دراسات وبحوث

دراسات وبحوث

لقد انطلقت نقدات وإنتقادات “ابن عاشور” تجاه كُتب جُمّاع الحديث وروّاة السيرة النبويّة المتواترة بغيّة الإصلاح، وذلك لإستحالة الفكر الإسلامي السائد من طَوّر المعلومات والمعارف التي تفتقر إلى الرؤية النقديّة في التحصيل والترابط في البنيّة إلى طوّر المراجعة والتحقيق العلمي الذي ينتهي إلى اليقين العقلي؛ ذلك الذي لا ينفذ من جناباته الشك حتى الوصول إلى المقصد الحقيقي الذي يُميّز نسقيّة الفكر الإسلامي الصحيح، دون غيره من الثقافات التي تستلهم جوهر أفكارها من الكُتب المقدَّسة وأخبار الأنبياء.

لذا نجده يناقش في مَعرض حديثه عن حلقة الوصل التي تربط بين واقعات السيرة النبويّة، والوقائع التي رُوّي فيها الحديث الشريف، موضحاً أهمية غربلتهما (أي الواقعات والوقائع) بمنهج عقلي نقدي، للكشف عن مواطن التلفيق والدَسّ والخلط، ذلك الذي خَلّف ورائه عشرات المسائل والقضايا التي أعيّت الجماعات السُنية والمعاهد السلفية المعاصرة، نَذكُر منها قضية الحاكميّة والخلافة الإسلامية، والفرقة الناجيّة، والعلاقة بين الدين والدولة، وذلك في ميدان السياسة، ومسألة غلق باب الإجتهاد وجعل التجديد الديني في تقليد السَلّف والتلويح بتهمة التكفير في وجه المعارضين للفكر السائد وضرورة تطبيق الحدود الشرعية في كل المجتمعات الإسلامية على نهج السَلّف وذلك في الفقه وأصوله، وتوجيه بعض الأحاديث للنيّل من حرية الإعتقاد والفكر والبَوّح، وذَمّ الأغيار من أرباب الديانات الأخرى والاعتداء عليهم، ناهيك عن المسائل التي شغلت حيّز كبير من اللجَاجَة واللغوّ في أحاديث أدعيائهم، مثل ما جاء في التراث بشأن إرضاع الكبير وعذاب القبر وخِتان المرآة ونقابها وعملها، وحقيقة أميّة النبي ومعجزة حديثه في المهد وغير ذلك من الأمور التي يَبّرأ منها النسق المعرفي للفكر الإسلامي المُتمثل في القرآن وصحيح الحديث والثابت من السيرة واجتهادات أهل الرأي من الفقهاء والعلماء المتبحرين في مقاصد الشريعة. لذا نجد ابن عاشور” يُقسّم الأحاديث النبويّة وكذا الواقعات المُتعلقة بتَسييّس أمور العباد من السيرة النبوية إلى ثلاثة أقسام لا ينبغي الخلط بينها في العمل بالسُنة وإقتفاء آثر المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) فيها، وهي:

أولها: ما صَدّر عن النبي قولاً أو فعلاً وهو في مقام الإمامة أي الحاكم ووليّ الأمر، وهي من الأمور التي لا يجوز السَيّر على نهجه فيها باعتبارها سُنة ويجوز العدول عنها تبعاً لإختلاف الأزمان والمواقف والحاجات، فهي من أمور السياسة التي يُوكل أمرها إلى الحاكم أو الوليّ القائم بالرئاسة في مجتمعه مثل أمور السلم والحرب والإقتصاد والأموال العامة وأملاك الدولة والعلاقات الخارجية والقوانين المُنظمة لمصالح العِباد في مجتمع ما،

وثانيها: سُنته وهو في مقام القاضي الذي يَفصِل في القضايا المختلفة؛ فهي لا يجوز لأحد أن يقتفي آثر أحكامه إلا بحُكم حاكم، وذلك لأن هناك ظروفاً وأسباب قد دفعت النبي وهو في مقام القضاء أن يُصدر ذلك الحكم مقدماً درئ المفاسد على جلب المصالح وموازناً في الوقت نفسه بين المقصد الإلهي وما يتطلبه الواقع المعيش، فهناك حيثيات تتعلق بالأمور النفسية والاجتماعية والمادية، وغير ذلك من أمور ذات الصِلة بالواقع المُراد الفصل فيها.

وثالثها: سُنته وهو في مقام المُفتي أو الإفتاء وهو جزء من رسالته في التبليغ الشرعي، وهو واجب على كل المسلمين بالضرورة اقتفائه والسيّر على حرفيّة أوامره ونواهيه بدقة، ومن ثم يجب التحري عن تلك الأحاديث أو الأفعال لكي تُصبح قطعيّة الثبوت وقطعيّة الدلالة، حتى يتسنى لكل المسلمين العمل بها دون أدنى شطط أو جنوح أو جموح شأن الأوامر المتضمنة في آيات القرآن أو الشارحة لها، وأطمئن الجمهور إلى مقاصدها ومآلاتها.

ويقول “ابن عاشور” في ذلك: (إنّ لرسول الله صفات وأحوالاً تكون باعثاً على أقوال وأفعال تصدر منه، فبنا أن نفتح لها مشكاة تضئ في مشكلات كثيرة لم تزل تُعنت الخلق وتشجي الخلق، وقد كان الصحابة يُفرّقون بين ما كان من أوامر الرسول صادراً في مقام التشريع، وما كان صادراً في غير مقام التشريع، وإذا أُشكل عليهم أمراً سألوا عنه).

وإذا ما تأملنا اجتهاد “ابن عاشور” في هذا الدرب، فسوف ندرك أنه قد وازن بين الأصيل التليد والجديد المُبتَكر دون أدنى وقوع في الطرفين المذموميّن (أي الجمود، والشرود)، وتقسيمه للسُنة على نحو سابق قد سبقه إليه العلماء الأوائل مثل (شهاب الدين القرافي ١٢٢٨م – ١٢٨٥م ) في كتابه (أنوار البروق في أنواء الفروق). أما شرحها والكشف عن مدى صلاحيتها لمجتمعنا المعاصر فهو تجديد وابتكار لا يتعارض مع الحوادث المماثلة في الثابت من السيرة النبويّة والقياس والإستباط والإستدلال من الأمور الإجتهادية التي لايَصِح الحُكم عليها بالقطع نفعاً أو ضرراً إلا بالتجربة والتطبيق العملي.

كما فَرق “ابن عاشور” بين الروايات التي تعرّضت لخصوصية النبي في مظهره أو مسلكه اليومي، وبين السُنن التي يجب على المسلمين الإقتداء بها، ولاسيّما ما يُدرج منها في المعاملات الراقية والأخلاق الفاضلة والجميل من الأقوال والهيئات، فما أكثر الأفعال والأقوال التي يُقدِم عليها العوام ظناً منهم بأنها من الشرع والتديّن والسيّر على سُنة النبيّ وصحابته دون أدنى تمحيص أو نقد، والوقوف على مدى نفعها من عدمه ومقاصدها ومآلاتها شأن إطلاق اللحية والإستنجاء والأكل بالأيدي وإرتداء الجلباب، أو ما رُوّي عن النبي في حديث هَزِرّ أو ضحك أو نُصح أو لوّم أو ترغيب أو ترهيب، وذلك لأن لكل حادث حديث ولكل واقعة ظروفاً وملابسات، وإنتهى رأي “ابن عاشور” في حديثه عن السُنن الواجبة إلى ضرورة إعمال العقل في تحقيقها ثم في نفعها ومآلاتها في ضوء واقع كل مجتمع يعيش فيه المسلمون ولا تقليد واجب إلا ما كان من السُنة مقطوع في صحته وثبوته، ويقول: “فلابد للفقيه من إستقراء الأحوال، وتوّسم القرائن الحافة بالتصرفات النبويّة، فمن قرائن التشريع الإهتمام بإبلاغ النبي إلى العامة والحرص على العمل به والإعمال بالحُكم وإبرازه في صورة القضايا الكلية … واعلم أن أشد الأحوال التي ذكرناها إختصاصاً برسول الله هي حالة التشريع؛ لأن التشريع هو المراد الأول لله تعالى من بعثته حتى حصر أحواله في قوله تعالى ” وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ” (آل عمران ١٤٤).

وينتقل شيخنا إلى مناقشة موضوع لا يقل أهمية عن سابقه، ألا وهو تنقيّة سيرة النبيّ من بعض الروايات التي دُست فيها بقصد خبيث أو بغيّة إجلال وتعظيم من قدره ومكانته، وعلى رأس تلك الأكاذيب المروّية الكثير من المعجزات الحسيّة ومعظمها يرجع إلى رغبة روّاتها مقابلة معجزات المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) وأقرانه من الأنبياء الذين سبقوه، وقد أراد “ابن عاشور” تقويم وتنقيح بعض الكتابات التراثية التي تحدثت في هذا المضمار، فذهب على صفحات (مجلة الهداية الإسلامية عام ١٩٣٦م) خلال إستعداد العالم الإسلامي للإحتفال بالمولد النبوي والإشادة بسيّرته وعِظم مكانته عند الله وبين الأمم مؤكداً مع “ابن رشد” والمُعتزلة على أن المُعجِز الجواني أقوى وأروع وأصدق للعقلاء من المعجزات البرّانيّة الحسيّة التي يُمكن للسحرة والمشعوذين والمُدلسين اصطناعها أو خداع العوام بحدوثها مع تسليمه وإيمانه بصدق الخوارق التي أجراها الباري على أيدي أنبيائه لإثبات صدقهم والإعلاء من  شأن قدرهم، وذلك بالإتيان بما يُعجِز أقوامهم عن تحقيقه ويفوق تصوارتهم لحدوثه، كما لا يُكَذب أو يرتاب في ما ثَبُت من هذا الدرب المُعجِز من سيرة النبي وذلك في الخبر المُجمع على صحته وأكدته آيات القرآن ومروياته بالواقعات التي يَصُعب الشك في حدوثها إذا ما حاول الأغيار ذلك.

ثم اجتهد في توضيح الفارق بين المُخالف للعادة والخارق للسُنة الطبيعية، ليُميّز بين الكرامات التي تَجري على أيدي بعض الأولياء والأصفياء والأتقياء من الصوفية، والمعجزات التي خَص بها الله الأنبياء دون غيرهم، ثم ميّز بعد ذلك بين المُعجز النبوي الذي تَفردّ به المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) ودونه من سائر البشر، وعبّر عنها بقوله أن سيرته وخصاله وطباعه ومجاهدته وجهاده وقدرته على التبليغ ورأفته ورحمته وتسامحه وشدته وحبه وورعه وجماله وكماله، هو المُعجِز الخفيّ على الحسيّين، والواضح أبداً والظاهر دوماً للعقلاء والمحللين وللعلماء والمحررين وكُتاب السيّر من القدماء والمُحدثين، وقد لَخصّ “ابن عاشور” المُعجِز الجواني أو المُعجزة الخفيّة التي أُختص بها النبي في (طهارة النفس وصفاء السريرة وخيريّة الجِبِلة قبل البعثة، وكمال الخِلقة والخُلق والعِصمة وهي جامعة بين ما اكتسبه بالإرادة البشرية والنعِمة الإلهيّة، ثم حاجة العالم إلى وجود رسالته وذلك لتفشي المكاره والإنحطاط بين البشر وجحودهم للشرائع السابقة بعد التجديف عليها وتحريف متونها، ثم خلوّ سيرته من أي فصام بين القول والعمل وإستشرافه للعديد من الحوادث والأخبار والأخطار وإخباره عن أمور يستحيل عليه تحصيلها دون علم الباري وثبات صحة ما نهى عنه بالقطع وأكد تحريمه، ثم الحكمة الربانيّة والشريعة الإلهية التي وُرِدَت في القرآن وما يحويه من صور عديدة للإعجاز اللغوي والبلاغي والإخباري والمعرفي والعقلي والثوابت الحِكميّة المتمثلة في توجيه الخطاب للعقلاء للتأمل والتدبر وإعلأه من شأن العلماء للتزود من المعارف لجلب النافع ودفع الضار، والدستور القابل للتطور دوماً وإستيعاب ما يستجّد من حوادث إلى أن تتنهي الأرض وما عليها)،

ويقول:” فإنّ أهل النظر والعلوم يحبون أن يعثروا على نِكّت – أي طُرفة – جديدة على قاعدة “كم ترك الأول للآخر”؛ ففي ذلك نشاط لهممهم العلمية لا تحصل لهم من الإشتغال بالفوائد المعادة على قاعدة “هل غادر الشعراء من متردم؟”، وهي تشبه خوارق العادات من حيث إنّ جميعها إنْ تأملته وجدته صادراً في أزمنة وأحوال يَعِز أن يصدر أمثالها في أمثالها، أما إذا إعتبرت مجموع طائفة منها قليلة أو كثيرة، فإنّك تجد إجتماعها وتظاهرها يقارب أن يكون خارق عادة، وتقوى تلك المقاربة بمقدار تكاثر ما لاح للناس منها، لأن إجتماع الأمور المتناسبة يبعدها عن الصدفة، ويقربها من قصد نصب الدلالة، فيوشك حينئذ أن تساوي المعجزة المشهورة في نيابتها مناب قول الله تعالى ” صدق عبدي فيما أخبر عني”.

ويقول في موضع آخر إنّ القرآن الكريم هو المُعجز الأكبر والدليل الأعظم على صدق النبي، وهو الشاهد الخالد على حقيقة الشريعة الربانيّة التي حملها المُصطفى (صلى الله عليه وسلم) إلينا في تلاوته للوحيّ وصحيح حديثه وسُنته، ويقول مُستشهداً بأقوال الرسول في هذا السيّاق:(هذه الخصيصة يشارك هذا النوع معجزة القرآن في الدوام وعدم الإنهاء، ولعلنا نستروّح لهذا النوع من المعجزات لمحة من قول النبي “ما من الأنبياء نبي إلا أؤتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أؤتيت وحيّاً أوحى الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)؛ فلفظ الوحيّ وإنْ كان يتبادر إلى القرآن وهو بحق أجَلّ أنواع الوحيّ … ويتضح من هذا أن هنالك صِلة متينة وإنتساباً قوياً بين عموم دين الإسلام ودوامه، وبين المعجزات الخفيّة الصالحة لإستمرار الحجيّة بها والمتجدد بعضها عقب بعض).

ولا ريّب في أن “ابن عاشور” قد عَبر بما أورده في كتاباته عن العلوم الشرعيّة مدى أصالة إنضوائه للمشروع الحضاري الإسلامي الذي طالما نبهنا على وجوده، أصيلاً في بنيته ومتطوراً في نسقه وثرياً في تصورات وآراء رواده عبر العصور، وقد صَدق الأستاذ الإمام “محمد عبده” في وصفه شيخنا “الطاهر ابن عاشور” بأنه (سفير الدعوة الإصلاحية في الجامعة الزيتونيّة).

وللحديث بقيّة عن قضايا الفكر الإسلامي، وآثر “ابن عاشور” في تجديد الخطاب الدعوي الإسلامي الحديث.

***

بقلم: د. عصمت نَصَّار

 

يبدو أن المراجعات العلميّة والنقوّد التحليليّة لكتابات المُصلحين والمُجددين قد أختفت وسط عراك المثقفين المعاصرين حول توافّه الأمور .. ومن هذا الباب نجد من يدعي أن نهج “ابن عاشور” في تجديد علم الحديث وإنتقاداته لكُتب الجُماع يساير غلاة المستشرقين، ومن نحى نحوهم مثل (أحمد خان ١٨١٧م – ١٨٩٨م )، و(أحمد أمين ١٨٨٦م – ١٩٥٤م)، والسيد (عبد الحسين شرف الدين ١٨٧٢م – ١٩٥٧م) وغيرهم من الكُتاب الذين طعنوا في كُتب الحديث بوجه عام، دون أن يقدّموا حلولاً أو يجتهدوا في معالجة ما يترأى لهم من خلل أو تقصير في كُتب الصِحاح منها. والحق أن “ابن عاشور” لم ينكر مكانة قطعيّ الثبوت والدلالة من الأحاديث في أصول العقيدة، ولم ينكر علم الحديث بمجمله؛ بل أنتصر إلى رأي الإمام “الشافعي” في عدم الإعتماد على الأحاديث وحدها كمصدر من مصادر التشريع، ولم يوافق أيضاً على أن تكون السُنة ناسخة (لاغية) لما جاء في القرآن، أو تقديس كُتب الصِحاح والإعتقاد في أن الحفظ الإلهي قد شملها من الخطأ أو الوضع كما أدعى (ابن الصلاح الشهرزوري ١١٨١م – ١٢٤٥م)، كما بَيّن أن التعبّد بها غير جائز؛ اتفاقاً مع رأي الجمهور .

وخلاصة رأي “ابن عاشور في هذا السياق يستند إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإمام “محمد عبده” في ضرورة إعمال العقل في متون المرويّات، وحِجَته في ذلك أن تأمل الخبر الإلهي بالنظر والتحليل واجب شرعي، فكيف لا تخضع أحاديث النّبي لذلك الأمر الإلهي إنّ كانت من عنده حقاً؟! وذلك للوقوف على المقصد الربانيّ والدلالة الإلهية باعتباره الأمر الذي خلى من الهوى وكونه وحياً يوحى، ومن أقوال “محمد عبده” في ذلك: (كنّا غير مكلفين بالإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا)، وقد صار على نهجه “عبد المتعال الصعيدي” في إجتهاداته لإصلاح علم الحديث. وقد بَيّنا ذلك بالتفصيل في كتابنا (حقيقة الأصوليّة الإسلامية الصادر عام ٢٠٠٤م).

أمّا عن صِلة “ابن عاشور” بالأستاذ الإمام وتتلمذه على نهجه وبنية مشروعه، تلك التي شَكّك فيها بعض عوام المثقفين نهدي إليهم هذا التصريح بقلم “ابن عاشور” نفسه، وقد ورد على صفحات مجلة الأزهر في عدد أبريل ٢٠١٢م (أيها الأستاذ إنّ مباديكم السامية التي ترمي سهمها الأفلج – الناجح – شوارد التقدّم … قد أوجبت لنفسي نحو لقياكم كثرة إشراق مع علو في محبتكم وإغراق، فلا يتعجب الأستاذ – أيده الله – من نفس أظهرت له التعلق عند ملاقاته الأولى، فإنّا وإن لم نلتقِ بشخصه من قبل، فقد لاقين ذكره وفرائده) ذلك فضلاً عن حرص “ابن عاشور” على ذكر تعلقه بمشروع الأستاذ الأمام التنوري في كتابه “أليس الصبح بقريب” الذي ظهرت طبعته الأولى عام ١٩٦٧م، وأشتمل على آرائه الإصلاحية لكُتب العلوم الشرعيّة، وتواصله الدائم مع رواد مدرسة الإمام وعلى رأسهم “محمد الخضر حسين”، و”مصطفى عبد الرازق”، و”عبد المتعال الصعيدي”.

ومن يُطالع كتابات “ابن عاشور” عن إصلاح الآليات الضرورية للوقوف على مقاصد الشريعة التي وردت في القرآن وصحيح السُنة سوف يُدرك مدى تأثره بهذه المدرسة.

ومن مظاهر تجديد “ابن عاشور” في علم الحديث، هو تفعيله المنهج العقلي بكل ضروبه في قراءته لمتون الأحاديث بعد إنتقائه منها ما لا يتسرّب إليه الشك من حيث صحة الروَاه، وتسلسل السند بلا إنقطاع أو إرتياب في تاريخ الراوي وحُسن سيرته، ذلك فضلاً عن قدرة المُحَدِث وفصحاته في التعبير عن ما يراه أو يحفظه ويفهمه، وأمانته في السرد بوجه عام وقربه من مجالس رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وإبتعاده كليةً عن هوى التعصب أو الإشتراك في المصاولات بين الفِرق الفقهية أو الكلاميّة – إنّ كان من التابعبن -. نعم كل ذلك كان يتحرّاه “ابن عاشور” في تحرير السّند من الآفات التي كانت تقوده إلى الشك أو الغمز أو اللمز.

أمّا نهجه في قراءة المتون فكان أقرب إلى التحليل بكل أشكاله، بداية من تحليل الألفاظ ودلالتها مروراً بتحليل السياّقات والمناسبات والظروف والمُلابسات، وإنتهاءٍ بتحليل الواقعة وصحة حدوثها من شتى النواحي.

فكان يميّز بين المحفوظ والمكنَون، وأكل النبيّ للجراد من عدمه، والمعجزات التي نُسبت للنبي وشواهدها ومقاصدها ومآلاتها، ثم يقوم بعد ذلك بنقَد هذا المَتّن بعد مقابلته بآيات القرآن ذات الصلة أثناء عمله في التفسير والتأويل، ثم ينتخب من هذه العمليات العقلية الخطاب الذي يجب على الداعيّة الإلتزام به عند الإستشهاد بهذا الحديث أو ذاك، بغض النظر عن المُصنف الذي حواه من كُتب الحديث، فما أكثر الروايات الضعيفة أو الموضوعة في كُتب السُنّن أو ما نُطّلق عليه المتون الصحيحة، وتشهد بذلك اعترافات جُماعها التي استبعدت أغلب الروايات التي أمعَنتَ فيها النظر وطَبَقّت على أحاديثها المعايير التي إرتضاتها عقولهم أنذاك.

وأرى أن “إبن عاشور” في ذلك كان أقرب في نهجه ممّا نُطلق عليه اليوم (التفكير الناقد) أو (قراءة القراءة) وهاهي بعض أقواله في ذلك:

(وقد كانت تلك السُنن – يقصد سُنن أبي داود – مرجعاً للعلماء يحتكمون إليها عند كل خلاف، أمّا درجتها من حيث الصحة فإنها تؤخذ من عبارة المؤلف نفسه وهي “كتبت عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خمسمائة ألف حديث، فأنتخبت منها أربعة ألاف وثمانمائة ضمنتها في هذا الكتاب” …. وعن سورة المزمل وترتيب آياتها ذَكر أن الروايات ذات الصلة المنسوبة إلى أم المؤمنين “عائشة رضي الله عنها” مضطربة، إذ ذكرت حادثة ترتبط بآخرها ويعني ذلك أن صَدّر السورة تَنَزّل في مكة وآخرها في المدينة، وهذا بخلاف الواقع وذلك لأن النبي لم يبنِ بعائشة إلا في المدينة، وأن ما جاء به (الطبري ٨٣٨م – ٩٢٣م) لا يتفق مع المُجمع عليه أي (أسباب النزول وترتيب الآيات ومناسبتها) …. جاء في أحاديث (الترمذي ٨٢٤م – ٨٩٢م) إحدى الروايات التي تُنبّأ عن إستشراف النبي أن بني أميّة سوف يؤول إليهم المُلك والحُكم بعد حفيده الحسن بن علي، وقد ذَكر ذلك الراوي في مَعرض حديثه عن إنّا أعطيناك الكوثر، وليلة القدر خير من ألف شهر. ويدخل ذلك في باب التجديف والتلفيق، كما أن الراوي الذي أسندت إليه حكاية إستشراف النبي منسوبه إلى رجل مجهول الأصل والسند …. وجاء عند (الدارقطني ٩١٨م – ٩٩٥م) رواية تَنزّع إلى أن النّبي رد مطلقة إلى زوجها بعد الطلقات الثلاثة، وقيل تبريراً لذلك الحديث أن الطلقات الثلاثة لا تقع في كلمة واحدة والقصة عن طلقة رجعيّة، وهذا لا يجوز في رأي “ابن عاشور”؛ لأن هذه الرواية جاءت على خلاف ما أجتمع عليه أئمة رواة الحديث والفقه … ذلك فضلاً عن مئات الأحاديث التي أستشهد بها المفسرون لتوجيه أسباب النزول إلى معنى يريدونه أو حُكّم يرغبون فيه … كما احتكم “ابن عاشور” إلى بعض الأحاديث الضعيفة التي وجدها أقرب للعقل من دونها التي وصُفت بأنها صحيحة ولاسيّما التي تعرّضت لقضايا العقيدة الشائكة مثل التشبيه والتجسيد، واستبعد كذلك الأحاديث التي أوردها الصحيحان وفيها شُبه تُسيء من قريب أو من بعيد لسيّرة النبي … ويبدو استخدامه لمنهج اللاهوت المقارن في تنقية الأحاديث من غبار الإسرائليات، فكان يُشير إلى المواضع التي أقتبسها المؤولون والمفسرون والرواه من الكتاب المقدّس).

وحسبي أن أُشير في هذا السيّاق إلى جهد الباحثيّن الأردنييّن (سعد أمين المناسية، سلطان سند العكلية) في دراستهما المعاصرة عن جهود “ابن عاشور” في علم الحديث الذي نشراه في مجلة “مؤتة للبحوث والدراسات التي تصدر عن كلية الشريعة بالأردن٢٠١١م “.

كما أبدع “ابن عاشور” في استخدامه نهج نقد النقد، وذلك بإطلاعه على ما جاء في كتابات الجُماع في تضعيف بعض الأحاديث أو وصفها بالوضع ومقابلتها بأحكام أخرى في مصنفات حكمت على ذات الأحاديث بأنها صحيحة أو حَسنة. وقد أستنبط “ابن عاشور” من ذلك أن علم الجرح والتعديل يحتاج إلى مزيد من المراجعة والضبط.

وفي هذا السبيل نجد عشرات الأحاديث التي تتحدّث عن المرآة ومكانتها بوجهتين متناقضتين؛ فالوجه الأول يصف المرآة بأنها من ضلع أعوّج وناقصة عقل ودين وتستحق الضرب عقاباً لما تقترفه تجاه الرجل؛ وأن العجائز لا يدخلن الجنة. وفي الوجه الثاني نجد أحاديث توصّفها بأنها المخلوق الرقيق الذي ينبغي معاملته برفق، أو المؤمنة التي يُرجع إليها لتحصيل نصف الدين وهي التي أوحى إليها الله واصطفاها وكَرمها وهي المساوية للرجل في التكليف وهي الحرة التي تمتلك أهلية البَتّ في مالها وعِرضها، كما أن رواة الأحاديث أختلفوا كذلك في بعض الأحكام العقديّة التي تَمس حرية الإنسان في الإعتقاد وإقامة الحدود في التشريع وفي السياسة ولاسيّما علاقة المسلمين بالأغيار وسلطات الحاكم.

ولا يُخفَى على أحد أن مثل هاتيك الأحاديث المتضاربة والمتعارضة في الدلالة والمضمون، قد أثارت لجاجة العوام ودفعتهم إلى التطرف والجنوح عن المقصد الحقيقي للإسلام، كما دفعت غُلاة المستشرقين للإستشهاد بتلك الأحاديث في بِنيّة طعونهم الجائرة، بَغيّة إنصراف الناس عنهم أو التجرأ على وصف النبي بما ليس فيه وهو برئ منه.

وأعتقد أن هذا هو الهدف الحقيقي وراء دعوة “ابن عاشور” إلى إعادة غربلة وتنقية كُتب جُماع الحديث بآليات عقلية معاصرة تحمي أصالة الكلام المقدّس الذي لفظه النبي وتُخِلي ما حَاقّ بسيرة النبي وما رُويّ عنه من الوضع والإنتحال والتلفيق والتجديف، ويقول في ذلك: (ولم يشتهر في النقد مثل “الإمام مالك بن أنس”، وعلى منواله نسج “البخاري”،و”مُسلم”، ويليهما “أبو داود”، ثم “الترمذي”. وعندي أن أكثر ما أستدرك على “البخاري”، و”مُسلم” إنما هو مبنيٌّ على التساهل، لاسيّما مستدركات “الحاكم”، و”البهيقي” … هذا؛ وقد كان بعض الوضاعين يسلك طريق أخرى للوضع، وهي أن يَعَمَد إلى الأحاديث الصحيحة فيزيد فيها …. أعتل الوضاعون بعد ما رأوا من صرامة أهل النقد بعِلة جديدة، وهي التساهل على أحاديث فضائل الأعمال، ومنشأ ذلك شيوع التصوف ظناً منهم أن الكذب في الترغيب مصلحة، حتى إنّ أحدهم لِيَمِ على صنيعه وذُكر بحديث:” من كَذب عليّ متعمداً فليتبؤأ مقعده من النار”، فقال: “إنما كذبت له لا عليه” وتغالى بعض الجهلة فقال: “يكفينا في وجوب الآخذ قول القائل قال رسول الله سواء كان صدقاً أم كذباً، وأيدوا ذلك برؤى حلمية” … وقصور الهمم عن مزاولة علم الحديث مزاولة نقد وضبط … فبينما يكون (الحديث) أصلاً ثابتاً بالقرآن أو بالسُنة أو بمعرفة مقصد الشريعة الحاصلة بالقياس الجليّ، إذْ بحديث يَطنّ على الآذان يهدم ذلك الأصل أو يعارضه، ولا يعدم ذلك متابعاً وإنْ كان أساطين السلف أحطأوا فيه.

فقد رُويّ عن عمر أنه رُويّ له حديث يخالف القرآن وما مضي من السُنة؛ فقال “لا نترك كتاب الله وسُنة نبيه لقول إمرآة لا ندري أصدقت أم كَذبت” … فالذي نراه للإتيان على ما بقيّ حافاً بعلم الحديث من الخلل أن يسد باب التسامح في إيداع الأحاديث الضعيفة في كُتب الحديث، ولو كانت في فضائل الأعمال، فإنّ ترْك ذلك أعظم فائدة للدين من ذِكره، وفي الأحاديث الحُساّن بَلاغ لطالبي الفضائل وأن يطرح الإشتغال بضبط أحوال الرواة بعدما محَصّ الحُفاظ صحيح الحديث من عليله، فإنّ الإشتغال بذلك أصبح قليل الجدوى، فليقتصر على ذِكر الصحابي الراوي للحديث وعلى ذِكر رتبة ذلك الحديث في نظر أهل النقد).

وللحديث بقيّة عن نقدات “ابن عاشور” الخفية لكُتب الأحاديث والسيّرة النبوية.

***

بقلم: د. عصمت نّصار

 

قال المبلغ جبريل لمحمد عند نزول الدعوة عليه من الله في الغار كما تورده الرواية: أقرأ: فرد عليه الرسول لستُ انا بقارىء، حتى اصبح الرد حجة عند المسلمين على أمية محمد(ص). نكتب ولنا رأي آخر،

لا أحد يشك ان هذا الموضوع من الموضوعات الحساسة جدا والتي تثير حفيظة الفقهاء، والمجالس الفقهية، ورجال الدين والمتدينين والسلفيين منهم بوجه خاص، والحكام المتسترين بالدين. هؤلاء الذين لم يفهوا الرسالات الدينية الا طقوسا. لكن البحث العلمي والوصول للحقيقة، لاتمنع من أبداء وجهات النظر حتى في النص والانبياء معاً، فالنص القرآني ثابت لغوياً، لكنه متحرك في المحتوى، وهذا ما غفلَ عنه الفقهاء منذ عهد المفسرين الآول.

نستطيع ان نجزم ان كل شيء ما عدا الله متغير، وقابل للتأويل لقوله تعالى: (كل شيء هالك الا وجهُهُ، القصص 88). لأن القرآن الكريم له صيرورته الخاصة في الحنيفية والاستقامة والتطور. والانبياء لهم خصوصيتهم في الرسالة الربانية والتوجيه الديني، وهم نقلة نصوص مقدسة لا غير، دون ان تكون لهم عصمة، لا ن العصمة في الرسالة، وليست في شخوصهم الفردية، لقوله تعالى: ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس، المائدة 67). أي من ان ينالوك بسوء، ومن هذه الاية يتضح ان العصمة في الرسالة ولا احد معصوما الا الله،  من هذا المنطلق من حقنا ان نناقش المسائل الحدية في النص الديني والانبياء ومادار حولهم دون حرج من أثم. وعلى الجميع تقبل النقاش والرد ان كنا من المتجاوزين أو المخطئين. فالرأي والرأي الاخر هو الذي يولد الحقيقة والقرآن يؤكد على هذا التوجه لقوله تعالى (لكم دينكم ولي دين). ولنعد الى لفظة الامي التي وردت في القرآن الكريم فنقول:

ان لفظة الامي وردت في الكتاب في ستة مواقع وهي:

(وقل للذين أوتوا الكتاب والاميين أأسلمتم)، (آل عمران: 20).

(بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)، (آل عمران: 75).

(لا اله الا هويحي ويميت فآمنوابالله ورسوله الأمي)، (الأعراف: 158).

(الذين يتبعون الرسول الآمي الذي يجدونه مكتوباًعندهم في التوراة والانجيل)، (الأعراف157).

(هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوعليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة)، (الجمعة: 2).

(ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا اماني وان هم لا يظنون)، (البقرة: 78).

محمد شحرور: الكتاب والقرآن

لنتعرف اولاً على معنى كلمة الأمي التي وردت في الآيات القرآنية السابقة. لقد أطلق اليهود والنصارى على الناس الذين لا يدينون بدينهم لفظة الامي، وهو ما نعبر عنه اليوم بالغوغاء أو العامة، لان هؤلاء الاقوام كانوا جهلة لا يعلمون ماهي الاحكام في كتب اليهود والنصارى. من هنا جاءت الكلمة لتعني:

ان الامي هو غير اليهودي او النصراني، والجاهل بكتبهم. وبما ان التوراة والانجيل هما نبوتا موسى وعيسى لذا جاء التبشير بنبوة محمد في التوراة وليس في الكتاب لقوله تعالى: (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والأنجيل، الاعراف 157). ويوضح تماما في ألآية من آل عمران لقوله تعالى: (وقل للذين آوتوا الكتاب والأميين). فالذين أوتوا الكتاب هم اليهود والنصارى والباقي من الناس هم الأميون، وليس القصد بمحمد الرسول.

وهذا المعنى واضح في الاية 75 من سورة آل عمران عندما ذكر اهل الكتاب اليهود والنصارى فمنهم أي اليهود (من أن تأمنه بدينارٍ لا يؤده أليك). ومنهم أي النصارى (من أن تأمنه بقنطار يؤده اليك). فلماذا لا يؤدي اليهود الأمانات لغيرهم؟ لانهم يعتبرونهم من (الغويم) أي الغوغاء، وهؤلاء الاميون لا تنطبق عليهم وصايا الرب حيث قال: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل).

وفي سورة الاعراف الآية(157): "الذين يتبعون الرسول الأمي". هنا جاءت كلمة أمي لأنه ليس منهم، لأنه قال: (الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل).

وكذلك جاءت في الاية(158) حين أتبعها بأن محمد (ص) هو رسول الله الى الناس جميعاً اليهود والنصارى والأميين علماً بأنه لم يكن أصلاً يهودياً ولا نصرانياً بل من الفئة الثالثة وهي الأميون.

وبمعنى الجهل في الكتاب قال: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الأ أماني، البقرة 78). أي الذين لا يعلمون الكتاب ومحتوياته هم أميون بالكتاب ولذا أتبعها: (وان هم الا يظنون).

من هنا نرى ان النبي محمد(ص) كان أمياً بمعنى أنه غير يهودي وغير نصراني، وكان أمياً أيضاً بكتب اليهود والنصارى وكانت معلوماته عن كتبهم هي بقدر ما أوحي أليه بعد بعثته.

هذا العمق البلاغي اللغوي للقرآن الكريم لم يدركه المفسرون الاوائل الذين يجهلون المستدركات الحسية في اللغة، لا بل حتى المُحدثين منهم والفقهاء ورجال الدين، فسار المتأخرون على خطأ الأوائل من المفسرين، ولأن القرآن والنبي من المقدسات التي يجب ان لا تخرق فقد بقي القديم على قدمه تفاخراً وليس حقيقة عند الناس. وهنا ظُلم القرآن والنبي معاً عند المسلمين. ان معرفة القراءة والكتابة عند النبي لايقلل من قيمته ومن قيمة الرسالة، لا بل يزيدهما فخراً وأعتزازاً.

اما اسقاط هذا المعنى على ان النبي كان أمياً أي لا يقرأ ولا يكتب فهذا خطأ مميت، لأن الكتابة هي تجميع الأشياء بعضها الى بعض لأخراج معنى مفيد (موضوع) فهل كان النبي عاجزاً عن تأليف جملة مفيدة أوكتابة كتاب أو رسالة؟ أذن من كتبَ الرسائل الى الملوك والامراء وكتابه الى كسرى كان بيده أملاءً وصياغةً. والقراءة تعني العملية التعليمية (مرحلة تتبع المعلومات) ثم القدرة على أستقراء نتائج منها ومقارنتها بعضها ببعض. فالأاستقراء والمقارنة جاء من القراءة فهل كان النبي محمد(ص) لا يقرأ. خطأ أستراتيجي فرضه علينا المفسرون في نبينا العظيم بحاجة الى أعادة نظر واصلاح في قيمة الدعوة والنبي معا.

وقد يقول البعض ان النبي أجاب على جبريل عندما جاءه بالوحي قال له: أقرأ فقال محمد ليس أنا بقارىء، فهل اذا قيل لزيد أوعمر أذهب فقال ما أنا بذاهب، فهل هذا يعني بالضرورة أنه مشلول أو بلا أقدام. ولكن حين قدم جبريل الآية الكريمة قائلاً : (أقرأ بسم ربك الذي خلق، ألعلق1) سكت النبي بعد هذه الآيات الكريمات ولم يقل ما أنا بقارىْ، لمفاجئته النطق المقدس الجديد.

علينا أستقراء التاريخ الجاهلي ومعرفة كلمة القراءة والكتابة، فالنبي كان أمياً بالخط ولا يقرأ المخطوط بالقديم وجاء هذا المعنى في قوله تعالى: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك اذاً لارتاب المبطلون، العنكبوت 48). (بل هو أيات بينات في صدور الذين آوتوا العلم وما يجحد بآياتنا الا الظالمون، العنكبوت 49).

وهذا يعني ان الرسول(ص) لم يتكلم بالقرآن قبل الدعوة ولو تكلم به لقالوا له انت تكلمت بالقرآن من قبل ان يأتيك الوحي وهنا جاز التشكيك به، والثاني ان النبي لم يستعمل الخط وظل كذلك الى يوم وفاته. وفرق كبير بين الخط والكتابة، وهذا أمر أخر لم يدركه المفسرون الأوائل. ودليل ذلك ما جاء في الاية الكريمة قوله تعالى (وكتبنا له في الألواح، الاعراف145). والالواح هنا القرطاس، وتجيب الآية الكريمة لاحقاً: (من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء) فهنا بعد فعل كتبنا ذكر الموضوع مباشرة.

فكتابة العقود والوصايا لا تعني الخط مباشرة بقدر ما تعني التسجيل حسب المراد من العقد فالكتابة والقراءة شيء والخط شيء اخر.

وأود ان أعلق على ما كتبه المؤلف فأقول:

أن هذا الامر في غاية الدقة والموضوعية يحتاج الى المزيد من البحث والتقصي العلمي والمعرفي لأزالة الالتباس، مما تعرفنا عليه خطئاً في ان الرسول (ًص) العظيم كان أميا لايقرأ القرآن الكريم ولا يكتب الاحاديث والرسائل. والقرآن الكريم يؤكد على أنه (ًص) كان يقرأ ويكتب من صحف كان مكتوب فيها القرآن لقوله تعالى: (رسولُ من اللهِ يتلو صُحفاً مُطهرةً، سورة البينة 2) أي أنه كان يتلو بنفسه من صحف كتب عليها آيات القرآن.

أنا أعتقد تماماً ان هذه الأسطورة الكاذبة هي أساس الطعن في الاسلام. أما ما يدعونه من وجود كُتاب الوحي الذي كتبوه بهذه الصورة غير المرتلة اي المرتبة ترتيبا ً زمنياً فهو أمر غير صحيح، فلماذا اذن لم يسمحوا لنا بأعادة كتابته بترتيب موضوعي أو حسب السنين وفق سياق النزول. أنا أعتقد ان كتاب الوحي الذين ملؤا بهم الدنيا ضجيجاً هم أسطورة حاكها المؤرخون والفقهاء على غرار أسطورة عبدلله أبن سبأ اليهودي الكاذبة والتي ثبت بطلانها علميا اليوم، والتي أرادوا من ورائها شق وحدة المسلمين واتهام أتباع أهل البيت بالخروج عن الاسلام، والتي لازال يصدقها البعض من المغفلين.

فمحمد(ص) هو المعلم الاول للكتابة وللقراءة. وهل ان أمية الرسول التي بها يدعون ستزيد من قيمة الدعدوة وقيمته المعنوية والمادية، وألا سنبقى كما بقيت أوربا في العصور الوسطى تغط في دياجير التخلف والظلام، وها نحن كما ترون كيف ان الاوهام والاساطير تعشعش في مجتمعاتنا والتي أوصلتنا الى هذا التردي الفكري والعلمي الذي نحن فيه اليوم.

 ونقول هل ان معرفته (ص) للكتابة والقراءة ستقلل من قيمة الاسلام كدعوة انسانية ؟. بهذه العقليات المنغلقة المتحجرة فسرت الدعوة والنص القرآني وفق نظرية الترادف اللغوي الخاطئة، وأقوال الرسول الذين أدخلوا عليها الف والف حديث غير ثبت حين مزجوا الحابل بالنابل وفسروا السيرة النبوية الشريفة تفسيراً طوباويا كان ضرره أكثر من نفعه، وأدخلوا عليها كل غريب وطبقوها علينا تحت رحمة وعاظ السلاطين وقوة السلطة الغاشمة. فجاءت كما نحن فيها اليوم من تغاير لا يحمي الا التخلف والانغلاقية والسلاطين. فبقينا على ما نحن عليه مكانك راوح، وكل جديد عليك حرام كتحريم القراءة والكتابة على أشرف المرسلين.

آذن لابد من تغيير جذري، لكي ينهض الاسلام، وتتجدد قيمه وتستمر مجتمعاته الجديدة. وعملية التجديد هذه لا تعتبر مسألة في النظر والعمل، بل فيهما معاً وعلى مستوى الرؤية التاريخية، والعمل الفكري الحاضر الشامل والمستقبلي، على حد قول الاستاذ ابراهيم الغويل، فأسلامنا اليوم هوليس اسلام محمد (ص) بل هو اسلام الفقهاء المحرفين للدين، فمتى نتنبه للصحيح؟.

رحم الله المبدع الاستاذ الدكتور محمد شحرور الذي كتب لنا كل صحيح.

***

د. عبد الجبار العبيدي

 

"تعلموا العربية فإنها تزيد المروءة"

توطئة: اعلم أن التلفت عن اللغة الأم بماهي أحد منابت الهوية و أصل الرابطة القومية نحو تملك لغة موضوعية أملا في ممارسة التفكير الخلاق وتوقا لمعانقة حرية الابداع هو عين الأمر الشائك ورأس المعضلة الكبرى, واعلم كذلك أن أي جهد يبذل على هذا النحو ينتج عنه اقرار ضمني بأن الضاد هي لغة خرافة وتقليد وملكة متقررة في اللسان واعتراف غير معلن بأن هناك لغة أخرى تقدمت على صعيد الحياد الموضوعي واختصت في مجال الخلق والابتكار. لقد "كانت الملكة الحاصلة للعرب من ذلك أحسن الملكات وأوضحها إبانة عن المقاصد لدلالة غير الكلمات فيها على كثير من المعاني من المجرور أعني المضاف ومثل الحروف التي تفضي بالأفعال الى الذوات من غير تكلف ألفاظ أخرى. وليس يوجد ذلك الا في لغة العرب وأما غيرها من اللغات فكل معنى أو حال لابد له من ألفاظ تخصه بالدلالة ولذلك نجد كلام العجم من مخاطباتهم أطول مما تقدره بكلام العرب..."[1]

وان كان الأمر كذلك فكيف نطمح الى التفكير مع الحرص على الهوية؟

ألا يقتضي هذا التلفت فصلا بين الذات المتكلمة و اللغة المتكلم بها؟

وهل ينبغي التخلي عن الهوية والعزوف عن الفصحى والإنخراط في العولمة والشراكة وتعلم اللغة الكونية بوصفها المسلك الوحيد للتطور أم من الضروري تطهير اللغة العربية من كل ضروب الجمود وتخليصها من كل المعيقات والشوائب؟ ثم لماذا هذا الرجع القهقرى بالنسبة للضاد من الحركة والازدهار الى السكون والتكرار؟

اذا كان هذا هو موقع الانسان العربي اليوم متمسكا بلغة الهوية للمحافظة على خصوصية حضارته وللإعتزاز بدائرة الإنتماء ومضطرا لتعلم اللغة الكونية ليمارس التفكير وليواكب التطور والرقي فهل يقبل الإنفصام والإنشطار أم عليه بالإختيار والإنتظار؟ ماهي شروط امكان تطهير اللغة العربية؟ وأي مستلزمات تقتضيها هذه المطالب؟ هل تدور هذه المقتضيات في مستوى الأفكار والمعاني أم في دائرة الأساليب وطرق التعبير؟

الى أي مدى يكون مشروع بناء لغة موضوعية جوهرية وكونية تنصهر فيها كل الفوارق بين اللغات وتذوب فيها كل الخصوصيات واللهجات قابلا للإكتمال والإنجاز؟

ما معنى لغات ميتة سكونية ومغلقة ولغات ديناميكية حية ومنفتحة؟

هل يمكن للضاد أن تتحول من لغة حية الى لغة ميتة؟

ثم ألا يمكن اعتبار الفصحى اليوم مع تناقص عدد متكلميها لغة ميتة؟

هل تموت اللغة بموت الشعب الذي يتكلمها أم بانحباس الفكر الذي يستخدمها؟

أي دور للأديان في ظهور اللغات وانتشارها؟أليس من الأجدى لكل اللغات القومية أن تنفتح على الوافد والمغاير وتسمح بإمكانية اللقاء بالآخر؟ ما تأثير الايديولوجيا السياسية على اللغة؟ ما معنى لغات استعمارية مهيمنة ولغات محلية تابعة؟ وهل الضاد لغة تابعة مهادنة أم لغة آمرة يمكن لها أن تسود كل العالم؟ لما كنا لحظة المنعرج اللغوي وفي زمن فقه اللغة والغراماتولوجيا ونقد استعمال الفكر للغة والاعتراف بسيادة الكلمات على الأفكار وسلطة الدوال على المدلولات والأصوات على المعاني أليس من المتوجب البحث عن لغة ديموقراطية أو عن استعمال ديمقراطي من طرف الفكر للغة؟ [2]

هل تكون الأنترنات من جهة كونها لغة رقمية وشبكة جميع الشبكات هي هذه اللغة الديموقراطية التي نبحث عنها؟ ولما كان مقصودنا هو تخطي المضيقات واستجلاء هذه المحيرات فإنه يجدر بنا دراسة العلاقات الواصلة بين اللغة والشعب والرابطة بينها وبين الدين ثم نتبين بعد ذلك مدى تأثيرها على التفكير ودورها في حفظ الكيان وفي عملية انجاز الذات مع التفطن الى الشبهات والشوائب التي علقت بالضاد فأعاقتها عن التطور معرجين على التحديات التي تواجهها خاصة في ظل غزو الصورة واستبداد المشهد وضخ المعلومات وهجرة الرموز باحثين في الأخير عن طرق ممكنة للتجديد استشرافا للآتي واستقبالا للمستجد الطارئ.

1 ـ اللغة والشعب:

"والجماعة الانسانية الكاملة على الاطلاق تنقسم أمما والأمة تتميز عن الأمة بشيئين طبيعيين: بالخلق الطبيعية والشيم الطبيعية و بشيء ثالث وضعي وله مدخل ما في الأشياء الطبيعية وهو اللسان أعني اللغة التي تكون بها العبارة... [3]

ان اللغة سواء تكونت بالمواضعة والاتفاق أو بالوراثة والغريزة وسواء نتجت عن عوائد الانسان ومألوفه أو كانت بنت طبيعته ومزاجه فهي روح الشعب الذي يتكلمها وكنهه يودع فيها أحلامه وتطلعاته ويحبس فيها اخفاقاته وهزائمه. اذ توجد لكل شعب لغة تلائم طبيعته وتعبر عن مزاجه وأذواق أفراده تميزه عن شعب آخر وتعكس بشكل أو بآخر تقدمه أو تأخره لأن كل وحدة لغوية تعبر عن وحدة حضارية معينة وتعدد اللغات يعني تعدد الحضارات وتطورها يدل على تطور الحضارة وجمودها يعني ركود الشعب الذي يتكلمها. وآيتنا في ذلك أن وحدة اللغة تدفع بالاعتقاد بوحدة الأصل والشعور بالقرابة والتآلف وتوجد وحدة في الاحساس والادراك وتساهم في تشكل لاشعور جماعي أو مخيال مشترك، اذ أن اللغة تمد جسور التواصل والتفاهم بين الذوات وتجعلهم يتماثلون ويتعاطفون وتمكنهم من ترسيخ عاداتهم وتقاليدهم وتناقل الخبرات الثقافية من السلف الى الخلف. فهل يمكن أن يوجد شعب قائم الذات دون أن تساهم لغة معينة في تشكله؟

 اعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده وتلك العبارة فعل لساني فلابد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان وهو في كل أمة بحسب اصطلاحهم... [4]

 اعلم أن الحروف في النطق...هي كيفيات الأصوات الخارجة من الحنجرة تعرض من تقطيع الصوت بقرع اللهاة وأطراف اللسان من الحنك والحلق والأضراس أو بقرع الشفتين فتتغاير كيفيات الأصوات بتغاير ذلك القرع وتجيء الحروف متمايزة في السمع وتركب منها الكلمات الدالة على ما في الضمائر وليست الأمم متساوية كلها في النطق بتلك الحروف فقد يكون لأمة من الحروف ما ليس لأمة أخرى والحروف التي نطق بها العرب هي ثمانية وعشرون كما عرفت ونجد للعبرانيين حروفا ليست في لغتنا وفي لغتنا أيضا حروف ليست في لغتهم... [5]

غني عن البيان أن الضاد هي أداة قوية للثقافة العربية تعتبر ثمرة تاريخ هذه الحضارة بأكمله, لم تتغير إلا ببطء شديد استعملتها كل الطبقات والشرائح, كما أخضعت قواعدها الى عملية تأصيل وتقعيد مستمرتين رغم ما لوحظ من ازدياد في عدد الألفاظ الدخيلة المستعربة.فاذا كانت اللغة الاغريقية قد ارتبطت بالفلسفة والتراجيديا واللغة اللاتينية بالقوانين الرومانية واللاهوت المسيحي واذا كانت اللغة الانجليزية قد تعلقت بالشعوب الأنجلوساكسونية وبالنزعة الحسية التجريبية وفي أمريكا بالنزعة البراغماتية والتقليد التحليلي وارتبطت اللغة الفرنسية بالفكر الموسوعي العلمي والنزعة الوضعية في تجلياتها الأولى وأفصحت اللغة الألمانية عن الأنوار والنزعة الرومانطيقية والفكر التأملي والجدلي التي تميزت بها القومية الجرمانية فإن الضاد لغة العرب الفصحى قد ارتبطت بالشعر ومعلقاته السبع والقرآن دستورهم الأول وما يتضمنه من سحر وبيان ومجاز وبلاغة واعجاز وخطابة. في هذا الاطار يقر الجاحظ أن العرب أمة واحدة لتكلمهم العربية رغم اختلاف لهجاتهم ونطقهم بها اذ يقول: وزعمت أن هؤلاء وان اختلفوا في بعض اللغة وفارق بعضهم بعضا في بعض الصور فقد تخالفت عليا تميم وسفلى قيس وعجز هوازن و فصحاء الحجاز في اللغة وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير وسكان مخاليف اليمن وكذلك في الصورة والشمائل والأخلاق وكلهم مع ذلك عربي خالص غير مشوب ولا معلهج ولا مذرع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان من قبل ما طبع الله عليه تلك البرية من خصائص الغرائز وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة. فإن قلت: فكيف كان أولادهم جميعا عربا مع اختلاف الأبوة. قلنا: إن العرب لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة والشمائل والهمة وفي الأنفة والحمية وفي الأخلاق والسجية فسبكوا سبكا واحدا وأفرغوا افراغا واحدا وكان القالب واحدا تشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط وحين صار ذلك أشد تشابها في باب الأعم و الأخص وفي باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام جرى عليهم حكم الاتفاق في النسب... [6] لكن ان كانت الضاد روح الشعب العربي والاسمنت المسلح الذي يصهر كل أفراد المجتمع في وحدة عضوية لا يمكن تفكيكها من الداخل فكيف يمكن لهذه اللغة أن تعبر عن جوهر الديانة التي يعتنقها هؤلاء الأفراد؟

2 ـ اللغة والدين:

"أنزلناه قرآنا عربيا" (سورة يوسف 2)

 "بلسان عربي مبين" سورة الشعراء 195

"ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي" سورة فصلت 44

" يا مشمس أيام الله بضحكة عينيك !

ترنم للغة القرآن

فروحي عربية " مظفر النواب ـ وتريات ليلية [7]

كل دين منزل سماوي أو طبيعي وضعي تم حفظه وصيانته داخل نصب مكتوب أو من خلال كلام شفوي ويقع الاعتماد في ذلك على نسق من الرموز والعلامات والدعوات أو من خلال مجموعة من الطقوس والحركات والاشارات، وتتمثل وظيفة الدين في حفظ النص المقدس من الضياع والتلاشي وفي تسهيل عملية ابلاغه وتعليمه للآخرين.  نزل القرآن الكريم أول ما نزل بلهجة قريش لأن لهجة قريش أفصح لهجات العرب ولأنها قد خلت من كل مستشبع مستقبح ولكن لما دخل الناس في دين الله أفواجا ابتدأت من العام التاسع للهجرة تعذر على كثير من الداخلين في الاسلام قراءة القرآن بلهجة قريش نظرا لانطباع ألسنتهم على لهجاتهم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه التخفيف فنزلت الرخصة من الله تعالى بجواز قراءة القرآن بلهجات العرب الفصيحة المتداولة فإذا كان في كلمة لهجتان فصيحتان أو أكثر جازت قراءة القرآن بها كلها وهي في احصائنا لا تتجاوز السبعة على كل حال. فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أقرأني جبريل على حرف فراجعته ثم لم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى الى سبعة أحرف" [8]

ان اللافت للنظر أن اللغة التي يكتب بها الدين هي لغة مجازية رمزية أغلبها تخييل ومحاكاة وتمثيل للحقائق والأفكار السرمدية التي لا يدركها الا أصحاب الفطر الفائقة وحتى يتسنى تأويلها وتفسيرها الى ما لا نهاية له. بيد أن العلاقة بين القرآن والضاد هي علاقة اشكالية شائكة وجالبة للحيرة والتفكير وذلك لسببين هما:

- القرآن نزل منذ الوهلة الأولى في شكل خطاب شفوي.

- اللغة العربية لم تصبح لسان أي لغة مكتوبة لها قواعد وقوانين الا بعد هبوط الوحي واكتمال تشكل الدين الاسلامي.

هكذا كان الوحي يقرأ قبل تدوينه وكتابته وفق سبع قراءات توافق عدد لهجات القبائل التي انتشر فيها الدين الجديد, أما اللغة العربية وقتها فإنها لم تخضع بعد لعملية تقعيد وتقنين كما أن الحروف لم يقع تنقيطها وقواعد الاعراب والنحو والصرف وبحور العروض لم تكن موجودة وأول المحاولات كانت بطلب من علي ابن أبي طالب صاحب نهج البلاغة وأنجزت من طرف أبي أسود الدؤلي والخليل ابن أحمد الفراهبدي وسبويه وابن جني صاحب كتاب الخصائص. ما تجدر الاشارة اليه أن عثمان ابن عفان عندما خشي من ضياع الوحي ومن امكانية تعرضه للتزوير والتحريف بعد اندلاع الفتنة الكبرى واحتدام الصراع السياسي على السلطة وموت عدد كبير من الحفظة والقراء أثناء الغزو والفتح فأمر هذا الخليفة المسلم بجمع سوره وآياته في مصحف سمي الى الآن باسمه وقع رسمه بلهجة قريش القبيلة التي استأثرت لنفسها بالحكم من دون القبائل الأخرى وأمر كذلك بإحراق كل النسخ والمصاحف الأخرى المكتوبة باللهجات المتبقية، ولقد ذكر لنا التاريخ العربي الاسلامي وجود قراءتين للقرآن الأولى لورش والثانية لقرش ورغم أن نقاط الاختلاف بينهما معتبرة ولها دلالة الا أن خشية الجماعة من هبوب رياح الفتنة والوقوع في التشرذم والفرقة هو الذي جعلها تقلل من هذه الاختلافات وتعتمد القراءتين معا. "والسبب في اشتهار هؤلاء السبعة دون غيرهم أن عثمان رضي الله عنه لما كتب المصاحف ووجهها الى الأمصار وكان القراء في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد كثيرا في الاختلاف فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به فنظروا الى امام مشهور بالثقة والأمانة في النقل وحسن الدين وكمال العلم قد طال عمره واشتهر بالثقة وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل وثقته فيما قرأ وروي وعلمه بما يقرأ فلن تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب اليهم...وأول من اقتصر على هؤلاء أي القراء السبعة- أبو بكر بن مجاهد. [9] في هذا السياق يقول ابن خلدون: "فلما جاء الاسلام وفارقوا الحجاز لطلب الملك الذي كان في أيدي الأمم والدول وخالطوا العجم تغيرت تلك الملكة بما ألقي إليها السمع من المخالفات التي للمستعربين... وخشي أهل العلوم منهم أن تفسد تلك الملكة رأسا ويطول العهد بها فينغلق القرآن والحديث على المفهوم فاستنبطوا من مجاري كلامهم قوانين لتلك الملكة مطردة شبه الكليات والقواعد يقيسون عليها سائر الكلام..." [10]

ما يثير الانتباه والدهشة أن معجزة الدين الاسلامي هي القرآن وبالأساس بلاغة اللغة التي قرأ وكتب بها والصور الشعرية التي يتخيلها وحلاوة الايقاعات الموسيقية التي ترسمها الأصوات المتكونة منها عند تلاوة آياته أو تجويدها. وسواء كان هذا الوحي مخلوقا على ما تذهب إليه المعتزلة تنزيها للذات الإلهية وتأكيدا لحرية الإنسان ختما للنبوة واعلانا عن ميلاد العقل أو كانت معانيه قديمة وألفاظه محدثة على طريقة الأشاعرة توفيقا بين العقل والنقل تعظيما للإرادة الإلهية المطلقة واعترافا بقدرة المخلوق على الكسب وفق مناسبات تخلق له فإنه قد تكونت حول القرآن عدة علوم نقلية وعقلية وكان الوحي هو مركز عدة علوم أخرى تكونت حوله فظهر في البداية الحفظة والقراء وكتبة الوحي ثم برزت على السطح فئة المفسرين والمحدثين ثم علماء السيرة والحديث والفقه وفيما بعد ظهر علماء أصول الفقه وأصول الدين وتغير الحال بالتطور المعرفي والتعارف الحضاري بين الشعوب فنشأت عدة علوم عقلية كعلم الكلام والفلسفة والمنطق والطبيعيات وبلغ الأمر الى حد ظهور التصوف والسيمياء وعلم الفلك والرياضيات والبصريات والتنجيم. على الرغم من محاصرة المنقول للمعقول وتسييج باب الاجتهاد وتضييقه واقتصاره على الفروع دون الأصول وتحريم الاشتغال بالفلسفة ومنعها من الخوض في الإلهيات واستهجان العاملين بها من طرف ابن الصلاح الشهرزوري وأبي حامد الغزالي وابن تيمية وابن القيم الجوزية وعلى الرغم من أن لغة الضاد اقتصرت في العصور الوسطى على التكرار وارتبطت بالجمود والتزمت ووظفت في الشرح والتلخيص وفي تأليف المعاجم والموسوعات والتفاسير إلا أن الفيض المعرفي الذي دشنته في عصر ازدهار العقل العربي بانصهار لغات وثقافات أخرى فيها جعلها تحتفظ بوهجها الروحي واشراقها الدلالي وبقدرتها البالغة على التعبير والإيحاء والتشبيه والتمثيل وجعلها كذلك تتضمن طاقة تأويلية لا تنتهي لتتفجر قوتها التبشيرية على العالم كله لما تكتنزه وتفصح عما تكتظ به من نفحات قدسية وعجيب خلاب. ننتهي اذن الى تثبيت الضاد بما هي جوهر الشعب العربي المسلم وروحه باعثة الحضارة وسبب العروة الوثقى للأمة وهي كذلك جسد الوحي ومادته الأثيرية والمرآة التي عكس بها الله حكمته للإنسان فهل تكون الضاد حينئذ الشاشة البلاغية التي يرى العربي من خلالها العالم والنبراس الذي يدرك به ذاته والقلب الذي ينبض به الفكر ويتيح له اللقاء بالآخر؟

3 ـ اللغة والذات:

" يتشكل الانسان من حيث هو ذات في اللغة وباللغة [11]

"ان حدود لغتي تعني حدود عالمي الخاص" [12]

في الواقع لا توجد علاقة طبيعية وآنية ومباشرة بين الإنسان وذاته بل هناك وسيط يتمثل في وجود جهاز رمزي يتكون من مجموعة من العلامات والاشارات تلعب دور الرابط بين الانسان والكون والرمز يكشف لنا عن أحد المعطيات الأساسية ربما الأكثر عمقا في المنزلة الإنسانية بل ان القدرة الرمزية هي أخص خصائص الكائن البشري[13] , فالانسان ليس كما يظن بعض الحكماء الأول حيوان عاقل فقط بل هو أيضا وبالأساس حيوان ناطق أي كائن رامز وملكة الترميز لديه تبلغ أقصى تحققها في اللغة واللغة هي ميزة الانسان عن بقية الكائنات[14].فكيف تتدخل الضاد في بناء الذات العربية الاسلامية؟وما معنى أن تكون عربيا مسلما اليوم؟ وهل يكفي أن تتكلم الفصحى لتتأكد من انتمائك للحضارة العربية الاسلامية؟

ان كانت التجربة الانسانية هي في جوهرها تجربة لغوية وكانت الذاتية انبثاقا لخاصيات أساسية للغة في الواقع فإن الشخصية العربية تبنى على أسس الضاد وصرحها فيكون عربيا من يقول أنا عربي وأن يكون كذلك معناه أن يتقدم الى ذاته والى الآخرين والى العالم بوصفه من ينطق الفصحى ومن يتكلم بلسان عربي مبين فيشعر من خلال معجزة القرآن ومعلقات الشعر الجاهلي وجداريات الخطوط الكوفية والقيروانية أنه ينتمي الى حضارة اقرأ وثقافة بدأت بالكلام والقراءة والكتابة ولتصبح بذلك لغته لا أداة للتواصل والتبليغ والتعبير والاعلام والاخبار بل مجال ترعرع الخيال وتشكل العاطفة وتفتح الوجدان وترسخ الذاكرة. عندئذ ينظر العربي الى الضاد على أنها مسكن وجوده وأصل كينونته والنور الذي يضيء له سراديب ذاته المظلمة وشمس المعارف الكبرى التي تخرجه من الجهل الى العلم ومن العدم الى الوجود مثلما أخرج القرآن مجموعة من القبائل الأعراب الرحل من بحر الظلمات الى بحر الأنوار ومن العصبية والجاهلية والتناحر الى الحضارة والتمدن والتعارف. على هذا النحو تسمح كل لغة لمفهوم الأنا أي الضمير المفرد بالظهور في الوجود وتفصله عن مفهوم الأنت والآخر ضمن ضمير الغائب أي الهو فيكون أنا من يقول أنا وتتيح للضمير الجماعي أي النحن فرصة التشكل مقابل الأنتم والهم وبهذا يمكن تعريف الذاتية على أنها قدرة المتكلم أن يطرح نفسه باعتباره ذاتا. اذا عدنا الى الضاد فإننا نجدها خزائن علوم العربي وحقول معارفه ومصادر حقائقه حول أصله وفصله ومصيره ووسائل تدبيره لبيته ولدنياه، فهي الرباط الذي ينطلق منه ويعود اليه الانسان العربي في حله وترحاله ليغوص في الأعماق أو يصعد نحو القمم , كما أنها الدرب الذي يسلكه للعودة الى الينابيع الصافية للمنبت الصالح وينهل من الأصول العتيقة حتى يستعيد عافيته ويرفع من ناصية هويته، هذا متاح دون أن تمثل الضاد قوقعة أو كهفا يحجبان عنه الآخر ويمنعان عنه عبر التاريخ ودروسه ومنطق التقدم العلمي وكشوفاته. عندما يبدأ العربي في النطق والكلام بنظم القوافي وترسل الشعر وترتيل الوحي فإنه يخرج فعليا من عالمه المغلق ويتزحزح عن نرجسيته الفارغة ويكف عن استعلائه غير المجدي ويعرض عن الاستغلاق المشين ليدشن موقعا جديدا له في العالم وليكتشف حدثا جديدا في الكون ويخرج من قلعته الآمنة وينكشف للآخر ويشرع في التواصل معه والتثاقف ليس بشكل تلفيقي مموه بل بشكل اختلافي تعادلي مولد لينتقل من وضع التدافع مع الأجنبي الى وضع التعارف معه. فإن كانت الضاد أس الذات العربية المسلمة وعمادها فكيف تكون سراج فكرها ومنبع إلهامه؟

4 ـ اللغة والفكر:

قالت المعتزلة: "ان الخواطر التي تطرأ على قلب الانسان... و أحاديث النفس (هي)...تقديرات للعبارات التي في اللسان...والتي تعلمها الانسان منذ أول نشوئه". [15]

ليست اللغة أداة تبليغ ووسيلة تواصل فحسب بل هي أيضا شرط كل علاقة يقيمها الانسان مع ذاته ومع الآخر ومع العلم وكل هذا لا يكون ممكنا دون توسط ملكة الفكر, فاللغات ليست قائمات أسماء عالمية تقسم الواقع بطريقة متماثلة بل كل لغة تملك تقطيعا خاصا بها لعالم الأشياء وتبني تنظيما جديدا لمعطيات الفكر, لذلك تعني اللغة" رغبة فكر شخص ما في قول شيء في شيء ما لشخص آخر"; وذلك بترتيب الألفاظ وبتأليف الكلمات للتعبير عن الخواطر التي تضطرم في النفس والافصاح عن الأفكار التي تتدافع في العقل. بما أن امتلاك اللغة يتطلب تدخل التفكير فإن معرفة الكلام لا يستلزم إلا القليل من العقل وهكذا تبدو علاقة اللغة بالتفكير غامضة فهل اللغة تخدم الفكر أم الفكر يتبع اللغة؟ هل تكتفي اللغة بكساء فكر قد تكون سلفا؟ أم أنها تمثل شرطا لتشكل هذا الفكر ولفهمه؟ وإن تعذر علينا الحديث عن تفكير دون توظيف لغة وعن لغة لا تكون قابلة للإستعمال في التفكير أليس الفكر واللغة وجهين أو مظهرين لعملة واحدة؟

في الواقع هناك تفاعل بين اللغة العربية والفكر العربي فكأن القصص والسور والآيات القرآنية والقصائد والأبيات التي تتكون منها المعلقات السبع تشير وترمز الى نظرات ورؤى الأعرابي للكون وتحدد قيم حياته وغائية وجوده. فالضاد سهلت انبلاج التفكير العربي وساعدته على التوسع والانتشار والانصهار بالثقافات الجديدة التي احتك بها وساعدته كذلك على النمو والتطور. لقد أبدع الفكر العربي علم اللغة وما يتفرع عنه من نحو وصرف واعراب وعروض وبلاغة من بيان وبديع وكلام وبلغ مرتبة الشرف والصناعة في هذه الفنون بتقعيدها ووضع قوانين دقيقة لها. ان المناظرة التي جرت بين المنطقي متى ابن يونس والنحوي أبي سعيد السيرافي وتناطحهما خير دليل على ارتباط فعالية التفكير بالقدرة الخلاقة والوفرة العجائبية الغرائبية للغة, فكأن العربي عندما يتلاعب بالكلمات يرسم مقاما له في الوجود وعندما يتكلم يعلم ما يفكر فيه وعندما يفكر يعلم بدراية وعلى السليقة العبارات التي يتسامح في توظيفها للذلك وبذلك استحال أن يسمي النشاط المعرفي والوجودي والأخلاقي الذي يقوم به دون استعمال اللغة والعودة اليها (التصوف) نشاطا فكريا بل يعتبره مجرد شطح وأحوال واشارات تغيب عنها العبارات والمنطقيات.

إن العربي لا يوجد فقط في الأعيان أو في الأذهان بل وكذلك في الأسماء والكلمات وفي الحروف والأفعال الكلامية ولعب اللغة العادية، وهو لا يقطن كوكبا وأشياء بل يسكن في عالم من الرموز والعلامات , والضاد هي شرط إمكان إبداع العقل العربي ومقام للعرب في العالم. ولما حكمت عليه ظروف التحدي الحضاري والتقدم الذي لاح على الآخر والتخلف الذي ارتبط بالأنا بإستعمال لغات مغايرة فإن ما أنتجه لم يتعد المحاكاة والنقل وتحول إلى شعوذات للجمهور وأباطيل الدجالين. كما يمكن أن نقارن علاقة اللغة بالتفكير ب علاقة الجسم بالنفس واللفظ بالمعنى. فالفكر هو الصورة واللغة هي المادة أما اللفظ فيكون حاملا للمعنى وموصلا له والمعنى مستقل عن اللفظ ومتأثر به، ويستقيم بإستقامته وينعدم بإستعماله في غير محله. لذلك يرى الغزالي: "ان العبارات مباحة والاصطلاحات لا مشاحة فيها اذ لا معتبر بالعبارات ان صحت المعاني" [16] لأنه ان كانت العبارات متفاوتة فإن المقصود شيء واحد والأخطاء التي يقع فيها الإنسان ناتجة عن طلبه للمعاني من الألفاظ بينما كان عليه أن يقدر المعاني أولا ثم ينظر في الألفاظ ثانيا ويعلم أنها" اصطلاحات لا تتغير بها المعقولات". فهل تمكننا الضاد من مباشرة التفكير الحر والانخراط في تجربة الاستطلاع والتفتيش اذا ما تجاوزنا هذا الخطأ؟

يبدو أن من طبيعة اللغة العربية أنها اصطلاح ومن اختراع الفكر تصديقا لقوله عز وجل: "وماهي الا أسماء سميتموها أنتم وأبنائكم"، وفي هذا السياق يقول ابن جني: " ان أصل اللغة لابد فيه من المواضعة[17]. على هذا الاساس توفر اللغة  للفكر ذخيرة من المعاني وخزائن من المعارف تمكنه من بناء نظرة شفافية للكون وتحديد آلياته وقدرته ورغم ان الفكر لا يدرك الا ما هو مشكلا ومستحضرا في اللسان العربي الا ان هذا اللسان يحررنا اثناء النطق والكلام من رقابة مقولات المنطق ومن الآلية غير الواعية ويسمح لنا باختيار وانتقاء ما يلائم التعبير عن الافكار بحرية وطواعية.

ننتهي الى ان الفكر العربي الذي يشمل كل ضروب التعقل والتروي والادراك والتصور والتذكر يقتصر على ما يختلج في نفس الانسان العربي ووجدانه و يعبر عن ذلك كلاما وبوحا ونطقا باللسان. من البديهي أن تكون اللغة العربية منذ كلمتها الاولى معرفة لأنها لم تصدر عن الصرخة الطبيعية بل من فعل اقرأ لذلك يعني فعل: "أن تعرف هو أن تتكلم كما ينبغي أن يكون وكما تقتضي المسيرة الأكيدة للعقل، و لهذا السبب قال الرسول العربي الكريم:" أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا فصار للحروف في لغتهم والحركات والهيآت أي الاوضاع اعتبار في الدلالة على المقصود... [18].

من هذا المنطلق تتميز الضاد عن بقية لغات العلم بالمزايا والخصائص التالية:

- تسمي الأشياء الكثيرة باسم واحد مثال لفظ العين الذي يطلق على منبع الماء وعلى العين المبصرة وعلى ذات الشيء وعلى حراس السلطان.

- تسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة مثال الأسد يطلق عليه الليث وعنبسة وكسورة وملك الغابة.

- تستعمل اللفظ العام لتدل به على الخاص.

- تستعمل اللفظ الظاهر لتدل به على الباطن.

- تستعمل الأمر لتستدل به على: - طلب الفعل

- الدعاء والتضرع

- اليأس والقنوط.

- تستعمل النهي لتدل به على:

- ترك المنهي عنه سواء على وجه اللزوم والتأكيد أو على وجه الكرامة.

- الارشاد والتوجيه والزجر والردع.

ان من أراد فهم الوحي القرآني والسنة النبوية الشريفة لابد أن يعرف اللسان العربي وأساليبه وخصائصه وأدواته وأن يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره وأن يحسن التمييز بين الاستعارة والكناية والمجاز والرمز والعلامة والسجع والبيان والبلاغة والفصاحة والأمثال وقواعد الاعراب والنحو والصرف والعروض وأوزان الشعر وغيرها من ضروب الكلام. ان كانت الضاد ملكة متقررة في لسان العرب فهل بقيت تلك القوة التي تفعل الكثير بالقليل والتي لا يمكن ان تضاهيها ملكة اخرى؟

5 ـ المزالق الراهنة للضاد:

"كنا أناسا على دين ففرقنا قرع الكلام وخلط الجد باللعب" [19]

يسود الاعتقاد اليوم ان واقع الحضارة وموقع الثقافة العربية فيها أوصلا الضاد الى منزلة لم تعد بموجبها قادرة على أن تكون لغة الفكر ولا روح الشعب ولا حتى لغة الدين. فالفكر أصبح يعبر عن نفسه من خلال لغة كونية موضوعية و القرآن ترجم الى العديد من لغات العالم والشعائر أصبحت تعلم بلغات أخرى محلية غير العربية كما هو الامر في الشرق الاقصى وحتى في الغرب كما أن الشعب أضحى سجين بعض اللهجات واللغات الاثنية التي كانت في الماضي ميتة مثل الامازيغية وغيرها.

وأضحت الضاد كذلك عاجزة عن القيام بوظائفها على الوجه المطلوب في ايصال المراد للآخرين من تعبير واخبار وتراجعت الى الوراء وبانت مسافة الايضاح والتعبير التي تفصلها اليوم عما كانت علبه في عصر التوحيدي وابن المفقع والجاحظ خاصة أمام منافسة اللغات الآمرة سواء الانجليزية أو الفرنسية أو حتى اللغة الرمزية المهيمنة على شبكات الانترنات والسوق المعلوماتية. فأي مكان للفكر العربي في ساحة تربع على عرشها كوجيطو البضاعة وأي منزلة للضاد والانترنات أضحت أم كل اللغات؟

ثمة اجماع حول قصور اللغة العربية واحتضارها واستبقائها كأساس لعصبية مغلقة وجسد لثقافة تراثية قروسطية ومرآة تعكس هوية متقوقعة على نفسها وأصل لرابطة قومية تضيق على متكلميها الآفاق وتخلط أمامهم السبل وهذا التردي والموقف الصعب يعزى الى عدة أسباب أهمها:

1/ اللغة العربية هي لغة دينية تصطبغ ألفاظها وأفعالها بالدلالات اللاهوتية والمعاني الغيبية وهي بذلك تهمل كل ما هو انساني والأمور الدنيوية الملموسة.

2/ الضاد لغة فقهية تتصف بالوقوع في الأحكام القطعية والنزعة الشمولية الكليانية يغلب عليها الأمر والفرض والالزام الى ما يجب أن يكون لا الى ما هو كائن.

3/اللغة العربية هي مجردة وصورية تهتم بالعقول المفارقة والعموميات والأصول والعلل الأولى والمصادر وبالتالي فانها لا تحترم التغير والتنوع وتقتل براءة الصيرورة وتختزل سيلان نهر الوجود وتدفع مجرى الحياة في قوالب نحوية وجمل تعبيرية فارغة وأطر منطقية شكلية.

4/ الضاد لغة تأليهية مشخصة تهتم بعبادة الأشخاص والأسماء والأبطال وتحتفل بالتاريخ الرسمي، تاريخ الأمراء والسلاطين وتهمل الهوامش والسواد الأعظم والأغلبية الصامتة تعبر عن بعض التيارات وتطمس العديد من الوقائع والأسرار.

يترتب عن ذلك أن الفصحى عاجزة عن التعبير عن حالات النفسية للعربي وعن خلجاته وحيرته الذي أضحى في منطقة وسطى يكون فيها خارجا عن ذاته وخارجا عن الأشياء والوقائع معلقا في كومة من السماء التي لا مقصد لها وفي ركام من الافعال التي لا مخرج منها مكتفيا بقراءة تلك البطاقات الملصقة حول الموجودات مستبقيا من الأشياء أكثر جوانبها ابتذالا وأكثر وظائفها عمومية وشيوعا.

فهل ذلك راجع أن المغلوب مولع بتقليد الغالب أم أنها بشائر المنعرج اللغوي؟

6ـ المنعرج اللغوي:

" الكلام و الكتابة مسخرة ليت الانسان يستطيع ان يتحرر منهما... [20]

ظن الانسان أنه مبدع للكلمات وأنه باللغة قادر أن ينفذ الى جواهر الأشياء وبناء العلم اللدني وأن في اللسان أهم منابع القوة وأكثرها صلابة وأيسر الطرق وأسرعها نحو تحصيل المعرفة. غير أن هذا الظن ما هو الا كاذب لأن اللغة ليست غرضا قائما بذاته ولا بنية مغلقة على ذاتها بل حافلة بالرغبة وملفوفة بالسلطة تخفي أكثر مما تظهر وتحجب أكثر مما تكشف وتقول صمتا أكثر مما تقول كلاما. وهذا المنعرج اللغوي يحدث عندما يلبس الانسان فكره كساء لغة أقدم منه بحيث تنفلت منه القدرة على التحكم في المعاني والسيطرة على الدلالات. لعل أهم الاسئلة التي تتوالد عن هذا المنعرج اللغوي العربي هي الى أين تتجه الضاد اليوم؟ هل تسير نحو نفسها ونحو جوهرها الذي هو الزوال والفناء المحتوم أم أنها تتحرك بخطى ثابتة نحو متاهة لا تؤدي الى أي طريق؟ هل الحقل اللغوي العربي هو حقل الموت والفناء؟ وهل يكون انجاز الفصحى هو النفي الأمثل والقتل المؤجل الى اليوم الموعود؟

ان وجود الضاد يضعف ويذوي وجدرانها تنخفض الى درجة فقدانه لجدارة حراسة الوجود لقد صارت مهيمنة بغيابها وحاضرة بفقدانها لدورها. لقد أمسى اللسان العربي فاشيا لا يستطيع متكلمه الهروب منه يزداد عقما بازدياد تراجع ناطقيه والضاد لم تعد مسكن الوجود بل الثغرة التي يدخل منها العدم الى العربي. ألا يغدو العربي عندئذ قادرا على التألق سائرا نحو ابداع أورفيس جديد يبحث بهوس عن موت ممتنع ويطرق أبوابا موصدة, فهو عندما يتكلم باللسان المبين يعترضه العبث واللامسميات واللامعنى؟

على هذا النحو يسقط العربي في هذا العالم الضيق الأصم وباستعماله لهذه اللغة البكماء في الظاهر الحاضر والغناء في الباطن الماضي في جبة التكرار السرمدي للحياة داخل الحياة تعبيرا عن حياد تام وبحثا عن درجة صفر للغة تكون فيها الهوية مغرسا ومنبتا والتفكير مقصدا أو مستطاعا.

ان مأزق الضاد هو مأزق العربي والمجتمع الذي يعيش فيه والتفكير الذي يمارسه يبحث عن المعنى بشيء ليس له معنى أو هو فوق المعنى فكيف يمكن تحويل الضاد من كلام متكلم Parole Parlee متكون سلفا الى كلام متكلم Parole Parlante يتكون بشكل حي وفعال وخلاق؟ [21]

7 ـ طرق التجديد:

التجديد اللغوي صعب وعسير فهو ليس مجرد حلم أو شعار ولا مجرد نية سليمة وأمنية بل ممكن أن يأتي بعد ترجمة لمختلف مدارات الحضارة المتقدمة الضاربة في التطور ونقل لزبدة حوار الثقافات وكذلك بعد انصهار مختلف تجارب التفكير وخبرات الادراك في نسيج ثقافي متكامل ومنفتح على كل الزوايا والاحتمالات والتأويلات. غير أن التجديد قد يحصل أيضا عن تطهير اللغة وتخليصها من الشوائب وذلك بالتفريق بين المفاهيم والوقائع وبالفصل بين الكلمات والأشياء قصد تنظيف المفاهيم الكلمات مما علق بها من معان قديمة خاطئة وبغية تلميع الأشياء والوقائع مما لصق بها من تأويلات ماضية خيالية يكسب الطرفين معاني ودلالات جديدة.[22] فان كانت اللغة سلاح الفكر وكان الفكر فارس اللغة وكانت هذه الأخيرة صمام أمان الأمة والحضارة فانه من اللازم نقد هذا السلاح قبل الشروع في استعمال سلاح النقد ومن الضروري تقييم تجارب استعمال الفكر العربي للضاد قصد تجاوز الأخطاء والكشف عن مواطن العيوب وأصول المثالب من أجل عدم الوقوع فيها مجددا. ان هذه المحاولة الاستشرافية تقتضي تحويل القول الى فعل والتلفت عن الإهتمام بمصدر اللغة ان كان طبيعيا مرتبطا بالصرخة أو الهيا ناتجا عن مصدر سماوي غيبي لتفتح الضاد على الوجود في طزاجته الأولى ولتفيض بالدلالات والمعاني ولتستعيد تلك الشاعرية والمجاز والرمز والايجابية التي كان يمتلكها الشعر الجاهلي في المعلقات السبع أو القصص الديني في القرآن أو تلك الأدبيات التشبيهية في كليلة ودمنة وحي بن يقظان أين وقع اجتياز قضبان المقولات المنطقية وقواعد القول البرهاني والهجرة من الظاهر الى الباطن ومن العبارة الى الاشارة وأين أفاضت الحروف عن معان لم تفدها جمل بأكملها. فهل يستعيد العربي عافيته ويحقق صحوته ويستيقظ من غفوته بتخير الألفاظ وتخليص المعاني وتحسين الكلام؟

 لما كان الكلام متكونا من لفظ ومعنى ولما كانت اللغة قد بليت وقلمت أظافرها من فرط استعمالها والمعاني فقدت أصولها والأشياء خسرت طهارتها الأولى فانه من المتوجب علينا أن ننفض الغبار عنها ونفرق بينها.

أ/ فان أردنا تطهير لفظ قديم فنحن أمام خيارين: تخليصه من المعنى القديم واسناده لشيء جديد أو أن نحرره من المعنى القديم ونسند له معنى جديدا.

ب/ وان تدبرنا معنى قديما فنحن مطالبون بفك الارتباط بينه وبين الشيء القديم وربطه بشيء جديد وكذلك فصله عن اللفظ القديم بمنحه لفظا جديدا.

بذلك تنفتح الضاد على التجارب المعيشة وتلتقي باللغات الأخرى ترجمة وتعريبا واستعرابا وتتحول من لغة تقبل التغير والتجديد تخاطب كل العقول والأذهان وليست حكرا على أصحاب الفطر الفائقة من خاصة الخاصة. فتكون الفصحى لغة الانسان لا لغة الأديان لها ما يقابلها في الحس والعيان لا غيبية قلبية تحث على التقوى والايمان و تكون لغة عقلية لا قطعية. [23]

لهذا فان أسطورة موت الضاد،الفصحى، بانحسار متكلميها تصبح غير مبررة فكيف تموت لغة والعالم الذي قعدها ووضع قوانينها قد توفي وفي نفسه شيء من حتى؟

***

د.زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

......................

المراجع:

1/ ابن خلدون عبد الرحمان، المقدمة، الفصل 36 ، دار الجيل، بيروت، لبنان.

2/ أبو نصر الفارابي، السياسة المدنية، دار سيراس للنشر، تونس 1994.

3/ أرنست كاسرر، مقال عن الانسان 1970

4/ ابن جني، الخصائص، الجزء الأول، تحقيق محمد علي النجار.

5/ اميل بنفنيست، مسائل في الألسنية العامة، طبعة غاليمار، باريس 1968.

6/ بول ريكور ،فلسفة اللغة الموسوعة الكونية، مجلة العرب والفكر العالمي، بيروت، خريف 1989.

7/ فتقشتاين ليدفيغ،  المصنف المنطقي الفلسفي، طبعة غاليمار، باريس 1961.

8/ الشهرستاني عبد الكريم ، نهاية الأقدام في علم الكلام.

9/ الغزالي، أبو حامد، الاقتصاد في الاعتقاد تقديم عبد الرحمان بدوي القاهرة 1961.

10/ د حسن حنفي، التراث و التجديد - المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت،طبعة 2002.

11/ الجاحظ البيان و التبيين -القاهرة 1960

12/ الجاحظ الرسائل السياسية دار و مكتبة الهلال بيروت 1995

13/ مارلوبنتي المرئي واللامرئي غاليمار باريس 1964.

14/ محمد رواس قلعه جي لغة القرآن لغة العرب المختارة دار النفائس بيروت 1988.

15/ مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية والغضب القومي إعداد هاني الخير مؤسسة علاء الدين للطباعة والتوزيع دمشق 2004.

16/ برجسن الفكر والمتحرك 1946 PUF.

17/ جاك دريدا الكتابة والاختلاف دار توبقال للنشر المغرب1988

18/ ديكارت رسالة الى شانو 01/11/1937.

[19]  احسان عباس، كتاب شعر الخوارج، طبعة  1960 

 [20] ديكارت رسالة الى شانو 01/ 11/1637

 [21] موريس مارلوبونتي، المرئي واللامرئي، طبعة غاليمار، باريس 1964

 [22] هنري بجسن، الفكر والمتحرك، النشر الجامعي الفرنسي، باريس  1946

 [23] أنظر د حسن حنفي، التراث و التجديد - المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، مجد، بيروت،طبعة 2002.منطق التجديد اللغوي ص109-132

 

جعفر نجم نصرلعل العنوان أو المصطلح المركب يبدو متناقضاً بين العرفان الذي هو تجربة ذوقية روحية باطنية فردية خارج دائرة المجتمع وانشغالاته ومصطلح السياسة الذي يشير إلى عملية بشرية اداتية لأدارة السلطة وشؤون الدولة عموماً، وهو أمرٌ دنيوي صرف ولا شأن له بعالم الباطن أو عالم الاخرويات.

ان سبب هذه الصدمة أو التناقض الظاهري بين العرفان والسياسة هو السياق التاريخي الثقافي لكلا المسارين العرفان والسياسة في العالم الاسلامي، فلقد ترسخ على مدى قرون خلت أن هنالك انفصالا كليا بين التجربة الصوفية والعرفانية وبين شؤون الدولة أو العمل السياسي، ولعل هذا الامر يعزى إلى اعتقاد الكثير من الباحثين ان العرفاء والمتصوفة هم مشغولون بعالم الباطن الروحي وبالتالي فهم منصرفون كلياً عن الشأن السياسي، أو بعبارة أخرى ان العارف أو المتصوف هو زاهد في الدنيا برمتها وبذلك فهو غير معنى بالسياسة ومفاتنها وشهواتها وسياقاتها السلطوية على الناس.

وهذا الأمر مناف لكثير من الحقائق التاريخية والاصول الثقافية التي تبين لنا أن ظهور المتصوفة والعرفاء في داخل الاسلام انما جاء بوصفه رد فعل ضد السياسة واهلها من الخلفاء والامراء والوزراء وقادة جيشهم، بل ان فعل المعارضة بحد ذاته هو فعل المتصوفة والعرفاء على طول الخط إلّا بحالات شاذة هنا وهناك، إذ قال الكاتب هادي العلوي عن تلك المعارضة عندهم لم يستعمل مشايخنا (يقصد المتصوفة والعرفاء) هذا المصطلح الذي هو من مستحدثات جيلنا لكنهم مارسوه بوصف انه مسلك للخروج من قيد الاغيار، وتعني المعارضة قطع العلاقة مع الدولة وأربابها والدعوة إلى - أو العمل على تغييرها، والدولة شيطان تتألف من شياطين وفعلها شيطاني وسلوك أربابها شيطاني، وشيطان من يعاملها ويتعامل معها، وتتألف منهم جملة الاغيار المقيمين في دار الضد والحس والشهوة، وهم عماد الظلم ومنشأ الظلمة والخلق منهم في بوار (1).

وهذهِ المعارضة تجسدت بمظاهر اجتماعية وثقافية بل وسياسية متعددة على مدى العصور، ولهذا وجدنا كبار العرفاء من اوائل المقتولين على ايدي السلطة(الحلاج، السهروردي، عين القضاة الهمذاني) وغيرهم الكثير، وإذ كان هؤلاء يناؤون السلاطين في العالم الاسلامي، فإن الكثير من المتصوفة في عصور لاحقة دخلوا في صراع مع السلطات السياسية الاستعمارية في عدد من البلدان لاسيما في شمال افريقيا.

وفي هذا السياق ينبغي التذكير بما قاله الكثير من الباحثين حول عصر ظهور التصوف والعرفان، والذي ظهر بوصفه أتجاه معارضة صامتة للوهلة الاولى ازاء عالم الاسراف والبذخ ومظاهر الفسق والفجور التي سادت العالم الاسلامي بعد تزاحم  الفتوحات وتضخم بنية الدولة الاسلامية من جهة مواردها المالية (الخراج) الذي بلغ حد التخمة.

إذ يذهب الباحث علي سامي النشار إلى ان الزهد ومظاهر التقوى كانت موجودة في القرن الاول الهجري، وان الكثير من هؤلاء الزهاد ظهروا معارضين لبعض الخلفاء أمثال ابو ذر الغفاري والحسن البصري وغيرهم الكثير، ولكن لم تظهر اللغة الاصطلاحية وتقعيد القواعد الصوفية والعرفانية إلّا في القرن الثاني الهجري، والامر الجوهري هو ان هنالك روحا للمعارضة كانت تسري في هذين القرنين ازاء ترف السلطة ومفاسدها (2).

ولا يخرج كامل مصطفى الشيبي عن ذلك الامر كثيراً ويزيد عليه بالحديث المفصل عن خصوصية المجتمع الكوفي وبداية تشكل حركة للزهد على نطاق واسع، أذ يقول: أما ميادين الزهد الكوفي فقد تعددت، فقد وجدنا فيها الزهد الاسلامي الاصيل القائم على التواضع في الملبس والمأكل والتزام تلاوة القرآن والخوف من عذاب الاخرة، ووجدنا في الكوفة الزهد المنبعث من عذاب الاخرة ، والزهد الاتي من الاحداث التي تناوبت عليها من قتل ذريع ومن خيانة ومن نصرة للباطل ومن حسرة على العجز عن رد الظلم. وسنرى أن الكوفة ستكون مثابة للبس الصوف في العالم الاسلامي كله وسيتبين لنا ان ذلك كان مقصوراً عليها، وكان تعبيراً عن معارضة سلبية، وفوق هذا كان في الكوفة أول من تسمى صوفياً وأول من قال بالولاية الصوفية (3).

يعلل الشيبي هذا السلوك ويربطه بما جرى في عصر الفتنة أبان الخليفة الثالث وثم تصارع معاوية بن أبي سفيان والامام علي بن ابي طالب وثورة الامام الحسين ونكص اهل الكوفة على عقبيهما، ومن ثم شعورهم بالندم الشديد ومحاسبة النفس، مما دفعهم إلى ذلك، ولكنهُ رغم ذلك يعد هذا الامر معارضة سلبية لأنهم لم ينصروا الحق وأهله آنذاك.

وتأسيساً على هذا العصر واعتماداً على أنموذج سعد بن أبي وقاص يرى الباحث السنغالي الاصل الفرنسي الجنسية سليمان بشير ديان ان المتصوفة كانوا انسحابيين من الحياة السياسية من جهة، وغير مدركين لتمامية وجود دولة اسلامية يوالونها أو يسعون دائماً لأقامتها من جهة اخرى!؟.

إذ يقول: يقف سعد بوصفه نموذجا مثاليا في عيون المسلمين لما يعنيه (القتال في سبيل الله بالأموال والانفس) خاصة الصوفيين منهم، عندما أصبح في نهاية حياته رمز التوجه الواضح الذي يقف أمام الدولة وجهاً لوجه. وخلال الفتنة والحروب الطاحنة التي شقت المجتمع المسلم، بدءاً من السنوات الاخيرة من حكم الخليفة الثالث عثمان (ت656م) إلى ان بلغت ذروتها في المعارك بين علي الخليفة الرابع، ومعاوية الذي تمرد عليه (بدءاً من عام 656م وحتى وفاة علي عام 661م) انسحب سعد بن أبي وقاص، ببساطة من المجال العام، رافضاً الانحياز وتأييد احد الطرفين في مسألة الخلافة السياسية - الدينية وعندما تم الضغط عليه ليفعل ذلك، نقل عنه انه قال : لن اشارك في القتال حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول هذا مؤمن وهذا كافر. يستدعي هذا الموقف ملاحظتين أثنتين، الأولى وثيقة الصلة بما يسمى الدولة الاسلامية، والثانية معنية بما يمكن تسميته بالنزعة الصوفية للانسحاب(4).

ثم يستمر ليقول: كان للطريقة التي انحسب بها سعد بن أبي وقاص من الميدان العام، حيث كان وجوده قد يعني الاجابة عن السؤال الصعب حول من يجب ان يكون الخليفة، إرث غني، وقد تبناها عدد من الفلاسفة والصوفيين ونظروا لها، وكان ابو نصر الفارابي (874-905م) الذي يمكن اعتباره مؤسس التراث الاسلامي للفلسفة السياسية المتجذرة في تعليمات أفلاطون احد هؤلاء، وتبعه في ذلك فيلسوف مثل ابن باجة (1085-1138م)، الذي اعتبر ان الدرس الرئيس الذي يمكن أخذه من فلسفة افلاطون هو أن: (المدينة الفاضلة) يوتوبيا مستحيلة، ولذلك فقد رفض مجرد فكرة تدخل (محب الحكمة Lover of Wisdom) في شؤون الدولة (5).

ان الباحث ديان هنا يمظهر مديات الانسحاب الصوفي من المجال السياسي ويجعله يأخذ منطقاً فلسفياً كذلك عاداً تجربة ابي وقاص انموذجاً متكرراً احتذى بهِ الفلاسفة والمتصوفة على حدٍ سواء، على اعتبار ان اليوتوبيا السياسية أمر مستحيل ومن ثم الانخراط في أي ممارسة سياسية هي أمرٌ عبثي، بل ليسهم في تلويث صاحبه واعاقته عن القيام بالعمل المثمر الخادم لشؤون المجتمع واعضائه.

ثم يستمر قائلاً: تقليد تقدير الانسحاب بالطريقة التي قام بها سعد بن أبي وقاص بوصفها رد فعل على حالة الشؤون العامة تم استحضارها كثيراً من فلاسفة حديثين، اعتبر محمد إقبال ان واحداً من الاسباب المبكرة لحالة التحجر التي وجد فيها الفكر الديني للإسلام نفسه بعد القرن الثالث عشر هو حقيقة أن أفضل العقول المسلمة انسحبت من حالة الوهن التي انتابت الشؤون العامة واختاروا مسار الانسحاب في تصور نيو- أفلاطوني يقدر الحياة التأميلة ''Viata Contempativa'' قبل كل شيء. يقول إقبال إن: الروح الغيبية الكلية في الصوفية المتأخرة حجبت رؤية الناس عن مفهوم مهم جداً في الاسلام كأدب اجتماعي، وبتقديمه امكانية التفكير المتحرر بجانبه التأملي، فقد جذب وأخيراً امتص أفضل العقول في الاسلام ولذلك، فقد تُركت الدولة المسلمة بشكل عام بأيدي متوسطي القدرة فكرياً، والاغلبية غير المفكرة في الاسلام، بلا شخصيات ذات معايير عليا لتقودهم، ووجدوا الامن فقط بالاتباع الاعمى للمدارس (6).

لا أعتقد ان اختيار شخصية مثل ابن ابي وقاص كان أمراً دقيقاً وملائماً بالنسبة لذلك العصر، وكان الاولى اختيار شخصية اكثر ورعاً وزهداً من قبل الاستاذ ديان، وكان جيل وعصر بن ابي وقاص يضم شخصيات مشهورة بالميل الصوفي والعرفاني الواضح امثال: عمار بن ياسر وابي ذر الغفاري وأضرابهم، إذ كان الانموذج هذا من كبار اصحاب الاقطاعيات والثروات بعد فتح العراق وعاش حياة ترف كبيرة (7).

ولربما كان الكاتب نفسه (ديان) لا يعرف الحق وأهله في ذلك العصر، فوجد ان ابي وقاص يمثل ذاته، أي انه اختاره، كأسقاط نفسي وذلك لعدم اتضاح الرؤية أمامه، ان انسحاب المتصوفة والكثير من الفلاسفة يرتبط بأمر جوهري لم يلتفت له (ديان) مطلقاً وهو (شرعية السلطة) هل كانت موجودة أم ان الحاكم والنظام هو منطق المغالبة المسند إلى (العصبية) بالمعنى الخلدوني؟ ان هذا الامر هو ما استشعره هؤلاء وليست مسألة علمانية الدولة آنذاك التي وجدوا فيها مبرراً للأنسحاب ولعدم نصرة طرف على آخر!؟.

ولعل محمد اقبال ادرك هذا الامر وزاد عليه ان الاسلام الطرقي هو الخطر الماحق لتجارب المتصوفة والعرفاء، لأن التنظيمات الصوفية أياً كانت (أخوانيات أو هياكل طرقية) أو نحو ذلك ستكون مبعثاً للبحث عن مصالحها المادية ومن ثم تدخل في هدنة مع الوضع السياسي القائم، وهذا ما جرى في المشرق والمغرب على مدى قرون إلّا حالات محدودة دخلت في صراع سياسي.

يقول الباحث بومدين بوزيد بهذا السياق: ظلت ظاهرة التحالف مع السلطة أو التمرد عليها ملازمة للطرقية الصوفية التي هي شبيهة ما ننعته اليوم بالإسلام السياسي، ولعل الصورة تتضح حين نعلم ان بعض الطرقيين كانوا مباركين للمستعمر الفرنسي، وهذا لا يطعن فيها كطريقة صوفية ولكن علينا ان ندرك التفاوت والاختلاف بين مرحلة وأخرى... (8).

وقد تزامنت مواقف بعض المتصوفة وأحكامهم الفقهية-الباطنية مع قيام بعض الانتفاضات وأستغلها المستعمر، كمنشور محمد الموسوم (3 فيفري 1883) الذي يحرم على أتباعه الثورة ويلغي من يتدخل في السياسة، كما استعمل الفرنسيون سمعة الشاذلية وطلبوا تأييدها في حربهم سنة 1914 فقد اصدر شيخ زاوية قصر البخاري فتوى مضمونها طاعة الفرنسيين لأنهم (أولو الامر) وهنا فسر أولي الامر بأنهم الحكام الفرنسيون، وقد كان اول الخارجين عن ثورة بوعمامة عام 1881 أتباع الزيانيين والتيجانية (9).

فلهذا كان المتصوفة والعرفاء الاوائل كأفراد هم أكثر مواجهة للأمر السياسي من التنظيمات أو الاسلام الطرقي، ولهذا الامر دلالة واضحة من جهة ان نفي المصالح بوجود الجماعة صعب بالنسبة للطرق ولزعمائها وليس لجميعها لأن بعضهم دخل في مواجهة مع المد الاستعماري كما نعلم أمثال (السنوسية) وغيرهم، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فأن صلة تجربة الباطن بالنسبة للعارف مع عالم الظاهر (الدنيا وشؤونها) ستكون تجربة فردية ذوقية خاصة، لا تؤثر فيها الضغوط الحياتية التي ممكن مصادفتها في الطرق التي اصبحت مرتبطة اقتصادياً بحسب اتساع عدد أسر المريدين والذين لم تكتمل لديهم عملية السير والسلوك كما لدى كبار العرفاء، فلهذا كانوا يتأثرون سريعاً بالضغوط السياسية ويخضعون لها إلّا بعضا منهم وهم عدد ضئيل بطبيعة الحال.

ان المسألة معقدة للغاية، ولا يمكن اختزالها بسببين أو علتين وينتهي الامر، وذلك لأن الكثير من الامور متداخلة ضمن سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية فرضت نفسها على الكثير من الطرق الصوفية والعرفاء، ونحن هنا ليس بصدد الدفاع بقدر ما نبحث عن مشهدية سياسية متعددة الاوجه لممارسة العرفاء والمتصوفة في عصور متفاوتة.

في قبالة ذلك كله نجد ان هنالك دولة أو سلطة روحية تسيّر شؤونهم ان كان ضمن مديات علاقة العرفاء ببعضهم البعض أو من خلال علاقة المريدين المخلصين بوليهم أو شيخهم الروحي (شيخ الطريقة) ولقد تحدث الباحث حسن محمد الشرقاوي عن هذا الامر والذي أطلق عن عالم السياسة الباطنية هذا ومتعلقاته اسم (الحكومة الباطنية).

إذ قال لهؤلاء الصالحين، دولة وحكومة، ونظام رئاسة، وطاعة واخلاص، واحكام، واتصالات، ومجالس واجتماعات، وأوامر وتعليمات، وسلطات واختصاصات، وليس كما نراها في الحكومات المدنية، أو في القوانين الوضعية، أو في الدساتير والقواعد القانونية، وانما دستورهم لم يضعه من البشر أحد، وقانونهم لم يضعه احد من الناس، وانما خصهُ رب الناس، وخالق الموجودات، الحق تعالى إله العباد (10).

والاولياء يتصل بعضهم ببعض عن طريق المبشرات، وهي رؤى يراها المؤمن فتتحقق له، ويتقابلون بطريق التوجه رغم بعد الزمان والمكان ويلهمون الهاماً بالمغيبات، وحلول المشكلات، ودولتهم تقوم على مصادر ثلاثة: الرؤيا، والطاعة، والاخلاص،...، ويتأكد للدولة الباطنية وجودها بما يفيض الله على اعضائها من كشوفات وانتصارات وفتوحات، وفيوضات، وما يمن عليهم من نعم، ومنن وعطايا ومشاهدات، وتجليات، وما يتولاهم الله برعايته من رحمات، فيفتح عليهم، فيصبحون في عباده المخلصين، إذا قالوا صدقوا، وإذا وعدوا انجزوا، لهم فراسات وتوسمات ، ورؤى وكرامات، وحكم ومعارف ،وعلوم اشراقية عجز عنها الوصف ويقف امامها العقل حائراً (11).

بطبيعة الحال ان الحديث هنا عن حكومة روحية خاصة لا تسري سلطاتها الروحية على افراد المجتمع كافة، إذ هي مخصوصة بأبناء الطرق الصوفية وجملة العرفاء الموجودين، ولكن السؤال المحوري الذي يطرح هنا هو: هل لهذهِ الحكومة الباطنية تأثير على الدولة وسلطتها السياسية وسائر المؤسسات المرتبطة بها؟: وهل هؤلاء اعضاء هذهِ الحكومة الباطنية لهم أدوار أو وظائف سياسية، ومن ثم لديهم مواقف سياسية واضحة؟.

لا يمكن ان يكون لها اثر سياسي أو نشاط سياسي مباشر وواضح ولكن انعزالها وانسحابها عن المشهد السياسي بالضرورة سيكون ذا صيغة معارضة بطبيعة الحال، ولعل السلطات السياسية في الكثير من البلاد تسعى إلى ارضائها، لما لها من دور كبير في العملية الانتخابية كما في مصر والمغرب والجزائر على وجه الخصوص، ومن ثم فإن دورهم سلبي بنحوٍ ما، ولكن احدى ايجابياتهم هي ترشيد سلوك اعضائها أو مريديها الذين ينتشرون بين المدن والارياف بنحوٍ كبير، ولعل السلبية السياسية هي الطاغية عليهم عموماً.

ولكن المعوّل دائماً منذُ القرن الثالث الهجري إلى القرن المعاصر على العرفاء المتفرقين هنا وهناك في العالم الاسلامي، وهذا الامر هو الذي أشار اليه وأكده العارف الاكبر الشيخ محي الدين بن عربي، من خلال حديثه الدائم عن الولاية المطلقة لـ(الولي) العارف. وهذا ما فصلَ في وظائفه ومن جملته الوظائف السياسية في كتابه المبرّز في هذا الشأن (التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية) والذي يقابل فيه بين العوالم المادية والاجتماعية والباطنية، وقال عنه ابن العربي واصفاً: وهو مشتمل على مقدمة وتمهيد وأحدٍ وعشرين باباً من دقائق التوحيد في تدبير الملك الذي لا يبيد على الترتيب الحكمي والنظام الالهي، وجاء غريباً في شأنه ممزوجاً رمزه ببيانه، يقرأه الخاص والعام ومن كان في الحضيض الاوهد ومستوى الجلال والاكرام. (قد علم كل اناس مشربهم) ففيه للخواص اشارة لائحة وللعوام طريقة واضحة، وهو لباب التصوف، وسبيل التعرف بحضرة الترؤف والتعطف، يلهج به الواصل والسالك، ويأخذ منه حظه منه المملوك والمالك، يُعرب عن حقيقة الانسان وعُلو منصبه على سائر الحيوان، وانه مختصر من العالم المحيط مركب من كثيف وبسيط لم يبق في الأماكن شيء إلّا أودع فيه اول منشئه ومبانيه، حتى برز على غاية الكمال وظهر في البرازخ بين الجلال والجمال (12).

وهو يقابل بين الممالك الثلاث عالم الافلاك والاجرام وعالم الطبيعة (النبات والحيوان) وعالم الانسان كيما يصل بين تداخلهن وتمازجهن وتشابهن، ولكنه يولي لعالم الانسان أو المملكة الانسانية الحصة الاوفر لمقام الانسان (خليفة الله) وهنا تظهر ملامح الرؤية السياسية لديه والتي تتمظهر بحسب المنطق العرفاني والعالم الباطني للإنسان الكامل أو الساعي للكمال ضمن كافة شؤونه ومن ضمنها (الشأن السياسي) الذي لا يغيب عن أبن عربي.

إذ يقول: ولما أردنا ان نأخذ في مقابلة النسختين العالم الاكبر والاصغر على الاطلاق في جميع الاسرار العامة والخاصة، رأينا ان ذلك يطول وغرضنا من العلوم ما يوصل إلى النجاة في الآخرة، إذ الدنيا فانية داثرة، فعدلنا إلى امرٍ يكون فيه النجاة ويتمشى معهُ المراد الذي بنينا عليه كتابنا وهو: أنا نظرنا الانسان فوجدناه مكلفاً مسخراً بين وعدٍ ووعيدٍ، فسعينا في نجاته مما توعد بهِ وتخليصه لما وعد الله فأضطرنا الحال في اقامة القسطاس عليه من العالم الاكبر، فقلنا: أين ظهرت الحكمة من الخطاب والوعد والوعيد من العالم الاكبر؟ فرأنيا ذلك في حضرة الامر والنهي وحضرة الامامة ومقر الخلافة، فوجدنا الخليفة شاهداً، فيه ظهرت الحكمة وأثر الاسماء وعلى يديه تنفعل أكثر المكونات المخلوقة للباري تعالى. فتقصينا الاثر وأمعنا النظر في حظ الانسان من هذه الحضرة الامامية، فوجدنا في الانسان خليفة ووزيراً وقاضياً وكاتباً، وقابض خراجٍ وجبايات، وأعواناً ومقابلة اعداء، وقتلاً وأسراً  إلى إمثال هذا مما يليق بحضرة الخلافة التي هي محل الارث، وفي الانبياء انتشرت راياتها ولاحت علامتها، وأذعن الكل لسلطانها (13).

هي مقابلة تامة بين الدولة بالمعنى الخاص بأدواتها أو مؤسساتها باختلاف العصور وبين الانسان الحاوي لذات تلك الادوات، فالخليفة عنده هو الروح، والذي يضع لها واجبات ومشاغل خاصة، والوزير عنده هو العقل، والقاضي هو العدل، وهكذا يستمر ابن العربي في بيان معالم تلك الدولة أو الحكومة الباطنية التي تقابل عالم الظاهر والحس في الدنيا، وما مراده إلّا ليبين ان اصلاح الباطن كفيل بأصلاح الظاهر والتي في مقدمتها ( السلطة) ومؤسساتها الراعية لها، ونحيل القارئ إلى الكتاب للمراجعة والبحث عن المماثلة والمطابقة بين ما قاله ابن العربي وبين الدولة في صيغتها الواقعية.

لعل أحدهم يتساءل: هل ان المتصوفة مشغولون ومنهمون بمدوناتهم بحكومة الباطن اكثر من حكومة الظاهر؟ ام ان للأمر وجهة نظر أخرى؟ او توجد مواقف اخرى عن مواجهة العرفاء أو التصدي للشؤون السياسية وتحولاتها ان كانت لحاكم من أبناء البلد أو كان غازياً؟ بطبيعة الحال نحن نوهنا عن ألوان وصيغ التعاطي مع الشأن السياسي وعلى عدة مراحل تاريخية متباينة، ولعلنا سنجعل من سيرة ومواقف وتنظيرات العارف التركي سعيد النورسي (1877-1960) الملقب بـ(بديع الزمان) خير انموذج واجه أعتى وأبشع اشكال إنهاء الحياة الروحية واقصاء الدين عن الدولة والمجتمع إلّا وهي سياسات (العلمنة) التي أعتمدها كمال أتاتورك وأسلافه (  1881-1938 )، لأجل الوقوف عن معاني ودلالات (عرفان سياسي) مارسهُ الاستاذ النورسي إلى ساعة رحيله، وهو يتحدى ويقارع تلك السياسات التي أستدعت منهُ نهضة روحية بثها في مشروعه الفكري والروحي والاخلاقي (رسائل النور).

لعل في حدود المواجهة المباشرة كان النورسي ضد علمنة الدولة العثمانية بعد سقوط الخلافة وتولي أتاتورك الحكم كرئيس جمهورية، ولكن في حقيقة الامر ان المواجهة التي أقامها النورسي ازاء العلمانية كانت تنتمي إلى حدود وفضاءات أوسع لأنه جعل من مركزية القرآن الكريم مواجهة للمركزية الغربية وفي شتى القضايا، وهذا الامر ظل يعمل عليه إلى حين وفاته، وهذا ما أكدته (رسائل النور).

وذلك أنه لجدير بالاهمية والتأمل، ان مؤلف رسائل النور قد حدث له انقلاب مهم في حوالي سنة 1899م (1316ه) إذ كان يهعتم بالعلوم المتنوعة إلى هذا التاريخ لأجل استيعاب العلوم والاستنارة بها، أما بعده فقد علم من الوالي المرحوم (طاهر باشا) ان أوروبا تحيك مؤامرة خبيثة حول القرآن الكريم، إذ سمع منهُ ان وزير المستعمرات البريطاني قد قال: (ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكماً حقيقياً، فلنسع إلى نزعه منهم)، فثارت ثائرته واحتد وغضب... وغير اهتمامه من جراء هذا الانقلاب الفكري فيه... جاعلاً جميع العلوم المتنوعة المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى ادراك معاني القرآن الكريم واثبات حقائقه، ولم يعرف بعد ذلك سوى القرآن هدفاً لعلمه وغاية لحياته، واصبحت المعجزة المعنوية للقرآن الكريم دليلاً ومرشداً واستاذاً له حتى انه اعلن لمن حوله: (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن اطفاء نورها) (14).

والنشاط السياسي للنورسي مر بأطوار مختلفة ينبغي الاشارة اليها، لأنها تبين لنا كيف تحول من رجل كان على المحك بالشؤون السياسية بنحوٍ مباشر، وكيف تحول النشاط السياسي لديه عبر انتقاله الى (العرفان السياسي) وبطريقة مغايرة ولما أسماه هو في مذكراته بين (سعيد القديم) و(سعيد الجديد)، ولهذا الامر مغزى جوهري من جهة أن تركيزه على القرآن الكريم وتلمذة اتباعه في اجواء الفهم الجديد للقرآن أو استخراج جواهره المتنوعة، استدعى منه فهماً جديداً لمعنى ان يكون مواجهاً السلطات آنذاك.

مرحلة (سعيد القديم) تبدأ من السنوات المبكرة لشبابه حتى نفيه إلى (بارلا) سنة (1926م) وخلال هذهِ المرحلة حاول النورسي خدمة الاسلام عبر الانخراط في الحياة السياسية ومحاولة التأثير فيها، وعبر دعوته للإصلاح السياسي والتعليمي في عهد السلطان عبد الحميد، والقائه الخطب في الجوامع والساحات، ونشره للمقالات السياسية العنيفة في جريدة (وولقان) ومحاولته استمالة رجال الاتحاد والترقي وتسخيرهم لخدمة الاسلام، وتصديه للتيارات المُعادية للدين(15).

فلقد كان ينظر بعين الريبة والشك في رجال الاتحاد والترقي وكان يتهمهم بالتغريب وسحق الهوية الاسلامية، وهذا ما عبرت عنه مواقفه ابان أعلان المشروطية التي أيد دلالاتها وأهميتها في ادارة الدولة، ولكن كان يخشى من سطوة الحرية المنفلتة، التي يتزعمها رجال الاتحاد والترقي، ولهذا قال: ان اصحاب الافكار الفاسدة يريدون الاستبداد والمظالم تحت شعار الحرية، فلأجل إلّا نشاهد مرة اخرى تلك الاستبدادات التي دفنت في حفر الماضي ولا تلك المظالم التي جرت في سيل الزمان،...، إن هذا الانقلاب لو أعطى الحرية التي ولدّها لأحضان الشورى الشرعية لتربيها فتُبعث أمجاد الماضي لهذهِ الامة قوية حاكمة، بينما لو صادفت تلك الحرية الاغراض الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها، يا أبناء الوطن، لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً، كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر. وذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الاحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة(16).

والمركزية الغربية لا تغيب ناظريه حتى لو كان الشأن داخليا وخاصا للغاية، إذ ينوه عنها قائلاً: ان اوروبا تظن ان الشريعة هي التي تمد الاستبداد بالقوة وتعينه، حاش وكلا.. ان الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمل ظناً خاطئاً من أن الشريعة تعني الاستبداد، لذا تألمتُ كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السيء هذا بالشريعة.... (17).

النورسي بعد ذلك اتخذ موقفا مغايرا من السياسة، ولعل الامر يبدو كمفارقة للوهلة الاولى، ولكن من يتمعن يدرك ان ممارسة الموقف من السياسة والسياسيين بطريقة جديدة نلاحظها بوضوح شديد بعد مجيء أتاتورك لسدة الحكم، ولعل هذهِ المفارقة تظهر لمن يرى جوابه عن السؤال الآتي: لم انسحبت من ميدان السياسة ولا تتقرب إليها قط؟ قال مجيباً: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب عشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها، فذهبت محاولته ادراج الرياح، إذ رأى ان تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها، وان التدخل فيها فضول- بالنسبة إليَّ، فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب، وهي ذات خطورة، وأن أغلبها خداع واكاذيب. وهناك احتمال ان يكون الشخص آلة بيد الاجنبي دون ان يشعر، وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما ان يكون موافقاً لسياسة الدولة أو معارضاً لها، فإن كنت موافقاً فالتدخل فيها بالنسبة إليّ فضول ولا يغنيني بشيء، حيث إنني لست موظفاً في الدولة ولا نائباً في برلمانها، فلا معنى -عندئذٍ- لممارستي الأمور السياسية وهم ليسوا بحاجة إليّ لأتدخل فيها، وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة، فلابد ان أتدخل إما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة، فإن كان التدخل فكرياً فليس هنالك حاجة إليَّ أيضاً، لأن الأمور واضحة جداً، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وان كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه، فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يُبتلى الكثيرون بجريرة شخص واحد، فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد... (18).

ان الهاجس الدائم عند النورسي ليس اسقاط النظام السياسي، بل كل اعماله قبل موقفه انف الذكر وبعده، انما يقوم على ضرورة الاصلاح الدائم وبذل النصح، لكنه كان يدرك ببصريته الثاقبة ان المعارضة المسلحة وتغيير النظام بالقوة يقود إلى الفوضى وأسالة الدماء، وهذا ما رفضه بشكل قاطع، ولهذا لم يشارك بالثورة التي تزعمها سعيد بيران 13/2/1925(19)، فعرفانهُ السياسي كان يدور في فلك اصلاح الباطن كمقدمة لأصلاح الظاهر عبر انشاء واعداد جيل كامل تحت تربيته على المعاني الكلية في القرآن الكريم.

ان التحولات الهائلة التي حدثت بعد انهاء الخلافة وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، دفعت النورسي إلى اتخاذ مواقف سياسية متعددة، لاسيما بعد القرارات التي أقصت الدين من الدولة والمجتمع على حدٍ سواء، إذ قام أتاتورك إلى حين وفاته عام 1938 بكل ما ملكت يداه وما من شأنه انهاء الحضور الاسلامي في مختلف مجالات الحياة، ألغى الخلافة والمحاكم الشرعية، وعدل الدستور لإلغاء الدين من نصوصه، وحظر نشاط كل الفرق والطرق الدينية، وقام بتغييرات تطمس حتى بعض المظاهر الدالّة على ماضي إسلامي، مثل إلغاء الطربوش والحجاب، والابجدية العربية، والتقويم الهجري، وعطلة يوم الجمعة... مقراً، بدلاً منها، مظاهر غربية مثل: القبعة والحرف اللاتيني والتقويم الميلادي والتعطيل يومي السبت والاحد، ومضى أتاتورك أبعد من ذلك عندما فرض مبدأ العلمانية في الدستور وانشأ مؤسسات تابعة للدولة تشرف على الشؤون الدينية و(تضبط) حركة الائمة والوعاظ الذين تحولوا موظفين عند الدولة، كما ألغى الدروس الدينية من المدارس بموجب قانون (توحيد التدريس) أي بأختصار، وضع أتاتورك تركيا على سكة (العلمنة والتغريب) (20).

بوجهٍ عام حاربت السلطة الجديدة الدين، وطال اضطهادها كل من رأت منه عدم الامتثال لها، فأعدمت عدداً كبيراً من علماء الاسلام، وأصدرت بحقهم قانون الخيانة الوطنية، وهو القانون نفسه الذي تم بموجبه اعدام (الشيخ سعيد بيران) وسجنت أربعين عالماً من أصحابه بحجة قيامهم بحركة مقاومة كردية مدعومة من قبل الانجليز، على حين كانت في حقيقتها حركة إسلامية ضد النظام العلماني، كما أُعدم كثيرون غيرهم، وسجن وعذب آخر في محاكم الاستقلال التي أنشئت لتصفية الخصوم(21).

ان الاستبداد السياسي العلماني الجديد ذو القبضة الحديدة والعنيفة فرض على الاستاذ النورسي ممارسة تقية سياسية لأجل تمرير خطابه الروحي والنقدي ضمن سياقات خاصة، إذ بعد فشل ثورة الشيخ بيران اتهم النورسي بدعمها مما دفع السلطات إلى نفيه إلى قرية نائية في غربي الاناضول من أعمال (إسبارطة) أسمها (بارلا)، وكان تحت المراقبة الدائمة والمستمر’، وكما قال كاتب السيرة :كانت عيون السلطة تترصد الاستاذ وتراقب حركاته وسكناته لذا كان الاهالي يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه، فكان يقضي اكثر قوته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع والصيف إلى جبل وجام، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الاشجار متأملاً ومتعبداً(22).

ولكن رويداً رويداً بدأت الناس تتجمع حوله بعدما بنى مسجداً في هذهِ القرية وبدأ في مشروعه العاكف على تجريد فهم آيات القرآن واستخراج المعاني والدلالات الكونية والروحية والاخلاقية والاجتماعية منها، وعن ذلك الامر قال النورسي: أخذتني الاقدار نفياً من مدينة إلى اخرى... وفي هذهِ الاثناء تولدت من صميم قلبي معانٍ جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم... أمليتها على من حولي من الاشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها اسم (رسائل النور) إنها انبعثت حقاً من نور القرآن الكريم لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذهِ الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وانما هي إلهام إلهي (23).

ولكن هذهِ الرسائل لا يمكن ان تستمر دون هذهِ التقية السياسية التي مارسها الاستاذ وعبّر عنها بمبادئ معينة قائلاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن انقاذ البلاد وانقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام، وهذه المبادئ هي: 1- الاحترام المتبادل 2- الشفقة والرحمة

3- الابتعاد عن الحرام  4-الحفاظ على الامن 5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخدول في الطاعة (24).

وهو كان يتوخى نشر فكره وكسب الاتباع والمريدين عبر هذه الرسائل التي لا يمكن نشرها على نطاق واسع من دون الاعتماد على هذهِ المبادئ، ولهذا قال: والدليل على ان رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تُبث وتُحكم هذهِ الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الاساس لأمن البلاد، وهو ان رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً ان تجعل اكثر من مائة الف رجل اعضاء نافعين للبلاد والعباد دون ان يتأذى أو يتضرر بهم احد من الناس، ولعل محافظتي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول (25).

من يتمعن جيداً برسائل النور وبجملة المواضيع التي غطتها منذُ انطلاقها واهتمام الناس بها ومن كل الفئات والطبقات، انما يؤكد لنا ان الاستاذ النورسي أراد لتلك الرسائل ان تعبر عن مضامين القرآن الكريم المتعددة والتي تغطي كافة شؤون الحياة والوجود بشكلٍ عام كيما تكون هي (المعادل الموضوعي) لسياسات العلمنة وثقافتها التي ابتلعت كل جوانب الحياة آنذاك في تركيا.

ولعل الامر اللافت للنظر هنا أن علمنة الدولة التركية أسست جيلا واسعا من الشباب اللادينيين الذين كانوا يناصبون الاستاذ النورسي العداء، قبالة جيل روحي/ أخلاقي عمل الاستاذ على أعداده وتهذيبه، ولهذا كانت هنالك حرب مجتمعية خفية بني هذين الجيلين، جيل (العلمنة) وجيل (رسائل النور).

ولهذا قدم الجيل العلماني ومن خلفه السلطات السياسية والامنية المراقبة لنشاطات الاستاذ وجليه (القرآني الجديد) تهمة تشكيل جمعية سرية، والقيام بأعمال ضد النظام الحاكم وما يهدم أسسه... وأمثالها من التهم. وعلى إثر هذا أخذ الاستاذ النورسي وطلابه في 25/4/1935 وسيقوا مكبلي الايدي إلى (أسكي شهر) لمحاكمتهم، وكانت هنالك خشية من السلطات لحدوث ثورة واسعة فلهذا كانت الاجهزة الامنية وبرئاسة رئيس الوزراء آنذاك (عصمت إينونو) تراقب خطورة الموقف(26).

وهكذا اقتيد الاستاذ النورسي ومائة وعشرون من طلابه إلى سجن أسكي شهر ووضعوا في السجن الانفرادي والتجريد المطلق، وبدأت عمليات التعذيب الرهيب تنهال عليهم، لكن الاستاذ رغم الظروف الشاقة استمر في الارشاد والتوجيه، فتحول كثير من المسجونين إلى ذوي صلاح وتقوى (27).

لاشك في ان النورسي قد وجه جزءاً كبيراً من عنايته إلى مسألة (التربية الروحية) أو بالأحرى (التزكية)، كيف لا؟ وهي مفتاح الفهم لكل عملية تربوية تتغيا اخراج جيل قرآني رباني يُساهم من خلال (العمل الايجابي البناء) في خلافة الارض وعمارتها، والقيام بمسؤوليات الأمانة الملقاة على عاتقه بحكم اختياره وحمله لها (28)، وانطلاقات من القرآن الكريم الذي حث في الكثير من آياته على ضرورة التزكية، واتساقا مع تركيز النورسي على الجانب العملي في التربية الروحية، أكد بديع الزمان ان الطرائق إلى الخالق عز وجل كثيرة ومتعددة، لكن مردّها جميعاً إلى القرآن الكريم(29).

وبعد ان قضى مدة محكوميته في سجن (أسكي شهر) تم نفيه إلى مدينة قسطموني وقد بقي فيها ثماني سنوات، وهو يكتب رسائل النور ويرشد المجتمع، ويستمر في تهذيب الافراد آنذاك كيما ينظموا إلى الجيل القرآني/النوراني الذي عكف على تهذيبه قبالة جيل اللادينيين، ثم يستمر مسلسل الاتهامات له ولتلاميذه واتباعه بأنهم يألفون (جمعية سرية) تحرض الشعب على الحكومة العلمانية، ومحاولة قلب نظام الحكم، ثم تسمية مصطفى اتاتورك بـ(الدجال و(السفياني)(30).

ولقد حاولوا مراراً وتكراراً تسميم طعامه، ولكن بعض تلاميذه ينقذوه ويستمر النفي تلو النفي والسجن تلو السجن، تحت دعاوى الاتهام ذاتها التي تتكرر، وما خشيتهم منه ومن رسائل النور ومن تلاميذه، إلّا لأنهم جيل قرآني يمارس العرفان السياسي بنحوٍ من التقية المكثفة تحت مظلة نشر معارف القرآن الكريم المتعددة.

ما نريد ان نختم بهِ هو القول بأن الاستاذ النورسي على سيرة الاولياء والعرفاء وفي مقدمتهم أبن العربي، ذهبَ نحو أن اصلاح الباطن مقدمة جوهرية لا مهرب منها لإصلاح الظاهر، فإصلاح الدولة لا يتم من دون أفراد صالحين يقودون هذا الامر ويولونه اهميته، ومن دون هذهِ المعادلة لا طائل من الاندكاك بالعمل السياسي.

 

جعفر نجم نصر

.......................

المراجع:

(1) هادي العلوي، مدارات صوفية: تراث الثورة المشاعية في الشرق، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق - بغداد، ط2، 2007، ص49.

(2) ينظر: علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثاني، دار المعارف، القاهرة، ط7، 1977، ص63-65.

(3) كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، الجزء الاول، منشورات الجمل-بيروت-بغداد، 2011، ص280.

(4) سليمان بشير ديان، الصوفي والدولة، مقالة في كتاب: ما وراء الغرب العلماني، تحرير: عقيل بلغرامي، ت: عبيدة عامر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2018، ص41-42.

(5) المصدر نفسه، ص47-48.

(6) المصدر نفسه،ص50_51.

(7)لتفاصيل أكثر ينظر: خليل عبد الكريم، شدد الربابة بأحوال مجتمع الصحابة، دار مصر المحروسة، القاهرة، ط1، 2011، ص328 وص334.

 

(8) بومدين بوزيد، التصوف والسلطة: جدل المقاومة والسلم ورمزية صاحب الوقت، دائرة الامة، الجزائر، 2012، ص85.

(9) المصدر نفسه، ص87.

(10) حسن محمد الشرقاوي، الحكومة الباطنية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1992، ص20.

(11)المصدر نفسه،ص20.

(12) محي الدين بن العربي، التدبيرات الإلهية في اصلاح المملكة الانسانية، دراسة وتحقيق وتعليق: د. محمد عبد الحي العدلوني الادريسي الحسني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2015، ص70.

(13) المصدر نفسه، ص77.

(14) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، سيرة ذاتية (المجلد 9)، اعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، القاهرة، ط6، 2011، ص88-89.

(15) ابراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي وتحديات عصره، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، بيروت، ط1، 2010، ص30.

(16) بديع الزمان سعيد النورسي، المصدر نفسه، ص105-106.

(17) المصدر السابق نفسه، ص107.

(18) المصدر نفسه، ً241.

(19) ينظر تفاصيل اكثر: المصدر نفسه، ص243.

(20) محمد نور الدين، قبعة وعمامة: مدخل إلى الحركات الاسلامية في تركيا، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 1997، ص20.

(21) إبراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي، مصدر سابق، ص65.

(22) بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص259.

(23) المصدر نفسه، ص277.

(24) بديع الزمان النورسي، كليات رسائل النور، الشعاعات، المجلد (4)، مصدر سباق، ص384.

(25) المصدر نفسه، ص384-385.

(26) ينظر: بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص295-296.

(27) المصدر نفسه، ص296.

(28) محمد حلمي عبد الوهاب، التصوف في سياق النهضة: من محمد عبده إلى سعيد النورسي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2018، ص145.

(29) المصدر نفسه، ص146.

(30) بديع الزمان النورسي،سيرة ذاتية ،مصدر سابق، ص375.

 

 

محمد بنيعيش1- بعدما بهت الذين كفروا أمام الذي رأوا في الصحيفة الظالمة من خلال تحقق معجزة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي كانت ذات قوة مضاعفة جمعت بين الصور المادية المتمثلة في انتقاء الحق من الباطل، كما ارتقت على كل العقول والتخمينات البشرية العادية إخبارا بالغيب كمعجزة معرفية وعلمية.

فقد لجأ الكفار، عوضا عن أن يسلموا ويستسلموا، إلى مضاعفة العناد والزيادة في نسبة ومقادير العداء للدعوة وصاحبها وأتباعه .

وفي هذه المرحلة سيتصاعد البلاء على أشده وعلى عدة مستويات، يمكن أن نستعرض بعض أوجهه مما قد لا تستطيع الجبال تحمله.بحيث هنا ستتداخل المراحل والأماكن والطموحات والآمال مصطدمة مع الإحباطات وخيبة الرجاء حتى قد بلغت القلوب الحناجر وترددت النفوس بين خيار البقاء أو الرحيل والإقامة أو الهجرة...

فكان عثمان بن مظعون السابق ذكره من بين الذين امتحنوا بعدما فرج الله عنهم ووجدوا السعة في أرض الحبشة حتى عادوا إلى مكة، متفائلين بالنصر والتمكين لمعطيات وأخبار وصلتهم ببصيص الفرج كان من بينها إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

بحيث قد اصطدم بالواقع الذي ليس له دافع، فوقع من جديد في الحصار من غير حصار الشعب وتم التنكيل به ومن معه من الصحابة الكرام الذين سلكوا نفس مسلكه في اختيار الجوار المقدس جوار الله العزيز الحميد.

أما بالنسبة إلى رسول الله (ص) وهو أشد الناس بلاء فلقد كان على موعد مع القدر في ابتلائه، وهو كأشد ما يكون من وسيلة لامتحان القلوب وصقلها على التسليم وتقبل ما يلائم وما لا يلائم بحسب علو المقام، كما أن فيه سبرا لصدق التوكل وحسن الظن بالله تعالى، وأنه لا يقدر للعبد إلا ما فيه سر عبوديته وحقيقتها، وسر شكره وحمده حيث لا يحمد على مكروه سواه .

وكيف لا يكون البلاء بهذا المستوى وهذا الصنف والرسول (ص) سيد الموحدين وهو سيد الخلق والرسل وهو أول العابدين في قبول امتحان سيده.

فلقد جاء القدر مباشرة، بعد معاناة الحصار والتطلع إلى الفرج و نسيان الأضرار والركون إلى تدارك الأنفاس وبسط الاستبشار، مختطفا أهم سند قومي ومدافع عصبي له (ص) وذلك بوفاة عمه أبي طالب، ثم بعده بزمن قليل، لا يتجاوز الأيام على عد الأصابع، زوجته وسنده العاطفي والمعنوي والمادي سيدة الصديقات في تاريخ أزواج الأنبياء والرسل من أولي العزم، أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كما عبر عن ذلك ابن كثير في وصف ذوقي جميل إثر الحديث عن وفاة أبي طالب:"ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله (ص) ورضي الله عنها .وقيل :بل هي توفيت قبله والمشهور الأول .

وهذان المشفقان :هذا في الظاهر، وهذا في الباطن .هذا كافر، وهذه مؤمنة صديقة ر ضي الله عنها وأرضاها.

2- قال ابن إسحق:ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد.

فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهُلْك خديجة وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن إليها، و بهُلْك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين "1 .

فعبارة هذا في الظاهر بالنسبة إلى أبي طالب وهذا في الباطن بالنسبة إلى السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها مع التمييز بين العقيدتين لدى كل من أبي طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها لهو وعي دقيق وشفافية روحية في ملامسة الموضوع وطبيعة المرحلة ذات الارتباط بوجدان النبي (ص) .

إذ أبو طالب قد كان يمثل عصبية بالنسبة إليه (ص) وهي مع ما لازمتها من مؤازرة وثبات موقف وعدم تخلي عند الشدائد ستكون بلسما ودعامة معنوية على المستوى النفسي باعتبار بشريته (ص) وطبيعتها المحتاجة إلى المساندة المجتمعية، ابتداء من الأسرة والقرابة وانتهاء بالعشيرة والقبيلة أو الوطن...

فكان حينذاك رائد هذا الموقف هو أبو طالب بلا منازع، لما له من صفة قد تعوض عن مقام الأبوة بل هي نفسها ولكن في صورتها الفرعية المعاضدة بالعصبية وتبادل الحقوق والواجبات الأبوية والبنوة والتوارث ماديا ومعنويا.

ومما زاد في حزن النبي (ص) على عمه أبي طالب وأسفه ليس فقط لأنه مات وافتقد مساندته، لأنه يعلم يقينا وشهودا أنه منصور بإذن الله تعالى ولن يطاله من الكفار إلا ما أذن الله فيه كترقية وزيادة مقام له، ولكنه وهذا هو الأدعى إلى الحزن والشفقة والأسى أن عمه هذا قد مات على كفر ولم يعلن عقيدته وتصديقه لرسالة ابن أخيه، وهي نهاية كانت أصعب على نفس النبي (ص) من الموت نفسه.بحيث سيكون في الغالب قد اعتراه تأسف على سلبية المصير وسوئه الذي آل إليه أبو طالب بالرغم من مساندته له ونصرته كأعمال جليلة تحتسب له في دائرة الناجين .كما أن الموت على هذه الحالة وبحضرة صناديد قريش قد فتح فرصة ثمينة لهم لإعلان الشماتة بالنبي (ص) والمغالاة في الاستفزاز والمعارضة غير المحدودة لغاية إذايته جسديا والنيل من حريته بالمضيقات والتهديد بالتصفية العلنية .فكانت حينذاك وفاة أبي طالب ذات سلبية على نفسه أولا وذات انعكاسات مرهقة على النبي (ص) ومسار دعوته وأصحابه تبعا.

أما بالنسبة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فقد كانت شريكة حياته (ص) وأم أولاده ومسنده وملاذه في جسمه وروحه وعينه وعاطفته، وهو يرثها وترثه من كل الجوانب، وهي بهذا ستكون قد فاتت عمه أبا طالب من حيث قوة دعمها له (ص) ومركزيتها الجامعة بين التوافق الجسدي وبين الروحي العقدي، وهو الأهم والنقطة الأصعب في تمثل هذا الفقد، أي أنها كانت مؤمنة ومتحدة به روحيا وعاطفيا وجسديا ونسبيا.

ومن هنا فموت أبي طالب كما تذكر الروايات قد كان سابقا للسيدة خديجة رضي الله عنها وذلك كتمهيد للصدمة الكبرى الموالية وتأهب لتحملها، إذ المواساة النفسية النسبية، أي عصبة النسب التي كان يمثلها أبو طالب، ستكون أيضا مما توفرها له (ص) بحكم القرابة والعشيرة، ولكنها ليست كل شيء، بل الأهم هو المقام، أي مقام الصديقية الذي كانت تتمتع به السيدة خديجة ووصلت إليه بواسطة زوجها السيد الرسول (ص)، وهو أعلى مقام مساند للنبوة والرسالة ومناصر لها، سبق وتحدثنا عنه بتفصيل نسبي في كتابنا:نور الأمين ومقدمات إسعاد العالمين.

والنبي الرسول في مثل هذه المراحل الشديدة قد يحتاج إلى الصديقين لمؤازرته أكثر من احتياجه إلى المساندين، إذ هنا يتبين الفرق بين المقامين، بالرغم من أن الصديقين قد يكونون ضرورة مساندين، ولكن ليس كل المساندين قد يكونون صديقين.

3 - وعند هذا الفقد المضاعف جاء عام الحزن الكبير للنبي (ص) بفقد السيدة خديجة رضي الله عنها كصديقة مساندة وهو الذي تلا فقد أبي طالب كمساند غير صدِّيق.وهذا كما قلت قد كان فيه تدريج للنبي (ص) فيما يبدو أن القدر أراده له ليرتقي في عالم معرفة النفس وطب القلوب وانشراحها، وهي ممهدات إلى المعرفة الكبرى، معرفة الله تعالى وتحصيل الشهود بغير قيود وتحقيق الرؤية القدسية من غير حجاب ولا بواب، إذ البواب الأكبر والأجمل سيصبح هو سيدنا محمد (ص) نفسه، أول العابدين وسيد ولد آدم والخلق أجمعين.

وقد سمي العام بعام الحزن، أي أنه قد اكتمل دورته الزمنية بكل أحوالها وظروفها، وتعاقبت عليها جميع الشهور بتلوناتها وأسمائها، وأظلمت مظاهرها ومعابرها فغمت وعمت، وضاقت النفس وتألمت، فما كان بعد هذا الفقد والقبض والجلال إلا طلب الهجرة والترحال إلى ذي العزة والجلال:(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)2 .

لكن محنة النبي (ص) قد طالت حتى محاولة هذا الخلوص نجيا نفسه، فحوصر في الداخل، في الشعب وخارج الشعب، ومنع من الذهاب إلى الخارج في إقامة إجبارية كأسوأ ما تكون هذه الإقامة وأشدها على النفس.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

1- ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص122

2- سورة يوسف آية 110

 

اياد الزهيريلا شك بأن ظاهرة الأسطورة تعتبر ظاهرة ثقافية، فهي تمثل المحاولة الأولى للأنسان في سعيه لأنتاج المعرفة، وهي تعكس شوق الأنسان لرصد الحقيقة، والغوص في أعماقها، وهي ظاهرة أختص بها الأنسان عن غيرة من الكائنات الأخرى، هذا التميز كان نتيجة لما يتمتع به هذا الكائن البشري من قدرات عقلية خلقت فيه قابلية التفكير، وأثارت فيه النزعة الملحة لأشباع نزعته المعرفية. فالأسطورة كانت تعتبر الخطوة الأولى للأنسان القديم في تصديه لمحاولة تفسير ما حوله من ظواهر طبيعية أثارت في نفسه الخوف والدهشة، كما أثارت فيه الرغبة والأمل في معرفة كنهها، ولعل لتجنب مضارها، وجلب فوائدها. أن أول سرد أسطوري وضعه الأنسان كان هو أسطورة التكوين، لأن معرفة الكون الذي هو جزء منه كان هاجسه الأول، وكان هاجساً قوياً هزه من الأعماق، مما جعلها تحتل في نفسة مكاناً مقدساً، وقد سيطرة على عقله ومشاعره، وسجلت درجة الأعتقاد منزلة القداسة، حتى بات يزاول طقوساً وشعائر يعبر بها عملياً عن شغفه وأحترامه لها، كما يمكننا القول بأن هذا الأعتقاد شكل أول خطوات التدين عند الأنسان، ومن ذلك سجل الدين له حضور منذ بداية ظهور الأنسان، ومن ذلك لا يمكن لأحدنا أن يجد مجتمعاً أنسانياً خالياً من الدين، منذ الخليقة وليومنا هذا، فالدين حاجه نفسية وعقلية . فالأسطورة كانت باكورة التدين، وهذا ما جعل الباحث فراس السواح يصفها في كتابه (الأسطورة والمعنى ص 20) بأنها (حكاية مقدسة) . أستمرت سطوة الأسطورة على نفوس وعقول البشر لفترة طويلة كنمط تفكير أوحد، الى أن جاءت الفلسفة كنمط تفكير متقدم، أنتقل فيه الأنسان من الخيال والحدس ووعي المشاعر الى التفكير العقلي والمنطقي، ومن نظرة التسليم المطلق لما جاء به السرد الأسطوري الى فلترة عقلية تعتمد في قناعتها على المسلمات المنطقية . هذا التحول في النظرة هو الذي حدى بأفلاطون بجمهوريته بأن صرح بضرورة أبعاد الشعر عن الجمهورية الفاضلة التي تقوم على العقل، لأن السماح بالشعر يعني فتح الطريق أمام الأسطورة (الأسطورة والمعنى ص31). يتضح من كتابات الدكتور خزعل الماجدي، بأستخدام حسه الشعري الخيالي، في التحليل التاريخي للأسطورة، كما أن لأفلاطون كل الحق في أبعاده للشعراء من جمهوريته الفلسفية، وأن هذه الجمهورية حسب أدعاءه تقوم ركيزتها على المنطق، في حين أن الدكتور الماجدي هو في الأصل شاعراً ومجيئه للدراسات التاريخية متأخر على شاعريته، فمزج شاعريته في المنهج العلمي للدراسات التاريخية وخاصة الأسطورة، مما جعله يقع بالمحذور الذي حذر منه أفلاطون بضرورة أبعاد الشعراء من هذا المجال الذي يعتمد بشكل أساس على المنطق.

ولكي لا نطول في هذه المقدمة الضرورية، ننتقل الى الدكتور الماجدي في كيفية خلطه للأسطورة الرافدينية القديمة مع أسطورة قابيل وهابيل التوراتية، وهي أسطورة لست بصدد الدفاع عنها لأني أساساً لا أعتقد بصحتها بأعتبارها تمثل أيضاً سرداً أسطورياً، ولكن كُتبت على أيدي حاخامات اليهود، وهذا ما أكده بوكاي حيث يقول (كان الكتاب المقدس قبل أن يكون مجموعة أسفار تراثاً شعبياً لا سند له الا الذاكرة، وهي العامل الوحيد الذي أعتمد عليه في نقل الأفكار) (بوكاي دراسة الكتب المقدسة ص20 )، ولم أجد هناك مصدراً رئيسياً لها كما يدعي الماجدي في الأسطورة الرافدينية، الا اللهم قد يكون أوحت الأساطير الرافدينية لكتاب الأسفار التوراتية ببعض الأفكار أو أستنهضت بهم أيحاءً أسطورياً، ولكن بنفس الوقت لا يمكنني أن أنفي أفكاراً فيها كان مصدره النبي موسى عليه السلام، ولكن كما هو معروف للمطلعين على السرد الأسطوري أنه قد يبدأ من حقيقة معينه وينسجون عليها حبكة سردية كبيرة تغطس فيها الحقيقة الأولى، ويبقى الوجود الأكبر لما نسجه النساجون من سرد قصصي أسطوري يطغي على البذرة الأولى. أن خطورة ما يريد التوصل اليه الدكتور الماجدي هو سعيه الحثيث، وقصديته الواضحة الى ربط الأسطورة الرافدينية القديمة بالتوراة، متجاوز بها الى المسيحية ليختمها بالأسلام، وهذا مقصده المهم والنهائي. وأن حكاية قابيل وهابيل من خلال تحليل سرديتها التي ربطها الدكتور الماجدي ستكشف أن ليس هناك تناصاً تاماً، ولكن لا يمكنني الجزم بأنه ليس هناك أيحاءً قدمته الأساطير الرافدينية لكتبة التلمود والكابالا وأسفار أبو كريفا وغيرة من الكتب اليهودية التي تناولت حكاية قابيل وهابيل .لنذهب بعد هذه المقدمة الى رصد أدعاءات الدكتور الماجدي في ربطه بين حكاية قابيل وهابيل والأسطورة الرافدينية، وهي بالحقيقة أن هناك أكثر من أسطورة رافدينية يدرجها الدكتور الماجدي والتي يدعي أن التوراة والكتب اليهودية تناصت معها، وأول هذه الأساطير هي أسطورة (أنانا ودِموزي) التي جعل منها الدكتور الماجدي الجذر الذي أرتبطت به أسطورة التوراة، والتي جعل الماجدي من هابيل فيها نضيراً لدِموزي الذي يمثل اله الرعي في المعتقد الأسطوري السومري، وهنا يربطه الماجدي مع هابيل بأعتبار هابيل يمتهن الرعي أيضاً . أن عنصر مشترك واحد لا يشترط التناظر بين الأسطورتين، كما أن هناك أختلافات كثيرة تبعد كل مقاربة بينهم، فمثلاً أن دِموزي يمثل اله الخصب الذي يرعى الزرع،الذي هو مهم للرعي،وهذا يعني أنه ليس ممارس للرعي حتى نماثله مع هابيل الذي تدعيه التوراة أنه مارس الرعي، كما لدِموزي معبد يُعبد فيه أسمه (أي موش) وهو نفس المعبد الذي تُعبد به الآلهة أنانا،كما ذكر الماجدي في كتابه (أنبياء سومريون ص ٢٥٢) وهذه مفارقة في حين أن قابيل أنسان، كما أن هابيل أختلف مع أخيه قابيل، في حين أن دِموزي لم يختلف مع أنانا عشيقته وزوجته، بل أن أنانا شعرت بأنه لم يعد يهتم بها فغضبت منه، فأرسلته الى العالم السفلي غضباً عليه، ولكن بعد توسط الاله أنكي وشفاعته له أرجعت المياه الى مجاريها بين دِموزي وأنانا الالهين العاشقين، ولم يحدث أي جريمة قتل كما حدثت بين هابيل وقابيل، وأن الشفاعة التي حصل عليها دِموزي لم يحصل عليها قابيل من الله، لذى لا أرى أي حالة من التماثل أو التناظر بين حكاية هابيل وقابيل وبين الأسطورة الرافدينيه (دِموزي وأنانا)، فالرجل قد جارى ما فسره الآخرون وخاصة الغربيون في ربطهم هذا بين حكايتين لا رابط لهم، كما أن الماجدي مارس ربطاً تعسفياً يتماشى ونظرته الآيدلوجية التي تسعى الى نسف الأديان السماوية.

كما يمكننا الذهاب الى أسطورة أخرى يتعلل بها الدكتور الماجدي، ويعتبرها دليل آخر مضاف للتناص الحاصل بين الأدب الأسطوري الرافديني وما جاء من حكايات بين دفتي التوراة وغيره من كتب اليهود الأخرى . هذه الأسطورة هي أسطورة (أيميش وأنتين) و هي أسطورة لا علاقة لها بما جاءت به حكاية هابيل وقابيل، ولا علاقة لهما في فحوى الحكايتين، فأيميش وأنتين، هما ألاهين مخلوقين من قِبل الاله انليل، فكان الاله ايميش خُصص ليرعى فصل الصيف والرعي، أي لم يكن راعياً، بل يهيء ظروف الرعي، أي الحقول التي ترعى فيها الحيوانات أما أنتين خلقه لرعاية فصل الشتاء والفلاحة، وقد حصل خلاف بينهما، ولم يُذكر سبب الخلاف، ولكنهما أحتكما الى الاله انليل، والتي يذكر الماجدي أن الاله انليل فض الخلاف بينهما، وقد مال الى جانب الفلاحة والشتاء على الرعي والصيف، في حين أن حكاية التوراة قد بينت الخلاف وسببه، وهي تنافسهم على الزواج من أختهم (أقليما)، وأن الخلاف أنتهى الى مقتل أحدهما، في حين لم يبين في أسطورة (أيميش وأنتين) لا نوع الخلاف وسببه، ولم ينتهيا الى القتل كما حصل مع قابيل وهابيل، وهنا أسئل الدكتور الماجدي أي تشابه وتماثل بين هذه الأسطورة السومرية وماجاء بالتوراة؟، كما أن الباحث فراس السواح ذهب الى أن أنليل قد صالح أيميش وأنتين وأنتهى الأمر بمديح لأنليل (مغامرة العقل الأولى ص211). ولو ذهبنا الى أسطورة رافدينية أخرى أستطراداً بالدليل على لا تناصية التوراة مع الأسطورة الرافدينية في هذا الخصوص، والتي يسوقها خزعل الماجدي كدليل على هذا التناص هو أسطورة (أشنان ولاهار)، حيث يخلق انليل (ألاهار) النعجة، ويخلق (اشنان) الحبوب، وعندما تنافسى أحتكما الى أنليل، وحينها أنحاز انليل الى أشنان الهة الحبوب على حساب لاهار الهة النعجة، وهنا أيضاً تمثل هذه الأسطورة عكس ماذهبت الية حكاية قابيل وهابيل التوراتية، حيث نرى الاله انليل وقف الى جانب أشنان الهة الحبوب في حين أرتضى الله في النص التوراتي الى قبول تقدمة هابيل لحسن سيرته وتقواه، وأنه مجني عليه من قِبل أخيه قابيل، فالله التوراتي يقدم أسباب وجيه للرضى من هابيل والغضب على قابيل، في حين نرى أن الاله انليل يقبل عن أحدهم ولا يقبل من الآخر أنه  مجرد أمر مزاجي للأله أنليل.

أن خلاصة ما أُريد قولة أنني لست بصدد الدفاع عن التوراة، بل بصدد نفي التناص الذي يدعيه الدكتور خزعل الماجدي وغيره من الكثيرين، وكما بينا أنه دليل واهن ولم يقم على حجة يُعتد بها أو يمكن الركون أليها، وأن لا تناظر بين الأسطورة السومرية والحكاية التوراتيه فيما يخصل قابيل وهابيل، بل أنا أميل تماماً الى أن ما جاءت به التوراة والكتب اليهودية الأخرى هو من أنتاج المخيال اليهودي، وهم يمتلكون من الأمكانية ما تغنيهم من الأقتباس من غيرهم، وأن لم أنفي تماماً أنهم لم يأثروا بغيرهم، وهذا ما يحدث في كل زمان ومكان، كما أحببت أن أشير الى نقطة مهمة الا وهي أن القرآن الكريم لم يرد في نصوصه أي أشارة الى أسماء أبني أدم هابيل وقابيل، كما لا يردا حتى في الأحاديث النبوية، الا في حديث ضعيف عن طريق أبن كثير، وأن أبن كثير أعتمد على أبن عباس، وعبد الله بن عمر أبن العاص، وهؤلاء الأثنين وخاصة في مجال التاريخ القديم وقصص الأنبياء القدامى، وقصص الخليقة، يعتمدون كثيراً على أهل الكتاب، وأن هناك الكثير من الباحثين الأسلامين القدامى قد أعتمدوا كثيراً على ما يسمى بالأسرائيليات، وهذا ما نجده مثلاً في كتاب (بدائع الزهور في وقائع الدهور) لمؤلفه محمد بن أياس الحنفي، كما أن هناك بعض المفسرين القريبي عهد منا، قد ذكروا في تفاسيرهم أسما أبني آدم (قابيل وهابيل)، ومنهم محمد رشيد رضا، وسيد قطب، ومحمد جواد مغنية، وهم يعتبرون ذلك من الروايات الأسرائيلية (قصة أبني آدم...غسان عاطف بدران ص12-13).

ومما يجدر الأشارة اليه أن للشيخ محمد جواد البلاغي كتاب مهم بهذا الصدد تحت عنوان (الأكاذيب الأعاجيب)، كما هناك كتاب تحت عنوان (الموروث الأسطوري في تفسير أبن كثير) وهي أطروحة ماجستير في جامعة النجاح بفلسطين من أعداد (مؤيد أحمد سعيد خلف)، حيث تبين ولوج الأسرائيليات في التفاسير الأسلامية، وهناك الكثير الكثير في هذا الصدد . ان التلاعب بالتاريخ أصبحت لعبة تهوي الكثير ممن يسعى للشهرة، أو ينفذ من خلالها أجندة خطيرة، وهي مهام تقوم بها مراكز تنتمي لدوائر دول وجهات متنفذه عالمية تستخدمها كأدوات في حربها الناعمة ضد أديان ودول وشعوب يُراد تحطيمها بأدوات فكرية معقدة لا تحسن عملية النفاذ اليها ومعرفة حقيقتها، وخاصة الشعوب القليلة القراءة مستخدمين التاريخ الموغل بالقِدم والذي يتجنب دخوله الكثير لتشابك أحداثه، والشك في مصادره، كما أني لا أستطيع أن أزعم أن ليس هناك تناص في نقل الأفكار سواء على المستوى التاريخي أو الأدبي، وحتى العلمي والفني، ولكن ما أُريد الأشارة اليه أن ما قد تسلل من خيوط تناص في مواقع سردية أخرى، فهو تناص نقله الكتاب والباحثون والمفسرون في أطار التراث الثقافي التاريخاني، وهو ما حدث بالفعل في الكثير من السرديات، ولكن المهم هو الفصل مابين ما هو موروث ثقافي في مجال التفسير والتأويل، وبين ما يمثل النص الأصلي (الألهي) المتمثل بالكلام الذي أرسله الله سبحانه وتعالى للأنبياء، فالفرق كبير، ولكل منهما مصدره، ولكن الخطورة في دمجهما وأعتبراهما حالة واحدة، ويتمتعان بنفس الدرجة من المقام والقدسية، وهنا هو الخطأ الفادح لمن سهى، والخطيئة العظمى لمن أستهدف ورمى، محاولاً التشوية والتحريف.

 

أياد الزهيري

 

الصفحة 7 من 7

في المثقف اليوم