أوليات ويُنتج العلم اليقيني في حين أنّ الجدل يشتغل في المشهورات والمسلّمات ويُستخدم في الامتحان والمناقشة والتدريب والدفاع، أما الخطابة فغايتها الإقناع العملي في المجال المدني، وهي تعتمد على ما يقبل الجمهور. غير أنّ ابن رشد لم يكتفِ باستعادة هذا التقسيم الأرسطي بل أعاد توطينه في فضاء الثقافة الإسلامية وجعله أداةً لفهم العلاقة بين النص الديني وعلم الكلام والفقه والفلسفة والتأويل والسياسة الشرعية. وهنا تتجلّى عبقريته الحقيقية، لقد حوّل المنطق من كونه آلةً صورية إلى كونه مبدأً لتنظيم المجال الحضاري نفسه.

وليس بخَافٍ أنّ كثيرا من سوء الفهم الذي لحق بابن رشد قديما وحديثا، إنما نبع من قراءةٍ مبتسرةٍ لتمييزه بين طبقات الناس أو بين أنماط الخطاب حتى ظُنّ أنّه يؤسس لنخبويةٍ معرفيةٍ مغلقة، أو يُقنّن احتكار الحقيقة لفئة الفلاسفة أو يضع الدين في مرتبةٍ أدنى من الفلسفة بإطلاق. والحال أنّ قراءةً متأنيةً لنصوصه تكشف أنّ الأمر أعمق وأدقّ. فهو لا يقول إنّ الحقيقة تتعدّد بتعدّد الناس بل يرى أنّ الحقيقة واحدة، لكنّ طرائق الوصول إليها وسبل التمثّل بها تختلف باختلاف الاستعدادات والوظائف والمقامات. إنّ وحدة الحقيقة عنده لا تُلغي تعدّد الخطابات كما أنّ تعدّد الخطابات لا يُجيز نسبية الحقيقة. وحدث أن كان التمييز بين البرهان والجدل والخطابة تمييزا وظيفيا وإبستمولوجيا لا عنصريا ولا طبقيا بالمعنى الاجتماعي الفجّ. فالفيلسوف ليس أفضل لأنّه “طبقة”، بل لأنّه أقدر على استعمال آلةٍ مخصوصة في مقامٍ مخصوص. وإذا عجز عن ذلك أو خلط مقاما بمقام، فسد منهجه كما يفسد منهج المتكلّم إذا ادّعى البرهان فيما ليس ببرهان.

ومن أبلغ ما يلفت النظر في المشروع الرشدي أنّه لا يهاجم الجدل من حيث هو جملةً، بل يهاجم تضخّمه حين يتقمّص هيئة البرهان. وهذه نقطةٌ دقيقةٌ كثيرا ما تُغفل. فابن رشد يدرك أنّ الجدل ضرورةٌ في حياة العلوم والملل والمدن؛ إذ به يقع الامتحان وبه تُختبر المذاهب وبه يُدفع الشغب وبه تُدبّر مناظرات العموم وبه يتحقق من التدرّب على القضايا التي لا تتيسر فيها الشروط البرهانية الكاملة. لكنه في المقابل يرى أنّ آفة المتكلمين وبعض الفقهاء وبعض المنتسبين إلى الفلسفة أنفسهم، هي أنهم يرفعون الجدل إلى مرتبة البرهان، فيستعملون المقدمات المشهورة أو المظنونة أو المسلّمة استعمال المقدمات اليقينية ثم يطالبون بنتائج قطعية. وهنا يقع الخلل المنهجي الأعظم، لأنّ فساد النتيجة لا يكون حينئذٍ فقط في مضمونها بل في ادّعائها ما ليس لها من رتبةٍ معرفية.

ولعلّ هذا هو ما يجعل من نقده للغزالي في “تهافت التهافت” نقدا منهجيا قبل أن يكون نقدا مضمونيا. فابن رشد لا يردّ على الغزالي لأنه يخالف الفلاسفة في بعض النتائج فحسب، بل لأنه يرى أنّ الغزالي كثيرا ما يتحرك بين مقاماتٍ مختلفة دون أن يصرّح بحدود كل مقام، ينتقل من الجدل إلى البرهان ومن الخطابة إلى الإلزام ومن التلبيس على الخصم إلى ادعاء الكشف عن الحقيقة، ثم يعمم ما يصلح في مقام المناظرة على مقام التعليم البرهاني. وليس مقصدي هنا الانتقاص من الغزالي وهو أحد أعظم العقول الإسلامية بلا ريب، لكنّ المقصود الإشارة إلى أنّ ابن رشد كان شديد الحساسية تجاه “نقاء الصناعات” بتعبير القدماء، أي تجاه عدم خلط أدوات المعرفة بعضها ببعض. إنّ مشروعه ليس فقط دفاعا عن الفلسفة، بل دفاعٌ عن الانضباط الإبستمولوجي نفسه.

إنّ قول أرسطو في “التحليلات الثانية” إنّ “العلم لا يكون إلا بالبرهان” يجد عند ابن رشد صدىً خاصا، لكن هذا الصدى لا يمرّ بلا تعديل. فالعلم عند ابن رشد إذا أُخذ بمعناه الدقيق الكامل نعم، لا يكون إلا بالبرهان؛ غير أنّ حياة الإنسان الدينية والسياسية والأخلاقية لا تنتظم كلها على البرهان. هنا تتدخل الحاجة إلى أنماطٍ أخرى من الخطاب، ليس لأنها مساويةٌ للبرهان في إفادة اليقين، بل لأنها لازمةٌ لتدبير الاجتماع البشري ولإيصال الحقائق إلى من لا طاقة له بتجريداتها، ولحفظ نظام الشريعة في الجمهور. لذلك فإنّ من الخطأ الفادح أن نقرأ تراتبية الخطاب عنده باعتبارها تراتبيةً إقصائية؛ إنها تراتبيةٌ تكاملية في مستوى الوظيفة وإن كانت تفاضليةً في مستوى القيمة المعرفية.

وإذا كان أفلاطون قد أبدى في “الجمهورية” نوعا من الارتياب من الشعر والخطابة لما لهما من قوةٍ على تحريك النفس بعيدا عن الحقيقة، فإنّ ابن رشد وهو الشارح العميق للتراث اليوناني، لا يتبنّى هذا الارتياب على نحوٍ مطلق بل يُبقي للخطابة والتخييل وظيفةً تربويةً وسياسيةً ودينيةً معتبرة، ما دامت منضبطةً بغرض الحق. إنّ المشكلة ليست في وجود التخييل بل في انفلاته من الحقيقة؛ وليست في الخطابة بل في ادّعائها ما ليس لها؛ وليست في الجدل بل في تحوّله إلى بديلٍ دائمٍ عن البرهان. ولذلك فإنّ “إعادة القراءة” التي يقتضيها موضوعنا لا بد أن تتحرر من الصورة المبسطة التي تجعل ابن رشد داعيةً إلى “ديكتاتورية البرهان” لأنّ نصوصه نفسها أكثر تركيبا من ذلك.

لقد قرّر ابن رشد في “فصل المقال” تقريرا بالغ الأهمية حين قال ما معناه إنّ الشريعة قد أوجبت النظر بالعقل في الموجودات، لأنّ الموجودات تدلّ على الصانع، وكلما كانت المعرفة بصنعتها أتمّ كانت المعرفة بالصانع أتمّ. وهذه العبارة على وجازتها، تؤسس لقاعدةٍ مزدوجة، أولا : إنّ النظر العقلي ليس أمرا مباحا فحسب، بل هو مطلوبٌ شرعا؛ وثانيا : إنّ هذا النظر ليس نظرا كيفيا، بل يجب أن يكون بأكمل الآلات وأصحّ المناهج. وهنا ينتقل ابن رشد من مجرد إثبات المشروعية إلى الحديث عن الأداة أي عن المنطق والبرهان. فإذا كان الشرع قد دعا إلى النظر فليس كلّ نظرٍ نظرا صحيحا، كما أنّه ليس كلّ متكلمٍ في العقائد قد أصاب حقيقة العقيدة. ومن ثمّ فإنّ الدعوة إلى البرهان عنده ليست ترفا فلسفيا، بل استكمالٌ لمقتضى الشرع نفسه.

وتكتسب عبارته الشهيرة هذا السياق دلالتها القصوى: “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”. إنّها ليست مجرد شعارٍ تصالحيٍّ بين الفلسفة والدين، بل هي قاعدةٌ منهجية صارمة. فإذا تعارض البرهان الصحيح مع ظاهر النص فإنّ الخلل لا يكون في البرهان بل في فهمنا لظاهر النص فيلزم التأويل لمن كان من أهله. لكن التأويل هنا ليس عبثا ولا إطلاقا لعنان الباطنية، بل هو عملٌ مضبوطٌ بقواعد اللغة والشرع ومراتب الناس. ولذلك فإنّ البرهان عند ابن رشد لا يشتغل ضد النص، بل يشتغل في خدمة الفهم الأعمق للنص، مع الحفاظ على النظام التداولي الذي يمنع إشاعة التأويلات البرهانية بين من لا يطيقها. ونفهم هنا أنّ تراتبية الخطاب ليست فقط إبستمولوجية بل أيضا تداولية وأخلاقية.

ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون الذي جاء بعد ابن رشد بقرون، حين قال في مقدمته إنّ المنطق “قانونٌ يعصم مراعاته الذهن عن الخطأ في الفكر”. هذه العبارة وإن جاءت في سياقٍ مغاير، تلخّص روح المشروع الرشدي في أحد أبعاده: فالمشكلة ليست في كثرة التفكير بل في فساد قوانينه؛ وليست في الرغبة في نصرة العقائد بل في سوء الآلات المستعملة لذلك. وقد أدرك ابن رشد أنّ كثيرا من المتكلمين، وإن قصدوا الدفاع عن الدين قد يسيئون إليه من حيث لا يشعرون حين يجعلون الظنون يقينيات أو يشيعون شبهاتٍ معقّدة بين العامة أو يخلطون بين مقتضيات الإلزام الجدلي وشروط الكشف البرهاني. ولهذا نجده في “الكشف عن مناهج الأدلة” شديد العناية ببيان أنّ الأدلة الشرعية الأصلية في باب العقائد ليست على الصورة التي بناها المتكلمون، وأنّ القرآن نفسه يعتمد أنماطا من الاستدلال أقرب إلى الفطرة وإلى الإقناع الحقّ، لا إلى تعقيدات الجدل المصطنع.

إنّ هذا الموقف من علم الكلام لا ينبغي أن يُفهم بوصفه عداءً ساذجا لهذا العلم، بل بوصفه نقدا لنسخته المتضخمة التي استبدلت صفاء الدلالة القرآنية بخصوماتٍ منطقيةٍ متشابكة لا تنتهي. لقد كان ابن رشد يرى أنّ المتكلمين في كثيرٍ من مسائلهم لا يكتفون بالردّ على الخصوم، بل يصنعون الخصومة نفسها ويولّدون أسئلةً لم تكن لازمةً للشرع ولا للفطرة، ثم يقدّمون أجوبةً جدليةً مضطربة فيختلط الأمر على الخاصة والعامة معا. وهنا يتجلى عمق عبارته الضمنية التي يمكن استخلاصها من مجموع مشروعه، ليست كلّ زيادةٍ في الكلام زيادةً في العلم، كما أنّ ليست كلّ شدةٍ في الدفاع شدةً في اليقين. وكم يشبه هذا ما قاله فتغنشتاين في أفقٍ مغايرٍ تماما، حين رأى أنّ كثيرا من المشكلات الفلسفية تنشأ من “سحر اللغة” ومن سوء استعمالها. فابن رشد بطريقته الخاصة كان يواجه أيضا سحر اللغة حين تنفلت من قوانين البرهان أو تتورّط في جدلٍ يتغذّى من نفسه.

إنّ تراتبية أنماط الخطاب عند ابن رشد لا تنفصل عن تصوره للإنسان نفسه. فالإنسان عنده ليس ذاتا متجانسةً في قواها الإدراكية، بل هو كائنٌ تتفاوت فيه الاستعدادات، فمن الناس من يبلغ حدّ النظر البرهاني ومنهم من يقف عند الجدل ومنهم من يتلقى عبر الخطابة والتمثيل. وهذه التراتبية ليست حطا من قدر أحد، بل وصفٌ لواقع التفاوت الإنساني في الملكات. وقد سبق الفارابي إلى بعض هذا المعنى حين ميّز بين طرق التعليم والتخييل ورأى أنّ المدينة الفاضلة لا تستغني عن الصور الخطابية في تبليغ الحقائق العليا إلى الجمهور. غير أنّ ابن رشد يمنح هذا التمييز صرامةً أشدّ لأنه يربطه بمسألة التأويل ومسؤولية تداول المعاني. فليس كلّ ما يصحّ في البرهان يصحّ أن يُذاع لا لأنّ الحقيقة خطرٌ في ذاتها، بل لأنّ سوء تلقيها خطرٌ على المتلقي وعلى النظام الديني معا.

وقد يبدو هذا الموقف بعيونٍ حديثة محافظا أو أبويا أو نخبويا، لكنّ الإنصاف التاريخي والفلسفي يقتضي فهمه في سياقه. فابن رشد كان يكتب في زمنٍ تتداخل فيه العقيدة بالسلطة والتعليم بالدعوة والمناظرة بالمذهب، وحيث يمكن لكلمةٍ في التأويل أن تُفضي إلى فتنةٍ دينية أو سياسية. لذلك فإنّ حرصه على ضبط التداول ليس فقط حرصا معرفيا، بل هو أيضا حرصٌ مدنيّ. ومن هنا نفهم لماذا كان يميّز بين “أهل البرهان” و”أهل الجدل” و”أهل الخطابة” من جهة القدرة والوظيفة، لا من جهة الإنسانية أو الكرامة. إنّه يوزّع أنماط الخطاب بحسب قابلية الاستفادة منها، تماما كما يوزّع الطبيب الأدوية بحسب الأجسام، لا لأنّ بعض الأجسام أشرف جوهريا، بل لأنّ الاستعدادات تختلف.

على أنّ ما يلفت الانتباه في الرؤية الرشدية هو أنّ الجدل رغم مرتبته الأدنى من البرهان، ليس مجرد خطابٍ ساقط القيمة. فالجَدل في أصله الأرسطي أداةٌ نبيلة إذا استُعملت في حدودها، به تُمحص الآراء وتُختبر المقدمات وتُربّى النفس على المناظرة ويُدفع الخصم بما يسلّم به وتُحفظ مساحة النقاش في المجال العمومي. بل إنّ البرهان نفسه قد يحتاج في مقام التعليم أو التمهيد إلى قدرٍ من الجدل. غير أنّ الكارثة تقع حين يصبح الجدل نمطا دائما للعقل، فتتحول المعرفة إلى معركةٍ لا إلى كشف، ويصير المقصود من القول قهر الخصم لا إصابة الحق. وهنا نكاد نسمع صدى قول الشافعي: “ما ناظرت أحدا إلا وددت أن يُظهر الله الحق على لسانه”. هذا الخلق المعرفي الرفيع هو في جوهره ما يدافع عنه ابن رشد وإن بلغةٍ منطقيةٍ فلسفية، وهو أن يكون المقصود من النظر هو الحقيقة لا الغلبة.

ولذلك فإنّ نقده للمتكلمين لا ينفصل عن نقده لآفةٍ إنسانيةٍ عامة، آفة تحويل الفكر إلى خصومة. وهذا ما يجعل مشروعه معاصرا على نحوٍ مدهش. ففي الأزمنة التي يعلو فيها الصخب ويختلط فيها التحليل بالتعبئة وتُرفع فيها الشعارات مقام الحجج ويُسوّق فيها الظنّ بوصفه يقينا، يعود ابن رشد ليذكّرنا بأنّ تمييز مراتب الخطاب ليس ترفا أكاديميا، بل شرطٌ من شروط السلامة الحضارية. إنّ الأمة التي لا تميّز بين البرهان والجدل والخطابة، سرعان ما تتحول فيها المعارف إلى أيديولوجيات، والأيديولوجيات إلى خصومات، والخصومات إلى انقسامات.

ولعلّ من أعمق ما ينبغي الانتباه إليه في إعادة قراءة التراتبية الرشدية أنّها لا تقوم على إلغاء الخطابات الدنيا، بل على منعها من ادّعاء السيادة في غير مجالها. فالخطيب له مقامه والفقيه له مقامه والمتكلم له مقامه والفيلسوف له مقامه؛ لكن فساد العمران العقلي يبدأ حين يتكلم الخطيب بلغة البرهان وهو لا يملكها، أو يدّعي المتكلم اليقين فيما لا يتجاوز حدود المشهور أو يستخفّ الفيلسوف بوظيفة التمثيل والتبليغ أو يتجاوز الفقيه حدّ الاستنباط إلى مصادرة النظر في الوجود من غير آلة. من حيث هذا المنحى فإنّ مشروع ابن رشد هو مشروع “عدالة معرفية” داخل المدينة الإسلامية، كلّ صناعةٍ تُعطى حقّها ولا تتعدى طورها. وقد أدرك بعض الدارسين المحدثين مثل ليو شتراوس وإن اختلفت قراءاته، أنّ النص الرشدي يشتغل على أكثر من طبقة، طبقةٍ تعليميةٍ ظاهرة وطبقةٍ منهجيةٍ أعمق وطبقةٍ تداوليةٍ تتصل بمن يجوز له أن يعلم ماذا وكيف ومتى. غير أنّ هذه القراءة لا ينبغي أن تُغري بالتأويل المفرط بحيث يتحول ابن رشد إلى صاحب “أسرار” نخبويّة مغلقة؛ فالرجل في نهاية الأمر واضحٌ في مقاصده الكبرى: يريد صون الحقيقة وصون الشرع وصون العقل من فساد الأدوات. وهذه الثلاثية هي التي تنتظم تحتها جميع تفصيلاته في البرهان والجدل والتأويل.

إنّ عبارة ديكارت الشهيرة: “لا يكفي أن يكون للمرء عقلٌ جيّد، بل المهم أن يحسن استعماله” تبدو على بُعد القرون كأنها تلخّص شيئا من الروح الرشدية وإن اختلفت الأنساق والسياقات. فالعقل عند ابن رشد ليس مجرد ملكةٍ مشتركة، بل هو ممارسةٌ منضبطةٌ بآلةٍ وقانون. ولهذا لم يكن البرهان عنده مجرّد فضيلةٍ ذهنية بل كان صناعةً لها شروطها، مقدماتٌ يقينية، ترتيبٌ صحيح، انتقالٌ مشروع وموضوعٌ قابلٌ لهذا النمط من النظر. أما الجدل فله شروط أخرى، وإذا استُعملت شروطه في مقام البرهان لم ينتج إلا التباسا مضاعفا. إنّ إعادة الاعتبار للبرهان في فكر ابن رشد ليست دعوةً إلى “عقلانية” عامة فضفاضة، بل إلى عقلانيةٍ منضبطةٍ بصرامةٍ إبستمولوجية.

إنّنا إذا أردنا أن نلج إلى صميم المشروع الرشدي في هذا الباب وجب علينا أن نتحرر من ثنائيةٍ شائعةٍ لكنها مضللة: ثنائية “الفلسفة ضد الدين” أو “العقل ضد النقل”. فابن رشد في حقيقة أمره لا يبني هذه الثنائية بل يتجاوزها عبر بناءٍ أكثر تعقيدا: “البرهان ضدّ التوهم”، “الجدل المشروع ضدّ الجدل المتضخم”، “التأويل المنضبط ضدّ العبث التأويلي”، “تعدّد طرائق التعليم مع وحدة الحقيقة”. ويترتب عن هذا أهمية إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عنده؛ لأنّها تسمح لنا بفهم ابن رشد لا بوصفه مجرد مدافعٍ عن الفلسفة، بل بوصفه ناقدا راديكاليا لاضطراب المجال المعرفي، ومؤسسا لنوعٍ من الهندسة الدقيقة للقول الحق.

إنّ التوغّل في صميم المشروع الرشدي في مسألة البرهان والجدل يقتضي أن ننتقل من مستوى التقديم العام إلى مستوى البنية الداخلية التي ينتظم بها هذا المشروع، لأنّ ابن رشد لا يكتفي بإعلان تفضيل البرهان على الجدل، ولا يكتفي بالتصريح بأنّ الفلسفة أليق بطلب اليقين من علم الكلام، بل ينسج من وراء ذلك نظاما دقيقا من التراتب المعرفي، تتداخل فيه مبادئ المنطق الأرسطي ومقتضيات النظر الشرعي وأخلاق التعليم وحدود التأويل ووظائف الخطاب في الاجتماع الإنساني. وهذا ما يجعل مسألة البرهان والجدل عنده أقرب إلى أن تكون “نظريةً في انتظام الحقيقة” منها إلى مجرد مفاضلةٍ مدرسية بين صناعتين منطقيتين. فالحقيقة في المنظور الرشدي لا تُنال على وتيرة واحدة ولا تُلقى إلى الناس على صورة واحدة ولا تُدار في المدينة بالوسائل نفسها التي تُدار بها في حلقة البرهان. إنّ التراتبية ليست زينةً تصنيفية، بل هي ضرورةٌ أنطولوجية وإبستمولوجية وسياسية في آنٍ معا.

لقد استوعب ابن رشد الإرث الأرسطي في تقسيم الصناعات القولية استيعابا عميقا، ولم يتعامل معه تعامُل الشارح الذي يفسّر نصا سابقا وحسب، بل تعامل معه تعامُل المفكر الذي ينقل منطقا من بيئةٍ إلى بيئة ويختبر قابليته لإعادة التنظيم داخل فضاءٍ مغاير. فالبرهان في أصله الأرسطي صناعةٌ تؤدي إلى العلم، والعلم إنما هو معرفة الشيء بأسبابه على وجه الضرورة، ولذلك لا بدّ أن تكون مقدماته يقينية أولية أو راجعةً إلى أوليات ضرورية أو أكثرية لا من جهة الظنّ بل من جهة الثبات في طبيعة الموضوع. أمّا الجدل فهو صناعةٌ تقوم على المشهورات والمسلّمات، غايتها الامتحان والإلزام والمناقشة، ولا تُنتج في ذاتها يقينا، بل ترجيحا أو إلزاما بحسب ما يسلّم به الخصم. وأما الخطابة فهي أداة الإقناع العملي التي تعتمد على المقبولات العامة والصور المؤثرة. لكن ابن رشد حين يُدخل هذه الصناعات إلى الفضاء الإسلامي لا يجعلها مجرد تقسيمٍ مدرسي بل يجعلها أداةً لفهم أنماط الاستدلال في العلوم الشرعية ذاتها ووسيلةً لتمييز الصحيح من الفاسد في الممارسة الكلامية والفقهية والفلسفية.

وتظهر هنا قوة الحسّ المنهجي عنده؛ لأنّه لا ينظر إلى البرهان باعتباره فقط صناعةً أرسطيةً يونانية، بل باعتباره أكمل صورةٍ للنظر العقلي الذي أذن به الشرع بل دعا إليه. إنّ البرهان عنده لا يكتسب شرعيته من أرسطو بل من كونه أتمّ أدوات العقل في إدراك الموجودات على ما هي عليه، والشرع إنما حثّ على النظر في الموجودات من حيث دلالتها على الصانع. إنّ الاستفادة من المنطق ليست اقتباسا أجنبيا بالمعنى الثقافي الضيق، وإنما هي استعمالٌ لآلةٍ إنسانية كونية، تماما كما أنّ الفقهاء يستعملون اللغة والنحو والأصول بوصفها آلاتٍ لفهم النصوص. ولهذا كان ابن رشد شديد الوضوح حين اعتبر أنّ من منع النظر في كتب القدماء النافعة لأجل صدور بعض الضرر عن بعض الناظرين فيها يشبه من يمنع العطشان من الماء البارد لأنّ قوما شرقوا به. وهذه العبارة ليست مجرد دفاعٍ بلاغي عن الفلسفة بل إعلانٌ عن مبدأٍ منهجي، قيمة الآلة تُقاس بوجهها الصحيح لا بسوء استعمال بعض الناس لها.

وتتضح طبيعة اعتراضه على المتكلمين هنا، حيث إنّه لا يعترض على أنهم استعملوا العقل بل على نوع العقل الذي استعملوه وعلى رتبة المقدمات التي بنوا عليها وعلى ادعائهم من النتائج ما لا تسعفه مقدماتهم. فالمتكلم في أغلب صورته التي ينتقدها ابن رشد لا ينطلق من مقدماتٍ برهانية بل من مشهوراتٍ مذهبية أو مسلّماتٍ سجالية أو تقسيماتٍ ذهنية وُضعت أصلا لردّ الخصوم، ثم يُرتّب عليها نتائج يدّعي لها القطع. وبهذا يتحوّل الجدل إلى برهانٍ مزيّف أو إلى ما يمكن أن نسميه “يقينا جدليا متوهَّما”، وهو أخطر من الشكّ الصريح؛ لأنّ صاحبه يظنّ نفسه قد بلغ غاية العلم، فلا يطلب مزيدا من التمحيص. وقد كان ابن رشد يدرك أنّ أعظم الأخطار المعرفية ليست في الجهل البسيط بل في الجهل المركب الذي يلبس لباس العلم.

ولهذا فإنّ نقده لطرائق المتكلمين في إثبات الصانع وفي بناء العقائد وفي تقرير الصفات لا ينطلق فقط من اختلافٍ في النتائج بل من اختلافٍ في تصور ماهية الدليل نفسه. ففي “الكشف عن مناهج الأدلة” يسعى إلى بيان أنّ الطرق التي اعتمدها كثيرٌ من المتكلمين في تقرير العقائد ليست هي الطرق القرآنية وأنّ القرآن لا يُلزم الناس بمسالك تجريدية متكلّفة من قبيل دليل الجوهر الفرد أو امتناع حوادث لا أول لها أو غير ذلك من الأدلة التي تحوّلت إلى تراثٍ كلاميٍّ مدرسي. إنه يرى أنّ هذه الأدلة وإن أفادت بعض المتدرّبين في مجال الجدل فإنها ليست أنسب الأدلة لا للعامة ولا حتى لكثيرٍ من الخاصة، لأنّها لا تتأسس على ما هو بيّنٌ بالطبع ولا على ما هو أقرب إلى الفطرة الإنسانية في الاستدلال. وهنا يبرز تمييزه الدقيق بين “القوة الإلزامية” و”القوة الكشفية” ، فقد يكون الدليل ملزما في مقام الجدل، لكنه غير كاشفٍ في مقام الحقيقة وقد يكون صالحا لإفحام الخصم لكنه غير صالحٍ لبناء يقينٍ راسخ في النفس.

وهذا من أعمق أبعاد المشروع الرشدي؛ لأنّه يُذكّرنا بأنّ كل خطابٍ ينجح في إسكات الخصم ليس بالضرورة خطابا ينجح في تأسيس العلم. لقد انتبه ابن رشد مبكرا إلى هذا الفرق وهو فرقٌ يكاد يضيع في كثيرٍ من المناظرات الدينية والفكرية حين تختلط وظيفة “الانتصار” بوظيفة “الإبانة”. ومن هنا كان يُلحّ على أنّ الجدل له مقام، لكنه ليس مقام التعليم الأعلى. وقد سبق أرسطو إلى القول إنّ الجدل نافعٌ في التمرين وفي المحاورة وفي النظر في المبادئ، لكنّه ليس بديلاً عن البرهان في العلوم. غير أنّ ابن رشد أعاد لهذه الفكرة صرامتها داخل السياق الإسلامي حيث كان علم الكلام قد اكتسب سلطةً واسعة وصار يُقدَّم في كثيرٍ من الأحيان بوصفه الطريق الأوحد أو الأرفع في تقرير العقائد. فكان لا بدّ من زحزحة هذه المركزية الجدلية وردّها إلى حدودها الطبيعية.

على أنّ موقفه من الجدل لا ينبغي أن يُفهم على أنّه إلغاءٌ لوظيفته لأنّ الجدل في التصور الرشدي يظلّ ضروريّا من جهاتٍ عديدة. فهو ضروريٌّ في مقام المناظرة مع الخصوم الذين لا يسلّمون بالمقدمات البرهانية أو لا يحسنون فهمها؛ وهو ضروريٌّ في مقام التعليم التمهيدي إذ قد يحتاج المتعلم إلى التدرج من المشهور إلى اليقين؛ وهو ضروريٌّ في مقام حفظ النظام العام حين لا يمكن للمدينة أن تُدار كلها بلسان الفلسفة. لكن الضرورة هنا ليست مساواةً في الرتبة. إنّ ابن رشد لا يحطّ من قيمة الجدل من حيث الحاجة وإنما يحطّ من دعواه إذا تجاوز حدّه. وهذه نقطةٌ لا بدّ من التشديد عليها، لأنّ كثيرا من القراءات المعاصرة تجعل الرشدية وكأنها استبعادٌ لكلّ ما ليس برهانا، والحال أنّ نصوصه نفسها تقيم نوعا من الاقتصاد المعرفي الذي يوزّع الوظائف بدل أن ينسفها.

ومن هذا الاقتصاد المعرفي تتولّد مسألة التأويل وهي من أخطر المسائل في النسق الرشدي، بل لعلّها الحلقة التي تتجلّى فيها بأوضح صورةٍ علاقة البرهان بالجدل والخطابة. فابن رشد حين يقرّر أنّ النصوص الشرعية قد يرد فيها ما يقتضي ظاهره معنىً يخالف ما انتهى إليه البرهان القطعي، لا يرى في ذلك تناقضا حقيقيا، لأنّ الحق لا يضاد الحق. ومن ثمّ فإنّ الواجب هو حمل اللفظ على معنىً تأويليٍّ سائغ إذا كان اللسان العربي يحتمله وكان المقام يقتضيه. لكن هذا التأويل ليس مباحا على الإطلاق ولا يُذاع لكل أحد ولا يتحوّل إلى سوقٍ مفتوحٍ للتأويلات المتنازعة. إنّه عملٌ خاصّ بأهل البرهان الذين جمعوا بين العلم بالشريعة والعلم بقوانين النظر. وهنا تكتسب التراتبية الخطابية وظيفتها القصوى، فالنص الواحد قد يُتلقى خطابيا عند الجمهور وجدليا عند المتكلم وبرهانيا عند الفيلسوف دون أن يعني ذلك تعدّد الحقيقة في ذاتها، بل تعدّد سبل تمثّلها.

ولعلّ هذه النقطة هي أكثر نقاط الرشدية إثارةً للجدل في القديم والحديث. فقد رأى فيها بعضهم تأسيسا لازدواجية الحقيقة، أو على الأقل لإمكانية عيش المعنى على مستويين: مستوى ظاهرٍ للعامة ومستوى أعمق للخاصة. لكن هذا الفهم وإن كان قد راج في بعض القراءات اللاتينية الوسيطة لا يعبّر بدقة عن النص الرشدي. فابن رشد لا يقول بحقيقتين متناقضتين بل بحقيقةٍ واحدة تتفاوت طرائق عرضها وفهمها، والفرق بين الأمرين جوهري. إنّ الازدواجية تفترض إمكان صدق النقيضين في مستويين مختلفين، أما الرشدية فتفترض أنّ الظاهر إذا تعارض مع القطعي البرهاني وجب حمله على معنى يرفع التعارض. إنّها وحدةٌ في الحقيقة لا ثنائية. لكن هذه الوحدة نفسها تحتاج إلى هندسةٍ تداولية دقيقة، وإلا تحولت إلى فوضى تأويلية أو إلى باطنية منفلتة.

وقد كان ابن رشد شديد التحفّظ على إشاعة التأويلات البرهانية بين الجمهور. وهو تحفّظٌ لا يصدر عن احتقارٍ للعامة كما يتوهّم بعض المعاصرين، بل عن إدراكٍ لطبيعة الخطاب الديني في الاجتماع البشري. فالعامة لا تنتظم حياتهم الأخلاقية والعبادية والسياسية على المجردات العقلية، بل على الصور القريبة والتمثيلات المؤثرة والمواعظ البليغة والظواهر الواضحة. وإذا كُشفت لهم تأويلاتٌ لا يحسنون حملها، اختلّ في نفوسهم معنى النص وربما سقطوا بين شكٍّ بلا آلة أو إنكارٍ بلا علم أو تأويلٍ بلا ضابط. ولذلك كان كتمان بعض التأويلات عنده نوعا من السياسة التعليمية لا نوعا من الكهانة المعرفية. وقد أشار أبو حامد الغزالي نفسه على الرغم من خصومته الشهيرة مع الفلاسفة إلى شيءٍ قريب من هذا حين فرّق بين ما يجوز أن يُذكر للعامة وما ينبغي أن يُحفظ للخاصة. غير أنّ الفرق بين الرجلين أنّ الغزالي يوسّع دائرة الكشف الروحي والذوقي، بينما ابن رشد يضيّقها إلى ما يثبته البرهان المنضبط.

وإذا استحضرنا هنا الفارابي وجدنا أنّ ابن رشد يقف على مسافةٍ منه ومعه في الآن نفسه. فالفارابي كان قد بنى نظريةً متكاملة في علاقة الفلسفة بالمِلّة ورأى أنّ الملة الفاضلة تمثيلٌ تخييلي للحقائق الفلسفية وأنّ رئيس المدينة يجمع بين الحكمة والقدرة على التخييل السياسي والديني. لكن ابن رشد وإن استفاد ضمنا من هذا الأفق لا يذيب الشريعة في مجرد “تمثيل” للفلسفة كما قد يُفهم من بعض الصياغات الفارابية، بل يُبقي للنص الشرعي سلطته ومقصديته ويرى أنّه حقٌّ من عند الله وأنّ البرهان لا يكشف عن بديلٍ له بل عن باطنه الموافق للحق. فالعلاقة بين الفلسفة والشريعة عنده ليست علاقة أصلٍ وصورةٍ على نحوٍ تبسيطي، بل علاقة تواشجٍ بين مصدرين للحقيقة، الوحي من جهة والنظر البرهاني من جهة على قاعدة امتناع التضاد بينهما. ولذلك فإنّ تراتبية أنماط الخطاب عنده لا تُفهم إلا إذا وُضعت ضمن هذه الثنائية المتكاملة، ثنائية المصدر ووحدة الحقيقة. فالشريعة تخاطب الناس جميعا ومن طبيعتها أن تستوعب التفاوت البشري، ولذلك تشتمل على الظاهر الذي ينتفع به الجمهور وعلى الإشارات التي ينتفع بها أهل النظر وعلى ما يثير الخيال الصالح للعمل وعلى ما يدعو العقل إلى الاعتبار. أما البرهان فهو طريق الخاصة إلى التحقق العلمي بما تشير إليه النصوص على وجهٍ أتمّ. وأما الجدل فهو أداةٌ وسطى تصلح للمحاجة والتمرين والدفاع، لكنها لا ينبغي أن تُحتلّ بها ساحة اليقين. إنّ ابن رشد يعيد بناء هرمٍ معرفيٍّ كامل، في قمته البرهان وفي وسطه الجدل وفي قاعدته الخطابة والتخييل مع بقاء التداخل الوظيفي حيث تقتضيه الحاجة لا حيث يفضي إلى خلط الرتب.

وهذا الهرم لا يخصّ العقائد وحدها بل يمتدّ إلى صورة الإنسان العالم في الحضارة الإسلامية. فالعالم في التصور الرشدي ليس من يكثر الحفظ أو يشتدّ الجدل أو يحسن السجال، بل من يعرف رتبة قوله وحدود آلته. ولعلّ هذا من أرقى أشكال التواضع المعرفي. إنّ الفقيه الذي يقرّ بحدود الفقه في مسائل الوجود الكلي والمتكلم الذي يقرّ بحدود الجدل في إنتاج اليقين والفيلسوف الذي يقرّ بحاجة المدينة إلى الخطابة والتمثيل، كلهم أقرب إلى الحكمة من أولئك الذين يمدّون صناعاتهم إلى ما وراء طورها. وقد عبّر باسكال في سياقٍ مسيحيٍّ مختلف عن شيءٍ قريب حين قال إنّ “الهندسة” لا تصلح لكلّ شيء وإنّ “روح الهندسة” و”روح الفطنة” متمايزتان. غير أنّ ابن رشد يذهب أبعد من ذلك، ليس فقط لكلّ مجالٍ روحه بل لكلّ مجالٍ خطابه وفساد العالم يبدأ من ادّعاء خطابٍ ما أنّه كافٍ وحده لكلّ شيء. ويمكن أن نفهم انطلاقا من هذا الأساس أيضا العلاقة المعقدة بين الفقه والبرهان عند ابن رشد. فهو قاضٍ مالكيّ وصاحب “بداية المجتهد”، أي إنه ليس فيلسوفا منفصلا عن الصناعة الفقهية. لكنّ تجربته الفقهية نفسها تزيده وعيا بحدود الخطاب الفقهي. فالفقه في جانبٍ كبيرٍ منه يشتغل في دائرة الظنّ الراجح والاجتهاد العملي وتنزيل الكليات على الجزئيات، لا في دائرة اليقين البرهاني المطلق كما في بعض العلوم النظرية. ولذلك لا يطلب منه ما يُطلب من البرهان الفلسفي في كلّ موضع. ومع ذلك فإنّ الفقيه يمكن أن يستفيد من صرامة البرهان في تنظيم الاستدلال ومنع المغالطة. وتبرز هنا إحدى خصائص العبقرية الرشدية، ليست الغاية عنده صبّ جميع العلوم في قالبٍ واحد، بل إعطاء كلّ علمٍ منطقه الداخلي مع الاستفادة من قانون العقل حيث يصلح.

وقد نبه الشاطبي بعده إلى معنى قريب حين جعل الشريعة مبنيةً على مقاصد كلية وعلى مراعاة فهم المكلّفين، وأنّ التكليف لا يُناط بما يخرج عن الوسع العام. فإذا أسقطنا هذا المعنى على الرشدية أمكننا القول إنّ ابن رشد يميّز بين “الحقيقة بما هي كذلك” و”الحقيقة بما ينبغي أن تُبلَّغ”. وهذه التفرقة ليست خيانةً للحقيقة، بل من صميم الحكمة في تبليغها. وقد عبّر ابن مسكويه من قبل عن فكرةٍ قريبة حين ربط الفضيلة بحسن التدبير لا بمجرد العلم النظري. فالبرهان مهما علت مرتبته لا يُغني وحده عن فقه المقامات وابن رشد يدرك ذلك جيدا. ولذلك فإنّ مشروعه ليس عقلانيةً مجردةً معلّقةً في الفراغ بل عقلانيةٌ مدنيةٌ واعيةٌ بشروط التداول.

وإذا جئنا إلى القراءات الحديثة لابن رشد وجدنا أنّ بعضها مع ما فيه من فضلٍ كبير، قد وقع في نوعٍ من التبسيط الأيديولوجي. فمحمد عابد الجابري في مشروعه النقدي المعروف رفع من شأن ابن رشد بوصفه الممثل الأصفى لـ”العقل البرهاني” في الثقافة العربية الإسلامية، وجعل الرشدية لحظةً حاسمة في الصراع بين البيان والعرفان والبرهان. ولا ريب أنّ في هذا التشخيص قدرا معتبرا من الصواب، خصوصا من جهة إبراز مركزية البرهان في النسق الرشدي. غير أنّ هذا التأطير إذا أُخذ على إطلاقه قد يحجب الوجه الآخر من الرشدية، أعني كونها ليست مجرد انتصارٍ للبرهان بل أيضا تنظيرٌ معقدٌ لعلاقة البرهان بسائر الخطابات وإقرارٌ بوظائفها وحدودها. فابن رشد ليس فيلسوف “القطيعة” التامة مع الجدل والخطابة بل فيلسوف “الترتيب” و”الضبط” و”التوزيع”.

أما طه عبد الرحمن فعلى الرغم من نقده العميق للمشاريع التي تعيد بناء العقل العربي على أساسٍ برهانيٍّ خالص، فإنّ اعتراضاته تظلّ نافعةً في تنبيهنا إلى أنّ العقل البرهاني ليس وحده مصدر المعنى في التجربة الإنسانية وأنّ الأخلاق والذوق والائتمان عناصر لا يجوز محوها باسم البرهنة. غير أنّ هذا النقد مع وجاهته في بعض أبعاده لا ينقض الرشدية بقدر ما يدعونا إلى إعادة فهمها في حدودها الصحيحة؛ لأنّ ابن رشد نفسه لم يكن يزعم أنّ البرهان يكفي لتدبير كلّ مجالات الوجود الإنساني على الصورة نفسها بل كان يصرّ على تعدد الخطابات مع وحدة الحقيقة. نعم، هو يمنح البرهان السيادة في مقام الكشف النظري لكنه لا يلغي الخطابة في مقام التبليغ ولا الجدل في مقام المحاجة ولا الفقه في مقام العمل. ومن ثمّ فإنّ القراءة الأكثر إنصافا له هي التي ترى فيه مفكرا للتراتبية لا مجرد داعيةٍ إلى أحادية البرهان.

إنّ الحاجة إلى ابن رشد اليوم لا تكمن في استعادته بوصفه رمزا تراثيا في مواجهة خصوم الحداثة ولا في جعله أيقونةً إيديولوجية للصراع بين “العقل” و”الظلام”، كما يفعل بعض الخطاب التبسيطي بل في استعادته بوصفه معلّما في الانضباط المعرفي. لقد صار عالمنا المعاصر على اتساع أدواته أشدّ عرضةً لالتباس الرتب: تُسوَّق الآراء الخطابية بوصفها حقائق علمية وتُبنى القناعات العامة على مؤثراتٍ نفسية لا على حجج، وتُقدَّم المناظرات الإعلامية على أنّها تفكير ويُخلط بين الإثارة والبرهنة وبين الجدل الشبكيّ والبحث المعرفيّ. وهنا يبدو ابن رشد معاصرا بصورةٍ لافتة، إنّه يذكّرنا بأنّ أول شرطٍ للسلامة الفكرية هو أن نعرف أيّ نوعٍ من الخطاب نستعمل وما الذي يمكن أن ينتجه وما الذي لا يحقّ له أن يدّعيه.

إنّ أخطر ما في الجدل قديما وحديثا ليس أنه ضعيفٌ فقط بل أنه قادرٌ على محاكاة البرهان في الصورة الخارجية. فهو يستعمل اللغة نفسها تقريبا ويعتمد المقدمات والنتائج ويستعير هيئة الاستدلال، لكنه يبقى قائما على مسلّماتٍ لم تُمحَّص أو على مشهوراتٍ لم تُرتّب في مقامها الصحيح. ولذلك فإنّ الوعي بالفرق بين البرهان والجدل ليس شأنا منطقيا تقنيا فحسب، بل هو تربيةٌ على النزاهة العقلية. إنّ الإنسان البرهاني في المعنى الرشدي ليس فقط من يقدر على إقامة الدليل بل من يترفّع عن ادّعاء اليقين حيث لا يملكه. وهذا خُلُقٌ علميٌّ نادر وربما هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى.

إنّ ابن رشد في معركته مع المتكلمين لم يكن يقاتل علم الكلام من حيث هو علم، بل كان يقاتل الاستحواذ الجدلي على مقام الحقيقة. وفي دفاعه عن الفلسفة لم يكن يطلب امتيازا طبقيا لفئةٍ من النظار، بل كان يطلب ردّ العلوم إلى قوانينها وإعادة توزيع الخطابات بحسب كفاياتها وصيانة الشريعة من عبث التأويل غير المنضبط وصيانة العقل من الغرور الذي يجعل كلّ من امتلك لسانا يظنّ نفسه قد امتلك البرهان حيث إنّ الرشدية ليست مجرد مذهبٍ فلسفيٍّ في تاريخ الإسلام بل هي درسٌ دائمٌ في أخلاق المعرفة وفي عدالة المناهج وفي حكمة القول.

إنّ البرهان والجدل في منهج ابن رشد ليسا ضدّين ميتافيزيقيين متناحرين على نحوٍ ساذج، بل هما مستويان في هندسة العقل يتكاملان حين يعرف كلٌّ منهما حدّه ويتصارعان حين يدّعي الأدنى مقام الأعلى. فالبرهان هو أفق الكشف اليقيني والجَدل هو أداة المحاورة والامتحان والدفاع، والخطابة هي وسيلة التبليغ العمومي والتربية المدنية والدينية. وإذا اختلّ هذا النسق اختلّ معه نظام الحقيقة في الثقافة. وحينئذٍ لا تعود المشكلة في مضمون الآراء فحسب بل في فساد البنية التي تُنتجها. وهذا بالضبط ما تنبّه له ابن رشد في لحظةٍ حرجةٍ من تاريخ الفكر الإسلامي حين رأى أنّ كثيرا من النزاعات لم تكن ناشئةً فقط عن اختلافاتٍ في العقائد بل عن سوء فهمٍ لطبيعة الدليل وسوء استعمالٍ لأدوات القول وخلطٍ بين ما يُقصد به التعليم وما يُقصد به الإلزام وبين ما يُطلب فيه اليقين وما يُكتفى فيه بالترجيح.

إنّ إعادة قراءة تراتبية أنماط الخطاب المعرفي عند ابن رشد لا تعني فقط أن نعيد الاعتبار للبرهان، بل أن نعيد بناء حسّنا المنهجي كله. أن نتعلم كيف نفرّق بين ما يثبت وما يُقنع، بين ما يكشف وما يحرّك، بين ما يُعلِّم وما يُغالِب، بين الحقيقة بوصفها موضوعا للعلم والحقيقة بوصفها موضوعا للتبليغ. وهذه التفرقة ليست ترفا فلسفيا، بل هي من شروط نضج الحضارات. فالحضارة التي تخلط بين الموعظة والبرهان وبين الحماسة والحجة وبين الجدل والعلم لا تلبث أن تستبدل التفكير بالاصطفاف والبحث بالتحشيد والمعرفة بالضجيج. لقد أراد ابن رشد أن يقول لنا بلغة عصره، إنّ الحقيقة لا تُهان فقط حين تُنكر بل تُهان أيضا حين يُتكلّم فيها بغير أهلية أو تُحمَل على غير قوانينها أو تُبذل في غير مقامها. وهذا هو المعنى الأعمق لتراتبية الخطاب عنده. إنّها ليست تقسيما للعقول بقدر ما هي حمايةٌ للحقيقة من الفوضى. وفي هذا تكمن حداثته الفعلية، لا في كونه “عقلانيا” بالمفهوم الشائع بل في كونه فيلسوفا للحدود، للرتب، للمقامات وللتمييزات الدقيقة التي بدونها لا يستقيم علم ولا يستقيم دين ولا تستقيم مدينة. وإذا كان بعض فلاسفة الحداثة قد جعلوا من النقد وظيفة العقل الأساسية، فإنّ ابن رشد سبق في مجاله الخاص إلى ممارسة نوعٍ رفيعٍ من النقد، نقد الأدوات قبل نقد النتائج، نقد مناهج الاستدلال قبل منازعة المقولات، نقد فساد الترتيب قبل فساد المضمون. ولهذا ظلّ حيا في الفكر الإنساني لا لأنّه قال كلّ شيء، بل لأنّه علّمنا كيف ينبغي أن يُقال الشيء وبأيّ آلة وفي أيّ مقام ولأيّ مخاطب. وهذا هو جوهر الفلسفة حين تبلغ رشدها، أن تكون بحثا عن الحقيقة وتربيةً على شروطها في الآن نفسه.

***

د. حمزة مولخنيف

مقدمة في فلسفة المبادئ العامة للقانون: القانون وعاء القيم، بمعنى انه يقوم على جملة من المثل الاخلاقية والاقتصادية والسياسية والواقعية التي تلبي حاجات مجتمع ما في مكان وزمان معينين، إلا ان للقيم حسب الاصل صبغة انسانية عامة فقيم مثل العدالة والحرية والمساواة، هي افكار انسانية لا يختص بها مجتمع دون آخر.

فقد تناولت الشرائع القديمة ومن ثم الفلسفات الاغريقية ومن ثم الرومانية والشريعة الاسلامية بحث ودراسة هذه القيم متفقة على قواعد جوهرية تحكمها وإن وقع الخلاف في تحديد مدياتها وآثارها بالنظر إلى الطبيعية الاجتماعية والسياسية لكل مجتمع، فجوهر العدالة، على سبيل المثال واحد ولكن مضمونها قد يتغير نسبياً بإختلاف ظروف الزمان والمكان.

وإذا كان لكل علم من العلوم الطبيعية او الإنسانية ثوابت او بديهيات تكون بمثابة الأساس الذي تستند عليه مجمل معطيات ذلك العلم وهي نقطة انطلاق في البحث وإيجاد الحلول للإشكاليات التي يعنى بها ذلك العلم، وإذا كان لعلوم مثل الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء... وغيرها من العلوم الطبيعية ثوابت وبديهيات ثابتة ومطلقة لا تتغير، فان لعلم القانون ثوابته مع الفارق المستمد من إختلاف طبيعة كل منهما ذلك ان بديهيات القانون قابلة للتطور وتحكمها عوامل النسبية ومتطلبات مواكبة الحياة المعاصرة فهي ثابتة من حيث الفكرة الأساسية ولكنه ثبات نسبي من حيث المضمون.

وعلى هذا النهج استقرت في علم القانون مجموعة من المبادئ القانونية العامة العليا التي تستند عليها جل معطياته دونما حاجة لنص تشريعي ينص عليها لانها تستند إلى معطيات العقل والمنطق وضرورات الحياة الاجتماعية في بعض الاحيان.

وإذا كانت التشريعات الوضعية عموماً تشير إلى هذه القيم، فانها تشير اليها بشكل مجرد دون تفسير أو تعريف أو دون الاشارة إلى مضمونها وآثارها، لان التفسير والتعريف وتحديد الآثار المترتبة عليها هو من عمل الفقه والقضاء.

اولاً- تعريف المبادئ العامة للقانون:

رغم اقرار جميع فقهاء القانون بالاهمية الكبرى لمبادئ القانون العامة باعتبارها تعبر عن حيوية النظام القانوني وأداة من ادوات تنميته وتطويره، فانه لايوجد اتفاق فقهي على تحديد المقصود منها.

ويذهب رأي الى ان المبدأ العام هو قاعدة القواعد القانونية، بمعنى قابلته على الانطباق على قواعد قانونية اخرى بحيث تكون الاخيرة تطبيقاً للمبدأ العام، واذا اخذنا المبدأ العام على هذا المعنى، فانها يصبح فكرة فنية المقصود منها وضع بناء منطقي متماسك للقواعد القانونية.

وعرفها الفقيه بيسكاتوري بأنها، مجموعة من المبادئ التي تستخدم في توجيه النظام القانوني، من حيث تطبيقه وتنميته، ولو لم يكن لها دقة القواعد القانونية الوضعية وانضباطها.

ونبه الفقيه ريبير الى ضرورة تحاشي تعريف المبادئ العامة للقانون، وهو يعتقد ان المبادئ العامة يمكن التعرف عليها عندما تقع مخالفة لها، فلئن كان من الصعب تعريف المبدأ الاساس في احترام الملكية الخاصة، الا انه يمكن التعرف على المبدأ عند مصادرة الملكية دون مقابل وبطريقة تحكمية.

ثانياً-أهمية المبادئ العامة للقانون:

من الواضح أن المبـادئ العـامة للقـانون قواعد غير مكتوبة حسب الأصل وان من أنشأها هو القضاء وخاصة قضاء مجلس الدولة الفرنسي وواكبه في ذلك مجلس الدولة المصري الذي أنُشيء عام 1946 على غرار مجلس الدولة الفرنسي، إلا ان الفقه يكاد يجمع على أنها قواعد أساسية وجوهرية لا يمكن ان يخلو منها أي نظام قانوني، بمعنى أنها تكاد تفوق أهميتها الموضوعية أهمية القواعد المكتوبة.

ولذلك يصفها مفوض الحكومة ليتورنيه بأنها (مبادئ كبرى)، ويرى الفقيه جان ريفيرو انها (تمثل الفلسفة السياسية للأمة). ويرى جوبتير شوديه ان هذه النظرية تمثل (جرأة مجلس الدولة الفرنسي وقدرته على الخلق والإبداع من اجل الاضطلاع بمهمته وأداء واجبه في حماية الحقوق والحريات). ويعتقد الفقيه لافريه أن المبادئ العامة للقانون تعالج صمت النصوص القانونية وغموضها وتسد مسد التقنين في القانون المدني والتجاري وتعتمد على المبادئ العامة للعدالة والمساواة. وعلى النحو تتمثل أهمية المبادئ العامة للقانون بإعتبارها مصدراً من مصادر القانون، في مجموعة قواعد قانونـية يكشف عنها القضاء من المعتقدات الراسخة في ضمير الامة، وطبيعة النظام القانوني في الدولة وروح التشريعات المختلفة وحكمة التشريع، ومن ثم تعد المبادئ العامة للقانون بمثابة تفسير من جانب القضاء للضمير العام ولإرادة المشرع.

ثالثاً- مضمون المبادئ العامة للقانون:

المبادئ القانونية، اما ان تكون مكتوبة او غير مكتوبة.

والمبادئ القانونية غير المكتوبة، انما تستقر في ذهن وضمير الجماعة، تمليها العدالة المثلى وهي تستند الى المنطق والعقل والحدس وطبيعة الاشياء وقواعد العدالة والاخلاق ولاتحتاج الى نص يقررها ويمكن ان تستمد منها قواعد قانونية ملزمة يتعين الخضوع لها، يعمل القاضي على الكشف عنها وتقريرها مستلهماَ اياها من روح التشريع، فيعلنها من خلال احكامه معطياً اياها القوة الالزامية. ومن ثم يتعين على الادارة احترامها والالتزام بها، ويعد كل تصرف مخالف لها معيباً بعيب مخالفة القانون.

وكثيرا من مبادئ القانون العامة تحولت الى قواعد قانونية مكتوبة عندما يتبناها المشرع وهو بصدد سن التشريعات المختلفة.

ويتنوع مضمون المبادئ العامة بحسب طبيعة المجال القانوني الذي تعمل فيه، الا انه يمكن ارجاعها من حيث اساسها وجوهرها الى مبدأين اساسيين هما مبدأ الحريــة ومبدأ المســـاواة.

ويمكن ان ترجع المبادىء الاتية الى مبدأ الحريـة:

ـ مبدأ لاجريمة ولا عقوبة الا بنص (مبدأ الشرعية الجنائية).

ـ مبدأ حرية العقيدة والارادة (من أهم مخرجات الثورات الكبرى في التاريخ ومنها الثورة الفرنسية 1789).

ـ مبدأ ان الاصل براءة الذمة، (ويتفرع عنه مبدأ ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته في محاكمة

عادلة).

ـ مبدأ احترام الحقوق المكتسبة.

ويتفرع منه احترام الحقوق التقاعدية وعدم الانتقاص منها بعد اقرارها، ونظام التقادم المكسب...

أصبح مبدأ الحقوق المكتسبة ركيزة أساسية في القانون الحديث، إذ يجسد حماية الحقوق القائمة في مواجهة التغيرات التشريعية. واقرار مبدأ اليقين القانوني ومبدأ امن وإستقرار المجتمع.

وقد ساهم القضاء حول العالم في الحفاظ على توازن دقيق ببن الحقوق العامة والخاصة، برفض التدابير التشريعية المفرطة في التدخل التي من شأنها تقويض ثقة المواطنين المشروعة في حقوقهم.

(وفي القانون الدولي جاء ذكرها في قرار محكمة العدل الدولية الدائمة سنة ١٩٢٦ في قضية المصالح الالمانية في سليسيا العليا البولونية)،

مبدأ عدم جواز ان يكون الشخص قاضياً وخصماً في نفس الوقت (الوارد ذكره في قضية الموصل).

ـ مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية.

ـ الملكية الخاصة والحرية الفردية مكفولتان في حدود القانون.

ـ مبدأ اتاحة دعوى قضائية لكل من تضررت مصالحه نتيجة قرار اداري معيب.

ـ مبدأ خضوع كل سلطة ادارية للرقابة، ويتفرع عنه مسؤولية الوزير امام البرلمان.

ـ مبدأ ان لا تقييد للحريات العامة الا بقانون.

ـ مبدأ حق الدفاع في المحاكمات التأديبية.

ـ مبدأ ضرورة سير المرفق العام بانتظام.

ـ مبدأ بطلان التصرفات نتيجة الاكراه.

ـ مبدأ عدم جواز الالتزامات المؤبدة.

ـ مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق.

ويمكن ان ترجع القواعد التالية الى مبدأ المساواة :

ـ مبدأ مساواة المواطنين امام القانون.

ـ مبدأ المساواة بين الجنسين في الوظائف العامة.

ـ مبدأ المساواة في تحمل التكاليف والاعباء العامة.ويترتب عليه تعويض كل مواطن تضررت امواله بسبب الاجراءات الحكومية كالاعمال الحربية واجراءات فرض القانون، لان تحمل جزء من المواطنين الاضرار دون غيرهم يخل بمبدأ المساواة.

ـ مبدأ مساواة المواطنين في الانتفاع من المرافق العامة.

ـ مبدأ المساواة في مباشرة الاعمال الاقتصادية.

ـ مبدأ المساواة في الضريبة.

ـ مبدأ المساواة في المعاملة.

ـ مبدأ حق الحياة لكل فرد.

ـ مبدأ تغير الاحكام بتغير الازمان.

ـ مبدأ عدم جواز الاعتذار بالجهل بالقانون.

ـ مبدأ تفوق المعاهدة الدولية على القانون الداخلي.

ـ مبدأ ان الغلط الشائع يقوم مقام القانون.

وما ذكر في اعلاه من مبادئ قانونية عامة، هو على سبيل المثال لا الحصر، حيث لا يمكن حصر المبادئ العامة في اطار حدود معينة، لانها قابلة للخلق والتطور بمرور الزمن.

رابعاً- مصادر المبادئ العامة للقانون:

كان للفلسفة الاغريقية ومن ثم الفقه القانوني الروماني دور بارز في تعميم فكرة المبادئ العامة للقانون مثل مبدأ (الافراط في التطبيق الحرفي للقانون اغراق في الظلم) ومعنى ذلك انه اذا ادى تطبيق القانون حرفيا الى الحرج والعسر والقسوة فيصار الى تطبيقه بشيء من المرونة والرحمة باستيحاء الحكم من روح القانون لا من مفهومه الحرفي. وكان البريتور الروماني يطور احكام القانون من خلال ما يعرف بالمنشور البريتوري الذي يتضمن المبادئ والقواعد التي سيتبناها اثناء ممارسته لمنصبه القضائي، وجاء في منشور لبريتور من العصر الذهبي للقانون الروماني وهو العصر العلمي (130ق.م 284م) مانصه (لن اعتبر صحيحا ماتم تحت الرهبة) ومعيار الرهبة عند البريتور، هو معيار الشخص الثابت الجنان، اي ان من شأن الرهبة ان تدخل الروع في قلب القوي، فلا يحمي البريتور الجبان. واذا كان القانون الروماني قد بدأ قانوناً شكلياً فان دور الارادة بدأ يغزو القانون الرومانى منذ العصر العلمى بانفتاح المجتمع الرومانى على الخارج ودور الأجانب فى الأسواق المالية الرومانية وظهور قانون الشعوب وتأثر الرومان به مع الأجانب وكذلك الدور الرائد والإيجابى الذى قامت به الفلسفة اليونانية فى المجتمع والقانون الرومانى وانتقلت به الى آفاق أكثر إنسانية وجاءت بأحكام وقواعد ومبادئ قانونية وعلى رأسها جميعا، مبدأ دور الإرادة فى إبرام التصرفات القانونية من حيث إنشاء العقد وترتيب الآثار عليه، مبدأ حسن النية، مبدأ الوفاء بالعهد واحترام الكلمة المعطاة " وبفضل هذه الفلسفة فُتحت صفحة جديدة فى القانون الرومانى ليصبح فى النهاية قانوناً عالمياً.

هذه المبادئ التي تكونت وترسخت في الاحكام القضائية بمرور الزمن، جمعت وهذبت من قبل الامبراطور الروماني جستنيان (482 – 565) ميلادية، وعرفت هذه باسم مدونة جستنيان في الفقه الروماني او (مدونة القانون المدني) وهو الاسم المعاصر للمدونة، والتي حفظت القوانين ومبادئ الاحكام القضائية الرومانية والتي اصبحت فيما بعد مصدراً للقواعد القانونية الاساسية في اوربا وخاصة فرنسا والتي انتقلت من خلاله الى القوانين العربية مثل مصر ثم العراق وغالبية البلدان العربية التي تتبع النظام القانوني اللاتيني، وصُدِّر الامبراطور قانونه المدني بهذه العبارة: (إلى الشبان الراغبين في دراسة القانون: يجب أن يسلح جلالة الإمبراطور بالقانون كما يجب أن يعلو مجده بقوة السلاح، حتى يسود بذلك الحكم الصالح في الحرب والسلم على السواء، وحتى يتبين للناس أن الحاكم... لا تقل عنايته بالعدالة عن عنايته بالنصر على أعدائه). ولازالت هذه المدونة إلى اليوم مرجعاً مهماً للباحثين والفقهاء والقضاة في انحاء المعمورة خاصة في الدول التي تتبع النظام القانوني اللاتيني بهدف التعرف على أصل كثير من المبادئ والقيم القانونية، وقد تضمنت المدونة مفاهيم اساسية حول العدالة والمساواة والحرية والتعاقد وغيرها، فقد ورد في هذه المدونة على سبيل المثال تعريف العدل بانه (العــدل هو حمل النفس على إيتاء كل ذي حـق حقـه والتزام ذلـك عـلى وجـه الـدوام والاسـتمرار). في نطاق المساواة جاء في مدونة جستنيان مبدأ (مساواة غير المتساويين ظلم فاحش). وفي نطاق العقد جاء في المدونة اشارة الى السبب العقدي تمثلت بمقولة (الباعث الكاذب لا اثر له في قيام العقد).

وفي العصور الحديثة يرجع الفضل في كشف واستنباط المبادئ العامة للقانون الى مجلس الدولة الفرنسي من خلال ما اصدره من احكام منذ انهيار الجمهورية الثالثة وهزيمة فرنسا في الحرب العالمية الاولى وسقوط دستورها، وما رافق ذلك من اعتداء وتجاوز على الحريات العامة، فتدخل مجلس الدولة للذود عنها من خلال نظريته في مبادئ القانون العامة ليحلها محل الدستور، تلك المبادئ التي رأى المجلس انها استقرت في ضمير الجماعة وتبقى قائمة فيه على الرغم من سقوط النظم او الوثائق الدستورية التي تقررها.

ومن الميزات الأساسية للمبادئ العامة للقانون أنها حسب الأصل، لا تستمد قوتها الإلزامية من نص تشريعي مكتوب وعلى هذا النحو فان مجلس الدولة الفرنسي يؤكد في كل مناسبة بان المبادئ العامة للقانون واجبة التطبيق بون حاجة لنص تشريعي يقررها.

خامساً- طرق استنباط المبادئ العامة للقانون:

حسب شراح القانون ورائدهم في ذلك الأستاذ ريفيرو ومن ثم الأستاذ جين في رسالته (المبادئ العامة والأحكام القضائية والإدارية) فان مجلس الدولة الفرنسي قد لجأ الى اربع طرق وهو يستنبط او يستخلص المبادئ العامة للقانون وهي:

1ـ استنباط المبدأ العام من جوهر النظام القانوني أو من طبيعة الأشياء أو متطلبات العدل والإنصاف والرحمة.

2ـ استنباط المبدأ العام من المعتقدات الراسخة في ضمير الامة. 3ـ استنباط المبدأ العام من روح نصوص قانونية معينة أو من مبادئ كانت سائدة في قوانين ملغية.

4ـ استنباط المبدأ من خلال تعميم نصوص تتعلق بحالات جزئية محددة.

ويرى الفقيه الفرنسي الاستاذ فالين ان مهمة القضاء هي استنباط هذه المبادئ من روح التشريع العام ومن الضمير العام للجماعة. ويرى الاستاذ سليم بطارسة ان هذه المبادئ تستنبط من روح التشريعات السابقة ومن ضمير الجماعة والظروف الموضوعية المحيطة. ويعطي الفقيه جان ريفيرو هذه المبادئ وظيفة سلوكية من حيث قدرة هذه المبادئ على طرح قواعد جديدة أو على الأقل افكار مرشدة جديدة. ففي قضية (دام بينت) استخلص مجلس الدولة الفرنسي ودون الاستناد الى نص قانوني محدد مبدأ قانونياً عاماً جديداً مفاده انه (لا يجوز فصل عاملة وهي حامل)، وهذا المبدأ يمكن تطبيقه على كل الموظفات. ولا شك ان العاملة الحامل تتحمل عبأً اجتماعياً اضافياً هو في النهاية يصب لصالح المجتمع ومن ثم ليس من العدالة بشيء ولا من طبيعة الامور (حماية النسل) فضلاً عن ان ضمير الجماعة لاشك سيتأثر بهذا الفصل في هذا الوقت بالذات (الحمل)، فإن ايجاد مثل هذا المبدأ يعد امراً ضرورياً وحاسماً ولو لم ينص عليه المشرع.

تصنيف الفقيه جان ريفيرو:

ويصنف جانب من الفقه ومنهم الفقيه جان ريفيرو المبادئ العامة للقانون حسب مصدرها وكيفية اشتقاقها على النحو التالي:

1ــ المبادئ المشتقة من روح الدستور:

وهي المبادئ التي تم اشتقاقها من الدساتير نفسها ومن مقدمات الدساتير ومن الفلسفة السياسية السائدة في عصر ظهورها. مثال ذلك مبدأ المساواة بين المواطنين، ومنه مساواة الجنسين امام الوظيفة العامة، مبدأ عدم رجعية القوانين والانظمة والقرارات الادارية، مبدأ احترام الحقوق المكتسبة، مبدأ مساواة شهادة الجامعات الحكومية و الجامعات الخاصة من حيث الحقوق والامتيازات والتعيين في الوظيفة العامة، مبدأ عدم جواز تقييد الحريات العامة إلا بقانون،....

2ـ المبادئ القانونية المشتقة من روح القانون المدني والقوانين الاجرائية:

وهي المبادئ التي اشتقها من القانون المدني وقانون اصول المحاكمات والمرافعات وطبقها على قوانين أخرى مثل القانون الاداري وقانون العمل وقانون الوظيفة العامة والتأديب وغيرها. مثل مبدأ لا تكليف بمستحيل، مبدأ بطلان الالتزامات المؤبدة، مبدأ العقد شريعة المتعاقدين، مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق، مبدأ بطلان التصرفات نتيجة الإكراه، مبدأ عدم جواز الالتزامات المؤبدة، مبدأ ان الأصل براءة الذمة.... وحق الدفاع والاستعانة بمحامي امام اللجان التأديبية وحق الموظف بالإطلاع على ملفه الشخصي اثناء التحقيق، وحجية الامر المقضي به، وحياد اللجان التحقيقية....

3 ـ المبادئ المستمدة من ضرورة الآمن الاجتماعي واستقرار المعاملات في المجتمع: مثل نظرية الموظف الفعلي، ونظرية الوضع الظاهر، والغلط الشائع يقوم مقام القانون، ونظرية الظروف الاستثنائية، ومبدأ ضرورة استمرار سير المرافق العامة، ومبدأ كل قرار اداري يقبل الطعن بالإلغاء، ومبدأ ان ليس للوزير ان يرفض سلطته الاساسية، ومبدأ لا يجوز تفويض التفويض.

4 ــ المبادئ العامة المستقاة من فكرة العدل والحرية الصدق والعقلانية:

مثل مبدأ حق الحياة لكل فرد، مبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان، مبدأ مساواة المواطنين في الانتفاع من المرافق العامة، مبدأ المساواة في تحمل التكاليف والأعباء العامة، مبدأ المساواة بين الجنسين في الوظائف العامة، مبدأ المساواة في الضريبة، مبدأ التناسب بين الذنب والعقوبة، مبدأ علانية المرافعات القضائية.

فالقوة الذاتية للمبادئ العامة للقانون لا تحتاج لنص وذلك بهدف احترام مبدأ المشروعية، ونرى مجلس الدولة الفرنسي يقرر في أحد أحكامه (ان الطعن لتجاوز السلطة متاح وممكن حتى بدون نص ضد كل قرار إداري وفقاً للمبادئ العامة للقانون وذلك بهدف احترام مبدأ المشروعية).

وقد استطاع مجلس الدولة الفرنسي ان ينشئ هذا المبدأ القانوني العام بأن قام بتعميم حكم هذه النصوص المتفرقة وأعطى لهذا الحكم طابع القاعدة العامة أو المبدأ العام الذي يعمل خارج هذه النصوص ليطبقه على كل قرار يتضمنه طابع الجزاء.

أما الأستاذ فيدل فيرى بشأن المبادئ العامة إن (المبدأ العام لا ينشأ بطريقتي الابتكار والاختراع، إنما بطريق الاكتشاف بواسطة القاضي... ويأخذ كمثال مبدأ احترام حقوق الدفاع فهو حس وجهة نظره (يتولد عن طريق الملاحظة، من خلال نصوص عديدة تشريعية ولائحية تقرر حقوق الدفاع في فروض محددة. يجب ان نفترض ان هذه النصوص ليست سوى تطبيق على هذه الحالة أو تلك لمبدأ عام يمثل مصدرها جميعا). ويرى د. محمد رفعت عبد الوهاب انه (يتمثل هذا الأسلوب في تعميم أحد الحلول أو أحد القواعد الجزئية التي قررتها نصوص متفرقة في حالات خاصة).

سادساً- قرارات مستندة للمبادئ العامة للقانون:

في قرار لمجلس شورى الدولة اللبناني تقرر فيه اقرار الحق لصاحبته رغم مرور مهلة المراجعة المقررة قانوناً وقد استند المجلس في قراره الى مبدأ مساواة المواطنين امام القانون، باعتبار ان هذا المجلس قد أصدر عدة قرارات عائدة لموظفي هم في وضع مشابه لوضعها، حسبما جاء في قرار مجلس شورى الدولة اللبناني رقم 152 في27/5/1992

وأن مبدأ المساواة واجب التطبيق حتى بالنسبة لمن انقضت مهل المراجعة بحقهم.) ومن القرات المهمة لمجلس شورى الدولة اللبناني، ما جاء بصدد اغفال القانون الجديد الاشارة الى الاحكام الانتقالية بالنسبة للحالات التي اكتملت في ظل القانون القديم الا ان الاجراءات الادارية لم تكتمل الا بعد نفاذ القانون الجديد في قراره رقم 129 لسنة 1986، وملخص القضية: ان المستدعي حصل عل على شهادة التحاليل الطبية بموجب قانون مزاولة المهن الطبية الصادر بتاريخ 26/12/1946، وحينما باشر بتقديم طلب للحصول على اجازة فتح مختبر تحليل صدر قانون جديد في 17/1/1979 يضع شروطاً جديدة غير متوفرة في المستدعي، فرفضت وزارة الصحة منحه الرخصة. وجاء في القرار (وبما ان عدم لحظ قانون 17/1/1979 صراحة، احكاماً انتقالية للحالات المماثلة التي يمكن ان تنشأ بسبب صدورها لا يعني بشكل اكيد ان المشترع اراد عن قصد عدم رعاية تلك الحالات بأحكام انتقالية خاصة تسمح بتحقيق النتائج المترتبة عنها، لا بل ان العكس هو المفترض، أي ان المشترع يقر ضمناً اعتماد مثل هذه الاحكام، لانه لا يعقل ان يطلب مثلاً من طالب قضى السنوات الطوال في دراسة الطب وفق منهاج يقرره قانون معين ويولي من يستكمله حق الاشتراك بامتحان الكولوكيوم لممارسة مهنة الطب، ان يقضي مجدداً سنوات عديدة في دراسة الطب وفق منهاج جديد لمجرد صدور قانون جديد يفرض هذا المنهاج كشرط للاشتراك في امتحان الكولوكيوم....... فانه يكون من حقه وفقاً للمبدأ الآنف الذكر ان يستفيد من النتائج المترتبة عن هذا الوضع والمرتبطة به ارتباطاً وثيقاً والمتمثلة بالحصول على اجازة فتح مختبر طبي وفق احكام قانون سنة 1946 وفي الحدود التي يفرضها هذا القانون وبما ان كل ما ادلى به خلاف ذلك يكون في غير محله القانوني ويقتضي معه رد جميع الاسباب والمطالب الزائدة والمخالفة،..... يقرر المجلس بالاجماع.... ابطال قرار وزارة الصحة الضمني موضوع المراجعة، والقول بحق المستدعي استناداً لما تقدم بالحصول على اجازة فتح مختبر طبي وفاقاً لاحكام قانون سنة 1946 وفي الحدود التي يفرضها هذا القانون ورد المطالب الزائدة والمخالفة).

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

 

من قاسم أمين إلى هشام شرابي

يذهب أصحاب الفكر الحداثي التغريبي إلى أن حركة النهضة لا بُدّ أن تكون قفزة إلى الأمام أي إلى المستقبل نحو الغرب، فالتقدم بالنسبة لهم لا يتحقق من خلال الرجوع للخلف/ الوراء/للماضي كما يدعو أصحاب الفكر الرجعي، بل يحدث من خلال تجاوز هذا الماضي وإحداث قطيعة معرفية معه. ولما كانت المرأة بإعتبارها أحد ركائز النهضة، فلا بُدّ لها من تجاوز معوقات وقيود هذا الماضي العتيق، وأن تحصل على كافة حقوقها وفق مُتغيرات العصر.

لذا يتخذ أغلب مفكري التيار الحداثي التغريبي منذ القرن التاسع عشر· - على خلاف التيار الأصولي والوسطي- موقفًا ثوريًا راديكاليًا تجاه قضية المرأة··، فأتخذوا موقفًا مُؤيدًا لقضية المرأة والدفاع عنها والمُطالبة بضرورة تحريرها من أي قيود أو تبعية، وتحسين أوضاعها داخل المُجتمع الشرقي، مُعلنين شعار أن المرأة هى نصف المُجتمع، ومُطالبين بضرورة المساواة بينها وبين الرجل، ونتيجة تبنيهم للفكر الغربي رأوا أن إصلاح المرأة ونهضتها، لن يتحقق إلا من خلال إتباع النموذج الغربي، أي إتباع نموذج صورة المرأة في الحضارة الأوروبية الحديثة.

ونتيجة ذلك الوعي والإدراك بأهمية قضية المرأة في المُجتمع، بدأت بوادر المُطالبة بتحرير المرأة تظهر في المُجتمعات الشرقية، فلم تكن المرأة حتى منتصف القرن التاسع عشر أداة ترف للرجل، ولكن حالة اضطهاد المرأة على هذه الوجهة، ووضعها في المرتبة الثانية، وهى ذلك المخلوق الرقيق المُقدر له أن يقوم بواجبه في الحياة الاجتماعية، لم يكن مُمكنًا أن يستمر إلى الأبد، ولذلك لم ينتصف القرن التاسع عشر حتى ظهرت بوادر الرغبة في المُطالبة بضرورة تحرير المرأة الشرقية(1).

ومن هذا المُنطلق، بحث العديد من المُفكرين العرب أصحاب الفكر التغريبي في القرن التاسع عشر، في مجموعة الأسباب التي أدت إلى تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع، لمعالجة تلك الأسباب والتخلص منها، فذهب البعض إلى أن من أهم تلك الأسباب وأخطرها "إستبعاد المرأة" عن النشاط الاجتماعي والثقافي والسياسي، من خلال إحتجاب المرأة في المنزل، وإنعزالها عن المُجتمع الخارجي، حيث لم تكن تعلم الكثير عن المُجتمع الخارجي اللهم إلا بعض النظرات التي كانت تسرقها من خلال الشبابيك ذات المشربيات المخرمة. فنجد، على سبيل المثال لا الحصر، سلامة موسى·(1887م- 1958م) واصفًا ذلك، فيقول :" كانت المرأة المضروب عليها الحجاب، تعيش بين أربعة جدران في المنزل، تختبئ وراء الأبواب والشبابيك، بل كانت الشبابيك مشربيات مُخرمة تتيح لها النظر إلى الشارع حين يلتصق وجهها بخروم المشربية حتى ترى شيئًا من حركة الناس والأشياء، وحتى تحس إنها لا تزال حية أو أن لها من الحياة العامة جزءًا مهما صغر(2)".

كما قد يرجع أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع إلى "الاستبداد السياسي"، فنجد مثلًا سلامة موسى يرجع سبب إنحطاط المرأة الشرقية إلى الإستعمار، فيقول:" ألم نعرف في مصر أن الناظرة الإنكليزية لمدرسة السنية الإبتدائية كانت تحتم على تلميذاتها أتخاذ البرقع في حين كان قاسم أمين يدعو إلى إلغائه؟، لماذا كان يفعل الإستعمار ذلك؟، لأنه كان يعرف، بل يوقن، بأن حجاب المرأة وإنفصالها عن الرجل في مصر، يمنع بلادنا من التقدم، ويجعل مُجتمعنا مُتأخرًا(3)".

وهناك بعض مفكري التيار الحداثي التغريبي الذين يربطون بين "استبداد الحكم السياسي" و"استبداد الرجل للمرأة"·، فيرى قاسم أمين (1863م- 1908م) أن استبداد الرجل هو أثر من آثار استبداد الحكم، فيؤكد أن من أثر الحكومات الاستبدادية أن الرجل في قوته أخذ يحتقر المرأة، ويرجع ذلك إلى فساد الأخلاق في الأمة المحكومة، وذلك لأنه في ظل النظام الاستبدادي فإن الإنسان لا يحترم إلا بالقوة، ولا يردع إلا بالخوف، ولما كانت المرأة ضعيفة إهتضم الرجل حقوقها، وأخذ يعاملها بالإحتقار والمهانة، فأختصت المرأة بالجهل والتحجب بأستار الظلمات، واستعملها الرجل متاعًا للذة يلهو بها متى أراد، ويقذف بها في الطريق متى يشاء. له الحرية ولها الرق، له العلم ولها الجهل، له العقل ولها البله، له الضياء ولها الظلمة والسجن، له الأمر والنهي ولها الطاعة والصبر(4). فيقول قاسم أمين:" يجب أن تربى المرأة على أن تدخل في المجتمع الإنساني وهى ذات كاملة لا مادة يشكلها الرجل كيفما شاء(5)".

كما يبرز أحمد لطفي السيد (1872م -1963م) مدى استبداد الرجل بالمرأة، وجعلها مُجرد تابعة له، فلا تلبس إلا ما يريده هو، ولا تنظر للأمور إلا بعينه هو، ولا تفهم إلا ما يريده هو، ولا تسمع إلا بإذنه هو، ولا تأكل إلا ما يشتهي هو، فيتسائل مُندهشًا ومُستعجبًا أليس ذلك هو الإستعباد بعينه المُناقض لتحرير المرأة الذي يريدونه؟!(6).

وهكذا ينتهي مفكرو التيار التغريبي إلى التأكيد على أن من أهم أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع يرجع إلى "استبداد الرجل للمرأة" وتسلطه عليها، ومحاولة فرض سُّلطته الذكورية للسيطرة عليها، فنجد إسماعيل مظهر(1891م - 1962م) يرجع كل ما آلت له المرأة من كونها كائنًا ضعيفًا، ونظرة المُجتمع لها على أنها مُجرد وسيلة للتزاوج، إلى معاملة الرجل لها، فيذهب إلى أن معاملة الرجل للمرأة كان سببًا في أن ترتد كائنًا ضعيفًا مُترهلًا، بل إنه في أكثر الحالات وعند الأغلب الأعظم من طبقات المُجتمع، لا تعتبر المرأة إلا كائنًا من شأنه أن يلبي نداء الجنس. فيقول إسماعيل مظهر:" فنحن الرجال قد رمينا النساء بأدوائنا وأنسالنا، لنقول لهن في النهاية أنتن خلقًا أدنى(7)". وبناءً على تبنيه للفكر التطوري الدارويني وتأكيده على أن الطبيعة قد ساوت بين الرجل والمرأة، ينظر ناقدًا وضع المرأة الشرقية في مُجتمعه وما وصلت إليه، رافضًا بذلك تسلط الرجل على المرأة، لذلك يمكن إعتباره وبحق-من وجهة نظرنا- من أهم المفكرين التنويريين الذين تبنوا قضية المرأة والدفاع عنها.

وبعد أن أوضح مُفكري التيار التغريبي في القرن التاسع عشر أهم أسباب تدني وضع المرأة الشرقية في المُجتمع، أنطلقوا نحو المُطالبة بالدفاع عنها وعن حريتها، والمُطالبة بحقوقها وقضاياها، والتى من أهمها : قضية "تعليم المرأة"، فنجد قاسم أمين يُدرك أهمية وقيمة العلم وأنه وسيلة الأمة للنهوض والتقدم والرقي، والنساء عنده مثل الرجال في حاجة إلى العلم والمعرفة، وإلى إكتساب عقل سليم يحكم على نفوسهن، ويرشدهن في الحياة إلى الأعمال الطيبة النافعة(8). فيقول :" المرأة محتاجة إلى التعليم لتكون إنسانًا يعقل ويريد(9)".

فيرد قاسم أمين على بعض أصحاب الفكر الرجعي الذين يرفضون ويعارضون تعليم المرأة خوفًا على أخلاقها من أن تُفسد، فينكر ذلك الإدعاء الباطل مُؤكدًا أن التعليم يرفع من شأن المرأة، ويرد إليها مرتبتها، ويكمل عقلها، ويسمح لها أن تتفكر وتتأمل، وتتبصر في أعمالها، فالمرأة المُتعلمة تخشى عواقب الأمور أكثر مما تخشاه المرأة الجاهلة، ولا تتقدم بسهولة على ما يضر حسن سمعتها بخلاف الجاهلة فإن من أخلاقها الطيش والخفة(10).

فيؤكد قاسم أمين على أهمية وضرورة التعليم للمرأة فهو في المقام الأول ينور عقلها، ويضمن لها حقوقها التي كانت تُنهب منها من قبل. فيقول:" نرى النساء يضعن أختامهن على حساب أو مُستند أو عقد يجهلن موضوعه أو قيمته لعدم إدراكهن كل ما يحتوي عليه، أو عدم كفاءتهن لفهم ما أودعه، فتجرد الواحدة منهن عن حقوقها الثابتة بتزوير أو غش أو إختلاس يرتكبه زوجها أو أحد أقاربها أو وكيلها. فهل كان يقع ذلك لو كانت المرأة مُتعلمة؟(11)".

ومن أهم مفارقات قاسم أمين حول مُطالبته "بتعليم المرأة"، إنه على الرغم من دعوته التنويرية لأهمية تعليم المرأة، إلا إنه قد إقتصر هذا التعليم على مراحله الأولى فقط - أسوة بالتيار التوفيقي وخاصة عند رفاعة الطهطاوي- فيقول:" لست ممن يطلب المساواة بين المرأة والرجل في التعليم فذلك غير ضروري، وإنما أطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل، وان يعتنى بتعليمهن إلى هذا الحد مثل ما يعتنى بتعليم البنين(12)".

فنتسائل لماذا أتخذ قاسم أمين هذا الموقف الرجعي تجاه تعليم المرأة؟، هل خوفًا من هجوم أصحاب الفكر الرجعي عليه في تلك الفترة؟، أم لأن تلك الدعوة وهذا الموقف هو المُتاح والأفضل والممكن للمرأة في تلك الفترة والحقبة التاريخية؟.

في حقيقة الأمر، على خلاف رأي قاسم أمين في تعليم المرأة على مراحلها الأولى، نجد أحمد لطفي السيد يتخذ موقف أكثر راديكالية وجرأة من قاسم أمين وخاصة في تعليم المرأة، فيطالب بضرورة تعليمها حتى الثانوي، كما يطالب بالتكافؤ في التعليم بين البنات والبنين، حتى لا يقبل الرجال على الزواج من الأجنبيات بسبب تعليمهن، فيرى إنه لا سبيل لملاقاة هذا الخطر إلا بإكثار عدد المُتعلمات من البنات، وتقريب معلوماتهن من معلومات البنين بقدر المُستطاع، فإن التي لا تعرف القراءة والكتابة لا تعلم شيئًا، فلابد من تعليم المرأة الآداب العالية ومبادئ الأخلاق من العلوم المُختلفة كالعلوم التي تدرس في المدارس الثانوية(13).

وعلى ذلك نرى أن الإدعاء بأن تعليم المرأة لا بُدّ أن يقتصر على المراحل الأولى، لأن ذلك كان المُتاح والأفضل والممكن لها في تلك الفترة التاريخية إدعاء باطل، فنجد أحمد لطفي السيد يتخذ موقفًا ثوريًا أكثر جرأة من قاسم أمين مُطالبًا بضرورة أن تتساوى المرأة بالرجل في مراحل التعليم المُختلفة. لذا نرى أن الخوف من هجوم الفكر الرجعي كان يكمن وراء إتخاذ قاسم أمين ذلك الموقف، والدليل على ذلك أن قاسم أمين في أغلب آرائه تجاه إصلاح حال المرأة كان يستند إلى تمام توافقها مع أحكام الشريعة. فيقول قاسم أمين:" لو كانت عوائدنا فيما يتعلق بالنساء لها أساس في شريعتنا لكان في ميلنا إلى المُحافظة عليها ما يشفع لنا، أما وقد برهنا على أن كل ما عرضناه من أوجه الإصلاح يتفق تمام الإتفاق مع أحكام الشريعة ومقاصدها، فلم يبق لنا عذر في التمسك بها سوى أنها قد تقدست بمرور الزمان الطويل، وأننا غفلنا عن مصالحنا وتدبير شئوننا(14)".

ومن مُنطلق إهتمام التيار التغريبي بالعلم فقد ركز على نقد معوقات تعليم المرأة، فيذهب إسماعيل مظهر إلى أن من أهم معوقات تعليم المرأة في الشرق هو العمل في الحقل، وحجب السيدات في المنزل، كما يُشيد بالمسيحيين لأنهم أول من بادروا بتعليم المرأة في المدارس الأجنبية، ومن ثم يبرز إيجابيات التعليم الكبرى للنساء بصفة عامة، وللنساء المتزوجات بصفة خاصة، لأنه يساعدهن على مواجهة الحياة بالعمل الشريف(15).

وأما عن قضية "عمل المرأة" فقد دعا التيار التغريبي إلى ضرورة خروج المرأة للعمل، وألا يقتصر عملها على الأعمال المنزلية فقط داخل المنزل، فالمرأة لم تخلق للعمل في المنزل، بل لا بُدّ أن تعمل خارج المنزل، لأنها بذلك تؤدي خدمة اجتماعية لوطنها، بجانب واجبات الزواج والأمومة. فيؤكد سلامة موسى على ضرورة أن تستغل المرأة معارفها ومهارتها في عمل اجتماعي آخر إلى جانب كونها زوجة وأم. فهذا العمل الاجتماعي الآخر هو الذي يصل بينها وبين المُجتمع ويكسبها العقل الاجتماعي، ويربي شخصيتها ويدرَّب ذكاءها، ويؤكد استقلالها(16).

فيسهم سلامة موسى بآراء تقدمية مُستنيرة في مسألة عمل المرأة، فيعترض على كلام المُحافظين والرجعيين بأن عدم خروج المرأة من المنزل يحميها، ذلك لأن أعباء الحياة العملية تسهم في تربيتها، فمن الخطأ القول لها بأن البيت يحميكِ من كوارث الدنيا. كما أن المرأة عندما تعمل تجد الكرامة، وتجد الاستقلال، وتجد الأمل والثقة، فهى لا تقلق على مُستقبلها، ولا تخشى أن يفوتها زواج، وهى تعرف أن كرامتها وعيشتها وسعادتها لا تتوقف على محاسنها الجسدية فقط، إذ أن لها محاسن أخرى هى ذكاؤها ومهاراتها وإنسانيتها التي تنمو جميعًا بالعمل(17).

ويثور سلامة موسى ضد تقاليد مُجتمعه وعاداته الرجعية داعيًا إلى ضرورة عمل المرأة خارج المنزل، مثلها مثل الرجل تعمل بالمُحاماة أو الطب أو الفلسفة أو الكيمياء أو الصناعة، فليس هناك عمل يقتصر على الرجال دون النساء. فيقول سلامة موسى :" وليس من حق أحد في الدنيا أن يقول للمرأة : عيشي في البيت طيلة عمرك، ثمانين أو تسعين سنة، لا تختلطي بالمُجتمع ولا تؤدي عمل المحامي أو الطبيب أو الصانع أو الكيماوي أو الفيلسوف. وإنما أقصري كل قوتك وكل وقتك على الطبخ والكنس وولادة الأطفال. لا، إن المرأة العصرية أرحب آفاقًا وأكثر اهتمامًا من أن يستغرق المنزل كل حياتها(18)". فيُعدُّ نصيرًا لعمل المرأة إلى أقصى مدى ممكن، ويرى أن عمل المرأة يعطيها الكثير من الحقوق، وينضج شخصيتها، ويجعلها أكثر وعيًا بأمور الحياة، وتطور المُجتمع، كما أنه يشعرها بأنها إنسان نافع في المُجتمع، فللمرأة كما للرجل حق في أن تحيا حياتها كما تريد، ولها الحق في التطور، وقصر حياتها على البيت هو إلغاء لإرادتها كما هو تعطيل لتطورها(19).

فيطالب التيار التغريبي بضرورة عمل المرأة ويؤكد على أن خروجها للعمل لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، فالمرأة فرد مُؤثر في المُجتمع، وعضو أساسي في تكوينه مثلها مثل الرجل، فيقول إسماعيل مظهر:" فلئن كانت المرأة قد حققت ذاتها وأثبتت وجودها في ميادين كثيرة كالأمومة والزوجية والأسرة والجهاد والحرب والملك، فإنها ولا شك تجنح اليوم إلى أن تكمل ذاتيتها بأن يكون لها في ميدان السياسة والاجتماع والعمل، تلك الحقوق التى حرمتها خلال العصور الغابرة. تلك الحقوق التي لا ينكرها الشرع ولا تأباها الطبيعة(20)". كما يقول أيضًا مُؤكدًا على ضرورة عمل المرأة :" إن المرأة إذا لم تعمل لتكون مُستقلة إقتصاديًا، أرتدت تلك اللعبة التي يتلهى بها الرجل، بل عادت ذلك الكائن الخاضع المُستكين، الذي يحتاج إلى معونة الرجل، مما يتنافى مع روح الإسلام، بل يتنافى مع الحق الذي هو روح جميع الأديان(21)".

كما نجد أيضًا قاسم أمين مُطالبًا بضرورة عمل المرأة، فيقول:" يظن الكثير منا أن المرأة في غنى عن أن تتعلم وتعمل، ويزعمون أن رقة مزاج النساء ونعومة بشرتهن وضعف بنيتهن يصعب معه أن يتحملن متاعب الكد وشقاء العمل. ولكن هذا الكلام هو في الحقيقة تدليس على النساء، وإن كان ظاهره الرأفة عليهن(22)".

وإذا كان أصحاب الفكر الرجعي يرفض عمل المرأة مُبررين موقفهم بأن طبيعتها من الناحية الجسمانية لا تقوى على العمل الشاق مثل الرجال، فإن أصحاب التيار التغريبي يردون على ذلك الإدعاء الباطل بأن التقدم التكنولوجي الحديث وإعتماد أغلب الحَرف والصناعات الآن على الآلات الحديثة والمُتطورة، يُمكن أن يوفر للبنات الضعاف عمل كان يتطلب من قبل جهد عضلي كبير(23). ففي مُستطاع الآلة أن تهيء للبنات الضعيفات وغير ذوات المرانة الكافية، فرصة القيام بأعباء من العمل كانت تتطلب في الماضي رجالاً أقويا مُحنكين(24).

فيقوم التيار التغريبي بتوضيح أثر التقدم التكنولوجي في تسهيل العملية الإنتاجية، والعمل الشاق على المرأة، فلم يعد العمل في كثير من الوظائف يتطلب القدرة الجسمانية. حيث إن الأعمال الإنتاجية القديمة في الزراعة والصناعة كانت يدوية تجري بمُساعدة الماشية، فكانت تقصم الظهر لما يعاني العامل فيها من المشقة. أما الآن فإن الأعمال الإنتاجية لا تستخدم من الإنسان في أغلب الحالات سوى إشرافه بالعين والعقل مع القليل من إستخدام عضلاته(25).

كما دعا التيار التغريبي إلى ضرورة "تقييد الطلاق"، فالمرأة ليست لعبة في يد الرجل، يطلقها كيفما يشاء بشكل فيه نوع من الإستهتار بها، فنجد سلامة موسى ينبه المرأة الشرقية إلى ذلك ويوعيها بخطورة ذلك، فيقول:" ثم تذكري أننا كلنا نقول بضرر الطلاق يجري جزافًا وإستهتارًا. فإذا كنتِ أنتِ من هذا الرأي فيجب ألا تتزوجي رجلًا قد طلق زوجته إلا بعد أن تدرسي الأسباب والحجج التي بنى عليها هذا الطلاق. فإذا وجدت أنه كان عدلًا فتزوجيه، وإلا عدلت عنه حتى يجد من هذه المُقاطعة ما يردعه في المُستقبل عن الإستهتار(26)".

فيرفض التيار التغريبي مسألة "الطلاق" نظرًا لمساوئها في تقويض دعائم الأسرة، فيذهب قاسم أمين إلى ضرورة "تقييد الطلاق"، إلا إنه يرى أن الصبر على عشرة مَن لا يمكن معاشرته فوق طاقة البشر. لذا يبيح الطلاق ولكن في أضيق الحدود، وذلك لا يكون إلا في حالة استحالة العشرة الزوجية، كما يؤكد على أن ذلك ما يؤكده الشرع من بغض الطلاق، وأن الأصل فيه أنه محذور. لذا يدعو قاسم أمين إلى ضرورة تأسيس محكمة للطلاق، للحد منها(27).

وكذلك فقد عارض التيار الحداثي مسألة "تعدد الزوجات·" لأنها تقلل من شأن المرأة، فنجد سلامة موسى مؤكدًا على أن ظاهرة تعدد الزوجات يُفسد العائلات، ويُحطم أواصر القرابة، ويبعث الكراهية والخصام بين الأبناء، فيقول ناصحًا المرأة الشرقية:" فعليكِ ألا تتزوجي رجلًا يجعل لكِ ضرة، كما يجعلكِ أنتِ ضرة لزوجة أو لزوجتين أخريين. ولا يمكن أن تتحقق المُساواة التي تنشدينها بالجنس الآخر إذا كنتِ ترضين بأن تكوني واحدة من جملة زوجات لرجل واحد. إن المساواة بين الجنسين تقتضي الزواج من إمرأة واحدة، والرجل الذي يتزوج بأكثر من واحدة إنما يلعب ويعبث بإنسانيتك ويحيلك إلى أنثى فقط(28)".

فينتهي أصحاب الفكر التغريبي إلى التأكيد على رفضهم مسألة "تعدد الزوجات"، لما فيه من إحتقار شديد للمرأة، ويبعث الغيرة في داخلها، ويقلل من كرامتها عند زوجها، فيقول قاسم أمين مُوضحًا ذلك :" وبديهي أن في تعدد الزوجات إحتقارًا شديدًا للمرأة، لأنك لا تجد إمرأة ترضى أن تشاركها في زوجها إمرأة أخرى، كما أنك لا تجد رجلًا يقبل أن يشاركه غيره في محبة امرأته، وهذا النوع من حب الإختصاص طبيعي للمرأة كما أنه طبيعي للرجل(29)".

فنجد قاسم أمين مُتأثرًا بأستاذه محمد عبده وخاصة في نقده لمسألة "تعدد الزوجات"، ودعوته لتقييد التعدد والإقتصار على زوجة واحدة، فيقول قاسم أمين :"خير ما يعمله الرجل هو إنتقاء زوجة واحدة، ذلك أدنى أن يقوم بما فرض عليه الشرع، فيوفي زوجته وأولاده حقوقهم من النفقة والتربية والمحبة(30)"، ولكن على الرغم من ذلك فقد أباح أيضًا قاسم أمين التعدد اللهم إلا في حالة الضرورة، كأن أصيبت امرأته الأولى بمرض لا يسمح لها بتأدية حقوق الزوجية، أو أن تكون عاقرًا لا تلد، لأن كثيرًا من الرجال لا يتحملون أن ينقطع النسل في عائلاتهم. أما في غير هذه الأحوال فلا يرى قاسم أمين في تعدد الزوجات إلا حيلة شرعية لقضاء شهوة بهيمية(31).

ويدعو التيار التغريبي -مُتمثلًا في قاسم أمين- كما فعل التيار الوسطي -مُتمثلًا في محمد عبده (1849م -1905م)- بإحالة مسألة "تعدد الزوجات" من حكم الشرع إلى حكم القضاء، فقد أشترط الشرع في "تعدد الزوجات" شرط العدل، وهذا الشرط في حقيقة الأمر غير مُستطاع، لذا يقترح قاسم أمين كما إقترح محمد عبده بأنه يجوز للحاكم وفقًا لذلك بإصدار قرار بمنع تلك الظاهرة، فيقول قاسم أمين:" فإذا غلب على الناس الجور بين الزوجات كما هو مُشاهد في أزماننا، أو نشأ عن تعدد الزوجات فساد في العائلات وتعدِ للحدود الشرعية الواجب إلتزامها وقيام العداوة بين أعضاء العائلة الواحدة، وشيوع ذلك إلى حد يكاد يكون عامًا جاز للحاكم رعاية للمصلحة العامة، أن يمنع تعدد الزوجات بشرط أو بغير شرط على حسب ما يراه مُوافقًا لمصلحة الأمة(32)".

وبناء على ما سبق، أدرك التيار التغريبي أهمية وضرورة تحسين وضع المرأة من أجل عملية النهوض والتقدم، فيذهب سلامة موسى إلى أن أعظم مظاهر النهضة الصادقة في أية أمة هو نهوض المرأة التي تطرح بقايا الاستبداد والإستعباد وتستقل من سجن المنزل إلى ميدان المجتمع لتعمل وتكسب(33). كما يذهب إسماعيل مظهر داعمًا الحركات النسوية التي تسعى نحو النهوض بشأن المرأة الشرقية، ومُهاجمًا المُعارضين لها من أصحاب الجمود الفكري، وخاصة التيارات الأصولية المُحافظة، فيقول:" إن الذين يقومون اليوم في وجه النهضة النسوية في مصر، إنما يبكون زمنًا غبر ودهرًا عبر، يبكون زمن الحجاب والدادات والأغوات، زمن الستائر على النوافذ والأبواب، زمن الفسق والفجور تحت ستار الفضيلة والأخلاق، زمن البلادة والجهل، زمن الإنحلال الأخلاقي والتدهور الفكري، زمن الجمود والظلامية(34)".

وينتهي مُفكري التيار الحداثي في القرن التاسع عشر إلى توضيح مَدى الاستبداد الذي تعاني منه المرأة الشرقية سواء كان استبدادا نابعًا من المُجتمع أو استبداد الرجل لها، والذي كان أحد أهم أسباب تدني وضعها في المُجتمع، وقد كانت تلك النقطة الجوهرية هى محور إنطلاق فكر المُفكر الفلسطيني "هشام شرابي" (1927م- 2005م) ودفاعه عن تحرير المرأة العربية في الفترة المُعاصرة، فيؤكد على أن النظام الأبوي المُستبد والمُتسلط هو من أهم أسباب تدني وضع المرأة في المُجتمع.

فيُعدُّ هشام شرابي رائد من رواد الفكر النسوي العربي المُعاصر، الذي يدافع عن تحرير المرأة العربية ناقدًا المُجتمع الذكوري الأبوي الذي يُمارس سُّلطته عليها، لذا يُعدُّ خطابه من أبرز الخطابات النسوية العربية المُعاصرة التي تبنت الفكر النسوي الغربي وروجت له، فقد أراد تجاوز أزمة الواقع العربي والتي تكمن لديه في ذكورية وأبوية هذا الواقع(35).

يتخذ هشام شرابي موقفًا نقديًا تجاه الفكر الرجعي التقليدي الأبوي الذي يُعطي إهتمامًا كبيرًا لموضوع المرأة، مُعلنًا أن الشريعة الإسلامية تحمي حقوق المرأة وتمنحها مدى كبير من الحرية، فيقول :" ويركز الأصوليون في كتاباتهم حول هذا الموضوع (موضوع المرأة) على نقض الموقف العلماني الذي تنبع منه حركة تحرير المرأة ومقابلة "الفكرة الغربية" التي تعتمدها بــ "الفكرة الإسلامية"، التي تمثلها الحركة الأصولية. ويؤكد اهتمام الأصوليين هذا بموضوع المرأة وكثرة كتاباتهم حوله، على مركزية الإشكالية النسائية في الوعي الأبوي وعلى حجم القلق الذي يعانيه الأصوليون إزاء هذه الإشكالية(36)".

وإذا حاولنا وصف وضع المرأة العربية التقليدية في المُجتمع، من خلال كتابات هشام شرابي، نجد أنها تتميز بالإطاعة، بالعبودية، بالتبعية للذكور في عائلتها، لا وجود مُستقل لها، هى الكائن بغيره لا بذاته، هى إنسان مُستغل، مُستضعف، ملك الرجل ... إلى ما هنالك من صفات السلبية، تبين وكأن هذه المرأة لا حول ولا قوة لها، مفعول بها وهى غير فاعلة، تتلقى بشكل سلبي كل ما خطط لها دون أي دور مباشر لها يساهم في تقرير مصيرها(37).

فعندما بحث هشام شرابي عن حل تلك الإشكالية أي إشكالية وضع المرأة العربية في المُجتمع، قدم مشروعًا فكريًا بإمكانه صياغة خطاب عَلماني نقدي قادر على مُجابهة الخطاب الأبوي المُهيمن وتجاوزه. غير أن هذا المشروع الفكري يتطلب من وجهة نظره ليس تفكيك اللغة المُهيمنة وأسلوبها التعبيري وحسب، بل تفنيد العقلية التي تنغرس فيها هذه اللغة ومُصطلحاتها وأساليب تعبيرها؛ فيقول :" بإمكان الأسئلة التي ينطلق منها هذا المشروع أن تحدد، إذا أثيرت بشكل جدّي ومسؤول، أبعاد نقد جديدة وأطرًا فكرية قادرة على إفراز تنظيم مُستقل لا يهدف إلى إزاحة الخطاب المُهيمن للحلول محله، بل إلى إفساح المجال الفكري لإنبثاق خطابات مُستقلة ترفض كل أشكال الهيمنة وترحب بالإختلاف والتعدد الفكري على أنواعه(38)".

فيرفض اللغة المُستخدمة في التراث العربي لأنها لغة ذكورية أبوية، وسبيل الخروج من هذه اللغة هى لغة جديدة تكون بطبيعة الحال لغة نسوية. فقد إهتمت الدراسات النسوية المعاصرة بالآثار المادية والسياسية على المرأة نتيجة التحيز اللغوي الذكوري في اللغة الاجتماعية والإنتاج الثقافي، حيث تتعدد أشكال التحيز والتمييز ضد المرأة في اللغة، لهذا إقترحت هذه الدراسات وضع مُفردات جديدة ليس فيها هذا التحيز ولا تلك الهيمنة الأبوية الذكورية(39). فيقول :" إن اللغة الأبوية هى إنعكاس للسُّلطة الأبوية والوعي البطركي (الأبوي) السائد(40)".

ومن مُنطلق علاقة إشكالية المرأة بالتراث العربي الإسلامي فقد أراد هشام شرابي في البداية أن يتجاوز الموروث العربي بكل أشكاله، حتى يسترد هذا المُجتمع العربي استقلاله والسير نحو الأهداف التي يحددها بنفسه، والموروث الذي يقصده هو التراث الأصولي الديِني الإسلامي الأبوي الذي يُهمش المرأة، وفي أحيان كثيرة يستبعدها تمامًا، ومن هنا كان العداء العميق والمُستمر للمرأة في هذا المُجتمع المُتمسك بتراثه، فهو مُجتمع يقف في وجه كل محاولة لتحريرها الاجتماعي والسياسي والفكري والديِني. ويرى هشام شرابي أن المُجتمع العربي يعرف ذاته بصيغة المُذكر لأنه مُجتمع ذكوري لا دور فيه للأنثى إلا تأكيد تفوق الذكر وتثبيت هيمنته، لهذا كانت العقبة المركزية في وجه أي تغيير في هذا المُجتمع هو تغيير الموروث الذكوري من فكر وعقل وقلب الإنسان العربي(41).

وقد إنطلق هشام شرابي من مقولة أن التاريخ الإنساني تاريخ تمركز حول الرجل/ الذكر ونتج عن هذا التمركز السُّلطة الأبوية والمُجتمع الأبوي الذكوري، واستفحلت النظرة والتفسير الذكوري ليشمل المعرفة والوجود والإنسان، وفي نفس الوقت عملت السُّلطة الأبوية الذكورية على تغييب المرأة وطمس تاريخها، مما أدى إلى تمرد المرأة عبر الحركات النسوية التي انتشرت وزادت فعالياتها في السنوات القليلة الماضية بحيث أصبح التمرد في حد ذاته قيمة عليا وثابتًا من الثوابت التي لا تغيرها رياح التغيير العاتية(42). فهو لا يسعى نحو مجرد نقد الفكر الذكوري الأبوي التقليدي المُسيطر في المُجتمع فحسب، بل يهدف نحو إحداث تغيير جذري لتجاوز ذلك الفكر، فيقول:" بهذا فإن ما يتطلبه مشروع النقد الجذري، لتجاوز الجمود الأكاديمي والتجديدات النظرية، ليس نقد الفكر المُسيطر وحسب بل إحداث تغيير أساسي في إتجاهات هذا الفكر والموضوعات والإشكالات التي يتناولها ويركز عليها(43)".

فيكمن هدفه نحو التغيير عن طريق النقد الجذري، من أجل الإطاحة بالخطاب الأبوي الذكوري الذي يدعي إمتلاك الحقيقة الكاملة، والإعلان أن الحقيقة ليست ملكًا لأحد، بل هى إجماع في سياق تاريخي مُتغيّر وملك للجميع. لذا يتخذ موقفًا صداميًا إزاء الخطاب الأبوي بأشكاله المُختلفة(44).

وعلى الرغم من أن التيار الوسطي قد إتخذ موقفًا مُعارضًا بعض الشيء تجاه الحركات النسوية المُعاصرة وخاصة الغربية-مُتمثلًا في حسن حنفي وعبد الوهاب المسيري- نجد على الجانب الآخر التيار الحداثي المُعاصر - مُتمثلًا في هشام شرابي- مُتطلعًا على كتابات الحركات النسوية المُعاصرة وخاصة العربية منها، مثل كتابات: الكاتبة النسوية المصرية نوال السعداوي (1931- 2021م)، والكاتبة النسوية المغربية فاطمة المرنيسي (1940- 2015م)، ومُؤيدًا لما يدعون إليه.

وقد أحدثت قراءات هشام شرابي للفكر النسوي (العربي والغربي)، بما وصفه بنفسه بــ"إنقلابًا في الوعي" أي تغييرًا جذريًا في تفكيره تجاه إشكالية المرأة في المُجتمع. فلم يعد يدافع عن المرأة بمنظور خطابي إنفعالي بل سعى نحو المُطالبة بتغيير جذري لتلك الإشكالية. فيقول:"بالنسبة إلي، فقد حدث التغيير في تفكيري حول هذا الموضوع - يقصد موضوع المرأة- نتيجة قراءات طويلة ومشبعة في النقد النسائي Feminist Criticism، قرأت كتابات نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي وخالدة سعيد وغيرهن من الكاتبات العاملات في الحركة النسائية العربية، ثم قرأت كتابات الناقدات الغربيات في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فإختبرت ما يمكن وصفه بإنقلاب في الوعي كان من جرّائه أني بدأت الخروج عن موقفي السابق إزاء إشكالية المرأة عربيًا وعالميًا. وأخذت في الدخول في مُنطلقات فكرية جديدة مَكنتني من رؤية جديدة ليس لمشكلة المرأة فقط، بل للمشكلة الاجتماعية الكلية عينها بأبعادها التاريخية والايديولوجية، الأمر الذي أدى بي إلى إستيعاب النظرة التفكيكية وإلى رؤية النظام الأبوي بضوء جديد وتفهمه بنية مُترابطة الأبعاد من "الداخل" و" الخارج" معًا(45)".

فلم يكن الفكر العربي وحده من يعاني من سُّلطة الفكر الذكوري الأبوي بل والغربي أيضًا، فقد سادت في الفكر الغربي نزعة ثنائية في رؤية الأشياء، ولعل تلك الثنائية المُستفحلة في الفكر الغربي الأبوي تعود إلى رائد العقلانية الغربية الحديثة "ديكارت"، الذي يُذكر دائمًا بأنه المؤسس للفكر الغربي الحديث والأب للفلسفة الغربية الحديثة، حيث يُعد المسئول الرئيسي عن سيادة التصورات والمفاهيم التي شكلت العقلية الغربية إزاء المرأة، فقد كانت ثنائية العقل/ المادة التي ميزت فلسفته خطوة لثنائية أخرى قائمة على الجنس، حيث ربط ديكارت العقل بالذكورة والمادة بالأنوثة، فقد وضعت الفلسفة الديكارتية تمييزًا صارمًا بين ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني من خلال التمييز بين العقل والجسم، هذا التمييز أدى إلى إختلاف بين الرجل الذي يمثل في فلسفته العقل والتفكير العقلاني، والمرأة التي تمثل الجسد والتفكير اللاعقلاني(46).

ويُرجع هشام شرابي أسباب تدني وضع المرأة إلى المُجتمع، وما يمارسه من سُّلطة وقهر وقمع واستبداد على المرأة منذ فترة طفولتها وتربيتها وتثقيفها، وتلك المُمارسات ليست إلا تعبير عن نظام السُّلطة الأبوية المُسيطر على النظام الاجتماعي العربي عمومًا كما على النظام الأسري بوجه خاص(47). كما يعتبر أن هذا الفكر الأبوي هو المسؤول وبكافة أشكاله عن شل المُجتمع العربي وتأخره ومنعه من التغير الفعلي، فنجده يرفض السُّلطة بكل أشكالها، كما يرفض الفكر الذكوري بأنماطه المُختلفة، فيقول :" لم تعد السُّلطة بالنسبة إلي مجرد إختبارات ذاتية مُتقطعة، بل هى نظام اجتماعي صارم يجب تغييره جذريًا(48)".

أما من ناحية عمل المرأة خارج المنزل، فعلى الرغم من دخول المرأة العربية ميدان العمل، وبالرغم من تحقيق تحررها وإستقلالها الإقتصادي عن الرجل، وبالرغم من أنها وفي حالات كثيرة أصبحت مُتكافئة معه في مسؤولية تحمل الأعباء الإقتصادية للمنزل، إلا إنه، ومع هذا كله، لم تصل إلى تحررها من سُّلطة الرجل، فلقد دخلت هى عالم الرجل الخارجي، بينما لم يتحمل هو أعباء معاونة زوجته في مهام المنزل التي بقى أمرًا منوطًا بالمرأة. وإذا وُجد رجل مُتعاون مع زوجته، فإن هذا الأمر يتم غالبًا بالسر، حتى لا يفقد الرجل العربي صورته الاجتماعية في محيطه(49).

فالمرأة العربية -في حقيقة الأمر- لم تتخلص بعد من سُّلطة الرجل أو سُّلطة المُجتمع الذكوري عليها، حتى وإن كان قد حدث بعض التغيير فقد تم بشكل صوري وليس جوهري، لذا يطالب هشام شرابي بضرورة إحداث تغيير جذري من خلال إعادة صياغة القوانين وضرورة تغييرها بما يضمن حق النساء في المُجتمع، بإعتبارها شخصًا مُستقلًا يجب أن يتمتع بكافة حقوقه كاملة، إلا إنه يعود ويؤكد على لسان نوال السعداوي بأن تغيير القوانين ضروري، ولكنه لا يكفي لإحداث التغيير، فكم من القوانين تظل حبرًا على ورق(50).

ومن هذا المُنطلق، يُطالب في خطابه النسوي بضرورة مُشاركة المرأة في إتخاذ القرار سواء على الصعيد العام المُتمثل في المُجتمع أو على الصعيد الخاص المُتمثل في العائلة، بل وأيضًا تشارك في الإطار الذي يصنع فيه هذا القرار، أي المساواة في عملية القرار، وهنا نجده يقدم نموذجًا جديدًا في مُحاولة الكشف عن الواقع الاجتماعي وطرحًا جديدًا لموضوع الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، تتجلّى فيه ملامح بدائل جديدة لتغيير الوعي وتحقيق التغيير الاجتماعي(51). فينكشف لنا دعوة هشام شرابي لضرورة مُشاركة المرأة في عملية صنع وإنتاج وحتى إتخاذ القرار حتى ولو كان قرارًا سياسيًا على خلاف الحركات الأصولية التي تعارض ذلك الأمر وترفضه بشدة.

وينتهي هشام شرابي إلى التأكيد على أن حركة تحرير المرأة هى أساس التغيير الاجتماعي والثقافي، وهى التي ستعمل كفتيل يُساعد على إشعال المُجتمع الأبوي من الداخل، كما أنها ستكون بمثابة حجر الزاوية الذي سيقوم عليه نظام الحداثة. فالمرأة العربية المُتحررة هى أمل المستقبل، كما أنها القنبلة الموقوتة التي بقدرتها على الرفض والمُقاومة، ستزعزع أسس النظام وتخلخل شرعية سُّلطته وتفكك بنيته(52).

لذا، فتحقيق تحرير المرأة عند هشام شرابي لا يتحقّق فقط على صعيد النيّة الحسنة والخطب الرنّانة بل على مستوى القانون والممارسة الاجتماعية، وذلك يتطلّب المساواة في التنشئة في مرحلة الطفولة بين الذكر والأنثى وفي المعاملة ضمن العائلة وفي المدرسة وفي الجامعة وفي مكان العمل. وهو يعني  إتاحة فرص الاستقلال الاقتصادي، فتصبح المرأة قادرة على إعالة نفسها والتخلص من عبوديّتها للرّجل، الذي هو مصدر عبوديتها الاجتماعية. وهذا بدوره يعني التشريع الذي يحميها من سطوة المُجتمع الأبوي الذي هو أقسى وأعنف المُجتمعات الذكورية في التاريخ بتأمين حقّها في العمل والوراثة والطلاق ورعاية الأطفال والتأمين الاجتماعي الكامل(53).

ويتضح تميز وإختلاف هشام شرابي في تناوله لقضية تحرير المرأة عن السابقين له، الذين إتخذوا الشعارات للدفاع عن المرأة، ولم يفعلوا مثله في البحث والتنقيب عن حل وتغيير جذري لتجاوز تلك الإشكالية، فتحرير المرأة لم يعد من خلال مجرد إرسالها للمدارس للتعليم، أو من خلال المُطالبة بإزالة الحجاب عن وجوههن، أو من خلال منحهم بعض الحقوق المدنية والمهنية فحسب، بل يؤكد ويُطالب بضرورة إحداث تغيير جذري لحل تلك الإشكالية. فالتحرير لا يتحقق بمجرد اقتباس العادات والملابس والمدارس الغربية، فهذه ليست إلا مظاهر خارجية كثيرًا ما تخفي العلاقات التقليدية، وبالتالي تمنع تغييرها(54).

وفي النهاية، نتسائل ما هو ذلك التغيير الجذري الذي ينادي به هشام شرابي كحل جذري لتجاوز إشكالية المرأة العربية؟ يتمثل هذا الحل في المُطالبة بضرورة تغيير علاقة المرأة بالرجل، فتحرير المرأة لا يتم في النهاية إلا بتغيير علاقتها بالرجل، وهذا يعني تغيير دورها ومكانتها في العائلة وفي المُجتمع، هذا هو التغيير الجذري الذي يُمكنها من تحقيق قدراتها الإنسانية بصورة كاملة وبشكل تتساوى فيه حقوقها وواجباتها مع حقوق الرجل وواجباته، فتصبح عندئذ إنسانًا بكل ما في ذلك من معنى؛ وهكذا يمكننا أن نقول ان الإنسان العربي أصبح إنسانًا مُكتملًا لا نصف إنسان(55).

وفي حقيقة الأمر، نجد إقتراح هشام شرابي الذي يقدمه كتغيير جذري وكحل لتجاوز إشكالية المرأة، هو إقتراح نتمنى تحقيقه على أرض الواقع العربي المُعاصر، حيث يتم تغيير علاقتها بالرجل، فلم يعد ينظر لها الرجل كزوجة أو كأم فقط، أي تغيير تبعيتها للرجل، وبالتالي تغيير تلك العقلية العربية التي نشأت في مُجتمع ذكوري قائم على التمييز بين الرجل والمرأة، وعدم الإيمان بالمساواة التامة والكاملة بينهما، مُستعينًا في ذلك بالعادات والتقاليد حينًا وحينًا آخر بالأصول الديِنية. لذا يُقدم لنا هشام شرابي حلًا يمكن أن نتطلع من خلاله لتغيير تلك العقلية العربية الذكورية الأبوية المُتسلطة، فإذا نشأ الطفل ذكرًا كان أم أنثى منذ صغره على فكرة المُساواة التامة بين الرجل والمرأة في المنزل وفي المدرسة وفي الشارع وفي العمل، فسوف نجد في المُستقبل جيلًا جديدًا نشأ وتربى على فكرة الحرية وعدم التبعية، والإحترام التام والكامل للمرأة ومساواتها بالرجل، وأن لها الإستقلال الذاتي وعدم تبعيتها لأي سُّلطة وخاصة للرجل، فينشأ وفق ذلك جيلًا جديدًا رافضًا لجميع أشكال الاستبداد والإستعباد مُطالبًا بكافة حقوقه كإنسان بعيدًا عن أي تعصب أو إنحياز لجنس عن آخر. ومن ثم لا ينشأ الجيل الجديد ويُربى على المُعتقدات القديمة المُوروثة مثل أن "المرأة للمنزل" وأن المرأة هى نصف الرجل وليست مُساوية له وخاصة في الشهادة والميراث، وأن المرأة هى أداة ترف ومتعة الرجل. فتنشأ بُناء على ذلك عقلية عربية جديدة رافضة لكل تلك المُعتقدات الرجعية القديمة المُتوارثة.

تعقيب:

يعكس التيار الحداثي رؤيته التقدمية للتاريخ في رؤيته لمشروع النهضة وشروطها، والتي ترى أن حركة التاريخ والتقدم مُستقيمة مُتجهة دائمًا إلى الأمام، فهى قفزة نحو الأمام إلى المستقبل نحو الغرب الأوروبي. فينتهي هذا التيار إلى التأكيد على ضرورة رفض الماضي/ التراث بإعتباره من أهم العوائق الرئيسية أمام التقدم والنهضة، والمُطالبة بإحداث قطيعة معرفية مع هذا الماضي/ التراث العربي. في مُقابل المُطالبة بضرورة الأخذ عن الغرب الأوروبي جميع مُكتسباته، والتي كانت أحد أسباب تفوقه وتقدمه، أي الدعوة للتبني التام والكلي للغرب الأوروبي.

ومن أهم المآخذ التي تؤخذ على أصحاب الفكر التغريبي أنهم قد بالغوا كثيرًا في تبنيهم للفكر الغربي وللحضارة الغربية، وطالبوا بضرورة إحداث قطيعة معرفية مع التراث. فقد نظروا إلي الحداثة الغربية بعيون أصابتها غشاوة الإنبهار دون أن يكون لديهم الأداة العلمية والفعلية القادرة على تحقيق ذلك النجاح والتقدم والإنبهار. فقد كان الإنبهار هنا هو إنبهار بحصيلة ونتائج العلم، مما نتج عنه التبعية للغرب الأوروبي والتقليد الأعمى للغرب. فلم يقوموا بعملية إستيعاب لمُكتسبات الحضارة الغربية ودراستها وتعلمها-والتي هى سبب تقدمهم وتفوقهم- ثم تجاوز ذلك العلم والدراسة والإستفادة منه في عالمنا العربي المُعاصر. أي محاولة التحول الفعلي من عملية الاستهلاك لمنتجات الغرب الأوروبي إلى عملية الإنتاج، ومن عملية النقل والتقليد إلى عملية الإبداع الفكري.

***

بقلم: د. زينب عبد الرحمن عبدالله

مُدرس بكلية الآداب، جامعة الفيوم، جمهورية مصر العربية

..................

الهوامش:

يُستثنى منهم "شبلي شميل" (1850م - 1917م) حيث كان له موقفًا غامضًا تجاه المرأة من خلال إقراره بمبدأ "عدم المساواة بين الرجل والمرأة"، فيذهب إلى أن الغلبة دائمًا تكون للرجل جسديًا وعقليًا وأدبيًا، معتمدًا في ذلك على علم التشريح، ومن الناحية الأدبية يصف المرأة بأنها تتميز عن الرجل بالحيل والخداع، ومن الناحية العقلية أي التفكير العقلي يرى أنه نتيجة لتكوينها الجسماني للدماغ، فهى أقل من الرجل في القوى العقلية؛ وبالتالي يؤكد على تفوق الرجل على المرأة. ويرى أن المرأة غير قادرة على الإبداع والإبتكار، في حين أن الرجل يستطيع ذلك؛ وبناء على ذلك يعارض أن تكون المرأة حاكمة، فالمرأة من وجهة نظره غير قادرة على الحكم أو حتى الوصول إليه. الأمر الذي يكشف عن مدى عدم تخلص شبلي شميل من بعض الأفكار الشرقية الرجعية وخاصة فيما يتعلق بالمرأة وقضاياها، فحاول أن يثبتها بالدليل العلمي -من خلال الدليل التشريحي ونظرية التطور - بدلًا من أن يتخلص من تلك الأفكار الرجعية لعدم توافقها مع مُتطلبات العصر الحديث.

(للمزيد انظر: شبلي شميل :"المرأة والرجل وهل يتساويان"، ضمن كتاب "مجموعة الدكتور شبلي شميل"، ص95: 115).

 تعد مجلة (الفتاة) أول صحيفة نسائية في الوطن العربي أسستها هند نوفل (1860- 1920م) في الاسكندرية عام 1892م.

(للمزيد أنظر : إليزابيث سوزان كساب :" الفكر العربي المعاصر دراسة في النقد الثقافي المقارن"، ص57).

(1) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص135.

يحكي سلامة موسى في سيرته الذاتية أنه ذات يوم وقف في الشارع أمام البيت ونادى على أخته الكبرى بإسمها كي تفتح له، فما يدري إلا وقد إنفتح الباب وإنهالت عليه ضربًا، لأنه ناديها باسمها، لأن الحجاب كان لا يزال يغشى البيوت، وكان يقضي بألا تذكر أسماء البنات- وهو ما يزال موجودًا حتى الآن تلك العادة عدم ذكر اسم المرأة أو المناداة باسمها- كما يجب ألا ترى وجوههن، وقد حجزت أخته بالبيت منذ العاشرة وقد أفسد هذا الحجاب برنامج تعليمها. فقد كانت بالزقازيق مدرسة قبطية للبنات ولكن الرجعية الاجتماعية حالت دون الإنتفاع بها.(للمزيد أنظر : سلامة موسى :" تربية سلامة موسى"، ص20، 21).

(2) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012م، ص7.

(3) المرجع السابق، ص71.

حيث هناك البعض الذي أرجع سبب استبداد الرجل للمرأة إلى معاناة الرجل في المجتمع من الاستبداد السياسي في الحكم، والقهر الذي يتعرض له الرجل في المجتمع.

(4)أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص27.

(5) قاسم أمين :" المرأة الجديدة"، ضمن كتاب "قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم: محمد عمارة،  ص468.

(6) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص28.

(7) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، تقديم : أحمد الهواري، دار عين، القاهرة، ط1، 2015م، ص166.

(8) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص177، 178.

(9) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ضمن كتاب :"قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم : محمد عمارة، ص331.

(10) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص178.

(11) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ص332.

(12) المرجع السابق، ص344.

(13) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص179.

(14) قاسم أمين :" تحرير المرأة "، ص412.

(15) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص194.

(16) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص8.

(17) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص243.

(18) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص9.

(19) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص243، 244.

(20) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص10.

(21) المرجع السابق، ص178.

(22) قاسم أمين :"المرأة الجديدة"، ضمن كتاب قاسم أمين والأعمال الكاملة" تقديم : محمد عمارة، ص457.

(23) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص244.

(24) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص41.

(25) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص83.

(26) المرجع السابق، ص15.

(27) أحمد محمد سالم :" المرأة في الفكر العربي الحديث"، ص280.

لقد أرجع قاسم أمين ظاهرة "تعدد الزوجات" إلى كونها عادة قديمة كانت مألوفة عند ظهور الإسلام، في حين نجد إسماعيل مظهر يقدم تفسيرًا لتلك الظاهرة بأنها كانت لحاجة إقتصادية، وكذلك الإقلاع عنها في وقتنا الحاضر هو لضرورة إقتصادية، فلما كانت مصر بلدًا زراعية، والزراعة قبل الإنقلاب الإقتصادي كانت قائمة على القوة العضلية، لذلك عمد الرجال إلى التزوج بأكثر من واحدة طمعًا في الثروة والغنى عن طريق العمل العضلي في الحقل وفي البيت، ولكن عندما وقع الإنقلاب الإقتصادي، وزاد التبادل التجاري بين مصر وأوروبا حلت القدرة الإقتصادية في الزراعة مكان القوة العضلية، وأصبح كبر الأسرات عبئًا ثقيلًا بعد أن كان عونًا، وأضطر الرجل أمام هذا الأمر أن يقلل من عدد الزوجات، ومن عدد الأبناء. لأن ذلك أصبح مجلبة للثروة والرفاهية، كما أصبح عكسه مجلبة الفقر والتعاسة.

(للمزيد أنظر : إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص113)

(28) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص15.

(29) قاسم أمين :" تحرير المرأة"، ضمن كتاب "قاسم أمين الأعمال الكاملة"، تقديم : محمد عمارة، ص393.

(30) المصدر السابق، ص395.

(31) المصدر السابق، ص395.

(32) المصدر السابق، ص396.

(33) سلامة موسى :" المرأة ليست لعبة الرجل"، ص70.

(34) إسماعيل مظهر :" المرأة في عصر الديمقراطية"، ص99، ص100.

(35) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، أوراق فلسفية، العدد 41، 2015م،  ص277.

(36) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط3، 1999م، ص70، 71.

(37) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، أوراق فلسفية، العدد 41، 2015م، ص185، 186.

(38) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص80.

(39) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص281، 282.

(40) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص19.

(41) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص280، 281.

(42) المرجع السابق، ص281.

(43) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص80.

(44) المرجع السابق، ص97.

(45) المرجع السابق، ص98.

(46) خالد قطب :" قراءة في خطاب هشام شرابي النسوي"، ص178، 279.

(47) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص176.

(48) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص99.

(49) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص188.

(50) هشام شرابي :" النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين"، ص72.

(51) مجدي الجزيري :" المرأة العربية بين التبعية والاستقلال في فكر هشام شرابي وعبد الوهاب بوحديبة"، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون- بيت الحكمة، تونس، 2005م، ص216.

(52) مها كيّال :" المرأة العربية في فكر هشام شرابي"، ص 174، 191.

(53) مجدي الجزيري :" المرأة العربية بين التبعية والاستقلال في فكر هشام شرابي وعبد الوهاب بوحديبة"، ص217.

(54) هشام شرابي :" مقدمات لدراسة المجتمع العربي"، الدار المتحدة للنشر، بيروت، ط3، 1984م، ص114، 115.

(55) المرجع السابق، ص115.

 

تتبنى جميع التشريعات مبدأً عاماً يشمل بحكمه كل فروع القانون، مفاده ان كل ما ‏يخالف النظام العام والآداب العامة يعتبر ‏باطلاً وغير مشروع.

الجذور التاريخية:

في القانون الحديث، تأسس مفهومه بشكل واضح في فرنسا حيث نصت عليه المادة (10) من إعلان حقوق الإنسان والمواطن (الفرنسي) لعام 1789 على انه:

(لا يجوز ازعاج أي شخص بسبب آرائه، حتى الدينية منها، شريطة ألا يؤدي التعبير عنها الى الإخلال بالنظام العام الذي ينص عليه القانون).

ولاحقاً تم التوسع فيه مع صدور القوانين التي تمنح سلطات "الضبط الإداري" سلطة حماية الأمن والصحة العامة، كما في قانون 5 أبريل 1884 الفرنسي.

وفي العصر الحالي، ترسخ هذا المبدأ في الدساتير والقوانين المدنية في مختلف دساتير وقوانين الدول ليكون بمثابة حد فاصل بين حريات الأفراد ومصلحة الجماعة.

ونتناول مفهوم النظام العام والآداب العامة ومعاييره وعناصره وتطبيقاته في عدة فقرات:

اولاً- معيار النظام العام والآداب العامة:

1- معيار النظام العام:

النظام العام معيار كلي مرن ونسبي، فضلاً عن انه معيار قانوني وقضائي.

فهو معيار كلي لأن قوامه حماية المصالح السياسية والاقتصادية ‏والاجتماعية العليا السائدة في المجتمع.

فهو فكرة سياسية في الأصل لانه يُعين على ‏تحقيق الهدف الذي يبتغيه كل نظام قانوني، لا الوسائل الفنية كالجزاءات ‏التي اعدها ‏القانون للوصول الى ذلك الهدف،

وهو معيار نسبي لأن مضمونه يتغير بتغير الزمان ‏والمكان،

فالمثلية في المجتمعات الغربية كانت لعهد قريب تعتبر انتهاكاً للنظام العام والأخلاق الكنسية، ثم حدث تحول مفاجئ بالاعتراف بها رغم انها في الواقع تتعارض مع الحياة الطبيعية لكل الكائنات البشرية وغير البشرية.

ثم انه معيار ‏قضائي مرن يدرجه المشرع دون ضبط فأُعتبر فكرة على بياض يتولى القاضي ملء ‏مضمونها وفقاً للأفكار السياسية ‏والاجتماعية السائدة وقت نظر النزاع لضمان حسن سير الحياة الاجتماعية.‏

الا ان ‏القاضي لا يملك ان يحل معتقداته الشخصية محل معتقدات ‏وقيم الجماعة نفسها‏، فيعتبر تحديد مضمونه مسألة قانونية تخضع لرقابة محكمة ‏التمييز كضمانة مهمة تَضمُن إقامة هذا التحديد على أسس موضوعية لا ذاتية.

وهو معيار اجتماعي يُدركه الافراد عادة في وقت مبكر من العمر، اذ يضبط دورة حياة التنشئة الاجتماعية ويحدد القوالب النمطية لذلك المجتمع وفق ما تحدده ثقافته المحلية في زمن محدد بما ويتوافق مع توقعاتهم للسلوك المطلوب من كل فرد في المجتمع.

وهو معيار قانوني يرد النص عليه صراحة او ضمناً ضمن فروع القانون المختلفة، كما سنوضح لاحقاً.

كما المجتمعات المتحضرة تتمسك بشدة بمبدأ (القانون هو القانون)، بينما تتمسك المجتمعات الأدنى حضارياً بالأعراف القبلية اكثر من تمسكها بالقانون، مما يولد خللاً إجتماعياً واضحاً يتعارض وفكرة النظام العام التي تدعم نظام الدولة الحديثة دون نظام القبيلة السابق للدولة.

وغاية الفكرة حماية المصلحة العامة والمجتمع‎ ‎ومؤسساته ‏من الإنهيار،‎ ‎ولذلك نجد أن متعلقات النظام السياسي كالحريات العامة وشكل الحكم وسلطات الدولة ونظامها الاقتصادي ومايرد عليه من حرية أو قيود على التداول النقدي وأسعار صرف العملة والتجارة الخارجية، هي من النظام العام.

وكل ما يتصل بكيان الأسرة من زواج وطلاق ونسب ونفقة وقرابة، نظراً لإتصالها بالأسس الاجتماعية للمجتمع.

2- معيار الآداب العامة:

أما الآداب العامة ،فهي مجموعة القيم والمعايير الخلقية التي يقوم عليها النظام ‏الإجتماعي في زمان ومكان معينين.‏

وهي الاخرى معيار كلي مرن ونسبي، قوامه الأخلاق العامة التي تُمثل الضمير العام ‏للجماعة، وفكرة اخلاقية نفذت ‏الى الفكر القانوني فأكتسبت طابعاً عملياً ومن ثم ‏ليست هي الاخلاق المثالية التي ينادي بها الفلاسفة ورجال الدين، بل هي ‏الاخلاق ‏العملية المتوسطة التي تشمل ما يتصل بالناموس الأدبي الذي تحرص ‏الجماعة عليه في العلاقات ‏بين الافراد وتمنع انهياره. وكلما اقترب المجتمع من التحضر اكثر ارتفع ‏المعيار الخلقي النمطي وزاد التشدد فيه، كتقديس النظافة واللياقة في السلوك والتعبير.‏

وبما ان نطاق القانون يختلف عن نطاق الاخلاق، فأن هدف المشرع ‏من تبنيه لفكرة الآداب العامة ليس ‏الرغبة في الارتفاع بالجماعة الى مستوى الكمال ‏الخلقي، وانما يقصد بذلك الا يمنح حمايته للتصرفات التي تكون مخالفة ‏للآداب. ‏

ثانياً- أهمية فكرة النظام العام والآداب العامة:

تعد فكرة النظام العام والآداب العامة المنفذ الذي تنفذ منه العوامل السياسية والاقتصادية ‏والاجتماعية الى النظام ‏القانوني لتلائم بينه وبين التطور الإجتماعي.‏‏

وترد صياغة معيارا النظام العام والآداب العامة في التشريع دون ضَبط وبقصد ان يكونا على قدر من ‏الغموض حتى يكملا ما فات القانون من نقص وقصور، ويعطيا معايير واسعة لكل ما يجب اعتباره غير مشروع ‏ولو لم يرد نص بتحريمه.‏‎ ‎

ثالثاً- أنواع النظام العام:

يمكن تمييز نوعين من النظام العام، وفقاً للأفكار القانونية والسياسية الحديثة:

1 ـ النظام العام الصريح والنظام العام الضمني:

أ - النظام العام الصريح: وهي قواعد ترد في التشريع تنص صراحة اعلى افعال محددة على انها تعد من النظام العام، ويعد كل اتفاق مخالفة هذه الأحكام باطلاً.

ب - النظام العام الضمني: وهي القواعد التي تستخلص من مضمون النص، حيث لايتضح فينا اذا كانت هذه القواعد أمرة لايحوز الاتفاق على خلافها ام انها قواعد مفسرة لإرادة المتعاقدين يجوز الاتفاق على خلافها.

والقاضي هو الذي الذي يستخلص من معنى النص، معناها ومدى الزامها، ويجب على القاضي في مثل هذه الحال أن يبحث عن المصلحة التي تحميها القاعدة، فإذا تبين له أنها مصلحة أساسية من مصالح المجتمع، كانت القاعدة آمرة، ومن ثمّ تتعلق بالنظام العام.

2 ـ النظام العام السياسي والنظام العام الاقتصادي:

أ- النظام العام السياسي:

وهي القواعد التي تتعلق بتنظيم الدولة والعلاقات الدولة وفروع القانون العام كالقانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي والقانون الجنايي قواعد قانون الاحوال الشخصية بشكل عام، تعد من النظام العام ومن ثم يعد كل اتفاق يخالف تنظيم الدولة لهذه القوانين باطلاً لتعلقه بالنظام العام.

ب ـ النظام العام الاقتصادي: وهي فكرة حديثة نسبياً، قد تأتي استثناءاً من قواعد مستقرة من قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومن تطبيقاتها عقود الإذعان التي يحمى فيها الطرف الضعيف ولو كان دائناً، وكذلك يهدف إلى حماية الطرف الضعيف اقتصادياً في بعض العقود، كالقواعد التي تهدف إلى حماية العامل في عقد العمل، وكذلك تسعيرة المواذ الغدائية في اوقات الازمات ، وكذلك ما يتعلق بحماية الاقتصاد الوطني مثل حظر التعامل بالعملة الاجنبية داخل البلد او تحديد العملات التي يحوز اخراجها من قبل المسافرين للدول الأجنبية.

رابعاً- عناصر النظام العام

تنطوي فكرة النظام العام على أربعة عناصر: ‎

‏1. الأمن العام: وهو مجموعة القواعد القانونية والاجراءات الواجب اتباعها للمحافظة على ‏السلامة العامـة لأفراد المجتمع ومنع المخاطر التي تهدد حياتهم وممتلكاتهم.

سواء كان مصـدرها ‎‎الطبـيعة كالزلازل و الفيضانات، او بفعل الإنسان كالجرائم ‏، او الحيوانات السائبة، والمظاهرات غير السلمية التي تخل بالامن الـعام مما يخول السلطات معالجتها ولو بالقوة.

‏2. السكينة العامة؛ وهي مجموعة القواعد التي تحمي الإنسان في حياته‎ ‎اليومية بحيث توفر له سبل الاستقرار والراحة و الهدوء.

مما يوجب على السلطات القضاء علـى ‏الأسباب التي تزعج المواطن و تقلقـه‎ ‎كمعالجة الازدحامات ومكافحة الضوضاء ومنع التجاوزات على الأرصفة ومعالجة التسول.‏‎‎

‏3. الصحة العامة: وهي مجموعة القواعد التي توفر الوقاية للمواطنين وتحميهم من المخاطر‎ ‎الصحية كالأمراض والأوبئة.

‏ مثل بناء المستشفيات وتوفـير الأدوية واللقاحات ورفع النفايات وتفتيش المحلات التجارية المتعلقة بالصحة العامة.

‏4. الآداب العامة:ويقصد بها وضع القواعد التي تنظم السلوكيات العامة في نطاق القيم الخلقية وثقافة الشعب الأدبية التي يتطلع للحفاظ ‏عليها.‏

ومن ذلك مراقبة الوسائل ذات الطابع الثقافي كالأفلام والمجلات ومواقع التواصل الإجتماعي التي تروج لأفكار شاذة وهابطة وغلق الاماكن المشبوهة.

وقد اضيف عنصر جديد بموجب قرار مجلس الدولة الفرنسي عنصر (حفظ الكرامة البشرية)حيث تم منع عرض ساخر يتعلق بالأقزام. بناء على طلب بلدية مورسانج - سور أورج .

وبجعل احترام كرامة الإنسان عنصراً من عناصر النظام العام، أثبت مجلس الدولة الفرنسي أن النظام العام لا يمكن اعتباره مجرد مفهوم "مادي وخارجي"، بل يشمل مفهوماً للإنسانية تضمنه السلطات العامة.

ومع ذلك، امتنع مجلس الدولة عن ترسيخ الآداب العامة كعنصر من عناصر النظام العام، حرصاً منه على عدم التوسع المفرط في تفسير صلاحيات الشرطة للسلطة الإدارية.

كما إن حماية كرامة الإنسان من جميع أشكال الاستعباد أو الإذلال، تغطيها أيضاً المادة (3) من الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تحظر المعاملة اللاإنسانية أو المهينة، قد تم رفعها بالفعل إلى مرتبة مبدأ ذي قيمة دستورية من قبل المجلس الدستوري الفرنسي.

خامسا - النظام العام والآداب العامة في النظام القانوني العراقي:

أبرز المواد المتعلقة بالنظام العام في التشريع العراقي

1- دستور جمهورية العراق لسنة 2005 النافذ: تعد القواعد الدستورية بشكل عام قواعد أمرة ومن النظام العام، وكل مخالفة لها او الاتفاق على خلافها يعتبر باطلاً.

وفيما يتعلق بالحريات العامة نصت المادة (38) على انه: تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والاداب:

اولا:- حرية التعبير عن الراي بكل الوسائل.

ثانيا:- حرية الصحافة والطباعة والاعلان والاعلام والنشر.

ثالثا:- حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون.

2 - القانون المدني رقم 40 لسنة 1951: ضم العديد من القواعد الامرة المتعلقة بالنظام العام والآداب العامة، من ذلك ذلك على سبيل المثال:

المادة (32) منه حيث نصت على انه:

(لا يجوز تطبيق احكام قانون اجنبي قررته النصوص السابقة اذا كانت هذه الاحكام مخالفة للنظام العام او للاداب في العراق).

نص المادة 130 منه حيث نصت على انه:

(1 – يلزم ان يكون محل الالتزام غير ممنوع قانونا ولا مخالفا للنظام العام او للاداب والا كان العقد باطلا.

2 – ويعتبر من النظام العام بوجه خاص الاحكام المتعلقة بالاحوال الشخصية كالاهلية والميراث والاحكام المتعلقة بالانتقال والاجراءات اللازمة للتصرف في الوقف وفي العقار والتصرف في مال المحجور ومال الوقف ومال الدولة وقوانين التسعير الجبري وسائر القوانين التي تصدر لحاجة المستهلكين في الظروف الاستثنائية).

المادة 131 منه حيث نصت على انه:

(1 – يجوز ان يقترن العقد بشرط يؤكد مقتضاه او يلائمه او يكون جاريا به العرف والعادة.

2 – كما يجوز ان يقترن بشرط نفع لاحد العاقدين او للغير اذا لم يكن ممنوعا قانونا او مخالفا للنظام العام او للاداب والا لغا الشرط وصح العقد ما لم يكن الشرط الدافع الى التعاقد فيبطل العقد ايضا).

المادة 132 منه حيث نصت على انه:

(1 – يكون العقد باطلا اذا التزم المتعاقدون دون سبب او لسبب ممنوع قانونا ومخالف للنظام العام او للاداب.

2 – ويفترض في كل التزام ان له سببا مشروعا ولو لم يذكر هذا السبب في العقد ما لم يقم الدليل على غير ذلك.

3 – اما اذا ذكر سبب في العقد فيعتبر انه السبب الحقيقي حتى يقوم الدليل على ما يخالف ذلك).

3- قوانين التجارة والاستثمار: تتضمن قوانين التجارة والشركات والاوراق التجارية بشكل عام عدداً من القواعد الأمرة التي تتعلق بالتظام العام، تشمل أبرز تطبيقاتها بطلان العقود المخالفة للقانون، قواعد الإفلاس والإعسار، أحكام الشركات (كالحد الأدنى للشركاء في نوع معين من الشركات ورأس مال الشركات والتسجيل لدى مسجل الشركات)، وقواعد الوكالة التجارية وتحديد الفوائد.

وقد أقرّ المشرّع العراقي من خلال قانون التجارة وقانون الشركات مجموعة من الشروط الموضوعية والشكلية الملزمة فيما يعد من الأعمال التجارية والاوراق التجارية ولصحة عقد تأسيس الشركة، من بينها مشروعية الغرض، أهلية الشركاء، شكلية العقد، التقييد في السجل التجاري والإشهار. يهدف هذا التدخل من النظام العام إلى خلق توازن بين حرية التعاقد والاستثمار من جهة، وحماية المصلحة العامة والثقة في البيئة الاقتصادية من جهة أخرى.

4- القوانين الإجرائية (قانون اصول المحاكمات الجزائية، قانون المرافعات المدنية، قانون التنفيذ):

تعتبر معظم القواعد الإجرائية في القانون العراقي من النظام العام، حيث تهدف إلى تنظيم سير العدالة وضمان حسن سير المرافق القضائية. القواعد الآمرة التي لا يجوز للأفراد الاتفاق على مخالفتها، مثل الاختصاص النوعي والوظيفي، تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها وتتعلق بالنظام العام.

أبرز القواعد الإجرائية المتعلقة بالنظام العام في العراق

الاختصاص النوعي والوظيفي:

الاختصاص النوعي (مثل اختصاص محكمة البداءة أو الأحوال الشخصية) متعلق بالنظام العام، ولا يجوز الاتفاق على خلافه، ويجوز التمسك به في أي مرحلة من مراحل الدعوى.

المواعيد الإجرائية: المواعيد التي وضعها المشرع لإجراءات معينة (مثل الطعن) تعتبر آمرة، وتتسم بصفة النظام العام لضمان استقرار المراكز القانونية.

شرعية الإجراءات الجنائية: يجب اتخاذ الإجراءات الجنائية وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية، وأي خلل فيها يمس النظام العام.

تشكيل المحاكم: قواعد تشكيل المحاكم وصلاحياتها تعد من النظام العام ولا يجوز للأطراف تجاوزها.

باختصار، القوانين التي تهدف لحماية مصلحة المجتمع العليا وسير العدالة هي قواعد نظام عام لا تملك الأطراف حرية تغييرها.

سادساً- تقدير النظام العام والاداب العامة:

حتى لاتتحول فكرة النظام العام والآداب العامة الى وسيلة لتكميم الافواه وقمع الحريات العامة فإن من يقرر مفهومها ونطاق مخالفة عناصرها هو القضاء حصراً.2008

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

إعداد وترجمة

د. علي أسعد وطفة

***

"إِنَّنَا الْيَوْمَ نَرْقُصُ رَقْصَةَ الْأَشْبَاحِ… وَلَكِنَّنِي لَسْتُ مُوقِنًا مِنِ اسْتِرْدَادِ مَعْنَى الدَّائِرَةِ، لَقَدِ اجْتُثَّتِ الشَّجَرَةُ الْمُقَدَّسَةُ مِنَ الْجُذُورِ وَلَكِنْ… مَا يُدْرِيكَ! لَعَلَّ هُنَاكَ جَذْرًا صَغِيرًا فِي الْأَرْضِ وَلَعَلَّهُ يَكْبُرُ لِيَصِيرَ شَجَرَةً مِنْ جَدِيدٍ."

الأَيِّلُ الْأَسْوَدُ (Black Elk) (1)

"أَحْيَانًا يَبْدُو التَّارِيخُ وَكَأَنَّهُ شَاعِرٌ مَجْنُونٌ، يُعِيدُ كِتَابَةَ مَآسِيهِ، لَا لِيُحَسِّنَ الْمَعْنَى، بَلْ لِيُكَرِّرَ وَيُعَظِّمَ الْأَلَمَ. فَلَا تَنْسَوُا الْإِبَادَاتِ الْجَمَاعِيَّةَ أَبَدًا، فَإِنَّهَا تَتَكَرَّرُ عِنْدَ نِسْيَانِهَا."

عَلِيُّ عِزَّتُ بِيغُوفِيتْش (Ali Izet Begović)

1- مقدمة: كيف نفسّر قيام مجموعات متوحّشة من البشر بممارسة أفظع مجازر التطهير العرقيّ والمذابح الدموية ضدّ مجموعات بشريّة عرقيّة ودينيّة مدنية آمنة؟ كيف يستطيع إنسان ما أن يمارس أشدّ أنواع القتل والتعذيب والفتك بالنساء والأطفال والشيوخ والأبرياء دون أيّ مبرّر أخلاقيّ أو إنسانيّ؟ وما يدعو إلى العجب أنّ هؤلاء القتلة يبتهجون ويفرحون ويهلّلون ويكبرون بعد تنفيذهم لجرائم الذبح والقتل والتطهير العرقيّ والطائفيّ ضد أناس مدنيون عزّل لا يحملون سلاحا ولا حول لهم ولا قوة. وقد شاهدنا عبر وسائل الإعلام ورأينا عبر الشهادات الأمميّة المصوّرة كيف تقوم الجماعات المتطرّفة بقطع رؤوس الأطفال وحرق النساء وقتل الشيوخ وشقّ البطون وأكل الأكباد. وقد رأينا بأمّ العين كيف تُقْتَل عائلات بأكملها بما فيهم الأطفال والنساء والشيوخ والرضّع دون رحمة أو استثناء. والأدهى من ذلك أنّ هؤلاء القتلة يفخرون بجرائمهم ضدّ الإنسانيّة ويتفاخرون ثم يحتفلون ابتهاجا، وقد صوروا أنفسهم وهم يحملون الرؤوس المقطوعة، يرقصون بها فرحا ويقذفونها في الهواء ابتهاجا، ويتلاعبون بها بأقدامهم لهوا، ثمّ يمثّلون بجثث ضحاياهم من الأمّهات المفجوعة والأطفال والشيوخ، وذلك كلّه دون أن تتحرّك فيهم أيّة بادرة للشفقة والرحمة الإنسانيّة. وقد شاهدنا كثيراً من هذه المشاهد في سوريا والعراق والسودان خلال حروب الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّذي نُفِّذ على أساس طائفيّ وعرقيّ ودينيّ وقوميّ. وما يزال هذا النشاط الدمويّ مستمرّاً واحتمالات انفجاراته قائمة دائمة. والسؤال العجيب الغريب المذهل كيف يمكن لإنسان أن يبتهج ويهلّل ويكبر ويغنّي وينشد وينتفض ابتهاجاً عندما يقطع رأس طفل ويشق احشاءه ويأكل كبده، أو عندما يقتل إنسانا حرقا أو رميا من الطوابق العليا و، الأدهى كيف تتجمد فيهم الإنسانية ليقوموا بقتل الأطفال وذبحهم والتمثيل بهم أمام أمّهاتهم وآبائهم.

والسؤال الّذي يطرح نفسه في المستوى السيكولوجيّ: ما البنية السيكولوجيّة لهؤلاء الوحوش، وكيف جُرِّدُوا من كلّ إحساس إنسانيّ أو أخلاقيّ؟ كيف تحوّلوا إلى كائنات تفوق الوحوش جميعها وحشيّة وضراوة ودموية؟ فالوحوش لا تقتل حبّاً بالقتل، وإنّما هو الإنسان وحده الّذي يتلذّذ بالقتل والتعذيب والقهر. ونحن نقرّ بأنّ وجود هؤلاء الوحوش ناجم عن أيديولوجيّات عرقيّة قمعيّة إباديّة سوداء. وأنّ هذه الأيديولوجيّات المظلمة هي الّتي تحوّل هذه الكائنات المتوحّشة إلى كائنات باردة جامدة لا تعرف الرحمة في القتل وسفك الدماء. وفي التاريخ الإنسانيّ تجارب كثيرة تدلّ على هذه الأنماط الوحشيّة من قدرة الإنسان على الفتك والقتل والتدمير. وإن كنّا نعلم علم اليقين أنّ التربية المتطرّفة والأيديولوجيّات العرقيّة والدينيّة السوداء تشكّل البوتقة الّتي يتشكّل فيها الإنسان الوحش المتطرّف الّذي لا يتورّع عن إبادة أطفال العالم ونسائه وشيوخه دفعة واحدة لو استطاع.

ويذكر في هذا السياق أن أولى حوادث التطهير العرقي في التاريخ الحديث جرت ضد الهنود الحمر بعد اكتشاف الأمريكتين(2)، ومن المعروف أن الجيوش الأوروبية أبادت أكثر من 80٪ من الهنود الحمر، وهم السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، في عام 1846 وقد أُبيد 60 مليونًا من الهنود الحمر، وهي الإبادة العرقية الأخطر في التاريخ الحديث التي مهدت لقيام الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي أوروبا الحديثة، عاش روّاد مدرسة فرانكفورت، وجلهم من اليهود التطهير العرقيّ لأبناء جلدتهم، وقد شكّلت الأحداث الدامية في الهولوكست وأوشفيتز ضدّ اليهود أحد أهمّ العوامل في تطوّر نظريّاتهم النقديّة. وقد حاول هؤلاء المفكّرون، وعلى رأسهم أدونوا البحث العميق في طبيعة التطهير العرقيّ، وحاول أن يبحث في طبيعة التحوّل الوحشيّ للإنسان إلى قاتل بلا رحمة، وكان يخشى تكرار أوشفيتز ضدّ اليهود، ولم يكن يعلم أنّ أبناء جلّدته سيمارسون أنفسهم وحشيّة تفوق أوشفيتز في فلسطين وفي غزّة وفي مختلف مناطق فلسطين السليبة، وقد نفّذ قومه مذابح كثيرة يندى لها الجبين الإنسانيّ خجلاً في أرض كنعان الحبيبة.

وفي الأحوال كلها ما كان لأدورنو أن يوافق على أيّ من المواقف المضادّة للإنسانيّة في فلسطين أو في غيرها ضد بني الإنسان والإنسانية. في هذه المقالة المترجمة في الأصل عن محاضرة لأدورنو حول التربية والتطهير العرقيّ بعد أوشفيتز، يحلّل أدورنو طبيعة الممارسات التطهيريّة العرقيّة ضدّ البشريّة، ويبحث في العوامل التربويّة والتاريخيّة والسيكولوجيّة في تفسير قدرة البشر والكائنات الإنسانيّة على ممارسة الأفعال التطهيريّة ضدّ الإنسانيّة. ومن الطبيعيّ أن يمكننا أن نفهم كثيراً عن طبيعة التوحّش الإنسان ودور التربية في خفض هذا التوحّش المسعور في مجتمعاتنا وبلداننا.

ولم تكن مشاهد الإبادة العرقيّة والتطهير العرقيّ الرهيبة (الهولوكوست وأوشفيتز) في ألمانيا النازيّة نهاية تاريخيّة للمذابح البشرية في العصر الحديث، فالتطهير العرقيّ الدينيّ والإثنيّ والطائفيّ والسياسيّ لم يتوقّف حتّى اليوم، وما زالت المذابح العرقيّة والدينيّة تتواتر بدرجات ربّما لا تقلّ خطورة وأهمّيّة عن مذابح اليهود والفئات المهمّشة في ألمانيا النازيّة.

ولكن، عندما حدث التطهير العرقيّ ضدّ اليهود والأقلّيّات العرقيّة في أوروبا ألمانيا النازيّة انفجر المفكّرون اليساريّون غضباً وتشاؤماً ضدّ مظاهر هذه الإبادة العرقيّة التطهيريّة لليهود وغيرهم في الهولوكست، وفي معسكرات أوشفيتز الدمويّة. وقد عبر أدورنو المفكّر الثائر عن جام غضبه ويأسه وتشاؤمه وإحساسه بالكارثة ضدّ الإنسان والإنسانيّة، وقد تركت هذه المجازر في نفسه، وفي عقول {واد مدرسة فرانكفورت وأغلبهم من المفكّرين اليهود جرحاً غائراً في العقل والروح والوجدان. والسؤال الكبير الّذي طرحه أدورنو في زمنه هو: أين هو دور الثقافة والتربية في مواجهة هذا لأنماط من التطهير العرقيّ والطائفيّ بحقّ الأقلّيّات الدينيّة والعرقيّة والطائفيّة والمذهبيّة.

لقد استشاط ثيودور أدورنو (Theodor Adorno) (3) غضباً وحزناً وحاله مجال العندل الأسود عندما وجد أهل جلدّته وقومه اليهود يذبحون ويقتلون ويبادون في محارق الموت النازية. والأمر الّذي عظّم بلواه، وأخذه إلى حافّة الجنون أنّ الطبقة البرجوازيّة القومية الألمانيّة ساندت هذه الإبادات العرقيّة ضدّ اليهود ولم تمنعها، وكان من أكثر الأمور تدميراً للعقل والروح والوجدان أنّ طبقة واسعة من المثقّفين الألمان شجّعوا هذه المذابح وأيّدوها، ومن لم يفعل التزم الصمت والسكوت المدمّر الّذي لا يمكن وصفه إلّا بالصمت الإجراميّ المشارك في مأدبة التطهير العرقيّ. وكان عليه أن يبحث عن الأسباب والطريقة الّتي يمكن فيها إيقاف هذه المذابح الكبرى تاريخيّاً، وقد وجد أنّه يجب على المجتمع الدوليّ والإنسانيّ أن يقدّم كلّ ما يمكّنه من فعاليّات ثقافيّة وتربويّة وحقوقيّة، وكان يحلم بألّا تتكرّر كارثة أوشفيتز ومعسكراً التطهير في الهولوكست والغولاغ الشيوعيّة. وقد قاده التفكير إلى البحث عن الدور التربويّ للتربية والأنظمة الثقافيّة في توفير الأطر الإنسانيّة الّتي يمكنها أن تحول دون تكرار أوشفيتز وأمثالها في المجتمعات الإنسانيّة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الجرائم ضدّ الإنسانيّة (الهولكوست أوشفيتز الغولاغ السوفييتي) شكّلت صدمة أخلاقيّة كبرى دفعت الدول المنتصرة في الحرب العالميّة الثانية إلى التفكير في نظام دوليّ يمنع تكرار مثل هذه الكوارث الإنسانيّة، وقد نجم عن جهود هذه الدول ذلك صدور ميثاق الأمم المتّحدة الصادر في 26 يونيو 1945 في مؤتمر سان فرانسيسكو، ضدّ كلّ أشكال الإبادة العرقيّة، وقد جاء فيه "نحن شعوب الأمم المتّحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب... وأن نؤكّد مجددا إيماننا بحقوق الإنسان الأساسيّة، وبكرامة الفرد وقدره". ودخل هذا القرار حيّز التنفيذ في 24 أكتوبر 1945، أي بعد انكشاف معسكرات الإبادة النازيّة مثل أوشفيتز أمام الرأي العامّ العالميّ.

ولكنّ أحلام روّاد المدرسة النقديّة من مدرسة فرانكفورت، وعلى رأسهم أدورنو في إيجاد السبل لمنع حدوث هذه المجازر الكبرى ضدّ الإنسانيّة لم تتوقّف إلى يومنا هذا، ومع ذلك فإن التطهير العرقيّ وحروب الإبادة الجماعية لم تتوقّف أبداً بعد أوشفيتز (Auschwitz) وحتّى بعد صدور ميثاق الأمم المتّحدة والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. وقد تواترت هذه الحروب والمذابح ضدّ الإنسانيّة في عدد كبير من مناطق العالم، مثل الإبادة الجماعيّة في كمبوديا (1975–1979) الّتي وقعت خلال حكم نظام الخمير الحمر بقيادة بول بوت (Pol Pot). وقد قدّر عدد الضحايا هذه المجازر بقرابة مليوني إنسان، استهدفت هذه المجورة فئات اجتماعيّة وثقافيّة (متعلّمين، أقلّيّات دينيّة وعرقيّة) ومثّلت نموذجاً لـ«الهندسة الاجتماعيّة» الشموليّة القائمة على التطهير العرقي والطبقي.

وما زلنا نحتفظ في الذاكرة بالإبادة العرقيّة في رواندا عام 1994 الّتي ذهب ضحيّتها - خلال مئة يوم من القتال - نحو 800 ألف من أقلّيّة التوتسي (Tutsi) والهوتو (Hutu). وقد أدّى التحريض الإعلاميّ من خلال وسائل الإعلام والإذاعات والثقافة العنصريّة دوراً مباشراً في التعبئة على القتل والتطهير والإبادة ضدّ الإنسانيّة. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى مجزرة سربرنيتسا في البوسنة عام 1995، وهي واحدة من أبشع جرائم الإبادة في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. لّتي وقعت في أثناء حرب البوسنة على أثر تفكّك يوغوسلافيا؛ وقد ذهب ضحيّة هذا التطهير العرقيّ الدينيّ أكثر من 8 آلاف مسلم بوسنيّ بدم بارد، في جريمة تطهير عرقي، وقعت في قلب القارة التي نصّبت نفسها حاميةً للتحضر، ومدافعة عن القيم الإنسانية، لكنها اختارت الصمت—و التواطؤ المقنع—حين دُفن الضحايا جماعياً تحت أعين قوات حفظ السلام الدولية. واعتبرتها المحكمة الجنائيّة الدوليّة هذا التطهير السابقة إبادة جماعيّة، وقد شكّلت اختباراً جديداً لفشل الحماية الدوليّة رغم وجود قوّات أمميّة.

وفي هذا السياق تقفز إلى الذاكرة الإبادة العرقيّة الّذي بدأت فصولها جنوب السودان عام 2003، وقد شهد هذه المنطقة أشكالاً مرعبة من الإبادات الجمعيّة، وقد تحوّل الصراع المسلّح في السودان إلى تطهير عرقيّ ضدّ جماعات إفريقيّة في إقليم دارفور قتل فيها مئات الآلاف، وتعرّض الملايين للنزوح. ولا يمكن للذاكرة البشريّة أن تنسى التطهير العرقيّ في ميانمار الّذي بدأ في 2017، ولم يتوقّف حتّى اليوم بعد ضدّ أقلّيّة الروهينغا (Rohingya) المسلمة في ولاية راخين، وقد شمل هذا التطهير عمليّات قتل وحرق قرى وتهجير جماعيّ إلى بنغلادش. وصفتها الأمم المتّحدة بأنّها تحمل «سمات الإبادة الجماعيّة.

ومن المهمّ في هذا المدار الإشارة إلى مذابح الإيزيديّين في سنجار العراق عام 2014 التي صنفت بأنها من أبشع أشكال الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ في القرن الحادي والعشرين من حيث وضوح القصد والطابع المنهجيّ للجرائم. ويذكر في هذا السياق أن تنظيم داعش (تنظيم الدولة الإسلاميّة) اجتاح منطقة سنجار الإيزيدية في 3 أغسطس من عام 2014، وبدأ مقاتلوه بتنفيذ أبشع الجرائم وأخطر أنواع التطهير العرقيّ ضدّ الإيزيديّين في المنطقة، وقام متطرّفو داعش بخطف النساء والأطفال والفتيات وبيعهنّ كسبايا في أسواق النخاسة، وجُنِّد الأطفال قسراً؛ ومن ثمّ تمّ حصار آلاف المدنيّين في جبل سنجار بلا ماء أو غذاء، وهو الأمر الّذي تسبّب موت الآلاف من الإيزيديّين بسبب العطش والجوع. وقد وصفت الأمم المتّحدة ولجان تحقيق مستقلّة أنّ ما جرى للإيزيديّين يرقى إلى إبادة جماعيّة وفق تعريف اتّفاقيّة منع جريمة الإبادة الجماعيّة. وتبيّن الإحصائيّات أنّ عدد القتلى بلغ نحو 3,000 – 5,000 قتيل في الأسابيع الأولى من الهجوم، وحوالي 6,000 – 6,800 شخص اختطفوا أغلبهم نساء وأطفال، وقد عثر لاحقاً على عشرات المقابر الجماعيّة في سنجار ومحيطها، وما زال آلاف المفقودين الّذين لا يعرف مصيرهم بعد، وقد تميّزت هذه الإبادة بالقتل الممنهج للذكور البالغين، والاسترقاق الجنسيّ المنظّم للنساء والمستضعفين والتهجير القسريّ والقتل النظم.

وفي السودان ما تزال هذه المذابح متنقّلة أبرزها مذابح الفاشر (أكتوبر 2025)، وقد ذهب ضحيّتها أكثر من 2000 شخص، بينهم مئات المرضى داخل مستشفى، ونزح نحو 26 ألفاً. وهناك تقارير تحدّثت عن إعدامات بدوافع عرقيّة ومقابر جماعيّة. في مذابح جلنقي (أغسطس 2024 – سنار) والهلاليّة (نوفمبر 2024) ومسجد الفاشر (سبتمبر 2025) الّذي تمّ فيه القضاء على 75 ضحيّة بطائرة مسيرة أثناء صلاة الفجر. وتقدّر ضحايا الحرب الأهليّة في السودان بأكثر من 20 ألف قتيل منذ 2023 وأكثر من 15 مليون نازح ولاجئ داخل السودان وخارجه.

وفي سوريا لم تتوقّف المذابح من عام 2011 حتّى يومنا هذا، ومن أبرز هذه المذابح مجزرة الحولة ومجزرة التريمسة والهجوم الكيميائيّ في الغوطة ومجزرة حيّ التضامن ومذابح وسجن صيدنايا. وتقدّر الإحصائيّات أنّ ضحايا هذه الحرب السوريّة بلغت أكثر من 500 ألف قتيل منذ 2011 وأكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ. وما تزال هذه الحرب العرقيّة الطائفيّة مستمرّة في سوريا، وما زالت بعض الانتكاسات ذات البعد الطائفي والعرقي في الساحل السوريّ، وفي جبل العرب، وفي شرق الفرات على أشدّه ضدّ الأقلّيّات الدينية والعرقية وبعضها يستمر بطريقة خفيّة تحت عنوان " الحوادث الفرديّة".

لقد أولى أدورنو التربية أهمّيّة كبيرة وعلّق عليها آمالاً كبيرة في تحقيق الخلاص الإنسانيّ ضدّ القتل والإبادة والتطهير العرقيّ، وهو في معالجته لهذه المسألة يحمل التربية والثقافة أيضاً مسؤوليّات كبرى إزاء ما يحدث في هذا العالم من قتل وفتّك وتدمير. وقد ألقى محاضرته الشهيرة بعنوان " التربية بعد أوشفيتز" (Education After Auschwitz) في عام 1966 يبحث فيها عن العوامل النفسية والاجتماعية التي تؤدي إلى حرو الإبادة، ويقدم تحليلا مذهلا للعوامل التي تؤدي إلى افتتان الناس بقتل الآخرين وتعذيبهم. وفي هذه المناسبة يجب علينا أن نعرف بأن أدورنو يعدّ من أكثر المفكرين النقديّين خطورة وأهمّيّة في القرن العشرين وهو أحد أبرز روّاد مدرسة فرانكفورت. وقد احتلّ مكانة كبيرة جدّاً في الفلسفة والفكر والنقد الجماليّ في ألمانيا وأمريكا في القرن الماضي.

وتعدّ محاضرة أدورنو التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” (4) من أبرز النصوص التربويّة لدى الفيلسوف الألمانيّ تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (5)، وقد ألقيت هذه المحاضرة أصلاً في 18 أبريل/نيسان 1966 وتم بثّها عبر إذاعة ولاية هِسّن الألمانيّة (Hessischer Rundfunk)، وقد جاءت هذه المحاضرة في سياق التأمّل النقديّ حول الذاكرة التاريخيّة للمآسي النازيّة في ألمانيا ولا سيّما قضيّة الإبادة العرقيّة لليهود والأقلّيّات العرقيّة المهمّشة في أوروبا.

وقد نشرت هذه المحاضرة لاحقاً ضمن كتاب "التربية من أجل الاستقلاليّة" (Erziehung zur Mündigkeit)، الّذي صدر بعد وفاة أدورنو 1969، عن دار نشر زوهر كامب (Suhrkamp Verlag) في مدينة فرانكفورت أم ماين. ويضمّ هذا الكتاب مجموعة من محاضرات أدورنو ونصوصه ذات الطابع التربويّ-الفلسفيّ، حيث تتبلور رؤيته لمفهوم الاستقلاليّة النقديّة (Mündigkeit) بوصفه شرطاً أساسيّاً للتحرّر من آليّات الطاعة العمياء والخضوع السلطويّ وأنماط التكوين النفسيّ الّتي مهّدت تاريخيّاً لظهور الفاشيّة.

أمّا الترجمة الإنجليزيّة للنصّ بعنوان “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” فقد ظهرت ضمن كتاب نماذج نقديّة: تدخّلات وكلمات مفتاحيّة (Critical Models: Interventions and Catchwords)، الصادر عام 1998 عن دار جامعة كولومبيا للنشر (Columbia University Press) في نيويورك، بترجمة هنري و. بيكفورد (Henry W. Pickford). وقد أسهم هذا الإصدار في إدماج النصّ ضمن النقاش الفلسفيّ الأنغلوسكسونيّ حول الأخلاق السياسيّة، والتربية النقديّة، ومسألة الحداثة بعد الإبادة. من الناحية الفكريّة، يعدّ هذا النصّ من أهمّ إسهامات أدورنو في الفلسفة التربويّة الحديثة، إذ يفتتحه بأطروحته الشهيرة: “إنّ المطلب الأوّل والأسمى على كلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز". تكمن أهمّيّة هذه العبارة في أنّها لا تضع هدفاً معرفيّاً تقنيّاً للتربية، بل تؤسّس مطلباً أخلاقيّاً-تاريخيّاً مطلقاً، يجعل من منع تكرار الكارثة معياراً أعلى لكلّ مشروع تعليميّ. وهنا تتحوّل التربية من مجرّد نقل للمعرفة أو تكوين مهارات إلى ممارسة نقديّة تسعى إلى تفكيك الشروط الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

ويمثّل هذا النصّ امتداداً مباشراً لمشروع النظريّة النقديّة (Critical Theory) الّذي طوّره أدورنو ضمن إطار مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School)، إلى جانب مفكّرين مثل ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer). ففي هذا الأفق النظريّ، لا تفهم النازيّة بوصفها انحرافاً عرضيّاً عن مسار الحداثة، بل باعتبارها إمكانيّة كامنة داخل بنية العقل الأداتيّ (Instrumental Reason) والمجتمع الصناعيّ الحديث. ومن ثمّ، يغدو مطلب “عدم تكرار أوشفيتز (Auschwitz)” اختباراً جذريّاً لمصداقيّة التنوير (Enlightenment) ذاته، ولمدى قدرة التربية على إنتاج وعي نقديّ قادر على مقاومة الامتثال، والتشيّؤ (Reification)، وآليّات الهيمنة. وعليه، فإنّ “التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)” لا تمثّل مجرّد نصّ تاريخيّ مرتبط بظرف ما بعد الحرب، بل تعدّ بياناً فلسفيّاً حول مسؤوليّة التربية في مواجهة العنف البنيويّ، ومساءلة دائمة للشروط الحضاريّة الّتي قد تسمح بانبثاق الكارثة من قلب الحداثة نفسها. وسنعمل فيما يلي على ترجمة هذه المحاضرة بتصرّف والتعليق عليها.

2- أدورنو والتربية بعد أوشفيتز(6):

يقول أدورنو في بداية محاضرته: إنّ المطلب الأوّل والرئيسيّ لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز (Auschwitz) مرّة أخرى. إنّ أهمية هذا المطلب وأولويته لا تحتاج إلى أيّ تبرير، وأعتقد أنّني لست بحاجة إلى تبريره، ولا ينبغي أن أفعل ذلك. وأنا لا أستطيع أن أفهم لماذا لم يمنح هذا الموضوع الخطير إلّا قدراً ضئيلاً من الاهتمام، على الرغم من أهمّيّته وخطورته. وإنّ كلّ نقاش حول التربية يتضاءل تماماً أمام أهمّيّة العمل على التفكير في تربية تضمن لنا ألّا تتكرّر مجازر أوشفيتز أبداً، لأن ما حدث في أوشفيتز يعدّ فعلاً همجيّاً ضد الإنسانية برمتها، ويجب على كلّ تربية أن تناهضه، وأن تكرّس نفسها في رفض كلّ أشكال العنف والمذابح والتطهير العرقيّ. وهو يحذّر في هذا السياق من أنّ عودة همجيّة أوشفيتز ستشكّل تهديداً مستمرّاً للإنسان والإنسانيّة في العالم. ويؤكّد أدورنو في سياق هذه المحاضرة على أنّ عودة الهمجيّة العرقيّة ممكنة دائماً ما دامت الشروط الأساسيّة الّتي ساعدت على حدوث هذا الفعل الهمجيّ قائمة دون تغيير. هنا يكمن الرعب كلّه، فالخطر ضدّ الإنسانيّة ما زال قائماً مع أنّ هذا الخطر يبدو لا يبدو لنا مرئيّاً في أيّامنا هذه. إنّه الخطر الذي يخيف البشر ويدفعهم إلى تجاهله خوفا منه , وقد بلغ هذا الخوف والرعب من الخطر بلغ ذروته على نطاق تاريخيّ عالميّ في الإبادة الجماعية لليهود في أوشفيتز.

وهنا، يتطرّق أدورنو إلى نظريّة فرويد (Freud) الّتي تمتدّ بتأثيرها إلى الثقافة والمجتمع، وقد عرف عن فرويد قوله إنّ الحضارة تنطوي في أعمقها على بذور فنائها، وهي أيضاً تنتج الأفراد الّذين يناهضون الحضارة ذاتها، وهؤلاء الطغاة المغامرون يشكّلون قوّة تتزايد مع نموّ الحضارة وقوّتها. وكان فرويد يشير حينها إلى الجماعات المتطرّفة الّتي تناهض الحضارة وقيمها من خلال القتل والإبادة والتطهير العرقيّ المستمرّ. وإذا كانت الهمجيّة حسب فرويد نفسها منقوشة بعمق داخل مبدأ الحضارة، فإنّ محاولة النهوض ضدّ هذه الهمجيّة محفوفة بالخطر(7).

إنّ أيّ تفكير في الوسائل الكفيلة الّتي يمكنها منع تكرار أوشفيتز يجب أن تنطلق من الثقافة والتربية. ولكن علينا دائماً أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ البنية الأساسيّة للمجتمع ما زالت هي نفسها لم تتغير عما كانت عليه قبل خمسة وعشرين عاماً. لقد قتل ملايين الأبرياء قتلاً منهجيّاً. ولا يمكن لأيّ إنسان حيّ أن يصرف النظر عن هذه المآدب الدموية بوصفها ظاهرة سطحيّة، أو انحرافاً في مسار التاريخ يمكن تجاهله مقارنة بالديناميّة الكبرى للتقدّم والتنوير والنموّ المفترض للنزعة الإنسانيّة. إنّ وقوع مثل هذه المذابح أمر محتمل جدا وهو يعبّر عن نزعة مجتمعيّة عدوانية قويّة للغاية.

وهنا أودّ أن أتحدّث عن الإبادة الأرمنيّة (Armenian Genocide) خلال الحرب العالميّة الأولى الّتي تعدّ حدثاً مفصّليّاً في تاريخ العنف الجماعيّ والتطهير العرقيّ في القرن العشرين، وقد انعكست أصداؤها في الأدب العالميّ، ولا سيّما في رواية "الأربعون يوماً لموسى داغ" (The Forty Days of Musa Dagh) للكاتب النمساويّ فرانز فيرفل (Franz Werfel) (8)، وقد حقّقت انتشاراً واسعاً، وأسهمت في تعريف الرأي العامّ الغربيّ بالمأساة الأرمنيّة والتطهير العرقيّ الّذي تعرّضوا من قبل الدولة العثمانيّة في العقد الثاني من القرن العشرين(9).

وتعود هذه الأحداث إلى سنوات 1915–1917، حينما سيطرت "حركة تركيّا الفتاة" (Young Turk Movement)، على الدولة العثمانية وهيمنة جمعيّة الاتّحاد والترقّي (Committee of Union and Progress)، وقد ارتبطت القيادة الفعليّة الدمويّة آنذاك بشخصيّات مثل أنور باشا (Enver Pasha)، وطلعت باشا (Talaat Pasha)، وجمال باشا (Cemal Pasha). وتشير غالبيّة الدراسات التاريخيّة إلى أنّ سياسات الترحيل القسريّ، والمجازر المنظّمة، والتجويع، والمسيرات الصحراويّة نحو مناطق في بلاد الشام، أدّت إلى مقتل ما يزيد بكثير عن مليون أرمنيّ ذبحاً وقتلاً وتنكيلاً. وقد اعتبرت هذه الوقائع لاحقاً من أوائل نماذج "الإبادة الجماعيّة" (Genocide) في العصر الحديث، وأسهمت في بلورة المفهوم القانونيّ نفسه كما صاغه رافائيل لمكّين (Raphael Lemkin) في أربعينيّات القرن العشرين. وتكتسب هذه المأساة أهمّيّة خاصّة في الدراسات المقارنة للعنف الجماعيّ الدمويّ عبر التاريخ، إذ كثيراً ما تستحضر بوصفها سابقة تاريخيّة سبقت أوشفيتز (Auschwitz)، وأسهمت في كشف هشاشة النظام الدوليّ في منع الإبادات رغم الوعود الأخلاقيّة الّتي رافقت نشوء الحداثة السياسيّة.

يتطرّق أدورنو إلى مسألة اختراع القنبلة الذرّيّة (Atomic bomb)، القادرة على إبادة ملايين البشر بضربة واحدة، وقد وجد أنّ هذا الاختراع الرهيب ينتمي إلى السياق التاريخيّ ذاته الّذي بدأت فيه الإبادة الجماعيّة بالتوسّع والانتشار. فالنموّ السكّانيّ السريع في أيّامنا يسمّى انفجاراً سكّانياً (population explosion)؛ وكأنّ القدر التاريخيّ استجاب بالتحضير لانفجارات ذريّة مضادّة، أي القدرة على قتل شعوب بأكملها، كما حدث في هيروشيما (Hiroshima) وناغازاكي (Nagasaki) وإنّني أذكر هذا فقط للتلميح إلى مدى قوّة القوى الجنونيّة الجبّارة الّتي تهدّد الوجود الإنسانيّ، وهو الأمر الذي يجب العمل على تجنّبه في مسار تاريخ النضال الإنساني ضد العنف والدم.

وبما أنّ إمكانيّة تغيير الشروط الموضوعيّة- أي الاجتماعيّة والسياسيّة- محدودة للغاية اليوم، فإنّ محاولات العمل ضدّ تكرار مذابح أوشفيتز تظلّ بالضرورة مقصورة على البعد الذاتيّ. وأعني بذلك أساساً العمل على دراسة سيكولوجيّة الجلادين الّذين يرتكبون مثل هذه الأفعال ضد الإنسان والإنسانية. ولا أعتقد أنّ من المجدي كثيراً الاحتكام إلى قيم عاطفية وإنسانية لأن أولئك الميّالين إلى ارتكاب مثل هذه الفظائع لن يفعلوا إزاءها سوى هزّ أكتافهم. كما لا أعتقد أنّ التعريف بالصفات الإيجابيّة الّتي تمتلكها الأقلّيّات المضطهدة سيكون ذا فائدة تذكر. إذ ينبغي البحث عن جذور الشر في التكوين النفسي والأخلاقي للقتلة والسفّاحين. إنّ ما هو ضروريّ هو ما سمّيته في هذا السياق «الالتفات إلى الذات (Turn to the subject) إذ يجب معرفة الآليّات الّتي تجعل الناس قادرين على القيام بمثل هذه الأفعال الوحشية الشائنة، والعمل على استكشاف الأسس السيكولوجيّة البنيوية لمثل هذه الجرائم التاريخيّة. كما يجب تكريس الجهود الثقافيّة والسياسيّة والإعلاميّة لإيقاظ وعي الناس بخطورة ما يقومون بها من عنف وقتل وفتك وتدمير. وهذا يعني أنه لا بد من بذل الجهود الكبيرة من أجل منع الناس من أن يصبحوا قتلة وسفاحين مجدداً. فالضحايا ليسوا همّ المذنبين والملّامين كما يبدو للقتلة والسفّاحين، وما أكثر هؤلاء الّذين يميلون إلى تبنّي هذه الرؤية، (هنا يشير أدورنو بشكل غير مباشر إلى إدانة اليهود تبريراً لقتلهم في ألمانيا النازية، إذ كان النازيون يقدمون اليهود بوصفهم أصل الشرور الاجتماعية في العالم، وهنا يؤكّد أدورنو على أنّ الجلادين هم أولئك الّذين أقدموا على قتل ضحاياهم بلا تفكير ودون أي تأمل أو رحمة. وهنا يطالب أدورنو بالعمل ضدّ هذا التفكير الوحشيّ، ويرى ضرورة إقناع الناس تربويا وثقافيا بالعدول عن قتل الآخرين دون أن يتأمّلوا في فداحة ووحشيّة القتل وأعمال الإبادة).

إنّ التربية الوحيدة الّتي تحمل معانيها السامية هي التربية الّتي تدفع الناس نحو التأمّل الذاتيّ النقديّ (Critical self-reflection)، وقد أظهرت نتائج علم النفس العميق (Depth psychology) أنّ شخصيّة القتلة الّذين يرتكبون الفظائع تتكوّن بداية في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ لذلك فإنّ التربية الساعية إلى منع التوحّش ضدّ الإنسان والإنسانيّة يجب أن تركّز على أهمية التربية في كراحل الطفولة المبكّرة. لقد أشرت (القول دائما لأدورنو) إلى أطروحة فرويد حول السخط في الثقافة (Civilization and Its Discontents) (10). غير أنّ ظاهرة العنف تمتدّ إلى أبعد ما فهمه فرويد، وذلك لأنّ ضغط الحضارة الّذي لاحظه قد تضاعف في الأثناء إلى درجة لا تحتمل. وفي الوقت نفسه، فإنّ النزعات الانفجاريّة قد اتّخذت شكلا عنيفاُ لم يكن سهلا للمرء أن يتنبأ به. إنّ السخط في الثقافة له أيضاً بعده الاجتماعيّ، وهو المر الّذي لم يغفله فرويد وإن لم يستكشفه بصورة ملموسة. ويمكن في هذا السياق الحديث عن رهاب الاحتباس لدى الأفراد في العالم المدار (Administered world)، (= القفص الحديدي عند فيبر ) هو إحساس وجوديّ بالاختناق داخل منظومة اجتماعيّة لا تترك منفّذاً حقيقيّاً للحرّيّة. فالإنسان قد يشعر بأنّه محاصر داخل أنظمة إداريّة واقتصاديّة شاملة، ومراقب ضمن شبكات تنظيميّة وتقنيّة، وقد تمّ تشكيله وفق معايير الامتثال والخضوع، وهذا يولّد شعوراً جمعيّاً بالضيق أو الانحباس. وبعبارة أخرى فالإنسان المعاصر يشعر بالانغلاق داخل بيئة مجتمعيّة محكمة النسج كالشبكة. وكلّما اشتدّ النسج، اشتدّت الرغبة في الهروب منه، غير أنّ شدّة النسج ذاتها تمنع أيّ هروب، وهذا ما يعمّق السخط على الحضارة فالتمرّد عليها قد يكون عنيفاً انفجاريا لا عقلانيّاً.

وقد أكّدت الأحداث التاريخيّة أنّ الانحباس الحضاريّ قد يتحوّل إلى اضطهاد وسخط موجّه ضدّ الضعفاء والمهمّشين وأكباش الفداء، فالمنحبس يختار هدفه على نحو خاصّ من بين الضعفاء اجتماعيّاً. ومن منظور سوسيولوجيّ، يمكنني القول إنّ مجتمعنا، في الوقت الّذي يحقق درجة عالية من الاندماج الداخلي والتماسك ولكنه يحتضن في الوقت ذاته نزعات نحو التفكّك. وتكمن هذه النزعات تحت سطح الحياة المنظّمة والمتحضّرة، وقد بلغت هذه النزعات درجة عالية من التطرف والعنف وهي تهدد بالانفجار في كل لحظة. إنّ الضغط الّذي يمارسه الكلّيّ الاجتماعي السائد على كلّ ما هو خاصّ، أي على الأفراد والمؤسّسات الفرديّة، يميل إلى تدمير الخاصّ والفرديّ معاً، وكذلك يعمل على تقليص قدرتهما على المقاومة. ومع فقدان الهويّة وقوّة المقاومة، يفقد الناس أيضاً تلك الصفات الّتي تمكّنهم من الوقوف ضدّ ما قد يغريهم في لحظة ما بارتكاب الفظائع من جديد. وربّما لا يكونون قادرين على إبداء المقاومة عندما تصدر السلطات القائمة مرّة أخرى الأمر لهم، ما دام ذلك باسم مثال يؤمنون به إيمان، قليلا أو لا يؤمنون به إطلاقاً.

عندما أتحدّث عن التربية بعد أوشفيتز (Education After Auschwitz)، فإنّني أعني مجالين: أوّلاً تربية الأطفال، ولا سيّما في مرحلة الطفولة المبكّرة؛ وثانياُ العمل على تنمية الوعي التربوي العام بالقيم الثقافية العليا والأخلاقية وتوفّير مناخ فكريّ وثقافيّ واجتماعيًّ يعزز قيم السلام والقيم الأخلاقية بطريقة تجعل من الاستحالة بمكان ارتكاب مذابح ضد الإنسانية كما حدث في أوشفيتز، أيّ مناخاً تصبح فيه الدوافع الّتي أدّت إلى الرعب واعية نسبيّاً بفداحة القتل والتنكيل بإنسانية الإنسان. وبطبيعة الحال، لا أستطيع أن أدّعي القدرة على رسم خطّة لمثل هذه التربية حتّى في خطوطها العريضة. غير أنّني أودّ على الأقلّ أن أشير إلى بعض مراكزها العصبيّة.

كثيرون- ولاسيما في الولايات المتّحدة- يرون إنّ السبب في ظهور النازيّة (National Socialism) وحتّى أوشفيتز (Auschwitz) هو أنّ الألمان كان لديهم ميل خاصّ للطاعة المطلقة، لكنّ هذا التفسير، في رأيي، بسيط وساذج أكثر مما ينبغي. صحيح أنّ الطاعة العمياء والسلوك السلطويّ ما زالا موجودين، حتّى داخل أنظمة ديمقراطيّة شكليّة في أوروبا وغيرها. لكنّ المشكلة أعمق من مجرّد " حبّ الألمان للسلطة". فالفكرة الأساسيّة هي أنّ الفاشيّة (Fascism) لم تنشأ؛ لأنّ السلطة كانت قويّة، بل لأنّ السلطة التقليديّة القديمة في الرايخ القيصريّ (Kaiserreich) انهارت فجأة. وعندها وجد الناس أنفسهم خارج النظام القديم الذي تداعى وسقط فجأة وذلك في الوقت الذي لم يكونوا مستعدّين فيها نفسيّاً لتحمّل تبعات الحرّيّة والمسؤوليّة الجديدة؛ إذ لم يكونوا مهيّئين لاتّخاذ قراراتهم بأنفسهم. وفي سياق آخر، عندما سقطت القيود الاجتماعية والأخلاقية القديمة، لم تتحوّل الحرّيّة إلى نضج سياسيّ بل إلى فراغ وخوف. ومن هذا الفراغ ظهرت أشكال جديدة من السلطة، لكنّها هذه المرّة كانت أكثر تطرّفاً وتدميراً.

إن النقطة الأهمّ هي أنّ عودة الفاشيّة ليست مسألة نفسيّة فقط، وليست مجرّد مشكلة في شخصيّة الناس أو ميولهم النفسيّة، بل هي قبل كلّ شيء مسألة اجتماعيّة تتعلّق ببنية المجتمع وظروفه الاقتصاديّة والسياسيّة. وهنا يجب التركيز على الجانب النفسيّ؛ لأنّ الجوانب الاجتماعيّة الكبرى- مثل النظام الاقتصاديّ وبنيّة السلطة- ليستا في متناول التربية أو الأفراد العاديّين بسهولة. وبإيجاز شديد فإن المشكلة ليست في حب الناس للطغيان وللطغاة بطبيعتهم، بل إن المجتمع عندما يفشل في إعدادهم لتحمّل الحرّيّة، يمكن أن يبحثوا عن سلطة قويّة تعفيهم من المسؤوليّة.

وكثيراً ما يكز بعض المفكرين حسنو النيّة على أهمية الروابط الاجتماعيّة والإنسانيّة، إذ يرون أنّ غياب الروابط الاجتماعيّة الإنسانيّة هو المسؤول عمّا جرى من حوادث عنف وتطهير عرقي. ومن حيث الواقع، فإنّ فقدان السلطة- وهو أحد شروط الرعب الساديّ-السلطويّ- مرتبط بهذه الحالة. ومن منظور الحسّ المشترك يبدو أنه من المعقول أن تقوم الروابط الاجتماعية بكبح النزعة الساديّة التدميريّة المخرّبة ورفضها. مع ذلك أؤكد أنّه من الوهم الاعتقاد بأنّ الاحتكام إلى الروابط الاجتماعية وحدها يمكنه أن يكون ذا جدوى وأهمّيّة كبيرة. فالروابط أو العلاقات الّتي تنشأ فقط من أجل تحقيق هدف معيّن، حتّى لو كان هدفاً جيّداً سرعان ما تبدو غير صادقة للناس. فعندما يطلب من الأفراد الانتماء أو التضامن بوصفه وسيلة لتحقيق نتيجة ما، لا بوصفه تجربة حقيقيّة لها قيمة في ذاتها، يفقد هذا الارتباط معناه الداخليّ وقيمته الإنسانية. فالروابط الإنسانيّة لا تكون أصيلة إذا كانت مجرّد أدوات، بل يجب أن تعاش بوصفها قيمة إنسانية سيكولوجية قائمة بذاتها، وإلّا سيشعر الناس بزيفها حتّى لو لم يعبّروا عن ذلك صراحة؛ إذ سرعان ما يحسّ المرء بعدم صدق الروابط الّتي تطلب فقط لكي تحقق نتيجة- حتّى لو كانت نتيجة حسنة- دون أن تعاش من قبل الناس بوصفها شيئاً ذا جوهر في ذاته. فالروابط المزعومة تتحوّل بسهولة إمّا إلى شارة جاهزة لقناعات مشتركة- يدخل المرء فيها ليبرهن أنّه مواطن صالح- أو تنتج ضغينة خبيثة قد تكون في المستوى السيكولوجي نقيض الغاية الّتي وضعت من أجلها. إنّها تؤدّي إلى الغيريّة (Heteronomy)، أيّ التبعيّة لقواعد ومعايير لا يمكن للفرد أن يبرّرها بعقله الخاصّ. فما يسمّيه علم النفس "الأنا الأعلى" (Superego)، أي الضمير، الذي قد يستبدل في هذه الحالة تحت اسم الروابط بسلطات خارجيّة قابلة للاستبدال وغير ملزمة في جوهرها، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في ألمانيا بعد انهيار الرايخ الثالث(11) (Third Reich)، غير أنّ الاستعداد ذاته للتواطؤ مع القوّة والخضوع ظاهريّاً للأقوى هو موقف المعذّبين القاهرين ( يقصد الذين يقومون بالمجازر). ولهذا فإنّ الدعوة إلى الروابط الشكلية أمر قاتل. فالناس الّذين يتبنّونها، يوضعون تحت نوع من الإكراه الدائم على طاعة الأوامر. ولذلك فإنّ القوّة الأصيلة الوحيدة الّتي تقف في مواجهة مبدأ أوشفيتز هي الاستقلاليّة (Autonomy) وقوّة التأمّل النقدي والقدرة على تقرير المصير ورفض الانصياع .

لقد مررت مرّة بتجربة صادمة للغاية: إذ بينما كنت في رحلة بحريّة على بحيرة كونستانس (Lake Constance) كنت أقرأ مقالا في صحيفة بادن (Baden) عن مسرحيّة «موتى بلا قبور" (Morts sans sépulchre) لجان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) (12)، وهي مسرحيّة تعرض أهوالاً قاسية من التعذيب والعنف، وقد بدا لي أنّ الناقد الصحفيّ انزعج من عنف المسرحيّة، لكنّه لم يعترف بأنّ سبب انزعاجه هو الرعب الحقيقيّ الّذي تعكسه المسرحية، أي: رعب عالمنا نفسه. عوضا عن ذلك، لجأ إلى لغة وجوديّة متعالية ليهون من هول الموضوع، وكأنّ المهمّ هو الحفاظ على صورة «القيم العليا» لا مواجهة الواقع المخيف. والمشكلة هنا أنّ هذا الأسلوب يحوّل الانتباه بعيداً عن الرعب بدل أن يواجهه. فعوض الاعتراف بفظاعة ما يحدث في العالم، يلام من يكشف الرعب، أو يتحدّث عنه، وكأنّ الذنب يقع على من يصفه لا على من ارتكبه. وهذا الإنكار أو التلطيف هو بالذات ما يفتح الباب لتكرار الرعب، لأنّ ما لا يواجه بصدق يمكن أن يعود من جديد. وباختصار: لقد أراد الناقد، برطانة وجوديّة نبيلة، أن يتجنّب مواجهة الرعب. وهنا يكمن خطر أن يتكرّر الرعب، أن يرفض الناس السماح له بالاقتراب منهم، بل وأن يوبّخوا من يتحدّث عنه فحسب، كما لو أنّ المتكلّم - إن لم يلطّف الأمور- سيكون هو المذنّب لا المرتكبين للجريمة.

وفيما يتعلّق بمشكلة السلطة والهمجيّة، لا يسعني إلّا أن أفكّر في قضية وردت في ملاحظة في كتاب «دولة الإس إس" (The SS State) أو نظريّة الجحيم وممارسته: معسكرات الاعتقال الألمانيّة والنظام الكامن وراءها لـيوجين كوغون (Eugen Kogon) (13). يقول كوغون في كتابه هذا إنّ سجّاني معسكر الاعتقال كانوا في معظمهم شباباً من أصول ريفية. ويرى أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف، الّذي ما يزال قائماً، هو أحد شروط الرعب، وإن لم يكن بالطبع الشرط الوحيد والأهمّ. لكنّ الفكرة ليست اتّهام الريف أو التقليل من شأن سكّانه. الكاتب يوضّح صراحة أنّه لا يقصد أيّ تعال طبقيّ أو ثقافيّ، ولا يريد أن يحمل الناس مسؤولية البيئة الّتي نشؤوا فيها. فالمقصود هو أنّ الفارق الثقافيّ بين المدينة والريف - من حيث مستوى الاحتكاك بالثقافة النقديّة، بالتنوّع الاجتماعيّ، وبالحداثة الفكريّة - قد يكون أحد الشروط الّتي سمحت بظهور القسوة، وإن لم يكن الشرط الوحيد أو الحاسم. ويستعمل الكاتب هنا مفهوم إزالة الهمجيّة (Debarbarization)، أي عمليّة التهذيب والتحضّر وتنمية الحسّ الإنسانيّ النقديّ. والفكرة هي أنّ هذه العمليّة ربّما لم تصل إلى بعض البيئات بالقدر نفسه، ممّا جعلها أكثر قابليّة لتقبّل الطاعة الصارمة والأنماط السلطويّة. حتّى وسائل الإعلام الحديثة مثل التلفزيون (Television)، بحسب هذا التحليل، لا تكفي وحدها لإحداث تحوّل عميق في الوعي إذا لم يكن هناك انخراط حقيقيّ في الثقافة النقديّة. وهذا يعني أنّ المسألة ليست في أنّ «الريف سبب الهمجيّة»، بل أنّ التفاوت في التطوّر الثقافيّ والاجتماعيّ يمكن أن يكون أحد العوامل الّتي تهيّئ بعض الأوساط لتقبّل السلطة العنيفة، إذا لم تقترن الحرّيّة بنموّ ثقافيّ وإنسانيّ عميق.

وباختصار يلاحظ الكاتب أنّ إزالة الهمجيّة (Debarbarization) ربّما كانت أقلّ نجاحاً في الريف منها في أيّ مكان آخر. وهنا أذهب إلى حدّ الادّعاء بأنّ أحد أهمّ أهداف التربية هو إزالة الهمجيّة عن الريف. غير أنّ هذا يفترض دراسة الوعي واللاوعي لدى السكّان هناك. وفوق كلّ شيء، ينبغي النظر في أثر وسائل الإعلام الجماهيريّة الحديثة على حالة وعي لم تقترب بعد من حالة الثقافة الليبراليّة البرجوازيّة في القرن التاسع عشر.

ولتغيير هذه الحالة من الوعي، لا يكفي نظام المدرسة الابتدائيّة العاديّ، الّذي يواجه مشكلات عديدة في البيئة الريفيّة. ويمكنني أن أتصوّر سلسلة من الإمكانات. إحداها—وأنا أرتجل هنا—أن تخطّط برامج تلفزيونيّة تراعي المراكز العصبيّة لهذه الحالة الخاصّة من الوعي. ثمّ يمكنني أن أتصوّر شيئاً مثل فرق تعليميّة متنقّلة وقوافل من المتطوّعين، يقودون سيّاراتهم إلى الريف ويحاولون، عبر مناقشات ودورات وتعليم تكميليّ، سدّ أخطر الثغرات. ولا أغفل حقيقة أنّ مثل هؤلاء لن يحظوا بالقبول إلّا بصعوبة كبيرة. لكن من يدري فقد تتشكّل حولهم دائرة صغيرة من الأتباع، ومن هناك يمكن للبرنامج التعليميّ أن ينتشر أبعد.

غير أنّه ينبغي ألّا ينشأ أيّ سوء فهم مفاده أنّ النزعة البدائيّة نحو العنف توجد أيضاً في المراكز الحضريّة، ولا سيّما في المدن الكبرى منها. إنّ النزعات الارتداديّة (Regressive tendencies)، أي الأشخاص ذوي السمات الساديّة المكبوتة، تنتج اليوم في كلّ مكان بفعل التطوّر العالميّ للمجتمع. هنا أودّ أن أعود إلى الفكرة التي عرضناها بالمشاركة مع هوركهايمر (Horkheimer) في كتابنا " جدل التنوير" (The Dialectic of Enlightenment)، وهي أنه عندما يتعرّض الجسد للتشويه أو القمع أو الإذلال، فإنّ وعي الإنسان يتأثر بوضعية الجسد، وقد يظهر تأثير التشوه الجسدي في سلوك يميل إلى العنف. ويمكن ملاحظة ذلك ببساطة في لغة بعض الأشخاص غير المتعلّمين، وخصوصًا عندما يشعر أحدهم بأنّه مُدان أو مُوبَّخ؛ إذ تتغيّر نبرة صوته، وحركات جسده، وطريقة تعبيره، وقد تظهر عليه علامات توتّر أو عدوانية. وبعبارة أبسط: عندما يُهان الجسد أو يُقمع، فإنّ هذا القمع يترك أثره في النفس والوعي، وقد يتحوّل إلى عنف في التعبير أو السلوك. كما لو أنّ الإيماءات اللغويّة تفصح عن عنف جسديّ بالكاد يضبط.

وهنا لا بدّ أيضاً من دراسة دور الرياضة (Sport)، الّذي لم يبحث بما فيه الكفاية من منظور علم نفس اجتماعيّ نقديّ. فالرياضة ملتبسة. فمن جهة، يمكن أن يكون لها أثر مضادّ للهمجيّة ومضادّ للسادية عبر اللعب النزيه (Fair play)، وروح الفروسيّة ومراعاة الضعيف. ومن جهة أخرى، فإنّ كثيراً من أشكالها وممارساتها يمكن أن تعزّز العدوان والفظاظة والساديّة، ولا سيّما لدى من لا يعرضون أنفسهم للجهد والانضباط اللّذين تتطلّبهما الرياضة، بل يكتفون بالمشاهدة: أي أولئك الّذين يصرخون بانتظام من على الهامش. وينبغي تحليل هذا الالتباس تحليلاً منهجيّاً. وبقدر ما تستطيع التربية أن تمارس تأثيراً، ينبغي تطبيق النتائج على الحياة الرياضيّة.

كلّ ذلك يرتبط، إلى حدّ ما، بالبنية السلطويّة القديمة، بأنماط السلوك الّتي يمكنني أن أقول عنها تقريباً إنّها أنماط «الشخصيّة السلطويّة التقليديّة (authoritarian personality) غير أنّ ما أنتجته مذابح أوشفيتز (Auschwitz)، أي الأنماط الشخصيّة الرهيبة لعالم أوشفيتز، يمثل على الأرجح شيئاً جديداً. فمن جهة، تجسّد هذه الأنماط الشخصيّة وضعية التماهيّ الأعمى مع الجماعة. ومن جهة أخرى، صيغت هذه الشخصيات كي تتلاعب بالجماهير والجماعات، كما فعل هيملر (Himmler) وهوس (Höss) وآيخما (Eichmann)، وأعتقد أنّ أهمّ سبيل لمواجهة خطر التكرار هو العمل ضدّ الغلبة الغاشمة لكلّ الجماعات الرهابية وتعزيز المقاومة لها عبر التركيز على مشكلة العقل الجمعيّ الّذي يعني غلبة منطق الجماعة على حساب الفرد. عندما تصبح الجماعة حزباً أو حركة أو أمّة أو طائفة، أو حتّى تنظيماً تقدّميّاً، عندها يفقد الأفراد حكمهم النقديّ، ويشعرون بالقوّة عبر الانتماء، والتخلّي عن المسؤوليّة الشخصيّة. وهنا تتم عمليّة التحوّل من "أنا أفكّر وأحكم" إلى "نحن نطيع ونتماهـى" (وفي هذا السياق نجد أن أدورنو لا ينتقد العمل الجماعيّ في حدّ ذاته، ولا التضامن. لكنّه ينتقد الذوبان غير النقديّ في الجماعة، حيث تصبح الهويّة الجمعيّة أهمّ من التفكير المستقلّ- المترجم).

الفكرة ليست نظريّة مجرّدة، لأنّنا نرى يوميّاً كيف يندفع الناس- خصوصاً الشباب وأصحاب الحماسة التقدّميّة- إلى الانضمام إلى جماعات وحركات مختلفة. المشكلة تبدأ من اللحظة الّتي تقبل فيها الجماعة الفرد عضواً فيها، إذ غالباً ما تفرض عليه ثمناً نفسيّاً أو جسديّاً كي يثبت انتماءه.

يكفي أن نتذكّر ما يحدث في بدايات الحياة المدرسيّة: الطفل الجديد قد يتعرّض للسخرية أو الاختبار أو الإذلال، حتّى يسمح له بالانضمام. هذه الطقوس ليست بريئة؛ فهي تعلم الفرد أنّ عليه تحمّل الألم أو الإهانة ليعترف به كواحد من الجماعة. والأمر نفسه يظهر في بعض «العادات الشعبيّة (Volkssitten) وطقوس الاستهلال، الّتي قد تتضمّن عنفاً جسديّاً أو إذلالاً باسم التقاليد. ومثل هذه الممارسات تدرّب الناس مبكّراً على تقبّل العنف الجماعيّ، وأنّها تشكّل تمهيداً نفسيّاً لما حدث لاحقاً في ظلّ الاشتراكيّة القوميّة الألمانية (National Socialism) ولهذا ليس غريباً أنّ النازيّين (Nazis) أنهم مجّدوا هذه التقاليد، وقدّموها باعتبارها تعبيراً عن «الروح الشعبيّة. وهذا كلّه يعني أنّ العنف الكبير لا يبدأ فجأة، بل يمهّد له من خلال عادات صغيرة تعلّم الأفراد الطاعة، وتحمّل الإذلال باسم الانتماء. ولذلك ينبغي نقد هذه التقاليد ودراستها علميّاً، حتّى لا تبقى هذه «المتع الشعبيّة» حاملة لبذور الوحشيّة.

وينتقد أدورنو ما يسمّيه «مثاليّة الصلابة (Hardness)، أي الفكرة التربويّة الّتي تمجّد القدرة على التحمّل القاسي وقمع الألم بوصفها علامة قوّة أو رجولة. هذه الفكرة أدت دوراً مهمّاً في التربية التقليديّة، ويضرب مثالاً من محاكمة أوشفيتز (Auschwitz trial)، حيث دافع أحد المتّهمين، بوغر (Boger)، عن تربية تقوم على الصرامة والانضباط عبر القسوة، معتبراً أنّ الصلابة تصنع «الإنسان الصحيح». لكنّ الكاتب يرى أنّ هذا المثال التربويّ خطير ومضلّل. لأنّ فكرة أنّ الرجولة (Virility) تعني أقصى درجات تحمل الألم تخفي في داخلها نزعة مازوخيّة (Masochism)، أي التلذّذ بتحمّل الألم، وهذه المازوخيّة يمكن أن تنقلب بسهولة إلى ساديّة (Sadism)، أي إلحاق الألم بالآخرين. فمن يعتاد أن يكون «صلباً» مع نفسه، وأن يكبت ألمه، قد يشعر بأنّ له الحقّ في أن يكون صلباً مع غيره أيضاً. وهكذا يتحوّل قمع الألم الشخصيّ إلى قسوة على الآخرين. وينتهي الأمر إلى تمجيد الصلابة، وهذا يعني في الواقع تعلّم اللامبالاة بالألم، سواء كان ألم الذات أو ألم الآخرين، لأنّ الحدود بينهما تصبح غير واضحة. ولهذا يدعو أدورنو إلى تربية مختلفة: تربية لا تمجّد تحمّل الألم بوصفه فضيلة عليا، بل تسمح بالاعتراف بالقلق (anxiety) بدل كبحه. فإذا لم يكبت القلق، وإذا سمح للإنسان أن يشعر به بوعي، فإنّ طاقته التدميريّة حين يكون مكبوتاً أو مزاحاً تضعف. أي أنّ الاعتراف بالخوف والضعف قد يكون شرطاً لتقليل العنف، لا العكس. وهذا يعني باختصار أنّ تمجيد الصلابة ينتج قسوة؛ أمّا الاعتراف بالقلق والضعف، فيمكن أن يحدّ من النزعات التدميريّة.

إنّ الأشخاص الّذين يندمجون في الجماعة بطريقة عمياء يحوّلون أنفسهم إلى شيء يشبه المادّة الخاملة، ويمحون أنفسهم كذوات قادرة على تقرير مصيرها. ويأتي مع ذلك الاستعداد لمعاملة الآخرين ككتلة عديمة الشكل. وقد سمّيت من يتصرّفون على هذا النحو "الطابع التلاعبيّ" (Manipulative character) (14) في كتابي "الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality)، وذلك في زمن لم تكن فيه يوميّات هوس (Höss) أو تسجيلات آيخمان (Eichmann) معروفة بعد. إنّ وصفي للطابع التلاعبيّ تعود إلى السنوات الأخيرة من الحرب العالميّة الثانية، وأحياناً يستطيع علم النفس الاجتماعيّ وعلم الاجتماع أن يبنيا مفاهيم لا يجري التحقّق منها تجريبيّاً إلّا لاحقاً. ويتميّز الطابع التلاعبيّ لقادة النازيّة بهوس كبير بالتنظيم والانضباط، وبعجز عن خوض أيّ تجارب إنسانيّة مباشرة، وبقدر من انعدام العاطفة، وبواقعيّة مبالغ في تقديرها. إنّه يريد مهما كان الثمن أن يمارس ما يظنّ أنّها سياسة واقعيّة (Realpolitik)، حتّى لو كانت وهميّة. لا يفكّر لحظة واحدة، ولا يرغب في أن يكون العالم مختلفاً عمّا هو عليه، بل هو مهووس بالرغبة في فعل الأشياء المطلوبة منه غير مبال بمضمون هذا الفعل. إنّه يصبح عبدا للتنفيذ تحت عنوان الكفاءة (Efficiency)، وإذا لم تخدعني ملاحظاتي، وإذا كانت عدّة بحوث سوسيولوجيّة تسمح بالتعميم، فإنّ هذا النمط أصبح اليوم أكثر انتشاراً ممّا يظنّ. فما كان آنذاك متجسّداً في عدد قليل من «الوحوش» النازيّة يمكن اليوم أن يؤكّد لدى أشخاص عديدين، على سبيل المثال لدى الجانحين الأحداث، وزعماء العصابات، وما شابه، ممّن نقرأ عنهم في الصحف كلّ يوم. وإذا اضطررت إلى اختزال هذا النمط من الطابع التلاعبيّ في صيغة - وربّما لا ينبغي فعل ذلك، لكنّه قد يسهم في الفهم- لسمّيّته نمط الوعي المشيّأ (Reified consciousness) فالأشخاص من هذا الطراز قد شبّهوا أنفسهم بالأشياء، ثمّ، حين تتاح الفرصة لهم ينظرون إلا الآخرين بصفهم أشياء أيضاً، وهو أمر شائع في عالم مثيري الشغب الشباب كما في عالم النازيّين. فهذا التعبير يعرف الناس بوصفهم أشياء. وأكتفي هنا بالإشارة إلى قول بول فاليري (Paul Valéry) قبل الحرب الأخيرة " إنّ اللاإنسانيّة (التوحش الإنساني) لها مستقبل عظيم. ومن الصعب بصورة خاصّة مكافحتها، لأنّ أولئك الأشخاص التلاعبيّين، الّذين هم في الواقع غير قادرين على التجربة الحقيقيّة، يظهرون لذلك بالذات لا استجابة تقرّبهم من بعض الشخصيّات المضطربة عقليّاً أو الذهانيّة (Psychotic)، ولا سيّما الشيزويديّة (Schizoids) (15).

في محاولة لمنع تكرار أوشفيتز (Auschwitz) يبدو لي أنه من الضرورة بمكان أن نكتسب قدراً من الوضوح بشأن الشروط الّتي ينشأ في ظلّها الطابع التلاعبي للشخصيّة، ثمّ يجب علينا العمل لتغيير تلك الشروط، وذلك من أجل تجنب أوشفيتز جديد. وأودّ أن أقدّم اقتراحاً ملموساً: أن نخضع الجلّادون في أوشفيتز للدراسة العلميّة بالوسائل كلها الّتي يتيحها العلم، ولا سيّما عبر تحليل نفسيّ طويل الأمد (Psychoanalysis)، بغية اكتشاف - إن أمكن ذلك – الكيفيات التي تتطور فيه هذه الأنماط البائسة من البشر. فقد يكون بوسع هؤلاء الأشخاص أن يفعلوا، على نحو يتناقض مع بنيتهم الشخصيّة ذاتها، شيئاً نافعاً. غير أنّ ذلك لا يمكن أن يتمّ إلّا إذا أرادوا التعاون في تقصّي نشأتهم هم أنفسهم. ومن المؤكّد أن حملهم على الكلام سيكون صعباً؛ ولا ينبغي بأيّ حال استخدام أيّ شيء يتّصل بأساليبهم الوحشية لمعرفة كيف أصبحوا ما هم عليه. ومع ذلك فهم، في إطار جماعتهم—وفي الشعور تحديداً بأنّهم جميعاً نازيّون قدامى معاً—يشعرون بأمان شديد بحيث أنّ بالكاد أحداً منهم أبدى أقلّ شعوراً بالذنب. ومع ذلك يفترض أنّه حتّى في داخلهم، أو على الأقلّ في داخل كثيرين منهم، توجد نقاط نفسيّة حسّاسة يمكن أن تفضي إلى تغيير هذا الموقف، مثل نرجسيّتهم (Narcissism)، أو بعبارة صريحة: غرورهم. فقد يشعرون بأهمّيّتهم إذا أتيح لهم أن يتحدّثوا عن أنفسهم بحرّيّة، كما فعل آيخمان (16)(Eichmann) الّذي سجّل فيما يبدو مكتبة كبيرة كاملة من الأشرطة التوثيقية. وأخيراً يمكن الافتراض أنّه عندما نبحث عميقا في بنية هؤلاء الأشخاص، فستكتشف وجود بقايا وآثار عميقة من الضمير، وعندما ندرك الشروط الخارجيّة والداخليّة الّتي تجعلهم ما هم عليه من توحش -إن جاز لي أن أفترض افتراضاً أنّ هذه الشروط يمكن بالفعل إظهارها- فسيكون بالإمكان استخلاص نتائج عمليّة يمكنها أن تحول دون تكرار الرعب. أمّا إذا كانت المحاولة ستفيد قليلاً أو لا، فلا يمكن معرفته قبل القيام بها؛ ولا أريد المبالغة في تقديرها. ويجب أن نتذكّر أنّ الأفراد لا يمكن تفسيرهم آليّاً بمثل هذه الشروط. ففي ظروف متشابهة يتطوّر بعض الناس على نحو معيّن، ويتطوّر آخرون على نحو مختلف تماماً. ومع ذلك فإنّ الجهد جدير بالمحاولة. فمجرّد طرح مثل هذه الأسئلة ينطوي بالفعل على إمكانيّة للمعرفة. إذ إنّ هذه الحالة الكارثيّة للوعي واللاوعي تتضمّن الفكرة الخاطئة القائلة إنّ طريقة وجود المرء الخاصّة هي «طبيعة»، معطى غير قابل للتغيير، وليست تطوّراً تاريخيّاً. وقد ذكرت أنّ مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified consciousness) هو قبل كلّ شيء وعي أعمى عن كلّ ماض تاريخيّ، وعن كلّ إدراك لكونه مشروطاً، ويضفي طابع المطلق على ما يوجد عرضاً. فإذا ما انكسر هذا الآليّة القسريّة يوماً ما، فأعتقد أنّ شيئاً حقيقيّاً سيكون قد تحقّق.

إنّ علاقتنا بالتقنيّة (Technology) ليست بسيطة أو محايدة، بل فيها جانب عقلانيّ وجانب خطير في الوقت نفسه. فمن جهة، من الطبيعيّ أن ينتج مجتمع حديث أشخاصاً «تقنيّين» منسجمين مع التكنولوجيا، لأنّ العالم اليوم يقوم على التقنيّة. هؤلاء قد يكونون أكفياء وأقلّ عرضة للخداع في مجالاتهم. لكن من جهة أخرى، هناك شيء مقلق في الطريقة الّتي يتعامل بها الناس مع التقنيّة: فهم لا يرونها كوسيلة تخدم الإنسان، بل كغاية في حدّ ذاتها. يسمّي أدورنو هذا "حجاب التقنيّة" (Veil of technology)، أي أنّ التقنيّة تغطّي على الغاية الحقيقيّة منها. المفترض أن تكون وسيلة لحياة إنسانيّة كريمة، لكنّها تتحوّل إلى شيء يفتن به الناس إلى درجة التقديس. وتظهر المشكلة هنا حين ينسى الشخص الغاية الإنسانيّة تماماً. فيمكن لمهندس أن يصمّم نظام قطارات بكفاءة مذهلة، دون أن يتوقّف لحظة ليسأل: إلى أين ينقل هؤلاء البشر؟ ماذا سيحدث لهم؟ هنا تصبح التقنيّة منفصلة عن الأخلاق. وهذا الأمر يرتبط بنوع من البرود العاطفيّ. وليس المقصود أنّهم بلا مشاعر، بل أنّ لديهم علاقة ضعيفة بالآخرين، أو علاقة ليبيديّة (Libidinal) ناقصة. فهم يجدون صعوبة في الحبّ، في التعلّق الحقيقيّ بالناس، لذلك يحوّلون طاقتهم العاطفيّة إلى الأشياء، إلى الأجهزة، إلى الآلات.

ويضرب مثالاً من أبحاث «الشخصيّة السلطويّة" (The Authoritarian Personality) الّتي أجريت في بيركلي (Berkeley)، حيث قال أحد الأشخاص: «أحبّ المعدّات الجميلة»، دون أيّ اهتمام بما تخدمه تلك المعدّات. حبّه موجّه إلى الآلات نفسها. المقلق أنّ هذا الاتّجاه ليس حالة فرديّة، بل يسير مع مسار الحضارة الحديثة كلّها، الّتي تمجّد الكفاءة والتقنيّة. مقاومته تعني، بطريقة أو بأخرى، مقاومة روح العصر نفسها. والخلاصة إنّ الخطر ليس في التقنيّة ذاتها، بل في أن تتحوّل إلى شيء يعبد، وأن تنسينا الإنسان. وعندما يصبح الإعجاب بالآلات أقوى من الاهتمام بالبشر، يمكن أن ترتكب فظائع بكفاءة تامّة—ومن دون شعور بالمسؤوليّة.

إنّ الوسائل والتقنيّة هي خلاصة وسائل حفظ النوع البشريّ لذاته ولذا فإنها تحظى بطابع التقديس بين الناس وهذا الأمر يحجب الغايات الأساسية لكرامة الناس وقيمتهم الإنسانية إذ يتم حجب هذه الجوانب الإنسانية عن وعي الناس. وليس واضحاً على وجه التحديد كيف يتجذّر تشيؤ التقنيّة (fetishization of technology) في سيكولوجيّة أفراد بعينهم، وأين تقع العتبة بين علاقة عقلانيّة بالتقنيّة وبين المبالغة في تقديرها وهو الأمر الذي يؤدّي في نهاية المطاف إلى أن ينسى شخص ما، وهو يصمّم بذكاء نظام قطارات ينقل الضحايا إلى أوشفيتز بأسرع ما يمكن وبأكبر قدر من السلاسة، ما الّذي يحدث لهم هناك. إنّنا مع هذا النمط—وبعبارة صريحة—بصدد أناس لا يستطيعون أن يحبّوا. وليس في ذلك معنى عاطفيّ أو وعظيّ، بل وصف لعلاقة ليبيديّة (libidinal) ناقصة بالآخرين. إنّ هؤلاء الأشخاص باردون بعمق؛ وفي داخلهم ينبغي أن ينكروا إمكانيّة الحبّ، وأن يسحبوا حبّهم من الآخرين قبل أن يتمكّن من التفتّح أصلاً. وأيّ قدرة على الحبّ تبقّى لديهم ينفقونها على الأجهزة. وقد زوّدتنا الشخصيّات المتحيّزة السلطويّة الّتي فحصناها في بيركلي (Berkeley) ضمن «الشخصيّة السلطويّة» (The Authoritarian Personality) بأدلّة كثيرة على ذلك.

وكما قلت، فإنّ هؤلاء الأشخاص باردون على نحو خاصّ. ولو لم تكن البرودة سمة أنثروبولوجيّة أساسيّة، أي جزءاً من تكوين البشر كما يوجدون فعليّاً في مجتمعنا، ولو لم يكن الناس غير مبالين بعمق بما يحدث للآخرين لما كان أوشفيتز ممكناً، ولما قبّله الناس. إنّ المجتمع في شكله الراهن—وكذلك كما كان منذ قرون—لا يقوم، كما افترضت الأيديولوجيا منذ أرسطو (Aristotle)، على الانجذاب أو التعاطف، بل على السعي وراء المصالح الخاصّة ضدّ مصالح الآخرين. وقد استقرّ هذا في طبع الناس حتّى أعمق مراكز وعيهم. وما يبدو مناقضاً لملاحظتي، أي «دافع القطيع» لدى ما يسمّى "الحشد الوحيد "، ليس إلّا ردّ فعل على هذه العمليّة: تكتّل أناس باردين تماماً لا يحتملون برودتهم الخاصّة، ومع ذلك لا يستطيعون تغييرها. إنّ كلّ إنسان اليوم، بلا استثناء، يشعر بأنّه محبوب أقلّ ممّا ينبغي، لأنّ كلّ إنسان لا يستطيع أن يحبّ بالقدر الكافي. إنّ العجز عن التماهي مع الآخرين (identify with others) كان بلا شكّ الشرط النفسيّ الأهمّ لحدوث شيء مثل أوشفيتز في وسط أناس متحضّرين نسبيّاً وأبرياء.

ما كان يسمّى "المرافقة" (Fellow traveling) أي أتباع النظام لا يوجد لديهم أيّ شعور أو رغبة في معارضة النظام وتعاونهم مع النظام لم يكن في الغالب نتيجة إيمان حقيقيّ، بل نتيجة مصلحة شخصيّة. الناس كانوا يفكّرون أوّلاً في سلامتهم وأعمالهم ومكاسبهم، ولذلك فضّلوا الصمت حتّى لا يتعرّضوا للخطر. هذا السلوك لم يكن استثناء في زمن الإرهاب، بل كان امتداداً لقاعدة عامّة في المجتمع القائم مفاده " على كلّ فرد أن يهتمّ بنفسه قبل كلّ شيء" (status quo). ويسمّي أدورنو هذا الإنسان "المونادة الاجتماعيّة " (Societal monad)وفقاً لتعبير الفيلسوف لايبنتس (Leibniz)، وتعني كياناً مغلقاً على نفسه، مستقلّاً، لا يتواصل مباشرة مع غيره، أي الفرد المنعزل الّذي يعيش كمنافس مستقلّ، لا تربطه بالآخرين علاقة تضامن حقيقيّة. هذه البرودة أو اللامبالاة بمصير الآخرين هي الّتي جعلت المقاومة نادرة جدّاً. فحين يعتقل أو يعذّب شخص ما، لا يتحرّك الآخرون، لأنّهم منشغلون بحماية أنفسهم. ولهذا يقول إنّ المعذّبين يعرفون ذلك جيّداً: فهم يعتمدون على عزلة الأفراد وبرودتهم. فهم يدركون أنّ الخوف والمصلحة الشخصيّة سيجعلان الأغلبيّة تلتزم الصمت. وباختصار فإنّ اللامبالاة الاجتماعيّة والانشغال بالمصلحة الخاصّة كانا من أهمّ الشروط الّتي سمحت للرعب بأن يستمرّ، لأنّ الصمت الجماعيّ كان نتيجة طبيعيّة لمجتمع يقوم على العزلة والمنافسة لا التضامن.

افهموني على نحو صحيح. أنا لا أريد أن أعظ بالحبّ، فالوعد به أمر عقيم؛ فلا أحد يملك الحقّ في الوعظ به، لأنّ نقص الحبّ، كما قلت من قبل، هو نقص يخصّ الناس جميعهم بلا استثناء كما هم موجودون اليوم. إنّ الوعظ بالحبّ يفترض سلفاً لدى من يخاطبون بنيّة شخصيّة مغايرة لتلك الّتي ينبغي تغييرها. فالدعوة الأخلاقيّة البسيطة إلى «المحبّة» لا تكفي لحلّ المشكلة. لماذا؟ لأنّ هذا النوع من الوعظ يفترض مسبقاً أنّ الناس يملكون القدرة الداخليّة على الحبّ، أيّ بنّيّة نفسيّة تسمح لهم بأن يحبّوا ويستجيبوا للحبّ. لكنّ المشكلة أنّ بعض الأشخاص - بسبب تكوينهم النفسيّ والاجتماعيّ - لا يملكون هذه القدرة أصلاً. فهم باردون عاطفيّاً، أو عاجزون عن إقامة علاقة إنسانيّة حقيقيّة. لذلك لا يستطيعون أن يحبّوا الآخرين، ولا يكونون بدورهم «قابلين للحبّ» بسهولة، لأنّهم لا ينفتحون عليه ولا يستقبلونه. وهذا يعني أنّه لا يمكن مطالبة شخص لا يعرف كيف يحبّ، ولم يتعلّم ذلك، بأن يصبح فجأة محبّاً لمجرّد أنّنا وعظناه بذلك، فالمشكلة أعمق من النصح الأخلاقيّ؛ إنّها تتعلّق بتكوين الشخصيّة وبالظروف الاجتماعيّة الّتي صنعت هذا البرود. وهذا يعني في نهاية المطاف أنّ الوعظ بالمحبّة لا يغيّر شيئاً إذا لم تتغيّر البنية النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل الناس عاجزين عن الحبّ أصلاً.

لقد كان أحد أعظم دوافع المسيحيّة (Christianity) هو القضاء على البرودة الّتي تتخلّل كلّ شيء. غير أنّ هذه المحاولة فشلت؛ ولعلّ السبب أنّها لم تنفذ إلى النظام الاجتماعيّ الّذي ينتج تلك البرودة ويعيد إنتاجها. وربّما إنّ ذلك الدفء بين الناس، الّذي يتوق إليه الجميع، لم يوجد أصلاً إلّا في فترات قصيرة جدّاً، وفي جماعات صغيرة للغاية، وربّما حتّى بين «المتوحّشين المسالمين" (peaceful savages) وقد أدرك الطوباويّون (Utopians)، الّذين يساء ذكرهم كثيراً، حقيقة هذه القضية وجوهرها وهكذا عرف شارل فورييه (Charles Fourier) الجاذبيّة» (Attraction) بأنّها شيء ينبغي أوّلاً أن ينتج عبر نظام اجتماعيّ إنسانيّ؛ كما أدرك أنّ هذا الشرط لن يكون ممكناً إلّا حين لا تكبت دوافع الناس، بل تشبع وتطلق. وإذا كان ثمّة ما يمكن أن يساعد ضدّ البرودة بوصفها شرطاً للكوارث، فهو الوعي بالشروط الّتي تحدّدها ومحاولة مكافحة تلك الشروط، بدءاً من مجال الفرد. وقد يظنّ أنّ كلّما حرم الأطفال أقلّ، وكلّما عوملوا معاملة أفضل، ازدادت فرصة النجاح. لكنّ الأوهام تهدّد هنا أيضاً. فالأطفال الّذين لا يعرفون شيئاً عن قسوة الحياة، وصلابتها يتعرضون حقّاً للهمجيّة عندما يغادرون بيئتهم المحميّة. وفوق كلّ ذلك، من المستحيل إيقاظ الدفء في الآباء أنفسهم، الّذين هم بدورهم نتاج هذا المجتمع ويحملون آثاره. إنّ الدعوة إلى إضفاء مزيد من الدفء على الأطفال تعني ضخّ الدفء بصورة مصطنعة، وبذلك إنكاره. ثمّ إنّ الحبّ لا يمكن استدعاؤه في علاقات تتوسّطها المهنة، مثل علاقة المعلّم بالتلميذ، والطبيب بالمريض، والمحامي بموكّله. الحبّ شيء مباشر، وهو في جوهره يتناقض مع العلاقات المتوسّطة. إنّ الدعوة إلى الحبّ- حتّى في صيغتها الآمرة، أي أنّ «يجب» على المرء أن يحبّ- هي ذاتها جزء من الأيديولوجيا الّتي تديم البرودة. فهي تحمل طابعاً قسريّاً ضاغطاً يعاكس القدرة على الحبّ. ولذلك فإنّ الخطوة الأولى هي أن تجلب البرودة إلى وعيها بذاتها، وبالأسباب الّتي نشأت منها.

وفي الختام، اسمحوا لي أن أقول بضع كلمات عن بعض الإمكانات لجعل الآليّات الذاتيّة العامّة، الّتي من دونها ما كان لأوشفيتز (Auschwitz) أن يكون ممكناً تقريباً، واعية. إنّ معرفة هذه الآليّات ضروريّة، وكذلك معرفة آليّات الدفاع النمطيّة (Stereotypical defense mechanisms) الّتي تحجب مثل هذا الوعي. من يقول اليوم إنّه لم يحدث، أو أنه لم يكن بذلك السوء، إنّما يدافع عمّا حدث، ومن غير شكّ سيكون مستعدّاً للمشاهدة أو للمشاركة إذا حدث ذلك مجدداً. وحتّى إن كان التنوير العقلانيّ (Rational enlightenment)، كما يعرف علم النفس، لا يزيل الآليّات اللاواعيّة بشكل فوري، فإنّه يعزّز، على الأقلّ فيما قبل الوعي (Preconscious)، بعض الدوافع المضادّة، ويساعد على تهيئة مناخ لا يفضي إلى أقصى التطرّف. فإذا ما تشبع الوعي الثقافيّ بأسره فعلاً بفكرة الطابع المرضيّ (Pathogenic character) للنزعات الّتي بلغت أوجهاً في أوشفيتز، فربّما تمكّن الناس من ضبط تلك النزعات على نحو أفضل.

وعلاوة على ذلك، ينبغي العمل على رفع الوعي بشأن إمكانيّة إزاحة (Displacement) ما انفجر في أوشفيتز. فقد يكون الحظ التعس غداً لجماعة من غير اليهود، مثل المسنّين الّذين جرى إعفاؤهم في الرايخ الثالث (Third Reich) (17)، أو المثقّفين، أو ببساطة جماعات منحرفة. وكما أشرت، فإنّ المناخ الّذي يعزّز أكثر من غيره مثل هذا البعث هو إحياء النزعة القوميّة (Nationalism) وهي شرّيرة إلى هذا الحدّ لأنّها، في عصر الاتّصال الدوليّ والتكتّلات فوق القوميّة، لم تعد قادرة على الإيمان بذاتها حقّاً، ولذا تضطرّ إلى المبالغة القصوى في ذاتها لكي تقنع نفسها والآخرين بأنّها ما تزال ذات جوهر.

إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرّد الكراهية الموجَّهة إلى فئة بعينها، بل في ترسّخ بنية فكرية واجتماعية تُمكّن من تصنيف البشر وفق معايير عرقية أو ثقافية أو نفعية، ثمّ تجريدهم تدريجيًا من إنسانيتهم، بحيث يُعاد تعريفهم بوصفهم عبئًا أو خطرًا أو عنصرًا غير منسجم مع النظام القائم. وعندما تتحوّل هذه الآلية إلى وعي جمعيّ وممارسة مؤسسية، يصبح الإقصاء أمرًا مبرَّرًا، وقد يُنظر إلى العنف أو التخلّص من «الآخر» باعتباره إجراءً مشروعًا أو ضرورةً تنظيمية. وهنا يتجلّى مكمن الرعب: فالإبادة أو الاضطهاد لا تنبعان دائمًا من انفعال عاطفي مباشر، بل من نظام تفكير يُشرعن نزع الصفة الإنسانية ويحوّل البشر إلى موضوعات قابلة للإدارة والحذف.

ومع ذلك يجب إظهار إمكانات ملموسة للمقاومة. فمثلاً ينبغي بحث تاريخ جرائم القتل الرحيم (Euthanasia murders)، الّتي لم ترتكب في ألمانيا بالحجم الكامل الّذي خطّط له الاشتراكيّون القوميّون (National Socialists)، وذلك بفضل المقاومة الّتي واجهها البرنامج. لكنّ هذه المقاومة كانت محصورة في الجماعة المعنيّة؛ وهذا تحديداً عرض واضح وشائع جدّاً للبرودة العامّة. غير أنّ هذه البرودة، فوق كلّ شيء، قصيرة النظر بالنظر إلى النهم الكامن في مبدأ الاضطهادات. فعمليّاً يمكن أن يحاول أيّ شخص لا ينتمي مباشرة إلى جماعة الاضطهاد؛ ومن ثمّ يمكن الاستناد إلى مصلحة أنانيّة صارخة.

وأخيراً، ينبغي التحقيق في الشروط الموضوعيّة التاريخيّة الخاصّة للاضطهادات. إنّ ما يسمّى بحركات "النهضة القوميّة" (National revival movements) في عصر أصبحت فيه القوميّة بطبيعتها أكثر نزعاً وقابليّة للممارسات الساديّة.

وينبغي في نهاية الأمر أن تتمحور كلّ تربية سياسيّة حول فكرة ألّا يتكرّر أوشفيتز أبداً. ولن يكون ذلك ممكناً إلّا إذا كرّست نفسها علناً، من دون خوف من إغضاب أيّ سلطات، لهذه المشكلة الأهمّ. ولتحقيق ذلك يجب أن تتحوّل التربية إلى سوسيولوجيا (sociology)، أي أن تعلم عن تفاعل القوى الاجتماعيّة الّذي يعمل تحت سطح الأشكال السياسيّة. وينبغي إخضاع مفهوم محترم مثل «مصلحة الدولة» (reason of state) لمعالجة نقديّة؛ إذ إنّ وضع حقّ الدولة فوق حقّ أعضائها يضع الرعب كإمكان قائم سلفاً.

3- خاتمة:

تتناول مقالة أدورنو إشكاليّة الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ الّتي تتمّ فصولها في العصر الحديث ولا سيّما بعد أوشفيتز. وقد أخضع أدورنو مظاهر التطهير العرقيّ ولاسيّما في أوشفيتز للدراسة والتحليل وقد درس أسبابها وتكوينها والعوامل السياسيّة والاجتماعيّة الّتي أدّت إلى حدوثاً وكان يأمل ألّا تتكرّر حوادث التطهير في أيّ مكان بعد أوشفيتز. وقد عوّل كثيراً على الثقافة والتربية والعوامل السياسيّة في منع حدوث مآس إنسانيّة جديدة على منوال أوشفيتز والهولوكوست. ولكنّ أدورنو الّذي توفّي في نهاية الستّينات (عام 1969) من القرن الماضي لم يعش ليرى بأم عيه مجازر إنسانيّة أشدّ هولاً وأخطر أثراً وأعظمّ توحّشاً ضدّ الإنسانيّة. لم يعش ليشهد الإبادات المعاصرة في كمبوديا ورواندا والبوسنة ودارفور وميانمار والعراق وسوريا والسودان.

لقد بيّن لنا أدورنو من خلال هذه المحاضرة بأنّ مذابح القرن العشرين لم تكن مجرّد انحراف عارض عبثيّ في مسار تطوّر الحضارة ـ وقد كشف لنا عن البعد الكامن للعنف في قلب الحداثة نفسها، بما تنطوي عليه من عقل أداتي (Instrumental Reason) وبيروقراطيّة تقنيّة وقدرة تنظيميّة هائلة يمكن أن تسخر لأغراض إباديّة.

ينطلق أدورنو في محاضرته المشهورة "التربية بعد أوشفيتز" الّتي ألقاها قبل وفاته بثلاث سنوات (1966) بوصفها استجابة فلسفيّة تربويّة لصدمة الإبادة ضدّ اليهود في ألمانيا. وقد أكّد أنّ «المطلب الأوّل لكلّ تربية هو ألّا يتكرّر أوشفيتز»، ويعني ألّا تتكرّر المذابح ربّما بحقّ أيّ طائفة أو ملّة عرقيّة. وقد عوّل في هذه المقالة على الأهمّيّة الكبرى الّتي تتحوّل فيها التربية من عمليّة نقل معرفة إلى مشروع أخلاقيّ-نقديّ يهدف إلى تفكيك الشروط النفسيّة والاجتماعيّة الّتي تجعل العنف الجماعيّ ممكناً.

يستعين أدورنو في مقالته هذه بأطروحة سيغموند فرويد، ولا سيّما ما ورد في كتابه المشهور قلق في الحضارة الّتي يبيّن لنا فيها التوتّر القائم بين الحضارة والعدوان الكامن فيها، وعلى هذا الأساس يحدّثنا أدورنو عن العالم المدار المحاط بسياج السيطرة والهيمنة وهو الانغلاق الّذي ينتج شعوراً وجوديّاً بالاختناق ورهاب الاحتباس الحضاريّ. وفي هذا السياق، يطرح أدورنو مفهوم "الوعي المشيّأ" (Reified Consciousness) و«الطابع التلاعبيّ" للشخصيّات السلطويّة بوصفهما أنماطاً نفسيّة تسهّل التماهي الأعمى مع الجماعة والتعامل مع البشر كأشياء. وتركّز المقالة كذلك على ظواهر مثل المونادة الاجتماعيّة والبرودة العاطفيّة واللامبالاة الجمعيّة، باعتبارها شروطاً نفسيّة واجتماعيّة سمحت باستمرار الرعب عبر صمت الأغلبيّة وانشغالها بالمصلحة الخاصّة.

وفي هذه المقالة يوجده أدونوا نقداً لمفهوم الصلابة التربويّة الّتي تمجّد قمع الألم، وتربطها بتحوّلات مازوخيّة-ساديّة تغذّي العنف. وتستعرض المقالة حوادث الإبادات بعد الحرب العالميّة الثانية، لتؤكّد أنّ صدور ميثاق الأمم المتّحدة (United Nations Charter) عام 1945 والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لم ينهيا منطق الإبادة والتطهير العرقيّ والمذابح العرقيّة الدوّارة، بل استمرّت أنماط هذا العنف ومتوالياته بأشكال مختلفة. وهذا يدلّ بالمطلق على هشاشة النظام الدوليّ وعجزه عن منع تكرار الكوارث الإنسانيّة.

تخلّص المقالة إلى أنّ تصوّر أدورنو بأنّ منع حروب الإبادة والعنصريّة أمر لا يمكن أن يتحقّق بمجرّد الوعظ الأخلاقيّ أو الدعوة الخالصة إلى المحبّة، بل يتمّ ذلك من خلال التربية النقديّة الّتي تعزّز الاستقلاليّة، والتأمّل الذاتيّ، والوعي بالبنى الاجتماعيّة المنتجة للعنف. ومن ثمّ لا بدّ من العمل على كشف الآليّات النفسيّة والدفاعيّة الّتي تبرّر النزوع الوحشيّ عند الأفراد إلى العنف والقتل، ويطالب في هذا السياق بتوظيف التحليل السوسيولوجيّ في التربية من أجل فهم أعمق وأشمل لمكوّنات العمليّة التربويّة. ويخلص أدورنو إلى أنّ التحدّي المركزيّ لا يتمثّل في إصلاح الأفراد فحسب، بل في مساءلة البنية الحضاريّة الّتي تجعل الإبادة العرقيّة إمكانيّة تاريخيّة دائمة. وعلى هذا النحو تقدّم المقالة قراءة نقديّة تربط بين مآسي القرن العشرين الدمويّة واستمرار العنف الدمويّ المعاصر ضدّ الأقلّيّات العرقيّة والدينيّة. وفي النهاية فإنّ السؤال الأدورنيّ ما يزال قائماً: إذ كيف يمكن للثقافة والتربية أن تمنعا عودة الهمجيّة في عالم يدّعي التقدّم؟

وخلاصة القول" إن هذه المحاضرة الفارقة لأدورنو تلقي الضوء اليوم على إشكالية المذابح والإبادات العرقية والطائفية والدينية التي تجري في مجتمعاتنا اليوم. وهي ترسم لنا خطة طريق لفهم العوامل والمتغيرات التي تعزز التوجهات نحو الإبادة العرقية ضد الأقليات الطائفية والدينية والعرقية.

ويمكننا أن نختتم بالمداخلة المعبرة لغوتيريش الأمين العام الأسبق لهيئة الأمم المتحدة الذي يفيد بأن "العالم خذل السكان المهددين بخطر الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتطهير العرقي" إن الأمثلة كثيرة، ونعرفها جيدا، لكنها لا تزال، حتى اليوم، آفة تتسبب في معاناة شديدة. وتفيد مداخلته أيضا بأن إن التغلب على الآثار المدمرة على الضحايا والمجتمعات المحلية والمجتمع ككل، والتعافي منها، يمكن أن يستغرق أجيالا. ويقول غوتيريش أيضا إن الإسراع في الاستجابة لعلامات الإنذار المبكر والاستثمار في الوقاية المبكرة يمكن أن ينقذ الأرواح ويدرأ تدمير مجموعات ضعيفة، كليا أو جزئيا. ثم يقول"حيثما نرى الناس يواجهون التمييز المنهجي أو يصبحون أهدافا للعنف، لا لشيء إلا بسبب من يكونون بحكم هويتهم، يجب علينا التحرك - للدفاع في آن معا عن أولئك الذين هم عرضة لخطر داهم وأولئك الذين يمكن أن يكونوا عرضة للخطر مستقبلا. وبإشاعة ثقافة قوامها السلام ونبذ العنف تشمل احترام التنوع وعدم التمييز، يمكننا إقامة مجتمعات قادرة على مواجهة خطر الإبادة الجماعية " (غوتيريش الأمين العام السابق للأمم المتحدة).

***

.......................

مراجع المقالة

(1)  - هيهاكا سابا (Heȟáka Sápa)   الملقب بالإيل الأسود نسبة إلى قبيلته هو زعيم روحي ومحارب: من قبيلة الأوغلالا لاكوتا (Oglala Lakota) من السكان الأصليين في أميركا الشمالية، وُلد عام 1863 في إقليم داكوتا. عُرف بصفته رجل دين تقليدي (Holy Man) في ثقافة قومه، شارك في معركة ليتل بيغ هورن عام 1876، وشهد مذبحة الركبة الجريحة (Wounded Knee) عام 1890 التي شكّلت نقطة تحوّل مأساوية في تاريخ شعبه. اكتسب شهرة عالمية بعدما قام الكاتب الأمريكي جون جي. نييهارت (John G. Neihardt) بإجراء مقابلات مطوّلة مع الأيل الأسود عام 1931، ثم صاغ شهادته ورؤاه الروحية في كتاب نُشر سنة 1932.  ومن ثم صدر كتابه بعنوان " الأيّل الأسود يتكلم: سيرة حياة رجلٍ مقدّس من قبيلة الأوغلالا سيوكس" (Black Elk Speaks: Being the Life Story of a Holy Man of the Oglala Sioux )،  ومع صدور هذا الكتاب أصبح الأيل الأسود رمزًا ثقافيًا وروحيًا لمعاناة السكان  الهنود الأصليين ومحاولتهم الحفاظ على هويتهم في مواجهة التوسع الاستعماري الأميركي.

(2)  - عندما وصل كريستوفر كولومبوس (Christopher Columbus) إلى جزر الكاريبي عام 1492، كان يظن أنه وصل إلى الهند عبر طريق غربي، فسمّى السكان الأصليين «Indios» أي «الهنود». ومن هنا انتقلت التسمية إلى اللغات الأوروبية.

(3) - ثيودور أدورنو (Theodor Adorno): فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، وُلد عام 1903 وتوفي عام 1969، ويُعدّ من أبرز مفكري "مدرسة فرانكفورت" (Frankfurt  School) في النظرية النقدية  (Critical Theory). اهتمّ بتحليل الحداثة، والعقل الأداتي (Instrumental Reason)، وصناعة الثقافة (Culture Industry)، وانتقد النزعات الشمولية والرأسمالية المتأخرة، معتبِرًا أنّ التقدّم التقني قد يتحوّل إلى أداة هيمنة إذا انفصل عن البعد الأخلاقي والإنساني. من أشهر أعماله "جدل التنوير" (Dialectic of Enlightenment)  الذي كتبه مع ماكس هوركهايمر، و"الجدل السلبي" (Negative Dialectics)، كما عُرف بمقاله الشهير «التربية بعد أوشفيتز"  (Education After Auschwitz)، التي نحن بصدد ترجمتها إذ  يشدّد  فيها على أنّ المهمة الأولى للتربية هي منع تكرار الكارثة والمحارق الدموية ضد الأقليات العرقية والدينية.

(4)- Theodor W. Adorno, “Education After Auschwitz,” in Critical Models: Interventions and Catchwords, (New York: Columbia University Press, 1998), pp. 191–204.

(5) - تيودور ف. أدورنو (Theodor W. Adorno) (1903–1969) فيلسوف وعالم اجتماع وناقد موسيقي ألماني، يُعد أحد أبرز أعلام مدرسة فرانكفورت (Frankfurt School) ومنظّري النظرية النقدية (Critical Theory) في القرن العشرين.

(6) - كل ما يرد تحت هذا العنوان تعريب لمحاضرة أدورنو: التربية فيما بعد أوشفيتز.

(7)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents (1930), in The Standard Edition of the Complete Psychological Works of Sigmund Freud, vol. 21, translated by James Strachey (London: Hogarth Press, 1961; reprint 1975).

(8)- Franz Werfel, The Forty Days of Musa Dagh, translated by Geoffrey Dunlop (New York: Viking Press, 1934).

(9) - تدور أحداث رواية فرانتس فيرفل "الأربعون يومًا لموسى داغ (1933) في سوريا عام 1915، وتروي مقاومة الأرمن ضد قوات تركيا الفتاة الأكثر عددًا والأفضل تجهيزًا. تتحصن القوات الأرمنية في جبل موسى داغ أربعين يومًا، وبينما كانوا على وشك الهزيمة يُنقَذون بواسطة تدخل قوة بحرية أنغلو-فرنسي.

(10)- Sigmund Freud, Civilization and Its Discontents, translated by James Strachey (New York: W. W. Norton & Company, 1961).

(11) - الرايخ الثالث (Third Reich): هو الاسم الذي أطلقه النظام النازي على الدولة الألمانية في عهد هتلر (Adolf Hitler) بين عامي 1945–1933.، وتعني كلمة "الرايخ " بالألمانية (Reich ) الإمبراطورية أو الكيان السياسي الكبير. وقد سُمِّي “الثالث” لأن النازيين اعتبروا أنفسهم الامتداد التاريخي لإمبراطوريتين سابقتين تتمثل الأولى في الرايخ الأول ويمثل الإمبراطورية الرومانية المقدسة (962–1806)، ثم الرايخ الثاني ويمثل الإمبراطورية الألمانية (1871–1918).. وقد أطلق على الدولة النازية الرايخ الثالث (1933–1945).

(12)- Jean-Paul Sartre, The Victors, in Three Plays, translated by Lionel Abel (New York: Alfred A. Knopf, 1949).

(13)- Eugen Kogon, The Theory and Practice of Hell: The German Concentration Camps and the System Behind Them, translated by Heinz Norden (New York: Farrar, Straus and Company, 1950).

(14) - الطابع التلاعبي: يمثل شخصية تتماهى مع النظام إلى حد فقدان الذات، وتتعامل مع البشر كأشياء قابلة للاستعمال، ضمن عقل أداتي (Instrumental Reason) بارد ومنفصل. وهو ليس وحشًا استثنائيًا، بل نتاج اجتماعي وثقافي لعالم مُدار (Administered World) يقوم على التقنية والطاعة والتنظيم. زباختصار شديد: الطابع التلاعبي هو الإنسان الذي يرى البشر أدوات، ويرى نفسه أداة أيضًا، ويستبدل الضمير بالكفاءة.

(15) - (الشيزويدية (Schizoid) لا تعني الفصام (Schizophrenia)، بل تشير إلى ميل إلى العزلة الاجتماعية وبرود عاطفي وضعف الرغبة في العلاقات الحميمة وانكفاء إلى عالم داخليح أي أن الكلمة تشير إلى "شخصية ذات طابع انفصالي أو انعزالي" وليس إلى انقسام الشخصية بمعناه الشعبي.

(16) - أدولف أيخمان:(Adolf Eichmannh) قائد نازي كلف بمهمة ترحيل اليهود إلى معسكرات الإبادة خلال الحرب العالمية الثانية، أُلقي القبض عليه في الأرجنتين عام 1960، وتمت محاكته في القدس عام 1961، ثم أُعدم عام 1962. وقد حظيت شخصيته باهتمام علماء الاجتماع ولاسيما حنّة آرنت (Hannah Arendt) التي ألفت كتابا حول شخصيته بعنوان "آيخمان في القدس" (Eichmann in Jerusalem)، وهي في هذا الكتاب لم تصف أدولف آيخمان بالشيطان أو الوحش، بل صاغت مفهوم "تفاهة الشر" (Banality of Evil) لتبيّن لنا أنّه لم يكن ساديًا أو متعصبا ضد اليهود أو مدفوعًا بكراهية هستيرية بقدر ما كان موظفًا بيروقراطيًا محدود التفكير، ينفّذ الأوامر ضمن جهاز إداري دون تأمّل أخلاقي عميق أو مساءلة ذاتية. وبمعنى آخر، فإنّ أفعاله كانت شرّيرة بلا شك، غير أنّ شخصيته كما ظهرت في المحاكمة بدت عادية ومسطّحة فكريًا. وهنا يكمن الخطر الذي أرادت آرنت، وكذلك تيودور أدورنو (Theodor Adorno)، التنبيه إليه: فالشرّ لا يصدر دائمًا عن نوايا شيطانية استثنائية، بل قد ينتج عن تعطّل التفكير النقدي والخضوع الأعمى داخل منظومة بيروقراطية. لذلك يمكن القول إنّ فعله يُوصَف بالشرّ المؤكّد، أمّا توصيف شخصه بالشرّ المطلق فيظلّ موضع نقاش فلسفي.

(17) - في ظلّ الرايخ الثالث (Third Reich) داخل ألمانيا النازية (Nazi Germany)، لم يُستهدف المسنّون بوصفهم جماعة عرقية مستقلّة، لكنّ كثيرًا منهم تعرّضوا لإجراءات تمييزية وقمعية ضمن السياسات القائمة على فكرة «النقاء العرقي» و«الجدوى البيولوجية». فقد شمل برنامج «القتل الرحيم» المعروف باسم أكسيون تي4 (Aktion T4) عددًا من كبار السن، ولا سيّما أولئك المقيمين في المصحّات ودور الرعاية، أو الذين اعتُبروا مرضى مزمنين وغير قادرين على العمل والإنتاج. تعرّض بعضهم للقتل عبر الحقن السامّة أو التجويع المتعمّد أو النقل إلى مؤسسات شهدت استخدام غرف الغاز، بينما عانى آخرون من الإهمال الطبي وتقليص الحصص الغذائية وسحب الرعاية بحجّة أنهم «عبء على المجتمع». وقد استندت هذه السياسات إلى تصور أيديولوجي يرى قيمة الإنسان في إنتاجيته وقوته الجسدية، الأمر الذي جعل حياة المسنّين، خصوصًا الضعفاء منهم، مهدَّدة ضمن منطق تصنيفي جرّدهم من كرامتهم الإنسانية.

وأثره في حركة إصلاح الانظمة القانونية المعاصرة

اليقين القانوني مبدأ قانوني أساسي حديث نسبياً، يقتضي أن تكون المعايير القانونية واضحة، ذات نتائج قابلة للتنبؤ، ومستقرة تحمي المراكز القانونية والحقوق المكتسبة، ومتاحة للجميع.

أولاً-الهدف من المبدأ:

يهدف المبدأ الى؛

1- تأكيد ثقة المواطنين بالقواعد السارية من خلال تمكّينهم من توقع التبعات القانونية لأفعالهم دون مفاجأة غير متوقعة تمس حريتهم او اموالهم او طموحاتهم المشروعة.

2- حماية حقوق المواطنين المكتسبة من التعديلات والتغييرات التشريعية أو الإدارية المتكررة أو المفاجئة لضمان أمن واستقرار المعاملات والمراكز القانونية في المجتمع.

3- حماية الأشخاص طبيعيين كانوا أم معنويين من الآثار الجانبية السلبية للقوانين المتضخمة أو تعديلاتها بشكل مفرط، وعدم استقرار التفسيرات القضائية والادارية للقانون غير القابلة للتنبؤ، بما يجعل تطبيق مبدأ (الجهل بالقانون ليس حجة) ليس ميسوراً هو الآخر.

ثانياً- علاقة المبدأ بسيادة القانون:

يعد هذا المبدأ في الفكر القانوني المعاصر، جزءاً من مبدأ سيادة القانون وأحد مظاهر الحق الطبيعي الدستوري في  الحق بالأمن والإستقرار والثبات القانوني الذي يفترض ان يتمتع به جميع المواطنين، بإعتباره احد ثلاثية الغاية من القانون. (1)

وقد نص دستور جمهورية العراق لسنة 2005 في المادة المادة (15) منه على انه:

"لكل فرد الحق في الحياة والآمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها الا وفقا للقانون، وبناء على قرار صادر من جهة قضائية مختصة".

ثالثاً- أصول المبدأ:

ترجع أصول هذا المبدأ تاريخياً الى المادة الثانية من اعلان حقوق المواطن الفرنسي لعام 1789، التي تضع الأمن بين الحقوق الطبيعية وغير القابلة للتقادم للإنسان على نفس مستوى الحرية والملكية ومقاومة الظلم، وفقاً للتفسيرات الحديثة لهذه المادة، التي ترى انه لايقصد بالأمن في هذا المقام جانبه المادي فقط، فهو يشمل اضافة الى الأمن القانوني الأمن الإقتصادي والصحي والتعليمي ....

ويعتبر الفقيه الالماني فيلهلم جوزيف بير من أوائل من تناولوا موضوع اليقين القانوني في كتابه " نظام النظرية السياسية العامة التطبيقية " الصادر عام 1810.

بينما وردت أول اشارة رسمية للمبداً بشكل واضح في  عام ١٩٥٣، حيث قضت المحكمة الدستورية الاتحادية في المانيا الاتحادية (بوجوب ضمان الدولة لليقين القانوني باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر سيادة القوانين).(2)

وسبق ان قدّم الفقيه مونتسكيو توجيهات حول ضرورة التشريع الجيد، حيث أكّد أن "القوانين غير المجدية تُضعف القوانين الضرورية"، وأنه على الرغم من ضرورة تغيير بعض القوانين أحياناً، "إلا أنه ينبغي التعامل معها بحذر شديد" (روح القوانين، 1748).

أما بالنسبة لروبييه (النظرية العامة للقانون، 1946)، فإن "أول قيمة اجتماعية يجب تحقيقها هي اليقين القانوني".

ووفقًا للبروفيسور تشارلز فوترو-شوارتز وبينوا بلوتان، فاليقين القانوني هو "الشعور الذي ينبغي أن ينتاب كل مواطن عند سعيه لتحديد ما هو مسموح له أو ممنوع عليه فعله بموجب القانون الساري".

ورأى الاستاذ أرنولد وولفرز في وقت مبكر من عام 1952: إن "الأمن، بالمعنى الموضوعي، يقيس غياب التهديدات للقيم الأساسية (المكتسبة)، أو، بالمعنى الذاتي، غياب الخوف من تعرض هذه القيم الأساسية للهجوم".

ويرى الفقيه گوستاف رادبروش انه ينبغي على اي نظام قانوني أن يحقق ثلاث غايات أساسية هي: تحقيق العدالة، تعزيز المصلحة العامة، واليقين القانوني.

رابعاً - معايير إمتثال القوانين لمبدأ اليقين القانوني: وهي المعايير الثلاثة التالية:

1- سهولة الوصول: سواء بالوصول المادي وهو ما يحصل بنشر القوانين والتقنين، أو من الناحية الفكرية، أي القدرة على فهمه، وهو ما يتطلب أن يكون القانون واضحاً بما فيه الكفاية.

2- إمكانية التنبؤ: تُمكّن القدرة على التنبؤ المواطنين من توقع القاعدة القانونية التي تنطبق عليهم في موقف معين، مما يُتيح لهم اتخاذ خيارات مدروسة.

أما القانون غير الدقيق فقد يُعيق القدرة على التنبؤ.

فقوانين الضرائب في دول القانون، على سبيل المثال، تسمح بدرجة كافية من القدرة على التنبؤ بإحتساب الضريبة.

3- استقرار الحقوق والمراكز القانونية وعدم تأثرها برجعية القوانين على الماضي. والاستقرار من شروط القدرة على التنبؤ.

خامساً- اهمية المبدأ:

هو مبدأ جوهري يضمن استقرار المراكز القانونية من خلال صياغة نصوص تشريعية واضحة ومستقرة، تمكّن الأفراد والمستثمرين من فهم العواقب القانونية لأفعالهم وتوقعها مسبقاً ويساهم في تعزيز الثقة في النظام القانوني.

ويسعى مبدأ اليقين القانوني إلى مكافحة ما يلي:

1- تناقضات القوانين مع الدستور: إن سن قوانين تتضمن تعارضاً مع الدستور، ومن ثم ازدياد الطعن بها  امام المحاكم الدستورية يؤدي الى عدم اليقين القانوني بالنسبة للحكومة والأفراد على حد سواء.

2- عدم وضوح القوانين بشكل كاف: مما يغلب صفة التردد على اتخاذ القرارات الإدارية وتعدد الاستشارات القانونية، مما يؤدي الى ان يحجم الافراد عن بعض التصرفات والعقود خشية المساءلة.

3- الطبيعة غير المعيارية لبعض القوانين: وهي تلك القوانين التي تخرج عن المبادئ العامة للقانون وتأتي استثناءاً لها، اذ ينبغي أن تتوافق التشريعات مع الحقوق الأساسية للإنسان، مما يجعل القواعد القانونية معياراً أعلى حتى بالنسبة للمشرع نفسه.

4- التوسع في سن القوانين وتعقيدها او تخصصها المفرط ؛ وهذه ظاهرة شائعة في معظم الدول المتقدمة، وينبع هذا التعقيد أساساً من تعدد مصادر القانون المحلية والدولية، وظهور مجالات جديدة للنشاط البشري، والتقدم العلمي والتكنولوجي، والحرص على حماية الفئات الأكثر ضعفاً. وتبني امور  تنظيمية غالباً ما تكون مرتجلة استجابةً للمطالب المتضاربة للرأي العام.

5- الأثر الرجعي للقوانين الذي يقوض المراكز القانونية القائمة.

6- كثرة التعديلات على القوانين: مما يؤدي إلى إرباك تشريعي وعدم استقرار في المعاملات القانونية وخلق حالة من الغموض حول النية الحقيقية للمشرع.

مما يثير مصاعب تطبيقها والإلمام بها للموظفين والمحامين والأفراد، مما يزيد من احتمالات الفساد الإداري واستغلال السلطة التقديرية،

في حين يعدل القانون لمواكبة التطورات، فإن كثرتها المفرطة تجعلها غير فعالة وتحدث "تخبطاً" في النظام القانوني.

7- اختلاف التفسيرات القضائية للقوانين في فترات زمنية متقاربة : مما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار القانوني، وفقدان الثقة في عدالة الأحكام، وإهدار مبدأ المساواة أمام القانون واضطراب المراكز القانونية، وصعوبة التنبؤ بالأحكام، وزيادة تكاليف التقاضي نتيجة عدم استقرار التفسير.

سادساً- عناصر اليقين القانوني:

وتتمثل بالعناصر التالية:

1- وضوح النصوص: يجب أن تكون القواعد القانونية مفهومة، دقيقة، وغير ملتبسة.

2- استقرار المراكز القانونية: منع المفاجآت التشريعية وضمان ثبات الحقوق والالتزامات.

3- قابلية التنبؤ: قدرة الأفراد على معرفة النتائج القانونية لتصرفاتهم

4- تعزيز الاستثمار: يشكل بيئة آمنة للمستثمرين (استقرار البيئة التشريعية).

سابعاً - اليقين القانوني مقابل المفاهيم الأخرى:

1- اليقين القانوني (التشريعي): يركز على جودة ووضوح النص القانوني نفسه.

2- اليقين القضائي: هو الحالة الذهنية للقاضي، التي يصل فيها إلى قناعة يقينية بوقوع حادثة معينة بناءً على الأدلة، مما يجعله أكثر ارتباطاً بالإثبات الجنائي.

3- اليقين العام: وهو  نتيجة مباشرة لليقين القانوني والقضائي، حيث يشعر المواطنين بالامن والأطمئنان عند استقرار المراكز القانونية ووضوح القواعد القانونية.

ثامناً - تطبيقات اليقين القانوني في فروع القانون المختلفة:

اولاً- تطبيقات المبدأ في الدساتير:

وتتمثل بما ياتي:

1- مبدأ سيادة القانون: أي خضوع الجميع (حكاماً ومحكومين) للقانون، وتطبيقه بعدالة ومساواة.

2- مبدأ الفصل بين السلطات: أي توزيع المهام بين السلطات الثلاث لمنع الاستبداد وتداخل الصلاحيات.

3- ضمان الحقوق والحريات: حماية الحق في الحياة، الحرية، الكرامة، التعبير، والمساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس، العرق، الدين.

4- مبدأ الشعب هو مصدر السلطات، ويتم ممارستها عبر الانتخابات والآليات الديمقراطية.

5- الرقابة القضائية: وجود قضاء مستقل لضمان دستورية القوانين وعدم تجاوز السلطات.

6- المشروعية والديمقراطية: صياغة القوانين عبر ممثلي الشعب بأسلوب شفاف.

7- حماية المال العام ومكافحة الفساد المالي والاداري.

ثانياً- تطبيقات المبدأ في القانون الجنائي:

يعد مبدأ اليقين القانوني في القانون الجنائي حجر الزاوية لضمان العدالة، من خلال جملة ضمانات دستورية وقانونية وقضائية، وحماية حريات الأفراد من أي تعسف محتمل وتتمثل بما ياتي:

1- وضوح النصوص التشريعية: الجودة التشريعية وتجنب الغموض في النصوص الجنائية يمنع التضارب في التطبيق القضائي.

2- مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، لاجريمة ولاعقوبة إلا بنص. اذ يجب أن تكون النصوص القانونية محددة قانوناً، بحيث يستطيع الأفراد معرفة أفعالهم المباحة والمجرمة مسبقاً، مما يمنع التعسف في التفسير.

3- قرينة البراءة: يعتبر المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، مما يلقي بعبء الإثبات على التحقيق والادعاء العام بتقديم أدلة قطعية.

3- حظر التفسير الواسع والقياس،

4- الشك يفسر لصالح المتهم

5- ضرورة بناء الإدانة على الجزم واليقين لا الاحتمال.

6- تقدير الأدلة وحياد القاضي: لا يجوز للقاضي بناء حكمه على قرائن احتمالية متناقضة، او بناءاً على علمه الشخصي، بل يجب أن يصل إلى "اليقين القضائي" المستمد من أدلة قانونية مشروعة.

7- عدم رجعية القوانين الجنائية:

لا يطبق القانون الجنائي الجديد على أفعال وقعت قبل صدوره ماعدا الأصلح للمتهم، مما يوفر استقراراً قانونياً.

ثالثاً-  تطبيق المبدأ في القانون المدني:

وأهم هذه المبادئ:

1- مبدأ سلطان الإرادة: يمنح الأفراد الحرية في التعاقد وتحديدشروطهم، طالما لا تخالف القانون أو النظام العام.

2- مبدأ العقد شريعة المتعاقدين: يُلزم الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في العقد، ويعتبره ملزماً كالقانون. مما يُعزز من الثقة بين الأطراف، ويضمن استقرار المعاملات، ويُقدم حماية قانونية للعلاقات التجارية والاستثمارية.

3- مبدأ حسن النية:يفرض على الأطراف التصرف بنزاهة، وعدم الغش، والتعاون في تنفيذ الالتزامات.

4- مبدأ المساواة: يضمن تساوي المراكز القانونية للأطراف المعنية في الحقوق والواجبات.

5- حماية الملكية والحقوق الخاصة: تنظيم طرق اكتساب الملكية وحمايتها من الاعتداء، بالإضافة إلى الحقوق المتعلقة بالشخصية (كالحق في الاسم).

6-المسوولية المدنية (العقدية والتقصيرية):

تُلزم من ألحق ضرراً بالغير (سواء بخرق العقد أو بفعل ضار) بالتعويض.

7- الأهلية القانونية: (أهلية الوجوب وأهلية الأداء) تحديد قدرة الشخص على مباشرة حقوقه المدنية، حيث يعتبر الشخص كامل الأهلية ببلوغه سن الرشد دون عوارض، مما يوفر الحماية له وللمتعاملين معه.

رابعاً- تطبيق المبدأ  في القانون الإداري:

اليقين القانوني في القانون الإداري هو مبدأ أساسي يضمن استقرار المراكز القانونية للأفراد  والحد من تعسف الإدارة.

ويمكن ملاحظة المبادئ التالية:

1- مبدأ المشروعية: أي خضوع كافة تصرفات وقرارات الإدارة للقانون.

2- مبدأ المساواة أمام المرفق العام، المساواة في الوظائف العامة، والمساواة أمام الأعباء العامة.

3- مبدأ التناسب: يجب أن يكون القرار الإداري متناسباً مع الهدف الذي يسعى لتحقيقه، ويظهر بوضوح في قرارات الضبط الإداري وتأديب الموظفين، حيث يحب ان يمون هناك تناسب بين الذنب الإداري والعقوبة الإنضباطية كما ان العقوبات الإنضباطية ذكرت حصراً مع إمكانية الطعن بها امام القضاء الإداري.

4- مبدأ حظر التعسف في إساءة استعمال السلطة: التزام الإدارة بعدم الانحراف بالسلطة أو استخدامها لأغراض غير التي حددها القانون.

5- ميدأ حسن الإدارة (الإدارة الرشيدة):

يشمل النزاهة، الشفافية، الاستجابة، ودعم المواطنين.

5- مبدأ حقوق الدفاع والإنصاف: احترام حقوق الأفراد في الدفاع عن أنفسهم والتقاضي، وحظر التحيّز.

6- مبدأ التوازن ببن المنفعة والأضرار: الموازنة بين مصلحة الإدارة وحقوق الأفراد، ويظهر في حالات نزع الملكية. والفكرة الحديثة تذهب الى انه في حالات طلب الإدارة نزع الملكية للمصلحة العامة، ينبغى على القاضي  دراسة التناسب بين المصلحة العامة في نزع الملكية ومبدأ احترام الحق في الملكية ايهما أوجب في كل حالة على حدة.

7- مبدأ التوقع المشروع (Legitimate Expectation):

في القانون العام أو الإداري، فإن التوقع المشروع هو ضمان قانوني لا لبس فيه وغير مشروط، حيث ينشأ التوقع عندما تقدم السلطة العامة وعوداً واضحة أو تمارس سلوكاً مستقراً يولد لدى الأفراد اعتقاداً معقولاً بانتفاعهم بإجراء أو نتيجة معينة، مما يمنع الإدارة من الإخلال بها تعسفاً.

على سبيل المثال، قدمت سلطة عامة ضمانًا قاطعًا بأنها ستتشاور مع المتضررين المحتملين قبل تغيير سياسة جوهرية، أو  قدمت سلطة عامة تأكيدًا قاطعًا بأنها ستحافظ على سياسة قائمة لشخص أو مجموعة معينة ستتأثر بشكل كبير بالتغيير.

إذا ثبت انتهاك هذا المبدأ، وكان عدم القيام بذلك يُعدّ ظلمًا أو إساءة استخدام للسلطة، فمكن للمحاكم إلغاء القرار الإداري أو إجبار الإدارة على احترام التزامها.

8- توفر اركان القرار الاداري:

تكمن أهمية توافر اركان القرار الإداري (الاختصاص، الشكل، السبب، المحل، والغاية) في ضمان مشروعيته وتوفر هذه الأركان حماية قانونية للأفراد وتؤكد مبدأ سيادة القانون واليقين القانوني وتحد من تعسف الإدارة.

9- مبدأ عدم رجعية القرارات الادارية.

خامساً: تطبيق المبدأ  قي قوانين الإجراءات القضائية، وتتمثل بما يأتي:

1- استقلال القضاء:  يضمن استقلال القضاء  أن يكون "اليقين القانوني" حقيقياً وليس صورياً، حيث يطبق القاضي  القانون دون الخضوع لتأثير السلطات الاخرى والافراد من ذوي النفوذ.

2- حق الدفاع ومناقشة اطراف الدعوى:

يعد حق الدفاع ركيزة أساسية لضمان "اليقين القانوني"  ويرتبط الحقان ارتباطاً وثيقاً، من خلال تمكين الخصوم من إبداء دفوعهم، واتاحة الحق بالإستعانة بمحامٍ والاطلاع على الملف مما يعزز اليقين بأن الأحكام القضائية مبنية على حقيقة راسخة.

3- علنية الجلسات: وهي ضمانة أساسية لتحقيق اليقين القانوني والقضائي تتيح للجمهور والخصوم مراقبة سير العدالة، مما يعزز الثقة في نزاهة الأحكام وتطبيق القانون، باستثناء حالات يقررها القانون لسرية الجلسات.

4- المساواة امام القضاء: يعد مبدأ المساواة أمام القضاء ومبدأ اليقين القانوني ركيزتين متكاملتين لسيادة القانون؛ حيث يضمن الأول معاملة الجميع دون تمييز، بينما يضمن الثاني وضوح القواعد القانونية وثباتها.

5- علاقة الطعن بالأحكام بمبدأ اليقين القانوني: هي علاقة "وسيلة بغاية"، حيث تهدف طرق الطعن (استئناف، تمييز) إلى تصحيح الأخطاء القضائية لتعزيز استقرار المراكز القانونية وتوقعات الأفراد العادلة. حيث يُعد الطعن ضمانة لتحقيق اليقين من خلال ضمان عدم "الا يضار الطاعن بطعنه"، ما يشجع على طلب العدالة دون خوف من الإضرار بالمركز القانوني.

6- قرينة البراءة ومبدأ اليقين القانوني: هما حجر الزاوية في المحاكمات الجنائية العادلة؛ إذ تفترض الأولى براءة المتهم (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)، بينما يفرض الثاني على المحكمة إثبات الإدانة بأدلة قطعية لا تدع مجالاً للشك. فالعلاقة بينهما هي علاقة تكامل، حيث يظل المتهم بريئاً (قرينة) حتى يتحقق القاضي من إدانته يقينياً.

6- تسبيب الأحكام: وجوب أن تتضمن الأحكام والقرارات الأسباب القانونية والواقعية التي بنيت عليها.

7- مبدأ المواجهة بين الخصوم: يعد مبدأ المواجهة بين الخصوم وإعلام الأطراف بكافة إجراءات الدعوى ركيزة أساسية وعنصراً جوهرياً لا يتجزأ من مبدأ التقاضي القانوني (المحاكمة العادلة وحق الدفاع)، حيث يضمن علم الخصوم التام بطلبات ومستندات بعضهم البعض وإتاحة الفرصة للرد عليها، مما يحقق عدالة ونزاهة الإجراءات القضائية ويمنع المفاجأت.

8- الشرعية الإجرائية: لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية إلا وفقاً للقانون.

9- السرعة في التقاضي (الأجل المعقول):

إجراء المحاكمات دون تأخير غير مبرر، خاصة في حالة الموقوفين.

تاسعاً - آثار المبدأ:

اخذت اغلب الدول المتقدمة التي تعنى بسيادة القانون بمراجعة نظامها القانوني والقضائي لغرض التسهيل والتيسير على الأفراد، وقيل انه لكي يطبق مبدأ ( الجهل بالقانون ليس حجة) ان تكون القوانين والتفسيرات القضائية والإدارية متماسكة ومستقرة وان يكون من السهل على المواطنين الرجوع اليها وإدراك معناها.

1- آثار المبدآ في فرنسا: حيث يُمثل تعقيد القانون المعاصر وتضخم القوانين مصدر قلق دائم. فقد ندد مجلس الدولة الفرنسي عام 1991بتعقيد القانون نتيجةً للتكاثر غير المنضبط للنصوص، وتزايد عدم استقرار القواعد، وتراجع جودة التشريعات.

كما خصص مجلس الدولة تقريره لعام 2006 مرة أخرى لليقين القانوني وتعقيد القانون. وأعلن ان الصياغة التشريعية وحدها لا تكفي لإنتاج نصوص عالية الجودة ما لم تدعمها إرادة سياسية.

وأكد (نحن بحاجة إلى إيجاد طريقة أفضل للتوفيق بين متطلبات الابتكار والتكيف وبين الاستقرار الضروري للقانون).

2- آثار المبدأ في كندا: منذ عام 1995، تم تنفيذ إصلاح جذري لأساليب العمل الحكومي من خلال تطبيق برنامج لتحديث النشاط الحكومي، استناداً إلى تقييم دقيق لتكاليف وفوائد جميع التدخلات الحكومية، وإلى أساليب تطوير أي مشروع إصلاحي.

3- آثار المبدأ في المملكة المتحدة: حيث تتولى لجنة مشتركة بين الوزارات معنية بالإصلاح التنظيمي، برئاسة رئيس الوزراء، مسؤولية تقييم القرارات المقترحة وتوحيد صياغة التشريعات .

كما تم إنشاء هيئة استشارية مستقلة لتقديم المشورة للحكومة بشأن جميع اللوائح الجديدة استنادًا إلى مبادئ الشفافية والبساطة، وتناسب المعيار المقترح مع الاحتياجات التشريعية، واتساق التشريع الجديد مع الإطار التنظيمي العام.

4- آثار المبدأ في الولايات المتحدة الامريكية: فقد صدر قانون عام 1996 لإنشاء رقابة الكونغرس على جميع اللوائح، وصدر قانون آخر عام 1997 يلزم مكتب الإدارة والميزانية بتزويد الكونغرس بتقديرات لإجمالي التكاليف والفوائد السنوية للوائح الفيدرالية.

وترى المحكمة الدستورية الاتحادية الأمريكية أن تقييم آثار التشريعات يندرج ضمن حماية حقوق الإنسان الأساسية، وتُلزم المشرعين بتعديل قوانينهم عندما تثبت عدم دقة توقعاتهم.

5- اثار المبدأ في المانيا والدنمارك واسبانيا:

في ألمانيا بدلت جهودًا كبيرة لمراجعة التشريعات القائمة. وبالمثل، في الدنمارك، تم إلغاء العديد من مشاريع اللوائح بناءً على تحليلات التكلفة والعائد. وأخيرًا، في إسبانيا، أُدخل إصلاح جوهري على أساليب العمل الحكومي بموجب قانون سنة 1997. اوجب أن يتضمن كل مشروع قانون، بالإضافة إلى نصه وديباجته، تقريرًا عن ضرورة اللائحة وملاءمتها، ودراسة اقتصادية لتكاليف التدابير المقترحة، وتقييمًا لعملية التشاور، ورأيًا من مجلس الدولة، واستبيانًا لتقييم مشاريع اللوائح.

6- اثار المبدأ في المفوضية الأوربية (الاتحاد الأوربي)

عممت المفوضية ممارسة دراسات الأثر وإعادة إطلاق عملية تبسيط وتقنين "المكتسبات الأوروبية" في القانون وتحت تأثير السوابق القضائية للمحكمة الدستورية الألمانية، رسّخت محكمة العدل والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تدريجيًا مبادئ اليقين القانوني. فعلى سبيل المثال، أدخلت محكمة العدل في سوابقها القضائية "مبدأ التوقعات المشروعة"، الذي يهدف إلى الحد من إمكانية تعديل القواعد القانونية عند وجود التزامات من جانب السلطات المختصة، وذلك لحماية "التوقعات التي يحق عادةً لمن تُوجّه إليهم القواعد والقرارات أن يتمتعوا بإستقرار الأوضاع القائمة على أساس تلك القواعد أو القرارات، ولو لفترة معينة".

***

فارس حامد عبد الكريم

2026/2/20

...........................

The principle of legal certainty, its applications, and its impact on the reform of contemporary legal systems.

(1) تقوم غاية القانون على أساس من مبدأين أساسيين هما مبدأ أمن المجتمع واستقرار المعاملات (السكينة الاجتماعية)، ومبدأ تحقيق العــدل في المجتمع، تضاف إليهما غاية حديثة تبنتها التشريعات المتطورة هي غاية تحقيق التقدم الاجتماعي فكانت احد أعمدة النهضة في الحياة الإنسانية المعاصرة.

(2) عرفه مايزر في معجمه"محادثات" الصادر عام 1851 بأنه حالة "تحمي فيها الدولة حياة الفرد وحريته وشرفه وممتلكاته، بل وحقوقه كمواطن".

في عام (303 ه) ولد المتنبي في عائلة فقيرة جدا وخاملة جدا؛ فلم يحفل به أحد، أو يتوقع له أحد مستقبله الزاهر الذي صار عليه، وظلَّ يرفل بالنسيان والخمول، ويتجرع مرارتهما حتى ولدت فيه النقمة ثم الثورة. ويظهر خمول أسرته جليَّاً في عدم اتفاق المؤرخين والمترجمين الا على اسمه فقط (أحمد)، وقد أكَّد صحته ذكرُه إياه في شعره:

جمعتْ بين جسم (احمدَ)

والسقمِ وبينَ الجفونِ والتسهيدِ

واختلفوا في ابيه فقالوا (الحسين) و(محمد) و(عبدان) و(عيدان)، ولم يعددوا من اجداده غير جدين فقط مختلف فيهما؛ فهما (الحسن بن عبد الصمد) أو (مرة بن عبد الجبار)، فأي (أبتر هذا)!! وهو ردٌّ دامغ على من زعم انه علوي أو من اشراف العلويين. فالشريف الرضي مثلا يوصل مترجموه نسبه الى الامام الكاظم (ع) بسلسلة اجداد صحيحة لا خلاف فيها. ولم يذكر المتنبي اسم أحد أفراد اسرته في شعره عدا جدته التي رثاها بمرارة. ولم ينسَ أن يستحضر في رثائه قضية النسب والشرف وهو يرثي من لم يُنله ذلك، وكان ينتظره منه. وأشار الى وجود عائلة له عندما كان في (مصر) وفي (ايران). ولم يرثِ أباه لكونه معدما وبلا مجد.

ومثلما قلب عمر بن ابي ربيعة (معادلة الغزل) فجعل المحبوب يتغزل به وليس هو يتغزل بالمحبوب، قلب المتنبي معادلة (الفخر)؛ فالعادة أن يفخر الفاخر بآباء واجداد ذوي مجد للدلالة على كونه ماجدا، ولكن المتنبي يقول لكوني (الأمجد) فهو دليل على ان آبائي وأجدادي ذوو مجد حتما. قال:

وَلَو لَم تَكوني بِنتَ أَكرَمِ والِدٍ

لَكانَ أَباكِ الضَخمَ كَونُكِ لي أُمّا

أي (لو لم يكن أبوك أكرم والد، لكانت ولادتك لي بمنزلة أب عظيم تنسبين اليه). فاذا كان السائد (آباؤه عظام اذن هو عظيم)، ففلسفة المتنبي مقلوبها (هو عظيم اذن آباؤه عظام)!! وما دفعه الى وضع هذه النظرية الغريبة سوى أن آباءه غير عظام بل خاملون بالتمام. وقد صنعهم هو صنعا، وفرضهم فرضا، برغم التاريخ والحقيقة. ولم يكتف بأن يُبدئ العظمة به لتكون في نسله، بل يفجر العظمة تفجيرا عاصفا تجعله فيه، ومتقدمة في نسله، وراجعة الى أصله واجداده. فيمنح كلا الاتجاهين العظمة: أجداده وأبناءه. فجعل أجداده يتشرفون ويفخرون به وليس العكس هو الصحيح، في قوله:

لا بِقَومي شَرُفتُ بَل شَرُفوا بي

وَبِنَفسي فَخَرتُ لا بِجُدودي

وَبِهِم فَخرُ كُلِّ مَن نَطَقَ الضادَ

وَعَوذُ الجاني وَغوثُ الطَريدِ

إِن أَكُن مُعجَباً فَعُجبُ عَجيبٍ

لَم يَجِد فَوقَ نَفسِهِ مِن مَزيدِ

هذا قلب المعادلة؛ فأجداده هم يفخرون به وليس العكس. واجداده فخر العرب جميعا. وهو يقصد ان الذي يفخر بجدوده لا يجد شيئا شخصيا يفخر به. كما قال:

أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث والنجل بعض من نَجَلهْ

وَإِنَّما يَذكُرُ الجُدودَ لَهُم

مَن نَفَروهُ وَأَنفَدوا حِيَلَهْ

نفروه أي غلبوه في الفخر، و(أنفدوا حيله) راحوا يبحثون في مجد اجدادهم لسد النقص في مجدهم الشخصي. وهي اشارة الى بحث الناس عن مطعن في حسبه ونسبه. وذكر علي بن المحسن عن أبيه قال: (سألتُ المتنبي عن نسبه فما اعترف لي به).

ومن أسباب خموله (الفقر المدقع) لأسرته، فقد كان ابوه سقَّاء يعيش على حمل الماء الى المحلة. وقد عيَّر العراقيون المتنبي بمهنة والده:

أي فضل لشاعر يطلب الفضل من الناس بكرة وعشيا

عاش حيناً يبيع في الكوفة الماء وحيناً يبيع ماء المحيا

وكان سبب عزوف المتنبي عن ذكره في شعره ورثائه، انه لم يجد باعثا على ذلك. ورثى جدته لامه وكان يسميها (أمه) لان امه ماتت فربَّته هي، وعلى عكس والده كانت معايشته لها واحتكاكه بها كبيرا مؤثرا. وكان يحبها حبا شديدا مفرطا كما يظهر من رائعته في رثائها، فقد جاء كأوار نار مستعرة من أعماقه السحيقة، ودموعه التي صبها بغزارة خلال الابيات كالوقود زادتها استعارا، ولم نشاهد للمتنبي عاطفة صادقة كما رأيناها في حبه ورثائه لجدته.

وأصل المتنبي (جعفي) وهي عشيرة يمنية ترجع الى (كهلان). ويؤكد ذلك ديوانه فغالبية ممدوحيه الاوائل قحطانيون. واعتذر لأحدهم، وقد قيل له ان المتنبي يذمك، فقال:

أبت لك ذمي (نخوةٌ يمنيةٌ)

ونفسٌ بها في مأزق أبداً ترمي

وأسرة المتنبي تتكون من أمٍّ ماتت عنه طفلا، وأبٍ مات عنه شابا، وجدة ماتت عنه كهلا، وكانت حسب المصادر (همْدانية صحيحة النسب ومن صلحاء النساء الكوفيات) وذكرت المصادر له من الاولاد ابنا واحدا هو (محسد) كان يسافر معه، وقتل معه في النعمانية. ولكن المتنبي في شعره يقدِّم صورة أوضح لأسرته وظروفها؛ فيؤكد ان له عائلة كبيرة تركها في الكوفة في أثناء طوافه بين الإمارات والدول وليس ولداً واحداً (هو محسد)، ففي شيراز، وكان ابنه معه، ذكر لعضد الدولة انتظار عائلته له في الكوفة:

وكم دون الثوية من حزين

يقول له قدومي ذا بذاكا

و(الثوية موضع في الكوفة). وقوله: (كم من حزين) يدل على عائلة كبيرة، ومحسَّد كان أكبر أبنائه، وقد استصحبه معه ليعينه على أموره في حلب، وفي رحلته المميتة إلى إيران حيث قتل معه. غير انه لم يأخذه معه إلى مصر بل فضَّل أن يعود إلى العائلة في الكوفة؛ لأنه لا يذكره في شعره ولا تذكره المصادر معه في مصر؛ والراجح انه رأى رحلته لمصر محفوفة بالمجازفات والكثير من الاستفهامات. كما ورد ذكر العائلة في شعره الذي قاله في سوريا وفي مصر؛ ففي حلب كان يستأذن الأمير لزيارة أهله في الكوفة (بشكل دوري) مما يعني ان وجود محسد معه ليس على الدوام:

إذن الأمير بأن أعود إليهم

صلة تسير بشكرها الأشعار

وفي مصر يذكر شوقه إليهم ولكنه لا يستطيع مواصلتهم لأنه ممنوع من السفر:

أحن إلى أهلي وأهوى لقاءهم

وأين من المشتاق عنقاءُ مغربُ

وهذا يدل على انه كان يفضّل إبقاءهم في الكوفة على أخذهم معه أينما ذهب، لأنه آمن لهم. كما يدل على أن المتنبي لم يجعل غاية طموحه (المال) بل (الملك) وإلا لحمل عائلته معه حيث يحل، واكتفى برفد الممدوحين وعاش حياة مستقرة مرفهة، وهذا يفسر أن شخوصه إلى حلب كان لنفس الغاية، وان سفره إلى كافور سببُه يأسُه من الملك جوار سيف الدولة فتركه؛ فهذا الذي اضطره إلى ترك أهله في الكوفة ومواصلتهم بين الحين والأخر.

المتنبي والمرأة

لابد من ذكر النساء في حياته، فقد تزوج مرة واحدة زواجا تقليديا من امرأة لم يذكرها في شعره. ورجَّح البعض انها من الشام، والصحيح انها من الكوفة لأنها بقيت في الكوفة ولم تبرحها حتى قتل المتنبي بنية العودة اليها. وقد تزوجها مبكرا وفي حياة جدته، فبقيت معها تقوم بأمرها وأمر اولادها، والمرجح انه تزوج بعمر (16) أو (17) سنة، واذا جعلنا ولادة محسد عام (320ه) أي بعمر (17) سنة للمتنبي فيكون عمر محسد عند اتصال المتنبي بسيف الدولة (17) سنة، وهي سن معقولة؛ لان المتنبي استصحبه معه. أما ما ذكر بأنه تزوج بعد عام (329ه) فهو خطأ لان عمر محسد بهذا سيكون في عام (337ه) (6 أو 7) سنوات فقط! فكيف يصحبه المتنبي معه بهذا العمر.

ووصف المتنبي بأنه (كان عزهاة لا تطَّبيه النساء = لا تستميله المرأة). وقد أخطأ محمود شاكر خطأ فاحشا حين زعم أن المتنبي أحب (خولة) أخت سيف الدولة، فالمتنبي ليس من رجال الحب كما قال:

وَغَيرُ فُؤادي لِلغَواني رَمِيَّةٌ

وَغَيرُ بَناني لِلزُجاجِ رِكابُ

تَرَكنا لِأَطرافِ القَنا كُلَّ شَهوَةٍ

فَلَيسَ لَنا إِلّا بِهِنَّ لِعابُ

يا عاذِلَ العاشِقينَ دَع فِئَةً

أَضَلَّها اللَهُ كَيفُ تُرشِدُها

بِئسَ اللَيالي سَهِرتُ مِن طَرَبي

شَوقاً إِلى مَن يَبيتُ يَرقُدُها

وسبب (اتهام) محمود شاكر المتنبي بعشق خولة، وهو في نظري ونظر المتنبي (اتهام باطل وخطأ قاتل) أنه أراد (قفشة اعلامية) وجديدا مبهرا لتسويق نفسه، فكل ادلته هراء في هراء. فعدم ذكر اسمها صراحة (أجلّ قدرك أن تسمي مؤبَّنة)  (كأنَّ فعلة لم تملأ مواكبها) سببه ان العرف العربي يأبى ذكر اسم المتوفاة، بينما يذكر اسم المتوفى، ولذا عرَّفها مكنِّيا:

يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ

كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَسَبِ

وكأنه قال على الطريقة العراقية في التعريف بالميتة (توفيت فلانة أخت خير أخ سيف الدولة، بنت خير أب حمدان)

وقوله:

طَوى الجَزيرَةَ حَتّى جاءَني خَبَرٌ

فَزِعتُ فيهِ بِآمالي إِلى الكَذِبِ

حَتّى إِذا لَم يَدَع لي صِدقُهُ أَمَلاً

شَرِقتُ بِالدَمعِ حَتّى كادَ يَشرَقُ بي

يَظُنُّ أَنَّ فُؤادي غَيرَ مُلتَهِبٍ

وَأَنَّ دَمعَ جُفوني غَيرُ مُنسَكِبِ

بَلى وَحُرمَةِ مَن كانَت مُراعِيَةً

لِحُرمَةِ المَجدِ وَالقُصّادِ وَالأَدَبِ

وَلا ذَكَرتُ جَميلاً مِن صَنائِعِها

الّا بَكَيتُ وَلا وُدٌّ بِلا سَبَبِ

قَد كانَ كُلُّ حِجابٍ دونَ رُؤيَتِها

فَما قَنِعتِ لَها يا أَرضُ بِالحُجُبِ

يا أَحسَنَ الصَبرِ زُر أَولى القُلوبِ بِها

وَقُل لِصاحِبِهِ يا أَنفَعَ السُحُبِ

وَأَكرَمَ الناسِ لا مُستَثنِياً أَحَداً

مِنَ الكِرامِ سِوى آبائِكَ النُجُبِ

فأقصى ما تفيد هذه الابيات التي فسرها شاكر بالحب: أنه فزع من خبر وفاتها وتمنى كذبه، فلما تأكد صدقُه بكى بكاء شديدا. وان سيف الدولة يظن انه غير حزين عليها! كيف؟ ولها حرمة رعاية الادب. وكان لها افضال عليه كلما ذكرها بكى بسبب تلك الافضال. وانها امرأة محجبة غير مبتذلة ولا تُرى الا بحجاب أتم من حجاب القبر فكيف قنعت بحجاب ايسر مما تعودت؟ ويا احسن الصبر زر اولى القلوب بحبها، وهو قلب اخيها الكريم الذي لا يقاس بكرمه الا اجدادُه الكرام. فأين الحب؟!!

فهذه الابيات رثاء تقليدي لخولة ومدح لسيف الدولة، وليس فيها عاطفة حب، ولو كانت لطغت بما لا يقبل اي شك، ولتنبه على ذلك القدماء. بل هي ابيات لا عمق عاطفيا فيها، لذا قال عنها العكبري (لا طائل تحتها). وقد لا نلوم محمود شاكر فالمتنبي عنده قدرة فائقة على الاقناع، تقول الشاعرة لميعة عباس عمارة: (والدارس لشعر المتنبي يقع في اخطاء ومطبَّات صنعها له المتنبي نفسه. كأن تجد بوحا لا يمكن أن يصدر الا عن تجربة حقيقية؛ لأنه يحمل عنف الصدق، وعمق التجربة. إذن فالمتنبي لابدَّ أن يكون كذلك. هذا استنتاج هيأه لك المتنبي نفسه فأوقعك فيه).

أما الابيات التي يعترف فيها بأنه أحب مثل (وعذلت أهل العشق حتى ذقته) فهي كغزله في مطالع القصائد التقليدية.

ولديه غزل صادق عام في البدويات غرضه اصلاحي هو توجيه نظر واهتمام الشباب الى العربيات البدويات وصرفهم عن الاجنبيات (الجواري والسراري)، فالعربيات جميلات وفصيحات بالفطرة، بينما الاجنبيات يتصنعن جمالا ويتكلفن كلاما:

مَنِ الجَآذِرُ في زِيِّ الأَعاريبِ

حُمرَ الحُلى وَالمَطايا وَالجَلابيبِ

ما أَوجُهُ الحَضَرِ المُستَحسَناتُ بِهِ

كَأَوجُهِ البَدَوِيّاتِ الرَعابيبِ

حُسنُ الحَضارَةِ مَجلوبٌ بِتَطرِيَةٍ

وَفي البَداوَةِ حُسنٌ غَيرُ مَجلوبِ

أَفدي ظِباءَ فَلاةٍ ماعَرَفنَ بِها

مَضغَ الكَلامِ وَلا صَبغَ الحَواجيبِ

وَلا بَرَزنَ مِنَ الحَمّامِ ماثِلَةً

أَوراكُهُنَّ صَقيلاتِ العَراقيبِ

واستعمل المتنبي المرأة رمزاً في ايران بقوله:

إِثلِث فَإِنّا أَيُّها الطَلَلُ

نَبكي وَتُرزِمُ تَحتَنا الإِبلُ

لَو أَنَّ فَنّاخُسرَ صَبَّحَكُم

وَبَرَزتِ وَحدَكِ عاقَهُ الغَزَلُ

وَتَفَرَّقَت عَنكُم كَتائِبُهُ

إِنَّ المِلاحَ خَوادِعٌ قُتُلُ

فهو يقول: أيتها العربية لو برزتِ وحدك لجيوش عضد الدولة لهزمتِه! فهو يريد أن يقول مكنيا ورامزاً: لو وقعت معركة بينكم وبين العرب، فالمرأة العربية وحدها تهزمكم. وعلق ابن جني على الابيات قائلا: (أنه كنى بذلك عن الهزيمة).

وباقي ذكر المرأة في شعره غزل تقليدي، فيه صنعة ومهارة كبيرة ولكن المرأة فيه (لوحة معلقة على جدار القصيدة) بلا روح.

طموحه

ولد طموح المتنبي من (نقمته)؛ وقد بدأت نقمته على حاله المزرية من وخمول ذكر. وكان يعيش في كنف ابيه (السقاء)، وبعد موت ابيه لم يكن غيره من يقوم بأعباء عيش العائلة. ويذكر المتنبي في شعره انه كان يقوم بأعمال شاقة مقابل القليل من الفائدة، وانه كان يتجشم اعباء السفر الكثير من اجل لقمة الكرامة. في قصيدة قال الواحدي انه قالها في صباه، يهذي المتنبي بشكواه من الفقر والجهد وحظه منحوس وهمته عالية:

أين فضلي إذا قنعتُ من الدَّهرِ بعيشٍ معجّل التنكيدِ

ضاق صدري وطال في طلبِ الرِزقِ قيامي وقل عنه قعودي

ابداً أقطع البلادَ ونجمي

في نحوسٍ وهمتي في سعودِ

ونقرأ له شعرا يمدح به صغراء الكوفة بهدف الحصول على المال القليل، كقوله في مدح شخص مجهول:

يا مَن لِجودِ يَدَيهِ في أَموالِهِ

نِقَمٌ تَعودُ عَلى اليَتامى أَنعُما

حَتّى يَقولَ الناسَ ماذا عاقِلاً

وَيَقولَ بَيتُ المالِ ماذا مُسلِما

إِذكارُ مِثلِكَ تَركُ إِذكاري لَهُ

إِذ لا تُريدُ لِما أُريدُ مُتَرجِما

ثم توسعت نقمته الى الثورة الشاملة على واقع الامة، والملوك الحاكمين. ورأى أن سبب التردي يعود الى ناس خانعين وملوك غير مستحقين. وقد وصف حال الناس بأنهم لا همة لهم ولا طموح. ورأى الطلل الاولى بالبكاء عليه، ليس طلل الحبيبة الراحلة، بل (الهمم الراحلة) منذ زمان جدِ بعيد، وبكاؤها ليس باستذكارها وتوديعها بل باستحضارها واعادتها:

أَحَقُّ عافٍ بدَمْعكَ الهِمَمُ

أَحْدَثُ شيءٍ عَهْداً بها القدَمُ

وعوضا عن همة الثورة عاشوا (الحالة الدونكيشوتية)، ف(دون كيشوت) كان غير قادر على المواجهة والتغيير، لذا فهو يهرب من المعارك الحقيقية الى معارك وهمية، فيهجم بلا هوادة على قطعان البقر، أو على طواحين الهواء!! وهكذا جيله فقد هاجم اثنان جرذا حقيرا وقتلاه، ثم تفاخرا بقتله وصار كل منهما يدّعي انه قتله:

لَقَد أَصبَحَ الجُرَذُ المُستَغيرُ

أَسيرَ المَنايا صَريعَ العَطَبْ

رَماهُ الكِنانِيُّ وَالعامِرِيُّ

وَتَلّاهُ لِلوَجهِ فِعلَ العَرَبْ

كِلا الرَجُلَينِ اِتَّلا قَتلَهُ

فَأَيُّكُما غَلَّ حُرَّ السَلَب

وَأَيُّكُما كانَ مِن خَلفِهِ

فَإِنَّ بِهِ عَضَّةً في الذَنَب

وتلك (سخرية هذا الغلام الثائر من همة رجلين قتلا جرذًا) كما قال الواحدي. وفي موقف آخر يصف الناس بانهم صغار النفوس ضخام الاجسام، والمعارك الطاحنة التي يقومون بها يومية، ولكنها ليست في سوح الشرف والبطولة، ولا يسقطون فتلى عن خيولهم، بل هي معارك في داخل بطونهم، واعداؤهم الاكل ينقضون عليه فلا يبقون منه بقية، فهم يموتون تخمة وليس قتلا. ومدنهم عامرة الا من الكرام:

وَدَهرٌ ناسُهُ ناسٌ صِغارٌ

وَإِن كانَت لَهُم جُثَثٌ ضِخامُ

بِأَجسامٍ يَحَرُّ القَتلُ فيها

وَما أَقرانُها إِلّا الطَعامُ

وَخَيلٍ ما يَخِرُّ لَها طَعينٌ

كَأَنَّ قَنا فَوارِسِها ثُمامُ

بِأَرضٍ ما اِشتَهَيتَ رَأَيتَ فيها

فَلَيسَ يَفوتُها إِلّا الكَرامُ

والحقيقة ان المتنبي كان لديه طموحان: الثروة والملك. وكان الغنى أهون طموحيه هذين، ولكنه سعى اليه بكل ما عنده من طاقة، انتقاما من الفقر المزمن لعائلته، ولإسعاد عائلته، وله فيه مآرب أخرى ستتبين لاحقا. فقد كان يأمل أن يُسعد عائلته ويعيّشها في بحبوحة وعيشة راضية، ويبتر الفقر المتوارث بما حباه الله من همة عالية. يؤكد ذلك قوله في رثاء جدته:

طَلَبتُ لَها حَظّاً فَفاتَت وَفاتَني

وَقَد رَضِيَتْ بي لَو رَضيتُ بِها قِسما

أي طلبتُ من أجلها نصيبا من الغنى، وبحبوحة من الرزق، ففوّت عليها موتها ذلك، كما فاتني تحقيق هذا الحلم. وكانت جدته قنوعة مكتفية بوجوده قربها عن بعده الطَّموح. فلا نال الغنى وعاد به اليها، ولا بقي قربها وعاش معها بقية حياتها.

وفي شعر صباه نقرأ بوادر طموحه ونكوى بحرائق ثورته التي ستزداد استعارا، فقد قالوا له مرة (ما أحسن هذه الوفرة = الشعر الكثيف)! فرد عليهم بأنها تحسن وهو معتقل رمحه في الحرب:

لا تَحسُنُ الوَفرَةُ حَتّى تُرى

مَنشورَةَ الضِفرَينِ يَومَ القِتالْ

عَلى فَتىً مُعتَقِلٍ صَعدَةً

يَعُلُّها مِن كُلِّ وافي السِبالْ

وله قطعة اخرى يكشف فيها عن هدفه في الثورة، وان الناس ينتظرون منه ذلك:

مُحِبّي قِيامي ما لِذَلِكُمُ النَصلِ

بَريئاً مِنَ الجَرحى سَليماً مِنَ القَتلِ

أَرى مِن فِرِندي قِطعَةً في فِرِندِهِ

وَجَودَةُ ضَربِ الهامِ في جَودَةِ الصَقلِ

أَمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ

فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وَذَرني وَإِيّاهُ وَطِرفي وَذابِلي

نَكُن واحِداً يَلقى الوَرى وَاِنظُرَن فِعلي

بداية الرحلة الى الطموح

بدأ مشوار طموحه (شاعرا) فسافر من الكوفة الى بغداد عام (321ه) وعمره (18) سنة. ولأنه لا يملك (أجرة السفر)، فقد ذهب مشيا على الأقدام الى الممدوح، ومركوبه (نعاله) وهذا يظهر فقره المدقع:

لا ناقَتي تَقبَلُ الرَديفَ وَلا

بِالسَوطِ يَومَ الرِهانِ أُجهِدُها

شِراكُها كُورُها، وَمِشفَرُها

زِمامُها، وَالشُسوعُ مِقوَدُها

أَشَدُّ عَصفِ الرِياحِ يَسبِقُهُ

تَحتِيَ مِن خَطوِها تَأَيُّدُها

فنعاله (ناقته) لا يقبل راكبا خلفه، ولا يضرب بالسوط ليسرع. كان يحاول أن يجد بابا مفتوحا على الخليفة العباسي ليختصر طريق الوصول الى المجد الشعري بقصد اعلى الممدوحين، لأنه بقي في بغداد أكثر من سنة، ولولا ذلك لما بقي فيها طويلا. . ولكنه لم يستطع الوصول الى الخليفة العباسي مخترقا أبواب الحجَّاب الصفيقة. ولعله حقد على الخلفاء العباسيين من وقتها. ففي عز مجده وشهرته وطمع الملوك والامراء بمدحه، عزف عن مدحهم. وكان هو أصلا يرى ان خراب الأمة بسبب ضعف الخلافة العباسية. وفي بغداد مدح (محمد بن عبيد الله العلوي المشطّب) الذي جاءه راكبا نعاله. وقيل ان المشطَّب كان أخاه في الرضاعة، ولعل قائل هذا كان يريد ايجاد ربط للمتنبي بالعلويين.

بعد يأسه من الوصول الى باب الخليفة لعدم شهرته ونضوج شعره بما يكفي قصد الشام، وسبب اختياره الشام يعود الى سببين:

الاول- انه سيجد ممدوحين أصغر وأقل شأنا يبتدئ بهم باعتباره شاعرا غير مشهور، ثم يتدرج صعودا الى أعلى الممدوحين، وهو ما حصل له فعلا.

الثاني- ان الشام أرضية مناسبة للثورة بكونها مستقبلاً سياسياً لم يُحسم، وخارطة دائمة التبدل، فهو مرتع لأصحاب الطموح والقوة والنفوذ؛ فتصعد أسماء على حساب أسماء أخرى ثم ما تلبث أن تظهر أسماء جديدة. ولذا فهي تربة خصبة لطموحه. فجال على الممدوحين الصغار.

مراحل طموحه

مرَّ طموح المتنبي بأربع مراحل:

الاولى، المدح وكسب المال لتمويل ثوراته الكثيرة التي لم ينجح أيٌّ منها، واشاعة الشعر الحماسي لإلهاب الناس والنهوض معه.

الثانية، البحث عن (قائد افتراضي) يقلب الامور ويعيدها الى نصابها، وكان سيف الدولة أوج هذه الفرضية.

الثالثة، طرح نفسه القائد الافتراضي، عن طريق حكم ولاية في مصر يمنحها له كافور الاخشيدي فلم يتحقق.

الرابعة، اليأس والخيبة من طموحه، والعودة الى الكوفة نافضا يديه.

المرحلة الاولى: الشعر والثورة

كان شعره الاول في الشام يتوزع على ثلاث مناطق جغرافية (الجزيرة- وشمالي الشام) و(اللاذقية) و(طرابلس) ولم يحصل على ما يتمنى من مال او ما يشجعه على الاستمرار، فقد مدح بدينار واحد فقط، وسميت قصيدته (بأبي الشموس الجانحات غواربا) (القصيدة الدينارية)، بل مدح بدراهم معدودة. فأحس بالاخفاق في أمل جمع الثروة من شعره الاول لكونه في طور النضوج، ولقوة الاصطراع بين الشعراء واحتكار القرب من الامراء. وهنا عاد المتنبي الى الخيار الثاني كما قال في صباه (إما الثراء والملك او الثورة والموت) فصار يدعو الى الثورة وصار يعبئ لها بشعر مزلزل مجلجل هو أقوى شعر قاله على الاطلاق، ويمثل صبغة او طابع شعر المتنبي الذي عرف به.

من مثل قوله:

عشْ عزيزا او مُتْ وانت كريم

بينَ طعن القنا وخفق البنودِ

فرؤوسُ الرماح أذهبُ للغيظ واشفى لغلّ صدر الحسودِ

لا كما قد حييتَ غيرَ حميدٍ

واذا مُتَّ مُتَّ غيرَ فقيدِ

فاطلبِ العزَّ في لظى وذرِ الذُلَّ ولو كانَ في جنان الخلودِ

أو قوله:

لَقَد تَصَبَّرتُ حَتّى لاتَ مُصطَبَرٍ

فَالآنَ أُقحِمُ حَتّى لاتَ مُقتَحَمِ

لَأَترُكَنَّ وُجوهَ الخَيلِ ساهِمَةً

وَالحَربُ أَقوَمُ مِن ساقٍ عَلى قَدَمِ

ميعادُ كُلِّ رَقيقِ الشَفرَتَينِ غَداً

وَمَن عَصى مِن مُلوكِ العُربِ وَالعَجَمِ

لقد كان المتنبي في هذه المرحلة متذبذبا بين الاستمرار في الشعر أو اختيار الثورة، فاختار الثورة، ودفع اليها أكثر عدم تحقيقه ما توقعه من تأثير شعري يطبق شهرته الارض. ولعل السبب استعجاله القريحة الشعرية وعدم منحها الوقت لاسماحها بالشعر العبقري المطلوب.

وثار ثورات عدة لم يُعنَ أحد يتسجيلها، وقد قرنت بتهمة مخلة بالدين والسمعة وهي (ادعاء النبوة) وكان مثل هذه التهم من وسائل العباسيين وأتباعهم في تسقيط خصومهم. والحقيقة كانت الثورية مرافقة للمتنبي في عموم سيرته ومسيرته تظهر كلما وجدت مُناخا وفرصة، لذا سجل شعره وسجل مؤرخوه حركات وثورات له كثيرة ومستمرة.

وكان المتنبي ثائرا وشاعرا مزدوجا، يقوى هذا حينا ويقوى ذاك حينا آخر، وحينا يجتمعان فيحمّل شعره الثورة وقد سمى علي شلق المتنبي ب(شاعر ألفاظه تتوهج فرسانا تأسر الزمان). وتذكر المصادر ثورة واحدة للمتنبي أو محاولة للثورة. والحقيقة ان المتنبي قام بأكثر من حركة وثورة لا يوقف على عددها، وفي طيات أخباره وشعره ثورات كثيرة تتوزع البقاع المختلفة وفترات حياته من الحداثة الى ما قبل مقتله بست سنوات فقط (في مصر عام 348ه). ومن اجل تشويهه وتسقيطه كان يرمى بادعاء النبوة مستغلين لقبه (المتنبي) بتحريفه الى (دعي النبوة). وانما لقبه الكوفيون وهو صبي بالمتنبي وهو يعني الحاذق الذي يتنبأ بالشيء فيقع فعلا (وسنشرح ذلك في عنوان لقبه).

وذكرت المصادر (ادعى انه علوي حسني) و(ادعى النبوة) واشتجروا في لغط طويل عريض دون ان يربطوا هذه المقدمات بنتيجة سجنه بشكل مقنع، ويذكرون انه سجن مرة واحدة في حمص. بينما يخبرنا شعره بأكثر من سَجنة. ولابد أن توضح حيثيات ثورته وسجنه.

كان العلويون المعارضة الاقوى للعباسيين، وقد ثار في العصر العباسي ثوار علويون كادوا أن يسقطوا الدولة العباسية مثل: محمد ذي النفس الزكية وأخيه ابراهيم، الحسين بن علي الخير، أبي السرايا وابن طباطبا العلوي، يحيى بن عمر. والثورات العلوية تقسم على قسمين: الاول يشترط وجود امام معصوم معاصر وهو المعني بشعارها (الرضا من آل محمد) (وهو المذهب الامامي) والثاني يشترط أن يكون الثائر علويا حسنيا أو حسينيا دون وجوب وجود الامام المعصوم (وهو المذهب الزيدي)، بدأه زيد بن علي وسار عليه بعده أغلب الثوار العلويين في العصر العباسي.

لهذا ادعى المتنبي (أنه علوي حسني) ليكتسب الغطاء الشرعي للثورة وفق المذهب الزيدي فيكون قائماً بنفسه في الشرعية غير محتاج للدعوة إلى (الرضا من آل محمد). بعد تلك الدعوى صار المتنبي مهيَّئا شرعا للثورة بمسمَّى (ثائر علوي). وقد ثار المتنبي بعد عام 325ه (باعتقادنا). وتذكر الروايات انّه (تبعه خلق كثير). ثار في ارض سَلَمْيَة كما يذكر ابن عساكر (فقبض عليه ابن علي الهاشمي في قرية يقال لها (كوتكين)، وجعل في عنقه ورجله من (خشب الصفصاف) فقال في ذلك:

زعم المقيم بكوتكينَ بأنّه

من آل هاشم بن عبد منافِ

فأجبته: مذ صرت من أبنائهم

صارت قيودهم من الصّفصافِ

وكتب يستعطفه ويتوسله حتى أطلقه ومما قاله:

بيديّ أيّها الأمير الأريبُ

لا لشيءٍ إلاّ لأنّي غريبُ

أو لأمٍّ لها إذا ذكرتني

دمُ قلبٍ بدمع عين يذوبُ

إن أكن قبل أن رأيتك (أخطأتُ) فإنّي على يديك أتوبُ

فهو يعترف صراحة بأنه (ثار بالفعل) فقال (أخطأتُ).

وثار في بادية السماوة كما يذكر الذهبي (فأسره لؤلؤ أمير حمص بعد أن حارب) وقد اتهمه ب(العدوان على الناس) كما يخبرنا المتنبي، ولعلها من التهم الجاهزة التي تلقى على المعارضين لتصفيتهم. فكتب المتنبي الى الامير من السجن:

دَعَوتُكَ عِندَ اِنقِطاعِ الرَجاءِ

وَالمَوتُ مِنّي كَحَبلِ الوَريدِ

تُعَجِّلُ فِيَّ وُجوبَ الحُدودِ

وَحَدّي قُبَيلَ وُجوبِ السُجودِ

وَقيلَ (عَدَوتَ عَلى العالَمينَ) بَينَ وِلادي وَبَينَ القُعودِ

فَما لَكَ تَقبَلُ زورَ الكَلامِ

وَقَدرُ الشَهادَةِ قَدرُ الشُهودِ

وَكُن فارِقاً بَينَ دَعوى (أَرَدتُ)

وَدَعوى (فَعَلتُ) بِشَأوٍ بَعيدِ

نلحظ في هذه الابيات أن المتنبي كان خائفا هذه المرة؛ فهو يتوسل توسلا مهينا وصل الى الالحاح والاستخذاء بما يفقد الكرامة، والاعتذار بما لا يقبله المنطق ويثير الضحك، فهو يقول: كيف تعاقبني وانا لا زلت صغيرا في مرحلة (قبل المشي) فانا بين الولادة والقعود توا!! وينكر انه قام بالثورة بل أراد القيام بها (دعوى أردت ودعوى فعلت)، وانه وُشي به كذبا. يفهم منه السامع أنه يقول اي شيء استسلاما ليعفى عنه ويخرج من السجن. وتذكر المصادر انه (حبس طويلا حتى كاد يتلف).

ولكثرة ثوراته وتأليباته وصرخاته الشعرية الحماسية فقد عُرف ثائرا وشعرُه ثوريا. وصارت نغمة شعره الحماسية مطربة للناس اذ وجدوا فيها التعويض عن تراجعهم وحالة الخمول والضعف والشيخوخة واليأس التي يعيشونها، وأنها تعيد فيهم الفروسية والعنفوان والمجد التي فارقوها وتدعوهم الى اعادة الماضي المجيد. وكان هذا الشعر سر خلود المتنبي واحتفاظه بشعبيته في كل العصور، وجعله الشاعر الأول تقديراً وقراءة (وكثير من الشعراء يقدّرهم الناس ولا يقرؤون لهم كجرير وابي تمام وغيرهم).

بعد خروجه من سجنه الاخير راجع خطته فتراجع عن الثورة الى جمع الثروة، ولكن هذه المرة أخلص لفنه الشعري فبلغ به قمته. وبعد خروجه من السجن اشتهر بلقب (المتنبي) بالمعنى المحرَّف (دعي النبوة).

المرحلة الثانية: البحث عن قائد

بعد سجنه الطويل في حمص قرر ترك الثورة (الى حين) والعودة القوية الى الشعر والضرب على اوتاره بكل مجامعه وهو ما كان، وما جعل شعره ينضج ويتكامل ويبلغ الاوج والقمة وقد امتلأ روحا وأخذ طابع واسلوب المتنبي المميز. وفي عام (326ه) كانت بداية مجده الشعري بمدحه الحسن بن عبيد الله بن طغج في الرملة بقصيدة مطلعها:

أَنا لائِمي إِن كُنتُ وَقتَ اللَوائِمِ

عَلِمتُ بِما بي بَينَ تِلكَ المَعالِمِ

فقد أعطي عليها (ألف دينار) (وابيضت أيامه بعدها، وصار مطلوبا من الممدوحين).

ثم سار بشعره يبحث عن ممدوحين كبار، يبحث فيهم عن القائد الشجاع ذي الرؤية الثورية التغييرية. وكان بدر بن عمار من هؤلاء الذين علق عليهم آماله، ومن ذلك قوله فيه حالما متوخيا:

أَحُلماً نَرى أَم زَماناً جَديداً

أَمِ الخَلقُ في شَخصِ حَيٍّ أُعيدا

تَجَلّى لَنا فَأَضَأنا بِهِ

كَأَنّا نُجومٌ لَقينا سُعودا

رَأَينا بِبَدرِ وَآبائِهِ

لِبَدرٍ وَلوداً وَبَدراً وَليدا

طَلَبنا رِضاهُ بِتَركِ الَّذي

رَضينا لَهُ فَتَرَكنا السُجودا

قَتَلتَ نُفوسَ العِدا بِالحَديدِ

حَتّى قَتَلتَ بِهِنَّ الحَديدا

خَلائِقُ تَهدي إِلى رَبِّها

وَآيَةُ مَجدٍ أَراها العَبيدا

فَأَنتَ وَحيدُ بَني آدَمٍ

وَلَستَ لِفَقدِ نَظيرٍ وَحيدا

انه يحلم بقائد اسطوري، يختصر الخلق كلهم به، ويستحق السجود ولكنه تخلى لايمانه بالله عن هذا الحق، وهو الفَرد الذي لم يُشفع من بني آدم، وفردانيته قائمة بنفسها ولم تتأتَّ له من موت نظير له. كان بدر بن عمار القائد المتنظر، ولكنه كان حلما، أو صورة عظيمة رسمها على لوحة رسم بليدة، انه تمدد من المتنبي الى أمله البعيد. وما لبث المتنبي أن تركه كما ترك غيره من أسماء ضجَّ بها ديون شعره.

الا ان اتصاله بسيف الدولة يُعدُّ منعطفا ونقطة تحول كبيرة على صعيد الشعر والثورة معا. كان يرى في سيف الدولة هذه المرة الحقيقة المطلقة في الانقلاب والتغيير. أمير قوي يهزم الروم هزائم متلاحقة في مدينة صغيرة (حلب)، وخليفة عباسي ضعيف يحكم صُوريا بقاع الدولة المترامية. كان يرى امكانية استحواذ سيف الدولة على بغداد وقيادة الامة، وسيف الدولة لا يرى ذلك؛ فالخليفة يملك ظلا مقدسا لدى الامة الاسلامية، فقد وقر لدى الناس ان الخلافة في (فهر قريش) حصرا، وسيف الدولة اذا قرر الاطاحة بالخلافة العباسية وكانت لديه الامكانات العسكرية فرَضا، فهم يعلم انه لا احد سيطيعه ويقاتل معه حتى جيشه في حلب. ولم يكن غائبا عنه ما كان المتنبي يفكر به. ونجد المتنبي يلمّح ويصرّح في هذه الابيات بذلك، وهي ابيات تظهر التطور الفني العظيم في شعره عند سيف الدولة والنضج العبقري العملاق الذي وصله:

لِكُلِّ اِمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا

وَعادَاتُ سَيفِ الدَولَةِ الطَعنُ في العِدا

وَمُستَكبِرٍ لَم يَعرِفِ اللَهَ ساعَةً

رَأى سَيفَهُ في كَفِّهِ فَتَشَهَّدا

تَظَلُّ مُلوكُ الأَرضِ خاشِعَةً لَهُ

تُفارِقُهُ هَلكى وَتَلقاهُ سُجَّدا

ذَكيٌّ تَظَنّيهِ طَليعَةُ عَينِهِ

يَرى قَلبُهُ في يَومِهِ ما تَرى غَدا

فَيا عَجَباً مِن دائِلٍ أَنتَ سَيفُهُ

أَما يَتَوَقّى شَفرَتَي ما تَقَلَّدا

وَمَن يَجعَلِ الضِرغامَ بازاً لِصَيدِهِ

تَصَيَّدَهُ الضِرغامُ فيما تَصَيَّدا

رَأَيتُكَ مَحضَ الحِلمِ في مَحضِ قُدرَةٍ

وَلَو شِئتَ كانَ الحِلمُ مِنكَ المُهَنَّدا

وَما قَتَلَ الأَحرارَ كَالعَفوِ عَنهُمُ

وَمَن لَكَ بِالحُرِّ الَّذي يَحفَظُ اليَدا

إِذا أَنتَ أَكرَمتَ الكَريمَ مَلَكتَهُ

وَإِن أَنتَ أَكرَمتَ اللَئيمَ تَمَرَّدا

فهو يُغري سيف الدولة بالخليفة العباسي من وجوه عدة، ويجعل منه المثال والقدوة والقائد القادر على تلبية احلام وطموحات الامة. ولكنه بحذقه توقف عن الحلم وصار يرى حقيقة سيف الدولة بأنه أمير صغير في بلد صغير (حلب)، وعرف ان سيف الدولة لا يبادله هذا الطموح، مما أدى الى الاختلاف معه.

واذا توقف العلماء والكتاب عند حد التفسير الصحيح للجفوة التي حصلت بين الرجلين، فان تفسيرنا المنطقي المستند الى شعره يؤكد ان السبب هو يأس المتنبي طموحا من سيف الدولة. وكانت قصيدة العتاب والضجة التي حدثت الحد الفاصل ثم الرحيل. بالعلن هدد المتنبي بالرحيل والى مصر (محددا)، وببرود تقبله سيف الدولة:

لَئِن تَرَكنَ (ضُمَيراً) عَن مَيامِنِنا

لَيَحدُثَنَّ لِمَن وَدَّعتُهُم نَدَمُ

إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا

أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

و(ضُمير) جبل يكون على يمين المسافر من حلب الى(مصر). وحين طلب السامِرّي الترخيص بقتله أعطي الترخيص. حقيقة ان سيف الدولة أراد الخلاص منه. فلماذا؟؟

جوابنا: ان هاجس الثورة لم يفارق المتنبي في حلب. ولكنه هذه المرة صار اكثر حنكة وتخطيطا، ورأى أن يحقق الثراء ويملك المال ليشتري به الاتباع فيثور ثورة منتصرة. وهو ما كان فعند سيف الدولة صار في طور الثورة بعد ان اكمل الاستعداد لها أو كاد، فجمع أو اشترى ألفا من الاتباع واستغلَّ غيبة سيف الدولة في بعض غزواته وقبل التنفيذ اتصل خبره بسيف الدولة فكر راجعاً واعجله (كما تقول المصادر). ولعل حرص سيف الدولة على ان يكون المتنبي معه في كل غزواته راجع الى أسباب احدها خوفه من تركه في مملكته فضلا عن رغبته في تسجيل ملاحمه الشعرية عيانا. ولكن عموما الرجلان اختلفا وتقاطعا، وصار (القُربَ اِزوِرارا وطَويلُ السَلامِ اِختِصارا) كما قال المتنبي، ثم صار علي المتنبي أن يرحل والسبب الاكبر انه لم يجد حلبا تعطيه أو تزيد على ما أعطته، فراسل كافور الاخشيدي وصارحه واشترط عليه أن يعطيه ولاية مقابل مدحه واتفقا على ذلك فترك المتنبي حلبا (متذرعا بمشاجرة تافهة مع ابن خالويه).

المرحلة الثالثة: طرحه نفسه القائد

بعد أن يئس المتنبي من وجود قائد بحجم مشروعه لم ييأس، بل لبس هو بزته، وتقلد رمحه الطويل وسيفه الجراز كما أسماه. ووجد أن أفضل حاضنة لمشروعه هي مصر. وترك الثورة الى طلب الدولة، كما وجدنا العلويين بعد ثوراتهم الكثيرة التي أخفقت فكروا ببناء الدول، فأسسوا دولة الادارسة في المغرب، والدول الفاطمية في المغرب ومصر. ولم يكن المتنبي بعيدا عن هذه الفكرة، وقد خاض غمارها ومشى عبر حلقاتها حتى انتهى الى ما انتهى اليه العلويون.

أراد أن يحصل أولا على (ولاية) ثم يتوسع حتى يشمل مصر وما حولها، ولا يدري اين كان منتهى مشروعه، وهذا أمر يكاد يتفق عليه دارسو المتنبي. وفي أول لقاء بكافور عرّض بفكرة الولاية، وربما اتفق معه المتنبي وشارطه ليأتيه الى مصر، وكان المتنبي مطلوبا من الملوك والامراء ليمدحهم لما في شعره من تخليد أكيد ومنزلة أفضل من أكبر مجد. قال المتنبي لكافور:

وَغَيرُ كَثيرٍ أَن يَزورَكَ راجِلٌ

فَيَرجِعَ مَلكاً لِلعِراقَيينِ والِيا

وكرر الامر على كافور في قوله:

وَفُؤادي مِنَ المُلوكِ وَإِن كانَ لِساني يُرى مِنَ الشُعَراءِ

إِذا لَم تَنُط بي ضَيعَةً أَو وِلايَةً

فَجودُكَ يَكسوني وَشُغلُكَ يَسلُبُ

كان المتنبي يظن ان كافورا (ت357ه) عبد اسود غبي، وانه يستطيع بشعره ان يحصل منه على (ولاية)، فتنازل عن بعض قدر الشعر الى قدر الملك، فكان اول تراجع فني له، الا انه أحكم القبضة ولم يسمح ان يتفلت حبل الفن الشعري من يده، فلا يزال محتاجا الى الشعر في هدفه. فلبس بزة السياسي والمخطط الانقلابي. اذ كان يرى ان مصر وكافورا فرصته الوحيدة اذا خابت خاب الى الأبد. ولكنه فوجئ بحنكة كافور ودهائه السياسي وعلم انه أساء التقدير. واذا نظرنا الى اهاجي المتنبي في كافور نرى ان المتنبي لم يجد فيه مطعنا في عقل وتدبير ودهاء، فعيره بلونه وافترى عليه افتراءت تُضحِك ولا تُصدّق.

وكان الاخشيد ملك مصر مولاه قد اشتراه ثم أعتقه ثم رقاه الى كبير القواد (لما رآه فيه من الحزم والفعل وحسن التدبير). ثم تعهد كافور ابني الاخشيد أبا القاسم ثم أبا الحسين. وفي عام 355ه استقل بحكم مصر عن الاخشيد الى ان مات عام 357ه. ولم يستطع الفاطميون احتلال مصر حتى مات كافور. وحين ألحَّ المتنبي على كافور من أجل الولاية قال له كافور علانية (لستُ أجسر على توليتك صيدا؛ لأنك على ما أنت عليه تحدّث نفسك بما تحدّث، فان وليتك صيدا فمن يطيقك).

وكان في مصر شخصية قوية يهابها ويخشاها كافور، وهو القائد (أبو شجاع فاتك الرومي) الملقب ب(الكبير) (ت 350ه). وهو رفيق كافور في الرق والحرية؛ اشتراهما الاخشيد ثم أعتقهما. وحين ترقى كافور كبيرا للقواد ثم متعهدا ابني الاخشيد، انزوى فاتك الرومي في الفيوم (أنفة من السكن قرب كافور). وكان في مصر قائد محنّك هو شبيب العقيلي (ت348ه)  والي الرملة والساحل لكافور، وكان يكره كافورا. وحين يئس المتنبي من الحصول على ولاية من كافور عادت اليه عادته الثورية، فخطط للإطاحة بكافور فشكل مع فاتك الرومي وشبيب العقيلي مثلثا انقلابيا.

انقلاب في مصر

لم أجد مصدراً تاريخياً، غير ديوان المتنبي، يتكلم عن (انقلاب) ضد كافور قاده الثلاثي: المتنبي مفكرا ثوريا، وفاتك الإخشيدي مخططا للانقلاب، وشبيب العقيلي وقائدا ميدانيا منفّذا، وذلك في عام (348ه). وهذه المرحلة اخطر مراحل تحولات المتنبي السياسية. وقد أخمد كافور بخبرته المؤامرة في مهدها، وقام بتصفية الانقلابيين مبتدئا باغتيال شبيب العقيلي. لذا لا نفاجأ إذا رأينا المتنبي لا يهنئ كافورا بالنصر بل يرثي شبيباً ويتهكم بكافور:

أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت

قيام دليل أو وضوح بيانِ

رأت كل من ينوي لك الغدر يُبتلى

بغدر حياة أو بغدر زمانِ

برغم شبيبٍ فارق السيف كفه

وكانا على العلات يصطحبانِ

وحينما وصل الى قوله:

وقد قتل الأقرانَ حتى قتلتَه

بأضعفِ قِرنٍ في أذلِّ مكانِ

قال كافور (لا والله إلا بأشد قِرن في اعزِّ مكان) وتهكم به بقوله:

فما لك تختار القسي وإنما

عن السعد يرمى دونك الثقلانِ

لو الفلك الدوار أبغضتَ سعيه

لعوَّقه شيء عن الدورانِ

وهذه الأبيات تدل على أن شبيباً قتل بغير سلاح، وهو ما تقوله المصادر؛ اذ تذكر ان شبيبا وهو يستعد للحرب سقط عن جواده ميّتا. ويدل على أن شبيباً كان على اتصال بفاتك قول المتنبي وهو يجمعهما في حالة واحدة :

واسودَ أما القلبُ منه فضيقٌ

نخيبٌ وأما بطنه فرحيبُ

يموتُ به غيظًاً على الدهر أهلُه

كما ماتَ غيظاً فاتكٌ وشبيبُ

أما فاتك الرومي فتذكر المصادر أنه جرت المراسلات بينه وبين المتنبي كما انهما (التقيا في الصحراء وتباحثا)، ولابد أن تلك المراسلات واللقاء أو اللقاءات قد وضع في أثرها مخطط صارم للثورة، وهكذا تعود النغمات الحماسية إلى شعر المتنبي لتلهب الشعب المصري وتهيئه للمرحلة القادمة:

وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه

ولو أنّ ما في الجسم منه حرابُ

يغيِّر مني الدهرُ ما شاء غيرَه

ويبلغ أقصى العمر وهي كعابُ

تركنا لأطراف القنا كل شهوةٍ

فليس لنا إلا بهنَّ لعابُ

أَعَزُّ مَكانٍ في الدُنى سَرجُ سابِحٍ

وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتابُ

كما أنه عمل قصيدة دعائية لفاتك فمدحه ندا لكافور ولم يمدح المتنبي وزيراً أو من هو دون ملك في مصر، وبهذا تكون هذه القصيدة ترشيحية دعائية وفيها يقول:

واجز الأمير الذي نعماه فاجئةٌ

بغير قول، ونعمى الناس أقوالُ

فهذا (تعريض بكافور) اذ يجعل عطايا كافور وعودا فقط دون تنفيذ. كما قال في موضع آخر:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً

أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

وفي قصيدته بيت يقول طه حسين انه يشير إلى أن المتنبي كان مسجوناً عند كافور أو أنه تحت المراقبة الشديدة، وهو:

وان تكن محكماتُ الشكل تمنعني

ظهورَ جري فلي فيهن تصهالُ

وعن علاقة المتنبي بفاتك بسبب (المصير والهدف المشترك) يقول أبن جني: (ما رأيت أبا الطيب أشكر لأحد منه لفاتك). ويتضح ذلك الحب في مراثيه المتعددة ومقدار ما كتبه فيه؛ فأبياته في فاتك (357) بيتاً وهي تناظر تقريبا أبياته في الشيرازيات (396) بيتاً أي أعطاه أهمية عضد الدولة. ومن رثائه لفاتك الذي يشير الى ذلك الهدف قوله:

أيموت مثلُ أبي شجاعٍ فاتكٍ

ويعيش حاسده الخصيّ الأوكعُ

أما المتنبي، فبعد فشل الانقلاب وقتلِ كافور شَبيبا عام 348ه غيلة، وفاتكا الرومي عام 350ه غيلة أيضاً، أدرك ان الدور قد حان عليه وعليه الهرب من مصر. وتُظهر حركة هروبه الخارقة مدى رعب المتنبي واستيلاء الخوف الواثق عليه من مصيره المؤكَّد، وأنَّ عليه أن يسابق لحظة الصفر وليست ساعة الصفر التي تنتهي بقتله غيلة أيضا. وقد شدَّد كافور عليه المراقبة ريثما يتخلص منه. وليس صحيحا انه حبسه عن السفر خوفا من هجائه. فقد احاطة بالجواسيس، ومرة دسَّ اليه (من يستعلم ما في نفسه، ويقول له طال قيامك عند هذا الرجل) فقال المتنبي عالما بما يحاك ضده:

يَقِلُّ لَهُ القِيامُ عَلى الرُؤوسِ

وَبَذلُ المُكرَماتِ مِنَ النُفوسِ

إِذا خانَتهُ في يَومٍ ضَحوكٍ

فَكَيفَ تَكونُ في يَومٍ عَبوسِ

وقد تعجب البديعي اشد العجب من أن يكون المتنبي وصل إلى هذه الحالة من التضعضع فقَبِلَ أن يقف على رأسه لكافور وهو الذي لم يرض أن ينشد سيف الدولة قائماً! واراد المتنبي مرة الذهاب الى الرملة لتحصيل مال له، فاستأذن كافورا فلم يأذن له وقال: (لا نكلفك المسير نحن نحصله لك)، فقال المتنبي متبرما:

أَتَحلِفُ لا تُكَلِّفُني مَسيراً

إِلى بَلَدٍ أُحاوِلُ فيهِ مالا

وَأَنتَ مُكَلِّفي أَنبى مَكاناً

وَأَبعَدَ شُقَّةً وَأَشَدَّ حالا

وكان بيته مراقبا أيضا بحيث ان جيرانه كانوا عيونا عليه. فلم يكن أمامه غير الهرب. وكانت مدة بقائه في مصر خمس سنوات.

المرحلة الرابعة: العودة الى الشاعر

كانت عملية هرب المتنبي من مصر الى الكوفة من العمليات فوق الكبرى في التاريخ؛ ورحلة خرافية لم يَقدِم عليها الا الابطال الاسطوريون في الملاحم. فقد عبر ثلاث دول (مصر، سوريا، العراق). انطلق المتنبي في عيد الاضحى مستغلا انشغال الدولة بالعيد عنه، وقد جهّز ما يحتاجه من ماء ومتاع واحتياجات. ولم يسلك الطرق المعبدة المعهودة، بل سار (على الحلل والاحياء، والمفاوز المجاهيل، والمناهل الأواجن) متخطيا حرس وجواسيس كافور، وصعوبات ومخاطر كثيرة، وكان وأصحابه يركبون الجمال في رمال الصحراء، والخيول في الطرق. واستغرقت رحلته نحو اربعة اشهر من 9 ذي الحجة سنة 350ه الى ربيع الاول سنة 351ه فدخل الكوفة.

وفي طريقه الى الكوفة أنشد قصيدة رسم فيها مستقبله.

حَتّامَ نَحنُ نُساري النَجمَ في الظُلَمِ

وَما سُراهُ عَلى خُفٍّ وَلا قَدَمِ

وَلا يُحِسُّ بِأَجفانٍ يُحِسُّ بِها

فَقدَ الرُقادِ غَريبٌ باتَ لَم يَنَمِ

تُسَوِّدُ الشَمسُ مِنّا بيضَ أَوجُهِنا

وَلا تُسَوِّدُ بيضَ العُذرِ وَاللِمَمِ

ما زِلتُ أُضحِكُ إِبلي كُلَّما نَظَرَت

إِلى مَنِ اِختَضَبَت أَخفافُها بِدَمِ

حَتّى رَجَعتُ وَأَقلامي قَوائِلُ لي

المَجدُ لِلسَيفِ لَيسَ المَجدُ لِلقَلَمِ

اِكتُب بِنا أَبَداً بَعدَ الكِتابِ بِهِ

فَإِنَّما نَحنُ لِلأَسيافِ كَالخَدَمِ

أَسمَعتِني وَدَوائي ما أَشَرتِ بِهِ

فَإِن غَفِلتُ فَدائي قِلَّةُ الفَهَمِ

مَنِ اِقتَضى بِسِوى الهِندِيِّ حاجَتَهُ

أَجابَ كُلَّ سُؤالٍ عَن هَلٍ بِلَمِ

هَوِّن عَلى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ

فَإِنَّما يَقَظاتُ العَينِ كَالحُلُمِ

وَقتٌ يَضيعُ وَعُمرٌ لَيتَ مُدَّتَهُ

في غَيرِ أُمَّتِهِ مِن سالِفِ الأُمَمِ

أَتى الزَمانَ بَنوهُ في شَبيبَتِهِ

فَسَرَّهُم وَأَتَيناهُ عَلى الهَرَمِ

لقد صار يستهزئ بطموحه وما عمله بسببه، متخليا عن افكاره التي كانت غير منطقية. فعليه ان يكفَّ عن مجاراة النجم في السير؛ فهو يسير برجل وخف فيتعب حتما، والنجم يسير بلا رجل وخف فلا يتعب. وهو لسيره الطويل يغالب النوم ويعاني النعاس، والنجم لا يملك عيونا فلا يغالب النعاس. فضلا عن ان الشمس تسوّد الوجه وظاهر جسده فقط. انه بات يضحك مع ابله من رحلاته السابقة التي أدمت اخفافها؛ فلا الغرض يستحق ذلك (طموحه) ولا الذين قصدهم يستحقون ذلك. وبعد رجوعه عن طموحه بنيل الملك بالقلم (الشِّعر) أخبرته اقلامه ان المجد لا يتحقق بها بل ب(السيوف). فاكتب بها مسطّرا اولا بتحقيق طموحك، ثم اكتب بنا بعدها؛ فالسيوف تقيم الدول، والاقلام تخدم السيوف. وفي زماننا كل أمر تصنعه السيوف، وكل شيء غير السيوف يُطلب منه العون يجيبك ب(لا). واذا لم يتحقق طموحك بنيل الملك والمجد والثروة فهوّن على عينيك عدم رؤيته، ما دام كل شيء رأته العين وتملّت فيه ستفقده يوما، فيستوى عندئذٍ ما رأته مع ما حُرِمت رؤياه (وهذا تسلية لنفسه). والوقت الذي عاشه وقت ضائع، فليته عاش عمره في الزمان القديم وفي غير أمته هذه ليحظى بالسعادة؛ فقد هرم الزمان على عهدنا لذا عشنا الحزن والحرمان. لقد أعلن في هذه القصيدة تركه طموحه وطيّ صفحته الى الابد، وعليه أن يفكر بالسير في طريق آخر.

بعد نحو سنتين قضاها المتنبي في الكوفة قرر أن يذهب الى بغداد فقصدها عام 352ه. وسبب ذهابه الى بغداد الحاجة الى المال لعيش مرفّه. بتقدير أن ما حصل عليه من سيف الدولة وغيره قد أنفقته عائلته؛ بعد انقطاع خمس سنوات قضاها في مصر. وما حصل عليه في مصر تركه هاربا، وحسب المتنبي فان اكثر عطايا كافور، أو بعد أن شكَّ بأمره، كانت وعودا دون صرف:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً

أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

فضلا عن انه بقي سنتين في الكوفة بعد عودته، مما يؤكد حاجته الى المال. وكذلك أراد أن يلتقي بملوك المشرق كما التقى بملوك المغرب، فعاد الى بغداد شاعرا فقط، كما قصدها في صباه شاعرا فقط.

وكان هدف المتنبي الوصول الى الخليفة العباسي (المطيع لله)، والبقاء في معيته. ولو انه وصل اليه لاكتفى به عن البويهيين. وربما أراد الانتصار على بغداد والخلافة العباسية التي لم تفتح الباب له سابقاً لعدم شهرته، وظنَّ انها ستفتح أقصى ذراعيها لاحتضانه. وكان عليه أن يجتاز (باب الخليفة) للوصول اليه، وهو (الوزير المهلبي) فيمدحه أولا. ولكن المتنبي لم يمدح الوزير المهلبي؛ اذ أبت نفسه العالية أن يمدح المجون والسخافة ممثلة بالمهلبي وحاشيته. فأغلق على نفسه باب الخليفة الى الابد. بل ان الوزير المهلبي أضرى عداء ادباء بغداد للمتنبي، فحاربوه بشتى الصور تشفيا من نجاحه وشهرته التي غطت عليهم.

بعد رحلته الفاشلة الى بغداد رجع الى الكوفة في شعبان سنة 352ه. فمكث في الكوفة سنة وخمسة أشهر توجه بعدها الى (أرِّجان) في فارس بدعوة من (ابن العميد) في المحرم سنة 354ه فوصلها في صفر من السنة نفسها. ولم يكن المتنبي راغبا في قصد ايران ومدح البويهيين؛ بدليل انه بعد يأسه من بغداد والخليفة العباسي لم يكمل مسيره الى ايران والبويهيين. وقد ذكرت المصادر انه قصد ايران (مراغما) بمعنى انه وجد في ايران متسعا له، وتحديا لأعدائه. وكان الخليفة العباسي المطيع لله ألعوبة بأيدي البويهيين، وكان من الهوان أن الحاشية تتحكم به، والا فكيف فاته أن يقدّم دعوة لزيارة أكبر شاعر معاصر له (المتنبي) وقد وجَّه له الدعوة من هم أقل منه شأنا واسما.

وقد اختار المتنبي دعوة ابن العميد على دعوة الصاحب بن عباد الذي وصفه ب(الغُليّم)؛ كون ابن العميد أشهر الكتاب في زمنه، وقد قيل (بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد) فلا بأس أن يلتقي الجبلان: جبل الشعر وجبل النثر. كما ان ابن العميد كان كيّسا، ولم ينضم الى الادباء الذين عادوه وهارشوه، وان كان يحسده، واعترف انه اراد تخميله فلم يستطع، كان ذلك قبل ان يزوره في (أرِّجان)، ولكن بعد أن زاره عظَّمه وعظَّم قدره. وقد لبث المتنبي لدى ابن العميد شهرين من صفر وحتى ربيع الاخر. ولأول مرة يعيش المتنبي في كنف أديب وناقد كبير. وقد أوصل ابن العميد الى المتنبي (كان يبلغني شعرك بالشام والمغرب وما سمعت دونه، فلم يحر جواباً). ونحس في (قصيدة النيروز) حرج الشاعر أمام الناقد، وقبوله حكمه فيه، ولكن في نفسه كلام لا مجال لقوله:

هَل لِعُذري عِندَ الهُمامَ أَبي الفَضلِ قُبولٌ سَوادُ عَيني مِدادُه

أَنا مِن شِدَّةِ الحَياءِ عَليلٌ

مَكرُماتُ المُعِلِّهِ عُوّادُه

ما كَفاني تَقصيرُ ما قُلتُ فيهِ

عَن عُلاهُ حَتّى ثَناهُ اِنتِقادُه

إِنَّني أَصيَدُ البُزاةِ وَلَكِنَ أَجَلَّ النُجومِ لا أَصطادُه

رُبَّ ما لا يُعَبِّرُ اللَفظُ عَنهُ

وَالَّذي يُضمِرُ الفُؤادُ اِعتِقادُه

ما تَعَوَّدتُ أَن أَرى كَأَبي الفَضلِ وَهَذا الَّذي أَتاهُ اِعتِيادُه

إِنَّ في المَوجِ لِلغَريقِ لَعُذراً

واضِحاً أَن يَفوتَهُ تَعدادُه

ومثله قال عضد الدولة في شعر المتنبي (جيد شعره في المغرب) فأجابه المتنبي مغالطا (الشعر على قدر البقاع). وللحقيقة ان شعر المتنبي في الشام ومصر كان (الفن للثورة) وكتبه المتنبي بكل رغبة وقوة فن امتلكها، أما شعره في ايران فكان (الفن للفن) وكتبه برغبة وقوة فن أقل بكثير. ونجد المتنبي لأول مرة يبدع في وصف الطبيعة (شِعب بوان) وصفا فنيا رائعا.

ثم جاءته دعوة من عضد الدولة البويهي الى شيراز، في ربيع الاخر 354ه، فبلغها في شهر جمادى الأولى. وبعد ثلاثة اشهر قضاها عند عضد الدولة غادر شيراز في شعبان عائداً إلى العراق يريد بغداد فالكوفة، وفي الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة 354ه في طريق العودة في النعمانية قرب دير العاقول، قتل المتنبي فهوى به جبلان: جبل إنساني قلَّ نظيره، وجبل شعري لا نظير له.

***

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

يسود الاعتقاد لدى العديد من الناس، كما ويتمسك بعض ذوي النوايا السيئة، بفكرة مفادها ان (القانون لايحمي المغفلين)، والحال ان هده المقولة لا يمكن قبولها في ظل الشرائع اللاتينية على إطلاقها، اذ هي تستخدم في غير الاغراض التي قيلت او وضعت من اجلها أصلاً، وتتناقض بعموميتها مع فلسفة القانون والشرائع في حياة البشر في كل زمان ومكان.

مصدر المقولة:

وردت هذه المقولة مجازاً عن طريق الشرائع الانكلوسكسونية السائدة في انكلترا وعدد من الدول التي كانت تحت ولاية التاج البريطاني (1)، ومن خلال حكم قضائي صدر في الولايات المتحدة الأمريكية.(2)

ولكنها تقترب من فكرة حدود الحماية القانونية السائدة في القوانين ذات الأصل اللاتيني السائدة في فرنسا ومصر والعراق واغلب دول العالم.

ماهي فكرة او نظرية حدود الحماية القانونية؟:

هي فكرة قانونية فلسفية حسب الاصل، مفادها ان الحماية القانونية للمصالح الخاصة ليست مطلقة بل نسبية، فالحماية القانونية إنما تبدأ قانوناً من مستوى معين من سلوك مفترض للاشخاص لاتنزل دونه، ومن ثم يقع على عاتق الفرد واجب اتخاذ قدر من الحيطة والحذر في تصرفاته القولية والفعلية حتى تصبح الحماية القانونية له ممكنة، وهذه الحيطة قد تكون على شكل اجراءات او شكليات يقع على عاتق الفرد واجب اتباعها، حتى يمكن تفعيل الانظمة القانونية التي تحميه، ومن ذلك شرط التسجيل العقاري لانتقال الملكية في العقارات والرهن التأميني، وتوثيق بعض العقود مثل عقود الشركات وشرط توثيق الدين بمستند عادي او رسمي للاثبات، او إشهاد الشهود على عقد او واقعة معينة، فتكون شروط الحماية القانونية هنا هي توفر هذا السند اي دليل الإثبات المعتمد قانوناً، فأذا جاء الدائن بعد ذلك مطالبا بحقه امام القضاء، فأن القاضي يطالبه بابراز سند الملكية او الدين، فأن لم يتوفر هذا وأنكر المدين الدين فلا يقضى له بحقه، فالقاضي لايحكم على مجرد الإدعاء وانما على اساس ماتوفر من أدلة وبينات وعند عدم توفرها يلجأ القاضي الى ماتقرره نصوص القانون او المباديء القانونية العامة في هذا الصدد ومنها مبدأ ( الاصل براءة الذمة وعدم مشغوليتها بأية ديون اوالتزامات وعلى من يدعي خلاف هذا الاصل ان يقدم البينة)، ولما كان الدائن يدعي خلاف الاصل فعليه عبء اثبات مايدعيه، فأن عجز عن ذلك فالقانون لا يتمكن من حمايته لانه لم يتخذ قدرا معقولا من الحيطة اشترطها القانون لحمايته.(3)

وتعبر هذه الفكرة في مضمونها الفلسفي عن الفرق بين الحقيقة القانونية والحقيقة الواقعية الحقة، وقد تتطابق الحقيقة القانونية مع الحقيقة الواقعية وقد لاتتطابق.

والقضاء يحكم بناءا على معطيات الحقيقة القانونية لا الحقيقة الواقعية عند عدم تطابقهما، ولهذا كان للعدالة ضحايا،

ومن ذلك شهادة الزور المحرمة شرعاً وقانوناً، اذ هي تحجب الحقيقة الواقعية الحقة عن نظر القاضي فيحكم بناءا على الحقيقة القانونية التي تجسدت في شهادة الزور فهو يعتمدها مادام ليس هناك سبيل لكشف زورها وبهتانها.

وفيما عدا ذلك فأن القانون يحمي المغفلين ومظاهر الضعف الانساني من استغلال المستغلين وكيد الكائدين ونصب المحتالين.

ومن تطبيقات ذلك تبني المشرع العراقي في القانون المدني العراقي لنظرية الغلط ونظرية التغرير مع الغبن ونظرية الاستغلال، فضلا عن تبنيه لنظم قانونية متطورة لحماية القاصر والمجنون والمعتوه والسفيه وذو الغفلة ورتب اثارا قانونية عليها تجسدت في اعتبار التصرفات المشوبة بعيب من عيوب الرضا موقوفة على اجازة من تعيبت ارادته او وليه او القيم او الوصي عليه، فضلا عن تبنيه لنظرية البطلان في حالات انعدام الاهلية او محل العقد اوسببه في العقود، كما وتبنى المشرع العراقي في قانون العقوبات العقوبة على جريمة الاحتيال والتزوير وجريمة اصدار شيك بدون رصيد ....

وبغية اعطاء صور واضحة تزيل اللبس عن هذا المفهوم الفلسفي، نتناول بالبحث بعض مظاهر الحماية القانونية لمظاهر الضعف الانساني وهي نظرية الاستغلال :ـ

نظرية الاستغلال في القوانين المقارنة والقانون المدني العراقي:

نظرية الاستغلال بوجه عام نظام قانوني مؤداه توفير الحماية القانونية في حالة ان يعمد شخص الى ان يفيد من ناحية من نواحي الضعف الانساني يجدها في اخر، كحاجة ملجئة تتحكم فيه، او طيش بين يتسم به سلوكه، او هوى جامح يتحكم في مشاعره وعواطفه، او خشية تأديبية تسيطر عليه، فيجعله يبرم عقدا ينطوي عند ابرامه على غبن فاحش يتجسد في عدم التناسب بين ما أخذه وما اعطاه، فيؤدي به الى خسارة مفرطة، بحيث يمثل عقده هذا اعتداءا على قواعد الاخلاق والائتمان السائدة في المجتمع ومبدأ حسن النية.

والاستغلال مظهر من مظاهر تطور فكرة الغبن من نظرية مادية الى نظرية نفسية، فالغبن هو المظهر المادي للاستغلال.

والاستغلال كعيب يشوب الرضا، نظام قانوني حديث نسبيا ظهر في العصور الحديثة بتأثير نزعة العدالة من وجه، والرغبة الصادقة في مكافحة النوايا السيئة، اذ يحارب نظام الاستغلال من ناحية التفاوت الصارخ بين ما يأخذه المتعاقد وبين مايعطيه، ومن ناحية اخرى يحارب استغلال نواحي الضعف الانساني في المتعاقد لان ذلك لايأتلف مع شرف التعامل وحسن النية وقيم المجتمع المتحضر .

ويعتبر القانون المدني الالماني الصادر سنة 1866 النافذ في اول يناير سنة 1900 اول من تبنى الاستغلال كعيب مستقل من عيوب الرضا وهو الذي اوحى بفكرته للتشريعات التي تلته، ونظر المشرع الالماني الى الاستغلال من ناحيته الثانية فرأى فيه مخالفة لحسن الاداب من شأنها ان تدمغ التصرف بالبطلان المطلق، الا ان السائد في التشريعات الحديثة ان ينظر الى الاستغلال كعيب من عيوب الرضا لايؤدي الى البطلان وانما يتمثل بقابليته للأبطال .

وتبنى المشرع العراقي نظرية الاستغلال في المادة (125) من القانون المدني العراقي حيث نصت على انه ( إذا كان احد المتعاقدين قد استغلت حاجته او طيشه او هواه او عدم خبرته او ضعف اداركه فلحقه من تعاقده غبن فاحش جاز له في خلال سنة من وقت العقد ان يطلب رفع الغبن عنه الى الحد المعقول، فاذا كان التصرف الذي صدر منه تبرعا جاز له في هذه المدة ان ينقضه) .

وقد اقتبس المشرع العراقي احكام هذه المادة من المادة (138) من القانون المدني الالماني والمادة (21) من قانون الالتزام السويسري .

معيار الاستغلال والغبن الفاحش:ـ يعمل النظام القانوني للاستغلال على ان يفوت الفرصة

على ذوي القصد السيء ممن يتلمسون مظاهر الضعف الانساني بقصد الحصول على مكاسب غير مشروعة، والحال ان كل مظهر من مظاهر الضعف الانساني من شأنه ان يحقق الاستغلال، وفي ضوء ذلك فأن بعض التشريعات تضع قاعدة عامة في الاستغلال من شأنها ان تنطبق على اي مظهر من مظاهر الاستغلال ايا كان نوعه او طبيعته تماشيا مع خصيصة التجريد التي ينبغي ان تكون عليها القاعدة القانونية التي تسمو على التفصيلات والجزئيات .

الا ان المشرع العراقي لم يضع قاعدة عامة في الاستغلال، وانما اتبع طريقة التعداد على سبيل الحصر لمظاهر الضعف التي يحميها القانون وان توسع فيها قياسا للمشرع المصري الذي قصر محل الاستغلال على الطيش البين والهوى الجامح.

ان طريقة التعداد على سبيل الحصر هذه تجعل من وضع معيار عام محدد لقياس مظاهر الضعف الانساني امرا متعذرا ايضا، ولما كانت الحالات المذكورة هي حالات نفسية، وتمثل اعتداءا على اخلاقيات التعامل وحسن النية، فينبغي على القاضي اعمال المعيار الذاتي، ليبحث في مدى قيام احد المتعاقدين بأستغلال حاجة المتعاقد الآخر او طيشه او عدم خبرته او ضعف ادراكه، وبحث القاضي ينصب هنا على العناصر النفسية والشخصية لدى المتعاقد الذي لحقه غبن نتيجة الاستغلال، فهي عناصر داخلية لصيقة بذات المتعاقد، يقوم القاضي بأكتشافها في ضوء مقومات المعيار الذاتي المتعلق بحالات الضعف الواردة في المادة (125) من القانون المدني العراقي، ومراعيا قواعد الاخلاق السائدة في المجتمع.

وينبغي على القاضي ان يتحقق من ان الاستغلال هو الدافع الى التعاقد، بمعنى ان يكون المتعاقد الاخر هو الذي سعى الى حمل الضحية على ارتضاء العقد على نحو ما ارتضاه عليه بحيث انه ماكان ليرتضيه على هذا النحو لولاه، فلو تبين ان المتعاقد المغبون كان سيتعاقد في كل الاحوال فلايتحقق الاستغلال ولو تحقق الغبن وبوجود مظاهر الضعف بصورها المتعددة، ذلك ان المشرع العراقي لايعتبر الغبن لوحده عيبا مستقلا، كما ان وجود الضعف كصفة لصيقة بالشخص لايعني تحقق الاستغلال دائما، فكثير من الناس تبيع اموالها تحت ضغط الحاجة وكثيرا مايهب المحبين الى اعزائهم اموالا وقد لايعرف الجديد في مهنته مواقع الاسواق الاكثر مناسبة من حيث السعر والجودة، والقول بوجود الاستغلال في مثل هذه الحالات فيه تهديد لاستقرار التعامل، وانما ينبغي ان تتوافرعناصر الاستغلال وهي اختلال التعادل بين ماالتزم به المتعاقد المغبون وبين ما يأخذه في مقابل ذلك اختلالا يؤدي الى الغبن الفاحش وهذا هو العنصر الموضوعي في الاستغلال، وان يكون استغلال الضعف لدى المتعاقد هو الدافع الى التعاقد، وهذا هو العنصر النفسي في الاستغلال .

معيار الغبن الفاحش:

الغبن مشكلة اجتماعية قديمة ولم تهتدي القوانين القديمة والحديثة الى ايجاد معيار موحد ومرض لها، ذلك ان هذه المشكلة الازلية تقوم على اعتبارات اجتماعية وخلقية واقتصادية غير ثابتة وخاضعة لقانون التطور العام للمجتمع.

وقد عالج المشرع العراقي القديم الرائد(4) مشكلة الغبن من خلال اعتماده نظام تسعيرة المواد الغذائية والحاجات التي تهم عموم الناس وتثبيت اجور العمال والعربات والحيوانات في المواد (1ـ 11) من قانون اشنونا والمواد من (125 ــ ومابعدها) من قانون حموراربي، كما اعتمد قانون حمورابي مفهوم السبب الاجنبي الذي يعفي المدين من تنفيذ التزامه، فالمادة (48) منه تقرر اعفاء المزارع الذي يهلك زرعه بفعل الفيضان من تقديم حبوب الى دائنه في ذلك العام ويعفى من الفوائد الخاصة بتلك السنة، ولم تعرف البشرية مثل هذه الاحكام العادلة التي تمنع استغلال مظاهر الضعف الانساني سواء كان مصدرها حالة الشخص ذاته او كان مصدرها الطبيعة، الا بعد عهود طويلة من الظلم والعدوان الاجتماعي .

والغبن في القانون الروماني في عهده المدرسي، يسيراً كان او فاحشاً لايؤثر على صحة العقد الا اذا اقترن بالتدليس او ان العقد صدر من قاصر يقل عمره عن (25) سنة، ويبررون ذلك بالقول ان على الرجل العاقل المستقيم ان يتحمل نتائج اعماله، وفي عصر مايعرف بالامبراطورية السفلى أمكن لبائع العقار ان يطعن بعقد البيع اذا كان الثمن المتعاقد عليه اقل من نصف القيمة الحقيقية للمبيع.

الا انه بحلول العصر العلمي ( 130 ق.م ــ 284م) ظهر مايعرف بمبدأ حسن النية في العقود الذي يقتضي قيام المدين بتنفيذ التزامه بحسن نية أي من دون مكر ومن دون سوء نية ومن دون غش وان يبذل في سبيل تنفيذه عناية الرجل المعتاد.

وفي القرون الوسطى بدأ مبدأ سلطان الارادة بالتنامي الا ان رجال الكنيسة قيدوا هذا المبدأ بالعدالة ومبدأ حماية الضعيف من استغلال القوي فحددوا للسلع اثمانها وللعمل أجره، وهذا ماكانوا يسمونه بالثمن العدل وبالاجر العدل.

وفي ظل الثورة الفرنسية اطلقت حرية التعاقد وفقا لمبدأ سلطان الارادة ولم تُحرم الغبن حتى في بيع العقار بل لم تضع حدا اعلى للفائدة، وقد تأثر القانون المدني الفرنسي بما جاءت به الثورة الفرنسية فنظر الى الغبن نظرة مادية ليتحقق في حالات محدودة، فالغبن فيه لايؤثر في صحة العقود الا في حالات استثنائية نص عليها.

موقف المشرع العراقي من معيار الغبن:

اذا كان المشرع العراقي قد قال بالغبن الفاحش الا انه لم يتبن معيارا معينا لتحديده، الا في حالة خاصة هي ماذكرته المادة (1077ف2) بشأن قسمة المال الشائع، وهذا يعني انه ترك تقدير الغبن الفاحش لاجتهاد القضاء، ولما كانت مباديء الشريعة الاسلامية بمقتضى الفقرة الثانية من المادة الاولى من القانون المدني العراقي احد المصادر التي تستمد منها الاحكام بعد التشريع والعرف، فيمكن للقاضي ان يعتمد احد المعايير التي تبناها جانب من الفقه الاسلامي .

موقف الشريعة الاسلامية الغراء من معيار الغبن : بصورة عامة يقسم فقهاء الشريعة الاسلامية الغبن الى نوعين، يسير وفاحش، والغبن اليسير هو الذي لايمكن تجنبه في المعاملات ومن المتفق عليه بين الفقهاء ان هذا النوع من الغبن يتسامح فيه، ولايعطى للمتعاقد المغبون خيار الغبن .

اما الغبن الفاحش فقد اختلف الفقهاء في تحديد مقداره، وهناك معياران لتحديده:

ووفقا للمعيار الاول ينظر الى قيمة الشيء وتحدد نسبة بين هذه القيمة وبين الثمن الذي دفعه المتعاقد كحد ثابت للغبن، فأذا زاد الثمن عن هذا الحد او نقص عنه تحقق الغبن، وقد تراوحت تقديرات الفقهاء في هذا الباب بين الثلث وربع العشر .

اما المعيار الثاني الذي تبناه جانب من فقهاء الشريعة الاسلامية فانه يعرف الغبن الفاحش بانه (ما لايدخل في تقويم المقومين) فان دخل في تقويمهم فهو يسير لا فاحش.

فلو بيعت سلعة بمليون دينار وقومها بعض اهل الخبرة بمايزيد على هذا المبلغ والبعض بما ينقص عنه كان الغبن يسيرا، اما لو اتفقوا جميعا على تقويمها باقل من هذا المبلغ فأن في البيع غبن فاحش بالنسبة الى البائع، اما اذا اتفقوا جميعا على تقويمها باكثر من هذا المبلغ كان في البيع غبن فاحش بالنسبة الى المشتري.

***

فارس حامد عبد الكريم

23 / 11 / 2007

................

(1) الدول الأنجلو ساكسونية (Anglo-Saxon countries) هي مجموعة من الدول المتقدمة ذات الأصول الثقافية، اللغوية، والتاريخية المشتركة التي تعود إلى بريطانيا العظمى، وتتحدث الإنجليزية كلغة أساسية. تشمل هذه الدول بشكل رئيسي المملكة المتحدة، الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا، وتتميز باقتصاديات رأسمالية ونظم قانونية وسياسية متشابهة. ويعود المصطلح إلى قبائل جرمانية (الأنجل، الساكسون، واليوت) التي هاجرت من شمال ألمانيا والدنمارك إلى بريطانيا في القرن الخامس الميلادي، واستقرت هناك.

(2) - المقولة وردت في حكم القضاء الامريكي وفقاً للشريعة الانكلوسكسونية التي تعتمد على العرف والسوابق القضائية. وملخصها: هي مقولة لقاضي نطق بها كحكم قضائي في قضية من قضايا الرأي العام التي أثيرت في الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية وكان المدعى عليه في القضية نصاب قام بأكبر عملية نصب في ذلك الوقت استغل فيها ملايين الأمريكيين.

وتتلخص في ان  رجل أمريكي كان فقيرا جدا لدرجة إن حالته يرثى لها من شدة الفقر، و في أحد الأيام خطرت بباله فكرة، و لكن لم تكن فكرة عادية، بل كانت فكرة ملؤها الدهاء والمكر والتي من شأنها أن تغير حياته وتقلبها رأسا على عقب. فقد قرر أن يضع في الصحف الأمريكية إعلانا جاء فيه: “إذا أردت أن تصبح من الأثرياء، كل ما عليك هو أن ترسل دولارًا واحدًا فقط إلى صندوق البريد رقم ….. ”.

وفي اليوم التالي بدأ الملايين من الناس الذي يطمعون في أن يكونوا أثرياء بإرسال الدولارات على صندوق البريد فلن يكلفهم الأمر سوى دولارًا واحدًا وما هي إلا أيام حتى صار الرجل من الأثرياء جدًا فلديه حساب يجمع ملايين الدولارات بعد ذلك قام بالرد في نفس الصحيفة، وشرح للناس ما قام به، مؤكدا لهم أن طريقته التي أعلن عنها قد جعلته غنيا بالفعل. وبعد أن عرف الناس حقيقة الخدعة التي وقعوا ضحية لها، قاموا برفع القضايا ضده في المحاكم، ولكن لم تكن هناك حجة تدينه، لأن الرجل ووفق الإعلان قد أصبح غنيًا بالفعل، وقال القاضي الأمريكي مقولته الشهيرة: “القانون لا يحمي المغفلين”.

(3)- او يطلب توجيه اليمين الحاسمة للمدين

(4) ــ تسبق شرائع العراق القديم في ازمان تدوينها اقدم ماعرف من شرائع الحضارات الاخرى بعشرات القرون، اذ يعتبر قانون ( اور ـ نمو ) العراقي اول قانون مكتشف حتى الان في العالم قاطبة، اذ يعود تاريخ تدوينه الى فترة حكم الملك (اور ـ نمو) (2113 ـ 2095) ق.م، بينما لايتعدى تدوين القانون اليوناني القرن السادس قبل الميلاد، والقانون الروماني المعروف بقانون الالواح الاثني عشر (450)

 

هذه النظرية الواقعية تساير الغاية الاولى للقانون وهي غاية "تحقيق الاستقرار والأمن في المجتمع". وهي نظرية قد تتقدم على غاية العدل عند التعارض، بعد الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات وإختيار القاعدة الأقل ضرراً حماية للوضع الظاهر وحسن النية، من خلال اضفاء صفة التصرف الصحيح على تصرف باطل بني بحسن نية على اعتقاد خاطئ جماعي مشترك.

تعريف النظرية: هي نظرية قانونية قضائية الأصل حيث تسمح للقاضي بتغليب الوقائع على القانون في حالات محددة. بحيث يتمكن القاضي من فرض آثار قانونية على وضع يختلف عن الواقع، ويدخل في نظام يكون فيه إضفاء الشرعية على الأعمال الباطلة ممكناً، لغرض التوازن والتفضيل بين المصالح المتضاربة، مصلحة صاحب الحق في عدم مصادرة ممتلكاته، ومصلحة الغير في تصحيح سلوكه تجاه الشخص الظاهر، وتُعطى الأولوية للمصلحة الأكثر حماية، وهي المصلحة التي التزم صاحبها بحدود القانون، وان بنيت تصرفاته على ظاهر الوقائع.

وأن أساس هذه النظرية هو القاعدة الرومانية "communis error facit jus".

هي قاعدة قانونية لاتينية تعني "الخطأ الشائع يُصبح قانونًا" أو "الخطأ العام يصنع الحق". تشير إلى أن الخطأ إذا انتشر وتبناه الناس (أو القضاء) على أنه صحيح، فقد يُعامل في حالات معينة كقاعدة قانونية ملزمة لحماية استقرار التعاملات وحسن النية.

ويشكل مفهوم الغلط الشائع الإساس لما يعرف في الفقه بنظرية الأوضاع الظاهرة (أو نظرية الظاهر)

ولهذه النظرية جذورها التطبيقية في عهود الرومان حيث عمل بها القضاء الروماني (البريتور الروماني).

وقد تبنت القوانين المدنية والتجارية وقوانين الاجراءات المدنية هذه النظرية في نصوص في القوانين المقارنة المعاصرة بعد ان طبقها القضاء واستقر على احكامها ردحاً من الزمن.

تعريف الغلط الشائع: هو الوهم الذي يستولي على المتعاقدين أو عموم الناس، فيصور لهم أمراً على غير حقيقته، حيث يظنون صحة إجراء غير صحيح، أو العكس، ويعاملونه معاملة الصحيح.

طبيعة النظرية: تتضمن قواعد إستثنائية لايجوز التوسع في تفسيرها.

مقارنات

1- لا يجوز الخلط بين هذه النظرية وقاعدة "لا يعذر أحد بجهله للقانون"، الذي لا يعتد بالدفع به امام المحاكم

فواجب هذه القاعدة في النظام القانوني هو حماية ثقة الجمهور وضمان استقرار المعاملات، وتحقيق العدالة، ومنع التملص من المسؤولية بدعوى الجهل، حيث يُعد العلم بالقانون التزامًا عاماً بمجرد صدور القانون ونشره في الجريدة الرسمية، ويعتبر علمًا مفترضًا للجميع، وإلا تعطلت فاعلية القوانين لو كان الجهل بالقانون عذراً.

بينما نظرية الغلط الشائع تحمي الأفراد والمتعاقدين حسني النية الذين تصرفوا بناء على وضع ظاهر خاطئ يعتقد جمع من الناس انه صحيح وهو في حقيقته باطل، ويقبل بالدفع بها امام القضاء.

2- الغلط في القانون: في النظرية القانونية، يجوز بطلان العقد إذا وقع غلط في القانون (مثل ورارث ذكر يبيع حصته معتقداً أنه يرث الربع بينما حصته هي النصف).

إلا ان نظرية الغلط الشائع تجعل هذا الغلط (إذا انتشر) ملزماً وكأنه قانون، لضمان استقرار المعاملات.

الحكمة من النظرية: تعكس هذه النظرية رغبةً في تخفيف صرامة القانون لحماية الأطراف الثالثة التي قد تكون ارتكبت خطأً. وهي تمنح قوة قانونية للأخطاء عند الضرورة؛ ولا ينبغي تعميم هذه القاعدة

شروط تطبيق هذه النظرية:

1- وضع ظاهر: وجود وضع ظاهر مخالف للحقيقة.

ونظرًا لإمكانية تضليل طرف ثالث بمظهر خادع، حتى دون وجود أي مخطط متعمد، سعت السوابق القضائية إلى تحديد الظروف التي تُضفي الشرعية على اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية للعقد، أي الظروف التي تسمح له بالامتناع عن التحقق من صلاحيات المتعاقد الآخر معه. ومن بين هذه الظروف، وفقًا للمحاكم، منصب الوكيل المعزول وممارساته المهنية المستمر منذ زمن، دون ان يعلم المتعاقد الآخر بالعزل، أو وجود روابط أسرية بين الموكل والوكيل المزعوم.

في المقابل، تجعل بعض الظروف اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية غير مبرر. فبحسب محكمة النقض الفرنسية، فإن أي وضع غير طبيعي، والذي من المفترض أن يشجع أي طرف متعاقد على توخي الحذر أو على الأقل طلب المعلومات، مما يحول دون اعتقاد الطرف الثالث المشروع بالسلطة الظاهرية.

علاوة على ذلك، تُطبق المحاكم تفسيرًا أكثر صرامة لاعتقاد الطرف الثالث المشروع عندما يكون من المهنيين ومدراء الشركات.

2- العمومية: أن يكون هذا الوضع شائعاً ويخدع الكافة (الغلط العام)، أي أن يقع فيه عدد كبير من الناس أو المتعاقدان معاً.

فهو الغلط الذي كان من الممكن أن يرتكبه أي شخص.

فلكي يُطبّق مبدأ السلطة الظاهرية، يجب أن يكون القاضي قادراً على تحديد أن الغلط كان من الممكن أن يرتكبه أي شخص في نفس الموقف.

قد يكون الغلط مشروعاً أيضاً، وفي هذه الحالة، قد يجد القاضي أنه بالنظر إلى الظروف الخاصة، كان لدى الشخص أسباب كافية للوقوع في الغلط والوقوع في فخ المظاهر.

3- خفاء الغلط: ان يكون الغلط جسيماً لا يسهل كشفه أو تجنبه.

هنا، لا مجال للتغاضي عن الغلط الناتج عن قلة الحذر واليقظة.

4- حسن النية: يجب أن يكون المتعاقد حسن النية،أي أنه يعتقد أن الشخص الذي تعامل معه هو المالك الحقيقي، وحسن النية هنا مفترض ما لم يثبت العكس.

وبالتالي، يقع على عاتق المالك الأصلي إثبات سوء نية المشتري لاسترداد العقار. علاوة على ذلك، تُقيّم النية الحسنة في تاريخ حيازة العقار (محكمة النقض المدنية الفرنسية، الدائرة الثالثة، 30 مارس 2017، رقم 15-21.790).

وهذا ما أكدته محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 30 مارس 2017. علاوة على ذلك، في هذه القضية، طعن المدعون في تفسير المادة 544 من القانون المدني استنادًا إلى السوابق القضائية الثابتة لمحكمة النقض، والتي أقرت "بصحة بيع العقار من قبل المالك الظاهر، إذا كان المشتري حسن النية وضحية خطأ مشترك، وبالتالي يقر بفقدان ملكيته من قبل المالك الحقيقي"

ولا يجوز الاستناد إلى السلطة الظاهرية لتنفيذ عقد من قبل كاتب عدل بمساعدة زميل له، إذ يُشترط على كلا الموظفين العموميين التحقق من صلاحيات الآخر (الدائرة المدنية الأولى، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2009، الاستئناف رقم 08-18056، وBICC رقم 720 بتاريخ 15 أبريل/نيسان 2010، وLegifrance).

5- مجهولية سند صاحب الحق الحقيقي

مما تسبب في ظهور هذا الغلط الشائع كالوارث الحقيقي او مجهولية موقفه من التعاقد كالموكل الذي عزل الوكيل، ولا يعلم المتعاقد (الطرف الثالث) بالعزل.

6- ان يكون العقد من عقود المعاوضات لا من عقود التبرعات: يجب أن يكون المشتري من المالك الظاهر قد حصل على العقار مقابل عوض قيّم.

وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية في حكمها الصادر في 7 أكتوبر 2015، أنه "بما أن عائلة X... قد حصلت على العقار المتنازع عليه مجاناً، فإنها لا يحق لها المطالبة بصفة المالك الظاهر".

وبالتالي فإن ادعاء المالك الحقيقي بالملكية لا يسبب أي ضرر لأن الطرف الثالث حصل على الملكية مجاناً.

فمشتري العقار مجانًا لا يحق له التذرع بمبدأالملكية الظاهرية (المحكمة العليا الفرنسية، الدائرة المدنية الأولى، 7 أكتوبر/تشرين الأول 2015، رقم 14-16.946). هذا الحل منطقي: فإذا استعاد المالك الحقيقي عقاره، فإن المشتري المجاني لا يخسر سوى الإثراء الذي اعتقد أنه حصل عليه. ولهذا السبب، فإن حقوق ملكية المالك الحقيقي لها الأولوية على حقوق المشتري المجاني؛ إذ سيكون من الظلم حرمان المالك الحقيقي من حقوق ملكيته عندما لا يتكبد المشتري في نهاية المطاف أي ضرر حقيقي من خلال إعادة العقار الذي حصل عليه مجانًا الى مالكه الشرعي.

وبالتالي، فإن استيفاء هذه الشروط يسمح لأطراف ثالثة تتصرف بحسن نية بالحصول على ممتلكات تم بيعها من قبل مالك ظاهر.

أكدت محكمة النقض الفرنسية هذا في حكمها الصادر في 22 يوليو 1986 : "إن الأطراف الثالثة التي تتصرف بحسن نية تحت تأثير الخطأ المشترك لا تستمد حقها من المالك الظاهر، ولا من المالك الحقيقي، بل يتم منحها إياه بموجب القانون؛ وأن بطلان سند ملكية المالك الظاهر، حتى لو كان مسألة تتعلق بالسياسة العامة، لا يؤثر على صحة التصرف الذي وافق عليه، لأن سبب البطلان ظل وكان بالضرورة مجهولاً للجميع"

في هذا الحكم، تؤكد محكمة النقض مجدداً على شرط حسن النية من جانب الأطراف الثالثة ومبدأ الخطأ المشترك. وتشير إلى أن سند ملكية المالك الظاهر "يجب أن يكون مجهولاً للجميع بالضرورة"،

الحكم: يتم قبول التعاملات على أساس الغلط الشائع، طالما أن التصحيح سيؤدي إلى ضرر أكبر.

نطاق تطبيق النظرية: ينطبق مبدأ الملكية الظاهرية على كل من الأموال المنقولة وغير المنقولة. إلا أنه عمليًا، لا تنطبق على الأموال المنقولة اذ بموجب القانون يصبح حائز الأموال المنقولة مالكًا لها فورًا، وفقاً لقاعدة "الحيازة في المنقول سند الملكية" شريطة أن يكون الطرف الثالث حسن النية. لذا، يكفي مشتري الأموال المنقولة أن يكون حسن النية (أي أن يعتقد أنه اشتراها من مالكها الحقيقي) ليصبح مالكها المباشر.

شرعية الحكم بناءاً على الوضع الظاهر:

قال تعالى " وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون " يوسف الآية 18

فقد حكم يعقوب (ع) في قضية قتل الذئب لابنه يوسف (ع) بأنه لم يقتله مع وجود الدم على القميص استدلالاً بما ظهر من القرينة وحال القميص عملاً بالوضع الظاهر. فإن أخوة يوسف عندما جاءوا بقميصه الملطخ بالدماء إلى أبيهم يعقوب نظر إليه وتأمله فلم يجد فيه أي تمزق، فقال لهم ما عهدت الذئب حليماً يأكل يوسف ولا يمزق القميص، فدل ذلك على كذبهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله

"إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أنْ يَكونَ ألْحَنَ بحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، فأقْضِي علَى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فمَن قَضَيْتُ له مِن حَقِّ أخِيهِ شيئًا، فلا يَأْخُذْهُ فإنَّما أقْطَعُ له قِطْعَةً مِنَ النَّارِ."

حديث نبوي شريف صحيح يوضح منهج القضاء في الإسلام، القضاء بالظاهر وليس بعلم الغيب، لانه عليه الصلاة وآله لو حكم بعلم الغيب لأمتنع القضاء على القضاة من بعده ولأحتج عليهم الناس انهم لايعلمون الغيب فالنبي يحكم بظاهر الأمور وبما يظهر له من البينات والأقوال والإقرار او الإنكار، وليس بعلم الغيب.

أبرز تطبيقات نظرية الغلط الشائع يقوم مقام القانون:

اولاً- الوكالة الظاهرة:

يقصد بالوكالة الظاهرة وجود مظهر خارجي خاطئ صادر عن الأصيل (الموكل) يدفع الغير حسن النية إلى أن ينخدع ويبرم التصرف مع الوكيل الذي يتعامل خارج حدود وكالته ظناً من الغير حسن النية أنه ينوب عن الأصيل، ففي هذه الحالة وخروجاً عن الأصل العام -الذي يقرر عدم انصراف أثر تصرف الوكيل دون وكالة أو تجاوز حدود وكالته إلى الموكل- فينصرف أثر التصرف الذي أبرمه الوكيل الظاهر الذي تجاوز حدود وكالته إلى الأصيل على أساس الوكالة الظاهرة، لا على أساس الوكالة الحقيقة لكن على أساس الوكالة الظاهرة.

ومثال للمظهر الخارجي الخاطئ الذي قد يصدر عن الأصيل أن يرسل أحد التجار مثلاُ أحد تابعيه لتحصيل دين له أو شراء بضاعة له بثمن آجل من غيره من التجار مرة تلو أخرى ثم في أحد المرات يذهب هذا التابع دون تفويض من رئيسه لأخذ بعض الديون من التاجر الأخر أو شراء تلك البضاعة بالثمن الآجل لحساب نفسه هو دون أن يعلم ذلك متبوعه فيعطه المال ظناً منه أن متبوعه قد أرسله فينصرف أثر التصرف هنا في حق الأصيل وهو التاجر الذي أرسله.

وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن:” الأصل وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة: أن التصرفات التي يبرمها الوكيل خارج نطاق وكالته لا تنفذ في حق الموكل ما لم يجزها هذا الأخير، وخروجاً على هذا الأصل يعتبر الوكيل الظاهر نائباً عن الموكل فينفذ في حقه التصرف الذي يبرمه متى ثبت قيام مظهر خارجي خاطئ منسوب إلى الموكل، وأن الغير الذي تعامل مع الوكيل الظاهر قد انخدع بمظهر الوكالة الخارجي دون أن يرتكب خطأ أو تقصيراً في استطلاع الحقيقة” نقض مدني ــ الطعن رقم 1171 لسنة 51 قضائية جلسة 27/12/1984

(نقض مدني ــ الطعن رقم 630 لسنة 39 قضائية جلسة 22/11/1975، قطر مصر

على الرغم من أن محكمة النقض الفرنسية، في حكم أصدرته عام ١٩٦٢ عن الجمعية العامة، أرست مبدأ إمكانية محاسبة الموكل على أساس السلطة الظاهرية، المحكمة العليا مؤخرًا بأنه يمكن محاسبة الموكل على أساس السلطة الظاهرية، حتى في غياب أي خطأ يُعزى إليه، إذا كان اعتقاد الطرف الثالث بنطاق صلاحيات الوكيل مشروعًا. ويفترض هذا المشروع أن الظروف، التي لا يخلو منها الموكل تمامًا، تُبرر عدم تحقق الطرف الثالث من الحدود الدقيقة لتلك الصلاحيات. وفقًا للسوابق القضائية، فإن الموكل ليس غريبًا عن تكوين المظهر، لا سيما عندما لا يُبلغ الطرف المتعاقد الثالث بأن الوكيل الذي كان يمثله رسميًا سابقًا أو الذي كان يتعامل معه الأخير عادةً لم يعد يمثله

وبغض النظر عن الظروف المحددة، ترى أعلى محكمة أن اعتقاد الطرف الثالث المشروع بمظهر الوكالة يجب تقييمه وقت تنفيذ الفعل. كما أقرَّت السوابق القضائية بأن وجود علاقات تعاقدية سابقة، أو ممارسات عرفية، أو ممارسات راسخة منذ زمن طويل، يُسهِّل اعتقاد الطرف الثالث بالسلطة الظاهرية.

وقت نصت المادة (948) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل على انه:

(لا يحتج بانتهاء الوكالة على الغير الحسن النية الذي تعاقد مع الوكيل قبل علمه بانتهائها).

ثانياً- الوارث الظاهر: فلو مات شخص ولا يعرف له ابن فورثه الاقرب كأبن عمه مثلاً .. وقام ابن العم باجراء التصرفات القانونية على الاملاك التي ورثها كالبيع والايجار والمساطحة وغيرها

ثم ظهر ان للمتوفي ابن كان مختفياً، او مفقوداً، فتطبيقاً للقاعدة تعتبر حميع تصرفات ابن العم (الوارث الظاهر) من بيع وايجار وغيرها صحيحة ونافذة بحق الابن (الوارث الحقيقي) وليس له ان يبطلها

ولكن له ان يرجع على ابن العم بجميع العوائد والاموال الذي تحصل عليها من الارث بدعوى والسبب هو استقرار المعاملات في المجتمع.

فالذي اشترى وباع ورتب آثار فقد يكون قد باعها لاشخاص اخرين او رتب عليها رهون فان انتزاعها منهم بدعوى العدالة يثير المنازعات وتتأثر حقوق الناس وقد تفقد كما في الدائن الراهن للعقار الذي لم يعط الدين الا برهن العقار العائد للمدين ثم نأتي وننتزع من المدين العقار فهنا يفقد الدائن اهم ضمان وضعه لحماية نفسه حيث يُعتبر من حصل على الأصول بحسن نية ومقابل عوض قيّم مالكًا لها.

فعلى سبيل المثال، أصدرت محكمة النقض الفرنسية حكماً في 26 يناير 1897، استناداً إلى نظرية السلطة الظاهرية هذه. ونص الحكم على أنه "بمجرد ثبوت الخطأ المشترك الذي لا يمكن دحضه، فضلاً عن حسن نية الأطراف الثالثة، فإن التحويلات التي يجريها الوريث الظاهر تُعفى من أي دعوى فسخ يرفعها الوريث الحقيقي ".

بمعنى آخر، عندما يستحوذ طرف ثالث على ملكية من مالكها الأصلي، يُعتبر هذا الطرف الثالث هو المالك الجديد . وبالتالي، يصبح ادعاء المالك الأصلي مستحيلاً

من الناحية العملية، يتيح هذا أمرين

أمان وسرعة المعاملات حماية الأطراف الثالثة التي تتصرف بحسن نية، حتى لو كان هناك بعض التساهل مع مشتري الطرف الثالث حسن النية، فإن الأمر نفسه لا ينطبق على المالك الظاهر الذي يجب عليه إعادة قيمة العقار إلى المالك الأصلي .

نظراً للخطأ الذي ارتكبه الطرف الثالث بحسن نية أثناء عملية الاستحواذ، لا يمكن استرداد العقار بحالته الأصلية. وعليه، يجب على المالك الظاهر إعادة قيمة العقار إلى المالك الحقيقي، بالإضافة إلى جميع الأرباح التي حصل عليها إن كان قد تصرف بسوء نية.

يمكن الاستشهاد أيضاً بالملكية المشتركة قد يظهر أحد المالكين المشتركين للغير وكأنه يمتلك ملكية كاملة لأحد الأصول المملوكة ملكية مشتركة. في هذه الحالة، إذا باع المالك المشترك الأصل لمشترٍ حسن النية، يصبح هذا المشتري مالكاً للأصل فوراً بموجب مبدأ الملكية الظاهرية (محكمة النقض المدنية الأولى (فرنسا)، 22 يوليو 1986، رقم 84-17.004)

وقد نصت المادة (384) من القانون المدني العراقي على انه (اذا كان الوفاء لشخص غير الدائن او نائبه فلا تبرا ذمة المدين الا اذا اقر هذا الوفاء او تم الوفاء بحسن نية لشخص كان الدين له ظاهرا كالوارث الظاهر).

ثالثاً- التاجر الظاهر والشركة الظاهرة: الاعتداد بتصرفات الشخص الذي يظهر بمظهر التاجر أو الشركة في مواجهة الغير حسن النية، حتى لو كان المركز القانوني الحقيقي غير صحيح.

وكانت المادة (19) من قانون التجاري رقم 149 لسنة 1970 الملغي قد نصت على انه:(تثبت صفة التاجر لكل من احترف التجارة باسم مستعار أو كان مستترا وراء شخص آخر فضلا عن ثبوتها للشخص الظاهر.)

والغاء نص المادة لا يعني الغاء حكمها حسب القواعد العامة وحسب تقدير القضاء.

رابعاً- الموطن الظاهر (في المرافعات): صحة إجراءات التقاضي والتنفيذ التي تتم في الموطن الظاهر للخصم.

نصت المادة (44) من القانون المدني العراقي على انه (يعتبر المكان الذي يباشر فيه الشخص تجارة او حرفة موطنا له بالنسبة الى ادارة الاعمال المتعلقة بهذه التجارة او الحرفة).

المدير الفعلي/المحامي الظاهر: صحة الأعمال والإجراءات التي يقوم بها مدير الشركة الفعلي أو المحامي الذي يبدو أنه يمثل الخصم.

خامساً- المدين الظاهر: نفاذ الوفاء الذي يتم للمدين الظاهر (من يظهر كدائن) إذا كان ذلك عن حسن نية.

وقد سبق الاشارة الى نص المادة (384) من القانون المدني العراقي على انه (اذا كان الوفاء لشخص غير الدائن او نائبه فلا تبرا ذمة المدين الا اذا اقر هذا الوفاء او تم الوفاء بحسن نية لشخص كان الدين له ظاهرا كالوارث الظاهر).

سادساً- الموظف الظاهر (في القانون الإداري): نظرية الموظف الفعلي

والنظرية تعد من تطبيقات مبدأ دوام سير المرافق العامة، ولنظرية الموظف الفعلي تطبيقان

الاول: الموظف الفعلي في الظروف الطبيعية

الثاني: الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائية

ويعرف الموظف الفعلي بأنه هو ذلك العامل الذي يتولى وظيفة عامة معينة دون سند شرعي

1- نظرية الموظف الفعلي في الظروف الطبيعية.

بان يصدر قرار بتعيينه، أو ترشحه الإدارة لوظيفة معينة وتعهد إليه بعمل ليمارسه قبل صدور قرار تعيينه خضوعا لمقتضيات المرافق العامة، أو الذي تم تعيينه بشكل معيب استنادا إلى سند غير مشروع تقرر إلغاؤه بعد فترة من توليه منصبه وحسب الأصل تعد أعماله باطلة وفقا لقواعد تنظيم الوظائف العامة.

الموظف الفعلي قد يكون قاضياً او استاذاً جامعياً .... ويستمر بعمله لسنوات عديدة بإتخاذ القرارات القضائية والقرارات الإدارية ثم يتبين فيما بعد إن تعيينه في الوظيفة كان باطلاً كأن يثبت ان شهادته العلمية كانت مزورة

2- نظرية الموظف الفعلي في الظروف الاستثنائية

وقد يستحيل على الموظفين في حالة الحرب أو الثورات القيام بأعمالهم فيتطوع فرد لا صلة له بالمرفق بأداء عمل الموظف، ولما كان الأصل لقانون العقوبات ان من ينتحل صفة الموظف العمومي يعتبر مرتكبا لجريمة معاقبا عليها إلا انه في الحالات السابقة ووفقا لمبدأ دوام سير المرفق بانتظام واضطراد فقد اخذ القضاء الفرنسي والمصري والعراقي بنظرية الموظف الفعلي.

في هذه الحالة ماهو حكم القرارات التي اتخذوها؟

تعد تصرفات الموظف الفعلي تصرفات مشروعة استنادا إلى دوام سير المرفق العام وأيد الفقه والقضاء صحة أفعال الموظف الفعلي استثناء من القواعد العامة التي تنظم الوظائف العامة في الظروف العادية والظروف الاستثنائية

فقد أقر القضاء الفرنسي والمصري والعراقي ان هذا الموظف يعد موظفاً فعلياً تمييزاً له عن الموظف الرسمي

واعتبر هذا القضاء ان جميع تصرفاته وقرارته القضائية او الإدارية والمهنية تعتبر صحيحة ومعترف بها قضاءاً وذلك حماية لمصالح ابناء المجتمع من الإنهيار المفاجيء مما قد يتسبب في ارباك المراكز القانونية وتهديد امن واستقرار المجتمع من خلال إعادة النظر في الالاف من القرارات التي اتخذها القاضي او رجل الادارة والشهادات الممنوحة للخريجين خلال السنوات الفائتة.

ومثال ذلك فقد اكتشف قبل سنوات في بعض الجامعات العربية والأفريقية ان اساتذة من البلدان العربية مارسوا التدريس لمدد تزيد عن خمس وعشرين سنة ووصلوا لمراتب ادارية عليا في الجامعات وناقشوا رسائل دكتوراه وماجستير ليتبين بعدها ان شهاداتهم مزورة!! وبعد تناول الموضوع في وسائل الإعلام احدث ذلك رعباً لدى خريجي هؤلاء الاساتذة من حملة الدكتواره والماجستير وغيرها ولكن القضاء طمأنهم بأن كل شيء على مايرام ولن تمسهم أية مسؤولية او ضرر ودعاهم الى ممارسة اعمالهم بشكل طبيعي.

ولذلك يكون للموظف الفعلي الحق في استرداد كل ما تكبده من نفقات في إدارة المرفق العام . كما ان الإجراءات والأعمال التي يباشرها بوصفه موظفا فعليا تكتسب الصفة الإدارية ويمكن الطعن فيها أمام القضاء الإداري بدعوى الإلغاء لتجاوز السلطة. وتطبق عليها أحكام الأعمال الإدارية كما لو كانت قد صدرت من موظف عام تقلد الوظيفة العامة بطريقة مشروعة وسليمة.

ولا ينقلب الموظف الفعلي إلى موظف قانوني إلا إذا عين في الوظيفة بواسطة السلطة المختصة وباتباع الإجراءات والأشكال المقررة قانونا

ويقرر القضاء الإداري تحصين القرارات الإدارية المعيبة الصادرة من موظف ليس له صلاحية كاملة ولكن يبدو كذلك، بتوفر شروطها، حماية للمتعاملين مع الإدارة.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الاتحادية

كتاب ثمار وفوائد تلاوة صفات بوذا أنموذجا

مقدّمة: المطّلع على كتيّب  " ثمار وفوائد تلاوة صفات بوذا" بقلم الرّاهب فرا تاماسينغبورا أتشـان Phra Dharmasinghaburachan من معبد أمبافان، المعبد البوذيّ التّأريخيّ المعنيّ بالتّأمل وممارسة الأنشطة الرّوحيّة، ويقع في محافظة سينغبوري في تايلاند، والكتاب باللّغة التّايلنديّة مع عبارات باللّغة الباليّة، وهي اللّغة الدّينيّة في البوذيّة القديمة، والّتي هاجرت مع البوذيّة من القارّة الهنديّة، وأصبحت تكتب بالحروف التّايلانديّة في تايلاند، والكتاب يقع في تسع وثمانين صفحة من الحجم الصّغير، طبعته شركة رونغ رُوانغ وِيرِيَّا فَتْثَنا للمطابع المحدودة في تايلاند، ويوزع بشكل مجانيّ في المعابد[1].

الكتاب في جملته يعطيك صورة مختصرة عن الدّعاء في البوذيّة وغاياته وطرقه ومفرداته، وهو أشبه بكتيّبات الدّعاء في معابد الأديان الإبراهيميّة، ومنها الإسلام، جاء في مقدّمته: "جعلُ تلاوة الأدعية وعبادة بوذا نهجا دائمًا في الحياة، وتأمّلا يوميّا فيها، يؤدّي إلى ثمار وافرة، ونماء في الخير، وبناءِ الفضيلة للنّفس. ويكون الرّبح الحقيقيّ هو الخير الّذي يمكن إهداؤه لأبناء الوطن، وللشّركاء في هذا العالم، لكي نعيش جميعا في حظٍّ طيّب وسعادة، كلّنا بلا استثناء. أتمنى أن تقوموا أنتم وأفراد أسركم جميعا بتلاوة الأدعية معا، في كلّ بيت، لتكون بركة في الحياة، فيتحقّق حسن الحال، وتزداد الحكمة، وتنالوا السّعادة والازدهار المتواصل في حياتكم. وأرجو منكم أن تحثّوا أبناءكم وأحفادكم جميعا على تلاوة الأدعية قبل النّوم. فإذا كنتم – أيّها الإخوة – على نيّة صادقة وإيمان راسخ، وجعل الأبناء يتلون الأدعية وفق هذا الكتاب؛ فإنّ الثّمار الّتي تُجنى من التّلاوة ستكون عظيمة"[2].

ومن فوائد الاحتفاظ بهذا الذّكر "إنّ من يحتفظ به في بيته ينال ثوابا أعظم من بناء ستوبا (برج بوذي) من الذّهب الخالص بارتفاع يوازي عالم الآلهة، ويكون محفوظا من الأخطار المختلفة، ويزدهر في رزقه ومعيشته"[3]. "فإنّ ثوابه وفضله لا يمكن وصفه أو الإحاطة به، وهو من أعظم الأعمال الصّالحة، وسيحصل صاحبه على السّعادة والبركة والازدهار في الحاضر وفي المستقبل، ممتدّا إلى أبنائه وأحفاده من بعده، بقوّة الاحترام والتّبجيل لهذه التعويذة المقدّسة"[4]. ومن "يتلوه ويتعبّد به صباحا ومساء على أنّه عبادة وتذكّر لبوذا؛ فإنّ هذا الشّخص لن يسقط في عوالم الهلاك، وحتّى مجرد الاحتفاظ به في المنزل يكفي لدفع الأخطار والمصائب المختلفة"[5].  "إنّ من تبرّع بالمال لبناء وإهداء للرّهبان والرّاهبات، أو للأقارب والأصحاب، أو يتلوه حتّى يكمل ثلاثة أيّام؛ سيحظى بحظّ وسعة رزق وازدهار، وينجو من النّحس، ويخلو من الحزن والمرض وكلّ الكوارث"[6]. ومن نوى وجلس يتأمل ويتلوه ثلاث مرّات يوميّا فلن يقع في ذنوب؛ وكلّ ما يقوم به سيُحقّق مراده. ومن يتلوه سبع مرّات يوميّا، حتّى العظام ستطفو على الماء"[7].

"والبوذيون غالب سكان تايلاند، وأغلبهم ينتسبون إلى البوذيّة التّيرفانديّة أو الثّرافادا، ويطلق عليها أيضا هينايانا وتعني العربة الصّغيرة، وهي البوذيّة الأرثدوكسيّة الّتي ترى نفسها أقرب إلى تعاليم بوذا، وتقابلها بوذيّة الماهايانا أي العربة الكبيرة، وهذه تنتشر في الهند والصّين وكوريا واليابان، ومنها انبثقت بوذيّة زن المغالية في التّقشف، بينما بوذيّة الهينايانا تنتشر بصورة أكبر في سيرلانكا وبورما وكمبوديا ولاوس بجانب تايلاند"[8]، وهذا الكتيّب يمكن تصنيفه ضمن دائرة كتب الأدعية والرّوحانيّات في البوذيّة التّيرفانديّة.

البوذيّة ووجود الآلهة:

البوذيّة لا تنكر الآلهة كما يشاع، بل تجد صورها في المعابد. والثّقافة الفيديّة[9] (الأديان الهنديّة) المنبثقة منها البوذيّة لم تتخلّ عن فكرة الآلهة، وكلمة بوذا "مشتقة من الجذر البالي "بوذا"، وتعني الفهم أو المعرفة. وهكذا، كان بوذا شخصا يفهم الحقيقة، ويجدها، ويستطيع تعليمها أو إعلانها"[10]، وفي هذا الكتاب "ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق ... ليمنحني براهمـا والآلهة العظمى وفرةً في الرّزق"[11]، والفارق بين البراهمة والأراهنت في البوذيّة أنّ الأولى كائنات إلهيّة علويّة لم تصل إلى النّيرفانا، أي المرحلة النّهائيّة والمطلقة في التّحرّر الرّوحيّ، بينما الأراهنت بلغت مرحلة التّنوير الكامل ووصلت إلى النّيرفانا، حينها يطلق عليها "بوذا، أي المدرك للحقيقة الكاملة، فهو غير داخل في دائرة التّناسخ عكس البراهمة، وهذا ما وصل إليه سيدهارتا غوتاما في القرن الخامس أو السّادس قبل الميلاد، فكان فيديّا انعزل الحياة، وعاش في مرحلة التّأمل والتّرقي في نيبال اليوم، ليصل إلى النّيرفانا غير القابلة للتّناسخ.

بوذا – حسب النّظريّة البوذيّة (النّيرفانا) – أرقى من الآلهة، فهو "معلّم الآلهة والبشر"[12]، "هذا هو المبارك: معلم الآلهة والناس حقًا هو المبارك"[13]، "ألوذ بالمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، أنحني برأسي للمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، ألوذ بالبوذا، أنحني برأسي للبوذا"[14]، وفي هذا الكتاب يظهر دعوتهم للآلهة أيضا: "ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق ... ليمنحني براهمـا[15] والآلهة العظمى وفرة في الرّزق"[16]، ويظهر تأثيرها أيضا: "من يطلب ولدا، فليُرزق ولدا، ومن يطلب مالا، فليُرزق مالا، ومن يطلب الخير والصّحة، فليحصل عليهما، وليكن محبوبا لدى الآلهة"[17]، وفي الكتاب أيضا: "اعلم أيضا أنّ ممارسة التّأمل يجب أن تتمّ في مكان مناسب في كلّ مرة، اجعل ذهنك ثابتا في صلواتك، فستشاركك الآلهة والحماية البهيّة في السّرور والبركة، لا تفعل ذلك عبثا وإلّا سيكون لذلك ضرر عليك"[18].2390 Buddha

النّيرفانا ونظريّة الإنسان الكامل:

نظريّة النّيرفانا موجودة بشكل أو بآخر في الأديان عموما ومنها الإبراهيميّة. متّى المسكين (ت: 2004م) – الأبّ الأرثذوكسيّ المصريّ – في كتابه "حبّة الحنطة" حاول تفكيك هذه المعادلة من خلال ثنائيّة الرّوح (الخير/ الأعلى) والجسد (الشّر/ الأسفل)، مع وسطيّة النّفس، "والنّفس موضوعة بين الجسد والرّوح .... فهي إمّا أن تتحد مع الجسد وتتعاطف معه ضدّ الرّوح، وإمّا أن تتحد مع الرّوح وتتعاطف معه ضدّ الجسد، وهكذا تكون النّفس إمّا جسدانيّة وإمّا روحانيّة"[19]، "والنّفس تصدر عنها العواطف، وتحوي الحياة الجسديّة"[20]، "والذّات هي النّفس"[21]، "والذّات تتحصن داخل الجسد"[22]، أمّا "الجسد بشهواته وغرائزه مخلوق أصلا على غير فساد، ومهيأ ليخضع لقانون الرّوح، وينضبط بالرّوح دون أن يفقد شيئا من شهواته وغرائزه الطّبيعيّة"[23]، لكنّه "هو الموت والفناء"[24]، ومركز الغرائز والشّهوات. وأمّا الرّوح "هي نفحة من الله، وهي الّتي تجعل الجسد حيّا"[25]، والرّوح "تستقبل التّأثيرات، وتعبّر عنها، وتتصل بالله وتحبّه"[26]، "وتستمد قوّتها وطاقتها من الرّوح القدس مباشرة"[27]. لهذا "هناك صراع بين الرّوح والجسد من جهة، وبين الرّوح والنّفس المنحازة إلى الجسد، لهذا على الرّوح أن تتحرّر من سطوة الجسد، وتتحد مع النّفس، حتّى لا يكون مداره النّفس المتحدة بالجسد، وإنّما النّفس المتحدة بالرّوح"[28]، لهذا تدور النّفس بين ثنائيّة الأبديّة والفناء، "فتتحقّق الحياة الأبديّة إذا انحازت النّفس إلى الرّوح"[29]، أمّا إذا التصقت بالفاني – أي الجسد – تفنى، وإن كانت حيّة في ظاهرها. وعليه "النّفس هي العدو الّذي يقف ضدّ خلاص الإنسان إذا ارتبطت بالجسد، فعليها أن تتحرّر بالرّوح"[30]، لكن "لا يمكن الجمع بين حريّة النّفس المتعاهدة مع الجسد، وبين حريّة الرّوح المتحدة بالرّوح القدس، فعليه أن يتحرّر من حريّة الخطيئة ليخلص بالرّوح"[31].

مرتضى مطهري (ت: 1979م) في كتابه "أنسنة الحياة في الإسلام"، يؤصّل لاتّجاهات نظريّة الإنسان الكامل في الغنوصيّة الإسلاميّة، ونظريّة الإنسان الكامل تقترب من نظريّة النّيرفانا، ويجمل مطهري أهم نظريّاتها إلى ثلاث نظريّات رئيسة: الأولى "النّظريّة العقليّة كما عند ابن سينا، ويرون العقل هو جوهر الإنسان، فالإنسان الكامل هو الإنسان الحكيم، أي الفيلسوف العاقل من خلال إدراكه لكليّات الوجود، ويدرك هيكل الوجود ليعثر على فهم أجزائه، فتكمل نفسه البشريّة عندما تنعكس صورة هيكل العالم في عقل الإنسان، فيكون عقله مضاهيّا للعالم العينيّ، وهذه الحكمة النّظريّة، وبها يرتفع إلى الحكمة العمليّة أي يهمين على غرائزه وقواه الجسمانيّة[32]. والثّانية نظريّة العشق أي العرفان والتّصوّف، ورقيّ الإنسان الكامل من خلال العشق أي الله، ويبدأ البحث عن العشق عموديّا بالصّعود إلى المعشوق، ثمّ تستقر أفقيّا، وترتبط بالرّوح لتصعد إلى الخالق، ليصبح الإنسان الكامل هو الله متحدّا معه[33]. والثّالثة نظريّة القدرة، أي القوّة، فالإنسان الكامل هو الإنسان المقتدر، وهذه مدرسة السّفسطائيين، والقوّة عندهم هي الحقّ، فعلى الإنسان الكامل بذل الجهد للحصول على القدرة والقوّة، وهذه ظهرت مؤخرا عند نيتشة بمعنى الإنسان الأعلى، وعند غيره الإنسان الأسمى[34].

فكرة التّرقي أو الإنسان الكامل فكرة قديمة وجدت مع الكونفوشيّة، فيذكر منشيوس (ت: 289ق م) - المعلّم الثّاني للفلسفة الكونفوشيّة – في كتابه "منشيوس" أنّ "قونغ من تشو [قال]: كان كل من (جاي وو) و (تسي قونغ) بارعين في البلاغة، و (ران نيو) و (مين تسي) و (يان هوي) بارعين في شرح مبادئ الأخلاق. أمّا كونفوشيوس فكان بارعا في الاثنين، ومع ذلك فقد قال إنّه ليس بارعا تماما في البلاغة. فإذا كان أمرك كذلك، أفلا يعني هذا أنّك قد بلغت مرتبة الإنسان الكامل؟. أجابه منشيوس: إنك تبالغ في الأمر. ذات مرة سأل (تسي قونغ) كونفوشيوس: هل أنت إنسان كامل أيّها المعلم؟ أجابه كونفوشيوس: لا أقدر على أن أكون إنسانا كاملا. أنا شخص لا يشبع من التّعلّم، ولا يتعب من التّعليم. فقال (تسي قونغ): إذا كنت لا تشبع من التّعلم، فهذا يعني أنّك واسع المعرفة، وإذا كنت لا تتعب من التّعليم، فهذا يدلّ على أنّك رجل فاضل. وهكذا فبجمعك لسعة المعرفة والفضيلة تغدو إنسانا كاملا أيّها المعلّم. فإذا لم يسمح كونفوشيوس لنفسه أن يُعتبر إنسانا كاملا، فمن العجب أن تدعوني أنت إنسانا كاملا. قال (قونغ صن تشو): سمعتُ أنّه في الماضي حاز كلّ من (تسي شيا) و(تسي يو) و (تسي تشانغ) على بعض خصائص الإنسان الكامل، أمّا كلّ من (ران نيو) و (من تسي) و (يان يوان) فكانوا صورة مصغرة عن الإنسان الكامل. فإلى أيّ المرتبتين أيّها المعلم تنسب نفسك؟ أجابه منشيوس: لنترك الحديث في هذا الموضوع الآن. قال (قونغ صن تشو): ماذا تقول في (بو بي)  و (إي ين)؟ أجابه منشيوس: لكلّ منهما طريق يختلف عن طريق كونفوشيوس ... كلّهم كانوا حكماء في الماضي، ولكنّي إذا خيّرت اخترت طريق كونفوشيوس. سأله (فوقع صن تشو): إذا قارنا بين هؤلاء الثّلاثة، فهل تضعهم في نفس المرتبة؟ أجابه منشيوس: "كلّا، فمنذ بداية التاريخ لم يظهر شخص آخر مثل كونفوشيوس"[35].

إنسانيّة الإنسان الكامل في الفلسفة الكونفوشيّة قائمة على المعرفة والحكمة والخلطة، وهي خلاف الهندوسيّة والبوذيّة القائمة على الانعزال والتّأمل والبتوليّة، وكما رأينا سلفا دخلت في الفلسفات والأديان الإبراهيميّة، وأصبحت مدار غنوصيّة الأديان، ويرى مصطفى هنديّ "هي المعرفة الباطنيّة الّتي تنطلق من عمق الإنسان، ولا تطلب شيئا خارجه"[36]، فالغنوصيّة "هي فعاليّة روحيّة داخليّة تقود إلى اكتشاف الحالة الإنسانيّة ... الكفيلة بتحرير الرّوح الحبيسة في إطار الجسد الماديّ، والعالم الماديّ، لتعود إلى العالم النّورانيّ الّذي صدرت عنه"[37]. وارتباط الإسكندريّة بالغنوصيّة ارتباط موغل في القدم، كان فلسفيّا كما في الغنوصيّة الأفلاطونيّة، أو دينيّا كما في اليهوديّة الآسينيّة في القرن الثّاني قبل الميلاد، الّذين تجسّدت فلسفتهم في الزّهد والرّهبنة، والاهتمام بالرّوح، فلا يأكلون لحوم الحيوانات، وتخلص  هدى عليّ كاكه يي في كتابها "الغنوصيّة" أنّ "الغنوصيين المسيحيين الإسكندرانيين اشتركوا جميعا في ضرورة التّخلّص من سلطان الأهواء، وتحرير النّفس، وقد وجدوا في اعتقادهم بالمسيحيّة إرضاء لحاجاتهم الرّوحيّة والعقليّة، وتأكيدا لانقلابهم نحو الغنوصيّة"[38].

وبما أنّ الإسكندريّة عاشت عالمين أو ثنائيتين: الغنوصيّة الفلسفيّة في صورها المختلفة الأفلاطونيّة والهرمسيّة والأبيقوريّة، والغنوصيّة اليهوديّة الآسينيّة، إلا أنّ مجيء المسيحيّة إلى الإسكندريّة مع  مار مرقس أو مرقص في القرن الأول الميلاديّ، وتعتبره الكنيسة الأرثدوكسيّة القبطيّة البطريرك الأول لهم، واستمر تقليدهم البابويّ حتّى يومنا هذا مع الأنبا تواضروس الثّاني ليكون رقم (118)، ولهذا يطلقون على أنفسهم بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، والكرازة كلمة إنجيليّة بمعنى الدّعوة، والمرقسيّة نسبة إلى مار مرقس الرّسول. هذه الثّنائيّة ارتبطت بالغنوصيّة الأولى، والّتي وجدت بعض نصوصها مع مخطوطات نجع حمادي، وظهرت مع الرّمزيات الغنوصيّة المسيحيّة الإسكندرانيّة في القرن الأول الميلاديّ، رغم أنّهم هرطقوا وفق قانون الإيمان المسيحيّ عموما، أو الأرثذوكسيّ خصوصا بعد مجمع خلقيدونيّة (451م)، حيث تتشكل الكنيسة الشّرقيّة الأرثذوكسيّة القبطيّة اللّا خلقيدونيّة، والّتي ستصنف لاحقا ضمن اليعاقبة اللّا ملكيين، وارتبطت بالإسكندريّة روحيّا حتّى اليوم.

ومن أهم الرّمزيات الغنوصيّة الإسكندرانيّة في القرن الأول الميلاديّ باسيليدس، وتقوم غنوصيّته على الثّنائيّة بين الخير والشّر، وأنّ مصدر الخطيئة الهوى، وأنّ مصدره الخارج لا من الدّاخل، فعليه أن يتحرّر بحرمان النّفس من العديد من الطّيبات، فحرموا أنفسهم من الزّواج مثلا، فاقتربوا من ثنائيّة الزّرادشت، وتعذيب الذّات كما في البوذيّة[39]. ثمّ أتى بعده فالنتيونس وغنوصيّته تقوم على ثنائيّة الرّوح والجسد، وثنائيّة الإله الخالق، والإله الخيّر الطّيب وهي بذرة الرّوح، وهناك وسط بينهما، تبث ما هو إلهي روحيّ، وبين ما هو ماديّ جسميّ، ولهذا صورة المسيح الجامعة بين الرّوح والجسد[40].  كذلك أتى بعد باسيليدس الغنوصيّ مرقيون ليقترب من ثنائيّة باسيليدس، فهناك إله العبرانيين خالق العالم، وهناك إله المحبّة، وهو الإله المجهول، وهو إله المسيحيين، وهو خالق العالم الرّوحيّ[41]. هذه الغنوصيّة القائمة على الثّنائيّة من جهة، وعلى وجود إله أو حالة في الوسط هي الّتي تتشكل لاحقا مع الروحانيين المسيحيين، ومن ثمّ مع العرفانيين أو المتصوّفة المسلمين، من خلال ثنائيّة الخير والشّر، والمتمثلة في الرّوح والجسد، ووسطيّة النّفس لتلتصق بالإله الأعلى وتحلّ فيه، ويحلّ فيها، فهناك طرف وسط بين الرّوح الأعلى والجسد الأدنى، تجسّدت لاحقا مع الإيمان المسيحيّ في ثلاثيّة الأب والابن والرّوح القدسّ، وغنوصيّا في الجسد والرّوح والنّفس، وعرفانيّا في الظّاهر والباطن والحقيقة، مع ثنائيّة الحرف والرّمز أيضا. لهذا تشكّل مع الأفلاطونيين والمشائيين والهرمسيين قديما، ومن ثم مع العرفانيين المسلمين نظريّة الإنسان الكامل أو الإنسان السّماويّ، النّظريّة القائمة على الخير والشّر من خلال الرّوح والجسد كما عند الرّوحيين، وخالفهم المادّيّون، إلّا أنّ المادّيّة لم تخرج عن الثّنائيّة، كالفلسفة الأبيقوريّة القائمة على ثنائيّة اللّذة وهي الخير، والألم وهو الشّر. ونظريّة الإنسان الكامل من وائل من استخدمها من المسلمين محي الدّين ابن عربيّ (ت: 638هـ/ 1240م)، واشتهرت عند عبد الكريم الجيليّ (ت: 826هـ/  1424م).

التّثليث في البوذيّة:

غالب الفلسفات الغنوصيّة تقوم على المثنويّة من خلال الخير والشّر، والرّوح والمادّة، والمطلق والنّسبيّ، والثّابت والمتحرّك، وعلى التّثليث، ففي الفيديّة: براهما الخالق، وفيشنو الحافظ (الدّارما)، وشيفا المدمّر، وفي المسيحيّة: الاب والابن والرّوح القدس، وفي الغنوصيّة: المطلق واللّوغرس والحكمة، وفي التّرقي كما أسلفنا: الرّوح والنّفس والجسد، وعند المتصوّفة: المطلق والمراد والمريد، وفي البوذيّة: البوذا (الأرهنت المستنير الكامل)، والدّارما (التّعاليم)، والسّانغا (الرّهبان)، وهذه الثّلاثيّة المسمّاه بالجواهر الثّلاثة هي مدار الذّكر والتّوسل في البوذية[42].

فضيلة وفوائد الدّعاء والذّكر:

"إنّ تلاوة الأدعية وعبادة بوذا وجعلها ممارسة روحيّة ملازمة للحياة، وتأمّلا يوميّا فيها؛ تؤدّي إلى ثمار غزيرة، ونماء متزايد، وتُسهم في بناء الخير والفضيلة للإنسان نفسه، ويكون الرّبح الحقيقيّ هو هذا الخير الّذي يمكن تقديمه هدية لأبناء الوطن، ولشركاء الإنسانيّة في هذا العالم، كي نعيش جميعا في حظّ طيّب وسعادة، كلُّ واحدٍ منّا"[43]، ويقول الرّاهب فرا تاماسينغبورا أتشـان في شأن تلاوة مناقب بوذا: "لاحظتُ أنّ بعض النّاس يذهبون إلى العرّافين، فإذا قيل إنّ لديهم نحسا أو سوء طالع وجب عليهم "فكّ النّحس"، وقد رأيتُ أنّ ما يُسمّى بالعلامات أو الطّوالع السّيئة قد يكون له حضور في الواقع كما يذكره العرّافون. عندها وضعتُ توجيها قائما على اليقظة والوعي، فقلتُ: على المؤمن (اليوم) أن يتلو مناقب بوذا بعدد سنوات عمره، ويزيد عليها واحدا، لكي تتحسّن يقظته الذّهنيّة، وتستقيم أحواله، وقد ثبت – بقدر ما جُرّب – أنّ ذلك نافع"[44].

طريقة الدّعاء والذّكر والتّأمل:

"قبل الدّخول إلى قاعة العبادة يجب الاغتسال وتنظيف البدن وارتداء ملابس لائقة. اجلس بوقار وضبط الجسد والنّفس، وجه ذهنك بثبات نحو صورة بوذا، وتذكّر الثّالوث المقدّس، ثمّ قم بالانحناء ثلاث مرات. أسكن النّفس وتذكر فضائل الوالدين باعتبارهما أراهنت (قدّيسين) بالنسبة للابن. بعدها أشعل الشّموع للعبادة؛ أشعل الشّمعة الموجودة على يمين تمثال بوذا أولا، ثمّ الشّمعة على اليسار، ثمّ أشعل ثلاثة أعواد بخور. عند إتمام إشعال الشّموع والبخور ووضع مزوّدات العبادة؛ استحضر في ذهنك صورة البوذا كحاضر، اجلس على الرّكب وضع راحتي اليدين معا بنيّة التّعبّد. ابدِّ التّحيّة للثّالوث المقدّس، التّحيّة للبوذا ولصفات بوذا، وصفات التّعاليم، وصفات الجماعة/الرّهبان. ثمّ ابدأ ممارسة التّأمل والتّلاوة لزيادة القداسة والفعاليّة الروحيّة"[45].

يُبدأ بالتلاوة من دعاء تعظيم الجوهرة الثلاث[46]، أي البوذا والدّارما والسّانغا، يقول فيها: "بهذا القربان أُعظِّمُ البوذا، بهذا القربان أُعظِّمُ الدّارما، بهذا القربان أُعظِّمُ جماعة الرّهبان"[47]، ثمّ ينحني للجواهر الثّلاثة قائلا: "أنحني وأبجّل البوذا المبارك، الطّاهر الكامل (الأرهنت)، الّذي استنار استنارة كاملة بذاته"[48]، ثمّ يسجد.

ثمّ ينحني ثانية قائلا: "أنحني وأبجّل الدّارما، تعاليم الحقيقة الّتي أعلنها البوذا إعلانا تامّا"[49]، ثمّ يسجد.

ثمّ ينحني ثالثة قائلا: "أنحني وأبجّل السّانغا، جماعة تلاميذ البوذا الّذين ساروا في الطّريق المستقيم"[50] ثمّ يسجد.

يرتبط الذّكر بالتّأمل، "وكلما زاد ذلك [أي التّأمل]، سيظهر قوّة ذهنيّة، ويزداد الاستقرار في الحياة. اعلم أيضا أنّ ممارسة التّأمل يجب أن تتمّ في مكان مناسب في كلّ مرّة. اجعل ذهنك ثابتا في صلواتك، فستشاركك الآلهة والحماية البهيّة في السّرور والبركة. لا تفعل ذلك عبثا وإلا فسيكون لذلك ضرر عليك"[51]. "يُمارس التّأمل لتهدئة الذّهن، واكتساب الطّاقة، والحصول على فوائد في الحياة اليوميّة. تشمل الفوائد العمليّة: راحة البال، تخفيف المعاناة، الثّبات والاستقرار، وضوح المزاج، تحسين الذّاكرة، زيادة كفاءة العمل، صحة جيّدة، نوم هادئ، تحسين التّعلّم، والأهم من ذلك، تحصيل الثّواب"[52]. وطريقة الجلوس في التّأمل:  "اجلس بوضعيّة التّمدّد المتقاطع، ضع رجلك اليمنى فوق اليسرى، اجلس وظهرك مستقيم وعيونك مغلقة، ركّز انتباهك على سرّتك، راقب بطنك وهو ينتفخ وينكمش مع التّنفس"[53]، ثمّ تقنية التّنفس: "عند الشّهيق، اترك بطنك يتمدّد، قل ذهنيّا "ينتفخ"، وزامن عقلك مع حركة بطنك، لا تجعل عقلك يسبق أو يتأخر عن الحركة. عند الزّفير، اترك بطنك ينكمش، قل ذهنيّا "ينكمش"، وزامن عقلك مع الحركة"[54].  "اجعل وعيك منصبّا فقط على انتفاخ وانكماش البطن. لا تركز على الهواء عند الأنف، ولا تجبر بطنك على الحركة. اشعر بالحركة الطّبيعيّة: البطن يتحرّك للأمام عند الانتفاخ، وللخلف عند الانكماش، لا تتخيّل أنّه يتحرّك للأعلى أو للأسفل. واصل هذا التّدريب طوال الوقت المحدّد للتّأمل"[55].

وأمّا طريق التّعامل مع الأحاسيس أثناء التّأمل فيتمثل في: "عندما تظهر الأحاسيس فهي أمر مهمّ جدّا، ويجب أن تظهر مع الممارس بلا شك. يجب التّحلي بالصّبر لأنّها تُساعد على بناء فضيلة الصّبر. إذا فقد الممارس الصّبر؛ فإنّ ممارسة فيباسانا أو التّأمل العميق ستفشل"[56]، "أثناء الجلوس أو المشي التّأمليّ: إذا ظهرت الأحاسيس مثل الألم، أو الانزعاج، أو الوخز، أو الحكّة؛ توقف عن المشي، أو عن ممارسة التّنفس (انتفاخ وانكماش البطن)، ركّز وعيك على هذه الأحاسيس، ووجّه انتباهك إليها مع تحديدها كما هي: "ألم.. ألم.." "وجع.. وجع.." "تعب.. تعب.." "حكّة.. حكّة.." استمر في التّركيز على هذه الأحاسيس حتّى تزول، ثمّ عد إلى الجلوس أو المشي التّأمليّ"[57]. وعندما يتشتت الذّهن: "إذا بدأ العقل يفكّر بالمنزل، الممتلكات، أو أيّ تشويش ذهنيّ، ضع وعيك عند الجزء العلويّ من البطن (الضّلوع). ووجّه انتباهك إلى التّفكير قائلا ذهنيّا: "تفكير.. تفكير.." استمر في هذا التّركيز حتّى يتوقف الذّهن عن التّفكير، سواء كان التّفكير سعيدا، حزينا، أو غضبا"[58]. خلاصة التّأمل: "مواجهة الأحاسيس والأفكار بصبر ووعي، مع تحديدها كما هي؛ هي الطّريقة الأساسيّة لممارسة التّأمل بنجاح. الصّبر والوعي هما المفتاح لتجاوز الانزعاج العقليّ والجسديّ أثناء التّأمل. التّعامل مع المشاعر أثناء التّأمل والنّوم والأنشطة اليوميّة مثلما مع الأحاسيس الأخرى: عند الشّعور بالسّعادة؛ ركّز ذهنيّا وقل: "سعادة.. سعادة.." عند الحزن: "حزن.. حزن.." عند الغضب: "غضب.. غضب.." وهكذا مع جميع المشاعر"[59].

وممارسة التّأمل أثناء النّوم: "استلقِ ببطء وهدوء، ووجّه وعيك إلى نفسك قائلا ذهنيّا: "نوم.. نوم.." حتّى تستقرّ في وضع النّوم. ركّز وعيك على حركة الجسم أثناء الاستلقاء. بعد الاستقرار، ضع وعيك على البطن ووجّه الانتباه إلى الانتفاخ والانكماش: "ينتفخ.. ينكمش.." راقب جيّدا ما إذا كنت ستغفو أثناء الانتفاخ أم الانكماش"[60]، وأمّا ممارسة التّأمل أثناء القيام بالأنشطة المختلفة: عند المشي في أيّ مكان، دخول الحمّام، تناول الطّعام، أو القيام بأيّ عمل؛ يجب أن يكون لديك وعي دائم بكلّ حركة، أي أن تكون يقظا تماما للّحظة الحاضرة، وتراقب كلّ تصرّف وفق الواقع كما هو"[61]. خلاصة ذلك أنّ "مفتاح التّأمل النّاجح والحياة الواعية هو المراقبة المستمرة للأحاسيس، المشاعر، وحركات الجسم. سواء أثناء الجلوس، المشي، النّوم، أو الأنشطة اليوميّة. يجب الحفاظ على الوعي الكامل باللّحظة الحاليّة"[62].

كما يرتبط بأعواد البخور، ثلاثة أعواد تدلّ على: "العود الأول: فضيلة الحكمة (البِنايا)، العَود الثّاني: فضيلة الطّهارة، العَود الثّالث: فضيلة الرّحمة العظمى"[63]. كما يرتبط أيضا بالشّموع، "إشعال شمعتين: هو عبادة للدَرْس (الدّهرما) والانضباط البوذيّ (فينايَ)، الشّمعة اليمنى بالنّسبة لتمثال بوذا على يمين مَن يُشعل تمثّل شمعة الدَرْس، والشّمعة اليسرى بالنّسبة لتمثال بوذا على يسار المشتع تمثّل شمعة الانضباط (الفينايَ)"[64].

وفي الذّكر الصّفح من الجواهر الثّلاثة: "أنحني للبوذا، وكلّ ما صدر منّي من خطأ أو تقصير، فاعفُ عنّي أيّها الجليل. أنحني للدّارما، وكلّ ما صدر منّي من خطأ، فاعفُ عنّي أيّها الجليل. أنحني للسّانغا، وكلّ ما صدر منّي من خطأ، فاعفُ عني أيّها الجليل. أتّخذ البوذا ملجأ لي. أتّخذ الدّارما ملجأ لي. أتّخذ السّانغا ملجأ لي"[65].

ثمّ يجدّد الالتجاء إلى الجواهر الثّلاثة للمرة الثّانية والثّالثة: "للمرة الثّانية أتّخذ البوذا ملجأً لي. للمرة الثّانية أتّخذ الدّارما ملجأ لي. للمرة الثّانية أتّخذ السّانغا ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ البوذا ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ الدّارما ملجأ لي. للمرة الثّالثة أتّخذ السّانغا ملجأ لي"[66].

وهناك دعاء البركة ونصّه: "هذا وقت مبارك، مليء بالخير، وبداية حسنة، ولحظة سعيدة سامية، فليكن هذا اليوم صدقة مباركة في طريق الطّهارة والسّمو الرّوحيّ، فلتكن أفعال الجسد، وأقوال اللّسان، وأفكار العقل، كلّها مباركة وصالحة، ومن يقوم بالأعمال الصّالحة؛ ينال ثمارها الطّيبة"[67]. "فلتكن كلّ البركات حاضرة، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوّة جميع البوذات، فليكن لي السّلام الدّائم"[68]. ودعاء البركة والحماية ونصّه: "فلتكن كلّ البركات، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوة الدّارما؛ فليكن لي السّلام الدّائم"[69]. "فلتكن كلّ البركات، ولتحفظني جميع القوى السّماويّة، وبقوّة السّانغا؛ فليكن لي السّلام الدّائم"[70].

ومن الطّقوس أيضا في البداية يُقدِّم الممارس زهورا وبخورا وشموعا تكريما لـلجوهر الثّلاثيّ: البوذا والدّارما والسّانغا"[71].

ومن أنواع الأدعية دعاء إزالة العوائق ونصّه: "أتقبّل وأستقبل (الخير). لا أتشبّث ولا أتعلّق. ليحفظني براهمـا والآلهة العظمى، وجميع الأرواح الحارسة، وليُزيلوا العوائق"[72]. ودعاء الرّزق ونصّه: "ليمنحني براهمـا والآلهة العظمى وفرة في الرّزق. لتكن لي بركة عظيمة، ورزق وفير بلا انقطاع"[73]. ودعاء نجاح التّجارة، ونصّه: "ببركة بوذا، لتأتِ قلوب النّاس، ولتأتِ نيّاتهم إليّ، وليأتِ الرّزق، ولتأتِ المحبّة، في أرض البشر، رجالا ونساء، ولتتعلّق قلوبهم بي"[74]. ولديهم دعاء المحبّة والقبول العام (دعاء الميتّا العظيم)، حيث "ينبغي للإنسان أن يُنمّي المحبّة والرّحمة، بقلب واسع بلا حدود، يشمل بها جميع العالم"[75].

وهناك خاطرة ومناجاة الحبّ بين الأبناء والآباء: "أحببتك يا طفلي.. وأنت تحبّني، والآباء قد شاخوا، يوم نلتقي فيه، قلبي لا يودّ الفراق، لكنّ الحياة لا تصبر عليها الرّوح. أتوسل إليك إن شعرت بالشّفقة على هذا العجوز وقد بلغ سنّه. إن لم تحبّ، فلا بأس، لكن دعنا نوفر لك الطّعام والمأوى. حين تغضب أو تبكي من المرض؛ أراقبك وأرعاك حتّى تكبر، آملًا فقط أن أراك. سامحني إن أخطأت، قلبي صادق، مليء بالحبّ فقط. الشّجرة القريبة من الشّاطئ، لابدّ أن تسقط يوما ما، والوداع منك لن يطول، مجرد طرفة عين من الأيام. لكنّني أريد أن أرى أولادي وأحفادي، حتّى لو تكسّرت نفسي من الحزن، فلا تذكر ذلك بكلمات تؤلم القلب، فالخيال قد يجرح بلا وعي. فقط بالرّحمة والاهتمام، تخفّف عن النّفس من الهمّ، وتبعث السّعادة، لنتذكر أيام الطّفولة، من يواسينا حينها؟ حتّى لو تعبنا أجسادنا، نحتمل، كي تكبر وتصبح شامخا. فلتكن أفكارك دائما مليئة بالدّعاء والتّوفيق لنا، لكن لا تنتظر طويلا، فالشّاطئ الّذي نتركه قد يظلّ وحيدا بعدنا"[76].

التّوسل بمدح الجواهر الثّلاثة:

نظريّة التّوسل حاضرة في جميع الأديان بصور مختلفة، وفي البوذيّة نجد التّوسل حاضرا عن طريق ذكر صفات الجواهر الثّلاثة، أولها البوذا، "هكذا هو البوذا، المبارك: الطاهر الكامل (أرهنت)، المستنير استنارة تامّة بذاته، الكامل في المعرفة والسّلوك، السّائر في الخير، العارف بالعوالم، المعلّم الّذي لا يُعلى عليه، مروّض البشر، معلّم الآلهة والبشر، هو البوذا، المبارك"[77].

وثانيها التّوسل بصفات الدّارما: "الدّارما الّتي أعلنها البوذا إعلانا كاملا، يمكن إدراكها مباشرة بالتّجربة، غير مرتبطة بالزّمان، تعال وانظر بنفسك، تدعو إلى الاختبار لا إلى التّقليد الأعمى، تقود إلى الدّاخل، إلى التّزكية والتّحوّل الباطنيّ، تُدرك شخصيّا من قبل الحكماء والعارفين"[78].

وثالثها التّوسل بصفات السّانغا: "جماعة تلاميذ البوذا الّذين يسيرون سلوكا حسنا، السّائرون في الطّريق المستقيم، السّائرون في الطّريق الصّحيح المؤدّي إلى الحقيقة، السّائرون سلوكا مستقيما ونقيّا، هؤلاء هم أربعة أزواج من الأشخاص، أي ثمانية أصناف من المستنيرين، هذه هي جماعة تلاميذ البوذا، المستحقّون للتّقرب إليهم، المستحقون للضّيافة، المستحقون لتقديم الصّدقات لهم، المستحقون لرفع الأكفّ احتراما لهم، إنّهم أسمى حقل للخير والبركات في هذا العالم"[79].

ومن عبارات التّوسل بالآراهَنت: "هذا هو، أيّها المبارك: الأراهَنتُ، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك المستنير حقّا بالتّنوير التّام، هذا هو، أيّها المبارك: المملوء بمعرفة وبلوغ المقامات الرّوحيّة، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك: الّذي سار على الطّريق الحسن المستقيم، حقّا هو المبارك، هذا هو، أيّها المبارك: عالم بالأمكنة والأنظمة العالميّة، حقّا هو المبارك. ألوذ بالآراهَنت، أسجد وأُقدّم التّحيّة للآراهَنتِ. ألوذ بالمستنير التّام؛ أسجد وأُقدّم التّحية للمستنير. ألوذ بالممتلئ بالمعرفة وبلوغ المقامات؛ أسجد وأُقدّم التّحيّة له، ألوذ بالّذي سلك الطّريق الحسن، أسجد وأُقدّم التّحية له. ألوذ بالعالم بحقائق العالم؛ أسجد وأُقدّم التّحيّة له. هذا هو المبارك، لا يُضاهى حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: قائد الرّجال الصّالحين، حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: معلّم الآلهة والنّاس، حقّا هو المبارك. هذا هو المبارك: المستنير حقّا هو المبارك. ألوذ باللّا منازع[80]، أسجد وأُقدّم التّحيّة للّذي لا منازع له، ألوذ بقائد الرّجال الفاضلين، أسجد وأُقدّم التّحيّة لقائد الرّجال الفاضلين، ألوذ بالمعلّم، معلّم الآلهة والبشر، أنحني برأسي للمعلّم، معلّم الآلهة والبشر. ألوذ بالبوذا، أنحني برأسي للبوذا"[81].

وهناك توسل إيتِيبيسو في مدح البوذا ونصّه: هكذا هو البوذا المبارك: "الطّاهر الكامل، المستنير استنارة تامّة بذاته، الكامل في العلم والسّلوك، السّائر في الخير، العارف بالعوالم، المعلّم الّذي لا يُعلى عليه، مروّض البشر، معلّم الآلهة والبشر، هو البوذا المبارك، نشر المحبّة نحو النّفس، لِيَكن لي سعادة، لِيَكن لي خلوّ من المعاناة، لِيَكن لي خلوّ من العداوة، نشر المحبّة لنفسك، ليكن لي خلوّ من الأذى والعوائق والمخاطر، ليكن لي خلوّ من معاناة الجسد والقلب، ليكن لي سعادة في الجسد والقلب، ولأحفظ نفسي من كلّ شرّ وأذى، نشر المحبّة لجميع الكائنات، جميع الكائنات الحيّة، شركاء في المعاناة: الولادة، والشّيخوخة، والمرض، والموت، ليكونوا سعداء، وليكونوا بلا عداوة فيما بينهم.. وليكونوا بلا إيذاء ولا اعتداء، وليكونوا بلا معاناة ولا ضيق، فليكونوا سعداء جسدا وقلبا، وليحفظوا أنفسهم من كلّ شقاء وخطر[82].

هناك أيضا التّوسل بالنّصر، وهي عبارة عن مقاطع ثمانية لانتصار بوذا، من يتلوها "كلّ يوم بيقظة وانتباه؛ سيتجاوز أنواعا كثيرة من المصائب، ويبلغ التّحرّر والسّلام والسّعادة، إذا كان ذا بصيرة وحكمة"[83]. ونصّه: "مارا (شيطان الوهم)، الّذي أظهر آلاف الأذرع والأسلحة، وامتطى فيل الحرب المهيب، قاده جيش مرعب، لكن الحكيم العظيم (البوذا) هزمه بقوّة العطاء والفضائل، فليكن ببركة ذلك النّصرِ النّصرُ والخير لي. أولئك الشّياطين المتوحشون الّذين هاجموا البوذا طوال اللّيل بكلّ عنف وقسوة، هزمهم الحكيم العظيم بقوّة الصّبر وضبط النّفس، فليكن ببركة هذا الانتصار النّصرُ والخير لي. الفيل نالاغيري، الفيل الهائج المندفع كالنّار والبرق، المرعب والمدمّر، أخضعه الحكيم العظيم (البوذا) بقوّة محبّة الرّحمة (الميتّا)، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. أنغوليمالا، القاتل الّذي كان يركض شاهرا سيفه، يقطع المسافات الطويلة طلبًا للقتل، هزمه الحكيم العظيم بقوّة حكمته وقدرته الرّوحيّة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. حين اتُّهم البوذا ظلمًا أمام النّاس باتّهام امرأة شريرة  (تشينتشا)، ظلّ هادئا مسالما كالقمر الصّافي، فانتصر بالحقيقة والسّكينة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. سَتشّاكا (المناظر المتكبّر) الّذي تخلّى عن الحقيقة، وتشبّث بجداله الأعمى، هزمه الحكيم العظيم بمصباح الحكمة المضيء، فليكن ببركة هذا النّصر النصرُ والخير لي.  الأفعى العظيمة (ناندوباناندا)، ذات القوى الهائلة، روّضها البوذا بواسطة ابنه الروحي الراهب .....، بقوّة الحكمة والقدرة الرّوحيّة، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي. براهما كان أسيرا لرأي خاطئ كمن أمسك أفعى سامّة بيده، لكنّ الحكيم العظيم شفاه بدواء الحكمة والمعرفة، فانتصر على الجهل، فليكن ببركة هذا النّصر النّصرُ والخير لي"[84].

وهناك التّوسل أيضا بدعاء النّصر المسمّى المهاكارونِكا، ونصّه: "البوذا، العظيم في الرّحمة، هو الملجأ لكلّ الكائنات، وقد أكمل كلّ الفضائل، وبلغ الاستنارة العليا، بقوّة هذه الحقيقة، فليكن لي النّصر والبركة"[85].

وهناك توسل أيضا بشجرة الاستنارة ونصّه: "كما انتصر البوذا تحت شجرة الاستنارة، فزاد فرح عشيرة السّاكيّا، كذلك فليكن لي النّصر، انتصر لي بنصرٍ مباركٍ لا يُقهَر"[86]. وتوسل ببركة يوم الاستنارة ونصّه: "حين جلس البوذا على عرش الاستنارة فوق زهرة الأرض، وتُوِّج أعظمَ جميع البوذات، فغمره الفرح العظيم"[87].

وهناك التّوسل بدعاء البركة، ونصّه: "من يطلب ولدا؛ فليُرزق ولدا، ومن يطلب مالا؛ فليُرزق مالا، ومن يطلب الخير والصّحة؛ فليحصل عليهما، وليكن محبوبا لدى الآلهة، المبارك، المستحقّ للتّبجيل، مع ياما (ملك الموت)، وڤيسوفانا (حارس الجهات)، ليكون الموت سلاما، بوذا هو الكامل المستنير، تحيّة لبوذا. البوذات الجالسون على عرش النّصر، الّذين قهروا مارا (قوى الشّر والوهم)، وأعلنوا حقائق الدّارما الأربع[88]، أولئك الأبطال العظماء الّذين يهبون الحياة. بوذات الماضي، بدءا من تانهاكارا، الثّمانية والعشرون معلّما مستنيرا. جميع الحكماء والمستنيرين يقيمون فوق رأسي، يحمونني. بوذا مستقرّ فوق رأسي، الدّارما تحرس عينيّ، السّانغا تستقرّ على صدري، مصدر كلّ الفضائل. أنورودها يحرس قلبي، وساريبوتّا عن يميني، وكوندانيا خلفي، وموغّالانا عن يساري. أناندا وراهولا يحميان أذنيّ من جهة اليمين، وكاسابّا وماهاناما يحميان أذنيّ من جهة اليسار. خلفي يشرق نور كالشّمس، يبدّد الظّلمة ويشعّ حماية، الجالس في مجده وكماله، المتلألئ، قائد الحكماء (بوذا). الرّاهب الجليل كُماراكاسّابا، صاحب العقل العظيم، والكلمة الحكيمة. هو ثابت دائما أمامي، يحرسني بفيض فضائله، بُـنّا، أنغوليمالا، أوبالي، ناندا، سيفالي، هؤلاء الرّهبان الخمسة الكبار يثبتون على جبيني كعلامة حماية، وسائر الثّمانين من كبار الرّهبان، تلاميذ بوذا المنتصرين، يحيطون بي كدرع من نور وحماية. الثّمانون من كبار الرّهبان العظام، أبناء بوذا المنتصر، المتلألئون بقوّة الفضيلة، يقفون حارسين على جميع أعضائي. جوهرة البوذا أمامي، وعن يميني سوترا المحبة (الميتّا)، ومن خلفي سوترا راية النّصر (دهجاغّا)، وعن يساري سوترا أنغوليمالا. وحولي سوترا الطّاووس (مورَ برتّا)، وسوترا آطاناطي (الحماية من الأرواح المؤذية). وفي السّماء مظلّة من الحماية، وسائر الجهات كجدران حصينة. محاط بدرع بوذا المنتصر، بسبعة أسوار من الحماية الكاملة. سواء كانت العلل ناشئة من الرّياح أو الصّفراء أو غيرها، أو من الأخطار الخارجيّة أو الدّاخلية، فلتزُل جميعها بلا استثناء، بقوّة بوذا اللّامحدودة. ما دمت أعيش في واجبي، فأنا دائمًا داخل درع البوذا المستنير. وأنا مقيم داخل درع النّصر (تشينابنجر) في هذا العالم. فليحمِني دائما جميع العظماء المستنيرين. هكذا أكون محفوظا ومحصَّنا تماما. بقوّة بوذا أُهزم كلّ الأخطار، وبقوّة الدّارما أُهزم كلّ الأعداء والعوائق، وبقوة السّانغا  أُهزم كلّ الأخطار، وبقوة الدّارما الحقّة أكون محفوظا ومحميّا، أسير وأعيش داخل درع النّصر (تشينابنجر)"[89].

إهداء ثواب الدّعاء:

في البوذيّة يوجد أيضا إهداء الدّعاء إلى الأقرب من الأبناء والوالدين إلى الأوسع إلى من في الطّبيعة والآلهة، ومنه: "ليكن هذا الفضل الّذي عملته لمصلحة والديّ، فليكن أبي وأمّي في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لأقاربي جميعا، فليكن جميع أقاربي في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لمعلميّ وشيوخيّ وأساتيّ، فليكن معلّمونا وشيوخنا وأساتذتنا في سعادة وسلام، ليصل هذا الفضل إلى المعلّمين والأساتذة، وليكونوا سعداء، ليكن هذا الفضل لجميع الآلهة والكائنات السّماويّة، فلتكن جميع الآلهة في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع الأرواح الهائمة، فلتكن جميع هذه الأرواح في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع أعدائي وأصحاب الدّيون الكارميّة[90]، فليكن جميعهم في سعادة وسلام، فليكن جميع أصحاب الحقوق والخصومات الكارمية  في سعادة وسلام، ليكن هذا الفضل لجميع الكائنات الحيّة، فلتكن جميع الكائنات في سعادة وسلام بلا استثناء"[91].

ودعاء سكب الماء لإهداء الفضل إلى الدّائنين الكارميّين، ونصّه: "أُهدي هذا الفضل النّاتج عن ممارستي للتّأمل والعبادة إلى جميع أصحاب الحقوق والدّيون الكارميّة المرتبطين بي، الّذين أسأتُ إليهم أو اعتديتُ عليهم في الحيوات الماضية، أو في هذه الحياة الحالية، أيّا كان العالم أو المستوى الذي يوجدون فيه، أسأل أن يصلهم هذا الفضل، وأن يتفضّلوا بالعفو عنّي، وأن يفرحوا بهذا الخير (أنومودانا)، بقدرة هذا الفضل"[92].

وهناك دعاد إهداء ثوب الكاثين/ الكاثينا، ونصّه: "لأجل ذلك، بقداسة هذا الفعل، ثوب الكاثين هذا، أهديهُ، أنا/نحن، في هذه اللّيلة المباركة، لمنفعةٍ ولراحةٍ. يا أيّها الرّهبان الأفاضل، نحن المباركون نحترم/ نُهدي ونعرض ثوب الكاثين مع مرافقيه هذا للسّنغا المقدّسة. نرجو من الرّهبان أن يتقبّلوا ثوب الكاثين ومرافقه عنّا، وبعد القبول صلّوا بالكاثين بهذا الثّوب لفائدتنا ولسعادتنا، إلى الدّوام. آمين"[93].

وهناك أيضا إهداء دعاء تقديم الصّدقة للسّانغا ونصّه: "أيها الرّهبان الأجلّاء، نحن نقدّم بكلّ احترام هذه الأطعمة مع مرافِقاتها إلى جماعة الرّهبان. نرجو من جماعة الرّهبان الكرام أن يتفضّلوا بقبول هذه الأطعمة مع مرافِقاتها منّا، ليكون ذلك سببا في منفعتنا وسعادتنا مدّة طويلة"[94]. إذا تمّ التقديم بعد أن يكون الرّهبان قد انتهوا من الأكل وقت الظهيرة، فيُستعمل هذا الدّعاء: "ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى السّعادة. ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى القوة والبركة. ليكن صدقتي الّتي قدّمتها صدقة طاهرة، سببا لزوال الشّهوات، ومؤديّة إلى نيل النّيرفانا"[95]، ثمّ بعد ذلك "يُقدّم الزّهور والبخور والشّموع وثوب الرّهبان، ولا يقدّم الوعاء الّذي يحتوي على الأطعمة أو المستهلكات؛ لأنّ تقديم الطّعام بعد وقت الظّهيرة للرّهبان يُعدّ مخالفة رهبانيّة"[96].

أوقات وأيام الدّعاء المفضّلة:

في البوذيّة "يُستحب أن يبدأ هذا الذّكر في يوم الخميس لأنّه يوم مبارك"[97]، ويوم الخميس له مكانته عند بعض الأديان، ففي اليهوديّة يستحبون صوم الاثنين والخميس حيث ترفع فيهما الأعمال، وفي الإسلام: "تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم".

نجد حضور بعد الشّهر القمريّ في العديد من طقوس الأديان، فهو حاضر في الفيديّة (الهندوسيّة) مع ربطه بالشّمسيّ، وبعض الأعياد ترتبط بالقمر، وفي اليهوديّة مع ربطه بالشّمسيّ مبكرا، وفي المسيحيّة قبل إقرار التّقويم الشّمسيّ أو الميلاديّ، فعيد الفصح لا زال مرتبطا بالأحديّة الأولى بعد الاعتدال الرّبيعيّ، وإن كان في الأصل قمريّا، نجد هذا عند البوذيّين، فعيد عيد فيساك (ميلاد وفاة بوذا) في الثّيرفادا يكون عند اكتمال القمر، كما أنّ إهداء ثوب الكاثين[98] "يمكن الإهداء من الشهر القمري الأول (١ قمري) إلى اليوم الخامس عشر من الشهر الثاني عشر (١٢ قمري)"[99]، ويكون عادة في المعبد.

كما نجد عادة التّثليث في الأدعيّة عند البوذيّة، أو في النّفث على الماء، وهو موجود في الإسلام، فدعاء الرّزق "يُتلى ثلاث مرّات قبل النّوم، وعند الاستلقاء يُتلى ثلاث مرّات أخرى، وذلك لجلب المال والرّزق، فيُرزق الإنسان أموالا ومنافع بصورة عجيبة"[100].

ودعاء نجاح التّجارة "يُفضِّل التجّار وأصحاب المحلّات أن يتلوا هذا الذّكر ثلاث مرّات، ثمّ ثلاث مرّات أخرى، ثمّ ينفثوا في الماء ليصبح ماء مباركا، فيغسلوا به الوجه، ويرشّوا منه على البضائع، فيُبارك لهم في تجارتهم، وتُباع سلعهم جيّدا"[101].

الدّارما والزّمكانيّة:

"الدّارما الّتي أعلنها البوذا إعلانا كاملا، يمكن إدراكها مباشرة بالتّجربة، غير مرتبطة بالزّمان (صالحة في كل وقت)، تعال وانظر بنفسك، تدعو إلى الاختبار لا إلى التّقليد الأعمى، تقود إلى الدّاخل، إلى التّزكية والتّحوّل الباطنيّ، تُدرك شخصيّا من قبل الحكماء والعارفين"[102].

نظريّة الصّلاحيّة الزّمكانيّة المتعلّقة بالدّارما/الشّرائع/التّقليد/الوصايا/ الحكمة نجدها متشابهة في الأديان والفلسفات عموما، باعتبارها عابرة للزّمكانيّة. وسيظهر هذا في أبحاث قادمة.

***

بدر العبري – كاتب وباحث عُماني

.............................

[1] قمت بترجمته وقراءته باستخدام الذّكاء الاصطناعيّ، مع حضوري في المعبد، وتأملي لطقوسهم في أكثر من موقع.

[2] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, พระธรรมสิงหบุราจารย์, พิมพ์ที่ บริษัท รุ่งเรืองวิริยะพัฒนาโรงพิมพ์ จำกัด, 3.

[3] نفسه؛ ص: 46.

[4] نفسه؛ ص: 46.

[5] نفسه؛ ص: 47.

[6] نفسه؛ ص: 48.

[7] نفسه؛ ص: 48.

[8]  "عيد الفطر في هات ياي"، بدر العبريّ؛ مقالة نشرت في ملحق جريدة عمان الثّقافيّ، عدد (28)، الخميس 16 شوال 1445هـ/ 25 أبريل 2024م، ص: 30 – 31.

[9] من خلال تأملي في الثّقافات الهنديّة وشرق آسيا على المسح الأولي لا توجد ديانة اسمها الهندوسيّة، والفرس لمّا تمدّدوا إلى بلاد السّند أطلقوا على منطقة سندهو أو سند على ضفاف نهر السّند اسم هندهو أو هند، ثمّ شاع الاسم، ثمّ خصّ به غير المسلمين، لهذا حدث الخلط في الأدبيات العربيّة بين الأديان هناك، كما حدث الخلط بين تنوع وتطوّر الفيدس أو الفيدا أنفسهم، وتشكّلها في لاهوتيّات وطقوس مختلفة.

[10] Guide to the Study of Theravada Buddhism, The Colombo Y.M.B.A Sri Lanka, Tharanjee Prints, Y.M.B.A Sri Lanka, 23.

[11]  อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 76.

[12] نفسه؛ ص: 25.

[13] نفسه؛ ص: 53.

[14] نفسه؛ ص: 54.

[15] براهما في البوذيّة كائنات إلهيّة تعيش في عوالم عليا غير خالدة، وتعيش ضمن دورة التّناسخ، وأصل هذا فيديّ (هندوسيّ)، فهم يمايزون بين براهمان وبراهما، والأول مبدأ مطلق لانهائيّ، والثّاني إله محدود متجسّد خالق الكون ضمن ثالوث (براهما، فيشنو، شيفا).

[16] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 70.

[17] نفسه؛ ص: 39.

[18] نفسه؛ ص: 50.

[19] حبّة الحنطة، متّى المسكين؛ ط دير القدّيس أنبا مقار، وادي النّطرون – مصر، الطّبعة الحادية عشرة، 2019م، ص: 5.

[20] نفسه؛ ص: 6.

[21] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[22] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[23] نفسه؛ ص: 7.

[24] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف.

[25] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف بسيط.

[26] نفسه؛ ص: 6.

[27] نفسه؛ ص: 21.

[28] نفسه؛ ينظر ص: 7 – 8.

[29] نفسه؛ ص: 6. بتصرّف.

[30] نفسه؛ ص: 9. بتصرّف.

[31] نفسه؛ ص: 9.

[32] أنسنة الحياة في الإسلام، مرتضى مطهريّ، ط دار الإرشاد للطّباعة والنّشر والتّوزيع، لبنان – بيروت، الطّبعة الثّانية، 1441هـ/ 2020م، ص: 120 – 122. بتصرّف.

[33] نفسه؛ ص: 122 – 123. بتصرّف.

[34] نفسه؛ ص: 123 – 124. بتصرّف.

[35] منشيوس؛ ترجمة: فراس السّواح وشوي تشينغ قوه، ص: 83 – 87.

[36] دافيد جي روبرتسون، الغنوصيّة وتأريخ الأديان؛ ترجمة: محمّد عبد الله، ط آفاق المعرفة، السعودية/ الرّياض، الطّبعة الأولى، 1444هـ/ 2022م.

[37] نفسه.

[38] هدى عليّ كاكه يي، الغنوصيّة: قراءة في تأويلاتها الرّمزيّة ودلالاتها الفلسفيّة؛ ط دار قناديل، العراق/ بغداد، الطّبعة الأولى، 2021م، ص: 316.

[39]  يُنظر: الغنوصيّة: قراءة في تأويلاتها الرّمزيّة ودلالاتها الفلسفيّة؛ ص: 305 – 308.

[40] نفسه، ص: 308 – 313.

[41] نفسه، ص: 314 – 315.

[42] سيأتي الحديث في مباحث قادمة أثناء الحديث عن هذه الجوانب من خلال القراءات في الأديان المختلفة من خلال مصادرها وكتبها.

[43] อานิสงส์ของการสวด: พระพุทธคุณ, 4.

[44] نفسه؛ ص: 5.

[45] نفسه؛ ص: 49.

[46] نفسه؛ ص: 22.

[47] نفسه؛ ص: 23.

[48] نفسه؛ ص: 23.

[49] نفسه؛ ص: 23.

[50] نفسه؛ ص: 24.

[51] نفسه؛ ص: 50.

[52] نفسه؛ ص: 85.

[53] نفسه؛ ص: 85.

[54] نفسه؛ ص: 85.

[55] نفسه؛ ص: 85.

[56] نفسه؛ ص: 86.

[57] نفسه؛ ص: 86.

[58] نفسه؛ ص: 86.

[59] نفسه؛ ص: 86 – 87.

[60] نفسه؛ ص: 87.

[61] نفسه؛ ص: 87.

[62] نفسه؛ ص: 87.

[63] نفسه؛ ص: 50.

[64] نفسه؛ ص: 50.

[65] نفسه؛ ص: 24.

[66]  نفسه؛ ص: 25.

[67] نفسه؛ ص: 31.

[68] نفسه؛ ص: 31.

[69] نفسه؛ ص: 32.

[70] نفسه؛ ص: 32.

[71] نفسه؛ ص: 38.

[72] نفسه؛ ص: 76.

[73] نفسه؛ ص: 76.

[74] نفسه؛ ص: 78.

[75] نفسه؛ ص: 79.

[76] نفسه؛ ص: 88.

[77] نفسه؛ ص: 25.

[78] نفسه؛ ص: 26.

[79] نفسه؛ ص: 26 – 27.

[80] أي لا شبيه له.

[81] نفسه؛ ص: 51 – 54.

[82] نفسه؛ ص: 33 – 35.

[83] نفسه؛ ص: 30.

[84] نفسه؛ ص: 27 – 29.

[85] نفسه؛ ص: 30.

[86] نفسه؛ ص: 30.

[87] نفسه؛ ص: 31.

[88] أي حقيقة المعاناة، وسببها، وحقيقة زوالها، وحقيقة الطّريق المؤدّي إلى زوالها.

[89] نفسه؛ ص: 39 – 44.

[90] من عليه حقوق أو خصومات.

[91] نفسه؛ ص: 35 – 37.

[92] نفسه؛ ص: 37.

[93] نفسه؛ ص: 72.

[94] نفسه؛ ص: 74.

[95] نفسه؛ ص: 75.

[96] نفسه؛ ص: 75.

[97] نفسه؛ ص: 38.

[98] ثوب الرّهبنة، المصحوب بالذّكر.

[99] نفسه؛ ص: 71.

[100] نفسه؛ ص: 78.

[101] نفسه؛ ص: 79.

[102] نفسه؛ ص: 26.

في وظائف الخطاب الإقناعي للعامة

ظلّ الخطاب الديني عبر تاريخ الفكر الإنساني مجالا مركزيا لتفاعل قوى متعددة تتداخل فيها المعرفة بالعقيدة، والعقل بالوجدان والبرهان بالتمثيل. فالدين بوصفه خطابا موجَّها إلى الإنسان في كليته الوجودية، لا يكتفي بتقديم مضامين معرفية مجردة عن العالم والوجود والمصير، بل يصوغ هذه المضامين ضمن شبكة معقدة من الصور والرموز والتمثيلات التي تجعل المعنى قابلا للتداول داخل المجال الاجتماعي. ولهذا لم يكن الخطاب الديني في أي مرحلة من مراحله خطابا برهانيا خالصا، بل ظل دائما خطابا تتجاور فيه قوة الحجة مع قوة الصورة، ويتجاور فيه العقل مع المخيال في تشكيل الوعي الديني لدى الجماعة.

وقد تنبه الفلاسفة منذ القديم إلى هذه الطبيعة المركبة للخطاب الديني، فميّزوا بين مستويات متعددة من التعبير عن الحقيقة، بعضها يتخذ صورة المفهوم العقلي المجرد، وبعضها الآخر يتجسد في بنى رمزية وتمثيلية قادرة على مخاطبة الوجدان الجماعي. غير أن هذا التمييز بلغ في الفلسفة الإسلامية درجة عالية من الوضوح النظري مع أبي الوليد ابن رشد، الذي سعى إلى إعادة التفكير في طبيعة الخطاب الديني من داخل مشروعه الواسع لإعادة ترتيب العلاقة بين الحكمة والشريعة. فابن رشد لم يكتف بالدفاع عن مشروعية النظر العقلي داخل المجال الديني، بل حاول أيضا أن يفسر البنية الخطابية للنصوص الدينية نفسها، وأن يكشف عن الحكمة الكامنة وراء اعتمادها على التمثيل والتخييل في مخاطبة جمهور الناس.

وتبرز هنا أهمية مفهوم المخيال في التحليل الرشدي للخطاب الديني، إذ يتحول من مجرد ظاهرة نفسية مرتبطة بملكة الخيال إلى عنصر بنيوي داخل نظام البيان الديني. فالمخيال في هذا السياق يؤدي وظيفة معرفية وتربوية في آن واحد، لأنه يسمح بنقل المعاني الميتافيزيقية المجردة إلى صور حسية ورمزية تجعلها قابلة للإدراك لدى عامة الناس. فليس كل إنسان قادرا على إدراك المعقولات في صورتها البرهانية الخالصة، ولذلك كان لا بد من وسائط خطابية تمكّن المعنى من الانتقال من مستوى التجريد الفلسفي إلى مستوى الإدراك الشعبي.

إن هذا التصور يضعنا أمام رؤية فلسفية دقيقة لطبيعة التمثيل في الخطاب الديني، حيث لا يُفهم التمثيل بوصفه مجرد أسلوب بلاغي أو تقنية خطابية، بل بوصفه آلية معرفية تتصل بطبيعة الإدراك الإنساني ذاته. فالإنسان كما تشير إليه تقاليد فلسفية متعددة، لا يدرك المعنى المجرد إلا عبر صور وتمثيلات تساعده على تحويل المعقول إلى محسوس، واللامرئي إلى قابل للتصور. ويصبح التخييل هنا عنصرا أساسيا في بناء الخطاب الديني الموجَّه إلى العامة، لأنه يمنح المعاني الكبرى – مثل العدل الإلهي والجزاء الأخروي والمصير الإنساني – صورة رمزية قادرة على التأثير في المخيال الجماعي.

وانطلاقا من هذا الأفق النظري يحاول هذا المقال أن يستجلي موقع المخيال والتمثيل في الخطاب الديني عند ابن رشد، وأن يكشف عن الوظائف الإقناعية التي يؤديها التخييل في مخاطبة الجمهور داخل المجال الديني. كما يسعى إلى إبراز الأبعاد الفلسفية التي تنطوي عليها هذه الرؤية، من خلال تحليل العلاقة بين البرهان والتمثيل، وبين الحقيقة المفهومية والتجلي الرمزي للمعنى. فالتأمل في هذه المسألة لا يتيح فقط فهم جانب مهم من المشروع الفلسفي الرشدي، بل يفتح أيضا أفقا أوسع للتفكير في طبيعة الخطاب الديني نفسه، وفي الكيفية التي يتداخل بها العقل والمخيال في بناء المعنى داخل التجربة الدينية.

ليس الخطاب الديني في تاريخ الفكر الإسلامي مجرد بناء لغوي يستهدف الإخبار أو البيان، بل هو منظومة مركّبة من آليات البيان والتأثير والتوجيه، تتداخل فيها وظائف المعرفة بوظائف التربية والتدبير الاجتماعي. وقد أدرك كبار المفكرين المسلمين منذ وقت مبكر أن الخطاب الديني لا يخاطب جمهورا واحدا من حيث القدرة العقلية، ولا يخضع لمنطق برهاني صرف، بل يتوزع بين مستويات مختلفة من الإدراك، تتراوح بين البرهان العقلي الصارم والتمثيل الخطابي المؤثر. وترتب عن هذا أن حدث ونشأت في الفكر الإسلامي إشكالية عميقة تتعلق بعلاقة الحقيقة بالتمثيل، والعقل بالمخيال والبرهان بالإقناع، وهي الإشكالية التي بلغت عند ابن رشد درجة عالية من الوضوح النظري والتحليل الفلسفي.

لقد كان ابن رشد واعيا بطبيعة التعدد المعرفي داخل المجتمع الإنساني، وهو ما جعله يميز بين أنماط مختلفة من الخطاب تبعا لاختلاف الاستعدادات الذهنية للناس. فالخطاب البرهاني موجّه إلى الخاصة من أهل النظر، بينما يتوجه الخطاب الجدلي إلى المتكلمين وأهل الجدل، أما الخطاب الخطابي التمثيلي فيستهدف جمهور العامة. ويصبح المخيال الديني في هذا السياق أداة أساسية في بناء التمثيلات التي تسمح بنقل المعاني الميتافيزيقية المجردة إلى صور محسوسة قابلة للتلقي الجماعي.

إن هذا التصور لا يمكن فهمه إلا في ضوء المشروع الرشدي العام الذي سعى إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الفلسفة والشريعة وبين الحكمة والوحي، وهو المشروع الذي بلوره بوضوح في مؤلفات مثل كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال وكتاب الكشف عن مناهج الأدلة. ففي هذين العملين كما في غيرهما، يظهر ابن رشد مدافعا عن وحدة الحقيقة، معترفا في الوقت نفسه بتعدد طرائق التعبير عنها بحسب اختلاف المدارك الإنسانية.

لقد عبّر ابن رشد عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «إن الشريعة حق، والفلسفة حق، والحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». غير أن هذا التوافق بين الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية لا يعني وحدة الخطاب الموجّه إلى الجميع، بل يقتضي تعدد أنماط البيان. فالناس كما يقول أرسطو قبله، «ليسوا سواء في قبول البرهان»، ولذلك يحتاج الخطاب الموجّه إلى الجمهور إلى أدوات تخييلية وتمثيلية تسمح بتحويل المعاني العقلية إلى صور مؤثرة في المخيال الجماعي.

إن مفهوم المخيال هنا لا يحيل إلى مجرد الوهم أو الخيال بمعناه السلبي، بل يشير إلى ملكة معرفية لها دور أساسي في بناء التمثيلات الرمزية التي تسمح للعقل الإنساني بإدراك المعاني المجردة عبر الوسائط الحسية. وقد تنبه إلى هذه الوظيفة كثير من الفلاسفة منذ أفلاطون الذي رأى في الأسطورة وسيلة تعليمية موجهة إلى عامة الناس، حيث يقول في الجمهورية: «إن الأسطورة خطاب يوجه إلى النفوس التي لا تستطيع بلوغ المعرفة بالبرهان». ومع أن أفلاطون كان متوجسا من قوة المخيال، فإنه لم ينكر دوره التربوي في بناء الوعي الجماعي.

أما أرسطو فقد منح المخيال مكانة أكثر تحديدا داخل بنية المعرفة الإنسانية، إذ اعتبره وسيطا بين الحس والعقل، وصرح في كتاب النفس بأن «النفس لا تفكر من غير صورة». وقد استثمر الفلاسفة المسلمون هذا التصور الأرسطي ليبنوا عليه نظرياتهم في الخطاب الديني، وكان ابن رشد من أبرز من أعاد صياغة هذا المفهوم في سياق العلاقة بين الحكمة والشريعة.

إن المخيال في نظر ابن رشد ليس مجرد قدرة على إنتاج الصور، بل هو أداة معرفية ضرورية لتمثيل المعقولات في صور محسوسة تسمح للعامة بفهمها. ولذلك فإن التمثيل في الخطاب الديني ليس حيلة بلاغية فحسب، بل هو ضرورة معرفية تفرضها طبيعة التفاوت العقلي بين الناس. وقد عبّر ابن رشد عن هذه الفكرة بوضوح حين قال: «إن أكثر الناس إنما يصدقون بالأمثال لا بالبراهين».

وتتضح الوظيفة الإقناعية للتمثيل في الخطاب الديني، إذ يسمح بتحويل المعاني الفلسفية المجردة إلى صور رمزية قابلة للإدراك الجماعي. فالحديث عن الجنة والنار، وعن العرش والميزان وعن الثواب والعقاب، لا ينبغي فهمه دائما على نحو حرفي، بل ينبغي النظر إليه بوصفه تمثيلات خطابية تهدف إلى توجيه السلوك الأخلاقي لدى الجمهور.

ولا يعني هذا أن ابن رشد ينفي الحقيقة الدينية لهذه المفاهيم، بل إنه يميز بين مستويين في فهمها: مستوى ظاهري تمثيلي موجه إلى العامة، ومستوى تأويلي عقلي موجه إلى الخاصة من أهل النظر. وقد كان هذا التمييز في صلب منهجه التأويلي الذي يقوم على فكرة أن النص الديني يتضمن طبقات متعددة من المعنى، وأن فهم هذه الطبقات يختلف بحسب القدرة العقلية للقارئ.

وقد سبق الغزالي إلى الإشارة إلى هذا المعنى حين قال في إلجام العوام عن علم الكلام: «ليس كل ما يعلم يقال، ولا كل ما يقال حضر أهله». غير أن ابن رشد ذهب أبعد من ذلك حين جعل هذا التفاوت أساسا لنظرية متكاملة في الخطاب الديني، حيث يرى أن الشريعة نفسها قد خاطبت الناس بحسب مراتبهم العقلية، فاستعملت البرهان مع القادرين عليه، والجدل مع أهل الجدل، والتمثيل مع جمهور الناس.

إن هذا التصور يعكس وعيا عميقا بالطبيعة الاجتماعية للمعرفة الدينية، إذ لا يمكن لأي خطاب ديني أن يؤدي وظيفته التربوية من دون أن يستند إلى أدوات تخييلية تسمح له بالتأثير في الوجدان الجماعي. وقد أشار ابن خلدون لاحقا إلى هذا المعنى حين قال في المقدمة: «إن جمهور الناس إنما ينقادون بالأوهام والخيالات أكثر مما ينقادون بالبراهين».

ويبدو أن هذا الإدراك لطبيعة المخيال الجماعي هو ما جعل الخطاب الديني عبر التاريخ يعتمد على الصور الرمزية والقصص والأمثال. فالقرآن نفسه مليء بالتمثيلات التي تهدف إلى تقريب المعاني المجردة إلى الأذهان، كما في قوله تعالى: «مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل». وقد علّق الفخر الرازي على هذه الآية بقوله: «إن الأمثال أشد تأثيرا في النفوس من مجرد الأخبار»

وهذا ما يفسر أيضا حضور التمثيل بقوة في التراث الصوفي، حيث تتحول اللغة إلى فضاء رمزي يعبر عن تجارب روحية يصعب التعبير عنها بالمفاهيم العقلية المجردة. وقد قال ابن عربي في هذا السياق: «إن المعاني إذا تجردت عن الصور لم تدركها النفوس».

غير أن ما يميز تحليل ابن رشد للمخيال الديني هو أنه لم يتعامل معه بوصفه مجرد ظاهرة لغوية أو تربوية، بل نظر إليه بوصفه عنصرا بنيويا في نظام الخطاب الديني نفسه. فالشريعة في نظره لم تعتمد التمثيل صدفة، بل لأن طبيعة المخاطَبين تقتضي ذلك. فالإنسان العادي لا يستطيع إدراك المعاني الميتافيزيقية المجردة، ولذلك يحتاج إلى صور حسية تقربها إلى ذهنه.

ويصبح التمثيل في الخطاب الديني وسيلة لتحقيق ما يمكن تسميته بالاقتصاد المعرفي للخطاب، أي القدرة على نقل المعاني الكبرى بأدوات بسيطة يفهمها الجميع. وقد أشار إيمانويل كانط إلى فكرة قريبة من هذا المعنى حين قال: «إن المخيلة هي القدرة على تمثيل الشيء حتى في غيابه». وهذه القدرة هي التي تسمح للإنسان بتحويل الأفكار المجردة إلى صور قابلة للإدراك.

إن التقاء هذا التحليل الكانطي مع التصور الرشدي يكشف عن عمق الرؤية الفلسفية التي بلورها ابن رشد قبل قرون من تطور الفلسفة الحديثة. فهو يدرك أن العقل البشري لا يعمل في فراغ، بل يحتاج إلى وسائط تخييلية تساعده على بناء المعنى. ولذلك فإن الخطاب الديني الذي يتوجه إلى العامة لا يمكن أن يعتمد على البرهان وحده، بل يحتاج إلى التمثيل بوصفه أداة إقناعية فعالة.

وقد أدرك أرسطو هذه الحقيقة حين قال في الخطابة: «إن الخطاب الإقناعي يعتمد على إثارة المخيلة بقدر ما يعتمد على قوة الحجة». وهذا ما نجده بوضوح في الخطاب القرآني الذي يجمع بين قوة الحجة العقلية وقوة الصورة التخيلية.

ولعل من أبرز ما يميز تحليل ابن رشد لهذه المسألة هو محاولته التوفيق بين متطلبات الحقيقة الفلسفية ووظائف الخطاب الديني. فهو يرفض أن يتحول التمثيل إلى وسيلة لتضليل الناس، لكنه في الوقت نفسه يرى أنه ضرورة تربوية لا غنى عنها. ولذلك فإن الفيلسوف في نظره مطالب باحترام هذه الوظيفة الخطابية للشريعة وعدم كشف التأويلات الفلسفية أمام العامة، لأن ذلك قد يؤدي إلى اضطراب النظام المعرفي للمجتمع.

وقد عبّر عن هذا المعنى بوضوح حين قال: «من صرح بالتأويل لغير أهله فقد كفر». وليس المقصود بالكفر هنا المعنى العقدي الضيق، بل الإشارة إلى خطورة زعزعة اليقين الديني لدى العامة من خلال كشف المعاني التأويلية التي لا يستطيعون فهمها.

إن هذا الموقف يعكس إدراكا عميقا لطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة الرمزية في المجتمع. فالخطاب الديني ليس مجرد خطاب معرفي، بل هو أيضا أداة لتنظيم الحياة الأخلاقية والاجتماعية. ولذلك فإن الحفاظ على توازن هذا الخطاب يتطلب احترام مستويات الإدراك المختلفة لدى الناس. وقد أشار بول ريكور إلى هذا المعنى حين تحدث عن «قوة الرمز في تشكيل الوعي الإنساني»، حيث يرى أن الرموز الدينية ليست مجرد استعارات لغوية، بل هي بنيات تخييلية تشكل أفق فهم الإنسان للعالم. وهذا التحليل يلتقي إلى حد بعيد مع الرؤية الرشدية التي ترى في التمثيل أداة ضرورية لبناء المعنى الديني لدى الجمهور.

 إن المخيال في الخطاب الديني عند ابن رشد يؤدي وظيفة مزدوجة: فهو من جهة وسيلة معرفية لتقريب المعقولات إلى الأذهان، ومن جهة أخرى أداة تربوية لتوجيه السلوك الأخلاقي لدى الجماعة. وهذا التداخل بين المعرفة والتربية هو ما يمنح الخطاب الديني قوته التأثيرية في المجتمعات البشرية. ولعل هذا ما جعل هيغل يقول إن الدين «يمثل الحقيقة المطلقة في صورة تمثيلية»، بينما تمثل الفلسفة هذه الحقيقة في صورة مفهومية. وهذا التمييز الهيغلي يكاد يعيد صياغة الفكرة الرشدية نفسها، وإن كان بلغة فلسفية حديثة. فالحقيقة واحدة في نظر ابن رشد، لكن طرق التعبير عنها متعددة. والتمثيل ليس نقيضا للحقيقة، بل هو شكل من أشكال تجليها في مستوى الإدراك الشعبي. ولذلك فإن المخيال الديني لا ينبغي النظر إليه بوصفه عائقا أمام العقل، بل بوصفه وسيطا ضروريا بين المعنى المجرد والوعي الجماعي.

إن هذا الفهم العميق لوظائف المخيال في الخطاب الديني يكشف عن البعد الاجتماعي والسياسي للفلسفة الرشدية، حيث لا يقتصر دور الفيلسوف على البحث عن الحقيقة، بل يمتد إلى التفكير في كيفية تداول هذه الحقيقة داخل المجتمع. فالخطاب الذي يصلح للخاصة قد لا يصلح للعامة، واللغة التي يفهمها الفيلسوف قد لا يفهمها الجمهور. وتتجلى عبقرية ابن رشد هنا في إدراكه أن الفلسفة لا يمكن أن تنفصل عن شروط التواصل الاجتماعي، وأن الحقيقة تحتاج إلى وسائط خطابية تسمح لها بأن تصبح جزءا من الوعي الجماعي. ويكاد يغدو المخيال الديني عند ابن رشد جزءا من نظام معرفي متكامل يربط بين العقل والرمز، وبين البرهان والتمثيل وبين الفلسفة والشريعة، في محاولة لبناء خطاب ديني قادر على الجمع بين عمق الحقيقة وقوة التأثير.

يُفضي التأمل المتعمّق في تحليل ابن رشد لوظيفة المخيال داخل بنية الخطاب الديني إلى الكشف عن بنية معرفية مركّبة يتداخل فيها المنطقي بالبلاغي، والعقلي بالتخيلي والتربوي بالاجتماعي. فالتمثيل في نظره ليس مجرد أسلوب لغوي يهدف إلى تزيين العبارة أو تجميل المعنى، بل هو نمط من أنماط نقل الحقيقة إلى مستوى الإدراك الجماعي، وهو بذلك يؤدي وظيفة إبستمولوجية بقدر ما يؤدي وظيفة تربوية. ولعل هذه الفكرة هي التي تسمح بفهم الموقع المركزي الذي يحتله التخييل داخل نظرية الخطاب عند ابن رشد، حيث يتحول المخيال إلى وسيط بين الحقيقة المجردة والعقل العمومي الذي لا يستطيع بلوغها مباشرة.

إن الإنسان كما لاحظ أرسطو في تحليله لطبيعة المعرفة الإنسانية، لا ينتقل من الحس إلى العقل انتقالا مباشرا، بل يمر عبر وسيط تخييلي يسمح بتحويل المعطيات الحسية إلى صور قابلة للتفكير. وقد صرّح في كتاب النفس بأن «الفكر لا يكون من غير صورة متخيلة»، وهو القول الذي وجد صداه بوضوح في التحليل الرشدي. فابن رشد بوصفه الشارح الأكبر لأرسطو، أدرك أن المخيلة ليست مجرد قوة نفسية ثانوية، بل هي عنصر أساسي في بنية الإدراك الإنساني، وأن العقل نفسه لا يستطيع العمل من دون وساطة الصورة التخيلية.

غير أن أهمية هذا المفهوم لا تظهر فقط في مجال نظرية المعرفة، بل تتجلى أيضا في فهم طبيعة الخطاب الديني. فالخطاب الذي يتوجه إلى جمهور الناس لا يمكن أن يعتمد على المفاهيم الفلسفية المجردة، لأن تلك المفاهيم تتطلب تدريبا عقليا لا يتوفر إلا لعدد محدود من الناس. ولذلك فإن الشريعة في تصور ابن رشد، اعتمدت على التمثيل والتخييل لأنها تخاطب جمهورا واسعا من البشر تختلف قدراتهم العقلية والمعرفية.

وقد عبّر عن هذا المعنى حين قرر أن «طرق التصديق ثلاثة: برهانية وجدلية وخطابية». فالبرهان هو طريق الفلاسفة وأهل النظر، والجدل هو طريق المتكلمين، أما الخطابة فهي الطريق الذي يتوجه إلى عامة الناس. والخطابة بطبيعتها تعتمد على الصور والتمثيلات لأنها تخاطب المخيلة قبل أن تخاطب العقل المجرد.

إن هذه الفكرة تضعنا أمام تصور دقيق لطبيعة المعرفة الدينية في بعدها الاجتماعي، إذ لا يمكن لأي دين أن يؤدي وظيفته التربوية إذا اقتصر على الخطاب البرهاني الخالص. فالجماهير لا تتحرك بالبراهين المنطقية بقدر ما تتحرك بالصور الرمزية التي تخاطب وجدانها وتستثير خيالها. وقد أشار ديفيد هيوم إلى هذه الحقيقة حين قال إن «الخيال أقوى تأثيرا في الإنسان من العقل في كثير من الأحيان». وليس المقصود بذلك التقليل من قيمة العقل، بل الإشارة إلى الطبيعة المركبة للنفس البشرية التي تستجيب للصور أكثر مما تستجيب للمجردات.

ويمكن فهم السر في كثافة الصور والتمثيلات داخل الخطاب الديني. فالحديث عن الجنة بوصفها حدائق وأنهارا، وعن النار بوصفها لهيبا وعذابا محسوسا وعن الملائكة والعرش والميزان، كلها صور رمزية تهدف إلى تقريب المعاني الميتافيزيقية إلى الإدراك الشعبي. وقد لاحظ الغزالي هذه الوظيفة حين قال إن «الأمثال تضرب للمعاني لتقريبها إلى الأفهام». غير أن ابن رشد أعاد صياغة هذه الفكرة داخل إطار فلسفي أشمل يربط بين بنية الإدراك الإنساني ووظائف الخطاب الديني.

إن التمثيل هنا لا يعني اختزال الحقيقة في صورة حسية، بل يعني ترجمتها إلى لغة يفهمها الجمهور. فالمعنى الفلسفي قد يكون واحدا، لكن التعبير عنه يتغير تبعا لاختلاف المخاطبين. وهذا ما عبّر عنه شلايرماخر حين قال إن «الفهم الحقيقي لأي خطاب يقتضي معرفة الجمهور الذي يتوجه إليه». ويبدو أن ابن رشد قد سبق إلى هذا المعنى حين أكد أن الشريعة نفسها قد تنوعت في أساليب خطابها بحسب تنوع مدارك الناس.

ويكشف هذا التحليل عن وعي عميق بالبنية التداولية للخطاب الديني، إذ لا يمكن فصل المعنى عن شروط تلقيه داخل المجتمع. فاللغة التي تصلح للفلاسفة قد لا تصلح للعامة، والبرهان الذي يقنع أهل النظر قد لا يكون ذا أثر في الجمهور. ولذلك فإن التمثيل يصبح أداة ضرورية لتحقيق التواصل المعرفي بين مستويات الإدراك المختلفة داخل المجتمع.

وقد عبّر ابن خلدون عن هذه الحقيقة بلغة اجتماعية حين قال إن «الناس في الغالب تبع للخيال والوهم أكثر مما هم تبع للبرهان». وهذا القول يوضح أن المخيال ليس مجرد ظاهرة نفسية فردية، بل هو بنية جماعية تشكل جزءا من الوعي الاجتماعي. فالصور الرمزية التي يتداولها المجتمع تتحول مع الزمن إلى جزء من بنيته الثقافية والروحية، وهي التي تمنح الخطاب الديني قدرته على التأثير والاستمرار.

ولعل هذا ما يفسر أيضا حضور الرمز بقوة في التجربة الدينية عبر التاريخ. فالدين لا يكتفي بتقديم أفكار مجردة عن الوجود والمعنى، بل يصوغ تلك الأفكار في صور وقصص وأمثال تسمح للإنسان العادي بأن يعيشها بوصفها تجربة روحية ملموسة. وقد أشار بول ريكور إلى هذه الوظيفة حين قال إن «الرمز يعطي الفكر ما يدعوه إلى التفكير»، بمعنى أن الرمز لا يلغي المعنى بل يفتحه على أفق تأويلي أوسع.

وهذا الأفق التأويلي هو ما يجعل النص الديني قابلا لطبقات متعددة من الفهم. فالعامة يدركون المعنى الظاهري للتمثيل، بينما يسعى الفلاسفة إلى استكشاف دلالاته العقلية العميقة. وقد أدرك ابن رشد هذه الطبيعة التعددية للمعنى حين أكد أن النصوص الدينية قد تحمل معاني مختلفة تبعا لاختلاف القارئ.

غير أن هذا التعدد لا يعني الفوضى التأويلية، بل يخضع في نظره لضوابط عقلية ومنهجية دقيقة. فالتأويل لا يجوز أن يُكشف للعامة لأنه قد يؤدي إلى زعزعة يقينهم الديني، لكنه في الوقت نفسه ضرورة معرفية للفلاسفة الذين يسعون إلى فهم المعنى العميق للنصوص. ولذلك كان ابن رشد شديد التحفظ في مسألة نشر التأويل الفلسفي خارج دائرة أهل النظر.

وقد قال في هذا السياق إن «الواجب على أهل البرهان ألا يصرحوا بالتأويل للجمهور». وهذا القول يعكس إدراكا عميقا لخطورة الخلط بين مستويات الخطاب المختلفة. فالمعنى الذي يمكن أن يفهمه الفيلسوف بوصفه تمثيلا قد يفهمه الجمهور بوصفه حقيقة حرفية، وإذا تم كشف البعد التأويلي أمامهم فقد يؤدي ذلك إلى اضطراب في بنية الاعتقاد الجماعي.

إن هذا الموقف لا يعني أن ابن رشد يدعو إلى نوع من النخبوية المعرفية المنغلقة، بل يعني أنه يدرك أن المعرفة لا تنتقل دائما بالأسلوب نفسه. فالحقيقة قد تكون واحدة، لكن طرق التعبير عنها تختلف تبعا لاختلاف السياق الثقافي والاجتماعي.

وقد أشار نيتشه إلى هذه الفكرة من زاوية مختلفة حين قال إن «الحقيقة تحتاج إلى أقنعة». ومع أن السياق الفلسفي الذي قال فيه نيتشه هذا القول يختلف عن السياق الرشدي، حيث إن الفكرة العامة تظل متقاربة، والحقيقة لا تظهر دائما في صورتها المجردة، بل تتجلى أحيانا في صور رمزية تسمح لها بأن تصبح جزءا من الوعي الجماعي.

إن المخيال الديني عند ابن رشد يؤدي وظيفة تأويلية مزدوجة. فهو يسمح للعامة بفهم المعنى في صورته التمثيلية، كما يسمح للفلاسفة بالانتقال من تلك الصورة إلى المعنى العقلي الكامن وراءها. وهذا الانتقال من الصورة إلى المعنى هو ما يشكل جوهر العملية التأويلية في الفكر الفلسفي.

وقد لاحظ الفارابي قبل ابن رشد أن «الشرائع تمثل المعقولات في صور محسوسة». وهو القول الذي يعكس تصورا فلسفيا عميقا لطبيعة العلاقة بين الدين والفلسفة. فالشرع لا يناقض الفلسفة، بل يعبر عن الحقيقة نفسها بلغة رمزية تناسب الجمهور.

وهذا ما جعل ابن رشد يرى أن التمثيل ليس مجرد أسلوب بلاغي، بل هو جزء من الحكمة الإلهية في مخاطبة البشر. فالخالق في نظره يعلم تفاوت قدرات الناس، ولذلك جاء الخطاب الديني متنوع الأساليب ليخاطب كل فئة بما يناسبها.

إن هذا التصور يكشف عن فهم دقيق لوظيفة الدين في المجتمع. فالدين ليس مجرد منظومة عقائدية، بل هو أيضا نظام رمزي يساهم في تنظيم الحياة الأخلاقية والاجتماعية. والتمثيلات الدينية بما تحمله من صور عن الثواب والعقاب، تشكل جزءا من الآلية التربوية التي توجه سلوك الأفراد داخل المجتمع.

وقد أشار دوركهايم في تحليله للسوسيولوجيا الدينية إلى أن «الدين نظام من الرموز التي تعبر عن القيم الجماعية». وهذا التحليل السوسيولوجي يلتقي في كثير من جوانبه مع الرؤية الرشدية التي ترى في التمثيل الديني وسيلة لتشكيل الوعي الأخلاقي لدى الجمهور.

إن المخيال هنا لا يعمل فقط على مستوى الفهم، بل يعمل أيضا على مستوى الفعل. فالصور الرمزية التي يقدمها الخطاب الديني لا تهدف إلى إشباع الفضول المعرفي، بل تهدف إلى توجيه السلوك الإنساني. فتصوير الجنة بوصفها نعيما أبديا، والنار بوصفها عقابا رهيبا، يهدف إلى ترسيخ قيم الخير والعدل داخل المجتمع. وقد لاحظ باسكال هذه الحقيقة حين قال إن «القلب له براهينه التي لا يعرفها العقل». وهذا القول يشير إلى أن الإنسان لا يتحرك دائما بدافع العقل المجرد، بل بدافع صور ومعانٍ تؤثر في وجدانه. وتتضح أهمية المخيال في الخطاب الديني، إذ يسمح بربط المعنى العقلي بالبنية الوجدانية للإنسان. فالعقل قد يدرك أن العدل قيمة أخلاقية، لكن الصورة الرمزية للجنة والنار تمنح تلك القيمة قوة تأثيرية أكبر في السلوك الإنساني. ولعل هذا ما يفسر أيضا أن الفلسفة نفسها لم تستغنِ عن التمثيل في كثير من الأحيان. فأفلاطون رغم دفاعه عن العقل لجأ إلى الأسطورة في محاوراته، كما في أسطورة الكهف التي أصبحت واحدة من أشهر الصور الفلسفية في تاريخ الفكر. وقد كان يدرك أن الصورة الرمزية قادرة على التعبير عن المعاني الفلسفية بطريقة لا تستطيعها المفاهيم المجردة. وهذا ما يجعل العلاقة بين الفلسفة والدين أكثر تعقيدا مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالفلسفة تسعى إلى التعبير المفهومي عن الحقيقة، بينما يعبر الدين عنها بلغة رمزية تخاطب المخيال. لكن الهدف النهائي في الحالتين يظل واحدا، الكشف عن المعنى العميق للوجود الإنساني. وقد أدرك ابن رشد هذه الوحدة العميقة بين الحكمة والشريعة حين أكد أن كليهما يسعى إلى الحقيقة نفسها، وإن اختلفت طرائق التعبير عنها. ولذلك فإن المخيال الديني لا ينبغي النظر إليه بوصفه نقيضا للعقل، بل بوصفه وسيطا يسمح للحقيقة بأن تصبح جزءا من التجربة الإنسانية اليومية.

إن هذه الرؤية تفتح أفقا جديدا لفهم العلاقة بين الدين والفلسفة في الفكر الإسلامي. فهي تكشف أن التوتر الذي نشأ أحيانا بينهما لم يكن نابعا من تعارض حقيقي بين العقل والوحي، بل من سوء فهم لوظائف الخطاب المختلفة. فإذا أدركنا أن التمثيل في الخطاب الديني موجّه إلى مستوى معين من الإدراك، وأن البرهان الفلسفي موجّه إلى مستوى آخر، فإن التعارض الظاهري بينهما يتلاشى. فالحقيقة يمكن أن يعبَّر عنها في صورة مفهومية كما يمكن أن يعبَّر عنها في صورة رمزية، وكلتا الصورتين تؤدي وظيفة معرفية مختلفة داخل المجتمع. ونتبين أن المخيال في الخطاب الديني عند ابن رشد ليس مجرد ظاهرة لغوية أو بلاغية، بل هو جزء من بنية معرفية عميقة تتداخل فيها الفلسفة بالدين والعقل بالرمز والبرهان بالتمثيل.

إن هذا الفهم العميق لوظائف المخيال يسمح بإعادة قراءة التراث الديني بعيدا عن التفسير الحرفي الضيق الذي يحجب أبعاده الرمزية والتأويلية. كما يسمح في الوقت نفسه بفهم الدور الذي يلعبه الخطاب الديني في تشكيل الوعي الجماعي.

فالمخيال الديني ليس مجرد انعكاس لواقع اجتماعي أو ثقافي، بل هو قوة رمزية قادرة على إعادة تشكيل ذلك الواقع. فالصور التي يقدمها الدين عن العالم والإنسان والمعنى تتحول مع الزمن إلى جزء من البنية العميقة للثقافة، وهي التي تمنح المجتمعات إحساسها بالهوية والاستمرارية.

إن تحليل ابن رشد للمخيال الديني يظل واحدا من أكثر التحليلات عمقا في تاريخ الفكر الإسلامي، لأنه يكشف عن البنية المعرفية التي يقوم عليها الخطاب الديني، ويبين في الوقت نفسه العلاقة المعقدة بين الحقيقة والتمثيل.

إن المخيال في هذا السياق ليس مجرد وسيلة للإقناع الخطابي، بل هو أفق رمزي يسمح للإنسان بأن يعيش الحقيقة في صورة تجربة وجودية. فالحقيقة إذا بقيت مجرد مفهوم عقلي قد تظل بعيدة عن الحياة اليومية، أما إذا تجسدت في صورة رمزية فإنها تصبح جزءا من الوعي العملي للإنسان. وهذا ما يمنح الخطاب الديني قوته التاريخية وقدرته على الاستمرار عبر العصور. فالمفاهيم الفلسفية قد تتغير بتغير المدارس الفكرية، لكن الرموز الدينية تظل قادرة على التجدد لأنها تخاطب البنية العميقة للنفس الإنسانية. وإذا كان ابن رشد قد دافع عن العقل بوصفه الطريق الأعلى لمعرفة الحقيقة، فإنه لم يغفل أبدا الدور الحيوي الذي يلعبه المخيال في نقل تلك الحقيقة إلى المجال الاجتماعي. ولذلك فإن مشروعه الفلسفي يمكن فهمه بوصفه محاولة لإقامة توازن دقيق بين مطلب الحقيقة البرهانية ومتطلبات التواصل الإنساني.

وفي ضوء هذا التوازن يتضح أن التمثيل في الخطاب الديني ليس بديلا عن الحقيقة، بل هو إحدى طرائق ظهورها داخل المجال الثقافي. فالحقيقة التي يدركها الفيلسوف في صورة مفهوم قد يدركها الجمهور في صورة رمز، لكن المعنى العميق يظل واحدا.

إن نظرية ابن رشد في المخيال الديني تمثل محاولة فريدة في تاريخ الفكر الإسلامي لفهم العلاقة بين المعرفة واللغة والمجتمع. فهي تكشف أن الخطاب الديني ليس مجرد خطاب عقائدي، بل هو نظام رمزي معقد يربط بين العقل والخيال في تشكيل الوعي الإنساني. وتفضي هذه الرؤية في خاتمتها إلى نتيجة فلسفية عميقة مفادها أن الحقيقة لا تعيش في عالم المفاهيم وحده، بل تحتاج دائما إلى لغة وصورة ورمز كي تصبح جزءا من التجربة الإنسانية. فالعقل يكتشف الحقيقة، لكن المخيال يمنحها القدرة على الحياة داخل المجتمع. وتظل الفلسفة الرشدية شاهدا على إمكانية الجمع بين صرامة العقل وثراء المخيال، وبين دقة البرهان وقوة الرمز، في بناء خطاب ديني قادر على أن يخاطب الإنسان في مختلف مستويات إدراكه، وأن يجعل الحقيقة ليست مجرد فكرة تُفهم، بل تجربة تُعاش.

***

د. حمزة مولخنيف

من المفهوم إلى التطبيق.. التأصيل المفاهيمي والمؤسساتي للقانون

103 ـ 13 في مواجهة العنف ضد النساء بالمغرب

***

الملخص بالعربية:

يُعتبر العنف ضد النساء ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، تحمل انعكاسات جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية، وتشكل تهديدًا مباشرًا للحقوق الإنسانية وللتماسك الاجتماعي. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل فعالية القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء في المغرب، مع التركيز على الدور الحيوي للمصالح الأمنية، تقييم المخاطر، جمع الأدلة، والتحقيق القضائي، بالإضافة إلى التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسسيين والمدنيين. كما يقارن البحث بين الممارسات المغربية والمعايير الدولية، مستندًا إلى توجيهات الأمم المتحدة والخبرات المقارنة في مجال حماية النساء ضحايا العنف.

توصلت الدراسة إلى أن القانون المغربي يوفر إطارًا متقدمًا من حيث الحقوق والحماية، إلا أن فعاليته تتوقف على جودة التدخلات الأمنية والقضائية، ومستوى التدريب والتأهيل للمتدخلين، ودرجة التنسيق بين مختلف المؤسسات. كما تُظهر النتائج أن العنف ضد النساء له آثار مستدامة على الضحايا والأسر والمجتمع، مما يستدعي تطوير استراتيجيات وقائية، وتعزيز برامج التمكين النفسي والاجتماعي والاقتصادي، وإشراك المجتمع المدني في الحملات التوعوية. تعكس هذه الدراسة أن معالجة العنف ضد النساء تتطلب رؤية شمولية تجمع بين التشريع، التطبيق العملي، والبعد الثقافي، لضمان حماية الضحايا وتحقيق العدالة وتقليص استمرار الظاهرة.

الكلمات المفتاحية:

العنف ضد النساء، الحماية القانونية، التدخل الأمني، تقييم المخاطر، المغرب، التعاون المؤسسي، العدالة

Title:

Violence Against Women in Morocco: An Analytical Study of Legal, Security, and Social Interventions

Abstract:

Violence against women is a complex, multidimensional phenomenon with physical, psychological, social, and economic consequences, posing a direct threat to human rights and social cohesion. This study analyzes the effectiveness of Law No. 13-103 on combating violence against women in Morocco, focusing on the crucial role of security agencies, risk assessment, evidence collection, judicial investigation, and coordination among institutional and civil actors. The research also compares Moroccan practices with international standards, drawing on UN guidelines and comparative experiences in women’s protection.

The study finds that while Moroccan legislation provides an advanced framework for rights and protection, its effectiveness depends on the quality of security and judicial interventions, the training of personnel, and inter-institutional coordination. Findings also show that violence against women has lasting impacts on victims, families, and society, highlighting the need for preventive strategies, empowerment programs, and civil society engagement in awareness campaigns

. The study underscores that addressing violence against women requires a comprehensive approach integrating legislation, practical implementation, and cultural dimensions to ensure victim protection, achieve justice, and reduce the persistence of this phenomenon.

Keywords:

Violence against women, legal protection, security intervention, risk assessment, Morocco, institutional cooperation, justice

على سبيل التقديم

تُعَدّ العلوم الإنسانية فضاءً معرفيًا زاخرًا بالموضوعات التي لم تحظَ بعدُ بما يكفي من التفكير والبحث، على الرغم من حضورها القوي في واقعنا المعاصر(1). ومن بين هذه الموضوعات ظاهرة العنف، التي طالما وُضعت في خانة الهامش، لكنها أضحت اليوم في قلب النقاشات العلمية والحقوقية، نظرًا لما تخلفه من تداعيات خطيرة تهدد استقرار البنى الاجتماعية وتماسكها (2). إنَّ تفكيك هذه الظاهرة والحفر في جذورها، مع إخضاعها لمقاربات معرفية وقانونية متعددة، يظل ضرورة قصوى لفهم دينامياتها ورصد مسارات تحولها وتطورها، ثم تقنينها ضمن منظومة قانونية تضمن حماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية (3).

لقد عرف التاريخ البشري ظاهرة العنف منذ أقدم العصور، حيث ارتبطت بالصراع من أجل البقاء والسيطرة (4)، لكنها اليوم تكتسي طابعًا أكثر تعقيدًا، إذ تُمارس بوسائل متعددة، وتنتشر على نطاق واسع، بما يجعلها من أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة (5). ومن أبرز تجليات هذه الظاهرة العنف ضد النساء، الذي لم يعد يُنظر إليه كسلوك فردي شاذ، بل باعتباره نتاجًا بنيويًا تتداخل فيه عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية وقانونية، تُعيد إنتاجه وتغذي استمراريته (6). وقد أثبتت الدراسات السوسيولوجية والنفسية أنّ العنف يرتبط بمنظومات ثقافية ذات طبيعة ذكورية تقاوم التغيير وتُكرّس الفوارق بين الجنسين (7). ومن ثم، فالتصدي له لا يمكن أن يكون فرديًا أو جزئيًا، بل هو مسعى جماعي يتطلب مقاربات شمولية متكاملة (8)

وقد عرّفته بعض الأدبيات بأنه: «سلوك عمدي موجَّه نحو هدف، قد يكون لفظيًا أو غير لفظي، يتضمن مواجهة الآخر ماديًا أو معنويًا، مصحوبًا بتعبيرات تهديدية وله أساس غريزي» (9). غير أن هذا التعريف يبقى قاصرًا عن الإحاطة بكل أبعاده في السياقات الراهنة، حيث تتجاوز الظاهرة مجرد الاعتداء الجسدي لتشمل صورًا أخرى أكثر تعقيدًا مثل العنف النفسي، والاقتصادي، والرقمي (10)، وكلها أشكال تُلحق بالضحايا أضرارًا لا تقل خطورة عن الأذى المادي المباشر.

وفي السياق المغربي، شكّل صدور القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء محطة تشريعية فارقة (11)، إذ أرسى لأول مرة تعريفًا قانونيًا شاملاً للعنف ضد المرأة، ووسّع نطاق أشكاله ليشمل العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي، إضافة إلى العنف الرقمي، كما نص على مجموعة من الآليات العملية للحماية والدعم، سواء عبر إحداث خلايا الاستقبال والمواكبة أو تعزيز صلاحيات الشرطة القضائية والقضاء. ورغم ما يُمثله هذا القانون من تطور نوعي في مجال حماية النساء، فإنَّ تفعيله يظل رهينًا بمدى قدرة مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأمنيين والقضائيين ومؤسسات المجتمع المدني على التنسيق والتكامل (12)، بما يكفل استجابة ناجعة تحترم كرامة الضحايا وتحقق العدالة.

بناءً على ما سبق، يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية ونقدية للقانون 13-103، وذلك من خلال:

أولا- التأصيل المفاهيمي لأنواع العنف ضد النساء وأبعاده المتشابكة.

ثانيا- استعراض مبادئ تدخل المصالح الأمنية في حماية الضحايا وضبط المعتدين.

ثالثا- شرح آليات تقييم المخاطر وتدبيرها كخطوة أساسية في منع تفاقم الأضرار.

رابعا- توضيح دور الشرطة القضائية والتحقيق وجمع الأدلة في بناء الملفات القضائية المتماسكة.

خامسا - تحليل التأثيرات المتعددة للعنف على المستوى الفردي والأسري والمجتمعي (13)

إن معالجة موضوع العنف ضد النساء لا تقتصر على العرض الوصفي للنصوص القانونية، بل تتجاوزها إلى تحليل البُنى الاجتماعية والثقافية التي تغذيه، ومناقشة حدود القانون في مواجهته، مع استحضار تجارب مقارنة دولية يمكن أن تُغني النقاش الوطني (14). ومن ثَمَّ، فإن هذه الدراسة تروم تقديم إسهام أكاديمي نقدي يزاوج بين التشريع والتحليل السوسيولوجي، قصد الإسهام في بناء رؤية شمولية أكثر فعالية لمكافحة هذه الظاهرة.

الوحدة الأولى: التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء

يُعتبر التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء خطوة جوهرية لفهم الظاهرة بمختلف أبعادها وتأثيراتها، حيث يتجاوز مجرد التعريف النظري إلى بناء قاعدة معرفية متينة تمكّن الباحثين والممارسين القانونيين والفاعلين الاجتماعيين من التمييز بين أشكال العنف وقياس مدى انتشاره وتطوير استراتيجيات وقائية فعّالة (15). فالعنف ضد النساء ليس مجرد اعتداء فردي أو فعل عرضي، بل سلوك اجتماعي وثقافي وقانوني يمتد تأثيره إلى المستويات النفسية والاقتصادية والجسدية والسياسية للضحية (16)، كما يعكس اختلالات بنيوية في العلاقات المجتمعية وأطر السلطة القائمة (17). ومن هذا المنطلق، يسمح التأصيل المفاهيمي بالتعرف على أشكال العنف المتعددة، سواء كانت جسدية كالضرب والاعتداء، أو نفسية مثل التهديد المستمر والتحقير، أو اقتصادية من خلال حرمان النساء من الموارد المالية، أو جنسية كالتحرش والاغتصاب، وأخيرًا العنف الرقمي الذي يتمثل في الملاحقة الإلكترونية والابتزاز ونشر المحتوى الشخصي دون رضا الضحية (18). هذا التصنيف لا يقتصر على التوصيف النظري، بل يمثل أداة عملية لتحديد نطاق التشريعات القانونية وتوجيه التدابير الأمنية والاجتماعية بما يضمن حماية شاملة للنساء وتقديم الدعم الملائم للضحايا (19).

علاوة على ذلك، يسهم التأصيل المفاهيمي في تطوير الإطار القانوني الوطني والدولي، إذ يسمح بصياغة قوانين أكثر شمولية ومرونة تستجيب للتحديات المعاصرة التي فرضتها التكنولوجيا والعولمة على العلاقات الاجتماعية (20). وفي السياق المغربي، يمثل القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء خطوة رائدة، حيث يدمج بين الحماية القانونية للضحايا وتحديد المسؤوليات والعقوبات المترتبة على المعتدين، مع مراعاة خصوصية الحالات المختلفة سواء في السياقات الأسرية، الزوجية، أو المجتمعية (21) كما يعزز هذا التأصيل قدرة الجهات الأمنية والقضائية على تنفيذ القانون بفعالية من خلال وضوح التعاريف والمصطلحات القانونية وتحديد مستويات الخطورة والإجراءات الواجب اتخاذها، مما يقلل من الثغرات القانونية التي قد يستغلها المعتدون (22)

من منظور اجتماعي، يؤدي التأصيل المفاهيمي إلى رفع مستوى التوعية والتحسيس بحقوق النساء وواجبات المجتمع تجاههن، بما يخلق ثقافة رفض العنف ويشجع على الإبلاغ المبكر عن الانتهاكات، وبالتالي تقليل آثارها النفسية والجسدية والاجتماعية (23). وعليه، يشكل التأصيل المفاهيمي للعنف ضد النساء الركيزة الأولى لأي استراتيجية وطنية أو دولية لمكافحة الظاهرة، إذ يمكّن من الجمع بين البعد النظري، القانوني والاجتماعي، ويساهم في بناء مجتمع أكثر عدالة ومساواة، يحترم حقوق المرأة ويصون كرامتها الإنسانية (24).

الوحدة الثانية: مبادئ تدخل المصالح الأمنية في التكفل بالنساء ضحايا العنف

تُعَدّ المصالح الأمنية الركيزة الأساسية في منظومة حماية النساء ضحايا العنف، إذ تتجاوز مهامها التدخل الأمني التقليدي لتشمل الوقاية والحماية والتبليغ والتكفل الشامل بالضحايا وفق معايير القانون الدولي والمحلي (25). ويُؤطر تدخل المصالح الأمنية مجموعة من المبادئ الأساسية، من أبرزها مبدأ احترام الكرامة الإنسانية للضحايا، الذي يفرض النظر إلى النساء باعتبارهن أشخاصًا كاملين الحقوق، مع مراعاة حالتهن النفسية والجسدية وضمان سرية المعلومات وعدم إصدار أحكام مسبقة عليهن (26). فقد تبين في الحالة الأولى، أن امرأة تعرضت للعنف النفسي والجسدي من زوجها استقبلت في مركز الشرطة المخصص للنساء ضمن بيئة آمنة، وتم التعامل معها وفق مبدأ عدم لوم الضحية مع احترام الخصوصية.

ويتضح أيضًا أهمية مبدأ السرعة في التدخل، إذ إن التأخر في الاستجابة يُضاعف خطورة الوضع ويزيد من تعقيد الأضرار النفسية والجسدية على الضحية. فعلى سبيل المثال، تعرضت فتاة قاصر للتحرش الجنسي في مكان عام، حيث تم نقلها فورًا إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الطبية والنفسية، ثم تم تقديم الدعم القانوني عبر النيابة العامة، ما يعكس فاعلية التنسيق بين الجهات الأمنية والقضائية (27).

إضافة إلى ذلك، يبرز مبدأ الكفاءة والتخصص كعنصر حاسم في نجاح التدخل، إذ يقتضي تكوين العناصر الأمنية تدريبًا مستمرًا على التعامل مع الضحايا وفق المعايير الدولية والوطنية، وإنشاء وحدات متخصصة للتعامل مع قضايا العنف ضد النساء، بما يضمن حماية الضحايا وجمع الأدلة بكفاءة. وفي هذا السياق، تمكنت وحدة مختصة في الشرطة القضائية من متابعة قضية عنف اقتصادي ضد موظفة، وجمع الأدلة واستدعاء الشهود بطريقة تحفظ سلامة الضحية وتحميها من أي ضغط إضافي.

كما يعتبر مبدأ التنسيق مع باقي الفاعلين عنصرًا جوهريًا، إذ يستحيل على المصالح الأمنية تحقيق النتائج المرجوة دون شراكات متينة مع النيابة العامة، والأطباء، والأخصائيين الاجتماعيين، وهيئات المجتمع المدني، نظرًا لتعقيد قضايا العنف التي تتداخل فيها الأبعاد القانونية والطبية والنفسية والاجتماعية. ويرتبط بذلك مبدأ الحياد وعدم التمييز، الذي يضمن معاملة كل النساء ضحايا العنف على قدم المساواة بغض النظر عن العرق أو الدين أو الوضع الاجتماعي، مع الالتزام بمعايير موضوعية قائمة على الأدلة القانونية فقط.

ولا يقل أهمية عن ذلك مبدأ الحماية من العنف المتكرر، حيث تهدف المصالح الأمنية إلى متابعة الحالات بشكل منتظم للتأكد من عدم تعرض الضحية لنفس دائرة الخطر، وذلك من خلال تفعيل أوامر عدم الاقتراب والتدابير الوقائية القانونية المناسبة. كما يظل مبدأ التوعية والتحسيس محوريًا، إذ تقوم المصالح الأمنية بحملات إعلامية وميدانية لتعريف النساء بحقوقهن القانونية، وشرح إجراءات التبليغ عن العنف، مما يعزز ثقافة مجتمعية رافضة للعنف ويشجع الضحايا على الانخراط في مسار الحماية.

ويستخلص من ذلك أنّ نجاح تدخل المصالح الأمنية في التكفل بالنساء ضحايا العنف يعتمد على التزامها بجميع هذه المبادئ، ليس باعتبارها شعارات نظرية، بل كآليات عملية تُترجم إلى إجراءات ملموسة على الأرض، مع تكامل أدوار الأجهزة الأمنية والقضائية والمجتمع المدني، لضمان حماية فعالة للضحايا، وصون كرامتهن، وتحقيق العدالة.

الوحدة الثالثة: المقابلة الأولى مع المرأة ضحية العنف

تُعتبر المقابلة الأولى مع المرأة ضحية العنف خطوة حاسمة في مسار التدخل الشامل لحمايتها، إذ تمثل نقطة الانطلاق لتقييم حالتها، وتحديد احتياجاتها النفسية والقانونية والاجتماعية بشكل دقيق (28). فنجاح هذه المقابلة يعتمد على التزام المتدخلين بالنزاهة الأخلاقية والمهنية، مع احترام كامل للحقوق الإنسانية للضحية، مع إدراك أن أي هفوة في طريقة التعاطي قد تؤدي إلى تفاقم آثار العنف أو إضعاف ثقة الضحية في النظام القانوني والأمني (29). وبالإضافة إلى ذلك، تتطلب المقابلة الأولى تنسيقًا دقيقًا بين مختلف الجهات المعنية، بما في ذلك الشرطة، القضاء، المراكز الصحية، والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، لضمان حماية شاملة واستجابة متكاملة (30).

تبدأ المقابلة عادة بمرحلة التحضير، حيث يتم توفير مكان آمن وسري يحفظ كرامة الضحية ويتيح لها التعبير عن نفسها بحرية دون أي شعور بالتهديد (31). ويستحسن أن يتم الاستقبال بأسلوب ودّي واحترافي، مع إظهار التعاطف والاحترام للحقوق الفردية، ما يعزز شعور الضحية بالأمان ويشجعها على تقديم سرد كامل لتجربتها. أثناء المقابلة، يُسمح للضحية بسرد تفاصيل العنف الذي تعرضت له، مع مراعاة حالتها النفسية والجسدية، دون مقاطعة أو حكم مسبق (32)، مع توثيق كل المعلومات الأساسية، مثل نوع العنف، تكراره، هوية المعتدي، وتأثيره على الضحية وعلى أفراد الأسرة، لاسيما الأطفال.

علاوة على ذلك، تهدف المقابلة الأولى إلى تزويد الضحية بكافة المعلومات القانونية والاجتماعية المتاحة، بما يشمل الإجراءات القضائية، حقوقها في تقديم الشكاوى، إمكانية الإحالة إلى مراكز الإيواء، والرعاية الطبية والنفسية المتخصصة . ويشمل ذلك اتخاذ إجراءات حماية فورية، مثل إصدار أوامر بعدم الاقتراب من المعتدي، تأمين مكان إقامة مؤقت، أو توفير حماية أمنية إذا اقتضى الأمر (33). ومن خلال هذه الإجراءات، تكتسب الضحية شعورًا بالسيطرة على وضعها، وهو أمر أساسي في استعادة توازنها النفسي وبناء الثقة بالنظام القضائي والأمني.

وتُظهر الدراسات أن المقابلة الأولى لا تقتصر على جمع المعلومات، بل تمثل أيضًا لحظة تأسيسية للعلاقة بين الضحية والمتدخلين، حيث يمكن تقييم مدى الحاجة إلى تدخلات إضافية مثل الدعم النفسي العاجل، متابعة الحالة الطبية، أو برامج التمكين الاقتصادي. وعليه، فإن المقابلة الأولى تعد خطوة استراتيجية لبلورة خطة حماية شخصية شاملة، تأخذ في الاعتبار أبعاد العنف وتأثيراته المتعددة، وتضع الأسس لتدخلات متكاملة على المدى القصير والطويل.

الوحدة الرابعة: تقييم المخاطر وتدبيرها لحماية المرأة ضحية العنف

تُعد عمليتا تقييم المخاطر وتدبيرها من الركائز الأساسية في أي استراتيجية حماية شاملة للنساء ضحايا العنف، إذ تتيح تحديد طبيعة التهديدات التي تواجه الضحية، وقياس خطورتها، ووضع خطة تدخل دقيقة وفعّالة. فنجاح هذه المرحلة يعتمد على دقة جمع المعلومات، سرعة اتخاذ القرار، والتنسيق المتواصل بين كافة الفاعلين، بما في ذلك الشرطة، النيابة العامة، الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون، والمراكز الصحية، لضمان حماية فورية ومستدامة للضحايا. كما أن التقييم الدقيق يتيح تحديد أولويات التدخل، سواء كانت حماية فورية أو متابعة قضائية أو تقديم دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد (34).

تبدأ عملية تقييم المخاطر بجمع معلومات شاملة عن العنف الممارس على الضحية، بما يشمل نوعه (جسدي، نفسي، اقتصادي، جنسي، أو رقمي)، مدى تكراره، هوية المعتدي، وسلوكياته السابقة، إلى جانب الظروف البيئية والاجتماعية المحيطة بالضحية. ويُقيّم الخبراء أيضًا آثار العنف على الضحية، سواء كانت جسدية، نفسية، أو اجتماعية، كما يتم دراسة تأثيره على الأسرة، لا سيما الأطفال، لتحديد نطاق حماية أوسع يضمن استقرار البيئة الأسرية (35)

بعد تحديد مستوى المخاطر، تُشرع مرحلة تدبير المخاطر، والتي تتضمن وضع خطة حماية شخصية للضحية، تشمل: تأمين مكان آمن للإقامة، تزويد الضحية بأرقام الطوارئ وخطوط النجدة، إصدار أوامر قضائية تمنع الاقتراب أو الاتصال من المعتدي، ومراقبة تحركات الجاني إذا استدعى الأمر⁶. كما يشمل التدبير توفير الدعم النفسي والاجتماعي، مثل جلسات العلاج النفسي، الإرشاد الأسري، والخدمات الاجتماعية اللازمة للتخفيف من آثار الصدمة وتعزيز قدرة الضحية على التعافي⁷. ويضاف إلى ذلك تقديم الاستشارات القانونية للتمكين من فهم الحقوق والواجبات، فضلاً عن برامج تمكين اقتصادي للنساء اللواتي يحتجن إلى استقلال مالي، بما يعزز شعورهن بالاستقلالية ويقلل من احتمالية تعرضهن للعنف مرة أخرى (36).

تظهر الدراسات أن دمج تقييم المخاطر مع تدبيرها بشكل متكامل يزيد من فعالية الاستجابة للعنف، ويعزز قدرة الضحية على اتخاذ قرارات مدروسة حول حياتها الشخصية والاجتماعية والقانونية⁹. كما أن هذا التكامل يسمح للجهات المختصة بمراقبة التطورات بشكل مستمر، وتعديل خطط الحماية بحسب أي تغييرات في مستوى التهديد، ما يضمن حماية طويلة المدى ويحد من إعادة إنتاج دوائر العنف (37).

من ثم، تُبرز هذه الوحدة أهمية النهج الشمولي في التعامل مع العنف ضد النساء، حيث يتطلب النجاح تعاونًا وثيقًا بين مختلف الفاعلين، مراعاة دقيقة للبعد النفسي والاجتماعي، واستجابة قانونية صارمة، لضمان حماية شاملة وفعالة للضحايا، ومنع تكرار الاعتداءات.

الوحدة الخامسة: التدخل الأمني وجمع الأدلة وتوثيق الوقائع في قضايا العنف ضد النساء

يُعتبر التدخل الأمني الفوري والمتقن في مكان وقوع العنف خطوة جوهرية لحماية النساء ضحايا العنف، وصون حقوقهن القانونية، وضمان تحقيق العدالة. إذ أن أي تقصير في هذا التدخل قد يؤدي إلى فقدان الأدلة الحيوية، وإضعاف الملف القضائي أمام المحاكم، وبالتالي التأثير سلبًا على مصداقية الأجهزة الأمنية وثقة المجتمع في النظام القضائي. وقد أظهرت التجارب المقارنة بين المغرب ودول مثل السويد وكندا أنّ الجمع بين التدخل الأمني المنهجي وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للضحايا يزيد من فعالية الحماية ويقلل من احتمال تعرض النساء للعنف مرة أخرى، ويعزز الثقة بالمؤسسات الأمنية (38)

تبدأ العملية بتحديد مكان الضحية والوصول إليه فورًا، مع تقييم مستوى الخطر، وتأمين الموقع لمنع أي تدخل خارجي قد يؤثر على مسرح الجريمة. ففي الحالة الأولى، تعرضت امرأة للعنف الجسدي من زوجها، فتمت مداهمة المنزل بشكل سريع، وتأمين المكان، وضمان سلامة الضحية أثناء جمع الأدلة المادية مثل الملابس الملوثة والأسلحة المستخدمة في الاعتداء (39). كما يشمل التدخل توثيق الوقائع بصريًا لتقوية الملف القضائي أمام المحكمة، وهو إجراء معمول به في البروتوكولات الأمنية الدولية.

يتزامن مع ذلك تقديم الدعم النفسي الفوري للضحايا، وإحالتهم إلى المستشفيات أو مراكز الإيواء عند عدم إمكانية العودة إلى محيطهم، بما يضمن حماية شاملة تشمل البعد النفسي والاجتماعي. ففي الحالة الثانية، تعرضت فتاة قاصر للتحرش الجنسي في مكان عام، فتمت إحالتها مباشرة إلى المستشفى لتلقي العلاج النفسي والجسدي، مع ضمان سرية معلوماتها وخصوصيتها، ما يعكس الالتزام بمبادئ التدخل الشامل(40)

من جهة أخرى، يُحرر المحضر الأمني كوثيقة رسمية تشمل أقوال الضحية والمعتدي والشهود، والأدلة المادية والطبية، والإجراءات القانونية المتخذة، لتكون أساسًا لملف قضائي متكامل. ففي الحالة الثالثة، تمكنت وحدة مختصة في الشرطة القضائية من متابعة قضية عنف اقتصادي ضد موظفة، وجمع جميع الأدلة وإعداد المحضر القانوني المفصل، بما يعزز قدرة القضاء على إثبات الوقائع ويحد من التلاعب بالأدلة,

وبناءً على ذلك، يصبح التدخل الأمني ليس مجرد إجراء تقني، بل عملية شاملة تتطلب تكامل الخبرات الأمنية، القانونية والاجتماعية، مع الالتزام الصارم بالمبادئ الإنسانية وأخلاقيات العمل، لضمان حماية الضحايا وتحقيق العدالة الفعلية.

الوحدة السادسة: التحقيق القضائي وجمع الأدلة وتحرير المحضر في قضايا العنف ضد النساء

تُعتبر مرحلة التحقيق القضائي القلب النابض لمنظومة حماية النساء ضحايا العنف، إذ تمثل الرابط الحيوي بين التدخل الميداني وجلسات المحاكمة، وتضمن أن تكون جميع الوقائع والأدلة مسجلة بدقة قانونية عالية، بما يعزز فرص محاسبة المعتدين والحد من الإفلات من العقاب. وتوضح المقارنات بين القانون المغربي رقم 13-103 والمعايير الدولية، مثل بروتوكولات الأمم المتحدة أن التحقيق القضائي الفعال لا يقتصر على جمع الأدلة فحسب، بل يمتد إلى احترام حقوق الضحية وتأمين سلامتها النفسية والجسدية، وتوفير الخبرة القانونية اللازمة لفهم مسار القضية (41)

يبدأ التحقيق عادة بالاستماع إلى الضحية في بيئة سرية وآمنة، مع مراعاة حالتها النفسية، حيث تُسجل أقوالها بدقة باستخدام أسئلة مفتوحة لاستقصاء جميع تفاصيل الحادث، بما يشمل الزمان والمكان وطبيعة العنف وأثره النفسي والجسدي³. ويشير الخبراء إلى أن اعتماد أساليب استماع تراعي الصدمة النفسية للضحايا يقلل من إعادة الصدمة ويُعزز مصداقية الشهادات أمام القضاء، بالمقارنة بأساليب التحقيق التقليدية التي قد تضاعف آثار الصدمة.

بعد ذلك، يتم استدعاء المعتدي واستجوابه بشكل محايد، مع تسجيل جميع التفاصيل دون تحيز، بما يضمن التوازن القانوني ويعزز مصداقية الإجراءات. تُجمع الأدلة المادية والرقمية والطبية، بما في ذلك الأسلحة، الملابس، التسجيلات، التقارير الطبية والنفسية، والتحليل الرقمي للهواتف والرسائل الإلكترونية. ويُحرر المحضر القضائي كوثيقة رسمية توثق جميع مراحل التحقيق، بما يشمل أقوال الضحية والمعتدي والشهود، الأدلة، الإجراءات القانونية المتخذة، والقرارات المتعلقة بحماية الضحية، ليصبح مرجعًا أساسيًا أمام القضاء ويضمن حقوق الضحايا (42).

من منظور نقدي، لا تزال هناك تحديات على مستوى التنسيق بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية، وهو ما أوصى به تقرير وزارة العدل المغربية 2018 لتطوير بروتوكولات متكاملة تيسر وصول الضحايا إلى العدالة². كما تشير التجارب الدولية إلى أن اعتماد برامج تدريب متخصصة للقضاة والمحامين والمحققين، تتضمن آليات للتعامل مع الصدمات النفسية وفهم أبعاد العنف النفسي والجنسي، يعزز فعالية التحقيق ويحسن نتائج المحاكمات (43).

يتضح إذن أن التحقيق القضائي الفعال هو نتاج تكامل الخبرة القانونية مع الحساسية الإنسانية، ويعتمد على تضافر جهود كل الفاعلين: الأمنيون، القضائيون، الطبيون، والاجتماعيون، لضمان حماية الضحايا، توثيق الوقائع بدقة، وتحقيق العدالة بشكل كامل ومستدام.

الوحدة السابعة: التعاون الأمني والمؤسسي في مكافحة العنف ضد النساء

يُعتبر التعاون الأمني والمؤسسي ركيزة أساسية لضمان فاعلية الاستجابة للعنف الممارس ضد النساء، إذ يربط بين جميع الفاعلين المعنيين: الشرطة القضائية والنيابة العامة والقضاء ومراكز الخدمات الاجتماعية والمجتمع المدني. ويُعد هذا التعاون آلية استراتيجية متكاملة تهدف إلى توحيد الجهود وتبادل المعلومات الحيوية وضمان حماية شاملة للضحايا، ما يعزز فعالية التدخل ويقلل من مخاطر الإفلات من العقاب (44).

على المستوى العملي، يتضمن التعاون الأمني مؤشرات دقيقة لتقييم الوضع الأمني للضحايا من قبيل تحديد مستوى الخطر ووضع خطط التدخل المناسبة، بما يشمل حماية الضحية فورًا ومراقبة الجاني وضمان جمع الأدلة بطريقة قانونية محكمة. (45) وتشير المقارنات بين النظام المغربي والدولي، لا سيما تجارب دول الاتحاد الأوروبي وكندا، إلى أن التنسيق المنهجي بين الشرطة والقضاء والخدمات الاجتماعية يضمن سرعة الاستجابة ويعزز فعالية التحقيقات، كما يقلل من التكرار المحتمل للعنف ويزيد من الثقة في المنظومة القانونية.

كما يبرز دور التعاون الأمني في العمليات الميدانية، حيث يساهم تبادل المعلومات بين المصالح الأمنية والشرطة القضائية والنيابة العامة في ضمان جمع الأدلة بكفاءة، توثيق الوقائع بشكل منهجي، ومتابعة المعتدين وفقًا للقانون، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وحمايتهم. وفي هذا السياق، تُظهر التجارب الدولية أن بروتوكولات التنسيق الرسمية، التي تحدد أطر تبادل المعلومات ومسؤوليات كل جهة، تعزز من سرعة الاستجابة، وتقلل من الصدمات الثانوية للضحايا وتحسن جودة التحقيقات القضائية (46).

علاوة على ذلك، يمتد أثر التعاون الأمني إلى الجانب الوقائي، حيث يسهم في تصميم برامج توعية، مبادرات مجتمعية، وحملات تدريبية مشتركة تستهدف المجتمع والجهات المعنية، بهدف تفكيك البنى الثقافية المنتجة للعنف، وتعزيز ثقافة احترام حقوق النساء. وبذلك يتضح أن التعاون الأمني والمؤسسي لا يقتصر على التدخلات التقنية، بل يشكل استراتيجية شاملة لتحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الضحايا بشكل مستدام.

الوحدة الثامنة: تداعيات العنف ضد النساء على الفرد والأسرة والمجتمع

يُعد العنف ضد النساء ظاهرة متعددة الأبعاد، تتجاوز حدود الضحية الفردية لتشمل الأسرة والمجتمع بأسره، مما يجعلها قضية بنيوية لها انعكاسات اجتماعية واقتصادية ونفسية وثقافية عميقة. فعلى المستوى الفردي، تتراوح الآثار بين الإصابات الجسدية البسيطة إلى الإصابات المزمنة والمعقدة التي قد تؤدي إلى إعاقات دائمة أو أمراض صحية مستعصية. كما يترك العنف آثارًا نفسية طويلة المدى، تشمل اضطرابات القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات وفقدان الثقة بالآخرين، ما يعيق قدرة النساء على المشاركة الفعالة في الحياة الاجتماعية ويزيد من احتمال العزلة(47)

من الناحية الاقتصادية، يحد العنف من قدرة النساء على العمل أو الاستمرار في وظائفهن بسبب التأثير النفسي والجسدي ويزيد من الأعباء المالية الناتجة عن العلاج النفسي والجسدي. فبالمقارنة مع دراسات عالمية مثل تقرير منظمة الصحة العالمية وأبحاث غارسيا مورينو وزملائه يتضح أن العنف ضد النساء يُقلل بشكل ملموس من الإنتاجية الاقتصادية للمرأة ويزيد من نسب الفقر والتهميش وهو ما ينعكس على الاقتصاد الوطني بشكل عام

وعلى مستوى الأسرة، يتسبب العنف في تفكك العلاقات الزوجية وتصاعد نسب الطلاق، كما يخلق بيئة غير آمنة للأطفال، مما يزيد من احتمالية إعادة إنتاج دوائر العنف عبر الأجيال. هذه النتائج تتوافق جزئيًا مع الدراسات التي أبرزت أن العنف الأسري لا يقتصر على تأثيره المباشر على الضحايا بل يشمل الأطفال والشركاء الآخرين، مما يعقد جهود الوقاية ويستدعي تدخلًا متعدد المستويات

أما على صعيد المجتمع، فإن انتشار العنف يُضعف التماسك الاجتماعي ويقلل من الثقة بين أفراده. كما يعزز من فرص استغلال النساء في أعمال غير مشروعة مثل الدعارة أو الاتجار بالبشر، ما يزيد من الهشاشة الاجتماعية ويحد من المشاركة المجتمعية للنساء.

ومن الناحية الثقافية، يساهم العنف في ترسيخ أنماط العلاقات القائمة على الهيمنة والسيطرة، ويجعل ممارسة العنف مقبولة جزئيًا في بعض السياقات الأسرية والاجتماعية، وهو ما يضعف القيم الأساسية مثل الاحترام والمساواة(48)

حيث نخلص أنه ومن خلال رؤية نقدية، يمكن مقارنة التجربة المغربية مع تجارب دول أخرى حيث أن بعض الدول قد نجحت في الحد من العنف الأسري من خلال تشريعات صارمة وبرامج تمكين المرأة في حين لا تزال هناك تحديات مرتبطة بالبعد الثقافي والاجتماعي في المغرب، حيث تُظهر الدراسات أن العنف النفسي والاقتصادي لا يزال غير مشمول بالشكل الكافي في برامج التوعية. كما يشير التحليل والدراسة المقارنين إلى أن فعالية القانون رقم 13-103 تعتمد بشكل كبير على تفعيل التدابير الوقائية وتأهيل الفاعلين الأمنيين والقضائيين وتحقيق التنسيق بين جميع المؤسسات المعنية (49)

واستنتاجا لما سبق، يتضح أن العنف ضد النساء ليس مجرد سلوك فردي أو حادث معزول بل هو ظاهرة معقدة تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تشمل الأطر القانونية والتدخلات الأمنية والدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي والثقافي للنساء. كما أن فهم التداعيات المختلفة للعنف يمكن أن يسهم في تصميم سياسات أكثر فاعلية، مع ضمان إشراك الرجال والمجتمع المدني في جهود الوقاية والتوعية، بما يعزز ثقافة احترام حقوق المرأة ويحد من استمرار الظاهرة (50)

على سبيل الختم

يُعد العنف ضد النساء من أخطر الظواهر الاجتماعية والقانونية التي تواجه المجتمعات المعاصرة، إذ لا يقتصر أثره على الضحية وحدها بل يمتد ليشمل الأسرة والمجتمع والاقتصاد الوطني بأسره. ومن خلال هذه الدراسة النقدية تبيّن أن القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء شكل خطوة نوعية في مسار حماية الحقوق الإنسانية للمرأة بالمغرب، لكنه يظل بحاجة إلى أجرأة أكثر فعالية لمقتضياته على أرض الواقع بما يشمل التنسيق بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين والأمنيين والقضائيين والمدنيين

وقد أظهرت نتائج هذا البحث أن الاستجابة لظاهرة العنف ضد النساء تتطلب رؤية شمولية متعددة المستويات تبدأ من تقييم المخاطر وتدبيرها لحماية النساء من التهديدات الفورية والمستقبلية، مرورًا بالتدخل الأمني الميداني لجمع الأدلة وتوثيق الوقائع ثم مرحلة التحقيق القضائي التي تثبت المسؤولية القانونية وتضمن محاسبة المعتدين. كما أبرز هذا البحث أيضا أهمية التعاون الأمني ليس فقط على المستوى الوطني بل أيضًا على المستوى الدولي خصوصًا فيما يتعلق بالجرائم المنظمة كالاتجار بالبشر لضمان حماية شاملة للضحايا وتحقيق العدالة

وأما على الصعيدين الاجتماعي والنفسي، فيتضح أن العنف يُحدث آثارًا طويلة المدى، تشمل الإصابات الجسدية المستديمة والاضطرابات النفسية وتراجع الإنتاجية الاقتصادية واضطرابات في العلاقات الأسرية. هذه التداعيات المتعددة الأبعاد تفرض ضرورة دمج برامج الوقاية والدعم النفسي والاجتماعي، مع إشراك المجتمع المدني ووسائل الإعلام لتعزيز الوعي بحقوق المرأة وكسر دائرة الصمت المحيطة بالعنف

انطلاقًا مما سبق، تقترح هذه القراءة النقدية مجموعة من التوصيات العملية والواقعية لتعزيز الحماية ومكافحة العنف ضد النساء ولعل من أهمها ما يلي

- تعزيز الإطار القانوني والتشريعي: مراجعة القوانين الوطنية باستمرار لتشمل جميع أشكال العنف بما فيها النفسي والاقتصادي والرقمي وضمان تفعيل إجراءات الحماية الفورية للضحايا

- تأهيل الفاعلين الأمنيين والقضائيين: توفير برامج تكوينية مستمرة في التعامل مع قضايا العنف ضد النساء، مع التركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية لضمان تدخل حساس ومهني

- توسيع شبكة التعاون المؤسسي: من خلال إنشاء آليات تنسيق بين جميع المتدخلين المحليين والدوليين بما يشمل الشرطة والقضاء والمستشفيات والمراكز الاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني

- برامج الوقاية والتمكين: دعم مبادرات التمكين الاقتصادي للنساء وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي مع إشراك الرجال والشباب في حملات التوعية لتفكيك البنى الثقافية المنتجة للعنف

- المتابعة والتقييم : تطوير آليات لرصد وتقييم فعالية السياسات والتدخلات باستخدام بيانات دقيقة ومحدثة لضمان تحسين الاستراتيجيات المتبعة في مواجهة العنف

- التوعية المجتمعية والثقافية: عن طريق تعزيز برامج التثقيف والوعي حول حقوق المرأة ونشر ثقافة احترام كرامة المرأة عبر المدارس ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، لتقليل التقبل المجتمعي للعنف

إن مكافحة العنف ضد النساء ليست مسؤولية مؤسسة واحدة بل مهمة جماعية تتطلب إرادة سياسية واضحة وتعاونًا مؤسسيًا متينًا ومشاركة مجتمعية فعالة حيث أنه كلما تعزز التنسيق بين مختلف الأطراف وتوطدت ثقافة احترام حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين، كان بالإمكان بناء مجتمع ديمقراطي عادل يحمي كرامة جميع أفراده ويضمن حقوق الضحايا في العدالة والحماية الشاملة والكرامة الإنسانية.

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث جامعي

.............................

لائحة المراجع والمصادر بالعربية

وزارة العدل المغربية. القانون رقم 103-13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018.

الوزاني، يوسف. العنف ضد النساء في المغرب: مقاربة قانونية واجتماعية. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2019.

الصادقي، نزهة. العنف المبني على النوع الاجتماعي: بين التشريع والواقع. الرباط: منشورات كلية الحقوق، 2020.

الشرفي، عبد الحليم. الحماية القانونية للنساء ضحايا العنف في ضوء القانون 103-13. مجلة العدالة، العدد 15، 2021.

المجلس الوطني لحقوق الإنسان. تقرير حول العنف المبني على النوع الاجتماعي في المغرب، الرباط، 2022.

المغرب، القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، 2018، المواد 4-5.

وزارة الداخلية، المغرب، دليل عملي لحماية النساء ضحايا العنف، الرباط، 2019، الفصل 6.

الأمم المتحدة، مكتب مكافحة المخدرات والجريمة (UNODC)، التنسيق الفعال بين الشرطة والنيابة العامة والخدمات الاجتماعية في قضايا العنف ضد النساء، 2018.

القانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018، المواد 4-7.

لائحة المراجع والمصادر الأجنبية

UN Women. "Global Database on Violence against Women: Morocco." United Nations, 2020.

Human Rights Watch. "Morocco: Progress and Gaps in Laws against Violence towards Women." HRW Report, 2018.

Baker, L., & Bennett, D. "Violence against Women in the MENA Region: Legal and Social Perspectives." Oxford University Press, 2017.

Khosla, R., & Smith, E. "Legal Frameworks for Women’s Protection from Violence: A Comparative Study." International Journal of Women's Rights, 2019.

World Health Organization. "Violence against Women: Key Facts and Interventions." WHO, Geneva, 2021.

Conseil National des Droits de l’Homme (CNDH). "Rapport sur la violence basée sur le genre au Maroc." Rabat, 2021.

ONU Femmes. "La violence à l’égard des femmes et des filles au Maroc: cadre législatif et défis." Nations Unies, 2019.

Belarbi, A. "Femmes, violence et droit au Maroc: Analyse du cadre juridique et institutionnel." Casablanca: Afrique Orient, 2020.

Fédération Internationale des Droits Humains (FIDH). "Les droits des femmes et la lutte contre les violences au Maroc." Paris, 2018.

Abou Malek, S. "Genre et violence au Maroc: entre normes sociales et cadre légal." Revue Maghreb-Machrek, 2022.

Durkheim, E. (1897). Suicide: A Study in Sociology. Free Press.

Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No. 11.

Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.

. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). University of California Press.

Krug, E. G., et al. (2002). World Report on Violence and Health. Geneva: World Health Organization.

. Barling, J., & Frone, M. R. (2004). The Psychology of Workplace Violence. American Psychological Association.

. (2018). Handbook on Violence Against Women and Girls. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018..

. Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat..

Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 1-5.

. Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 4.

. Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization..

Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat, Chapitre 5.

. Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 2-3.

UN Women، الخطوط التوجيهية للتدخل الشرطي والتحقيقي في حالات العنف ضد النساء، نيويورك، 2020.

Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018.

الهوامش

)(1) Durkheim, E. (1897). Suicide: A Study in Sociology. Free Press

)(2) Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No

)(3)UN Women. (2020). Global Database on Violence against Women. New York: UN.

)(4) Galtung, J. (1969). Violence, Peace, and Peace Research. Journal of Peace Research, 6(3), 167–191.

)(5)WHO. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

)(6) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

)(7) Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). University of California Press.

)(8) Krug, E. G., et al. (2002). World Report on Violence and Health. Geneva: World Health Organization.

)(9) Barling, J., & Frone, M. R. (2004). The Psychology of Workplace Violence. American Psychological Association.

)(10) UNODC. (2018). Handbook on Violence Against Women and Girls. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

)(11) Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018.

)(12) Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

)(13) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(14) UN Women (2020), op. cit., Global Database on Violence against Women.

)(15)Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. (1999). Ending Violence Against Women: Population Reports, Series L, No. 11. Baltimore: Johns Hopkins University.

)(16)UN Women. (2020). Global Database on Violence Against Women. New York: United Nations.

)(17)UN Women. (2020). Global Database on Violence Against Women. New York: United Nations.

)(18)WHO. (2013). Responding to Intimate Partner Violence and Sexual Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

)(19)Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat.

)(20)UNODC. (2018). Handbook on Effective Criminal Justice Responses to Violence Against Women. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.

)(21)Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 1-5.

)(22)Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat

)(23)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(24)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

)(25)United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), Handbook on Effective Police Responses to Violence against Women, Vienna, 2010

(26) عبد الرحيم العطري، سوسيولوجيا العنف: مقاربة سوسيو-ثقافية، دار الأمان، الرباط، 2014

(27) وزارة التضامن والمرأة والأسرة والتنمية الاجتماعية، التقرير الوطني حول العنف ضد النساء، الرباط، 2019.

 (28)Maroc, Loi n° 13-103 relative à la lutte contre la violence à l’égard des femmes, 2018, Art. 4.

(29)UN Women. (2020). Guidelines for Police Response to Violence Against Women. New York: United Nations.

(30) Ministère de l’Intérieur, Maroc. (2019). Guide pratique pour la protection des femmes victimes de violence. Rabat.

(31) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290

(32) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

(33)Ministère de la Justice, Maroc. (2018). Rapport sur la mise en œuvre de la loi 13-103. Rabat.

(34)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(35) Garcia-Moreno, C., et al. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. World Health Organization.

(36)UN Women. (2020). Guidelines for Risk Assessment and Management in Cases of Violence Against Women. New York: United Nations.

(37) Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(38) الأمم المتحدة، مكتب مكافحة المخدرات والجريمة (UNODC)، التنسيق الفعال بين الشرطة والنيابة العامة والخدمات الاجتماعية في قضايا العنف ضد النساء، 2018.

(39) . المغرب، القانون رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، 2018، المواد 4-5.

(40) وزارة الداخلية، المغرب، دليل عملي لحماية النساء ضحايا العنف، الرباط، 2019، الفصل 6

(41) الخطوط التوجيهية للتدخل الشرطي والتحقيقي في حالات العنف ضد النساء، نيويورك، 2020

(42) القانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018، المواد 4-7.

(43) Heise, L., Ellsberg, M., & Gottemoeller, M. Ending Violence Against Women. Population Reports, Series L, No. 11, 1999.

لقانون المغربي رقم 13-103 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الجريدة الرسمية، 2018. (44)

وزارة الداخلية، المغرب. (2019). دليل تنسيق التدخلات لحماية النساء ضحايا العنف. الرباط (45)

UN Women، (2020). تعزيز التعاون الأمني والقضائي في قضايا العنف ضد النساء، نيويورك ، (46)

(47)Garcia-Moreno, C., Jansen, H., Ellsberg, M., Heise, L., & Watts, C. (2015). Global and Regional Estimates of Violence Against Women. Geneva: World Health Organization.

(48)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(49)Heise, L. (1998). Violence Against Women: An Integrated, Ecological Framework. Violence Against Women, 4(3), 262–290.

(50)UN Women. (2020). Preventing Violence Against Women: Awareness and Policy Recommendations.

أثرها وحدودها في الفكر الفلسفي والفقهي

يشكّل تاريخ الفكر في الغرب الإسلامي إحدى أكثر الحقول المعرفية تعقيدا وغنىً في التراث الفلسفي والفقهي الإسلامي، إذ تتقاطع فيه مسارات متعددة من التكوين الثقافي، مسار الفقه المالكي بوصفه النظام التشريعي الغالب، ومسار التصوف بما يحمله من أفق روحي وتأويلي، ومسار الفلسفة العقلية التي بلغت في الأندلس والمغرب ذروة من النضج النظري مع أعمال القاضي الفيلسوف ابن رشد. غير أن النظر المتأني في هذه اللحظة الفكرية يكشف أن حضور ابن رشد لم يكن مجرد حضور شخصي لفيلسوف كبير، بل كان بداية لتشكّل تيار فكري يمكن وصفه ـ على نحو من التحفظ المنهجي ـ بمدرسة رشدية في الغرب الإسلامي، مدرسة حاولت أن تعيد ترتيب العلاقة بين العقل والنص، وبين الحكمة والشريعة وبين النظر الفلسفي والاجتهاد الفقهي. ومع ذلك فإن هذا التيار لم يتطور في بيئة فكرية محايدة، بل نشأ في سياق حضاري معقد تحكمه اعتبارات دينية وسياسية ومذهبية، الأمر الذي جعل أثره يتخذ أشكالا متباينة بين الامتداد والانكماش، وبين التأثير العميق والاحتواء الفقهي.

لقد كان الغرب الإسلامي في القرون الوسطى، فضاءً فكريا تتجاور فيه تقاليد معرفية متعددة، وكان الفقه المالكي منذ القرن الثالث الهجري الإطار المرجعي الذي تنتظم داخله معظم أنماط التفكير الشرعي. وفي مثل هذا الاتجاه لم يكن للفلسفة أن تتخذ موقعها بسهولة، خصوصا بعد الجدل الذي أثارته كتابات أبي حامد الغزالي في نقد الفلاسفة، حين أعلن في كتابه الشهير تهافت الفلاسفة أن «مذهبهم في الإلهيات مشتمل على الكفر والبدعة». ومع ذلك فإن هذا النقد لم ينهِ حضور الفلسفة في المجال الإسلامي، بل دفعها إلى إعادة صياغة أدواتها ومفاهيمها، وهو ما سيجد تعبيره الأكثر نضجا في مشروع ابن رشد الذي نهض بمهمة الدفاع عن الفلسفة بوصفها شكلاً من أشكال النظر العقلي المشروع داخل الأفق الشرعي نفسه.

لقد أوجد ابن رشد في عمق مشروعه مصالحة معرفية بين الحكمة والشريعة، أو بتعبيره الشهير في كتاب فصل المقال: «إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها». وهي عبارة تكشف عن تصور إبستمولوجي عميق يرى أن الحقيقة واحدة وإن اختلفت طرق الوصول إليها. فالنص الديني يخاطب جمهور المؤمنين بلغة البيان والتمثيل، بينما يخاطب البرهان الفلسفي الخاصة من أهل النظر. إن التعارض الظاهري بين النص والعقل ليس إلا تعارضا في الفهم لا في الحقيقة ذاتها. هذه الفكرة ستصبح أحد الأسس النظرية لما يمكن تسميته بالمدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي، لأنها تفتح المجال أمام تأويل النصوص الدينية في ضوء البرهان العقلي دون أن يعني ذلك إبطالها أو تجاوزها.

غير أن مشروع ابن رشد لم يكن مجرد دفاع نظري عن الفلسفة، بل كان أيضا محاولة لإعادة بناء منهج التفكير الفقهي نفسه على أساس عقلاني أكثر صرامة. فالقاضي القرطبي لم يكن فيلسوفا منعزلا عن الحياة العلمية للمجتمع، بل كان فقيها مالكيا وقاضي قضاة، وهو ما أتاح له أن يختبر إمكانات العقل البرهاني داخل المجال التشريعي. وقد انعكس ذلك في كتابه الفقهي الكبير بداية المجتهد ونهاية المقتصد، حيث سعى إلى تحليل اختلاف الفقهاء لا بوصفه مجرد تعدد في الآراء، بل بوصفه نتيجة لاختلاف في الأصول الاستدلالية والمقدمات المنهجية. يقول في مقدمة الكتاب: «إن أكثر اختلاف العلماء إنما هو لاختلافهم في الطرق التي منها تُستنبط الأحكام». هذه العبارة تكشف عن وعي منهجي عميق بطبيعة الخلاف الفقهي، وهو وعي يكاد يوازي في دقته التحليل الفلسفي للمقدمات البرهانية.

لقد كان هذا المنهج التحليلي في دراسة الخلاف الفقهي خطوة متقدمة في تاريخ الفكر الأصولي، لأنه ينقل النقاش من مستوى عرض الأقوال إلى مستوى تحليل بنيتها المنطقية. إن أثر المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي لم يقتصر على المجال الفلسفي، بل امتد إلى مجال الفقه وأصوله، حيث أصبح التفكير في علل الأحكام ومقاصد الشريعة جزءا من النقاش العلمي. وليس من قبيل المصادفة أن يلاحظ بعض الباحثين المعاصرين أن روح التحليل المقاصدي عند فقهاء لاحقين قد وجدت في أعمال ابن رشد أحد منابعها المبكرة، حتى وإن لم يُصغِ الفيلسوف نفسه نظرية مكتملة في المقاصد.

إن النظر إلى المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي يقتضي إدراك أن هذه المدرسة لم تكن مؤسسة تعليمية بالمعنى الحرفي، بل كانت بالأحرى تيارا فكريا تشكّل حول جملة من المبادئ المنهجية. ومن أبرز هذه المبادئ الإيمان بقدرة العقل على إدراك النظام الكوني، والاعتقاد بأن البرهان المنطقي هو الطريق الأوثق إلى الحقيقة، والقول بإمكان التوفيق بين الحكمة والشريعة. وهذه المبادئ تعود في جزء كبير منها إلى التأثر العميق بالفلسفة اليونانية، وخصوصا فلسفة أرسطو، الذي كان ابن رشد يرى فيه «المعلم الأول» الذي بلغ الغاية القصوى في صناعة البرهان. وقد كتب في أحد تعليقاته الشهيرة: «إن هذا الرجل قد بلغ من الكمال في هذه الصناعة ما لم يبلغه أحد قبله ولا بعده».

غير أن استقبال الفكر الأرسطي في الغرب الإسلامي لم يكن عملية نقل بسيطة، بل كان إعادة بناء داخل سياق ثقافي جديد. فقد كان على الفيلسوف الأندلسي أن يبرهن على أن النظر العقلي لا يناقض الشريعة الإسلامية، وأن الفلسفة ليست علما دخيلا يهدد العقيدة، بل هي وسيلة لفهم نظام الخلق. ومن هنا جاء مشروعه الشهير في الرد على الغزالي بكتاب تهافت التهافت، حيث حاول أن يبيّن أن كثيرا من اعتراضات المتكلمين على الفلاسفة التي تقوم على سوء فهم للبرهان الفلسفي. حيث يقول في هذا السياق: «إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له».

وقد أدرك عدد من المفكرين اللاحقين أهمية هذا المشروع في تاريخ الفكر الإنساني. فقد كتب إرنست رينان في دراسته الشهيرة عن ابن رشد أن هذا الفيلسوف «يمثل أسمى تعبير عن العقلانية في الحضارة الإسلامية». وعلى الرغم من أن هذا التوصيف لا يخلو من مبالغة، فإنه يعكس إدراكا واسعا للدور الذي لعبه الفكر الرشدي في الدفاع عن قيمة العقل داخل الثقافة الدينية.

لكن المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي لم تنشأ في فراغ، بل ظهرت في ظل تحولات سياسية وثقافية عميقة عرفتها الأندلس في القرن السادس الهجري. فقد كان العصر الموحدي الذي عاش فيه ابن رشد، عصرا يتسم بمحاولة الجمع بين السلطة السياسية والمشروع الفكري الإصلاحي. وقد أبدى بعض الخلفاء الموحدين اهتماما بالفلسفة والعلوم العقلية، الأمر الذي أتاح للفيلسوف الأندلسي مجالا واسعا للعمل والتأليف. ومع ذلك فإن هذا المناخ لم يكن مستقرا، إذ سرعان ما تبدلت الظروف السياسية وانقلبت موازين القوى الفكرية، فتعرضت الفلسفة لنوع من التضييق انتهى بنفي ابن رشد في أواخر حياته.

إن هذه الحادثة تكشف عن أحد الحدود التاريخية التي واجهتها المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي. فالفلسفة على الرغم من عمقها النظري لم تستطع أن تتحول إلى تيار اجتماعي واسع داخل الثقافة الإسلامية الغربية، بل بقيت محصورة في دائرة محدودة من العلماء. وقد لاحظ عبد الله العروي أن الفكر الفلسفي في المغرب والأندلس ظل غالبا «فكر نخبة»، لم يتحول إلى تقليد معرفي مستقر كما حدث في أوروبا اللاتينية.

إن أثر الرشدية لم يتوقف عند حدود الأندلس والمغرب، بل وجد طريقه إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية التي انتشرت في الجامعات الوسيطة. وهناك تحولت شروح ابن رشد على أرسطو إلى مرجع أساسي للفلاسفة المدرسيين، حتى قال بعضهم إن أرسطو أصبح يُفهم في الغرب «من خلال ابن رشد». وقد بلغ تأثير هذا التيار حدّ ظهور ما عرف في التاريخ الفكري الأوروبي بـ«الرشدية اللاتينية»، وهي حركة فكرية تبنت كثيرا من أفكار فيلسوفنا الأندلسي حول العلاقة بين العقل والدين.

غير أن المفارقة التاريخية تكمن في أن الرشدية التي ازدهرت في أوروبا لم تجد الامتداد نفسه في موطنها الأصلي. فالثقافة الفقهية في الغرب الإسلامي كانت أكثر ميلاً إلى الاحتياط تجاه الفلسفة، خصوصا بعد أن ترسخت سلطة التقليد المذهبي. وقد عبّر بعض الفقهاء عن هذا الموقف بوضوح حين اعتبروا الاشتغال بالفلسفة بابا من أبواب الشبهات. إن هذا الموقف لم يكن مطلقا إذ ظل هناك علماء حاولوا الاستفادة من أدوات التحليل العقلي دون تبني المشروع الفلسفي بكامله.

إن دراسة المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي تكشف في مجملها عن جدلية معقدة بين العقل والنقل، بين الفلسفة والفقه، بين الانفتاح المعرفي والحذر العقدي. وهي جدلية لا يمكن فهمها إلا بوضعها في سياقها التاريخي والثقافي. فالفكر الإسلامي / العقل العربي كما قال محمد عابد الجابري ليس مجرد تراكم للنصوص، بل هو «نظام معرفي يتشكل داخل شروط تاريخية محددة». إن المدرسة الرشدية كانت محاولة لإعادة تشكيل هذا النظام على أساس عقلاني لكنها واجهت حدودا فرضتها البنية الثقافية السائدة.

إن الأثر العميق لهذا المشروع لا يمكن إنكاره لأنه أعاد طرح السؤال الفلسفي في قلب الثقافة الإسلامية: ما حدود العقل؟ وكيف يمكن التوفيق بين البرهان والوحي؟ وما موقع الفلسفة داخل المجتمع الديني؟ هذه الأسئلة التي أثارها ابن رشد ما تزال إلى اليوم جزءا من النقاش الفكري المعاصر، وهو ما يدل على أن المدرسة الرشدية لم تكن مجرد لحظة عابرة في تاريخ الفكر، بل كانت بداية أفق معرفي لم يستنفد إمكاناته بعد.

إذا كان حضور الفكر الرشدي في الغرب الإسلامي قد ارتبط أساسا بمحاولة إعادة الاعتبار للعقل البرهاني داخل الثقافة الدينية، فإن فهم حدود هذا الحضور يقتضي النظر في طبيعة البيئة الفكرية التي نشأ فيها هذا المشروع. ذلك أن الثقافة العلمية في المغرب والأندلس منذ القرون الأولى للإسلام، كانت محكومة بتوازن دقيق بين علوم النقل وعلوم العقل، غير أن الغلبة العملية كانت تميل غالبا إلى العلوم الشرعية، وفي مقدمتها الفقه المالكي الذي أصبح منذ القرن الثالث الهجري الإطار المعرفي الذي تنتظم داخله أنماط التفكير الديني والاجتماعي. وفي مثل هذا السياق لم يكن من السهل أن تتحول الفلسفة إلى تقليد معرفي مستقر، لأنه كان ينظر إليها غالبا بوصفها علما وافدا، يرتبط بأصول يونانية قد لا تنسجم دائما مع الحس العقدي العام للمجتمع.

غير أن ابن رشد لم يتعامل مع هذه الإشكالية من زاوية دفاعية محضة، بل حاول أن يعيد تعريف العلاقة بين الفلسفة والشريعة على نحو يجعل الفلسفة جزءا من النظام المعرفي الإسلامي نفسه. ففي كتابه فصل المقال يقرر أن النظر العقلي واجب شرعا على من توفرت فيه شروطه، لأن الشريعة نفسها تدعو إلى التأمل في الكون واستخدام العقل في فهم آيات الله. ويقول في عبارة أصبحت من أشهر العبارات في تاريخ الفكر الإسلامي: «إن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل، وطلب معرفتها به». هذه العبارة تختزل جوهر المشروع الرشدي، إذ تجعل البرهان العقلي امتدادا للأمر الشرعي لا خروجا عليه.

وقد كان لهذا التصور أثر عميق في إعادة صياغة مفهوم التأويل داخل الفكر الإسلامي. فالتأويل عند ابن رشد ليس مجرد أداة لغوية لتفسير النصوص، بل هو عملية معرفية تقوم على التمييز بين مستويات الخطاب الديني. فهناك خطاب موجه إلى الجمهور يعتمد على التمثيل والبلاغة، وهناك خطاب خاص بأهل البرهان يعتمد على القياس العقلي الدقيق.

إن التعارض الظاهري بين النص والعقل ليس تعارضا حقيقيا، بل هو نتيجة لاختلاف طرق الفهم. وقد عبّر عن هذا المعنى بقوله: «إذا أدى البرهان إلى معنى يخالف ظاهر الشرع، وجب تأويل الظاهر بما يوافق البرهان». وهي فكرة تكشف عن جرأة فلسفية واضحة، لأنها تمنح العقل البرهاني سلطة تأويلية داخل المجال الديني.

غير أن هذا التصور لم يكن موضع قبول واسع داخل الثقافة الفقهية في الغرب الإسلامي. فقد كان كثير من العلماء يرون أن فتح باب التأويل العقلي على هذا النحو قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار العقدي للمجتمع. وهنا ظهرت اتجاهات فكرية تميل إلى الاحتياط في التعامل مع الفلسفة، معتبرة أن الاشتغال بها قد يوقع في الشبهات. وقد عبّر بعض الفقهاء عن هذا الموقف بعبارات حادة، معتبرين أن علوم الفلسفة «علوم لا ثمرة لها في الدين». ومع ذلك فإن هذا الرفض لم يكن مطلقا، إذ ظل هناك عدد من العلماء الذين حاولوا الإفادة من أدوات التحليل العقلي دون الانخراط الكامل في المشروع الفلسفي.

ومن المثير للاهتمام أن أثر المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي ظهر بوضوح أكبر في مجال المنهج الفقهي أكثر مما ظهر في مجال الفلسفة النظرية. فقد كان كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد مثالا فريدا على محاولة تطبيق المنهج التحليلي في دراسة الخلاف الفقهي. فبدل أن يكتفي بعرض أقوال المذاهب، سعى ابن رشد إلى تحليل الأسباب التي أدت إلى اختلاف الفقهاء، مبينا أن هذا الاختلاف يعود غالبا إلى تباين في فهم النصوص أو في القواعد الأصولية التي يعتمدها كل مذهب. وقد كتب في مقدمة كتابه: «إن المقصود في هذا الكتاب أن نذكر المسائل المتفق عليها والمختلف فيها، ونبيّن أسباب الاختلاف». هذا التوجه التحليلي جعل الكتاب أقرب إلى دراسة إبستمولوجية للفقه منه إلى مجرد مصنف في الفروع.

وقد لاحظ عدد من الدارسين والمهتمين بتراثه أن هذا المنهج يفتح أفقا جديدا في مسارات التفكير الفقهي، لأنه يربط الأحكام الشرعية بالبنية العقلية التي أنتجتها. فالفقيه هنا لا يكتفي بنقل الأقوال، بل يحاول فهم منطقها الداخلي. وهذا ما جعل بعض المفكرين المعاصرين يرون في ابن رشد أحد الرواد المبكرين لما يمكن تسميته بالعقلانية الفقهية. وقد أشار محمد عابد الجابري إلى أن الفكر الرشدي يمثل «اللحظة التي بلغ فيها العقل البرهاني في الثقافة العربية الإسلامية أعلى درجات نضجه».

غير أن هذه اللحظة لم تستمر طويلا في الغرب الإسلامي، لأن التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة في القرون اللاحقة أدت إلى تغير في أولويات الثقافة العلمية. فقد أصبحت الحاجة إلى الحفاظ على وحدة المجتمع الديني أكثر إلحاحا من الانفتاح على النقاشات الفلسفية المعقدة. ومن هنا أخذت العلوم الشرعية تتجه نحو مزيد من التخصص والتقنين، بينما تراجعت الفلسفة إلى هامش الحياة العلمية.

إن الأفكار الرشدية لم تختفِ تماما من المجال الفكري الإسلامي، بل استمرت في الظهور بطرق غير مباشرة. فقد أثرت في بعض الاتجاهات الأصولية التي اهتمت بتحليل علل الأحكام ومقاصد الشريعة، كما تركت أثرا في بعض المناقشات الكلامية حول طبيعة العقل ودوره في فهم النصوص. إن الرشدية تحولت في هذا المنحى من مدرسة فلسفية واضحة المعالم إلى روح منهجية تسكن بعض أنماط التفكير العلمي.

أما في أوروبا فقد كان مسار الرشدية مختلفا تماما. فحين وصلت شروح ابن رشد على كتب أرسطو إلى الجامعات الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وجدت هناك بيئة فكرية مستعدة لاستقبالها. وقد أصبح اسم ابن رشد في تلك الجامعات مرادفا لشرح أرسطو، حتى إن بعض الأساتذة كانوا يشيرون إليه ببساطة باسم «المفسر». وقد كتب توما الأكويني أن ابن رشد هو «أعظم شارحي أرسطو». وعلى الرغم من أن الأكويني خالفه في عدد من القضايا الميتافيزيقية، فإن هذا التقدير يكشف عن المكانة التي احتلها الفكر الرشدي في الفلسفة المدرسية.

وقد أدى انتشار الشروح الرشدية إلى ظهور تيار فكري عرف في التاريخ الأوروبي باسم «الرشدية اللاتينية». وكان هذا التيار يميل إلى تبني بعض الأفكار الجريئة في فلسفة ابن رشد، مثل القول باستقلال العقل الفلسفي عن السلطة اللاهوتية. وقد أثار هذا الاتجاه جدلا واسعا داخل الجامعات الأوروبية، حتى إن بعض الكنائس اعتبرته تهديدا للعقيدة المسيحية. ومع ذلك فإن هذا الجدل نفسه كان علامة على الحيوية الفكرية التي أثارتها الرشدية في الغرب.

إن هذه المفارقة التاريخية – ازدهار الرشدية في أوروبا مقابل انحسارها في الغرب الإسلامي – دفعت عددا من المؤرخين إلى طرح أسئلة عميقة حول طبيعة التطور الفكري في الحضارات المختلفة. وقد حاول إرنست رينان تفسير هذه الظاهرة بالقول إن العقلانية الرشدية لم تجد في العالم الإسلامي الظروف الاجتماعية التي تسمح لها بالازدهار. غير أن هذا التفسير على الرغم من انتشاره يبقى تبسيطا مفرطا للتاريخ، لأن الفكر الإسلامي لم يكن خاليا من النزعات العقلانية، بل كان يعرف أشكالا متعددة من التفاعل بين العقل والنقل.

إن النظر الدقيق في حدود المدرسة الرشدية ينبغي أن يتجنب الأحكام التعميمية، وأن يركز بدل ذلك على فهم البنية الثقافية التي حددت مسار هذا التيار. فالفكر في الغرب الإسلامي كان يتشكل داخل شبكة معقدة من المؤسسات العلمية والدينية، وكان للفقهاء دور أساسي في توجيه الحياة الفكرية. وقد أدى هذا الدور إلى نوع من التوازن بين الانفتاح المعرفي والحفاظ على الاستقرار الديني. وفي مثل هذا التوازن كان من الطبيعي أن تبقى الفلسفة نشاطا نخبويا محدود الانتشار.

إن القيمة التاريخية للفكر الرشدي لا تكمن في حجم تأثيره الاجتماعي بقدر ما تكمن في نوعية الأسئلة التي طرحها. فقد كان ابن رشد أحد أوائل المفكرين في الحضارة الإسلامية الذين حاولوا بناء نظرية متكاملة في العلاقة بين العقل والوحي. وقد أدرك أن هذه العلاقة ليست مجرد مسألة لاهوتية، بل هي مسألة معرفية تتعلق بطبيعة الحقيقة نفسها. ولهذا كتب في إحدى عباراته العميقة: «إن الموجودات إنما تدل على الصانع من جهة ما فيها من الصنعة». وهذه العبارة تكشف عن رؤية فلسفية ترى في الكون نظاما عقلانيا يمكن للعقل البشري أن يفهمه.

وقد وجد هذا التصور صدى لدى عدد من المفكرين المعاصرين الذين رأوا في الرشدية إمكانا لإحياء العقل النقدي في الثقافة الإسلامية. ففي كتاباته حول العقل والحداثة يشير عبد الله العروي إلى فكرة قريبة جدا من هذا المعنى، حيث اعتبر أن ابن رشد يمثل «أفقا لم يكتمل في تاريخ الفكر العربي». وهذه العبارة تعكس فكرة أن المشروع الرشدي لم يستنفد إمكاناته بعد، وأن إعادة قراءته قد تفتح آفاقا جديدة للتفكير الفلسفي المعاصر.

إن المدرسة الرشدية في الغرب الإسلامي إذا نظرنا إليها من منظور تاريخ الفكر، تمثل لحظة فريدة التقت فيها الفلسفة بالفقه في محاولة لبناء عقلانية إسلامية متماسكة. فقد كان ابن رشد فيلسوفا وقاضيا في آن واحد، وهو ما جعله قادرا على رؤية العلاقة بين النظر العقلي والتشريع الديني من داخل التجربة العلمية نفسها. ومن هنا جاءت كتاباته مزيجا فريدا من التحليل الفلسفي والدقة الفقهية.

غير أن هذه المحاولة واجهت حدودا تاريخية وثقافية حالت دون تحولها إلى تيار واسع داخل المجتمع. فقد بقيت الفلسفة في الغرب الإسلامي وفق نشاط اتسم او اتخذ طابع المحدودية، بينما استمرت العلوم الشرعية في احتلال الموقع المركزي في الحياة العلمية. ومع ذلك فإن الأفكار التي طرحها ابن رشد ظلت حاضرة في الذاكرة الفكرية للحضارة الإسلامية حتى وإن تغيرت أشكال حضورها عبر العصور.

إن تجربة ابن رشد تكشف عن واحدة من أهم الإشكالات في تاريخ الفكر الإسلامي، إشكالية العلاقة بين العقل والنص. فقد حاول فيلسوفنا الأندلسي أن يبرهن على أن هذه العلاقة ليست علاقة صراع بل علاقة تكامل، وأن الحقيقة لا يمكن أن تكون مزدوجة، لأن مصدرها واحد. وقد لخص هذا الموقف بقوله الشهير: «إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له».

لقد كانت هذه الفكرة في جوهرها، دعوة إلى بناء ثقافة عقلانية لا ترى في الفلسفة تهديدا للدين، بل وسيلة لفهمه على نحو أعمق. ورغم أن الظروف التاريخية لم تسمح بتحقق هذا المشروع على نطاق واسع في الغرب الإسلامي، فإن قيمته الفكرية ظلت قائمة، لأنه فتح أفقا جديدا للتفكير في العلاقة بين الحكمة والشريعة.

إن دراسة المدرسة الرشدية ليست مجرد بحث في تاريخ الفلسفة، بل هي أيضا محاولة لفهم الإمكانات الكامنة في التراث الفكري الإسلامي. فالرشدية بما تحمله من إيمان بقدرة العقل على فهم العالم، تذكّرنا بأن الحضارة الإسلامية كانت في لحظات معينة من تاريخها قادرة على إنتاج أشكال متقدمة من التفكير النقدي. وربما كان استحضار هذه اللحظات اليوم خطوة ضرورية لإعادة فتح الحوار بين العقل والإيمان، بين الفلسفة والفقه وبين الماضي والحاضر في أفق ثقافي أكثر اتساعا وعمقا.

***

د. حمزة مولخنيف

 

تعد "الحرية، بمظاهرها المختلفة، وخاصة حرية العقيدة والتعبير أحد القدرات والإمكانيات الجوهرية التي يمكن للشعوب من خلالها أن تؤكد قيمها بقوة.

فالديمقراطية والجمهورية والدستور وسيادة القانون وجميع السلطات في الدولة هي في المقام الأول أدوات في خدمة الحرية، حرية الشعب، وليست أدوات للطغيان والقهر والعدوان.

ولذلك قيل ان "مصلحة الشعب فوق الدستور والقانون".

ونظراً للمضمون الجوهري للحرية وإرتباطها ارتباطاً وثيقاً بحياة الانسان الفكرية والوجدانية

فقد تناولها الفلاسفة ورجال الأدب والقانون وعبروا عنها من وجهة نظر هذه العلوم الإنسانية، وكما يأتي:

اولاً- الحرية من وجهة نظر الفلاسفة:

يُنظر الفلاسفة ال الحرية ابتداءاً، كشرط إنساني أساسي، وقد تطورت بفضل الوعي المتنامي من حرية طبيعية (غريزية) إلى حرية مدنية منطقية منظمة بالقوانين.

ومن جانب آخر تُعتبر الحرية مفردة أخلاقية (علم الأخلاق)تتيح للفرد الوعي بأفعاله ومسؤوليته عنها، فهي تشكل تلازم وثيق بين الإرادة الحرّة والالتزام بالقيم ومقتضيات الضمير الانساني، حيث تعنيفي هذا المقام القدرة على فعل ما يجب فعله لا ما يُشتهى.

1- سقراط والحرية الأخلاقية:

عرَّف سقراط (469-399 ق. م.) الحرية بأنها "قدرة الإنسان على فعل الأفضل"، ويعني به الخير، والخير يعني الأخلاق المرتبطة بالمعرفة، التي هي المدخل الرئيس لفهم كل شيء،

حيث ربط الحرية ارتباطاً وثيقاً بالمعرفة، والفضيلة، وضبط النفس، معتبراً إياها حالة داخلية للتحرر من الجهل والشهوات وليس مجرد انفلات من القيود.

فالحرية الحقيقية عنده هي قدرة العقل على توجيه الذات أخلاقياً، وممارسة الفضيلة، و"معرفة الذات"، مما يجعله سيداً على نفسه حتى في أحلك الظروف.

فالجهل كما يرى سقراط هو الذي يقود إلى الرذيلة، والرذيلة بدورها تجعل الإنسان عبداً لأهوائه.

ومارَس سقراط حرية الرأي والتعبير من خلال منهجه الحواري (الجدل السقراطي)، داعياً إلى التحرر من التبعية العمياء والبحث عن الحقيقة عبر "معرفة الذات".

وعلى هذا النحو فإن الحرية السقراطية ليست فوضى أو انفلاتاً، بل استقلال واختيار واعٍ تحت قيود أخلاقية وعقلية.

وقد جسّد سقراط مفهومه للحرية برفضه الهروب من السجن وقبوله الموت، مؤكداً أن الرجل الصالح لا يُصاب بسوء، وأن حرية الفكر لا يمكن تكبيلها بالسلاسل.

تأثرت الفلسفات اللاحقة، وخاصة الرواقية، بنظرة سقراط إلى الحرية كحالة عقلية وأخلاقية يمكن لأي إنسان تحقيقها.

2- افلاطون والحرية العقلية

يرى أفلاطون (427 ق.م - 347 ق.م) أن الحرية الحقيقية ليست في إطلاق العنان للرغبات، بل في ضبط النفس العقلاني، حيث يعتبر الإنسان حراً عندما يحكم العقل تصرفاته ويسيطر على أهوائه.

وفي مشروعه السياسي، تربط "الجمهورية" الحرية الفردية بتحقيق العدالة والانسجام الجماعي، معتبراً أن الحرية المطلقة قد تؤدي إلى الفوضى والإستبداد.

فالحرية الأفلاطونية هي حرية واعية ومنظمة تخضع للعقل والعدالة، لا حرية الفوضى.

يقول أفلاطون: "المَلِك الحق ليس الذي يملك العبيد بل الذي يدير شؤون الأحرار"

وفي مفارقة الديمقراطية، يشير إلى احتمال أن تصوّت أغلبية ديمقراطية لصالح حاكم مستبد، ما يؤدي إلى إنهاء الديمقراطية. أما في "مفارقة الحرية"، فيشير إلى أن الحرية المطلقة ستجعل المستبد حراً في استعباد الضعفاء، ما يحدّ من الحرية.

3- ارسطو وحرية الأختيار

يعرّف المعلم الأول أرسطو (384-322 ق.م) الحرية بأنها قدرة الإنسان على اختيار أفعاله وتوجيهها بناءً على العقل والإرادة الواعية، لا الهوى.

ويربط أرسطو الحرية بالمسؤولية الأخلاقية والفضيلة، حيث يعتبر أن الحرية هي اختيار "الغاية" الصحيحة التي يدركها العقل، وليست مجرد إرادة مطلقة، وهي شرط ضروري لتحقيق السعادة الإنسانية.

وبالنسبة لأرسطو، الحرية هي "قوة المشاركة في حكم أنفسنا"، وتتحقق بشكل أفضل في إطار دولة منظمة تضع قوانين عادلة.

4- الرواقيين والحرية الداخلية:

الحرية عند الرواقيين (القرن الثالث قبل الميلاد). هي "تحرر داخلي" وليس سيطرة خارجية، حيث تعني القدرة على التحكم في الأفكار والأحكام وردود الفعل تجاه الأحداث، والعيش وفقًا للطبيعة والعقل. يعتبر الرواقيون أن الحرية الحقيقية تكمن في الاستقلال عن الانفعالات والقبول بالقدر، وأن الحكيم وحده هو الحر، مهما كانت ظروفه الجسدية أو الاجتماعية.

الرواقيون يؤمنون بأن كل شيء مقدر، ولكن الحرية تكمن في قبول هذا القدر عن طواعية وتفهم، وليس عن إجبار.

باختصار، الحرية الرواقية هي "تحرر" الشخص من عبودية الانفعالات والخوف، وليس القدرة على فعل أي شيء، مما يمنح الفرد استقراراً داخلياً لا يزعزعه الاضطراب الخارجي.

ثانياً: الحرية عند جماعة العقد الاجتماعي

نتناول بإختصار أبرز مفاهيم الحرية عند فلاسفة العقد الاجتماعي (عصر التنوير في القرن الثامن عشر)

يرى جان جاك روسو إن الحرية هي انتقال من "الحرية الطبيعية" جان جاك روسو المطلقة إلى "الحرية المدنية" المنظمة، حيث يتنازل الأفراد عن حقوقهم الفردية لصالح الإرادة العامة. هي طاعة للقوانين التي يضعها المجتمع لنفسه لضمان المصلحة العامة، مما يحول الرعايا إلى مواطنين أحرار متساوين، وليس خضوعاً لحاكم مستبد.

الحرية عند روسو تعني أن يطيع المواطن نفسه من خلال التزامه بالقانون الذي شارك في وضعه.

بينما يركز جون لوك، على أن الحرية المدنية تتطلب حماية الحقوق الطبيعية، مثل الملكية، وأن السلطة يجب أن تكون مسؤولة أمام الشعب.

ورغم توجه توماس هوبز نحو السلطة المطلقة، إلا أن العقد يهدف نظرياً إلى التنازل عن الحرية الفوضوية في "حالة الطبيعة" مقابل الأمان الذي توفره الدولة.

ثالثاً- مفكرين محدثين نختار منهم

(مونتسكيو) و(كارل ماركس):

1- مونتسكيو وروح القوانين

الحرية عند مونتسكيو (1689-1755) هي"القدرة على فعل كل ما تبيحه القوانين"، وليست الفوضى أو فعل ما يشاء الفرد.

تتأسس الحرية في كتابه (روح القوانين) على الفصل بين السلطات (التشريعية، التنفيذية، القضائية) لمنع الاستبداد، حيث "توقف السلطةُ السلطةَ" لضمان أمن وحقوق المواطنين في ظل حكومات معتدلة.

مفهوم مونتسكيو للحرية:

الحرية هي حق المواطن في القيام بكل ما تسمح به القوانين، فإذا فعل مواطن ما يمنعه القانون، فلا حرية له لأن الجميع سيتمتعون بالحق نفسه، مما يؤدي إلى الفوضى.

ويرى مونتسكيو أن الحرية السياسية لا توجد إلا في الحكومات المعتدلة، وتتحقق عند فصل السلطات الثلاث (التشريعية والقيام بالأمن والتنفيذية والقضائية) على هيئات مختلفة، لمنع الاستبداد فإذا اجتمعت السلطة التشريعية مع التنفيذية في يد شخص أو هيئة واحدة، انعدمت الحرية.

والحرية لا تتحقق إلا في ظل أمن الأفراد داخل الدولة، وذلك عبر قوانين جنائية عادلة.

ويرى ان الاستبداد أخطر أنواع الحكم بالنسبة لمونتسكيو، لأنه يدمج السلطات ويلغي الحرية، ويجب أن يكون النظام قائماً على المراقبة المتبادلة بين السلطات لمنع التعسف.

فالحرية عند مونتسكيو ليست حقاً طبيعياً مطلقاً، بل هي نتاج سياسي وقانوني يضمنه نظام دستوري متوازن يقيد الحكام ويحمي المحكومين.

2- كارل ماركس من "مملكة الضرورة" إلى "مملكةالحرية"

الحرية عند كارل ماركس ليست مفهوماً مجرداً أو حقوقاً سياسية ليبرالية، بل هي "تحرر" فعلي وعملي للإنسان من الاستلاب (الاغتراب) المادي والطبقي.

ترتبط الحرية عنده بتجاوز الضرورة والحاجة عبر السيطرة العقلانية على الإنتاج، وتتحقق في مجتمع شيوعي يتيح للأفراد تنمية طاقاتهم الخلاقة، حيث تبدأ مملكة الحرية الحقيقية خارج نطاق العمل المادي المفروض.

ويرى ماركس أن الحرية لا تنفصل عن الإنتاج. "مملكة الضرورة" هي العمل لإشباع الحاجات الطبيعية، بينما "مملكة الحرية" تبدأ حيث ينتهي العمل القسري، لتزدهر القوى الإنسانية كغاية في ذاتها.

تجاوز الاغتراب: الحرية هي تحرير الإنسان من استلاب عمله ومن سيطرة القوى الاقتصادية "العمياء" التي تحكم حياته (خاصة في الرأسمالية).

والحرية عنده ليست فكرة، بل نتاج تطور مادي وتاريخي، وتتحقق بتغيير علاقات الإنتاج والقضاء على الملكية الخاصة.

ويهدف ماركس إلى تحرر الفرد وتطوره الشامل، ولكن لا يمكن تحقيق هذه الحرية الفردية إلا من خلال "التجمع" (المجتمع الجماعي).

باختصار، الحرية عند ماركس هي السيطرة الواعية على الظروف المادية والاجتماعية لتمكين الإنسان من تحقيق ذاته بشكل حر ومبدع.

رابعاً - الحرية في الآدب:

الحرية في النتاجات الادبية مثلت انعطافة تاريخية في حياة الشعوب وغيرت وجه التاريخ كما فعلت الثورات الكبرى:

1- كازانتزاكيس والحرية

نجح الكاتب اليونانى " نيگولاس كازانتزاكيس" أن يصنع من شخصياته الروائية نماذج حية منها على سبيل المثال شخصية "زوربا اليونانى" وشخصية "الكابتن ميخايليس" فى روايته الملحمية " الحرية أو الموت"،

ويُمثّل مفهوم الحرية عند نيكوس كازنتزاكيس في رواياته وكتاباته صراعاً وجودياً ونضالاً مستمراً للتحرر من القيود المادية والمعنوية (الخوف، العادات، العقل)، حيث يعتبرها موقفاً روحياً يتجاوز مجرد الاستقلال السياسي إلى تحقيق "الكرامة الإنسانية" والعيش بصدق، حتى لو تطلب ذلك التضحية بالنفس. الحرية عنده مرادفة للحياة، و"إما أن تكون حراً أو لا تكون".

فالحرية عند هي مسؤولية وشجاعة حيث يرفض كازانتزاكيس الاستسلام للظلم، معتبراً العيش تحت نيره موتاً بطيئاً"، وأن النضال من أجل الكرامة، حتى لو قاد للموت، هو التجسيد الحقيقي للحرية.

هي تحرير الروح من قيود "العبودية" (الخوف من الموت، الرغبات)، وهو ما صوره في تجربة بلال بن رباح في رواياته، حيث الحرية تبدأ من ملكية الإنسان لروحه وضرورة للتخلص من العقل التقييدي والقلب المرتعب، ليحقق الإنسان جوهره وحريته الحقيقية والعبودية هي النقيض المطلق للحياة.

يقول كازانتزتكيس لا تنتظر الحرية من أحد؛ هي صراع شخصي مستمر ("الحبل الذي في عنقك أطول قليلاً من حبال الآخرين")، مما يعني أن الحرية النسبية تتطلب العمل الشخصي لتوسيع حبال الحرية، والرفض الدائم للقيود المفروضة، مما يجعلها رحلة داخلية ونضالاً خارجياً لا ينتهي.

2- الحرية عند گابرييل غارسيا ماركيز

الحرية عند ماركيز هي قيمة إنسانية وسياسية عليا، غالباً ما تكون أول ضحايا الحروب والصراعات، ويُنظر إليها كضرورة لتحقيق العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، متحررة من الاستعمار والهيمنة الخارجية.

ركز ماركيز على الحرية الفردية، خاصة في أعماله الأخيرة، لاستكشاف الرغبة والبحث عن الذات بعيداً عن القيود المجتمعية.

ودافع عن حق أمريكا اللاتينية في تقرير مصيرها بعيداً عن التدخلات الإمبريالية، مؤمناً بأن أفكار الكاتب وثقافته تعبر الحدود وتنتصر حتى بدون تأشيرة دخول.

استكشف ماركيز في أعماله (مثل "نلتقي في أغسطس") بحث المرأة عن حريتها الشخصية ورغباتها، مما يعكس تحرراً من القوالب الاجتماعية الجاهزة.

تتجلى الحرية في كتاباته من خلال الشخصيات التي تواجه العزلة والبحث عن المعنى، حيث تُفهم الحرية على أنها القدرة على الاختيار وتحمل عواقب الحب والعيش.

في رواياته، غالباً ما يكون الحب، خاصة في "الحب في زمن الكوليرا"، تجسيداً للحرية الشخصية والتمرد على قيود المجتمع.

كيساري ملتزم، ناصر ماركيز حركات التحرر، مؤمناً بضرورة تحرر الشعوب من الظلم والبطش.

3- ا الحرية في شعر أحمد مطر:

الحرية عند احمد مطر هي محور أساسي وقيمة مطلقة، يصورها كنبتة تنمو بدماء الأحرار ولا تستجدى من الهيئات، منتقداً بشدة غيابها تحت حكم الطغاة، ومسلطاً الضوء على معاناة الشعوب من القمع وتكميم الأفواه، بأسلوب ساخر ورمزي ومباشر، معتبراً الحرية الحقيقية تعني الكرامة والوطن.

كرس مطر شعره (وخاصة "اللافتات") لفضح دكتاتورية الحكام العرب، ووصف معاناة الناس تحت استبدادهم.

وتميز بأسلوب أدبي ساخر ولاذع لنقد الحكام، ويسخر من صمت الشعوب وقبولهم بالواقع. فهو يدافع عن حقوق الإنسان الفطرية، وحرية التعبير، منتقداً السجن، والتعذيب، والقيود على الفكر.

الوطن والحرية: يرتبط مفهوم الحرية عنده بوجود وطن آمن وكرامة للإنسان، ويصور الوطن في شعره بمتناقضات بين الأمل واليأس أمثلة من قصائده في قصيدته "دمعة على جثمان الحرية شاعرنا يصور مأساة غياب الحرية ووصفها بالمعارضة والإرهاب من قبل الحكامفي "قصتي مع الحرية"، يبحث عن الحرية في أروقة السلطة والاعلام، ليجدها مفقودة في "أذان مخفية" و"ساحات الموت".

لقد جعل أحمد مطر من شعره وسيلة لترسيخ الوعي بضرورة الحرية، معتبراً أن الكلمة الحرة هي سلاح في وجه الطغيان.

خامساً- الثورات الكبرى والحرية الدستورية:

اول إشارة رسمية واضحة لعلوية الحرية وردت في اعلان حقوق الانسان والمواطن (الفرنسي) الصادر في 26 أغسطس/آب 1789، في المادة 11، على أن

" حرية التعبير عن الأفكار والآراء من أثمن حقوق الإنسان؛ فلكل مواطن الحق في الكلام والكتابة والنشر بحرية، مع تحمله المسؤولية عن إساءة استخدام هذه الحرية في الحالات التي يحددها القانون"

ومعيار الحرية عند توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، بأن "الحرية تكون عندما تخشى الحكومة الشعب، والطغيان عندما يخشى الشعب الحكومة".

ماهي وسائل الحرية:

لكي نكون ازاء حرية حقيقية وليست حبراً على ورق، يجب ان تتوفر الشروط التالية:

1- احترام السلطات للدستور: فالدستور يتضمن المبادئ العامة للحريات العامة

يعد احترام السلطات للدستور ركيزة أساسية في الأنظمة الديمقراطية، حيث يُعتبر الدستور الوثيقة القانونية العليا والاسمى. يلتزم الحكام والمحكومون بقواعده، مما يضمن شرعية تصرفات السلطات، ويجعل القوانين والقرارات الصادرة متوافقة مع الحقوق والحريات، مع وجود رقابة قضائية (مثل المحكمة الاتحادية) لضمان عدم خرق هذه القواعد الآمرة.

2- سمو الدستور: يقع الدستور في قمة الهرم القانوني، وأي تشريع يخالفه يُعد باطلاً.

فصل السلطات: يقضي بوجود توازن وتعاون بين السلطات الثلاث، حيث لا تتغول سلطة على أخرى.

3- الالتزام بالمشروعية: تلتزم السلطة التنفيذية بقواعد الدستور في أعمالها، وتتقيد السلطة التشريعية بعدم مخالفة الدستور في تشريعاتها.

4- حماية الحقوق والحريات العامة: يعد الدستور ميثاقاً لحماية الحقوق الأساسية، وأي مساس بها هو مساس بالنظام الدستوري.

5- سيادة القانون: يجب ان يطبق القانون على الجميع بمساواة وعدالة في ظل قوانين عادلة تحمي الفرد والمجتمع وتمنع الاستبداد.

سيادة القانون هي المبدأ الذي يخضع فيه الجميع، أفراداً ومؤسسات وحكومات، لقوانين عادلة ومطبقة بالتساوي، مما يضمن العدالة والمساءلة وحماية حقوق الإنسان. تُعد ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي، والنمو الاقتصادي، والحكم الرشيد، حيث تمنع الاستبداد والفساد، وتوفر بيئة آمنة لتعايش الأفراد.

6- التعليم والوعي: نشر الوعي بالحقوق والواجبات، حتى يتمكن كل ذي حق من ممارسة حقوقه.

الوعي العام هو الركيزة الأساسية والشرط الضروري لممارسة الحرية العامة وحمايتها، فلا حرية حقيقية بدون وعي.

حيث يشكل الوعي القانوني والسياسي للمواطنين جدار الحماية الأول للحقوق، ويحول دون استبداد السلطة، مما يجعل التظاهر والاحتجاج السلمي أدوات فاعلة لتكريس الحريات في ظل مجتمع واعٍ. ولا تستعاد الحرية ولا تصان الكرامة إلا بتحرر عقل الإنسان، حيث تبدأ المأساة عند سلب الوعي واستبداله بالخوف.

فالوعي القانوني يُمكّن الأفراد من ممارسة حقوقهم (حرية التعبير، التجمع) ومعرفة حدودها بما لا يمس بحقوق الآخرين.

ويلاخط أن الرأي العام الناضج الذي ينتج عن النقاش والمعرفة، يُمارس ضغطاً إيجابياً أو سلبياً لتشكيل السياسات العامة وضمان عدم انتهاك الحريات.

نتيجة

كلما ارتفع مستوى الوعي العام، زادت قدرة المجتمع على انتزاع وحماية حرياته، والعكس صحيح، إذ يؤدي غياب الوعي إلى الخضوع وسلب الحقوق.

7- المشاركة السياسية: حق التعبير، الانتخاب، والاختيار في الحياة العامة.

تعمل الحريات السياسية والاجتماعية كآليات لتعزيز التنمية من خلال الحريات السياسية: تتيح الديمقراطية والشفافية للمواطنين المشاركة في صنع القرار، مما يضمن حكومة مسؤولة وتقلل من الكوارث والمجاعات.

ويبدو دور الديمقراطية في التنمية ظهر في دول كالهند وكوريا والبرازيل وتركيا التي نجحت في الانتقال نظام ديكتاتوري متفرد في اتخاذ القرار إلى نموذج تنموي يصنف من بين 20 أقوى اقتصاد عالمي، ويحقق نسبة نمو الأعلى في أوروبا بما يفوق 9%.

8- الاستقلال الاقتصادي: توفير فرص العمل والتملك لتقليل الاعتمادية، فالفقر عائق امام ممارسة الحرية، يؤثر الفقر بشكل جذري على الحرية عبر تقييد خيارات الأفراد، حيث يحول تركيزهم من تحقيق الذات إلى مجرد البقاء على قيد الحياة. الفقر ليس نقصاً في المال فحسب، بل هو حرمان من القدرات الأساسية (كالتعليم والصحة والسكن اللائق) والاستفادك من الفرص المتاحة ، مما يؤدي إلى استبعاد اجتماعي، وتبعية، وعجز عن اتخاذ القرارات الشخصية، ويجعل الأفراد أكثر عرضة للاستغلال والعمل القسري نتيجة لليأس الاقتصادي..

الفقر يضع الإنسان في مواقف ضعف ويجبره على اتخاذ قرارات تحت الضغط، مما يقلل من استقلاليته وقدرته على اتخاذ قرارات مستقلة.

حيث يُعتبر الفقر جوهر انعدام الحرية الاقتصادية، حيث يمنع الأفراد من تملك الموارد وتطوير مهاراتهم، ويُكرّس دورة من الحرمان.

الحرية الاقتصادية (الأسواق الحرة) تتيح للأفراد العمل والاستثمار، مما يعزز الابتكار ويزيد الدخل.

9- التنمية البشرية: تُعد الحرية والتنمية البشرية وجهين لعملة واحدة، حيث تمثل الحرية الغاية النهائية والوسيلة الأساسية لتحقيق التنمية، وفقاً لرؤية أمارتيا سين (التنمية كحرية) فالتنمية البشرية هي عملية توسيع خيارات الأفراد وقدراتهم، مما يتطلب بيئة حرة تضمن الحقوق السياسية، والفرص الاقتصادية، والضمانات الاجتماعية، والشفافية. غياب الحرية يكبّح النمو، بينما يعزز توفرها الابتكار والعدالة الاجتماعية.

الهدف النهائي للتنمية ليس فقط زيادة الدخل القومي، بل توسيع نطاق الخيارات والقدرات البشرية الحقيقية (القدرة على العيش طويلاً، التعليم، المشاركة).

وتساهم حرية الفكر والتعبير في اقتصاد المعرفة، وزيادة الإبداع والابتكار مما يعزز الرأسمال المعرفي.

سادساً- مضمون الحقوق والحريات الفردية في المواثيق الدولية والدساتير الوطنية، وتضم ما يلي:

اولاً- الحريات الشخصية: وهي اساس لكل الحريات وتضم :

1- حق الأمن: هو حق أساسي من حقوق الإنسان، يضمن للأفراد العيش دون خوف من التهديد أو الاعتقال التعسفي، وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحق في الحياة والحرية. يعد الأمن أساساً لاستقرار المجتمعات، وازدهارها، وحماية كرامة الإنسان، ويشمل الحماية الجسدية والنفسية، وتوفير بيئة قانونية مستقرة.

2- حرمة المسكن: حرمة المسكن هي حق دستوري وقانوني أصيل يضمن أمان وخصوصية الأفراد داخل منازلهم، ويحظر دخولها أو تفتيشها أو مراقبتها دون رضا صاحبها أو بغير إذن قضائي. يُعد المسكن ملاذاً آمناً للاستقرار النفسي والعائلي، وتعتبر أي جريمة انتهاك له، خاصة ليلاً، جناية تستوجب عقوبات مشددة، وفقاً لقوانين العقوبات، مثل المادة 428 من قانون العقوبات العراقي.

3- حرية التنقل:حرية التنقل هي حق أساسي يكفله القانون الدولي والدساتير الوطنية، ويشمل تنقل الفرد بحرية داخل بلده، واختيار مكان إقامته، وحقه في مغادرة أي بلد أو العودة إليه. يُعد هذا الحق جزءاً من الحريات الشخصية ولا يجوز تقييده إلا بضوابط قانونية مشروعة لحماية الأمن أو النظام العام.

4- سرية المراسلات: ومعنى ذلكً عدم جواز انتهاك حق الفرد في ملكية الخطابات المتضمنة مراسلاته مع غيره من الأفراد، والاطلاع على هذه المراسلات أو مصادرها.

ثانياً- الحريات الفكرية وتتضمن ما يلي .

1- حرية المعتقد والدين: هي حق إنساني أساسي ومطلق يكفل لكل فرد اعتناق، تغيير، أو ترك أي دين أو معتقد يختاره بحرية، سواء بمفرده أو جماعة، علنًا أو سرًا، دون تدخل أو إكراه. يشمل هذا الحق حرية العبادة، التعليم، والممارسة، وهو محمي دولياً (المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).

2- حرية التعليم وتعني حق كل فرد في التعلم، وفي اختيار العلم الذي يريد تعلمه، كذلك حريته في نشر فكره وعلمه للناس وفقاً للطريقة التي يراها مناسبة له.

3- حرية الصحافة: هي حق أساسي يكفل للصحفيين ووسائل الإعلام نشر المعلومات والآراء بحرية دون رقابة حكومية أو تدخل سياسي/اقتصادي، مع مراعاة القواتين وادنظام العام والآداب العامة. وتعد ركيزة أساسية للديمقراطية، وتضمن الشفافية والمساءلة. تُحيي الأمم المتحدة واليونسكو هذا الحق عالمياً في اليوم العالمي لحرية الصحافة في (3 آيار) من كل عام.

4- حرية المسرح والسينما والإذاعة والتلفاز.

تُعد حرية المسرح والسينما والتلفزيون جزءاً لا يتجزأ من حرية الرأي والتعبير، وهي أدوات حيوية للتغيير الاجتماعي والمقاومة الثقافية، تهدف لإيصال أصوات الشعوب وتسليط الضوء على قضاياهم. تواجه هذه الفنون تحديات تتعلق بحدود الرقابة، وتأثير التطور التكنولوجي، والموازنة بين الإبداع والقيود الاجتماعية.

وقد أشار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى ذلك فبين في المادة . أنه

" لكل إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير عنه بما يتضمنه ذلك من حرية اعتناق الآراء بمأمن من التدخل ، وحرية التماس المعلومات والأفكار، وإذاعتها بمختلف الوسائل، دون تقيد بحدود الدولة.

ثالثاً- حريات التجمع وتضم هذه الحريات ما يلي:

1- حرية الاجتماع والتجمع: هي حق أساسي من حقوق الإنسان، يضمن للأفراد الالتقاء سلمياً في الأماكن العامة أو الخاصة للتعبير عن آرائهم، الدفاع عن مصالحهم، أو الاحتجاج. يعد هذا الحق ركيزة ديمقراطية ومصاناً في المواثيق الدولية، ويشمل التجمعات، المظاهرات، والاعتصامات، وغالباً ما يكون مرتبطاً بحرية الرأي والتعبير.

2- حرية تكوين الجمعيات والنقابات: والاتحادات والإنضمام إليها. وتعني حق الأفراد في تكوين وتشكيل جمعيات منظمة والإنضمام إليها أو الانسحاب منها في أي وقت شاء ، وعدم جواز إجبار الفرد على الانضمام إلى جمعية معينة أو الانسحاب منها دون رغبته وإرادته.

رابعاً- الحقوق والحريات السياسية. وتضم هذه الحقوق والحريات ما يلي:

1- حق الانتخاب: هو حق دستوري أساسي للمواطنين المؤهلين للمشاركة في التصويت والترشح، يُعد ركيزة جوهرية في النظم الديمقراطية لإدارة الشؤون العامة.

2- حق الترشح للانتخابات التشريعية.

3- حق إبداء الرأي في الاستفتاء.

4- الحق في تكوين الأحزاب السياسية والانضمام إليها.

5- حق الفرد في مخاطبة السلطات العامة:

وهو حق سياسي أساسي ووسيلة قانونية تتيح للأفراد (فردياً أو جماعياً) تقديم الشكاوى، التظلمات، أو المقترحات للسلطتين التنفيذية والتشريعية. يهدف هذا الحق إلى حماية الحريات، تعزيز الشفافية الإدارية، والمشاركة في الشؤون العامة. يُمارس عبر العرائض لرفع الظلم أو تحسين أداء المرافق العامة.

6- الحق في تولي الوظائف العامة في الدولة:

هو حق دستوري وسياسي مكفول للمواطنين على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، دون تمييز بسبب الجنس، الدين، العرق، أو الرأي السياسي. يهدف هذا الحق إلى تحقيق العدالة والموضوعية، ويُشترط لشغله شروط قانونية محددة مثل الجنسية، حسن السيرة، الكفاءة، المؤهلات المطلوبة، واللياقة الصحية.

خامساً- الحقوق والحريات الاقتصادية:

وتتضمن هذه الحقوق والحريات ما يلي :

1- حرية التملك: هي حق أساسي يكفله القانون والدستور للأفراد، ويمنحهم القدرة على امتلاك الأصول (العقارات والمنقولات) واستعمالها والتصرف بها، مثل البيع أو الإيجار، ضمن ضوابط المصلحة العامة والنظام القانوني. يُعد هذا الحق ضمانة للمواطنة، ويشمل حق تملك الجنسين، وتملك الأجانب ضمن قيود محددة.

2- حرية إنشاء المشروعات الخاصة.

3- حرية المنافسة: هي مبدأ اقتصادي وقانوني يضمن للأشخاص (الطبيعية والمعنوية) حق الدخول إلى السوق وممارسة النشاط التجاري أو الاقتصادي بحرية، واستخدام كافة الوسائل المشروعة لاستقطاب الزبائن، بما يحقق الفعالية الاقتصادية، ويحمي المستهلك من الممارسات الاحتكارية، ويضمن جودة أفضل وأسعاراً عادلة للمنتجات.

4- حرية التبادل التجاري(التجارة الحرة): هي سياسة اقتصادية دولية تهدف إلى تعزيز تبادل السلع والخدمات بين الدول عبر تخفيف أو إلغاء القيود الحكومية، مثل الرسوم الجمركية، الحصص الاستيرادية، والحواجز الإجرائية..

5- حرية التجارة والصناعة والعمل داخليا وخارجيا.

6- حرية تحديد الأثمان مع مراعاة العدالة.

سادساً- الحقوق الاجتماعية وتشمل هذه الحقوق ما يلي:

1- حق العمل. ومقاده أن تكفل الدولة للفرد العمل الذي يناسب مؤهلاته العلمية وقدراته وخبراته، وبما يضمن له دخلا كريما له ولأسرته.

وقد أشار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادتين منه على أن لكل إنسان الحق في العمل وحرية اختياره، وأن يكون العمل في ظروف ملائمة،

2- حق الفرد في الحماية من البطالة.

3- حرية العمال في تكوين النقابات العمالية والانضمام إليها، وحقهم في الإضراب كوسيلة ضغط للاستجابة لمطالبهم لتحسين ظروف العمل ورفع الأجور.

4- حق الرعاية الاجتماعية والصحية: هي ضمانات حكومية توفر دعماً مالياً وخدمات للمواطنين الأشد هشاشة، كبار السن، العاجزين، والأيتام لضمان حياة كريمة، ووضع نظم رعاية ذوي العاهات وتأهيلهم فكريا ومهنيا وهي مستندة إلى مبادئ العدالة الاجتماعية.

5- حق التنمية التعليمية والذهنية: هو حق أساسي من حقوق الإنسان، يكفل للجميع، دون تمييز، الوصول إلى تعليم جيد ومنصف ومجاني (خاصة الابتدائي) لتطوير الشخصية والقدرات العقلية والجسدية لأقصى درجة. يهدف هذا الحق إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتمكين الأفراد، وتعزيز التفكير الإبداعي والنقدي مدى الحياة. ، وتكافؤ الفرص التعليمية للجميع ، وتوفير المنح الدراسية، وتشجيع التأليف والنشر والابتكار وإقامة المعارض العامة. ويختلف الحق في التعليم عن حرية التعليم التي تدخل ضمن الحريات الفردية الشخصية التقليدية. فحق التعليم يعني التزام الدولة بأن تعلم المواطنين. في حين إن حرية التعليم تعني إعطاء الفرد كامل الحرية في اختيار معلمه ونوع التعليم الذي يرغب فيه، وحرية نقل ما تعلمه للآخرين.

*نطاق الحرية:

يقول ويليام شكسبير

"حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين"

يقول الشاعر احمد مطر مخاطباً الأجيال على لسانه معلمه الدي قضى في زنزانة الطغيان

"قد أنسوكم كل التاريخ وكل القيم العُلوية، أسفي أن تخرج أجيال لا تفهم معنى الحرية، لا تملك سيفًا أو قلمًا، ولا تحمل فكرًا وهوية"

***

فارس حامد عبد الكريم

2026/2/12

 

مقدمة في نظرية الحق المكتسب:

تحمي نظرية الحق المكتسب، الحق في الحياة الآمنة المستقرة لأبناء المجتمع، من أن يتعرض لها رجال السلطة العامة او الإدارة بالتغيير او التعديل بعد أن تم الحق واستقر لهم قانوناً او فعلياً، وبنوا حياتهم ومستقبل عائلاتهم على اساسه، مما يعرض المراكز القانونية للإنهيار المفاجئ الذي يسبب ارباكاً إجتماعياً وإقتصادياً لأفراد المجتمع وعوائلهم ويهدم جهودهم الذي بذلت ربماً عمراً من الزمن لكسب هذا الحق، ليواجهوا قراراً او تشريعاً يسلبهم هذا الحق فجأة. وقد تولدت عبر تاريخ البشرية ولازالت اعداد لا تحصى من المظالم من جراء سلب الحق المكتسب، في ظل حكم الطغيان وعدم الإنصاف والجهل والأنانية.

ولهذا السبب ولاعتبارات العدالة والمنطق وحماية لاستقرار المعاملات والمطالبات الشعبية، فان من اهم المبادئ التي ارستها الثورات الكبرى في التاريخ هو حماية الحقوق المكتسبة والمراكز القانونية الناشئة عنها من خلال أقرار مبدأ اساسي ثوري هو عدم رجعية القوانين على الماضي، وخاصة تلك القوانين التي تؤثر على الوضع المالي والإقتصادي للمواطن كحق الملكية سواء كسب قانوناً او بالحيازة التامة وان استندت في نشأتها ابتداءاً الى التعدي مادام قد مر عليها زمن طويل دون ان يطالب بها صاحب الحق الأصلي فيها، وكذلك الحقوق التقاعدية (المعاش التقاعدي) حيث يعد من ابرز الحقوق المكتسبة التي لايجوز المس بها بعد اقرارها، وعلى ذلك نصت قوانين التقاعد المقارنة حول العالم.

وقد وصف اعلان حقوق الانسان والمواطن الفرنسي (لعام 1789) حقوق الملكية والحرية والأمن ومقاومة الظلم بأنها حقوق "طبيعية، وثابتة، ولا يجوز انتزاعها"

الفرع الأول: مفهوم الحق المكتسب

يعد توفير الحماية اللازمة لحقوق الأشخاص في المجتمع، سواء كانوا اشخاصاً طبيعين أم معنويينن من اولويات غالبية النظم القانونية، ويتقدم هذه الحقوق حق الملكية بما له من دور تاريخي في حياة البشر، فهي تبين بوضوح تام شروط اكتسابها والحماية التي يتمتع بها اصحابها. خاصة وان هذه الحقوق اصبحت منذ عشرينيات القرن الماضي ومازالت من من الحقوق التي تدخل في نطاق حقوق الانسان وذلك طبقاً لمفهوم حق الملكية في قوانين كل دولة، بحيث لا تخلو نصوص أية اتفاقية دولية لحقوق الانسان من الاشارة إلى هذا الحق.

وهذه الحماية مفادها، ضمان استقرار الحقوق واستمرارها حتى لا يختل القانون نفسه ويفقد بذلك المعنى والهدف المتوخى منه.

ان دوام الحقوق واستقراراها هو الذي قاد إلى قاعدة لا يكاد يخلو منها نظام قانوني ألا وهي قاعدة عدم رجعية القانون على الماضي، وحسب هذه القاعدة، لا يمكن لقاعدة قانونية جديدة ان تمحو بصفة تلقائية ما تم انتاجه من حقوق في اطار قاعدة قانونية سابقة.

وقد اعتبر الفقيه (Charles de VISSHER) ضمان استمرار الحقوق من أولويات النظام القانوني أياً كان.

وعليه ليس للمشرع ثمة سلطة، كقاعدة عامة، لإعادة النظر في الحق الذي تم اكتسابه وفقاً لشروط مشروعيته المنصوص عليها قانوناً.

وان فعل ذلك يكون قد مس بمتانة العلاقات الاجتماعية، لما فيه من اهدار للثقة بالقانون واليقين القانوني وتهديم لتصرفات الاشخاص التي تمت صحيحة، فلا يطمئنوا إلى تصرفاتهم، ولا إلى ما اكتسبوه من حقوق.

وتحمى الحقوق المكتسبة من قبل القضاء العادي او الإداري، بل ان القضاء ذاته اعتبر ان من اهم واجبات القاضي اثناء تفسيره وتطبيقه للقانون مراعاة الحقوق المكتسبة، وحمايتها عند اصداره للأحكام والقرارات القضائية، وهذا ما يدرك اثناء مراجعة الالاف من اقضية المحاكم المدنية والإدارية والتجارية والدولية.

الفرع الثاني: تعريف الحق المكتسب

اختلف الفقهاء بشأن تعريف الحق المكتسب، وهذا الاختلاف هو نتيجة طبيعية لاختلاف وتنوع المدارس والنظريات القانونية بشأن اساس الحق ذاته، وعلى هذا النحو فان النظرة إلى الحق المكتسب تختلف باختلاف الرؤية النظرية الموضوعية او الشخصية لمفهوم الحق ابتداءاً، فضلاً عن اختلاف التعريف باختلاف فرع القانون ومنها يتعلق بالحقوق المكتسبة في اطار القانون العام كالقانون الدولي والقانون الإداري و ومنها يتعلق بالحقوق المكتسبة في اطار القانون الخاص، مما ينعكس بالضرورة على تعريف الحق المكتسب ذاته.

وأورد الفقه عدة تعريفات للحق المكتسب، وعلى هذا النحو عرفه (الحق المكتسب) انصار الإتجاه الشخصي للحق، بأنه الحق الذي دخل ذمة الشخص نهائياً بحيث لا يمكن نقضه أو نزعه منه إلا برضاه.

بينما ذهب فريق آخر إلى تعريفه، بأنه: الحق الذي يملك صاحبه المطالبة به والدفاع عنه أمام القضاء.

بينما عرفه انصار الإتجاه الموضوعي للحق بانه: الحق الذي يقوم على سند قانوني.

وقد عرفه (Merlin) بأنه: الحق الذي يدخل ذمة الشخص بشكل نهائي بحيث لا يمكن نزعه منه إلا برضاه.

كما عرف بأنه الحق الذي لا يجوز للقاضي أن يمسه بسوء أويسبله صاحبه بحجة تطبيق قانون مستجد.

وبما ان الفقيه العميد دكي انكر فكرة الحق من اساسها، كما سيتبين لنا لاحقاً، فانه بالنتيجة لا يتطرق لموضوع الحق المكتسب ويحل محلهما فكرة المراكز القانونية. اما الفقيه الفرنسي الكبير روبييه فذهب في كتابه عن تنازع القوانين في الزمان إلى تبني فكرة المراكز القانونية بطريقة مختلفة عما تبناه العميد دكي، فأعتبر ان المراكز القانونية التي تكونت وتمت في ظل قانوني ملغي فان القانون الجديد لا يمسها بالتعديل أو التغيير، تأكيداً لفكرة الحقوق المكتسبة.

اما تعريف الحق المكتسب في اطار القانون المدني فسنوردها في اطار البحث في مفهوم الحق المكتسب وأساسه.

الفرع الثالث: محل الحق المكتسب وشروطه

يختلف محل الحق المكتسب باختلاف فرع القانون الذي ينظمه.

وفي نطاق القانون الخاص، فان محل الحق المكتسب يتحدد بالحقوق المالية أو حقوق الذمة وهي على ثلاثة انواع الحقوق الشخصية والحقوق العينية والحقوق الذهنية.

وهذه جميعها تقوم بالنقود وتنتقل من صاحبها إلى غيره بموجب تصرف قانوني ويمكن ان تكتسب أو تسقط بالتقادم.

وان كنا قد اوردنا تعريفات عامة للحق المكتسب فاننا نضيف عليها تعريفات اخرى توضح محل الحقوق المكتسبة في القانون المدني، ففي نطاق القانون المدني فقد عرفه "O'Connell" (الحقوق المكتسبة تتمثل في الحقوق العينية أو الشخصية التي استقرت وأصبحت ثابتة ومكتسبة بطريقة صحيحة طبقاً للقانون الوطني والتي لها قيمة نقدية يمكن حسابها).

وعرفه شارل روسو بانه (الحقوق المكتسبة هي حقوق الملكية من مادية ومعنوية المنتقلة حسب الاصول إلى الاشخاص الطبيعيين أو المعنويين والقابلة إلى التحويل إلى تقديرات مالية، أي الحقوق الشخصية القائمة على اساس تعاقدي والحقوق العينية).

الشروط الواجب توفرها في الحقوق المكتسبة:

لا يمكن التمسك بقاعدة احترام الحقوق المكتسبة إلا إذا توفرت في الحق نفسه بالإضافة إلى كونه حقاً قابلاً للتقويم المالي، الشروط التالية:

1. ان يكون اكتساب الحق قد تم فعليا، ومن ثم لا حق مكتسب على مجرد أمل.

2. ان يكون هذا الحق قد اكتسب إكتساباً صحيحاً وفقاً للقانون، سواء كان اكتسابه بصورة مشروعة ابتداءاً، أو كان الاستيلاء عليه تم ابتداءاً بصورة غير مشروعة، كما في كسب الملكية بالتقادم .

3. ان يكون الحق مالياً او قابلاً للتقويم بالمال، أي ذو طبيعة مالية كما هو مفهومها في اطار القانون الخاص.

وهي الحقوق التي يمكن تقدير محلها بنقود (نقد أو عقار أو منقول) وتدخل ضمن الذمة المالية للشخص. تشمل بشكل رئيسي الحقوق العينية (مثل الملكية)، والحقوق الشخصية (الدائنية)، والحقوق الفكرية أو الذهنية (حقوق المؤلف) والراتب او المعاش التقاعدي، والحسابات المصرفية، السندات، الأوراق التجارية، والأسهم في الشركات. وتعتبر جميعاً جزءاً إيجابياً في ذمة الإنسان المالية. حيث تعطي صاحبها مصلحة مادية قابلة للتداول والتقييم.

الفرع الرابع: اساس الحق المكتسب

هناك عدة أسس يستند إليها في تقرير فكرة الحق المكتسب، هي:

أولاً: المنطق القانوني:

إن العمل بالمنطق القانوني بما عبر عنه الفقه القانوني بحسن النية التشريعية يجعل من إنشاء الحق بمقتضى القانون الصادر عن الهيئة التشريعية لدولة معينة يستتبع فرضاً الاعتراف له (الحق) بنوع من الاستمرارية والاستقرار الزمني حتى تكتمل فاعليته، باعتباره اصبح من الحقوق التي تقع عليها صفة الاكتساب.

فالقاعدة القانونية ما هي إلا خطاب موجه إلى الافراد يتضمن أمراً أو تكليفاً بسلوك معين، والامر أو التكليف لا يتصور منطقاً أو عقلاً توجيهه إلى ما فات من الزمن وإنما إلى ما هو آت، ففي رجوع القاعدة القانونية على الماضي خروج عن المدى الزمني لسريانها الذي يبدأ من يوم نفاذها واعتداء على اختصاص القاعدة القانونية القديمة التي تمتد بحكمها حتى يوم نفاذ القاعدة الجديدة.

ثانياُ: مبدأ العدالة: مبادئ العدالة تقضي بعدم حرمان الشخص من حق اكتسبه في الزمان الماضي.

ثالثاً: مبادئ الاخلاق والفضيلة التي تحمي حق الحياة الامنة من التقلبات السياسية

ويرى أرسطو في إطار نظريته عن القانون الطبيعي، أن الإنسان وهو يعيش في مجتمع سياسي فإنه يتخلى عن حريّته المطلقة في أن يفعل ما يريد، وتكون تصرفاته خاضعة لمبادئ الفضيلة والعدل و خضوعه للقانون الوضعي أيضاً، ومن جانب آخر فان المشرع يخضع لمبادئ الفضيلة أيضاً فلا ينبغي عليه إلا أن يشرع القوانين التي تتفق معها، وعلى هذا النحو من خضوع الفرد والدولة لإرادة الفضيلة تتحقق السعادة. والمقصود بالفضيلة عند أرسطو المبادئ والحقوق التي تدور حول العدل والمساواة والتي يدركها العقل السليم. ويرى ارسطو أن في خضوع القانون الوضعي للقانون الطبيعي. ومبادئ الفضيلة أعظم ضمان لتحقيق مبدأ الأمن القانوني.

رابعاً: مبدأ استقرار المراكز القانونية: يقضي هذا المبدأبضرورة عدم بقاء المراكز القانونية مهددة إلى ما لا نهاية، ففي انسحاب القاعدة القانونية على الماضي، إخلال بالاستقرار الواجب للمعاملات وإهدار للثقة الواجبة في القانون. فغالباً ما تترتب للأفراد حقوق ومراكز وآثار قانونية في ظل القواعد القانونية النافذة في وقتها، ومن ثم لا ينبغي أن يكون تعديل هذه القواعد أو الغاؤها بقواعد جديدة فرصة للمساس بهذه الحقوق والمراكز أو للانتقاص من تلك الآثار التي ترتبت صحيحة في ظل القواعد القانونية القديمة.

خامساً : الدساتير والقوانين وأحكام القضاء:

لا يكاد يخلو دستور في العصر الحديث ومنذ الثورة الفرنسية من النص على فكرة الحقوق المكتسبة من خلال النص على عدم جواز رجعية القانون على الماضي، وهذا ما نصت عليه الدساتير العراقية المتعاقبة.

وعلى هذا ذهب القضاء الدستوري المصري بأحكامه المتعددة إلى أن الأثر الرجعي للقوانين إذا امتد إلى إلغاء الحقوق المكتسبة فإن هذا الأثر يتحول إلى أداة لإهدار قوة القوانين السابقة، فقد جاء حكم للمحكمة الدستورية في مصر ما نصه: (حيث أن الحكم الموضوعي الذي تضمنه هذا النص هو إنهاء خدمة الأساتذةالمتفرغين الذين جاوزوا سن السبعين وقت العمل بالقانون 82 لسنة 2000 بعد أن كان قد اكتمل مركزهم القانوني كأساتذة متفرغين قبل العمل به. وحيث أن النعي على هذا الحكم الموضوعي بمخالفته للدستور هو نعى صحيح، ذلك أن هذا الحكم قد وقع في حالة المخالفة الدستورية من وجهين متساندين، الأول: هو أن النطاق الذي يمكن أن يرتد إليه الأثر الرجعى للقانون، هو ذلك الذي يعدل فيه التشريع من مراكز قانونية لم تتكامل حلقاتها، وبالتالي لم تبلغ غايتها النهائية متمثلة في حقوق تم اكتسابها وصار يحتج بها تسانداً إلى أحكام قانونية كانت نافذة، إذ في هذا النطاق يبقى المركز القانوني قابلاً للتدخل التشريعي، تدخلاً قد يزيد أو يزيل من آمال يبنى عليها صاحب المركز توقعاته، فإذا تقرر الأثر الرجعى في غير هذا النطاق، وامتد إلى إلغاء حقوق تم اكتسابها فعلاً وصارت لصيقة بأصحابها، وفقاً لأحكام قانونية كفلت حمايتها والاحتجاج بها في مواجهة الكافة، كأثر لنفاذ هذه الأحكام، فإن الأثر الرجعى للقانون يكون بذلك قد تحول إلى أداة لإهدار قوة القوانين السابقة ومكانتها من الاحترام الذي يجب كفالته طوال الفترة التي كانت نافذة فيها وهو الأمر الذي يتصادم مع أحكام المادتين ) 64 و65 (من الدستور اللتان تنصان على أن "سيادة القانون أساس الحكم في الدولة " وأن تخضع الدولة للقانون).

الفرع الخامس: مصادر الحق المكتسب

هناك مصادر متعددة للحق المكتسب منها، القوانين الملغاة التي ترتب حقوقاً مكتسبة، والقوانين النافذة التي تخلق مراكز قانونية يتطلب الأمن والاستقرار الاجتماعي المحافظة عليها، كما أن الأنظمة والتعليمات الصادرة من السلطة التنفيذية ترتب في كثير من الأحيان حقوقاً مكتسبة، فمن الثابت في فقه القانون الإداري وأحكام القضاء الإداري أن القرارات الإدارية المعيبة التي ترتب حقوقاً مكتسبة تتحصن ضد الإلغاء بانقضاء المدة المحددة للطعن بالقرار، باستثناء القرارات المعدومة فضلاً عن القرارات الادارية المشروعة التي ترتب حقوقاً مكتسبة.

ومن جانب آخر ان فان القضاء وهو بصدد تطبيق القانون وتفسيره على الحالات الواقعية التي تعرض امامه، فانه يستخلص من القواعد الدستورية والقانونية والعرف والمبادئ القانونية العامة وقواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي تطبيقات متعددة لفكرة الحقوق المكتسبة.

وفي ضوء ما تقدم ذهبت المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى أنه: (من المقرر أن أحكام القوانين لا تجري إلا على ما يقع من تاريخ نفاذها، ولا تنعطف آثارها على ما وقع قبلها - في غير المواد الجنائية - ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، ويقُصد بالقانون - على ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة - القانون بمعناه الموضوعي، محدداً على ضوء النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة، سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي تقرها السلطة التشريعية، أم تضمنتها التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية عملا بالتفويض المقرر لها لتقرير القواعد التفصيلية اللازمة لتنفيذ القوانين بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها أو إعفاء من تنفيذها. وتسري القاعدة القانونية اعتباراً من تاريخ العمل بها على الوقائع التي تتم في ظلها وحتى إلغائها، فإذا حلت محل القاعدة القديمة قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها، ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لكل من القاعدتين، وتظل المراكز القانونية التي اكتمل تكوينها وترتبت آثارها في ظل القانون القديم، خاضعة لحكمه وحده).

وجاء في حكم آخر للقضاء الإداري من انه: (إذا تحقق بناء على القرار مــــراكز قانونية فردية تستلزم صالح العمل واستقرار انتظام العاملين وحســن ســير المرافق العامة التي تتولاها الإدارة أن تستقر تلك المراكز القانونية وتتحصن مـــا دامت قد فاتت علـى الادارة فرصة تصحيحها خلال مده الطعن القضائي).

وفي مجال احترام الحقوق المكتسبة قضت محكمة العدل العليا في فلسطين بأنه: (لا يجوز إلغاء القرار الإداري

الفردي السليم متى أنشأ حقا مكتسبا لفرد من الأفراد). وفي مجال عدم رجعية القرارات الإدارية قضت بأنه: (القرارات الإدارية ليس لها أثر رجعي، وجزاء رجعية القرار الإداري هو بطلانه فيما يختص برجعيته).

واخذت محكمة القضاء الإداري في العراق بنظرية الحق المكتسب، فقد اعتبرت أن ملكية العقار الموروث تنتقل لحظة الموت، والوارث يعد مكتسباً لحق الملكية لحظة الوفاة، ولا يجوز المساس بمااكتسبه من حق.

وتتلخص وقائع القضية في قيام المدعى عليه مدير التسجيل العقاري بتقدير قيمة العقار الموروث في يوم الكشف وذلكلاستيفاء رسم الإرث، أقام الوارث الدعوى لدى محكمة القضاءالإداري طالباً الغاء قرار مدير التسجيل العقاري، فأصدرت المحكمة قرارها بقولها (إن ملكية العقار الموروث تنتقل لحظة موتالمورث إلى الوارث فيكون قد اكتسب هذا الحق لحظة الوفاة، وما التسجيل في دائرة التسجيل العقاري إلا لغرض تمكينه من التصرف بما جاءه إرثاً من العقارات، وما دام الأمر كذلك فلا يجوزاستيفاء رسم عن نقل ملكية العقار الموروث من اسم المورث إلى اسم الوارث في سجل التسجيل العقاري إلا بقدر قيمة العقار الموروث لحظة انتقال الملكية بالوفاة .... ))

وقد طبق مجلس شورى الدولة في العراق قاعدة الحق المكتسب الناجم عن تحصين القرار الإداري بعد مضي المدة المحددة للطعن والبالغة ستون يوماً، وتتلخص وقائع القضية في أن المدعي يشغل وظيفة في إحدى الدرجات الخاصة، وقد أحيل على التقاعد بتأريخ 7/6/2004 وبعد ذلك التأريخ قامت الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالغاء أمر إحالته على التقاعد وتعيينه بوظيفة مستشار في إحدى الوزارات وبعد مضي أكثر من تسعة أشهر على مباشرته في وظيفته قامت الوزارة بإلغاء تعيين المدعي وإحالته على التقاعد بأثر رجعي، هذا الأمر يعني حرمان المدعي من التمتع بالامتيازات التي قررها القانون بالنسبة للمتقاعدين من أصحاب الدرجات الخاصة بحسب الأمر (9) لسنة 2005 حيث إنالقرار الإداري الصادر من الوزارة صدر بأثر رجعي ويجعل إحالتهعلى التقاعد بتأريخ سابق للأمر 9 لسنة 2005 ومس بحق اكتسبه الشخص وأصبح لديه مركز قانوني ثابت.

كما واخذت هيئة انضباط موظفي اقليم كوردستان بمبدأ الحق المكتسب كما في وقائع الدعوى التالية:

(المميز/ المدعى عليه/ رئيس مجلس وزراء اقليم كوردستان اضافة لوظيفته- وكيله المحامي ت، ح، ص المميز عليها/ ب، ج، م . الادعاء: ادعت المدعية لدى هيئة انضباط موظفي الاقليم بأنها عيُنت بعنوان معلمة في مدرسة (...) الابتدائية على ملاك مديرية التربية لمنطقة (...) في وزارة التربية في الإقليم بموجب أمر رئاسة مجلس الوزراء في إقليم كوردستان المرقم (...).. وبتاريخ 8-5-2011 أصدر المدعى عليه قراره (...) والمتضمن إلغاء جميع أوامر تعيين الموظفين بعد تاريخ 1-1-2011 وبتنفيذ القرار المذكور لم يصرف للمدعية راتبها منذ ذلك الحين ولحد الآن، علما أنها لم تنفك من وظيفتها ومستمرة في الخدمة....

القرار: .... لدى عطف النظر على القرار المميز تبين أنه صحيح وموافق للقانون حيث ثبت أن المميز عليها (المدعية تعينت بقرار إداري مشروع وسليم من الناحية القانونية واكتسبت به حقا ومركزا قانونياً مما يتعين على الإدارة احترامها عن طريق عدم المساس به سواء بالسحب أو الالغاء، وحيث أن البند/3 من القرار الإداري المرقم (...) في 8-5-2011 الصادر عن المميز إضافة لوظيفته والمتضمن إلغاء أمر تعيين جميع الموظفين المعينين بعدد تاريخ 1-1-2011 يمثل إخلالا بالمراكز القانونية، دون سند من القانون وحيث أن ضوابط تعيين الموظفين في دوائر الاقليم والواردة في قرار مجلس الوزراء رقم (...) في 17-3-2011 لا يسري بأثر رجعي، حيث استقر قضاء هذه الهيئة على عدم رجعية القرارات الإدارية وأن الأصل في نفاذها يقترن بتأريخ صدورها بحيث تسري على المستقبل ولا تسري بأثر رجعي على الوقائع السابق على تاريخ صدورها وذلك حفاظا على الحقوق المكتسبة للأفراد والمراكز الوظيفية لهم واستقراراً للمعاملات في المجتمع وحيث أن القرار المميز التزم وجهة النظر القانونية أعلاه ويكون قد التزم صحيح القانون عليه قرر تصديقه ورد الاعتراضات التمييزية وتحميل المميز رسم التمييز وصدر القرار بالاتفاق في 21-12-2011).

الفرع السادس: العلاقة بين المركز القانوني والحق المكتسب

ان المبدأ العام الذي يجمع بين مفهومي المركز القانوني والحق المكتسب، هو مبدأ عدم رجعية القانون على الماضي، فالقاعدةالعامة أن القوانين لا تسري بأثر رجعي فلا تطبق على الوقائع السابقة أو الأحداث التي حصلت قبل نفاذه الا ما أستثني بنص خاص في القانون، وإن القانون الجديد يسري بأثر مباشر على الوقائع التي تكاملت أو نشأت في ظله، والغاية هي حماية المراكز القانونية والحقوق المكتسبة التي نشأت في ظل قانون سابق.

وحتى تتحقق القاعدة، يجب أن يتوفر شرطان:

1. أن يكون ثمة مركز قانوني شخصي قد تكاملت عناصره في ظل وضع قانوني معين، فلا يمكن المساس به إذا ما تغيرت الأوضاع القانونية بعد ذلك، وتلك مسألة يبحثها القضاء في كل حالة على حدة.

2. ان يتضمن القانون الجديد آثاراً تمس تلك المراكز الشخصية القانونية التي تكونت ورتبت اثارها في ظل القانون القديم.

وقاعدة عدم رجعية القوانين على الماضي ما وجدت إلا لحماية الحقوق المكتسبة وهي من القواعد المسلم بها في دساتير وقوانين الدول المختلفة والقضاء، ومنه قضاء مجلس الدولة الفرنسي، ومجلس الدولة المصري.

ونصت الدساتير على هذا الأصل ومنها دستور العراق النافذ لسنة 2005 حيث جاء في المادة 19/9 منه (ليس للقوانين أثر رجعي مالم ينص على خلاف ذلك.)

وجاء في حكم محكمة القاهرة الاقتصادية الدائرة الاستثنائية تأكيداً لقاعدة قانونية مهمة، حيث ورد فيه على انه: (المراكز القانونية المستقرة فى ظل القوانين الملغاة يحظر المساس بها).

وجاء في قرار لمحكمة النقض المصرية، ما نصه: (المقرر فى قضاء محكمة النقض، أن الأصل أن القانون يسرى بأثر فورى مباشر على المراكز القانونية التى تتكون بعد نفاذه، سواء فى نشأتها أو فى انتاجها آثارها أو فى انقضائها، وهو لا يسرى على الماضى فالمراكز القانونية التى نشأت واكتملت فور تحقق سببها قبل نفاذ القانون الجديد تخضع للقانون القديم الذى حصلت فى ظله، أما المراكز القانونية التى تنشأ وتكتمل خلال فترة تمتد فى الزمان، فإن القانون يحكم العناصر والآثار التى تتحقق فى ظله، ولئن كانت المراكز القانونية الاتفاقية تظل خاضعة للقانون القديم الذى تم العقد فى ظله باعتبار أنه تعبير عن إرادة ذوى الشأن فى نشوئها أو فى آثارها، أو فى انقضائهاـ إلا أن هذا مشروط بألا يكون القانون الجديد قد أخضع المراكز القانونية سالفة البيان لقواعد آمرة، فحينئذ يطبق القانون الجديد فورا على ما لم يكن قد اكتمل من هذه المراكز) .

في ضوء ما تقدم يتضح الارتباط الواضح بين فكرة احترام الحقوق المكتسبة وقاعدة عدم سريان القانون على الماضي، فما وجدت هذه القاعدة إلا للمحافظة على المراكز القانونية واحترام الحقوق المكتسبة.

الفرع السابع: الحق المكتسب في الشريعة الإسلامية

يعرف الحق المكتسب في ظل الفقه الإسلامي بأنه مصلحة مالية أو عينية أو أدبية، تدخل في ذمة الشخص أو ملكه نهائياً بسند شرعي صحيح (كالعقد، الإرث) او فعلي (كالحيازة)، بحيث يحرم نزعها منه أو التعدي عليها إلا برضاه، ويستحق حمايتها قضائياً. ومن ثم تم نفي الآثر الرجعي للأحكام،

قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) الإسراء (15)

الفرع الثامن: الحقوق المكتسبة في القانون الإنجليزي:

اشتقت احكام نظرية الحق المكتسب في النظام القانوني الإنكليزي من احكام القضاء بناءاً على قاعدة (العدالة تسيل من ضمير الملك). والتي تُعرف غالبًا في الفقه الانكليزي بالحقوق الثابتة أو المستحقة.

ويعرف الحق المكتسب في ظل هذا الفقه:

بأنه مبدأ قانوني ينص على أنه بمجرد ثبوت حق ما أو "اكتسابه"، لا يمكن تقليصه أو إلغاؤه بموجب تشريع لاحق. وهذا يعني أن القوانين الجديدة لا يمكنها عمومًا أن تقلل بأثر رجعي من الحماية أو المزايا التي يتمتع بها الأفراد أو الكيانات بالفعل بموجب القانون.

باختصار، تحمي هذه النظرية الأفراد والمنظمات من تطبيق القوانين بأثر رجعي، مما قد يؤثر سلبًا على حقوقهم التي اكتسبوها بالفعل بشكل مشروع بموجب أطر قانونية سابقة. وهي تضمن قدرًا من الاستقرار والشفافية في القانون، وتمنع القواعد الجديدة من تقويض الحقوق القائمة بشكل غير عادل.

هي حقوق قانونية - كالملكية العقارات والمنقولات، والحقوق التعاقدية بما في ذلك واستحقاقات التقاعد المستحقة. في مجال العمل، قد يشمل ذلك شروط العمل المُحددة. التي لها قيمة مالية، تضمن هذه الحقوق الاستقرار والعدالة والأمان وتحمي الأفراد العاملين والمستثمرين وغيرهم من أصحاب المصلحة، من التغييرات القانونية بأثر رجعي. من خلال الاعتراف بالحقوق المكتسبة وحمايتها، تضمن القوانين والاتفاقيات قدرة الأفراد والشركات على الاعتماد على حقوقهم القانونية، مما يُسهّل التخطيط للمستقبل.

بالنسبة للشركات، يعد فهم مفهوم الحقوق المكتسبة أمراً بالغ الأهمية عند اتخاذ القرارات المتعلقة بالتوظيف أو العقود أو أي موقف ينطوي على نقل أو تغيير الحقوق،، مثل خطط معاشات التقاعد أو تعويضات نهاية الخدمة، والتي لا يمكن سحبها منه حتى لو تغير المالك، وذلك لتجنب النزاعات أو الانتهاكات القانونية.

تنبع الحماية من مبدأ أنه بمجرد إرساء حق قانوني، لا يجوز تقليصه تعسفًا بموجب تشريع جديد.

الأدلة المطلوبة: لا يكفي مجرد تكرار المنفعة بمرور الوقت؛ بل يجب إثبات نية منح الحق بشكل دائم.

امثله من الفقه الإنكليزي

المثال الاول: استحقاقات التقاعد للموظفين العموميين

تخيل موظفًا حكوميًا عمل لمدة 25 عامًا في نظام تقاعد يضمن حساب استحقاقاته التقاعدية وفقًا لمعادلة محددة بناءً على سنوات خدمته وراتبه. بعد انقضاء هذه السنوات الخمس والعشرين، يُصدر المجلس التشريعي للولاية قانونًا جديدًا يُخفّض بشكل كبير حساب المعاش التقاعدي لجميع الموظفين، بمن فيهم أولئك الذين سبق لهم الحصول على استحقاقات عن خدمتهم السابقة.

من المرجح أن يحمي مبدأ الحقوق المكتسبة حق الموظف في احتساب استحقاقاته التقاعدية عن تلك السنوات الخمس والعشرين وفقًا للصيغة الأصلية الأكثر فائدة. يُعتبر حقه في تلك الاستحقاقات تحديدًا، كونه مكتسبًا من خلال خدمته بموجب القانون القديم، حقًا مكتسبًا ولا يمكن تخفيضه بأثر رجعي بموجب التشريع الجديد. قد ينطبق القانون الجديد على الخدمة المستقبلية، ولكنه لا ينطبق على الاستحقاقات المكتسبة بالفعل.

المثال الثاني: حقوق تطوير العقارات لنفترض أن مطورًا عقاريًا حصل على جميع التصاريح اللازمة وبدأ في بناء مجمع سكني جديد، ملتزمًا تمامًا بلوائح تقسيم المناطق وقوانين البناء السارية وقت إصدار التصاريح. في منتصف عملية البناء، أصدر مجلس المدينة قانونًا جديدًا يقلل بشكل كبير من الحد الأقصى المسموح به للارتفاع والكثافة في تلك المنطقة تحديدًا، مما يجعل المشروع الجاري مخالفًا للقواعد الجديدة.

بموجب مبدأ الحقوق المكتسبة، يُحفظ حق المطور في إكمال المشروع وفقًا للتراخيص الأصلية الممنوحة له.

وبمجرد إصدار التراخيص وبدء أعمال البناء الفعلية استنادًا إلى القوانين السارية، يُكتسب الحق في البناء وفقًا لتلك الموافقات الأصلية. ولا يجوز للتغييرات الجديدة في قوانين تقسيم المناطق أن تُبطل بأثر رجعي مشروعًا كان قيد التنفيذ بشكل قانوني، أو أن تُجبر المطور على إجراء تعديلات جوهرية عليه.

المثال الثالث: الترخيص المهني

لنفترض أن شخصًا ما أكمل بنجاح جميع المتطلبات التعليمية، واجتاز الامتحانات اللازمة، وحصل على ترخيص لممارسة مهنة مخطط مالي معتمد (CFP) في ولايته. بعد عام من بدء ممارسته للمهنة، سنّت الهيئة التشريعية للولاية قانونًا جديدًا يُلزم جميع المخططين الماليين المعتمدين الحاليين بإكمال برنامج تدريب عملي إضافي ومكثف بعد الحصول على الترخيص في غضون ستة أشهر للحفاظ على اعتمادهم، وهو شرط لم يكن موجودًا عند حصولهم على الترخيص لأول مرة.

يرى مبدأ الحقوق المكتسبة أن حقّ حامل شهادة التخطيط المالي المعتمد (CFP) في ممارسة المهنة، بعد استيفائه جميع الشروط وحصوله على الترخيص بموجب القوانين السارية آنذاك، هو حقٌّ مكتسب. ولا يجوز للقانون الجديد أن يفرض بأثر رجعي شروطًا جديدة مرهقة تُبطل فعليًا أو تُغيّر بشكلٍ جوهري شروط شهادته المهنية المكتسبة مسبقًا، إلا إذا كان هناك هاجسٌ مُلحٌّ بالسلامة العامة يُبرّر مثل هذا الإجراء الحاسم.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

رحلة بين الفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس لفهم البناء الاجتماعي للمعرفة

الملخص: يعد التمثل مفهوماً محورياً لفهم كيفية إدراك الأفراد للعالم الاجتماعي والثقافي، وكيفية تشكّل المعرفة داخل الجماعات. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة لمفهوم التمثل من خلال مقاربات متعددة: الفلسفية عند شوبنهاور، الاجتماعية عند دوركايم ومفكري علم الاجتماع المعاصرين مثل جوردن مارشال، فريديريك لوربون، وجون ماري سيكا، وعلم النفس الاجتماعي والمعرفي عند سيلامي، موسكوفيتش، وجون بيجي.

تركز الدراسة على التمثلات الفردية والجماعية وميكانيزمات اشتغالها، بما في ذلك الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية، مع إبراز التفاعلات والتعارضات بين التمثلات الفردية والجماعية كما وصفها دوركايم ضمن مفهوم الوعي الجمعي مقابل الوعي الفردي.

تشير النتائج إلى أن فهم التمثل الجمعي والفردي يمثل أداة أساسية لتحليل السلوك الاجتماعي، تفسير الظواهر الثقافية، وفهم ديناميات التواصل والمعرفة داخل المجتمع.

الكلمات المفتاحية: التمثل، التمثل الجمعي، التمثل الفردي، الوعي الجمعي، الوعي الفردي، دوركايم، موسكوفيتش، علم النفس الاجتماعي، علم النفس المعرفي، الأحكام المسبقة، البناء الاجتماعي للمعرفة.

Abstract:

Representation is a central concept for understanding how individuals perceive the social and cultural world, and how knowledge is formed within communities. This study provides a comprehensive perspective on representation through multiple approaches: the philosophical view of Schopenhauer, the sociological perspective of Durkheim and contemporary sociologists such as Gordon Marshall, Frédéric Le Play, and Jean-Marie Sicard, and the social and cognitive psychology perspectives of S. Sélimi, Moscovici, and Jean Piaget.

The research emphasizes individual and collective representations and their operational mechanisms, including prejudices and social responses, highlighting the interactions and conflicts between individual and collective representations as described by Durkheim in the concept of collective versus individual consciousness.

The findings indicate that understanding both collective and individual representations is essential for analyzing social behavior, interpreting cultural phenomena, and comprehending the dynamics of communication and knowledge construction in society.

Keywords: representation, collective representation, individual representation, collective consciousness, individual consciousness, Durkheim, Moscovici, social psychology, cognitive psychology, prejudices, social knowledge construction.

على سبيل التقديم

يشكل مفهوم التمثل أداة أساسية لفهم كيفية إدراك الإنسان للواقع الاجتماعي والثقافي، وكيفية تشكّل المعرفة داخل المجتمعات. إذ يمثّل هذا المفهوم حلقة وصل بين الفلسفة، علم الاجتماع، وعلم النفس، حيث تتقاطع رؤى متعددة لتفسير ظاهرة الإدراك الجماعي والفردي.

تنطلق هذه الدراسة من النظرية الفلسفية عند شوبنهاور، الذي رأى في التمثل وسيلة لفهم الإنسان لذاته والعالم المحيط به، ثم تنتقل إلى المقاربات الاجتماعية التي تناولت التمثلات الفردية والجماعية وخصوصًا مفهوم الوعي الجمعي مقابل الوعي الفردي عند دوركايم، مع إشارات إلى آراء علماء الاجتماع المعاصرين مثل جوردن مارشال، فريديريك لوربون، وجون ماري سيكا.

كما يتطرق البحث إلى المقاربات النفسية والاجتماعية، حيث تستعرض الدراسة رؤى سيلامي وموسكوفيتش في علم النفس الاجتماعي، بالإضافة إلى تحليل جون بيجي في علم النفس المعرفي لفهم كيفية تكوّن التمثلات.

تهدف الدراسة إلى كشف العلاقات المعقدة بين التمثلات الفردية والجماعية، وإبراز أثرها في البناء الاجتماعي للمعرفة، مما يمكّن من فهم أعمق للآليات النفسية والاجتماعية والثقافية التي تشكّل سلوك الأفراد والجماعات.

مفهوم التمثل

عرف مفهوم التمثل في العديد من الدراسات، قبل أن يدخل حقل علم النفس وحقل علم النفس الاجتماعي، لهذا نجده يتبلور حسب النظريات التي تعمل على توضيح معالمه والاستفادة مما يقدمه في فهم السلوك البشري والتنبؤ به، ويرجح أغلب الباحثين والدارسين أن مفهوم " التمثل " ظهر لأول مرة في كتاب الفيلسوف آرثر شوبنهاور " العالم إرادة وتمثلا" سنة 1818، حيث يرى شوبنهاور: "العالم هو تمثل، أي أنه يكون قائما هناك بالنسبة لشيء آخر، أعني بالنسبة لذلك الذي يتمثله، وهو الشخص نفسه)... (ولذلك فإن العالم بوصفه تمثلا- وهو الجانب الذي نتأمله بمفــرده هاهنا- يتألف من نصفين جوهريين ضروريين ومتلازمين، والنصف الأول هو الموضوع the object، وهو ما يكون خاضعا لصورتي المكان والزمان اللذين تنشأ من خلالهما الكثرة، أما الصنف الآخر وهو الذات فلا يقع في إطار المكان والزمان؛ لأنه يكون كلا مجملا ولا يتجزأ في كل موجود يقوم بفعل التمثل"(1).

فانطلاقا من هذا التعريف الذي قدمه شوبنهاور، نستنتج على أن التمثل هو نتاج خفي لنشاط الإرادة، رغم أن بعض الباحثين يرون بأن هذا الطرح، فيه شيء من المبالغة وذلك لوجود فلاسفة ومفكرين سبقوا شوبنهاور في دراسته، وبتجاوزنا المستوى الزمني لظهور مصطلح "التمثل" إلى المستوى اللغوي نجد أن معناه في القرآن الكريم، حيث يقول الله عز وجل في كتابه العزيز: ﴿فأرسلنا إليها روحنا، فتمثل لها بشرا سويا﴾(2)، فالتمثل من هذه الوجهة، مبني على الشبه، من خلال بناء صورة مطابقة للموضوع الأصلي، بالإضافة إلى التأكيد على أهمية الفعل أو السلوك الخارجي في خلق التمثل، لأنه هو من يخلق فعل التمثل، والفرد يكون فقط مجرد وعاء أو مستقبل للتمثل.

في اللغة العربية: يشتق مفهوم التمثل من فعل مثل فنقول مثل تمثيلا الشيء لفلان أي صوره له بالكتابة ونحوها، كأنه ينظـر إليه، وتمثيل الشيء، شبيه به، وجعله مثله. والتمثلات مفرده تمثل، وهي التصور السابق، أو المعلومات الأولية عن موضوع أو قضية. ونقول «تمثّل أو تصوّر الشيء: توهّم صورته وتخيّله واستحضره في ذهنه؛ وتصور له الشيء: صارت له عنده تمثّل مشخص أو صورة وشكل(3).

نجد في لسان العرب لابن منظور التعريف التالي: "التمثُّل من مثَّل، يمثل، مثولا، ومثَّل التماثيل أي صورها، ومثّل الشيء بالشيء أي شبه به وتصوره حتى كأنه ينظر إليه وامتثله أي تصوره"(4)، أما في قاموس le petit robert، فالتمثلreprésentation عملية وضع واستحضار شيء ما أمام الأعين أو العقل؛ وهو جعل موضوع غائب أو مفهوم ما، محسوساً بفضل صورة، شكل، رمز، دلالة ما(5).

في قاموس اللغة الفرنسية: نجد التعريف التالي: التمثل هو "فعل وضع أمام الأعين أو أمام فكر شخص (6)، التمثل هو "عمل أو فعل إرجاع الموضوع مدركا، سواء كان مفهوما أو موضوعا غائبا، بواسطة صورة، أو وجه، أو دليل"(7).

أما في الموسوعة العالمية Hachette فقد حدد التمثل كفعل: " تمثل شيء ما عبر صورة أو علامة أو رمز" وهو يأخذ ثلاثة معاني على الأقل:

1 ـ معنى مجازي فنقول تمثل مثالي للتاريخ.

2 ـ الصورة الممنوحة للوعي عبر الصورة والذاكرة.

3 ـ فعل تمثيل مشهد مسرحي.

4 ـ هذه الصباغة تمثيل للعاصفة " (8)

نستنتج من هذه التعاريف أن التمثل هو فعل فكري، أو نشاط عقلي نقوم به لإرجاع الشيء مدركا من خلال تمثل صورة لهذا الشيء الغائب؛ التمثل هو عملية بناء عقلي كما أنه عملية تركيب يقوم بها الفكر من أجل تصور الشيء ذهنيا. إلا أنّ مفهوم التمثل حسب دلالته اللغوية سواء في اللغة العربية أو الفرنسية لم يأخذ معنى واضحا ودقيقا يمكننا بالفعل من فهم معانيه الجوهرية في أبعدها المختلفة، خصوصا تلك التي اكتسبها هذا المفهوم في علم الإجتماع. أو علم النفس الاجتماعي أو علم النفس المعرفي. ومن هنا يجب أن نعرض أهم المعاني الجوهرية، لهذا المفهوم. كما وردت في هذه العلوم المعاصرة. ففي الواقع، نجد تنوعا واختلافا في الدراسات التي اهتمت بمفهوم التمثل؛ فالتمثل ليس محللا دوما بنفس الطريقة من طرف كل الباحثين كما أشار إلى ذلك كلود فلامون C. Flamen، إذ يقول: "يستعمل مصطلح التمثل في العديد من قطاعات العلوم الإنسانية بمعان مختلفة، وغالبا ما تكون مبهمة"(9).

المفهوم الفلسفي للتمثل

يرجع الفضل في استعمال مفهوم التمثل لأول مرة في منظور المعرفة وكما سبق وأن أشرنا إلى ذلك إلى الفيلسوف شوبنهاور A. Schopenhauer يقول: بيير مانوني P. Mannoni "إن التمثلات بالنسبة إلى الفيلسوف شوبنهاور هي تسقط وتكشف في السيرورات العقلية كمنتج العمل السري للإرادة"(10)؛ وبعبارة أخرى وحسب بيير مانوني، فهو يرى على أن الفيلسوف شوبنهاور لم يتخطَّ النظرة الفلسفية المحضة في تعريف مفهوم التمثل.

وأما من وجهة نظر كل من "تهنس" و"لمبرور" Lempreur. A Et. Thines G فقد عرفا مفهوم التمثل بمنظور فلسفي آخر، إذ بالنسبة لهما أنّ "التمثل يتضمن دلالة مزدوجة لكل ما ينوب عن الشيء، وما يأخذ مكانه في الفهم، وما يستوعب من مضمونه ومعناه، سواء كان نسخة، أو مدلولا أو رمزا لتمثل يتميز عن الانطباع، باعتباره نتيجة عمل يقوم فيه الفكر بجمع وتنظيم ما هو مقدم له(11). إلى جانب هذا المفهوم الفلسفي، يقدم هذان الفيلسوفان مفهوما نفسيا للتمثل، وفيه يركزان على محتوى التمثل من جهة، وعلى مسار بناء التمثل من جهة أخرى. وفي هذا الصدد يعرفان التمثل على النحو الآتي " التمثل الاجتماعي هو عملية البناء الاجتماعي للواقع الذي يؤثر في نفس الوقت على المحفزات والاستجابات لهذه المحفزات، فهو إذن سيرورة معرفية تتظاهر كحقيقة محسوسة "(12). وهكذا يمكننا أن نستنتج بأن عملية التمثل هي إعادة بناء الصورة للشيء المتمثل، حسب نظرتنا الخاصة لهذا الشيء، وحسب قيمة وأهمية هذا الشيء بالنسبة إلينا.

مقاربة علم الاجتماع

احتل مفهوم التمثل مكانة بارزة في علم النفس الاجتماعي، حيث يعد أحد مفاتيح الأنشطة العقلية التي يستعين بها الفرد من أجل الاستجابة لمختلف الأوضاع التي يعيشها، وقد ظهرت فكرة التمثلات في البداية كمفهوم سوسيولوجي سواء كانت مجموع المعلومات أو علم خاص، حيث بدأت أكثر من قرن (1898-1895)مع عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم Durkheim Emile، فلكي تصبح وتغدو السوسيولوجيا علما قائما بذاته على غرار بقية العلوم الأخرى المتقدمة حسب دوركايم، كان عليها أن تحدد موضوعها الخاص بها، وتعطي تعريفا قبليا لموضوعها الذي ينبغي أن يكون متميزا عن بقية موضوعات العلوم الأخرى، وتأسيسا على هذا التصور الابستمولوجي سيميز دوركايم في التمثلات بين تمثلات فردية وتمثلات جماعية، وسيترتب عن هذا التمييز ضرورة تحديد طبيعة العلاقة القائمة بين السوسيولوجيا من جهة وعلم النفس من جهة ثانية، وسيفضي تحليل دوركايم لطبيعة هذه العلاقة حيث "احتفاظ السوسيولوجيا بعلاقة وطيدة بعلم النفس، الشيء الذي سيتعذر معه عدم الفصل بين هذين التخصصين".

وهكذا فإن تحليل التمثلات بوصفها مكونة للحياة الاجتماعية، سيقود دوركايم إلى بناء الظاهرة الاجتماعية باعتبارها هي التي ستشكل الموضوع المركزي للسوسيولوجيا حيثُ أنّ الجماعات الاجتماعية أو المجتمع هما أساس الدراسات الاجتماعية والتي كانت حسب إميل دوركايم منظمة وتحدد بفضل نظام أو روح وهي الوعي الجمعي الذي يشكل دعامة للجماعة والذي يضمن ديمومتها. بحيث يمكن القول أن هذا الوعي الجماعي ذو طبيعة روحية، لكنها أيضا أساسية، تعطي للفرد طريقة التفكير والتصرف، وتصبح مادية داخل المؤسسات الاجتماعية، بفضل وسائل كالقوانين الاجتماعية والأخلاقية والسياسية، كما في الرؤية الدينية عبر المعتقدات أو الطقوس الجماعية والحكايات الشعبية الشفهية والمكتوبة وأشكال الفلكلور والأهازيج وأشكال الفرجة والفرح الجماعية والاجتماعية في المناسبات الدينية أو الوطنية. فمن هذا المنطلق وعلى هذا الأساس ميز" إميل دوركايم" بين ما هو فردي وما هو جماعي على مستوى التمثلات. حيثُ سيصنف التمثلات السابقة الذكر إلى تمثلات فردية وتمثلات جماعية:

التمثلات الفردية:

يرى دوركايم أن التمثلات الفردية لها كموضوع الوعي الخاص بأعضاء المجموعة الجماعية وفي إطار تفنيد أطروحة بعض علماء النفس النافية لوجود حياة نفسية خاصة بالإنسان يرى دوركايم أن التمثلات الفردية مستقلة عن خلايا دماغ خاص، ودليله على ذلك، أنها تظهر من جديد على سطح الوعي بعد غيابها لبعض الوقت، وإذا كان من الممكن إعادة إنتاج ظاهرة التذكر من جديد فإن معنى ذلك أن التمثلات طيلة غيابها عن وعي الفرد تتمتع بوجود مستقل عن الخلايا الدماغية حيث لا يمكن موضعتها.

هكذا يؤكد دوركايم أنّه لا يمكن فهم التمثلات الفردية دون الأوضاع والمواقف والميول والثقافة التي يستنبطها الأفراد والتي تحكم رؤيتهم إلى العالم وإلى أذواقهم، كما تحكم أنماط تفكيرهم وأسلوب عيشهم والمعايير التي يعتمدونها في تصنيف مجالات الحياة بحسب الأولويات، لذلك فإن تمثلات الأفراد حسب "دوركايم": "تختلف باختلاف القيم الثقافية التي اكتسبوها من المجتمع وباختلاف استعداداتهم العقلية والوجدانية والجسدية (13).

ومنه فالتمثلات تبعا لهذا الفهم، هي تصورات اجتماعية تتأسس في شكل قيم ومعايير للسلوك والتذوق والقول، بل يمكن اعتبارها تيارات رمزية تسيطر داخل مجتمع معين، وتنظم ضمنها آفاق رؤيتها ووعيها بشرط وجودها، يقول إميل دوركايم: "التمثلات هي ذلك التدفق الدائم من صورة الحياة، بحيث تدفع بعضها البعض كتدفق مجرى نهر دائم الجريان، ولا تبقى على حالها، إنها تتغير بتغير الحياة الإجتماعية، وإذا كانت التمثلات شخصية، فالمفاهيم لا شخصية ومن خلالها تتمكن العقول من التواصل"(14).

التمثلات الجماعية:

ينتقل دوركايم بعد تحديده للتمثلات الفردية إلى تعريف التمثلات الجماعية على الشكل الآتي: إذا كانت التمثلات الفردية خارج عن خلايا دماغ خاص فإن نفس الشيء يمكن أن يقال عن التمثلات الجماعية الخارج عن أدمغة كل أعضاء جماعة اجتماعية معينة أو محددة، بحيث تشكل التمثلات الفردية ولا يمكنها بالتالي إلا أن تكون قابلة للمقارنة بصيغة ما مع هذه الأخيرة، ويمكن الوصول إلى خلاصة مفادها أن الظواهر الاجتماعية التي يتعين تحديدها وذلك بهدف أن يكون للسوسيولوجيا موضوعا خاصا بها هي أولى. وهكذا يؤكد أن التمثلات الجماعية أكثر حضورا وأصدق دلالة من التمثلات الفردية، ويبدو هذا منطقيا بالنظر إلى أن الاتجاهات السوسيولوجية تمثيل إلى الجماعة، وإقصاء للفرد باعتباره جزء منها ويتأتى بها. فالوعي الجماعي يتجاوز الوعي الفردي ويتحكم فيه ويوجهه، وفي هذا السياق يقول: إميل دوركايم: "إن الوعي الجماعي يحرض التمثلات الجماعية التي تختلف حسب موضوعاتها: اقتصادي، سياسي، أخلاقي، ديني...وحسب طبيعتها مادية أو مثالية وهي أشكال عقلية واجتماعية التي تجمع عناصر كثيرة أسطورية، أو نظرة حول المكان أو الوقت (تقاليد، علم موحد، آراء، أساطير، حكايات شعبية...) ولها علاقة مع الممارسات اليومية والسلوكيات الفردية والجماعية ونتيجة لهذه الأسباب تشكل التمثلات الجماعية القاعدة الأساسية للأحكام الإنسانية"(15).

هكذا يخلص دوركايم إلى ما مفاده أنّ التمثلات الجماعية لها سلطة الإكراه التي بمقتضاها تفرض الظواهر الاجتماعية ذاتها على الفرد، بحيث تتخذ هذه التمثلات الجماعية كموضوع لها الوعي الجمعي والملاحظ أن دوركايم ركز بشكل كبير على ممارسة الظواهر الاجتماعية للإكراه على الأفراد وميزها عن الظواهر العضوية والنفسية . يقول دوركايم في هذا الصدد ما يلي: "إن الظواهر الاجتماعية المكونة من التمثلات الجماعية مميزة ليس فقط عن الظواهر العضوية، ولكن مميزة كذلك عن الظواهر النفسية التي ليس لها وجود إلا في وبواسطة الوعي الفردي"(16)، وقد شدد دوركايم على أن الظواهر الاجتماعية توجد في الوعي الجمعي الذي شكل العمود الفقري للسوسيولوجيا الدوركايمية، الذي بدونه كانت ستنهار وحدة النسق ومن ثم يختلف الوعي الجمعي عن الوعي الفردي...إن هذا التأكيد على أن التمثلات التي تنبني على أسس الجماعة وترتبط بالوعي العام الذي يسود المجتمع هي في منأى عن التغيير ومستمرة ودائمة عبر الأجيال. هكذا نرى أن دوركايم قد ركز على قوة وقهر المجتمع وذلك أنه لتفسير أي ظاهرة يجب الرجوع إلى المجتمع، أي هناك تغييب للفرد، وبالتالي المجتمع هو القيم والعادات والتقاليد والدين ...وهي التي تكون التمثلات الاجتماعية، وهي ظواهر جمعية ومستقلة عن الأفراد.

وتبعا لذلك يرى دوركايم أن الناس، بمن فيهم علماء الإجتماع، وغيرهم من العلماء، لا يمكنهم فهم عالمهم، إلا من خلال استخدام المفاهيم التي تسمح لهم باستيعاب وتنظيم التجارب والخبرات الفوضوية التي تتلقاها حواسهم، فقبل أن يتسنى لهم الإقدام على فعل ما، يتحتم عليهم تصور هذا الفعل بشكل من الأشكال ومحاولة توقع تبعاته، والتصورات الجمعية هي المفاهيم المشتركة اجتماعيا التي يستطيع الناس من خلالها التفاعل مع العالم الطبيعي وغيرهـــم من الناس الذين يقابلونهم، وعليه فالواقع إنما هو واقع تشكله الظروف المجتمعية، وفي التفاعلية الرمزية، تم صوغ هذه الفكرة نفسها فيما يتعلق بتوظيف الرموز والمعاني لبناء معنى الموقف، وقد تم تبني هذه النقطة في أعمال جان بودريارد الذي يفضل مصطلح" الصورة الزائفة" وذلك لتوكيد وجهة نظره في ضرورة اعتبار التصورات الجمعية انعكاسات فكرية مباشرة عن واقع خارجي مستقل، أي أنه يجب رؤيتها دائما باعتبارها مشكلات للواقع"(17).

أمّا بالنسبة لعالم الاجتماع الفرنسي" بيير بورديو" فإن كل التمثلات التي تكونت لذا الأفراد عن وضعهم هي الكيفية التي يمثلون بها ذلك الواقع الذي يتولد عن منظومة الإدراك والتقدير هذه الوضعية التي تحددها مكانة الفرد في النظم الاجتماعية، وتتولد كذلك عن التمثلات التي تكون لذا الآخرين عن هذه الوضعية لذلك فالاختلافات الموجودة في الواقع العيني توجد أيضا في أذهان الفاعلين، وتتحول تلك الاختلافات إلى فوائد يجنيها الأفراد والفاعلين بسبب عدم تكافؤ في امتلاك رؤوس الأموال المادية منها والرمزية، أي امتيازات معترف بها في التمثلات التي تكون لدى الفاعلين، وتكتسب تلك الامتيازات مشروعيتها من خلال الاعتراف بها، يقول بورديو في هذا الصدد:" إن التمثل الذي يكون لدى الأفراد عن وضعهم في الفضاء الاجتماعي يتولد عن منظومة من رسوم الإدراك والتقدير التي تتولد بدورها عن وضعية معينة تحددها المكانة في توزيع الخيرات والرأسمال الرمزي، والتي تدخل في اعتبارها التمثلات التي تكون لدى الآخرين عن هذه الوضعية والتي يحدد تجمعها الرأسمال وكذا المكانة في التوزيع وقد وجدت تعبيرها الرمزي في أسلوب العيش"(18).

وما ينبغي التأكيد عليه بالنسبة "لبيير بورديو "وهو أن تمثلات الأفراد عن الكيفية التي يمثلون بها ذلك الوضع، كلها تنتج عما يسميه بمنظومة الإدراك والتقدير، كما أن لهذه التمثلات دور كبير في إضفاء المشروعية على الفوارق الاجتماعية والطبقية، وتختلف تمثلات الفاعلين باختلاف شرط الوجود الاجتماعي، أما عالم الاجتماع البريطاني جون سكوت فيعرّف"التمثلات على أنّها الظواهر الفكرية المشتركة التي ينظم من خلالها الناس حياتهم، وتشكل مكونات جوهرية من أي ثقافة، وقد طرح هذا المصطلح لأول مرة دوركايم للإشارة إلى واحدة من الأنواع الرئيسية لـ "الحقائق الاجتماعية" التي يعنى بها علم الإجتماع: وهي المعتقدات والأفكار والقيم والرموز والتوقعات التي تشكل طرق التفكير والشعور التي تتسم بالعمومية والديمومة ضمن مجتمع ما أو مجموعة اجتماعية ما والتي تتشاركها باعتبارها خصيصة جماعية لها"(19).

ويعرّفها جيل فيريول إذ يقول في هذا الصدد ما يلي: من الممكن أن نعتبر التمثلات واقعا فريدا من نوعه يدل على رسوخ بنية الوعي الجماعي وطابعه الاستعلائي، أو آلة تصنيف الأشخاص والتصرفات، أو هيئة وسيطة بين الإيديولوجيات والممارسات، أو شكلا خاصا لفكر رمزي له قواعد تشكيل وانتشار خاصة به، وبغض النظر عن وجهة النظر المتبناة، تعرف بعض الإنتاجات بالمحتوى عندما يتعلق الأمر مثلا بالمعلومات أو الآراء، وترتبط بالفرد أو المجموعات، وتقع عند الحد المشترك للمادة والشخص، وللصورة والدلالة وتمنح بذلك نماذج وأطرا تحليلية قادرة على إفهامنا تكوين الحس المشترك بشكل أفضل، وهذا عبر عدد من العمليات ولا سيما الاحتجاز الانتقائي والتعميم المبنين أو الإجراءات منها المتصلة بالوضعنة والتشخيص(20).

وحسب تعريف عالم الاجتماع جوردن مارشال يشير مصطلح التمثلات إلى: "الطريقة التي تعمل بها الصورة والنصوص على إعادة بناء المصادر الأصلية التي تمثلها، وليس مجرد عكسها فحسب، وهكذا فإن رسمها لشجرة أو صورة لها أو وصفا مكتوبا لها لا يمكن أن يكون شجرة حقيقية، وإنما كل ذلك إعادة بناء الشيء الذي بدأ الشخص القائم بالتصوير أنه كذلك، فلو أن ذلك التصور كان شجرة فعلا، لما أمكن أن يكون صورة، أو رسما أو نصا مكتوبا.والتمثل أو التصور مفهوم مهم في السيمولوجيا " علم العلامات" وفي علم اللغة…ويدل على طريقة إعادة بناء وصياغة المعنى، إذ أنّ التصور يعمل باستمرار على تأكيد الأفكار النمطية عن هوية النوع، كما نلاحظ أن كل الصور التي تقدمها وسائل الاتصال في الإعلانات أو في الأفلام السينمائية إنما تقدمها دائما باعتبارها " شريحة من الواقع"، ومحاولة فهم تلك الصور، والتوصل إلى فهم معين لها، وكيف تقوم بصياغة المعنى.. حيث تميل الصور خاصة إلى تصنيف أفكار معقدة في معان ظاهرة البساطة، على النحو الذي ينفى عنها التناقض والغموض، ومن ثم تصبح التصورات كالأساطير التي يقبلها الناس برغم ذلك كشيء حقيقي"(21).

كما يعرّفها عالم الاجتماع فريدريك لوبرونFrédéric lebaron  فيعرفها كما يلي: "تعني التمثلات الاجتماعية أولا وقبل كل شيء تلك الصورة الذهنية لظاهرة ما، ويتم دراستها بشكل خاص من قبل علم النفس الاجتماعي"(22).

ويرى الباحث وعالم الاجتماع جون ماري سيكا Jean Marie Seca:"أن التمثلات الاجتماعية هي منتوج ونظام لنشاط عقلي بفضله الشخص أو الجماعة تعيد بناء الواقع الذي تواجهه وتستند له رموزا خاصة، كما يعتبره نسقا لترجمة الواقع الذي يحكم العلاقات مع الأفراد ومحيطهم(23)، في حين يشير مفهوم التمثل عند دونيس جودلات:"معرفة الحس المشترك والتي تعمل فيه المضامين والمحتويات على إبراز عملية التطور العمومي والوظيفي، ذو الصبغة الاجتماعيـة وبشكل عام يشير هذا المفهوم إلى شكل الفكر الاجتماعي، فالتمثلات الاجتماعية هي أنماط التفكير الموجه بشكل فعلي نحو التواصل والفهم والضبط والسيطرة على المحيط الاجتماعي المادي والمثالي، وبما أنها كذلك، فهي تمثل سلوكيات خاصة عل مستوى تنظيم المحتويات والعمليات العقلية والمنطقية، كما أن التنميط الاجتماعي للمحتويات وسيرورة التمثلات ترتبط بالظروف والسياقات الذي أنتج هذه التمثلات وأشكال التواصل الذي تروج من خلاله، والوظائف التي تشغلها في تحقيق التعامل مع العالم والآخرين (24).

إن دراسة التمثلات بحسب هذه التصورات تمنحنا معلومات حول تلك العلاقة بين الأفراد والجماعة التي ينتمون إليها، فهي بهذا تعطي معنى لموضوع التمثل وتؤدي إل ردود فعل متشابهة بين أفراد المجتمع الواحد، بحيث يكونون معنى مشتركا ومتقاسما بينهم، ولذلك فغايتها هي توجيه السلوك والاتصالات بين أفراد المجتمع الواحد، ثم تنظيم المحيط والتحكم فيه، على اعتبار أنها تساهم في تأسيس نظرة موحدة لواقع الجماعات الاجتماعية أو ثقافة معينة، فالتمثلات والمعارف الخاصة، فلا نقول عن تمثل أنه اجتماعي، إلا في الحالة التي يكون فيها تقاسما بين أفراد المجتمع، وكان يسمح بفهم مشترك ويظهر أثناء التفاعلات الاجتماعية، وبذلك يصبح للتمثلات وظيفة خلق الانسجام والتناغم داخل الجماعة عبر الأثر الذي تخلفه في فهم وضعيات بذاتها وتكوين إجابات حولها، بحيث تمنح للحالات المعيشة، السلوك البديهي، وهي تتكون من خلال التفاعلات التي تحدث بين أفراد المجتمع في مدة زمنية معينة، وتساهم في التنشئة الاجتماعية.

إن التمثلات بهذا المعنى توجه سلوكياتنا ونظرتنا إلى العالم. إنها أشكال المعرفة المتداولة داخل المجتمع وهي تأخذ الخصائص التالية:

1 ـ تكون كتقاسم بين أفراد الجماعة وهي تتشكل انطلاقا من التجارب المعيشية، والمعارف الملقنة.

2 ـ غايتها التنظيم والسيطرة على المحيط وتوجه التواصل والتصرفات التي تحدث بداخله.

3 ـ تساهم في إحداث تناغم اجتماعي، عبر أحداث وتكوين واقع مشترك داخل الجماعة الواحدة  .

4 ـ تقبل التغيير لكنه لا يحدث إلا عندما نتجه رأسا نحو عناصر النواة المركزية للتمثل.

وهنا ينبغي أن نطرح مجموعة من التساؤلات وهي كالتالي:

كيف تتكون التمثلات؟

وما نواتها المركزية؟

وما الميكانيزمات التي تحكمها؟

أ ـ تكون التمثلات الاجتماعية: لكل فرد آليات وميكنزمات تسمح له بتكوين تمثلاته الخاصة، وهي ذات طبيعة معرفية: إنها طرق لتنظيم المعلومات الصادرة عن العالم الاجتماعي الذي هاجر إليه الفرد. بحيث يبدو من المستحيل أن نمنحه كل المعلومات الضرورية حتى يضبط ويفهم وأن يتصرف أمام حالة معطاة، ولذلك فهو مضطر لانتقاء تلك المعلومات التي تبدو له ذات راهنية وتمكنه من إعطاء الدلالة المتناسبة التي تتلاءم وهذه الحالة أو تلك.

ب ـ بنيـة التمثل

1 ـ النواة المركزية: النواة المركزية لتمثل اجتماعي معين هي مجموع التمثلات المتضمنة فيها

والمكونة من عنصر أو مجموعة عناصر تدل على التمثل وهي عناصر أقل كثرة بشكل عام للنواة المركزية، وهي تمثل مجموع المعارف الأكثر مقاومة للتغيير.

2 ـ العناصر المحيطة: العناصر المحيطة هي أقل تركيزا في التمثل الاجتماعي وهي تنتظم من حول العناصر النواتية، بحيث تلعب دورا أساسيا في إعطاء الدلالة للواقع وختمه بطابعها، كما تسمح بتصدير معنى ما إلى وضعية ما أيضا بطريقة سريعة كما يمكن أن تقبل بمعارف تناقض التمثلات المختومة وهو ما يعني أنها قادرة على التطور من دون إحداث تغيير كبير في التمثل (25).

ج: ميكانيزمات التمثلات الاجتماعية

1 ـ تكوين الانطباعات: الانطباع هو صورة عامة منسجمة عن صورة مكونة من مجموعة من المعارف أقل أو أكثر تنافرا أو تباينا، بحيث إن الفرد يستسلم لتأطير بعض المعارف التي تتعلق بوضعية معيشة تفرض نفسها عليه، واختياره لهذه الانطباعات يخضع لميكانزمين اثنين خاصين وهما:

- تأثير أولي: يرتبط بمدى أثر المعارف الأولى التي تلقيناها بالمقارنة مع المعارف الموالية.

- تأثير جوهري: لبعض المعارف ذات القيمة وهي طباع، يطلق عليها اسم الخطوط الجوهرية.

2 ـ الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية: Stéréotype

الحكم المسبق: هو تقويم يمارسه الفرد بناءا على اعتبارات ذاتية، وخاصة ومؤسسة بشكل قبلي،

فالأحكام الجاهزة هي رأي جاهز، يتم قبولها دون تفكير مسبق ويتم ترديدها دون تمحيص أو تحقق مسبق، ولذلك فهي تعمل عل رسم الواقع بشكل معين، أي العمل على تقطيعه إلى فئات محددة وهي أيضا تصورات عقلية مكتسبة، لا تتلاءم بالضرورة مع وقائع ذات طابع موضوعي.

3 ـ كيفية اشتغال الأحكام المسبقة والجاهزة: إن الأحكام المسبقة هي بمثابة تمثلات اقتصادية يسهل انتقالها، جاهزة، تعمل على تبسيط الواقع، حيث تعمل على توجيه الفهم، لبعض الوضعيات لتفادي التحليل المعمق والمكلف من حيث الوقت والجهد، وهي تعمل على تحقيق الاندمـاج وضمان العضوية داخل الجماعة، بالنظر إلى أنها مشتركة، ومتبناة بين أكبر عدد من أفراد المجتمع، ولذلك فهي تيسر عملية التمييز داخل مجموعة منسجمة. يظهر تحجر الأحكام الجاهزة بشكل واضح عندما نأخذ بعين الاعتبار أثرها على الإدراك وذكريات الذوات، بحيث تم إجراء بحث في الولايات المتحدة حول صورة الإنسان الأبيض والإنسان الأسود لدى مجموعة من الأفراد، حيث أخذ الأبيض شفرة حلاقة بيده، ليطلب من العينة وصف ما شاهدوه، إذ عملوا على مباشرة عل ربط شفرة حلاقة بالإنسان الأسود تبعا لما ترسخ في أذهانهم من أحكام جاهزة حيث يعتبرون الإنسان الأسود الأمريكي كائن عنيف.

أن تكون الأحكام الجاهزة تخضع لأربع تطورات معرفية

الأول: ما فوق التعميم La Surgénéralidation والتي تقتضي تعميم الصفة المميزة لدى فرد معين على بقية الأفراد الآخرين.

الثاني: الانحرافات السلبية المرتبطة أساسا بالميل العميق إلى اختيار وتفضيل الخطوط السلبية لفرد أو مجموعة معينة.

الثالث: الأحكام الجاهزة ترتبط بالميل الداخلي نحو الأخذ بالخطوط العريضة للفرد أو الجماعة.

الرابع: الربط المغلوط الذي يتأسس على الميل الداخلي يجد له انسجاما في مختلف الخطوط العريضة لمجموعة اجتماعية معطاة (26).

إن ما يمكن ملاحظته من خلال الطرح السوسيولوجي لمفهوم التمثل هو اعتباره غير قابل للتغيير بالنظر إلى أنه يرتبط بالوعي الجماعي لشريحة اجتماعية عريضة، الأمر الذي يجعل منه متعاليا على شعور الفرد وخارج إرادته، ببسط سيطرته عليه، والتحكم فيه، حيث لا يمنحه إمكانية تجاوزه، مادام يلتزم بالالتزام والقهر وهو كذلك، لأنه نتيجة تفاعلات وعلاقات تنشأ بين أفراد المجتمع، ولأنه يضمن تماسك المجتمع ويحافظ على بنيته واستمراريته، فالتمثل يقوي الروابط الاجتماعية السائدة، الأمر الذي يجعل هذا التصور أحادي الجانب من حيث أنه يلغي المكون السيكولوجي للفرد وردوده في إحداث التمثل مما يضع أمامنا إمكانية الانفتاح على مقاربات أخرى، خاصة مقاربة علم النفس الاجتماعي.

مقاربة علم النفس الاجتماعي

جاء في قاموس علم النفس لنوربير سيلامي ما يلي:

"التمثل الذي يرجع إلى الكلمة اللاتينية "Representare" أي "إحضار الشيء" لا يقصد به إحضار صورة لحقيقة الشيء، بل هو بناء يقوم به نشاطنا العقلي"(27)، ويرجع السبق في توظيف مفهوم التمثل الاجتماعي إلى عالم النفس الاجتماعي سيرج موسكو فيتشيSerge Moscovici الذي اقترحه لأول مرة في كتابه son image et son public سنة 1961 في دراسته للتحليل النفسي،

حيث شكل مفهوم التمثل في هذه الفترة مجال اهتمام واسع ليلقى رواجا بعد ذلك، في مجال الأبحاث النفسية الاجتماعية خاصة مع الباحثين هرليش وداوز وبيري كليمان، وفي العلوم الإنسانية بصفة عامة وفيه يقول موسكوفيسي: "عهدنا عهد التمثلات الاجتماعية بامتياز"(28).

وقد حاول "Moscovici" مقاربة المفهوم من خلال حديثه على أن التمثلات الاجتماعية وضعت قنطرة عبور بين ما هو اجتماعي إلى ما هو فردي، ومما هو فردي إلى ما هو اجتماعي، ولتحقيق ذلك تم القيام بعمليتين هما: إضافة أشياء وحذف أشياء، نظرا لكون الإنسان العادي هدفه هو الحفاظ على توازنه واستقراره المعرفي والنفسي، وذلك بالتركيز على أشياء معينة. حيثُ يعتبر أنه "يمكن مقارنة التمثلات الاجتماعية بنظريات المعرفة المشتركة والعلوم الشعبية المنتشرة داخل مجتمع معين" فالتمثلات بهذا المعنى يتم بناؤها في إطار الممارسات اليومية، يتم تقاسمها بين أعضاء مجموعة معينة (29).

ويعود الفضل لموسكو فيتشي في إعطاء الوضوح العلمي اللازم لمفهوم التمثل الاجتماعي، كما وصف الطريقة الملائمة لمقاربته بشكل سيكو سوسيولوجي فمن جهة، أعاد التساؤل حول مفهوم التمثل الاجتماعي، ثم أبان عن أهميته في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية من جهة ثانية.

فقد أبرز كيف أن التمثل يعمل على تحويل المعرفة العلمية إلى معرفة مشتركة بين عدد من الأفراد وبشكل متبادل أيضا، يقول: "التمثل نسق من القيم والمفاهيم والسلوكيات المرتبطة بسمات ومواضيع يحدد معالمها الوسط الاجتماعي. وهي لا تسمح فقط بتحقيق استقرار حياة الأفراد والجماعات ولكنها تشكل فوق كل هذا وذاك أداة لتوجيه إدراك المواقف وصياغة الأجوبة عل التساؤلات المطروحة.

ويتشكل التمثل تحت تأثير عاملين رئيسيين وهما:

التواضع والموضعة: (L’objectivité)

يمثل النواة المركزية للتمثل فمن خلاله تتم عملية بناء الموضوع، في شكل جديد، وتتكون بدورها من ثلاثة مراحل وهي:

- البناء الانتقائي Sélection constructive

فمن خلال هذه العملية يتبنى الفرد الرموز والمعايير والقيم الملائمة لتمثلاته السابقة حول موضوع ما. فعملية الانتقاء هذه تهدف إلى خلق تلائم وتوافق ما بين مكونات ومضامين تمثلات الأفراد وبين أشكال وصيغ بنائها من طرف الفرد.

- الخطاطة البنائية  Schématisation constructurale

حين يقوم الفرد خلال هذه العملية بتجزيء أو تشجير معطيات التمثل حسب خبراته لتستجيب للقواعد المعرفية والسلوكية القائمة، أي لتمثلاته السابقة والتي يشترك فيها مع بقية أفراد المجتمع، مما يعطي التمثلات سهولة استدعائها أثناء التواجد في وضعية معينة قد كون الفرد حولها مسبقا.

- التطبيع naturalisation

وهي تعمل على تحديد المفاهيم المجردة للنشاط العقلي وتجسيد الأفكار من خلال منحها صورة معينة حيث يعمل الفرد من خلال تأكيد مسايرة معاييره للقيم السائدة داخل المجتمع.

- الترسيخ L’encrage

وهو يعمل على تأمين التوجه الاجتماعي للتمثل مع القيم المعرفية الخاصة التي يتطلع إليها في الجماعة المرجعية، فالترسيخ بهذا المعنى، يمكن اعتباره مرادفا لاستقرار التمثل وفق المعايير الاجتماعية السائدة، فيصبح حقيقة مرجعية يستند إليها الفرد في كل أفعاله ومواقفه وسلوكياته السيكوسوسيولوجية (30).

تأسيسا على ما سبق فإن المقاربة السيكوسوسيولوجية قد عملت على تقديم التمثل وتفسيره باعتباره عملية بنائية تخضع للتجديد، وليس مجرد استدماج مكانيكي من قبل الأفراد، كما زاوجت بين "البعد النفسي للفرد" و"البعد الاجتماعي للجماعة" فكان ذلك بمثابة الانطلاقة نحو فهم جديد للتمثل في بعده المعرفي خاصة مع علم النفس المعرفي.

مقاربة علم النفس المعرفي

اشتغل جون بياجي بدوره على مفهوم التمثل والأحكام الأخلاقية عند الطفل، خاصة فيما يتعلق بتكوين السيرورات النفسية المتدخلة في معالجة معطيات الواقع مثل سيرورة الترتيب والتفييء والتفسير، فمن خلال التمثل نستطيع حسب فهم مشكل الحفاظ على الكميات لدى الطفل مثلا، وهو لم يهتم التمثلات العقلية عند الطفل إلا من حيث أنها تساهم وتتماشى مع تكوين شبكة للفهم المنطقي للعالم بالنسبة إليه والتي تنمو بشكل متدرج وبشكل مرحلي تبعا للنمو العقلي للطفل.

إن دور التمثلات الاجتماعية السائدة داخل مجتمع ما في ظهور الأحكام الأخلاقية عند الطفل، جعلت بياجي منذ سنة 1932 يعمل على فهم تحولات أفكار الأطفال التي يكونوها خلال مراحل نموهم حول مفاهيم أخلاقية كالانضباط والاحترام التبادل والتعاون والواجب .. فالأطفال سيدمجون هذه المفاهيم ويضعون تمثلا لها من خلال التنشئة الاجتماعية التي يخضعون لها داخل مؤسسة الأسرة والمدرسة وهم مجبرون على التصرف وفق هذه التمثلات الاجتماعية ليحققوا اندماجهم داخل الجماعة(31)، أما في سنة 1946 فقد انهمك بياجي على فهم تكوين الرموز لدى الطفل من خلال نموه العقلي، حيث يظهر التمثل كسيرورة للتقليد واستعمال الصور العقلية، فلعب الأطفال مثلا، يسمح للطفل بالمرور إلى الوضعية الحقيقية في الواقع وعلى تحضير ذاته للسلوك المفترض مستقبلا.

إن تكوين المعرفة بهذا المعنى، هو بمثابة سيرورة نمو وتطور متواصلة، لا يمكن معرفة بدايتها الأولى أو نهايتها، لأن كل معرفة جديدة هي وليدة معرفة سابقة في بنائها على مفاهيم وتصورات وخبرات وتجارب معينة. ومهما كانت طبيعة هذه المعارف فإنها تتشكل داخل إطار أو "بنية ذهنية" تسمى التمثلات حيث تقوم هذه الأخيرة بعدة وظائف منها رصد المعطيات المعرفية وانتقاء المعلومات وتحويلها وإعادة بنائها، مما يجعل منها نشاطا معرفيا إبداعيا (32).

على سبيل الختم

خلصت هذه الدراسة إلى أن التمثل يشكل حجر الزاوية لفهم كيفية إدراك الأفراد للعالم الاجتماعي والثقافي، ولفهم ديناميات المعرفة داخل الجماعات. أظهرت الدراسة أن التمثلات الفردية والجماعية تتفاعل أحيانًا بشكل متكامل وأحيانًا بشكل متعارض، وهو ما يوضح التعقيد الداخلي للسلوك الاجتماعي.

كما أبرزت الدراسة أهمية المفكرين والفلاسفة مثل شوبنهاور ودوركايم، وعلماء الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي والمعرفي، في تقديم أدوات تحليلية دقيقة لفهم التمثل.

إن دراسة بنية التمثل وآلياته، بما في ذلك الأحكام المسبقة والأجوبة الاجتماعية، توفر فهماً علمياً متكاملاً لكيفية اشتغال المعرفة داخل المجتمع، وتؤكد أن التمثلات تشكل أساسًا لفهم الظواهر الثقافية والاجتماعية، كما تعزز من القدرة على التفسير الأكاديمي للسلوك الاجتماعي وآليات التواصل الجماعي.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي

..........................

لائحة المراجع والمصادر

المراجع والمصادر باللغة العربية

- القرآن الكريم.

- ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3.

- بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

- جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009.

- جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011.

- جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000.

- مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ.

- حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35.

- مجمع اللغة العربية، معجم علم النفس والتربية، الجزء الأول، الهيأة العامة لشئون المطابع الأميرية،1984.

- ريجيس دوبري، مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري.

- شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

- فرانسوا مورو: البلاغة مدخل لدراسة الصور البيانية، ترجمة: محمد الولي وعائشة جرير، إفريقيا الشرق-الدار البيضاء، 2003م.

- شرف الدين مجدولين: الصورة والنوع والمتخيل الثقافي قراءة في نموذجين نقديين، مجلة نزوى، العدد.36، أكتوبر2003.

- صلاح عبد الفتاح الخالدي، نظرية التصوير الفني عند السيد قطب، الفنون المطبعية، الجزائر،

1988.

- عمر عتيق، ثقافة الصورة دراسات أسلوبية، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،2010.

- شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

- علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985.

- إيناسيورامونه، ترجمة نبيل الدبس، الصورة وطغيان الاتصال، دمشق، 2009.

- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة، الطبعة الثالثة، 1992 م.

- كامل حسن البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

- عبير عليوة إبراهيم، الصورة الفنية في شعر حسان بن ثابت، رسالة ماجستير مخطوطة بكلية الآداب، جامعة الزقازيق،1990م.

- الولي محمد، الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1،

1990.

- عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار النهضة العربية، ط2، 1981.

- ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، (4/ 106. (

- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص. 328.

- الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ج3.

- د. كامل البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

- د. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب.

- الراغب أحمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص 21, عن: قدامة بن جعفر، نقد الشعر.

- الدكتور محمد إبراهيم عبد العزيز شادي، الصورة بين القدماء والمعاصرين.

- العسكري ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه، 1952م.

- الدكتور محمد محمد أبو موسى، البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري.

- الراغب احمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص.30، عن ابن الاثير، المثل السائر.

- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب الخوجة – بيروت – دار الغرب الاسلامية، ط. 2، 1981.

- محمد بوزاوي، معجم مصطلحات الأدب، الدار الوطنية للكتاب، الجزائر، د ط، 2009.

- أحمد جمعة أحمد نايل، التحليل الأدبي أسسه وتطبيقاته التربوية، دار الوفاء، الإسكندرية، ط1،

ص.206.

- جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، دار الثقافة للطباعة والنشر، مصر،

ط3، 1992.

- مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، مكتبة مصر، القاهرة، ط. 1، 1998م.

- عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب، القاهرة، ط4، د.ت.

- أبو أديب كمال، جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة 3، ص. 20.

- اليافي نعيم، الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، القاهرة، ص. 2.

- ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، تحاد كتاب العرب، سوريا، ط. 1، 2011م.

- أهمية الصورة في العملية التعليمية التعلمية – الحوار المتمدن العدد 2826 – المحور: الفلسفة،

علم النفس، وعلم الاجتماع.

- أحمد فرشوخ، الطفولة والخطاب.

- الدكتور أحمد أوزي، الطفل والمجتمع.

- مصطفى الورياغلي، الصورة الروائية.

- كيليطو، الأدب والغرابة.

- د. محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري إستراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985.

- جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة: د. جمال حضري، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.

- كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 208، ترجمة د. جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، السنة 2007.

- غريماس، تقديم لكتاب جوزيف كورتيس مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية.

- المراجع والمصادر بغير العربية

Larbi Layachi: Yesterday and Today (الأمس واليوم).

- Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985: The Jealous Lover.

Tambouctou Books. CA. 1985.

- Le petit robert.

Flament. C. 447: 1989.

P. Mannoni, 1989.

G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.

Thines et Lempreur, 1975.

E.durkeheim: " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.

Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

Jodolet, D. 1984.

Langenfeld 2005.

N. Sillamy ,1980.

Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.

Yves Alpe, 2005.

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Sciences de l’information,

- Larousse, Paris, 1993, p. 12.

- Gremas, sémiotique structurale.6

- G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

- Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d entre vernes.

الهوامش

(1) ـ آرثر شوبنهاور، العالم إرادة وتمثلا.ط.1. القاهرة، المركز القومي للترجمة 2006. ص 58.(

(2) ـ سورة مريم، الآية17.

(3) ـ المنجد في اللغة والإعلام، 1975، ص.440.

(4) ـ ابن منظور، 2000: 436.

(5) - Le petit robert 1, 1984, p1676.

(6) - Le petit robert 1, 1979, p1679.

(7) - Le petit robert 1, 1979, p1679.

(8) – Dictionnaire couleursTextes et images.993P1266

(9) – Flament. C. 447: 1989.

(10) – P. Mannoni, 1989: 35.

(11) – G. Thines, et, A. Lempreur, 1975:837.

(12) – Thines et Lempreur, 1975, p.837.

(13) – E.durkeheim: " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968 page 65.

(14) ـ نفس المرجع صفحة 66.

(15) ـ دوركايم،1988، ص85.

(16) ـ دوركايم،1988، ص85.

(17) – Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

(18) ـ بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

(19) ـ جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009 ص. 203-122.

(20) ـ جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011، ص. 153.

(21) ـ جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000 ص 411.

(22) – La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

(23) ـ مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ، ص 194

(24) – Jodolet, D. 1984, p. 357 et 378.

(25) – Langenfeld 2005, p168.169.

(26) – Langenfeld 2005, p168.169.

(27) – N. Sillamy ,1980, p. 1029.

(28) – Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961, page. 73.

(29) – Yves Alpe, 2005, p.220-221.

(30) – Monnouni: 2010 Mai, P.47-48

(31) – Monnouni 2010 Mai p.47.

(32) ـ حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35، ص.120.

 

سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي

ملخص البحث: تتناول هذه الدراسة الخامسة ضمن المشروع البحثي الشامل مفهوم التأويل كأداة فلسفية وسيميائية مركزية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. وتعتمد الدراسة على ما تم التوصل إليه في الدراسات السابقة ضمن المشروع، من تحليل الخطاب السردي وفق المنهج الشكلاني إلى التحليل البنيوي، مرورًا بسيمياء البنية وصولًا إلى سيمياء الأهواء، لتقدم رؤية متكاملة تُظهر التجاور بين التحليل الغربي للمفكرين البارزين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر، ومن ثم المقاربات العربية التي صاغها محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

وتؤكد الدراسة على تعددية المعاني والمرجعية الثقافية والبعد الرمزي والفلسفي للتأويل، كما تُبرز العلاقة الحية بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي، ما يجعل التأويل أداة محورية في التحليل المتقدم للخطاب السردي والأدب العجائبي، ويُثري فهم البنية الدلالية للنصوص ضمن الإطار الثقافي والفلسفي.

الكلمات المفتاحية: التأويل، الخطاب السردي، السرد، الحكاية، الأدب العجائبي، التحليل السيميائي، الدراسات العربية والغربية

Academic Abstract

The fifth study within this comprehensive research project examines interpretation (hermeneutics) as a central philosophical and semiotic tool for understanding narrative discourse, storytelling, and fantastic literature. The study builds upon the findings of previous research within the project, ranging from formalistic approaches to structuralist analysis, passing through the semiotics of structure and culminating in the semiotics of passions, offering an integrated perspective that juxtaposes the Western analyses of prominent thinkers such as Umberto Eco, Roland Barthes, Michel Foucault, Julia Kristeva, and Wolfgang Iser, with Arabic interpretations by Mohamed Meftah, Nasr Hamid Abu Zayd, and Taha Abderrahman.

The study emphasizes the multiplicity of meanings, cultural reference, and the symbolic and philosophical dimensions of interpretation, highlighting the dynamic relationship between the text, the reader, and the socio-cultural context. Hence, interpretation is positioned as a pivotal tool in the advanced academic analysis of narrative discourse and fantastic literature, enriching the understanding of the semantic structure of texts within their cultural and philosophical framework.

Keywords: interpretation, narrative discourse, storytelling, tale, fantastic literature, semiotic analysis, Arabic and Western studies

على سبيل التقديم

تعتبر هذه الدراسة امتدادًا طبيعيًا لمشروع بحثي شامل تناول تطور تحليل الخطاب السردي من مختلف المقاربات النظرية، حيث بدأت الرحلة بالدراسة الأولى المعنونة ب- "الاتجاه الشكلاني في تحليل الخطاب السردي – فلاديمير بروب نموذجًا"، والتي ركزت على الأسس الشكلانية للخطاب والحكاية السردية، مستعرضة بنيتها الداخلية وعناصرها الثابتة والمتكررة.

تلتها الدراسة الثانية بعنوان "الاتجاه البنيوي في تحليل السرد - من القواعد التحويلية عند تودوروف إلى المفارقات السردية والزمنية عند جيرار جنيت"، والتي وسعت الأفق التحليلي إلى دراسة الزمن السردي والمفارقات والبنى التحويلية، مع التركيز على التفاعلات الداخلية للنصوص.

أما الدراسة الثالثة، الموسومة "من البنية إلى المعنى: الدلالة البنيوية وآفاق التحليل السيميائي - مشروع غريماس ومدرسة باريس نموذجًا"، فقدمت خطوة متقدمة في فهم المعنى من خلال تحليل الدلالة البنيوية وتوظيف السيمياء في كشف الرموز والبنيات الثقافية للنصوص.

ثم جاءت الدراسة الرابعة "سيمياء الأهواء: من الاستهواء إلى الجسد السردي - قراءة لمشروع غريماس وفونتني"، والتي سلطت الضوء على أبعاد التأويل الجسدي والنفسي في السرد، وكيفية تحليل الأهواء والرغبات الإنسانية كجزء من البنية السيميائية للنص، مما أتاح فهمًا أعمق للعلاقات بين القارئ والنص والثقافة.

وتأتي هذه الدراسة الحالية، بعنوان " الدلالة التأويلية والخطاب السردي: سيمياء التأويل والسرد ونظريات الإنتاج الدلالي"، استكمالًا لهذا المشروع البحثي المتسلسل، لترسخ فكرة أن تحليل الخطاب السردي لا يقتصر على البنية وحدها، بل يمتد إلى التأويل والفهم الرمزي، مستفيدًا من تجارب كبار المفكرين الغربيين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير، ومن المفكرين العرب مثل محمد مفتاح ونصر حامد أبو زيد وطه عبد الرحمن.

ويهدف هذا المشروع البحثي، من خلال هذه الدراسة الحالية والخامسة ضمن سلسلة الدراسات السابقة إلى استكشاف التأويل كأداة فلسفية وسيميائية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، وربطه بالذاكرة الثقافية الجماعية وإمكانات القارئ في استكشاف الرموز والمعاني العميقة.

تعريف الخطاب

تنتمي العبارات المشتقة من جذر (خ ط ب) إلى حقول دلالية مختلفة، بحيث يمكن اعتبار الخطاب نظام القول أو الفعل العقلي، أي القائم على الحجة والدليل، وفي قوله تعالى:﴿لا يملكون منه خطابا﴾ (1)، وهذا يقتضي أن الخطاب نظام القول المؤثر والمقنع لكل الأطراف.

ففي معجم مقاييس اللغة لابن فارس'' الكلام المتبادل بين اثنين، يقال: خاطبه يخاطبه خطابا، والخطبة من جنس الخطاب ولا فرق، وفي النكاح: الطلب أن يزوج وقال تعالى "لا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النكاح " والخطبة: الكلام المخطوب به، والخطب، الأمر يقع ، وإنما سمي بذلك لما يقع فيه من التخاطب والمراجعة''(2).وفي أساس البلاغة للزمخشري: نجد "خطب فلان، أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، وأختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحبتهم وتقول له: أنت الأخطب، البين الخطبة'' (3).

وفي العين للخليل: "الخطاب هو مراجعة الكلام، والخطبة مصدر الخطيب، وكان الرجل في الجاهلية إذا أراد الخطبة قام في النادي فقال: خطب، ومن أراده قال: نكح، والخطب: المرأة وهو الزوج والخطبة إن شئت في النكاح وإن شئت في الموعظة''(4). وفي الكشاف ''نجد أن الخطاب ''في أصل اللغة توجيه الكلام نحو الغير للإفهام ثم نقل إلى الكلام الموجه نحو الغير للإفهام وقد يعبر عنه بما يقع به التخاطب''(5).

جاء في أساس البلاغة للزمخشري ''خطب فلان: أحسن الخطاب، والخطاب هو المواجهة بالكلام، واختطب القوم فلانا: إذا توجهوا إليه بخطاب يحثونه فيه على تزوج صاحباتهم. وتقول له: أنت

الأخطب: البين الخطبة''(6).

وعموما الخطاب اسم مصدر مشتق من خاطب، وهو يدل على ما ينجزه المخاطب المتمثل في

توجيه الكلام إلى الغير، وقد يتقاطع الخطاب في معناه مع مصطلحين آخرين هما: الكلام باعتباره مرادفا للمخاطبة، وقد سبق لابن منظور أن ميز بينهما من خلال معنى التبادل والمشاركة حين قارن بين المصطلحين إذ يقول 'والخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وهما يتخاطبان (7) وهو تعريف يجعل الخطاب أعم وأشمل من معنى المخاطبة، إذ أن هذه الأخيرة لا تمث-----ل

سوى نوع مخصوص من ذاك.

إن لفظ الخطاب يتردد كثيرا بالاقتران بوصف الآخر مثل: الخطاب الثقافي، الخطاب السياسي، الخطاب التاريخي، الخطاب الاجتماعي، الخطاب الصوفي.

ولذلك ورد الخطاب بتعريفات متنوعة بهذه الميادين العديدة بوصفه فعلا، يجمع بين القول والعمل، فهذا من سماته الأصلية، وليس في هذا تشتت بقدر ما فيه من غنى وسعة في التصنيف، وقد ورد لفظ الخطاب عند العرب قديما، كما ورد عند الغربيين.

الخطاب عند العرب

ورد لفظ الخطاب في الثقافة العربية في عدة مواضع، إذ ورد في القرآن الكريم بصيغ متعددة منها: صيغة الفعل في قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾(8)، وفي قوله تعالى عن داوود عليه السلام ﴿وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب﴾(9).

ولقد عد الرازي صفة فصل الخطاب من الصفات التي أعطاها الله تعالى لداوود معتبرا إياها من علامات حصول قدرة الإدراك والشعور، والتي يمتاز بها الإنسان على أجسام العالم الأخرى من الجمادات والنباتات وجملة الحيوانات.

وقد ورد اسم المفعول (المخاطَب) عند النحاة للدلالة على طرف الخطاب الآخر، أي الذي يوجه المرسل كلامه إليه، وقد وردت كثير من الاشتقاقات في مادة "خ ط ب" ومن بين الأدلة على ذلك إيراد النحاة العرب لاسم الفاعل (مخاطِب) ولاسم المفعول (مخاطَب)، بوصفهما طرفي الخطاب"(10). ويعرفه الآمدي بأنه "اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه " أما الجويني فيرى:

"بأن الكلام والخطاب والتكلم والتخاطب والنطق واحد في حقيقة اللغة وهو ما به يصير الحي متكلما"(11).

الخطاب عند الغربيين

تعددت مصطلحات الخطاب وتنوعت بتنوع الدراسات واختلافها، وعموما يطلق مصطلح الخطاب على أحد هذين المفهومين: الأول أنه ذلك الملفوظ الموجه إلى الغير، بإفهامه قصدا معينا، والثاني الشكل اللغوي الذي يتجاوز الجملة.

والخطاب حسب بنفنيست Benveniste هو كل تلفظ يفترض متحدثا ومستمعا، تكون للطرف الأول نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال (12).

ومن ثمة يميز بنفنيست Benveniste بين نظامين للتلفظ هما: الخطاب والحكاية التاريخية، ذلك أن الخطاب لا يقتصر في كونه وحدة لسانية مفرغة، بل يتشابك مع الثقافة والمجتمع، ''فالخطاب قوامه جملة الخطابات الشفوية المتنوعة ذات المستويات العديدة، وجملة الكتابات التي تنقل خطابات شفوية شأن المراسلات والمذكرات والأعمال التعليمية، حيث يختلف عن الحكاية التاريخية في مستويين اثنين هما: الزمن وصيغ الضمائر"(13).

أما فوكو فقد أخذ يحدد مفهوم الخطاب على أساس أنه لا يمكن فصل مفهوم الخطاب عن مفهوم اللغة، وعن ذلك التمييز القائم بين لغة جدلية ولغة غير جدلية؛ حيث تمتاز اللغة غير الجدلية أو غير الخطابية في منظور فوكو، بالاختراق والتجاوز والتعدي وبالطابع الوجودي، بينما اللغة الجدلية أو الخطابية أو الخطاب بصورة دقيقة يمتاز بتلك الخصائص التي بها يختلف عن مفهوم اللغة، وإن كانت اللغة تلتقي مع الخطاب في مرجع الطابع الوجودي.

ويقول فوكو نطلق مصطلح الخطاب على مجموع الملفوظات التي تنتمي إلى تشكيلة خطابية واحدة (14)، ويقصد بالتشكيلة الخطابية المنظومة المنطوقية العامة التي تحكم مجموع الإنجازات اللفظية(15).

مفهوم السرد لغة واصطلاحا

السرد لغة: تقدمة شيء إلى شيء، تأتي به متسقا بعضه إثر بعض متتابعاً، وقيل سرد الحديث ونحوه، يسرده سرد إذا تابعه، وكان جيد السياق له(16). ومن المجاز نجوم سرد أي متتابعة، وتسرَّد الدر: تتابع في النظام، وماش مسرد يتابع خطاه في مشيه (17).

أما اصطلاحا: فالسرد خطاب غير منجز، وله تعريفات شتّى، تتمركز في كونها طريقة تروي بها القصة، وسنعتمد في هذا النطاق على تعريف "جيرار جنيت" للسرد، بحيث عرّفه من خلال تمييزه القصّة، أي مجموع الأحداث المروية "من الحكاية" أي الخطاب الشفهي أو المكتوب الذي يرويها "ومن السرد"، أي الفعل الواقعي أو الخيالي الذي ينتج هذا الخطاب، وقد رأى "الشكلانيون" أن السرد وسيلة توصيل القصة إلى المستمع أو القارئ، بقيام وسيط بين الشخصيات والمتلقي الذي هو الراوي (18).

مفهوم الحكاية

إن مصطلح الحكاية يتضمن كل الإجراءات السردية القائمة على بنيات حدثية وشخصيات أي عوامل تنجز هذه الأحداث في سياق زمني ومكاني اعتمادا على علاقات متفاعلة ومتناقضة والتي يقوم بها عنصر الحكي، هذا الأخير الذي يؤطِّره وجود سارد يختار التموضع وفق وجهة نظر معينة.

أما إذا انتقلنا إلى مفهوم الحكاية لدى الغرب فنجد نموذجا في هذا السياق، وهو الفيلسوف الألماني "هيجل"، الذي اعتبر الحكاية في الفلسفة أداة منحطة لعرض الفكر مؤكدا أنه حتى عندما يلجأ الفلاسفة إلى سرد الحكايات، فإن الفكرة هي التي تأتيهم في البداية، أمّا الصور فتأتي فيما بعد، وهذا يعني أن الحكاية غير قائمة بذاتها، بل هي بمثابة الحرص الطارئ على الجوهر (19).

مثلت اجتهادات "الشكلانيين الروس" حول النظرية الأدبية وأعمال "فلاديمير بروب" حول الحكاية العجيبة وكذلك السرديات وسيميوطيقا الحكي ونظريات لسانيات النص وتحليل الخطاب ومرورا باجتهادات الأنتروبولوجيين (ستروس) وعلماء الأديان (ميرسيا) الإنسياب في الاشتغال بالسرد الذي حظي بمكانة متميزة سواء تجلى من خلال الخطاب اليومي أو الصحفي أو التاريخي أو الأسطوري أو الأدبي...، وقد ساهمت أهم هذه الإنجازات في ظهور علوم عديدة تعنى بالسرد أي صارت علوم سردية خاصة منذ أواسط هذا القرن لها قضاياها ومناهجها الخاصة سواء بالسرد الحديث المتمثل في الرواية - القصة... أو السرد القديم الذي يمثل الحكايات العجيبة – الأساطير – القصص الديني...

وفي هذا النطاق نجد "جيرار جنيت" يضيق مجال السرديات بحصر موضوعها من خلال صيغة، السرد (الخطاب)، أما المشتغلون بالحكي والبنيات الحكائية فيوسعون مجال اهتمامهم بانطلاقهم من المحتوى(20)، ويحيل مصطلح "السرد" إلى الكيفية التي يتم بها بناء النص الأدبي وهو يختلف عن "القصة" التي تمثل المادة الأولية الخام كما يختلف عن "النص" الذي يمثل الشكل النهائي والواقع المادي الناجم عن امتزاج "القصة" "بالسرد"، فالقصة القصيرة منظومة أدبية يطلعنا فيها الكاتب (المبدع) على ما يتضمنه عالمه التخيلي من وقائع وشخصيات تبدو لنا مألوفة تارة وغريبة تارة أخرى، وعملية نقل هذا العالم الخيالي إلى القارئ إنما يقوم به السارد "الراوي" إذ بفضله يعرض الكاتب مادته العملية القصصية بالكيفية التي يشاء أن يستخدمها وعليه يكون الراوي هو الشخصية التي تمثل "الأنا الثانية للكاتب " غير أن الفرق بين الإثنين يتمحور في أن الأخير منشئ النص ومانعه "فهو الذي اختار الأحداث والشخصيات والبدايات والنهايات كما اختار الراوي، لكنه لا يظهر ظهورا مباشر في النص القصصي" فهو لا يسترسل في سرد حكايته بنفسه، بل يحول هذا النمط إلى الشخصية الخيالية.

فالكاتب مثلما يكون مؤلفا للمادة القصصية فهو "ينسج أيضا صورة مسقطة عن ذاته"، يلجأ بتجسد هذه الرؤية في شخصية الراوي الذي يلزمها بأداء دورها الوظيفي، المتمثل في الكشف عن عالم قصته الإبداعية، فلا تتوقف وظيفة الراوي فقط عند حدود نقل مروي، بما فيه ذلك من أحداث ووقائع فحسب، بل قد يكون فاعلا في تلك الأحداث أو ربما يتدخل في سياقها السردي ببعض التعليقات، ويتخذ الراوي وضعيتين: فإما يكون داخل الحكي، أو أن يكون موجودا خارج الحكي، وعلى هذا النحو فإن العلاقة التي تربط الراوي بأحداث القصة وشخصياتها تتضمنها علاقة أخرى، تربطه والأحداث بركن آخر هو "المروى له" "ذلك أن عملية التلقي يحددها حجم المعلومات التي يقدمها الراوي للقارئ والكيفية التي يقدم بها هذه المعلومات"؛ ومن تم كانت السردية هي "العلوم التي تبحث عن تشكيل نظرية لعلاقات النص السردية (الحكي والقصة)، إنها لم تهتم بالنص السردي مفردا أو بالقصة".

ويدل الخطاب السردي على النص المقرر من حقيقته المادية، ومن حيث هو نص مكتوب بلغة معينة تستغرق قراءته زمنا معلوما كما يخضع إلى ترتيب زمني معين، وإلى فضاء الانتظام والتمظهر، وعليه فإن مجال السرد أضحى يشمل شتى الخطابات الأدبية وغيرها، مروية كانت أم مقروءة، يقول بارت "يمكن أن يؤدى الحكي بواسطة اللغة المستعملة، شفاهية كانت أو مكتوبة...إنه حاضر في الأسطورة والخرافة والملحمة والتاريخ...".

ومنه تتشكل البنية السردية للمؤلف القصصي بتفاعل الأركان الثلاثة الراوي، والمروي له، باعتبار الراوي صلة وصل بين الطرفين الآخرين، فهو المكلف بإدارة أحداث القصة، وتقديم شخصياتها للقارئ إلا أنه قد يتيح الفرصة لشخصية من الشخصيات بممارسة العملية السردية، بل قد يكون هو نفسه إحدى هذه الشخصيات فيؤدي بذلك دورين في الان ذاته، دور الراوي ودور الشخصية القصصية الرئيسية.

لكن يظل السؤال يطرح نفسه: أين يوجد السرد؟

فللإجابة عن هذا السؤال سوف ندرج في هدا الصدد رأيين متناقضين على النحو الآتي:

الأول: يعتبر أن السرد يرتبط بخطابات معينة مثل ما هو الشيء في الكتابات الروائية والقصصية وأنه يدرس اعتمادا على العلوم السردية أو السرديات.

الثاني: يعتبر أن السرد لا يوجد في خطاب بعينه بل إنه يوجد في كل الخطابات، وقد كان "رولان بارت" سباقا لذلك حيث يعتبر أن السرد موجود في الأسطورة والملحمة والحكاية والتاريخ...فهو يتمظهر في أشكال متعددة ومتنوعة لأنه بنية لا يمكن ضبطها أو حصرها، ومعنى ذلك أنه لا يوجد شعب من دون سرد فهو كوني ويرتبط بثقافة معينة.

ويكشف "جيرار جينت" على كون الحكاية خطاب سردي، حيث يعدها جوهر السرد باعتبارها ثابتة وأساسية، فالسرد يقوم على حكاية خيالية أو واقعية أعيد إنتاجها بطابع خيالي أو واقعي في نموذج لفظي يندرج تحت أنواع أدبية، وقد صنّف "جيرار جينيت" دلالة كلمة حكاية في ثلاثة اتجاهات:

أ - إنها الخطاب الشفوي أو المكتوب الذي يضطلع برواية حدث أو سلسلة من الأحداث.

ب - تشير إلى سلسلة الأحداث الحقيقية أو التخيلية، بغض النظر على الوسيط اللساني.

ج - إنها تدل على حدث، إلا أنه ليس حدثا يروى؛ بل هو الحدث الذي يقوم على أن شخصا ما يروي شيئا، إنه فعل السرد متناول بوصفه غاية (21).

فالحكاية بمعناها الأخير تدل على الخطاب المنطوق به من الجهة التركيبية والدلالية، فهي تطلعنا على الأحداث التي ترويها عن طريق السرد الذي أنتجها، من خلال وسيط، هو الخطاب الذي يحمل علامات أو قرائن تدل على أسبقية العمل المروي على العمل السردي (22)، مما يجعل الحكاية لاحقة بالسرد، فالحكاية في تحققها الأول الشفهي أو حتى المكتوب تنتظم لتشكيل الأحداث، ويفرَّق فيها بين مستويين اثنين:

الأول: أنها متوالية من الأحداث المروية بما تتضمنه من استرجاع واستباق وحذف، واصطلح الشكلانيون الروس على هذا المستوى ب-: "المبنى".

أما الثاني: "الاحتمال" المنطقي لنظام الأحداث واصطلحوا عليه ب- "المتن"، فالمبنى يحيل على الانتظام الخطابي للأحداث في سياق البنية السردية. أما المتن فيحيل على المادة الخام التي تنظم جوهر الأحداث في سياقها التاريخي (23).

وفي السياق نفسه نجد " ت--وماشفسكي " يميز بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي فجعل الأول: مقترن بالحكاية والوقائع والأحداث كما يفترض وقوعها في الواقع، وجعل الثاني: هو التجلي الكتابي لعناصر المتن الحكائي، مما يجعله منتجا لغوياً صرفا ويمكنه ألا يكون لغويا فقط.

نستنتج من خلال رأي "ت--وماشفسكي" إذا أنه قد بيّن عن اختلاف بين المستويين؛ فالمتن الحكائي يخضع لمبدأ السببية والتعلق بينما المبنى الحكائي يتأسس لعالم متخيل حيث زمن الخطاب.

ويشير "تودوروف" إلى أن الحكاية تتكون من مجموعة من الأفعال القابلة للسرد من قبل مجموعة مختلفة ومتعددة من الرّواة، ومن ثم فهي غير ثابتة المعالم من حيث الأداء؛ إذْ إن كل راو يقدمها بحسب رؤيته الخاصة، ويتساءل "رولان بارت" عن وجود بنية الحكاية، وينتهي إلى أنها موجودة في المحكيات، ولكن ليس في كل المحكيات (24).

أمّا فيما يخص مستوى الحكاية فنجد وفق منظور" كلود ليفي شتراوس" أنه يعتمد فيه على تحديد بنية الحكاية، من خلال دراسته للأنساق الثقافية والبنية الاجتماعية، حيث يرى أن الأشكال الثقافية المحكومة بعلاقات التشابه في البُنى تفضي إلى نظام من المفاهيم والدلالات والتي تفسر حقيقة المجتمعات البشرية، أي فكرة ارتباط السرد بالحياة الاجتماعية وتعبيره عن مظاهر الواقع المادي والاجتماعي وارتباطه بأشكال ثقافية أخرى، والاهتداء إلى بناه السطحية والعميقة في إقامة عملية التواصل (25).

مفهوم السردية

يعرف الدكتور رشيد بن مالك السردية بقوله: "يطلق مصطلح السردية على تلك الخاصية التي تخص نموذجا من الخطابات ومن خلالها نميز بين الخطابات السردية والخطابات غير السردية" وقد لاحظ إميل بنفنيست استخدام هذا الطرح للتمييز بين الحكاية التاريخية والخطاب في معناه الضيق، معتمدا في ذلك على مقياس مقولة المتكلم، حيث يميز استخدام الغائب الحكاية والمتكلم الأنا الخطاب، ومفهوم الخطاب حسب بنفنيست هو كل تلفظ يتصور متكلما ومتلقيا، تكون فيه نية الأول التأثير على الثاني بطريقة ما، أما الحكاية (القصة) فهي ما جرى فعل الطرح الموضوعي التاريخي. فإذا كان الخطاب هو الكيفية التي يقدم بها السارد الأحداث، فإن تحليل الحكاية هو تحليل للمضمون، أما تحليل الخطاب فهو تحليل للشكل أي كيفية الأداء.

وقد أظهرت السرديات في مقاربتها المختلفة وجود تنظيمات مجردة وعميقة تحتوي على معنى ضمني منظم لإنتاج هذا النموذج من الخطابات. وعملت السردية بالتدريج كقاعدة لتنظيم كل خطاب سردي وغير سردي باعتباره يمثل امكانيتين إما أن يكون الخطاب تسلسلا منطقيا بسيطا للجمل وبالتالي فإن المعنى لا يكون إلا نتيجة لاطراد يتجاوز إطار اللسانيات والسيميائيات. وإما أن يكون الخطاب دالا وفعلا لغويا واعيا ومحتويا على تنظيمه الخاص.

ويعني السرد فعل الحكي المنتج للمحكي، او إذا شئنا التعميم، مصوغ الوضع الخيالي الذي يندرج فيه والذي ينتجه السارد.

مفهوم الأدب العجائبي

تعتبر الحكاية العجيبة بمثابة نوع سردي شعبي ، لا يكتمل إلا بتوافر مجموعة من الشروط التكوينية الأساسية ، إذ تهيمن عليها الظواهر الخارقة من سحر وجن وأفعال خارجة عن المنطق والمعقولية، ولا يخضع إلى سلطة المكان والزمان دون التركيز على المغزى الوعظي والأخلاقي المباشر، فهي تقدم عوالمها العجائبية كما لو كانت أمرا طبيعيا، كما يعد الأدب العجائبي فضاء حافلا بالمغامرات الخارقة والعجائب المبهرة التي تحمل القارئ إلى عوالم مثيرة، يمتزج فيها الواقع بالخيال والحلم بالوهم والحقيقة بالسحر، والتي تدفعه اٍلي تصور ما هو أبعد من الواقع وأغرب من الخيال، ليجد نفسه في عالم يلتقي فيه العجيب بالغريب، والملاحظ أن هناك عدة مصطلحات تستخدم كمرادف لمفهوم العجائبي من قبيل العجيب والغرائبي والخارق والخرافي، ولتحديد مصطلح العجائبي وضبطه ، رأينا أنه من الضروري أن نقف عند مفهومي العجيب والغريب، معتمدين في ذلك على تصور تزفيتان تود وروف من خلال كتابه "مدخل إلى الأدب العجائبي" الصادر سنة 1970، الذي كان يحاول من خلاله موقعة الأدب العجائبي بين الأجناس الأدبية (26)، والذي يرى على أن مفهوم العجائبي لا يعرف اٍلا من خلال مفهومي العجيب merveilleux والغريب étrange.

مفهوم العجيب في المعاجم العربية

إن مفهوم "العجب معناه اٍنكار ما يرد عليك لقلة اٍعتياده " (27).

والعجيب في هذا الطرح يعكس غموضا يستند على نقيض المألوف الذي تحدثه العادة، فقلة الاٍعتياد تخلق حالا من الالتباس والغموض القائمين على التردد والحيرة المولدين للدهشة. وقريب من هذا المفهوم ما يقوله "الزجاج:" أصل العجب في اللغة أن الاٍنسان اٍذا رأى ما ينكره قال عجبت من كذا...) (28). وتعريف الزجاج يشير اٍلي موقف المتلقي لهذه العجائب والذي يعبر عن اٍنكاره للشيء الخارج عن حدود الحقيقة والاعتيادي والمألوف، وكل ما هو متعارف عليه. ويذهب "اٍبن الأعرابي" في نفس السياق فيعرف العجب بأنه النظر اٍلى شيء غير مألوف ولا معتاد ويستشهد بقوله تعالي: "واٍن تعجب فعجب قولهم" وحسب هذا التعريف فاٍن خروج العجب عن المألوف يضع الاٍنسان وجها لوجه أمام المجهول. ويرى الرماني" أن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لا يعرف سببه (29) فمصدر العجب يأتي من اٍحساس الاٍنسان أن ما يحدث له الان لم يحدث له من قبل، ولا بد من الاٍشارة الي أن هذا الاٍعتقاد يفترض وجود تصورات عن العالم قد تكون خفية أو غيبية، ولكنها تؤثر في طريقة اٍدراكه لما يحيط به.

وزعم "الخليل" أن بين" العجيب" و"العجاب " فرقا فأما العجيب والعجب متله فالأمر يتعجب منه وأما العجاب فالذي يتجاوز حد العجيب والاٍستعجاب شدة التعجب والتعاجيب، العجائب لا واحد لها من لفظها، ويقال رجل يعجب بالكسر أي ذو أعاجيب وهي جمع أعجوبة (30).

واستكمالا للمعني اللغوي لكلمة العجب لابد من ذكر العلاقة بين هذه الكلمة والاٍستحسان يقال أعجبني هذا الشيء وأعجبت به، وهو شيء معجب اٍذا كان حسنا جدا.

وهكذا نجد أن مفهوم العجيب بالنسبة لأغلبية المعاجم العربية قد حصر في نطاق الاٍنفعالات النفسية للإنسان، فالعجب يتحدد انطلاقا من معرفة السبب، ولهذا قيل اٍذا عرف السبب بطل العجب. وأما بالنسبة للمعاجم غير العربية، فسنتطرق إلى هذا المفهوم من خلال بعض القواميس الأجنبية مكتفين في ذلك بثلاثة نماذج.

مفهوم العجيب في المعاجم الغربية

ورد في قاموس Le petit Larousse، أن " العجيب هو الذي يبعد عن ساحة المألوف والعادي للأشياء، والذي يظهر فوق الطبيعي"؛ أما بالنسبة لقاموس "le petit Robert، "فهو عالم ما فوق طبيعي" (31)؛ في حين نجد في القاموس الموسوعي أن "العجيب هو كل ما يبعد عن ساحة المألوف للأشياء... فالعجيب في هذه القواميس الأجنبية يكمن في الاشياء فوق الطبيعية والتي يصعب اٍيجاد تفسير لها في العالم المألوف اٍذا فهو كل شيء خارق للعادة والطبيعة.

مفهوم الغريب

"الغريب" في اللغة: الغامض من الكلام وأغرب الرجل، جاء بشيء غريب وأغرب له، وأغرب به صنع به قبيحا. وأغرب الرجل اٍن اٍشتد وجعه من مرض أو غيره واٍستغرب في الضحك واٍستغرب منه أكثر منه. (32). والغريب كما أورده القزويني كل أمر عجيب قليل الوقوع مفارق للعادات المعهودة، والمشاهدات المألوفة، وذلك اٍما بتأثير نفوس قوية أو أمور فلكية وكل ذلك بقدرة الله تعالي واٍرادته. (33) والغريب يكشف سيرورات مخالفة لمجريات الحياة المألوفة، وهو يعرض مقابلة بين ما هو غريب ومألوف، والشيء الغريب يأتي من منطقة خارج منطقة الألفة"

ومن هنا يتضح لنا أن كلا المفهومين يعبران عن حالة من التعجب والغرابة اٍزاء موقف أو حادثة يصعب اٍيجاد سبب لها في اٍطار ما هو واقعي ومألوف.

العجائبي عند تود وروف

يعتبر كتاب تود وروف Introduction à la littérature fantastique مدخل إلى الأدب العجائبي, المطبوع سنة 1970 من أبرز الأثار النقدية المنظرة لموضوع العجائبية ,والمحددة لأطره وضوابطه وجميع تفرعاته النظرية والتطبيقية, لكن وقبل تحديد هذا المفهوم ومحاولة ضبطه، لابد من الوقوف عند أصل الكلمة ,حيث نجد في قاموس اللغة الفرنسية أن كلمة العجائبية fantastique تعود الي المفردة اللاتينيةphantations المأخوذة بدورها عن الكلمة الاٍغريقية phantastikos والتي

تخص المخيلة وتعني في القرن السادس عشر كل ما هو شارد الذهن، خارق، ثم خيالي، وكذلك نجد أن العجائبية هي كل ما يقع خارج الواقع، ويتجاوز حدود المألوف، فالعجائبية في مفهومها العام تعني كسر حدود المنطق, وخرق الواقع وتحطيم الحواجز العقلية والمنطقية والاٍنتقال من منطقة الوعي اٍلا منطقة اللاوعي. وبالتالي فهي محاولة للتملص من الواقع ومعانقة كل ما يقع خارج حدوده والاٍبحار في الخيال واللاوعي، وقد نمت بوادر هذا الجنس في القرون الوسطى.

ويحدد تودوروف ثلاثة وضائف أساسية هي:

- الوظيفة التداولية: إذ إن فوق الطبيعي يثير مشاعر الخوف والرعب التي تبت في العقول القلق والتردد.

- الوظيفة الدلالية: حيث يتخذ الفوق الطبيعي تجليه الخاص.- الوظيفة التركيبية: تتجلى في قدرتها على تنظيم الحبكة وتطويرها من خلال عناصر الغرابة.

ومن أهم الأسباب التي تدفع المبدعين اٍلى استثمار العجائبي في نصوصهم التأليفية هو أن الخارق يشكل وسيلة ناجعة في تناول الأشياء الواقعية والتي لا يمكن تناولها بواقعيتها بل بوصفها كأشياء خارجة عن كل ما هو مألوف، لأن الخارق يسمح بتجاوز الحدود المغلقة واٍختراق الرقابة الذاتية وكل الطابوهات المحرمة، فيصبح العجائبي بذلك وسيلة لخوض الصراع ضد الرقابة بمختلف أشكالها سواء أكانت ذاتية أم اٍجتماعية.

مفهوم التأويل

المفهوم اللغوي للتأويل بين الهيرمينوطيقا والفهم

يحتل مفهوم التأويل موقعًا إشكاليًا في الحقل الفلسفي والسيميائي، إذ تتجاور معه مصطلحات أخرى مثل الفهم والشرح والتفكير والترجمة. غير أن هذا التجاور لم يكن دائمًا وديًا؛ بل كثيرًا ما صاحبه نوع من التداخل والالتباس، بل وحتى التناقض. ويرجع ذلك إلى الحمولة الدلالية التي يمنحها كل فيلسوف لهذه المصطلحات، وإلى إشكالات الترجمة التي تؤدي أحيانًا إلى إفقادها وضوحها، خصوصًا عند انتقالها من اليونانية أو الألمانية إلى اللغات الحديثة.

أما مصطلح الهيرمينوطيقا، فقد أثار نقاشًا واسعًا في الفكر العربي المعاصر. فهناك من يعترض على نقله كما هو بدعوى صعوبة نطقه أو غربته عن الذائقة اللغوية العربية، وهناك من يرى أنّ الاحتفاظ بصيغته الأصلية أقرب إلى روحه الدلالية. ويرجع أصل الكلمة إلى الفعل اليوناني hermeneuein (يفسّر)، ومنها اشتقت كلمة hermeneia (التأويل-التفسير). كما ارتبطت بالإله هرمس، وسيط الآلهة والمكلف بترجمة رسائلها إلى البشر. وبذلك حملت الهيرمينوطيقا منذ بداياتها معنى الوساطة بين الغامض والواضح، وبين ما هو خارج الفهم وما يمكن إدراكه.

في العصر الكلاسيكي، ارتبط التأويل بالجهود الرامية إلى شرح الملاحم الهوميرية، بعد أن أصبحت لغتها عصية على الفهم المباشر. وفي القرن الثاني الميلادي، كما يشير أومبرتو إيكو، سادت النزعة الهرمسية في سياق التعدد الثقافي للإمبراطورية الرومانية، مما أضفى على التأويل بعدًا أنطولوجيًا وثقافيًا يتجاوز مجرد الفهم اللغوي (34).

مع العصر الحديث، تبلور التأويل في إطار النقاشات الدينية حول قراءة النصوص المقدسة. فالإصلاح الديني حرر القراءة من سلطة الكنيسة، وفتح الباب أمام قضايا هيرمينوطيقية كبرى مثل تثبيت النصوص الإنجيلية، وبناء العقائد على خلفية فلسفية إغريقية. وقد سيطر في البداية الاتجاه السيكولوجي الذي ظهر مع شلايرماخر ودلتاي، حيث عُومل النص بوصفه مرآة لمقاصد المؤلف وتجربته الذاتية. غير أن هانز غيورغ غادامير أحدث تحولًا نوعيًا عندما دعا إلى فصل النص عن ذهنية المؤلف وروح عصره، مركّزًا على عملية الفهم ذاتها بوصفها حدثًا تاريخيًا يتجدد باستمرار (35) .

أما بول ريكور فقد أقام جسرا بين الهرمسية ذات النزعة الدينية واللسانيات والفينومينولوجيا من جهة، والسيميائيات الحديثة من جهة أخرى. وقد رأى أنّ التأويل ليس مجرد تفسير لغوي، بل هو اشتغال الفهم على الرموز لفك عتمة الوجود. لذلك ميّز بين التفسير الذي يعيد المعنى الظاهر إلى أصله الباطني، والتأويل الذي يتجاوز ذلك نحو الإمساك بالكائن ذاته عبر وساطة الرموز والعلامات. وهكذا يصبح التأويل وساطة وجودية تمكّن الذات من فهم ذاتها عبر النصوص التي تنتجها.

التأويل كمهوم فلسفي وسيميائي

يمثل التأويل أحد الركائز الأساسية لفهم النصوص الأدبية والسردية، فهو العملية التي تكشف عن البنية العميقة للمعنى، متجاوزًا الحرفية الظاهرية للملفوظات النصية. فالتأويل لا يقتصر على مجرد تفسير النص وفق معناه المباشر، بل يتعداه إلى تأويل رمزي وثقافي وفلسفي يربط بين النص والقارئ والسياق الاجتماعي والثقافي الذي أنتج النص نفسه. وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار التأويل أداة لفهم التجربة الإنسانية بأبعادها الرمزية والفكرية، كما يتيح إدراك الدور الإبداعي للغة في تشكيل العالم الرمزي للإنسان.

وقد تطور مفهوم التأويل عبر الفكر الغربي والعربي، حيث تناول كبار المفكرين الغربيين أمثال أمبرتو إيكو ورولان بارت وميشيل فوكو وجوليا كريستيفا وفولفغانغ إيزر وبول ريكور وإرنيست كاسيرير وغيرهم هذا المفهوم من زوايا متعددة، مؤكدين على أنه ليس مجرد نشاط معرفي أو لغوي، بل ممارسة فلسفية وثقافية، تجمع بين التحليل السيميائي وقراءة الخطاب، وفهم البنية الرمزية للنصوص. كما تطور التأويل في الدراسات العربية على يد مفكرين عرب مثل محمد مفتاح وطه عبد الرحمن وغيرهم الذين أضفوا بعدًا معرفيًا وقيميا مرتبطًا بالثقافة العربية والذاكرة الجماعية.

فالتأويل إذن يمثل من هذه الزاوية، جسرًا بين النص والقارئ والثقافة والوجود الإنساني، ويعتبر أداة مركزية في تحليل الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي، إذ يسمح بفهم المعنى الرمزي والوظائف العميقة للنصوص، ويكشف عن قدرة الإنسان على التعامل مع الرموز واستكشاف المعاني الممكنة في سياقها الثقافي والفلسفي.

أولا- التأويل عند كبار المفكرين الغربيين:

يمكن فهم التأويل عند المفكرين الغربيين كإطار شامل يجمع بين اللغة، النص، الثقافة، والسلطة.

أ- أمبرتو إيكو: تعددية المعنى والنص المنظم

يرى أمبرتو إيكو أن التأويل نشاط يتيح تعددية المعاني، لكنه نشاط مقيد بالقوانين الداخلية للنص، بحيث يحافظ على التماسك السردي والدلالي، ويمنع الانزلاق نحو التأويل الفوضوي. فالتأويل عند إيكو ليس حرية مطلقة للقارئ، بل هو نشاط منظم يسمح بالتحرك ضمن فضاء النص وتوظيف المعجم والموسوعة الثقافية لفهم أبعاد المعنى العميق. ففي تحليل رواية اسم الوردة، استخدم إيكو التأويل المنظم لكشف المعاني المتعددة ضمن النص، مع الالتزام بالقوانين الداخلية للنص. وقد أتاح هذا التحليل للقراء فهم الطبقات الرمزية والدلالية للنص دون الانزلاق نحو عشوائية المعنى، مستفيدًا من الموسوعة الثقافية والسياق التاريخي للرواية(36)

ب - ميشيل فوكو: التأويل والسلطة والمعرفة

أما ميشيل فوكو، فقد ربط التأويل بمفهوم السلطة والمعرفة، حيث أن المعنى النصي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية، أي أن التأويل ليس نشاطًا محايدًا، بل ممارسة معرفية وسياسية تعكس السياقات السوسيو ثقافية. ففي دراسة Madness and Civilization، يوضح فوكو أن المعنى النصي والسردي يتشكل ضمن إطار السلطة الثقافية والاجتماعية. فالتحليل التأويلي هنا

يكشف كيف يمكن للخطاب الأدبي والطبي والتاريخي أن يعكس علاقات القوة والمعرفة في المجتمع(37)

ج. جوليا كريستيفا: التناص وعلاقات النصوص

من جانبها، ركزت جوليا كريستيفا على مبدأ التناص، معتبرة أن كل نص هو شبكة نصوص، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، مما يوسع أفق القراءة من النص المفرد إلى فضاء النصوص الأخرى، ويكشف عن الإمكانيات السيميائية الضمنية للنص.

وتبين قراءة الحكايات الشعبية الأوروبية أن كل نص هو شبكة من النصوص الأخرى، والتأويل يتم عبر كشف العلاقات التفاعلية بين النصوص المختلفة، ما يسمح بفهم أبعاد السرد العجائبي وإمكانياته الرمزية والثقافية(38)

رولان بارت وموت المؤلف

بينما أشار رولان بارت إلى أن النص مساحة متعددة الأصوات، وأن التأويل يتيح تفكيك البنية السيميائية للنصوص وكشف تعددية المعنى، مستفيدًا من مفهوم موت المؤلف، الذي ينقل سلطة إنتاج المعنى من المؤلف إلى القارئ، مما يجعل النص مجالًا ديناميكيًا للتأويل المستمر.

إن رولان بارث عندما يرى أن القراءة والنقد هي لعبة المرايا اللامتناهية ، فذلك لأن الأثر آلمقروء يوحي بقراء ات متعددة (39) كما أن النص مجال منهجي لا يعرف النهايات ولا تحده التقسيمات ، ولا يخضع لسلطة التسلسلات الهرمية، فهو استشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المعاني والدلالات والتأويلات ، لأنه بناء بلا إطار ، يتميز بالحرية والفاعلية المستمرة. ويطوي على تعددية المعنى الذي لا يمكن أن تقتنصه شبكة التفسيرات لأن له طبيعة انفجارية ، كما أنه يتفاعل مع غيره من النصوص وينتهي إلى مجال تناصي ولكنه يطيح في تفس الوقت بخرافة الأصول والمصادر ، ولا يعترف بمفهوم الأبوة لأن مفهوم التناص يقضي عليه.

د- فولفغانغ إيزر: التلقي وملء الفراغات

وقدم فولفغانغ إيزر مفهوم نظرية التلقي، معتبرًا التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (Gaps)التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا.

اعتبر إيزر التأويل عملية يقوم بها القارئ لملء الفراغات (gaps) التي يتركها النص، فالمعنى لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين النص والقارئ، ما يجعل التأويل نشاطًا تفاعليًا وديناميكيًا(40)

هـ - بول ريكور وإرنيست كاسيرير: السرد والرمز

ويكمل بول ريكور هذه الرؤية، حيث يرى أن التأويل عملية لإعادة بناء المعنى الإنساني من خلال السرد والرمز واللغة، ما يسمح بفهم التجربة الثقافية والوجودية للإنسان. بينما يؤكد إرنيست كاسيرير أن الإنسان حيوان رامز وأن التأويل أداة لفهم العالم الرمزي الذي يخلقه الإنسان، سواء في الفن أو الأسطورة أو الدين، وأن هذا العالم الرمزي هو المفتاح لفهم التجربة الإنسانية. (41)

ثانيا- التأويل في الدراسات العربية:

في السياق العربي، تبنى المفكرون نهجًا متوازيًا، لكنه ملتزم بالسياقات الثقافية واللغوية العربية.

أ- محمد مفتاح: التأويل والنص العربي

اعتمد محمد مفتاح على التأويل كآلية لتفجير طاقات النصوص وربطها بالثقافة المحلية والذاكرة الجماعية، مما يسمح بتعدد القراءات واكتشاف البنية العميقة للنصوص الشعبية وتتيح توظيفها في السياق المعرفي والثقافي. (42)

ب- نصر حامد أبو زيد: البعد العقلاني والتاريخي

ركز أبو زيد على التأويل كأداة عقلية وثقافية لفهم النصوص، خصوصًا الدينية، متجاوزًا المقاربة الحرفية، معتبرًا أن التأويل يتيح إعادة إنتاج المعنى ضمن أفق تاريخي ومعرفي متجدد(43)

ج- طه عبد الرحمن: التأويل الفلسفي والقيمي

منح طه عبد الرحمن التأويل بعدًا فلسفيًا وأخلاقيًا، معتبرًا أن التأويل عملية تعكس العلاقة بين الإنسان والقيم الإنسانية، فهو ليس مجرد نشاط معرفي، بل ممارسة قيمية وثقافية لفهم العالم والنصوص(44)

ثالثا- الخصائص المشتركة لمفهوم التأويل

تعددية المعاني: التأويل يتيح استخراج أكثر من معنى من النص الواحد، دون دون الوقوع في القراءات المغرضة والتأويلات الاعتباطية

المرجعية الثقافية: المعنى يتشكل من التفاعل بين النص وسياق القارئ الثقافي والمعرفي.

الوظيفة الرمزية: التأويل يكشف البنية الرمزية للنصوص ويتيح فهم دلالاتها العميقة.

البعد الفلسفي: التأويل يجمع بين اللغة والنص والوجود الإنساني، ما يتيح رؤية النص كفضاء ثقافي وفلسفي متكامل.

استنتاج

يتضح من هذا العرض أن التأويل يشكل ركيزة أساسية لفهم الخطاب السردي والحكاية والأدب العجائبي. فهو ليس مجرد نشاط لغوي أو معرفي، بل ممارسة ثقافية وفلسفية وسيميائية، تجمع بين النص والقارئ والثقافة، وتسمح بفهم الرموز وإعادة بناء المعنى واستكشاف العمق الإنساني للنصوص. كما أن التأويل يمثل جسرًا بين التراث الغربي والعربي، إذ يستفيد من التجارب الفكرية لكبار المفكرين الغربيين ويستثمر المعرفة والثقافة العربية لإثراء فهم النصوص وتحليلها سيميائيًا وتأويليا.

يمكن القول إن الحالات التطبيقية التي تناولناها عند كل من إيكو وفوكو وكريستيفا ومفتاح وطه عبد الرحمن تؤكد أن التأويل ليس نشاطًا انفراديًا أو عشوائيًا، بل ممارسة منظمة وثقافية وفلسفية، ترتكز على فهم البنية الرمزية للنصوص وعلاقتها بالثقافة والسياق التاريخي، وتكشف عن قدرة الإنسان على الإبداع في قراءة العالم والنصوص، وهو ما يعزز أهمية التأويل كأداة حيوية في الدراسات السردية والأدب العجائبي والتحليل المتقدم للخطاب.

الدلالة التأويلية والخطاب السردي

الدلالة التأويلية وتحليل الخطاب السردي

الدلالة التأويلية إطار نظري واسع لا يتنكر للاجتهادات السابقة. لأنه عمل على تطويرها اعتمادا على آلية تركيبية تستحضر التأويل الذي غيب في الدراسات الأخرى. لكن كيف تتم عملية تأويل النص السردي دون السقوط في القراءة المغرضة؟

وصفت بعض القراءات السابقة بالقراءات الإسقاطية، وهي تهمة وجهت للمنهجين الاجتماعي والنفسي. لكن نظريات أخرى وصفت بالتفكيكية (التأويل المفرط) لأن أصحابها اعتمدوا تأويلات مفرطة تجعل القارئ موجها للمعنى وفق ما يريد. هكذا في مقابل البنيوية التي تعاملت مع الخطاب السردي باعتباره كيانا مغلقا؛ وجعلت دراسته وصفية؛ وفي مقابل الدلالة البنيوية التي بحثت في شكل المعنى أكثر مما بحثت في المعنى ذاته. نجد الدلالة التأويلية التي ستعتبر الخطاب السردي ملتقى لخطابات متعددة، تتداخل فيها التجربة الذاتية باللغة (المعجم) بالسياقات الثقافية وغير الثقافية (الموسوعة). فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا من حقائق الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة، "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(45)، وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(46).

وبذلك يكون التأويل "تجاوزا للنفعي في الحياة في اتجاه إنتاج ممارسات لا تدرك إلا من خلال استحضار الأشكال الرمزية والثقافية"(47)، وبذلك يمكن القول إن السيميائيات في أبعادها الثقافية، يمكن أن ينظر إليها بوصفها عملية التحرر التدريجي للذات الإنسانية، " واللغة والأسطورة والدين والفن والعلم هي اللحظات المختلفة لهذه العملية. وفي كل لحظة من هذه اللحظات يكتشف الإنسان سلطة جديدة ويبرهن عليها، إنها سلطة بناء عالمه الخاص"(48). على حد تعبير إرنيست كاسيرير.

لقد كان أمبرتو إيكو صاحب فكرة مؤداها أن السيميائيات شكل من أشكال التحليل الاجتماعي، إذ تلعب دورا في تغيير المجتمع، وهي فكرة شرحها شرحا ولفيا في كتابه: "النظرية السيميائية". ففي مقدمة الكتاب يبادر بشرح مقصده بقوله: "هدفنا في هذا الكتاب أن نستكشف الإمكانيات النظرية وكذلك الوظيفة الاجتماعية لمقاربة موحدة تتصدى لكل ظاهرة من ظواهر الدلالة و/أو التواصل"(49).

وقريبا من نهاية الكتاب يقول: "إن السيميائيات أيضا تعد شكلا من أشكال النقد الاجتماعي ومن ثم فهي واحدة من أشكال الممارسات الاجتماعية المتعددة"(50). وبعبارة أخرى، تعد السيميائيات ضربا من فهم الثقافة بعد أن أصبحت بفضل إمكانياتها التحليلية، منهجا نقديا كاشفا، وأن الثقافة كلها يجب أن ندرسها بوصفها ظاهرة تواصلية تقوم على أنساق دلالية هدفها إنتاج المعنى.

سيقود السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو والفرنسي راسيي هذا الاتجاه حيث قدموا الشروط الأساسية لإنجاز قراءة دلالية تأويلية للخطابات عموما وللخطاب السردي خصوصا. إذ حددوا شروط التأويل وقيدوه بقوانين ومواضعات تحضر فيها اللغة إلى جانب المكونات الأخرى.

فكيف يتحقق ذلك؟ وما المفاهيم الأساسية التي تسمح بقراءة دلالية تأويلية للنص؟

- المفهوم الأول: المتن الحكائي والمحور النصي: يقول أمبرتو إيكو "إن المتن الحكائي هو خطاطة السرد الأساسية، ومنطلق الأفعال، وتركيب الشخصيات ومسار الأحداث حسب ترتيبها الزمني. ويمكن للمتن الحكائي ألا يكون متتالية من الأفعال الإنسانية وأن يتناول سلسلة من الأحداث المتعلقة بأشياء جامدة أو بأفكار".

لنلاحظ أن مفاهيم البنيوية، ومفاهيم الدلالة البنيوية حاضرة في هذه القولة مما يعني أن الدلالة التأويلية لم تخلق القطيعة المطلقة مع الاتجاهات السابقة لكنها استثمرتها بطريقة أخرى.

- المفهوم الثاني: المبنى الحكائي: "إنه الحكاية كما هي مروية، وكما تظهر على مستوى السطح بتفاوتاتها الزمنية ورتباتها إلى الأمام وإلى الخلف".

لنلاحظ حضور المفاهيم الشكلانية والبنيوية؛ لكن ما الذي أضافته الدلالة التأويلية ولماذا سميت تأويلية؟ وكيف نقلت التأويل من مجال الإسقاط الذاتي إلى التأويل المقنن أو التأويل المحلي كما أسمته؟

لفهم ذلك نبرز الكيفية التي تشتغل بها هذه المدرسة أثناء تعاملها مع الخطاب الحكائي.

- المرحلة الأولى في هذا التعامل تنطلق من التأويل المبني على المعنى الحرفي؛ أي على الملفوظات السردية ذاتها. وهو ما يمكن تسميته البنية السطحية للخطاب الحكائي، وهنا يوظف "المعجم" . بمعنى أن التفسير في هذه الحالة يكون مقترنا بالمعنى المباشر للملفوظ اللغوي. فإذا قلنا (أبو موسى) فإننا سنتحدث عن مقوماته المعجمية "رجل". التي تعني رجلا مع ما لكلمة رجل من مقومات.

- المرحلة الثانية: تأويلية لكن هذا التأويل ينبغي أن يكون موجها بالمحور النصي للحكاية، أي إن الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المؤول ينبغي أن يكون من داخل الحكاية ذاتها. فعندما نقول "جارات أبي موسى" فإننا قد نحدد المحور النصي في الكرامة أي التي تظهر بزوال غمة الجفاف.

هذا المحور النصي الذي يكاد يماثل مفهوم البنية العامة للسرد هو الذي يوجه التأويل؛ معنى ذلك أن القارئ ليس حرا بشكل مطلق في أن يؤول كما يحلو له، لذلك يقيد تأويله بشروط هي:

شرط التقيد بالمحور النصي، أي التقيد بالمعنى العام الذي تقدمه الحكاية.

الاشتغال بالمعجم في مرحلة أولى أي الاشتغال بالدلالات المباشرة أو لنقل الحرفية.

ج- الاشتغال بالموسوعة فما المقصود بها؟

"  الذاكرة الجماعية المتضمنة لمجموع المعطيات الثقافية المنتشرة في سياق سوسيوثقافي، فكلمة البدر مثلا تأخذ في الموسوعة العربية دلالات قد تختلف عما يمكن أن نجده في سياقات ثقافية أخرى. هكذا تكون الموسوعة آلية إجرائية تخرج الدلالة من معناها السطحي إلى معناها العميق، لكن مشكلا آخر يبرز وهو: يقود مفهوم الموسوعة إلى الوصول إلى دلالات لامتناهية يسميها أصحاب هذا الاتجاه "السيرورات التأويلية"؛ وبما أن التأويل ينبغي أن يصل إلى دلالة محددة. فإن مفاهيم أخرى تبرز لحل الإشكال وهي:

المؤولة: "كل علامة أو سلسلة علامات مختلفة تتولد عن العلامة الأولى والتي يمكن أن تولد بدورها علامة أخرى"؛ مثلا، إذا أخذنا علامة رواية فإن مؤولاتها قد تكون "إبداع"؛ "أدب" ويمكن لإبداع أن تؤول إلى حكي أو تجمل أو تشكيل، ويمكن لتشكيل أن تؤول إلى علامات أخرى. معنى ذلك أننا نسير في اتجاه تأويلات لانهائية لكن من الضروري أن نصل إلى مؤولة نهائية وهذه المؤولة هي التي يقف عندها التأويل.

مثلا: إذا أخذنا رواية "جارات أبي موسى" فإن المؤول النهائي قد تكون الكرامات الصوفية، وانطلاقا من هذه المؤولة نستطيع قراءة الحكاية. وسيمكن ذلك من استحضار الموسوعة التي ستسمح باستحضار المعطيات التداولية التي تعني السياق الخارجي.

إن الإنسان لا يعيش في عالم مادي خالص، بل في عالم رمزي. واللغة والأسطورة والفن والدين هي عناصر من هذا العالم. " فالعالم العملي للإنسان ليس عالم وقائع وأحداث خام حيث يعيش وفق رغباته وحاجاته المباشرة، بل إنه يعيش أهواءه وأحلامه، وسط الانفعالات الخيالية، إنه يعيشها في الأمل والرهبة والأوهام والحقائق"(51) .هذا الكون الرمزي هو ما يجعل الإنسان يبتعد عن المواجهة المباشرة للعالم المادي، حيث يتعذر إدراكه إلا عبر وساطة الرموز. ومادامت عمليات الإدراك لا تتم بطريقة مباشرة، وإنما بأشكال تأويلية ورمزية، فإن التأويل سوف يستند إلى سنن ثقافية مشتركة تم إنتاجها انطلاقا من أشكال رمزية تختزنها الذاكرة الجماعية بوصفها " تسنينا، وتكثيفا لمجموعة من الممارسات الإنسانية الدالة"(52).

إن الدلالة الرمزية إذن هي دلالة مركبة، بحيث لا ندرك منها سوى الدلالة الثانوية عن طريق الدلالة الحرفية أو الدلالة الأولية؛ لذلك تكون الدلالة الثانوية الوسيلة الوحيدة للاقتراب من المعنى المتعدد. إن الرمز من هذه الزاوية يظهر قصدية مزدوجة؛ قصدية حرفية يتم بموجبها تحديد معنى العلامة كما هو متعارف عليه في أبعاده المباشرة، ولكن انطلاقا من هذه القصدية الأولى يمكن التطلع إلى قصدية ثانوية؛ " وهكذا ففي مقابل العلاقات التقنية، الشفافة كليا، والتي لا تقول إلا ما ترغب في قوله، فإن العلامات الرمزية تكون كثيفة، هذه الكثافة هي التي تشكل العمق الذاتي للرمز"(53).

فالرمز هو الذي يسهم في تحريك المعنى الأول ويجعلنا ننخرط في صلب المعنى الكامن. وهو يقوم على بنية دلالية محددة، هي بنية التعابير ذات المعنى المزدوج على حد تعبير بول ريكور.

فكلما ابتعدنا عن حالات التعيين والوصف وكل ما يدور في فلك المعاني الظاهرة، إلى نظام الفكر والثقافة والرمز كلما اقتربنا أكثر من جوهر الوجود الإنساني. فعبر الأشكال الرمزية تستطيع الذات الإنسانية الإمساك بكل الممكنات في أبعادها الواقعية أو المتخيلة؛ "ولأن الفكر الإنساني فكر رمزي، فله القدرة على إجراء تمييز بين الواقعي والممكن"(54).

بناء على ذلك، فحاجة الإنسان إلى السيميائيات والتأويل السيميائي عامة، "تبقى ضرورية بوصف السيميائيات فعالية دلالية ونشاطا معرفيا وفلسفيا لفهم الحياة واستعادة لمناطق أكثر غورا داخل الذات الإنسانية" (55).

والتأويل السيميائي للنص ينشأ أصلا من:

المؤلف إذا ما تم إليه بوصفه أصلا للمعنى النصي، وبحسب نزوعه الإبداعي.

النص بحسب أدواته (مجازات ورموز وأساطير وأقنعة...) أي النص إذا ما تم النظر إليه بوصفه بناء رمزيا.

المتلقي ومرجعياته الثقافية سواء كانت فنية أو جمالية أو إيديولوجية وممارسته التأويلية إذا ما تم النظر إليه كطرف حاضر في بناء المعنى النصي.

وهي تغدو مسألة شاملة حينما يتعلق الأمر بنظرة فلسفية، تجعل التأويل مسألة، يمكن من خلالها تحديد علاقة الكائن بكينونته (56).

التأويل بين بيرس ودريدا

ركز جاك دريدا في أعماله على دراسة السلطة التي تمنح شرعية لمحاولات ضبط حدود السيميوزيس، أي اللعب اللامتناهي للعلامات، والانحراف المستمر في التأويل (57)، مع التركيز على ما يمكن تسميته بالنموذج اللولبي للتأويل. ومن هذا المنطلق، يرى دريدا أن كل محاولة للتأويل تنطوي على مفارقة جوهرية: فهي تسعى لتحديد معنى، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن لامحدودية الإحالات بين العلامات.

على الجانب الآخر، ذهب تشارلز ساندرز بيرس إلى تطوير نظرية يُطلق عليها تفكيك المدلول، حيث يسعى المدلول في لحظة ما لوضع حد نهائي للإحالة من علامة إلى أخرى، متجسدًا في نوع من التمركز الذاتي وميتافيزيقا الحضور. (58) ومع ذلك، يرى بيرس أن لامحدودية الإحالة ليست ثغرة، بل هي مؤشر على وجود نسق متكامل من العلامات. فالعلامة نفسها، بما هي شيء يحدد شيئًا آخر، تفتح المجال لإطلاق الدلالة، لكنها بنفس الوقت تجعل توقفها أمرًا مستحيلًا.

ويتمثل جوهر هذه النظرية في أنّ المثال أو الشيء الممثل (methol) يمتلك خاصية مزدوجة: فهو في الوقت ذاته ذاته وشيء آخر، مما يجعله بنية للإحالة قادرة على الانفصال عن نفسها، وفي نفس الوقت لا وجود له في ذاته، أي أنه قريب من ذاته المطلقة دون أن يكونها فعليًا. ومن ثم، فإن العلامات لا تتحقق إلا عبر وجود المعنى، إذ أنّ الفعل التأويلي يخلق دائرة متجددة من العلامات والمؤولات التي تعيد إحالة المعنى بلا نهاية. (59)

تتلاقى أفكار بيرس مع تطلعات دريدا التأويلية المتقدمة نسبيًا، حيث يرى الأخير أن لا شيء خارج النص، مما يعزز مفهوم السيميوزيس اللامتناهية. فالعلامة، حسب بيرس، تشير إلى موضوع ما، بينما يقوم المؤول بإحالة هذا الموضوع بدوره، وهكذا تتسلسل المؤولات بلا نهاية، لتصبح العلامة في حالة مستمرة من التأويل والتجاوز، بما يتفق مع نموذج التأويل اللولبي.

وفي هذا السياق، أقر دريدا بوجود معايير نقدية للتحقق من صحة تأويل النص، إذ أن كل أعماله تذكّر القارئ بأهمية أدوات النقد التقليدي كضابط للتأويل، لكنها في الوقت نفسه لا تحد من الانفتاح على قراءة جديدة. فهذه الأدوات تعمل كوسيلة وقائية تمنع الانحراف، لكنها لا تشكل عائقًا أمام الإبداع التأويلي، مما يعكس التوتر الدائم بين القيود النقدية والانفتاح على لامحدودية المعنى.

إيكو ونظرية الإنتاج الدلالي

تستند نظرية الإنتاج الدلالي عند أومبرتو إيكو إلى نقد الثلاثية البيرسية: الأيقونة والمؤشروالرمز، مع تركيز خاص على نقد الاستعمال الشائع للأيقونات، وذلك بهدف الوصول إلى صياغة دقيقة للدلالة وفق قواعد نظرية محددة وضعها الباحث لوي يالمسليف (60) ويُستثمر هذا النموذج في توجيه تنميط ضروب الإنتاج والتأويل، بما يتيح تحليل السلاسل التعبيرية للعلامات والعلاقات الدلالية بينها.

تتحقق الوظيفة الدلالية عندما يظهر المثير على صعيد التعبير، ويكون الاستجابة المتوقعة متحققة على صعيد المحتوى. ويشير إيكو إلى أنّ استعمال الخطاب للمثيرات المبرمجة يهدف غالبًا إلى استمالة المخاطب، كما أنّ وضع هذه المثيرات بين النسخة والاختراع، واقترابها من الحيل والصنعة السيميائية، يضعها عند عتبة سيميائية متشابكة (61). وعلى الرغم من إمكانية تحليل السلاسل التعبيرية إلى وحدات مميزة، يبقى المحتوى المقابل غالبًا خطابيًا يصعب اختزاله في علامات محددة.

يرى إيكو أن مادة المحتوى والوظيفة السيميائية تشكلان نسبة متفقًا عليها عرفيًا بين عنصر التعبير وصورة المحتوى، مما يجعل الكون السيميائي مؤلفًا من الوظائف السيميائية وليس مجرد دلائل منفصلة. ومن ثم، يصبح التأويل أداة أساسية، إذ يتيح استنطاق كل دليل ضمن دائرة تدلالية كاملة، لا يقتصر على الاستبدال بين الدلائل بل يشمل إمكانية توسيع الفهم عبر استنفاد العلاقات التأويلية بين العناصر المختلفة (62)

وتسعى ضروب الإنتاج، كما يصفها إيكو، إلى تحديد أنماط الجهات الإنتاجية للدلائل، حيث لا تحيل مقولات مثل النسخة والإظهار إلى دلائل خاصة بحد ذاتها، بل إلى سيرورات تكوينية تُظهر الظواهر التأويلية في أنساق متعددة، سواء أكانت لسانية أو غير لسانية. وبذلك تصبح هذه المقولات مستقلة وسيميائية، محددة لظواهر إنتاج المعنى داخل النصوص والممارسات الثقافية المختلفة، ومؤهلة للتحليل التأويلي الدقيق.

المفاهيم الإجرائية لسيمياء التأويل

الموسوعة والمعجم

يُعَدّ مفهوما الموسوعة والمعجم من الركائز المركزية في نظرية التأويل عند أمبرتو إيكو، إذ يمثلان نموذجين متقابلين في مقاربة العلاقة بين اللغة والمعرفة. فإذا كان المعجم ينحصر في كونه جهازًا دلاليًا يحصر المعنى في بعده اللغوي الصرف، فإن الموسوعة تتجاوز هذا الحصر لتُدرج المعرفة بالعالم، بما تحمله من سياقات اجتماعية وثقافية وتاريخية، ضمن سيرورة إنتاج المعنى. ومن هنا، يغدو التأويل فعلًا يتجاوز حدود البنية اللغوية إلى فضاء أوسع يستدعي المخزون الجماعي من المعارف والتجارب.

يرى إيكو أن المعجم، رغم طابعه التحليلي، عاجز عن التمييز الصارم بين ما هو لساني صرف وبين ما هو معرفي وثقافي. فالسمات الدلالية التي ينهض عليها المعجم ينبغي أن تكون أولية وغير قابلة للتجزئة، أي بمثابة كليات دلالية يدركها القارئ عن طريق الحدس أو التسليم. لكن هذا التصور يظل محدودًا أمام طبيعة التواصل الإنساني المعقّد، وهو ما دفع إيكو إلى إعادة النظر في مفهوم "الشفرة" التقليدي، الذي طالما اختُزل في مقابلة ميكانيكية بين علامة وأخرى، ليطرح بديلًا أكثر ثراءً يتمثل في مفهوم الموسوعة.

الموسوعة عند إيكو ليست مجرد مخزون معلوماتي، بل ذاكرة جماعية تختزن مجموع التمثلات والمعارف التي تراكمت داخل ثقافة معينة. لذلك فإن عملية التأويل، في جوهرها، ليست سوى استدعاء انتقائي لهذه الموسوعة في ضوء السياق النصي. إن القارئ، في لحظة تلقيه، لا يواجه النص فارغ الذهن، بل يستند إلى شبكة من القراءات السابقة والخبرات المعرفية التي تؤطّر فهمه للنصوص الجديدة. وهنا يلتقي إيكو مع تصورات باحثين آخرين مثل بول وبروان في مفهوم المعرفة الخلفية (Background Knowledge)، وكذا مع إيزر في تصوره ل- السجل الضمني الذي يفترضه النص ويُفعّله القارئ خلال الفعل التأويلي (63).

ولتقريب الفكرة، يقدّم إيكو مثال "القطار": حين يسمع الفرد هذه الكلمة، قد يستحضر تجربة شخصية كالسفر مع جدته، غير أن ذلك لا يدخل في التعريف الموسوعي. أما ما يدخل فهو المعطيات المتفق عليها ثقافيًا: أن القطار وسيلة نقل للأشخاص والبضائع، أنه يسير على عجلات، اخترع في القرن التاسع عشر، وأن بداياته ارتبطت بالطاقة البخارية. هذه المعرفة الموسوعية، على سعتها، لا يستحضر منها القارئ إلا ما يفرضه سياق النص الذي يرد فيه ذكر القطار.

النص الأدبي، وفقًا لهذا التصور، ليس سوى توسيع لجزء من الموسوعة، يفعّل القارئ إمكانياته التأويلية لاستكشافه. وقد استعان إيكو في ترسيخ هذا النموذج بمفاهيم من علوم معرفية حديثة مثل الذكاء الاصطناعي وعلم النفس الإدراكي، نظرًا لتقاطعها مع آليات اشتغال الموسوعة باعتبارها جهازًا ديناميًا مفتوحًا على التطور المستمر (64)

إن ما يميز تصور إيكو هو إدراكه للطابع التفاعلي للمفاهيم: فالمعجم والموسوعة والشفرة والمعرفة الخلفية ليست كيانات متمايزة تمامًا، بل مصطلحات تتقاطع وتتداخل، وقد تُستعمل أحيانًا بشكل تبادلي. ومع تراكم البحوث في مجال السيميائيات، تضاءلت الفوارق بينها لتغدو تسميات متعددة لمسعى واحد: الكشف عن الكيفية التي يُنتَج بها المعنى داخل النصوص، في تفاعل دائم بين اللغة والثقافة والتاريخ.

المقصدية كآلية سيميائية وتأويلية

تُعَدّ المقصدية إحدى الركائز المركزية في التمييز بين لغة الإنسان وأنماط التواصل الأخرى، إذ يرى معظم الباحثين أن ما يمنح اللغة الإنسانية خصوصيتها هو كونها فعلًا قصديًا يتأسس على إرادة التواصل وإنتاج الدلالة. غير أنّ هذا المفهوم لم يُتناول بالمعنى ذاته لدى الجميع؛ فقد اختصر رولان بارت المقصدية فيما يرد صراحة أو ضمنًا داخل النص، بينما نظر إليها غريماس باعتبارها نزوعًا سابقًا يوجّه عملية التلفظ. أما فلاسفة أفعال الكلام مثل أوستن وسيرل وغرايس، فقد تعاملوا معها بوصفها آلية ميكانيكية موجهة تحكمها قواعد التداولية، تربط الملفوظ بالفعل الذي ينجزه داخل سياق محدّد(65)

وليس القصد حكرًا على المتكلم وحده، بل يمتد ليشمل المخاطَب أيضًا، إذ يمكن أن تلتقي قصدية المرسل مع قصدية المتلقي في درجات من التوافق أو التباين، كما بينت ذلك نظرية التلقي. ومن هنا تنبع إشكالية المقصدية في بعدها الفلسفي والمنهجي: فهي ليست دائمًا معطىً ظاهرًا في النص، بل تُفترض كقوة كامنة خلفه، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى إخراجها من حقل علم النفس لتصير موضوعًا لسانياً وسيميائياً.

على هذا الأساس، تُفهم المقصدية باعتبارها نزوعًا ذاتيًا نحو موضوعٍ ذي قيمة. فهي الأصل الذي يقوم عليه كل فعل أو تفاعل، والشرط الضروري لقيام أي سيرورة سيميائية. إذ لا تصل الذات إلى موضوعها إلا عبر حركة ما، قد تكون يسيرة أو عسيرة، وتنطوي على صراع أو مقاومة. وفي كل الحالات، يتحقق هذا الفعل القَصدي في فضاء زماني ومكاني محدَّد، ويتجسد من خلال العلامات اللغوية والرمزية.

وقد حافظت المقصدية على حضورها في معظم الدراسات النقدية والاجتماعية والفلسفية، حتى داخل الأطر البنيوية والسيميائية الصارمة. لكن التحولات التأويلية المعاصرة دفعت إلى إعادة النظر فيها، ليس فقط كخاصية للمتكلم، بل أيضًا كمكوّن من مكوّنات النص نفسه، يتصل بآفاقه التداولية والإيحائية. ومن ثَمّ لم يعد سؤال القصدية سؤالًا بسيطًا حول "ما يريد المؤلف قوله"، بل صار سؤالًا معقّدًا حول كيفية انبثاق الدلالة من خلال التفاعل بين النص، والمتكلم، والمتلقي(66).

إن المقصدية، بوصفها ممارسة ذهنية، تقتضي اختيار الأشكال التعبيرية التي يتيحها قيد الجنس الأدبي نفسه، بحيث تتحول هذه الأشكال إلى مواد دلالية. وبذلك يغدو النص الأدبي في الآن ذاته تطويرًا للجنس الذي ينتمي إليه، وإسهامًا في إبراز إمكاناته الكامنة. ومن هنا تأتي أهمية اعتماد رؤية إنتاجية للنصوص، لأن الرؤية التلقائية - رغم اعتمادها على آليات إنتاجية - ظلت تواجه عدة إشكالات، أهمها أن التلقي نفسه مشروط بسياقات المتلقي، وأن أي إدراك تلقائي هو تأويل شخصي، محدود واختزالي بطبيعته.

على النقيض من ذلك، فإن سؤال الإنتاج الأدبي يسعى إلى مقاربة النصوص من خلال ما تحمله من أدلة قصدية ذهنية، أي بوصفها تمثيلات للواقع عبر وسيط تخييلي. ولا يتحقق هذا الفهم إلا باستحضار النصوص على نحو مماثل لما فعله أرسطو وهو يؤسس للشعرية، حين اعتبر أن العمل الأدبي يُدرك من خلال آليات إنتاجه وتمثّله للعالم. ومن هنا يصبح لزامًا النظر إلى المقصدية ليس فقط كآلية لسانية، بل كأفق تأويلي يكشف عن تداخل الأبعاد: النفسية، النصية، والسيميائية في آن واحد.

وعليه، فإن المقصدية في الخطاب الأدبي ليست مجرّد نية مسبقة أو آلية تداولية، بل هي بنية دينامية تنظم العلاقة بين الذات والعالم عبر النص، وتوجّه التأويل في ضوء تفاعل متغير بين المؤلف والنص والمتلقي. وهذا ما يمنحها موقعًا حيويًا داخل السيميائيات التأويلية، باعتبارها الضامن الأساسي لفاعلية العلامة في إنتاج المعنى وإعادة إنتاجه باستمرار.

العوالم الممكنة: من الميتافيزيقا إلى التحليل السيميائي

تُعَدّ نظرية العوالم الممكنة إحدى الإسهامات الكبرى التي أعادت تجديد التفكير الفلسفي واللساني المعاصر. ف- ياكو هينتيكا يُعتبر من أبرز الفلاسفة الذين قاموا بإعادة صياغة هذا المفهوم في إطار تحليلي جديد، حيث نقل الفرضية من فضاء الميتافيزيقا، كما صاغها ليبنتز، إلى مجال معرفي إبستيمولوجي ملموس(67). وإذا كان ليبنتز قد ربط فكرة العالم الممكن بالمطلق الإلهي، فإن هينتيكا أعاد إنزالها إلى مستوى التداول البشري، جاعلاً منها أداةً لدراسة العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الواقع عبر اللغة، بعد أن ظلت لقرون طويلة محصورة في دائرة التأمل الميتافيزيقي.

لقد برهنت هذه النظرية على جدواها في معالجة إشكالات فلسفية ومنطقية متعددة، سواء مع هينتيكا نفسه أو مع تلامذته مثل كريبكه، الذي أسهم في تطوير البعد الدلالي للنظرية في سياق المنطق المودي. غير أن قيمتها الكبرى ظهرت حين تم نقلها، عبر أعمال أومبرتو إيكو وتيون فان ديك، إلى مجال السيميائيات وتحليل الخطاب. ففي هذا الإطار لم تعد "العوالم الممكنة" مجرد فرضيات منطقية، بل أضحت آليات منهجية لفهم كيفية تشكل العوالم السردية، وكيفية تفاعلها مع العوالم المرجعية للقارئ. وهكذا صار بإمكان الباحث أن يقارن بين بنيات مختلفة، ويستكشف إمكانات التناقض أو الاتساق بين عالم وآخر، بل وأن يقدم هذه العلاقات في صيغ جداول دقيقة ترصد المكونات والخصائص.

إن الانتقال من التصورات المرجعية الصارمة إلى أفق العوالم الممكنة شكّل ثورة حقيقية، لأنه تجاوز النزعة الاسمية(Nominalism) التي مثلها فلاسفة مثل كوَين، والتي حصرت الوجود في ما هو مُعطى للتجربة الحسية. على العكس من ذلك، فإن العوالم الممكنة تتيح للخطاب الأدبي والسردي أن ينتج دلالات حتى حين لا تكون قابلة للتحقق في الواقع المعيش. ذلك أن القارئ، وفق هذا التصور، لا يظل متلقياً سلبياً، بل يمارس فعلاً تأويلياً عبر التوقع، والتخمين، والمشاركة في بناء الدلالة(68).

وقد صاغ إيكو تعريفاً دقيقاً للعالم الممكن، باعتباره مجموعة من القضايا تُبنى وفق مبدأ الثنائية (إما "ب" أو "لا ب")، وتضم أفراداً مزودين بخصائص محددة. وبما أن بعض هذه الخصائص تُترجم إلى أفعال، فإن العالم الممكن يُنظر إليه كذلك بوصفه مجرى من الأحداث، أي فضاءً ديناميكياً لا يكتفي بكونه كياناً ثابتاً، بل يظل مفتوحاً على الاحتمال والتوقع. من هنا فإن السرد لا يُقرأ فقط بوصفه تمثيلاً لواقعٍ ما، بل باعتباره شبكة من الإمكانات التي يتعين على القارئ أن يشارك في تفعيلها وتأويلها.

ملاحظات واستنتاجات

الدلالة التأويلية إطار نظري يختلف عن النظريات السابقة. فإذا كانت الاتجاهات النفسية والاجتماعية قد ركزت على المضامين والمحتويات، وإذا كانت القراءة البنيوية قد ركزت على المعطيات اللغوية، وإذا كانت الدلالة البنيوية قد ركزت على شكل المعنى، فإن الدلالة التأويلية استثمرت كل ذلك. لكنها تصرفت في سعة البحث عن المعنى، إذ تنطلق من الوصف أولا، بمعنى أن المعطيات الداخلية للنص هي التي توجه التأويل، في مقابل الدراسات النفسانية والاجتماعية التي كانت تنطلق من خارج النص لتسقط الأحكام عليه. هكذا تصبح الحكاية مؤولة انطلاقا من معطياتها الداخلية. ليأتي استحضار المعطي الخارجي بهدف تأكيد صحة التأويل. من هنا نفهم وظيفة التأويل.

على سبيل الختام

تؤكد هذه الدراسة أن النص السردي ليس مجرد سرد متتابع للأحداث، بل هو فضاء تأويلي متعدد الأبعاد، يتيح للباحث الغوص في بنية العلامات الرمزية والثقافية وفهم آليات إنتاج المعنى داخل النصوص الأدبية. فقد أظهرت مقاربات كبار المفكرين مثل أمبرتو إيكو ورولان بارت وبول ريكور وإرنيست كاسيرير أن التأويل ليس مجرد ممارسة شخصية أو عابرة، بل هو إجراء منهجي يربط بين النص والسياق الثقافي والفكري ووعي المتلقي، بما يجعل النص وسيلة فعالة لاستكشاف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للفعل السردي.

لقد ساهمت الدراسة في توسيع مفهوم التأويل ليشمل الأدوات السيميائية والإجرائية، بدءًا من الموسوعة والمعجم اللذين يوفران مخزونا معرفيا تمكن القارئ من استحضار الخبرات والتصورات الثقافية أثناء عملية التأويل، مرورًا بمفهوم المقصدية الذي يبرز دور قصد المتكلم والمخاطب في توجيه المعنى، وصولًا إلى العوالم الممكنة التي تتيح استكشاف الإمكانات السردية، وتفعيل قدرة القارئ على توقع الاحتمالات المختلفة داخل النص وتحليل التناقضات أو التوافق بين العوالم المرجعية والعوالم السردية.

كما بينت الدراسة أن التأويل السيميائي يعتمد على تفاعل ديناميكي بين النص والمؤلف والمتلقي، حيث تشكل الذاكرة الجماعية والمعرفة الخلفية للمتلقي حجر الزاوية في إنتاج المعنى. هذا التفاعل لا يقتصر على استدعاء المعلومات السابقة، بل يشمل أيضًا إعادة إنتاج المعنى وفق شروط النص وأفق توقعاته، وهو ما يجعل العملية التأويلية مستمرة ومتجددة.

علاوة على ذلك، بينت الدراسة أن الأدب العجائبي يمثل أداة مركزية لفهم وظيفة النص في نقل التجربة الإنسانية، ولفتح آفاق للتخييل والاستكشاف، إذ يكشف عن مستويات غير مرئية من الدلالة، ويتيح للقارئ والمحلل التفاعل مع نصوص تتجاوز الواقع الحسي إلى فضاءات إمكاناتها المتعددة.

وأخيرًا، فإن دمج هذه المفاهيم) الموسوعة والمعجم والمقصدية والعوالم الممكنة (وآليات التأويل ضمن إطار سيميائي وتأويلي متكامل يجعل الدراسة نموذجًا حديثًا لتطبيق الدلالة التأويلية على الخطاب السردي. فهي توضح أن النصوص الأدبية ليست مجرد منتجات ثقافية، بل أجهزة معرفية وتأويلية قادرة على كشف طبقات الرمزية والثقافة، وإظهار العلاقة الحيوية بين النص والثقافة والإنسان، بما يوفر للباحثين أفقًا تأويليا غنيا ومتعدد المستويات لكل نص سردي يتم دراسته.

***

بقلم: د. منير محقق

وناقد وباحث جامعي مغربي

..............................

الهوامش

(1) - سورة النبأ، الآية 37.

(2) - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار إحياء التراث العربي الطبعة الأولى 2001، ص: 304، مادة خطب.

(3) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للجراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص12.

(4) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص المفهوم-العلاقة -السلطة، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص: 13

(5) - محمد علي بن علي التهانوي كشاف اصطلاحات الفنون، دار قهرمان للنشر والتوزيع، إستانبول، 1984، ج1 ص: 403

(6) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 1992، ص: 168/ 167

(7) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت العرب الجزء 1، ص: 1149.

(8) - سورة الفرقان، الآية: 63.

(9) - سورة ص، الآية: 20.

(10) - عبد الهادي بن ظافر الشهيري، استراتيجية الخطاب، دار الكتاب الجديدة المتحدة، ط1، (2004)، ص36

(11) - نفس المرجع نفس الصفحة.

(12) - محمد البارد، إنشائية الخطاب في الرواية العربية الحديثة، مركز النشر الجامعي، تونس، 2004 ص: 1.

(13) - المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

(14) - دومينيك مانغونو، المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، (2008)، ص40

(15) - عبد الواسع الحميري، الخطاب والنص، دار مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ط1، (2008)، ص1043

(16) - ابن منظور، لسان العرب، دار صادر بيروت، مادة(سرد)

(17) - الزمخشري، أساس البلاغة، دار الكتب المصرية، الجزء الأول، 1922، مادة (سرد)

(18) - ميساء سليمان الإبراهيم، البنية السردية في كتاب الامتناع والمؤانسة، ط. 2011 ص11 ! 13.

(19) - الكرمل" مجلة الاتحاد العام للكاتب والصحافيين الفلسطينيين 1993. محور، التاريخ والحكاية ل-مصطفى كاك ص 91.

(20) - قال الراوي: البنيات الحكائية في السيرة الشعبية ل- سعيد يقطين ص 13، 16/ ط I، 1997 الناشر: المركز الثقافي العربي.

(21) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، تر: عبد الجليل الأزدي ومحمد معتصم الأزدي، المجلس الأعلى للثقافة ط2، 1997، ص 37.

(22) - جنيت، جيرار، خطاب الحكاية، ص40

(23) - ميساء سليمان الابراهيم، البنية السردية في كتاب الإمتاع والمؤانسة، ط. 2011 ص18. 20

(24) - نفس المرجع.نفس الصفحة.

(25) - نفس المرجع ص32 – 33.

(26) - فائزة عليلو، الأنماط الحكائية العربية، قراءة في نماذج من "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة"، الطبعة الأولى، 2016، ص.51

(27) – اٍبن منظور، لسان العرب: جمال الدين محمد بن مكرم –دار الصادر بيروت –المجلد الاول ط6-1997ص580.

(28) – المصدر السابق: ابن منظور

) - مصدر نفسه: اٍبن منضور، ص580(29)(

(30) - ابن فارس، أبي الحسين احمد بن زكرياء (مقاييس اللغة) حققه علي بشري، اتحاد كتاب العرب ، دمشق ج4 2002، ص243،244.

)(31)( -le petit Robert .Nouvelle edition.paris1987.p1186

) - لسان العرب، أبو فضل جمال الدين بن منضور، دار الصادر، بيروت، ط 1- مج.10، ص38(32)(

) -حسين علام، العجائبي في الادب من منظور شعرية السرد ، منشورات الاختلاف ط1,2010م.(33)(

(34)Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press

(35)Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum.

)(36)( - Eco, Umberto. The Name of the Rose. London: Harcourt, 1983, pp. 112-145.

)(37)( - Foucault, Michel. Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of Reason. London: Routledge, 1965, pp. 57-89.

)(38)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(39)( - Roland Barthes, Le degré zéro de l’écriture

)(40)( - Kristeva, Julia. Desire in Language: A Semiotic Approach to Literature and Art. New York: Columbia University Press, 1980, pp. 122-158.

)(41)( - Ricoeur, Paul. The Conflict of Interpretations: Essays in Hermeneutics. Evanston: Northwestern University Press, 1974, pp. 275-302.

(42) - مفتاح، محمد. النص والحكاية: دراسات في التأويل الأدبي العربي. الرباط: المركز الثقافي العربي، 2009، ص. 88-115.

(43) - أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص وتجاوز الحرفية. القاهرة: دار الشروق، 2002، ص. 45-78.

(44) - عبد الرحمن، طه. اللغة والفكر: دراسات في التأويل الفلسفي والأدبي. الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2012، ص. 145-178.

)(45)( - Nicole ( Evreat_Desmedt ): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique ;. de C.S ; Mardaga Editeur, 1990 ; p.105

(46) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.278.

(47) ) - نفس المرجع، نفس الصفحة.

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.317.(48) )

-ECO, Umberto. A Theory of Semiotics, Indiana: Indiana University Press, 1975. P.3.(49) )

-Ibid, p.298. (50) )

-Ernest Cassirer. Essai sur l’homme. Paris Minuit, 1975, p.p.44/43 (51) )

(52) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.279.

-Paul, Ricœur. Le Conflit des interprétations ; Ed ; Seuil ; ¨Paris ; 1969 Coll L’ordre. Philosophique ; (53) ) PP:285/286

-Nicole (Evereat_Desmedt): Le Processus Interprétatif ; Introduction à la sémiotique. De C.S. Peirce ; Ed ; Mardaga Editeur, 1990 ; P: 105 (54) )

(55) ) - عبد الله بريمي، السيميائيات الثقافية والضرورة التأويلية، في الحاجة إلى التأويل، منشورات مختبر التأويلات والدراسات النصية واللسانية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تطوان، ص.280.

(56) ) - فريد ( الزاهي): النص والجسد والتأويل، أفريقيا الشرق 2003 ، ص: 99/100.

(57) Peirce, C. S. (1931–1958). Collected Papers of Charles Sanders Peirce. Harvard University Press.

(58) Derrida, J. (1967). Of Grammatology. Johns Hopkins University Press.

.

(59) Eco, U. (1992). Interpretation and Overinterpretation. Cambridge University Press.

(60) Umberto Eco, A Theory of Semiotics, Bloomington: Indiana University Press, 1976, pp. 45–48.

(61) Gadamer, H.-G. (1975). Truth and Method. Continuum, pp. 65–70.

(62) Ricoeur, P. (1986). Hermeneutics and the Human Sciences. Cambridge University Press, pp. 15–20.

(63) Wolfgang Iser, The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response, Johns Hopkins University Press, 1978, p. 35.

(64) Umberto Eco, Semiotics and the Philosophy of Language, Indiana University Press, 1984, p. 68.

(65) John R. Searle, Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind, Cambridge University Press, 1983, p. 7.

(66) Hans-Georg Gadamer, Truth and Method, Continuum, 2004, p. 259.

(67) Gottlob Frege & Jaakko Hintikka, Possible Worlds: An Approach to the Theory of Modality, Springer, 1969, p. 42.

(68) Umberto Eco, The Role of the Reader: Explorations in the Semiotics of Texts, Indiana University Press, 1979, p. 65.

قراءة نقدية وبيداغوجية للرؤية الاستراتيجية 2015 ـ 2030

ملخص البحث باللغة العربية:

تركز هذه الدراسة النقدية على تحليل الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم بالمغرب 2015–2030، باعتبارها وثيقة محورية تهدف إلى تعزيز جودة التعليم وتحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص، وتطوير المدرسة المغربية كمؤسسة تربوية حديثة. كما تستعرض الدراسة الركائز الأساسية للرؤية الاستراتيجية، بما في ذلك تحسين المناهج والمقررات وتطوير أداء المدرس والمتعلم والريادة ناجعة وتدبير التغيير، والارتقاء الفردي والمجتمعي للمتعلمين، مع إبراز الإنجازات الملموسة التي تحققت على صعيد السياسات التعليمية.

كما تقارن الدراسة بين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية 2015–2030، موضحة التقدمات والإضافات التي أدخلتها الرؤية على صعيد الإصلاحات الهيكلية والبيداغوجية، مع تقييم مدى تكاملها مع أهداف المدرسة المغربية الحديثة.

وتخلص هذه الدراسة إلى أن نجاح الرؤية الاستراتيجية يعتمد على استمرار تطوير السياسات التعليمية وتفعيل التدابير التطبيقية، وحرص جميع الفاعلين على الانخراط الفعّال في العملية التعليمية لضمان تعليم شامل وفعال ومتكامل يواكب تطلعات المجتمع المغربي.

الكلمات المفتاحية:الرؤية الاستراتيجية  2015–2030-إصلاح التعليم - المدرسة المغربية - الميثاق الوطني للتربية والتكوين - الجودة الشاملة - الإنصاف وتكافؤ الفرص - القيادة وتدبير التغيير

Abstract (English(

This critical study analyzes Morocco’s Strategic Vision for Education Reform 2015–2030, considering it a central document aimed at enhancing educational quality, achieving equity and equal opportunities, and developing the Moroccan school as a modern educational institution.

The study examines the core pillars of the Strategic Vision, including curriculum and program development, teacher and learner performance, effective leadership and change management, and the individual and societal development of learners, highlighting tangible achievements in educational policy.

Furthermore, the study compares the National Charter for Education and Training with the Strategic Vision 2015–2030, illustrating the progress and additions introduced by the Vision in structural and pedagogical reforms, and evaluating its alignment with the goals of the modern Moroccan school.

The study concludes that the success of the Strategic Vision depends on the continuous development of educational policies, the effective implementation of measures, and the active engagement of all stakeholders, ensuring comprehensive, effective, and integrated education that meets the aspirations of Moroccan society.

Keywords (English) :

Strategic Vision 2015–2030- Education Reform- Moroccan School National - Charter for Education and Training - Comprehensive Quality - Equity and Equal Opportunities - Leadership and Change Management-

Individual and Societal Development

على سبيل التقديم

شهدت المنظومة التعليمية المغربية منذ الاستقلال سلسلة من المحاولات الإصلاحية التي اتخذت أشكالًا متعددة، تراوحت بين المخططات القطاعية المحدودة والبرامج الاستعجالية، غير أن معظمها لم ينجح في تجاوز الاختلالات البنيوية التي يعاني منها النظام التربوي، مثل الهدر المدرسي، وتدني جودة التعلمات، واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية. وقد أبانت هذه التجارب عن محدودية المقاربات الجزئية في إحداث التحول المطلوب.

في هذا المسار، يمكن اعتبار صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 لحظة مفصلية؛ إذ مثّل بمثابة دستور تربوي وضع المبادئ الكبرى والقيم المؤطرة لعملية الإصلاح. غير أن صعوبة التنزيل، وضعف آليات التتبع والتقييم، جعلت نتائجه دون الطموحات المعلنة. أما الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فهي تشكل وثيقة مرجعية جديدة جاءت تحت شعار: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. وتطمح هذه الرؤية إلى إعادة بناء المدرسة المغربية وفق منظور شمولي يستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وينسجم مع التوجهات الكونية الكبرى وأهداف التنمية المستدامة 2030.

إن هذه الرؤية لا تُعد مجرد برنامج قطاعي مرحلي، بل هي مشروع مجتمعي متكامل يستهدف إعادة تأسيس المدرسة المغربية على قاعدة ثلاثية: الإنصاف في الولوج وتكافؤ الفرص وتحسين جودة التعلمات وجعل التربية رافعة للارتقاء الفردي والمجتمعي. ومع ذلك، يبقى التساؤل الإشكالي مطروحًا: هل تمكنت الرؤية الاستراتيجية من بلورة قطيعة فعلية مع اختلالات الماضي؟ وهل نجحت في اقتراح نموذج إصلاحي قابل للتنفيذ يضع المغرب على سكة التميز التعليمي في أفق 2030؟

بناءً على هذه الإشكالية، يسعى هذا البحث إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لكتاب الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، وذلك من خلال:

أولا- تأطير المفاهيم المرتبطة بالرؤية التربوية والإصلاح التعليمي.

ثانيا - استعراض السياق المغربي الذي أدى إلى صياغة هذه الوثيقة.

ثالثا - تحليل محاورها الكبرى في ضوء الأدبيات التربوية الوطنية والدولية.

رابعا - رصد مواطن القوة والقصور في مضامينها.

خامسا - مقارنتها مع بعض التجارب الدولية الرائدة في مجال إصلاح التعليم.

وتعتمد هذه الدراسة على مقاربة تحليلية-نقدية تستند إلى الوثائق الرسمية والتقارير الوطنية والدولية ذات الصلة، مع توظيف منهج مقارن يسمح بتحديد موقع التجربة المغربية في خريطة الإصلاحات التربوية عالميًا، واستشراف إمكانات نجاحها أو تعثرها في أفق 2030.

المبحث الأول: تعريف الرؤية الاستراتيجية

تُعدّ الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية (2015-2030) وثيقة مرجعية ذات طابع

إصلاحي وتوجيهي، صاغها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي باعتباره هيئة دستورية استشارية أحدثها الملك محمد السادس سنة 2014) (1) ( . وقد جاءت هذه الرؤية ثمرة لمسار تشاوري واسع أطلقته وزارة التربية الوطنية ما بين أبريل ويونيو 2014، انخرطت فيه مختلف الفعاليات التربوية والمهنية عبر الحوارات المحلية والجهوية والوطنية، فضلًا عن الاستنارة بالتجارب الدولية) . (2) (

وترتكز هذه الرؤية، من جهة أولى، على التوجيهات الملكية السامية وعلى المرجعيات الوطنية الكبرى، وعلى رأسها الميثاق الوطني للتربية والتكوين) (3) ( ومن جهة ثانية على التقرير الأول للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2015) ، الذي حدّد الاختلالات البنيوية للمنظومة التربوية ورسم معالم التحول المنشود ) (4) ( .

وقد بدأت عملية التفعيل العملي لهذه الرؤية من خلال إطلاق تدابير ذات أولوية) (5) (، قصد إرساء أسس مدرسة جديدة تقوم على الإنصاف وتكافؤ الفرص والجودة والارتقاء الفردي والمجتمعي. وهي رؤية شمولية متكاملة، تتوزع إلى أربعة فصول كبرى وتتفرع إلى ثلاثٍ وعشرين رافعة إصلاحية، تروم جميعها إحداث نقلة نوعية في النظام التربوي المغربي وفق أفق يمتد إلى سنة 2030. ) (6) (

المبحث الثاني: الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 بين النظرية والممارسة في إصلاح المدرسة المغربية

تمثل الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية (2015-2030) نموذجًا متقدمًا لمحاولة المزج بين النظرية التربوية المعاصرة ومتطلبات التطبيق العملي على أرض الواقع. فقد حرص واضعوها على الاستناد إلى أحدث النظريات في إصلاح التعليم، لا سيما ما يتعلق بالتحول من منطق التعميم الكمي إلى منطق الجودة والإنصاف ) (7) (، واستحضار المقاربات البيداغوجية الحديثة التي تركز على المتعلم محور العملية التعليمية ) (8) ( .

سياق ظهور الرؤية الاستراتيجية

تضافرت عدة عوامل داخلية وخارجية في إصدار الرؤية الاستراتيجية، إذ كانت تهدف إلى وضع خطة شمولية لمعالجة الاختلالات البنيوية في المنظومة التعليمية.

أولًا: المردودية الداخلية للمدرسة المغربية

شهدت المدرسة المغربية خلال السنوات السابقة مجموعة من الإشكالات الجوهرية، ومن أبرزها:

ضعف التمكن من اللغات والمعارف والكفايات والقيم الأساسية ) (9) ( .

. استمرار تزايد الهدر المدرسي.

ركود البحث العلمي وانخفاضه في السنوات الأخيرة ) (10) ( .

الفشل في تعليم اللغات وتمكين المتعلمين منها، خاصة لغة التدريس الرسمية واللغات الأجنبية، ما قلل من فرصهم الأكاديمية والمهنية.

ثانيًا: المردودية الخارجية للمدرسة المغربية

شملت التحديات أيضًا البعد الخارجي، إذ شهدت المدرسة مجموعة من العراقيل التي أثرت على اندماج خريجيها في المجتمع وفي محيطهم الاقتصادي والثقافي، ومن أبرزها:

ضعف الاندماج الاجتماعي والثقافي والقيمي بالنسبة للخريجين التربويين ) (11) ( .

ضعف انفتاح المدرسة على محيطها الخارجي وعدم مواكبتها لتحولات البيئة المحلية والدولية) (12) (.

وقد أدت هذه العوامل مجتمعة إلى إعادة طرح إشكالية جودة المدرسة المغربية، ليس فقط على مستوى المسؤولين، بل أيضًا لدى المهتمين بالشأن التربوي والمجتمع المدني، حيث أصبحت المدرسة مجرد هياكل فارغة من المناخ التربوي الفعّال.

وعليه، جاءت الرؤية الاستراتيجية كرد اعتبار شامل لشؤون المدرسة، واستجابة للتوجيهات الملكية السامية الصادرة في أكتوبر 2014، وبتعيين من المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بتاريخ 14 ماي 2014 ) (13) ( ، بهدف انتشال المدرسة المغربية من وضعها الهش ومعالجة الاختلالات البنيوية على المستويين الداخلي والخارجي ووضع أسس متينة لإصلاح شامل ومستدام يمتد إلى أفق 2030.

- الرؤية الاستراتيجية بين النظرية والممارسة

تجمع الرؤية الاستراتيجية بين البعد النظري، من خلال اعتمادها على مبادئ إصلاح التعليم الحديثة وإدماج المقاربات البيداغوجية المعاصرة، وبين البعد التطبيقي عبر إطلاق تدابير وأولويات عملية تهدف إلى تحسين جودة التعليم وتعزيز الإنصاف، كما لم تغفل الأبعاد المؤسساتية والهيكلية للإصلاح، بما في ذلك تعزيز الحكامة وتطوير آليات التتبع والتقييم وتنمية الموارد البشرية والتربوية ) (14) ( .

وبذلك، تمثل الرؤية استراتيجية شمولية قادرة على وضع خريطة طريق واضحة للانتقال بالمدرسة المغربية نحو مستويات أعلى من الجودة والإنصاف والارتقاء الفردي والمجتمعي ) (15) ( .

المبحث الثالث: وصف مشروع الرؤية الاستراتيجية

يشكل مشروع الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030 وثيقة محورية تهدف إلى إحداث تحول شامل ومستدام في منظومة التعليم المغربية. وتعكس هذه الوثيقة الحرص على الجمع بين الأسس النظرية للتربية الحديثة ومتطلبات التطبيق العملي، من خلال مقاربة شمولية تراعي جميع مكونات المدرسة المغربية، سواء على مستوى المتعلم أو الأستاذ أو الإدارة أو المجتمع المدني.

محتويات الكتاب

يتألف الكتاب من أربعة فصول رئيسية، تتضمن ثلاث وعشرين دعامة إصلاحية، بالإضافة إلى ملحقين توضيحيين، ويصل حجم الكتاب إلى خمس وثمانين صفحة ) (16) (. وتقدم هذه الفصول خريطة طريق متكاملة لتحقيق أهداف الإصلاح، بما يضمن تحسين جودة التعليم وتعزيز الإنصاف والارتقاء بالموارد البشرية.

المرجعيات والمبادئ التي تقوم عليها الرؤية الاستراتيجية

مرجعيات الرؤية

اعتمدت الرؤية الاستراتيجية على مجموعة من المرجعيات الأساسية، التي شكلت الأساس القانوني والمنهجي لتحديد أهدافها ومحتواها:

الخطابات الملكية، التي وضعت التوجيهات العليا للإصلاح التربوي وأكدت على أولوية تطوير المدرسة المغربية ) (17) (.

الميثاق الوطني للتربية والتكوين، باعتباره الإطار الدستوري والسياسي المنظم للوزارة ومسار إصلاح التعليم.

تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التي قدمت تشخيصًا موضوعيًا للاختلالات التربوية ومقترحات للتحسين ) (18) (.

الدستور المغربي لسنة 2011، الذي ضمن مبادئ الديمقراطية والحقوق الأساسية والالتزام بالتعليم كحق لجميع المواطنين.

الاتفاقيات الدولية المصادقة عليها، التي تحدد معايير الجودة والمساواة والحقوق التعليمية المعترف بها عالميًا ) (19) (.

الحوارات الجهوية والوطنية، التي ساهمت في تأهيل المدرسة المغربية عبر إشراك مختلف الفاعلين المحليين والمجتمع المدني ) (20) (.

مبادئ الرؤية الاستراتيجية

تقوم الرؤية الاستراتيجية على مجموعة من المبادئ التوجيهية، والتي تتوافق مع المبادئ الأساسية للميثاق الوطني للتربية والتكوين، وتشمل:

مبادئ حقوق الإنسان، لضمان تعليم منصف ومتساوي لجميع المتعلمين ) (21) (.

الهوية المغربية، من خلال ترسيخ القيم الوطنية والثقافية في المناهج التعليمية.

اعتماد المقاربة التشاركية في دعم الإصلاح، عبر إشراك جميع الهيئات والفاعلين في المدرسة المغربية وفق اختصاص كل جهة.

نظرة شمولية لمكونات المدرسة المغربية، تشمل المتعلم، الأستاذ، الإدارة، وأولياء الأمور) (22) ( .

احترام وترسيخ الثوابت الدستورية للأمة المغربية، بما في ذلك الدين، الوحدة الوطنية، والاختيار الديمقراطي.

إعطاء الأولوية للمتعلم والأستاذ والتعلمات، لضمان تركيز الإصلاح على صميم العملية التعليمية ورفع جودة التعلمات.

تحليل المحاور الكبرى والرافعات الثلاث والعشرين

تقوم الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 على أربعة محاور رئيسية، تتفرع إلى ثلاث وعشرين رافعة إصلاحية، تهدف جميعها إلى تحقيق تحول شامل ومستدام في المنظومة التعليمية المغربية) (23) ( .

المحور الأول: تطوير الجودة والإنصاف في التعليم

يركز على رفع مستوى التحصيل الدراسي وتحقيق تكافؤ الفرص بين المتعلمين.

يشمل تحسين المناهج والبرامج الدراسية، تحديث طرق التدريس، وإدماج التكنولوجيا الرقمية في التعلمات) (24) ( .

المحور الثاني: تطوير حكامة المنظومة التعليمية

يهدف إلى تعزيز الحكامة المؤسساتية وتفعيل آليات التتبع والتقييم، وضمان الشفافية والمساءلة.

يشمل تطوير القيادة المدرسية وتحفيز فرق العمل التربوي.

المحور الثالث: تنمية الموارد البشرية والتكوين المستمر

يركز على رفع كفاءة الأساتذة والموظفين الإداريين عبر برامج تكوين مستمر.

يشمل تكوين المتخصصين في اللغة والعلوم الأساسية والتقنيات الرقمية ) (25) (.

المحور الرابع: الانفتاح على المحيط وتطوير البحث العلمي

يتعلق بتوسيع انفتاح المدرسة على المجتمع والسوق العالمي، وتعزيز ثقافة البحث العلمي والابتكار في التعليم) (26) (.

الرافعات الثلاث والعشرون

تمثل أدوات عملية لتنفيذ المحاور الاستراتيجية، وتشمل مجالات متعددة مثل: تحديث المناهج، تطوير البنية التحتية، تحسين التكوين الأولي والمستمر للأساتذة، إدماج التكنولوجيا في التعليم، تعزيز الحكامة، دعم البحث العلمي، وترسيخ القيم الأساسية لدى المتعلمين.

المبحث الرابع: دراسة تحليلية لكتاب الرؤية الاستراتيجية - محور تكافؤ الفرص في التربية والتكوين

الفصل الأول: من أجل مدرسة تكافؤ الفرص

الرافعة الأولىً: تحقيق المساواة في ولوج التربية والتكوين

تؤكد الرؤية الإستراتيجية على ضرورة تمكين جميع الأطفال المغاربة من حقهم في التعليم الإلزامي في المرحلة الممتدة من سن 4 سنوات إلى 15 سنة، دون أي شكل من أشكال التمييز القائم على أساس الجنس أو الانتماء الاجتماعي أو اللغة أو الإعاقة أو الوضعية الاقتصادية للأسر. وتعمل الدولة على تعزيز آليات الدعم المادي للأسر المعوزة حتى لا تشكل الظروف الاقتصادية عائقاً أمام متابعة الأبناء للدراسة إلى غاية نهاية السلك الإعدادي) (27) (.

وتولي الرؤية الإستراتيجية أهمية لتوسيع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي والتربوي، مع التركيز على استثمار الشراكات المحلية والجماعية لتعبئة الجهود في مواجهة ظاهرة الهدر المدرسي. كما تؤكد على دور مدرسة الفرصة الثانية التي تهدف إلى إعادة إدماج الشباب المنقطعين عن الدراسة من خلال برامج تعليمية وتكوينية ملائمة، تمكّنهم من الاندماج السوسيو-مهني.

الرافعة الثانيةً: إلزامية التعليم الأولي وتعميمه

تسعى الرؤية الاستراتيجية إلى تمكين جميع الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين أربع وست سنوات من الولوج إلى التعليم الأولي، اعتماداً على نموذج بيداغوجي موحّد الأهداف ومتعدد الغايات ومتنوع الأساليب، بما يضمن تكافؤ الفرص منذ المراحل الأولى للعملية التربوية) (28) (.

الرافعة الثالثة: التمييز الإيجابي لفائدة الأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص

تسعى هذه الرافعة إلى معالجة التفاوتات المجالية في الولوج إلى التربية والتكوين من خلال مقاربة شمولية تعتمد على الشراكات مع الجماعات الترابية والقطاع الخاص. وتستند إلى مبدأ الإنصاف الذي يشكل أحد مرتكزات الرؤية الاستراتيجية، حيث تُولي اهتمامًا خاصًا للمناطق التي تعاني من الخصاص في البنيات التحتية والخدمات التعليمية) (29) (.

فالبرغم أن هذه الرافعة تحمل وعيًا مهمًا بالمشاكل المجالية، إلا أن نجاحها يبقى رهينًا بوجود آليات حقيقية للتنفيذ والمتابعة. فالعديد من الشراكات تبقى حبيسة الخطاب دون التفعيل الميداني، إضافة إلى تحديات الموارد المالية التي قد تعيق التنفيذ الفعلي.

الرافعة الرابعة: تأمين الحق في ولوج التربية والتكوين للأشخاص في وضعية إعاقة أو وضعية خاصة

تركّز هذه الرافعة على التربية الدامجة باعتبارها حقًا أساسيًا داعيةً إلى إدماج الأطفال ذوي الإعاقة في المنظومة التعليمية النظامية، مع تكوين الأطر التربوية لتمكينها من الاستجابة لهذه الحاجات الخاصة.

ويُعد هذا التوجه تقدميًا ويستجيب للمواثيق الدولية، لكنه يصطدم في الواقع بضعف الإمكانيات اللوجستية والبشرية، وعدم توفر برامج تكوين معمقة للمدرسين في مجال التربية الدامجة. ويُلاحظ أن مدارس قليلة فقط تتوفر على الشروط الحقيقية لاستقبال هؤلاء المتعلمين، مما يُفرغ هذا المبدأ من محتواه أحيانًا) (30) (.

الرافعة الخامسة: استدامة التعلم وبناء المشروع الشخصي والاندماج

تروم هذه الرافعة إتاحة التعلم مدى الحياة عبر مسارات متعددة تشمل التعليم النظامي والعتيق والتكوين المهني والتعليم العالي، إضافة إلى محاربة الأمية والتربية غير النظامية.

حيث تعكس هذه الرافعة وعيًا بأهمية تنويع العرض التعليمي، لكنها تفتقر إلى آليات تنسيق فعّالة بين هذه المسارات، مما يجعلها مشتتة وغير قادرة على ضمان تكامل حقيقي. كما أن التوجيه نحو سوق الشغل لا يزال ضعيفًا، وهو ما يقلل من قيمة المشروع الشخصي كمحفز للاندماج الاجتماعي والاقتصادي) (31) (.

الرافعة السادسة: تمكين المؤسسات من التأطير والتجهيز والدعم اللازم

تتمحور هذه الرافعة حول تحسين البنيات التحتية وتوفير الأطر التربوية والإدارية المؤهلة، مع إدماج الوسائل الديداكتيكية والتقنيات الحديثة في العملية التعليمية.

ورغم الطابع الشمولي لهذه الرافعة، تواجه المنظومة تحديات على مستوى التمويل المستدام، إذ لا تزال مدارس كثيرة تعاني من الاكتظاظ وضعف التجهيزات كما أن إدماج التكنولوجيا يحتاج إلى تكوين متواصل للأطر وإلى دعم مستمر وهو ما لا يزال بعيد المنال في كثير من المناطق) (32) (.

الرافعة السابعة: إرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية

تسعى هذه الرافعة إلى جعل المدرسة فضاءً محفزًا عبر إدماج برامج الدعم التربوي للمتعثرين وتعزيز الدعم الاجتماعي لطلبة التكوين المهني.

وبالرغم من أن هذا التوجه يمثل محاولة لمعالجة ظاهرة الهدر المدرسي وضعف التحصيل، لكنه يحتاج إلى تغيير ثقافة المدرسة نفسها نحو مزيد من الشمولية والتفرد في الاستجابة للحاجات. إذ غالبًا ما يتم الاقتصار على حلول ظرفية دون بناء برامج دعم عميقة وشاملة) (33) (.

الرافعة الثامنة: التعليم الخاص شريك للتعليم العمومي

تعترف هذه الرافعة بدور القطاع الخاص كشريك استراتيجي في التعميم وتحقيق الإنصاف، لكنها تشدد على ضرورة التزامه بمبادئ المرفق العمومي والخضوع لآليات الفحص البيداغوجي والتدبيري المنتظم.

وعليه وبالرغم من أن إشراك القطاع الخاص قد يسهم في توسيع العرض التعليمي، إلا أن المخاطر المتعلقة بتكريس الفوارق الاجتماعية تبقى حاضرة. فالقدرة المالية للأسر تحدد جودة التعليم، مما قد يُعمّق الفجوة بين الفئات، ما لم تُفرض رقابة صارمة ومعايير موحدة للجودة

وهكذا يتضح من خلال تحليل هذه الرافعات أن الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 حاولت الجمع بين الإنصاف والجودة والتحديث، إلا أن نجاحها يتوقف على إرادة سياسية واضحة وموارد بشرية ومالية كافية وتقييم دوري صارم.

الفصل الثاني: من أجل مدرسة الجودة للجميع

الرافعة التاسعة: تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير

تؤكد الرؤية الإستراتجية على أن جودة التعليم تبدأ بالموارد البشرية، لذا تعطي الأولوية للرفع من جاذبية المهنة عبر تكوين أساس متين وتكوين مستمر وفعال وربط الترقي المهني بالكفاءات والإنجازات. هذا يتقاطع مع ما تؤكد عليه التقارير الدولية حول دور المدرس كعنصر مركزي في أي إصلاح تربوي ) (34) (.

نقد: الرؤية لم تحدد بدقة آليات جذب الكفاءات، كما لم تعالج إشكالات ضعف الحافزية وهجرة الأطر التعليمية، وهي معضلات معروفة في المنظومة المغربية.

الرافعة العاشرة: هيكلة أكثر انسجامًا ومرونة لمكونات المدرسة وأطوارها

ترى الرؤية ضرورة إحداث مسار للتعليم المهني ينطلق من الإعدادي، ودمج التعليم الأولي مع الابتدائي لتوحيد التوجه التربوي.

إذ على الرغم من أهمية هذا الدمج في بناء مسار تعليمي متكامل، فإن غياب البنيات التحتية الكافية وضعف تكوين الأطر المتخصصة في التعليم الأولي والمهني يمثل عائقًا أمام التنزيل الفعلي.

الرافعة الحادية عشرة: مأسسة الجسور بين مختلف أطوار وأنواع التربية والتكوين

تتمثل هذه الرافعة في تطوير آليات التنسيق بين القطاعات التعليمية المختلفة وتحديث نظام التوجيه والممرات البيداغوجية. كما تستهدف تطوير منظومة التوجيه المدرسي والتكوين المهني، مع إعادة هيكلة الممرات البيداغوجية التي يسلكها المتعلم داخل المنظومة التعليمية. فالممرات البيداغوجية تُعرَّف على أنها المسارات التعليمية المنظمة التي توجه المتعلم من مرحلة إلى أخرى، وتتيح له اختيار خيارات تعليمية وتكوينية مناسبة وفق ميوله وقدراته ) (35) (. وتشمل هذه المسارات التعليم النظامي والتكوين المهني والتعليم العالي وكذلك التعليم غير النظامي ما يضمن استدامة التعلم وتمكين المتعلم من بناء مشروعه الشخصي والاندماج الفعّال في المجتمع

حيث تركز هذه الرافعة على جانبي التوجيه والتخطيط للمسار التعليمي، ما يجعلها أكثر شمولية من الاكتفاء بتحديث نظام التوجيه فقط. فهي لا تقتصر على تقديم الاستشارات الأكاديمية للمتعلمين، بل تشمل تنظيم المسارات التعليمية بمرونة واستجابة لحاجياتهم المتنوعة، وهو ما يُعد من الركائز الأساسية لضمان فعالية التكوين ونجاعة التعليم في تحقيق أهداف الرؤية الاستراتيجية 2015-2030

لكن وبالرغم من كل هذا يظل التحدي الأكبر هو غياب قاعدة بيانات موحدة، وضعف التنسيق المؤسسي بين وزارات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني، ما يجعل التوجيه غالبًا شكليًا لا استشرافيًا ) (36) (.

الرافعة الثانية عشرة: تطوير نموذج بيداغوجي قوامه التنوع والانفتاح والنجاعة والابتكار

تركز الرؤية الاستراتيجية هنا على تحديث المناهج والبرامج وتبني المقاربات البيداغوجية الحديثة، ووضع المتعلم محور العملية التربوية، والمدرس ميسر ومشرف على التعلمات ) (37) (.. كما تؤكد على تطوير الوسائط التعليمية والمكتبات المدرسية وإدماج التكنولوجيا وتخفيف كثافة البرامج وإعادة النظر في الإيقاعات الزمنية.

فالبرغم من أن هذا التوجه متقدم وينسجم مع نظريات التعلم البنائي والابتكار التربوي. غير أن الإشكال يبقى في غياب خطط تكوين فعالة للمدرسين وضعف الوسائل التقنية في المؤسسات خصوصًا بالعالم القروي.

تعكس هذه الرافعات وعيًا استراتيجيًا بأهمية الموارد البشرية والهندسة البيداغوجية والانفتاح على التكنولوجيا. غير أن تنزيلها يتطلب إرادة سياسية قوية وتمويلًا مستدامًا وتأطيرًا مؤسساتيًا فعالًا.

الفصل الثالث: من أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع

يسعى هذا الفصل إلى تقديم قراءة نقدية وتحليلية للفرص والإمكانات التي توفرها الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم بالمغرب (2015-2030) من خلال الرافعات 16-21، مع التركيز على تعزيز جودة التعليم وتمكين الفرد وتحقيق التكامل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ) (38) (.

الرافعة السادسة عشرة: ملائمة التعلمات والتكوينات مع حاجات البلاد ومهن المستقبل والتمكين من الإدماج

تركز هذه الرافعة على مواءمة التعلمات والتكوينات مع متطلبات سوق الشغل واحتياجات التنمية الوطنية والعالمية ) (39) (.، بما يمكن المدرسة من تطوير كفايات عملية وابتكارية لدى المتعلمين.

فبينما تؤكد الرؤية على ربط التعليم بالاقتصاد، يظل التحدي الرئيسي في تحديد الأولويات بدقة وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المؤسسات التعليمية، خصوصًا بين الحضرية والقروية ) (40) (.

الرافعة السابعة عشرة: تقوية الاندماج السوسيو-ثقافي

تهدف هذه الرافعة إلى تعزيز الانفتاح الثقافي للمدرسة، وضمان نقل التراث الثقافي والحضاري المغربي مع الانفتاح على ثقافات أخرى ) (41) (.

حيث أن نجاح هذه الرافعة مرتبط بقدرة المدرسة على تجديد المناهج لتكون شاملة ومرنة بحيث تحترم الهوية الوطنية وتتيح التفاعل مع الثقافات العالمية ) (42) (.

الرافعة الثامنة عشرة: مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة

تؤكد هذه الرافعة على أن المدرسة يجب أن تكون فضاء لترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية والمساواة، عبر المناهج والبرامج التعليمية ) (43) (.

فنجاح هذه الرؤية يعتمد على تدريب الأساتذة على مقاربة قيمية شاملة وربط التعليم بالقيم اليومية

للمتعلمين، إضافة إلى ضرورة وجود متابعة وتقييم مستمر.

الرافعة التاسعة عشرة: تأمين التعلم مدى الحياة والمساواة

تشجع هذه الرافعة على التعلم المستمر لكل الفئات العمرية مع التركيز على التعليم الحضوري والتعلم عن بعد والتكوين المهني والتقني، غير أن التحدي الرئيسي يكمن في كيفية توفير الموارد البشرية والمادية الكافية وفي كيفية ضمان جودة التعلم عن بعد خاصة في المناطق النائية ) (44) (.

الرافعة العشرون: الانخراط الفاعل في اقتصاد ومجتمع المعرفة

تركز هذه الرافعة على تهيئة المدرسة لتكون فاعلة في اقتصاد المعرفة من خلال أربعة محاور رئيسية وهي كالآتي:

المحور الأول: تكنولوجيا الإعلام والتواصل

المحور الثاني :اللغات الأكثر استعمالًا عالمياً

المحور الثالث: البحث العلمي والابتكار التقني

المحور الرابع: التفوق والتميز الدراسي والتكويني ) (45) (.

غير أن التطبيق الفعلي لهذه الرؤية يحتاج إلى استثمارات في التكنولوجيا وتطوير مهارات المعلمين وتعزيز ثقافة البحث والابتكار منذ المستويات الأولى.

الرافعة الواحدة والعشرون: تعزيز توقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة

تسلط هذه الرافعة الضوء على ربط المدرسة بالنمو الاقتصادي الوطني عبر:

تعزيز الاستثمارات في التربية والتكوين ) (46) (.

إدماج التكنولوجيات الحديثة

التأهيل السوسيو-ثقافي والقيمي

تحقيق الإدماج الاقتصادي للمؤسسات التعليمية

إن التطبيق الناجح يتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تربط المدرسة بالاقتصاد، وتشجع الابتكار والاستثمار في الإنسان.

خلاصة الفصل الثالث: من أجل مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع (من الرافعة السادسة عشرة إلى الرافعة الواحدة والعشرين)

وكخلاصة يؤكد هذا الفصل على أن المدرسة المغربية مدعوة إلى الاضطلاع بدور مركزي في تحقيق النهضة المجتمعية والاقتصادية، من خلال جعل التعلمات والتكوينات في انسجام تام مع حاجات البلاد التنموية، بما يضمن تهييئ المتعلمين للانخراط المنتج في سوق الشغل وفي ديناميات التنمية. وفي السياق ذاته، تسعى المدرسة إلى تعزيز الاندماج السوسيو-ثقافي عبر جعلها فضاءً لترسيخ قيم الانفتاح والتعايش واحترام التنوع الثقافي واللغوي، بما يعزز الانتماء الوطني والهوية المغربية في تفاعلها الإيجابي مع القيم الكونية.

كما يبرز هذا الفصل أهمية إرساء مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة عبر إشاعة ثقافة الحقوق والواجبات وتربية الناشئة على مبادئ العدالة والحرية والمسؤولية المشتركة. ويوازي ذلك إرساء مفهوم التعلم مدى الحياة، بوصفه ركيزة أساسية لتجديد الكفايات وتطوير القدرات لمواكبة التحولات المجتمعية والتكنولوجية المتسارعة.

ومن جهة أخرى، يتم التركيز على ضرورة الانخراط الفاعل في اقتصاد ومجتمع المعرفة، عبر تمكين المدرسة من مقومات الابتكار والإبداع والبحث العلمي، مما يجعلها قاطرة لإنتاج المعرفة وتوظيفها في خدمة التنمية. كل ذلك من شأنه أن يعزز تموقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة، ويجعل المدرسة الوطنية أداة استراتيجية لتحقيق التنمية الشاملة والارتقاء بالفرد والمجتمع على حد سواء.

الفصل الرابع: من أجل ريادة ناجعة وتدبير جديد للتغيير

الرافعة الثانية والعشرون: تعبئة مجتمعية مستدامة

تشير الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 إلى أن نجاح أي إصلاح تعليمي رهين بتعبئة وطنية شاملة، حيث تم إعلان الفترة الممتدة بين 2015 و2030 كمدى زمني مخصص لتجديد المدرسة المغربية. هذه التعبئة تتطلب إشراك كل الفاعلين: الدولة والجماعات الترابية ومؤسسات التربية والتكوين والبحث العلمي والمنظمات النقابية والقطاع الخاص والأسرة والمجتمع المدني والمثقفين والفعاليات الفنية والإعلامية. ويظهر هذا التوجه في تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي التي اعتبرت المدرسة قضية مجتمعية لا يمكن فصلها عن التنمية الوطنية ) (47) (.

وبالرغم من أهمية هذا التوجه، تبرز تساؤلات حول مدى جاهزية المجتمع المدني والقطاع الخاص للانخراط الفعلي خاصة في ظل التفاوتات المجالية والبشرية بين الوسط الحضري والقروي. وتجارب التعبئة السابقة مثل برنامج "مدرسة النجاح" سنة 2009 أظهرت أن غياب رؤية تشاركية واضحة يحدّ من الفعالية ) (48) (. لذا فإن نجاح التعبئة يتطلب إرادة سياسية وآليات تحفيزية قوية لضمان الاستمرارية، لا الاكتفاء بالشعارات.

الرافعة الثالثة والعشرون: ريادة وقدرات تدبيرية ناجعة

تؤكد هذه الرافعة على ضرورة إرساء حكامة رشيدة في المنظومة التربوية، من خلال تعزيز القدرات التدبيرية والقيادية في مختلف مستويات المدرسة. ويستدعي هذا اعتماد آليات ريادة فعالة ومقاربات استباقية، وترجمة الرؤية إلى واقع ملموس. ويأتي هذا في انسجام مع ما نص عليه الدستور المغربي لسنة 2011 في الفصل 31 بخصوص الحق في التعليم وواجب الدولة في تعبئة الوسائل الملائمة ) (49) (.

بالرغم من وضوح التوجه، يبقى التحدي في تحويل هذه المبادئ إلى ممارسات عملية. إذ ما زالت بعض المؤسسات تعاني من البيروقراطية وضعف التنسيق، كما بيّنت تقارير المجلس الأعلى في تقييم برنامج إصلاح التعليم 2000-2013 ) (50) (. كما أن مفهوم الريادة يحتاج إلى تأهيل الكفاءات وتحفيز الموارد البشرية وضمان المرونة في اتخاذ القرار وهو ما تؤكد عليه أيضًا تجارب دولية مثل فنلندا وسنغافورة حيث ربطت جودة القيادة التعليمية بتحسن النتائج الدراسية.

وكخلاصة أولية يتضح أنه ومن خلال هاتين الرافعتين، يتضح أن الرؤية الاستراتيجية تراهن على الجودة والارتقاء بالمدرسة المغربية شكلًا ومضمونًا عبر تضافر جهود جميع الأطراف المعنية. لأن الهدف ه كله من هذا هو بناء منظومة تربوية حديثة وفعالة قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل معا مع اعتماد منهج التدرج بين المدى القريب والمدى البعيد. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض ذاته يظل قائمًا: ما موقع الميثاق الوطني للتربية والتكوين في هذه الإصلاحات؟ وما طبيعة العلاقة بين دعاماته ورافعات الرؤية الاستراتيجية ؟

كما تجدر الإشارة إلى أهمية الملحقين المرفقين بكتاب الرؤية الاستراتيجية: الأول يتناول مقتضيات الدستور المتعلقة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، والثاني يشرح المفاهيم المفتاحية.

الفصل الثاني: الإصلاح التربوي في المغرب بين الميثاق الوطني والرؤية الاستراتيجية

مقاربة تحليلية نقدية

يمثل الميثاق الوطني للتربية والتكوين إطارًا مرجعيًا شاملاً لإصلاح منظومة التعليم بالمغرب، إذ يجسد توافق مختلف القوى الاجتماعية الحية على مشروع مجتمعي يسعى إلى تطوير منظومة التربية والتكوين وتجديدها على جميع الأصعدة والمستويات. ووفق قراءة تحليلية مقارنة، يمكن اعتبار الميثاق منظومة متكاملة من الإصلاحات تشمل مكونات وآليات ومعايير تهدف إلى إرساء مؤسسة تعليمية مؤهلة، قادرة على المنافسة والانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي، مع مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية وتكييف التعليم مع الواقع الموضوعي الوطني والدولي ) (51) (.

حيث صدر الميثاق عن اللجنة المكلفة بالإصلاح في سنة 1999، وخصصت له عشرية كاملة لتحقيق الإصلاحات المقررة، مما أدى إلى تسمية الفترة بعشرية الميثاق الوطني. ويضم الميثاق ثلاث وثمانين صفحة مقسمة إلى قسمين أساسيين:

القسم الأول: والذي خصص للمبادئ الأساسية، حيث يشمل المرتكزات الثابتة لنظام التربية والتكوين والغايات الكبرى المتوخاة منه وحقوق وواجبات الشركاء وسبل التعبئة الوطنية لإنجاح الإصلاح ) (52) (.

القسم الثاني: الذي خصص لمجالات التجديد ودعامات التغيير، حيث يضم هذا الأخير ستة مجالات رئيسية تتفرع إلى تسعة عشر دعامة للتغيير والتي تتناول مختلف جوانب تطوير التعليم من البنية التربوية إلى الموارد البشرية والتسيير والشراكة والتمويل.

ويهدف هذا التمهيد إلى تقديم قراءة تمهيدية تحليلية للمحتويات الأساسية للميثاق الوطني للتربية والتكوين، تمهيدًا لإجراء مقارنة دقيقة بينه وبين الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم، مع التركيز على أوجه الاختلاف والتقاطع بين كل منهما في سياق تطوير منظومة التربية والتكوين بالمغرب.

المبحث الأول: الإصلاحات التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين

أولا- على سبيل التقديم

يعتبر الميثاق الوطني للتربية والتكوين وثيقة أساسية لإصلاح النظام التعليمي بالمغرب، إذ يمثل تعاقدًا بين مختلف القوى الاجتماعية الفاعلة، بهدف وضع مشروع مجتمعي شامل يهدف إلى تحسين جودة التعليم وتمكين المؤسسات التربوية من الانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي. ويعرف الميثاق بأنه منظومة متكاملة من الإصلاحات تشمل مكونات وآليات ومعايير صالحة لتجديد التعليم على جميع الأصعدة والمستويات بما يجعل المدرسة المغربية مؤهلة للمنافسة محليًا ودوليًا ومواكبة كل التطورات المعرفية والتكنولوجية ) (53) (.

وقد صدر الميثاق عن اللجنة المكلفة بالإصلاح التربوي عام 1999، وتم تخصيص عشرية كاملة لتنزيل إصلاحاته وأصبح ما يُعرف بعشرية الميثاق الوطني. ويضم الميثاق ثلاث وثمانين صفحة مقسمة إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول: المبادئ الأساسية، ويشمل المرتكزات الثابتة للمنظومة، الغايات الكبرى، حقوق وواجبات الشركاء، وآليات التعبئة الوطنية لإنجاح الإصلاح.

القسم الثاني: مجالات التجديد ودعامات التغيير، ويشمل ستة مجالات متفرعة إلى تسعة عشر دعامة للإصلاح.

تهدف هذه الوثيقة إلى تحليل شامل لكل هذه العناصر في ضوء التوجيهات السامية مع مقاربة مقارنة لاحقة مع الرؤية الاستراتيجية لإظهار أوجه التشابه والاختلاف في آليات الإصلاح والتجديد.

ثانيا - المبادئ الأساسية

أ. المرتكزات الثابتة

تشمل المرتكزات الثابتة مجموعة من القيم والمعايير التي يجب أن تقوم عليها منظومة التربية والتكوين، من أهمها:

- قيم العقيدة الإسلامية، باعتبارها إطارًا ثقافيًا وروحيًا.

- مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان، كقيم كونية تضمن إشراك جميع الفاعلين واحترام الحريات الأساسية.

- مبادئ الملكية الدستورية بما يضمن التوافق مع النظام السياسي المغربي.

- مبادئ الهوية المغربية والأصالة والمعاصرة، لضمان حماية التراث الثقافي ومواكبة المستجدات العالمية.

- القيم المعرفية والأخلاقية، حيث يُلزم الأستاذ باحترام المعرفة ومراقبة الجودة والالتزام بأخلاقيات المهنة.

ب. الغايات الكبرى

تهدف الغايات الكبرى للميثاق إلى:

- تكوين مواطن صالح ومنتج، قادر على خدمة وطنه ومجتمعه.

- جعل المتعلم مركز العملية التعليمية، مع تعزيز قدراته المعرفية والمهارية.

- انفتاح المدرسة على محيطها الاجتماعي والاقتصادي، لضمان تكامل التعلم مع الواقع المعيشي.

- التعليم والمعرفة: تزويد المتعلم بالمعارف الأساسية والضرورية للتأهيل الاجتماعي والاقتصادي.

- مواكبة التطور المعرفي والتكنولوجي بما يتيح اندماج المدرسة في السياق الدولي المعاصر.

- التشبع بالقيم : ترسيخ القيم الوطنية والأخلاقية لتكوين شخصية متكاملة.

- إتقان اللغتين الرسميتين والانفتاح على اللغات الأجنبية، لتعزيز التواصل والتنافسية الدولية.

- تيسير سبل الانفتاح الثقافي، بما يضمن التعرف على ثقافات متعددة واحترام التنوع.

ثالثا- الترويج لإنجاح الإصلاح والتوجيهات السامية

تجسدت استراتيجية الميثاق في ترويج الإصلاح على كل المستويات الوطنية والدولية عبر:

- تخصيص عشرية كاملة لإصلاح التعليم وهو مؤشر على أولوية هذا الإصلاح وطنياً.

- وضع إصلاح التعليم كثاني أولوية بعد قضية الوحدة الترابية ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للقطاع التربوي.

- الترويج للمشروع في الملتقيات الدولية والمحلية لضمان مصداقية الإصلاح وتشجيع المشاركة الواسعة من مختلف الفاعلين.

- التوجيهات السامية الصادرة عن الملك التي توفر الإطار السياسي والتوجيهي لتنفيذ الإصلاحات وضمان انسجامها مع السياسات الوطنية العليا ) (54) (.

هذه التوجيهات السامية تمثل خريطة الطريق للإصلاح، وتضمن متابعة دقيقة لآليات التنفيذ وربط المسؤولية بالمحاسبة، ما يعزز جدية العملية الإصلاحية على الأرض.

رابعا- حقوق وواجبات الشركاء

يولي الميثاق الوطني أهمية خاصة للشركاء التربويين وخصوصًا المدرسين، حيث تحدد الوثيقة حقوقهم وواجباتهم بما يضمن:

- توفير بيئة عمل مستقرة ومحفزة.

- احترام أطر التشريع المدرسي.

- الالتزام بالمعايير التربوية والأخلاقية، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة.

خامسا- مجالات التجديد ودعامات التغيير

تنقسم مجالات التجديد في الميثاق إلى ستة مجالات رئيسية تغطي تسع عشر دعامة أساسية:

- المجال الأول: نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي

دعامة 1: تعميم تعليم جيد في مدرسة متعددة الأساليب.

دعامة 2: التربية غير النظامية ومحاربة الأمية.

دعامة 3: السعي إلى أكبر تلاؤم بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي.

المجال الثاني: التنظيم البيداغوجي

دعامة 4: إعادة هيكلة وتنظيم أطوار التربية والتكوين.

دعامة 5: التقويم والامتحانات.

دعامة 6: التوجيه التربوي والمهني.

المجال الثالث: الرفع من جودة التربية والتكوين

دعامة 7: مراجعة البرامج والمناهج والكتب المدرسية والوسائط التعليمية.

دعامة 8: تنظيم الفضاءات المدرسية والإيقاعات الزمنية.

دعامة 9: إتقان اللغتين الرسميتين والانفتاح على اللغات الأجنبية.

دعامة 10: استعمال التكنولوجيا ووسائل الإعلام.

دعامة 11: تشجيع التفوق والتجديد والبحث العلمي.

دعامة 12: إنعاش الأنشطة الرياضية والتربية البدنية والموازية.

المجال الرابع: الموارد البشرية

دعامة 13 و14: تحفيز الموارد البشرية وإتقان تكوينها وتحسين ظروف العمل ومراجعة مقاييس التوظيف والتقويم والتربية.

المجال الخامس: التسيير والتدبير

دعامة 15: إقرار اللامركزية واللاتمركز في قطاع التربية والتكوين.

دعامة 16: تحسين التدبير العام لنظام التربية والتكوين المستمر.

دعامة 17: تنويع أنماط البنايات والتجهيزات، ملاءمتها لمحيطها، ترشيد استغلالها وحسن تسييرها.

المجال السادس: الشراكة والتمويل

دعامة 18: حفز قطاع التعليم الخاص وضبط معايير وتسيير الاعتمادات.

دعامة 19: تعبئة موارد التمويل وترشيد تدبيرها.

سادسا- قراءة تحليلية للمبحث

فمن خلال قراءة نقدية للمبادئ والدعامات يمكن استخلاص ما يلي:

- التكامل بين المبادئ والغايات: جميع المبادئ والغايات الكبرى متكاملة حيث تربط بين التعليم

و التأهيل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والتطور التكنولوجي ) (55) (.

- الربط بين التوجيهات السامية والتنفيذ: يضمن وجود التوجيهات السامية متابعة دقيقة لتنفيذ الإصلاحات وربط المسؤولية بالمحاسبة وهو ما يقلل من الهفوات السابقة في التخطيط والتنزيل.

- الشمولية والتدرج: يشمل الميثاق الوطني جميع المستويات من التمدرس والجودة والموارد البشرية والتسيير والتمويل مما يعكس رؤية متكاملة للإصلاح.

- الإطار التحفيزي للشركاء: من خلال تحديد الحقوق والواجبات وتحفيز الموارد البشرية حيث يضمن الميثاق التزام الفاعلين بتحقيق النتائج المرجوة.

. المبحث الثاني: مقارنة بين إصلاح الرؤية الاستراتيجية والميثاق الوطني للتربية والتكوين على مستوى التخطيط والتجديد

بعد استعراضنا للمرتكزات والمبادئ الأساسية التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، يظهر جليًا أن العديد من الدعامات التي يؤطرها الميثاق تتقاطع مع رافعات الرؤية الاستراتيجية للإصلاح. فالغاية النهائية لكليهما تكمن في تعزيز الجودة والارتقاء بالمدرسة المغربية فضلاً عن إصلاح كل ما يتعلق بقطاع التربية والتعليم. ومع ذلك، فإن الفارق بينهما يظهر جليًا على مستوى التخطيط، ومنهجية التنفيذ وآليات التجديد وهو ما يتطلب تحليلًا نقديًا متأنيا.

أولًا: أوجه التشابه

الأساس الملكي للإصلاحات:

كلا الإصلاحين لكل من الميثاق الوطني والرؤية الاستراتيجية يستندان إلى خطاب ملكي سامٍ كمرجعية أساسية لتحديد الأولويات الوطنية. فقد جاء الميثاق استجابةً للخطاب الملكي بتاريخ فاتح الدورة التشريعية الثالثة سنة 1999، بينما تأسست الرؤية الاستراتيجية على عدة خطابات ملكية منها خطاب ثورة الملك والشعب (2012 و2013) وخطاب افتتاح الدورة التشريعية لسنة 2014. ويُظهر هذا التشابه أن كلا الإصلاحين يعتمدان على السلطة العليا للبلاد لتحديد الأولويات، ما يضمن انسجام الإصلاحات مع الرؤية الوطنية الشاملة للبلاد ) (56) (.

الاهتمام بالجودة والارتقاء بالمدرسة المغربية:

يركز كل من الميثاق والرؤية على تحقيق مدرسة ذات جودة عالية، قادرة على تلبية متطلبات التنمية الشاملة. إذ يعتبر ضمان الجودة محورًا مشتركًا يربط بين التخطيط الاستراتيجي للميثاق والرؤية، ويعكس إدراك صناع السياسة التعليمية لأهمية تطوير الموارد البشرية والبنية التربوية ) (57) (.

الإصلاح كأولوية بعد الوحدة الترابية:

يظهر الاهتمام بإصلاح نظام التربية والتكوين باعتباره من الأولويات الوطنية الأساسية بعد استكمال الوحدة الترابية، وهو عامل مشترك بين الميثاق والرؤية. هذا الانسجام يعكس التوجه السياسي الوطني نحو الاستثمار في العنصر البشري كرافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ثانيًا: أوجه الاختلاف

الإطار الدستوري والمرجعية القانونية:

أبرز الفروقات تكمن في السياق القانوني الذي أُنشئت فيه كل من المبادرتين. فالرؤية الاستراتيجية استفادت من مقتضيات دستور 2011، الذي يُعد المصدر الأعلى للتشريع في المغرب مما منح الإصلاحات الجديدة ميزة في التجديد والالتزام القانوني غير أنه وفي المقابل صدر الميثاق الوطني قبل دستور 2011، وبالتالي اعتمد على أسس قانونية أقدم ما حد من قدرته على تجاوز بعض الإشكالات البنيوية في القطاع التعليمي ) (58) (.

التخطيط الاستراتيجي وآليات التنفيذ:

تميل الرؤية الاستراتيجية إلى منهجية أكثر شمولية وديناميكية مقارنة بالميثاق. فهي لا تكتفي بوضع الأهداف العامة، بل تعتمد على مؤشرات أداء واضحة، وآليات متابعة وتقويم دقيقة، وهو ما لم يكن متاحًا بشكل كامل في الميثاق. هذا التباين يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية التخطيط الاستباقي والتنفيذ المبني على بيانات ومعايير علمية ) (59) (.

تجاوز الهفوات السابقة:

تحاول الرؤية الاستراتيجية معالجة النقائص التي أظهرها الميثاق سواء على مستوى التخطيط أو على مستوى تنزيل البرامج على أرض الواقع مما يشير إلى أن الرؤية ليست مجرد استمرارية للمبادئ السابقة بل محاولة نقدية لتطوير نموذج إصلاحي أكثر فعالية واستجابة للتحديات المعاصرة ) (60) (.

حيث يمكن القول إن الرؤية الاستراتيجية، بفضل سياقها الدستوري ومقترحاتها الأكثر دقة في التخطيط والتنفيذ تمثل محاولة للإصلاح الذكي والفعال الذي يستفيد من تجارب الميثاق الوطني السابقة. ومع ذلك، يبقى التحدي في مدى قدرة كل من الميثاق والرؤية على ترجمة الأهداف النظرية إلى نتائج ملموسة على مستوى التعلمات والمردودية المدرسية وهو ما يستدعي تقييمًا دوريًا مستندًا إلى مؤشرات الأداء النوعية والكمية. كما يبرز جليًا أن اعتماد الإصلاحات على الخطاب الملكي وحده، رغم أهميته الرمزية والسياسية لا يكفي لضمان الاستدامة إذا لم يُواكب بتقنيات التخطيط والتنفيذ العلمية والمبتكرة.

المبحث الثالث: تقييم وإعادة النظر في أوجه التشابه والاختلاف بين الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية 2015–2030

إن مقارنة الإصلاحات التي جاء بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) مع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030 تظهر تفوقًا واضحًا للرؤية الاستراتيجية من حيث قابلية التنفيذ والمرونة الزمنية في الأهداف كما تكشف عن تقدم في أطر التخطيط والتجديد البيداغوجي وتنظيم منظومة التعليم برمتها.

أولا - الإطار الزمني وأولويات التنفيذ

تميزت الرؤية الاستراتيجية بوضع أهداف زمنية متدرجة:

المدى القريب (2015–2018) ،

المدى المتوسط (2018–2021) ،

المدى البعيد (بعد 2021) ،

وقد رافق هذا التقسيم صدور وثائق تحدد الأولويات والإصلاحات الأساسية لكل مرحلة ) (61) (. بالمقابل، جاء الميثاق الوطني في صياغة عامة وواسعة ولم يتمكن من تحقيق أهدافه إلا بعد صدور تقرير 2008 الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي أفضى إلى وضع المخطط الاستعجالي لإجرائه ) (62) (.

ثانيا - المتعلم والمدرس والمادة التعليمية

المتعلم: انتقل من كونه متلقيًا سلبيًا إلى محور العملية التعليمية، مشاركًا في بناء التعلمات، وهو ما يمثل تحولًا جوهريًا في الرؤية والمثاق على حد سواء ) (63) (.

المدرس: أصبح موجهاً ومشاركًا في وضع البرامج الدراسية، وأحد عناصر المثلث الديداكتيكي ) (64) (.

المادة التعليمية: عمل الميثاق الوطني على ضبط معايير الكتب المدرسية وفق دفتر التحملات، مع فتح باب التباري بين لجان التأليف المختلفة، بينما عملت الرؤية الاستراتيجية على تنويع محتوى البرامج وتحسين جودة التدريس وفق معايير علمية وحديثة.

البيداغوجيا: تم الانتقال تدريجيًا من بيداغوجيا الأهداف التقليدية إلى بيداغوجيا الكفايات، وهو ما عززه الميثاق، فيما الرؤية استكملت هذا المسار بتطوير المناهج وتكييفها مع حاجيات القرن الواحد والعشرين ) (65) (.

ثالثا- إلزامية التعليم

نص الميثاق الوطني على إلزامية التعليم من سن ست سنوات إلى الخامسة عشرة، في حين وسعت الرؤية الاستراتيجية هذا الإطار ليشمل التعليم الأولي والابتدائي والثانوي، مع التأكيد على ضرورة إعداد متعلم متكامل ) (66) (.

رابعا - اللغات في التعليم

اعتمد الميثاق اللغة العربية كلغة إلزامية مع مراعاة اللغة الأمازيغية في التعليم الأولي، في حين أكدت الرؤية الاستراتيجية على إلزامية اللغتين العربية والفرنسية، وجعلت الأمازيغية لغة ثانية كما نصت على تنويع اللغات في التدريس لتحسين التحصيل الدراسي ) (67) (.

خامسا- تكوين الأطر والتنظيم البيداغوجي

أعادت الرؤية الاستراتيجية النظر في تكوين الأساتذة والمفتشين وتجديد مهن التربية والتكوين وتحديد الأدوار، في حين لم يولي الميثاق الوطني هذا الجانب اهتمامًا كافيًا ) (68) حيث أن الأطر التربوية، من مدرسين وإداريين تعد الفاعل المحوري في إنجاح مشاريع الإصلاح التربوي، باعتبارها الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الارتقاء بجودة المدرسة وتجويد منظومة التعليم برمتها.

سادسا - اللغة القانونية في الوثيقتين

اتسمت لغة كل من الميثاق الوطني والرؤية الاستراتيجية باللغة القانونية الواضحة والدقيقة وهي لغة:دقيقة وواضحة وشاملة للمعلومات ومتوافقة مع النصوص القانونية السارية، ومحدودة الحجم لتكون مفهومة للمخاطب العادي، ومقيّدة لمعاني الجمل لتجنب التأويلات الخاطئة) (69) (.

وقد أشار ميشال ريفاتير إلى أن اللغة القانونية تنفصل عن اللغة العادية بوظيفتين أساسيتين: الأولى عملية للإشارة إلى الواقع، والثانية تركّز على الرسالة بوصفها غاية في ذاتها ) (70) (

وهكذا واستنتاجا لما سبق يمكن القول بأن الرؤية الاستراتيجية قد تجاوزت أغلب محدوديات الميثاق الوطني، سواء على مستوى الإطار الزمني أو التخطيط المرحلي أو تجديد المناهج أو اللغات المستخدمة، بالإضافة إلى الاهتمام بتكوين الأطر التعليمية. كما ساهمت لغة الرؤية الاستراتيجية القانونية الدقيقة في جعل الإصلاح أكثر وضوحًا وقابلية للتنفيذ. هذا التقدم يعكس تحولًا نوعيًا في فهم الدولة المغربية لضرورة ربط الإصلاح التربوي بالحقوق والجودة والإنصاف، وهو ما لم يكن متحققًا بالشكل الكافي في الميثاق الوطني.

المبحث الثاني: مرتكزات الرؤية الاستراتيجية ومقارباتها المقارنة

أولا - تشخيص الواقع التعليمي المغربي وانبثاق الحاجة إلى إصلاح جديد

لقد شكّل التعليم في المغرب منذ الاستقلال إحدى القضايا المركزية التي ظلت حاضرة في الأجندة السياسية والاجتماعية، نظرًا لارتباطه الوثيق بالتنمية الشاملة وبناء الدولة الحديثة. غير أنّ محاولات الإصلاح السابقة وفي مقدمتها الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) والمخطط الاستعجالي (2009-2012) ، لم تُفض إلى النتائج المرجوة بسبب صعوبات التنزيل وضعف الحكامة، وغياب التتبع والتقييم الصارم للسياسات العمومية في هذا القطاع الحيوي) (71) ( .

وانطلاقًا من هذا التشخيص عمل المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على إعداد الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، التي جاءت استجابة لمجموعة من التحديات التي واجهت المدرسة المغربية في بدايات الألفية الثالثة. وقد ارتكزت هذه الرؤية على تقارير وطنية ودولية تؤكد تراجع المغرب في مؤشرات الجودة والإنصاف والمردودية، الأمر الذي استوجب صياغة استراتيجية بعيدة المدى تعالج الإشكالات البنيوية وتفتح آفاقًا جديدة للتطور.

ثانيا - مرتكزات الرؤية الاستراتيجية: الإنصاف، الجودة، والارتقاء

انطلقت الرؤية الاستراتيجية من ثلاثة مرتكزات أساسية ) (72) ( :

الإنصاف وتكافؤ الفرص: ضمان تعليم جيد لكافة الفئات، مع إيلاء أهمية خاصة للفئات الهشة والمناطق القروية.

الجودة للجميع: تحسين المناهج وتكوين الأساتذة وتجويد التعلمات وتوفير بيئة مدرسية محفزة.

الارتقاء الفردي والمجتمعي: اعتبار المدرسة فضاءً لبناء المواطن الفاعل والارتقاء بالمجتمع ككل.

وقد حسمت الرؤية الاستراتيجية في مسألة التناوب اللغوي، من خلال الجمع بين اللغات الرسمية (العربية والأمازيغية) والانفتاح على اللغات الأجنبية، معتبرة أن التعددية اللغوية خيار استراتيجي يواكب الانفتاح الحضاري للمغرب. هذا من جهة ومن جهة ثانية أكدت الرؤية أيضا على أهمية القسم الدراسي باعتباره النواة الصلبة للعملية التعليمية التعلمية، حيث يتم التفاعل بين المدرس والمتعلم والمناهج، لأجل تحديد مخرجات أي إصلاح تعليمي.

ثالثا - آليات التنزيل ومأزق التنفيذ

من أجل تجاوز عثرات الماضي، أحدث المجلس الأعلى للتربية والتكوين آلية مؤسساتية تضم رئاسة المجلس وأمانته العامة ووزراء القطاع ورؤساء اللجان الدائمة، مهمتها تتبع تنزيل الرؤية الاستراتيجية وتقييمها بشكل دوري. إلا أن أبرز تحدٍّ ظل مطروحًا هو الفجوة بين التصور والتنفيذ، حيث أن الإصلاحات غالبًا ما تبقى حبيسة الوثائق الاستراتيجية دون أن تصل إلى فضاء القسم حيث يوجد المتعلم. ولذلك، ركزت الرؤية على ضرورة مأسسة الإصلاح عبر تحويلها إلى قانون إطار ملزم لكافة الفاعلين، بغض النظر عن تغير الحكومات أو الوزراء) (73) ( .

رابعا - المقارنة مع التجارب الدولية

التجربة الفرنسية

تتميز فرنسا باعتمادها منذ عقود على مركزية القرار التربوي مع وجود وزارة قوية تشرف على البرامج والمناهج والتكوين. غير أن هذه المركزية أدت أحيانًا إلى بطء التكيف مع التحولات المجتمعية. في المقابل، استفادت الرؤية المغربية من التجربة الفرنسية في مجال توحيد المناهج والصرامة في تكوين المدرسين، لكنها حاولت تجاوز عائق المركزية المفرطة باعتماد المقاربة التشاركية والمشاورات الجهوية.

التجربة الأمريكية

تُعتبر الولايات المتحدة نموذجًا مغايرًا، حيث يسود اللامركزية التعليمية، إذ تمتلك كل ولاية صلاحيات واسعة في وضع المناهج وتنظيم الامتحانات. فما يمكن للمغرب أن يستفيد منه هنا هو تجربة المساءلة والتقييم المستمر للأداء المدرسي، وربط الدعم العمومي بنتائج المؤسسات. غير أن هذه التجربة تعاني من فجوات حادة في الإنصاف وهو ما حاولت الرؤية الاستراتيجية المغربية معالجته بجعل تكافؤ الفرص في صميم الإصلاح.

التجربة الفلندية والسويدية

تُعد فنلندا والسويد من أبرز النماذج الناجحة عالميًا، حيث تقوم أنظمتهما التعليمية على:

- جعل المتعلم محور العملية التعليمية التعلمية، مع منح استقلالية واسعة للمدرس.

- المساواة والإنصاف باعتبار التعليم حقًا أساسيًا للجميع.

- التقويم التكويني المستمر بدلًا من الامتحانات الموحدة الصارمة.

إن ما يميز هذه التجارب هو الثقة في المدرس، إذ يخضع لتكوين عالٍ ويُنظر إليه كفاعل مركزي في الإصلاح. وقد حاولت الرؤية الاستراتيجية المغربية الاقتراب من هذا النموذج عبر التشديد على أهمية تأهيل المدرس وإعادة الاعتبار له.

وهكذا ومن خلال هذه المقارنة يتضح أن الرؤية الاستراتيجية المغربية حاولت الجمع بين خصائص متعددة ولعل من أهمها: صرامة التكوين الفرنسية ومرونة التسيير الأمريكية، وإنصاف التجارب الاسكندنافية. غير أن التحدي الأكبر يظل متمثلًا في التنزيل الفعلي وتجاوز الهوة بين الوثيقة الإصلاحية والواقع الميداني.

فالمدرسة المغربية مطالبة اليوم ليس فقط بتلقين المعارف بل أيضًا بتربية المتعلمين على القيم ونبذ العنف ومواجهة الظواهر السلبية المنتشرة داخل المؤسسات، وهو ما يقتضي إعادة جاذبية المدرسة وتعزيز ثقة المجتمع فيها.

المبحث الثالث: خلاصات واستنتاجات

انطلقت الرؤية الاستراتيجية 2015–2030 من خلال تشخيص دقيق وتقييمي قامت به الهيئة الوطنية للتقييم لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، حيث أعدت تقريرًا مفصلًا عن المجهودات والمكتسبات التي تمت خلال عشرية الإصلاح (2000–2013) ، والتي شملت الميثاق الوطني للتربية والتكوين والمخطط الاستعجالي، باعتباره محاولة لإصلاح التعثرات والصعوبات التي شابت هذه الفترة ) (74) ( .

وقد شكل هذا التقرير مرتكزًا أساسيًا لإعداد الرؤية الاستراتيجية، إلى جانب استماع المجلس الأعلى لمجموعة واسعة من التشاورات والاقتراحات لكافة الفاعلين في قطاع التربية والتكوين، من أحزاب سياسية وشركاء ومؤسسات مدنية وجمعيات وهيئات المجتمع المدني، لتحديد الأولويات والإصلاحات المطلوبة.

أولا- السياق الوطني والدولي

ظهرت الرؤية الاستراتيجية في مرحلة دقيقة على المستوى الوطني والدولي، حيث شهد العالم أحداث ما يسمى بالربيع العربي (2011) ، بينما حافظ المغرب على استقرار سياسي واجتماعي بفضل حنكة القيادة الملكية والإجماع الشعبي، ما أتاح التركيز على الإصلاحات الداخلية المهمة خاصة في قطاع التعليم. كما شكل دستور 2011 قطيعة مع الماضي وأسس لمجموعة من المبادئ الجديدة المتعلقة بالتربية والتكوين والبحث العلمي، ما فرض على المجلس الأعلى إعداد خريطة طريق واضحة للإصلاح، لتتمكن المملكة من تحسين ترتيبها الدولي في المجالات التعليمية والعلمية) (75) ( .

ثانيا- المقومات الأساسية للرؤية

انطلقت الرؤية الاستراتيجية على أساس أربعة مرتكزات رئيسية:

الإنصاف وتكافؤ الفرص: يشكل مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص أحد المرتكزات الجوهرية للرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين. وفي هذا السياق، يقتضي الإصلاح ضمان وصول التعليم الجيد إلى جميع الفئات الاجتماعية دون استثناء، بما في ذلك الفئات الهشة والمناطق القروية، باعتبارهما الفضاءين الأكثر عرضة لتفاوتات بنيوية تحول دون تحقق العدالة التعليمية. ومن ثَمّ، فإن تجاوز مظاهر الإقصاء والحرمان يستلزم سياسات عمومية مندمجة قادرة على رفع العوائق السوسيو اقتصادية والجغرافية التي ما زالت تحد من تعميم الإنصاف في الولوج إلى فرص التعلم. ) (76) (

الجودة الشاملة: تُعتبر الجودة الشاملة ركيزة مركزية ضمن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، إذ تهدف إلى رفع مستوى التعليم من خلال تطوير المناهج والمقررات الدراسية، وتحسين أداء المدرس والمتعلم على حد سواء. ويستلزم هذا التوجه اعتماد معايير علمية دقيقة وتطبيق استراتيجيات تربوية حديثة، بما يضمن تحقيق نتائج تعليمية فعالة ومستدامة، ويعزز قدرة النظام التعليمي على الاستجابة لمتطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية ) (77) (

الارتقاء الفردي والمجتمعي: يشكل الارتقاء الفردي والمجتمعي ركيزة أساسية ضمن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، حيث يركز هذا التوجه على تطوير مهارات المتعلم وتمكينه من المشاركة الفاعلة في المجتمع. ويهدف إلى تهيئة بيئة تعليمية محفزة تشجع على التفكير النقدي والإبداعي، وتزود المتعلم بالأدوات والقدرات اللازمة لمواجهة تحديات الحياة والمساهمة بفعالية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. كما يعزز هذا التوجه دور التعليم في بناء مواطنين مسؤولين وفاعلين قادرين على المشاركة الإيجابية في مجتمعهم والمساهمة في رقي وازدهار وطنهم مما يضمن تكامل الإصلاحات التعليمية مع أهداف التنمية المستدامة وتحقيق أثر ملموس على الفرد والمجتمع على حد سواء ) (78) (

ريادة ناجعة وتدبير جديد للتغيير: تشكل هذه الأخيرة ركيزة أساسية ضمن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين، حيث تهدف إلى ضمان فعالية الإصلاحات وكفاءتها عبر اعتماد مقاربة تشاركية واستراتيجية لتسيير الموارد والإصلاحات. ويعتمد هذا التوجه على إشراك جميع الفاعلين المعنيين، من أساتذة وإداريين ومجتمع مدني، في صياغة وتنفيذ السياسات التعليمية، بما يعزز الالتزام المشترك ويضمن استدامة النتائج. كما يُسهم التدبير الجيد للتغيير في تحسين كفاءة الموارد وتنسيق الإصلاحات، بما يتيح تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز ثقافة الابتكار والمسؤولية على مستوى النظام التربوي ككل) (79) (

ثالثا- التحليل النقدي لإكراهات التنزيل

رغم وضوح الرؤية الاستراتيجية وتفصيل أهدافها إلا أن تنزيل الإصلاحات على أرض الواقع واجه عدة إكراهات لعل من أهمها ما يلي :

ضعف الربط بين التخطيط والتنفيذ: حيث تبقى معظم المشاريع الإصلاحية على مستوى التصورات والوثائق، ولا تصل إلى الفصول الدراسية وبالتالي لا يستفيد منها المتعلم بشكل كامل) (80) (

تفاوت التوزيع الجهوي والموارد: بعض الأكاديميات والجهات تواجه نقصًا في الموارد البشرية والمادية، الشيء الذي يحد من قدرة المؤسسات على تطبيق الإصلاحات) (81) (

الفصل الدراسي كالنواة الأساسية: بالرغم من أن الرؤية أولت اهتمامًا كبيرًا بالثالوث التربوي (المعلم، المتعلم، المنهاج) ، إلا أن التطبيق العملي يتطلب تأهيل المدرسين بشكل مستمر وتوفير وسائل التدريس الحديثة) (82) (

الأوضاع السلوكية في المؤسسات التعليمية تشير الأوضاع السلوكية الراهنة في المؤسسات التعليمية إلى انتشار بعض الظواهر السلبية، بما في ذلك العنف والمخدرات والنزاعات بين التلاميذ داخل الفصول، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في البيئة المدرسية والعمل على استعادة جاذبية المدرسة المغربية وتعزيز مكانتها وقيمتها وهيبتها وسمعتها المرموقة. ويتطلب ذلك تبني استراتيجيات فعّالة لتقويم السلوك التربوي وتهيئة بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، قادرة على دعم التعلم الفعّال وتعزيز الانضباط والمسؤولية الفردية والجماعية) (83) (

رابعا - التدابير والإصلاحات المقترحة

استجابت الرؤية الاستراتجية لهذه الإكراهات عبر مجموعة من التدابير:

- تطوير تكوين الأطر التربوية، وإعادة النظر في الأدوار والوظائف داخل المنظومة.

- اعتماد مقاربة تشاركية تشمل جميع الفاعلين في الميدان، من أكاديميات ولجان وهيئات المجتمع المدني.

- اختيار اللغات: اعتماد الرؤية الاستراتيجية اللغتين العربية والأمازيغية كلغات رسمية، والانفتاح على اللغات الأجنبية بمبدأ التناوب اللغوي وهو تقدم نوعي مقارنة بالميثاق الوطني.

- التركيز على المتعلم كمحور العملية التعليمية التعلمية، لضمان مشاركة فاعلة وتمكينه من تطوير مهاراته الفردية) (84) (

- آليات التقييم والمتابعة: إحداث لجنة دورية تضم رئيس المجلس الأعلى والأمين العام والوزراء ورؤساء اللجان، لتقييم ما تم انجازه ومعالجة مواطن الخلل) (85) (

- الضمان القانوني للرؤية: اقتراح تحويل الرؤية الاستراتيجية إلى قانون إطار لضمان استمراريتها مهما تغيرت الحكومات) (86) (

واستنادًا إلى ما تم عرضه أعلاه تتضح مجموعة من الخلاصات الرئيسة والجوهرية التي يمكن استخلاصها من هذا المبحث.:

أولا- الرؤية الاستراتيجية تستند إلى تشخيص دقيق للمرحلة السابقة، وتعمل على تجاوز ثغرات الميثاق والمخطط الاستعجالي، مع التركيز على الجودة والإنصاف والتطوير المستدام.

ثانيا- المقاربة التشاركية واعتماد الرقمنة وتكوين الأطر المتواصل يمثل عامل نجاح أساسي - للرؤية في تحسين التعليم المغربي ورفع مكانته دوليًا.

ثالثا- نجاح الرؤية الاستراتيجية في دمج البعد القيمي والسلوكي للمدرسة، مع التأكيد على التعليم على القيم ونبذ كل أشكال العنف والظواهر السلبية داخل المؤسسات التعليمية.

رابعا- تحديات التطبيق العملي ما زالت قائمة وتتطلب تكثيف الجهود لضمان أن تصل الإصلاحات إلى الفصول الدراسية وتحقق الفائدة المباشرة للمتعلم.

وهكذا يمكن اعتبارهذا المبحث بمثابة خلاصة نقدية للرؤية الاستراتيجية التي تجمع بين التشخيص والتحليل واستشراف مستقبل الإصلاح التربوي وتوضح مدى قدرة الرؤية على تجاوز ثغرات الميثاق والمخطط الاستعجالي مع إبراز أهم نقاط القوة والضعف، وإتاحة قاعدة صلبة للانتقال إلى الخاتمة التي ستلخص كل نتائج هذا البحث وهذه الدراسة النقدية وتبرز أهم الاستنتاجات والتوصيات العملية للارتقاء بالمنظومة التعليمية المغربية.

على سبيل الختم

نخلص في نهاية البحث إلى أن الرؤية الاستراتيجية 2015–2030 جاءت لرد الاعتبار إلى المدرسة المغربية والنهوض بقطاع التعليم، باعتباره المجال الخصب الذي تتكامل فيه باقي المجالات الأخرى

لاسيما التعليم الابتدائي حيث أنه في هذه الصفوف الابتدائية يُصاغ مستقبل الأستاذ والطبيب والمهندس والقاضي والعالم والفيلسوف، فالتعليم هو بؤرة الإبداع ومركز المواهب والطاقات التي تساهم في تقدم المجتمع. لذلك، كان من الضروري لكل غيور على مستقبل بلاده، ولكل من يأمل في التطور، أن يسعى إلى تعزيز مكانة التعليم وإعطاء قيمة للمعلم، فهو المربي والمرشد والقدوة والموجه والذي يحمل رسالة علمية وتربوية وأخلاقية تهدف إلى غرس قيم المواطنة والخلق السليم. فنجاح المعلم يعكس نجاح المجتمع وفشله يؤدي إلى فقدان جيل جديد قادر على العطاء والإبداع، مما يجعل المدرسة المغربية مركزًا استراتيجيًا للإصلاح المجتمعي.

وقد عمل المجلس الأعلى للتربية والتكوين على تجاوز عقبات الإصلاحات السابقة والاستفادة من هفوات الميثاق الوطني والمخطط الاستعجالي، ليخرج لنا رؤية استراتيجية تمكننا من استشراف واقع التعليم بمنظار جديد يجعلنا نتطلع لغد أفضل. لكن يبقى السؤال المطروح: هل ستكرر التجارب السابقة نفسها أم أن هذه الرؤية تحمل شعلة التغيير لإعادة المدرسة المغربية إلى جاذبيتها ورونقها وقيمتها التي اندثرت على مر السنين ؟

وبالمقارنة مع التجارب الدولية نخلص إلى ما يلي:

أولا - فنلندا والسويد:

ركزت هذه الدول على التعليم الشامل والمجاني والجودة العالية للمعلمين مع منحهم استقلالية كبيرة في إدارة الفصول الدراسية، ما انعكس إيجابيًا على تحصيل المتعلمين ورضاهم الدراسي.

ومن خلال المقارنة مع الرؤية الاستراتيجية المغربية، نجد أن المغرب بدأ يتحرك نحو هذا النموذج الأوروبي عبر تعزيز تكوين المعلمين، وتبني مناهج حديثة، وتشجيع البيداغوجيا النشطة التي تجعل المتعلم محور العملية التعليمية .

ثانيا - فرنسا:

التعليم الفرنسي يعتمد على مناهج موحدة ودقيقة مع رقابة مركزية صارمة حيث يولي اهتمامًا خاصًا لتطوير المعرفة العامة والثقافة الأكاديمية.

حيث استعادت الرؤية الاستراتيجية المغربية هذا المبدأ جزئيًا من خلال تنظيم المناهج الدراسية ووضع معايير دقيقة للكتب المدرسية، لكنها أضافت عنصر المشاركة المحلية والجهوية، ما يجعلها أكثر مرونة مقارنة بالنموذج الفرنسي التقليدي.

ثالثا - الولايات المتحدة الأمريكية:

يعتمد النظام الأمريكي على التقييم المستمر والابتكار التعليمي والتكنولوجيا التعليمية، مع منح حرية كبيرة للولايات في وضع سياسات التعليم.

و تحاكي الرؤية المغربية هذا النموذج جزئيًا من خلال آليات المتابعة والتقييم الدورية واعتماد المقاربة التشاركية بين جميع الفاعلين، لكنها تواجه تحديات تنفيذية أكبر نظرًا للفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين المناطق المختلفة.

وكاستنتاج نهائي لهذه الدراسة والقراءة النقدية والتحليلية لكتاب الرؤية الاستراتيجية يمكن القول إن الرؤية الاستراتيجية المغربية تمثل محاولة جادة لتجاوز أخطاء الماضي وجعل المدرسة المغربية مركزًا للإبداع والتربية على القيم، مع الاهتمام بجودة التعلم وإنصاف الفرص. ومع ذلك، يبقى التنفيذ العملي على الأرض هو المقياس الحقيقي لنجاح هذه الرؤية، فالرؤية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تترافق مع سياسات داعمة واستثمارات مستمرة في الموارد البشرية والمادية.

وهكذا نأمل أن يكون هذا البحث قد أضاف لبنة جديدة في الدراسات المتخصصة حول إصلاح التعليم في المغرب وقدم تحليلًا نقديًا ومقارنًا مع التجارب الدولية، ليكون مرجعًا للمطلعين والباحثين على حد سواء، مع إبراز مسار الإصلاح المغربي المتميز ضمن السياق العالمي.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي

................................

الهوامش

(1) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير إنشاء الهيئة الدستورية الاستشارية، الرباط، 2014.

(2) وزارة التربية الوطنية، محضر المشاورات الوطنية حول الرؤية الاستراتيجية، الرباط، 2014.

(3) الملك محمد السادس، التوجيهات الملكية للميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 2010.

(4) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، التقرير الأول حول الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(5) وزارة التربية الوطنية، تقرير حول التدابير ذات الأولوية لتفعيل الرؤية الاستراتيجية، الرباط، 2016.

(6) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(7) UNESCO, Education for All Global Monitoring Report, Paris, 2015.

(8) وزارة التربية الوطنية، التقرير الأول للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(9) وزارة التربية الوطنية، التقرير التشخيصي حول مستوى التمكن من اللغات والمعارف والكفايات الأساسية في المدارس المغربية، الرباط، 2014.

(10) وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، تقرير حول ركود البحث العلمي في المغرب، الرباط، 2014.

(11) وزارة التربية الوطنية، تقرير حول اندماج الخريجين التربويين في المجتمع، الرباط، 2014.

(12) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير حول انفتاح المدرسة المغربية على محيطها المحلي والدولي، الرباط، 2015.

(13) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(14) وزارة التربية الوطنية، خطة التدابير ذات الأولوية لتفعيل الرؤية الاستراتيجية، الرباط، 2016.

(15) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(16) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح المدرسة المغربية 2015-2030، الرباط، 2015.

(17) Mohammed VI, Discours Royaux sur l’Éducation, Rabat, 2014.

(18) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقارير المجلس الأعلى حول التشخيص التربوي، الرباط، 2014-2015.

(19) UNESCO, Convention on the Rights of the Child, Paris, 1989.

(20) وزارة التربية الوطنية، تقرير حول الحوارات الجهوية لتأهيل المدرسة المغربية، الرباط، 2014.

(21) وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 2000.

(22) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(23) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، الرباط، 2015.

(24) وزارة التربية الوطنية، تقرير تطوير المناهج والبرامج الدراسية، الرباط، 2015.

(25) وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، برنامج تكوين الأساتذة في اللغات والعلوم الأساسية، الرباط، 2016.

(26) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير حول الانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي، الرباط، 2015.

(27) العربي السليماني، المعين في التربية، ص. 80.

(28) المصدر نفسه، ص. 81.

(29) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015) . الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. الرباط: CSEFRS، ص. 41-42.

(30) (SNRT News. (2023. التربية الدامجة: التحديات والرهانات. استرجع من

https://snrtnews.com/article/37854

(31) مجلة المعارف التربوية. (2022) . التكوين المهني ومسارات التعلم مدى الحياة.

(32) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المرجع نفسه، ص. 49-.51

(33) المرجع نفسه، ص. 54

(34) OECD. Education Policy Outlook 2019: Working Together to Help Students Achieve their Potential. Paris: OECD Publishing, 2019

(35) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. (2015) . الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. الرباط: CSEFRS، ص. 60-61.

(36) Fullan, M. The New Meaning of Educational Change. Teachers College Press, 2016

(37) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي. الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. الرباط، 2015.

(38) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 42

(39) UNESCO, 2015, p. 88

(40) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 44

(41) Bourdieu & Passeron, 1977, p. 23

(42) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 51

(43) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 63

(44) UNESCO, 2015, p. 95

(45) Bourdieu & Passeron, 1977, p. 45

(46) Ministère de l’Éducation Nationale, 2015, p. 80

(47) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030، الرباط، 2015، ص. 10-12

(48) وزارة التربية الوطنية، تقرير تقييم برنامج مدرسة النجاح 2009-2012، الرباط، 2013.

(49) المملكة المغربية، دستور 2011، الفصل 31.

(50) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير التقييم المرحلي لإصلاح التعليم 2000-2013، الرباط، 2014.

(51) وزارة التربية الوطنية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999، ص. 12

(52) حمداوي، ج.، مدخل إلى الإصلاح التربوي بالمغرب: قراءة تحليلية مقارنة، الرباط، 2005، ص. 45.

(53) حمداوي، ج.، مدخل إلى الإصلاح التربوي بالمغرب: قراءة تحليلية مقارنة، الرباط، 2005، ص. 45.

(54) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير تتبع تنفيذ الميثاق الوطني، الرباط، 2003، ص. 14-18

(55) بلحاج، م.، الإصلاح التربوي بين النظرية والتطبيق: تجربة المغرب، الدار البيضاء، 2010، ص. 102-110.

(56) الخطاب الملكي خلال افتتاح الدورة التشريعية الثالثة، أكتوبر 1999؛ خطاب ثورة الملك والشعب، 2012 و2013؛ خطاب افتتاح الدورة التشريعية 2014.

(57) وزارة التربية الوطنية المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999..

(58) دستور المملكة المغربية، 2011، الفصول المتعلقة بالتربية والتكوين.

(59) . Benmoussa, R. (2017) . Planification stratégique et gouvernance de l’éducation au Maroc. Rabat: Publications du Ministère.

(60) . Ministère de l’Éducation nationale (2015) . Vision stratégique de réforme du système éducatif 2015–2030. Rabat: Éditions officielles

(61) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015–2030: من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2015، ص. 12–15.

(62) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير 2008 حول تقييم الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 2008، ص. 34–36

(63) وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني، الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، 1999، ص. 22–25.

(64) سعيد حليم، تطوير الكتب المدرسية والمعايير البيداغوجية، الدار البيضاء: دار المعارف، 2010، ص. 78–80.

(65) لحسن اللحية، بيداغوجيا الكفايات وإصلاح التعليم بالمغرب، الرباط: مطبعة النجاح، 2012، ص. 41–44.

(66) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المرجع نفسه، ص. 60–62

(67) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المرجع نفسه، ص. 70–73.

(68) يونس محمد، إصلاح التعليم بالمغرب: رهانات وتحديات، الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2018، ص. 45–47.

(69) رامان سلدن، ميشال ريفاتير، النظرة الأدبية المعاصرة، ترجمة: جابر عصفور، القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر، 1998، ص. 179.

(70) المرجع نفسه، ص. 180–182.

(71) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير تقييمي لعشرية الإصلاح 2000-2013.

(72) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.

(73) كلمة عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين، أمام جلالة الملك محمد السادس بمناسبة تقديم الرؤية الاستراتيجية

(74) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تقرير عشرية الإصلاح 2000–2013، الرباط، 2014، ص. 5–12

(75) عبد اللطيف جراد، الربيع العربي والسياسات التعليمية في المغرب، الدار البيضاء: مطبعة النجاح، 2015، ص. 34–36.

(76) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2015، ص. 12–15.

(77) المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، 2015، ص. 22–25.

(78) يونس محمد، إصلاح التعليم بالمغرب: رهانات وتحديات، الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2018، ص. 41–44.

(79) المرجع نفسه، ص. 50–52.

(80) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير تقييم الرؤية الاستراتيجية 2018، الرباط، 2018، ص. 33–36.

(81) المرجع نفسه، ص. 38–40.

(82) سعيد حليم، تطوير الأداء التربوي في المغرب، الرباط: دار المعارف، 2016، ص. 60–63.

(83) مقابلات مع أطر تربوية من أساتذة وإداريين، الرباط، 2019.

(84) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، ص. 33–35.

(85) المجلس الأعلى للتربية والتكوين، تقرير المتابعة السنوي للرؤية 2017، الرباط، 2017، ص. 12–15.

(86) كلمة السيد عمر عزيمان، رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين، في تقديم الرؤية لصاحب الجلالة، الرباط، 2015.

تمثل الرشدية اللاتينية إحدى الظواهر الفكرية الكبرى في تاريخ انتقال المعرفة بين الحضارات، إذ تكشف عن لحظةٍ مفصليةٍ من لحظات التفاعل العميق بين العقل الفلسفي في العالم الإسلامي وبين البنية المعرفية التي كانت تتشكل داخل أوروبا الوسيطة. وليس المقصود بالرشدية اللاتينية مجرد حضورٍ عرضيٍّ لاسم ابن رشد في النصوص المدرسية، بل ظاهرة فكرية كاملة نشأت من استقبال أوروبا اللاتينية لشروح الفيلسوف الأندلسي على فلسفة أرسطو، ثم إعادة تأويلها داخل سياق لاهوتي وثقافي مختلف. فالنص الرشدي الذي وُلد في أفقٍ حضاري إسلامي مشغول بإشكالية العلاقة بين الحكمة والشريعة، دخل في أوروبا ضمن فضاءٍ معرفي تحكمه الجامعات الكنسية والنقاشات اللاهوتية حول طبيعة العقل والإيمان، الأمر الذي جعل عملية الاستقبال تتخذ طابعاً إبداعياً لا يقتصر على الترجمة بل يتجاوزها إلى إعادة البناء الفلسفي.

لقد عرف القرن الثالث عشر الميلادي تحوّلاً معرفياً عميقاً في أوروبا، حين اكتشفت الجامعات اللاتينية التراث الأرسطي كاملاً تقريباً عبر الوساطة العربية، مصحوباً بشروح كبار فلاسفة الإسلام، وفي مقدمتهم ابن رشد الذي سيُعرف في النصوص اللاتينية بلقب المفسّر. وقد وجد الفلاسفة المدرسيون في شروحه نموذجاً تفسيرياً بالغ الصرامة، يقوم على إعادة بناء المعنى الفلسفي للنص الأرسطي من خلال البرهان العقلي والتحليل المنهجي. غير أنّ هذا الاستقبال لم يكن خالياً من التوتر، لأنّ كثيراً من الأطروحات التي ارتبطت بالتفسير الرشدي لأرسطو بدت متعارضة مع بعض المسلمات اللاهوتية المسيحية، الأمر الذي جعل الفكر الأوروبي يدخل في سلسلة من النقاشات الحادة حول طبيعة العقل الإنساني، وخلود النفس وحدود العلاقة بين الفلسفة والوحي.

ومن هنا نشأت الرشدية اللاتينية بوصفها اتجاهاً فلسفياً داخل الجامعات الأوروبية التي حاولت أن تقرأ أرسطو من خلال التأويل الرشدي قراءةً عقلانية صارمة، حتى وإن أدّى ذلك إلى اصطدامٍ جزئي مع اللاهوت المدرسي. وقد أصبح هذا الاتجاه محوراً لجدلٍ فكري واسع شارك فيه كبار مفكري العصور الوسطى، من أمثال توما الأكويني ودونس سكوت وغيرهما، حيث سعى كلٌّ منهم إلى تحديد موقع العقل الفلسفي داخل النسق الديني العام. ولم تكن هذه النقاشات مجرد خلافات مدرسية محدودة، بل كانت تعبيراً عن تحوّلٍ أعمق في بنية الفكر الأوروبي، تحوّلٍ بدأ فيه العقل يطالب لنفسه بمجالٍ مستقلٍ للبحث والمعرفة.

إنّ دراسة الرشدية اللاتينية تفتح أمام الباحث أفقاً واسعاً لفهم كيفية تحوّل الأفكار عندما تنتقل من سياق حضاري إلى آخر. ففكر ابن رشد لم يُستقبل في أوروبا بوصفه تراثاً إسلامياً فحسب، بل بوصفه لحظةً أساسية في تاريخ الأرسطية نفسها، حتى أصبح تأثيره جزءاً من البنية الداخلية للفلسفة المدرسية. وقد أدّى هذا التفاعل إلى ظهور قراءات جديدة لأرسطو، وإلى بلورة إشكالات فلسفية ستظل حاضرة في الفكر الأوروبي لقرونٍ لاحقة.

ومن هذا المنظور يغدو البحث في الرشدية اللاتينية بحثاً في تاريخ التحولات الكبرى للعقل الفلسفي، لا في مجرد تاريخ تأثير فيلسوفٍ في ثقافة أخرى. فالمسألة تتعلق بكيفية تحوّل مشروعٍ فلسفي نشأ في الأندلس إلى عنصرٍ مؤثر في تشكّل العقل الأوروبي الوسيط، وبالطريقة التي أعاد بها هذا العقل قراءة ذلك المشروع وفق حاجاته المعرفية وأسئلته اللاهوتية الخاصة. ويمكن فهم كيف تحوّل فكر ابن رشد من شروحٍ على أرسطو إلى ظاهرة فلسفية واسعة النطاق كان لها أثر عميق في تاريخ الفلسفة الغربية من خلال هذا المسار المعقد.

ليس من اليسير مقاربة ظاهرةٍ فكريةٍ معقّدةٍ مثل ظاهرة الرشدية اللاتينية من غير استحضار السياق الحضاري العميق الذي وُلدت فيه، إذ إنّ انتقال الأفكار بين العوالم الثقافية ليس مجرد حركة نصوص من لغة إلى لغة، بل هو انتقال أنماطٍ من التفكير، وتحوّل في طرائق النظر إلى الإنسان والعالم والمعرفة. لذلك فإنّ الحديث عن تحوّل فكر ابن رشد في أوروبا الوسيطة ليس مجرد تتبّع لمسار ترجمة شروح أرسطو، وإنما هو تتبّع لعملية إعادة تشكّلٍ فلسفيٍّ كبرى عرفها الغرب اللاتيني في القرون الوسطى حين واجه تراثاً عقلانياً إسلامياً ناضجاً كان قد بلغ في الأندلس درجةً عالية من التماسك المنهجي والصرامة البرهانية.

لقد كانت أوروبا اللاتينية قبل القرن الثالث عشر تعيش حالةً من الفقر الفلسفي النسبي، حيث لم يكن التراث الأرسطي متاحاً إلا في أجزاء محدودة، وكان الاعتماد الأكبر على منطق أرسطو وبعض الشروح اللاتينية القديمة. غير أنّ حركة الترجمة الكبرى التي انطلقت من مدن مثل طليطلة وصقلية فتحت أمام الفكر اللاتيني أبواباً لم تكن متخيّلة من قبل. فقد انتقلت إلى اللاتينية كتب أرسطو في الطبيعيات وما بعد الطبيعة والنفس، مصحوبةً بشروح الفلاسفة المسلمين، وفي مقدمتهم ابن سينا والفارابي وخصوصاً ابن رشد الذي سيصبح في الوعي الفلسفي اللاتيني المفسّر الأكبر لأرسطو.

لم يكن تأثير ابن رشد في أوروبا نابعاً فقط من كونه شارحاً دقيقاً لأرسطو، بل من كونه قدّم نموذجاً خاصاً للعقلانية الفلسفية في سياق ديني. لقد كان مشروعه الفلسفي محاولةً لإعادة تأسيس العلاقة بين الحكمة والشريعة على أساس البرهان العقلي، وهو ما يتجلّى بوضوح في قوله الشهير: «الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها». هذا التصور لم يكن مجرد عبارة بل كان برنامجاً معرفياً يقوم على فكرة أنّ الحقيقة واحدة وإن اختلفت طرق التعبير عنها، وأنّ البرهان الفلسفي لا يمكن أن يتعارض في جوهره مع الوحي الصحيح. وقد عبّر ابن رشد عن ذلك بوضوح حين قال: «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له».

غير أنّ هذا المشروع الذي صيغ في سياق الحضارة الإسلامية سيتحوّل في أوروبا اللاتينية إلى ظاهرة فكرية مختلفة نسبياً، إذ سيقرأه الفلاسفة المدرسيون قراءةً جديدة تتفاعل مع مشكلات اللاهوت المسيحي ومؤسساته الجامعية الناشئة. وهنا تبدأ قصة الرشدية اللاتينية، وهي قصة تحوّلٍ وتأويلٍ بقدر ما هي قصة استقبالٍ وترجمة.

حين دخلت شروح ابن رشد إلى الجامعات الأوروبية ولا سيما جامعة باريس، أحدثت هزّةً معرفيةً عميقة. لقد وجد الفلاسفة اللاتينيون أنفسهم أمام نظامٍ فلسفيٍّ متكامل يعيد قراءة أرسطو بطريقة أكثر صرامةً مما كان معروفاً لديهم. وقد لاحظ المؤرخ الفرنسي إرنست رينان أنّ «ابن رشد أصبح في الجامعات اللاتينية خلال القرن الثالث عشر السلطة الفلسفية الأولى بعد أرسطو نفسه». ولم يكن ذلك مبالغةً تاريخية، إذ إنّ كثيراً من الأساتذة كانوا يدرّسون نصوص أرسطو من خلال شروح ابن رشد مباشرة.

لقد أدرك المفكرون اللاتينيون بسرعة أنّهم أمام عقل فلسفي شديد الصرامة، ولذلك أطلقوا على ابن رشد لقب المفسّر، أي الشارح الأكبر لأرسطو. ويقول دانتي أليغييري في كتابه الكوميديا الإلهية عندما يتحدث عن حكماء العالم القديم: «هناك رأيت أرسطو سيد العارفين، وبالقرب منه يقف ابن رشد الذي شرح له الشرح العظيم». وهذه الشهادة الأدبية تعبّر عن المكانة الرمزية التي احتلها ابن رشد في المخيال الثقافي الأوروبي.

غير أنّ استقبال الفكر الرشدي لم يكن استقبالاً محايداً، بل كان مصحوباً بعملية تأويلٍ معقّدة. فالجامعات الأوروبية كانت مؤسساتٍ دينية في المقام الأول، وكان اللاهوت المسيحي يفرض حدوداً صارمة على التفكير الفلسفي. لذلك وجد الفلاسفة أنفسهم أمام خيارٍ صعب: كيف يمكن الاستفادة من العقلانية الرشدية دون الوقوع في تعارضٍ مباشر مع العقيدة الكنسية؟.

هذا التوتر سيقود إلى نشوء ما عُرف تاريخياً بالرشدية اللاتينية، وهي اتجاه فلسفي حاول أن يقرأ أرسطو من خلال ابن رشد قراءةً راديكالية نسبياً، حتى وإن أدّى ذلك إلى صدامٍ مع اللاهوت. وقد ظهر هذا الاتجاه في أوساط بعض أساتذة جامعة باريس مثل سيجر البرابانتي وبويثيوس الدانماركي، الذين دافعوا عن تفسيرٍ فلسفيٍّ صارم لبعض القضايا الميتافيزيقية والأنثروبولوجية التي أثارت جدلاً واسعاً في الفكر المدرسي.

ومن أبرز هذه القضايا مسألة وحدة العقل الإنساني. فقد ذهب ابن رشد في تفسيره لكتاب النفس لأرسطو إلى أنّ العقل الفعّال والعقل الهيولاني ليسا فرديين بل كونيان، أي إنّهما مشتركان بين جميع البشر. وقد استند في ذلك إلى تحليلٍ دقيقٍ لبنية الإدراك العقلي عند أرسطو، معتبراً أنّ المعرفة العقلية لا يمكن أن تكون فرديةً خالصة لأنها تتعلق بالكليات. وقد عبّر عن هذا المعنى حين قال: «العقل الذي يعقل الكليات لا يمكن أن يكون جسماً ولا قوةً في جسم».

عندما وصلت هذه الفكرة إلى أوروبا أحدثت جدلاً عاصفاً. فقد فهمها بعض الفلاسفة اللاتينيين على أنّها تعني أنّ البشر يشتركون في عقلٍ واحدٍ كوني، وهو ما يطرح إشكالاتٍ خطيرةً بالنسبة للعقيدة المسيحية التي تقوم على فردية النفس ومسؤوليتها الأخلاقية. وقد دافع سيجر البرابانتي عن هذا التفسير قائلاً إنّ الفلسفة تقود بالضرورة إلى القول بوحدة العقل، حتى وإن كان اللاهوت يقول بخلاف ذلك. وهنا تظهر إحدى السمات الأساسية للرشدية اللاتينية، وهي الفصل النسبي بين الحقيقة الفلسفية والحقيقة اللاهوتية.

هذا الفصل سيُعرف لاحقاً بما سُمّي ب «نظرية الحقيقة المزدوجة»، وهي فكرة تُنسب غالباً إلى الرشديين اللاتينيين وإن كان أصلها أكثر تعقيداً. فالمقصود بها أنّ القضية قد تكون صحيحة فلسفياً وخاطئة لاهوتياً في الوقت نفسه. ورغم أنّ هذه الصيغة لم يعبّر عنها ابن رشد نفسه بهذا الشكل، فإنّ بعض تلامذته اللاتينيين اعتبروا أنّها النتيجة المنطقية للفصل بين مجالي العقل والوحي.

لقد أثار هذا الاتجاه قلق اللاهوتيين المسيحيين، وفي مقدمتهم توما الأكويني الذي رأى أنّ الرشدية اللاتينية تهدد وحدة الحقيقة. ففي كتابه الشهير في وحدة العقل ضد الرشديين هاجم الأكويني تفسير ابن رشد للعقل، معتبراً أنّه يؤدي إلى إنكار خلود النفس الفردية. وقد كتب يقول: «إذا كان العقل واحداً لجميع البشر، فإنّ الإنسان الفرد لا يعقل، بل يكون العقل شيئاً خارجاً عنه». وكان هدف الأكويني أن يبيّن أنّ الفلسفة الأرسطية يمكن التوفيق بينها وبين العقيدة المسيحية من غير الحاجة إلى تبنّي التفسير الرشدي.

غير أنّ المفارقة التاريخية تكمن في أنّ الأكويني نفسه كان متأثراً بشكل أعمق بابن رشد، حتى وهو يعارضه. فقد اعتمد على شروحه في فهم كثير من نصوص أرسطو، وكان يصفه أحياناً بـ«الشارح» قبل أن ينتقد بعض آرائه. وهذا ما دفع المؤرخين إلى القول إنّ الفكر المدرسي بأكمله قد تشكّل في حوارٍ مع الرشدية، سواء كان هذا الحوار حوار قبول أو حوار رفض.

لقد أدرك بعض المفكرين الأوروبيين لاحقاً أنّ الرشدية اللاتينية لم تكن مجرد انحرافٍ فلسفي كما صوّرها خصومها، بل كانت لحظةً أساسية في تاريخ تشكّل العقل الأوروبي. وقد كتب المؤرخ الفرنسي إتيان جيلسون أنّ «الرشدية اللاتينية كانت أول محاولة في الغرب لفصل الفلسفة عن اللاهوت على أساس منهجي». وهذا الحكم يعكس إدراكاً متزايداً للدور الذي لعبه الفكر الرشدي في تحرير الفلسفة الأوروبية من الهيمنة اللاهوتية الصارمة.

غير أنّ هذا التحرير لم يكن سهلاً ولا سريعاً. فقد واجه الرشديون اللاتينيون سلسلةً من الإدانات الكنسية، أبرزها إدانة عام 1277 التي أصدرها أسقف باريس إتيان تمبييه، حيث حُرّمت مجموعة من الأطروحات الفلسفية المرتبطة بالتفسير الرشدي لأرسطو. وكان الهدف من هذه الإدانة حماية العقيدة المسيحية من التأويلات الفلسفية التي بدت مهدِّدةً لبعض معتقداتها الأساسية.

ومع ذلك فإنّ هذه الإدانات لم تنجح في القضاء على تأثير الرشدية، بل ربما ساهمت في نشرها بشكلٍ أوسع. فالأفكار التي تُمنع غالباً ما تكتسب قوةً رمزية أكبر، وقد استمرت مناقشة الأطروحات الرشدية في الجامعات الأوروبية لقرونٍ لاحقة. بل إنّ بعض المؤرخين يرون أنّ هذه النقاشات كانت من العوامل التي مهدت الطريق لظهور الفكر الفلسفي الحديث.

لقد لاحظ الفيلسوف الألماني هيغل في دروسه عن تاريخ الفلسفة أنّ «العقلانية التي يمثلها ابن رشد كانت لحظةً ضرورية في تطور الفكر الأوروبي». ولم يكن يقصد بذلك مجرد التأثير التاريخي المباشر، بل التحوّل العميق الذي أحدثته فكرة استقلال العقل الفلسفي عن السلطة الدينية. فهذه الفكرة حتى وإن ظهرت في سياق الجدل المدرسي، ستصبح لاحقاً أحد الأسس التي قام عليها الفكر الحديث.

إنّ الرشدية اللاتينية تكشف عن مفارقة تاريخية لافتة، فالفيلسوف الأندلسي الذي تعرض في أواخر حياته للتهميش في بلاده سيصبح في أوروبا رمزاً للعقل الفلسفي الحر. وقد عبّر إرنست رينان عن هذه المفارقة بقوله: «لقد نُفي ابن رشد من العالم الإسلامي ليُتوَّج ملكاً للفلسفة في أوروبا». ورغم أن هذا الحكم قد يحمل شيئاً من المبالغة، فإنه يشير إلى حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن الفكر الرشدي وجد في أوروبا فضاءً جديداً أعاد تشكيله بطرق لم تكن متوقعة.

لقد تحوّل ابن رشد في المخيال اللاتيني من فقيهٍ وفيلسوف أندلسي إلى رمزٍ للعقل الفلسفي المحض، وغالباً ما جرى تجاهل السياق الإسلامي الذي نشأ فيه مشروعه الفكري. وهكذا بدأت عملية إعادة بناءٍ رمزية للفكر الرشدي حيث صار يُقرأ بوصفه جزءاً من التراث الفلسفي العالمي لا مجرد حلقة في تاريخ الفلسفة الإسلامية.

هذه العملية لم تكن خالية من سوء الفهم، إذ إنّ كثيراً من الأفكار التي نُسبت إلى ابن رشد في أوروبا كانت نتيجة تأويلاتٍ خاصة قام بها الفلاسفة اللاتينيون. ومع ذلك فإنّ هذه التأويلات نفسها أصبحت جزءاً من تاريخ الفلسفة، لأنها أسهمت في تشكيل النقاشات الفكرية التي ستقود لاحقاً إلى تحولاتٍ كبرى في بنية العقل الأوروبي.

لقد كتب الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت أنّ «الفلسفة الأوروبية مدينةٌ لابن رشد بجرأة السؤال العقلي». وربما كان في هذا الحكم قدرٌ من المبالغة الأدبية، لكنه يعبّر عن حقيقةٍ أعمق: وهي أنّ الرشدية اللاتينية لم تكن مجرد ظاهرةٍ مدرسية عابرة، بل كانت لحظةً مفصلية في تاريخ انتقال العقلانية من العالم الإسلامي إلى أوروبا.

إنّ دراسة الرشدية اللاتينية ليست مجرد بحثٍ في تاريخ الأفكار، بل هي أيضاً بحثٌ في تاريخ التفاعلات الحضارية الكبرى. فهي تكشف كيف يمكن لفكرةٍ فلسفية أن تعبر الحدود الثقافية واللغوية، وأن تتحول في سياقاتٍ جديدة إلى قوةٍ معرفيةٍ قادرة على إعادة تشكيل الفكر نفسه.

فحين نقرأ اليوم تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى ندرك أنّ الحوار مع ابن رشد لم يكن حادثةً هامشية، بل كان جزءاً من البنية العميقة لذلك التاريخ. لقد كان الرشديون اللاتينيون، على اختلاف درجاتهم، شهوداً على لحظةٍ نادرةٍ من التفاعل الخلاق بين حضارتين. وفي هذه اللحظة بالذات بدأ فكر ابن رشد يتحول من مشروعٍ فلسفيٍّ أندلسي إلى ظاهرةٍ أوروبية ستترك آثارها العميقة في مسار الفلسفة الغربية لقرونٍ طويلة.

غير أنّ التأثير الحقيقي للرشدية في العالم اللاتيني لم يتجلَّ فقط في النقاشات النظرية التي دارت حول مسائل العقل والنفس والخلود، بل ظهر أيضاً في التحوّل العميق الذي طرأ على طريقة ممارسة الفلسفة داخل الجامعات الأوروبية الناشئة. فقبل دخول الشروح الرشدية إلى الحياة الأكاديمية، كانت الفلسفة المدرسية تعتمد إلى حدّ كبير على منهج الشرح المختصر والتوفيق اللاهوتي بين النصوص الدينية وبعض المعطيات العقلية المحدودة. غير أنّ ظهور الشروح الكبرى التي وضعها ابن رشد على كتب أرسطو أدخلت إلى الثقافة اللاتينية نموذجاً جديداً في التعامل مع النص الفلسفي، نموذجاً يقوم على التحليل الدقيق والتفسير البرهاني وإعادة بناء الحجة الفلسفية من داخل بنية النص نفسه.

لقد كان ابن رشد يعتقد أنّ فهم الفلسفة لا يمكن أن يتم إلا من خلال إعادة بناء المعنى الذي قصده الفيلسوف الأصلي، ولذلك كان يحرص على التمييز بين ما قاله أرسطو بالفعل وبين ما أضافه الشراح اللاحقون. وقد عبّر عن هذا الموقف بوضوح حين قال: «ينبغي لمن يشرح كلام أرسطو أن يقصد إلى فهم مراده لا إلى حمل كلامه على ما يراه هو». هذه الروح التفسيرية الصارمة كانت جديدة نسبياً على الفكر اللاتيني، ولذلك وجد فيها الأساتذة المدرسيون نموذجاً منهجياً بالغ الأهمية.

لقد تحوّل درس الفلسفة في جامعة باريس، وفي جامعات بولونيا وبادوفا وأكسفورد، إلى ما يشبه الورشة الفكرية التي يجري فيها تحليل النصوص الأرسطية على ضوء الشروح الرشدية. ولم يكن الطلاب يقرؤون أرسطو مباشرة فحسب، بل كانوا يقرؤونه غالباً من خلال ما كتبه ابن رشد عنه. ومن هنا نشأت علاقة معقّدة بين النص الأصلي والتفسير، حتى أصبح من الصعب أحياناً التمييز بين الأرسطية والرشدية في بعض المناقشات الفلسفية.

وقد لاحظ المؤرخ الإيطالي برونو نارديني أنّ «الرشدية لم تكن مجرد مذهب فلسفي في الجامعات الأوروبية، بل كانت أسلوباً في التفكير». والمقصود بهذا الحكم أنّ تأثير ابن رشد تجاوز حدود الأفكار الجزئية ليطال البنية المنهجية للفلسفة المدرسية نفسها. فقد تعلّم الفلاسفة اللاتينيون من خلاله كيف يمكن بناء البرهان، وكيف يمكن التمييز بين مستويات الخطاب المختلفة، وكيف يمكن الدفاع عن استقلال العقل الفلسفي دون الوقوع بالضرورة في صدامٍ مباشر مع الدين.

ومن أبرز المجالات التي ظهر فيها هذا التأثير مجال الفلسفة الطبيعية. فقد قدّم ابن رشد قراءة دقيقة لكتب أرسطو في الطبيعة، وكان يعتقد أنّ فهم العالم الطبيعي يجب أن يقوم على مبدأ السببية العقلية. وقد كتب في تفسيره لكتاب «السماء والعالم» أنّ «الطبيعة لا تفعل شيئاً عبثاً»، وهي عبارة تعكس إيمانه العميق بانتظام الكون وإمكان تفسيره بالعقل. وقد وجد الفلاسفة اللاتينيون في هذا التصور أساساً لنقاشات واسعة حول طبيعة الحركة والزمان والمكان.

غير أنّ هذه النقاشات لم تكن مجرد تمارين نظرية، بل كانت تحمل في طياتها بذور تحوّل معرفي طويل المدى. فالفكرة الرشدية التي تؤكد قابلية العالم للفهم العقلي ستصبح لاحقاً أحد الأسس التي قام عليها العلم الحديث. وقد أشار الفيلسوف الفرنسي ألكسندر كويريه إلى هذه النقطة حين كتب أنّ «تحرير الطبيعة من التفسيرات اللاهوتية الخالصة كان خطوة أساسية في طريق العلم، وقد لعبت الرشدية دوراً مهماً في هذا التحرير».

لكنّ أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الرشدي اللاتيني ظلت بلا شك قضية العلاقة بين الفلسفة والدين. فالمشكلة التي واجهها الفلاسفة المدرسيون كانت تتمثل في كيفية التعامل مع التوتر القائم بين البرهان الفلسفي وبعض العقائد اللاهوتية. وقد حاول الرشديون اللاتينيون معالجة هذا التوتر من خلال نوعٍ من التمييز بين مجالي الخطاب.

لقد كان ابن رشد نفسه يعتقد أنّ النصوص الدينية تتوجه إلى جمهور واسع من الناس، ولذلك فهي تستخدم أحياناً لغةً رمزية أو تمثيلية، في حين أنّ الفلسفة تعتمد على البرهان العقلي الذي لا يفهمه إلا الخاصة من أهل النظر. وقد عبّر عن هذا المعنى في قوله: «الناس في فهم الشريعة ثلاثة أصناف: صنف يقبل الخطاب البرهاني وصنف يقبل الخطاب الجدلي وصنف يقبل الخطاب الخطابي». هذه الفكرة التي تبدو في ظاهرها مجرد تصنيف معرفي ستتحول في السياق اللاتيني إلى أداةٍ فلسفية لتبرير استقلال العقل.

فبعض الرشديين اللاتينيين اعتبروا أنّ الفلسفة تمتلك مجالها الخاص الذي لا يخضع بالضرورة للرقابة اللاهوتية. وقد كتب سيجر البرابانتي في أحد نصوصه أنّ «الفيلسوف يبحث عمّا يقتضيه البرهان، لا عمّا يقتضيه الإيمان». هذه العبارة تكشف عن التحول العميق الذي عرفه الفكر المدرسي في القرن الثالث عشر، حيث بدأ بعض الفلاسفة ينظرون إلى الفلسفة باعتبارها نشاطاً معرفياً مستقلاً نسبياً عن اللاهوت.

وقد أثار هذا الموقف ردود فعل قوية من جانب اللاهوتيين الذين رأوا فيه تهديداً مباشراً لوحدة الحقيقة الدينية. فقد كان توما الأكويني يعتقد أنّ الحقيقة لا يمكن أن تكون مزدوجة، وأنّ الفلسفة الصحيحة لا بد أن تنسجم في النهاية مع الوحي. ولذلك كتب قائلاً: «الحقيقة واحدة، وما ثبت بالبرهان لا يمكن أن يناقض ما جاء به الإيمان». وكان هدفه من هذا القول الدفاع عن إمكانية التوفيق بين العقل والدين من دون اللجوء إلى الفصل الراديكالي الذي تبناه بعض الرشديين.

ومع ذلك فإنّ الجدل الذي أثارته الرشدية اللاتينية أدى إلى تعميق التفكير في طبيعة العلاقة بين الفلسفة واللاهوت. فقد أصبح السؤال عن حدود العقل وحدود الإيمان سؤالاً مركزياً في الفكر المدرسي. وقد ساهم هذا الجدل في بلورة مفاهيم جديدة حول استقلالية الفلسفة ومنهجها الخاص.

ولعلّ أهم ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو أنّ الفكر الأوروبي لم يكن يتعامل مع ابن رشد بوصفه مجرد فيلسوف مسلم، بل بوصفه سلطة فلسفية عالمية. فقد كان اسمه يذكر في النصوص اللاتينية غالباً بصيغة «المفسّر»، وهي صيغة تعكس الاحترام الكبير الذي حظي به بين الفلاسفة. وقد كتب أحد أساتذة جامعة بادوفا في القرن الرابع عشر قائلاً: «من أراد فهم أرسطو فليقرأ المفسّر».

لكنّ هذا الاحترام لم يمنع من ظهور قراءات نقدية للفكر الرشدي. فقد رأى بعض الفلاسفة أنّ تفسير ابن رشد لأرسطو كان متأثراً بسياقه الثقافي الخاص، وأنه لا يعكس دائماً المعنى الأصلي للنص الأرسطي. وقد عبّر الفيلسوف المدرسي جون دونس سكوت عن هذا الموقف حين قال إنّ «المفسّر العظيم قد أخطأ في بعض المواضع لأنّه كان يقرأ أرسطو من خلال تصورات فلسفية سابقة».

غير أنّ هذه الانتقادات لم تقلل من أهمية الرشدية في تشكيل النقاشات الفلسفية. إنّ الفكر المدرسي بأكمله قد تطور في إطار الحوار مع الرشدية، سواء كان هذا الحوار حوار قبول أو حوار رفض. وقد لاحظ المؤرخ الألماني فيلهلم دلتاي أنّ «الفلسفة الأوروبية في القرن الثالث عشر كانت مسرحاً لصراعٍ بين ثلاث قوى فكرية كبرى: الأرسطية والرشدية واللاهوت المسيحي».

لقد أدى هذا الصراع إلى ظهور أشكال جديدة من التفكير الفلسفي، حيث حاول بعض المفكرين تجاوز التعارض الظاهر بين العقل والإيمان من خلال إعادة تعريف كل منهما. وقد كتب توما الأكويني في هذا السياق أنّ «العقل هبة إلهية، ولذلك لا يمكن أن يقود إلى ما يناقض الوحي». أما الرشديون فكانوا يميلون إلى القول إنّ البرهان الفلسفي يجب أن يُقبل حتى لو بدا متعارضاً مع التفسير الحرفي للنص الديني.

ومهما يكن من أمر، فإنّ هذا الجدل الفلسفي العميق أسهم في ترسيخ فكرة أنّ التفكير العقلي يمتلك قيمة معرفية مستقلة. وقد أصبحت الفلسفة في الجامعات الأوروبية مجالاً للنقاش الحر نسبياً، حتى وإن ظلّت خاضعةً لبعض القيود اللاهوتية. وهنا يظهر أحد أهم آثار الرشدية اللاتينية، فقد ساهمت في خلق فضاء فكري يسمح بطرح الأسئلة الكبرى حول طبيعة الإنسان والعالم والمعرفة.

لقد لاحظ بعض المؤرخين أنّ الرشدية اللاتينية لم تكن مجرد ظاهرة باريسية، بل امتدت إلى مناطق أخرى من أوروبا خصوصاً في إيطاليا. ففي جامعة بادوفا ظهرت مدرسة فلسفية تأثرت بشدة بتفسير ابن رشد لأرسطو، واستمرت هذه المدرسة في الدفاع عن بعض الأطروحات الرشدية حتى القرن السادس عشر. وقد كان من بين ممثليها فلاسفة رأوا أنّ العقل الفلسفي يجب أن يُمارَس بحرية تامة داخل حدوده الخاصة.

وقد كتب أحد فلاسفة بادوفا قائلاً: «الفلسفة تبحث عمّا هو ضروري في نظام الطبيعة، أما اللاهوت فيبحث عمّا أراده الله للإنسان». وهذه الصيغة تعبّر عن محاولة للفصل بين مجالين معرفيين مختلفين، وهي محاولة ستتطور لاحقاً في الفكر الأوروبي الحديث.

إنّ النظر إلى تاريخ الرشدية اللاتينية يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أنّ انتقال الأفكار بين الحضارات لا يحدث في صورةٍ نقية، بل يتم دائماً من خلال عمليات تأويل وإعادة بناء. فقد تحوّل فكر ابن رشد في أوروبا إلى شيء مختلف نسبياً عمّا كان عليه في سياقه الأصلي. ومع ذلك فإنّ هذا التحوّل نفسه كان جزءاً من الحيوية الفكرية التي ميّزت تلك المرحلة.

لقد كان ابن رشد في الأندلس فيلسوفاً يسعى إلى التوفيق بين الشريعة والحكمة، أما في أوروبا فقد أصبح رمزاً لاستقلال العقل الفلسفي. وهذه المفارقة التاريخية تكشف عن قدرة الأفكار على تجاوز حدودها الثقافية وإعادة تشكيل نفسها في سياقات جديدة.

وقد عبّر بعض مفكري إسبانيا الحديثة عن هذه الحقيقة حين رأوا أن ابن رشد لم يكن مجرد فيلسوف أندلسي انتمى إلى سياق ثقافي محلي، بل كان ظاهرة فكرية تركت أثرها العميق في تاريخ العقل الأوروبي الوسيط. وربما بدا هذا الحكم مشوباً بشيء من المبالغة الأدبية، غير أنه يلمس حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها، وهي أن الرشدية عبر الترجمات اللاتينية لشروح ابن رشد على أرسطو، أسهمت إسهاماً حاسماً في تشكيل النقاشات الفلسفية واللاهوتية داخل الجامعات الأوروبية منذ القرن الثالث عشر، حتى غدا اسم ابن رشد حاضراً في قلب الجدل المدرسي حول علاقة العقل بالوحي وحدود الفلسفة في المجال الديني. إنّ الرشدية اللاتينية لم تكن مجرد مرحلة عابرة في تاريخ الفلسفة، بل كانت لحظة مفصلية في تطور الفكر الأوروبي. فقد ساهمت في إدخال العقلانية الأرسطية إلى الجامعات، وأثارت نقاشات عميقة حول طبيعة العقل والنفس والحقيقة، ودفعت الفلاسفة إلى التفكير في حدود العلاقة بين الفلسفة واللاهوت.

لقد مهّدت هذه النقاشات الطريق لتحولات فكرية لاحقة ستظهر في عصر النهضة ثم في الفلسفة الحديثة. فالفكرة التي تقول إنّ العقل يمتلك مجالاً خاصاً للبحث ستصبح لاحقاً أحد المبادئ الأساسية للفكر العلمي والفلسفي الحديث. ولذلك فإنّ تأثير الرشدية لم ينتهِ مع نهاية العصور الوسطى، بل استمر في أشكالٍ مختلفة داخل التراث الفلسفي الأوروبي.

إنّ التأمل في مسار الرشدية اللاتينية يضعنا أمام واحدة من أكثر الظواهر الفكرية دلالة في تاريخ التفاعل الحضاري بين الشرق الإسلامي والغرب الأوروبي. فهذه الظاهرة تكشف أنّ الأفكار الفلسفية لا تعيش داخل حدودها الثقافية الضيقة، بل تمتلك قدرةً استثنائية على السفر عبر اللغات والحضارات، وعلى إعادة تشكيل نفسها كلما دخلت سياقاً معرفياً جديداً.

لقد خرج فكر ابن رشد من الأندلس بوصفه محاولة عقلانية لإعادة قراءة العلاقة بين الحكمة والشريعة، لكنه عندما وصل إلى أوروبا اللاتينية تحوّل إلى قوة فكرية ساهمت في إعادة تشكيل بنية الفلسفة المدرسية. فقد وجد الفلاسفة الأوروبيون في شروح ابن رشد لأرسطو نموذجاً صارماً للتفكير البرهاني، كما وجدوا فيها أفقاً جديداً للتفكير في استقلال العقل.

ولم يكن هذا التحول مجرد انتقال معرفي بسيط، بل كان جزءاً من حركة تاريخية أوسع شهدت خلالها أوروبا انفتاحاً متزايداً على التراث الفلسفي القادم من العالم الإسلامي. ففي لحظة تاريخية كانت فيها الجامعات الأوروبية تبحث عن أدوات جديدة للفهم، جاءت الشروح الرشدية لتمنحها نموذجاً منهجياً متماسكاً.

لقد أثارت الرشدية اللاتينية جدلاً عميقاً حول قضايا أساسية مثل طبيعة العقل وخلود النفس وحدود العلاقة بين الفلسفة واللاهوت. ورغم أنّ بعض هذه الأطروحات قوبل بالرفض والإدانة من قبل السلطات الكنسية، فإنّ النقاشات التي أثارتها ساهمت في تعميق التفكير الفلسفي داخل الثقافة الأوروبية.

ومن المفارقات اللافتة أنّ ابن رشد الذي عانى في أواخر حياته من التهميش في بيئته الأصلية، أصبح في أوروبا أحد أعمدة الفكر الفلسفي. وقد رأى بعض المؤرخين في هذه المفارقة دليلاً على أنّ التاريخ الفكري لا يسير دائماً وفق منطق الجغرافيا أو الانتماء الثقافي، بل وفق منطق القدرة الفكرية على إقناع العقول وإثارة الأسئلة الكبرى.

إنّ الرشدية اللاتينية مثلت وتمثل لحظةً نادرة من الحوار غير المباشر بين حضارتين. فالفلاسفة الأوروبيون الذين ناقشوا أفكار ابن رشد لم يكونوا يعيشون في العالم الإسلامي، ومع ذلك فإنّهم دخلوا في حوارٍ عميق مع نصوصه، وهو حوار أسهم في تشكيل جزء مهم من تاريخ الفلسفة الغربية.

ولعلّ أهم درس يمكن استخلاصه من هذه التجربة التاريخية هو أنّ الفكر الإنساني لا يتطور إلا من خلال التفاعل والتبادل. فالحضارات التي تنغلق على نفسها تفقد تدريجياً قدرتها على الابتكار، أما الحضارات التي تنفتح على غيرها فإنها تكتسب طاقة جديدة تدفعها إلى تجاوز حدودها السابقة.

لقد كان ابن رشد فيلسوفاً يؤمن بقدرة العقل على فهم العالم. وهذه الفكرة البسيطة في ظاهرها كانت كافية لكي تترك أثراً عميقاً في تاريخ الفكر الأوروبي. فالعقل الذي دافع عنه في قرطبة ومراكش سيجد بعد قرون صدى واسعاً في قاعات الجامعات الأوروبية.

إنّ الرشدية اللاتينية ليست مجرد فصل من فصول تاريخ الفلسفة الوسيطة، بل هي علامة على لحظة تاريخية التقت فيها طرق الفكر بين ضفتي المتوسط. وفي تلك اللحظة بالذات بدأ العقل الأوروبي يكتشف إمكاناته الخاصة، مستلهماً – بصورة مباشرة أو غير مباشرة – أحد أعظم فلاسفة الأندلس.

***

د. حمزة مولخنيف

يهدف هذا البحث إلى مقاربة الاتجاه الشكلاني في تحليل الخطاب الأدبي، بالتركيز على نموذج فلاديمير بروب الذي يُعد من أبرز منظّري السرد في القرن العشرين. ينطلق العمل من فرضية مركزية مفادها أن الخطاب السردي، مهما تنوعت تجلياته الثقافية والجمالية، يخضع لبنى ثابتة يمكن رصدها وتحليلها وفق منهج وصفي علمي. في هذا الإطار، يُبرز البحث إسهام بروب من خلال كتابه المرجعي "مورفولوجيا الحكاية" (1928)، حيث اقترح تصنيفًا وظيفيًا للحكاية العجيبية يقوم على 31 وظيفة سردية وسبعة أدوار أساسية للشخصيات، بما يتيح تجاوز المقاربة الانطباعية إلى بناء علم للسرد قائم على قواعد دقيقة.

كما يتناول البحث الصلة بين الشكلانية الروسية وميلها إلى تفكيك النصوص إلى وحدات بنيوية قابلة للتحليل، وبين تطور الدراسات السردية لاحقًا، خاصة مع غريماس وتودوروف و جيرار جنيت الذين وجدوا في عمل بروب مرجعًا تأسيسيًا. ويبيّن أن القيمة المعرفية لمشروع بروب لا تكمن فقط في تقديم أداة منهجية لتحليل الخطاب الحكائي، بل أيضًا في فتح آفاق للتفكير في علاقة البنية السردية بالثقافة و التمثلات الذهنية الجمعية.

وبذلك، يخلص البحث إلى أن الاتجاه الشكلاني، ممثلاً في نموذج بروب، قد أسّس لمسار جديد في النقد الأدبي يقوم على مقاربة علمية للخطاب السردي، مما جعله مرجعًا لا غنى عنه في دراسات الأدب الشعبي والحديث على السواء.

الكلمات المفتاحية : الاتجاه الشكلاني ـ تحليل الخطاب ـ فلاديمير بروب ـ مورفولوجيا الحكاية ـ الوظائف السردية ـ السيميائيات الثقافية

المسار النظري لتحليل الخطاب السردي

مقدمــة: توجت الدراسة الأدبية في القرن العشرين بنقلة نوعية أخرجت النقد من دائرة الانطباعات وأحكام القيمة، فأصبح النقد تعبيرا عن موقف كلي متكامل مبني على دعائم خاصة، في النظر للفن عموما والأدب خصوصا. فمن النقاد من استند للتاريخ في دراسته للأدب، وهناك من اعتمد على علم النفس كما فعل فرويد، ومنهم من اعتبر أن الأدب ما هو إلا انعكاس واضح للمجتمع. في مقابل ذلك نجد الشكلانية الروسية أو الشكلانيون الروس أو المورفولوجيين، الذين انبثقوا في العقد الثاني من القرن العشرين، بواسطة جماعتين، حلقة موسكو اللغوية وجمعية دراسة اللغة الشعرية. وقد كانوا بمثابة ردة فعل عنيفة، على المناهج النقدية التي كانت مسيطرة على النقد لمدة من الزمن، خاصة المناهج النفسية، والاجتماعية، والتاريخية، لكونهم الشكلانيون الروس رفضوا اعتبار النص الأدبي انعكاسا للواقع، أو مرآة لصاحبه، أو تعبيرا عن مبدعه. بل رأوا أن النص تنظيم خاص للغة، له أدواته وإجراءاته وقوانينه. ونظروا للمضمون بوصفه انفعالات وأفكار وواقع بوجه عام. حيث سنسعى وسنحاول العمل على إبراز مفاهيمهم التي نادوا بها والاشتغال عليها لمعرفة مدى إمكانية تطبيقها على النصوص السردية قصد الإجابة على مجموعة من الأسئلة من قبيل: كيف نظر الشكلانيون الروس للنص الحكائي؟ وما هي المفاهيم التي جاءوا بها لدعم أطروحاتهم؟ وإلى أي حد يمكن تطبيق هذه المفاهيم على نصوص الحكاية الشعبية المغربية من خلال المتن الحكائي المتضمن في كتاب" أجمل حكايات الفلكلور المغربي، لمؤلفه يسري شاكر"؟

الشكلانيون الروس

كانت منطلقات هذا الاتجاه مرتبطة بالبحث في الأسس التي يمكن الاعتماد عليها في دراسة الأدب دراسة علمية، فناقشوا قضية الشكل والمحتوى والفرق بين اللغة الشعرية واللغة اليومية. ثم انتقلوا بعد ذلك إلى دراسة النصوص دراسة تطبيقية واستمر عملهم خلال الفترة الممتدة من 1914 إلى 1930. وقد أطلق اسم الشكلانيين على هذا الاتجاه من قبل خصومه، لأنهم ركزوا على الشكل والبناء، وأهملوا جانب الدلالة، خصوصا وأن الاتجاه الذي ساد قبل ذلك ارتبط بدراسة المضامين، وقد كان المنهج الاجتماعي والواقعي مثلا بارزا على ذلك. في مقابل هذه التسمية أطلق الشكلانيون على أنفسهم مصطلح: المورفولوجيين؛ وهو مصطلح مستمد من علم النباتات والذي يعني دراسة الأجزاء المكونة للنبتة، أي القيام بدراسة بنيتها، كما أن المصطلح يعني دراسة الأشكال.

ويعرف تشوفسكي هذا الاتجاه بقوله: "إن الشكلانية هي الرجوع إلى المهارة في الصنعة، ومعنى ذلك أن جوهر عمل الشكلانيين هو التركيز على العمل الأدبي مع الإلحاح على استقلالية الدراسة الأدبية.

وقد كانت قيمة ما قدمه الشكلانيون الروس في مجال السرد جلية في المفاهيم والإجراءات فقد ميز "توماشوفسكي" في الخطاب السردي بين مستويين: المتن الحكائي والمبنى الحكائي، بحيث لهما خصوبة إجرائية قوية.

-  المتن الحكائي fable: مجموع الأحداث المرتبطة فيما بينها، التي يطلعنا عليها العمل. وقد تعرض تلك الأحداث بطريقة عملية، تبعا لترتيبها الطبيعي، أي نظامها الكرونولوجي والسببي. بغض النظر عن طبيعة ورودها في العمل (1). فالمتن الحكائي إذا يرتبط بالوقائع والأحداث اليومية كما يفترض وقوعها.

-  أما المبنى الحكائي  sujet: فيعني التجلي الكتابي أو الشفهي المروي لعناصر المتن الحكائي، مما يجعله منتجا لغويا صرفا.

وهكذا نستنتج أن هناك إذن اختلاف بين المستويين:

فالنص السردي مكون من مجموعة من العناصر الموضوعاتية، وهذه العناصر تأخذ طابع الخطية في المتن الحكائي، لكنها تتخلى عن هذا المبدأ في المبنى الحكائي. لأن حكيها سيعرض دون اعتبار سببي أو زمني خطي، ومعنى ذلك أن المبنى الحكائي يؤسس لعالم متخيل وأن زمن الحكاية(الواقع) لا يمكن أن يماثل زمن الخطاب وأن وجود شخصيتين فقط يقود بالضرورة إلى تكسير المتن الحكائي.

وهكذا يكون توماشفسكي قد أقام تمييزا رائدا بين المتن الحكائي والمبنى الحكائي، حيث أصبح على سيره تتبع اشتغال الزمن ضمن المحكي، وعلى هذا الأساس يمكن للمتن الحكائي " أن يعرض بطريقة عملية، حسب النظام الطبيعي، بمعنى النظام الوقتي والسببي للأحداث، وباستقلال عن الطريقة التي نظمت بها تلك الأحداث، في مقابل المبنى الحكائي الذي يتألف من نفس الأحداث، بيد أنه يراعي نظام ظهورها في العمل"(2).

خلاصة أولية

أ ـ بظهور الشكلانيين الروس تكون السرديات الحديثة قد أعلنت ميلادها.

ب ـ كان للشكلانيين الروس الفضل في تقديم مفاهيم إجرائية أساسية ستصبح إرثا يتداوله محللوا الخطاب السردي مثلما هو الحال مع مفهومي المتن الحكائي والمبنى الحكائي.

ج ـ قدم الشكلانيون الروس الأساس النظري لما يمكن تسميته "بالسرديات المغلقة"، وهي سرديات حصرت اهتمامها في المبنى الحكائي.

وهكذا فقد درس فلاديمير بروب الحكايات الشعبية الروسية فاختار متنا حكائيا من مائة حكاية وأصدر كتابه "مورفولوجية الخرافة والحكاية العجيبة"(3) سنة 1928م. وكان هدفه من هذه الدراسة، هو بلورة مشروع، يهتم بالبحث عن بنية مفترضة للخرافة (4) بشكل خاص، وللمحكي بصفة عامة، بغية تحديد الثوابت والمتغيرات في هذه الحكايات من أجل نمذجة نمطية قادرة على التعميم.

وينطلق بروب في سبيل دراسة القواعد الشكلية للخرافة الروسية، من مجموعة من الأهداف تعد في الأصل قوام ما سماه الدراسة المورفولوجية (5)، ووسيلته تجاوز المقاربات الخارجية، أي التخلي عن المقاربات التي كانت تدرس السرد اعتمادا على علوم أخرى مثل: التاريخ، وعلم النفس وعلم الاجتماع، والتركيز على المعطيات الداخلية أي على بنية الحكاية.

التعريف بكتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية لفلاديمير بروب

ارتأينا أن نعرف بكتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية لفلاديمير بروب، من الناحية العلمية، ثم إبراز أهميته في مجال الدراسات الأدبية، خاصة أن معظم الدارسين يعتبرونه نقلة جديدة في مجال تحليل النصوص الأدبية عامة، والنص الحكائي خاصة. وهو كتاب معروف على الصعيد العالمي، حيث نال إعجاب الجميع فيما يخص الدراسات الفلكلورية، مما دفع إلى ترجمته لمختلف اللغات العالمية.

ففي الوقت الذي هيمنت فيه المناهج القديمة على تحليل النصوص الأدبية، وذلك بدراستها للنص الأدبي من الخارج، محاولة إبراز العلاقة التي تربط العمل الأدبي بذات المبدع من جهة، ثم البيئة التي أنتج فيها من جهة أخرى؛ ويدخل في هذا الإطار مجموع العوامل والمؤثرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وفي وقت كانت فيه الدراسات التي تهتم بالحكاية باعتمادها على ما هو متغير في البنية الحكائية، أي إلى: حكايات عجائب، حكايات عادات وتقاليد، حكايات حيوانات. وأمام هذه الوضعية التي كانت تعيشها النصوص الأدبية عامة، والنصوص الحكائية خاصة، ظهر تيار جديد ثار على المناهج القديمة، وقدم منهجا جديدا في التحليل، إنها المدرسة الشكلانية التي انطلقت من الإيمان بكفاءة المنتج الأدبي في حد ذاته، واعتبرته أساس التحليل، دون اللجوء إلى الظروف الخارجية التي أدت إلى إنتاجه، ثم رفضت الاستعانة بالعلوم المجاورة من علم نفس، وعلم اجتماع، وغيرها في التحليل، بل إنها اعتبرتها مجرد عوائق تقف أمام المحلل للنص الأدبي، وفي هذا الإطار نجد ياكبسون يحدد المنهج الشكلي في قوله: "إن هدف علم الأدب ليس هو الأدب في عمومه، وإنما في أدبيته: أي تلك العناصر المحددة التي تجعل منه عملا أدبيا". وبالإضافة إلى ذلك فقد اعتبرت المنتج سوى عنصرا من الدلالة المتكاملة في الترتيب الفني، ورفضت أن تكون هناك علاقة بين الأدب والمجتمع، خصوصا في مجال الحكاية.

وقد كان فلاديمير بروب رائدا من رواد هذه الحركة الجديدة، خصوصا في مجال الحكاية الشعبية، حيث رفض التصنيفات التي كانت تصنف إليها الحكاية الشعبية، ففكر في منهج جديد يعطي لعمله هذا صبغة علمية. وهكذا نجده يستعير المنهج الخاص بعلم النبات، فدرس الحكاية انطلاقا من الوحدات البنيوية التي تتعلق منها. وهو بهذا يقوم بنفس العمل الذي قام به دي سوسير وغيره من اللسانيين في مجال اللسانيات، عندما حددوا مستويات الجملة الصوتية والتركيبة والدلالية. غير أن بروب عمل على مجال أوسع وهو النص، وفي هذا الإطار نجد بارت الذي يحدد العلاقة بين الجملة والنص، وذلك في قوله: "إن القصة تشارك الجملة من حيث هي مجموعة من الجمل، وهي تظهر عند القراءة كإرسالية لها وحداتها ولها قواعدها. إذن فقد نظر بروب إلى النص الأدبي على أساس أنه مجموعة من الجمل؛ حيث تجدر الإشارة إلى أن بروب انطلق من مسلمتين اثنتين:

أولا: الاعتماد في منهجه على نموذج حكائي روسي موروث، حيث جمع ما يناهز المائة حكاية مستقيا منها ما دعاه بالمثال الوظائفي الذي يعني به عمل الفاعل معرفا من حيث معناه في سير الحكاية (6).

ثانيا: الاشتغال على دراسة الحكاية الخرافية، مركزا على الشكل دون المحتوى، مفرقا بين أفعال الشخوص من جهة والشخوص التي تقوم بهذا الفعل من جهة أخرى.

وبذلك يرى ستروس أن بروب عزل الحكايات الخرافية عن دراسة الأساطير وأعطاها أولوية كبرى، بالرغم من وجود علاقة وطيدة بينهما، وفي ضوء ذلك يقول فلاديمير بروب: "إننا سنعمل على مقارنة الأبنية الحكائية لهذه الخرافات فيما بينها ولأجل ذلك في البدء الأجزاء المكونة لها، متتبعين مناهج متميزة وبعد ذلك سنقوم بمقارنة الخرافات وفق أجزائها المكونة، وتتكون نتيجة هذا العمل مورفولوجيا، أي وصفا للخرافات حسب أجزائها المكونة، وللعلاقات فيما بينها وبين المجموع(7)، وهذا كله لإبراز التشابه والاختلاف عبر حقب زمنية، بغية التحقيق و البحث عن التطورات التي مر بها النص الأدبي.

ويعتبر فلاديمير بروب الوحيد الذي عمق دراسة الشكل الحكائي بحيث عمل على استخراج البنية الحكائية، فبالنسبة إلى ما يسميه فلاديمير بروب الحكاية العجيبة، تبدو "بنيتها مركبة معقدة التركيب وذات بنية علائقية متشابكة يتم الكشف عن اليات الرابط التي تربط فيما بينها، عن طريق التفكيك واستنباط تلك العلاقات والوظائف التي تؤديها في سياق قصصي معين"(8).

وقد كان هدفه الأساسي هو كشف خصائص "الحكاية العجيبة" كنوع حكائي للوصول في نهاية المطاف إلى تفسير تاريخي لتماثلها. فبحث عن العناصر الثابتة، وهي العناصر الموجودة دائما، حتى ولو انتقل الباحث من موضوع إلى آخر، كما أبرز أن تناسب وتجانس هذه العناصر الثابتة في التأليف الحكائي هو الذي يميز بنية حكايات العجائب.

وعندما حاول تحليل الحكاية إلى مجموعة من الوحدات البنيوية، لاحظ وجود نوعين من الوحدات: وحدات ثابتة وأخرى متغيرة. ثم حاول إقامة تمييز بينهما، وهو يطابق التمييز الذي أقامه بارت بين وحدات القصة، حين وجد وحدات توزيعية وهي ما أطلق عليها الوظائف الأساسية وأخرى تكميلية أي الوظائف الثانوية.

وقد قدم لنا فلاديمير بروب في كتابه نموذجين بنيويين: الأول مفصل والثاني موجز؛ أما الأول فخلاله قدم لنا الوظائف الواحد والثلاثين، التي تشتمل عليها الحكاية، باعتبار أن هذه الأخيرة لها أصولها التي تقوم عليها وقوانينها التي تسير فيها(9) وهي كالتالي:

1 ـ الابتعاد؛

2 ـ الحظر (المنع)؛

3 ـ مخافة الحظر؛

4 ـ التحري أو البحث؛

5 ـ الإخبار؛

6 ـ المكيدة؛

7 ـ التواطؤ؛

8 ـ الفعل السيء (الضرر) أو النقص؛

9 ـ التوسط؛

10 ـ بداية العمل المضاد؛

11 ـ الرحيل؛

12 ـ وظيفة الواهب الأولى؛

13 ـ رد فعل البطل؛

14 ـ تسليم الشيء السحري؛

15 ـ تنقل البطل عبر المكان؛

16 ـ الصراع ضد المعتدي؛

17 ـ علامة البطل؛

18 ـ الفوز على المعتدي؛

19 ـ إصلاح الفعل السيء أو النقص؛

20 ـ عودة البطل؛

21 ـ المطاردة؛

22 ـ النجدة؛

23 ـ الوصول غير المنتظر؛

24 ـ ادعاءات البطل الزائف الكاذبة؛

25 ـ المهمة الصعبة؛

26 ـ التعرف على البطل؛

27 ـ كشف البطل الزائف؛

28 ـ تحول الشكل؛

29 ـ القصاص؛

30 ـ الزواج (المكافأة).

إن مجموع هذه الوظائف، يشكل الركيزة الأساسية لنموذجه البنيوي التفصيلي. إلا أنه قدم أيضا نموذجا يطبعه الإيجاز، وذلك عندما لاحظ أن هناك علاقة منطقية تتحكم في توالي الوظائف، فكل وظيفة تستدعي وظيفة أخرى، وهكذا توصل إلى أن الوظائف تتجمع في ثنائيات كالحظر ومخالفة الحظر، الصراع والفوز... الخ.

وأن هناك وظائف أخرى تلتقي في مجموعات أكبر. لذلك نجده في نموذجه الموجز يقدم سبع مجالات. حيث كل مجال يشمل عددا من الوظائف، وهذه المجالات السبع هي كالتالي:

1 -  مجال عمل المعتدي أو الشرير، ويشتمل على الوظائف التالية:

-  الفعل السيئ (الضرر)؛

-  الصراع الناشئ ضد البطل؛

-  المطاردة.

2 -  مجال عمل الواهب، ويشمل الاعداد لتسليم الشيء السحري وحصول البطل عليه.

3 -  مجال عمل المساعد، ويتضمن الوظائف التالية:

-  تنقل البطل مكانيا؛

-  إصلاح الضرر؛

-  النجدة خلال المطاردة؛

-  تحولات البطل.

4 -  مجال متعلق بعمل الأميرة أو الشخصية التي يجري البحث عنها، وأبوها. ويضم الوظائف

التالية:

-  تكرار المهام الصعبة؛

-  وضع العلامات المميز؛

-  اكتشاف البطل الزائف.

التعرف على البطل الحقيقي.

-  معاقبة المعتدي؛

-  الزواج.

5 -  مجال عمل الحاكم أو الآمر، الذي يقوم بإرسال البطل في اللحظة الحرجة الانتقالية.

6 -  مجال عمل البطل ويتضمن الوظائف التالية:

-  الرحيل للبحث؛

-  رد الفعل أمام متطلبات الواهب.

-  الزواج.

7-  مجال عمل البطل الزائف، ويشمل الوظائف التالية:

-  الرحيل للبحث؛

-  رد الفعل أمام متطلبات الواهب؛

-  وظيفته الأساسية هي: مقاصده الخادعة.

نستخلص من هذا النموذج الموجز ثلاثة احتمالات:

أ -  قيام شخصية واحدة بمجال عمل واحد؛

ب -  قيام شخصية واحدة بمجالات عمل متعددة؛

ج -  قيام عدة شخصيات بالاشتراك في مجال عمل واحد.

وبعد تسليط هذه الأضواء على كتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية" مبينة الإطار العام، الذي يسير وفقه هذا النموذج، ثم القيمة العلمية المتمثلة في المنهج الذي تبناه بروب في تحاليله، متجاوزا بذلك أعمال سابقيه، وحتى معاصريه. نكون قد أعطينا صورة مقتضبة عن المنهج الشكلاني وعن الكتاب ككل.

خلاصة

لعلّ من أهم النتائج التي توصل إليها فلاديمير بروب ما يلي:

أ - توصل فلاديمير بروب إلى ما مفاده أن الحكايات تتضمن عناصر ثابتة، وأخرى متحولة.

ب - العناصر الثابتة في كل الحكايات هي: الأعمال والوظائف المنجزة من قبل الشخصيات، والعناصر المتحولة هي: أسماء الشخصيات وأوصافهم. (بطل- أمير- شرير...)؛

ج - الوظائف في الحكايات محدودة والشخصيات غير محدودة.

ح- تتابع الوظائف في جميع الخرافات واحد، وأن غياب بعضها لا يغير من نظام التتابع.

خ- كل الحكايات تنتمي فيما يتصل نسبيتها إلى النمط نفسه. (10)

د- كل الخرافات تصدر عن بنية واحدة، وإن تباينت أشكال تحققها.

لذلك سيتم التركيز على الوظائف، ووفق هذا التصور تصبح الوظيفة fonction حسب بروب "فعل الشخصية قد حدد من وجهة نظر دلالته في سيرورة الحبكة"(11) مادامت الشخصيات، لا يهتم بها، إلا من خلال أفعالها التي تنحصر في الوظائف التي حددها سلفا، وكما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا فقد حصرها بروب في واحد وثلاثين وظيفة تنجز من طرف سبع شخصيات (12) والتي سيعمل غريماس فيما بعد على تطويرها وهي المعتدي (الشرير)، والمانع (الواهب)، والمساعد، والأميرة، والمرسل، والبطل، والبطل الزائف (13).

هذه الشخصيات تنجز وظائف بل إن تسميتها تسمية وظيفية باستثناء الأميرة. هناك إذن وظائف تنجزها شخصيات وما ينجز يسمى "دوائر الأعمال" فهناك: دائرة أعمال المعتدي ودائرة أعمال

المساعد... وبناء على ما سبق يعرف "بروب" الحكاية بأنها: "متتالية من الأعمال والوظائف"؛ وتكمن أهمية دراسة بروب أنها عملت على نمذجة وصورنة خصائص نظرية للحكاية، حيث تظهر لنا أهمية

منهجه، من خلال إدخاله النسقية في عملية الوصف، والاعتماد على مفهوم إجرائي هو مفهوم الوظيفة، باعتبارها فعل لشخصية ما، حيث قام بفصل الفعل بعد تجريده من الشخص الذي يقوم به (14).

وقد اعتبر الشكلانيون الروس الصنعة في العمل السردي أهم من المضمون نفسه وقدموا مفاهيم مفسرة أهمها:

مفهوم المتن الحكائي الذي يعني الوقائع والأحداث كما يفترض أنها جرت في الواقع.

المبنى الحكائي: يقصد به نظام ظهور الأحداث في الحكي ذاته.

استنتاج

يقود هذا الفهم إلى الحديث عن الزمن السردي، فالحكاية كما وقعت في الأصل ذات بنية زمنية معينة. وهذه البنية لا يمكنها أن تتكرر بالصيغة ذاتها في المبنى الحكائي الذي يعيد تشكيلها وفق منطق خاص.

ج - مفهوم الوظيفة: يقصد به البنية المجردة والنظرية التي تحتوي مجموع الحكايات وتخضع لقانون واحد وقد حصرت في واحد وثلاثين وظيفة حيث تنجزها سبع شخصيات.

د- مفهوم الأعمال: يقصد به ما تنجزه الشخصيات من أعمال ومواقف مثل وظيفة الاعتداء والهبة والمساعدة والبطولة والبطولة الزائفة.

خاتمــة

يعتبر فلاديمير بروب من الأوائل الذين وضعوا اللبنات الأولى للتحليل الحكائي وذلك من خلال كتابه" مورفولوجيا الحكاية الشعبية" الذي كان بمثابة نقلة جديدة في تحليل البنيات الحكائية، فهو أول من طبق منهجا علميا في التحليل يرتكز على إبراز المميزات والخصائص البنيوية للنص الحكائي. وقد ترك بأعماله هذه، بصمات كان لها تأثير عميق، في من تلاه من الدارسين، فكان بمثابة نقطة البدء الذي أعطت الانطلاقة لكل الباحثين والمهتمين بهذا الحقل المعرفي، حيث سيعملون على تطوير وتنقيح وإدخال لبعض التعديلات عل نظرية بروب.

والحقيقة أن كتاب بروب هذا قد فتح المجال أمام العديد من الباحثين البنيويين، والتصنيفيين، في ميدان التحليل الحكائي خاصة، والفن السردي عموما. فأصبح يستعمل كنموذج للتحليل البنيوي للنصوص الفولكلورية. كما كان له تأثير واضح على أعمال الدلالة اللسانية.

إن الأبحاث البنيوية والتصنيفية في مجال الفلكلور، لم تظهر في فرنسا والولايات المتحدة إلا في الخمسينيات، لكنها بدأت متأثرة بالتطور، الذي طرأ على اللسانيات البنيوية والسيميولوجية. ففي سنة 1955 صدر كتاب "التحليل البنيوي للخرافة" لكلورد لفي ستراوس، وبالإضافة إلى أنه حاول تطبيق المبادئ البنيوية على الفلكلور، فأنه أكثر من ذلك اعتبر الخرافة ظاهرة لغوية تتعدى مستوى الفونيم والمورفيم، والوحدات الدلالية. وقد حدد الوظائف التي يمكن استخراجها من الخرافة. فتوصل إلى أن هناك طابع علائقي بين الوحدات الخرافية، أي أن كل وظيفة تسند إلى شخصية محددة، وهنا بالخصوص تظهر مدى المقاربة الكبيرة بين بروب وليفي ستراوس، لكن هناك اختلافات كثيرة بينهما. لعل أكثرها يرجع إلى اختلاف منطلقيهما، فالأول اهتم بحكاية العجائب، بينما اهتم الثاني بالخرافة.

لقد اهتم ليفي ستراوس بالجانب السردي، لكنه في الحقيقة كان يولي كل اهتمامه لمجموعة العلاقات ودلالتها المنطقية والرمزية. أما بروب فقد درس السرد قبل كل شيء، فحلل التطور التاريخي والتركيبي، وذلك حتى يسلط الأضواء على دلالة كل مركب داخل موضوع معين، ولهذا اعتبر نموذجه خطيا؛ ولقد تضمن مقال ليفي ستراوس حول كتاب "مورفولوجيا الحكاية الشعبية" مجموعة من الأحكام العامة، علاوة على سلسلة من الملاحظات والانتقادات.

إن بروب يعتبر تحليله التركيبي، كمدخل لتاريخ الحكاية ولدراسة البنية المنطقية المتميزة. مما يساعد على دراسة الحكاية باعتبارها خرافة؛ وهذا ما يشير إليه ليفي ستراوس إذ أن تحليل البنية التركيبية ليس فقط مرحلة ضرورية من أجل دراسة البنية العامة للحكاية. بل إنها تخدم بصفة مباشرة الهدف الذي اقترحه بروب، وهو المتعلق بتحديد مميزات الحكاية، ثم وصف وتفسير تشابهها البنيوي. ومن بين الذين تأثروا أيضا بأعمال بروب، وصاروا على نهجه، نجد العالم الفرنسي كريماس الذي استفاد من بروب حتى فيما يخص بعض الدراسات المتعلقة بجانب الدلالة اللسانية.

ومن بين الذين انتقدوا بروب، والشكلانيين عامة نجد باختين الذي يأخذ على الشكلانيين ماديتهم وهو لا ينتقدهم إلا من حيث ابتعادهم عن الرومانسية الخالصة، التي يبدو أنه يحاول تجديدها، ويؤسس عليها تنظيرا فلسفيا جديدا للنقد.

لقد دعا باختين إلى إعادة الوحدة، بين الذات والموضوع، خلال العمل الأدبي، ولقد ارتكزت أعماله، حول العلاقة بين الكاتب والنص. وخصوصا في مجال الرواية، حيث سيقترح الحوارية كخاصية، على اعتبار أن للرواية عدة مستويات، ترتكز كل لغة فيها على إشارة بقية اللغات حواريا إلى درجة أن يغيب المؤلف وسطها لكي يبقى في كل رواية مهما تعددت مستوياتها مركزا لغويا يتمثل في الخطاب الأيديولوجي، ولغات الرواية ما هي إلا صور عن الحياة بأكملها (15). كما يرى باختين أيضا أن الرومانسية تستند على عناصر محايثة، وليست متعالية إذ أنها لا تهتم كثيرا بالعناصر التجاوزية النصية، كالاستعارة والايقاعات التفعيلية، أو السياقات المعرفية، كما قال بأن العملية الابداعية يجب أن تشمل عدة عناصر: النص واللغة والظروف الاجتماعية أو التاريخية.

أما ماكنون فيرى بأن البنيوية بتأكيدها على سبر المثالية في دراستها لنصوص معينة، كمسألة مركزية في دراستها للنصوص، أي دراسة النصوص في ذاتها، ولذاتها، يغض النظر على كل الاعتبارات الخارجية للنص ذاته، كما تقصي كل الاعتبارات اللالغوية.

كما أكد على نجاح الشكلانيين الروس، في استخراج منطق للترابط الجملي، خاصة في مجال الحكاية الشعبية، انطلاقا من هذا المبدأ، بالإضافة إلى إحداث قطيعة مع المقاربات الانطباعية والفيلولوجية للنصوص الأدبية. غير أنهم لم يفكروا في علاقة هذه النصوص بشروطها السوسيوتاريخية، والإيديولوجية، والسوسيوثقافية.

الحقيقة أن هذه الانتقادات لا تنقص من قيمة فلاديمير بروب العلمية، حيث كان له السبق في التحليل الحكائي وإخراجه من القوقعة، التي كان يعيش فيها في مطلع هذا القرن، حيث أنه اهتم بالأنساق البنيوية للحكاية الشعبية واستخلاص الوحدات الدلالية، والعناية بالمبنى الحكائي من خلال التركيز على الوظائف، وأفعال الشخصيات، وعدم الاهتمام بمضامين الحكاية ومتغيراتها السردية، وهذا يعني أن بروب كان قريبا من التحليل البنيوي السردي والسيميائي على الرغم من اهتمامه بالمبنى الحكائي وأشكاله السردية(16) وهنا تبرز الإضافة التي أدرجها بروب على المنهج الشكلاني الذي اهتم أساسا بالجانب الخارجي للنصوص مهملين البنية الداخلية له والتي تتجه للمتلقي بالأساس والتي تتمركز على الحكاية والأفعال والحوار ومختلف العناصر الأساسية لأي عمل أدبي أو فني.

استنتاج: ستحضر هذه المفاهيم في الدراسات اللاحقة التي ستعمل على تطويرها أو انتقادها وهو ما نجده لدى الاتجاه البنيوي الذي يمكن وصفه بالاتجاه الإجرائي.

لائحة المراجع والمصادر

المراجع والمصادر باللغة العربية

-  القرآن الكريم.

-  إبراهيم الخطيب، ترجمة مؤلف "مورفولوجية الخرافة" لفلاديمير بروب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

-  الجلالي الكدية، أنطولوجيا الحكاية الشعبية المغربية، الطبعة الأولى " أنفوبرانت" ، فاس، 2014.

-  أحمد زياد محبك، الحكاية الشعبية، دراسة ونصوص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، الطبعة الأولى 2018، فاس، المملكة المغربية.

-  مصطفى يعلى، امتداد الحكاية الشعبية، موسوعة شراع الشعبية، طنجة، سبتمبر- دجنبر 1999.

-  محمد حجو، الإنسان وانسجام الكون، سيميائيات الحكي الشعبي، الطبعة الأولى، الرباط 2012.

-  محمد فخر الدين، الحكاية الشعبية المغربية، بنيات السرد والمتخيل، دار نشر المعرفة، الطبعة الأولى، الرباط 2014.

-  محمد فخر الدين، موسوعة الحكاية الشعبية المغربية، دار نشر معهد الشارقة، الطبعة الثانية، 2018.

مصطفى الشاذلي، ظاهرة الحيز في الخرافة الشعبية، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ع.10/1984، ص.169- 177.

-  إدريس كرم، اختيار الزوجة كما تقدمه الحكاية الشعبية المغربية، مجلة التراث الشعبي، ع.6، س.9، وزارة الإعلام، بغداد، 1978، ص.113- 129

- حسن السائح، القصة والملحمة في الأدب الشعبي، مجلة التعاون الوطني، ع35/1966.

-  صلاح الدين الخالدي، الحكاية المرحة في الأدب الشعبي المغربي، مجلة المعرفة، ع149، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، تموز 1974، ص.86.

-  عبد الكبير الخطيبي، صوت الحكاية، في كتاب " الاسم العربي الجريح" ، ط.1 ، دار العودة ، بيروت ، 1980 ، ص.153- 183.

-  عباس الجراري، حكايات من الفلكلور المغربي، مجلة المناهل، ع.5، س.3، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، الرباط، مارس 1976، ص.370- 376.

- عبد الله بن شقرون، ما قيمة القصة الشعبية المغربية، هل الخرافة من الأدب؟ مجلة الإذاعة الوطنية، ع.14، س.2/1959.

-  عائشة بلعربي، صورة الطفل في الحكاية الشعبية، أعمال ندوة التربية والتغيير الاجتماعي المنعقدة بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة محمد الخامس من 28 ماي إلى 2 يونيو 1979، منشورات جامعة محمد الخامس، الرباط ص.86

- محمد الفاسي، الخرافات في الأدب الشعبي، ضمن بحث "نظرة عن الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة البينات، ع.4، س.1، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الإسلامية، الرباط، غشت 1962، ص8- 9

-  مصطفى يعلي، القصص الشعبي بالمغرب، دراسة مورفولوجية، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث من كلية اداب الرباط، السنة الجامعية، 1992- 1993

-  مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

-  الزمخشري، أساس البلاغة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.ط.3. ج 1910.

-  شحاذة خوري، 2012، أوراق ثقافية، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق.

-  واقع الرميحي، واقع الثقافة ومستقبلها في أقطار الخليج العربي، الثقافة والمثقف في الوطن العربي.

-  الخطة الشاملة للثقافة العربية، المجلد الأول، الكويت، 1986م.

-  مجموعة من الكتاب، يوليوز/أكتوبر 1997، نظرية الثقافة، ترجمة علي سيد الصاوي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، رقم 223، عن E.B. Tylor: Primitive Culture.

-  عبد الرحمن الزنيدي، المثقف العربي بين العصرانية والإسلام، ط 3، دار كنوز، اشبيليا للنشر والتوزيع،

الرياض، السعودية،2009.

-  علي كريت، موسوعة التراث الشعبي، دار الحكمة (الجزائر)، الجزء الأول 2007.

-  براترانتروادك، علم النفس الثقافي، دار الفارابي، ط1 .

-  جيروم برونير، الثقافة وصيغ الفكر، الفكر الإنساني في آثاره، 2000.

-  براتر انتروادك، علم النفس الثقافي، دار الفارابي، ط1، 2009.

-  د. محمد الجوهري، 2008، ثقافات الحضارات اختلاف النشأة والمفهوم، ط 1، القاهرة، الدار

المصرية اللبنانية.

-  الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الثقافة، ط3، دار ابن رشد، عمان، 1986م.

-  دنيس كوش، مارس2007مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ط1 .

-  ابن منظور، لسان العرب، دار صادر.ج.3. د.ت بيروت.

-  محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي، مختار الصحاح.

-  محمود فهمي الكردي، تأثير أنماط العمران على تشكيل بعض عناصر الثقافة الشعبية.

-  سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

-  أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي، الطبعة الأولى 1426ه/2005م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

-  مالكة العاصمي، أنواع الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة المناهل، عدد 30، س.11، وزارة الشؤون الثقافية، الرباط، يوليو 1984، ص.360- 366.

-  عبد القادر زمامة، الأمثال المغربية، دراسات ونصوص، إعداد وتقديم السعيد بنفرحي، 2010، الطبعة الأولى، المطبعة، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط.

-  عبد السلام هارون، التراث العربي، دار المعارف. سلسلة كتابه. 30 القاهرة (ج.ت).

-  نخبة من الأساتذة، معجم العلوم الاجتماعية، القاهرة 1975.

- بدير حلمي، شعر الأدب الشعبي في الأدب الحديث، القاهرة، ط1986،1.

-  رفعت سلام، بحثا عن التراث العربي دار القلم، القاهرة، ط1989/1.

-  حمود العودي، التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية، بيروت 1986.

-  فاروق خورشيد، الجذور الشعبية للمسرح العربي، القاهرة 1991م.

-  د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، ص.5، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

-  مجموعة كتاب، 2008، مقدمة في دراسة التراث الشعبي، القاهرة.

-  محمد الجوهري، علم الفولكلور، القاهرة 1977.

-  د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

-  عباس الجراري، في الإبداع الشعبي، مطبعة المعارف الجديدة/ الرباط، ط1988/1.

-  إدريس كرم، "الأدب الشعبي المغربي" الأدوار والعلاقات في ظل العصرنة، منشورات اتحاد كتاب

المغرب، ط1.

-  عبد الحميد يونس، التراث الشعبي، سلسلة كتابك، دار المعارف، 1979.

-  حسين عبد الحميد أحمد رشلان، الفولكلور والفنون الشعبية، مكتبة مدبولي، سنة 1989بتصرف

-  محمد الفاسي، "دراسات مغربية من وحي البيئة"، ط.1990.

-  جمال بنسليمان، "موسوعية البحث العلمي عند أعالم المغرب في ق20، عباس الجراري نموذجا"،

نشر النادي الجراري )29(مطبعة الأمنية / الرباط.

-  أحمد عيدون، رقصة الاحيدوس، مذكرات التراث المغربي، تحت إشراف العربي الصقلي، 1980،

ج. 2.

-  الطيب الصديقي، في مذكرات من التراث المغربي، ج2، إشراف العربي الصقلي، 1986.

-  ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3.

-  المنجد الأبجدي، دار المشرق، بيروت، ط 5، (د.ت).

-  نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م.

-  عمر أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الأول، عالم الكتاب.

-  عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م.

-  عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م.

-  عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م.

-  صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986.

-  محمود تيمور، فن قصص دراسات في القصة والمسرح، المطبعة اللغوية.

-  فراس السواح، مغامرة العقل الأولى.

-  فراس السواح، الأسطورة.

-  مصطفى الجوزو، الأساطير العربية وخرافاته.

-  يوسف الحلاوي، الأسطورة في الشعر العربي.

-  أحمد إسماعيل النعيمي، الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام.

-  رابح العوفي، أنواع النثر الشعبي، منشورات جامعية، باجي المختار، عنابة.

-  حكايات شارل برُّو، جمع وتأليف الكاتب والشاعر الفرنسي شارل برُّو، ترجمة الدكتور محمود المقداد، الهيئة العامة السورية للكتاب.

- مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

-  الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته.أنواعه. تدريسه.

-  لينكيتا إيليسيف، كتاب: رحلة ليلة وليلة بين الشرق والغرب.

-  محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق

(د.  ط)، 2009 م، ص20.

-  فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت).

-  نظمي لوقا، أليس في بلاد العجائب، مجلة تراث الإنسانية، مج2.

-  شريفي عبد الواحد، موسوعة ثقافة الأطفال من إليس إلى بوتر.

-  مربية أمريكية، من مؤلفتها: كيف نسرد الحكايات على أطفالنا.

-  بسمة الخطيب، موقع العربي الجديد.

-  د. سناء غيلان، القصص الشعبي في أصيلة، دراسة ثقافية نقدية، مؤسسة منتدى أصيلة.

-  أحمد زغب، الأدب الشعبي الدرس والتطبيق، مطبعة سخري، الوادي، ط.2، (2012).

-  مصطفى يعلى، القصص الشعبـي دراسة مورفولوجيا، شركة النشر والتوزيع المـدارس، الدار البيضاء، ط. 1، (1999).

-  سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

-  ثريا التيجاني، دراسة اجتماعية لغوية للقصة الشعبية في منطقة الجنوب الجزائري (وادي سوف

أنموذج).

-  بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة بن عبد العالي، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 1990.

-  جون سكوت، علم الاجتماع، المفاهيم الأساسية، طبعة الأولى بيروت 2009.

-  جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، طبعة الأولى، 2011.

-  جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، مراجعة وتقديم محمد الجوهري. طبعة الأولى 2000.

-  مجلة مواقف للبحوث والدراسات في المجتمع والتاريخ.

-  حليمة كريم 2007 ص .120، المرجع: التمثلات وعلاقتها بالعملية التعليمية، مجلة علوم التربية، دورية مغربية نصف سنوية، أكتوبر 2007، العدد 35.

-  رولان بارت، مبادئ في علم الأدلة، ترجمة محمد البكري، دار الحوار للنشر والتوزيع، سوريا، اللاذقية، الطبعة الثانية، 1987.

-  مجمع اللغة العربية، معجم علم النفس والتربية، الجزء الأول، الهيأة العامة لشئون المطابع الأميرية،1984.

-  ريجيس دوبري، مفهوم الصورة عند ريجيس دوبري.

-  شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

-  فرانسوا مورو: البلاغة مدخل لدراسة الصور البيانية، ترجمة: محمد الولي وعائشة جرير، إفريقيا الشرق- الدار البيضاء، 2003م.

-  شرف الدين مجدولين: الصورة والنوع والمتخيل الثقافي قراءة في نموذجين نقديين، مجلة نزوى، العدد.36، أكتوبر2003.

-  صلاح عبد الفتاح الخالدي، نظرية التصوير الفني عند السيد قطب، الفنون المطبعية، الجزائر،

1988.

-  عمر عتيق، ثقافة الصورة دراسات أسلوبية، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،2010.

-  شاكر عبد الحميد، عصر الصورة.

-  علي بن محمد الشريف الجرجاني، كتاب التعريفات، مكتبة لبنان، طبعة جديدة، بيروت، 1985.

-  إيناسيورامونه، ترجمة نبيل الدبس، الصورة وطغيان الاتصال، دمشق، 2009.

-  عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدني بالقاهرة، ودار المدني بجدة، الطبعة الثالثة، 1992 م.

-  كامل حسن البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

-  عبير عليوة إبراهيم، الصورة الفنية في شعر حسان بن ثابت، رسالة ماجستير مخطوطة بكلية الآداب، جامعة الزقازيق،1990م.

-  الولي محمد، الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي، المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1،

1990.

-  عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي المعاصر، دار النهضة العربية، ط2، 1981.

-  ابن كثير، تفسير القرآن الكريم، (4/ 106. (

-  القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص. 328.

-  الجاحظ، عمرو بن بحر، كتاب الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، ج3.

-  د. كامل البصير، بناء الصورة الفنية في البيان العربي.

-  د. إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب.

-  الراغب أحمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص 21, عن: قدامة بن جعفر، نقد الشعر.

-  الدكتور محمد إبراهيم عبد العزيز شادي، الصورة بين القدماء والمعاصرين.

-  العسكري ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل، كتاب الصناعتين، تحقيق علي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركائه، 1952م.

-  الدكتور محمد محمد أبو موسى، البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري.

-  الراغب احمد، وظيفة الصورة في القران الكريم، ص.30، عن ابن الاثير، المثل السائر.

-  حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب الخوجة – بيروت – دار الغرب الاسلامية، ط. 2، 1981.

-  محمد بوزاوي، معجم مصطلحات الأدب، الدار الوطنية للكتاب، الجزائر، د ط، 2009.

-  أحمد جمعة أحمد نايل، التحليل الأدبي أسسه وتطبيقاته التربوية، دار الوفاء، الإسكندرية، ط1،

ص.206.

-  جابر عصفور، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي، دار الثقافة للطباعة والنشر، مصر،

ط3، 1992.

-  مصطفى ناصف، الصورة الأدبية، مكتبة مصر، القاهرة، ط. 1، 1998م.

-  عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، مكتبة غريب، القاهرة، ط4، د.ت.

-  أبو أديب كمال، جدلية الخفاء والتجلي، دار العلم للملايين، بيروت، طبعة 3، ص. 20.

-  اليافي نعيم، الصورة في القصيدة العربية المعاصرة، القاهرة، ص. 2.

-  ماجدة حمود، مقاربات تطبيقية في الأدب المقارن، تحاد كتاب العرب، سوريا، ط. 1، 2011م.

-  أهمية الصورة في العملية التعليمية التعلمية – الحوار المتمدن العدد 2826 – المحور: الفلسفة،

علم النفس، وعلم الاجتماع.

-  أحمد فرشوخ، الطفولة والخطاب.

-  الدكتور أحمد أوزي، الطفل والمجتمع.

-  مصطفى الورياغلي، الصورة الروائية.

-  كيليطو، الأدب والغرابة.

-  بروب، مورفولوجيا الخرافة.

-  جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

-  عبد السلام بنعبد العالي، سوسيولوجية الحياة اليومية.

-  د. محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري إستراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985.

-  جوزيف كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ترجمة: د. جمال حضري، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف.

-  هامون، سيميولوجية الشخصية.

- أدوار سعيد، الاستشراق والاستشراق المعكوس.

-  فيكتور هيجو، البؤساء.

-  د. مرشد أحمد، مرجع، البنية والدلالة في روايات إبراهيم نصر الله: دراسة، طبعة أولى، 2018.

الناشر بمقاربات للنشر والصناعات الثقافية.

-  أحمد مرشد، جدل الإنسان والمكان في رواية عبد الرحمان منيف، دار النشر، الاسكندرية.

-  لوكاش جورج، دراسات في الواقعية، ترجمة د فايق يلوز، وزارة الثقافة، دمشق.

-  يسري شاكر، أجمل حكايات الفلكلور المغربي، ص.4.

-  أروى بريجية، أهمية الحوار، الموقع الإلكتروني: موضوع mawdoo3.com.

-  عماد بن صوله، الأصول والبدايات في السرديات الشفوية، الموقع الإلكتروني: الثقافة الشعبية  polkulturebh.

-  كورتيس، مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية، ص 208، ترجمة د. جمال حضري، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، السنة 2007.

-  غريماس، تقديم لكتاب جوزيف كورتيس مدخل إلى السيميائية السردية والخطابية.

- جون لوك، مقالتان في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري، بيروت، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1959.

- جان جاك روسو، في العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي.

- توماس هوبز، اللفياثان - الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة- ، ترجمة دينا حبيب حرب وبشرى صعب، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، الفارابي، 2011.

-  المراجع والمصادر بغير العربية

- Hofstede, Geert et Gert Jan Hofstede, Cultures et organisations: software of

the mind,    McGraw Hill, Inc, New York, 2005.

Spradley James, Culture and Cognation, Chandle Publishing Company,

USA, 1973.

Elisséeff (N) : Thèmes et motifs des Mille et une Nuits, I.F.D Beyrouth, 1949.

P. Bowles.whithout stopping: an autobiography/ New york. The Ecco Press ; 1972. Trad. Française. Mémoire d’un nomade. Paris. Quai Voltaire 1989.

DRISS Ben Hamed Charhadi : A Life full of holes. New york. Grove 1964, trad.

Française CelineZins (une vie pleine de trous). Paris. Ed. Galimard. 1965.

Robert Briatte : Paul Bowles, Collection Biographique, Paris. Ed. Plon ; 1989.

Larbi Layachi : Yesterday and Today (الأمس واليوم).

Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985 : The Jealous Lover.

Tambouctou Books. CA. 1985.

Le petit robert.

Flament. C. 447 : 1989.

P. Mannoni, 1989.

G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.

Thines et Lempreur, 1975.

E.durkeheim : " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.

Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

Jodolet, D. 1984.

Langenfeld 2005.

N. Sillamy ,1980.

Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.

Yves Alpe, 2005.

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Sciences de l’information,

Larousse, Paris, 1993, p. 12.

Gremas, sémiotique structurale.6

G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d  entre vernes.

Le roman à thèse ou L’autorité fictive puf 1983.

الهوامش

(1)  - Voir B. Tomachevsky، Thématique، in Théorie de la littérature textes des formalistes russes، tr , T. Todorov, Paris, éd. Seuil, 1996, p.p.276.268

(2) ) ـ توماشفسكي، نظرية الأغراض، ضمن نصوص الشكلانيين الروس، ص.180.

(3) ) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ترجمة إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط1، 1986م، ص27- 30.

(4) ـ منصوري مصطفى، سرديات جيرار جينيت، في النقد العربي الحديث، رؤية، ص.97.

(5) ـ يقصد بالدراسة المورفولوجية وصف الخرافات وفقا لمكوناتها الجزئية وعلاقة تلك الأجزاء بعضها ببعض ثم علاقتها بمجموع الخرافة. وواضح أن المصطلح مستعار من علم النبات حيث تتم من خلاله دراسة الأجزاء المكونة للنبات.

(1) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ص. ص8- 9

(2) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ترجمة إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، ط1، 1986م، ص27- 30.

(8) ) ـ فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ترجمة إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين ،ط1، 1986م، المقدمة، ص.9.

(9) ) ـ بنية الحكاية في البخلاء للجاحظ ( دراسة في ضوء منهجي بروب وغريماس)، عدي عدنان محمد ، دار الكتب الحديثة ودار نيبور، الأردن، العراق،، ط1. 2011. ص9.

(1) – فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ص.33

(2) – نفس المرجع، ص.35

(3) – منصوري مصطفى، سرديات جيرار جينيت في النقد العربي الحديث، رؤية، ص.100

(4) – فلاديمير بروب، مورفولوجيا الخرافة، ص.ص.40.41

(5) – فلاديمير بروب ومورفولوجيا الحكاية العجيبة، حميد لحمداني، العدد 2885، الأربعاء 30- 07- 2014.

(1) فيصل الأحمر، معجم السيميائيات، ط1، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم، ناشرون، 2010

(2)–نظرية البنائية في النقد الأدبي. صلاح، فضل، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط3، 1987، ص 91

 

” الآخر ليس مجرد انعكاس للذات، بل هو المرآة التي تكشف حدود فهمنا للهوية، ومفتاح إدراكنا للعدالة المجتمعية، والتعايش، والاعتراف المتبادل في المجتمع “.

” يعتبر مفهوم " الآخر " من المفاهيم المركزية في علم الاجتماع والفكر الإنساني المعاصر، إذ يشكل مدخلاً لفهم آليات التمايز الاجتماعي وبناء الهوية. فالآخر ليس مجرد شخص أو جماعة مختلفة، بل هو نتاج لعمليات اجتماعية وثقافية ورمزية تحدد من نحن في مقابل من لسنا نحن “. (الكاتب)

- الملخص:

تركز هذه الدراسة على فهم الآخر من منظور سوسيولوجي، مع إبراز جدلية الهوية والاختلاف وآليات بناء صور الآخر في المجتمع. اعتمدت الدراسة المنهجية التحليلية النقدية، مستندة إلى الفلسفة الكلاسيكية (هيجل، سارتر، ليفيناس) والسوسيولوجيا المعاصرة (جوفمان، بورديو، سعيد)، مع التركيز على دور الخطاب الإعلامي والسياسي والثقافي في إنتاج الصور النمطية.

خلصت الدراسة إلى أن الآخر ليس كائناً خارجياً فحسب، بل عنصر أساسي في تشكل الهوية والوعي الذاتي، وأن الاعتراف المتبادل يمثل إطاراً فعالاً لبناء العدالة الاجتماعية وتعزيز التعددية الثقافية. بالمقابل، يمكن للخطاب الإعلامي والسياسي أن يعيد إنتاج الإقصاء إذا لم يُراع الاعتراف بالآخر.

وفي النهاية أوصت الدراسة بضرورة تعزيز الاعتراف المتبادل في السياسات الثقافية والاجتماعية، وإعادة النظر في الصور النمطية للآخر في الإعلام والتعليم، وتوسيع الدراسات حول الآخر في سياق العولمة لضمان فهم متكامل للهوية والاختلاف في المجتمعات المعاصرة.

- المقدمة:

تعتبر مسألة الآخر من أكثر القضايا جوهرية وإشكالية في الدراسات الإنسانية والاجتماعية، إذ لا تقتصر أهميتها على كونها كياناً منفصلاً عن الذات، بل تتصل مباشرة بفهم كيفية تشكّل الهوية الإنسانية في علاقتها بالاختلاف والتنوع. فالآخر، في بعده النظري، ليس مجرد كيان موضوعي للبحث، بل هو المرآة التي تعكس للذات حدودها وإمكاناتها، وشرط لإدراك الإنسان لأبعاده الأخلاقية والثقافية والاجتماعية. لقد أشار الفلاسفة الكلاسيكيون مثل هيجل وسارتر وليفيناس إلى أن الآخر يلعب دوراً محورياً في تكوين الوعي الذاتي، فالاعتراف بالآخر، أو الصراع من أجل الاعتراف، هو ما يمنح الذات معناها ويحدد حدود وجودها الأخلاقي والفكري.

ومع تطور علم الاجتماع، أخذ مفهوم الآخر أبعاداً تحليلية تتجاوز الفلسفة إلى فهم العلاقات الاجتماعية والثقافية المبنية على القوة، والتمييز، والرموز الثقافية، والوصم الاجتماعي. فقد أظهر إرفنج جوفمان كيف يساهم الوصم الاجتماعي في تشكيل صور الآخر داخل الجماعات، بينما حلل بيير بورديو دور التمييز ورأسمال الثقافي في إنتاج الفوارق بين الذات والآخر. أما إدوارد سعيد فقد ركز على تحليل الخطاب الغربي للشرق، موضحاً لنا كيف تصاغ صور الآخر في سياق الهيمنة الثقافية والسياسية. هذه التحليلات مجتمعة تؤكد أن الآخر ليس مجرد كائن خارجي، بل جزء من عمليات إنتاج الهويات والسلطة في المجتمع.

وفي العصر الحديث، ومع انفتاح المجتمعات على العولمة، أصبح الآخر حاضراً ليس فقط في الفضاء الرمزي، بل في الحياة اليومية للمجتمعات من خلال الهجرة، واللاجئين، والتعددية الثقافية. هذا التحول يعيد صياغة العلاقات بين الهوية والاختلاف، ويستدعي إدراكاً جديداً للعلاقات الاجتماعية القائمة على الاعتراف والتفاعل، بدلاً من الإقصاء والصراع. إذ لم يعد الآخر كياناً خارجياً، بل عنصراً فاعلاً في بناء الذات والجماعة، وفي تكوين الهويات الفردية والجماعية ضمن فضاءات متعددة الثقافات.

من هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية شاملة لسوسيولوجيا الآخر، تبدأ بالجذور الفلسفية، مروراً بالتحليل السوسيولوجي للآليات التي تنتج صور الآخر، وصولاً إلى دراسة جدلية الهوية والاختلاف، وانعكاسات العولمة على العلاقات بين الذات والآخر. كما أنه من خلال هذا النهج، يمكن استخلاص فهم متكامل للآخر ليس كتهديد للذات، بل كفرصة لإعادة تشكيل الهوية، وبناء الاعتراف المتبادل، وتعزيز التنوع الاجتماعي والثقافي. إن هذه الدراسة تعكس إدراكاً أن الآخر عنصر محوري لفهم الذات الإنسانية في سياق متغير، وأن معالجة العلاقة بين الذات والآخر هي مفتاح لفهم ديناميات العدالة، الثقافة، والسياسة في المجتمعات المعاصرة.

أولاً- الجذور الفلسفية والسوسيولوجية لمفهوم الآخر:

يعتبر مفهوم " الآخر " من أكثر المفاهيم الفلسفية والسوسيولوجية ثراءً في الفكر الإنساني الحديث والمعاصر، إذ يشكل مدخلاً نظرياً لفهم طبيعة الهوية والعلاقة مع الغير ضمن أطر فلسفية، وثقافية، واجتماعية متشابكة. وقد تنقل المفهوم بين حقلين أساسيين: الفلسفة التي أرست أسسه الميتافيزيقية والأنطولوجية، وعلم الاجتماع الذي أعاد تأويله في ضوء البنى الرمزية والسلطوية داخل المجتمع.

في الفلسفة، تناول هيجل فكرة الآخر في إطار الصراع الجدلي من أجل الاعتراف كما ورد في فينومينولوجيا الروح. فالوعي بالذات، عنده، لا يتحقق إلا من خلال علاقة متوترة مع وعي آخر يسعى هو أيضًا إلى الاعتراف. هذه العلاقة الجدلية بين " السيد والعبد " تخلق عملية وعي متبادلة تظهر أن الحرية لا تبنى في عزلة، بل في تفاعل وصراع مع الآخر الذي يحدّها ويكشفها في آن واحد.

أما سارتر فقد أعاد صياغة المسألة في أفق وجودي، معتبراً أن الآخر هو المرآة التي تُعرّف الذات بذاتها. وفي كتابه " الوجود والعدم " يقدم مفهوم " النظرة "، حيث يشعر الإنسان في مواجهة نظرة الآخر بأنه يتحول إلى موضوع منظور، فيفقد جزءاً من حريته، ويتعين داخل وعي غريب يراه من الخارج.  ومن هنا تولد مأساة الذات التي تسعى إلى الحرية بينما تقيدها موضوعية الآخر.

بينما قدم إيمانويل ليفيناس انعطافة جذرية، إذ حول اللقاء مع الآخر من علاقة معرفية إلى علاقة أخلاقية. ففي الكلية واللانهائي، يرى ليفيناس أن وجه الآخر يمثل النداء الأخلاقي الأول، وأن الاستجابة له هي ما يجعل الإنسان إنساناً. فالآخر هنا ليس مجرد انعكاس للذات أو شرط لوعيها، بل أساس لمسؤوليتها الأخلاقية، ومن ثم تغدو الأخلاق " الفلسفة الأولى " التي تسبق الوجود والمعرفة.

ومع تطور علم الاجتماع، انتقل مفهوم " الآخر " من بعده الفلسفي إلى دراسة علاقات القوة والتمييز الاجتماعي والتمثل الثقافي. لقد صار يفهم باعتباره بنية اجتماعية تنتجها الخطابات والمؤسسات التي تعرف من هو " الطبيعي " ومن هو " المنحرف " أو " المختلف ". ففي هذا الإطار قدم إرفنج جوفمان إسهاماً محورياً في دراسته الكلاسيكية الوصم: ملاحظات حول تدبير الهوية المشوهة، حيث حلل كيف يبنى   " الآخر " من خلال آليات الوصم الاجتماعي التي تعرف الأفراد المختلفين أو المهمشين كذوات منقوصة، وكيف تؤثر هذه التصنيفات في تفاعلهم اليومي داخل البنية الاجتماعية. فالمجتمع، بحسبه، ينتج " الآخر " عبر تصنيفاته الرمزية والإجرائية التي تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة.

أما بيير بورديو فقد نقل دراسة " الآخر " إلى مستوى الحقول الاجتماعية والرأسمال الثقافي. ففي كتابه " التميُّز: نقد اجتماعي للحكم " عام 1979، حلل كيف تُنتج الفئات الاجتماعية اختلافاتها ورموزها عبر ذوقها واستهلاكها وثقافتها، وكيف تعمل هذه الرموز على ترسيخ التراتب الطبقي وإعادة إنتاجه. فالآخر هنا ليس فقط من يقصى أو يهمش، بل من يُعرّف داخل حقل القوة بوصفه أدنى أو مختلفاً ثقافياً. وبذلك يغدو     " الاختلاف " أداة اجتماعية للتمييز والفرز الطبقي.

في حين قدم إدوارد سعيد قراءة سوسيولوجية وثقافية عميقة لمفهوم " الآخر " في سياق العلاقة بين الشرق والغرب. ففي كتابه " الاستشراق "، بيّن سعيد كيف شكل الخطاب الغربي صورة " الشرق " كآخر غريب، متخلف، وساكن، في مقابل " الذات " الغربية المتفوّقة والعاقلة. فالمعرفة الاستشراقية، كما يؤكد سعيد، لم تكن محايدة بل كانت مرتبطة بعلاقات السلطة والإمبريالية التي أسست لهيمنة الغرب الثقافية والمعرفية على الشرق. ومن هنا، يلتقي التحليل السوسيولوجي للآخر مع النقد الثقافي لما يسميه فوكو " أنظمة الحقيقة " التي تنتج وتشرعن الاختلاف والتفوق.

إن هذا التطور من هيجل إلى غوفمان وبورديو وسعيد يكشف عن انتقال المفهوم من حقل الوعي الذاتي إلى حقل البنية الاجتماعية، ومن التأمل الفلسفي إلى تحليل القوة والمعنى والتمثيل. فالآخر في الفلسفة كان شرطاً لتكون الذات، أما في علم الاجتماع والثقافة، فقد أصبح أداة لتفسير أنماط التمايز والهيمنة داخل المجتمع. وهكذا يغدو مفهوم " الآخر " محوراً جامعاً بين الذاتي والموضوعي، بين الوعي الفردي والنسق الاجتماعي، وبين الفعل الأخلاقي وبنية السلطة.

خلاصة القول، إن الانتقال من التصورات الفلسفية إلى التحليل السوسيولوجي يظهر كيف يتداخل مفهوم    " الآخر " بين مستويات متعددة: في الفلسفة يؤسس الآخر كشرط لوعي الذات والأخلاق، بينما في علم الاجتماع يدرس كأداة لإنتاج الاختلاف، ولتفكيك علاقات القوة والتمييز الاجتماعي والثقافي. وهكذا، يصبح الآخر محوراً جامعاً لفهم الذات والهوية في بعديه النظري والعملي، متكاملاً بين الحرية الفردية، والمسؤولية الأخلاقية، والنسق الاجتماعي الثقافي، مما يتيح للباحث تحليل كيف تشكل العلاقات الاجتماعية والرمزية الهوية الفردية والجماعية في آن واحد.

ثانياً- سوسيولوجيا الآخر (المفهوم، الموضوع، والأهمية):

تعتبر " سوسيولوجيا الآخر " أحد الاتجاهات الحديثة في الفكر السوسيولوجي التي نشأت استجابةً للتحولات المعرفية الكبرى التي أعادت النظر في علاقة الذات بالآخر داخل المجتمع والثقافة. لقد تجاوزت المقاربة السوسيولوجية الحديثة الفهم الفلسفي التقليدي للآخر بوصفه مُعطى وجودياً أو جدلياً بين الذات والوعي، لتضعه في سياقه البنيوي والاجتماعي والثقافي، بوصفه نتاجاً لعلاقات القوة والمعرفة والتمثيل. بهذا المعنى، لا يفهم الآخر ككيان معزول أو مغاير فحسب، بل كنتاج لتفاعلات تاريخية ومؤسساتية تحدد من يكون في موقع " الاختلاف " ومن يحتل موقع " المرجعية ".

1- تعريف سوسيولوجيا الآخر: تُعرف سوسيولوجيا الآخر بأنه المجال السوسيولوجي الذي يبحث في كيفية تشكل مفهوم الآخر داخل البنى الاجتماعية والثقافية، وفي الآليات التي تنتج بها المجتمعات صوراً وتمثلات للفئات المختلفة، بما يرسخ أنماط التمييز والاستبعاد أو يعيد إنتاجها.

يركز هذا التخصص على أن الآخر ليس وجوداً سابقاً على الفعل الاجتماعي، بل هو بناء اجتماعي تنتجه الخطابات، والمؤسسات، وممارسات الحياة اليومية. ومن هذا المنطلق، تهتم سوسيولوجيا الآخر بتحليل ديناميات التفاعل بين الذات والآخر من خلال ما يُعرف بـ " سياسات الاختلاف " التي تشتغل ضمن منظومة السلطة والرموز والمعرفة.

ومن الناحية النظرية، تستند سوسيولوجيا الآخر إلى الإرث الفلسفي لهيغل الذي رأى في الآخر ضرورةً لوعي الذات بذاتها عبر جدلية الاعتراف، وإلى تأملات سارتر في " الوجود والعدم " حين اعتبر أن نظرة الآخر هي ما يجعل الذات موضوعاً لنفسها، كما تستلهم رؤية ليفيناس الذي جعل من اللقاء بالآخر أصلاً للأخلاق والمعنى الإنساني. غير أنّ المقاربة السوسيولوجية نقلت هذا النقاش من الحقل الميتافيزيقي إلى الواقع الاجتماعي، عبر دراسة كيف تترجم هذه الجدليات في العلاقات اليومية، في التمييز الطبقي، وفي التمثلات الثقافية التي تصوغ الهويات الفردية والجماعية.

بناءً على ما تقدم يمكننا تعريف سوسيولوجيا الآخر " بأنها فرع من فروع علم الاجتماع يهتم بدراسة الكيفية التي يُبنى بها مفهوم " الآخر" داخل البنى الاجتماعية والثقافية، وكيف تنتج المجتمعات تصورات وتمثلات عن المختلف عنها في الهوية أو الثقافة أو الطبقة أو الدين أو الجنس ". وتسعى هذه المقاربة إلى تحليل العلاقات الاجتماعية التي تنشأ بين الذات والآخر، وما يرافقها من أنماط الإقصاء أو الاعتراف أو التهميش أو الهيمنة، بوصفها آليات اجتماعية وثقافية تُسهم في تشكيل الهويات الفردية والجماعية.

وهكذا تنطلق سوسيولوجيا الآخر من فرضية أن الهوية لا تتحدد إلا في سياق العلاقة بالغير، أي       إن " الأنا " تُعرف ذاتها من خلال التمايز عن " الآخر "، بما يجعل دراسة الآخر مدخلاً أساسياً لفهم ديناميات السلطة والاختلاف داخل المجتمع.

2- موضوع سوسيولوجيا الآخر: ينصرف موضوع هذا الحقل إلى دراسة العمليات الاجتماعية التي تُنتج الآخر وتحدد موقعه ضمن النظام الاجتماعي. ويتجلى ذلك في تحليل آليات الوصم الاجتماعي بوصفها وسيلة لتمييز " المختلف " وإقصائه، وفي تفكيك البنى الرمزية والطبقية التي وصفها بورديو باعتبارها أنظمة تحدد الذوق والشرعية والمعنى. كما يتناول الحقل التمثلات الثقافية والسياسية التي تحدد صورة الآخر في الخطاب العام، كما أوضح إدوارد سعيد في دراسته النقدية للاستشراق، حيث يصبح الشرق - بوصفه   " الآخر " - بناءً معرفياً يخدم علاقات الهيمنة والاستعمار.

بهذا المعنى، يتضمن موضوع سوسيولوجيا الآخر عدة مستويات: (من التفاعل اليومي إلى المؤسسات الكبرى، ومن الخطاب إلى الممارسة، ومن المحلي إلى العالمي). وتتكامل هذه المستويات في هدف أساسي هو الكشف عن أنماط إنتاج الاختلاف والتمييز، وتحليل نتائجها في إعادة توزيع السلطة والمكانة داخل المجتمع.

3- أهمية سوسيولوجيا الآخر: تتجلى أهمية هذا الحقل في كونه يمكن الباحث من فهم آليات تشكل الهويات، ومصادر التمييز، والعنف الرمزي، والإقصاء الاجتماعي. فهو يتيح دراسة نقدية للعلاقات الاجتماعية تكشف عن كيفية تداخل البنى الاقتصادية والسياسية والثقافية في إنتاج " الآخر " وتثبيت موقعه في الهامش.

ومن الناحية العملية، تبرز أهميته في إسهامه في إعادة بناء سياسات الإدماج والمواطنة، إذ يساعد في صياغة رؤى جديدة للتربية والإعلام والسياسة العامة تقوم على الاعتراف المتبادل بدل الهيمنة أو التمثيل الأحادي. كما أن تحليل ديناميات الآخرية يوفر أدوات لتفكيك الصور النمطية التي تغذي النزاعات الإثنية والدينية والطبقية، بما يفتح المجال أمام مجتمعات أكثر عدلاً وتسامحاً وتنوعاً ثقافياً.

خلاصة القول، لا تقف سوسيولوجيا الآخر عند حدود دراسة العلاقات بين الذات والمجتمع، بل تمثل مشروعاً نقدياً لفهم البنية العميقة للعلاقات الإنسانية، تلك التي تُنتج فيها القوة والمعرفة صوراً للآخر تستخدم لتبرير التراتب الاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فإنها تمثل جسراً بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وبين الوعي الذاتي والممارسة السياسية، بما يجعلها من أهم الحقول التي يمكن أن تسهم في بناء وعي إنساني نقدي يُعيد التفكير في معنى الانتماء والمواطنة والاختلاف في العالم المعاصر.

ثالثاً- آليات بناء صورة الآخر:

تعد عملية بناء صورة " الآخر" من أكثر الظواهر الاجتماعية تركيباً وتشابكاً، إذ تتداخل فيها البنى الرمزية والمؤسساتية التي تشكل وعي الأفراد والجماعات بأنفسهم وبمَن يختلف عنهم. فالآخر ليس معطًى طبيعياً، بل هو نتاج عملية اجتماعية وثقافية طويلة المدى، تتفاعل فيها منظومات القيم، والخطابات المهيمنة، وآليات التنشئة التي تنقل الصور النمطية وتعيد إنتاجها عبر الأجيال. ومن ثم فإن فهم صورة الآخر لا يتم بمعزل عن تحليل السياقات التي تنتجها، سواء كانت تربوية أو إعلامية أو دينية أو ثقافية.

ويمكننا تعريف آليات بناء صورة الآخر بأنها الوسائل والعمليات التي تساهم في تكوين تصورات الأفراد والمجتمعات حول من يعتبر مختلفاً أو خارجاً عن المعايير الاجتماعية والثقافية السائدة. هذه الآليات تعمل على إنتاج صورة الآخر من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: التنشئة الاجتماعية، الخطاب الإعلامي والسياسي، والدين والثقافة، وكلها تساهم في تشكيل وعي الأفراد والجماعات بطريقة منظمة أو ضمنية.

1- التنشئة الاجتماعية وبناء التصورات الأولية: تبدأ صورة الآخر بالتكون منذ المراحل الأولى من حياة الفرد، في إطار مؤسسات التنشئة الاجتماعية كالأسرة والمدرسة. فالطفل يتشرب عبر هذه القنوات الأولى منظومة القيم والمعايير التي تحدد ما هو " نحن " وما هو " هم ". يوضح بورديو أن التنشئة الاجتماعية تؤدي إلى بناء " هابيتوس " جماعي Habitus يوجه الإدراك والتمييز بين الفئات، بحيث تغرس في الفرد أنماط الاستقبال الاجتماعي للمختلف.

بمعنى أوسع، في بداية الحياة الاجتماعية للفرد، تنشئ الأسرة شبكة رمزية وثقافية تحدد من ينتمي إلى " الداخل " ومن يقع ضمن " الآخر ". وفي هذا الإطار، يؤكد لنا بورديو أن الذوق ليس محايداً أو تلقائياً، بل إنه اختيار يتم في مواجهة ما لا نريد أن نكون، هنا يكشف كيف أن الاختيارات الثقافية تحمل مضامين تمييزية، وتتشكل على أساس تموضع اجتماعي مسبق. ومن ثم، حين تنشأ الأسرة ضمن موقع اجتماعي معين، فإنها تعلم أطفالها أنماطاً من التمييز الرمزي: كيف ننظر إلى الطعام، الفن، الكتب، وحتى الترفيه، باعتبارها دلائل هوية هذا من جهة. ومن جهة أخرى نجد أن المدرسة كمؤسسة تربوية - تلك التي يفترض أن تنشئ مواطنين متساوين - غالباً ما تعيد إنتاج نفس التمايزات الثقافية من خلال المناهج الدراسية، التمثيلات التاريخية، اللغة المستخدمة في التعليم، كل ذلك يسهم في ترسيخ مقولات من " نحن " ومن " هم ". فحين يصور التعليم المدرسي جماعة معينة كمهملة أو متخلفة أو غير متحضرة، فإن ذلك يغذي الشعور بالآخرية لديهم. ثم تأتي العلاقات بين الأقران والمؤسسات المحلية التي تكمل هذا البناء فيما يسميه جوفمان بآليات " إدارة الهوية الملوثة " التي يمارسها الفرد داخل محيط اجتماعي مترابط. بذلك، نجد أن التنشئة الاجتماعية ليست عملية سلبية فقط بل صيرورة إنتاج للجاهزية الذهنية لقبول الآخر أو رفضه، مع ما ينجم عن ذلك من ممارسات العزل أو الإقصاء.

2- الخطاب الإعلامي والسياسي كآلية لإنتاج الصور النمطية للآخر:

يؤدي الإعلام والسياسة دوراً حاسماً في إعادة إنتاج صورة الآخر على نطاق أوسع. فوسائل الإعلام لا تنقل الواقع فقط، بل تعيد تشكيله عبر اختيار ما تظهره وكيف تقدمه. يشير تيون دايك إلى أن الخطاب الإعلامي الغربي كثيراً ما يعرض الأقليات والمهاجرين في سياق سلبي يربطهم بالجريمة أو التهديد. هذه الطريقة في التمثيل تؤدي إلى خلق " آخر " جمعي يبدو غريباً أو خطيراً. وبالطريقة نفسها، تستعمل الخطابات السياسية مفاهيم مثل " الأمن القومي " أو " الهوية الوطنية " لتبرير الإقصاء أو التشكيك في انتماء مجموعات معينة.

ويبين إدوارد سعيد أن هذا النمط من الخطاب ليس جديداً، بل هو امتداد لتاريخ طويل من تصوير الشرق كفضاء مختلف ومتخلف مقابل " الغرب المتحضر ". وبالتالي، يصبح الآخر بناءً ثقافياً يخدم مواقف القوة والهيمنة أكثر مما يعكس حقيقة موضوعية.

أما الخطاب السياسي، فغالباً ما يستثمر هذه الصور في تبرير السياسات الإقصائية أو النزعات القومية، حيث يقدم الآخر بوصفه خطراً وجودياً أو ثقافياً يهدد هوية الجماعة. وهكذا يتحول " الاختلاف " من حقيقة إنسانية إلى حد فاصل يعرف الذات عبر نفي الآخر.

3- الدين والثقافة بين التسامح والإقصاء: يمكن للدين والثقافة أن يكونا مصدرين للتسامح أو وسيلتين لإعادة إنتاج التمييز بمعنى أن يشكل الدين والثقافة معاً مجالين حاسمين في إعادة إنتاج أو تفكيك صورة الآخر. فمن ناحية، يمكن أن يقدما رؤية أخلاقية شاملة تقوم على مبدأ الكرامة الإنسانية كما لدى إيمانويل ليفيناس الذي يرى أن اللقاء بالآخر هو أساس الأخلاق ذاتها، لأن الآخر يدعونا إلى المسؤولية والاعتراف.

ومن ناحية أخرى، يمكن للدين والثقافة أن يتحولا إلى أدوات ترسيخ لثنائية ( نحن - هم ) عبر قراءة ضيقة للنصوص أو عبر رموز ثقافية تكرس التفوق الجمعي، ومن خلال هذه التأويلات الدينية والثقافية يتغذى الشعور بالتفوق والانغلاق، فينقسم العالم الاجتماعي إلى " نحن " و" هم ". ومع ذلك، يمكن لتأويلات أخرى أن تفتح المجال للاعتراف المتبادل.

وهكذا تمارس الثقافة دور " المرآة المشوهة " التي تعكس الذات من خلال اختلاف الآخر، فتجعل الاختلاف مصدراً للتهديد بدل أن يكون فضاءً للتكامل.

خلاصة القول، يظهر تحليل آليات بناء صورة الآخر أنها ليست مجرد عمليات إدراكية أو تمثيلية، بل هي نتاج شبكات معرفية وسلطوية تشكّل الوعي الجمعي ضمن ما يسميه فوكو " نظام الخطاب ". فكل معرفة بالآخر تنطوي على سلطة كامنة، إذ تحدد من يملك حق التعريف والتصوير والتمثيل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة ابستمولوجية نقدية تعيد مساءلة أسس إنتاج هذه الصور، وتفكك البنى اللغوية والرمزية التي تحكمها، سعياً نحو بناء علم اجتماع إنساني يعيد الاعتبار للتعدد والاختلاف بوصفهما مجالي إثراء لا تهديد.

رابعاً- جدلية الهوية والاختلاف وعلاقتها بالآخر:

تعتبر جدلية الهوية والاختلاف من أكثر المفاهيم إشكالاً في الفكر الفلسفي والسوسيولوجي المعاصر، إذ تتقاطع فيها أسئلة الذات والمعنى والاعتراف والآخر، لتشكل بنية معرفية متشابكة تربط بين الوجود الاجتماعي والتاريخي للإنسان وبين علاقاته الرمزية والقيمية بالآخرين. فالهوية ليست معطى ثابتاً، بل عملية تشكل تاريخي- تواصلي تتأسس عبر شبكة العلاقات الاجتماعية والثقافية التي يواجه فيها الفرد ذاته في مرآة الآخر. هذه الجدلية لا تفهم في بعدها الأنطولوجي فحسب، بل في بعدها التواصلي الذي يجعل الاعتراف بالآخر شرطًا لإمكان الذات نفسها. بناء على ما سبق سنحاول مناقشة ما يلي:

1- الهوية بوصفها علاقة بالآخر: منذ الجدلية الهيجلية بين السيد والعبد، تبلور الوعي بأن الهوية لا تُعرف إلا عبر الاختلاف، وأن الذات لا تعي نفسها إلا من خلال صراع الاعتراف بالآخر. غير أن التحول السوسيولوجي في القرن العشرين، ولا سيما مع جورج هربرت ميد، جعل الهوية تنشأ من التفاعل الرمزي، فالذات تتكون من خلال استبطان تصورات الآخرين عنها في عملية تواصل اجتماعي مستمرة.

لكن هابرماس طوّر هذا التصور من منظور أكثر تركيباً حين رأى أن الهوية لا تكتمل إلا داخل فعل تواصلي عقلاني يسعى نحو التفاهم لا الهيمنة، وأن الاعتراف المتبادل هو الشرط الأخلاقي والمعياري الذي يتيح للذات أن تبني وعيها بذاتها ضمن فضاء اجتماعي منفتح. بذلك تصبح الهوية عند هابرماس مشروعاً تواصلياً يتجاوز الانغلاق الثقافي، حيث يعاد بناء الذات عبر حوار العقل العمومي الذي يمنح الأفراد إمكان الاندماج دون محو اختلافهم.

2- الاعتراف بوصفه أساس العدالة والهوية: يعد مفهوم الاعتراف عند هونيث امتداداً نقدياً لمشروع هابرماس، إذ يرى أن العلاقات الاجتماعية العادلة تقوم على ثلاثة أنماط من الاعتراف: الحب، والحقوق، والتقدير الاجتماعي. ومن خلال هذه المستويات، تبنى الهوية الأخلاقية للفرد، ويعاد إنتاج النظام الاجتماعي بطريقة تنصف المختلفين وتدمجهم ضمن نسق قيمي جامع.

إن إنكار الاعتراف، كما يؤكد هونيث، يؤدي إلى ما يسميه " الازدراء الاجتماعي " الذي يولد الإقصاء والتهميش وفقدان الكرامة، في حين أن الاعتراف المتبادل يتيح تحقيق الذات عبر علاقة تفاعلية تعيد للفرد إنسانيته وتثبت هويته في المجال العمومي. وفي هذا الإطار، يصبح الاختلاف ليس نقيضاً للهوية بل شرطاً لوجودها، لأن الاعتراف بالآخر المختلف هو ما يمنح الذات إمكانية الوجود الأخلاقي والاجتماعي.

3- نحو سوسيولوجيا للاختلاف والتنوع: من منظور سوسيولوجي نقدي، يظهر تحليل الخطابات المعاصرة أن المجتمعات الحديثة تواجه أزمة هوية ناجمة عن التوتر بين التوحيد الثقافي والعولمة من جهة، والتعدد والاختلاف من جهة أخرى. غير أن الاعتراف، بوصفه ممارسة اجتماعية، يمكن أن يعيد التوازن بين هذين القطبين عبر بناء فضاء مشترك يتأسس على العدالة التواصلية والمساواة الرمزية.

وبهذا يصبح مفهوم الاختلاف محركاً لتجديد النسق الاجتماعي لا تهديداً له، فالمجتمع الذي يضمن اعترافاً متبادلاً هو المجتمع الذي يتيح لأفراده إمكان التميز دون الوقوع في التهميش. هذا ما يجعل الهوية مشروعاً تاريخياً – تواصلياً يتجدد مع كل علاقة إنسانية تؤسس على الفهم المتبادل لا على الإقصاء.

خلاصة القول، تبرز جدلية الهوية والاختلاف أن الوعي بالذات لا يمكن فصله عن بنية المعرفة بالآخر. فالهوية ليست كياناً مغلقاً، بل حقل ابستمولوجي مفتوح يتشكل ضمن التفاعل الاجتماعي والمعرفي المستمر.

وعلى المستوى النقدي، تُظهر أعمال هابرماس وهونيث أن كل محاولة لتعريف الذات بمعزل عن الآخر تنتهي إلى أزمة معرفية وأخلاقية، لأن الذات تعرف نفسها فقط عبر اعتراف الآخر بها. من هنا يمكن القول إن تجاوز الثنائيات التقليدية (الهوية/الاختلاف، الذات/الآخر) يقتضي بناء ابستمولوجيا الاعتراف، التي تجعل من التواصل أساساً للمعرفة ومن الاختلاف شرطاً للفهم.

إن مستقبل الهوية، في ضوء هذا التحليل، لا يقوم على الانغلاق أو الدفاع عن النقاء الثقافي، بل على الانخراط في حوار إنساني كوني يعيد تعريف الذات بوصفها كائناً تواصلياً ينفتح على العالم من خلال الآخر لا ضده.

خامساً- سوسيولوجيا الآخر في سياق العولمة:

مع تسارع عملية العولمة وانفتاح الأسواق والاتصالات عبر الحدود، تغيرت طبيعة " الآخر " من كائن موضوع للنظر أو الإقصاء إلى جزء لا يتجزأ من نسيج المجتمعات المحلية والعالمية على حد سواء. هذه التحولات لم تكن فقط اقتصادية أو تقنية، بل أدت إلى إعادة تشكيل علاقات القوة والثقافة والهوية، مما يجعل من " سوسيولوجيا الآخر " في عصر العولمة مجالاً مركزياً لفهم كيف يعاد تعريف الذات والجماعة والآخر في فضاءات ما بعد الحدود. إذ ليس الأمر مجرد تدفق للبشر أو البضائع، بل إعادة تركيب للمعاني والهوية ولقوى الهيمنة والاعتراف. بناء عليه سوف نحلل الأفكار التالية:

1- تحول الآخر إلى جزء من النسيج المحلي والعالمي: في ظل العولمة، تصبح الهجرات، تنقل رؤوس الأموال، وانتشار وسائل الإعلام، عوامل تجعل الآخر ليس بعيداً أو خارجياً فحسب، بل حاضراً داخل الحياة اليومية للمجتمعات المضيفة. فمثلاً يتجاوز الفرد في مدينة عالمية أن يكون " أنا - الوطن " ليصبح جزءاً من شبكة علاقات تضم مهاجرين (لاجئين) وثقافات مختلطة. هذه الظاهرة تضع " الآخر " في مركز بناء الهوية ليس كتهديد وإنما كفرصة لإعادة تعريف ما هو " نحن ". المناقشات الأكاديمية تؤكد أن العولمة تفكك الحدود التقليدية للهوية الوطنية والثقافية، وتعيد تشكيلها عبر نماذج من التعددية والتداخل. وبالتوازي، يشير البعض إلى مفهومي " العولمة المحلية glocalization " و" الشبكات العابرة للقطر " التي تجعل الآخر قريباً داخل السياق المحلي، فتزداد الحاجة إلى إعادة بناء مفاهيم المواطنة والاختلاف.

2- إعادة تشكيل علاقات القوة بين الهويات: تعيد العولمة توزيع قوى الهوية والاختلاف، فالآخر لم يعد فقط موضوعاً للتمييز بل طرفاً في مفاوضات الاعتراف وإعادة التمثيل الثقافي. تشير الدراسات إلى أن الدول والمجتمعات التي تتعامل مع التنوع كميزة وليس كعبء تحقق مستويات أعلى من الإدماج والاستقرار. مثلاً، في سياق الهجرة إلى المدن العالمية، تستعمل سياسات الإدماج والتعددية لإدراج الآخر ضمن النسيج الاجتماعي بدلاً من تغييره بالكامل، ما يعكس تحولاً في مفهوم " الآخر " من تهديد إلى مورد.

لكن في المقابل، تبقى هناك قوى هيمنة ثقافية واقتصادية تعيد إنتاج الآخر في موقع التبعية أو التهديد وهو ما يشير إلى استمرار " تعبير الآخر" بوصفه مرآة للذات الثقافية أو الاقتصادية. لهذا فإن سوسيولوجيا الآخر في العولمة تتطلب تحليلاً لكل من قوة الدمج وقوة الإقصاء، مع النظر إلى كيف تستخدم الهجرة، اللاجئون، والتعددية الثقافية كفضاءات لصراع الهوية أو لإعادة إنتاجها.

3- الاعتراف المتبادل كبديل عن منطق الصراع والإقصاء: في هذا السياق، يبرز مفهوم " الاعتراف   المتبادل " بوصفه أفقاً ممكناً لإدارة الآخر في زمن العولمة. إذ بدلاً من أن يُنظر إلى الآخر كتهديد أو عبء، يصبح شريكاً في بناء الهوية والثقافة والمواطنة. تشير بعض الدراسات إلى أن النماذج التي تعتمد سياسات الاعتراف (وليس فقط التوزيع) تحقق اندماجاً أفضل وتنوعاً أكثر استقراراً.

فالتعددية الثقافية، كما تُناقش في الأدبيات، لا تعني مجرد التعايش، بل التواصل عبر الثقافات، حيث يتم الاعتراف بالتنوع والاختلاف بوصفهما جزءاً من الهوية المشتركة. وهكذا يصبح الآخر ليس لا موضوعياً أو هامشياً، بل جوهرياً في بناء الذات والجماعة في سياق عالمي. ومع ذلك، يتطلب هذا الاعتراف شروطاً من ضمنها تمثيل متساوٍ، حقوق مدنية، واحترام التعدد الثقافي كمكون إيجابي لا كتهديد.

خلاصة القول، إن تحليل سوسيولوجيا الآخر في سياق العولمة يكشف أن الآخر قد يكون بين خيارين: أن يدمج كجزء من النسيج الاجتماعي أو يحافظ على موقعه كمنحرف أو مهدد. ومن منظور إبستمولوجي، ينبغي ملاحظة أن المعرفة بهذا الآخر لا يمكن أن تكون محايدة أو خارج علاقات القوة. فإما أن تنتج المعرفة عن الآخر ضمن منطق الهيمنة، وإما في منطق الاعتراف والتفاعل.

لكن التحدي الحقيقي هو أن مفهوم الاعتراف المتبادل نفسه لم ينشأ أصلاً في سياق عالمي بالكامل، فهو غالباً مرتبط بالدولة القومية أو الجماعات داخلها. لذلك، فإن تطبيقه على مستوى ما بعد القطري ليس أمراً تلقائياً، بل يتطلب إعادة بناء أطر المواطنة، العدالة، والحقوق بما يتجاوز الحدود الوطنية التقليدية. كما أن الانخراط في العولمة لا يلغي الفوارق والتمييزات فقد يستبدل الآخر التقليدي بآخر رقمي أو اقتصادي أو ثقافي بمعنى جديد. وهكذا تظل المعرفة التي ننتجها عن الآخر ضمن العولمة معرضة للنقد، فلابد من تطبيق منهجية انعكاسية يدرك من خلالها الباحث أنه ليس خارج التأثيرات الثقافية أو الاقتصادية التي يدرسها.

في النهاية، يمكن القول إنه لكي تصبح سوسيولوجيا الآخر فعالة في زمن العولمة، فإنها تحتاج أن تحول الآخر من موقع الاستهلاك أو التمثيل إلى موقع الشراكة والاعتراف، وتعيد تعريف الهوية والمواطنة في فضاء مفتوح التأثير متعدد المستويات (المحلي، الإقليمي، والعالمي).

- الخاتمة: يمكننا القول إن دراسة الآخر، سواء من المنظور الفلسفي أو السوسيولوجي، تكشف عن عمق الجدلية بين الذات والآخر، بين الهوية والاختلاف، وبين الاعتراف والإقصاء. لقد بدا لنا جلياً منذ مناقشة الجذور النظرية أن الفلاسفة من هيجل إلى سارتر وصولاً إلى ليفيناس، اعتبروا الآخر عنصراً مركزياً في تكوين الذات: ففي هيجل يظهر الآخر في صراع الاعتراف، بينما يرى سارتر أنه مرآة تكشف الذات لنفسها، ويضع ليفيناس الآخر أساساً للأخلاق وشرطاً لإنسانية الإنسان. هذه الخلفية الفلسفية وفرت الأساس لمفهوم الآخر ككائن مرتبط بالوعي والذاتية، وليس مجرد كائن خارجي.

وعلى صعيد السوسيولوجيا، تم تحويل مفهوم الآخر من بعده الفلسفي إلى موضوع دراسي مرتبط بالسلطة والتمييز والهوية والتمثلات الثقافية. أظهرت مساهمات جوفمان في الوصم الاجتماعي، وبورديو في التمييز ورأسمال الثقافي، وإدوارد سعيد في تحليل خطاب الشرق، أن الآخر ليس مجرد فئة معرفية بل يتأثر بالعلاقات الاجتماعية والثقافية، ويعاد إنتاجه عبر الخطاب والسياسات الاجتماعية.

ثم تناولنا آليات بناء صورة الآخر، إذ تتشكل هذه الصورة منذ الطفولة عبر التنشئة الاجتماعية في الأسرة والمدرسة والإعلام، كما تتأثر بالخطاب السياسي والديني والثقافي. وقد أظهر التحليل أن هذه الآليات ليست محايدة، بل تعمل ضمن منظومات قوة يمكن أن تعزز الاعتراف أو الإقصاء، وأن الصورة النمطية للآخر هي نتيجة تراكم اجتماعي وثقافي مركب.

وفي جدلية الهوية والاختلاف، يتضح أن الهوية لا يمكن أن تفهم بمعزل عن الآخر، فالاختلاف ليس تهديداً بل شرطاً للتنوع الاجتماعي. ومن منظور التفاعل الرمزي، تمنح العلاقات مع الآخر المعنى للذات، بينما تؤكد نظرية الاعتراف عند هابرماس وهونيث أن الاعتراف المتبادل هو الأساس الأخلاقي والاجتماعي الذي يمكن الفرد من تطوير هويته والانخراط في فضاء من العدالة والتفاعل الثقافي.

وأخيراً، في سوسيولوجيا الآخر في سياق العولمة، أضحى الآخر جزءاً من النسيج الاجتماعي اليومي، سواء من خلال الهجرة أو اللاجئين أو التعددية الثقافية، مما يفرض إعادة التفكير في مفاهيم الهوية الوطنية والثقافية. وتظهر أهمية الاعتراف المتبادل هنا كبديل عن منطق الإقصاء، إذ يتيح إدماج الآخر كعنصر فاعل في البناء الاجتماعي والثقافي، مع مراعاة إعادة توزيع القوة والتمثيل الرمزي والثقافي.

بناءً على ما تقدم نستنتج توصي دراسة سوسيولوجيا الآخر أن فهم الذات لا يتحقق إلا في سياق علاقاتها بالآخر، وأن الهوية والاختلاف هما عنصران متكاملان يتفاعلان ضمن فضاءات السلطة، الثقافة، والتاريخ. بذلك يعتبر منهج الاعتراف المتبادل إطاراً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء التنوع، بينما يظل التمثيل الإعلامي والسياسي والثقافي وسيلة لإعادة إنتاج الإقصاء أو الاعتراف. وفي زمن العولمة، تصبح سوسيولوجيا الآخر أداة لفهم كيفية إدماج الاختلافات المتعددة ضمن نسق اجتماعي واحد، مع ضرورة إعادة النظر في هياكل الهوية الوطنية والثقافية بما يسمح بالتعددية والاندماج الحقيقي.

بهذه الرؤية، تقدم سوسيولوجيا الآخر إطاراً تحليلياً شاملاً يجمع بين الفلسفة، السوسيولوجيا، والسياسة الثقافية، ويكشف عن أهمية إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، بين الاعتراف والإقصاء، وبين الهوية والاختلاف في عالم مترابط ومتعدد.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين (تركيا)

................

- المراجع المعتمدة:

1.  هيجل. (2006). فنومينولوجيا الروح. ط1. ( ترجمة وتقديم، ناجي العونلي). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

2.  بورديو، بيير. (2024). التميز: نقد اجتماعي للحكم. ط1. (ترجمة، نصير مروة). بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر.

3.  سعيد، إدوارد. (2024). الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ط3. (ترجمة، محمد عناني). المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي.

4.  هابرماس، يورغن. (2020). نظرية الفعل التواصلي: عقلانية الفعل والعقلنة الاجتماعية. ط1. المجلد الأول (ترجمة، فتحي المسكيني). الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

5.  هابرماس، يورغن. (2020). نظرية الفعل التواصلي: في نقد العقل الوظيفي. ط1. المجلد الثاني (ترجمة، فتحي المسكيني). الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

6.  هونيث، أكسل. (2015). الصراع من أجل الاعتراف (القواعد الأخلاقية للمآزم الاجتماعية). ط1. (تعريب، جورج كتورة). بيروت. المكتبة الشرقية.

7.  بومنير، كمال. (2010). النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ماكس هوركهايمر إلى أكسل هونيث. ط1. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون وآخرون.

8.  الزواوي بغوره، محمد. (2012). الاعتراف (من أجل مفهوم جديد للعدل): دراسة في الفلسفة الاجتماعية. ط1. (تقديم، فهمي جدعان). بيروت: دار الطليعة.

9.  مصطفى، مهند. (2016). سياسة الاعتراف والحرية: سجال وإطار نظري تحت طائلة الراهن العربي. مجلة تبين. 5(17). بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

10. فياض، حسام الدين. (2022). مقالات نقدية في علم الاجتماع المعاصر (النقد أعلى درجات المعرفة). ط1. سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب الثالث. أنقرة: دار الأكاديمية الحديثة.

11. فوكو، ميشيل. (1994). المعرفة والسلطة. ط1. (ترجمة، عبد العزيز العيادي). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع.

12. ماتلار، أرمان. (2008). التنوع الثقافي والعولمة. ط1. (ترجمة، خليل أحمد خليل). بيروت: دار الفارابي ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم.

13. ساسن، ساسكيا. (2014). علم اجتماع العولمة. ط1. العدد 2048. (ترجمة، عبد الرازق جلبي). القاهرة: المركز القومي للترجمة.

14. بورديو، بيير. (1994). العنف الرمزي: بحث في أصول علم الاجتماع التربوي. ط1. (ترجمة، نظير جاهل). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

15. بورديو، بيير. (2007). الرمز والسلطة. ط3. (ترجمة، عبد السلام بنعبد العالي). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.

16. تشيرتون، ميل. براون، آن. (2012). علم الاجتماع: النظرية والمنهج. ط1. العدد 2075. (ترجمة، هناء الجوهري). القاهرة: المركز القومي للترجمة.

17. غوفمان، إرفنغ. (2021). تقديم الذات في الحياة اليومية. ط1. الرياض: دار معنى للنشر والتوزيع.

18. Hegel, Georg Wilhelm Friedrich. (1977). The Phenomenology of Spirit. (Translated by A. Vincent Miller). Oxford: Oxford University Press.

19. Sartre, Jean-Paul. (1992). Being and Nothingness: An Essay on Phenomenological Ontology. (Translated by Hazel Estella Barnes). New York: Washington Square Press.

20. Levinas, Emmanuel. (1969). Totality and Infinity: An Essay on Exteriority. (Translated by Alphonso Lingis). Pittsburgh, Pennsylvania: Duquesne University Press.

21. Goffman, Erving. (1963). Stigma: Notes on the Management of Spoiled Identity. Englewood Cliffs, New Jersey: Prentice-Hall.

22. Said, Edward Wadie. (1978). Orientalism. New York, New York: Pantheon Books.

23. Bergo, Bettina. (2023, Fall Edition). Emmanuel Levinas. The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Retrieved from https://plato.stanford.edu/archives/fall2023/entries/levinas/

24. Reynolds, Jack. (2022, Winter Edition). Jean-Paul Sartre. The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Retrieved from https://plato.stanford.edu/archives/win2022/entries/sartre/

25. Iser, Matt. (2024, Spring Edition). Recognition. The Stanford Encyclopedia of Philosophy. Retrieved from https://plato.stanford.edu/archives/spr2024/entries/recognition/

26. van Dijk, Teun Adrianus. (1991). Racism and the Press. London: Routledge.

27. Fraser, Nancy. (2019). Recognition or Redistribution? A Critical Reading of the Politics of Recognition. New York: Verso.

28. Habermas, Jürgen. (1981). The Theory of Communicative Action. Boston: Beacon Press.

29. Habermas, Jürgen. (1992). Between Facts and Norms: Contributions to a Discourse Theory of Law and Democracy. Cambridge, Massachusetts: MIT Press.

30. Honneth, Axel. (1995). The Struggle for Recognition: The Moral Grammar of Social Conflicts. Cambridge: Polity Press.

إشكالية العقل الفعّال وإعادة قراءة الجدل اللاتيني حولها

يشكّل مبحث النفس في تاريخ الفلسفة أحد أعقد المباحث وأكثرها تداخلاً بين الميتافيزيقا ونظرية المعرفة والأنثروبولوجيا الفلسفية، إذ إنّ السؤال عن ماهية النفس ليس سؤالاً معزولاً عن بنية الكون ولا عن طبيعة العقل الإنساني ولا عن علاقة الإنسان بالعالم الإلهي، بل هو عقدة نظرية تتقاطع فيها تصورات الوجود والمعرفة والغاية الإنسانية. ولهذا لم يكن غريباً أن تحتل نظرية النفس مكاناً مركزياً في فلسفة العصور القديمة والوسيطة، منذ الصياغات الأولى عند أفلاطون وأرسطو، مروراً بمحاولات الفلاسفة المسلمين لإعادة بناء هذا التراث في ضوء الرؤية التوحيدية، وصولاً إلى النقاشات اللاتينية الحادة التي أعادت مساءلة هذه النظرية في الجامعات الأوروبية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر. وفي هذا الأفق الفلسفي العريض يبرز اسم الفيلسوف الأندلسي ابن رشد بوصفه أحد أعظم من أعاد صياغة نظرية النفس الأرسطية ضمن مشروع تأويلي شامل لأعمال  ارسطو، وهو المشروع الذي سيُحدث أثراً بالغاً في الفكرين الإسلامي واللاتيني على السواء.

لقد كان مشروع ابن رشد الفلسفي برمته قائماً على الدفاع عن عقلانية الفلسفة الأرسطية وتحريرها من شوائب التأويلات الأفلاطونية المحدثة التي اختلطت بها في الفلسفة الإسلامية ولا سيما في أعمال ابن سينا والفارابي. ومن هنا جاءت قراءته لكتاب De Anima بوصفها محاولة لإعادة بناء مفهوم النفس وفق منطق أرسطي صارم، مع تحريره من التفسيرات التي جعلت النفس جوهراً مفارقاً بالمعنى الأفلاطوني. غير أنّ هذه القراءة لم تكن مجرد شرح تقليدي لنص أرسطو، بل كانت في حقيقتها بناءً فلسفياً متكاملاً سيؤدي إلى طرح إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الفكر الوسيط، وهي قضية العقل الفعّال وعلاقته بالعقل الإنساني.

إنّ إشكالية العقل الفعّال ليست مسألة تقنية محدودة في نظرية المعرفة، بل هي عقدة ميتافيزيقية تتعلق بطبيعة العقل ذاته: هل العقل الإنساني جوهر فردي خاص بكل إنسان أم أنّ هناك عقلاً مفارقاً واحداً يشترك فيه البشر جميعاً؟ وهل المعرفة فعل فردي ذاتي، أم أنّها مشاركة في عقل كوني يتجاوز الفرد؟ هذه الأسئلة لم تكن مجرد تمرين نظري، بل كانت تمسّ بصورة مباشرة قضايا دينية ولاهوتية عميقة، مثل خلود النفس ومسؤولية الإنسان الأخلاقية وإمكان الثواب والعقاب في الآخرة. ولهذا فإنّ النقاش الذي أثارته نظرية ابن رشد حول العقل الفعّال لم يبق داخل حدود الفلسفة الإسلامية، بل انتقل إلى أوروبا اللاتينية ليصبح محور جدل حاد في جامعات باريس وبادوفا وغيرها.

لقد وصف المفكر الفرنسي إرنست رينان هذه اللحظة الفكرية بقوله إنّ «أفكار ابن رشد كانت الشرارة التي أشعلت أعظم معركة فلسفية في الجامعات الوسيطة». وعلى الرغم مما قد ينطوي عليه هذا الحكم من قدر من المبالغة التاريخية، فإنه يكشف عن حقيقة أساسية مفادها أن قراءة ابن رشد للنفس الأرسطية بلغت من القوة والاتساق حدا دفع المفكرين اللاتين إلى إعادة النظر في جملة من المسلّمات اللاهوتية الراسخة. فقد وجد الفلاسفة المدرسيون أنفسهم بإزاء تفسير فلسفي بالغ الدقة لأرسطو، تفسير يقود—إذا أُخذ على محمل الجِدّ وأُتبع إلى نتائجه المنطقية—إلى مآلات لا تنسجم بسهولة مع التصور المسيحي التقليدي القائل بخلود النفس الفردية واستقلالها.ولذلك نشأ في الفكر اللاتيني ما عُرف تاريخياً بالرشديّة اللاتينية، وهو تيار فلسفي تبنّى قراءة ابن رشد لأرسطو ودافع عنها في مواجهة اللاهوتيين. وكان من أبرز ممثلي هذا التيار الفيلسوف الباريسي سيجر برابانت الذي حاول أن يثبت أنّ العقل الفعّال واحد مشترك بين البشر جميعاً. وقد أدى هذا الموقف إلى صدام مباشر مع لاهوتيي الكنيسة، وفي مقدمتهم توما الأكويني الذي كتب رسالته الشهيرة  De unitate intellectus contra Averroistas  دفاعاً عن فردية العقل الإنساني ورفضاً لفكرة وحدة العقل.

غير أنّ فهم هذا الجدل اللاتيني لا يمكن أن يتمّ دون العودة إلى الجذور الفلسفية لنظرية النفس عند ابن رشد نفسها، لأن كثيراً من سوء الفهم الذي وقع فيه خصومه كان ناتجاً عن قراءة مجتزأة أو مؤولة لأعماله. فالرجل لم يكن يسعى إلى إنكار فردية الإنسان أو إلغاء مسؤوليته الأخلاقية، بل كان يحاول حلّ معضلة فلسفية ورثها عن أرسطو نفسه، وهي العلاقة بين العقل الهيولاني والعقل الفعّال. وقد أشار أرسطو في كتاب De Anima إلى وجود نوعين من العقل: عقل بالقوة يشبه المادة القابلة للتشكل، وعقل بالفعل يشبه النور الذي يجعل الأشياء مرئية. غير أنّ أرسطو لم يوضح بشكل نهائي طبيعة هذا العقل الفعّال وما مدى علاقته بالنفس الإنسانية، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة في الفلسفة اللاحقة.

لقد لاحظ ابن رشد أنّ معظم الفلاسفة الذين سبقوه تعاملوا مع هذه المسألة بطريقة توفيقية تجمع بين عناصر أرسطية وأخرى أفلاطونية، الأمر الذي أدى إلى غموض شديد في مفهوم النفس. فـابن سينا مثلاً اعتبر النفس جوهراً روحانياً مستقلاً عن الجسد، وهو تصور يقترب كثيراً من الثنائية الأفلاطونية بين الروح والجسد. وقد صاغ ابن سينا حجته الشهيرة المعروفة بحجة “الإنسان الطائر”، التي تهدف إلى إثبات استقلال النفس عن البدن، إذ يقول إنّ الإنسان لو خلق دفعة واحدة في الهواء معطل الحواس لكان مع ذلك مدركاً لوجوده. لكن ابن رشد رأى في هذا البرهان خروجاً عن روح الفلسفة الأرسطية التي ترى النفس صورة للجسد لا جوهراً منفصلاً عنه.

ومن هنا سعى ابن رشد إلى إعادة تأسيس نظرية النفس على أساس أرسطي خالص، منطلقاً من التعريف الشهير للنفس بأنها “كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة”. هذا التعريف، الذي يعود إلى أرسطو، يعني أنّ النفس ليست شيئاً منفصلاً عن الجسد، بل هي مبدأ الحياة الذي يجعل الجسد كائناً حياً. ولذلك فإنّ النفس ليست جوهراً قائماً بذاته، بل هي صورة للجسد، أي الشكل الذي يحقق إمكاناته الحيوية. وقد عبّر ابن رشد عن ذلك بقوله إنّ “النفس ليست شيئاً مضافاً إلى الجسد، بل هي تمامه وكماله”، وهو قول ينسجم تماماً مع الميتافيزيقا الأرسطية التي ترى أن كل موجود مركب من مادة وصورة.

غير أنّ المشكلة تبدأ عندما نصل إلى العقل الإنساني، لأن العقل يبدو وكأنه يتجاوز حدود الجسد المادي. فالإدراك الحسي مرتبط بالآلات الجسدية، مثل العين والأذن، أما التفكير العقلي فهو قدرة تجريدية لا يمكن ردّها بسهولة إلى عضو جسدي معين. وقد لاحظ أرسطو نفسه هذه الصعوبة حين قال إنّ العقل “غير ممتزج بالجسد”، وهو تصريح فتح الباب أمام تفسيرات متعددة لطبيعة العقل.

حاول في هذا السياق ابن رشد أن يميّز بدقة بين مستويات العقل المختلفة. فالعقل الهيولاني هو القدرة القابلة لاكتساب المعقولات، وهو يشبه المادة التي تقبل الصور. أما العقل الفعّال فهو المبدأ الذي يجعل هذه المعقولات بالفعل، أي الذي يخرج العقل من القوة إلى الفعل. ويشبه ابن رشد هذا الدور بدور الضوء الذي يجعل الألوان مرئية. فكما أنّ الألوان موجودة بالقوة في الأشياء ولكنها تحتاج إلى الضوء لتصبح مرئية بالفعل، كذلك فإنّ المعقولات موجودة بالقوة في الصور الحسية ولكنها تحتاج إلى العقل الفعّال لكي تصبح معقولات بالفعل.

هذه المقارنة بين العقل والضوء ليست مجرد استعارة بلاغية، بل هي استعارة فلسفية عميقة تعود جذورها إلى نصوص  أرسطو نفسه. وقد لاحظ بعض المفسرين المعاصرين أنّ ابن رشد طوّر هذه الاستعارة إلى نظرية متكاملة في المعرفة، حيث يصبح العقل الفعّال مبدأً كونياً يجعل التفكير ممكناً. ومن هنا جاءت الفكرة التي أثارت كل ذلك الجدل: إذا كان العقل الفعّال مبدأً كونياً فهل هو واحد لجميع البشر أم متعدد بعدد الأفراد؟.

لقد ذهب  ابن رشد إلى القول بوحدة العقل الفعّال، لأنّه يرى أنّ المعقولات ذات طبيعة كلية لا يمكن أن تكون محصورة في أفراد متعددة. فالمعقول من حيث هو معقول، كليّ بطبيعته، وإذا كان العقل هو محل المعقولات فلا بد أن يكون ذا طبيعة كونية أيضاً. وقد عبّر عن هذه الفكرة بعبارة دقيقة حين قال إنّ “المعقولات واحدة بالعدد وإن كانت متعددة بالاعتبار”، وهي عبارة ستصبح محوراً أساسياً في النقاشات اللاتينية اللاحقة.

غير أنّ القول بوحدة العقل الفعّال لم يكن يعني عند ابن رشد إلغاء دور الفرد في عملية المعرفة، لأنّ الإدراك الحسي والتخيّل يبقيان مرتبطين بالإنسان الفرد. فالمعرفة تبدأ دائماً من التجربة الحسية الخاصة بكل إنسان، ثم تتحول إلى معرفة عقلية بفضل تدخل العقل الفعّال. ولذلك فإنّ الفكر عند ابن رشد هو نتيجة تفاعل بين ثلاثة عناصر: الحس والخيال والعقل الفعّال. وقد عبّر عن هذه العلاقة بقوله إنّ “العقل الفعّال لا يعمل إلا بواسطة الصور المتخيلة”، أي أن التجربة الفردية تبقى شرطاً أساسياً لعملية التفكير.

هذا التصور المركب للنفس والعقل هو الذي سيصبح موضوع جدل واسع في أوروبا اللاتينية. فقد قرأ بعض المفكرين اللاتين نظرية ابن رشد بطريقة راديكالية، معتبرين أنّ العقل الإنساني واحد في جميع البشر، وأنّ الفرد لا يملك إلا خيالاً شخصياً يزوده بالصور التي يعقلها العقل الكوني. وقد رأى اللاهوتيون في هذا التصور تهديداً مباشراً لفكرة خلود النفس الفردية، لأنّه يعني أنّ العقل الحقيقي ليس ملكاً للفرد بل لجوهر كوني مشترك.

ولهذا كتب توما الإكويني معترضاً قائلاً إنّ القول بوحدة العقل يؤدي إلى نتائج غير مقبولة لاهوتياً، إذ “لو كان العقل واحداً في جميع الناس لما أمكن القول إنّ هذا الإنسان يفهم أو ذاك، بل لكان الفهم صفة لجوهر واحد مشترك”. ويضيف في موضع آخر أنّ المعرفة فعل شخصي لا يمكن نسبته إلى عقل كوني مفارق. لكنّ الرشديين اللاتين ردّوا على هذا الاعتراض بالقول إنّ وحدة العقل لا تنفي الفردية الإنسانية، بل تفسر إمكانية المعرفة المشتركة بين البشر.

وهكذا تحولت نظرية النفس عند ابن رشد إلى ساحة صراع فلسفي ولاهوتي معقد، حيث تداخلت الأسئلة الأنطولوجية مع الاعتبارات الدينية. ولم يكن هذا الجدل مجرد خلاف أكاديمي، بل كان يعكس تحولات عميقة في تاريخ الفكر الأوروبي، حيث بدأت الفلسفة تستعيد استقلالها النسبي عن اللاهوت. وقد أشار الفيلسوف الفرنسي إتيان جيلسون إلى هذه اللحظة بقوله إنّ الرشدية اللاتينية “مثّلت أول محاولة جادة للدفاع عن استقلال الفلسفة داخل العالم المسيحي”.

غير أنّ العودة إلى نصوص ابن رشد تكشف أن كثيراً من هذه النقاشات كانت مبنية على تأويلات جزئية لنظريته. فالرجل لم يكن يدعو إلى عقل كوني يلغي الفردية الإنسانية، بل كان يحاول تفسير كيفية انتقال المعقولات من العالم الحسي إلى الفكر المجرد. ولذلك فإنّ فهم نظريته يتطلب قراءة دقيقة لأعماله المختلفة، ولا سيما شروحه الكبرى والمتوسطة والصغرى على كتاب De Anima، حيث تتطور أفكاره تدريجياً في محاولة لحلّ معضلة العلاقة بين النفس الفردية والعقل الكوني.

إنّ ما يجعل نظرية النفس عند ابن رشد ذات أهمية فلسفية استثنائية هو أنّها تقف عند تقاطع ثلاثة تقاليد فكرية كبرى: الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية والفلسفة اللاتينية الوسيطة. فهي من جهة محاولة لإعادة بناء الفكر الأرسطي في سياق إسلامي، ومن جهة أخرى نقطة انطلاق لجدل فلسفي سيشكل أحد أهم فصول تاريخ الفكر الأوروبي. ولذلك فإنّ دراسة هذه النظرية لا تقتصر على تحليل نصوص ابن رشد نفسها، بل تمتد إلى تتبع مسارها في الثقافة اللاتينية حيث تحولت إلى قضية مركزية في الصراع بين الفلسفة واللاهوت.

إنّ إشكالية العقل الفعّال تمثل أحد أكثر المواضيع خصوبة في تاريخ الفلسفة الوسيطة، لأنها تكشف عن الحدود الدقيقة بين الإنسان والكون، بين الفردي والكلي وبين المعرفة البشرية والعقل الكوني. وهي في الوقت نفسه مثال حي على الكيفية التي تنتقل بها الأفكار عبر الثقافات واللغات، فتتحول من سياق إلى آخر وتكتسب معاني جديدة. وقد عبّر أحد الباحثين المعاصرين عن هذه الظاهرة بقوله إنّ “الرشدية ليست مجرد مذهب فلسفي، بل هي لحظة تاريخية في انتقال العقل الفلسفي من العالم الإسلامي إلى أوروبا”.

إنّ إعادة قراءة الجدل اللاتيني حول نظرية النفس عند ابن رشد ليست مجرد عمل تاريخي، بل هي أيضاً محاولة لفهم إحدى اللحظات الحاسمة في تاريخ العقل الفلسفي. فهذه النظرية تكشف عن التوتر الدائم بين العقل والإيمان، بين الفلسفة واللاهوت، وهو توتر لم يفقد راهنيته حتى في الفكر المعاصر. ولذلك فإنّ تحليلها يفتح أفقاً أوسع لفهم العلاقة المعقدة بين المعرفة الإنسانية وبنية العالم، وهي العلاقة التي كانت في صميم المشروع الفلسفي لابن رشد، والتي ستظل موضوعاً للتأمل والنقاش ما دام الإنسان يسأل عن نفسه وعن مكانه في الكون.

وإذا كانت نظرية النفس عند ابن رشد قد تشكلت في سياق قراءة أرسطية دقيقة، فإنّ مصيرها التاريخي لم يتحدد داخل الفضاء الإسلامي بقدر ما تحدد في الجامعات الأوروبية الوسيطة، حيث انتقلت شروح ابن رشد إلى اللاتينية منذ القرن الثالث عشر، فأصبحت مرجعاً أساسياً لفهم فلسفة ارسطو. وقد أشار المؤرخ الفلسفي  إتيان جيلسون إلى هذه الظاهرة بقوله إنّ “أوروبا اللاتينية لم تعرف أرسطو إلا عبر ابن رشد”، وهي عبارة وإن بدت مبالغاً فيها من الناحية التاريخية، إلا أنها تعكس حقيقة أن الشروح الرشدية كانت في كثير من الأحيان أكثر وضوحاً وانتظاماً من النصوص الأرسطية نفسها، بحيث أصبح الفيلسوف الأندلسي بمثابة المفسر الرسمي لأرسطو في الفكر المدرسي.

لقد أدى هذا الانتشار الواسع للشروح الرشدية إلى نشوء تيار فلسفي كامل داخل الجامعات الأوروبية عُرف تاريخياً باسم الرشدية اللاتينية، وهو تيار حاول أن يقرأ فلسفة ارسطو قراءة فلسفية خالصة بعيداً عن القيود اللاهوتية. وكان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه الفيلسوف الباريسي سيجر برابانت الذي دافع بقوة عن تفسير ابن رشد لنظرية العقل، معتبراً أن القول بوحدة العقل الفعّال هو النتيجة الطبيعية للميتافيزيقا الأرسطية. وقد ذهب سيجر إلى حد القول إنّ الحقيقة الفلسفية قد تختلف عن الحقيقة اللاهوتية، وهو ما سيعرف لاحقاً بنظرية “الحقيقتين”، أي وجود حقيقة فلسفية تُدرك بالعقل، وحقيقة دينية تُدرك بالإيمان.

غير أنّ هذه الفكرة لم تكن في الأصل جزءاً من فلسفة ابن رشد نفسها، لأنّ الرجل كان يؤكد دائماً على انسجام العقل والوحي. فقد كتب في كتابه فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال أنّ “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة لها”، وأنّ الحق لا يمكن أن يضاد الحق. غير أنّ الرشديين اللاتين قرأوا هذا الموقف بطريقة مختلفة، فاعتبروا أنّ الفلسفة تمتلك استقلالها الكامل عن اللاهوت، وأنّ نتائجها يجب أن تقبل حتى لو تعارضت مع العقيدة الدينية.

وهنا بدأ الجدل الفلسفي يتحول إلى صراع لاهوتي حاد، لأنّ القول بوحدة العقل الفعّال كان يبدو وكأنه يقوض فكرة خلود النفس الفردية، وهي فكرة مركزية في اللاهوت المسيحي. فإذا كان العقل واحداً مشتركاً بين البشر جميعاً، فإنّ ما يبقى بعد الموت ليس العقل الفردي بل العقل الكوني، وهو ما يعني أن الشخصية الفردية لا تخلد. وقد اعتبر اللاهوتيون هذا الرأي تهديداً مباشراً للعقيدة المسيحية، لأنّ الثواب والعقاب يفترضان بقاء النفس الفردية بعد الموت.

في هذا السياق كتب اللاهوتي والفيلسوف الكبير توما الإكويني رسالته الشهيرة De unitate intellectus contra  Averroistas التي هاجم فيها الرشدية اللاتينية بشدة. وقد حاول توما الأكويني أن يبرهن على أنّ العقل ليس جوهراً منفصلاً واحداً، بل هو قوة من قوى النفس الإنسانية الفردية. ويقول في هذا الصدد إنّ “العقل إن كان واحداً لجميع البشر فلن يكون هذا الإنسان هو الذي يفهم، بل العقل المشترك هو الذي يفهم”، وهو أمر يناقض التجربة المباشرة للفهم بوصفه فعلاً شخصياً.

وقد استند الأكويني في نقده إلى تحليل دقيق لبنية المعرفة الإنسانية، حيث رأى أنّ عملية التفكير تبدأ من الصور الحسية الموجودة في الخيال الفردي، ثم يجرد العقل منها المعقولات. فإذا كان العقل منفصلاً عن الفرد فلن يكون هناك رابط حقيقي بين الفكر والتجربة الحسية. ولذلك اعتبر أنّ القول بوحدة العقل يؤدي إلى نتائج عبثية، لأنه يجعل المعرفة عملية لا شخصية.

لكن الرشديين لم يقبلوا هذا الاعتراض بسهولة، بل ردوا عليه بقولهم إنّ وحدة العقل لا تعني أن الإنسان لا يفكر، بل تعني أن التفكير يتم عبر مشاركة الإنسان في عقل كوني مشترك. وقد كتب سيجر برابانت في إحدى رسائله أنّ “العقل المفارق هو الذي يعقل بالفعل، أما الإنسان فيعقل من حيث اتصاله به”، وهي فكرة قريبة جداً من تصور ابن رشد للعلاقة بين العقل الهيولاني والعقل الفعّال.

غير أنّ هذا الجدل لم يبق داخل حدود النقاش الأكاديمي، بل سرعان ما تدخلت السلطة الكنسية لحسمه. ففي سنة 1277 أصدر أسقف باريس إتيان تمبييه قراراً شهيراً أدان فيه عدداً كبيراً من الأطروحات الفلسفية المرتبطة بالرشدية اللاتينية، ومن بينها القول بوحدة العقل. وقد شكل هذا القرار لحظة مفصلية في تاريخ الفلسفة المدرسية، لأنه كشف عن التوتر العميق بين حرية البحث الفلسفي وسلطة اللاهوت.

غير أنّ المفارقة التاريخية تكمن في أنّ هذا الحظر لم يؤدِّ إلى اختفاء الرشدية، بل إلى انتشارها في مراكز فكرية أخرى، ولا سيما في الجامعات الإيطالية مثل جامعة بادوفا، حيث استمرت دراسة شروح ابن رشد لقرون طويلة. وقد لاحظ المؤرخ الفلسفي إرنست رينان أنّ ابن رشد ظل في إيطاليا “أستاذ الفلاسفة بلا منازع” حتى عصر النهضة.

إنّ قراءة هذا الجدل في ضوء النصوص الأصلية لابن رشد تكشف عن مفارقة فلسفية عميقة، وهي أنّ كثيراً من النقاشات التي دارت حول نظريته كانت في الحقيقة تدور حول تأويلاتها اللاتينية أكثر مما كانت تدور حول نصوصه نفسها. فقد حاول الرشديون اللاتين أن يجعلوا من فلسفته أساساً لاستقلال الفلسفة عن اللاهوت، في حين أنّ مشروعه الأصلي كان يسعى إلى التوفيق بين العقل والشريعة. وقد كتب في هذا السياق عبارته الشهيرة: “الحكمة هي النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع”.

غير أنّ قوة فلسفة ابن رشد تكمن في أنها كانت من الاتساق والصرامة بحيث سمحت بتأويلات متعددة، بعضها يتجاوز حتى نيات صاحبها. فقد لاحظ الفيلسوف المعاصر ليو ستراوس أنّ النصوص الفلسفية الكبرى غالباً ما تمتلك طبقات متعددة من المعنى، بحيث يمكن قراءتها بطرق مختلفة تبعاً للسياقات الثقافية والتاريخية. ومن هذا المنظور يمكن فهم كيف تحولت نظرية العقل الفعّال عند ابن رشد إلى نقطة انطلاق لتيار فلسفي كامل في أوروبا.

ولعلّ أهم ما تكشف عنه هذه القصة الفكرية هو أنّ مسألة العقل الفعّال ليست مجرد تفصيل في نظرية المعرفة، بل هي سؤال أنطولوجي يتعلق بطبيعة العقل ذاته. فهل العقل مبدأ فردي مرتبط بالجسد، أم أنه مبدأ كوني يتجاوز الأفراد؟ إنّ هذا السؤال ظل مطروحاً في الفلسفة الحديثة أيضاً وإن كان بصيغ مختلفة. فقد كتب إيمانويل كانط في نقد العقل المحض أنّ العقل يمتلك بنية كونية مشتركة بين البشر، وهو تصور يذكر إلى حد ما بفكرة العقل الكوني في الفلسفة القديمة. كما أن الفلسفة المثالية الألمانية، ولا سيما عند هيجل، أعادت طرح فكرة العقل الكلي الذي يتجلى في التاريخ.

إنّ الجدل الذي أثارته نظرية النفس عند ابن رشد لم يكن حادثة عارضة في مسار الفلسفة الوسيطة، ولا مجرد خلاف تقني في تأويل نصوص أرسطو، بل مثّل لحظة فكرية كاشفة عن توتر عميق ومتجدد في تاريخ الفكر الإنساني: توترٍ بين الفردي والكلي، وبين الذات المحدودة والعقل الكوني الذي يتجاوزها. ففي هذه المسألة تبرز إحدى أقدم الإشكالات الفلسفية وأكثرها رسوخًا، وهي كيفية التوفيق بين خصوصية التجربة الإنسانية الفردية وبين وحدة العقل أو النظام الكوني الذي تنتظم فيه. وقد عبّر الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت عن هذه المفارقة تعبيرا دالا حين قال إن الفلسفة ليست سوى حوار دائم بين الإنسان والكون؛ وهو حوار لا ينقطع، بل يتجدّد في كل عصر بصيغ وأسئلة جديدة، كلما حاول العقل الإنساني أن يحدد موضعه بين فردانيته الخاصة وأفق الكلية الذي يحيط به.

إنّ إعادة قراءة هذا الجدل اليوم تتيح لنا فهماً أعمق للدور الذي لعبه الفكر الإسلامي في تشكيل الفلسفة الأوروبية. فابن رشد لم يكن مجرد شارح لأرسطو، بل كان مفكراً أصيلاً أعاد بناء الفلسفة الأرسطية ضمن أفق جديد. وقد أدرك ذلك عدد من المفكرين المعاصرين الذين رأوا في فلسفته مثالاً على التفاعل الخلاق بين الثقافات. يقول إتيان جيلسون إنّ “الفلسفة الأوروبية مدينة لابن رشد بأكثر مما تعترف به”، وهي ملاحظة تزداد وضوحاً كلما تعمقنا في دراسة تاريخ الفكر الوسيط.

ولذلك فإنّ نظرية النفس عند ابن رشد لا ينبغي أن تُفهم فقط في إطارها التاريخي، بل يجب أن تُقرأ أيضاً بوصفها محاولة فلسفية للإجابة عن أحد أقدم أسئلة الفكر الإنساني: ما هو العقل؟ وهل هو ملكية فردية أم مشاركة في عقل كوني؟ إنّ هذا السؤال الذي طرحه أرسطو منذ أكثر من ألفي عام، لا يزال يحتفظ براهنيته حتى اليوم في النقاشات الفلسفية المعاصرة حول الوعي والعقل.

ويمكن النظر إلى الجدل اللاتيني حول العقل الفعّال باعتباره لحظة من لحظات تطور الوعي الفلسفي بالذات الإنسانية. فقد أجبر هذا الجدل المفكرين الأوروبيين على التفكير بجدية في طبيعة العقل، وعلى التمييز بين ما يمكن أن يقوله الفيلسوف وما يفرضه اللاهوت. إنّ الرشدية اللاتينية رغم ما أثارته من صراعات، ساهمت في توسيع أفق التفكير الفلسفي داخل الحضارة الأوروبية.

أما بالنسبة إلى فلسفة ابن رشد نفسها، فإنّ أهميتها تكمن في أنها تمثل أحد أكثر المشاريع الفلسفية طموحاً في تاريخ الفكر الإسلامي، لأنها حاولت أن تؤسس علاقة جديدة بين العقل والوحي تقوم على التكامل لا على التعارض. وقد كتب ابن رشد في هذا السياق أنّ “الشريعة حق والنظر المؤدي إلى معرفة الحق حق، ولا يضاد الحق الحق”. وهذه العبارة تكشف عن روح مشروعه الفلسفي الذي كان يسعى إلى تحرير العقل دون أن يقطعه عن جذوره الدينية.

وإذا تأملنا مسار الجدل حول نظريته في العقل الفعّال وجدنا أنه يكشف عن حقيقة فلسفية عميقة، وهي أن الأفكار الكبرى لا تبقى محصورة في سياقها الأصلي، بل تتحول عبر التاريخ وتكتسب معاني جديدة. فالفكرة التي صاغها ابن رشد في سياق تفسير نص أرسطو تحولت في أوروبا إلى قضية لاهوتية كبرى، ثم عادت في العصر الحديث لتصبح موضوعاً لنقاشات فلسفية حول طبيعة العقل والوعي.

إنّ نظرية النفس عند ابن رشد تمثل مثالاً رائعاً على قدرة الفكر الفلسفي على تجاوز الحدود الثقافية واللغوية. فهي نظرية نشأت في الأندلس الإسلامية، لكنها أثرت بعمق في الفلسفة الأوروبية، ولا تزال حتى اليوم موضوعاً للبحث والتأمل. وربما كان هذا هو المعنى الحقيقي للفلسفة بوصفها تراثاً إنسانياً مشتركاً يتجاوز الانتماءات الحضارية الضيقة.

إنّ النظر المتأمل في هذه المسيرة الفكرية يكشف أنّ إشكالية العقل الفعّال لم تكن مجرد مسألة نظرية، بل كانت تعبيراً عن محاولة الإنسان فهم موقعه في الكون. فالعقل هو الأداة التي يدرك بها الإنسان العالم، ولكنه في الوقت نفسه لغز يحتاج إلى تفسير. وقد حاول  ارسطو أن يفسر هذا اللغز من خلال التمييز بين العقل بالقوة والعقل بالفعل، ثم جاء  ابن رشد ليطور هذا التمييز في إطار نظرية متكاملة، قبل أن يتحول إلى موضوع جدل واسع في الفكر اللاتيني.

وتكشف لنا هذه القصة الفلسفية الطويلة أنّ الأفكار الكبرى تشبه الكائنات الحية: تولد في سياق معين، ثم تنمو وتتغير عندما تنتقل إلى سياقات جديدة. وقد كانت نظرية النفس عند ابن رشد واحدة من تلك الأفكار التي تجاوزت زمنها ومكانها لتصبح جزءاً من التراث الفلسفي العالمي. ولذلك فإنّ دراستها لا تقتصر على فهم الماضي، بل تفتح أيضاً آفاقاً جديدة للتفكير في طبيعة العقل الإنساني ودوره في بناء المعرفة.

إنّ إشكالية العقل الفعّال تمثل أحد أجمل الأمثلة على الحوار الخلاق بين الثقافات في تاريخ الفلسفة. فهي تكشف عن كيف يمكن لفكرة فلسفية أن تنتقل من اليونان إلى العالم الإسلامي ثم إلى أوروبا اللاتينية، فتتحول في كل مرحلة وتكتسب معاني جديدة. وهذا ما يجعل فلسفة ابن رشد علامة فارقة في تاريخ الفكر الإنساني، لأنها جسدت لحظة التقاء بين تقاليد فلسفية متعددة، وأسهمت في تشكيل مسار الفلسفة الغربية والشرقية على حد سواء.

إنّ إعادة قراءة الجدل اللاتيني حول نظريته ليست مجرد عمل تاريخي، بل هي أيضاً دعوة إلى إعادة التفكير في العلاقة بين العقل والتراث، بين الفلسفة والدين وبين الفرد والعقل الكوني. فهذه الأسئلة التي شغلت الفلاسفة في العصور الوسطى لا تزال حية في الفكر المعاصر، وهو ما يدل على أنّ الفلسفة رغم تغير العصور، تظل دائماً بحثاً دائماً عن الحقيقة التي لا تنفد.

***

د. حمزة مولخنيف

المبحث الأول: الجذور التاريخية للإسلام السياسي في العراق

جذور الإسلام السياسي في العراق تمتد إلى بداية القرن العشرين، متأثرة بالسياقات الاستعمارية والوطنية وطبيعة تطور البيئة المجتمعية. وفق نقاش (1994)، فإن النجف الأشرف شكلت مركزًا لتطور الفكر السياسي الشيعي منذ العهد العثماني[1]. المرجعية الدينية لعبت دورًا سياسيًار ( عدا جماعة الحفيز ) في مقاومة الاحتلال البريطاني، خاصة في ثورة العشرين التي شكلت لحظة فارقة في تبلور الوعي الوطني العراقي المقاوم للاستعمار.

هذه المقاومة، مع ذلك، وأن تداخل  رد فعل الديني، كانت تعبيرًا عن تداخل معقد بين الهوية الدينية والمصالح الاجتماعية-الاقتصادية للنخب التقليدية التي رأت في الاحتلال تهديدًا لنفوذها. المرجعية الدينية في النجف، التي قادها آنذاك الشيرازي ثم الخالصي، استطاعت تعبئة قطاعات واسعة من العشائر والفلاحين، لكنها فشلت في بلورة مشروع سياسي متماسك بعد نجاح الثورة في إضعاف القبضة البريطانية المباشرة.إضافة إلى اختراق جسيم لجسم المرجعية قبل البريطانيين.

يشير فرانكل (2009) إلى أن حزب الدعوة الإسلامية، المؤسس عام 1957 على يد محمد باقر الصدر وآخرين، يمثل أول تنظيم إسلامي سياسي شيعي حديث في العراق[2]. الحزب نشأ كرد فعل على صعود الشيوعية والقومية العلمانية وتأثرًا بحركة الأخوان المسلمين، ساعيًا لتقديم بديل إسلامي شيعي. لكن نشأة الدعوة تكشف أيضًا عن أزمة عميقة في الخطاب الديني التقليدي الذي عجز عن استيعاب التحولات الاجتماعية والسياسية في العراق الملكي ثم الجمهوري.

محمد باقر الصدر، الذي طور نظرية "اقتصادنا" و"فلسفتنا" كبدائل إسلامية للماركسية والرأسمالية، حاول تقديم أيديولوجية إسلامية شاملة تستطيع منافسة الأيديولوجيات العلمانية. لكن هذا المشروع الفكري، رغم عمقه النظري، ظل محدود التأثير على القواعد الاجتماعية الواسعة التي انجذبت أكثر للخطاب الشيوعي أو القومي بسبب وضوح موقفهما من القضايا الاجتماعية والوطنية المباشرة.

في السياق السني، يلاحظ الحمداني (2013) أن الإخوان المسلمين دخلوا العراق في الخمسينيات، لكن حضورهم ظل محدودًا مقارنة بالتيارات القومية والبعثية والشيوعية[3]. التصادم مع السلطة لاحقًا دفع الحركة الإسلامية السنية إلى الهجرة للمنفى. الحزب الإسلامي العراقي، الذراع السياسي للإخوان، واجه تحديات بنيوية: فمن جهة، كان يحاول تقديم نفسه كبديل إسلامي للقومية العربية، لكنه من جهة أخرى لم يستطع التحرر من الخطاب القومي العروبي الذي هيمن على الساحة السنية العراقية.

هذه الازدواجية في الخطاب - بين الإسلامي والقومي - ستظل تطارد الحركات الإسلامية السنية في العراق حتى ما بعد 2003، حيث ستجد نفسها عاجزة عن تقديم بديل متماسك أمام صعود التيارات الجهادية التكفيرية التي حسمت هذا التوتر لصالح أيديولوجيا إسلامية متطرفة رافضة للقومية العربية ذاتها.

يميز الجواهري (2008) بين ثلاث مراحل في تطور الإسلام السياسي العراقي: مرحلة النشأة والتأسيس (1950-1970)، مرحلة القمع والمنفى (1970-2003)، ومرحلة الصعود والسلطة (بعد 2003)[4]. كل مرحلة شكلت الخطاب والممارسة بطرق مختلفة. مرحلة المنفى، على وجه الخصوص، كان لها تأثير حاسم: فالأحزاب الإسلامية الشيعية التي لجأت إلى إيران بعد 1980 تأثرت عميقًا بتجربة الثورة الإسلامية ونموذج ولاية الفقيه، لكنها أيضًا أصبحت أدوات في الصراع الإقليمي الإيراني-العراقي، مما جعلها في نظر قطاعات واسعة من العراقيين، حتى الشيعة منهم، "عملاء" لإيران.

من منظور جندري، تشير العلي (2007) إلى أن الحركات الإسلامية المبكرة في العراق لم تطور خطابًا جندريًا واضحًا، مركزة على المقاومة السياسية الفارغة من أي برنامج عمل حقيقي [5].  الصمت هذا لم يكن حياديًا؛ كان يعكس تبنيًا ضمنيًا للبنى الأبوية التقليدية السلفية المتوارثة. المنفى في إيران خلال الثمانينيات عرّض هذه الحركات لنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسياساته الجندرية التي تجمع بين خطاب "تكريم المرأة" من جهة، وفرض قيود صارمة على حرياتها من جهة أخرى والذي ظهرت متناقضاته في الأصطرابات الأخيرة في إيران.

النساء في الحركات الإسلامية الشيعية العراقية في المنفى لعبن أدوارًا هامشية محدودة: إما كزوجات وأمهات لـ"المجاهدين"، أو كناشطات في مجالات محددة (خدمات اجتماعية، تعليم ديني). لم تكن هناك مساحة لخطاب نسوي إسلامي يطالب بإعادة تفسير النصوص الدينية من منظور جندري، كما حدث في سياقات إسلامية أخرى (مصر، إيران، ماليزيا). الخطاب الجندري للحركات الإسلامية العراقية ظل محافظًا ودفاعيًا، يرى في أي نقد للأدوار الجندرية التقليدية "غزوًا ثقافيًا غربيًا" وانعكس ذلك على تخلف عميق في النظرة للتطبيقات والممارسات العامة والقوانين بعد جلوسهم المتقدم في سدة الحكم بعد 2003.

المبحث الثاني: الإسلام السياسي في مواجهة النظام ما بعد 1968

شهدت العلاقة بين النظام البعثي والحركات الإسلامية تطورًا معقدًا يكشف عن براغماتية سياسية من الطرفين. وفق بطاطو (1978)، فإن البعث، رغم علمانيته الأيديولوجية، استخدم الخطاب الديني براغماتيًا، خاصة بعد حرب الخليج الثانية[6]. فالنظام أطلق "الحملة الإيمانية" في التسعينيات لكسب شرعية دينية في مواجهة الحصار الدولي والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بالعراق.

هذا التحول من الخطاب القومي العلماني إلى التوظيف البراغماتي للدين كان أكثر من مناورة تكتيكية، لانه يعكس أزمة شرعية عميقة في نظام الحكم بعد هزيمة 1991. "الحملة الإيمانية" تضمنت بناء المساجد، إدخال التربية الدينية إلى المناهج، السماح للخطاب الديني بمساحة أوسع في الإعلام، وحتى ظهور صدام نفسه في صورة "القائد المؤمن" الذي يصلي ويحج. هذا الأداء الديني المسرحي كان يهدف إلى استقطاب القواعد الشعبية المحافظة، خاصة في المناطق السنية والريفية.

لكن هذا التحول كان له عواقب وخيمة غير متوقعة: فمن جهة، شرعن الخطاب الديني في الفضاء العام بعد عقود من الهيمنة العلمانية، مما فتح المجال لنمو التيارات الإسلامية بعد 2003. من جهة أخرى، خلق تناقضًا عميقًا داخل النظام نفسه بين خطابه العلماني-القومي التقليدي وبين توظيفه الانتهازي للدين، مما أفقده المصداقية لدى النخب العلمانية دون أن يكسبه شرعية حقيقية لدى المتدينين وهذا المأزق انعكس في سلوك العوام من الناس الذي اتسم بالأزدواجية .

يشير الورور (2012) إلى أن قمع السلطة للحركات الإسلامية الشيعية كان وحشيًا: إعدام محمد باقر الصدر عام 1980، تهجير عشرات الآلاف من "التبعية الإيرانية"، وقمع انتفاضة 1991[7]. هذا القمع عمّق الطائفية ودفع الحركات الإسلامية نحو التطرف والعنف. إعدام الصدر وأخته بنت الهدى كان نقطة تحول: فقد حوّل الصدر من مفكر ومرجع ديني إلى "شهيد" في الوعي الشيعي والأعلام الحركي، وأعطى الحركات الإسلامية الشيعية رمزًا للمظلومية والمقاومة كانت بحاجة له.

التهجير القسري لمئات الآلاف من الشيعة العراقيين بحجة "التبعية الإيرانية" في الثمانينيات كان كارثة إنسانية واستراتيجية: فقد خلق جيلًا كاملًا من الشيعة العراقيين في المنفى الإيراني، نشأ على عداء عميق للنظام البعثي ولأي مشروع وطني عراقي قد يستبعدهم من السلطة. هؤلاء سيشكلون لاحقًا العمود الفقري للأحزاب الإسلامية الشيعية التي ستعود مع الاحتلال الأمريكي عام 2003 إضافة إلى عدد ممن غادر العراق بعد انتفاضة 1991 رغم أن العديد منهم لم يكن لهم أي دور في الانتفاضة .

قمع انتفاضة 1991، التي اندلعت في الجنوب والوسط الشيعي بعد هزيمة النظام في الكويت، كان وحشيًا بشكل خاص بعد الأعمال العشوائية التي نجمت عنها. الروايات عن استخدام الطائرات والدبابات ضد المدنيين، حرق المراقد المقدسة، وعمليات الإعدام الجماعية بغض النظر عن مصداقية جميع الروايات المتداولة شعبيًا، تركت ندوبًا عميقة في الذاكرة الجماعية الشيعية. هذا القمع، الذي تم بصمت دولي وعربي وتواطؤ أمريكي (رفض الإدارة الأمريكية دعم الانتفاضة رغم دعوتها لها) مع الحملة الإعلامية الشعواء التي قادتها إيران والقوى والأحزاب العراقية التي كانت قد لجأت إليها، عزز الشعور بالمظلومية والخذلان لدى الشيعة العراقيين.

في المجال السني، يلاحظ حداد (2011) أن النظام البعثي، رغم طابعه السني ظاهريًا ومشاركة الشيعة فيه بشكل واسع، قمع أيضًا التيارات الإسلامية السنية التي رأى فيها تهديدًا لاحتكاره السلطة[8]. لكن في التسعينيات، سمح النظام بنمو التيار السلفي كثقل مقابل للشيعة كواحدة من تداعيات الحملة الإيمانية. هذه السياسة كانت لعبة خطيرة: فالنظام ظن أنه يستطيع احتواء التيار السلفي واستخدامه، لكنه في الواقع كان يزرع بذور التطرف الذي سيتفجر بعد 2003 في صورة القاعدة ثم داعش.

السماح ببناء المساجد السلفية، استقدام الدعاة من الخليج، وتسهيل نشر الأدبيات السلفية، كلها ساهمت في نشر خطاب ديني متشدد، خاصة في المناطق السنية. هذا الخطاب كان يركز على "الخطر الشيعي" و"التهديد الإيراني"، مما عزز الاستقطاب الطائفي والخطاب المنفلت. النظام البعثي، في سعيه لاستخدام الدين كأداة سياسية، ساهم في تقويض أسس المجتمع المدني العلماني وفتح الباب أمام الطائفية الدينية فلا توجد أي إمكانية لتطور فكر إسلامي دون بعد طائفي كما اثبتت التجارب .

من منظور جندري، ترى الخطيب (2013) أن النظام البعثي تبنى "نسوية الدولة" في الستينيات والسبعينيات، منح النساء حقوقًا قانونية متقدمة، لكن هذه السياسات تراجعت في التسعينيات تحت ضغوط الحصار[9]. "الحملة الإيمانية" وتأثيرات منظمة التعاون الإسلامي (وكانت تُعرف سابقًا باسم منظمة المؤتمر الإسلامي بين عامي 1969 و2011) ومن خلفها الرجعية العربية والمملكة العربية السعودية ودوائر غربية أعادت خطابًا محافظًا حول أدوار النساء.

"نسوية الدولة" البعثية كانت مشروعًا من أعلى، يهدف إلى تحديث المجتمع وتعبئة النساء في خدمة المشروع القومي، لكنها لم تكن نتيجة نضال نسوي من أسفل. قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، الذي منح النساء حقوقًا في الطلاق والحضانة والإرث، كان تقدميًا لزمنه ومتقدمًا على قوانين مماثلة في المنطقة، لكنه ظل محل جدل بين القوى الدينية المحافظة التي رأت فيه "تغريبًا" للمجتمع يتعارض مع مناهجها ومبانيها الفكرية.

في السبعينيات والثمانينيات، شجع النظام تعليم البنات ومشاركة النساء في سوق العمل، وظهرت نساء في مواقع قيادية في الحزب والدولة. لكن هذا لم يكن تحررًا حقيقيًا بقدر ما كان تعبئة براغماتية في الجانب العملي السياسي رغم كونه صدى أفكار نظرية قائمة : فالنظام كان يحتاج إلى المزيد من العمالة والكوادر، خاصة مع الحروب المتتالية التي استنزفت الرجال. النساء العاملات في الوظائف الحكومية أو في المصانع كن يخدمن المشروع الوطني للدولة، لكنهن لم يكن يتمتعن بحريات شخصية حقيقية أو بمساحة للتنظيم النسوي المستقل بله هن غير مؤهلات للعمل النسوي المستقل.

في التسعينيات، تحت وطأة الحصار الاقتصادي والأزمة الاجتماعية، تراجعت السياسات "النسوية" للنظام. "الحملة الإيمانية" أعادت خطابًا محافظًا حول دور المرأة كزوجة وأم، حامية للقيم الأسرية. وبتأثير كبير من دولة منظمة التعاون الإسلامي وبالذات دول الخليج ظهرت قوانين جديدة تمنح الرجال حق "غسل العار" بقتل النساء المتهمات بالزنا أو "الفساد الأخلاقي" بعقوبات مخففة. هذه القوانين، التي تتناقض صارخًا مع الخطاب "التقدمي" السابق للنظام ومنطلقاته النظرية، تعكس تحولًا عميقًا نحو المحافظة الاجتماعية،وهذا أحدث شروخ عميقة في البنية الفكرية للحزب الحاكم وتركيبته البشرية.

تشير سنارا (2011) إلى أن العقوبات الاقتصادية في التسعينيات دفعت نساءً عراقيات للعودة للمنزل أو الاعتماد على الشبكات العشائرية والدينية، مما عزز البنى الأبوية التقليدية[10]. هذا التدهور الاقتصادي خلق أرضية لصعود الخطاب الإسلامي المحافظ. الحصار، الذي دمر الطبقة الوسطى العراقية وأفقر ملايين العائلات، دفع النساء إلى الاعتماد على الرجال (الأب، الأخ، الزوج، الابن) للبقاء، مما أعاد إنتاج علاقات التبعية الأبوية والتي رافقها عودة اشكال من التسلط العشائري والنزعات القبلية والتي اسهمت الدولة ذاتها في بعثها وتبنبها وتطويرها.

المبحث الثالث: ما بعد 2003: صعود الإسلام السياسي إلى السلطة

شكل الاحتلال الأمريكي عام 2003 منعطفًا فارقًا جذريًا في تاريخ الإسلام السياسي العراقي. وفق فيسر (2010)، فإن "المحاصصة الطائفية" التي فرضها الاحتلال بقصدية أعطت الأحزاب الإسلامية الشيعية الهيمنة السياسية لأول مرة[11]، وكان الاحتلال هو الرافعة والمنصة التي ركبتها القوى الإسلامية بدفع وتشجيع الاحتلال الأمريكي البريطاني ولدوافع معروفة. أحزاب الدعوة، المجلس الأعلى، والتيار الصدري هيمنت على المشهد السياسي وقادت المؤسسات الرسمية والشعبية وتركت رؤيتها علي كل مناحي الحياة العامة.

الاحتلال الأمريكي أحدث انقلابًا في بنية الدولة حيث دمرت مرتكزاتها مع تغيير النظام، وجرى إعادة هندسة شاملة للسلطة والدولة وللمجتمع العراقي على أسس طائفية-إثنية مقيتة. مجلس الحكم الانتقالي، الذي شكله الحاكم الأمريكي بول بريمر في يوليو 2003، أسس لـ"المحاصصة الطائفية" بتوزيع المقاعد وفق حصص مذهبية وإثنية: 13 شيعي، 5 سنة، 5 أكراد، 1 تركماني، 1 آشوري. هذا التوزيع، الذي قدمه الأمريكيون كـ"تمثيل عادل"، في الواقع حول الهويات الدينية والإثنية من مكونات اجتماعية متداخلة إلى فئات سياسية متنافسة على السلطة والموارد.

يلاحظ حداد (2015) أن هذا الصعود لم يكن نتيجة شرعية شعبية بقدر ما كان نتيجة الفراغ السياسي الذي خلقه حل الجيش والبعث، والدعم الإيراني ودوافع الاحتلال البعيدة[12]. الشرعية الدينية استُخدمت لتعويض غياب الشرعية الديمقراطية. حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية (أمر بريمر رقم 2 في مايو 2003) كان كارثة: ترك مئات الآلاف من الرجال المسلحين المدربين بلا عمل وغاضبين، مما خلق حاضنة للتمرد المسلح.

في الجانب السني، يشير الهاشمي (2018) إلى أن تهميش السنة من السلطة الجديدة، إلى جانب الممارسات التمييزية، خلق حاضنة للجماعات الإسلامية المتطرفة، بلغت ذروتها في صعود داعش عام 2014[13]. الطائفية السياسية غذت التطرف الديني. السنة العراقيون، الذين كانوا يشكلون جزء مهم من العمود الفقري للجيش والأمن والإدارة في العهد السابق، وجدوا أنفسهم فجأة مهمشين ومستهدفين.

من منظور دستوري، تلاحظ براون (2008) أن الدستور العراقي الجديد (2005)، والذي رغم كل المزاعم فإنه استنسخ مواد كاملة من القانون الإداري الانتقالي (Transitional Administrative Law - TAL) أو ما يعرف بـ "قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية"، والذي كتبه نوح فريدمان والذي كانت له بصماته في دستور 2005، والذي يحمل تناقضات عميقة: يعلن "الإسلام مصدرًا أساسيًا للتشريع" مع ضمان حقوق متساوية للجميع[14]. هذا التناقض ترك المجال مفتوحًا للصراع حول القوانين، خاصة المتعلقة بالمرأة.

من منظور جندري، ترى الملا (2011) أن صعود الإسلام السياسي بعد 2003 رافقه تدهور حاد في أوضاع النساء: عنف طائفي مستهدف، فرض الحجاب بالقوة، وتقييد الحركة[15]. الفضاء العام الذي كانت النساء تشغله في الحقبة البعثية تقلص بشكل دراماتيكي وتراجعت المساحة التي كانت تتحرك فيها المرأة بشكل خطير، وشاعت ثقافة جندرية جديدة متخلفة فرضت بالقوة والأعراف المخلقة.

المبحث الرابع: التعددية داخل الإسلام السياسي الشيعي العراقي

الإسلام السياسي الشيعي في العراق يضم تيارات متباينة، وكتل غير متجانسة ومرجعيات مختلفة متعددة التوجهات والاجتهادات. وفق الريحاني (2016)، يمكن التمييز بين ثلاثة تيارات رئيسية: التيار المرجعي التقليدي (السيستاني)، التيار السياسي البراغماتي (الدعوة والمجلس الأعلى)، والتيار الشعبوي (الصدر ومرجعية الحائري الإشكالية)[16].

يلاحظ عبد الجبار (2008) أن السيد السيستاني، رغم تدخله السياسي في لحظات حاسمة، يحافظ على مسافة نسبية من السياسة اليومية، معتبرًا دور المرجعية "الإشراف" لا "الحكم المباشر"[17]، رغم دور ممثليه في تمرير الدستور وقوائم انتخابية بعينها في المراحل الأولى لتشكيل البرلمان واستغلالهم لواجهات تحقق مكاسب اجتماعية ومالية وحضور ملحوظ في الواجهات الرسمية إلا إن هذا يختلف عن نموذج ولاية الفقيه الإيراني.

في المقابل، يشير الدراجي (2019) إلى أن الأحزاب الإسلامية الشيعية التي تولت السلطة تحولت إلى "أحزاب سلطة" بكل المعاني فهي تستخدم الدين لتبرير ممارساتها السياسية والاقتصادية الفاسدة[18]. الفجوة بين الخطاب الديني والممارسة السياسية خلقت أزمة شرعية وافقدت الخلفية الإسلامية قاعدة جماهيرية واسعة وجدت نفسها عاجزة عن تفسير أسباب التناقضات بين الخطاب الديني والتطبيق العملي لمطلقيه .

التيار الصدري، وفق مهدي (2015)، يمثل حالة خاصة: يجمع بين الخطاب الديني الشيعي بمرجعيته المعروفة والشعبوية الاجتماعية، ويتبنى مواقف متناقضة تجاه إيران والغرب[19]. هذا التيار استقطب قطاعات فقيرة واسعة من الشيعة، خاصة في مدينة الصدر ببغداد وهو رصيد موروث له من أيام النظام السابق.

من منظور جندري، تلاحظ يحيى (2014) أن هذه التيارات، رغم تباينها السياسي، تشترك في موقف محافظ من قضايا النوع الاجتماعي[20]. الاختلافات بينها في هذا المجال هي اختلافات درجة لا نوع، وكلها تقاوم المطالب النسوية بالمساواة وتحارب علانية أي فرصة للنهوض النسوي وتمنع كل فرص لردم الفجوة الجندرية التي تفاقمت وتعاظمت بعد 2003.

المبحث الخامس: الإسلام السياسي السني: من التهميش إلى التطرف

واجه السنة العراقيون بعد 2003 أزمة هوية ووجود. وفق الهاشمي (2011)، فإن فقدان السلطة السياسية، إلى جانب "اجتثاث البعث" وتفكك النظم المؤسساتية وحل الجيش والدوائر الخاصة الذي استهدف النخبة السنية بشكل غير متناسب حيث تم استثناء أعداد كبيرة من الشيعة وأعيد دمجهم في المؤسسات الجديدة، خلق شعورًا بالظلم الجماعي والسياسي والحيف الأقتصادي [21].

يشير الدليمي (2016) إلى أن الحركات الإسلامية السنية المعتدلة (كالحزب الإسلامي العراقي) فشلت في تمثيل السنة بفعالية لطبيعة مرجعيتها وخلفيتها وتركيبتها البنيوية المتناقضة ومواقفها الانتهازية، مما فتح المجال أمام الجماعات المتطرفة[22]. "القاعدة في بلاد الرافدين" ثم "داعش" ملأت هذا الفراغ.

داعش، وفق عزمي (2015)، قدمت نفسها كـ"منقذ" للسنة من "الاضطهاد الشيعي"، لكنها في الواقع مارست عنفًا وحشيًا ضد السنة أنفسهم[23]. الخطاب الطائفي المتطرف خدم أهدافًا سياسية وليس دينية.

من منظور جندري، ترى يزدان (2017) أن داعش فرضت "نظام جندر" قروسطي متطرف: الفصل التام بين الجنسين، حظر عمل النساء، الزواج القسري، والزواج من القاصرات، واستعباد النساء الإيزيديات[24]. هذا النظام يمثل النسخة الأكثر وحشية من الأيديولوجيا الأبوية للإسلام السياسي الجهادي التكفيري المعاصر.

تشير خالد (2018) إلى أن النساء في مناطق سيطرة داعش عشن رعبًا لا يُوصف: تُقتل من ترفض الزواج القسري، تُجلد من تخالف قواعد اللباس، وتُستعبد من تنتمي لأقليات دينية[25]. هذا العنف الممنهج كان جزءًا من مشروع أيديولوجي لـ"تطهير" المجتمع وتفكيكه.

المبحث السادس: المرجعية الدينية والسياسة: حالة السيستاني

يمثل السيد علي السيستاني نموذجًا معقدًا في علاقة الدين بالسياسة. وفق كول وكول (2008)، فإن السيستاني تبنى موقفًا براغماتيًا: يتدخل في اللحظات الحاسمة (كالدعوة للانتخابات 2005، والفتوى ضد داعش 2014) لكنه يتجنب التدخل المباشر في السياسة اليومية[26] وهي أزدواجية مستغربة من مرجعية دينية رفضت قتال المحتل.

يلاحظ شانهان (2011) أن هذا الموقف يمنح السيستاني سلطة أخلاقية كبيرة مع الحفاظ على مسافة من فساد السياسيين[27]. لكن نقادًا يرون أن صمته عن انتهاكات الأحزاب الإسلامية الشيعية يجعله متواطئًا بالسكوت، وخصوصًا إذا أخذنا بنظر الأعتبار المكاسب والمنافع التي تحصل عليها من يمثلوه هم وعوائلهم وذويهم.

من منظور جندري، تشير الأمين (2019) إلى أن السيستاني، رغم اعتداله النسبي، لم يتخذ مواقف تقدمية من قضايا المرأة[28]. فتاواه تحافظ على الخطوط المحافظة في الفقه الشيعي التقليدي حول الزواج، الطلاق، والإرث وجميع القوانين الشخصية.

مع ذلك، تلاحظ حمودي (2016) أن بعض خطابات السيستاني دعت لاحترام "كرامة المرأة" ورفض العنف ضدها[29]. هذا الخطاب، رغم عموميته، يختلف عن الخطاب المتطرف لداعش أو بعض الميليشيات،وهذا لا يضعف أهمية التساؤل المشروع عن لماذا لم يتخذ مواقف مبدئية من الظواهر الشاذة لعناصر الإسلام السياسي في الممارسة العملية .

إشكالية دور السيستاني، وفق الخزاعي (2020)، تكمن في أن سلطته الأخلاقية تُستخدم لشرعنة نظام سياسي فاسد طائفي دون أن يتحمل مسؤولية مباشرة عن إخفاقاته[30]. هذا يطرح تساؤلات حول حدود المسؤولية الأخلاقية للمرجعية ودورها التنويري والقيادي في تهذيب الشذوذات وتعزيز القيم السامية التي بني الإسلام عليها.

المبحث السابع: الميليشيات والتشكيلات المسلحة: دولة داخل الدولة

يمثل صعود الميليشيات الشيعية المسلحة بعد 2003، وخاصة بعد 2014، واحدة من أخطر التطورات في المشهد العراقي. وفق ماميش (2018)، هذه التشكيلات تحولت إلى قوة سياسية-عسكرية-اقتصادية هائلة تعمل خارج سيطرة الدولة الفعلية[31].

فيلق بدر، الذراع العسكري للمجلس الأعلى (سابقًا)، يمثل النموذج الأقدم. يشير الروسو (2016) إلى أن بدر تأسس في إيران في الثمانينيات، ودُرب وسُلح من قبل الحرس الثوري الإيراني[32]. بعد 2003، عاد بدر إلى العراق كـ"منظمة بدر"، وسيطر على أجزاء من وزارة الداخلية والأمن، ومارس عنفًا طائفيًا واسعًا في 2006-2007 وعزز مواقعه وثقله العددي من جرف عناصر الداخل بسحب أعداد غير قليلة كان محسوبة على التيار الصدري.

عصائب أهل الحق، وفق السماك (2017)، فصيل انشق عن جيش المهدي عام 2006 بقيادة قيس الخزعلي، يعتبر من أكثر الفصائل قربًا من إيران[33]. الفصيل متهم بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين والمال العام، خاصة في المناطق السنية "المحررة" من داعش.

من منظور جندري، يلاحظ عبد الرحمن (2019) أن هذه الميليشيات تفرض نموذجًا أبويًا محافظًا على المناطق التي تسيطر عليها[34]. نساء ناشطات ومدافعات عن حقوق الإنسان تعرضن للتهديد والاختطاف والاغتيال على يد هذه الميليشيات.ولابد هنا من القول ان نشوء وتطور المليشيات المسلحة كان بدعم وتمويل الحاكم المدني لأمريكي للعراق.

المبحث الثامن: الإسلام السياسي والعلاقة مع إيران

العلاقة بين الإسلام السياسي العراقي (خاصة الشيعي) وإيران معقدة ومتعددة الطبقات. وفق لوفر (2015)، إيران، منذ ثورتها الإسلامية عام 1979، سعت لتصدير نموذجها وتوسيع نفوذها في المنطقة[35]. العراق، بأغلبيته الشيعية وبمراقده المقدسة، كان هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا لسلطة العمائم الإيرانية.

بعد 2003، يشير التميمي (2019) إلى أن إيران أصبحت اللاعب الإقليمي الأكثر نفوذًا في العراق[36] وبموافقة ومباركة أمريكية غير خافية. الأحزاب الإسلامية الشيعية التي عادت من إيران سيطرت على السلطة، وإيران قدمت لها الدعم المالي والسياسي واللوجستي وشكلت تلك الأحزاب القوة الأكبر في تلسلطة منذ 2003 حتى اليوم.

احتجاجات تشرين 2019-2020، وفق الزيدي (2020)، رفعت شعارات واضحة ضد النفوذ الإيراني: "إيران برّا برّا، بغداد تبقى حرة"[37]. هذه الاحتجاجات تمثل تحولًا مهمًا: جيل جديد يرفض النفوذ الإيراني ويطالب ببناء دولة وطنية مدنية.

من منظور جندري، ترى فضل (2021) أن النموذج الإيراني الذي تحاول إيران تصديره إلى العراق هو نموذج أبوي محافظ، يفرض قيودًا صارمة على لباس النساء وحرياتهن الشخصية[38]. ونرى فصل جندري في الحياة العامة الإيرانية.

المبحث التاسع: المرأة بين الفقه والممارسة السياسية

قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959، الذي كان يُعتبر من أكثر القوانين تقدمية في المنطقة، ظل نافذًا اسميًا بعد 2003، لكنه أصبح موضع هجوم مستمر من الأحزاب الإسلامية. تشير جاسم (2015) إلى أن محاولة 2014 لتمرير "قانون الأحوال الشخصية الجعفرية" كانت تهدف لتفكيك المكاسب القانونية للنساء[39].

"جرائم الشرف"، وفق حسين (2017)، تتزايد بعد 2003[40]. القانون العراقي يمنح تخفيفًا للعقوبة إذا ارتُكبت الجريمة "بدافع شريف"، مما يشجع هذه الجرائم.

في مجال التعليم والعمل، تلاحظ المشهداني (2018) أن مشاركة النساء تراجعت بشكل حاد بعد 2003[41]. الأسباب متعددة: انعدام الأمن، الفقر، الضغوط الاجتماعية والدينية، وعدم توفر فرص عمل، والضغوط التي تمارسها الأحزاب الدينية المتنفذة.

المبحث العاشر: تحولات الخطاب الديني والأزمة الأيديولوجية

الخطاب الديني للإسلام السياسي العراقي شهد تحولات عميقة منذ 2003. يشير البياتي (2019) إلى أن الفجوة الهائلة بين الخطاب والممارسة خلقت أزمة شرعية[42]. الناس، خاصة الشباب، لم يعودوا يصدقون الخطاب الديني السياسي ويشككون بنواياه.

في الجانب السني، وفق الجبوري (2018)، الساحة في حالة فراغ أيديولوجي بعد انهيار داعش[43]. لا يوجد خطاب ديني سني عراقي واضح ومقبول على نطاق واسع. فالبيئة السنية مفككة ومشتتة مرجعياتها من خارج الحدود..

المبحث الحادي عشر: المقاومة المدنية والأصوات النسوية البديلة

رغم هيمنة الإسلام السياسي، إلا أن هناك مقاومة مدنية ونسوية مستمرة. تشير السعدي (2020) إلى أن منظمات المجتمع المدني النسوية تعمل على توثيق الانتهاكات وتوفير الدعم للناجيات من العنف[44].

في احتجاجات تشرين 2019-2020، وفق الموسوي (2021)، كانت النساء حاضرات بقوة في الخطوط الأمامية[45]. هذا الحضور النسوي القوي كشف عن جيل جديد من الناشطات لا يقبلن بالتهميش، ويعملنا على كسر القيود والتابوهات.

الخلاصة

يكشف هذا البحث عن تعقيد عميق وإشكالي في تاريخ وحاضر الإسلام السياسي في العراق. من جذوره في مقاومة الاستعمار، مرورًا بقمعه في حقبة النظام السابق، وصولًا إلى صعوده للسلطة بعد 2003 على ظهر دبابة الاحتلال الأمريكي، تشكلت الحركات الإسلامية في سياقات صراع وعنف وتدخلات إقليمية ودولية.

الطائفية السياسية التي فرضها الاحتلال الأمريكي حولت الاختلافات المذهبية من تنوع اجتماعي-ثقافي إلى صراع وجودي على السلطة والموارد. من منظور جندري، صعود الإسلام السياسي رافقه تدهور خطير ومنهجي في أوضاع النساء شامل وعام وعميق.

فهم الإسلام السياسي العراقي يتطلب تجاوز التفسيرات الثقافوية الاختزالية نحو تحليل معقد يربط بين السياقات التاريخية المحددة، البنى السياسية-الاقتصادية المحلية والإقليمية، التدخلات الخارجية، والديناميات الاجتماعية الداخلية. المستقبل يعتمد على قدرة المجتمع العراقي على تجاوز هذا النموذج الفاشل نحو بديل وطني مدني ديمقراطي نراه بعيدًا في الوقت الراهن.

***

د. سعد غلام

..................

المراجع

[1]: Nakash, Y. (1994). The Shi'is of Iraq. Princeton: Princeton University Press.

[2]: Frankel, J. (2009). "The Islamic Dawa Party: Past Development and Future Prospects", Middle East Review of International Affairs, 13(2), pp. 1-15.

[3]: الحمداني، خضير (2013). الحركة الإسلامية في العراق. بغداد: دار الشؤون الثقافية.

[4]: الجواهري، ياسين (2008). الحركات الإسلامية في العراق. بيروت: دار الساقي.

[5]: Al-Ali, N. (2007). Iraqi Women: Untold Stories from 1948 to the Present. London: Zed Books.

[6]: Batatu, H. (1978). The Old Social Classes and the Revolutionary Movements of Iraq. Princeton: Princeton University Press.

[7]: Al-Warwar, K. (2012). The Shi'i Movement in Iraq. London: Saqi Books.

[8]: Haddad, F. (2011). Sectarianism in Iraq: Antagonistic Visions of Unity. London: Hurst.

[9]: Al-Khayyat, S. (2013). Honour and Shame: Women in Modern Iraq. London: Saqi Books, 2nd edition.

[10]: Sanasarian, E. (2011). "Gender and Citizenship in Iraq", Middle East Policy, 18(2), pp. 103-115.

[11]: Visser, R. (2010). A Responsible End? The United States and the Iraqi Transition, 2005-2010. Charlottesville: Just World Books.

[12]: Haddad, F. (2015). "Sectarian Relations Before 'Sectarianization' in Pre-2003 Iraq", in N. Hashemi & D. Postel (eds.), Sectarianization: Mapping the New Politics of the Middle East. London: Hurst, pp. 101-122.

[13]: Al-Hashimi, H. (2018). "From Marginalization to Radicalization: Sunni Arabs in Post-2003 Iraq", Studies in Conflict & Terrorism, 41(4), pp. 277-295.

[14]: Brown, N. (2008). "Reasons to Worry About the Iraqi Constitution", in L. Diamond et al. (eds.), The Iraq Study Group Report. New York: Vintage, pp. 89-104.

[15]: Al-Mulla, A. (2011). "Violence Against Women in Post-Invasion Iraq", International Feminist Journal of Politics, 13(2), pp. 179-198.

[16]: الريحاني، نجم (2016). الإسلام السياسي في العراق بعد 2003. بغداد: دار الحكمة.

[17]: عبد الجبار، فالح (2008). المرجعية الشيعية في العراق. بيروت: دار المدى.

[18]: الدراجي، عادل (2019). أحزاب السلطة في العراق. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث.

[19]: Maher, S. (2015). "The Sadrist Movement in Iraq", Studies in Conflict & Terrorism, 38(2), pp. 95-112.

[20]: يحيى، مها (2014). المرأة والدين والسياسة في العراق. بيروت: مركز كارنيغي.

[21]: Al-Hashimi, H. (2011). "The Crisis of Sunni Arab Identity in Post-2003 Iraq", Journal of Arabian Studies, 1(1), pp. 71-86.

[22]: الدليمي، ضياء (2016). السنة في العراق بعد 2003. بيروت: المركز العربي للأبحاث.

[23]: Azami, D. (2015). "The Islamic State's Propaganda Machine", BBC Analysis, March 20.

[24]: Yazdan, S. (2017). "Gender and ISIS: A Study of Ideological Masculinity", Journal of Terrorism Research, 8(3), pp. 34-49.

[25]: Khalid, M. (2018). "Women Under ISIS Rule: Systematic Rape and Sexual Violence", Gender & Development, 26(2), pp. 293-308.

[26]: Cole, J. & Cole, N. (2008). "The Ayatollah Sistani and the New Shiite Politics", Foreign Affairs, 87(2), pp. 16-26.

[27]: Shanahan, R. (2011). "Shiite Political Quietism and the Role of Grand Ayatollah Ali al-Sistani", Australian Journal of International Affairs, 65(1), pp. 58-74.

[28]: الأمين، حسن (2019). المرجعية والمرأة في العراق المعاصر. بيروت: دار الهادي.

[29]: حمودي، حيدر (2016). "خطاب السيستاني حول المرأة: قراءة نقدية", مجلة دراسات عراقية, 15(2), ص. 45-67.

[30]: الخزاعي، عدنان (2020). أزمة المرجعية والدولة في العراق. بغداد: دار الرافدين.

[31]: Mamish, N. (2018). "Armed Groups and Power Projection in Iraq", Middle East Policy, 25(4), pp. 120-135.

[32]: Rousseau, R. (2016). "The Badr Organization: Iran's Most Important Instrument in Iraq", Middle East Review, 9(3), pp. 67-82.

[33]: Al-Sammak, K. (2017). "Asaib Ahl al-Haq and the Remaking of Iraq", Terrorism and Political Violence, 29(5), pp. 856-873.

[34]: Abdulrahman, L. (2019). "Militias and Gender Politics in Iraq", Gender & Society, 33(2), pp. 298-315.

[35]: Louër, L. (2015). "Transnational Shia Politics: Religious and Political Networks in the Gulf", Journal of Middle Eastern Studies, 51(3), pp. 419-442.

[36]: Al-Tamimi, A. (2019). "Iran's Proxies in Iraq: Understanding Kata'ib Hezbollah", The Washington Institute for Near East Policy.

[37]: Al-Zaidi, A. (2020). "The October Revolution: Youth Protest and Political Change in Iraq", Contemporary Arab Affairs, 13(1), pp. 26-42.

[38]: Fadel, L. (2021). "Iranian Influence and Women's Rights in Iraq", Middle Eastern Studies, 57(2), pp. 234-250.

[39]: Jasim, A. (2015). "Personal Status Law and Women's Rights in Iraq", Iraq Law Review, 8(1), pp. 45-68.

[40]: Hussein, S. (2017). "Honor Crimes in Iraq: Legal and Social Dimensions", Journal of Gender Studies in the Middle East, 12(3), pp. 156-173.

[41]: Al-Mashhadani, R. (2018). "Women's Education and Employment in Post-2003 Iraq", Iraqi Studies, 14(2), pp. 89-107.

[42]: Al-Bayati, M. (2019). "The Crisis of Religious Discourse in Contemporary Iraq", Arab Studies Quarterly, 41(4), pp. 312-329.

[43]: Al-Jubouri, K. (2018). "Sunni Identity and Political Islam in Post-ISIS Iraq", Middle East Report, 287, pp. 18-23.

[44]: Al-Saadi, H. (2020). "Civil Society and Women's Rights Organizations in Iraq", Civil Society Review, 15(3), pp. 201-218.

[45]: Al-Mousawi, Z. (2021). "Women in the Iraqi October Revolution", Feminist Review, 128, pp. 45-62.

على سبيل البدء: تلعب الثقافة الشعبية دورا بالغ الأهمية في تكوين الشخصية الاجتماعية للفرد، كمحدد للوعي ومحرك للسلوك الاجتماعي لدى أبناء المجتمع عامة، بما يتضمنه ذلك التراث من تقاليد وعادات وقيم متوارثة من جيل لآخر، وكل هذه الأمور تعطينا في الأخير وقائع إيجابية في حياة كل فرد.

لهذا يعتبر الاحتفاء بالثقافة الشعبية في مختلف عناصرها وتجلياتها ومكوناتها مهمة وطنية وضرورة تاريخية. فالإنتاج الثقافي الشعبي وليد صيرورة حيث تضافرت عدة عوامل ساهمت في اكسابه طابعه الخاص وخصائصه المميزة وجعلته من ثمة نتاج عمل جماعي يعكس خصوصية الشعب وروحه وتجاربه الحياتية المختلفة. ولهذا الاعتبار نجده يقاوم الزمن، وتظل الذاكرة الجماعية حريصة على استمراره وحمله وتوظيفه في مختلف جوانب الحياة، إذ ليس كل ما ينتجه الشعب قابلا لأن يتحول إلى ثقافة شعبية، إنما يتحول إلى الثقافة الشعبية ويفرض نفسه لدى أي أمة من الأمم هو كل ما ينتجه أفراد هده الأمة أو ذاك الشعب، والذي يحظى بتمثيل رؤية الشعب ويتلاءم مع صورة تمثله للأشياء وطرق التعبير الدقيق عنها حيث يصير ملكا للجماعة. ولهذا الاعتبار نجد أن الثقافة الشعبية وليدة خبرات عميقة ورؤية دقيقة إلى الأشياء، كما أن تعبيراتها وصيغها وأساليبها في منتهى الدقة والعمق.

إن الثقافة الشعبية حين تحفر وترسخ لها مسارات في الذاكرة الجماعية الشعبية، وتظل تراهن في شتى أنواع المواقف، وتستعمل في مختلف السياقات فلأن لها دلالتها الخاصة بها، وطرقها التعبيرية ذات الطابع الجمالي الفذ والمميز، لذلك فالذين يربطون الثقافة الشعبية بالشعب وبعامة الناس، يتناسون دائما إبداعية الانسان، ذاك الكائن المبتكر، مهما كان مستواه الثقافي والمعرفي، وقدرته على صياغة رؤيته للعالم وتفاعله معه بكيفية جمالية فريدة ومميزة.

ومن هذا المنطلق فإن أي موقف سلبي من الثقافة الشعبية، مهما كانت مبرراته ومسوغاته، لا يعكس سوى رؤية ضيقة وفهم سطحي وبسيط للثقافة عموما وللثقافة الشعبية بشكل خاص.

وتعتبر الحكايات الشعبية والأمثال والفلكلور عموما، من أهم مكونات الثقافة الشفهية في مجتمعنا، والذي يعتمد بالدرجة الأولى وبشكل كبير على الموروث الثقافي والاجتماعي ومع كل ما يتعلق بالعادات والتقاليد في صيرورة الحياة داخل المجتمع وتنمية الأفراد وتكوينها. ولابد هنا من الإشارة إلى العلاقة القائمة بين الثقافة الشعبية والفلكلور، حيث نجد أن علم الفلكلور قد نشأ كفرع جديد من فروع المعرفة في القرن التاسع عشر، بعد أن بدأ علماء آثار إنجليز وعلماء فقه اللغة المقارن يعتنون بأساليب الحياة في الطبقات الشعبية، ولم يكن يطلق على هذه الدراسات مصطلح فلكلور، بل مصطلح الموروثات العامة. وقد ظهر مصطلح فلكلور سنة 1949م على يد عالم الآثار الإنجليزي وليام جون تومز.

وقد نجح هذا المصطلح الجديد في التعبير عن كل من العلم ومادة دراسته. وهنا نتبين العلاقة بين الثقافة الشعبية والفلكلور، فالأولى هي المادة أو موضوع الدراسة، والثاني هو العلم الذي يهتم بدراسة هذه المادة وربطها بمجتمعها، وربط تطورها بتطوره، لكن في مجتمعنا العربي، فالأمر يختلف حيث الفلكلور عندنا هو فن المأثور الشعبي أي أن التراث الشعبي والفلكلور هما شيئان متشابهان. والاختلاف هو في التسمية فقط. وقد ظهر في السنوات الأخيرة مصطلح جديد في أمريكا هو folk life أي الحياة الشعبية، وقد رأى واضعوا هذا المصطلح أن علماء الفلكلور قد قصروا دراستهم على الفنون الشفهية أو المروية، أي قصروا دراستهم على الجانب الإبداعي اللغوي الفني كالحكايات الشعبية والأمثال والأغاني الشعبية. ويتداول الدارسون العرب لهذا النوع من التجارب الإنسانية مسميات اصطلاحية عديدة، حيث يسميه البعض التراث الشعبي ويسميه آخرون المأثور الشعبي، في حين يستخدم سواهم مصطلح الموروث الشعبي ويتعدى غيرهم بنفسه عن ذلك كله في فضل استعمال المصطلح الغربي الفلكلور، متجاوزا ما يراه من ترادف في المسميات العربية. وهذه التعددية في المصطلحات والتي تمت الإشارة اليها سابقا وما يمكن لها أن تكتنفه من آفاق تعبيرية وجمالية مثيرة، إنما تؤكد قيمة هذا العطاء وثرائه وحيويته واتساع رقعة ما يتمثله.

والتراث الشعبي هو كل ما تحدى عوامل الزمن باعتماده على الذاكرة الشعبية من أقوال وسلوكات وعادات وتقاليد ومواسم واحتفالات. هذه الذاكرة الجمعية التي تحدت الزمن قد استطاعت أن تنقل لنا هذا الموروث الإنساني عبر أجيال وعصور، حيث يشمل هذا التراث الشعبي كافة ظواهر الحياة الإنسانية في جميع تجلياتها الاجتماعية والاقتصادية والدينية من خلال سلوكاتها وتصوراتها وتطلعاتها ومعتقداتها وعلاقة الفرد بالجماعة، وتواصلها واحتفالاتها المختلفة، حيث يتعدى ويتجاوز هذا التراث الإنساني كل ما هو شفهي إلى التراث المكتوب من شعر وآداب وفنون، إضافة إلى أفراح الشعب ومسراتهم وأحزانهم عبر مختلف الطقوس والاحتفالات من أعراس ومواسم وغيرها... إنه أدب الفئات الأوسع من الشعب، تلك التي وجدت فيه تعبيرا لأفراحها ومسراتها وأحزانها وأوجاعها، وتحسسا لهمومها ومعانتها وآلامها وصراعاتها ومكابدتها والمعتقد الذي تؤمن به وتعايشه، حيث جعلته ممارسة يومية، وأعلنته هويتها، وحصتها من قيم تراث أمتها الأكبر، فصبت فيه مجمل الأنشطة الإنسانية التي تمارسها، فجاء مستوعبا لكل ما ينشغل به الوعي الشعبي ويعايشه سلوكا وأداء في البيئة المحيطة به، وما ينتج عنه من أساليب وآداب وفنون وعادات وتقاليد. وبما أن الانسان باعتباره كائنا حكائيا، ويعشق الحكي ولا يمكن أن يعيش بدون حكي وبدون محكيات، وهذه حقيقة أنثروبولوجية أكدتها العديد من الدراسات الهامة، فإنه كان دائما في حاجة ماسة وتواقة إلى التعبير عن عواطفه وأحاسيسه وأفكاره، وكل ما يجول في دواخله وخواطره، إذ يتطلع دائما وباستمرار إلى تغدية روحه وعقله، وهكذا كان الأدب الشعبي من أهم الوسائل التي يتم التعبير بواسطتها عن المشاعر والأحاسيس، لأنه يضم العديد من الفنون التعبيرية المختلفة كالحكايات الشعبية والأمثال والأسطورة والرسم والنحت والموسيقى والرقص وغيرها من وسائل التعبير.

تعريف الحكاية الشعبية

1 ـ لغـة: إن البحث في حقيقة المصطلح اللغوي للفظة "حكاية" يستدعي منا الوقوف عند أهم ما جادت به معاجم العربية المختلفة، بغية ضبط المفهوم اللغوي لها.

جاء في لسان العرب(1): الحكاية من حكى يحكي، كقولك حكيت فلانا وحاكيته فعلت مثل فعله أو قلت مثل قوله، وحكيت عنه الحديث حكاية، وحكوت عنه حديثا في معنى حكيته، وفي الحديث ما سرني أني حكيت فلانا وان لي كذا وكذا أي فعلت مثل فعله ... يقال فلان يحكي الشمس حسنا ويحاكيها كناية عن إشراق وجهه واستضاءته وحكيت الكلام وعينه حكاية.

ويقال: حكاه وحاكاه والحكاية كل من الجذر الثلاثي معلول الآخر للفعل "حكى".

ويعرفها علي بن إسماعيل سيدة (2) في الأمثلة التالية:

حكيت فلاناً وحاكيته فعلت مثله أو قلت مثل قوله سواء لم أجاوزه ما احتكر ذلك في صدري

أي ما وقع فيه.

وحكى يحكي الخبر حكاية أي وصفه؛

وحكى عنه الكلام، أي نقله فهو حاك جمعه حكاة؛

وحكى حاكياً في اصطلاح العامة تكلم مطلقا؛

والحكايات مصدر الفعل "حكى" وهي وصف الواقعة حقيقية أو خيالية جمعها حكايات (3)، ومنه فإن لفظة حكاية مدلولها اللغوي شاسع، فهي المماثلة والتكلم مطلقا لكن المعنى الأهم للفظة: "حكاية" هي الوصف للوقائع الحقيقية أو الخيالية، وهذا هو الأهم.

2 ـ اصطلاحا: إن الهدف الأسمى من دراسة الحكاية الشعبية هي الكشف عن هذا الكنز الروحي والتراث المادي الشعبي فهي ليست كالأسطورة التي تعرف نفسها بنفسها أو كالخرافة.

ترى نبيلة إبراهيم أن تعريفها يتيسر لنا إذا رجعنا إلى المعاجم الأجنبية حيث أن المعاجم الألمانية تعرّفها بأنها: "الخبر الذي يتصل بحدث قديم ينتقل عن طريق الرواية الشفوية من جيل إلى جيل أو هي خلق حر للخيال نتيجة حول حوادث مهمة وشخوص ومواقع تاريخية «(4).

أما المعاجم الانجليزية فتعرفها بأنها:» حكاية يصدقها الشعب بوصفها حقيقة، وهي تتطور مع العصور، وتتداول شفاهاً، كما أنها تختص بالحوادث التاريخية الصرفة أو الأبطال الذين يصنعون التاريخ«(5).

وتضيف نبيلة ابراهيم بأن هذه الحكايات الشعبية هي:» حكايات وقصص حدثت في العصور القديمة وتوارثتها الأجيال شفويا من الأجناس والأمم «(6)، وفي اللغة الفرنسية نجد ما يقابل الحكاية مفردة «légende » وهي تعني قصة شعبية، أو حكاية ذات أصول شعبية أحداثها تاريخية الأصل وهي مرتبطة أساسا بحياة الأفراد والفئات الاجتماعية الشعبية، أي عكس ما هو متداول في اللغة العربية إذ يحيلنا كلمة légende الفرنسية إلى خرافية أو أسطورة وهذا ما جعلنا نوظف كلمة شعبية للحفاظ على وحدة وخصوصية المصطلح الشعبي.

و"يعتبر مفهوم الحكاية الشعبية بمعناها الواسع والشامل سياقة أحداث واقعية وحقيقية أو خيالية دون الالتزام بأسلوب معين في العرض أو الحكي تختلف من فرد لآخر من حيث الطريقة التي تسرد بها الأحداث في حين أن الحكايات تتضمن مجموعة من الأحداث والأخبار والأفعال والأقوال سواء كانت حقيقية أي مأخوذة من الواقع الذي يطلقه الفرد أو المبدع الشعبي ليصور الأحداث التي تشكلت في مخيلته ويريد سردها في قالب فني حكائي لإضفاء نوع من المتعة والتشويق على الحكاية ليستمع بها المتلقي"(7).

وقد أثارت الحكاية الشعبية اهتمام الباحثين في علم النفس الاجتماعي والأدب الشعبي والأنثروبولوجيا بوجه العموم.

وعموما فجُلُّ التعاريف السابقة للحكاية الشعبية تتفق على أنَّها قصة ينتجها الخيال الشعبي حول حدث مهم ويستمتع الشعب بروايتها وتناقلها من جيل إلى آخر عن طريق المشافهة.

» إن الحكاية الشعبية قصة ينسجها الخيال الشعبي حول حدث مهم وإن هذه القصة سيتمتع الشعب برواياتها والاستماع إليها إلى درجة أنه يستقبلها جيلا بعد جيل عن طريق الرواية الشفهية"(8). فمن العوامل التي ضمنت للحكاية الشعبية البقاء هي خاصية المشافهة التي سمحت بتناقلها عبر الأجيال والتي تعتبر أهم خاصية للحكاية الشعبية.

ويعرّفها عبد الحميد يونس قائلا:

"يكون اصطلاح الحكاية الشعبية فضفاضا، يستوعب ذلك الحشد الهائل من السرد القصصي الذي تراكم عبر الأجيال والذي حقق بواسطة الإنسان كثيرا من مواقفه، ورصد الجانب الكبير من معارفه، وليس وقفا على جماعة دون أخرى ولا يغلب على عصر دون آخر"(9).

أما عبد الرحمن الساريسي فقد حصرها من خلال معناها الاصطلاحي إلى معنيين معنى عام ومعنى خاص حيث يقول في المعنى العام:

"في الاصطلاح الشعبي معنيين أولهما عام واسع يشمل كل ما يحكى شفويا بين الناس في حياتهم اليومية وأحداثهم التاريخية التي ليس فيها خوارق أو أعمال تخرج على المألوف"(10).

وهكذا تبين بأن هذين التعريفين الأخيرين للحكاية الشعبية لا يختلفان عن التعاريف السابقة لها، خاصة فيما يتعلق بشساعة المفهوم وكذا الرواية الشفوية.

عموما فالحكاية الشعبية في معناها الخاص تمثل "أثرا قصصيا ينتقل مشافهة أساسا يكون ثريا، يروي أحداثاً خيالية لا يعتقد راويها ومتلقيها في حدوثها الفعلي، تنسب عادة لبشر وحيوانات وكائنات خارقة، تهدف إلى التسلية وتزجية الوقت والعبر"(11).

فتعريف الحكاية الشعبية هذا جعلها خاصة وأكسبها معنى متميزا عن كل من الحكاية الخرافية وعن قصص البطولات خاصة وأن مادتها مستمدة من الواقع النفسي وكذا الاجتماعي الذي يعيشه أفراد الجماعة التي تنتجها.

ورواية الحكاية الشعبية ليست حكراً على الرواة المحترفين، إنما يرويها الناس من مختلف الأعمار ومن الجنسين، وغالبا ما يكون الإلقاء مصحوبا بتلوينات وتغييرات صوتية تناسب المواقف والشخصيات وبإشارات من اليدين والعينين والرأس، فيها قدر من التمثيل والتقليد ويتم التلقي بإصغاء حاد قد يتخلله الضحك أو النزع كما يقتضي الموقف، ولكن في تقدير واحترام وتصديق واندهاش، ومن غير مقاطعة"(12).

وقد تمكنت الحكاية الشعبية بفعل مرونتها الشكلية من الأخذ والاغتراف من الأنماط القصصية الأخرى، فتحولت بعض قصص المغازي والأولياء إلى حكايات شعبية إما على سبيل المعارضة الساخرة أو بسبب حضور الموقف البطولي، كما تتخذ مادتها من عناصر الواقع المعاش الذي عايشه الناس الذين يتداولونها، فتصور موقفا من مواقف هذا الواقع من خلال ما تبين "طموح الإنسان وسعيه إلى تحسين واقعه وإيجاد حلول للمشاكل التي تعترض طريقه، "وذلك عن طريق التخيل المستند فيما يبنيه من صور قصصية أحيانا وعلى التصورات العقائدية مثل الاعتقاد في القدر والبحث والإيمان بوجود إرادة عليا توجه الكون وفق خطة مرسومة مسبقة، وأحيانا أخرى يعتمد في تصويره القصصي على ما عاشه من تجارب وما مر به من خبرات"(13).

ومنه نستخلص انطلاقا من هذه التعاريف المتعلقة بالحكاية الشعبية ما يلي:

إن الحكاية الشعبية ترتبط بحياة الأفراد اليومية، الأمر الذي دفع بالكتاب والباحثين بالإقبال عليها دراسة وتأليفا وجمها وتوثيقا، هذا من جهة ومن جهة أخرى هو كون الحكاية الشعبية أصبحت جنسا أدبيا شعبيا قائما بذاته، له خصوصياته ومميزاته ووظائفه من النثرية والسردية والشفاهية والتي يعبر من خلالها عن أحلامه وآماله وتطلعاته وتمثلاته وأهدافه وتصوراته في هذه الحياة.

ومع حركة الإنسان وتجاربه داخل بيئته الاجتماعية، واحتكاكه المستمر مع الأحداث وضع لنفسه مجموعة من "المقولات الفكرية"(14)، والصيغ والأنماط الأدبية الشفاهية يفسر بها واقعه الإنساني ويتخيل ما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع، وهذه الصيغ هي ما يمكن أن نطلق عليه "حكاية شعبية" حيث لا يعرف مصدرها ولا قائلها أو مبدعها الأول.

وبعد عرض هذه التعاريف الاصطلاحية نرى أن الحكاية الشعبية نتاج فكري أنتجته الشعوب عبر تاريخها الطويل، وأبدعت بها أروع قصصها، وأجمل ما مرَّ بها من أحداث فجاءت لتعكس خلاصة تجارب الشعوب، وتعطي صورة حية عن واقع المجتمعات عبر مراحل تاريخها الطويل حيث تتجلى فيها حكمة الشعب، وعصارة تجارية وتفاعله مع الواقع، وعلى الرغم من بساطتها وسهولة اللغة التي تروى بها القريبة من الاستعمال اليومي أي القريبة من الأمي الذي لا يقرأ، إلا أنها تشكل لبنة مهمة في البناء الثقافي للمجتمعات التي تنشأ فيها، وتنتقل بين أفرادها، ودراستنا للحكاية الشعبية يحيلنا بالضرورة إلى التطرق والحديث عن نشأتها الموغلة في القدم، ومن هنا يمكن أن نطرح هذه التساؤلات: كيف نشأت الحكاية الشعبية ؟ وكيف كانت بداياتها؟

نشأة الحكاية الشعبية

تعتبر الحكاية الشعبية من أهم الأنواع النثرية في الأدب الشعبي وهي ترجع في أصلها إلى المعتقدات الأولى للإنسان، وهي كذلك مما يدل على وحدة الفكر البشري، إذ نرى كثيرا من الحكايات لها نفس المقابل عند أمم عدة،» وثمة ظاهرة تدعو إلى التساؤل ألا وهي التشابه في الحكايات لدى الشعوب، إنما تبدو للوهلة الأولى منفصلة عن بعضها كأمريكا والبلاد الغربية وشمال إفريقيا وشمال أوروبا والصين والهند وغيرها غير أننا لو تعقبنا التاريخ لوجدنـا أنها على اتصال بطرق كثيرة ومتعددة«(15)، فالحكاية الشعبية ليست حديثة النشأة بل هي عريقة وموغلة في القدم ولذلك يصعب تحديد نشأتها، فهي مرتبطة ارتباطا وثيقـا بالإنسان وتاريخ ظهوره وترجع عراقتها إلى عراقة الإنسـان، فالباحث "محمود تيمور" يرى بأن الحكايـات نشأت من الأساطير حيث يقول:

"فالإنسان كان يعيش في عالم كله ألغاز، وكان عقله قاصراً عن إدراك كنهها فالشمس التي كانت تشرق أمامه وتغرب ... وتلك الريح العاصفة التي كانت تثور فتهدم أكواخه وتقتلع زرعه ... وهذه الجبال ذات القمم البركانية التي تفيض بالحمم والنار ... كل هذا وما ماثلاه وقف أمامه الإنسان الأول وقفة الحيرة والرعب، يتأمله ويسعى إلى فهمه ... واهتدى أخيرا إلى حل قنع به واطمأن إليه، فمنح لعالم الجماد روحا كروحه وتخيله على غرار نفسه يعيش كما يعيش يأكل ويشرب وينام! ... وكان يرى في نومه أحلاما غريبة عن أشخاص ماتوا فتوهمهم أحياء مثله في عالم آخر، فخشي من كان منهم قويا مستبدا وقدم له القرابين ... وهكذا رأينـا خيال هذا الإنسان الأول، يشتغل ويخترع ويستقر مفصلا الحياة فكـان هذا العمل هو أول خطوة خطاها في سبيل إنشاء الأساطير وما الأسطورة سوى قصة خرافية، صاغها الإنسان البدائي على حسب ما أوحاه له خياله الضعيف"(16).

وهكذا تطورت تلك الأساطير أو القصص الخرافية شيئا فشيئا فأخذت من دائرتها، فعالجت سير الأبطال ووقائع الحروب حيث سيطرت الخرافة على هذه الحكايات فكان "الغول" رمزا للحيوان المخيف الذي ظل يفترس الإنسان ويرعبه دهرا طويلا وهكذا كانت هاته الحكايات وسيلة للتعبير عن نفسية العهد الذي كتبت فيه بالرغم مما احتوته هاته الحكايات من عبث وسخافة وخرافة...(17).

وهكذا نجد أن الحكاية تعود جذورها الأولى الى الأسطورة، ومن أهم الدراسات المتخصصة بعالم الأساطير نجد دراسة الباحث فراس السواح الذي يقول: "الأسطورة حكاية مقدسة، يلعب أدوارها الآلهة وأنصاف الآلهة، أحداثها ليست مصنوعة أو متخيلة، بل وقائع حصلت في الأزمنة الأولى المقدسة، إنها مجمل أفعال الآلهة، والأسطورة حكاية مقدسة تقليدية، بمعنى أنها تنتقل من جيل إلى جيل بالرواية الشفوية"(18).

ومن بين التعريفات التي قدمها الباحثون والذين كانوا يرجحون نشأة الحكاية الشعبية إلى أصول أسطورية نجد التعريف الذي قدمه الدكتور مصطفى الجوزو حيث يقول: "الأسطورة أوَّلا حكاية وأنها ثانيا: تتحدث عن عالم وهمي يرمز إلى أشياء وأحداث حقيقية لكن محرفة أو مضخمة"(19). وفي تعريف الأسطورة وعلاقاتها بالحكاية الشعبية نجد التعريف الذي جاء على لسان د. عبد الحميد يونس في معجم الفلكلور:"إنها حكاية إله أو شبه إله أو كائن خارق تفسر بمنطق الإنسان البدائي ظواهر الحياة الطبيعية والكون والنظام الاجتماعي وأوليات المعرفة، وهي تنزع في تفسيرها إلى التشخيص والتمثيل والتحليل وتستوعب الكلمة والحركة والإشارة والإيقاع، وقد تستوعب تشكيل المادة "وهي عند الإنسان البدائي عقيدة لها طقوسها، فإذا تعرَّض المجتمع الذي تتفاعل معه الأسطورة لعوامل التغير تطورت الأسطورة بتطوره وقد تتبدد تحت وطأة عناصر ثقافية أقوى فتنفـرط عقدتها وتنحدر إلى سفح الكيان الاجتماعي، أو ترسب في اللاشعور وتظل على الحالين عقيدة أو ضرباً من ضروب السحر أو ممارسة غير معقولة أو شهيرة اجتماعية وكثيرا ما تتحول إلى محاور رئيسية تعاد صياغتها في حكايات شعبية"(20).

وهكذا ومن خلال هذا التعريف الذي قدمه الدكتور "عبد الحميد يونس" الأسطورة نجد أنه يدافع عن الطرح الذي يرجح الأصول الأسطورية للحكاية الشعبية.

وفي تعريف آخر للدكتور محمد عبد الحميد خان يقول أن: "الأسطورة عبارة عن تفسير علاقة الإنسان بالكائنات، وهذا التفسير هو آراء الإنسان فيما يشاهد حوله في حالة البداوة، مضيفا: وخلص القول فنقول إنها الدين والتاريخ والفلسفة جميعا عند القدماء، وهي ليست فكرة مبتدئة أو خاطئة، بل إنها فكرة بدوية صبغت بصيغة الإطناب والمغالاة"(21).

أما تعريف أحمد كمال زكي للأسطورة فجاء كالتالي:" الأسطورة عندنا اليوم لا تخرج عن أن تكون قصة خيالية قوامها الخوارق والأعاجيب التي لم تقع في التاريخ ولا يقبلها العقل، حتى أننا عندما نريد أن ننفي وجود أي شيء نقول أنه أسطوري «ثم يضيف قائلا:» وذكرنا فيما سمعناه من بعض أقوال بعض العلماء أنها قصص خيالي صرف ..."(22).

وقد وقف فراس السواح مطولا من أجل تحديد معنى مضبوط الأسطورة، حيث عرّفها بأنها: "حكاية مقدسة ذات مضمون عميق يشفُّ عن معان ذات الصلة بالمكون والوجود، وحياة الإنسان"(23). ويفيد السواح بتقديم جملة مميزات الأسطورة حيث يرى أن أهم ما يميزها هو ما يلي: أنها من حيث الشكل تتخذ شكلا أدبيا رفيعا فهي تعد بمثابة قصة تقليدية ليس لها زمن محدود بل تدور حول حدث ذي حضور دائم، وموضوعاتها تتسم بالجدية والشمولية، ويلعب فيها الآلهة وأنصاف الآلهة دوراً رئيسا كما أن من أهم ما يميزها كونها: "ترتبط بنظام ديني معين وتعمل على توضيح معتقداته وتدخل في صلب طقوسه، وهي تفقد كل مقوماتها كأسطورة إذا انهار هذا النظام الديني، وتتحول إلى حكاية دنيوية تنتمي إلى نوع آخر من الأنواع الشبيهة بالأسطورة" (24).

والمقصود بالحكايات الدنيوية، تلك الحكايات التي تدور حول مغامرات وأعمال شخصيات غير مقدسة. ومن الباحثين الذين يرجحون لأصول الأسطورة للحكاية الشعبية نجد الدكتورة "غراء حسين مهما" التي ترى أنه عادة ما يكون مصدر الحكاية الشعبية حكايات أخرى، كانت تروى من مئات وآلاف السنين، ومن الممكن أيضا أن تكون بقايا أسطورة أو أفكار أو معتقدات قدسية.

ولعل ما يرجح هذا الطرح هو وجوه بعض الحكايات الشعبية التي تحتوي على بعض الملامح الأسطورية في التراث الشعبي، كحكاية "لالة القمر" حيث تحاور البطلة القمر وتسألها عن أحوال أخواتها وبعد المسافة بينهما وبين الغول، وكان القمر تسأله وتستنجد به وهذا يحيلنا إلى الأسطورة البابلية "عشتار إله القمر".

وعلى الرغم من محاولتنا تقديم آراء بعض الباحثين واجتهاداتهم في ترجيح نشأة الحكاية الشعبية إلى أصول أسطورية، يبقى تحديد النشأة لأي فن من الفنون بالشيء الصعب خصوصا وأن الحكاية الشعبية وجدت مع وجود الإنسان فهي واحدة من أبرز فنون الأدب الشعبي وهي "فن قديم ارتكز على السرد أي سرد خبر متصل بحدث قديم انتقل عن طريق الرواية المتداولة شفويا عبر الأجيال، مما يجعلها تخضع للتطور عبر العصور نتيجة للخلق الحر للخيال الشعبي الذي ينتجها حول حدث أو حوادث مهمة بالنسبة للشعب"(25).

فالحكاية الشعبية إذن إبداع أوجده الإنسان بل خلقه بخياله الواسع، وصور فيه آلامه وآماله ووقائعه التاريخية وحافظ عليه بالرواية الشفوية.

وهكذا يتضح أن نشأة الحكاية الشعبية ارتبطت بالإنسان ووجوده وراحت تتفاعل مع مواكبة طابع البيئة المحيطة به منذ ظهوره إلى اليوم خاصة وأنها تعلقت بخياله الفسيح الذي ساهم في نسج أحداثها وتفاصيلها.

نشأة الحكاية الشعبية في الثقافة الغربية

1 ـ في فرنسا: ان الحكايات الشعبية هي جزء لا يتجزأ من وجدان كل الشعوب الإنسانية، فلا توجد ثقافة أو حضارة خلت من وجود تلك الحكايات، وهي حكايات قصيرة تحتوي على عناصر خارقة للطبيعة، كالسحر والجنيات والعمالقة والأقزام والمخلوقات الأسطورية المختلفة، كما تنطوي على الحكم والدروس الأخلاقية وتتمحور في الغالب حول الصراع بين الخير والشر، وكانت هذه الحكايات تروى شفاهيا وتنتقل من بلد إلى بلد مع التجارة والقوافل، وكل شعب يتبنى حكاية شعبية كان يقوم بتغييرها وتطويرها بحيث تتناسب مع ثقافته ومخاوفه وتطلعاته، وقد لاحظ الجامعون تكرار نفس الحكاية في ثقافات مختلفة بصيغ متعددة، ويجمع الكثير من الدارسين على أن فرنسا كانت مهدا للحكاية الشعبية وسباقة لها، باعتبارها مركزا للثورات والتحولات الفكرية والأدبية الكبرى، إذ يعد الكاتب والشاعر الفرنسي شارل بيرو (1628–1703) من طرف الكثير من النقاد والدارسين بمثابة الأب الحقيقي والروحي للحكايات الشعبية فهو يعتبر من أوائل من قاموا بجمع الحكايات الشعبية وتحويلها إلى نمط أدبي له ملامحه وقواعده المحددة والمشروطة، ويعتبره الكثير من النقاد أنّه أول من وضع حجر الأساس لهذا النوع الأدبي، وقد كان هدف بيرو من جمع الحكايات الشعبية هو تسلية الحاشية الملكية، وتربية أبنائهم عن طريق تقديم حكايات تخدم أهدافا سامية، والتي تعالج صراع الخير والشر، وقد حققت مجموعته حكايات أمي الإوزة: Les Coutes de ma Mère l’oye نجاحاً كبيراً حيث كانت مسلية جدّاً للصغار والكبار على حد السواء، واشتهرت رواية تلك الحكايات الشعبية في الصالونات الثقافية في باريس في منتصف القرن السابع عشر حيث يجتمع الرجال والنساء في ضيافة امرأة أرستقراطية لمناقشة الأدب والفنون والسياسة وغيرها، كما ألهمت أعماله العديد من الفنانين في مجالات متعددة كالأوبرا والمسرح والموسيقى، ومن أشهر الحكايات الشعبية التي قام بجمعها: الجمال النائم، والقط في الحذاء، وذات الرداء الأحمر، كما أن نسخته الخاصة من "سندريلا التي تحتوي على الجنية العرابة، وعربة اليقطين وغيرها، هي الأشهر في أنحاء العالم.

فلكل شعب من الشعوب في العالم أساطير وخرافاته وحكاياته الشعبية التي يستمتع بها صغاره وكباره، ويستخلصون منها الدروس والعبر التي تفيدهم في سلوكهم وحياتهم بشكل عام، وقد يكون لكل مجموعة من الشعوب المتجاورة أو المختلط بعضها ببعض أساطير وخرافات وحكايات متقاربة.

ولعل مجموعة الحكايات الشعبية التي جمعها شارل بيرُّو من أفواه النساء العجائز في فرنسا، كانت أول مدوَّنة أوروبية تجمع في حيز واحد، وتنشر سنة 1697م، ثم تترجم إلى اللغات الأوروبية الحية، وخاصة الانجليزية التي كان لها الفضل الأكبر في هذا الانتشار والذيوع في الأوساط الثقافية الأوروبية والعالمية. ولا شك في أن هذا العمل قد أيقظ أذهان الأوروبيين الى فكرة الالتفات إلى آدابهم الشعبية الشفوية فيما يعرف بالتراث الشعبي أو (الفلكلور) Folklore.

* تعريف كلمة (الفولكلورFolklore)

تعود كلمة (فولك Volk) أي: شعب إلى اللغة الألمانية أصلا، فأخذوا يدوِّنُونه ويهذبونه وينشرونه في بلدانهم، وصارت الشعوب تطَّلع بذلك على ما عند الشعوب الأخرى من هذا التراث السردي، الذي يمثل عقلية الناس وخيالهم وطريقة تعبيرهم وتصورهم أو فلسفتهم للأشياء في الحياة والمجتمع والقيم والأخلاق.

وربما لعبت ترجمة (انطوان غالان) A. Gallandالفرنسية لمجموعة حكايات ألف ليلة وليلة العربية الغزيرة والشيقة ابتداءً من سنة (1704م) الدور الأسبق في إثارة الاهتمام بالحكايات الشعبية، لأن الأوروبيين اطلعوا عليها من خلال ترجمتها هـذه، ونقلوها إلى لغاتهم عنها، "وقد عززت مجموعة حكايات "شارل برُّو" هذا الاهتمام"(26).

وقد أصبحت هذه الحكايات جزءا من الأدب العالمي، وصارت أسماء الشخصيات في هــــذه الحكايات تجري على ألسنة الناس في كل البلدان، ونحن نعلم أن كثيرا منها تجري على ألسنة القراء العرب، ولعل حكاية سندريلا التي وصلت إلينا عن طريق الانجليزية أو أفلام الرسوم المتحركة (الكرتون) من أشهرها، حتى إن اسم سندريلا Cinderella في الترجمة الانجليزية قد غطَّت اسم سندريُّون الفرنسي لهذه الشخصية ومن تلك الحكايات أيضا "اللحية الزرقاء" و"الجميلة في الغابة النائمة" و"القط والحزمة".

وكانت مجموعة "شارل برُّو" التي نشرها باسم ابنه بعنوان "حكايات أمِّي الإوزة" تحتوي على ثماني حكايات هي(27):

1 ـ اللحية الزرقاء (La Barbe- bleu

2 ـ الجميلة في الغابة النائمة (La Belle au Bois dormant

3 ـ السيد القط (أو القط ذو الحزمة) (Le chat botté

4 ـ القبعة الصغيرة الحمراء (Le petit chapon rouge

5 ـ الإبهام الصغير (Le petit poucet

6 ـ الجنيات (Les Fées

7 ـ سندريلا (أو حذاء الفرد الصغير) (Cendrillon ou: La petite Pantoufle

8 ـ ريكيه ذو الشُّرَّابة (Riquit à la houppe).

وكان "شارل برُّو" قد نشر قبل هذه المجموعة نشراً منفصلا وتباعا، ثلاث حكايات شعرية هي(28):

1 ـ مركزة (سالوس)، أو صبر (غريزليدس) سنة (1691) (La Marquise de Salusses, ou la Patience de Cerselidis)  ؛

2 ـ الأماني التافهة (Les Souhaits ridicules) (سنة 1693م)؛

3 ـ جلد الحمار (La Peau d’âne) سنة (1694م)؛

وقد تمت إضافة هذه الحكايات الثلاث إلى طبيعة "لامي Lamy" سنة 1781 وقد ترجمت هذه الحكايات الإحدى عشرة في حيز واحد مع تسمية المجموعة "حكايات شارل برُّو" حيث كانت بعض طبعاتها كانت تزين بالرسوم التي تجسد شخصية البطل في كل منها. وقد اهتم بعض الأكاديميين بدراسة ما يتعلق ببعض حكايات "شارل بيرّو" ومنهم (آشليمان D.L. Ashliman) الأستاذ سابقا في جامعة بيتسبورغ بولاية "بنسلفاني" (university of Pittsburg) وخاصة حكاية "سندريلا" فقام بجمع رواياتها من عدد من بلدان العالم هي: "بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والنرويج، وإيرلندة، واسكوتلندة، وإيطاليا، وجورجيا، وصربيا، وروسيا وكشمير الدانمارك وفيتنام"، وترجمها إلى الإنجليزية ونشرها في الموقع الإلكتروني:

www.pitt.edu/dash/ashliman.html.

ولقد كانت فرنسا خاصة وأروبا عامة متعطشة للجديد من الحكايات الشعبية خصوصا حكايات الشرق العربي، من خلال تجربة "انطوان غالان" في جهوده حول حكايات "ألف ليلة وليلة" خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، وكتبت "لبرتس" وهي سيدة فرنسية مجموعة من الحكايات الشعبية بعنوان "مخزن الأطفال" (29)، وهكذا كانت فرنسا سباقة لكل الأقطار الأوروبية، حيث انتشرت الحكايات الشعبية، كما ظهرت كتابة أدب الأطفال أيضا في فرنسا على نحو جدِّي، عندما كتب "جان جاك روسو كتابه "إميل" الذي اهتـم في جانب كبير منه بدراسة الطفـل وكان ذلك في القرن الثامن عشر"(30). كما كتب الفرنسي جان دي لافونتين الذي يعتبر أشهر كاتب قصص خرافية في تاريخ الأدب الفرنسي، مجموعة من الحكايات الخرافية، وهي تلك القصص التي تدور أحداثها على ألسنة الطيور والحيوانات ويمكن تقسيم كل أعمال لافونتين إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي Fables "القصص الخرافية"، وContes "النوادر والحكايات"، والأعمال الأخرى التي تتناول موضوعات متنوعة.

وفي هذا الصدد يقول: "هذا هو كتابي الثاني الذي يحوي قصصا خرافية تدور على ألسنة الحيوانات الذي أقدمه للجمهور ... ولابد أن أعترف أن الجزء الأكبر من كتابي قد استلهمته من كتابات "كليلة ودمنة" " حيث يعتبر كتاب "كليلة ودمنة" اسم آخر لمجموعة القصص الذي تدور على ألسنة الحيوانات المكتوبة بلغات هندوسية بوذية المعروفة باسم Panchatantra والتي كتبها "Vishnu Sarma" (Pilpay) الحكيم الهندي.

وقد تم الإعلان عن المجموعة الثانية من عمله المعروف باسم Fables في عام 1678م، وقد كانت المجموعة الأولى عبارة عن مائة وأربعة وعشرين من تلك القصص الخرافية وتحمل عنوان Fables choisies وقد ظهرت في الحادي والثلاثين من مارس في عام 1668، وقد تم إهداؤها إلى ولي عهد لويس الرابع عشر ملك فرنسا آنذاك.

فلعلنا نذكر أيضا أن "لافونتين" (La fontaine) المعاصر لـ "شارل بيرو"، كان يستمد كثيرا من مواضيع "أماثيله" من مصادر شرقية، ففي التمهيد الثاني للمجلد الثاني من "أماثيل مختارة" Fables choises لـ "لافونتين" يقول الناشر: "إن القسم الأعظم من مواضيع المجلد الثاني يديـــــــن للحكيم الهندي بيديا "Pilpay(31).

ويضيف قائلا: "لقد اكتشف (يعني لافونتين) القصاصين الشرقيين وكان هذا الاكتشاف بين سنتي 1672 و1678م، وقد أدهشه إلى حد أنّه تخيّل أن أغلب مواضيعه جاءته من هناك، ربما تحت تأثير موضة أدبية" (32). ويقول أيضا إن " من بين الـ 89 أمثولة في المجلد الثاني: هناك 13 مقتبسة بالتأكيد من هذه المحاور ... وهناك نحو 12 أمثولة لها مظهر شرقي سواءً أكان لافونتين قد أخذها عن خرافات منقولة شفويا أن عن نصوص مجهولة "(33).

ويقول لافونتين نفسه في تمهيده للمجلد الثاني:" وسأقول فقط عرفانا بالجميل، إنني أدين بالقسم العظيم منه لبيدبا الحكيم الهندي"(34). فقد ترجم كتابه إلى كل اللغات (مثل السنسكريتية إلى الفارسية والعربية واليونانية والعبرية واللاتينية، واللغات الرئيسية في أوربا) وأهل البلاد يعتقدون بقوة أنه أقدم من حكايات إيزوب(35)Esope وأكثر أصالة منه، إن لم يكن إيزوب نفسه تحت اسم لقمان الحكيم(36). وقد قدّم آخرون مواضيع سعيدة جدّاً" (37).

ويكفي أن نذكر أن أعمال "شارل بيرّ" و"لافونتين" و"انطوان غالان" المتأثرة بالشرق قد ظهرت في زمن كان الجمهور الفرنسي خصوصا والغرب عموما، قد ضجر فيه من الاستماع إلى الآداب اللاتيني والإغريقي" (38). و"شارل برو" سبق وأن قال بأن هذه الحكايات الشعبية أي "حكايات أمي الإوزة و"سندريلا" كانت تنحدر في غالبيتها، من الفلكلور الشعبي الفرنسي، ومعنى ذلك هو أن هناك بعض من تلك الحكايات الشعبية والتي لم تكن من ذلك الفلكلور الفرنسي، وإنما هو منقول عن فولكلور بعض الشعوب الأخرى.

2 ـ الحكاية الشعبية في ألمانيا: يعتبر الأخويان الألمانيان يعقوب غريم وفالهيم غريم (Jacob Wilhalm GRIMM) من الباحثين الأوائل الذين اهتموا بالأدب الشعبي، حيث تعتبر مجموعتهما والتي صدرت في طبعتها الأولى عام 1812، تحت عنوان " حكايات الأطفال والبيوت" من أبرز المجموعات الحكائية التي ألهمت المبدعين والسينمائيين ورواد أفلام الكرتون فيما بعد على تطويرها صوتا وصورة، وأشهر مثال على ذلك أفلام والت ديزني Walt Disney الذي أنتج أكثر الأعمال شهرة في هذا الإطار ك "سيندريلا" و"بياض الثلج والأقزام السبعة"، و"هانسل وغريتل" و" رامبيل

ستيلتيسكين". حيث صدر الجزء الثاني من مجموعة غريم سنة 1814.

كان اهتمام الأخويان غريم الأول هو الدراسات الفيلولوجية، وقد جرتهما الأبحاث الفيلولوجية في الأدب المكتوب إلى الأدب المروي، وبدأوا أعمالهم بالمقارنة بين النصوص الشعبية الألمانية، المدونة والمروية وغيرها من النصوص التي عثروا عليها مدونة عن الشعوب التي تشترك مع الشعب الألماني في الأصل الهندوجرامي، وقد كان التشابه بين حكايات هذه الشعوب والحكايات الألمانية مفاجأة كبرى للأخوين غريم"(39). وقد خلص الأخويان غريم إلى مسألة مفادها أن الحكايات الشعبية تتشابه لدى الشعوب المختلفة، "وهذا التشابه يرجع إلى تماثل الأفكار الأساسية عند هذه الشعوب، وإلى وسيلتهم في عرض شخصيات بعينها، ذلك أن هناك أحوالا هي من البساطة والطبيعة بمكان إلى درجة أنها تتكرر بصفة عامة في جميع أنحاء العالم، وعليه فأنه من الممكن أن تظهر حكايات بعينها في البلدان المختلفة، أو تتشابه تشابها كبيرا رغم ما بينها من استقلال"(40). وقد أرجع الأخويان غريم هذا التشابه إلى الأصل الهندوجرامي. حيث يقولا في هذا الصدد ما يلي: "ترجع الحكايات الخرافية إلى العصر الهندوجرامي، كما أنها تقتصر بصفة أساسية على الشعوب الهندوجرامية فإذا كانت الحكايات الخرافية قد ظهرت لدى الشعوب غير الهندوجرامية فإنه يتحتم علينا عندئذ، أن نبحث عما إذا كانت هذه الحكايات قد هاجرت إلى الشعوب الأخرى بعد أن ظهرت لدى الشعوب الهندوجرامية"(41). هكذا كان الأخويان غريم سباقان إلى الإشارة إلى مسألة التشابه بين الحكايات الخرافية رغم التباعد الجغرافي في مختلف بقاع العالم، وبعد ذلك اتجه الأخويان غريم إلى جمع الحكايات الشعبية، حيث سخرا لذلك حوالي اثنتي عشرة سنة، " وكانت منطقة (هسن) التي ولدا فيها، وتشبعا بتراثها أولى المناطق في حملتهما، فراحا يدونان الحكايات من أفواه الرواة، وتولى جاكوب تهذيب لغة الحكايات وكتاباتها بأسلوبها الأدبي الرشيق، دون أن يفقدها روحها الشعبية الأصيلة، وكانت نتيجة عملهما حوالي مئتي حكاية"(42). حيث جمعا هذه الحكايات وأصدراها كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا في كتاب بعنوان "حكايات الأطفال والبيت"، "وكان الأخويان غريم مدفوعين بفكرة واحدة هي الكشف عن عراقة الثقافة الألمانية، ولم تكن مجموعة "حكايات الأطفال والبيت" من مجموعات الحكايات فحسب، بل اعتبرت بمثابة أول بحث جاد في الحكاية الشعبية كما وصفها فون ديرلاين"(43)، حيث يقول في هذا الصدد ما يلي:" تحتوي مجموعة الأخوين "غريم" على مادة من الحكايات تمتد في تاريخ ألمانيا منذ بدايته حتى القرن التاسع عشر، كما أن في الوقت نفسه غنية كل الغنى بصيغ جيدة لأشهر الحكايات الخرافية، فهذه المجموعة تقدم لنا بحق عددا كبيرا مختارا من الحكايات الخرافية، كما أنها تحكي بنصوصها الموثوق بها، تلك النصوص التي تتميز ببساطتها، وغناها الفني، وبهذا صارت مجموعة الأخوين غريم نموذجا لغيرها من المجموعات

التي شاءت أن تقلدها في أروبا، بل في أجزاء أخرى من العالم"(44).

وقد صدرت هذه المجموعة الحكائية في جزأين، كما تمت الإشارة إلى ذلك، حيث " صدر الجزء الأول سنة 1812، ويتضمن الجزء الأول من المجموعة، مقدمة بقلم الأخوين يعقوب غريم وفالهيم غريم، تشغل حوالي سبع صفحات، يلي المقدمة مباشرة نصوص الحكايات، وتلا الحكايات عشرة نصوص عنوانها: أساطير الأطفال، وجميع الحكايات مدونة بالنثر، ولا يدخل الشعر إلا في مواقع قليلة منها"(45). أما الجزء الثاني فقد جمعا فيه الأخوان غريم "التعليقات، وأضافا إليه شواهد لأصل الحكايات الخرافية، ودراسة عامة لأدب الحكايات الخرافيـة، وبالإضافـة إلى ذلك فقـد أعلنا رأيهما في أصل الحكاية الخرافية"(46). وكان يعقوب غريم يطلب دائما لحكايته أن تكون ذات معالم كاملة، فكان يسمع روايات مختلفة لحكاية واحدة، ثم يقارن بعضها ببعض ويؤلف منها حكاية مكتملة، بعد أن يسقط ما هو بعيد عن بنيتها العضوية، وبذلك يخلق من الصيغ العديدة غير الكاملة حكاية كاملة"(47).

وتعتبر الفترة الممتدة ما بين 1816- 1869 من أخصب فترات حياة الأخوين غريم في جمع الحكايات، ودراسة الكثير من القضايا التراثية، وقد كانت لهما الكثير من الأعمال سواء المشتركة بينهما وغير المشتركة، ومن الأعمال المشتركة بينهما، المجموعة الحكائية "حكايات الأطفال والبيوت"، حيث قام فيلهلم غريم بالعمل الأكبر في تدوينها عام 1818م، بينما تولى يعقوب غريم إعادة صياغتها. أما عملهما الثاني المشترك هو القاموس الألماني (1852- 1863) وقد أصبحت أعمال الأخوين في فقه اللغة الألمانية، والتراث الشعبي مراجع لا غنى عنها حتى يومنا هذا"(48).

وقد طبعت عدة مرات، وترجمت إلى أغلب لغات العالم، ولذلك تعتبر جهود الأخوين غريم في مجال دراسات الحكايات الشعبية النواة الأولى لتأسيس الأدب الشعبي، وقد سار على خطاهم جل الباحثين. يقول فون ديرلاين في هذا الصدد ما يلي: "عندما تنشـط أبحـاث الحكاية نشاطـا بالغـا، وعندما تجمع الحكايات في جميع أنحاء العالم، لكي تقرأ وتحكى مرة أخرى، فسوف تكون مجموعة الأخوين غريم الشرارة الأولى التي ينطلق منها هذا الحماس"(49). ولذلك يعتبر كل من يعقوب غريم وأخوه فيلهلم غريم " أبوان للتراث الشعبي، ومعلمان لكثير من الدارسين، وتخليدا لهما أقيم في مدينة كاسل متحف يحمل اسميهما "متحف الأخوين غريم"(50). بحيث يعتبران من أكثر الباحثين شهرة، حيث شاعت مجموعاتهما الحكائية الشعبية بين الناس بكثرة، مثل: حكاية سندريلا، وبياض الثلج، والأقزام السبعة، وذات الرداء الأحمر، والأميرة النائمة ... والتي تمت ترجمتها كما أشرنا إلى ذلك سابقا إلى أكثر من مائة لغة حول العالم.

كما ينبغي الإشارة أيضا إلى الدراسة التي قام بها " فريدريش فون ديرلاين، الأستاذ الألماني الذي كرس حياته لدراسة الأدب الشعبي على أسس علمية دقيقة للغاية، وقد استحوذت الحكاية الخرافية على قدر كبير من جهوده"(51)، وله في ذلك أبحاث كثيرة على جانب كبير من الأهمية، أهمها كتاب الحكاية الخرافية، وقد قسم هذا الكتاب إلى ثمانية فصول، تحدث في الفصل الأول عن طرق بحث الحكاية الخرافية حيث " قدم فيه عرضا شاملا لأهم الأبحاث الخاصة بالحكاية الخرافية منها : الأنثروبولوجي، والنفسي، والتاريخي، والأدبي، وقد نوه الباحث بجهود أفراد من العلماء الذين اهتموا بدراسة الحكاية الخرافية، دراسة علمية دقيقة"(52)، أما الفصل الثاني فقد تناول فيه الباحث أصول الحكاية الخرافية، بحيث غاص في معتقدات البدائيين، ودياناتهم، وتصوراتهم، ومعتقداتهم، فالحكاية الخرافية قديمة، قدم الإنسان، ويرى الباحث أنه للوصول إلى أصول الحكاية الخرافية لابد من التنقيب عنها بين جوانب الحياة البدائية، كما تناول في هذا الفصل نماذج متعددة للأشكال الأولى للحكاية الخرافية، ويرى بأن الحكاية الخرافية هي إنتاج أدبي(53)، حيث يقول فون ديرلاين: "يبين لنا إن الحكاية الخرافية لا تنفصل عن الأشكال الأخرى من أشكال التعبير عن الروح الإنساني، وأنها دائما وأبدا الأساس الذي يستمد منه الأدباء إبداعهم"(54)، أما الفصل الثالث فقد تطرق فيه لشكل الحكاية الخرافية وروايتها ويعرف الحكاية الخرافية بأنها " ما هي إلا أخبار مفردة تبعث من حياة الشعوب البدائية، ومن تصوراتهم ومعتقداتهم، ثم تطورت هذه الأخبار واتخذت شكلا فنيا على يد القاص الشعبي، وأصبحت لها قواعد وأصول محددة"(55).

بعدها تطرق المؤلف لدراسة هذه القواعد الشكلية، والموضوعية دراسة تفصيلية، حيث تقول نبيلة إبراهيم في هذا الصدد ما يلي: " ولما كانت الحكاية الخرافية، ذات صلة من حيث الشكل والموضوع بالأسطورة والحكاية، وحكاية البطولة، فقد وجد المؤلف المجال مناسبا لعقد مقارنات

طريفة بين الحكاية الخرافية، وبين كل نوع من الأنواع الأخرى، وبذلك استطاع المؤلف أن يميز كل نوع وأن يحدد مجاله النفسي والفني من ناحية، وأن يطلعنا على الصلة الجوهرية بين هذه الأنواع من ناحية أخرى"(56). أما الفصل الرابع فقد تناول فيه الباحث الحكاية الخرافية عند شعوب حضارات الأبيض المتوسط "حيث بدأ المؤلف بتقديم نماذج لهذا الخلق الفني المكتمل عند شعوب البحر الأبيض المتوسط، فاستهل ذلك ببابل"(57)، وقد ركز على ملحمة جلجامش لكونها أقدم ملحمة في التاريخ حيث رجح المؤلف "احتمال أن تكون الحكايات الخرافية التي نشأت في العصور المتأخرة قد استمدت من ملحمة جلجامش"(58)، ثم انتقل بعد ذلك إلى مصر، حيث يرى المؤلف أنها من " البلاد المليئة بالعجائب،فحكاياتها الخرافية التي وصلت إلينا قد دونت في أسمى أسلوب فني، وهي إلى ذلك تعد ينبوعا للتراث الشعبي والعقائد القديمة البالغة في القدم، وما يزال بعض هذه الحكايات يعيش في الحكايات الشعبية لدى كثير من الشعوب"(59).

أما بلاد الإغريق فهي غنية بالتراث الحكائي، حيث انتقلت من بلاد الإغريق إلى الرومان الكثير من الحكايات الهزلية والقصص والمسرحيات الكوميدية ثم يصل المؤلف إلى روما التي تشتهر بحكاية "الحب والروح" وهي حكاية قديمة، وقد تطورت الحكاية الخرافية بحيث اكتمل شكلها الفني عن طريق الرواية ويقول المؤلف في هذا الصدد ما يلي: "كما نرى في الوقت نفسه كيف أن تكوين المركز المحدد للحكاية الخرافية، قديما على يد القصاص الشعبي، وأكثر من هذا كيف أن هذا القصاص استطاع أن يدخل في الحكاية الخرافية، موضوعات من الحياة، حتى تكونت الحكاية الخرافية في النهاية حكايات ذات طابع قصصي"(60)، ويرى الباحث بأن "هذا التطور يتمثل في أقوى صورة لدى شعوب الحضارات المختلفة، فقد أفرد فصلا كبيرا لدراسة الحكاية الخرافية الهندية، والصينية، وبالمثل للحكاية الخرافية العربية مقارنا بينها وبين الحكاية الهندية بصفـة خاصة، ثم ختم المؤلف بحثه بفصل للحكاية الخرافية الأوروبية، وفصل للحكايـة الخرافية الألمانية"(61)، وتعد هذه الدراسة من أهم الدراسات الشعبية والتي أضاءت الطريق للباحثيـن في طريقة البحث والمنهج المتبع أيضا.

وترى الدكتورة نبيلة إبراهيم وهي التي كان لها الفضل الكبير في اطلاعنا على هذه الدراسة نظرا لترجمتها لهـذا العمل الضخم، وتقـول الدكتورة نبيل إبراهيم: "وأهم ما يلفت النظر في هـذا الكتاب، أن المؤلف استطاع عن طريق البحث العلمي الدقيق أن ينتقل بالأدب الشعبي بصفة عامة، والحكاية الخرافية بصفة خاصة، من المفهوم الضيق للأدب الشعبي الذي سيطر على العقول زمنا طويلا إلى المفهوم الواسع العميق فاستطاع بذلك أن يسمو بالأدب الشعبي من حيث القيمة الفنية إلى مستوى الأدب الرسمي"(62).

ونظرا لهذه الأهمية التي تتمتع بها هذه الدراسة فقد طبعت عدة طبعات الأولى سنة 1912، أما الثانية في سنة 1917، أما الثالثة كانت في سنة 1925، أما الرابعة والأخيرة كانت سنة 1959م.

3 ـ الحكاية الشعبية في إنجلترا: أصدر الكاتب الإنجليزي الذي عاش بإيرلاندا، جوناثان سويفت Jonathan SWIFT 1667- 1745، حكايته الرائعة بعنوان رحلات جليفر Gullivers Travels، عام 1726، وصف فيها حياة جليفر الذي ذهب ينشد السعادة فيما وراء البحار، فانتهى به الأمر في بلاد الأقزام ... ويجدر التنويه بالدور الذي لعبته مكتبة هاشيت الفرنسية، إذ فطنت إلى إقبال العائلات على شراء القصص التراثية لأبنائها، حيث تعاقدت مع مجموعة من الكتاب ورجال الكنيسة والرسامين لإصدار الحكايات الموجهة للأطفال، ضمن ما اشتهر على تسميته "المكتبة الوردية"، حيث بدأت في إعادة رواية الحكايات الشعبية، ثم تخصصت في أدب واقعي من خيال الكتاب المعاصرين، والذي توج بالنجاح المدوي للحكاية الشعبية للكاتب الإنجليزي لويس كارول، "أليس في بلاد العجائب" الصادرة عام 1865، والتي تمت ترجمتها إلى مائتي لغة، وجنت أموالا طائلة، وقد منحت هذه المجموعة الحكائية نجاحا للحكاية الخرافية الحديثة بأبعاد سيكولوجية جعلت منها عملا أدبيا ينم عن فهم جانب من جوانب النفس البشرية، حيث أن جل الحكايات الشعبية للويس كارول الأخرى الشعرية منها والنثرية، غنية بالمواعظ الأخلاقية الصريحة(63). هذا بالإضافة إلى العديد من الحكايات الشعبية، والتي نذكر منها على سبيل التمثيل " الأمير السعيد" لأوسكار وايلد، سنة 1888 ذات البعد الإنساني، وحكاية "بيتر بان" للكاتب "ج.م. باربي"، أما الانتقال النوعي فقد جاء مع الكاتبة الإنجليزية جي كي رولينغ J.K.Rollingبإصدارها لسلسلة الحكايات "هاري بوتر" Harry Potter بين 1997 و2007، والذي مثل حدثا ثقافيا كونيا، فقد بلغ مجموع مبيعات الأجزاء الخمسة الأولى أكثر من 300

نسخة، كما أحرزت السلسلة على أكثر من خمسين جائزة، وعرفت أكبر نسبة مشاهدة قدرت بعشرات الملايين عبر العالم، في حين ترجمت السلسلة إلى 42 لغة، كما صدرت عدة نسخ من الجزء السادس بطريقة براي Braille للمكفوفين، وقد تم إنتاج كم هائل منذ ولادة هذا الساحر الصغير، من الألعاب الإلكترونية ودميات تجسد أبطال الحكاية، والتي تذر مبيعاتها أرباحا طائلة على الشركة المنتجة... وهاري بوتر هي سلسلة حكايات عالمية للكاتبة الإنجليزية جي كي رولينغ حيث تمت الإشارة إلى ذلك سابقا، "تقع أحداثها في مدرسة داخلية مليئة بالمغامرات المثيرة، حيث يتعلم الأطفال الألعاب السحرية، بطل الحكاية صبي يتيم توفيا أبويه وهو لا يزال صغيرا يرتدي نظارة لتصحيح النظر(64)...

على سبيل الختم

يعتبر الأدب الشعبي نوعا من الخلق الأدبي، تعبر به الجماعة الشعبية عن ذاتها وأحلامها وآلامها وآمالها وطموحاتها، فهو حصيلة نتاج الجماعة حيث يتميز بالشفاهية ومتوارث عبر الأجيال، كما ينقسم هذا الأدب الشعبي إلى عدة أشكال منها الأمثال والألغاز والغناء والأساطير والحكاية الشعبية وغيرها.

وتعتبر الحكاية الشعبية من أهم هذه الأشكال التعبيرية بٱعتبارها خلاصة تجارب الأجيال مصوغة في قالب قصصي مشوق يزخر بالعبر والقيم النبيلة وهي من إبداع الخيال، تتجلى فيها حكمة الشعب وتتميز كذلك بكونها تصوير للحياة الواقعية بأسلوب فني، وذلك وذلك من خلال تجريد الأحداث وإعطائها صبغة خيالية، أو بتضارب الأحداث وتناقضها حتى تصبح شيئا فوق الواقع، والحكاية الشعبية هي مرآة عاكسة للمجتمع الذي نبتت فيه، فهي تعكس جوانبه الاجتماعية والفكرية والدينية

إن الحكاية الشعبية تشكل ضمير الشعب، وهي حاملة لمختلف تقاليده وعاداته، والاهتمام بها بشكل أكاديمي يجعلها في صلب الاهتمام العام، ويدفع بنا جميعا لفهم المتخيل الجمعي المتحكم فيها، وهو أمر مهم، كما يقول المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي: فالمتخيل الجمعي، هو بشكل من الأشكال، قارة ثقافية يجب الولوج إليها وتفكيك البنيات السردية المتحكمة فيها، والتيمات الكبرى المهيمنة عليها.

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث أكاديمي مغربي

.......................

المراجع والمصادر باللغة العربية

- القرآن الكريم.

- إبراهيم الخطيب، ترجمة مؤلف "مورفولوجية الخرافة" لفلاديمير بروب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

- الجلالي الكدية، أنطولوجيا الحكاية الشعبية المغربية، الطبعة الأولى " أنفوبرانت"، فاس، 2014.

- أحمد زياد محبك، الحكاية الشعبية، دراسة ونصوص، مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، الطبعة الأولى 2018، فاس، المملكة المغربية.

- مصطفى يعلى، امتداد الحكاية الشعبية، موسوعة شراع الشعبية، طنجة، سبتمبر- دجنبر 1999.

- محمد حجو، الإنسان وانسجام الكون، سيميائيات الحكي الشعبي، الطبعة الأولى، الرباط 2012.

- محمد فخر الدين، الحكاية الشعبية المغربية، بنيات السرد والمتخيل، دار نشر المعرفة، الطبعة الأولى، الرباط 2014.

- محمد فخر الدين، موسوعة الحكاية الشعبية المغربية، دار نشر معهد الشارقة، الطبعة الثانية، 2018.

مصطفى الشاذلي، ظاهرة الحيز في الخرافة الشعبية، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ع.10/1984، ص.169- 177.

- إدريس كرم، اختيار الزوجة كما تقدمه الحكاية الشعبية المغربية، مجلة التراث الشعبي، ع.6، س.9، وزارة الإعلام، بغداد، 1978، ص.113- 129

- حسن السائح، القصة والملحمة في الأدب الشعبي، مجلة التعاون الوطني، ع35/1966.

- صلاح الدين الخالدي، الحكاية المرحة في الأدب الشعبي المغربي، مجلة المعرفة، ع149، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، تموز 1974، ص.86.

- عبد الكبير الخطيبي، صوت الحكاية، في كتاب " الاسم العربي الجريح"، ط.1، دار العودة، بيروت، 1980، ص.153- 183.

- عباس الجراري، حكايات من الفلكلور المغربي، مجلة المناهل، ع.5، س.3، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية، الرباط، مارس 1976، ص.370- 376.

- عبد الله بن شقرون، ما قيمة القصة الشعبية المغربية، هل الخرافة من الأدب؟ مجلة الإذاعة الوطنية، ع.14، س.2/1959.

- عائشة بلعربي، صورة الطفل في الحكاية الشعبية، أعمال ندوة التربية والتغيير الاجتماعي المنعقدة بالمدرسة العليا للأساتذة، جامعة محمد الخامس من 28 ماي إلى 2 يونيو 1979، منشورات جامعة محمد الخامس، الرباط ص.86

- محمد الفاسي، الخرافات في الأدب الشعبي، ضمن بحث "نظرة عن الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة البينات، ع.4، س.1، وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الإسلامية، الرباط، غشت 1962، ص8- 9

- مصطفى يعلي، القصص الشعبي بالمغرب، دراسة مورفولوجية، رسالة لنيل دكتوراه الدولة في الأدب العربي الحديث من كلية اداب الرباط، السنة الجامعية، 1992- 1993

- مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- شحاذة خوري، 2012، أوراق ثقافية، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق.

- واقع الرميحي، واقع الثقافة ومستقبلها في أقطار الخليج العربي، الثقافة والمثقف في الوطن العربي.

- الخطة الشاملة للثقافة العربية، المجلد الأول، الكويت، 1986م.

- عبد الرحمن الزنيدي، المثقف العربي بين العصرانية والإسلام، ط 3، دار كنوز، اشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، السعودية،2009.

- علي كريت، موسوعة التراث الشعبي، دار الحكمة (الجزائر)، الجزء الأول 2007.

- جيروم برونير، الثقافة وصيغ الفكر، الفكر الإنساني في آثاره، 2000.

- براتر انتروادك، علم النفس الثقافي، دار الفارابي، ط1، 2009.

- د. محمد الجوهري، 2008، ثقافات الحضارات اختلاف النشأة والمفهوم، ط 1، القاهرة، الدار

المصرية اللبنانية.

- الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الثقافة، ط3، دار ابن رشد، عمان، 1986م.

- دنيس كوش، مارس2007مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ط1 .

- ابن منظور، لسان العرب، دار صادر.ج.3. د.ت بيروت.

- محمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي، مختار الصحاح.

- سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

- أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي، الطبعة الأولى 1426ه/2005م، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

- مالكة العاصمي، أنواع الأدب الشعبي بالمغرب، مجلة المناهل، عدد 30، س.11، وزارة الشؤون الثقافية، الرباط، يوليو 1984، ص.360- 366.

- عبد السلام هارون، التراث العربي، دار المعارف. سلسلة كتابه. 30 القاهرة (ج.ت).

- رفعت سلام، بحثا عن التراث العربي دار القلم، القاهرة، ط1989/1.

- حمود العودي، التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية، بيروت 1986.

- فاروق خورشيد، الجذور الشعبية للمسرح العربي، القاهرة 1991م.

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، ص.5، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- مجموعة كتاب، 2008، مقدمة في دراسة التراث الشعبي، القاهرة.

- محمد الجوهري، علم الفولكلور، القاهرة 1977.

- د. أحمد مرسي، مقدمة الفلكلور، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة 1976.

- عباس الجراري، في الإبداع الشعبي، مطبعة المعارف الجديدة/ الرباط، ط1988/1.

- إدريس كرم، "الأدب الشعبي المغربي" الأدوار والعلاقات في ظل العصرنة، منشورات اتحاد كتاب

المغرب، ط1.

- عبد الحميد يونس، التراث الشعبي، سلسلة كتابك، دار المعارف، 1979.

- حسين عبد الحميد أحمد رشلان، الفولكلور والفنون الشعبية، مكتبة مدبولي، سنة 1989بتصرف

- محمد الفاسي، "دراسات مغربية من وحي البيئة"، ط.1990.

- جمال بنسليمان، "موسوعية البحث العلمي عند أعالم المغرب في ق20، عباس الجراري نموذجا"،

نشر النادي الجراري )29(مطبعة الأمنية / الرباط.

- نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م.

- عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م.

- عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م.

- عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م.

- صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986.

- محمود تيمور، فن قصص دراسات في القصة والمسرح، المطبعة اللغوية.

- حكايات شارل برُّو، جمع وتأليف الكاتب والشاعر الفرنسي شارل برُّو، ترجمة الدكتور محمود المقداد، الهيئة العامة السورية للكتاب.

مصطفى يعلى، ظاهرة المحلية في الفن القصصي بالمغرب من أوائل الأربعينيات إلى نهاية الستينيات، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بفاس، السنة الجامعية 1983- 1984، تحت إشراف الدكتور إبراهيم السولامي.

- الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته.أنواعه. تدريسه.

- فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت).

- نظمي لوقا، أليس في بلاد العجائب، مجلة تراث الإنسانية، مج2.

- شريفي عبد الواحد، موسوعة ثقافة الأطفال من إليس إلى بوتر.

- مربية أمريكية، من مؤلفتها: كيف نسرد الحكايات على أطفالنا.

- د. سناء غيلان، القصص الشعبي في أصيلة، دراسة ثقافية نقدية، مؤسسة منتدى أصيلة.

- أحمد زغب، الأدب الشعبي الدرس والتطبيق، مطبعة سخري، الوادي، ط.2، (2012).

- مصطفى يعلى، القصص الشعبـي دراسة مورفولوجيا، شركة النشر والتوزيع المـدارس، الدار البيضاء، ط. 1، (1999).

- سعيدي محمد، الأدب الشعبي بين النظرية والتطبيق.

- ثريا التيجاني، دراسة اجتماعية لغوية للقصة الشعبية في منطقة الجنوب الجزائري (وادي سوف

أنموذج).

- المراجع والمصادر بغير العربية

- Hofstede, Geert et Gert Jan Hofstede, Cultures et organisations: software of

the mind, McGraw Hill, Inc, New York, 2005.

- Spradley James, Culture and Cognation, Chandle Publishing Company,

USA, 1973.

- Elisséeff (N) : Thèmes et motifs des Mille et une Nuits, I.F.D Beyrouth, 1949.

- P. Bowles.whithout stopping: an autobiography/ New york. The Ecco Press ; 1972. Trad. Française. Mémoire d’un nomade. Paris. Quai Voltaire 1989.

DRISS Ben Hamed Charhadi : A Life full of holes. New york. Grove 1964, trad.

Française CelineZins (une vie pleine de trous). Paris. Ed. Galimard. 1965.

Robert Briatte : Paul Bowles, Collection Biographique, Paris. Ed. Plon ; 1989.

Larbi Layachi : Yesterday and Today (الأمس واليوم).

- Black Sparrow Press, Santa Barbara. CA. 1985 : The Jealous Lover.

Tambouctou Books. CA. 1985.

- Le petit robert.

Flament. C. 447 : 1989.

P. Mannoni, 1989.

G. Thines, et, A. Lempreur, 1975.

Thines et Lempreur, 1975.

E.durkeheim : " forme élémentaire de la vie religieuse" puf. Paris 1968.

Baudrillard, Jean. Simulacra and Simulations. The Precession of Simulacra.

La sociologie de A à Z. Frédéric lebaron. paris.2009.p 103.

Jodolet, D. 1984.

Langenfeld 2005.

N. Sillamy ,1980.

Moscovici, " son image et son publique" édition puf, 1961.

Yves Alpe, 2005.

Ferdinand de Saussure, Cours de linguistique générale dans Bougnoux, D.

Sciences de l’information,

- Larousse, Paris, 1993, p. 12.

- Gremas, sémiotique structurale.6

- G. Courtes, Introduction à la sémiotique narrative et discursive.

- Analyse sémiotique du texte, p.15, Groupe d entre vernes.

Le roman à thèse ou L’autorité fictive puf 1983.

الهوامش

(1) ـ ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، د.ن 14/91 بتصرف.

(2) ـ ابن سيدة: المحكم والمحيط العظم في اللغة، ت.د. عائشة عبد الرحمان بنت الشاطئ، ط 2، ج3، ص. 316.

(3) ـ المنجد الأبجدي، دار المشرق، بيروت، ط 5، (د.ت)، ص. 377.

(4) ـ نبيلة إبراهيم: أشكال التعبيـر في الأدب الشعبـي، دار مكتبة غريب للطباعة، القاهرة، ط 1، 1991م، ص. 19.

(5) ـ المرجع نفسه، ص. 19.

(6) ـ نبيلة إبراهيم: أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار مكتبـة غريب للطباعة، القاهـرة، ط 1، 1991م، ص. 19.

(7) ـ عمر أحمد مختار، معجم اللغة العربية المعاصرة، المجلد الأول، عالم الكتاب، ص. 540.

(8) ـ نبيلة إبراهيم، المرجع السابق، ص. 19.

(9) ـ عبد الحميد يونس، الحكاية الشعبية، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، ط.1،1968م، ص. 11.

(10) ـ عبد الرحمن الساريسي، الحكاية الشعبية في المجتمع الفلسطيني، المؤسسة العالمية للدراسات والنشر، ط 1، 1986م، ص.8.

(11) ـ عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة للنشر، الجزائر، (د.ط) 2007م، ص.185.

(12) ـ أحمد زياد محبيك، من التراث الشعبي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ص. 20.

(13) ـ عبد الحميد بورايو، الأدب الشعبي الجزائري، دار القصبة، الجزائر، 2007م، ص. 186.

(14) ـ المقولة اجراء ذهني يعكس التفاعل الحاصل بين التجربة الجسدية والنماذج المؤمثلة وهي تلعب أدوارا أساسية في الفهم والادراك البشريين. فهي تمكن من اختزال تعقيدات المحيط كما أنها الوسيلة التي تحدد بها أشياء العالم وأحداثه وانفعالات البشر. فالإنسان يمقول العالم لكنه يجتهد داخل مقولته فيجمع بين مواضيع واحداث وانفعالات بمرونة كبرى.

جمال بن دحمان، أسس المشروع الفكري لمحمد مفتاح، الأنساق الدينامية وفلسفة انتظام الكون.

(15) - صفوة كمال، الحكاية الشعبية الكويتية، ط 1، 1986، ص. 43.

(16) ـ محمود تيمور، فن قصص دراسات في القصة والمسرح، المطبعة اللغوية، ص. 9.

(17) ـ نفسه، نفس الصفحة.

(18) ـ فراس السواح، مغامرة العقل الأولى، ص.19.

(19) ـ مصطفى الجوزو، الأساطير العربية وخرافاته، ص. 9.

(20) ـ يوسف الحلاوي، الأسطورة في الشعر العربي، ص. 9.

(21) ـ أحمد إسماعيل النعيمي، الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام، ص. 34.

(22) ـ المرجع السابق، ص. 35 نقلا عن دراسة حضارية مقارنة، ص. 107 – 117.

(23) ـ فراس السواح، الأسطورة، ص. 14.

(24) ـ المرجع نفسه، نفس الصفحة.

(25) ـ رابح العوفي، أنواع النثر الشعبي، منشورات جامعية، باجي المختار، عنابة، ص. 35.

(26) ـ حكايات شارل برُّو، جمع وتأليف الكاتب والشاعر الفرنسي شارل برُّو، ترجمة الدكتـــور محمود المقداد، الهيئة العامة السورية للكتاب، ص. 6.

(27) ـ نفس المرجع السابق ص. 7، وقد ترجمها نقلا عن الموقع الإلكتروني:

(www.alyon.org/litterature/ livers/ XVIII/ esprit selon /perraultt

(28) ـ نفس المرجع السابق، ص. 8 (قد ترجمت الحكايتين الثانية والثالثة عن الموقع الإلكتروني المذكور في الهامش السابق، أما الحكاية الأولى فنقلا عن الموقع. (www.anthologie.free/free.franthologie/perrault)

(29) ـ الأستاذ الدكتور عبد الرحمان عبد الهاشمي، أدب الأطفال، فلسفته. أنواعه. تدريسه.

(30) ـ نفس المرجع / الدكتور أحمد إبراهيم صومان، فايزة محمد العزاوي، محمود محمد عليمات.

(31) ـ أنظر: أماثيل مختارة للافونتينLa fontaine: Fables choisies, Larose, Paris .

(32) ـ ويعني بهذه الموضة إقبال الشعراء والكتاب على التأليف في مواضيع مستمدة من الشرق العربي أو مستوحاة منه، ويسوغ هذا التوجه هنا بقوله: "فالجمهور كان يهتم بالقصص التركية والعربية) ويذكر بعض النماذج، انظر: أماثيل مختارة، لافونتين V.II, p. 6 – 7.

(33) ـ أنظر، أماثيل مختارة، لافونتين، ص.7، ج.II

(34) ـ م.س، V.II p9.

(35) ـ وهو كاتب أماثيل يوناني من القرنين السابع والثامن قبل الميلاد.

(36) ـ يشير بعضهم إلى أن لقمان وإيزوب هما شخصان واحد.

(37) ـV. II, P6

(38) ـ انظر كتاب: رحلة ليلة وليلة بين الشرق والغرب لينكيتا إيليسيف.

Elisséeff (N) : Thèmes et motifs des Mille et une Nuits, I.F.D Beyrouth, 1949, p. 8 – 9.

(39) ـ نبيلة إبراهيم، عالمية التعبير الشفهي، مجلة فصول، ص 24.

(40) ـ أحمد زياد محبك، المرجع السابق، ص 168- 169.

(41) ـ نبيلة إبراهيم، عالمية التعبير الشفهي، مجلة فصول، ص 24.

(42) ـ محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، منشورات وزارة الثقافة، دمشق (د. ط)،2009 م، ص20.

(43) ـ أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي دراسة تحليلية للحكاية الشعبية، ص159.

(44) ـ فردريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، نشأتها، مناهج دراستها، فنيتها، ترجمة: د.نبيلة إبراهيم، دار غريب للطباعة، القاهرة، (دط)، (دت)، ص29.

(45) ـ أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي دراسة تحليلية للحكاية الشعبية، ص 199.

(46) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص31.

(47) ـ أحمد زياد محبك، المرجع السابق، ص160- 161).

(48) ـ محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، ص19.

(49) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص 252.

(50) ـ محمود مفلح البكر، مدخل البحث الميداني في التراث الشعبي، ص20.

(51) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص 5.

(52) ـ المرجع نفسه، ص5.

(53) ـ ينظر المرجع نفسه، ص5- 6.

(54) ـ المرجع نفسه، ص137.

(55) ـ نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، ص56.

(56) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص 6- 7.

(57) ـ المرجع نفسه، ص7.

(58) ـ المرجع نفسه، ص7.

(59) ـ المرجع نفسه، ص178.

(60) ـ فريدريش فون ديرلاين، الحكاية الخرافية، ص189.

(61) ـ المرجع نفسه، ص7.

(62) ـ المرجع نفسه، ص 5.

(63) ـ نظمي لوقا، أليس في بلاد العجائب، مجلة تراث الإنسانية، مج2، ص321.

(64) ـ شريفي عبد الواحد، موسوعة ثقافة الأطفال من إليس إلى بوتر، ص 70- 71.

بين الأخلاق الأرسطية والتصور الإسلامي للنجاة

لا يكاد مفهوم في التراث الفلسفي الإنساني يحظى بما حظي به مفهوم السعادة من كثافة التداول وتعدد التأويل وتباين المقاصد، حتى ليغدو كالمحور الذي تنتظم حوله الرؤى الكبرى للوجود الإنساني. فمنذ أن قرر أرسطو في مستهل كتابه الأخلاق النيقوماخية أن “كل فنٍّ وكل بحثٍ وكل فعلٍ وكل اختيار إنما يقصد خيرا ما”، وأن الخير الأسمى الذي تنتهي إليه المقاصد هو السعادة، تشكَّل في الفكر الفلسفي تقليد عميق ينظر إلى الإنسان من حيث هو كائن غائي، تتحدد حقيقته بقدر ما يحقق كماله الخاص. غير أن انتقال هذا المفهوم من المجال اليوناني إلى المجال الإسلامي لم يكن مجرد ترجمة لغوية أو استعارة مفهومية، بل كان إعادة تشييد داخل أفق عقدي وتشريعي مغاير، يربط مصير الإنسان بالنجاة الأخروية وبالعلاقة بالله تعالى. ويبرز ابن رشد في هذا السياق بوصفه أحد أكثر الفلاسفة المسلمين جرأةً في محاولة تركيب أخلاقي يجمع بين الإرث الأرسطي والتصور الإسلامي للنجاة، دون أن يقع في تبسيط توفيقي أو تناقض لاهوتي صريح.

إن السؤال عن السعادة القصوى عند ابن رشد لا يمكن فصله عن مشروعه الكلي الذي تجلّى في شروحه على كتب أرسطو، ولا عن دفاعه الشهير عن مشروعية الفلسفة في كتابه فصل المقال، حيث قرر أن “الحكمة صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة”، وأن النظر العقلي مأمور به شرعا لمن كان من أهله. فالسعادة في أفقه ليست مطلبا أخلاقيا فحسب، بل هي أفق أنطولوجي ومعرفي يلتقي فيه العقل والشرع، وتتعانق فيه الغاية الطبيعية للإنسان مع غايته الدينية. وهذا ما يجعل بحث السعادة القصوى عنده بحثا في بنية الإنسان من حيث هو عقل بالفعل أو بالقوة، وفي مصيره من حيث هو مخاطَب بالشريعة وموعود بالثواب أو العقاب.

لقد ورث ابن رشد عن أرسطو التحديد الشهير للسعادة بوصفها “فعل النفس على مقتضى الفضيلة التامة في حياة كاملة”، وهو تعريف يربط السعادة بالفعل لا بالانفعال، وبالفضيلة لا باللذة وبالتمام لا بالجزئية. غير أن هذا التعريف في سياقه اليوناني يظل دنيويا في أساسه، وإن كان يلامس أفق التأمل العقلي بوصفه أرقى أشكال الحياة. أما في الأفق الإسلامي فإن السعادة القصوى تقترن بالنجاة في الآخرة، وبالفوز برضوان الله، كما يرد في قوله تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾. هنا تتخذ السعادة بعدا إسكاتولوجيا صريحا، يجعلها مرتبطة بالمصير النهائي لا بمجرد تحقق الفضائل المدنية.

غير أن ابن رشد لا يتعامل مع هذا التباين بوصفه تعارضا، بل يسعى إلى إظهار أن ما قرره الشرع من نجاة أخروية لا يناقض ما قررته الفلسفة من كمال عقلي، بل إن كليهما يشير إلى غاية واحدة من جهتين مختلفتين. فهو في شرحه لـالأخلاق النيقوماخية، يبرز أن التأمل العقلي هو أشرف أفعال الإنسان، وأنه أقرب الأفعال إلى الإلهي، لأن الإله – في التصور الأرسطي – عقل محض يعقل ذاته. وفي المقابل يقرر في فصل المقال أن معرفة الله هي أشرف المعارف، وأن النظر البرهاني سبيلها لمن استطاع إليه سبيلا. هكذا تلتقي السعادة الفلسفية بمعرفة الحق، وتلتقي النجاة الدينية بالوصول إلى الله فيغدو العقل جسرا بين المجالين.

إن تحليل مفهوم السعادة القصوى عند ابن رشد يقتضي الوقوف عند تصوره للنفس الإنسانية، إذ لا معنى للحديث عن سعادة دون تحديد لماهية السعيد. وقد تأثر في ذلك بالبنية الأرسطية التي تميز بين قوى النفس: الغاذية والحسية والخيالية والعقلية. غير أنه بخلاف بعض الفلاسفة الذين مالوا إلى تأويل صوفي أو إشراقي، ظل وفيا للمنهج البرهاني، معتبرا أن كمال الإنسان إنما يتحقق بتحويل العقل من القوة إلى الفعل، ومن الفعل إلى المستفاد. وهذا التدرج في التعقل ليس مجرد حركة معرفية، بل هو مسار وجودي، لأن “العقل بالفعل” عنده هو ما به يصير الإنسان إنسانا على الحقيقة.

ويتقاطع ابن رشد في هذا المنحى مع ما قرره الفارابي حين اعتبر أن السعادة هي “الخير الأقصى المطلوب لذاته”، وأنها لا تتحقق إلا بالمعرفة النظرية للوجود الأول. غير أن ابن رشد يتجنب النزعة السياسية الطوباوية التي ميّزت المدينة الفاضلة الفارابية، ويركز أكثر على البعد المعرفي الفردي دون أن يُسقط الاعتبار المدني. فهو يرى أن الشريعة وُضعت لتقود الجمهور إلى السعادة بحسب طاقتهم، وأنها تستخدم الخطابة والتمثيل لتقريب المعاني التي يدركها الفيلسوف بالبرهان. وهذا التدرج في الخطاب لا يعني تباين الغاية، بل اختلاف الوسيلة.

إن السعادة القصوى عند ابن رشد هي اتحاد العقل الإنساني بالعقل الفعال على نحو ما، أو على الأقل مشاركته له في الفعل المعرفي. وهذا التصور وإن كان مستمدا من الشروح الأرسطية، فإنه يكتسب عنده بعدا دينيا خاصا، لأن العقل الفعال ليس إلها مستقلا، بل هو جزء من النظام الكوني الذي أبدعه الله. وهنا تتضح ملامح التوتر الخلاق بين الأرسطية والإسلام: فالأولى تنزع إلى تفسير السعادة في إطار كوني عقلي، والثاني يربطها بعلاقة شخصية بالله وبثواب وجزاء.

إن الإشكال الذي يواجه ابن رشد يتمثل في كيفية التوفيق بين خلود النفس، كما تقرره العقيدة الإسلامية، وبين نظريته في العقل التي تميل إلى نوع من الكونية في العقل الفعال. وقد أثار هذا الموضوع جدلا واسعا في الفلسفة اللاتينية حتى نُسب إليه القول بـ“وحدة العقل”. غير أن النظر الدقيق في نصوصه يظهر أنه كان حريصا على ألا يصادم أصول الشريعة، بل كان يسعى إلى تأويل فلسفي يظل ضمن أفق الإيمان. فهو يقرر أن الشريعة حق وأن البرهان لا يمكن أن يؤدي إلى ما يخالف الحق، لأن “الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”.

تصير السعادة القصوى عنده ضربا من التحقق الأقصى للإنسانية، حيث يتجاوز الإنسان مستوى اللذة الحسية، بل وحتى الفضائل الأخلاقية العملية، إلى مرتبة التأمل العقلي في الموجودات، بما هي آيات دالة على الصانع. وهنا يلتقي مع قول الغزالي في أن “أشرف اللذات لذة معرفة الله”، وإن كان يختلف معه في الطريق المؤدي إليها؛ فالغزالي يجعلها ثمرة الذوق والكشف بعد المجاهدة، بينما يجعلها ابن رشد ثمرة البرهان والنظر.

ولا يخفى أن هذا التباين يعكس اختلافا أعمق في تصور العقل ووظيفته. فابن رشد يرفض إقصاء العقل بدعوى قصوره ويرى أن تعطيله جناية على الشرع نفسه، لأن الشرع دعا إلى النظر. وهو بذلك ينسج خيطا متينا بين الأخلاق الأرسطية التي ترفع من شأن الفضيلة العقلية، وبين الإسلام الذي يكرم العقل ويجعله مناط التكليف. ومن ثم فإن السعادة القصوى ليست عطية عشوائية، ولا انفعالا وجدانيا عابرا، بل هي ثمرة جهد معرفي وأخلاقي طويل.

إن قراءة نصوص ابن رشد تكشف أن السعادة عنده ليست مجرد حالة نفسية، بل هي نظام حياة قوامه الاعتدال والفضيلة. فهو على خطى أرسطو، حين يقرر أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، وأن الشجاعة وسط بين التهور والجبن، وأن العفة وسط بين الفجور والخمود. غير أن هذا الاعتدال لا يكتسب قيمته القصوى إلا إذا كان موجَّها نحو غاية عقلية عليا. فالفضائل العملية تهيئ النفس لقبول الأنوار العقلية، كما أن تهذيب الشهوات شرط لصفاء النظر. تتكامل الأخلاق والسياسة والمعرفة في مشروعه، وتصب كلها في أفق السعادة القصوى.

إن ابن رشد لا يختزل السعادة في النخبة الفلسفية بل يعترف بتعدد مراتبها بحسب مراتب الناس. فالجمهور ينال سعادته من خلال الامتثال للشريعة والقيام بالواجبات، والخواص ينالون حظا أوفر بقدر ما يرتقون في مراتب المعرفة. وهذا التصور الهرمي وإن بدا إقصائيا في ظاهره، فإنه يعكس واقعية معرفية تعترف بتفاوت الاستعدادات. وقد سبق أن قرر ابن سينا أن الناس في إدراك الحقائق يتفاوتون تفاوتا عظيما، وأن الحكمة تقتضي مخاطبة كلٍّ بما يناسبه.

غير أن تميز ابن رشد يكمن في حرصه على أن يظل هذا التفاوت في إطار وحدة الغاية، فلا تتحول الفلسفة إلى دين خاص، ولا الشريعة إلى خطاب منفصل عن الحقيقة. وهنا يمكن فهم دفاعه عن ضرورة التأويل عند التعارض الظاهري بين النص والبرهان، لأن الغاية واحدة والطرق متعددة. فإذا كان الشرع يعد بالجنة والنار، فإن الفيلسوف يدرك أن الجنة هي كمال النفس، وأن النار هي حرمانها من هذا الكمال. وهكذا يعاد تفسير الرموز الدينية في أفق فلسفي دون إنكار لظاهرها بالنسبة لمن لم يبلغ رتبة البرهان.

إن السعادة القصوى في ضوء هذا التحليل، ليست مفهوما بسيطا يمكن اختزاله في لذة أو راحة أو حتى في فضيلة أخلاقية منفردة، بل هي تحقق الوجود الإنساني في أقصى إمكاناته العقلية والأخلاقية، في انسجام مع النظام الكوني الذي أراده الله. وهذا الانسجام هو ما يجعلها تتجاوز الزمن، لأن الفعل العقلي الخالص أقرب الأفعال إلى الدوام. ومن هنا نفهم لماذا اعتبر أرسطو أن حياة التأمل هي أتمّ الحيوات وأسعدها، ولماذا رأى ابن رشد أن هذه الحياة لا تتعارض مع غاية الشريعة بل تكملها.

لقد كتب طه عبد الرحمن في سياق نقده للعقلانية الحديثة أن الأخلاق لا يمكن أن تنفصل عن الإيمان، وأن السعادة الحقّة مشروطة بالتزكية الروحية. وإذا كان هذا الطرح ينتمي إلى أفق مغاير، فإنه يذكّرنا بأن سؤال السعادة يظل مفتوحا على جدل دائم بين العقل والوحي وبين الفلسفة والدين. وابن رشد في سياقه الأندلسي قدّم صيغة خاصة لهذا الجدل، لا بإلغاء أحد الطرفين، بل بإقامة توازن دقيق بينهما.

بهذا التوازن تتحدد معالم السعادة القصوى عنده: فهي عقلية في جوهرها أخلاقية في مسارها، دينية في أفقها النهائي. إنها ليست مجرد امتثال لأوامر ولا مجرد ممارسة للتأمل، بل هي انخراط كلي للإنسان في مشروع كماله، حيث يصبح العقل فعلا والفضيلة ملكة والمعرفة شهودا. وإذا كان بعض خصومه قد اتهموه بتغليب الفلسفة على الشرع، فإن قراءة متأنية تكشف أنه كان يسعى إلى إنقاذ الاثنين معا من سوء الفهم، بردّهما إلى أصل واحد هو طلب الحق.

ويتضح أن مفهوم السعادة القصوى عند ابن رشد يمثل لحظة فريدة في تاريخ الفكر الإسلامي، حيث التقت الأخلاق الأرسطية بالتوحيد الإسلامي في أفق واحد، دون أن يذوب أحدهما في الآخر. إنها لحظة تذكّرنا بأن الفلسفة حين تُمارس في إطار حضاري حيّ، لا تكون خصما للإيمان، بل شريكة له في البحث عن المعنى الأسمى للوجود الإنساني، ذلك المعنى الذي سمّاه القدماء سعادة، وسمّاه القرآن فوزا، وعبّر عنه الحكماء ببلوغ الكمال.

غير أن تعميق النظر في مفهوم السعادة القصوى عند ابن رشد يقتضي تجاوز المقاربة التعريفية إلى تحليل بنيته الداخلية بوصفه مفهوما مركّبا يتداخل فيه الأنطولوجي بالإبستمولوجي، والأخلاقي بالسياسي والديني بالفلسفي. فالسعادة ليست نتيجة عرضية لمسار حياتي، بل هي التعبير الأقصى عن انتظام الوجود الإنساني وفق قانون العقل، وهو القانون الذي به تتحدد إنسانية الإنسان. ولعل ما يمنح تصور ابن رشد كثافته هو وعيه بأن الإنسان لا يبلغ كماله إلا في إطار نظام كوني محكوم بالعقل، بحيث يصبح طلب السعادة ضربا من الانخراط الواعي في بنية الوجود ذاته.

لقد سبق لأرسطو أن قد ميّز بين أنواع الحياة: حياة اللذة وحياة الشرف السياسي وحياة التأمل، ورجّح الأخيرة باعتبارها أتمّ صور الفعل الإنساني وأقربها إلى الإلهي. وابن رشد في شرحه لا يكتفي بنقل هذا الترجيح، بل يعيد تأسيسه داخل أفق التوحيد. فالحياة التأملية عنده ليست انقطاعا عن العالم، ولا تعاليا أرستقراطيا على الناس، بل هي استجابة لأمر الشرع بالنظر في السماوات والأرض، كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وهكذا يغدو التأمل العقلي امتدادا للتكليف الشرعي لا بديلا عنه.

إن الفعل التأملي في بنيته هو انتقال من المحسوس إلى المعقول، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهر إلى الباطن. وهذه الحركة الصاعدة تمثل في نظر ابن رشد أرقى أشكال الوجود الإنساني، لأنها تحقق للنفس صورتها الخاصة، أعني العقل بالفعل. وإذا كان الفارابي قد جعل السعادة مشروطة بالاتصال بالعقل الفعال، فإن ابن رشد يحرص على تفسير هذا الاتصال تفسيرا معرفيا لا صوفيا، بحيث يكون ثمرة للبرهان لا للوحي الخاص. إنه يرفض أن تُختزل السعادة في انفعال وجداني أو كشف إشراقي، لأن ذلك في تقديره، يخرجها من مجال الفعل الإرادي العاقل إلى مجال التجربة الفردية غير القابلة للبرهنة.

غير أن هذا الإصرار على الطابع البرهاني للسعادة لا يعني إغفال البعد الأخلاقي العملي. فالفضائل العملية كما شرحها في سياق الأرسطية، ليست مجرد شروط خارجية، بل هي بنية تمهيدية ضرورية لتصفية النفس من العوائق التي تحول دون الفعل العقلي الخالص. فالشهوة إذا غلبت أفسدت الحكم، والغضب إذا انفلت عطّل الاعتدال، ومن ثم فإن تهذيب القوى الشهوانية والغضبية شرط لإقامة ميزان العقل. هنا يتجلى عمق التصور الرشدي، فالسعادة القصوى ليست قفزة فجائية إلى عالم المعقولات، بل هي مسار تدرجي يبدأ بالانضباط الأخلاقي وينتهي بالكمال المعرفي.

وإذا انتقلنا إلى العلاقة بين السعادة والنجاة، وجدنا أن ابن رشد يتعامل مع الخطاب الأخروي في الشريعة تعاملا تأويليا منضبطا. فهو لا ينكر المعاد ولا الثواب والعقاب، بل يرى أن هذه المعاني وإن قُدّمت للجمهور في صور حسية، فإن لها عند أهل البرهان دلالات عقلية أعمق. فالجنة ليست مجرد حدائق وأنهار، بل هي كمال النفس في إدراك الحق، والنار ليست مجرد عذاب جسدي، بل هي حرمان النفس من نور المعرفة. بهذا التأويل تتلاقى السعادة الفلسفية مع النجاة الدينية في نقطة واحدة، بلوغ النفس غايتها القصوى أو إخفاقها في ذلك.

لقد خاض الغزالي نقدا حادا للفلاسفة في مسألة المعاد، ورأى أن تأويلهم يفضي إلى إنكار المعاد الجسماني. غير أن ابن رشد في كتابه تهافت التهافت، ردّ على هذا النقد مؤكدا أن الخلاف في التأويل لا يعني إنكار الأصل، وأن الشريعة نفسها تقرّ بالتفاوت في فهم النصوص. إنه يعتبر أن النصوص الأخروية تحتمل طبقات من المعنى، وأن الاقتصار على الظاهر دون نظر في البرهان يوقع في تضييق لا يليق بسعة الشرع. وهنا تظهر مرة أخرى محاولة الجمع بين الوفاء للنص والوفاء للعقل.

إن مفهوم السعادة القصوى عنده يرتبط كذلك بفكرة النظام السياسي، وإن لم يجعل السياسة محور بحثه الأخلاقي كما فعل الفارابي. فالمجتمع في نظره، ضرورة طبيعية لتحقيق كمال الإنسان، لأن الإنسان مدني بالطبع، ولا يستطيع أن يستغني عن غيره في تحصيل المعارف والصناعات. ومن ثم فإن قيام نظام عادل يتيح للناس ممارسة الفضائل شرط لانتشار السعادة. غير أن هذا البعد السياسي يظل خادما للبعد المعرفي، لأن الغاية النهائية ليست مجرد انتظام المدينة، بل تمكين الأفراد من بلوغ كمالهم العقلي.

وتتخذ الشريعة وظيفة تربوية كبرى. فهي بحسب ابن رشد، تخاطب الناس على قدر عقولهم، وتوجههم نحو الفضائل العملية، وتزرع فيهم الإيمان بالجزاء، حتى يستقيم سلوكهم. أما الفيلسوف فإنه يتجاوز مستوى الامتثال الظاهري إلى إدراك العلل والمقاصد. وهذا لا يجعله في خصومة مع الشريعة، بل في انسجام أعمق معها، لأنه يدرك حكمتها الباطنة. وقد عبّر عن ذلك بقوله إن “الشريعة حق وإنها تدعو إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق”. فالمعرفة إذن ليست ترفا نظريا، بل استجابة لأمر إلهي.

ولئن كانت السعادة القصوى تتحدد بالفعل العقلي، فإن السؤال يظل قائما حول طبيعة هذا الفعل، هل هو فردي محض، أم أنه يشترك فيه البشر اشتراكا ما؟ لقد أثار قول ابن رشد بالعقل الفعال جدلا واسعا في الفلسفة اللاتينية، حتى وُصف بعض أتباعه بـ“الرشديين اللاتين”، ومنهم من ذهب إلى تأويل قوله بوحدة العقل الإنساني. غير أن النظر المتأني يظهر أن مقصوده هو بيان أن العقل في أعلى مراتبه يتجاوز الخصوصيات الفردية، لأنه يتعامل مع الكليات الثابتة. ومن ثم فإن السعادة القصوى وإن تحققت في نفس معينة، فإن موضوعها كوني مشترك، هو الحق بما هو حق.

هنا تتجلى المفارقة الدقيقة، فالسعادة من جهة تجربة فردية، ومن جهة أخرى مشاركة في أفق كوني عقلي. وهذا ما يمنحها طابعا يتجاوز الذاتية الضيقة، دون أن يلغي خصوصية الشخص. فالإنسان في سعيه إلى الكمال، لا ينغلق على ذاته، بل ينفتح على نظام الوجود ويتصل بالعقل الفعال الذي يفيض بالمعقولات. وقد سبق أن أشار ابن سينا إلى أن النفس إذا تجردت عن العلائق البدنية أدركت لذّة عقلية لا تشبه اللذات الحسية. غير أن ابن رشد يصرّ على أن هذا التجرد لا يعني انفصالا صوفيا، بل هو ترقٍ معرفي منظم.

وإذا استحضرنا السياق الأندلسي الذي عاش فيه ابن رشد، أمكننا أن نفهم حساسيته المفرطة تجاه مسألة العلاقة بين الفلسفة والدين. فقد كان محاطا بتيارات فقهية وكلامية تشكك في مشروعية النظر الفلسفي، كما كان شاهدا على صراعات سياسية وفكرية جعلت الفيلسوف عرضة للتهمة والاضطهاد. ومع ذلك لم يتخل عن قناعته بأن العقل هبة إلهية، وأن تعطيله إهدار لكرامة الإنسان. ومن ثم فإن دفاعه عن السعادة العقلية هو في العمق دفاع عن حق الإنسان في تحقيق إنسانيته الكاملة.

إن السعادة القصوى كما تتبلور في مشروعه ليست معطى قبليا، بل هي أفق يُبنى عبر التربية والتدرج. فالطفل لا يولد عاقلا بالفعل، بل يولد قابلا للتعقل، ويتحول إلى الفعل عبر التعليم والممارسة. وتأتي أهمية العلوم النظرية هنا، ولا سيما المنطق والطبيعيات والإلهيات، لأنها تدرّب العقل على إدراك النظام والعلية. وقد كان ابن رشد يرى أن إهمال هذه العلوم يؤدي إلى قصور في الفهم الديني نفسه، لأن فهم النصوص يحتاج إلى أدوات عقلية دقيقة.

ولا يمكن إغفال البعد النقدي في تصوره للسعادة. فهو لا يكتفي بإعادة إنتاج الأرسطية، بل ينقد بعض تأويلات الفلاسفة السابقين، ويرفض المبالغات الميتافيزيقية التي لا يسندها برهان. وهذا الحرص على البرهانية يمنح تصوره للسعادة طابعا عقلانيا صارما، يجنبه الوقوع في الغموض أو التناقض. فالسعادة ليست سرا غامضا، بل نتيجة طبيعية لتحقق شروط معينة في النفس.

إن المقارنة بين السعادة عند ابن رشد والنجاة في الخطاب القرآني تكشف عن عمق محاولته التركيبية. فالقرآن يربط الفوز بالعمل الصالح والإيمان، ويؤكد أن الإنسان مسؤول عن اختياره. وابن رشد من جهته يربط السعادة بالفعل الاختياري القائم على الفضيلة والمعرفة. وهكذا يلتقي الخطابان في تأكيد المسؤولية الإنسانية، وفي رفض الحتمية العمياء. فالإنسان ليس مسيّرا بالكامل، بل هو قادر على الارتقاء أو السقوط، بحسب ما يختار من أفعال.

وفي أفق هذا التصور، تغدو السعادة القصوى شكلا من أشكال الحرية العليا، لأن العقل حين يدرك الضرورة الكونية لا يخضع لها خضوعا قسريا بل يعيها ويوافقها. إن الحرية هنا ليست انفلاتا من النظام، بل انسجاما معه. وهذا المعنى يذكر بما قاله بعض الحكماء من أن “العارف لا يريد إلا ما يريد الله” لا بمعنى الجبر، بل بمعنى توافق الإرادة العاقلة مع النظام الإلهي.

وإذا كان بعض الدارسين المعاصرين قد رأوا في مشروع ابن رشد تمهيدا للعلمانية الأوروبية، فإن اختزال مفهوم السعادة عنده في أفق دنيوي صرف مجافٍ لروحه العامة. فهو لم يفصل بين الدنيا والآخرة فصلا قاطعا، بل اعتبر أن الحياة الدنيا مجال للاكتساب الذي تتحدد به سعادة الآخرة. فالسعادة الأخروية ليست مكافأة اعتباطية، بل امتداد طبيعي لما تحقق للنفس من كمال في هذه الحياة. وهنا نفهم لماذا كان يؤكد على أن البرهان الصحيح لا يمكن أن يتعارض مع النص الصحيح، لأن مصدرهما واحد.

إن التأمل في مجمل مشروعه يبين أن السعادة القصوى عنده تمثل ذروة التقاء ثلاثة محاور كبرى، محور الطبيعة الإنسانية بما هي عقل بالقوة يسعى إلى الفعل، ومحور الأخلاق بما هي تهذيب للقوى وضبط للانفعالات، ومحور الشريعة بما هي هداية ربانية تقود الإنسان إلى غايته. وفي نقطة الالتقاء هذه تتلاشى الثنائيات الحادة بين الفلسفة والدين، بين العقل والوحي، لتحل محلها رؤية تكاملية ترى في كل منهما طريقا إلى الحق.

وتتأكد أهمية هذا التصور إذا وضعناه في سياق النقاشات المعاصرة حول السعادة. ففي زمن اختُزلت فيه السعادة في الاستهلاك واللذة العابرة، يذكرنا ابن رشد بأن السعادة الحقة لا تنفصل عن الكمال العقلي والأخلاقي، وأنها ثمرة جهد طويل لا متعة عابرة. وهو وإن لم يتحدث بلغة علم النفس الحديث، قدّم تصورا عميقا للإنسان بوصفه كائنا يتجاوز اللحظة، ويسعى إلى معنى دائم.

إن استعادة مفهوم السعادة القصوى عند ابن رشد ليست مجرد تمرين تاريخي، بل هي مساءلة لذواتنا المعاصرة عن معنى الكمال الإنساني. فقد استطاع في لحظة حضارية دقيقة، أن يقيم جسرا بين الأخلاق الأرسطية كما بلورها أرسطو، وبين التصور الإسلامي للنجاة كما صاغته النصوص القرآنية والحديثية، دون أن يذيب أحد الأفقين في الآخر. لقد أدرك أن السعادة ليست مفهوما عارضا، بل هي عنوان السؤال الأنطولوجي عن غاية الإنسان، وأن هذا السؤال لا يُجاب عنه إلا بجمع العقل والوحي في أفق واحد.

لقد بيّن أن الفضائل العملية ليست غاية في ذاتها، بل هي وسائل لتهيئة النفس لتلقي المعقولات، وأن التأمل العقلي ليس ترفا نخبويا، بل هو ذروة الفعل الإنساني. كما أظهر أن النجاة الأخروية في عمقها لا تنفصل عن كمال النفس، وأن الخطاب الديني وإن خاطب الجمهور بالتمثيل، يفتح أمام أهل البرهان آفاقا أعمق للفهم. إن السعادة القصوى عنده ليست سوى تحقق الإنسان بإنسانيته الكاملة، في انسجام مع النظام الكوني الذي هو أثر الحكمة الإلهية.

إن قوة مشروعه تكمن في رفضه للثنائيات الساذجة، لم يقبل بفصل العقل عن الشرع، ولا باختزال الدين في طقوس، ولا بجعل الفلسفة خصما للإيمان. بل رأى في كل منهما طريقا إلى الحق، إذا استُعمل في مجاله الصحيح. ومن ثم فإن السعادة القصوى كما رسم معالمها، ليست سوى نتيجة لهذا التوازن الدقيق: عقل يعمل ونفس تتزكى وشريعة تهدي.

وإذا كان التاريخ قد عرف لحظات تراجع فيها هذا التوازن، فإن العودة إلى هذا النموذج لا تعني تكراره حرفيا، بل استلهام روحه النقدية التركيبية. فالسعادة في أفقه ليست استقالة من العالم، ولا انغماسا أعمى فيه، بل مشاركة واعية في نظامه عبر فعل عقلاني أخلاقي متدرج. إنها دعوة إلى أن نعيد التفكير في معنى الكمال وفي وظيفة العقل وفي العلاقة بين الإيمان والمعرفة.

ويظل مفهوم السعادة القصوى عند ابن رشد شاهدا على إمكان قيام فلسفة إسلامية لا ترى في العقل خصما للوحي، ولا في الوحي قيدا على العقل، بل تعتبرهما معا مسارين متكاملين نحو الغاية الأسمى للإنسان. وفي هذا التكامل يكمن سرّ فرادته وراهنيته الدائمة وقدرته على إلهام تفكير معاصر يبحث كما بحث هو عن معنى أن يكون الإنسان سعيدا بحق.

***

د. حمزة مولخنيف

ملخص البحث: يهدف هذا البحث إلى دراسة الإضافة في النحو العربي دراسة وصفية تحليلية، مع التركيز على المفاهيم التي تناولها النحويون القدامى والمعاصرون. وقد تم الاعتماد على مصادر كلاسيكية بارزة، منها ابن منظور، والرضي الاستراباذي، وابن يعيش، وابن هشام، وعباس حسن، وابن السراج، والسيرافي، إضافة إلى مراجع حديثة تتناول الإضافة من منظور لغوي تحليلي.

يتناول البحث تعريف الإضافة عند سيبويه والمبرد والسيوطي، ويحلل الإضافة في شرح كافية ابن الحاجب، مع توضيح أقسامها بحسب الغرض: الإضافة المعنوية والإضافة اللفظية، والإضافة اللازمة والمبهمة. كما يناقش البحث معاني الإضافة عند الخليل الفراهيدي (الميل)، والرازي، وابن الحاجب، ويبين العلاقة بين المضاف والمضاف إليه في بنياتها الدلالية والصرفية.

ويشير البحث إلى أن هذه الدراسة تمثل الجزء الأول من مشروع بحثي، حيث يركز البحث الثاني على الإضافة في اللسانيات الحديثة، بما يتيح مقارنة البنية التقليدية مع البنية الحديثة من حيث الدلالة والأسلوب.

الكلمات المفتاحية: الإضافة، النحو العربي، المضاف والمضاف إليه، الإضافة المعنوية، الإضافة اللفظية، النحويون القدامى، الدراسات اللغوية المعاصرة.

This study aims to examine the genitive construction in Arabic grammar through a descriptive-analytical approach, focusing on concepts discussed by both classical and contemporary grammarians. The research draws on prominent classical sources, including Ibn Manzur, Al-Radhi Al-Istrabadi, Ibn Ya’ish, Ibn Hisham, Abbas Hassan, Ibn Al-Saraj, and Al-Sirafi, as well as modern studies on analytical and linguistic perspectives of genitive constructions.

The study investigates definitions of genitive constructions by Sibawayh, Al-Mubarrad, and Al-Suyuti, analyzes the constructions in Ibn Al-Hajib’s Kafiya, and categorizes genitive types according to their purpose: semantic (meaning-based) and verbal (form-based) genitives, as well as necessary and indefinite genitives. It also examines the genitive concepts of Al-Khalil Al-Farahidi (inclination), Al-Razi, and Ibn Al-Hajib, highlighting the semantic and syntactic relations between the head and the complement.

This research represents the first part of a two-part project, with the second study focusing on genitive constructions in modern linguistics, enabling a comparison between classical and contemporary structural and semantic patterns.

Keywords: Genitive construction, Arabic grammar, head and complement, semantic genitive, verbal genitive, classical grammarians, contemporary linguistic studies.

مقدمة

الإضافة في النحو العربي تعد من أبرز القضايا النحوية التي اهتم بها النحويون منذ بداية علوم اللغة العربية. فقد تناول سيبويه والمبرد والسيوطي وغيرهم الإضافة باعتبارها علاقة تركيبية أساسية بين الاسم المضاف ورأس المركب، تعكس دلالة الملكية أو التبعيض أو التصنيف أو التخصيص، وتظهر اختلافاتها بحسب السياق الدلالي والصرفي. وقد ركزت الدراسات الكلاسيكية، بدءًا من الخليل الفراهيدي ورازي وابن الحاجب، على أنواع الإضافة ومعانيها الأساسية، مثل الميل والملكية والضرورية، بينما تناولت الدراسات الحديثة من مثل عباس حسن دراسة هذه البنيات في إطار تحليلي ودلالي أوسع، بما يشمل الإضافة المعنوية واللفظية واللازمة والمبهمة.

إن دراسة الإضافة لا تقتصر على التعريف الصرفي فحسب، بل تشمل تحليل العلاقات الدلالية بين المضاف والمضاف إليه، وفهم أبعادها من حيث الملكية، والتبعيض، والعلاقة بين الكل والجزء، وأصل الحدث، والمعنى التصوري المرتبط بالمالك والضحية والخصائص المميزة. ومن هذا المنطلق، يمثل البحث الحالي محاولة لتجميع هذه المفاهيم وتوضيحها في إطار متكامل، مع إظهار كيف يمكن أن يكون للبحث الأول صلة بالبحث الثاني في مشروع البحثين، الذي يركز على الإضافة في اللسانيات الحديثة، وبالتالي يُتيح مقارنة دقيقة بين البنية التقليدية والبنية الحديثة للإضافة.

كما يسعى البحث إلى تقديم إطار معرفي يوضح استمرارية الدراسات اللغوية من النحويين القدامى إلى الدراسات المعاصرة، مع توظيف الأدوات الوصفية والتحليلية لتفسير اختلافات البنية الدلالية، وبيان الأدوار المتنوعة للمضاف والمضاف إليه، بما يتيح فهمًا أعمق للظاهرة الإضافية في النحو العربي وارتباطاتها المعجمية والدلالية.

حاولت في هذا البحث تقديم مجموعة من المفاهيم الأساسية، وبعض التصورات الجديدة لموضوع الإضافة، حيث بدأت بالحديث عن كيفية تناول النحو العربي القديم لموضوع الإضافة عند القدماء فقدمت أهم ما قاله النحاة القدماء في هذا الموضوع وأخص بالذكر سيبويه و المبرد وابن السراج... أولا تعريف الإضافة لغة واصطلاحا، ثانيا أقسام الإضافة بما في ذلك الإضافة المعنوية و الإضافة اللفظية، ثالثا معاني الإضافة التي تكون بمعنى "اللام" و "من" و "في" و المحور الرابع أدرجت فيه الأمور التي يكتسبها الإسم بالإضافة، وأخيرا ختمت بخلاصة.

1 - المركبات الاسمية والإضافة:

المركب: يعرف ابن منظور المركب كما يلي: رَكَّبَ الشيء: وضع بعضه على بعض وقد تَرَّكَبَ وتَرَاكَبَ"(1) أي أن المعنى اللغوي للمركب هو الموضوع بعضه على بعض،

وتحد كتب التعريفات المركب بما يأتي:

المركب ما أريد بجزء لفظه الدلالة على جزء معناه، والمركبات خمسة أنواع المركب الإسنادي (قام زيد)، والمركب الإضافي (غلام زيد)، والمركب العددي (خمسة عشر)، والمركب المزجي (بعلبك)، والمركب الصوتي (سيبويه).

وأما التركيب في اصطلاح الصرفيين، فهو جمع حرفين أو حروف بحيث يطلق عليهما كلمة واحدة، والتركيب عند النحاة مقابل الإفراد، فإن كان بين جزئي المركب إسناد سمّى جملة وإن لم يكن بينهما إسناد، فإما أن تكون بينهما نسبة تقييدية ويكون أحد الجزأين قيداً للآخر فيسمى مركبا تقييدا، فإن كان أحدهما مضافا والآخر مضافا إليه سمّي مركبا إضافيا وإن كان أحدهما موصوفا والآخر صفة سمي مركبا توصيفيا".

ويرى ابن الأنباري أن "الاسمين إذا ركِّبا دلاّ على معنى واحد"، وهذا في مجال حديثه عن أحكام العدد المرّكب (خمسة عشر) (2).

* ويقول الرضي الاستراباذي: "قوله ليس نسبة قبل العلميّة وليس بمبنيّين بعد التسمية بهما"(3).

ولعله يقصد أن النسبة قد تحققت في تقدير معنى الحرف في الإضافة، لأنها إما أن تكون على تقدير (اللام) في غلام زيد، أي غلام لزيد.

وإما أن تكون على معنى (من) في نحو: خاتم ذهب، أي خاتم من ذهب.

* ويفرق ابن يعيش بين نوعين من التراكيب:

التركيب الأول: تركيب الإسناد، وهو خاص بالجمل، والثاني تركيب الإفراد، وهو بين المفردات من غير إسناد(4).

ثم يعود للحديث عن المركب، فيقسم التركيب فيه إلى نوعين: تركيب من جهة اللفظ فقط، وهو تركيب الأعداد (خمسة عشر)، والثاني تركيب من جهة اللفظ والمعنى نحو (حضر موت) لتحويله إلى العلميّة.

وهنا يقصد "ابن يعيش" أن التركيب العددي يحتفظ كل جزء بمعناه الأصلي، مع أدائهما معنا جديدا، أما التركيب في النوع الثاني (حَضْرَ مَوْت) فقد انصهرت دلالة الكلمتين في شيء واحد، مؤدية معنى العلميّة في كل مركب.

* ويتحدث ابن هشام عن المركب في أثناء كلامه على العلم فيقول: "ينقسم (العلم) إلى مفرد كزيد وهند، وإلى مركب وهو ثلاثة أنواع: مركب إسنادي ومركب مزجي، ومركب إضافي"(5).

وعرّف عباس حسن: المركب بقوله: المركب ما تَكوَّن من كلمتين أو أكثر وهو ثلاثة أقسام: المركب الإضافي، والمركب المزجي، والمركب الإسنادي(6)، وذلك في حديثه عن العلم.

1 - الاسم وحدوده:

يعرف ابن السراج الإسم قائلا:"الاسم ما دل على معنى مفرد، وذلك المعنى يكون شخصا وغير شخص. فالشخص نحو: رجل وفرس وحجر وبلد وعمرو وبكر. وأما ما كان غير شخص، فنحو: الضرب والأكل والظن والعلم واليوم والليلة والساعة"(7).

ثم يضيف قائلا: "وإنما قلت ما دل على معنى مفرد لأفرق بينه وبين الفعل، إذا كان الفعل يدل على معنى وزمان، وذلك الزمان إما ماض، و إما حاضر، وإما مستقبل. فإن قلت: إن في الأسماء مثل اليوم والليلة والساعة، وهذه أزمنة، فما الفرق بينها وبين الفعل، قلنا: الفرق أن الفعل ليس هو زماناً فقط كما أن اليوم زمان فقط. فاليوم معنى مفرد للزمان، ولم يوضع مع ذلك لمعنى آخر، ومع ذلك إن الفعل قد قسم بأقسام الزمان الثلاثة (...) فإذا كانت اللفظة تدل على زمان فقط، فهي اسم، وإذا دلت على معنى وزمان محصل فهي فعل..." (8).

ونجد السيرافي يحد الاسم بأنه "كلمة دلت على معنى في نفسها من غير اقتران بزمان محصل"(9). فالكلمة جنس لأنواع الكلم الثلاثة، الاسم والفعل والحرف، ودلالتها على معنى في نفسها احتراز من الحرف الذي يدل عندهم على معنى في نفسه، وشرط عدم الاقتران بزمان محصل احتراز من الأفعال المتصرفة، يجمع الأسماء والمصادر، ويمنع الأفعال المتصرفة. وعليه تكون الأسماء دالة على "الأشخاص"، كما أوضح ابن السراج، او على الأحداث. و"الأحداث تدل على أزمنة مبهمة إذ لا يكون حدث إلا في زمان، ودلالة الفعل على زمان معلوم إما ماض أو غير ماض..." (10).

وبعد هذه التعاريف، يذكر القدماء "أشياء الاسم التي يعرف بها"، أو خصائصه

وعلاماته، كدخول التنوين والإضافة، والألف واللام، وقبول الجمع، والتكسير، والتصغير، والنعت الخ(11).

الإضافة لغة:

إن المتتبع للمعاجم العربية يجد دلالات متعددة للجذر (ض ي ف) وقد خضعت هذه الدلالات للتطور ويمكن إجمال أبرز هذه الدلالات على الشكل التالي:

جاء في لسان العرب، لابن منظور تعريف الجذر "ضيف" كالتالي:

ضيف: ضِفْتُ الرجل ضَيْفاً وضيافَةً وتَضَيَّفْتُهُ: نزلت به ضيفاً وملتُ إليه، وقيل: ضاف إليه: مال وَدَنَا، والمضاف: الملصق بالقوم، الممال إليهم وليس منهم، وكل ما أميل إلى شيء وأسند إليه، فقد أضيفَ وضَافَتْ الشمس تَضيفُ وضَيَّفَت وتَضَيَّفَتْ: دنت للغروب وإضافة الاسم إلى الاسم كقولك غلام زيد، فالغلام مضاف وزيد مضاف إليه، والغرض بالإضافة التخصيص والتعريف، ولهذا لا تجوز أن يضاف الشيء إلى نفسه لأنه لا يعرف نفسه، فلو عرفها لما احتيج إلى الإضافة. وأضفت الشيء إلى الشيء أي أملته،

والإضافة لغة: هي مصدر أضاف، وتعني الميل عند الخليل الفراهيدي إذ: يقال: هو مضاف إلى شيء أي ممال إليه وأضاف الشيء إلى الشيء أَمَاله.

وذهب على المعنى نفسه الرازي إذ يقول: تَضَيفت الشمس مالت إلى الغرب، كما تعني الإضافة في اللغة أيضا معنى النسبة والإسناد: قال ابن هشام في شرح شذور الذهب عند تعليقه على بيت امرئ القيس:

فلما دَخَلْناه، أضفنا ظهورَنا  *  إلى كَلِّ حاريِّ قَشِيبٍ مُشَطَّبٍ

أي أسندنا ظهورنا إليه وأملناها؛

الإضافة اصطلاحا:

عرف ابن يعيش الإضافة بقوله: إضافة الاسم إلى الاسم يعني إيصاله إليه من غير فصل، وجعل الثاني من تمام الأول، ينزل منه منزلة التنوين(12).

ويعرف ابن هشام الإضافة بقوله هي: "إسناد اسم إلى غيره، على تنزيل الثاني من الأول منزلة تنويه أو ما يقوم مقام تنوينه، ولهذا أوجب تجريد المضاف من التنوين" نحو: غلام زيد، خاتم فضة(13).

وذهب النحاة إلى أن "الإضافة" هي ربط اسمين أحدهما بالآخر على وجه يفيد تعريفا أو تخصيصا"

* وقال عنها ابن عقيل: أنها "إضافة اسم إلى آخر بحذف ما في المضاف من التنوين دون الإعراب وهي نون التثنية ونون الجمع وما ألحق بهما"(14).

* وعرفها الدكتور عباس حسن فقال: "الإضافة: هي العلة المعنوية الجزئية التي بين المتضايفين (المضاف والمضاف إليه) (15).

وقد أشار ابن السرّاج إلى هذا في قوله: "اعلم أن المضاف إليه على ضربين: ضرب منه يكون الاسمان فيه كحروف زيد وعمرو، يراد بهما التسمية فقط، كرجل اسمه عبد الله، فهذا الضرب لا يجوز أن تخبر فيه عن المضاف إليه لأنه كبعض حروف الاسم، وضرب ثان من الإضافة، وهي التي يراد بها الملك، نحو دار عبد الله، وغلام زيد، فهذان منفصلان جمع بينهما الملك ومتى زال الملك زالت الإضافة(16).

أقسام الإضافة:

أ - الإضافة المعنوية: هي التي تفيد التعريف والتخصيص، وذلك بأن يكون حرف إضافة مقدّر يوصل معنى ما قبله إلى معنى ما بعده، وتسمّى المحضة، أي الخالصة، يكون المعنى فيها موافقا للفظ(17)، وتسمّى حقيقية لأنها خالصة من تقدير الانفصال، وفائدتها راجعة إلى المعنى، وهذا هو الغرض الأصلي من الإضافة، فإذا أضيف اللفظ إلى معرفة اكتسب تعريفا نحو: غلام الرجل، وإذا أضيف إلى نكرة اكتسب تخصيصا، نحو: غلام رجل(18).

قال ابن الحاجب: فالمعنوية أن يكون المضاف غير صفة مضافة إلى معمولها بمعنى (اللام) فيما عدا جنس المضاف وظرفه، أو بمعنى (من) في جنس المضاف، أو بمعنى (في) في ظرفه وهو قليل نحو: غُلامُ زَيْدٍ، وخَاتَمُ فضة وحزبُ اليوم، وتفيد تعريفا  مع المعرفة وتخصيصا مع النكرة، وشرطها تجريد المضاف من التعريف وما أجازه الكوفيون من: الثلاثة الأثواب وشبهه من العدد ضعيف، وعرّف مصطفى الغلاييني الإضافة المعنوية بأنها تفيد التعريف و التخصيص وضابطها أن يكون وصفا مضافا إلى غير معموله نحو: كتابُ القاضي، مأْكُولُ الناس وتفيد تعريف المضاف إن كان المضاف إليه معرفة نحو هذا كتاب سعيد فالكتاب اسم نكرة فلما أضيف إلى معرفة وهو (سعيد) تعرّف، وتخصصه إن كان نكرة نحو (هذا كتاب رجل) كتاب: اسم نكرة يصلح لأن يراد به كتاب رجل أو امرأة أو غلام أو غلامه فلما أضيف إلى رجل قل إيهامه وشيوعه فانحصر في أنه كتاب رجل هذا هو معنى التخصيص وقد عرف ابن هشام الإضافة المعنوية: بأنها نسبة بين اسمين بين اسم إلى آخر على معنى حرف الجر نحو (غلام زيد) أي غلام لزيد و و فائدتها أنها تفيد تعريف المضاف وتخصيصه، والإضافة المعنوية تكون على معنى حروف الجر (من، في، واللام) بخلاف اللفظية.

ب - أما الإضافة اللفظية: فلا تفيد تعريفا ولا تخصيصا، وإنما تفيد التخفيف أو رفع القبح بحذف التنوين من المضاف: نحو: ضارب زيد، ومكرم عمرو، ورفع القبح بإضافة الصفة المشبهة إلى ما بعدها حين لا يحسن أن تعمل الرفع أو النصب فيما بعد نحو: حسن الوجه، وذلك لقبح إن ترفع (الوجه) على الفاعليّة أو تنصبه على المفعولية، وفي الجر تخلّص من هذا القبح، لأن رفع الوجه على الفاعلية قبيح لخلوّ الصفة المشبهة من ضمير يعود على الموصوف لفظا، ولهذا يحسن أن تقول: مررت برجل حسن وجهه بالرفع لوجود الضمير المضاف إليه في الوجه لفظا العائد على الموصوف، والنصب قبيح كذلك لأن فيه إجراء وصف القاصر مجرى وصف الفعل المتعدّي(19).

وضابط الإضافة اللفظية أن يكون المضاف صفة تشبه المضارع في كونها مراداً بها الحال أو الاستقبال، ولذلك بأن يكون اسم الفاعل نحو: ضَاربُ زَيْدٍ، أم اسم مفعول نحو: مروع القلب أو صفة مشبهة نحو حسن الوجه (20). ومن أدلتهم على ذلك: أن النكرة قد وصفت بمضاف إضافة لفظية كما في قوله تعالى: ﴿ليحكم به ذوا عدلٍ منكم﴾ وقوله سبحانه: ﴿هَدْياً بالغ الكعبة﴾(21) وأن المضاف إضافة لفظية وقع حالاً، والحال لا ياتي إلا نكرة أو مؤولا بها(22)، كما في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله﴾(23).

معاني الإضافة:

تكون الإضافة بمعنى اللام عند جميع النحويين، ورأى بعضهم أنها تكون بمعنى "من" أو "في"، وضابط ذلك كما يذكر ابن عقيل أنه إن لم يصلح إلا تقدير "من" أو "في"، فالإضافة بمعنى ما تعيَّن تقديره، وإلا فالإضافة بمعنى اللام، وتكون الإضافة بمعنى "من"، إن كان المضاف إليه جنسا للمضاف، نحو هذا ثوب خز وخاتم حديد، والتقدير: هذا ثوب من خز، وخاتم من حديد.

وتكون بمعنى "في" إن كان المضاف إليه ظرفا واقعا منه المضاف نحو "أعجبني ضَرْبُ اليومِ زيداً أي:

ضربُ زيدٍ في اليوم، ومنه قوله تعالى: "للذين يُؤلون من نسائهم تربُّص أربعةِ أشهرٍ". وتكون بمعنى "اللام  " إن لم يتعين تقدير "من" أو "في" نحو "هذا غلاُم زيدٍ" وهذه يدُ عمروٍ 1» .

ومعنى اللام كما يذكر السيوطي هو الأصل، لذلك يحكم به مع صحة تقدير اللام، وامتناع تقدير غيرها مثل: "دارُ زيدٍ" فتقدر "دارٌ لزيدِ".

الأمور التي يكتسبها الإسم بالإضافة:

يذكر "ابن هشام" أن الاسم يكتسب عشرة أمور بالإضافة:

وهذه الأمور هي:

الأول: التعريف نحو "غلام زيد"

الثاني: التخصيص نحو "غلام امرأة"،

الثالث:التخفيف نحو "ضارب زيد" إذ الأصل أن ينصَب "زيد" ولكن الخفض أخف منه.

الرابع: إزالة القبح أو التجوز مثل "مررت بالرجل الحسن الوجه" فإن الوجه إن رُفع قَبُح الكلام، وذلك لخلو الصفة لفظا من ضمير الموصوف.

الخامس: تذكير المؤنث كما في "إنَّ رحمتَ اللَّهِ قريبٌ من المحسنينَ.

السادس: تأنيث المذكر: قُطعت بعضُ أصابعه" وقُرئ: "تلتقطه بعض السيَّارة" وشرط هذه المسألة وما قبلها، صلاحية المضاف للاستغناء عنه فلا يجوز "أَمة زيدٍ جاء" وغلام هندٍ ذهبت".

السابع: الظرفية نحو: تؤتي أُكْلها كلَّ حين .

الثامن: المصدرية نحو: وسيعلمُ الَّذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبونَ.

التاسع: وجوب التصدير، فوجب تصدير المبتدأ في نحو: غلامُ من عَندَك"، وتقديم الخبرفي نحو "صبيحةُ أيِّ يومٍ سفرُك " وتقديم المفعول في نحو: " غلامَ أيِّهم أكرمت"، وفي مجرورها في نحو " مِن غلامِ أيِّهم أنت أفضلُ".

العاشر: الإعراب والأكثر البناء.

الحادي عشر: البناء2

تعريفات الإضافة عند القدماء:

الإضافة عند سيبويه:

درس سيبويه موضوع الإضافة تحت عنوان (باب الجر)(24)، وجعل الإضافة في ثلاثة أصناف هي: إضافة حرف جر إلى اسم، وإضافة اسم إلى اسم، وإضافة ظرف إلى اسم، فقال: "هذا باب الجر: والجر إنما يكون كل اسم مضاف إليه، واعلم أن المضاف إليه ينجرّ بثلاثة أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف، وبشيء يكون ظرفا، وباسم لا يكون ظرفا"(25). ومثَّل على الإضافة بإضافة حرف الجر إلى الاسم، بقوله: "فأما الذي ليس باسم ولا ظرف فقولك: مررت بعبد الله، وهذا لعبد الله، وما أنت كزيد، يا لبكر، وتالله لا أفعل ذاك، كما مثَّل على إضافة الظرف إلى الاسم بقوله: "أنت خلفَ عبدِ الله، وأمام زيدٍ، وقدّام أخيك"(26). ويلاحظ هنا أن سيبويه كأنما يحصي حروف الجر والظروف بما يصلح أن يكون أساسا لمعجم نحوي في هذه الموضوعات.

وقد فسر معنى الإضافة بحرف الجر بقوله: "فإذا قلت مررت بزيد فإنما أضفت المرور إلى زيد بالباء ... وإذا قلت: أنت كعبد الله فقد أضفت إلى عبد الله الشبه بالكاف". وهذا يعني أننا نضيف (للنسب) معنى الفعل إلى الاسم الذي بعد حرف الجر، وقد يكون هذا المعنى مفهوما من الأحرف المرافقة في السياق، مثل معنى (الشّبه) في الكاف المذكورة في المثال، ومثل معنى الفعل (أدعو) المفهوم من حرف النداء في قولنا: يا لبكر.

ومثّل على الأسماء التي تضاف إلى الأسماء بنوعين من الأسماء، فقال: " وأما الأسماء فنحو: مثل، وغير، وكل، وبعض، ومثل ذلك أيضا الأسماء المختصة، مثل: جدار، ومال، وأفعل، نحو قولك: هذا اعمل الناس وما أشبه هذا من الأسماء كلها، وذلك قولك: هذا مثلُ عبد الله، وهذا كلُّ مالك ... وجدار أخيك ... وهذا أشر الناس"(27).

ويلاحظ هنا أنه جعل الأسماء التي تضاف: مختصة وغير مختصة، وأنه جعل (أفعل) مع الأسماء المختصة، ومثّل لها معها: هذا أعمل الناس، وهذا أشدُّ الناس.

الإضافة عند المبرد:

درس المبرد الإضافة تحت عنوان: باب الإضافة، وتابع سيبويه، فجعل الباب على ضربين: "فمن المضاف إليه ما تضيف إليه بحرف جر، ومنها ما تضيف إليه اسماً مثله"(28).

وقد صنف القدماء الإضافة تصنيفا دلاليا، فجعلوها صنفين: إضافة معنوية، وإضافة لفظية.

وقد بين المبرد من الناحية التركيبية أن الاسم إذا أضيف إضافة معنوية لا تدخل عليه (أل) ويحذف من آخره (النون) و(التنوين): "لا تدخل (أل) على المضاف إضافة محضة"(29)، وتحذف الإضافة النون والتنوين"(30).

ويفصل المبرد القول في إضافة (اسم الفاعل)، فإن كان اسم الفاعل بمعنى الفعل الماضي، فلا يجوز تنوينه ولا يجوز أن تدخل عليه (أل) عند إضافته، مثال ذلك: هذا ضارب زيد أمس، فهذا بمنزلة: هذا غلام زيد، وهذا يعني أنه في هذه الحالة يضاف إضافة معنوية ويكتسب التعريف من المضاف إليه. وغن كان اسم الفاعل بمعنى الفعل المضارع فإن إضافته إضافة لفظية، فإذا حذف منه التنوين وأضيف إلى المعرفة، فإنه يبقى نكرة ولا يتعرف بالإضافة، وإنما كان حذف النون هنا للتخفيف: "لأنك إنما تحذف النون استخفاف، فلما ذهبت النون أعقبتها الإضافة، والمعنى معنى ثبات النون، فمن ذلك قول الله عز وجل: ﴿هَدْياً بالغ الكعبة﴾ فلو لم يرد لاتنوين لم يكن صفة ل- هدي وهو نكرة"(31)، وهو يعني أن النكرة لا توصف إلا بنكرة، وهذا دليل على أن اسم الفاعل هنا ما يزال نكرة وإن أضيف على معرفة.

وبين المبرد أن إضافة الصفة المشبهة لا تكون إلا لفظية، قائلا: "اعلم أن هذه الصفة إنما حدها أن تقول: هذا رجل حسن وجهه ، ويجوز أن تقول: هذا رجل حسن الوجه، فالوجه لم يجعل (حسنا) معرفة وإن كان مضافا إليه، وذلك لأن التنوين هو الأصل، ومعنى هذه الإضافة الانفصال(32)، فالتنوين هنا معنوي وقد بقيت الصفة (حسن) نكرة وإن أضيفت إلى المعرفة، فهذه الإضافة لفظية.

وتبقى إضافة الصفة المشبهة لفظية مع دخول (أل) عليها، في مثل: قولنا الحسن الوجه فهي نكرة وإن كانت محلاة ب- (أل) ومضافة إلى محلّى ب- (أل) لأن ها هنا نية التنوين(33)، وقاس الفاعل المُحلى ب- (أل) على الصفة المشبهة: "ومن قال: الضارب الرجل فيقول تشبيها بالحسن الوجه، ولا تقول: "الضارب زيد، كما لا تقول: الحسن وجهٍ"(34).

وقد فصل المبرد في كثير من أحكام الإضافة، ومن ذلك:

1 - أن الأسماء المبهمة لا تضاف، ويعني بها: أ سماء الإشارة، والأسماء الموصولة، والضمائر فهذه لا تضاف لأنها لا تكون نكرات، فهي أسماء معرفة ولا تحتاج إلى تعريف.

2 - العلم لا يثنى ولا يجمع ولا يضاف، ومن ذلك تأبط شراً، وسرّ من رأى، ومعلوم أن هذا النوع من الأعلام يثنى بإضافة (ذوا، ذوي) ويجمع بإضافة (ذوو، ذوي)، فنقول في التثنية: جاء ذوا تأبط شراً، رأيت ذوي تأبط شراً، وجاء: ذوو تأبط شراً، رأيت ذوي تأبط شراً في الجمع.

3 - الظروف لا تضاف إلا إلى المصادر أو إلى الجمل، و خرَّجوا قول العرب: يوم الجمل، ويوم حليمة، على حذف المصدر (المضاف إليه) فالتقدير: يوم حرب الجمل، ويوم حرب حليمة، وبينوا أن (حيث وإذ) تضافان إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية، أما الظرف (إذا) فلا يضاف إلا إلى الجملة الفعلية، وخرجوا قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾، و﴿إذا السماء انفطرت﴾ على تقدير فعل بعد إذا فالتقدير عندهم: إذا انشقت السماء، إذا انفطرت السماء، علما بأن سيبويه أجاز إضافة إذا إلى الجملة الاسمية إن كانت إذا شرطية، قال: "والرفع بعدها (حيث وإذا) جائز؛ لأنك قد تبتدئ الأسماء بعدها، فتقول اجلس حيث عبد الله جالس، وأجلس إذا عبد الله جلس"(35).

4 - المصادر المثناة مثل (لبيك، سعديك، حنانيك) لا تضاف إلا على ضمير المخاطب، 5 - بعض الأسماء لا تعرّف إلا بالإضافة، مثل: (مثلك، نحوك، غيرك)، أما شبيهك فلا يكون إلا معرفة، لأنه مأخوذ من شابهك، أما الأسماء السابقة فهي نكرة؛ لأنها مبهمة في الناس أجمعين(36).

6 - تدخل (أل) على المعدود المضاف إليه ولا تدخل على العدد المضاف فنقول: ثلاثة الأثواب، لأن المضاف إنما يعرفه المضاف إليه .

7 - العدد المبني على فتح الجزأين (ثلاثة عشر – تسعة عشر) يبقى على بنائه عند الإضافة.

8 - عند إضافة العدد المبني على وزن اسم الفاعل، تقول: هذا ثاني اثنين، بمعنى أنه: احد اثنين، فإذا قلت: ثالث اثنين، فمعناه أنه جاء إلى اثنين فأصبحوا به ثلاثة.

9- العدد إذا كان على وزن اسم الفاعل فإن إضافته لفظية، كما يرى المبرد، ولذلك يجوز أن نقول: هذا رابع ثلاثة، وهذا يعني أن إضافته في مثل: هذا رابعُ ثلاثةٍ، من باب إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله في المعنى، ويجوز أن نقول: هذا خامس أربعة عشرَ، وأنت تقصد: خامس عشر أربعة عشر، حذف للتخفيف مثلما حذف التنوين للتخفيف(37).

الإضافة عند ابن السرج:

درس ابن السراج الجر بالحرف والجر بالإضافة في إطار نظرية العامل؛ فالفعل هو العامل في رفع الأسماء المرفوعة، ونصب الأسماء المنصوبة في الجملة الفعلية، والحرف هو الذي يعمل الرفع والنصب والجر في الأسماء التي تقع بعده، كما يعمل الرفع والنصب والجزم في الفعل المضارع.

والاسم يعمل في الاسم على ثلاثة أضرب: "ضرب يبنى عليه اسم مثله أو يبني على اسم ويأتلف بهما الكلام ويتم بفقدان العوامل ... والضرب الثاني أن يعمل الاسم بمعنى الفعل، والأسماء التي تعمل عمل الفعل أسماء الفاعلين وما شبه بها والمصادر والأسماء التي سموا الأفعال بها ... والضرب الثالث: أن يعمل الاسم لمعنى الحرف، وذلك في الإضافة، والإضافة تكون على ضربين: تكون بمعنى (اللام) وتكون بمعنى (من)..."(38).

ويختتم ابن السراج تفسيره لعمل الاسم بقوله: "واعلم أن الاسم لا يعمل في الفعل ولا في الحرف، بل هو المعرض للعوامل من الأفعال والحروف(39).

ويفهم من هذا أن هذه العوامل (الأسماء، والأفعال، والحروف) تبني علاقات مع الأسماء في سياق الجملة فتحدد وظائفها، وينتج عن هذا التحديد علامات إعرابية محددة، فكان وأخواتها مثلاً تدخل على الجملة الاسمية، وتُكسِب المبتدأ والخبر وظائف جديدة، فيصبح المبتدأ اسم كان (هذه وظيفته الجديدة) ويأخذ خبر المبتدأ وظيفة جديدة هي خبر كان، وينتج عن ذلك علامات إعرابية جديدة، ولما كانت هذه الأسماء والأفعال والحروف هي المؤثرات التي حددت الوظائف وعلاماتها، سميت عوامل.

وفي إطار هذا النظر جعل ابن السراج موضوع الإضافة تحت عنوان: "المجرور بالإضافة"، وقسم الإضافة إلى محضة وغير محضة؛ والإضافة لا تجتمع مع "الألف واللام" ولا تجتمع أيضا مع التنوين، ولا يجتمع الألف واللام والتنوين(40).

وجعل الإضافة غير المحضة في أربعة أضرب:

الأول: إضافة اسم الفاعل وأنت تريد التنوين، نحو: هذا ضاربُ زيدٍ غداً، وهو بمعنى يضرب.

الثاني: إضافة الصفة الجاري إعرابها على ما قبلها وأنت تريد التنوين، وهي في المعنى لما أضيفت إليه، نحو: مررت برجلٍ حسنِ الوجهِ، المعنى: حسن وجهه.

الثالث: إضافة أفعل إلى ما هو بعض له، نحو: زيد أفضل القوم، فقد أضفته إلى جماعة هو أحدهم ..." وأفضل هذه لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، وهي (أفضل) التي إذا لم تضفها صحبتها (من)" (41).

وهو يعني أن (أفضل: أفعل) شديدة الشبه بالفعل، ومعنى: زيد أفضل القوم: زيد يزيد فضله على فضل القوم، ولأنه بمعنى الفعل فلا يثنى ولا يُجمع كالفعل تماماً، ثم إنه لا يؤنث لأنه بمعنى المصدر، والمصدر مذكر. ويلاحظ تأثير المنطق في هذا التعليل ولا يحتاج (إفراد أفعل وتذكيرها) في هذا المقام إلى تفسير، وإنما يكفي فيها مجرد وصفها كما هي في سياقها.

والفرق بين زيد أفضل القوم، وزيد أفضل من القوم؛ أنه في الجملة الثانية منفصل عنهم، وفي الأولى (في الإضافة) هو واحد منهم، وإذا كانت (أفعل) بمعنى (فاعل) ثنيت وجمعت وأنثت، فقلت: "زيد أفضلكم، والزيدان أفضلاكم، والزيدون أفضلوكم، وأفاضلكم، وهند فضلاكم، والهندان فضلياكم، والهندات فضلياتكم"، ويبين أن دخول (أل) على (أفعل)

يغنيه عن (من) و(الإضافة) (42).

الرابع: ما كان حفه أن يكون صفة للأول، وذلك كقولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وهو يرى أن الشيء لا يضاف إلى نفسه وخرج ذلك على تقدير مضاف إليه محذوف.

فالتقدير: هذه صلاة الساعة الأولى، وهذا مسجد الوقت الجامع، وبين أن الشيء لا يضاف إلى صفته ولا تضاف صفته إليه، فلا تقول: زيد الشيخ، ولا: شيخ زيدٍ ولكن يجوز أن نضيف الاسم إلى اللقب، فنقول: ثابت قطنة، وزيد بطة، لأن اللقب يزيد الاسم شهرة، فيزداد به تعريفا(43).

وقد خص ابن السراج إضافة الأسماء إلى الجمل بعنوان خاص، وجعل هذا النوع من الإضافة غير المحضة. كما يذكر (إضافة الاسم) إلى (المصدر المؤول) وهذا ما لم نلاحظه عن سابقيه، قال: "وحكى الكوفيون أن العرب تضيف إلى (أن) فتقول: أعجبني يوم أنك محسن، ويوم أن تقوم"(44).

الإضافة في شرح كافية ابن الحاجب:

جعل ابن الحاجب الإضافة نسبة المضاف إلى المضاف إليه، وهو يفرق بين النسبة الإسنادية بين الفعل والفاعل أو نائب الفاعل، والخبر والمبتدأ، والنسبة الإضافية بين المضاف والمضاف إليه، يقول: "والكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد ولا يتأتى ذلك إلا في اسمين أو في فعل واسم، والمراد بالإسناد أن يخبر بكلمة أو أكثر عن أخرى، فقولنا أن يخبر، احتراز عن النسبة الإضافية"(45).

ويتناول ابن الحاجب موضوع الإضافة، تحت عنوان (المجرورات) ولكنه يسميه (علم المضاف إليه)، ويشير الاستراباذي بأنهم أخذوا يفرقون بين الجر بحرف الجر، والجر بالإضافة، فقال في تعقيبه على تسميته مضافا إليه: "بنى الأمر على أن المجرور بحرف جر ظاهر مضاف إليه، وقد سماه سيبويه أيضا مضافا إليه، لكنه خلاف ما هو المشهور الآن من اصطلاح القوم؛ فإنه إذا أطلق لفظ المضاف إليه أريد به ما انجر بإضافة اسم إليه، بحذف التنوين من الأول للإضافة"(46).

ويلاحظ كذلك أن كل موضوعات الإضافة أصبحت تعرض في موضوع واحد، وقد كانت في مؤلفات الأولين تعرض في أماكن متفرقة، فإضافة اسم الفاعل، وإضافة اسم المفعول، وإضافة الصفة المشبهة، وإضافة أفعل التفضيل، وإضافة (أي) الشرطية و ... غيرها، تعرض كلاً منها في موضع، وقد تعرض في أجزاء متفرقة من الكتاب الواحد.

ومن الموضوعات التي فصل فيها القول:

1 - أن المضاف يكتسب التأنيث من المضاف إليه، إن حسن الاستغناء عنه في الكلام، ومن ذلك قول جرير:

لما أتى خبر الزبير تواضعت سُوَرُ المدينة والجبالُ الخشعُ والأصل: تواضع سور المدينة، ومنه كذلك قول قيس بن الملّوح:

فما حبّ الديار شغفن قلبي  *  ولكن حب من سكن الديارا

والأصل: حب الديار شغف قلبي، ويلاحظ هنا أن المضاف اكتسب التأنيث والجمع من المضاف إليه.

2 - نقل عن الكوفيين أنهم أجازوا نحو: (الثلاثة أثواب)، ومع انه عده ضعيفا في الاستعمال والقياس، إلا أنه جعل له وجها على ضعفه، فقال: "فكأنك مثلا قلت: عندي ثلاثة ولم تذكر من أي نوع هي، ثم رجعت إلى ذكرها فقلت: بعت الثلاثة؛ أي تلك الثلاثة، ثم بينت نوعها فقلت: الثلاثة الأثواب"(47). ومع ذلك، فقد بين أنه قبيح عندما قال في: الثلاثة أثواب، بأنه أقبح من الأول.

3 - صنّف الصفات تصنيفا محدداً من حيث إضافتها؛ فالصفة المشبهة إضافتها لفظية، والمصدر إضافته محضة، واسم الفاعل واسم المفعول إن كان أحدهما بمعنى الفعل الماضي فإضافته محضة، وإن كان سيبويه هو الذي عد إضافة (أفعل) في كل أحوالها إضافة حقيقية(48).

4 - قاس إضافة (أي) على إضافة (أفعل)، من حيث إضافة كل منهما إلى النكرة والمعرفة: "وحكم (أي) في الإضافة حكم (أفعل) يعني أنك إذا أضفت أيّاً إلى المعرفة فلابد أن يكون المضاف إليه مثنى أو مجموعا، وإن أضفت إلى النكرة جاز كون المضاف إليه مفردا ومثنى ومجموعا، والعلة في ذلك أن أيّاً لستفهاما كان أو شرطا أو موصولا، موضوع ليكون جزءا من جملة معينة بعده مجتمعة منه ومن أمثاله، وكذا أفعل المضاف بالمعنى الأول".

ويعني ب- (أفعل المضاف بالمعنى الأول) أفعل التي تكون جزءا من المضاف إليه مثل: جاء أفضل اليوم، (أفضل) تعني أنه واحد من القوم الفاضلين.

5 - عرض الموضوعات التي ناقشها سابقوه، كما ناقشوها، ومن ذلك: حذف المضاف، وحذف المضاف إليه، وإضافة الأسماء الستة.

أنواع الإضافة بحسب الغرض المقصود منها:

وقفنا عند تعريف الإضافة بالتمييز بين نوعين من العلاقات تجمع كل واحدة منهما بين عنصرين اسميين. فتعبر الأولى عن الإضافة وذلك بإسناد اسم وإضافته إلى اسم آخر لا يصح الفصل بينهما. بينما تعبر العلاقة الثانية عن علاقة إسناد لا غير، ويجوز الفصل بين المسند والمسند إليه، ولذلك كان "كل ما يضاف يسند، وليس كل ما يسند يضاف". والمقصود هنا بالإسناد والإضافة واتصال العنصر الأول بالثاني "اتصال لزوم"، وإنما كان كل ما يضاف يسند لأن عدم تحقق هذا الاتصال لا يعطي للعنصر الأول في المركب الإضافي المعنى المقصود، وذلك بإسناد العنصر الأول إلى الثاني في الإضافة، فمعنى "دار الرجل" بخلاف معنى "دار" وهي منعزلة، ولذلك أشار ابن منظور في تعريفه للمضاف "كل ما أضيف إلى شيء فقد أسند إليه"(49) وإنما كان كل ما يسند لا يضاف، لأن العنصر الأول في علاقة الإسناد يتحقق معناه حتى وإن ورد منفردا، بخلاف العلاقة الأولى، فتأتي بالعنصر الثاني للإخبار عن الذات المعروفة فتقول "زيد قائم"، فإنك لم تعرف الاسم وإنما أخبرت عنه، فكانت العلاقة بين الاسمين تفيد "تحقيق الإخبار" بينما كانت علاقة الإسناد في باب الإضافة تفيد "وجود مالك".

فالإسناد يجمع بين النوعين من العلاقات لأن العنصر الأول فيهما يحتاج إلى العنصر الثاني "وهما مالا يغني واحد منهما عن الآخر، ولا يجد المتكلم منه بدا، فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه"(50). فكل مسند، إذن، لا يستغني عن المسند إليه كما يشير إلى ذلك سيبويه سواء تعلق الأمر باحتياج الاسم المبتدأ إلى الخبر أو باحتياج الفعل إلى اسم آخر إذ "لابد للفعل من الاسم كما لم يكن الاسم الأول بد من الآخر في الابتداء"(51).

إلا أن ما يميز علاقة الإسناد في الإضافة، أن الأول قد يكتسب من الثاني التعريف والتأنيث والتذكير، وغيرها من الخصائص. بينما إسناد الفعل إلى الاسم لا يكسبه خاصية واحدة من الخصائص، التي توجد في الاسم، لأنه ليس من باب الإضافة وإنما للإخبار عنه لا غير(52).

وقد قيدنا معنى الإضافة بالملكية، لأن هذا هو الأصل "ويتعلق الأمر بتحديد وظيفة نحوية واحدة هي وظيفة الملكية"(53).وأن باقي الأشكال الأخرى متفرعة عنها، إذ تتعدد أنواع الإضافة بحسب الغرض المقصود منها، وذلك على الشكل التالي:

(1) - أ. الإضافة المعنوية.

ب. الإضافة اللفظية.

ج. الإضافة اللازمة.

د. الإضافة المبهمة.

فالأشكال المعروفة من هذه التصنيفات: الإضافة المعنوية، ويقصد بها تخصيص العنصر الأول في المركب الإضافي وإزالة إبهامه ويتم ذلك بالتعريف والتخصيص، والوصفية، والتبعيض. والتخصيص غير التعريف عند النحاة القدماء، فيمثلون على الأول بما كان المضاف إليه معرفة "دار زيد"، وعلى الثاني بما كان فيه المضاف إليه نكرة "دار رجل" فهما يختلفان، عندهم، وإن كانت "الدار" تعرف وتخصص بأنها في الحالة الأولى "لزيد" وفي الثانية "لرجل"، وفي كلتا الحالتين فالمقصود هو تخصيص ذات المالك والتعريف به. وما يجمع الصنفان عند القدماء هو إفادتهما لإضافة معنوية في مقابل الإضافة اللفظية في كل صفة، اسم فاعل كانت أو مفعولا أو صفة مشبهة، ولا يستفاد منها تعريف ولا تخصيص لأنها، عندهم، في حكم الانفصال، لأن المضاف إليه ينفصل عن حكم الإعراب المخصص له، فيأخذ إعراب النصب عوض الجر اللازم للإضافة. ولما كان هذا النوع من الإضافة لا يلزم الجر اكتسب حالة إعرابية أخرى وهي النصب ولم يكن مضافا حقيقة وإنما محمولا عليه.

وقد يكون تداخل إعراب الجر والنصب في المضاف إليه دليلا على ورودهما في سياقات واحدة أو متشابهة، كما سيكون دليلا على تحديد الحيز الزمني الذي يتحقق فيه الحدث المتضمن في المركب الإضافي مثل "قاتل السجين"، فوروده على الإضافة لا يكون معه "السجين" إلا مجرورا ولا يكون حدث القتل إلا في الماضي. وعند غياب الإضافة لا يكون "السجين" إلا منصوبا وبالتالي فهو ينقطع عن الإضافة لفقدانه الجر ولن يتحقق حدث "القتل" إلا في الزمن الحاضر أو المستقبل.

ولذلك نعتقد أن التعارض بين الإضافة المعنوية واللفظية هو تعارض فقط بين حالتين متقاربتين يفسره تواردهما معا في نفس السياق الإعرابي ينتج عن هذا التعارض الدلالي المشار إليه سابقا. ويستبعد الفصل بينهما لأن تحقيق الإضافة بتقدير حرف في الإضافة المعنوية واردة في الإضافة اللفظية كذلك، وإن كان في الحالة الثانية يتحقق بتقدير حرف واحد وهو "اللام" وذلك في جميع أنواع الصفات التي تحقق علاقة الإضافة وذلك مثل:

(2) - أ. هذا ضارب زيد

ب. هذا ضارب لزيد

(3) - أ. هذا مروع القلب

ب. هذا مروع للقلب

(4) - أ. هذا قليل الحيل

ب. هذا قليل للحيل

فكل أنواع الصفات التي تتحقق فيها الإضافة في هذه الأمثلة يكون التقدير بحرف واحد وهو "اللام"، بخلاف الإضافة المعنوية التي تتحقق بواسطة مجموعة من الحروف مثل "من" و"في" و"اللام" وغيرها. فيختلف إقحام هذه الحروف من نحوي إلى آخر بحسب التقدير الذي تتطلبه الجملة، كما يتضح من تتبع الأمثلة التي أوردها النحاة في هذا الباب. وقد جعل ابن عقيل ضابطا لهذا الإقحام فيتعين، عنده، إقحام "من" إن كان المضاف إليه جنسا للمضاف أو إقحام الحرف "في" إن كان المضاف إليه ظرفا واقعا فيه المضاف، فإن لم يتعين ذلك فالإضافة بمعنى "اللام" ويمثل لهذه الحالات بالأمثلة التالية على التوالي(54):

(5) - أ. خاتم ذهب

ب. خاتم من ذهب

(6) - أ. ضرب زيد اليوم

ب. ضرب زيد في اليوم

(7) - أ. هذه يد عمرو

ب. هذه يد لعمرو

أما الإضافة التبعيضية، فيتراوح موقعها بين الإضافة المعنوية واللفظية، عند القدماء، فهي إضافة محضة لأنها تتحقق إذا كان المضاف إليه نكرة، فتخصص المضاف وتكون من باب إضافة البعض إلى الكل، وإضافة الواحد إلى الجنس. ولذلك فلا غرابة أن تحقق بواسطة الحرف "من" كما في (7ب) لأن الغرض من الإضافة هنا إزالة الإبهام و"المبهم يحتاج إلى أن يميز بالأجناس عند الإلباس"(55). وتكون الإضافة التبعيضية كذلك من باب "الإضافة اللفظية" لأن الصفة فيها تحقق معنى التبعيض، وتكون واسطة الإضافة الحرف "من" كما كان في النوع الأول كذلك، ويتحقق بنفس المعاني وذلك بإضافة البعض إلى الكل والواحد إلى الجنس كما في (8أ)، وإذا كانت الإضافة لغير هذا المعنى سقط المراد من الإضافة كما في (8 ب):

(8) - أ. عبدك خير العبيد

ب. عبدك أحسن الأحرار

فالعلاقة، إذن، بين المضاف والمضاف إليه في الإضافة اللفظية والمعنوية علاقة اتصاف ولزوم، وكأننا بصدد عنصر واحد كما كانت الصفة والموصوف كالشيء الواحد، لأنه كما تخصص الصفة الموصوف وتكون أعم منه، يخصص المضاف إليه المضاف ويكون أعم منه كذلك. ولذلك، فسواء تعلق الأمر بالإضافة المعنوية أو اللفظية، فإن الأمر كما يقول ذ. الفاسي الفهري "يتعلق بتركيب واحد، وتعود الاختلافات الدلالية الممكن ملاحظتها إلى اعتبارات أخرى"(56).

أما عندما نتحدث عن الإضافة اللازمة، فإن الأمر لا يتعلق بإضافة اسم إلى اسم آخر، وإنما بإضافة الظروف إلى الأسماء أو الجمل، وتصنف بحسب هذا الاتصال إلى ما يلي(57):

أ - منها ما يلزم الإضافة لفظا ومعنى.

ب - منها ما يلزم الإضافة معنى دون لفظ.

ج - منها ما يلزم الإضافة لفظا (ولا يضاف إلا إلى المضمر).

ويتعلق الأمر في الحالة الأولى بظروف لا ترد إلا وهي مضافة إلى غيرها، مثل "عند" و"لدى" و"سوى" وغيرها. أما الثاني فهو يجرد عن الإضافة مثل "كل" و"بعض" فينوب التنوين مناب المضاف إليه كما هو الأمر مع أداة التعريف. ولذلك، فهو يلزم الإضافة معنى دون لفظ. وأما الثالث فقليل الاستعمال مثل "وحدك" و"دواليك". ويشترط في هذه الظروف ظروف زمن كانت أو مكان، أن تضاف إلى الجملة أو ما يشبه ذلك. وهكذا تصنف الإضافة بحسب المقولات التي تضاف، في اللغة العربية، على الشكل التالي:

- إضافة الاسم إلى اسم آخر.

- إضافة الصفة إلى الاسم.

- إضافة الظروف إلى الجملة أو ما يشبهها.

- إضافة المصدر إلى المصدر.

- إضافة المصدر إلى الاسم.

وهذا الصنف الأخير هو ما يطلق عليه بالإضافة المبهمة، لأنه لا يستفاد منها تعريف شخص ولا تخصيص ذات، وإنما للإشارة إلى الحيز الزمني العام الذي يقع فيه حدث ما، ولذلك كان المصدر يحمل بعض خصائص الفعل، والفرق بينهما أن هذا الأخير يتضمن زمنا خاصا ومحددا. وهكذا، تتعدد التشابهات التي يمكن استخلاصها من مقارنة خصائص الفعل والمصدر واردة، نذكر من بينها أن المصدر يتعدى كما يتعدى الفعل، وأن المفعول يتقدم على فاعل الفعل كما يتقدم المفعول على المصدر وأن الفعل يعمل دون أن يعتمد على كلام قبله كما أن المصدر كذلك، وغيرها من الخصائص التي تجمعهما.

وإذا كان المصدر يشترك مع الفعل، كما بينا، فهو يشترك مع الاسم في عدة خصائص من أهمها اشتراكهما في الإضافة. ولذلك يتميز المصدر بما يتميز به الاسم العادي، فيرد المصدر في المواقع التي ترد فيها باقي الموضوعات، فيكون فاعلا أو مفعولا للحرف، فيأخذ المصدر في كل هذه الحالات إعرابا كما هو الشأن بالنسبة للأسماء المتمكنة في باب الاسمية. ولا يتماثل المصدر مع الاسم بنيويا من حيث المواقع التي يظهران فيها، بل كذلك من حيث العلامات التي تتصل بالاسم، فيضاف المصدر في (9أ) ويعرف في (10أ) وينون في (11أ) كما يضاف الاسم في (9ب) ويعرف في (10ب) وينون في (11ب).

(9) - أ. ضرب زيد عمرو

ب. دار زيد

(10) - أ. عجبت من ضرب زيد بكرا

ب. عجبت من الدار الجميلة

(11) - أ. عجبت من ضرب زيد بكرا

ب. مررت بدار

فيلاحظ من هذه الأمثلة أن ما ينطبق على الاسم العادي ينطبق على المصادر(58).

خلاص--ة:

نخلص إلى أن الإضافة تعني الإسناد والإلصاق، وقد قسم النحاة القدامي الإضافة إلى قسمين معنوية ولفظية، وقد اجمع النحاة على أن الإضافة المعنوية هي التي يكتسب فيها المضاف من المضاف إليه التعريف والتخصيص، وذلك على النحو التالي إذا كان المضاف إليه معرفة نحو "كتاب زيد " وإذا كان المضاف إليه نكرة أفادت تخصيصه فقط دون تعريفه نحو: هذا "كتاب رجل" وسميت الإضافة المعنوية بالمحضة لأنها إضافة خالصة لا يمكن فيها فصل المضاف عن المضاف إليه، كما تميزت هذه الإضافة بإسناد حالة الجر للمضاف إليه، أما الإضافة اللفظية فهي لا تفيد تعريف المضاف ولا تخصيصه، وليست على معنى أحد أحرف الجر وإنما هي نوع من التخفيف اللفظي فحسب وتكون بإضافة مشتق (اسم الفاعل، أو مبالغة، واسم المفعول، أو صفة مشبهة) إلى معموله. وتسمى الإضافة اللفظية بغير المحضة لأنها ليست إضافة خالصة بالمعنى المراد من الإضافة بل هي على تقدير الانفصال، والإضافة عند النحويين تكون إما بمعنى "اللام" أو بمعنى "من" ومنهم من أضاف التي بمعنى "في" نذكر على سبيل المثال ابن السراج وابن الحاجب وبالنسبة لأحكام الإضافة فهي تتجلى في علاقة المضاف بالمضاف إليه، وما يطرأ عليها من تغيير ومنها ما يكتسبه المضاف من المضاف إلي-ه، وم-ا يجرد منه وما يجوز في المضاف وما لا يجوز فيه.

رغم الاشكالات الحقيقية التي طرحتها مسألة الجر بالنسبة للمضاف إليه، أهو بالحرف المقدر، أم أن المضاف هو المسؤول عن هذا الجر أم معنى الإضافة، ورغم الاختلافات القائمة حول معاني الإضافة والفصل بين المتضايفين، نجد أن القدماء اتفقوا من حيث تحديدهم لخصائص الإضافة.

على سبيل النهاية:

يمكن القول إن دراسة الإضافة في النحو العربي تمثل حجر الزاوية لفهم العلاقات بين الكلمات والمركبات الاسمية في اللغة العربية. لقد أظهر البحث أن الإضافة ليست مجرد علاقة صرفية بين الاسم المضاف و رأس المركب، بل هي بنية دلالية متكاملة تتراوح بين الملكية، والتبعيض، والتخصيص، والتصنيف، مع اختلافات دقيقة بحسب السياق ونوع المضاف إليه.

ومن خلال تتبع آراء النحويين القدامى كسيبويه والمبرد والسيوطي وابن الحاجب، وكذلك الإشارة إلى المفاهيم الحديثة التي تناولها عباس حسن والباحثون المعاصرون، يتضح أن الإضافة ظاهرة لغوية متعددة الأبعاد، تجمع بين الصياغة الصرفية والدلالات المعنوية، وتتيح استشراف التطور الداخلي للغة دون الاعتماد الكلي على التأثيرات الخارجية.

كما أن هذا البحث الأول يشكل تمهيدًا ضروريًا للبحث الثاني في مشروع البحثين، والذي يركز على الإضافة في اللسانيات الحديثة، حيث يُمكن من خلاله استكشاف الاختلافات البنيوية والدلالية بين التقليدي والمعاصر، ويُبرز مدى قدرة الدراسات اللغوية الحديثة على تفسير المعاني الإضافية وتوظيفها في سياقات تحليلية أوسع.

أخيرًا، فإن استعراض الأنواع المختلفة للإضافة وتحليل بنياتها الدلالية يفتح المجال لمزيد من الدراسات المقارنة بين البنية التقليدية والبنية الحديثة، ويعزز فهم الباحثين لطبيعة العلاقة بين الرأس والمضاف إليه، ودورها في تكوين المعنى في اللغة العربية.

***

بقلم: د. منير محقق

كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي

.........................

لائحة المراجع والمصادر

المراجع العربية الكلاسيكية:

ابن سيبويه. الكتاب. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة: دار المعارف، 1962.

المبرد. الكافي. تحقيق: مصطفى البغا، دمشق: دار الفكر، 1983.

المبرد، المقتضب. المجلد 2، ص 178، 181. المجلد 3، ص 177. المجلد 4، ص 44، 136، 148–149، 158، 161، 244.

ابن الحاجب، عبد الله. شرح الكافية. القاهرة: مكتبة الخانجي، 1969.

ابن الحاجب، شرح الكافية. الاستراباذي، ج 1، ص 8، 272، 277، 278–288

ابن السراج، أبو بكر. الأصول في النحو. بيروت: دار صادر، 1975.

ابن منظور، لسان العرب. ج 9، ص 21.

ابن مالك، شرح ألفية ابن مالك. ج 2، ص 117، 119.

السيوطي، جلال الدين. الدر المنثور في النحو. القاهرة: دار المعارف، 1980.

الفراهيدي، الخليل بن أحمد. كتاب العين. تحقيق: عباس حسن، بيروت: دار النهضة العربية، 1995.

الرازي، أبو بكر محمد. المقالات في النحو. بغداد: دار الكتب، 1988.

المراجع العربية المعاصرة:

غاليم، محمد. الإضافة في العربية: دراسة تحليلية. الرباط: معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، 1999.

الحسوني، المصطفى. التخصيص وشروط التضايف. الرباط: مطبعة النجاح، 2002.

أبحاث الندوة التكريمية للأستاذ إدريس السغروشني. حول دراسة الإضافة والمصدر، ص 14.

المراجع الغربية اللغوية الحديثة:

Langacker, Ronald W. Foundations of Cognitive Grammar. Vol. 1. Stanford, CA: Stanford University Press, 1987.

Borer, Hagit. Structuring Sense, Vol. I: In Name Only. Oxford: Oxford University Press, 2005.

Fassi Fehri, Abdelkader. Issues in Arabic Morphosyntax and Morphology. Dordrecht: Kluwer Academic Publishers, 1993.

Pustejovsky, James. The Generative Lexicon. Cambridge, MA: MIT Press, 1995.

Deane, Paul. The Acquisition of Noun Phrase Structure. Cambridge: Cambridge University Press, 1987.

الهوامش

(1) - ابن منظور، لسان العرب، الجذر (ر ك ب)

(2) - الانباري، الانصاف في مسائل الخلاف، ط4، 1961، ص310

(3) - الاسترباذي، شرح الرضي على الكافية، ج3، ص129

(4) - ابن يعيش، موفق الدين، شرح المفصل للزمخشري، ج1، ص14

(5) - ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج1، ص112

(6) - عباس النحو الوافي، ج1، ص300

(7) - الأصول، ج 1، ص 36.

(8) - نفسه، ص 37.

(9) - ابن يعيش، شرح المفصل، ج1، ص 22.

(10) - ابن يعيش، شرح المفصل، ج.1، ص 22.

(11) - يذكر السيوطي في الأشباه والنظائر أن هذه العلامات تزيد على الثلاثين (ج2، ص 9).

(12) - ابن يعيش، شرح المفصل للزمخشري، ج 2، ص 118.

(13) - ابن هشام، شرح شذور الذهب، ص 325، والذي يقوم مقام التنوين: هو نون المثنى وجمع المذكر السالم لأنهما يحذفان مع الإضافة.

(14) - ابن هشام، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج1، ص124

(15) - عباس حسن ج1، ، ص300 ، النحو الوافي

(16) - ابن سراج، الأصول في النحو، ج2، ص 303.

(17) - الأشموني، شرح الأشموني على ألفية ابن مالك المسمى منهج السالك إلى ألفية ابن مالك بحاشية الصبان، المجلد 2، ص 241.

(18) - ابن هشام، أوشح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ج 3، ص 86 – 87.

(19) - الأزهري، التصريح بمضمون التوضيح في النحو، خالد الأزهري، ط 1، ج 2، ص 29.

(20) - يُنظر: سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 425، وابن هشام، أوضح المسالك، ج 3، ص 87 – 89.

(21) - سورة المائدة، الآية: 95.

(22) - يُنظر سيبويه، الكتاب، ج 1، ص 425، وابن هشام، أوضح المسالك، ج 3، ص 87 – 89.

(23) - سورة الحج، الآيتان: 8 – 9.

(24) - سيبويه، الكتاب، ج1، ص 419.

(25) - المصدر نفسه، ص 419.

(26) - المصدر نفسه.

(27) - المصدر نفسه.

(28) - المبرد، المقتضب، المجلد الرابع، ص 136.

(29) - المصدر نفسه، ص 44.

(30) - نفسه، المجلد 2، ص 178.

(31) - نفسه، المجلد 4، ص 148 - 149.

(32) - المبرد، المقتضب، المجلد 4، ص 158.

(33) - نفسه، مجلد 4، ص 161.

(34) - نفسه، مجلد 4، ص 161.

(35) - نفسه، المجلد 3، ص 177.

(36) - نفسه، مجلد 4، ص 244.

(37) - نفسه، مجلد 2، ص 181.

(38) - ابن السراج، الأصول في النحو، ص 51 – 53.

(39) - المصدر السابق، ص 54.

(40) - ابن السراج، نفس المصدر، ص 5 – 6.

(41) - نفسه، ص 7 – 8.

(42) - ابن السراج، المصدر، ص 7 – 8.

(43) - المصدر السابق، ص 9.

(44) - المصدر السابق، ص 12.

(45) - الاستراباذي، شرح الرضى على الكافية، ج 1، ص 8.

(46) - المصدر السابق، ص 272.

(47) - المصدر السابق، ص277.

(48) - المصدر السابق، ص 278 – 288.

(49) - لسان العرب، ج9، ص 21.

(50) - الكتاب، ج1، ص 23.

(51) - ن م.

(52) - يشير ابن منظور في تعريفه للإضافة إلى أن الفعل تجوز إضافته، وذلك إذا قلت "مررت بزيد" والباء هي واسطة هذه الإضافة، ولكنه شعر باستحالة ذلك، فأشار إلى أن "المرور" هو الذي أضيف إلى زيد وعلى هذا فلا إشكال في إضافة المصدر إلى غيره بل إن المصادر بخلاف أسماء الأعيان، قد تضاف لبعضهما البعض، فتقول "بقاء العصيان" و"صعوبة السؤال" و"قبول الغفران" وغيرها، شريطة أن لا يكون لهما نفس المعنى فلا تقول "حبس منع".

(53) - انظر الفاسي الفهري (1982)، ص 160.

(54) - شرح ألفية ابن مالك، ج2، ص 117.

(55) - الأصول، ج 2، ص 32.

(56) - انظر الفاسي الفهري، (1982)، ص 160.

(57) - شرح ألفية ابن مالك، ج2، ص 119.

(58) - لقد تعرضنا لدراسة هذه التشابهات في إطار الندوة التكريمية للأستاذ إدريس السغروشني.

ملخص: يتناول البحث مفهوم "الجندر" بوصفه من أكثر المفاهيم إشكالية في الفكر الاجتماعي المعاصر؛ من حيث نشأته، وتطوُّره الدلالي، ومساراته النظرية، وحدود توظيفه التحليلي والسياسي. ينطلق من التمييز بين الجنس (Sex) بوصفه معطىً بيولوجياً، والجندر بوصفه بناءً اجتماعياً-ثقافياً محدثاً، ثم يُعقِّب بمتابعة تحوّلاته داخل السوسيولوجيا والدراسات النسوية وما بعد البنيوية. كما يناقش انتقاله إلى الحقول القانونية والسياسية الدولية، والجدل الثقافي والديني الذي أحدثه، خصوصاً في المجتمعات غير الغربية. يخلص البحث إلى أن الجندر، رغم قيمته التحليلية، يظلُّ مفهوماً مركّباً تتحدد دلالاته بحدود استعماله وسياقه الثقافي، ما يستدعي مقاربة نقدية متوازنة تتجنّب التقديس والرفق المطلقين. أُجري البحث بتركيز على الجوانب المنهجية المحورية دون إخلال بالإيجاز.

الكلمات المفتاحية:

الجندر - الجنس - النسوية - ما بعد البنيوية - الهوية - السلطة - الثقافة.

مقدّمة

لم يعُد "الجندر" مجرد مصطلح تقني في الدراسات النسوية أو السوسيولوجية أو الثقافية، بل تحوّل خلال أربعة عقود إلى مفهوم عابر للتخصّصات تُستدعى في الفلسفة والقانون والسياسة والطب والإعلام، بل وحتى في الخطابات الدينية والأخلاقية. غير أن هذا الانتشار لم يُترجم توافقاً معرفياً على تعريف جامع؛ بل أفرز تبايناً دلالياً جعله مفهوماً «زئبقياً» قابلاً للحمل على معانٍ متضادة، ما وسّع من إمكانيات توظيفه لغير مقاصده الأصلية.

تنبع إشكالية الجندر من وقوعه عند تقاطع ثلاثة حقول كبرى:

أ. البيولوجيا (الجنس).

ب. الثقافة والمجتمع (الأدوار والمعايير).

ج. السلطة والخطاب (التنظيم، الإقصاء، الهيمنة).

لذلك تفشل أي مقاربة اختزالية - بيولوجوية كانت أم ثقافوية -في الإحاطة به، وتعجز عن تقديم رؤية واضحة لمساراته وتطوّره.

يستند البحث إلى منهج تحليلي-نقدي يقوم على:

- التفكيك التاريخي للمفهوم.

- التحليل المقارن بين التيارات واصطراع المفاهيم.

- التمييز بين الاستخدام الأكاديمي والاستعمال الأيديولوجي.

- مساءلة المفهوم من داخله، لا من خارجه فحسب، سعياً إلى مقاربة موضوعية لدلالاته.

الفصل الأول: من الجنس إلى الجندر: التحوّل المفهومي التاريخي

1- الجنس بوصفه معطىً طبيعياً

حتى منتصف القرن العشرين ظلّ مفهوم الجنس (Sex) يُفهم حقيقة بيولوجية ثابتة تحدّد هوية الفرد ومكانته الاجتماعية بشكل شبه-حتمي. وقامت البنى الاجتماعية التقليدية على افتراض أن الاختلاف الجسدي بين الذكر والأنثى يبرّر اختلاف الأدوار والوظائف والحقوق، فأنتجت بنية قانونية وعرفية ترسّخ هذا التمييز.

لكن هذا الافتراض بدأ يتزعزع مع تطوّر العلوم الاجتماعية، إذ تبيّن أن كثيراً من الصفات المنسوبة إلى الطبيعة ما هي إلا نتاج التنشئة الاجتماعية والتراكم الثقافي (Giddens 2005: 459-462). من ثم لم تعد البيولوجيا وحدها كافية لتفسير التفاوتات بين الجنسين.

2- ولادة مفهوم الجندر في العلوم الإنسانية

يُجمع الباحثون على أن الاستخدام الحديث لمفهوم Gender تبلور في الستينيات والسبعينيات في الولايات المتحدة، على خلفية تطور التحليل النفسي وعلم الجنس والأنثروبولوجيا الطبية. كانت اللحظة التأسيسية حين فرّق روبرت ستولر (Stoller 1968: 15-17) بين:

A- Sex: البنية البيولوجية.

B- Gender: الهوية النفسية-الاجتماعية التي قد لا تتطابق مع الجنس البيولوجي.

لم يكن هذا التمييز دعوة إلى إنكار الجسد، بل محاولة لفهم التعقيد الإنساني الذي لا تُحيط به البيولوجيا وحدها.

3- من الوصف إلى التحليل

مع اتساع الدراسات النسوية لم يعُد الجندر مجرد توصيف للاختلاف، بل أداة لتحليل السلطة والهيمنة مستعيناً بآليات غرامشي وفوكو. أظهرت الباحثات أن الأدوار الجندرية تُستخدم تاريخياً لتكريس تفاوتات غير متكافئة: تُمنح الامتيازات للذكورة معياراً، وتُختزل الأنوثة في وظائف محددة. وهنا تحوّل الجندر إلى مفهوم نقدي يُستعمل لتفكيك البنى الاجتماعية السائدة ولكشف كيفية نشوء "الفجوة الجندرية" في ضوء الظروف التاريخية-الاجتماعية أكثر مما هو نتيجة بنية بيولوجية ثابتة.

الفصل الثاني: الجندر بوصفه أداة تحليل اجتماعي وبنيوي

1- من الاختلاف إلى اللامساواة

يمثّل الانتقال من النظر إلى الجندر بوصفه اختلافاً اجتماعياً إلى اعتباره آلية لإنتاج اللامساواة إحدى المحطات المفصلية في الدراسات الجندرية الحديثة. لم يعُد السؤال: "كيف يختلف الرجال عن النساء؟" بل: "كيف يُحوَّل هذا الاختلاف إلى تفاوت في السلطة والموارد والاعتراف الاجتماعي؟"

تُظهر السوسيولوجيا النقدية أن المجتمعات لا تكتفي بالاعتراف بالفروق البيولوجية، بل تُحمّلها معانٍ معيارية تقوم على ثنائيات قيمية: العقلانية والقيادة للذكورة، الرعاية والعاطفة للأنوثة. يُنتج هذا التوزيع "تراتبية رمزية" (Bourdieu 1998) تُفضي إلى تفاوت فعلي في الفرص والمواقع (Giddens 2005: 460).

2- التنشئة الاجتماعية وإنتاج الجندر

التماسك والدقة موضوعيتان.

تُعدّ التنشئة الاجتماعية الآلية المحورية لإعادة إنتاج الجندر. منذ الطفولة المبكرة يتلقى الأفراد رسائل صريحة وضمنية حول ما يُنتظر منهم بوصفهم ذكوراً أو إناثاً. لا تقتصر هذه الرسائل على الأسرة، بل تمتد إلى المدرسة والخطاب الديني ووسائل الإعلام واللغة اليومية.

أظهرت دراسات علم الاجتماع التربوي أن المدرسة، رغم إدعاء الحياد، تُعيد إنتاج الأدوار الجندرية عبر المناهج، وأنماط التفاعل الصفي، وتوقعات المعلمين. تُشجّع الفتيات عادةً على الامتثال والانضباط، بينما يُغضّ الطرف عن سلوكيات تنافسية لدى الذكور بوصفها "طبيعية" (Connell 2002: 98-102). وهكذا تتحوّل المؤسسة التعليمية إلى "خطّة صامتة" لترسيخ التقسيم الجندري.

3- الجندر وتقسيم العمل الاجتماعي

يبرز البعد البنيوي للجندر بوضوح في مجال تقسيم العمل. فالفصل التقليدي بين:

- العمل المنتج (العام - الذكوري).

- العمل الإنجابي/الرعائي (الخاص- أنثوي).

لم يكن نتيجة حتمية للفروق البيولوجية، بل نتاج تاريخي لتنظيم اجتماعي أنتج أعرافاً وتقاليد وقوانين حاكمة.

تُركّز النسوية الاشتراكية على أن هذا التقسيم يخدم البنية الرأسمالية، إذ يتيح للنظام الاستفادة من عمل غير مدفوع الأجر تؤدّيه النساء داخل الأسرة، بينما يُحتسب العمل الذكوري في السوق الرسمي (Hartmann 1979). من هنا يصبح الجندر أداة تحليلية تكشف التداخل بين الاقتصاد والأسرة وأشكال السلطة.

4- الجندر واللغة بوصفها ممارسة سلطة

لا يعمل الجندر عبر المؤسسات المادية فقط، بل يتجسد في اللغة بوصفها وسيطاً رمزياً لا غنى عنه. اللغة لا تعكس الواقع فحسب، بل تشكّله عبر التصنيفات والاستعارات وصيغ الخطاب. أبرزت الدراسات اللسانية النقدية كيف تُنتج اللغة تمثلات جندرية تعيد تثبيت الصور النمطية، سواء عبر التذكير والتأنيث أو ربط صفات معيّنة بجنس دون آخر.

يلتقي تحليل الجندر هنا مع فوكو؛ إذ لا تُفهم اللغة أداة محايدة، بل حقل تتقاطع فيه المعرفة والسلطة. فالمقبول لغوياً يصبح مقبولاً اجتماعياً، والمُسَمّى يكتسب شرعية الوجود (Foucault 1976: 54-58).

5- الجندر بوصفه بنية متغيّرة

من الأخطاء الشائعة افتراض ثبات الجندر أو "كونيته". تُظهر الدراسات الأنثروبولوجية أن ما يُعدّ رجولياً أو أنثوياً يختلف جذرياً بين الثقافات وعبر التاريخ. حتى المجتمع الواحد قد يعيد تعريف هذه الحدود تبعاً لتحولات اقتصادية أو سياسية، ما يؤدي إلى ظهور أعراف وتقاليد جديدة، وربما تشريعات.

هذا الطابع المتغيّر لا يعني أن الجندر "وهم" أو اختلاق محض، بل يؤكد كونه بنية اجتماعية-تاريخية تتشكل داخل شروط محددة وتبقى قابلة لإعادة الصياغة. لذلك تكتسب مقاربة الجندر قيمتها بوصفها أداة لفهم التحول الاجتماعي، لا بوصفها وصفاً نهائياً للهوية الإنسانية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة "الفجوة الجندرية" والعمل على ردمها عبر سياسات وقوانين تستند إلى تحليل دقيق للسياق المحلي.

6- حدود التحليل الجندري

رغم قيمته التفسيرية، يُنذِر تعميم الجندر بوصفه "المفتاح الوحيد" لفهم الواقع الاجتماعي بمخاطر نظرية:

- إغفال عوامل الطبقة والدين والعرق والسياق السياسي.

- تحويل المفهوم إلى إطار تفسيري شامل يُفسَّر به كل شيء، فيفقد دقته ويتحول من أداة نقدية إلى خطاب أيديولوجي مغلق (Glover & Kaplan 2018: 27-31).

لذلك يُشدّد عدد من الباحثين على ضرورة التمييز بين:

أ. الجندر أداة تحليل تكشف آليات التمييز.

ب. الجندر إطاراً تفسيرياً كلياً يُقحم في مجالات لا صلة له بها.

الإفراط في التوسيع يُخرج المفهوم عن سياقه التاريخي-الاجتماعي ويُضعف من مصداقيته.

الفصل الثالث: الجندر والتيارات النسوية:

من الإصلاح إلى التفكيك، ومن التعميم إلى التقاطعية

1- النسوية وسؤال الجندر: مدخل عام

لا يمكن فهم تطور مفهوم الجندر بمعزل عن تاريخ الحركات النسوية؛ فالنسوية هي الإطار الفكري-السياسي الذي أتاح له أن يتبلور ويتسع. لكنها ليست تياراً واحداً متجانساً، بل حقل متعدد الأصوات تتباين فيه الرؤى حول معنى الاضطهاد وأسبابه وسبل تجاوزه.

أدى الجندر وظيفة مزدوجة:

أ. أداة لتحليل أشكال التمييز الممارَسة ضد النساء.

ب. موضوع خلاف داخل النسوية نفسها حول حدوده، ومخاطر انزلاقه نحو تعميمات لا تعكس تنوّع التجارب النسائية.

2- النسوية الليبرالية: الجندر كمسألة حقوق وفرص

تنطلق النسوية الليبرالية من فرضية أن التفاوت بين الجنسين يُعزى أساساً إلى التمييز القانوني والمؤسسي لا إلى فروق جوهرية. لذا ركّزت على:

أ. المساواة أمام القانون.

ب. تكافؤ الفرص.

ج. إزالة العوائق التي تحول دون مشاركة النساء في المجال العام.

استُخدم الجندر هنا لإبراز الطابع الاجتماعي للأدوار المنسوبة إلى النساء، وبالتالي قابليتها للتغيير عبر الإصلاح التشريعي والسياسي. أسهم ذلك في مكاسب ملموسة في التعليم والعمل والتمثيل السياسي.

النقد:

- نزعة فردانية تفترض أن إزالة الحواجز القانونية كافية.

- تتجاهل البنى الثقافية-الرمزية العميقة التي تعيد إنتاج الجندر حتى في ظل قوانين مساواتية.

- التجربة الغربية، وكذا التجارب التي فُرضت فيها تشريعات مساواتية قسراً، تُظهر عجز القوانين وحدها عن إنهاء التفاوت الجندري أو تحقيق مساواة حقيقية.

3- النسوية الراديكالية: الجندر كبنية هيمنة

تمثل قطيعة مع الطرح الإصلاحي؛ إذ ترى أن اضطهاد النساء ليس خللاً عرضياً بل جزءاً بنيوياً من التنظيم الأبوي للمجتمع. الجندر هنا ليس مجرد دور اجتماعي، بل نظام هيمنة متكامل تتقاطع فيه السيطرة على الجسد والجنس والإنجاب مع تنظيم السلطة داخل الأسرة والمجتمع.

ذهبت بعض أطروحاته إلى اعتبار أن الثنائية الجندرية ذاتها تُستخدم لتكريس التفاوت، وأن تحرير المرأة يقتضي تفكيك هذه البنية من جذورها. أسهم هذا في تعميق تحليل العلاقة بين الجندر والجسد، لكنه تعرّض لانتقادات:

- التعميم لتجربة نسائية واحدة.

- النزعة الصدامية التي أحدثت شروخاً مجتمعية فاقت من سوء فهم الجندر.

4- النسوية الاشتراكية: الجندر والاقتصاد السياسي

سعت إلى تجاوز الفصل بين الجندر والاقتصاد، معتبرة أن اضطهاد النساء لا يُفهم بمعزل عن البنية الطبقية. يُستخدم الجندر لتقسيم العمل بطريقة تخدم النظام الرأسمالي: تحميل النساء أعباء العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع الأجر، بينما يُحتسب عمل الذكور في الاقتصاد الرسمي.

يتيح هذا الطرح فهم الجندر بوصفه بنية تتقاطع فيها السلطة الاقتصادية مع السلطة الأبوية، لا بوصفه مسألة ثقافية أو نفسية فحسب.

نقد: التركيز المفرط على الطبقة قد يُقلّل من أهمية العوامل الثقافية-الرمزية المستقلة عن الاقتصاد. في تصورنا، سبب هذا ليس "جوهر" المفاهيم الاشتراكية، بل سوء تطبيقها أو اقتصارها على البعد الواحد.

5- النسوية ما بعد البنيوية: تفكيك الهوية الجندرية

مع صعود الفكر ما-بعد-البنيوي تحوّل الجندر من "بناء اجتماعي نسبي" إلى "عملية متغيّرة تُنتجها الخطابات والممارسات". تستند المقاربة إلى فوكو: الجسد ليس معطىً خاماً، بل موقعاً لتجسّد الخطابات وتقنيات السلطة.

قدّمت جوديث باتلر أطروحة "الأدائية" الأشهر: الهوية الجندرية ليست جوهراً داخلياً، بل نتيجة "أفعال متكرّرة" تُعيد إنتاج المعايير السائدة (Butler 1990: 179-185). بذلك يصبح الجندر "ما تفعله" لا "ما أنتَ عليه"، ما يفتح آفاقاً لاختلال المعايير وإظهار هشاشتها.

تحفظات:

أ. تذويب الفروق المادية (الجسد، الإنجاب، العنف).

ب. ابتعاد محتمل عن الواقع الاجتماعي الملموس وانجرار إلى طوباوية مفاهيمية قد تعيق وضع آليات عملية لردم الفجوات الهوياتية.

6- النسوية التقاطعية: نقد التعميم الجندري

جاءت رداً على الإرجاع الكليّ للاضطهاد إلى الجندر. أكدت النسويات السود ونسويات العالم الثالث أن تجربة المرأة لا تُختزل في بعدها الجندري، بل تتقاطع مع: العرق، الطبقة، الاستعمار، الدين، الإعاقة، الميول الجنسية.

أعادت التقاطعية تعريف الجندر بوصفه محوراً من محاور متعددة لا مركزاً وحيداً للتفسير، ما أعاد التوازن للتحليل وحقق مكاسب ميدانية لحركات تحرر النساء (Crenshaw 1991: 1242-1245).

7- تقييم نقدي لمسارات النسوية والجندر

الجندر لم يكن مفهوماً ثابتاً، بل ساحة صراع نظري داخل النسوية نفسها:

- إصلاحيّة تراه "أداة تغيير قانوني".

- راديكاليّة تراه "بنية هيمنة".

- ما-بعد-بنيوية تسعى إلى "تفكيكه" تماماً.

هذا التعدد يكشف حدود كل مقاربة ويمنع تحويل المفهوم إلى خانة مغلقة أو نهائية. كما يفسح المجال أمام قراءات نقدية أكثر حساسية للسياقات الثقافية والتاريخية المختلفة.

الفصل الرابع: الجندر، ما بعد البنيوية، وأدائية الهوية:

الجسد، الخطاب، وحدود التفكيك

1- التحوّل الإبستمولوجي: من البنية إلى الخطاب

انتقل النقاش من "كيف يُنتج المجتمع الأدوار الجندرية؟" إلى "كيف تُنتج الخطابات ذاتها ما نعدّه حقيقة جندرية؟". بذلك ينتقل التحليل من مستوى التنظيم الاجتماعي إلى مستوى اللغة والمعرفة والسلطة (Foucault 1976: 54-58).

2- الجسد بوصفه موقعاً للسلطة

الجسد ليس "معطىً خاماً"، بل فضاء تُمارس عليه السلطة عبر الطب، القانون، التربية، المعايير الأخلاقية. ما نعدّه طبيعياً هو غالباً نتيجة عمليات ضبط تاريخية متراكمة. الجندر، إذن، ليس طبقة فوق الجسد، بل طريقة لتنظيمه وتسميته وضبطه (Butler 1993: 12-16).

3- أدائية الجندر: من الهوية إلى الفعل

الجندر "يتمّ" أو "يُؤدّى" لا "يملك". الهوية الجندرية نتيجة أفعال متكررة تُنتج وهم الثبات. بما أنه يُنتَج بالتكرار، فهو قابل للاختلال والانزياح، ما يفتح إمكانات تحررية. لكن السؤال يبقى: هل القدرة على "الأداء" متساوية في ظل قيود مادية (فقر، عنف، بنية قانونية)؟

4- نقد المنحى الأدائي

- التجريد المفرط: تركيز على الخطاب على حساب الشروط المادية.

- تذويب الهوية: قد يُضعف إمكان بناء سياسات جماعية تستند إلى فئات واضحة.

- صعوبة الانتقال من التفكيك الفلسفي إلى الخطاب الحقوقي القانوني.

5- الجندر بين النقد الفلسفي والسياسة العملية

توتر بنيوي بين:

- المستوى الفلسفي التفكيكي (زعزعة المسلّمات).

- المستوى السياسي-الحقوقي (حاجة إلى مفاهيم إجرائية مستقرة).

الخلط بين المستويين أو نقل الأطروحات التفكيكية مباشرة إلى التشريع من أبرز أسباب الالتباس المعاصر حول الجندر، خصوصاً في السياقات غير الغربية.

6- حدود ما بعد البنيوية في مقاربة الجندر

قيمتها ليست في الإجابات النهائية بل في إزالة اليقين. لكن تحويل التفكيك إلى غاية ذاتية قد يُفرغ التحليل من مضمونه الاجتماعي. الجندر، مهما بلغت سيولته، يظل مرتبطاً بتجارب ملموسة من تمييز وعنف وتفاوت. لذا تبقى المقاربة الأكثر توازناً تلك التي تستفيد من أدوات التفكيك دون الانفصال عن الواقع الاجتماعي أو إهمال البعد التاريخي-المؤسسي.

الفصل الخامس: الجندر في القانون والسياسة الدولية: من التحليل الأكاديمي إلى الإلزام المعياري

1- من الحقل المعرفي إلى الحقل المعياري

تحوّل الجندر مع نهاية القرن العشرين من "أداة تحليل" إلى "مصطلح إلزامي" في الاتفاقيات الدولية وبرامج التنمية. لم يكن هذا الانتقال محايداً؛ إذ أحدث توتراً بنيوياً بين:

أ. طبيعة الجندر كمفهوم تحليلي مرن.

ب. طبيعة القانون التي تتطلب تعريفات دقيقة وإجراءات قابلة للتنفيذ.

نشأت إشكالات تتعلّق بتحديد ماهية الجندر، وحدود استخدامه، وإمكان تعميمه على سياقات ثقافية متباينة. كما بات يُتداول - في بعض المواثيق - بوصفه أداة ضغط تمارسها "قوى المركز" على دول الهامش.

2- الجندر في وثائق الأمم المتحدة

بدأ الحضور المنهجي للمفهوم في سبعينيات القرن العشرين، وتُوّج باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW 1979). لم تُذكر الكلمة صراحة في نصوصها، لكن لجنة المرأة (CESAW) أدخلت لاحقاً مفهوم "النوع الاجتماعي" عند تفسير المادة 5(أ).

تعزّز هذا التوجّه في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية (1994) ومؤتمر بكين (1995) الذي اعتمد عبارة "gender mainstreaming" دون تعريف إجرائي موحّد. ترك ذلك هامشاً واسعاً للتأويل، واستُخدم أحياناً - من قِبل دول الشمال - لفرض قناعاتها على دول الجنوب النامية (Mukhopadhyay 2004: 71-74).

3- الجندر والتنمية: من تمكين المرأة إلى هندسة المجتمع

انتقلت المقاربة التنموية من "التركيز على المرأة" (WID) إلى "مقاربة النوع الاجتماعي" (GAD) التي تعتبر العلاقات بين الجنسين عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل السياسات.

أتاح ذلك الكشف عن:

- العمل غير المدفوع الأجر.

- وصول غير متكافئ إلى الخدمات.

- تأثير الأزمات الاقتصادية غير المتناسب على النساء.

غير أن تحويل الجندر إلى "مؤشرات تقنية" في خطط البنك الدولي ووكالات التنمية أفرغه من بعده النقدي، وحوّله إلى أداة بيروقراطية تُستخدم بمعزل عن سياقها الاجتماعي-الثقافي.

4- الإشكال الثقافي: بين الكونية والخصوصية

المفاهيم المستخدمة في الوثائق الأممية نشأت في سياقات فكرية غربية، ثم جرى تعميمها معياراً عالمياً. أثار ذلك اعتراضات دول ومجتمعات رأت فيه:

- تجاهلاً لخصوصياتها الثقافية والدينية.

- إمكان تحوّل الجندر - حين يُقدّم مفتوح الدلالة - إلى مشروع لإعادة هندسة القيم الاجتماعية، لا مجرد أداة لمكافحة التمييز.

5- الجندر وحقوق الإنسان: التوتر بين التحليل والإلزام

إدماج الجندر في منظومة حقوق الإنسان يكشف توتراً بين:

أ. مستوى تحليلي يقبل التعدد والتأويل.

ب. مستوى إلزامي يتطلب وضوحاً واستقراراً.

تحويل مفهوم إشكالي بطبيعته إلى قاعدة معيارية صارمة دون حسم الخلافات النظرية يُعدّ من أسباب الالتباس، خصوصاً حين يُنقل إلى النصوص القانونية الوطنية.

6- الجندر في السياقات غير الغربية: إشكالية الترجمة والتطبيق

تتضاعف الإشكاليات حين يُنقل المفهوم إلى مجتمعات تختلف في: البنى الأسرية، المرجعيات الأخلاقية، أنماط التنظيم الاجتماعي. السؤال يصبح:

- كيف توازن بين الفرد والجماعة؟

- كيف تُحدد العلاقة بين القانون والقيم؟

غياب الحوار المعرفي المتكافئ يفضي إلى مقاومة اجتماعية لا تعكس بالضرورة رفضاً لمبدأ المساواة، بل رفضاً لآليات فرضها من خارج السياق.

7- تقييم نقدي

لا يُنكر الأثر الإيجابي لإدماج الجندر في السياسات الدولية (كشف تمييز تاريخي، إتاحة تمويل مشاريع النهوض بالمرأة). لكن يبقى الإدماج مشوباً بإشكالات مفهومية وثقافية تستدعي مراجعة نقدية مستمرة، ووضع آليات تمنع تحوّله إلى أداة هيمنة ذات نوايا غير موضوعية، خصوصاً حين يُروّج لمفهومه الفضفاض من قِبل قوى غربية.

الفصل السادس: النقد الثقافي والديني لمفهوم الجندر: بين التفكيك المعرفي والممانعة القيمية

1- طبيعة النقد: تفريق ضروري

يُخطئ كثير من النقاشات حين تُعامل الاعتراضات الثقافية أو الدينية على الجندر وكأنها إنكار مطلق لحقوق المرأة أو لوجود التمييز.

القراءة المتأنية تُظهر أن جزءاً معتبراً من النقد ينطلق من مساءلة البناء المفهومي للجندر (تعريفه، حدوده، إمكان تعميمه)، لا من رفض قيمة المساواة الأخلاقية.

ينبغي التفريق بين:

- نقد معرفي يستهدف المفهوم.

- نقد قيمي يخشى تحول المفهوم إلى أداة لإعادة صياغة المنظومات الأخلاقية دون توافق مجتمعي.

هذا التفريق يجنّب اختزال الاعتراضات في ثنائية "تقدمي/رجعي" وتُفرغ النقاش من مضمونه العلمي.

2- الجندر وإشكالية المرجعية

أغلب المقاربات الجندرية تعتمد مرجعيات حداثية أو ما-بعد-حداثية تُقدّم الفرد وتُعيد تعريف العلاقة بين الجسد والهوية والسلطة.

في المقابل، المرجعيات الدينية والثقافية التقليدية ترى الهوية جزءاً من نظام قيمي أوسع، لا اختياراً فردياً صرفاً. الخلاف إذن ليس حول وجود أدوار اجتماعية، بل حول:

- مصدر مشروعيتها.

- حدود إعادة تعريفها.

حين يُقدّم الجندر مفهوماً مفتوحاً بلا سقف، تُثار مخاوف من انزلاقه إلى نفي أي مرجعية أخلاقية مستقرة، وهو ما تروّج له - أحياناً - منظمات ومؤسسات غير حكومية مجهولة التمويل لأسباب لا علاقة لها بالجندر.

3- الجندر والأسرة: نقطة التماس الحسّاسة

تُعدّ الأسرة المجال الأكثر حساسية في النقد الثقافي للجندر. تُنظر إلى بعض المقاربات الجندرية بوصفها تهديداً للبنى الأسرية التقليدية، خصوصاً حين يُفهم الجندر انفصالاً كاملاً لِهُويَة الفرد عن أي إطار معياري ثابت.

لكن هذا التخوّف لا ينبع بالضرورة من رفض العدالة داخل الأسرة، بل من الخشية أن يُستخدم المفهوم لتفكيك المؤسسة الأسرية قبل توفير بدائل قادرة على أداء وظائفها الرمزية والاجتماعية (الرعاية، التنشئة، الأمان الاقتصادي). وعليه، تُقرأ بعض السياسات الجندرية كأنها تتجاوز الإصلاح إلى «هندسة اجتماعية» شاملة.

4- الجندر بين الوصف والتقنين

يشتدّ الاعتراض حين ينتقل المفهوم من مستوى "الوصف والتحليل" إلى مستوى "التقنين والإلزام". التحليل يحتمل المرونة، أما التقنين فيتطلّب وضوحاً دلالياً وحدوداً مفهومية. إذا أُقحم مفهوم خلافي في نصوص قانونية دون حسم نظري، يُنظر إليه على أنه فرض أيديولوجي وليس توافقاً معرفياً.

السؤال المركزي:

هل يُستخدم الجندر أداة لكشف اللامساواة، أم إطاراً معيارياً لإعادة تعريف الإنسان وعلاقاته؟

5- إمكان المقاربة التوفيقية

لا يقتضي النقد الثقافي رفض الجندر جملةً، ولا يستلزم الدفاع عنه تبنّي كل أطروحاته. المقاربة الأكثر توازناً تلك التي:

1. تستفيد من الجندر أداة تحليل اجتماعي.

2. تضع حدوداً واضحة بين التحليل الفلسفي والتشريع القانوني.

3. تراعي الخصوصيات الثقافية دون تحويلها إلى ذرائع لإدامة الظلم.

بهذا لا تُنكر الدراسة التمييز القائم، لكنها ترفض معالجته بأدوات قد تولّد توترات اجتماعية أشدّ.

الخاتمة

الجندر: أداة تحليل أم إطار معياري؟

سعى البحث إلى قراءة تحليلية-نقدية لمفهوم الجندر تتجاوز ثنائية القبول/الرفض المطلق، عبر تتبع:

1. نشأته التمييزية بين البيولوجي والاجتماعي.

2. تطوره إلى أداة بنيوية لكشف اللامساواة.

3. انزياحه - في بعض السياقات - إلى إطار معياري يُفرض خارج حدوده التحليلية.

خلاصة التوصية الأكاديمية-السياسية:

- ضبط دلالي صارم.

- تمييز صارم بين التحليل والتقنين.

- حساسية ثقافية-تاريخية.

- وعي دائم بحدود المفهوم.

بذلك لا يكون الجندر عقيدة تُتبع، ولا وهماً يُنفى، بل أداة فكرية تُستخدم بحذر وتُراجع باستمرار.

***

د. سعد محمد مهدي غلام

.........................

المراجع

إنجليزي

- Butler, J. (1990). Gender Trouble: Feminism and the Subversion of Identity. New York: Routledge.

- Butler, J. (2004). Undoing Gender. New York: Routledge.

- Connell, R. W. (2002). Gender. Cambridge: Polity.

- Foucault, M. (1976). Histoire de la sexualité, tome 1: La volonté de savoir. Paris: Gallimard.

- Giddens, A. (2005). Sociology (4th ed.). Cambridge: Polity.

- Glover, D. & Kaplan, C. (2018). Gender: A Reader. London: Routledge.

- Hartmann, H. (1979). “The Unhappy Marriage of Marxism and Feminism”. Capital & Class, 3(2), 1-33.

- Oakley, A. (1972). Sex, Gender and Society. London: Temple Smith.

- Stoller, R. (1968). Sex and Gender: On the Development of Masculinity and Femininity. New York: Science House.

- de Beauvoir, S. (1949). Le Deuxième Sexe. Paris: Gallimard.

- CEDAW (1979). Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination against Women. UN Doc. A/RES/34/180.

عربي

- المسيري، عبد الوهاب (2002). المرأة والحضارة. القاهرة: دار الشروق.

- المسيري، عبد الوهاب (2010). قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى. القاهرة: دار نهضة مصر.

- البازعي، سعد & الرويلي، ميجان (2000). دليل الناقد الأدبي (الطبعة 2). بيروت: المركز الثقافي العربي.

- غلوفر، ديفيد & كابلان، كورا (2018). الجندر، تر. عدنان حسن. دمشق: دار الحوار.

- غدنز، أنتوني (2005). علم الاجتماع، تر. فايز الصباغ. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

- كورثيوس، آن (2010). مفهوم الجنوسة: مفاتيح اصطلاحية جديدة، تر. سعيد الغانمي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

 

 

إن الحديث عن ابن رشد بوصفه ناقدا للمتكلمين لا ينفصل عن السياق الفكري الذي تشكّل فيه مشروعه الفلسفي. فقد كان القرن السادس الهجري زمنا تتقاطع فيه التيارات الكلامية مع الفلسفة المشائية، وتتنازع فيه مناهج البرهنة والتأويل، في بيئة ثقافية شهدت توترا بين العقل والنقل، وبين البرهان والجدل. وفي هذا السياق جاءت مؤلفاته وعلى رأسها تهافت التهافت، لا بوصفها مجرد ردّ على نص بعينه، بل كمحاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين الفلسفة والدين، بين البرهان والشرع، على نحو يضمن انسجام النظام المعرفي ويمنع الاضطراب المنهجي.

إن بنية الجدل في "تهافت التهافت" تكشف عن قدرة ابن رشد على تفكيك الخطاب الكلامي الذي ساد في عصره، لا من باب نقضه المطلق، بل من جهة بيان حدوده المنهجية. فقد كان المتكلمون – وعلى رأسهم الأشاعرة – يعتمدون على الجدل الكلامي الذي يقوم على قياس الغائب على الشاهد، وعلى استعمال الحجج الجدلية التي لا تبلغ مرتبة البرهان اليقيني. وهنا يبرز نقد ابن رشد؛ إذ يرى أن هذا المنهج على أهميته في إقناع العامة، لا يمكن أن يكون أساسا لبناء معرفة فلسفية يقينية. فالجدل عنده وسيلة خطابية لا أداة برهانية، بينما البرهان هو السبيل إلى الحقيقة.

ولذلك نجد ابن رشد يميّز بين مراتب الخطاب: البرهاني، الجدلي والخطابي. فالفلسفة تتوسل البرهان، والمتكلمون يتوسلون الجدل، والعامة يكتفون بالخطاب. هذا التمييز المنهجي ليس مجرد تصنيف معرفي، بل هو تأسيس لنظرية في التواصل الفكري، تجعل لكل مستوى من الخطاب وظيفته ومجاله. ومن هنا نفهم لماذا كان نقده للمتكلمين منصبا على خلطهم بين مراتب الخطاب، إذ كانوا – في نظره – يستخدمون الحجج الجدلية في مواضع تتطلب البرهان، مما يؤدي إلى اضطراب النتائج.

وإذا تأملنا بنية الجدل في "تهافت التهافت"، وجدنا أنها تقوم على استراتيجية مزدوجة: تفكيك حجج الغزالي في "تهافت الفلاسفة"، وإعادة بناء الموقف الفلسفي على أسس برهانية. فابن رشد لا يكتفي بالاعتراض على المتكلمين، بل يسعى إلى بيان أن كثيرا من الاعتراضات التي وجهوها إلى الفلاسفة ناتجة عن سوء فهم لمقولات الفلسفة. فهو يرفض القراءة الجدلية للفلسفة التي تتعامل معها بوصفها خطابا منافسا للدين، ويقترح قراءة برهانية ترى الفلسفة أداة لفهم النظام الكوني الذي خلقه الله.

ومن هنا يتجلى عمق مشروعه، إنه لا يسعى إلى إلغاء الكلام ولا إلى استبدال الفلسفة بالدين، بل إلى ترتيب العلاقة بينهما على نحو يضمن لكل منهما مجاله. فالدين عنده مصدر للحقائق الإيمانية التي تهدي الإنسان، والفلسفة أداة لفهم تلك الحقائق على مستوى البرهان. أما الكلام فهو خطاب جدلي يخدم أغراضا تعليمية وإقناعية، لكنه لا يصلح أساسا لبناء معرفة يقينية.

هذا التصور يضع ابن رشد في موقع فريد داخل التاريخ الفلسفي الإسلامي؛ إذ لا يمكن اختزاله في كونه فيلسوفا مشائيا مقلّدا لأرسطو، ولا في كونه مجرد ناقد للمتكلمين. بل هو مفكر يسعى إلى التوفيق بين العقل والوحي، وبين البرهان والشرع على نحو يحفظ لكل منهما استقلاله ووظيفته. وهنا نفهم لماذا كان تأثيره ممتدا إلى الفلسفة اللاتينية في العصور الوسطى حيث تلقى فلاسفة الغرب شروحاته لأرسطو بوصفها مفتاحا لفهم الفلسفة المشائية.

إن نقد المتكلمين عند ابن رشد لا ينطوي على عداء للفكر الكلامي، بل على رغبة في ضبط حدوده المنهجية. فهو يعترف بأهمية الكلام في الدفاع عن العقائد، لكنه يرفض تحويله إلى معيار للحقيقة الفلسفية. وهذا الموقف يعكس رؤية متوازنة؛ إذ لا يلغي الكلام ولا يرفعه إلى مرتبة البرهان. بل يجعله جزءا من النظام المعرفي له وظيفته المحددة.

ولذلك فإن دراسة بنية الجدل في "تهافت التهافت" تكشف عن مشروع فكري يتجاوز حدود النقد الجزئي إلى تأسيس رؤية معرفية شاملة. فابن رشد لا يناقش مسائل كلامية محددة فحسب، بل يطرح سؤالا أعمق: كيف يمكن للعقل أن يفهم الدين دون أن يقع في تناقض معه؟ وكيف يمكن للشرع أن يوجه الفلسفة دون أن يقيدها؟ هذه الأسئلة تشكل جوهر مشروعه وتمنحه راهنية تتجاوز سياقه التاريخي.

أما في يخص نقده للمتكلمين فهو جزء من مشروع أكبر: مشروع إعادة تعريف العلاقة بين العقل والنقل. فهو يرى أن النصوص الدينية تحمل معاني متعددة، بعضها ظاهر للعامة وبعضها باطن لأهل البرهان. وهنا تأتي نظرية التأويل عنده التي تسمح بفهم النصوص على نحو ينسجم مع البرهان العقلي. فالتأويل ليس تحريفا للنص، بل هو كشف عن معانيه العميقة التي لا يدركها الجميع.

وهذا الموقف يضع ابن رشد في مواجهة مع المتكلمين الذين كانوا يميلون إلى قراءة حرفية للنصوص في بعض المواضع، أو إلى تأويلات جدلية لا تقوم على البرهان. فهو يرى أن التأويل يجب أن يكون منضبطا بقواعد اللغة والبرهان، وأن لا يُستخدم لتبرير أحكام مسبقة. وهنا نفهم لماذا كان نقده للمتكلمين منصبا على منهجهم لا على مقاصدهم.

إن بنية الجدل في "تهافت التهافت" تعكس قدرة ابن رشد على استخدام أدوات المتكلمين أنفسهم في نقدهم. فهو يحاورهم بلغتهم ويبيّن مواطن الضعف في حججهم، دون أن يسقط في الجدل العقيم. وهذا ما يجعل كتابه نموذجا للحوار الفلسفي الذي يقوم على الاحترام الفكري لا على التهجم. فهو يختلف مع المتكلمين، لكنه لا ينكر قيمتهم في الدفاع عن العقائد.

إن مشروع ابن رشد يمثل محاولة لتجاوز الانقسامات الفكرية التي سادت عصره. فهو لا يختار بين الفلسفة والكلام، بل يسعى إلى بناء جسر بينهما. وهذا الجسر يقوم على التمييز بين مستويات المعرفة: البرهاني، الجدلي والخطابي. فلكل مستوى وظيفته ولا يجوز الخلط بينها.

إن هذا التمييز المنهجي له آثار بعيدة على الفكر الإسلامي. فهو يسمح بفهم الدين على نحو يراعي اختلاف مستويات الناس: فالعامة يكتفون بالخطاب، والخاصة يتوسلون البرهان، والمتوسطون يستفيدون من الجدل. وهذا التصور يجعل الدين نظاما معرفيا مرنا، قادرا على مخاطبة الجميع دون أن يفقد عمقه.

إن نقد المتكلمين في "تهافت التهافت" ليس مجرد جدل تاريخي، بل هو جزء من مشروع فلسفي يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين. فهو يرفض الجمود الفكري ويدعو إلى استخدام العقل في فهم النصوص، دون أن يؤدي ذلك إلى معارضة الدين. وهذا التوازن هو ما يجعل فكر ابن رشد حاضرا في النقاشات المعاصرة حول العلاقة بين العلم والدين وبين الفلسفة والإيمان.

فإذا كان المتكلمون قد سعوا إلى الدفاع عن العقائد بالجدل، فإن ابن رشد يسعى إلى الدفاع عنها بالبرهان. وإذا كان الكلام يهدف إلى إقناع العامة، فإن الفلسفة تهدف إلى فهم الحقيقة. وبين هذين المستويين تتحدد وظيفة كل خطاب. وهذه الرؤية المتوازنة هي ما يمنح فكر ابن رشد قيمته الدائمة ويجعله أحد أعلام الفلسفة في التاريخ الإنساني.

إن التهافت في اصطلاحه لا يعني مجرد التناقض العرضي، بل هو خلل بنيوي في طريقة بناء الحجة. فالمتكلمون – في نظره – يخلطون بين الضروري والنظري، وبين ما يدركه العقل بذاته وما يحتاج إلى برهان. وهذا الخلط يؤدي إلى نتائج متضاربة؛ إذ يطالبون الفلاسفة باليقين في مسائل هي في طبيعتها قابلة للتعدد التأويلي. وتأتي هنا أهمية التمييز بين درجات اليقين: فهناك يقين البرهان الذي لا يحتمل الشك، ويقين الظن الراجح الذي يكفي في بعض القضايا العملية، ويقين الإيمان الذي يقوم على التسليم. هذا التصنيف لا يلغي أحد المستويات، بل يضعها في سياقها المناسب.

ولذلك يوجّه ابن رشد نقده إلى استعمال المتكلمين للقياس الجدلي في مواضع تتطلب البرهان. فالجدل – وإن كان مفيدا في الإقناع – لا يرقى إلى مرتبة الدليل اليقيني. وقد عبّر عن هذا المعنى حين قال إن الجدل يشبه الخطابة من جهة اعتماده على المقبولات، بينما البرهان يقوم على المبادئ الأولى للعقل. وهذا الفارق المنهجي هو ما يغفل عنه المتكلمون حين يحاولون إثبات قضايا غيبية بأدوات جدلية.

غير أن هذا النقد لا يعني رفض الكلام جملة. فابن رشد يعترف بدوره في الدفاع عن العقائد وتوضيحها للعامة. لكنه يرفض تحويله إلى معيار للحقيقة الفلسفية. فالحقيقة – في نظره – تُدرك بالبرهان، بينما الكلام وظيفة تعليمية. وهنا نفهم لماذا كان يدعو إلى احترام التعدد المنهجي: فالفلسفة تخاطب الخاصة، والكلام يخاطب المتوسطين، والدين يخاطب الجميع. هذا التعدد لا يؤدي إلى الفوضى، بل إلى نظام معرفي متكامل.

وفي سياق تحليل الجدل، يبرز مفهوم التأويل بوصفه أداة لفهم النصوص الدينية على نحو ينسجم مع البرهان. فالتأويل عند ابن رشد ليس تحريفا للمعنى، بل كشف عن دلالاته العميقة. فإذا كان ظاهر النص قد يوهم بالتعارض مع العقل، فإن الواجب هو البحث عن معناه الباطن الذي يرفع هذا التعارض. وهذا الموقف يختلف عن القراءة الحرفية التي تكتفي بالمعنى الظاهر، كما يختلف عن التأويل المتعسف الذي يحمّل النص ما لا يحتمل.

وهنا تتجلى حكمة التمييز بين العامة والخاصة. فالعامة يكتفون بالمعنى الظاهر الذي يهديهم إلى العمل الصالح، بينما الخاصة يبحثون عن المعاني العميقة التي يتيحها التأويل المنضبط. هذا التصور يحفظ للنص الديني هيبته ويمنع تحويله إلى مادة للجدل العقيم. فالدين – في جوهره – دعوة إلى العمل والأخلاق، لا إلى النزاع الفكري.

ولا يخلو نقد ابن رشد من إشكالات. فقد اتهمه بعض معاصريه بالتقليل من شأن الكلام، وبالمبالغة في الثقة بالفلسفة. إذ كيف يمكن للعقل البشري أن يحيط بالحقيقة المطلقة؟ أليس هناك مجال للغيب لا يدركه البرهان؟ هذه الأسئلة تعكس توترا دائما بين حدود العقل وامتداد الإيمان. فالعقل قادر على فهم النظام الكوني، لكنه لا يحيط بكل أسراره. وهنا تأتي ضرورة التواضع المعرفي.

لكن هذا التواضع لا يعني الاستسلام للجهل. فالفلسفة – في نظر ابن رشد – أداة لفهم العالم، وليست نقيضا للدين. فهي تبحث في الأسباب والعلل، بينما الدين يوجه الإنسان نحو الغايات. وهذا التمييز يسمح بتكامل المعرفتين: فالعلم يفسر الظواهر والدين يحدد القيم. وإذا حدث تعارض ظاهري فإن التأويل هو السبيل إلى رفعه.

إن تحليل بنية الجدل في "تهافت التهافت" يكشف عن رؤية عميقة للعلاقة بين العقل والنقل. فهي ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل. فالنقل يقدم الهداية والعقل يضيء الطريق لفهمها. وهذا التصور يختلف عن المواقف التي تضعهما في مواجهة. فالعقل بلا هداية قد يضل، والهداية بلا عقل قد تتحول إلى جمود. والأهمية تكمن في الجمع بينهما.

وفي السياق التاريخي، كان مشروع ابن رشد استجابة لتحديات عصره. فقد شهد القرن السادس الهجري صراعات فكرية بين الفلاسفة والمتكلمين، وبين مختلف المدارس الكلامية. وكان الهدف من "تهافت التهافت" إعادة ترتيب هذا المشهد على أسس منهجية. فهو لا يسعى إلى الانتصار لفريق على آخر، بل إلى بناء حوار عقلاني. وهذا ما يجعل كتابه نموذجا للفلسفة النقدية.

ومع ذلك لم يلق مشروعه القبول الكامل في عصره. فقد تعرض للنقد والتهميش، بل نُفي في بعض الفترات. لكن أفكاره لم تمت؛ إذ انتقلت إلى أوروبا حيث أثرت في الفلسفة المدرسية. فقد قرأ فلاسفة العصور الوسطى شروحاته لأرسطو واستفادوا من منهجه. وهذا يدل على أن الأفكار العميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان.

وفي العصر الحديث، عاد الاهتمام بابن رشد بوصفه رمزا للعقلانية. فقد رأى فيه بعض المفكرين نموذجا للحوار بين الحضارات. إذ كان يجمع بين الفلسفة اليونانية والتراث الإسلامي، ويبحث عن نقاط التوافق. وهذا ما تحتاجه الإنسانية اليوم، حوار يقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإقصاء.

لكن استحضار فكره لا يعني استنساخه. فالعالم المعاصر يختلف عن عصره. ومع ذلك أمكننا الاستفادة من منهجه: التمييز بين مستويات الخطاب واحترام التعدد والسعي إلى البرهان. فهذه المبادئ تصلح أساسا للنقاشات المعاصرة، سواء في الفلسفة أو في السياسة أو في الأخلاق.

إن "تهافت التهافت" ليس مجرد رد على كتاب بعينه، بل هو مشروع فكري يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين. فهو يرفض الاختزال ويدعو إلى رؤية مركبة. فالحقيقة متعددة الأبعاد: هناك بعد عقلي وبعد إيماني وبعد عملي. وكل بعد يكمّل الآخر.

إن نقد المتكلمين عند ابن رشد يهدف إلى تصحيح المنهج، لا إلى إلغاء المضمون. فهو يقر بأهمية الكلام في الدفاع عن العقائد، لكنه يطالب بضبط أدواته. وهذا المطلب ما زال صالحا اليوم؛ إذ تحتاج النقاشات الفكرية إلى منهجية واضحة. فالجدل بلا ضوابط يؤدي إلى الفوضى، بينما البرهان يفتح الطريق إلى الفهم.

إن فكر ابن رشد يمثل دعوة إلى العقلانية المتوازنة. فهي لا تنفي الدين ولا تعادي الفلسفة بل تسعى إلى الجمع بينهما. وهذا الجمع ليس سهلاً لكنه ممكن. فالتاريخ يشهد على قدرة الإنسان على التوفيق بين القيم المختلفة. وإذا تحقق ذلك فإن المعرفة تصبح أداة لبناء الإنسان، لا وسيلة للصراع.

وبذلك يظل تحليل بنية الجدل في "تهافت التهافت" مفتوحا على قراءات متعددة. فهو نص غني بالأفكار، قابل للتأويل. وكل قراءة تضيف إليه بعدا جديدا. وهذا ما يجعل الفلسفة حية: أنها حوار مستمر، لا إجابة نهائية. فالحقيقة تُطلب ولا تُملك. ومن يسعى إليها يجب أن يتحلى بالتواضع الفكري وبالاستعداد للتعلم.

إن إرث ابن رشد يذكّرنا بأن العقل والدين يمكن أن يتعايشا. فالعقل يفهم العالم والدين يمنحه المعنى. وإذا تكامل الدوران تحقق التوازن. وهذا هو جوهر الحكمة: البحث عن الاعتدال والابتعاد عن التطرف. فالحياة الفكرية تحتاج إلى جسور لا إلى جدران. ومن خلال تلك الجسور يمكن للإنسان أن يقترب من الحقيقة ولو لم يبلغها كاملة.

***

د. حمزة مولخنيف

الملخص: يهدف هذا البحث إلى دراسة العلاقة العضوية بين الاستشراق اللاهوتي أو ما يسمى بعلم الآثار التوراتي باعتبار الأخير تجليًا ماديًا له وتاريخ فلسطين ومنطقة الشرق عامة، وبيان كيف وظّفت القوى الاستعمارية هذا العلم (علم الآثار التوراتي) لخدمة المشروع الصهيوني في فلسطين. فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، تحوّلت "أراضي الكتاب المقدس" إلى مختبر لتجارب أيديولوجية هدفها إضفاء شرعية تاريخية ودينية على الكيان الاستيطاني عبر فرض قراءة توراتية على الجغرافيا الفلسطينية، وتهميش التاريخ العربي الإسلامي. والتركيز على دور المؤسسات الغربية والبعثات الأثرية - بدعم حكومي وكنسي - في اختلاق سرديات أثرية توراتية قائمة على التلفيق والتحريف، مثل ربط المواقع الفلسطينية بأسماء توراتية مزعومة. وفي الأخير يستعرض البحث جهود عدد من المفكرين، خاصة فاضل الربيعي، في نقد الرواية التوراتية والجغرافيا الدينية المفترضة، من خلال إعادة قراءة النصوص وربطها بجغرافيا اليمن وجنوب الجزيرة العربية.

المقدمة

منذ صدور كتاب إدوارد سعيد الشهير والمؤسس "الاستشراق"، بدأ العديد من الباحثين في الربط بين الاستشراق اللاهوتي وعلم الآثار التوراتي، باعتبار الأخير تجليًا عمليًا للأول، وامتدادًا معرفيًا وأيديولوجيًا للمشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين ولبنان وسوريا. فمنذ نشأته، لم يكن علم الآثار التوراتي مجرد مسعى علمي للكشف عن الماضي، بل جاء لخدمة أجندات لاهوتية واستعمارية، تداخلت فيها الرغبة في تأكيد سردية دينية مع طموحات سياسية توسعية. ويكفي أن اسمه "التوراتي" مما يدل على انحيازه وعدم موضوعيته. إذ يتخذ من نصوص "العهد القديم" مرجعية أساسية، لا باعتبارها نصوصًا دينية عقائدية، بل وثائق تاريخية تعطي الشرعية لمشروع استيطاني امبريالي. فلقد لعب المستشرقون التوراتيون دورًا مركزيًا في صياغة هذا العلم، حيث حوّلوا فلسطين إلى مختبر أثري تُسقط عليه سرديات توراتية لا تؤيدها الأدلة الأركيولوجية، عبر اسقاط جغرافيا التوراة على الجغرافية الفلسطينية بشكل تعسفي، مع إقصاء متعمد لمراحل طويلة من التاريخ العربي والإسلامي. ومن هنا، يسعى هذا البحث إلى تحليل البنية الاستشراقية اللاهوتية التي شكلت الأساس النظري والمنهجي لعلم الآثار التوراتي، والكشف عن دوره في إنتاج رواية مزيفة حول تاريخ فلسطين القديم تخدم أهداف المشروع الاستيطاني الصهيوني. بالإضافة إلى تناول مساهمات عدد من المفكرين المعاصرين الذين واجهوا هذا التزييف، وعلى رأسهم المفكر العراقي الراحل فاضل الربيعي، الذي أهدي هذا العمل المتواضع إلى روحه، إذ شكّل رحيله قبل أشهر خسارة كبيرة لمجال الاستشراق التاريخي ونقد علم الآثار التوراتي. ورغم أن الربيعي لم يكن أول من خاض هذا الميدان – فقد سبقه مفكرون بارزون ككمال الصليبي – إلا أن ما يميز أطروحاته هو جرأتها وعمقها، على الرغم من أنها لم تخلُ من جوانب قابلة للنقد. ومع ذلك، تبقى جهوده من المحطات الفكرية المهمة في تفكيك الهيمنة المعرفية الغربية وتحرير المخيال العربي من أسر السردية الاستعمارية. وبذلك تكمن أهمية هذا البحث في اعتماده على منهج نقدي مقارن، يضع النصوص التأسيسية في مواجهة نصوص مناقضة لها، ويحلل أثر التزييف المعرفي في إنتاج خطاب تاريخي مضلل، مع السعي إلى تفكيك الارتباط بين العلم والهيمنة التوراتية الصهيونية، واستعادة سردية تاريخية أكثر موضوعية واتساقًا مع الواقع التاريخي والجغرافي للمنطقة.

أولا: علم الآثار التوراتي بوصفه تجليًا ماديًا للاستشراق اللاهوتي

لطالما كان التاريخ القديم للمنطقة، وبخاصة تاريخ فلسطين، نقطة تقاطع بين الأبعاد السياسية والدينية، وهذا التقاطع يتجلى بوضوح في "علم الآثار التوراتي" باعتباره تجسيدا عمليا لعلم الاستشراق اللاهوتي. وتعتبر الحقبة الموالية لسقوط الدولة العثمانية في أوائل القرن العشرين العصر الذهبي لعلم الآثار التوراتي وفقا للعديد من الباحثين وفتح الشرق الأوسط أمام البعثات الغربية والتي لم تكن لم تكن مجرد بعثات ذابت طابع أكاديمي بقدر ما كانت بعثات استشراقية استعمارية، أثّرت بشكل عميق في تشكيل السرديات التاريخية وهوية المنطقة. وقد حلت الحكومتان الانتدابيتان البريطانية والفرنسية محل السلطة العثمانية في سوريا-فلسطين والعراق، وتم إنشاء دوائر آثار محلية.[1] غير أن الأصول البعيدة لهذا العلم تعود للاحتلال الغربي لبعض أجزاء الشرق. فقد شكلت حملة نابليون على مصر بداية علم المصريات. وبرز هذا العلم نتيجة نجاح جان فرانسوا شامبوليون في فك رموز الهيروغليفية في 14 سبتمبر 1822. وأدى ذلك إلى زيادة الاهتمام بعلم الآثار. وبناءً عليه، انتشر الاهتمام بشرق الأدنى القديم، أي "أراضي الكتاب المقدس"، في أنحاء أوروبا. وكانت حكومات أوروبا: الدول الألمانية (لاحقًا ألمانيا)، فرنسا، بريطانيا العظمى، وحتى روسيا، حريصة على دعم أي بعثات استكشافية إلى الشرق الأدنى القديم. ونتيجة لذلك، تلقت مصر، وبلاد ما بين النهرين، وفلسطين بعثات أثرية متعددة. ومع مرور الوقت، ترسخ علم الآثار في الجامعات. وساعد على ذلك ميل العديد من الدول لبناء متاحف وطنية منذ القرن التاسع عشر. ومن بين هذه المتاحف الشهيرة المتحف البريطاني.[2]

لقد نشأ علم الآثار التوراتي في سياق تاريخي وسياسي تزايد فيه الاهتمام باستعادة تاريخ "الكتاب المقدس" خاصة من قبل الكنيسة البروتستانتية. حتى أن مصطلح "علم الآثار" في اللغة الإنجليزية ارتبط في بداياته بالمعرفة المتعلقة بإسرائيل القديمة من المصادر الأدبية، ولا سيما الكتاب المقدس. ومع اتساع نطاق الاهتمام ليشمل مناطق أخرى، ابتُكر مصطلح "علم الآثار التوراتي" لتمييز هذا الفرع الذي يركز على الكتاب المقدس. ويُعد اللاهوتي الأمريكي إدوارد روبنسون، الذي زار فلسطين عام 1838 برفقة تلميذه إيلي سميث، الأب المؤسس لهذا العلم. كان هدفه المعلن "استعادة الواقع التاريخي للنص التوراتي، لجعل الكتاب المقدس أكثر إقناعًا وفهمًا"، وهو ما تجلى في كتابه "البحوث التوراتية في فلسطين وجبل سيناء والعربية البتراء". حيث كان لعلم الآثار الغربي (التوراتي) دور كبير في تناول هذا التاريخ وتشكيله تشكيلاً خاصاً. وتكمن خطورة هذا التشكيل في وجود العديد من أوجه الخلل في الأسس التي بني عليه. ومن أوجه هذا الخلل اتخاذ التوراة نطاقاً لدراسة هذا التاريخ..[3]ولم يقتصر هذا التوجه على الأفراد؛ ففي عام 1865، تأسس "صندوق استكشاف فلسطين" (Palestine Exploration Fund) في بريطانيا تحت رعاية الكنيسة الإنجليكانية، بهدف معلن هو "الاستكشاف الكامل والمنهجي والعلمي للأراضي المقدسة، وذلك بغرض توضيح الكتاب المقدس بشكل رئيسي". ومن بين العوامل التي أدت إلى تأسيسه، أولا: نجاح العلماء الغربيين الأوائل في ربط اكتشافاتهم في فلسطين بالكتاب المقدس، مما أثار اهتمامًا جماهيريًا وولّد دعمًا عاطفيًا وماليًا. ثانيا: نشر داروين لكتابه أصل الأنواع والذي اعتُبر هجومًا على الكتاب المقدس، مما زاد الطلب على تأكيد سلطة الكتاب المقدس والبحث في أصول المسيحية. ثالثا: حرب القرم (1853-1856) والتي، رغم أسبابها السياسية، سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة في فلسطين.[4]

بدأ الصندوق نشاطه بإرسال تشارلز وارن للتنقيب في القدس عام 1867، حيث وضع حجر الأساس للأعمال اللاحقة في تاريخ وطبوغرافية المدينة. كما قام الفرنسيون بدورهم في التنقيب، إذ استقبل القنصل الفرنسي في فلسطين كليرمون-غانو  (1846–1923) في نفس الفترة. وكان له إسهام كبير في دراسة فلسطين القديمة. ففي عام 1870، تمكّن من الحصول على حجر ميشع (المعروف أيضًا بالحجر المؤابي) من العرب ونقله إلى متحف اللوفر، كما أسهم كثيرًا في مجال التنقيبات وتوثيق النقوش.

وفي عام 1920، تأسست الجمعية الأمريكية لاستكشاف فلسطين، وكان هناك تعاون بينها وبين البريطانيين منذ البداية، حيث تقرر أن تقوم الجمعية الأمريكية بمسح شرق الأردن بينما تقوم بريطانيا بمسح فلسطين الغربية. ومع ذلك، فشلت الحملتان المرسلتان من قبل الجمعية الأمريكية فشلًا تامًا. واصل صندوق استكشاف فلسطين أعمال التنقيب دون انقطاع، ومن نتائج ذلك نشر نتائج الحفريات في أريحا (1913) والسامرة(1924).[5]

وكما رأينا أن نجاح العلماء الأوائل في ربط اكتشافاتهم بالكتاب المقدس في سياق اتسم ببروز علوم اجتماعية جديدة كالأنثروبولوجيا وغيرها ونشر داروين لكتاب "أصل الأنواع" الذي اعتبر هجومًا على الكتاب المقدس، وكذلك حرب القرم التي سلطت الضوء على الصراع حول الوصاية الدينية على الأماكن المقدسة، كلها عوامل غذت هذا الاهتمام والدعم العاطفي والمالي بعلم الآثار التوراتي وبالأراضي المقدسة في الشرق (فلسطين). غير أن الدافع الحقيقي الكامن وراء هذا العلم، والذي لا يمكن تجاهله، هو استخدامه "للتحقق من صحة الروايات التوراتية وكذلك لتبرير احتلال فلسطين". وكذلك لتبرير احتلال فلسطين. وكما رأينا، فإن ذلك يتم إما عن طريق إسقاط الواقع السياسي الحديث — وقت عمل علماء الآثار التوراتيين في فلسطين — على الماضي السحيق، أو من خلال تمجيد الماضي العِبري[6] يتضح هذا في عبارة فريتز ديليتش الذي تساءل عن سبب "بذل جهود في أراضٍ بعيدة، قاحلة وخطيرة؟" وعن "سبب التنافس بين الدول للحصول على حقوق الحفر والتنقيب في هذه التلال المهجورة؟"، ليجيب بوضوح: "هناك جواب واحد لهذه الأسئلة، وإن لم يكن الجواب الكامل، وهو ما يشير في الغالب إلى الدافع والهدف، ألا وهو التوراة". ولقد كان علماء الآثار التوراتيون، وكما يصف فريتز، "يحفرون وينقبون والتوراة في يدهم. فإذا تم الإعلان عن تنقيب في تل فلسطيني لم يتم التحقق من هويته كموقع توراتي استقبل الجمهور هذا الإعلان ببرود، أما حين يقال أن التنقيب سيتم في موقع ذي علاقة بإبراهيم او داود فسيثير الإعلان موجة حماس عارمة تدفع بالمال والصحافة الى الموقع والعاملين فيه. وكلما كان الإعلان " مرتبطا بالبحث أو التنقيب عن شيء خيالي أو أسطوري مثل البحث عن القبائل العشر أو تابوت العهد أو عنزة يوسف الملونة، كانت حظوته بالدعم اكبر". ويبدو أن هذه الملاحظة ظلت صادقة مع توالي السنوات. يقول ويندل فيليبس رئيس بعثة التنقيب الأمريكية في اليمن في أوائل الخمسينات " .. لاقت بعثة سيناء لجمع التبرعات قبولا حسنا، نظرا لعلاقتها بالكتاب المقدس، والأهمية الفائقة المعلقة على تصوير المستندات الدينية، والتي كانت تهم دافعي التبرعات أكثر من كتابة مليوني صفحة عن الآثار القديمة ".[7] وقد أدت هذه التبعية اللاهوتية إلى تحيزات منهجية وتفسيرية عميقة. فكان علم الآثار التوراتي "يهيمن عليه المنهج والتفسير من قبل النصوص التوراتية". وهذا يحيلنا إلى ملاحظة إدوارد سعيد القائلة بأن أغلبية المستشرقين، حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانوا من الباحثين التوراتيين الذين كانت معرفتهم بالشرق، معرفة نصية.[8] فالشرق موضوع الدراسة كان عالما نصيا على نطاق واسع، وتم انتاجه عبر الكتب والمخطوطات، وليس عبر العاديات القديمة مثل التماثيل والفخاريات كما هو حال في إنتاج اليونان في عصر النهضة. وحين كان مستشرق يتنقل في بلد اختص به، كان ينتقل وفي ذهنه أحكام مجردة عن "الحضارة" التي يدرسها لا تقبل الإهتزاز، ومن النادر أن اهتم مستشرقون بأي شيء لا يبرهن على مصداقية ومشروعية هذه "الحقائق البالية"، وتطبيقها من دون نجاح يذكر على سكان البلد غير المفهومين، فالنص التوراتي تحديدا، لعب الدور الأكبر في انتاج ماضي شرقنا العربي، فوضع تاريخه ولغاته وفنونه وآثاره المادية في سياقات غربية لا تنتمي إليه بقدر ما تنتمي إلى صورة متخيلة مستمدة من المرويات التوراتية[9]. فالاستشراق خطاب لا يخلق المعرفة بموضوع فقط، بل ويخلق الموضوع ذاته.

الأخطر من ذلك، أن هذا النهج المنحاز أدى إلى تجاهل الأدلة الأثرية التي تناقض الكتاب المقدس أو لا تدعمه على الأقل بشكل كامل. فالكتاب المقدس، بحد ذاته، لم يعد مصدرًا أساسيًا لتاريخ إسرائيل القديمة، فعلى سبيل المثال، تشير الأدلة الأثرية إلى سقوط أريحا في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي قبل قرن من زمن يشوع، مما يتناقض مع السرد التوراتي. ومع ذلك، كان التفسير الأثري غالبًا ما يسعى إلى "تدعيم دقته التاريخية" بدلاً من السماح للأدلة بأن تلعب دورًا فعالًا في مراقبة النص التوراتي. وهذا ما يفسر تجاهل أوجه الاختلاف في الاكتشافات التي لا تتوافق مع السرد التوراتي، كما حدث مع ألبرايت في تنقيباته في مدينة ماري. وبعبارة أخرى، كما كتب "برايت": "لا يسمح للأدلة الأثرية بأن تؤدي دوراً فعالاً في مراقبة التقليد التوراتي، بل تُستخدم كأداة دفاعية لتدعيم دقته التاريخية". أما الحقيقة الثانية الناتجة عن هذا الاعتماد المطلق على الكتاب المقدس، فهي أن المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة لم تلقَ أي اهتمام، لأنها لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به "الآثار التوراتية". ومن غير المبالغة القول إن هذه الأماكن لم تُعتبر موضوعات مناسبة للبحث الأثري الأوروبي. [10]

مثل ألبرايت، تمكن "رايت" (1909-1974) من الجمع بين التدريب في الدراسات التوراتية والخبرة في علم الآثار، لا سيما في تصنيف الخزف تحت إشراف ألبرايت. وكان رايت مقتنعًا بأن دور علم الآثار يتمثل في "كشف الأساس التاريخي للإيمان اليهودي-المسيحي، وإظهار كيف أن الوحي قد جاء عبر التاريخ".[11] ويكتب رايت (Wright)، في كتابه "علم الآثار الكتابي ":علم الآثار الكتابي هو نوع خاص من علم الآثار العام، نوع يمكن ممارسته من الكرسي الهزاز (أي دون الحاجة النزول للميدان، بل يكتفى فيه فقط بقراءة الكتاب المقدس). قد يكون عالم الآثار الكتابي نفسه عالم آثار، وقد لا يكون، ولكنه يدرس الاكتشافات الناتجة عن الحفريات ليستخلص منها كل حقيقة يمكن أن تلقي ضوءًا مباشرًا أو غير مباشر، أو حتى غير واضح، على الكتاب المقدس. [...] ومع ذلك، فإن اهتمامه الأساسي لا يكون بالأساليب أو الفخار أو الأسلحة بذاتها، بل يكمن في فهم وشرح الكتاب المقدس. [...] إن الدراسة المكثفة لعالم الآثار الكتابي هي ثمرة الاهتمام الحيوي بالتاريخ الذي زرعه الكتاب المقدس فينا. لذلك، لا يمكننا افتراض أن معرفة التاريخ الكتابي غير ضرورية للإيمان. يجب أن يسير علم اللاهوت الكتابي وعلم الآثار الكتابي جنبًا إلى جنب إذا أردنا فهم معنى الكتاب المقدس"[12].

ولم يقتصر التحيز على الآثار المكتشفة فقط، بل امتد ليشمل الهوية والتاريخ. فقد أهملت المواقع التي تعود إلى الفترات الإسلامية المبكرة بشكل كبير، لأنها "لا تدخل ضمن السياق الذي تهتم به الآثار التوراتية". كما أن استخدام مصطلح "الإسرائيليين" من قبل علماء الآثار التوراتيين غالبًا ما يعني افتراض "تجانس ووحدة ثقافات وهويات إسرائيلية في مختلف السياقات الاجتماعية والتاريخية"، وهو افتراض يتجاهل التعقيدات العرقية والثقافية التي كشفت عنها الأبحاث الحديثة.

هذا التوجه لم يكن محايدًا علميًا، بل كان جزءًا لا يتجزأ من خطاب الاستشراق الذي ناقشه إدوارد سعيد. فالانقسام بين "نحن (المتحضرون)" و" هم (المتخلفون)" يظهر بوضوح في أعمال شخصيات مثل ألبرايت، الذي اعتبر الثقافة الإسرائيلية "الجذر الأساسي للثقافة الغربية" مقابل الثقافة الكنعانية العربية المتخلفة، ورأى أنه "من الطبيعي أن يستبدل الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين"، مبررًا بذلك أعمال الإبادة. كما أن هذا الخطاب لم يصنع صورة تمثيلية للأرض في الذهنية الغربية فحسب، بل "اقتلع من الصورة بالقوة المادية والسطوة على مناهج البحث والمعرفة سكانها وتاريخهم المادي والثقافي في الماضي والحاضر، وحولها إلى أرض خالية تنتمي إلى ماضي الغرب البعيد". ومن ثم، رأى علماء الآثار التوراتيون هذا الوضع وكأنه جزء من خطة إلهية. ومن البديهي أن هؤلاء العلماء كانوا يحملون أيديولوجيات سلبية مسبقة تجاه سكان المنطقة. يكتب سيلبرمان "كان يُنظر إلى "السراسنة" في المنطقة غالبًا على أنهم 'ذئاب الجزيرة العربية' – أعداء طبيعيون للحضارة، غير راغبين وعاجزين فطريًا عن تبني حياة الاستقرار". ووفقًا لذلك، اعتبر العلماء الغربيون أن استعادة الأرض إلى حالتها العظيمة القديمة هي واجبهم.[13] وفي ذات السياق نجد أنه في تفسير ألبرایت لعلم الآثار، هناك تمييز حاد بين الثقافة الإسرائيلية (التي اعتبرها الجذر الأساسي للثقافة الغربية) والثقافة الكنعانية. ويمكن الاستشهاد بالعديد من الأمثلة من كتابه "علم آثار فلسطين" فعلى سبيل المثال، كتب:

"نظرًا لأن الثقافة الإسرائيلية كانت من نواحٍ كثيرة صفحة بيضاء عندما غزا الإسرائيليون فلسطين، فقد نتوقع أن يكونوا قد تأثروا بشدة بثقافة أسلافهم الكنعانيين. ومع ذلك، تُظهر الحفريات وجود قطيعة مفاجئة للغاية بين ثقافة العصر البرونزي المتأخر الكنعاني وثقافة العصر الحديدي المبكر الإسرائيلي في تلال فلسطين." وبهذا يكون ألبرايت مثل العديد من علماء الآثار التوراتيين، لا يعمل فقط ضمن سياق الاستشراق، بل كان أيضًا منخرطًا في المشروع الاستعماري في فلسطين، أو بالأحرى في السياسة. ففي مقاله "لماذا الشرق الأدنى يحتاج إلى اليهود"، أظهر دعمه للصهيونية، التي اعتبرها صاحبة الحق السياسي في فلسطين. فاليهود، حسب رأيه، لهم الحق في الأرض نظرًا لروابطهم التاريخية والعاطفية بها.[14] ومن ثم، يرى ألبرایت أنه "من الطبيعي أن 'يستبدل' الإسرائيليون السكان الأصليين الأدنى مرتبة في فلسطين". ويبدو أن هذا الاستبدال، في نظره، يمكن أن يتحقق من خلال القتل، تمامًا كما فعل اليهود القدماء بقيادة يشوع عندما أبادوا السكان الأصليين، أي الكنعانيين.[15] قد يحسب المرؤ أن القضية تتعلق بأرض فلسطين فقط التي كانت بريطانيا تستعد لإستعمارها، إلا أنها تتعلق في الحقيقة بكل الأرض العربية، ويمكن أن تمتد إلى أي أرض تشير إليها المطامع الإستعمارية. فبناء ما يدعونها " اورشليم " الذي يقوم على أسطورة "الغزو" و"إبادة" السكان الأصليين و "الإستيطان" حاضر أيضاً في استعمار أمريكا الشمالية. إذ يقول بروس ترجر: "أصبحت أمريكا أرض كنعان ثانية، أرضاً يأخذها الله من سكانها الأصليين ليعطيها لشعبه المختار الجديد.[16]

فمنذ النكبة الفلسطينية سنة 1948 والخطاب الإسرائيلي يعمل على تمثيل الفلسطينيين وفقا للخطاب الاستشراقي بوصفهم "مخربين" وبصورة تكاد تكون نسخا عن تمثيل هذا الخطاب لسكان أمريكا واستراليا ونيوزيلندا وكندا الأصليين. فهم حسب خطاب الإستشراق في نسخته الصهيونية لدى أمثال ياكوف شيموني وفاشيتس وبيني مورس: "مجتمع بدائي متخلف، لم تكن لديه نزعة قومية متميزة، أما سبب الانهيار السريع للفلسطينيين في العام 1948 فهو عيوب فطرية متأصلة في مجتمعهم. وهي ثلاث مغالطات لا تقوم على استقراء تاريخي بقدر ما تقوم على تمثيل مستعار من جملة تمثيلات استشراقية دأبت على صناعتها الدوائر الإستعمارية لتبرير حروب الإبادة وسرقة أراضي سكان البلاد الأصليين[17].

إن التلفيق والتزوير لم يكونا غائبين عن المشهد الأركيولوجي الفلسطيني. فمن محاولات إثبات توراتية لمواقع فلسطينية، إلى تحريف أسماء معاصرة، بل وحتى انتحال أسماء عبرية مستمدة من التوراة من قبل أشخاص غزوا فلسطين في القرن العشرين، كانت الأهداف السياسية والأيديولوجية هي المحرك. الأمثلة عديدة، كتسمية "اسطبلات سليمان" التي تكررت في أكثر من موقع، أو تحويل اسم قرية "أم القبّس" إلى "لاخيش" من خلال تلاعب لغوي لا يمت للعلم بصلة. فالمبدأ المتبع هو إطلاق اسم توراتي على الموقع، ثم التنقيب واستخراج عاديات تنسب إلى الموقع التوراتي المزعوم. وحين تثار شكوك بعض العارفين من العلماء، ينقل اسم الموقع التوراتي إلى مكان آخر بكل بساطة. وقد حدث هذا كما رأينا في تسمية اسطبلات سليمان التي بعد الكشف عن ضلالها في تل المسلم نقلوها لتطلق على المسجد المرواني في القدس، ومثال دوران المواقع لكيخية التوراتية من مكان الى آخر، يلقي ضوءا ذا معنى على هذا التحايل الذي لا يمكن أن ينطبق عليه إلا اسم المهزلة. المحاولة الثانية لإلصاق اسم لاخيش بتل الدوير في العام 1938 تصلح لاستخراج طرائف ممتعة. فهذا التل أطلقوا عليه اسم لاخيش منذ البداية واقبروا فيه في ضوء هذه القناعة، ليس لسبب سوى اتخاذهم من اسم قرية مجاورة له تدعى " ام القبّس " سببا. فقد أسقطوا من اسم القرية ألف التعريف، كما تسقط عادة في اللغات الأوروبية، فأصبح الاسم " أم لكن " وبتصويت "اكس" على الطريقة العبرية تصبح " لا كيش" ولأن هناك تبادلا بين السين والشين والكاف والخاء بين بعض اللغات التي تدعي سامية، تحول اسم " أم القبّس" إلى "لاخيش" بقدرة فذة من قدرات الجهل والتمدد والتعامل. وفي ضوء هذا الاعتقاد المسبق بأن الموقع أصبح هو موقع لاخيش، قرأ خبير اللغة العبرية نقوشا عثر عليها في التل مكتوبة بالأبجدية الكنعانية (اطلقوا عليها اسم العبرية القديمة !) وبعد ترجمتها خرج هذا الخبير بالنبأ المنتظر: هذا هو بالفعل موقع لاخيش التوراتية.[18] أما كيف حدث ذلك، وماذا كان مصير هذا النبأ، فيرويه بيتر جيمس هكذا: " قرر المنقب جي . لي . ستاركي أن الموقع هو موقع "لاخيش" قبل أن يضرب بمعوله، وهكذا قرر أيضا، بعد أن لاحظ آثار تدمير وحريق في الطبقة الثانية من طبقات الموقع، أن هذا التدمير من عمل الجيش البابلي في العام 587 ق. م. هذا حتى قبل اكتشاف النقوش التي أطلق عليها "رسائل لاخيش" ، وأعطيت هذه النقوش على الفخار للخبير هاري تورشنر فقام هذا فورا بمقارنة أسماء الأشخاص، بعد أن "رممها" وأضاف إليها حروفا من تخميناته، بأسماء واردة في التوراة. واستنتج ان النقوش تعود الى عصر يرميا، النبي البارز في يهوذا خلال الغزوات البابلية. وبدأ وتحت ظل هذا الاعتقاد بالتعرف على أحداث فردية من تلك المذكورة في سفر "يرميا". فالإشارة مثلا في النقش الرابع إلى "اكس" و "عرفة" معا في سياق يوحي أنهما تحت احتلال عسكري، استدعى مقارنة مع إشارات يرميا إلى هاتين المدينتين كآخر مدينتين صمدتا أمام الهجوم الأخير. وتسلم الدفعة عالم الآثار التوراتي " وليم . ف البرايت " فأضاف نقله إلى قراءات تورشنر، وتناول النقش السادس المشلوم والذي نصه كما يلي "مولاي .. ألا تكتب.. فعلت هكذا.. مسلم، وأعاد كتابته فأصبح "والآن يا مولاي هل لك أن تكتب لهم فماذا فعلتم هكذا حتى أورشليم؟" محولا كلمات متقطعة قد لا تكون جملة واحدة في الأصل، إلى ترجمة اعتباطية غرضها إيراد اسم أورشليم[19] فهي ظاهرة شائعة واشد خطراً على المجال العلمي، وخاصة حين يقف وراءها ويروجها "علماء" من ذوي النفوذ الأكاديمي، كما حدث مثلا حين أساء رئيس فريق بعثة فيلادلفيا الأمريكية للتنقيب قراءة نقش مسلة الملك المصري رمسيس الثاني المكتشفة في بيسان (1923)، فجعله يتحدث "عن استخدام" الإسرائيليين" في بناء مدينة هذا الملك، بينما كان النص الأصلي يتحدث عن قبائل العامو والشاسو التي قدمت قروض الطاعة للملك. ومثال ذلك إكمال وليم البرايت في العام 1941 لنص على كسرة فخارية من تل الدوير بزج كلمة "سقوط أورشليم" للبرهنة على تاريخية هذا الحدث وفوق الأرض الفلسطينية أيضاً. الأخطر من هذا أن هذه "القراءات" الزائفة يتم تكرارها في الكتب العلمية والمدرسية حتى بعد الكشف عن ضلالها. في السنوات الأخيرة، اضطرت حتى الدوائر الصهيونية إلى الاعتراف بوجود الكثير من العاديات الملفقة في متاحفها ومتاحف العالم حسب ما أوردته صحيفة هاآرتس الصهيونية ذاتها[20].

ويرافق كل هذا النشاط "الآثاري" و"التاريخي" نشاط عسكري استعماري الذي يحتل الأرض ويرسم الخرائط ويمحو أسماءها، ويلصق بها الأسماء اللاهوتية المتخيلة. وقد كشف أكثر من مصدر عن التزييف الذي أدخله عسكريون وعلماء لاهوت وسياسيون صهاينة على أسماء المواقع الجغرافية والمدن والتلال الأثرية الفلسطينية، والكيفية التي تم بها إلصاق الأسماء التوراتية الغريبة بمعالم هذه الأرض العربية. من هذه المصادر كما كتبه بليونى ميرون بنفنستي عن لجنة تشكلت من تسعة باحثين فور الاستيلاء على النقب الفلسطينية في العام 1949 بأمر من بن غوريون لعبرنة أسماء الأماكن ومعالمها، ويشير إلى أن عمل أعضاء هذه اللجنة كان قد بدأ في العام 1920 حين عين اثنان منهم كمستشارين لحكومة الاحتلال البريطاني في كل ما يتعلق بوضع الأسماء العبرية على خريطة فلسطين بدلا من الخرائط العربية التي كانت قيد الاستخدام. وكذلك التحقيق الذي أجراه توماس تومسن خلال عمله في القدس في العام 1986، والذي كشف فيه عن وجود عمل منظم ودؤوب لتجريد كافة أنحاء فلسطين من أسماء المواقع العربية منذ العام 1948 ووصولا إلى السنوات الأخيرة. ولاحظ عالم الآثار الأيرلندي ماك آلستر منذ وقت مبكر كيف أن بعض معالم القدس التاريخية قد تم الاعتداء على ماضيها، فأطلق الصهاينة على قلعة هيرود اليونانية اسم " قلعة داود" وعلى بوابة الخليل اسم" بوابة يافا" الذي أطلقه الفرنجة، وكلا الاسمين خطأ. ومنذ وقت قريب زعمت أوساط صهيونية أن المسجد المرواني الملاصق للمسجد الأقصى ليس سوى ما يدعونه "اسطبلات سليمان" وبدأت وكالات الأنباء تتداول هذه التسمية، متجاهلة أن هذا الاسم ذاته سبق للمنقبين التوراتيين أن أطلقوه على عمائر في تل المتسلم جنوبي جبل الكرمل، ثم عادت عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون في آخر محاضرات لها قبل وقت قصير، إلى التأكيد على أن الأخبار المتداولة حول وجود اصطبلات سليمان فيما اصطلح المنقبون التوراتيون على أنها مدينة مجدو التوراتية لا تعدو كونها أخباراً مختلفة [21].

يُعتبر الباحث Weill من أوائل من ربطوا بين التسمية التوراتية "مدينة داود/Ir David" الواردة في سفر صموئيل الثاني (5:9)، وبين كهوف القبور الموجودة في منطقة سلوان، والتي سماها "قبور ملوك بيت داود". وقد شكّل هذا الربط أول محاولة حديثة لإطلاق اسم "مدينة داود" على هذه المنطقة، وهو ما تبنّاه لاحقًا علماء الآثار الإسرائيليون، ليشمل منحدر وادي حلوة وصولًا إلى عين سلوان[22]. في المقابل، كانت التسمية الأكثر شيوعًا بين الباحثين في نهاية القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين هي "تلة الظهور" أو "عوفل/Ophel"، والتي ظهرت في خرائط تلك الفترة، واعتمدت في أبحاث علماء الآثار التوراتيين، باستثناء الجزء الجنوبي من سور المسجد الأقصى باتجاه قمة منحدر وادي حلوة، وحتى حي البستان شمالًا. وقد ركّز علماء الآثار التوراتيون على منطقة سلوان وحي البستان، مستندين إلى الاسم الذي أطلقه السكان المحليون منذ قرون على هذه المنطقة، وهو "البستان". وفسّروه تفسيرًا توراتيًا باعتباره "حديقة الملك" المذكورة في الكتاب المقدس (صموئيل الثاني)، محددين موقعها في ذات المنطقة التي تضم اليوم أكثر من 90 منزلًا فلسطينيًا. ويعتقد المدافعون عن وجود "مدينة داود" أن هدم هذه المنازل سيمكّنهم من استعادة المشهد التوراتي المزعوم وتحويل المكان إلى وجهة سياحية تسرد للزائرين رواية عمرها ثلاثة آلاف عام، وهي رواية بدأتاها في القرن التاسع عشر المؤسسة الكولونيالية، ومن ثمّ دائرة الآثار خلال فترة الانتداب البريطاني (1922-1948)، وتواصلها الآن المؤسسات الأثرية الإسرائيلية.[23]

فكل هذه المحاولات التحريفية للتاريخ الفلسطيني والتي رسخها الاستشراق في علم الآِثار هدفها إلغاء أيّة جوامع ومشتركات تجمع الحضارات التي قامت في منطقتنا، والتي تنزع "العربية" عن شعوبها وخلقَ هويات مصطنعة لبعض البلدان العربية، ودفع العربي إلى التنكّر لنفسه ولأسمائه وتفتيت وطنه إلى هويّاتٍ لا أساس لها إلا في كتب الباحثين الغربيين.[24] ولحسن الحظ، بدأت هذه التوجهات تلقى نقدًا متزايدًا، فظهرت مدارس مثل "مدرسة كوبنهاجن" التي شرعت في "انتقاد العلاقة بين علم الآثار والكتاب المقدس". وأظهرت الدراسات الحديثة، كما يشير توماس ل. طومسون، أن "الحديث عن عصر ذهبي لإسرائيل قديم، بعاصمة اسمها أورشليم، ومملكة تسيطر على منطقة شاسعة... إنما هو صور متخيلة لا مكان لها في أوصاف ماضي فلسطين التاريخي الحقيقي". وأكدت المعطيات الأثرية أن "إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدًا". ويضيف: "ليس هناك من أدلة على وجود مملكة موحدة، ولا أدلة على عاصمة في أورشليم، أو أي قوة سياسية متماسكة وموحدة هيمنت على غربي فلسطين ناهيك عن امبراطورية. ولا أدلة على وجود هيكل أو معبد في الفترة التي تتحدث عنها الموروثات التوراتية، ولا يعزي أمر فقدان هذه الأدلة إلى وجود فجوة في معرفتنا ومعلوماتنا عن الماضي، أو أنه نتيجة طبيعية لاعتباطية البحث والتنقيب، بل لأنه لا مكان، ولا سياق، ولا عاديات أثرية، ولا محفوظات تشير إلى وجود مثل هذا الواقع التاريخي، فلا أحد يستطيع الحديث عن عاصمة من دون مدينة، ولا عن دولة بلا سكان، والروايات وحدها لا تكفي، تلك الروايات التي لا يشجعنا ما نعرفه عن أمثالها أنها قصدت أساسا أن تكون تاريخا". وفي مؤتمر للمستشرقين عقد في روما في العام 2003، يقدم الباحث نيلز بيتر لي مش، من جامعة كوبنهاجن، بأن "المعطيات الأثرية أثبتت الآن نهائيا ان إمبراطورية داوود وسليمان لم توجد أبدا[25].

ورغم هذا التحول المهم في الأوساط العلمية الغربية، لا يزال مأزق "علم الآثار التوراتي" بعيدًا عن عناية الباحثين العرب ووعيهم، وما زالوا "غارقين في تكرار مقولاته وتسمياته وفرضياته كحقائق مسلّم بها". فالكثير من الباحثين، عربًا وغير عرب، لا يدركون أن تعبير "الحضارة الإسرائيلية" هو "نتاج خيال خصب لا نتاج آثار ملموسة"، و"ليس سوى عبارة شائعة في خطاب الاستشراق التوراتي، لا أساس له على أرض الواقع".

بناء على ما سبق، يُعد علم الآثار التوراتي مثالًا صارخًا على كيفية استخدام المعرفة وتوجيه البحث العلمي لخدمة أجندات سياسية وأيديولوجية استعمارية. إن فهمنا لهذا التاريخ المعقد يتطلب تجاوز "التصوير المسبق لما يسمى بالهوية اليهودية" الذي كرّسه هذا العلم، ونقد كل أشكال التحايل والتلفيق التي شابت مساره، والعمل على بناء تاريخ لفلسطين القديمة مبني على حقائق علم الآثار والدراسة الجغرافية والاقتصادية والسكانية، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة، أو الأفكار المسبقة. فالمهمة ليست فقط اكتشاف المواد الأثرية، بل الأهم هو كيفية تفسيرها بعيدًا عن أي توظيف سياسي لها، لإعادة كتابة تاريخ المنطقة بصورة أكثر دقة وإنصافًا. فلقد منع هذا الهوس التوراتي والخطاب المهيمن على العلماء والباحثين والمؤرخين من صياغة تاريخ لفلسطين القديمة وضلل كل الأبحاث في هذا المجال. وبالتالي يجب على النخب والمؤسسات العربية الرسمية والشعبية التحرر من قيد علم الآثار التوراتي لأنهم بتحررهم من تلك القيود يكسرون الحلقة الفرغة التي يقوم فيها الشرق بتشريق نفسه عن طريق اجترار نفس المقولات الاستشراقية التي تخص تاريخه وهويته. ولكن هل توجد أطروحات مضادة لمخرجات علم الآثار التوراتي؟

ثانيا: أطروحات نقدية للجغرافيا التوراتية ومخرجات علم الآثار التوراتي

ظهرت في السنوات الأخيرة العديد من الأطروحات المشككة في الكثير ممن كان يُعد من المسلّمات في علم الآثار التوراتي وتاريخ فلسطين ومصر القديمة، هو في حقيقته نتاج خيال استشراقي موجه ومتحيّز، أكثر منه معرفة علمية محققة كما رأينا سابقا. فقد كشفت دراسات عدد من الباحثين من أمثال فاضل الربيعي، وأحمد الدبش، وكمال الصليبي، عن مدى التلاعب الذي تعرض له تاريخ منطقتنا، وكيف أن سردية "إسرائيل القديمة" و"أرض الميعاد" المزعومة، لم تكن سوى بناء سردي أيديولوجي خدم مشاريع الاستعمار الغربي والصهيونية الحديثة. فالمرويات التوراتية، والتي طالما اعتُمدت كمصدر تاريخي لتحديد الجغرافيا المقدسة، تبين أنها لا تشير صراحةً لا إلى فلسطين ولا إلى أورشليم باعتبارها القدس، ولا إلى مصر وادي النيل بصفتها مسرحًا لقصة الخروج. بل إن العديد من النقوش والوثائق الأثرية، سواء في اليمن أو في النقوش الآشورية، تسلط الضوء على مواضع تحمل نفس الأسماء المذكورة في التوراة، ولكن في أماكن بعيدة تمامًا عن الجغرافيا الفلسطينية التقليدية وذلك وفقا لأطروحاتهم، ولكن هذه الموجة من "التشكيك" لم تقتصر على الباحثين العرب فقط وإنما شملت كذلك الباحثين وعلماء الآثار الإسرائيليين والغربيين أمثال الأمريكي توماس طومسون. إذ يعتبر مثلا أن لقب "عابيرو" الوارد في رسائل تل العمارنة والذي حاول البعض ربطه بالعبرانيين، فهو يستعمل برأيه لوصف تصرفات قطاع الطرق، ويبدو أنه يشير إلى طبقات اجتماعية أو جماعات متنازعة مع بعض حكام العصر البرونزي الأخير، ولكنه لا يستعمل بأي حال للإشارة إلى أية مجموعة اثنية معينة في فلسطين.[26] وبأن العائدين من السبي البابلي ما هي إلا جماعات جديدة لا علاقة لها بإسرائيل. إذ يصور النبي أشعيا (أشعيا 45:1) قورش بوصفه مسيح يهوه ومعيد الشعب التقليدي إلى الأرض. ويشير طومسون إلى "أننا لا نتعامل مع إعادة منفيين إلى موطنهم أكثر من تعاملنا مع إعادة ديانة قديمة منسية أو إعادة بناء معبد. ومهما كان الشعب الذي نقل أو أعيد إلى فلسطين، فهم بالتأكيد لم يكونوا إسرائيليين، وعلى الرغم ذلك أصبح الفرس يعتبرونهم، وكذلك المرويات التوراتية الناشئة، وأصبحوا هم يعتبرون أنفسهم سكان إسرائيل المفقودة منذ زمن عائدين إلى "أرض إسرائيل" من منفى مرير بعد أن خلصهم سيدهم ومنقذهم قورش من بابل".[27] صحيح أن أطروحة طومسون مختلفة في جغرافيتها على أطروحات الباحثين العرب التي تعيد اسقاط الجغرافيا التوراتية في شبه الجزيرة العربية تحديدا جنوبها الغربي ولكن تبقى أطروحة مهمة فهو حاول أن يتناول موضوع تاريخ إسرائيل وأصولها بصراحة وموضوعية وأشبعه تمحيصاً وتحليلاً بعيدا عن الأيديولوجيا الصهيونية ومخرجات علم الآثار الاستشراقي. وفي سياق ذلك تقوض أطروحاته كون "أرض إسرائيل" الوطن التاريخي للشعب اليهودي، ويثبت أن الحركة الصهيونية هي التي سرقت مصطلح "أرض إسرائيل" وهو ديني في جوهره وحولته إلى مصطلح جيو-سياسي، وبموجبه جعلت تلك "الأرض" وطـن اليهود، وذلك منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وكنتيجة لذلك انزعجت الأوساط اليهودية من اصدار كتابه "التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي" لدرجة أنه فقد وظيفته في جامعة وذلك بسبب الضغوط من اللوبي الصهيوني.

عود على بدء، يرى فاضل الربيعي بأن المخيال الاستشراقي الأوروبي سعى في قراءته للتوراة، نحو بناء سردية جديدة خيالية توضع في خدمتها مكتشفات علم الآثار، وتتوافق مع عصر الفتوحات الاستعمارية، وهي سردية وجد فيها الغرب إمكانية مدهشة للعثور على حاضنة أولى وقديمة للحضارة الأوروبية مدفونة في رمال الشرق، فعثر في الرواية عن بني إسرائيل طفولته البعيدة تلك في الشرق الغامض والملتبس، يوم كان لداود مملكة مترامية الأطراف. ولسوف يمهد هذا الانتساب المفاجئ الطريق أمام أوروبا لكي تعيد إدراج التراث اليهودي- المسيحي والحضارة الغربية في سياق استمرارية تاريخية كانت مفتقدة، فلم تعد أوروبا وريثة لأثينا وحسب، بل هي استطراد لمملكة إسرائيل. وها هو تاريخ بني إسرائيل الملفق يكتشف على نحو قابل لأن يرى الغرب فيه تاريخاً خاصاً به، ضائعاً وتائهاً في شرق منسي، وقد أمكن استرداده بفضل إعادة الرواية [التوراتية] وتزويجها. على أوسع نطاق وبالتلازم مع الاستيلاء على الأرض".[28] هذه المساعي الاستشراقية تقودنا إلى مساعي علماء الآثار لي أعناق النصوص الأثرية المكتشفة من أجل توظيفها وفقا لروايتهم الأيديولوجية، ولعل من أبرز الشواهد على هذا التزييف، ما تضمنته "لوحة مرنبتاح" التي اعتُبرت لعقود أول ذكر تاريخي لـ "إسرائيل". لكن إعادة فحص النصوص الهيروغليفية، كما أشار الباحثون، تكشف أن كلمة "يسيرارو" أو "يزيرارو" لا تشير إلى شعب "إسرائيل"، بل إلى منطقة زراعية في سهل مرج ابن عامر، وأن تعبير "لم يعد له بذر" هو وصف أرض لا شعب، ما يُسقط الزعم بأنها دليل على وجود سياسي أو ديني لما يُسمى بإسرائيل في ذلك الزمن، فالعلامات الهيروغليفية في النقش تشير إلى جماعة أو قبيلة لا إلى كيان سياسي معروف، وهو ما يُضعف فرضية ارتباط الاسم بـ"إسرائيل" التوراتية. بالتالي، فالخلاصة أن اللوحة تُوثق انتصارًا لمرنبتاح على جماعات كنعانية أو فلسطينية، ولا يمكن الاعتماد عليها كدليل قاطع على وجود شعب "إسرائيل" بمعناه الديني أو السياسي في ذلك الوقت[29]. ولقد أكد زاهي حواس أن أغلب علماء الآثار في العصر الحديث قالوا إن كلمة "إسرائيل" غير صحيحة، لكن لو افترضنا صحتها، فلا أحد يعرف متى جاء العبرانيون، ومتى خرجوا؟، كما لا أحد يعرف من هو فرعون الخروج أو أي من هذه القصة، وأضاف "هذا هو ردي على إسرائيل".[30] وفي ذات السياق نجد أن لم يعثر على أي نقش هيروغليفي يذكر ملكا باسم "فرعون" بوصفه لقبا ملكيا كما ورد في التوراة، فالكلمة في أصلها تعني "البيت العظيم" وكانت تشير إلى القصر الملكي وليس لشخص الحاكم. فكلمة فرعون (pharaoh)، مأخوذ من الكلمة المصرية pr‑ʿꜥꜣ، وتعني "البيت العظيم"، وقد كانت في الأصل تشير إلى القصر الملكي أو الديوان الرسمي في مصر القديمة. في عصر المملكة الحديثة وبشكل خاص منذ الأسرة الثامنة عشرة، تقريبًا )1539–1292 ق.م) بدأت تُستخدم الكلمة مجازيًا للإشارة إلى ملك مصر. وبحلول الأسرة الثانية والعشرين ) تقريبًا 943–746 ق.م) أصبحت لقبًا محترمًا، يُستخدم كتعبير عن الاحترام. ومع ذلك، لم يكن هذا اللفظ هو لقب الملك الرسمي في هذه الفترة؛ إذ ورد في الوثائق الرسمية أن للملك خمسة أسماء رئيسية، يسبق كل منها أحد الألقاب التالية: حورس، السيّدتان، حورس الذهبي، ملك مصر العليا والسفلى، وابن رع. وكان الاسم الأخير يُمنَح له عند الولادة، بينما تُمنح الأسماء الأخرى عند التتويج.[31] وحتى زاهي حواس، أحد أشهر الأثريين المصريين، أقر بعدم وجود أي دليل أثري على قصة الخروج أو وجود موسى، ما يُضعف الرواية الدينية ويُعريها من مصداقيتها التاريخية. إضافة إلى اسم مصر لم يذكر في النقوش الهيروغليفية إذ، ذكرت عدة أسماء للدلالة على بلاد النيل كيميت  (Kemet) وهو الاسم الذي عرف به الفراعنة موطنهم في لغتهم والذي يعني "الأرض السوداء " كناية عن أرض وادي النيل تمييزا لها عن الأرض الحمراء الصحراوية المحيطة بها. في المقابل نجد أن اسم مصر ظهر في النقوش الآشورية واليمنية. حتى أن النبي محمد عندما أرسل رسالة للمقوقس ملك بلاد النيل آنذاك خاطبه ب "عظيم القبط" وليس ب "عظيم مصر". فمن الواضح أن بلاد النيل في تلك الفترة كانت معروفة ببلاد القبط وهم المصريون القدامى ولم تكن معروفة باسم بلاد مصر أي أنها ليست هي ذات البلاد التي ذكرتها التوراة. ولقد توسع الباحث المصري أحمد عزت في هذه الأطروحة في كتابه الشهير "مصر لم تعرف لا فرعونا ولا موسى".

أما فيما يتعلق ب "أورشليم"، فقد بينت تحليلات فاضل الربيعي وآخرين أنها لا تعني القدس العربية على الإطلاق، وأن ثمة خلطاً مقصوداً وقع بين "قدش" التي قد تعني جبلًا مقدسًا، و"أورشليم" كمدينة، دون أن تُفهم الفروق الجغرافية والثقافية بينهما. فالنصوص التوراتية، عند تمحيصها، تميز بين مواضع عدة، وتضعها في سياقات لا تنطبق على جغرافية فلسطين الحالية، بل تنسجم أكثر مع جغرافيا اليمن وسراة المعافر وجبال نجران. بل إن أسماء مثل جبل صهيون وبيت بوس وبيت لحم، والتي ارتبطت تقليديًا بالقدس ومحيطها، ترد في وصف الهمداني ضمن مناطق تقع إلى الجنوب من تعز، وتؤكد الروايات القديمة والمواضع الموصوفة في الشعر الجاهلي والأدب العربي نفس التسميات في اليمن، وليس في فلسطين. فالمكان الأول وكما يتضح من وصف التوراة، جبل شامخ تم تقديسه (تطهيره) أو تحريمه فسمي (قدش - قدس). أما الاسم الآخر (أورشليم) فاسم لمدينة من المدن، يتكرر حضورها في نصوص مختلفة من التوراة، من دون أي رابط جغرافي مع الجبل. بكلام آخر؛ فإن التوراة تطلق على مكان بعينه اسم "أورشليم" ولا تقول عنه، أبداً، ولا بأي شكل من الأشكال، أن المقصود منه القدس (أو قدش). وهذا يعني أن شعب بني إسرائيل القديم، وهو من الشعوب والقبائل العربية البائدة، وطبقاً للرواية التوراتية، عرف مدينة باسم أورشليم، كما عرف مكاناً آخر باسم قدش - قدس.

وللتذكير؛ فإن المتطرفين وغلاة اليهود الغربيين، يصرون على وصف التوراة هذا، وهم يقولون إنها فوق جبل (ولذلك ظهرت جماعة أمناء جبل الهيكل التي تقول أن هيكل الرب الذي بناه سليمان هو في القدس العربية أي فوق جبل، هذا برغم أن القدس العربية تقع فوق هضبتين مرتفعتين). والمدهش أكثر، أن النص التوراتي يتحدث عن سقوط أورشليم بعد أن هاجمها الملك داود من جبل يدعى جبل صهيون، وأن داود أطلق اسمه على الجبل - الحصن الذي استولى عليه، فصار اسمه "مدينة داود". وبالطبع لا يوجد في طول فلسطين وعرضها جبل يدعى جبل صهيون. والجغرافيون العرب ومعهم جغرافيو اليونان الذين وصفوا بلاد الشام في حقب وفترات مختلفة من التاريخ، لم يذكروا قط اسم جبل في جنوب سورية يدعى جبل صهيون، كما لم يذكروا أي شيء عن بلاد تدعى "اليهودية" قامت في أي وقت فوق أرض فلسطين. ومن المؤكد أن اسم جبل صهيون في الذاكرات الوطنية العربية، اسم يثير الفضول والريبة والحيرة والسخط في آن واحد، لأنه يرتبط باسم "الحركة"[32]. إئ  أن جبل صهيون الذي يؤدي إلى أورشليم لا وجود له في فلسطين. ومن غير المنطقي تخيل اختفاء جبل من الجغرافيا، أو زوال اسمه أو تحول طريقة نطقها، بينما يزعم التوراتيون أن كل الأسماء الواردة في التوراة صمدت على مر الزمن؛ وأنها لا تزال موجودة في فلسطين منذ ألفي عام، برغم أن الكثير منها مجرد آبار قديمة أو ينابيع وعيون ماء أو قرى يسهل زوالها ونسيان أسمائها؟ ويضرب الربيعي دليلا على وجود جبل صهيون في اليمن وذلك في سياق سرد قصة أصحاب الأخدود الشهيرة التي قام فيها الملك اليهودي اليمني أبي نواس الحميري بالتوجه إلى نجران من أجل قمع المسيحيين هناك فنجد الأعشى في إحدى قصائده الشهيرة التي حذر فيها عبد المسيح بن الديان أسقف نجران العظيم، وشقيقه ومساعده وراعي كنيسته فيقول:

أَيا سَيِّدَي نَجرانَ لا أوصِيَنكُما

بِنَجرانَ فيما نابَها وَاِعتَراكُما

فَإِن تَفعَلا خَيراً وَتَرتَدِيا بِهِ

فَإِنَّكُما أَهلٌ لِذاكَ كِلاكُما

وَإِن تَكفِيا نَجرانَ أَمرَ عَظيمَةٍ

فَقَبلَكُما ما سادَها أَبَواكُما

وَإِن أَجلَبَت صِهيَونُ يَوماً عَلَيكُما

فَإِنَّ رَحى الحَربِ الدَكوكِ رِحاكُما[33]

إن رواة الأخبار القدامى ممن رووا القصة - والتي سجلتها وثائق الكنيسة بدقة - كانوا يعرفون جغرافية الحدث التاريخي، ويعرفون جيداً جبل صهيون الذي هبط منه جنود الملك اليهودي ذي نواس الحميري، ليتجهوا منه مباشرة نحو نجران. وبالطبع فمن غير المنطقي الافتراض أن جبل صهيون كان في هذا الوقت من التاريخ ضمن جغرافية فلسطين، وأنها هي التي هاجمت نجران وأحرقت النصارى، فالتاريخ لا يعرف واقعة من هذا النوع، والأدق والأقرب إلى الحقيقة التاريخية والمنطق، أن اليمن اليهودية هي التي هاجمت نجران. وهذا نزاع قديم سجلته التوراة في مواضع كثيرة. ونجران كما برهنا في مؤلفنا السابق، كانت تدعى (ربة) تماماً كما في التوراة، والعرب القدماء كما تعلم، كانوا يسمون نجران (ربة نجران) ويتحدثون عن كعبتها المسماة كعبة نجران. وحتى اليوم لا تزال[34]. وفيما يتعلق بأورشليم نجد أن التوراة تتحدث عن أن الملك داوود ورجاله قد استولوا على أورشليم اليبوسية وطرد سكانها من الأرض، وأخذ حصن صهيون - صهيون فأصبح اسمه مضارب داود. وهذا النص ينفي نفياً قاطعاً أن تكون أورشليم هي القدس أو هي قدش - قدس، كما أنه يؤكد وجودها قرب جبل صهيون (صهيون والهاء الوسطية حرف صوتي كما في كلام أهل اليمن: يريق الماء - يهرق الماء). وبالطبع فالقدس العربية لا تقع قرب جبل صهيون[35]. ويجزم فاضل الربيعي بأن هذه المعركة لم تقع في فلسطين وبأن جبل صهيون، وهو حصن منيع، يصل بسلسلة جبال السرو بنجران في سرو حمير إلى الشرق من صنعاء. واليمنيون يقولون في المأثور الشعبي حتى اليوم (كل بوسي يهودي وكل يهودي بوسي). وذلك في إشارة إلى بيت بوس اليمنية التي كان سكانها على دين اليهودية، وهي مكان جبلي حصين؛ وصفها الهمداني وصفاً دقيقاً ومسهباً في كتابه صفة جزيرة العرب وتماماً كما في النص التوراتي. إليكم وصف الهمداني لبيت بوس " ثم الجوف وهو منففق من الأرض بين جبلين، فيه أنف وأروين وما أقبل من (مياه) من عد ـ ورد، وهو واد يصب مع سامك وديرة، إلى الحقلين والسهلين وما أقبل من أشراف نفيل السود، فبيت بوس رجل نقم وما بينهما من حقل صنعاء."[36] إذ يصف الهمداني المكان في كتابه (صفة جزيرة العرب): بيت بوس ينسب إلى القيل اليمني ذي بوس (ذي بواس) بن شراحييل. حصن منيع ووادي فيه بعض الفواكه ويقع إلى الغرب الجنوبي من صنعاء بمسافة ساعتين. لدينا في هذا النص ما يؤكد بشكل قاطع، وجود مكان جبلي بالوصف ذاته الوارد في التوراة ويدعى بيت بوس، وهو يرتبط بسلسلة جبلية تؤدي بدورها إلى جبل صهيون الوارد ذكره في شعر الأعشى، حيث يمكن للسائر هناك أن يهبط نحو نجران. والمثير للاهتمام أن بيت بوس هذه وبالوصف الوارد عند الهمداني، هي مدينة آمنة (حصينة) أي أنها "أورشليم" بمعنى المدينة التي تعيش آمنة، متنعمّة بسلام من خطر الأعداء، بفضل وجودها في مكان جبلي وعر وقاس يصعب اقتحامه. ونلاحظ أن كلاً من نص الهمداني ونص التوراة، يؤكد أن بيت بوس حصن منيع. فلقد زعم التوراتيون وهم يفشلون في العثور على بيت بوس هذه، أنها ذاتها "يا بوس" القرية الصغيرة في ضواحي دمشق. وهذا زعم باطل ولا أساس له، لأن القرية لا تؤدي إلى القدس العربية ولا تتصل بسلسلة جبلية تفضي إلى جبل صهيون[37]. وإذا ما قمنا بوضع النصين (نص يشوع ونص الهمداني) في إطار مقاربة جغرافية، تتضمن التسلسل الدقيق للمواضع والأماكن التي تؤدي إلى جبل قدش عند يشوع، وقدس عند الهمداني، فسوف نحصل على التماثل المدهش التالي - ولاختصار فسنكتفي ببعض الأمثلة: فنجد مثلا أن الهمداني في وصفه لقدش ذكر عدة أماكن مشابهة لوصف يشوع لقدش فنجد نجب وهي ذاتها ها – نحب (النحب) عند يشوع ووادي أدم التي يقابلها أَدَم ووادي حضر التي يقابلها حضر وأخيرا جبل قدس الذي يقابله قدش في وصف يشوع.

إن التوراة، بكلمة موجزة قاطعة، لا تقول أبداً، ولا بأي صورة من الصور، إن الأحداث التي ترويها قد جرت أو دارت في فلسطين. كما أنها لا تشير لا من بعيد ولا من قريب لاسم فلسطين أو الفلسطينيين ارتباطاً بالأحداث المروية.

علاوة على أن التوراة لم تذكر اسم فلسطين قط، إذ يُقصد بقدس هنا الجبل المبارك المعروف باسم "جبل قدس" – بفتح القاف والدال كما ينطقه اليمنيون – والواقع في مخلاف المعافر القديم، على بُعد نحو 80 كيلومترًا جنوب مدينة تعز باتجاه عدن. لا يزال هذا الجبل معروفًا حتى اليوم، ويُروى أنه كان في الأزمنة الغابرة موطنًا لشعب عربي قديم من شعوب العرب العاربة، يُعرف في التوراة باسم "فلسطين"، بينما يُعرف في العربية الجنوبية القديمة بـ"الفلس" أو "الفلست"، وهو نطق يمني قديم مشابه لنطقهم لكلمات مثل "قرشت" بدلًا من "قريش" و"فرست" بدلًا من "فرس". وقد يُكتب اسم هذا الشعب أحيانًا باستخدام "همزة وميم" في أوله (كما في "أم فلس")، وهو نمط تعريفي قديم في جنوب الجزيرة العربية كان يُستخدم قبل شيوع أداة التعريف الحديثة "أل"، كما يُقال: "أم رجل" في "الرجل" و"أم بعير" في "البعير". وتخالف هذه الرؤية ما تقدمه القراءة الاستشراقية الغربية التي تصوّر هذا الشعب كغرباء سكنوا في فلسطين التاريخية، بينما تفيد الشواهد اليمنية أن اسم الجبل "قُدس" لا يزال يحتفظ بذاكرة الجماعة القديمة "الفلست"، تمامًا كما ورد في الروايات التوراتية. وقد أشار الهمداني في كتابه صفة جزيرة العرب إلى هذا الجبل وهذه الجماعة القديمة، وذكر أن "الضباب وادٍ في قُدس من المعافر"، وأنه يوجد أيضًا في منطقة المفاليس – وهي جزء من مخلاف المعافر كذلك – وأن هذه المناطق تتصل بسراة الكِلاع، المعروفة بسراة بني سيف، وتشمل الشريط الساحلي الممتد من أرض المعافر حتى جبال عدن وساحل بني مجيد (الذي يُحتمل أن يكون مجدّو التوراتية). في هذا الإقليم نشأت ممالك يمنية قديمة تُعرف بـ"المخاليف"، مثل مخلاف ذبحان، حبأ، جميع، صبر، صحارة، ووادي الضباب، وكان معظم سكانها من قبائل همدان والأشعريين. يشير هذا كله إلى أن الشعب الذي عرف بالتسمية التوراتية "فلسطين" قد يكون في أصله قبيلة يمنية قديمة عاشت في جنوب الجزيرة، عند جبل قُدس، وليس في أرض كنعان كما تزعم الروايات الاستشراقية.[38]

ويُظهر النص التوراتي عند الحديث عن السبي البابلي وعودة القبائل، ذكرًا لأسماء عشائر عربية خالصة، لا وجود لها في فلسطين أو في السجلات البابلية، لكنها موجودة في اليمن، وموثقة عند الهمداني في "صفة جزيرة العرب". وهذا يشير إلى أن الرواية التوراتية، في أصلها، تدور حول قبائل عربية بائدة، من بيئة جنوبية. ونجد أن سفر عزرا( 1:11 و 2:20) ينص على أنه في العام الأول لسقوط بابل - 539 ق.م، قرر الملك الفارسي قورش إعادة السبي من القبائل إلى مدنه وقراه الأصلية. ولأجل هذا الهدف نشر في بابل، نداء الملك الذي تضمن إعلان تحرير القبائل العربية اليهودية (كما يسميها فاضل الربيعي)، وحقها في العودة إلى مواطنها وفي إعادة بناء ما تهدم من مدنها، وخصوصاً أورشليم التي في يهوذه - أي أورشليم بيت بوس في سرو حمير. كما تضمّن قرار الملك الفارسي السماح للعائدين من الأسر، بالحصول على تبرعات من سكان بابل لأجل بناء مدنهم المهدمة. وإلى جانب هذا كله، أعاد قورش ممتلكات الهيكل المنهوب في أورشليم، وسلمها إلى زعماء وأنبياء القبائل العائدة. وفي قائمة نحميا – نحميا الثانية (التي سوف تكتب بعد أكثر من نصف قرن على مرسوم قورش) سنجد أن من بين القبائل العائدة، بني صيح، وبني حسفة، وبني رصين - رضيْن، وبني ناصح، وبني حجاب، وبني عبيد، وبني شلمة - سلمه، وبني شُهرليم (الشعراء) وبني حشم (نحميا: 7: 77 و: 59). فأين يمكن للمرء، إذا ما أراد معرفة الحقيقة عن السبي البابلي، أن يعثر على هذه الجماعات والقبائل؟ إن فلسطين التاريخية لا تعرف قبيلة واحدة من هذه القبائل، لا من خلال بقايا أنسابها ولا من خلال بقايا لغوية تؤكد وجودها. وليس ثمة أي وثيقة تاريخية أو نقش أو سجل من سجلات الإمبراطورية البابلية - الآشورية أو الفارسية، يمكن أن تدعم فرضيات الرواية[39].

ومن بين القبائل العائدة من الأسر البابلي والتي تم ذكرها في التوراة ومع ضبطها العربي نجد قبائل مثل بنو جبر في اللغة العبرية التي بقيت نفسها في الضبط العربي وبنو بيت لحم تحولت إلى بنو لحم وبنو حريشة إلى بنو حريشة وبنو ناصح إلى ناصحه. إضافة بنو عبيد التي تم ضبطها في العربية إلى عبيد وبنو شلمه إلى سلمه وبنو شعرايم إلى الشغراء وبنو كروب إلى أكراب.[40]

هذا يعني أن العائدين كانوا جماعات بدوية، ظلت تحتفظ بممتلكاتها من الجمال وتوارثها طوال سنوات السبي في بابل. فمثلا قبيلة بيت لحم – لخم ومنتسبوها سكنوا في موضع من وادي صيحان من أرض اليمن. وأقام جزء منهم في العراق وأسسوا مملكة الحيرة الشهيرة. وكذلك قبيلة شعرايم التي يعطيها مترجمو التوراة مكافئا غريباً هو الباب في المفرد شعر - والأبواب في صيغة الجمع (شعرايم). ويبدو أن الحيرة تملكت المترجمين حين وجدوا أنفسهم أمام قائمتي عزرا ونحميا التي يظهر فيها اسم قبيلة من القبائل التي أسرها نبوخذ نصر تدعى شعرايم. واستطراداً في الخيالية، تمت مكافأة الاسم بـ (البوابين). وبذلك أصبح لدينا قبيلة لا وجود لها ويستحيل العثور عليها هي قبيلة البوابين. في الواقع ليس ثمة قبيلة تدعى (البوابين) من بني إسرائيل، بل هناك قبيلة عربية - يمنية بائدة عاشت في موضع الشعراء - شعرايم (اسم المجمع العبري من شعر وهو جبل شهير وصفه الهمداني في مواضع كثيرة). إن كلمة شعراء (اسم المجمع من شعر) تكتب في العبرية في صورة شعرايم. واليمينيون يطلقون على الأشجار الكثيفة في المناطق الجبلية والوعرة والتي لم تمسسها يد الإنسان تعبير شعراء[41]. كذلك قبيلة الأكراب الذين أقاموا (ولاحظ العلاقة الدلالية في اسم كرب بمعنى الملك) في مخلاف عامر الساحلي على مقربة من أخوتهم بني عزرا - عزران وبني سلمه؛ تماماً كما في نصي عزرا ونحميا. وقد وصفهم الراجز اليمني الرداعي في أرجوزته عن الملح على النحو التالي فالأجرمين فحمی الأكراب فالضمانين إلى الشخاب فاحرماً منها إلى الثعلاب مواطناً مكللة الجناب. وهذا الراجز يحدد - على غرار قائمتي نحميا وعزرا - موضع بني محرم قرب الأكراب. وبنو محرم من حكام صور اليمنية، وقد سجلت التوراة اسمهم في صورة محرم ملك صور الذي ساعد سليمان الملك في بناء هيكل الرب حين أرسل له الأخشاب من وادي صور. وبالطبع فمن غير المنطقي تخيل أن سليمان كان قادراً على استيراد الأخشاب من صور اللبنانية، بينما يشتهر وادي صور اليمني بأنه من أعظم الوديان في إنتاج الأخشاب. ولعل قصة الحريق الذي التهم الأشجار في صور اليمن (وورد ذكرها في حديث شريف) يدلل على حقيقة أن صور اليمن اندثرت بفعل حريق بركاني مدمر. إن أحداً لم يلتفت إلى التناقض المريع في القراءة الاستشراقية في هذا الجانب من تأويل الأسماء؛ إذ من غير المنطقي أن يكون محرم ملك صور اللبنانية وفي الآن ذاته هو بطن من بطون القبائل الأسيرة. وإذا كان يحرم ملكاً لبنانياً كما تزعم القراءة الخيالية الغربية، فلماذا وأين ومتى جرى أسره في حملة نبوخذ نصر؟ وهل يعرف التاريخ المكتوب أي شيء عن أسر ملك اللبنانية في هذه الحملة[42]. ونجد فيما بعد أن قبيلة جشم اليمنية سارعت (والتوراة تقول إن جشم قبيلة عربية وتسميها جشم العربية حرفياً) مع أولى الأنباء عن شروع نحميا في عمليات إعادة البناء إلى قيادة معارضة قوية، انطلاقاً من إحساسها بأن هذه العمليات سوف تؤدي إلى الصدام عاجلاً أو آجلاً مع الفرس، وبالتالي تكرار الأحداث المأسوية التي عاشها هؤلاء مع الاحتلال الآشوري. كما وجد العمونيون - سكان نجران - في التصدي للمحاولة ومقاومتها، فرصة لمنع تكرار الاضطهادات التي تعرض لها هؤلاء في عهد داود وأسلافه. أي مقاومة عودة الاضطهاد الديني الذي مارسته اليهودية ضد الوثنية والوثنيين في نجران. ومع ذلك؛ وبالرغم من وجود كل هذه القوى الممتنعة، قرر نحميا المضي قدماً في أعمال البناء والمباشرة فيها. وسرعان ما انضم عدد من الكهنة إلى المشرفين على عمليات إعادة البناء[43]. حيث سردت التوراة أسماء القبائل المشاركة في عملية بناء أسوار أورشليم "تولى كاهن ها - جدول - الجدول ويُدعى هل - شب - الشبا بنفسه، ومعه طائفة من اليهود، بناء سور أورشليم من جهة جبل صنن - صنان (غنم). وصنن - ضان هذه ترجمت إلى الغنم، بحيث أصبحت الجملة على النحو التالي: (وبنوا باب الغنم). ومع أن فلسطين لا تعرف باب الغنم هذا، وليس ثمة موضع في طول القدس وعرضها يدعى غنم؛ فإن الهموس بلغ ذروته مع المحرفات الأكثرية تحت مسجد قبة الصخرة في القدس، بحثاً عن بقايا أسوار وأبواب أورشليم، وخصوصاً باب الغنم المزعوم هذا. ولذلك سعى التوراتيون إلى المطابقة بين اسم جبل أبو غنم البعيد عن مسجد قبة الصخرة، وبين صنان - غنم التوراتية هذه. في الواقع لا يوجد موضع أو باب قديم لأورشليم يدعى باب الغنم؛ بل هناك جبل مقدس وشهير في السراة اليمنية هو جبل غنم بالفعل، وليس أبي غنم. وهذا الجبل لا يزال يحمل الاسم المعرب غنم - من كلمة صنن العبرية - في المكان نفسه. ويبدو أن كلمة صنان أغرت المخيال الأوروبي على الافتراض أن المقصود منه جبل غنم. لكن علماء الآثار لم يعثروا على جبل بهذا الاسم، بينما نجده في السراة الجبلية اليمنية وباسمه المعرب: غنم.[44] وما إن شرع الكاهن في إطلاق إشارات البناء الأولى، حتى سارعت إلى المشاركة قبائل عدة تسجل التوراة أسماءها بدقة متناهية وهي:

قبيلة بنو عمري وعلى رأسهم زكريا زعيمهم وكاهنهم. وهؤلاء ساهموا في بناء جزء من السور في مجدل - وها - ماء. ثم قبيلة بنو شناء - شنؤة التي تولت ترميم الجزء الممتد من جبل شعر - ها - دجيم (الدجوج). وفي هذا الإطار كانا المترجمون الاسم (دجيم) بـ(باب الحوت) مفترضين أن الأمر يتعلق بالكلمة العبرية دج بمعنى حوت، سمك بينما المقصود موضع الدج طبقاً للرسم العبري، كما أن اسم هذه الجماعة في الضبط العربي الصحيح هو شنؤة وليس شناة، وهؤلاء يعرفون في التاريخ اليمني والعربي القديم بأنهم أزد شنؤة - أسد شنؤة. هل يمكن لعاقل أن يهمل هذا الاسم: أزد شنؤة؟ هؤلاء قبيلة شهيرة من قبائل اليمن وهم بنو أسد الذين ورد اسمهم في النقوش والسجلات التاريخية في صورة ملك لأزد: الملك الأزد - أزد شنؤة. سبق لهؤلاء المترجمين أن ترجموا الكلمة نفسها (دجيم) وفي مكان آخر وسياق مختلف ولوظيفة مختلفة في صورة (باب السمك) والآن أصبح لدينا مكان ملفق جديد يدعى باب الحوت. أعمال الترميم مستمرة، دخلت جماعات أخرى منهم بنو الفرس (والفرض - الفارض) وممثلهم بن بركيه - السلم بن برخيا ومهمهم أفراد من التقويميين - من مكان يدعى تقوع - قوع (والتاء حرف لاميّة: مثل تعوم في عروم) وبنو يعته - يعنه[45]. وعندما امتدت أعمال الترميم إلى وادي مَزَر (مور بالضبط وتماماً كما في سفر التكوين) عند مسيل صرام - صورم، دخلت جماعات قبلية أخرى ساهمت في تحسين المداخل. وهؤلاء كانوا على التوالي: من بني فاسمخ الذين تلقوا مساعدة من من يني بني جيعون، ومن أهل الصفقة - ها - مصفقه، ومن بني حارقيهم. والاسم الأخير (حارقيهم) كان مثيراً للحيرة بالنسبة للمترجمين. ولذا قدموا مكافئاً غريباً هو: الشياقة. وهكذا أصبح لدينا، فضلاً عن الأماكن الملفقة مثل بيت السمك وبيت الحوت وبيت الزبد، وجماعات لا وجود لها مثل البوابين (شعرايم) ها هنا جماعة أخرى جرى تلفيقها ولا وجود لها في التاريخ دعيت باسم (الصائغة) بينما الضبط الصحيح للاسم هو الحارق، والهاء في الاسم مشابهة للهاء في بعض الأسماء، مثل: شمر بهرعش في برعش (أحد أهم ملوك نجران). أما الميم فهي أداة التعريف (أو الجمع الحميرية - اليمنية). وإلى جانب هؤلاء شارك رجال من بني حور، ومن بني خروف. - مخارف. كما ساعدهم بنو حتوب الذين رصوا الأسوار حتى وادي تنورم - نورم. وإلى جوار هؤلاء أيضاً، كانت هناك جماعة قبلية أخرى يسميها النص التوراتي بنو الوحش. - الوحش. أما مداخل الوادي فتولتها قبيلة زنوج حيث امتدت الأعمال، عندئذ باتجاه المنطقة الحوف اليمني عند جبل أنف[46].

وبهذا تكون قبيلة بني شنؤة المذكورة في سفر نحميا ليست سوى قبيلة يمنية عريقة من الأزد-الأسد، استنادًا إلى كتابات الهمداني والشعر الجاهلي الذي يصفهم في سرو مذحج باليمن، ويدحض أي صلة لهم بفلسطين التاريخية، مشيرًا إلى أن جبل غنم غرب صعدة في اليمن هو موطنهم الأصلي. يتناول التحليل أيضًا موقعة تابوت العهد، مؤكدًا أن النص العبري الذي يصف استيلاء الفلسطينيين على تابوت الرب من "أوين العزاز" وإدخاله إلى "بيت دجون" لا يمكن ربطه بفلسطين، حيث لا وجود لهذه المواقع هناك، بينما جبل أبان هو جبل مشهور في بلاد طي اليمنية. أي أن المعارك بين بني إسرائيل و"الفلسطيين" لم تقع في فلسطين، بل دارت في فضاء جغرافي يمني يضم جبال سلمى ولبان وأبان، وأن وصف التوراة لجغرافيا المعارك يتطابق تمامًا مع جغرافيا الجزيرة العربية، لا فلسطين. إذ يعتبر فاضل الربيعي أن الزج باسم الفلسطينيين المعاصرين في هذا السياق هو تزييف تاريخي يهدف إلى طردهم من تاريخهم وتشويه سمعتهم. ويعتبر أن كلمة "فلشتم" في النص العبري، تعني "الفلستين" أو "الفلسة"، وهم عبدة الإله "فلس" في اليمن، وليسوا "الفلسطينيين" بالمعنى الحديث، مؤكدًا أن العرب القدماء واليونانيين لم يعرفوا جماعة فلسطينية قرب جبل أبان، بل عرفوا شعبًا عربيًا وثنيًا سكن هذا المكان وعبد الإله "فلس". وتماماً كما في نصوص التوراة وفي الكتابة اليمنية القديمة يمكن أن يكتب الاسم على هذا النحو: فلس، فلست، مثل قرشت في قريش والجمع في العبرية (فلشتيم). إن هذا الرسم يتطابق مع رسم الاسم في التوراة، بما يعني أنها قصدت الجماعة نفسها وليس الفلسطينيين. وذلك ما يفسر لنا السبب الحقيقي لعدم وجود الفلسطينيين في العرب بحد ذاته وليس بالطاء. لقد تمت مطابقة ماكرة، ومماثلة مخترقة بين الاسمين في سياق تزييف التاريخ القديم برمته. وفي نطاق هذه المسألة، سنرى كذلك، أن سكان الموضع نفسه اشتهروا في المرويات العربية القديمة وفي التوراة، بأنهم من آكلي السحت أي الحرام، وكانوا يصطدمون مع الجماعات الموحدة والمتدينة في الجاهلية البعيدة على خلفية قيامهم بسرقة[47].

إذ تربط التوراة بين سرقة تابوت العهد وعادات "الفلسة" في أكل السحت، مما يؤكد على السياق العربي اليمني للأحداث. إذ يستخدم النص العبري كلمة (مشحت - دون تصويت) وهي لقب تحقيري أضفي على الفلسطينين الذين حاربوا بني إسرائيل. لكن المترجمين اختاروا من القاموس العبري - العربي ويا للغرابة، كلمة (المخربين) كمكافئ لها، ولتصبح الجملة على النحو التالي: (واتجهت فرقة من المخربين الفلسطينيين). وهكذا، فقد أصبح لدينا "مخربون فلسطينيون" من عصر شاول. إن هذا النعت المشبع بالمقت الغريزي وبالكراهية العنصرية التي لا تصدق؛ هو في القلب من عمل هادف إلى مماثلة الصور ودمجها، بحيث تتماهى صورة الخرب الفلسطيني المعاصر مع صورة نظيره وجده الأعلى والخرب الفلسطيني في عصر شاول. هذا الخرب هو الذي سرق في الماضي تابوت العهد، وحارب مملكة إسرائيل القديمة. إنه بالنسبة للمخيال اليهودي الأوروبي الغربي ثم الأميركي، مخرب بالفطرة، مزعج وخطير منذ أن تصادم شاول ملك إسرائيل الأول معه [48].

وأخيرًا، يُشكك الربيعي في الربط بين أحداث "سفر المكابيين" وفلسطين، مؤكدًا أن "أورشليم الرومانية" لم تظهر إلا بعد عام 130 قبل الميلاد، وأن أحداث السفر تدور في "بلاد اليهودية" في اليمن، لا فلسطين، وأن السجلات الرومانية لا تذكر أي استيلاء على أورشليم/القدس في فلسطين خلال الحملة المذكورة. ولنبدأ من الاسم التوراتي "مكاب"، "مكابين"، الذي لا وجود له شمال فلسطين كاسم لموضع بعينه مهما فتشنا هناك، بينما يمكننا أن نجده بسهولة في الامتداد الجبلي لمنطقة اليمامة ومرتفعاتها في صورة (كاب). وفي اللهجة اليمنية (مكاب، مثل: مكصص في كمص، ومنوب في نوب، والميمون وبعض قبائل العرب في البادية تضيف الميم في أول الاسم أو الكلمة، وحتى اليوم يستخدم بدو العراق هذه الميم المنقرضة فهم يقولون جئتم في جغت، واقعدم في اقعدوا). والكاب - مكاب يقع ضمن جغرافية اليمن القديم وفي نجده (مرتفعاته) كما وصفها الهمداني. وعلى مقربة منه تماماً هناك موضع (مدان - مدان في النص العبري) التي ولد فيها يهوذه أورشليم الرومانية في "بلاد اليهودية القديمة" ،هوذه هو ابن لأسرة كاهن من كهان نجد اليمامة الممتد باتجاه اليمن، ويدعى متنا (مثنى) بن حنى - حنن من بني يريب - ريب. والياء في الأسماء من الحروف اللاصقة كما قلنا وهي لهجة يمنية قديمة.[49] وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام قد واجه في بدايته معارضة قوية من أحد أهم ملوك اليمامة وكان يدعى هوذة (يهوذه) وكان لتوه قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام. والمثير للفضول أن قبيلة بني الريب تقيم على مقربة من الجليل – الجليل في النص العبري؛ بل وقرب حدد – حدد الذي دارت فيه إحدى أهم المعارك ضد الرومان في قلب الجزيرة العربية. وأن بني الريب يقيمون على مقربة تماماً من موضع ء نيطه - ء نيطه. وهذا ما يفسر لنا سبب طلب المساعدة منهم في مواجهة الرومان الزاحفين. ولسوف نرى هذا المغزى عندما يقوم يوناتان بالانتقام من بني يمرء - المرء لقتلهم شقيقه يوحنا، حين أرسله لطلب المساعدة في مواجهة الرومان. هذا فضلاً عن أن كاب – الكاب ليست بعيدة عن بيت ء يل – الإل التي جرت فيها معركة أخرى. وسيكون أمراً مدهشاً عندما نعلم أن سائر هذه الأماكن هي في الفضاء الجغرافي ذاته لموضع حسم - حشم الذي جاء منه اسم النسبة الحسمونيون – الحشمونيون .[50]هاكم وصف الهمداني للموضع الذي ولد فيه يهوذه – هوذه المكابي، وللمواضع الأخرى التي شهدت المعارك الدامية "الريان من مياه الضباب وأيمن من قنوبين وأسفل منه القرية والحصاة حصاة جبلة وعن يسارها بطن السر وهو أسفل وادي الرمة «....» ويظهر النير بينه وبين الجنوب بطن العبري، وإحساء بني حوثه وحلاقيم وفي رأس العبري صوع والمدان) ها هنا المدان – مدان التي ولد فيها الملك يهوذا، تماماً في النص التوراتي وعلى مقربة منها وادي الرمة (الرمات – رمتيم لأن الرمة واد طويل عريض كما يقول الأصمعي) التي أعيدت إلى سيطرة القبائل بعد المفاوضات مع الرومان. وها هنا وادي عفرمة – القرية (ولاحظ دخول الميم بشكل عشوائي فهذا يعطينا فكرة عن التطور التاريخي لأداة التعريف العربية) وغير بعيد عنها وادي العبري – العيز الذي شهد بعض المعارك، فضلاً عن هضبة جبلة التي يقول النص – في تفاصيل لم نذكرها – أن معركة دامية وقعت فيها ضد الرومان.[51]

في وادي عفرمة تقع قرية تحمل الاسم نفسه، ويمكن ملاحظة دخول الميم في أداة التعريف بشكل عشوائي في بعض الأسماء، ما يعطي فكرة عن التطور التاريخي للغة العربية. غير بعيد عن وادي عفرمة، يوجد وادي العبري المعروف باسم العيز، الذي شهد بعض المعارك، وكذلك هضبة جبلة، حيث وقعت معركة دامية ضد الرومان كما يشير النص. الأسماء العبرية في هذه المنطقة أخذت صيغًا عربية متوافقة مع النطق العربي، فالأرض التي كانت تعرف باسم أدم بقيت أدم، والقرب كان تسمية لقرية ء قربتن، بينما بني بين بقيت كما هي. أما يعزير فقد صارت عيزوز، وذي تمه بقيت بنفس الاسم، وظبوت أصبحت ظبوة، والجليل لم يتغير، كما بقيت صور وصيدا تحملان أسمائهما، بينما تحولت عرابات إلى غرابات، وبصيرة إلى بصرة، وباصر إلى باصر، وعليم اختصر إلى علم. كما نجد أسماء أخرى مثل مقيد التي أصبحت مقيدة، وحيلم الذي صار حلمه، ورفون بقي رفون، وبيت بسان صار بيت بشان، وكشور بقي كما هو، وأرض جنب هي التحوير العربي لعبارة عرص – جنبه، وحبرون بقيت حبرون، وجزر صارت مجزر، وبيت زيت وسلامة احتفظتا بأسمائهما. أما تقعوع فقد أصبحت قاعًا، والفوص بقيت كما هي، وأنبطه – ء نيطة اختصر إلى أنبطه، وبني يمرء أخذت أشكالًا متعددة في العربية: بني يمرء أو بنو يمرء أو بنو المرء، وعيل تحول إلى الإل، وتمنية أصبحت منية، وبيت بيص صارت بيض، ومكماس أصبح الكامس، وعفرة بقيت عفرة، ولدة كما هي، ورمتيم صارت الرمة، وحصور بقيت حصور، والزبديون لم يتغير اسمهم، وء دوره أصبح الدور، وسكمه صارت سقمه.[52]

ويستشهد الربيعي في اسقاطه لأحداث سفر المكابين على جغرافية اليمن على كتابات ابن عبري إذ يقول الأخير في كتابه ما يلي: "إن بطليموس أفيغانوس وبعد الانتصار في معركة حمرين حربيتين سارتا نحو بلاد الشام وبلاد اليهودية، لإخضاعها. ويضيف وما يلي: "وملك بعده أنطيخوس أو أفاطور، سنتين، واضطهد اليهود اضطهاداً شديداً. وولي أمر اليهود يهوذا المقبي، وجمع بين الملك والكهنوت، وتوفي نواب أنطيخوس من "أرض يهوذا" وصار اليهود يحاربون ملوك الروم. إذ يشير هذا النص إلى اسم يهوذا المكابي في صورة يهوذا المقبي الذي جمع بين كونه كاهناً أعلى وملكاً، كما يشير إلى قيامه[53]بطرد نواب الإمبراطورية (في اليمامة ونجد اليمن وما يسمى إقليم السمرا ويفاع ومرتفعي وسواها). والأهم من ذلك أن ابن العبري يشير إلى حملتين، سارت إحداهما إلى بلاد اليهودية والأخرى إلى بلاد الشام. وهذا يعني أن ابن العبري يميز تمييزاً جغرافياً دقيقاً وصحيحاً بين بلاد الشام وبلاد اليهودية. بالتالي إقليم (بلاد) السمرا الذي قرئ في صورة السامرة لا يقع في شمال فلسطين وذلك طبقاً للرواية التوراتية؛ بل في شمال اليمن حيث دارت المعارك ضد الولاة الرومان في قلبه، وفي أطرافه عند موضع الغرابات – عرابات في التوراة. وبالطبع؛ فإن السامرة (الضفة الغربية من فلسطين) لا تعرف هذا الاسم، بينما نجد إقليم السمرا العربي – اليمني، وهو يضم الغرابات وديار هوذة نفسه. هاكم ما يقوله الهمداني "ثم تقطع بطن قو؛ ثم السمراء وهو أرض سهب، ثم تأخذ في الدهناء وهي هناك مسيرة يومين. ومن عن يمين ذلك الغرابات ثم تسير في السهباء ثم تقطع جبيلاً قريباً له ثم الروضة ودار عجل وديار هوذة – بن علي السحيمي الحنفي – وهي أول اليمامة. ثم من أسفل ذلك القرى من اليمامة والقنع، وهذه اليمامة حصون متفرقة ونخل ورياض".[54] هذا هو إقليم – بلاد – السمرا في الفضاء الجغرافي ذاته للمعارك التي وصفها السفر، وها هنا اليمامة – واليوم هي الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية – والتي دارت فيها الحروب ضد الرومان – وها هنا ديار الحنفيين (الموحدين الأوائل في الجزيرة العربية) الذين تسمى آخر ملوكهم باسم يهوذه – هوذه، تيمناً باسم الملك العربي اليهودي الذي قاتل الرومان يهوذه المكابي، وكان قد وضع التاج على رأسه حين ظهر الإسلام فأبى أن يسلم. لأجل ذلك كله، يتعين – اليوم – أن نشطب من التاريخ الفلسطيني عصراً بأكمله نسب إلى فلسطين خطأً؛ بل وأن نشطب كل ما له صلة بحروب يهوذه المكابي من تاريخ بني إسرائيل في فلسطين الخيالية، وأن نعيد وضعه بكل أمانة ضمن تاريخ اليمن والجزيرة العربية. ولكل ذلك أيضاً، فالقدس العربية – الإسلامية هي قدسنا، ليست ولم تكن أورشليم التوراة.[55]

وهكذا تكون الفرضية التي تزعم أن بني إسرائيل أقاموا مملكة موحدة تحت حكم داود وسليمان، مجرد فرضية لا يدعمها أي دليل أثري حتى اللحظة، كما أشار إلى ذلك عالم الآثار الإسرائيلي هرتزوغ، الذي أكد أن سنوات الحفر المكثف في فلسطين لم تسفر عن أي مكتشفات تدعم وجود تلك المملكة، بل كشفت عن مجتمعات محلية متباينة لا ترقى لمستوى كيان سياسي موحد. غير أن ما يثير التساؤل هو أن النظرية البديلة التي تضع جغرافية التوراة في جنوب الجزيرة، رغم قوتها في مواجهة الأسطورة الاستشراقية، إلا أنها، بحسب بعض المنتقدين، اعتمدت في بداياتها على فرضيات غير موثقة أثريًا، ومحاولات تأويل أسماء المواقع دون توفر براهين زمنية حاسمة. والأهم من كل ذلك، هو أن النظريات التقليدية بُنيت على توافقات لفظية وأسماء مشابهة لا أكثر، ومضت في طريقها لتؤسس ما صار لاحقًا أساسًا للتاريخ الرسمي لفلسطين القديمة. فحين زار روبنسون وسميث الأراضي المقدسة، شرعا في تعيين المواقع التوراتية على الأرض بالاستناد إلى أصوات الكلمات العربية المتقاربة، دون تحقق أثري أو سند تاريخي، وهي المنهجية ذاتها التي عابوها لاحقًا على فاضل الربيعي وأحمد الدبش، مع اختلاف الغايات والأهداف. ولذلك قام أحمد الدبش بالتراجع عن العديد من أطروحاته التي تتعلق بجغرافية التوراة واسقاطها على اليمن فيقول " لقد اعتمدنا على بعض الإشارات الغامضة في النقوش المسندية المتأخرة، والتي لم تكن متزامنة مع أحداث الكتاب المقدس، لمحاولة تأكيد فرضية "خيالية"، لا شك في أن علامات التسرع والارتباك ظاهرة في نصوص كتبي المبكرة، لأني ألّفتها وقتها متأثراً بـ "خطأ تحديد جغرافية الحدث التوراتي"، فكيف لي كباحث في التاريخ القديم، أعتمد "الكتاب المقدس"، كوثيقة تاريخية، وأقر أن المشكلة تكمن، وبكل بساطة، في خطأ تحديد جغرافية الأحداث؟ كيف لي كباحث في التاريخ القديم، رفض إسقاط روايات "الكتاب المقدس" على فلسطين لانعدام الدليل الأثري، وفي ذات الوقت أخترع جغرافية بديلة دون دليل أثري؟! كانت المعضلة الرئيسية التي واجهتنا، ولم نستطع التغلب عليها، عندما نجد موقعاً ما يتشابه اسمه مع موقع في "الكتاب المقدس"، ولكنّ المكتشفات الأثرية تشير إلى أن الموقع حديث نسبياً، وما يزيد الأمر صعوبة أننا لم نبذل عناء للكشف عما ورد عن هذا الموقع في السجلات التاريخية والأدلة الأثرية بدقة، عبر طرح سؤال علمي، وهو، هل هناك أدلة أركيولوجية تشير إلى أن الموقع متزامن مع الموقع المذكور في "الكتاب المقدس" أم لا؟ هل تم اكتشاف بناء قديم يعود إلى نفس الفترة الزمنية؟ وهل عُثر على نقوش تذكر هذا الموقع بنفس الاسم المذكور في "الكتاب المقدس"، ويتزامن مع الحدث "التوراتي"؟ علاوةً على ذلك، استعنّا بالنقوش المسندية لإثبات أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل، ولكنها جميعها نقوش متأخرة غير متزامنة مع الحدث "التوراتي"، ولا تُعتبر دليلاً على أن اليمن احتضن تجربة بني إسرائيل.  كانت اهتماماتنا محددة بشدة، فقد كرّسنا أنفسنا لرسم جغرافية "الكتاب المقدس" في اليمن، وبخاصة بعد أن افترضنا مسبقاً صحة "الكتاب المقدس"، وخطأ جغرافية الحدث. لكن في السنوات الأخيرة؛ بدأت هذه الفرضية ــ من وجهة نظري ــ تتداعى تدريجياً؛ فالسمة الرئيسية، في الخطاب "التوراتي"، هي الصمت المُطبق للسِّجِل الآثاري، ما يوحي بأننا نتعامل مع ماضٍ مُختَرَع لم يُعثر له على أثر حتى الآن.[56] أما فيما يتعلق بتسمية مصر فنجد أن بعض المنتقدين لأطروحات أحمد الدبش والربيعي يستشهدون بالمؤرخ العراقي جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب" الذي كان دقيقاً في انتقاء مفرداته عندما تحدث عن النقش الذي ذكر "معن مصرن" فقال: أثارت "معن مصرن"، "معين مصران"، جدلاً شديداً بين العلماء، ولا سيما علماء التوراة، فذهب بعضهم إلى أن "مصر" "مصرايم “Mizraim الواردة في التوراة ليست مصر المعروفة التي يرونها نهر النيل، بل أريد بها "معن مصرن"، وهو موضع تمثله "معان" في الأردن في الزمن الحاضر"، وقال أيضاً: فقيل "معين مصرن" لقربها من مصر، ولتمييزها عن "معن" أي "معين" اليمن". ولم يذكر جواد علي أبداً أن "معن مصرن" يُقصد بها مملكة معين. علاوة على أننا نجد العديد من المستشرقين الأوائل حتى اليهود منهم اقترحوا أن تكون جغرافية التوراة في اليمن مثل المستشرق وينكلر الذي قال بأن مصر التوراتية هي إقليم في شبه الجزيرة العربية. إذن، فنظرية جغرافية التوراة في اليمن وجزيرة العرب، لها جذورها العريقة في التراث الاستشراقي ومن المستشرقين اليهود أنفسهم، وليس أنها "نظرية ثورية" خارجة عن نطاق ما قدمه الاستشراق، وهذا بإقرار أحمد الدبش مثلا أحد أهم المنظرين لهذه الأطروحة، وهذا بحد ذاته ما يتناقض مع المنطلق والهدف الرئيسي من هذه النظرية التي تسعى إلى تحرير التاريخ العربي من سيطرة الفكر الاستشراقي. إذ نوه الدبش في العديد من كتبه إلى أن هذه النظرية ليست جديدة، وأن هناك من المستشرقين من تبناها من قبل، ووصفهم بالمستشرقين "الثقات"- وهو توصيف يحذرنا من الخلط بين نوعين من المستشرقين: ثقات وغير ثقات[57]. فالمشكلة الأعظم مع جميع هذه النظريات التوفيقية تثير التساؤل الهام حول التاريخ الحديث لإسرائيل القديمة: العلاقة الانفعالية بين الأدب التوراتي والبحث التاريخي. فالبنى التاريخية تقوم على الأبحاث وليس على المنهجيات النظرية، ويجب أن تستند إلى البيئات الثابتة كي تصبح مقبولة تاريخياً. فالتاريخ يتعلق بالطبيعة وليس بما وراء الطبيعة. فإذا كان إضفاء التاريخانية على مجمل المرويات التوراتية أو على أي جزء محدد منها ممكناً، وجب علينا ألا نستجيب لإغراء تبني منظور مستخلص من ذلك الشكل الشامل نظرياً ولا من أي جزء منه لا تثبت تاريخيته بذاتها.[58]

الخاتمة:

ختاما، يمكن القول بأن التاريخ الفلسطيني والمنطقة بشكل عام قد خضع لروايات استشراقية لاهوتية. كان الهدف منها شرعنة المشروع الاستيطاني في الأراضي العربية وخلق قطيعة بين التاريخ الفلسطيني ومحيطه العربي. وتطويع المكتشفات الأثرية لأغراض دينية صهيونية. كان من مخرجاتها خلق تاريخ فلسطيني ملفق بالاستناد على الكتاب المقدس لا باعتباره كتاب دينيا بقدر ما هو وثيقة تاريخية وجب اثباتها على أرض الواقع. ورغم التحولات النقدية الجادة في الغرب، لا تزال المجتمعات العربية غارقة في اجترار هذه المرويات دون مساءلتها. لذلك، فإن هناك ضرورة ملحّة اليوم لتفكيك الارتباط القائم بين المعرفة التوراتية والخطاب الأكاديمي حول الشرق، والانفتاح على قراءات نقدية بديلة تعيد الاعتبار للتاريخ العربي وتحرّره من أسر السردية الاستشراقية. وحدها القراءة المتجذرة في الواقع الجغرافي والاجتماعي العربي، بعيدًا عن التوراة ومصطلحاتها، قادرة على إنتاج سردية علمية موضوعية تعيد كتابة تاريخ المنطقة بإنصاف ووعي. دون الاعتماد على نفس الوسائل والمناهج التي اعتمدها المستشرقون بداية وإنما دراسة التاريخ بشكل موضوعي ليس فقط تاريخ بلاد الشام وإنما دراسة تاريخ شبه الجزيرة العربية خاصة أن صحاريها لازالت تخفي العديد من الآثار التي من شأنها ربما تغيير نظرتنا للتاريخ القديم بعيدا عن المرويات الشفوية وكتب التراث.

***

حماس سعيد عبدلي

..........................

[1] فهد مطلق العتيبي، "تاريخ فلسطين القديم بين علم الآثار الأوروبي والتوراة: دراسة نقدية"، مجلة السياحة والآثار، جامعة الملك سعود، العدد 24، الجزء 1، 2012، ص 22.

[2] فهد مطلق العتيبي، ص 10.

[4] فهد مطلق العتيبي، ص21.

[5] المرجع السابق.

[6] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[7] محمد الأسعد، "مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ"، (الطبعة الأولى)، دار مسعى والدار العربية للعلوم ناشرون، 2010، ص 53.

[8] محمد الأسعد، ص 3.

[9] المرجع السابق.

[10] فهد مطلق العتيبي، ص 16.

[11] فهد مطلق العتيبي، ص 22.

[12] فهد مطلق العتيبي، ص15 .

[13] فهد مطلق العتيبي، ص 17.

[14] فهد مطلق العتيبي، ص 19.

[15] المرجع السابق.

[16] محمد الأسعد، ص 107.

[17] محمد الأسعد، ص 116.

[18] محمد الأسعد، ص 52.

[19] المرجع السابق.

[20] محمد الأسعد، ص 133.

[21] محمد الأسعد، ص 135.

[22] عبد ربه، عمر. (2019). "علم الآثار ودوره في تكريس المشهد التوراتي في القدس: مدينة داود نموذجاً. "مجلة جامعة بيت لحم، ص38.

[23] المرجع السابق، ص 46.

[24] https://www.alaraby.co.uk/culture/محمد-الأسعد-في-نزع-الاستشراق-عن-علم-الآثار.

[26] طومسون، توماس ل. (1995) التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي. بيروت، بيسان للنشر والتوزيع. ص 146.

[27] المرجع السابق، ص 289.

[28] فاضل الربيعي، فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم، المجلد الأول، 2017، ص 27.

[29] https://www.aljazeera.net/blogs/2017/6/7/مسألة-إسرائيل-في-لوحة-مرنبتاح.

[30] https://www.alarabiya.net/arab-and-world/egypt/2024/05/31/زاهي-حواس-اسرائيل-تقف-خلف-رواية-تكذيبي-للكتب-السماوية-وهذا-ردي-.

[31] https://www.britannica.com/topic/pharaoh.

[33] فاضل الربيعي، ص 23.

[34] فاضل الربيعي، ص 24.

[35] فاضل الربيعي، ص 20.

[36] فاضل الربيعي، ص 21.

[37] فاضل الربيعي، ص 25.

[38] فاضل الربيعي، ص 42.

[39]فاضل الربيعي، ص 47.

[40] المرجع السابق.

[41] فاضل الربيعي، ص 56.

[42] فاضل الربيعي، ص 58 59.

[43]فاضل الربيعي، ص 68.

[44] فاضل الربيعي، ص 78.

[45] فاضل الربيعي، ص 80.

[46] فاضل الربيعي، 82.

[47] فاضل الربيعي، ص 91.

[48] فاضل الربيعي، ص 102.

[49]فاضل الربيعي، ص 118.

[50]فاضل الربيعي، ص 119.

[51] فاضل الربيعي، ص 124.

[52] فاضل الربيعي، ص 131.

[53] فاضل الربيعي، ص 152.

[54]فاضل الربيعي، ص 153.

[55]فاضل الربيعي، ص 154.

[56] https://www.al-akhbar.com/Opinion/313210/مع-سبق-الإصرار-اليمن-لم-يحتضن-تجربة-بني-إسرائي.

[57] https://www.academia.edu/35044499/جغرافية_التوراة_وحاخاماتها_العرب_الجذور_الاستشراقية_اليهودية_للنظرية  ص 26.

[58]  المرجع السابق، ص 94.

 

من الناحية الواقعية والمنهجية، ثمة علاقة عميقة بين ظاهرة التكفير وظاهرة العنف في الاجتماع الإنساني. بمعنى إن التكفير بوصفه موقفا عقديا وثقافيا ونفسيا من الآخر المختلف والمغاير، يقود على مستوى الفعل والممارسة العملية إلى كره الآخر لأسباب دينية، وهذا الكره يفضي إلى استخدام العنف ضد المكفر سواء كان فردا أو جماعة. فالعلاقة في احد جوانبها بين التكفير والكراهية، هي علاقة السبب بالنتيجة. وتحاول هذه الدراسة سبر وتفكيك ظاهرة التكفير في الاجتماع الإسلامي المعاصر، عن طريق تفكيك ظاهرة الكراهية بين البشر لأسباب دينية. وعلى مستوى النص القرآني ليس هناك علاقة بين التكفير والقتال أو استخدام العنف. فالكفر ليس سببا موجبا للقتل والقتال. وبالتالي هناك مسافة بين ظاهرتي الكفر والعنف. وما تشهده بعض البلدان الإسلامية من ممارسة العنف العاري ضد المختلف المذهبي أو المغاير الديني، يقودنا إلى أهمية دراسة وتفكيك ظاهرة الكراهية كخطوة أولى في سبيل دحض كل المتواليات النفسية والعملية المترتبة عليها.

 مفتتح:

 لعل من الظواهر الإنسانية الثابتة، والتي تتطلب قراءة عميقة لمعرفة العوامل والأسباب المفضية إليها، والطرق المناسبة لتجاوز التأثيرات السلبية والمدمرة لهذه الظاهرة، أو التقليل من حدوثها وبروزها في الفضاء الإنساني. هي ظاهرة الكراهية والعداء والعداوة بين بني الإنسان. حيث تشترك عوامل عدة، موضوعية وذاتية، داخلية وخارجية، في بروز حالة العداء والعداوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. وفي إطار سعينا الحثيث في إرساء ثقافة الحوار والتسامح وحقوق الإنسان في فضائنا الاجتماعي، من الأهمية بمكان، تفكيك هذه الظاهرة، ومعرفة العوامل المباشرة لحدوثها، وما هي الكيفية أو الآليات المناسبة للتقليل منها في فضائنا الاجتماعي والوطني. فهل من الطبيعي أن يقود الاختلاف الأيدلوجي أو السياسي إلى العداوة والكراهية. أم أن هناك عوامل وأسبابا أخرى، تتدخل في هذا الأمر، فتحول الاختلافات بكل مستوياتها إلى مصدر من مصادر العداوة والكراهية.. إننا بحاجة ماسة اليوم، إلى قراءة هذا الواقع، وإزالة كل موجبات الكراهية والعداوة من فضائنا الاجتماعي.

وذلك لأن حينما يسود العداء الواقع الاجتماعي، فإن الأخطار الحقيقية تتلاحق علينا. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستقر أحوالنا وأوضاعنا، ونحن نحتضن ثقافة تدفعنا إلى ممارسة الكراهية ضد الآخر المختلف عنا والمغاير لتصوراتنا وقناعاتنا. وذلك لأن هذه الثقافة بتأثيراتها وانعكاساتها، قادرة شحن النفوس بشكل سلبي ضد الآخر المختلف والمغاير.

والسلوك العدواني هو في جوهره حالة نفسية سلبية ضد الآخر بحيث تنفيه وترفضه في وجوده ونفسه أو في موقعه ومنصبه أو في مصالحه وعلاقاته، وتتحرك نحوه بطريقة عدوانية - تدميرية. والعلاقة جد قريبة بين الثقافة التي تؤسس لمقاولات الإكراه والإلغاء والنفي، والسلوك العدواني تجاه الآخر. فالثقافة التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها، هي المقدمة النظرية لذلك السلوك العدواني الذي لا يرى إلا قناعاته ومصالحه ويعمل على تدمير الآخر بمستويات متعددة.

فالعلاقة بين الثقافة التي تبث الكراهية بين بني الإنسان لدواعي أيدلوجية أو سياسية، وبين السلوك العدواني بكل مستوياته والذي يستهدف تدمير الآخر وإلغائه هي علاقة السبب بالنتيجة. فلا يمكن أن تنتج ثقافة الكراهية والبغضاء والإلغاء واقع المحبة والألفة والتسامح، بل تنتج واقعاً من نسخها ومن طبيعة ماهيتها وجوهرها. وهو العدوان بكل صوره ومستوياته.

فالسلوك العدواني هو عبارة عن فكرة في العقل وغريزة في النفس وممارسة تدميرية والغائية في الواقع والموقف. لذلك نجد أن المجال الإسلامي المعاصر، يعيش هذه المحنة في صور ومستويات متعددة. فالأفكار والأيدلوجيات التي تلغي الآخر المختلف والمغاير، ولا تعترف بحقوقه، فإنها أوصلتنا في المحصلة النهائية إلى انتشار ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب. والتي تعمل على معالجة خلافاتها مع الآخرين عن طريق استخدام القوة العارية. فتحسم اختلافاتها عن طريق ممارسة القهر والعنف.

والمشروعات السياسية التي سادت في مجالنا الإسلامي بصرف النظر عن أيدلوجيتها وشعاراتها، والتي كانت تحمل مضموناً سيئاً من الآخر. قادتنا هذه المشروعات وأوصلتنا إلى أنها تحولت إلى مصدر من مصادر العدوان والعنف في الواقع الاجتماعي والسياسي. فالمشروعات الأيدلوجية والسياسية، التي لا تحمل موقفاً حضارياً وتعددياً من الآخر المختلف والمغاير، فإنها ساهمت بشكل أو بآخر في نشوء ظاهرة العدوان والعنف والتطرف، فالذي يرفض الآخر على مستوى الشعور والفكر، هو الذي يؤسس للحرب وممارسة العنف تجاهه في الواقع الخارجي.

لذلك فإن المدخل الحقيقي لعلاج ظاهرة العنف والعدوان في الفضاء الاجتماعي، هو إعادة تأسيس العلاقة والموقف من الآخر المختلف والمغاير. فالأنا لا تقبض على كل الحقيقة، والآخر ليس شراً وباطلاً بالمطلق. إن تأصيل هذه الحقيقة، هو الذي يزيل من نفوسنا وعقولنا كل المسوغات النظرية والنفسية لمعاداة الآخر باعتباره مخالفاً لنا في الأيدلوجية أو الموقف الثقافي أو السياسي.

فالآخر هو مرآة ذواتنا، وإذا أردنا أن نتعرف على خبايا وخفايا ذواتنا، فعلينا أن نتواصل مع الآخر فهو مرآتنا الذي نكتشف من خلالها صوابية أفكارنا أو خطئها، سلامة تصوراتنا أو سقمها.

لهذا كله فإن إعادة تأسيس العلاقة بين الذات والآخر على أسس القبول بالتعددية والاعتراف بحق الاختلاف ونسبية الحقيقة، هو الذي يزيل من ذواتنا وفضائنا الاجتماعي الكثير من موجبات العدوان على الآخرين.

فك الارتباط:

فالاختلاف الأيديولوجي أو السياسي أو الثقافي، ليس مدعاة لانتهاك حقوق الآخرين، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث إن الاختلاف بكل مستوياته، ينبغي أن يقود إلى التواصل والتعارف ومعرفة الآخرين على مختلف المستويات.. إذ يقول تبارك وتعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} (الحجرات 13).. فإلغاء الخصوصيات لا يمثل نهجاً واقعياً في التعاطي مع الواقع، لأن الإلغاء من أي طرف كان لا يغير شيئاً من المسألة في طبيعتها الذاتية، أو من تأثيراتها الموضوعية، باعتبار أنها تمثل بعداً في عمق الذات، لا مجرد حالة طارئة على الهامش، مما يجعل من مسألة الإلغاء مشكلة غير قابلة للحل.. والرؤية القرآنية تؤكد على ضرورة أن تحرك الخصوصية في دائرتها الداخلية في الجانب الايجابي الذي يدفع الإنسان للتفاعل عاطفياً وعملياً مع الذين يشاركونه هذه الخصوصية في القضايا المشتركة.. ويبغى التعارف غاية إنسانية من أجل إغناء التجربة الحية المنفتحة على المعرفة المتنوعة والتجربة المختلفة للوصول إلى النتائج الإيجابية في مستوى التكامل الإنساني.

ويقول عزّ من قائل: {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت 33- 34).

فحينما يختلف الناس في مواقع الفكر أو في مواقع الحياة الخاصة والعامة، فتثور المشاعر، وتتعقد المواقف، حتى تتحول إلى خطر كبير على العلاقات الإنسانية في المجتمع، عندما يتجه الموقف إلى الصدام الذي يهدد الجميع، ويقطع التواصل في أفراده.. فهناك أسلوب السيئة الذي يعمل على إثارة الانفعال الذي يتحرك بالحقد والعداوة والبغضاء ويدفع بالموقف إلى القطيعة والصراع، وذلك بالكلمة الحادة والنابية، والموقف الغاصب، واليد المعتدية.

وهناك أسلوب الحسنة الذي يعمل على تحريك الموقف والرؤية على أساس الدراسة العقلانية - الموضوعية لكل المفردات المتناثرة في ساحة الأفكار والمواقع والمواقف ومحاولة اكتشاف العناصر والمفردات الداخلية والخارجية التي تضيق الهوة بين هذا الموقف أو ذاك، أو تردمها، وتجمع العقول والقلوب على قاعدة فكرية وحياتية واحدة، وذلك بالكلمة الطيبة والنظرة الحانية والموقف الموضوعي واليد المصافحة والالتفاف على كل المشاعر السلبية بالمشاعر الإيجابية التي يختزنها الفكر والواقع.

فـ{ادفع بالتي هي أحسن} ليتحول العدو إلى صديق، والبعيد إلى قريب، والخصم إلى رفيق، وذلك لأن الإيمان يفرض على الإنسان أن يختار الأحسن في حركة العلاقات، كما يريده اختيار الأحسن في حركة الحياة..

ولعل هذا الهدف يحتاج إلى الكثير من الجهد النفسي والفكري والعملي، الذي يتجاوز الكثير من الضغوط الداخلية والخارجية التي تريده أو تقوده إلى الاستسلام إزاء المشاعر الانفعالية والعدوانية. لذلك يقول تعالى: {وما يلقاها إلا الذين صبروا} على مشاعر الحرمان التي يفرضها الانفتاح على الآخرين، في مجاهدة النفس ضد رغباتها الذاتية الضيقة، وضد نزواتها العشوائية، وعلى بعض الأوضاع الصعبة التي قد تحصل للإنسان من خلال ذلك، وعلى الوقت الطويل الذي يحتاجه الفكر الموضوعي - المتزن للوصول إلى الحلول العملية التي تتناسب مع طبيعة المشاكل الموجودة في الساحة.. {وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم} من الإيمان والوعي والإنسانية النابضة بكل معاني الخير والإحسان.

إن وأد ثقافة الكراهية من مجتمعنا وفضائنا الوطني، بحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى الآخر وجوداً ورأياً ومشاعر، حتى يتسنى للجميع صياغة العلاقة بين الذات والآخر، بين مكونات المجتمع وتعبيرات الوطن المتعددة على أسس الاعتراف بحق الآخر في التعبير عن وجوده وأفكاره بعيداً عن ضغوط الإكراه وموجبات النفي والإلغاء.

فالاختلاف مهما كان حجمه، لا يشرع للحقد والبغضاء وممارسة العدوان الرمزي والمادي، بل يؤسس لضرورة الوعي والمعرفة بالآخر. وعياً يزيل من نفوسنا الأدران والأحقاد والهواجس التي تسوغ لنا بشكل أو بآخر معاداة المختلفين معنا.

ومعرفة تضيء كل محطات العلاقة بمستوياتها المتعددة، وتحول دون إطلاق الاتهامات الجوفاء والشعارات الصفراء.. إننا اليوم وفي ظل الأوضاع الحرجة التي نعيشها على أكثر من صعيد، أحوج ما نكون إلى تلك الثقافة التي تدفعنا إلى تجسير الفجوة مع المختلفين معنا، وتحثنا على التعارف والتواصل والتفاهم والحوار المستديم، وتلزمنا باحترام الإنسان وحقوقه. وإلى تلك المبادرات الاجتماعية والسياسية، التي تستهدف إزالة كل ما من شأنه أن يشين إلى بعضنا البعض، ويعمق أواصر التلاقي والمحبة، ويجذر خيار التعايش والسلم الأهلي.

فلتتكاتف كل الجهود والطاقات والإمكانات، من أجل الخروج من شرنقة التعصب الأعمى إلى رحاب التواصل والحوار، ومن ضيق التطرف والغلو إلى سعة الرفق والتيسير، ومن دائرة الجمود المميتة إلى فضاء التجديد والاجتهاد والكدح المتواصل من أجل الحق والحقيقة.

إن الظروف الحساسة التي نعيشها، تتطلب منا جميعاً الانعتاق من أسر الجمود والتعصب والأنانية القاتلة، وذلك حتى نتمكن من مجابهة هذه الظروف والتحديات التي تستهدفنا جميعاً.

فلنأخذ جميعاً بأسباب العدالة في تعاملنا مع الآخرين، في نطاق الرؤية التي تقول: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.

الحرية الدينية:

 ثمة علاقة دقيقة وعميقة تربط بين قدرة الإنسان على التفكير واستقلاله فيه، وبين قيمة الحرية وممارسة مقتضياتها.

فالإنسان الذي يمتلك إمكانية التفكير المستقل، هو ذلك الإنسان الذي يستطيع استعادة حريته وإنسانيته، ويستثمر طاقاته وإمكاناته في سبيل تكريس نهج الحرية في الواقع الإنساني. فاستعادة الحرية بكل متطلباتها وآفاقها، تبدأ من الإنسان نفسه، فهو الذي يقرر قدرته على التحرر والانعتاق أو خضوعه واستغلاله واستبعاده لمراكز القوى. وذلك لأن التفكير السليم، هو الشرط الأول للقوة في الحياة. من هنا ركز القرآن الحكيم على أن الإيمان بالله يعطي صاحبه التحرر، والتحرر يعطيه القوة (التمسك بالعروة الوثقى) والعلم (يخرجه من الظلمات إلى النور). ولكن أي إيمان هذا الذي يعطينا القوة والعلم. إنه الإيمان الواعي، لا الإيمان المكره عليه فهو الآخر نوع من الاستعباد والخضوع للقوة المادية.

من هنا تحدث القرآن في بداية الحديث عن الحرية الدينية وقال (لا إكراه في الدين). فجذر الحرية، هو أن يتحرر الإنسان من كل الضغوطات والأهواء والشهوات، التي تدفعه إلى الانسياق وراءها. فحينما يغمر الإيمان بالله عز وجل قلب الإنسان، ويتواصل بحب واختيار مع القدرة المطلقة، تنمو لديه القدرة على الانعتاق من كل الأشياء التي تناقض حرية الإنسان. فطريق الحرية الإنسانية الحقيقة، يبدأ بالإيمان والعبودية المطلقة للباري عز وجل. وذلك لأن كل الأشياء حاضرة عنده، لا يغيب شيء منها عن علمه، لأن الأشياء مكشوفة لديه، فلا مجال لاختباء الإنسان عن الله في أي عمل يخفيه، أو سر يكتمه أو خطأ يستره، لأن الإخفاء والكتمان والستر معان تلتقي بالحواجز المادية التي تحول بين الشيء وبين ظهوره مما لا مجال لتصوره في ذات الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ولعل هذا الإحساس هو الذي يتعمق في وعي الإنسان من حركة إيمانه فيمنعه عن الجريمة الخفية، والمعصية المستورة، والنيات الشريرة التي تتحفز للاندفاع والظهور.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع وحركة حرية الفكر والتعبير. إذ قال تعالى {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف، الآية 29).

وقال عز من قائل {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} (الغاشية، الآية 22). وقال تبارك وتعالى {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس، الآية 99).

وقد تحدث الأستاذ (جودت سعيد) في كتابه (لا إكراه في الدين - دراسات وأبحاث في الفكر الاسلامي) عن مجموعة من الفوائد من آية (لا إكراه في الدين) منها:

1- إنها في ظاهرها حماية للإنسان الآخر من أن يقع عليه الإكراه من قبلك، ولكنها في باطنها حماية لك أيضا من أن يقع عليك الإكراه، فهي حماية للآخر وحماية للذات من أن يقع على كل منهما الإكراه.

2- يمكن فهم هذه الآية على أنها إخبار وليس إنشاء، أي يمكن أن تفهم على أنها نفي وليست نهياً، ويكون بذلك معناها إخبارا بأن الدين الذي يفرض بالإكراه لا يصير ديناً للمكره فهو لم يقبله من قلبه، والدين في القلب وليس في اللسان. فهي بهذا الشكل إخبار بأن الدين لا يتحقق بالإكراه ومن يكره إنما يقوم بعمل عابث لا اصل له.

هذا معنى الآية حينما نفهمها على أنها إخبار وليس انشاءاً أو أمراً، كما يمكن أن نفهم الآية على أساس الإنشاء أي أن تفهم على أنها نهي عن الإكراه، لأنه لا يليق بالعاقل أن يقوم بعمل عابث، ولأن فرض الإيمان والدين بالإكراه عبث فجدير أن ينهانا الله عنه، فيكون المعنى نهياً عن ممارسة الإكراه للآخر، ونهياً أيضا لنا عن أن نقبل الإكراه والخضوع له.

فرشد الإنسان فرداً ومجتمعاً، هو من جراء التزامه بحريته واحترامه التام لحريات الآخرين. فحينما تنتفي كل الضغوطات والإكراهات، يتحقق مفهوم الرشد في الواقع الخاص والعام..

فالحرية بكل ما تحمل من معان إنسانية نبيلة وقيم تعلي من شأن الإنسان وكرامته، وتحميه من كل نزعات الاستفراد والإقصاء والنبذ والإكراه، هي بوابة الرشد ووسيلته في آن. وهي التي تخرج الإنسان من الغي وتخلق حقائق الاستمساك بالعروة الوثقى.

والمجتمع الذي يمارس حياته السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال الإكراه والعنف، هو المجتمع الرشيد الذي يدافع عن حقوقه ومكاسبه بالحرية. وبها أيضا يصون حرمات الآخرين ومكاسبهم.

والتاريخ يحدثنا أن كل من يمارس الإكراه والعنف للدفاع عن ذاته، لا ينجز مراده ولا يحقق هدفه، بل ترتد عليه هذه الممارسات أكثر سوءاً ويدخل في أتون النزاعات والحروب والعنف والعنف المضاد.

إن الاتحاد السوفيتي لم يستطع أن يحمي ذاته من التشرذم والانقسام والتلاشي، مع العلم انه يمتلك أعتى الأسلحة وأطورها. فهذه الأسلحة الفتاكة لم تمنع الشعوب المنضوية تحت لواء الاتحاد السوفيتي من النهوض ورفض كل أشكال القهر والإكراه.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والإكراه. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت وأصبحت في ذمة التاريخ، بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه. وفي المقابل نجد أن هناك أمماً ودولاً صمدت في وجه كل عمليات القمع والقسر والإكراه، لأنها تدير شؤونها وتسير أمورها بحرية وديمقراطية، وبعيداً عن كل أشكال القهر والإكراه.

فالحياة دائماً لكل امة ومجتمع يدار بالحرية، وينبذ الإكراه بكل صنوفه وأشكاله ومستوياته. ويرتكب حماقة تاريخية كبرى كل من يسعى إلى إدخال غيره في دينه أو مذهبه أو حزبه بالإرغام والإكراه.

لذلك فإن الحرية من القيم الأساسية في حركة الإنسان الفرد والجماعة، وبها يقاس تقدم الأمم وتطورها. إذ لا يمكن أن يتحقق التقدم إلا بالتحرر من كل معوقاته وكوابحه. والحرية هي العنوان العريض للقدرة الإنسانية على إزالة المعوقات وإنجاز أسباب وعوامل النهوض والانعتاق.

لذلك نجد أن الأنبياء جميعاً حاربوا الاستبداد والإكراه، ووقفوا في وجه الفراعنة، وعملوا من مواقع مختلفة لإرساء دعائم الحرية للإنسان. ولقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من اجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته. وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد مهمتهم ووظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والتبشير والنذير.

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية - سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والقوة والإكراه.

وعلى هدى هذا نقول: انه لا يجوز التضحية بحريات الأفراد تحت مبرر معارك الخارج وتحدياته الحاسمة. إذ انه لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج بشكل فعال، إلا إذا وفرنا الحريات والحقوق لجميع المواطنين.

ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول بأن مجالنا العربي والإسلامي في العقود الخمسة الماضية قد قلب المعادلة. إذ سعت نخبته السياسية السائدة، إلى إقصاء كل القوى والمكونات تحت دعوى ومسوغ أن متطلبات المعركة مع العدو الصهيوني، تتطلب ذلك. وأصبح شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) هو السائد. ولكن النتيجة النهائية التي وصلنا إليها جميعاً حاكماً ومحكوماً، إن هذا الخيار السياسي لم يوصلنا إلا إلى المزيد من التدهور والانحطاط، وبفعل هذه العقلية أصبح العدو الصهيوني أكثر قوة ومنعة، ودخلنا جميعاً في الزمن الإسرائيلي بكل تداعياته الدبلوماسية والسياسية والأمنية والثقافية والاقتصادية.

فتصحير الحياة السياسية والمدنية العربية والإسلامية، لم يزدنا إلا ضياعاً وتشتتاً وضعفاً. ولقد دفع الجميع ثمن هذه الخطيئة التاريخية. لذلك آن الأوان بالنسبة لنا جميعاً أن نعيد صياغة المعادلة. فلا انتصار تاريخي على العدو الصهيوني، إلا بارتقاء حقيقي ونوعي لحياتنا السياسية والمدنية. فإرساء دعائم الديمقراطية وصيانة حقوق الإنسان. كل هذه الممارسات والمتطلبات من صميم معركتنا التاريخية والحضارية. وانتصارنا على العدو الخارجي، مرهون إلى قدرتنا على إنجاز هذه المتطلبات في الداخل العربي والإسلامي. فالإكراه الديني والسياسي، لا يصنع منجزات تاريخية، وان صنعت سرعان ما يتلاشى تأثيرها من جراء متواليات الإكراه وامتهان كرامة الإنسان.

فآراء الإنسان مصونة، بمعنى أن الإنسان لا يقتل بسبب آرائه وأفكاره. والآراء والأفكار والقناعات، لا تواجه بالقوة المادية أو استعداء الآخرين، وإنما بالرد الفكري والحوار المتواصل وبيان أوجه الخطل والضعف في الآراء المتداولة.

لذلك كله فإن الحرية قبل أن تكون أشكالاً سياسية ونصوصاً دستورية، هي خروج كل فرد فينا عن أنانيته وافقه الضيق ومغادرة تلك الأفكار الآحادية والإقصائية والاستغنائية، التي لا تزيدنا إلا بعداً عن الديمقراطية ومتطلباتها الفكرية والمجتمعية.

لذلك فإن النواة الأولى للاستقرار والتطور، هي الاحترام العميق للآخرين مشاعر وأفكاراً ووجوداً، ومساواة الآخرين بالذات، ونبذ كل أشكال ممارسة الإكراه.

وإننا اليوم وفي كثير من مواقعنا، أحوج ما نكون إلى رفع شعار (لا إكراه في الدين) والعمل على تحويله إلى مشروع مجتمعي ينظم حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية، ويرفع الغطاء الديني عن كل الممارسات العنفية والإرهابية، التي لا يقرها عقل ولا دين ولا تنسجم وثوابت الأمة.

فلننبذ من فضائنا السياسي والاجتماعي والثقافي، كل الممارسات الإكراهية والإقصائية، ونبني راهننا على أسس الحرية واحترام التعدد والتنوع، ونفسح له المجال لممارسة دوره ووظيفته في البناء وتعزيز خيار السلم والتعايش الأهلي.

من أجل تفاهم مشترك

جاء في التراث أنه كان هناك أربعة من الفقراء جالسين في طريق، وكل منهم من بلد: أحدهم رومي، والثاني فارسي، والثالث عربي، والرابع تركي، ومر عليهم محسن فأعطاهم قطعة من النقد غير قابلة للتجزئة، ومن هنا بدأ الخلاف بينهم، يريد كل منهم أن يحمل الآخرين على اتباع رأيه في التصرف في هذا النقد. أما الرومي فقال: نشتري به (رستا فيل) وأما الفارسي فقال: أنا لا أرى من (لا نكَور) بديلا، وقال العربي: لا والله لا نشتري به إلا (عنبا)، وقال التركي متشددا في لهجة صارمة: إن الشيء الوحيد الذي أرضى به هو (أوزوم)، أما ما سواه فإني لا أوافق عليه أبدا. وجر الكلام بين الأربعة إلى الخصام، وكاد يستفحل الأمر لولا أن مر عليهم رجل يعرف لغاتهم جميعا، وتدخل للحكم بينهم، فبعد أن سمع كلامهم جميعا، وشاهد ما أبداه كل منهم من تشدد في موقفه أخذ منهم النقد واشترى به شيئا، وما إن عرضه عليهم حتى رأى كل منهم فيه طلبته، فقال الرومي: هذا هو (رستا فيل) الذي طلبته، وقال الفارسي: هذا هو (لا نكَور) وقال العربي: الحمد لله الذي أتاني ما طلبته ! وقال التركي: هذا هو (أوزوم) الذي طلبته. وقد ظهر أن كلا منهم كان يطلب العنب من غير أنت يعرف كل واحد منهم أنه هو بعينه ما يطلبه أصحابه.

لا ريب أن قراءة هذه القصة تثير الضحك وروح الفكاهة، وتثير الاستغراب والاستهجان في آن واحد. من جراء الاختلاف والنزاع الذي حدث بين هؤلاء الصحبة دون وجود مبرر عقلي وواقعي للخلاف والنزاع. فالكل يطلب العنب إلا أن اختلافهم اللغوي حال دون تفاهمهم المشترك، مما أدى إلى الخصام على موضوع أقل ما يقال عنه أنه وهمي. ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن الكثير من الاختلافات والتباينات بين أبناء الوطن والمجتمع الواحد، لا تخرج عن مضمون القصة المذكورة أعلاه. بمعنى أن الكثير مما نتصوره من اختلافات بيننا هو من جراء مواقف مسبقة أو رؤية جاهزة حملناها على بعضنا البعض، دون أن نكلف أنفسنا عبء فحص هذه الرؤية أو تجاوزها بشكل علمي وموضوعي. والإنسان الذي ينحبس في إطار رؤية ضيقة، فإنه سيتعصب لرأيه دون أن يدرك حجم الجوامع المشتركة بينه وبين الآخرين. فحين ينعدم التواصل، وتتضاءل فرص التعارف فإن مساحات سوء الظن والفهم تتسع وتتراكم.

لذلك فإن التواصل بين مختلف مكونات المجتمع وتعبيراته المتعددة، هو من الروافد الأساسية التي تساهم في تعزيز خيار الوحدة والتضامن الداخلي. فوحدة المجتمعات والأوطان بحاجة بشكل دائم إلى التواصل والتعارف المباشر بين مختلف المكونات والشرائح. وذلك حتى تبنى الوحدة على حقائق المعرفة العميقة المتبادلة. وبدون هذه المعرفة سنجد أنفسنا نختلف وتتباين مواقفنا حتى لو كانت غايتنا واحدة.

فالهدف المشترك بوحده لا يصنع وحدة، وإنما هو يحتاج إلى مساندة مستديمة عبر التعارف والتواصل الذي يزيل الالتباسات والهواجس ويحول دون الفرقة المذمومة.. وتاريخيا لم تكن الوحدة التي صنعها العرب والمسلمون، تعني التوحيد القسري ونبذ أشكال التعدد والتنوع الطبيعية في الوجود الاسلامي. وإنما صنع المسلمون وحدة، قامت على احترام التنوع وخصائص التعدد، لأنها حالات وحقائق تاريخية، مركوزة في التكوين النفسي والاجتماعي، ومتناغمة مع نواميس الوجود الإنساني. لأن الباري عز وجل قد خلق البشر مختلفين من نواح عديدة: لتكونهم من ذكر وأنثى [وإنه خلق الزوجين الذكر والأنثى] وهم مختلفون لاختلاف ألسنتهم وألونهم [ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم] كما هم مختلفون لاختلاف عقائدهم [هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن] وعلى ضوء هذا الاختلاف والتنوع، تنشأ الوحدات الاجتماعية، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها، وإنما لكي تتعارف.

فالتعارف هو المنظور القرآني، لتجاوز الآثار السيئة والسلبية لحالة الاختلاف والتعدد. قال تعالى [يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم]..

فالاختلافات العقدية والفكرية والسياسية، تزداد اتساعا، وتأخذ منحى تصاعديا وفي بعض الأحيان عنفيا، حينما تتراجع خطوات التفاهم وتغيب حقائق التلاقي والتواصل بين المختلفين. بينما التلاقي والتفاهم والتواصل، يساهم في ضبط الاختلافات، ويحوله إلى رافد للثراء المعرفي والفكري، وترتفع من الفضاء الاجتماعي كل الهواجس والأكاذيب التي تسمم العلاقة وتدفعها نحو دوائر وخيارات خطيرة.

ولقد دفع المسلمون جميعا غالي الأثمان من هواجس بعضهم البعض، ومن الأكاذيب والافتراءات التاريخية والراهنة، التي ساهمت بشكل مباشر في تأجيج النفوس وزيادة الاحتقانات بكل صورها وأشكالها.

وأود في هذا السياق أن أؤكد على النقاط التالية:

1- ضرورة العمل على تطوير التواصل العلمي والثقافي بين مكونات المجتمع والوطن الواحد.. فكل طرف في هذا المجتمع يمتلك من الكتب والمؤلفات الثمينة الشيء الكثير، ويعيش بين ظهراني هذا المجتمع العديد من العلماء والمفكرين والكتاب المتميزين. ولكن وبفعل الجفاء المتبادل، وغياب حقائق التلاقي والتواصل، كل طرف يجهل حقيقة الآخر، أو لا يمتلك رؤية واقعية عنه.

وإننا نعتقد أن القيام بمبادرات حوارية وتواصلية بين حكماء المجتمع وعلمائه، سيفضي إلى فهم متبادل عميق، قادر على إفشال كل مخططات الفتية والتشظي. ويشير إلى هذه المسألة أحد العلماء بقوله: إن توحيد المسلمين ثقافياً لا ينافي أن تعمل كل طائفة من الطوائف الإسلامية بما ثبت عندها واعتقدته، ما دام هذا لا يمس العقائد الأساسية، التي يجب الإيمان بها، ولكن من الواجب أن تعرف كل طائفة من المسلمين حقيقة عقائد الآخرين، لعلها تجد فيها ما تستفيد منه، أو على الأقل إذا أراد أحد باحثيها أن يكتب عنهم شيئا، أو ينقل بعض فتاواهم، فلا يكتب وأما ما سمعنا عنهم أنهم يقولون كذا وكذا أو أنه يقال عنهم كذا وكذا. ولعمري أن هذا لسبة في جبين العلم أن لا يتعب رجاله أنفسهم بالبحث عن كتاب يجدون فيه كل ما يبحثون عنه، من غير أن يسندوا أقوالهم إلى السماع، وكثيرا ما يجيء هذا القول المسموع من ذوي الأغراض الخبيثة.

 لو أن التعارف بين المسلمين تم على أساس توحيد الثقافة، بما في ذلك التبادل الثقافي، وتأليف كتب عن كل طائفة لإعطاء صورة صحيحة عنها، وتعليم اللغات الإسلامية في جامعاتهم وترجمة آثارهم ورجالهم، لعرف المسلمون أنفسهم، وعلموا قوتهم ومقدرتهم، وأنهم مسلمون قبل كل شيء، مسلمون في كتابتهم وتآليفهم، مسلمون في قصصهم وأشعارهم، وأنهم أمناء فيها يكتبون.

فالحوار والتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات لا يلغي الاختلافات والتباينات، وإنما يوصل الجميع إلى أفضل صيغة ممكنة لإدارة الاختلافات وضبط الانقسامات والتباينات. فالتعددية على حد تعبير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية في تقريرها الموسوم بـ(التنوع البشري الخلاق) ليست مجرد غاية في حد ذاتها، فالاعتراف بالاختلافات ما هو إلا شرط لبدء الحوار، وبالتالي لبناء اتحاد أوسع نطاقا بين أناس مختلفين. وعلى الرغم من المصاعب فإننا نواجه مصيرا محتوما، فلا بد من إيجاد سبل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مشتركة. وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع متعدد الثقافات، بل دولة تتألف من ثقافات متعددة، دولة يمكن أن تعترف بالتعددية دون أن تفقد وحدتها.

2- إن التحصين الوطني ضد كل المخاطر التي قد تهدد الأمن الاجتماعي والوطني، يتطلب العمل الجاد على بلورة مشروع ثقافي وطني، يحتضن كل أطياف وتعبيرات الحياة الثقافية الوطنية، ويوظف كل إمكانات الوطن ويصبها في خدمة المشروع، وينفتح على كل الخصوصيات الثقافية، ويتفاعل ويستفيد من كل القوى والوسائط الثقافية والاجتماعية الموجودة، ويتواصل مع منابع الفعل الثقافي بتنوعه ومستوياته ومجالاته وآلياته القائمة والممكنة.

وبكلمة: إن تحصين الوطن من المخاطر، يتطلب بلورة حياة ثقافية جديدة تتجاوز صعوبات الواقع وسيئاته، وتسعى نحو إرساء دعائم وتقاليد التواصل والحوار والانفتاح على كل مكونات الفعل الثقافي والإبداعي الوطني. فالتحصين لا يتأتى بالمنع وزيادة قائمة الممنوعات، بل بغرس أسباب الحياة والحيوية في حياتنا الثقافية والاجتماعية. فالمجتمع الراكد، هو أقرب المجتمعات إلى الاختراق على المستويات كافة. أما المجتمع الحي، والحيوي، فإنه يمتلك الدينامية الكافية التي تؤهله لمقاومة كل الأخطار ومجابهة كل محاولات الاختراق التي تهدد أمنه الاجتماعي والوطني.

فوجود الحياة الثقافية الجادة بكل مستلزماتها ومتطلباتها وآلياتها، يساهم مساهمة أساسية في إرساء دعائم الأمن الاجتماعي والوطني. فحيوية المجتمع وديناميته، هو رهاننا لمجابهة كل التحديات والمخاطر لذلك فإن عملية التحصين الوطني، تتطلب منا جميعاً، تنمية الاستعدادات والإمكانات الثقافية الوطنية، التي تأخذ على عاتقها معالجة الظواهر المجتمعية، واستيعاب أبناء الوطن بمختلف مستوياتهم في أطر ومؤسسات، تنمي كفاءاتهم، وتصقل مواهبهم، وترفع من مستوياتهم وتشاركهم في صياغة حاضرهم ومستقبلهم.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

الصفحة 1 من 7

في المثقف اليوم