عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

نتناول في هذه الحلقة من الدراسة بقية القواعد الكلية في الفقه السياسي الإسلامي والتي هي القاعدة والمرتكز الذي يرتكز عليه النظام السياسي في الإسلام. ونبتدأ من قاعدة مهمة في هذا الجزء من الدراسة، وهي قاعدة العرف التي لها بُعد مهم وأساسي، وتبنيها من قِبل المشرع الإسلامي  يُشير الى أعطاء الإسلام للعرف أهمية كبيرة، ومساحة من المشاركة كمصدر أحتياط من مصادر التشريع، وهو دليل على أنفتاح الإسلام على التجربة البشرية وأحترامها، وذلك بفتح المجال لها للأنضمام لباقي القواعد الكلية المستنبطة من النص المقدس، بأعتبار العرف هو حصيلة تجربة عملية تاريخية أطمئن أليها الإنسان كقاعدة تساهم في تشريع القوانين التي تنظم من خلالها الحياة العامة للناس، وهو محل أتفاق بين المشاركين، وغالباً ما يكون (عبارة عن عادات غير مكتوبة يتشارك بها أفراد من المجتمع)(ويكيبيديا). الكثير يعتبر العرف من المصادر الأحتياطية وليس الأصلية، وهو يأتي بالمرتبة الثانية بعد المصادر الأساسية وهي القرآن والسنة النبوية، كما أن الكثير من الدساتير والقوانين في العالم أتخذت من العرف أحد مصادر التشريع عندهم، والإسلام بأعتباره دين سمح ومنفتح، يحترم التجربة الإنسانية وقد وجد أن كثير من الأعراف في جغرافية ظهوره  صالحة فأقرها، ولكنه ألغى البعض التي لاتتفق ومقاصده التي تأسس عليها، والعرف في أصطلاح الفقه: هو ما أعتاد الناس عليه وألفوه من قول، وفعل. ويعرفه الجرجاني: (مأستقرت عليه شهادة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول)(العرف في القانون: عبد الرحمن أسامة).

11-(قاعدة العرف): (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)(الأعراف:199)، وفي كلام للأمام علي ع  (ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، وأجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعيّة، ولا تحدثّن سنّة تضر شيء من ماضي تلك السنن)(نهج البلاغة من عهد الأمام علي ع لواليه على مصر، مالك الأشتر). (فالعرف يُعتبر في بريطانيا المصدر الأساسي للقانون الدستوري، أما بقية الدول والتي تعتمد على الدساتير المكتوبة فيتضائل دور العرف فيها)(العرف كمصدر من مصادر القانون:شبكة قدرات قانونية).

12- قاعدة الوفاء بالعقود: (ياأيها الذين امنوا أوفوا بالعقود) و (بلى من أوفى بعهده وأتقى فإن الله يُحب المتقين)(ال عمران76)  وهي تعبير عن قول الرسول محمد (ص) (المسلمون على شروطهم) كما جاء بالحديث النبوي. هذه القاعدة تفيد العموم، حيث تشمل جميع أنواع العقود. العمل بهذه القاعدة يعطي ثقة عالية لمن يتعامل بها، ويكون الفرد والحزب والنظام السياسي على درجة عالية من الموثوقية عند تعامل الأخرين معه، بل ويشجع الكل على التعامل معه لأنه يكون محل ثقة عند الطرف الآخر، فمثلاً الحزب السياسي الذي يوفي بتعهداته لناخبيه يكون محل ثقة للشعب، والدولة التي تفي بتعهداتها وألتزاماتها الدولية تكون محل ثقة الدول الأخرى، بل تشجع الأخرين على التعامل التجاري والسياسي معها، ولكن يجب التنبيه الى شيء، وهو أذا نقض الطرف الآخر العهد، يكون الطرف المقابل في حل من التعهد الذي أتفق عليه، وهذه من باب المعاملة بالمثل، وعلى طريقة (العين بالعين والسن بالسن) وكما في قوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين...)(المائدة:20). لاشك لما لهذه القاعدة من أهمية، ففي تركها تُزرع عدم الثقة، والذي بدوره يقود الى الفوضى.

13- قاعدة الضرورة ورفع الحرج: (ومن أضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم)(البقرة:173). هذه القاعدة تكسر حالة الجمود في القانون، فتعطيه مرونه كافية بالتعامل مع المواقف التي تتسم بالحرج الشديد، وهي كثيرة في عالم شديد التغير، ومتطور الحاجات، ومتشابك المصالح، وكثير التزاحم.

14- قاعدة الأهم والمهم: (وهي قاعدة ليست تأسيسية ولكن من الأدلة العقلية بأعتبار العقل أحد مصادر التشريع في الإسلام، وقد روي عن النبي ص (مثل العقل في القلب، كمثل السراج في البيت)(الصدوق:علل الشرائع ص98) وعن علي ع (لا يستعان على الدهر الا بالعقل)(بحار الأنوار، المجلسي:ج75 ص7)، ويمكن الأستدلال بها من حادثة ترك علي ع للحكم بعد النبي خوفاً من أرتداد الناس عن الإسلام وأنهيار النظام الإسلامي الذي أقامه النبي ص. هذه القاعدة تغطي الكثير من الجزئيات في العمل السياسي والأداري من أمثال حفظ المصالح والمنافع العامة أهم من الخاصة، وأمن العامة أهم من حرية الفرد، ويمكن ان نأخذ مثال عملي، وهو شق الطرقات العامة أهم من هدم بيوت الخاصة، وأنتخاب حاكم تنقصه بعض المواصفات المهمة أفضل من الفوضى وتعطيل الحكم وهكذا، وهذه القاعدة تحتمل الكثير من التطبيقات.

15- قاعدة الرجوع لأهل الخبرة : ويمكن أعتماد هذه القاعدة من خلال قوله تعالى (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نُّوحِي أليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)(الأنبياء:7)، أي الرجوع لأهل الخبرة والفن في السياسة وغيرها. وقد عمل بها الرسول محمد ص في أكثر من موقع، فقد أستشار في الحروب، ومن أشهرها حفر الخندق والذي سُمية المعركة بأسمه (معركة الخندق). هذه القاعدة تتيح للحاكم والفاعل السياسي الأستشارة من أهل الخبرة في الكثير من المواقف والموضوعات تجنباً للخطأ الذي يمكن أن يقع فيه الفاعل السياسي لو أتخذ قرار بمفرده، مما يمنع وقوع الكثير من الخسائر والأزمات للبلد.

16- قاعدة المصلحة: (فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض)(الرعد: 17).المصلحة ضد المفسدة، كما أنها كل عمل يعود بالنفع على الإنسان أو المجموع،أو الدولة، حيث أن المصلحة العامة تتقدم على المصلحة الخاصة، كما أن من المصلحة محاربة كل أنواع الفساد، بكل ألوانه وأشكاله، سواء على الصعيد الأجتماعي أو السياسي أو الأقتصادي، كما أن أهمال هذه القاعدة خاصة في مجال عمل الدولة يقود الى أضرار كارثية، ويكون سبب لكثير من الأزمات التي قد تطيح بدول وأنظمة سياسية، وما يترتب على ذلك من كوارث كبيرة وخطيرة

17- قاعدة التقية: (لايتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة...)

(ال عمران:28)، ويعرفها الشيخ الأنصاري (التحفظ عن ضرر الغير، بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق)(المكاسب/مرتضى الأنصاري: ص320)، وهذه القاعدة تقي الفرد والحزب والنظام السياسي والبلد الكثير من الحالات الحرجة التي لايقوون عليها، ويتعرضون عند عدم أستعمالها لأضرار بليغة، وهو ما يُعرف بالأنحناء أمام العواصف، وهذا مايحدث كثيراً في عالم السياسية، ولكن يبقى لهذه القاعدة حدود، ولا تكون مفتوحة بشكل مطلق. التقية لا تعني الأستسلام، بل تستعمل لتأجيل وقت وظروف المواجهة مع الخصم، وهناك تفاصيل كثيرة عن التقية يمكن للقاريء الرجوع أليها في مصادر كثيرة.

18--قاعدة عدم الأعانة على الأثم : (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الأثم والعدوان)(المائدة:2). تفيد هذه القاعدة بعدم الركون للمعتدي سواء كان شخص أو حزب أو دولة، ومثال ذلك اليوم هو عدم التعاون مع أسرائيل، وكل دول الأستكبار، مادامت تظلم وتعتدي على الشعوب المستضعفة، وعلى سبيل المثال الشعب الفلسطيني، حيث للأسف طُبّعت بعض الدول العربية والإسلامية معه رغم ممارسته للظلم والأعتداء على الشعب الفلسطيني، حيث يقول الله في القرآن (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار..)(هود:113)، وهي قاعدة تمنع على الفاعل السياسي في النظام الإسلامي أي حالة تعاون وممالئة لأي نظام يمارس الأعتداء على شعبه، وعلى الشعوب والدول الأخرى، حفاظاً للسلم العالمي، ورعاية لحقوق الإنسان.

19- قاعدة حفظ النظام: هذه تُعتبر من القواعد الكلية العقلية، وأنها ضرورة من ضرورات المجتمع الإنساني، وأن أي مجتمع لاينتظم أمره، لاشك يَؤول الى الفوضى، والفوضى هي الأرض الخصبة التي يأكل بها القوي الضعيف، وبها تنتهك كل الحقوق والحرمات، وفي هذا الصدد يقول آية الله النائيني (حفظ وحماية الأنظمة الداخلية للدولة والتربية النوعية للشعب، وإيصال الحق الى صاحبه، والحيلولة دون حصول عداوات بين أفراد الأمة وغير ذلك من الوظائف المرتبطة بمصالح الشعب والدولة)(تنبيه الأمة وتنزيه الملة: ص7 /النائيني)، وقد عرفه الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه (نظام الحكم والأدارة في الإسلام ص440) بأنه (إدارة شؤن المجتمع  على نحو يجعل حاجاته المادية والمعنوية ميسرة قدر الأمكان، وتنظيم علاقاته الداخلية). أن أهمية هذه القاعدة للمجتمع الإنساني بمكان جعل الأمام علي ع يقول (والِ ظلوم خشوم، خير من فتنه تدوم)(غرر الحكم ودرر الكلم:ج6 ص236 /عبد الواحد الآمدي).

20-قاعدة التعاون: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان)(المائدة:2)، والحديث النبوي يقول (الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه)، ولا يُخفى أهمية هذه القاعدة التي تقوم  بالحث على التعاون على المستوى الداخلي والخارجي،حيث أصبح التعاون والتكامل بين الحكومة والبرلمان في الحكومات الديمقراطية أمر غاية في الأهمية في البناء والتطور، وتأكيد السلم الأهلي، كما أن التعاون مع الدول الأخرى يُزيد من فرص البناء والتنمية، والتأسيس للسلام بينهم.

21- قاعدة الصلح (وان جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) (الأنفال:61). فالسلام هو الهدف الأستراتيجي للنظام السياسي الإسلامي، كيف لا وأن الله هو السلام.  والصلح يفيد أنهاء المنازعة والمخاصمة بين المتخاصمين، وتفضيل السلم، والتأكيد عليه. فالسلم هو الحالة الدائمة في الإسلام، فرسول الله يقول (أيها الناس لا تمنّوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية)(البخاري ج3 ص1038)، وقد جاء في عهد الأمام علي بن أبي طالب  لمالك الأشتر (ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوك، ولله فيه رضى، فأنّ في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك)(نهج البلاغة)، وهذا يتضح أن الأصل في الإسلام هو الصلح، والحرب هو الأستثناء، والبناء على هذه القاعدة يعني الحرص على السلام والأمن سواء على مستوى الداخل والخارج، مما يؤسس لحالة من السلم الأهلي والدولي، وهي حالة تمثل أمل كل شعوب العالم، الذي يقود الى حالة من الأستقرار، وهو ركيزة أساسية للبناء والتنمية لكل البلدان والشعوب. يتبع

***

أياد الزهيري

 

1) من القضايا النفسية التي يتعاضد فيها العنصر الذاتي مع المؤثر الغيبي المصطلح عليه دينيا بالشيطان والوسواس الخناس فقد نجد موضوع "الغضب" والعنف ضد الآخر على سبيل الانتقام والحسد والظلم والتكبر والتجبر وما يندرج تحت هذه المظاهر من سلوك متقارب. فقد يكون التعاضد في مثل هذه المواقف يتجلى بتحفيز الجانب الغضبي(السبعي) عند الإنسان حتى يتملكه ويفقده التحكم في ذاته، ومنذ هذه اللحظة سيكون الشيطان بالمرصاد حتى قد يجري من ابن آدم مجرى الدم كما دلت عليه الأحاديث.

ولهذا فلقد جاءت الآيات والأحاديث كلها تحذر من مغبة "الغضب" أو العنف وتدعو إلى الابتعاد عن أسبابه ومولداته، كما نجد في قول الله تعالى: "والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون "[1]، وكذلك تنص على مدح الضابطين له كما في قول الله تعالى: "الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين"[2].

وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: لا تغضب فردد مرارا، قال: لا تغضب"[3].

قال الشارح العسقلاني في فتح الباري: "قوله: قال لا تغضب في رواية أبي كريب "كل ذلك يقول لا تغضب" وفي رواية عثمان بن أبي شيبة قال "لا تغضب ثلاث مرات".

وفيها بيان عدد المِرار وقد تقدم حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه، وأنه كان لا يراجع بعد ثلاث.وزاد أحمد وابن حبان في رواية عن رجل لم يسم قال: "تفكرت فيما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله".

قال الخطابي معنى قوله "لا تغضب" اجتنب أسباب الغضب ولا تتعرض لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجبلة، وقال غيره: ما كان من قبيل الطبع الحيواني لا يمكن دفعه فلا يدخل في النهي لأنه من تكليف المحال، وما كان من قبيل ما يكتسب بالرياضة فهو المراد، وقيل معناه لا تغضب لأن أعظم ما ينشأ عنه الغضب الكبر لكونه يقع عند مخالفة أمر يريده فيحمله الكبر على الغضب، فالذي يتواضع حتى يذهب عنه عزة النفس يسلم من شر الغضب.

وقيل معناه لا تفعل ما يأمرك به الغضب، وقال ابن بطال في الحديث الأول: أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة إشارة إلى حديث "ليس الشديد بالصرعة". وقال غيره: لعل السائل كان غضوبا وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر كل أحد بما هو أولى به فلهذا اقتصر في وصيته على ترك الغضب.وقال ابن التين: جمع صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا تغضب"خير الدنيا والآخرة، لأن الغضب يؤول إلى التقاطع ومنع الرفق، وربما آل إلى أن يؤذي المغضوب عليه فينتقص ذلك من الدين.

وقال البيضاوي لعله لما رأى أن جميع المفاسد التي تعرض للإنسان إنما هي من شهوته ومن غضبه وكانت شهوة السائل مكسورة، فلما سأل عما يحترز به عن القبائح نهاه عن الغضب الذي هو أعظم ضررا من غيره وأنه إذا ملك نفسه عند حصوله كان قد قهر أقوى أعدائه، انتهى.

ويحتمل أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى لأن أعدى عدو للشخص شيطانه ونفسه، والغضب إنما ينشأ عنهما فمن جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة كان لقهر نفسه عن الشهوة أيضا أقوى.وقال ابن حبان - بعد أن أخرجه- أراد لا تعمل بعد الغضب شيئا مما نهيت عنه لأنه نهاه عن شيء جبل عليه ولا حيلة له في دفعه. وقال بعض العلماء: خلق الله الغضب من النار وجعله غريزة في الإنسان فمهما قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت حتى يحمر الوجه والعينان من الدم لأن البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب فيصفر اللون حزنا.

وإذا كان على النظير تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن كتغيير اللون والرعدة في الأطراف وخروج الأفعال في غير ترتيب واستحالة الخلقة حتى لو رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لكان غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، هذا كله في الظاهر وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أولى شيء يقع منه باطنه، وتغير ظاهره ثمرة تغير باطنه وهذا كله أثره في الجسد، وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحيي منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضا في الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهرب المغضوب عليه رجع إلى نفسه فيمزق ثوبه ويلطم خده، وربما سقط صريعا وربما أغمي عليه وربما كسر الآنية وضرب من ليس له في ذلك جريمة، ومن تأمل هذه المفاسد عرف مقدار ما اشتملت عليه هذه الكلمة اللطيفة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" من الحكمة واستجلابه المصلحة في درء المفسدة مما يتعذر إحصاؤه والوقوف على نهايته، وهذا كله في الغضب الدنيوي لا الغضب الديني كما تقدم في الباب الذي قبله . ويعين على ترك الغضب استحضار ما جاء في كظم الغيظ من الفضل وما جاء في عاقبة ثمرة الغضب من الوعيد، وأن يستعيذ من الشيطان كما تقدم من حديث سليمان بن صرد، وأن يتوضأ كما تقدمت الإشارة إليه في حديث عطية والله أعلم "[4].

2) فهذه الشروح قد أوردتها مطولة للإشارة إلى مدى أثر النص الديني في ضبط مناهج معرفة النفس عند المسلمين، وأنه لولاه لما كانت لديهم هذه التدقيقات الرائعة التي تريد أن تحلل الظاهرة النفسية من كل جوانبها وكل خلفياتها وأبعادها المعنوية والسلوكية، وهو ما سنراه عند دراسة مناهج الفكر الإسلامي وتبيين مدى ارتكازه على هذه الأصول الإسلامية في تحديد الطبيعة النفسية وظواهرها.

فموضوع الغضب إذن يمثل مرتعا خصبا لتلاقح التأمر النفسي والكيد الشيطاني حتى إن الشخص قد يفقد معه حينما يسيطر عليه التمييزَ بين أسباب نجاته من هلاكه[5].والملاحظ على الشروح السابقة أنه يوجد لدى المسلمين إدراك واعي بطبيعة النفس وعلاقتها بالشيطان من حيث الميل نحو السيئ من التصورات والأفعال، وخاصة في جانبي الشهوة والغضب.

ولهذا ففي أغلب الأحيان لا يذكرون النفس إلا ويقرنونها بالحديث عن الشيطان لتعاون كلا الطرفين في الموضوع السيئ الأبعاد، وقد تجلى هذا الربط بين الجانب الغضبي والنفسي والشيطاني بصورة واقعية وعملية في الحديث الذي رواه البخاري عن عدي بن ثابت حدثنا سليمان بن صرد قال: "استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس وأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" . فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال: إني لست بمجنون"[6].

وهذا يبين لنا أن الإنسان في حالة الغضب قد يصرفه الشيطان حتى عن الاستعادة منه، لأنه أصبح ممتلكه وتحت استحواذه آنذاك إلا إذا لحقته رحمة من الله يستبصر بها مصداقا لقول الله تعالى: "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون"[7].

وعند هذا الصرف الذي قد يتمكن به الشيطان من نفس الإنسان سيحدث الخلل في الملاحظة النفسية وذلك بالخلط بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان كما ظهر من خلال تعبير المخاصم الغضبان بقوله: إني لست بمجنون" ورفضه الاستعادة من الشيطان الرجيم، ظانا منه أن غضبه هو مجرد رد فعل نفسي غريزي عادي لا علاقة له بوسوسة الشيطان، وأن الذي يمسه الشيطان ويتطلب الاستعاذة منه يكون مجنونا أي ذا طبيعة مرضية.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

...............................

[1] سورة الشورى آية 24

[2] سورة آل عمران آية 134

[3] رواه البخاري في كتاب الأدب

[4] العسقلاني: فتح الباري في شرح صحيح البخاري ج10 ص 637-638

[5] محمد عثمان نجاتي: القرآن وعلم النفس، دار الشروق ط5-1414-1993 ص82

[6] رواه البخاري في كتاب الأدب

[7] سورة الأعراف آية 200-201

للاطلاع

https: //www.youtube.com/shorts/0vyZK-CAiR4?feature=share

 

أشرنا في الحلقات السابقة الى المصدر الرئيسي والتأسيسي للقواعد والضوابط الكلية للفقه السياسي الإسلامي، وفي هذه الحلقة من الدراسة نُشير الى مصدر ثالث بعد القرآن والسنة، وهو العقل، والذي يعتبر مصدر من المصادر التأسيسية للقواعد الكلية العامة في التشريع الإسلامي، والذي ينسحب بدوره الى الدائرة الخاصة أيضاً في التأسيس للقواعد الكلية في الفقه السياسي . العقل عند أكثر المدارس الإسلامية السنية منها والشيعية يُعتبر أحد مصادر التشريع، فهو أداة تستنبط الحكم الشرعي من النص المقدس، وهو أداة لبناء قاعدة كلية يُشرع من خلالها أحكام شرعية في منطقة الفراغ التشريعي، وقد أشارت أحد رسائل البحث المقدمة الى جامعة بغداد في تعريف للقاعدة العقلية كما عرفها الشهيد محمد باقر الصدر (بأنها كل قضية يدركها العقل، ويمكن أن يستنبط منها حكم شرعي)(رسالة القواعد العقلية وأثرها في أصول الفقه عند الأمامية السيد محمد باقر الصدر إنموذجا:حسين علي جاسم) . إن العقل يساهم في أتساع عدد القواعد الكلية في الفقه العام والسياسي بالخصوص، وهذا يفتح المجال واسعاً، ويعطي فضاءً كبيراً للفاعل السياسي بأن هناك أدوات يمكنه الأستعانه بها في كل الحالات والمجالات، أي يعطيه الأفق الأوسع والقابلية الأكبر في التعامل مع كل الأحداث في الواقع الحياتي المتغير دوماً، فالشارع المقدس منح العقل فرصة ملء الفراغ المتروك من قِبل الشارع المقدس لأسباب لها علاقة بطبيعة الحياة ذات الطابع المتغير والمتحول، أعتقاداً بالعقل بما يحمل من آليات منطقية، وهذا العقل أيضاً كما يقول الدكتور محمد عمارة في مقابلة له في برنامج الشريعة والحياة حيث يقول إن الرؤية الإسلامية للفقه السياسي مربوطه بمقاصد الشريعة، بالأضافة الى أن الأصوليون يقولون بصحة الملازمة بين العقل والشرع، وهي(كل ما حكم به الشرع حكم به العقل، وهذا معناه أن كل فعلٍ حكم به الشرع بوجوبه لأشتماله على المصلحة الملزمة أو حكم بحرمته لأشتماله على المفسدة الملزمة، لو أدرك العقل ذلك الملاك فلا جرم يحكم بحسن الأول وقبح الثاني وهذا ظاهر)(أصطلاحات الأصول ص280 : المشكيني الأردبيلي).

أذن الكليات المستنده على النص بمفردها لا تستوفي كل الوقائع العديدة والمتغيرة، وذلك بدليل ترك الشارع للفقيه منطقة فراغ يمارس فيها العقل نشاطه، ولم يترك للعقل وحده حرية أطلاق الأحكام لقصوره في تناول وفهم كل أبعاد الأنسان، أضافة للنزعات البشرية التي تتنازعه، وما يحمله من أفكار مسبقة، ونسبية فهم، حيث يركز غلادمير على أن الأفق الذهني للمفسر يتحوّل ويتطور ويتبدل دائماً طيلة حياة الأخير (الهرمينوطيقا وإشكالية التغير: د. مصطفى عزيزي ص77)، كما أن الميول المكنونة في اللاوعي الإنساني تلعب دور في أحكامه، وهذا ما حدى بديورانت بالقول (بأن العقل ليس المرجع النهائي في الحكم على الأمور) كما أن روسو يقول بأسبقية الشعور على العقل)(جريدة الرياض العقل عند كانط:يوسف أبا الخيل:18 نوفبر 2015). أذن يتضح لنا إن الإنسان لايمكن أن يصل الى الحياد التام، وهذا ما أكدته الهرمينوطيقا الفلسفية، التي أكدت نسبية الفهم، وتعدديته، ولتوضيح أمر العقل وأرتباط حكمه بالجذر الأخلاقي لأحكام الشريعة، نقتبس مما جاء في مقالة لماجد الغرباوي في القدس العربي تحت عنوان (العقل الأخلاقي وعلاقته بالتشريع الصادرة في 14 نوفبر 2023 م (أن العقل وفقاً للأتجاه الأخلاقي قادر علىى أكتشاف الجذر الأخلاقي لأحكام الشريعة، ومباديء تشريعها، بل حتى ملاكاتها ...ويمكنه التشريع في ضوئها لملء الفراغ التشريعي الذي يشمل جميع مناحي الحياة ماعدا العلاقات التي تنظمّ علاقة الفرد بخالقه)، يضيف الغرباوي في نفس المقال قائلاً (بل تبقى أحكامه أحكام بشرية تتأثر بقبليات المجتهد والخبير التشريعي، وتغيرات الواقع وحاجات الأنسان والمجتمع) وهذه الخاصية تعطيه مرونة عالية ومجال واسع في تقديم الأحكام والقواعد العامة في مجالات الحياة المختلفة ومنها السياسة، وهنا كذلك يمكنني بالأشارة الى ما يقول به الدكتور قاسم شُعيب في كتابه (العقل السياسي الإسلامي ص84)(لاشك أن حاجات المجتمع وبنيته ليس ثابته، بل هي متغيرة ومتطورة بأستمرار، ولم تغب هذه النقطة عن الإسلام، فترك منطقة فراغ تشريعي تتولى السلطة السياسية أو المجتمع المدني ملأها بما يتلائم مع الخطوط العامة للتشريع الإسلامي)، فلا دين من دون عقل، بل هو شرط من شروط التكليف.

من المعروف إن العقل يمثل المحور في فكر المعتزلة، وله مرتبة عالية، والجزء الكبير من الشيعة يقيمون للعقل مقام كبير في فهم وأستنباط الأحكام، حتى أن الشيخ المفيد يقول (بعدم صحة جميع الأحاديث المنسوبة الى الأئمة، ويرى أن كثيراً من الأحاديث نُسبت زوراً إليهم، ولذا يرى عدم الأخذ بالأحاديث التي تنتسب الى الأئمة أذا خالفت أحكام العقل لأن العقل يحكم بفسادها)(تصحيح الأعتقاد ج5 ص147 : الشيخ المفيد)، فالعقل له دور فعال ونامي في التفاعل مع الواقع، كل الواقع بتفاصيله العلمية والأجتماعية والأقتصادية والسياسية، ومن خلاله يتم تعين المصالح المرسلة، والعمل بما فيه مصلحة الناس، وخاصة أذا تحصن بمناعة أخلاقية عالية، ويترشح من خلاله أليات كل ما يحقق مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح الناس (فالأحكام العقلية من غير الممكن تقاطعها مع النص الديني لأنه يتركز على آليات منطقية لا يتقاطع معها العقل، بل للعقل أهمية كبرى في التعميق التأسيسي والتأصيلي والتفريغي للفقه الإسلامي) (ملامح البنية الأساسية للتفكير الإسلامي: طارق البشري).

بعد أن تطرقنا للعقل ومساهمته في أنشاء وأستنباط القواعد الكلية، نعود الى متابعة تعداد هذه القواعد أضافة لما سبق :

7- قاعدة أولوية السلم: (يا أيها الذين آمنوا أدخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان...) (البقرة:208) و (وأن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله). الأصل في العلاقة سواء بين الأفراد والمجموعات القبلية والقومية والدينية والحزبية في داخل البلد أو بين الشعوب والأديان والقوميات والبلدان الأخرى هو السلم، والآيات المذكورة واضحة في هذا المعنى . إن حرص الإسلام على السلام ينبع من كينونة الإسلام ونزعته للسلام، لأن الله هو السلام، وبالسلام يتحقق الأمن والحرية للإنسان، التي هي من الأهداف التي يحرص عليها الإسلام، فالرسول (ص) حريص على أفشاء السلام، وفي حديث له خرَّجه مسلم (أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام...)، فالإسلام حرص على كل القيم السامية ومنها السلام، قال تعالى (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام)(المائدة:16)، حتى الحرب التي يقوم بها هي لأجل السلام، وللدفاع عن النفس (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا)(البقرة190).

8-قاعدة الوسطية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس..)(البقرة:142)

الوسطية تعني الأعتدال، والعدل والخير، والتوازن، وهو عكس التطرف، وهو موقف عقلاني، ومظهر حضاري رفيع، وتمثل الوسطية موقف معتدل، يبتعد عن التحيز والتطرف، لأنه توسط بين طرفين، والنظام السياسي الذي يتسم بالوسطية والأعتدال، يكون نظام يبتعد عن التجاذبات الدولية سواء كانت شرقية أم غربية، ويبتعد عن كل المواقف المتحيزة، ولا تقف بجانب الأنظمة السياسية المعتدية، وتأخذ موقف عدم الأنحياز، وهو موقف يصب في تخفيف التوترات على المستوى الوطني والدولي . فالوسطية الإسلامية، هي صمام امان للمجتمع ضد أي حالة تطرف على المستوى الأجتماعي والسياسي، والنظام الذي يكون مبدأه الوسطية يتصدى لكل حالة تطرف، ولا يتعاون، ولا يشجع كل الحركات والأحزاب والأنظمة السياسية المتطرفة لأنها لا تتوافق مع مبدأ أساسي في فقهه العام والسياسي معاً.

9-قاعدة وجوب رفع الظلم (ان الله لا يحب الظالمين)، (ولاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار) وهي قاعدة في غاية الأهمية لأنها تساهم في ألزام من يلتزم بها بأن لا يكون طرفاً في أي حالة أعتداء تحدث سواء على مستوى الداخل، ضد مواطن أو أقلية قومية أو دينية، أو ضد أي دولة في المحيط الأقليمي والدولي، وهذا مايجعل هذا المبدأ يعزز الأستقرار والسلام على مستو ى الداخل الوطني، والأمن وعدم الأعتداء على الساحة الدولية، ومن أمثلة رفع الظلم في عالم السياسة هو أعانة كل الشعوب المضطهدة والمحتلة من خلال الوقوف الى جانب حقوقها المشروعة، وقضاياها المحقة والعادلة.

10-قاعدة درء المفاسد أولى من جلب المصالح :، هي قاعدة مهمة وأساسية خاصة في أدارة الحكم، والتي تفترض على السلطة السياسية العمل على حماية مصالح الشعب، ورعايتها من كل أنتهاك، بل الحرص على تحقيقها، والعمل بكل جد على دفع كل ما يقف بالضد منها، وهذه القاعدة لها مصاديق كثيرة جداً في السياسة الداخلية وكذلك الخارجية، فمثلاً لايمكن للنظام السياسي أن يعقد تحالف مع دولة أخرى يكون ضررها أكبر من منفعتها على الشعب، فدفع المخاطر أولى من كسب بعض المغانم. يتبع

***

أياد الزهيري

أولا: وسوسة الشيطان واستدراج النفس الغريزية

إن الحديث عن السفه النفسي بأنواعه العقدية والسلوكية والمالية وربطه بالنفس الأمارة بالسوء باعتباره أهم مظاهرها ليس مجرد تنضيد فكري واستعراض بياني محض قد يمكن توسيع الحديث عنه في حقل لغوي ولربما فقهي محض، وإنما هو تمهيد موضوعي ومؤسس لقضية أخرى لها من الدلالات النفسية ما تفتقده أغلب الدراسات النفسية سواء في الماضي أو الحاضر.

فالنفس -كما ورد وصفها في القرآن الكريم - أمارة بالسوء، وهذا التأمر قد يجعل العنصر الواعي في الإنسان إما في حالة المجاهدة أو في حالة المساعدة، لكنه في حال غياب المجاهدة لم يبق بعد ذلك سوى مساعدة النفس على تأمرها والاستجابة لنداءاتها ولو نسبيا، وعند هذه الاستجابة يكون الإنسان قد دخل طور السفه بكل صوره، أدناها السفه المالي، وأعلاها السفه العقدي.

وفي حالة ما إذا استعصى على النفس استدراج العنصر الواعي في الإنسان إلى السفه العقدي، فإن السفه المالي والشهوي أو الغريزي الجسدي عموما سيكون أقرب إلى منالها وضغوطها، وعند هذا الخلل النفسي الابتدائي يكون عنصر خارجي غير مرئي بالمرصاد لتأجيج الدعوة إلى الانغماس في هذا السفه الابتدائي حتى يتسنى له التوريط في النهائي وهو السفه العقدي.

هذا العنصر قد اصطلح عليه القرآن والحديث النبوي بمصطلح الشيطان أو إبليس، ويمثل عنصرا متخصصا في الإخلال النفسي وزعزعة الاستقرار واستعمال أسلوب المكايدة والمباغضة وكل أنواع الشرور التي لا تؤدي في النهاية إلا إلى العقد النفسية الحادة، والاختلالات الاجتماعية المدمرة، والهلاك الأبدي.

فالشيطان له قصة طويلة مع بني آدم منذ أن خلق الله الإنسان وصوره في أحسن صورة، قد ابتدأت في عالم غيبي و دلنا على أحداثها القرآن الكريم والأحاديث النبوية بتفصيل دقيق وتحديد عميق لخلفية الصراع بين الإنسان والشيطان، كما نصت عليها الآية الكريمة في قول الله تعالى:"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، وقلنا يا أدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين، فتلقى أدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم.قلنا اهبطوا منها جميعا، فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون"[1].

وهذا الاستكبار النفسي الذي وقع فيه إبليس- الشيطان- قد كان سببه نفسيا بالدرجة الأولى ومؤسسا على المقايسة المغلوطة والرؤية السطحية للعنصر النفسي الذي يتمظهر به آدم، ومن ثم وقع في خطأ القياس الفاسد، ظانا منه أنه الأفضل والأسمى. فكان هلاكه في الحقيقة من نفسه وانطوائيته على ذاته حتى اعتقد توهما أن لها تميزا ذاتيا مستحقا، لكنه نسي أنه مخلوق لا دخل له في خلق ذاته، وأن آدم كذلك مخلوق .

لكن المخلوق قد لا يتميز عن المخلوق ويمتاز عليه إلا بمميز:وهو الخالق سبحانه وتعالى. فكان اعتراض إبليس على تفضيل آدم عليه في الحقيقة هو اعتراض وسفه عقدي وسوء أدب مع الله تعالى، ومن ثم استحق الطرد من رحمته بسبب هذه المقايسة النفسية الفاسدة.

ولقد صور لنا القرآن الكريم هذا الموقف الإبليسي في قول الله تعالى:"ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين.قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك؟ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين. قال أنظرني إلى يوم يبعثون. قال إنك من المنظرين. قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين"[2].

فهذا القياس هو نفسه -كما سبق ذكره- سيوظفه المعترضون على الرسل والأنبياء والأولياء العارفين بالله تعالى. ويمثل صورة من صور النفس الأمارة بالسوء التي تنطبق على الإنسان وعلى الشيطان، كما أن النفس الإنسانية تلتقي مع النفس الشيطانية في عدة صور أخرى، من بينها بالدرجة الأولى الوسوسة والأمر بالسوء والتسويل.

فالوسوسة نجد التنصيص عليها في قول الله تعالى:"فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين.وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين "[3]، "الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم"[4].

ونظرا لخطورة هذه الوسوسة الشيطانية وآثارها العقدية والسلوكية والنفسية بصفة عامة، فقد اهتم القرآن بالتصدي لها أيما اهتمام حتى إنه قد نزلت سورة خاصة بالدعوة إلى التصدي لها ومقاومتها، سواء كانت وسوسة مباشرة أو غير مباشرة، في شكل نفس إنسانية أو نفس جنية غير مرئية. وذلك في قول الله تعالى:"قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس"، وكذلك نجد عدة آيات تحث على توظيف سلاح الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم كأهم الوسائل لمقاومته وصرف تأثيراته الوسواسية عن النفس الإنسانية، لغاية أنه قد يصل إلى درجة الأمر بالسوء على سبيل السيطرة والتحكم في التصور الإنساني والاستحواذ على قدراته الواعية إذا لم يحاربه في البدايات الأولى من وسوسته.

ثانيا:وسوسة الشيطان والتمهيد نحو الطريق المسدود

إذ من خصائص وسوسة الشيطان أنه قد يستعمل أسلوب الكيد والتمهيد التدريجي للإيقاع بالإنسان في دوامة القنوط وبالتالي التمادي في الانزلاق العقدي والسلوكي، مما قد يؤدي إلى السفه العقدي الذي يعني هلاكه وهلاك من حوله.

ولهذا فلقد جاء الخطاب القرآني منبها على خطورة هذا المخلوق الخبيث والمعادي للإنسان وذلك في هذا النداء الكريم:"يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر الفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا، ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم "[5]، "يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون "[6]، "إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم "[7].

فالوسوسة والأمر بالسوء والتسويل، بالإضافة إلى الغياب عن الملاحظة الحسية، هي أهم عناصر المطابقة بين النفس الأمارة بالسوء والشيطان عدو الإنسان.وهذا التطابق إذا لم يتفطن له عند الملاحظة النفسية والتصرفات العادية فقد يؤدي إلى اتحاد وتواطؤ لا شعوري مع النفس الإنسانية ستصبح بعده القيادة بيد الشيطان لغاية الصرع والمُماسَّة كما يدل على ذلك قول الله تعالى:"الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا "[8]، " استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون"[9]، وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم "[10].

وهذه السيطرة التي يحققها الشيطان على سلوك الإنسان ليست ابتدائية وإنما هي نتيجة تدرج (خطوة خطوة) من البسيط إلى المعقد، ومن التمييز إلى التعجيز، بحيث سيصبح الشخص عاجزا عن تقدير مصلحته من مضرته فيقع حينئذ في ضعف تصوري وإدراكي إما عن طريق ذاتي أو موضوعي بواسطة إغراءات وهمية خارجية تعمل على الإخلال بالتوازن النفسي، أي أن المآل يكون دائما ذاتيا.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

المغرب، وجدة

...........................

[1] سورة البقرة آية 33-37

[2] سورة الأعراف آية 10-16

[3] سورة الأعراف آية 17

[4] سورة الأعراف آية 20-21

[5] سورة النور آية 21

[6] سورة الأعراف آية 26

[7] سورة محمد آية 26

[8] سورة البقرة آية 275

[9] سورة المجادلة آية 19

[10] جزء من حديث رواه البخاري في كتاب الصيام

 

مقدمة: يبدو مفهوم العدالة مفهوما ملتبسا اذ الكل يطالب به على الصعيد الحقوقي والكل يفتقده على الصعيد الواقعي والجميع يرفعه على مستوى الشعار والمطلب والجميع يخسره على مستوى الممارسة والعمل. كما ان الافراد يفتقدونه في حياتهم والمجموعات تتمنى تحقيقه في مجال التبادلات والعلاقات فيما بينها. هذا الاصرار الإيتيقي على اللحاق بالعدالة والتمسك بها كمبدأ تأسيسي وحق كوني ناتج عن ارادة جماعية مشتركة لتخطي عتبة الظلم والتمييز ومرده تلك الرغبة التي تنتاب الناس في ازالة الفوارق ورفع الجور وتحقيق الانعتاق من براثن التبعية والاستقلال التام عن كل قهر سياسي داخلي وسلطة غاشمة خارجية. فأين هي العدالة في الواقع؟ ولماذا تم تغييبها والاعتداء عليها؟ وكيف يمكن استجلابها واستنباتها في جل الاوضاع الانسانية؟ وما السبيل الى تحقيقها وضمان استمراريتها؟ والى أي حد تسمو عن كل توظيف؟

العدالة كمشكل

لقد سبق لافلاطون في محاورة الغورجياس ان أبرز التوتر بين العدالة حسب الطبيعة وحسب القانون بقوله:"في أغلب الأحيان، تتعارض الطبيعة والقانون مع بعضهما البعض. لأنه حسب الطبيعة، ما هو أكثر شرًا هو أيضًا أقبح، مثل التعرض للظلم، بينما يجب ارتكابه وفقًا للقانون. ليس من فعل الانسان أن يعاني الظلم، بل هو من فعل العبد، الذي الموت أفضل له من الحياة، والذي، مظلومًا ومهينًا، لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا عن من هو فيهم مهتم. لكن في رأيي، القوانين توضع للضعفاء ومن قبل الكثيرين. ومن أجلهم ومن مصلحتهم أن يفعلوا ذلك وأن يوزعوا المديح واللوم؛ ولتخويف الأقوى، القادرين على الحصول على الأفضلية عليهم، ومنعهم من الحصول عليها، يقولون إنه من العار والظلم أن يطمح المرء إلى أكثر من نصيبه، وهذا هو ما يعنيه الظلم.، الرغبة في التملك أكثر من الآخرين؛ أما هم فأتصور أنهم يكتفون بأن يكونوا على قدم المساواة مع من هو أفضل منهم."1 زد على ذلك رأى افلاطون في محاورة القوانين انه "من الضروري أن يضع الناس لأنفسهم قوانين وأن يعيشوا وفقًا لهذه القوانين؛ وإلا فلا فرق بينهم وبين الحيوانات التي هي أوحش من جميع النواحي. وهذا هو السبب: لا يوجد على الإطلاق أي إنسان يولد بمثل هذه القدرة الطبيعية على التمييز في الفكر ما هو مفيد للإنسانية فيما يتعلق بالتنظيم السياسي، مثلما هو حالما يتم تمييز ذلك، لامتلاك الإمكانية دائمًا بالإضافة إلى ذلك والإرادة لتحقيق ما هو أفضل في الممارسة العملية. الحقيقة الأولى الصعبة التي يجب معرفتها هي، في الواقع، أن الفن السياسي الحقيقي لا يجب أن يهتم بالصالح الخاص، بل بالصالح العام، لأن الصالح العام يوحد، والصالح الخاص يمزق المدن، وأن الصالح العام والخير على وجه الخصوص، يستفيد كلاهما من كون الأول، وليس الثاني، مؤمنًا بالقوة."2  أما في الحقبة المعاصرة فقد أعاد المفكر الحر ألان اثارة قضية العدالة كما يلي: "يا له من غموض مذهل في مفهوم العدالة. وهذا بلا شك يأتي بشكل رئيسي من حقيقة أن نفس الكلمة تستخدم لتعيين العدالة التوزيعية والعدالة المتبادلة. ومع ذلك، فإن هاتين الوظيفتين متشابهتان قليلاً لدرجة أن الأولى تحتوي على عدم المساواة والثانية على المساواة.  أعقد صفقة مع انسان آخر؛ وقبل أن أختتم كلامي، أشغل نفسي بالتحقيق فيما إذا كان هناك أي تفاوت بيننا يدفعه إلى التعاقد معي. على سبيل المثال، إذا كان لا يعرف شيئًا أعرفه عن الحصان الذي أبيعه له، فيجب علي تثقيفه عن المساواة والعدالة المتبادلة قبل أن يوقع. أنا عضو في لجنة تحكيم الخيول؛ يجب أن أقول أي مربي يستحق المكافأة التي أعطيها له وعن عدم المساواة وعدالة التوزيع. أنا أقوم بفحص المرشحين لمدرسة الفنون التطبيقية. اخترت المشاكل الصعبة؛ هذه أسلحتي، وهذه أفخاخي، والويل للمهزومين. لدي مناصب جيدة لأعطيها، ولكن بأعداد صغيرة، الى الأقوى وأعطي الرتب وعدم المساواة؛ عدالة التوزيع. كلتا الوظيفتين ضروريتان. ولكن يبدو أن العدالة التوزيعية لها النظام كموضوع لها، وهي مجرد وسيلة، في حين أن العدالة المتبادلة هي في حد ذاتها مثال أعلى، أي غاية لكل إرادة صحيحة."3  لقد أوضح ألان أن الحق بلا حدود لا معنى له وصرح في ذلك ما يلي: "حرية الرأي لا يمكن أن تكون بلا حدود. أرى أنه يُطالب به كحق تارة لدعاية، وتارة لدعاية أخرى. ومع ذلك، فإننا نفهم جيدًا أنه لا يوجد قانون بلا حدود؛ وهذا غير ممكن، إلا إذا وضعنا أنفسنا في حالة الحرية أو الحرب، حيث يمكننا بالفعل أن نقول إننا نعطي أنفسنا جميع الحقوق، ولكننا أيضًا لا نمتلك إلا تلك التي يمكن للمرء الحفاظ عليها بقوته الخاصة. ولكن بمجرد أن نشكل مجتمعًا مع الآخرين، فإن حقوق كل فرد تشكل نظامًا متوازنًا؛ ولا يُقال على الإطلاق إن كل شخص سيحصل على جميع الحقوق الممكنة؛ يقال فقط أن الجميع سيكون لهم نفس الحقوق؛ وهذه المساواة في الحقوق هي بلا شك شكل العدالة؛ لأن الظروف لا تسمح أبدًا بإنشاء حق كاملًا دون قيود؛ على سبيل المثال، لا يقال إننا لن نغلق شارعاً من أجل المصلحة المشتركة؛ فالعدالة لا تقتضي إلا أن يتم إغلاق الشارع بنفس الظروف على الجميع. لذا فأنا أفهم أنه يمكننا المطالبة كمواطنين، وبكل الطاقة التي نريد أن نستثمرها، بالحق الذي نرى المواطنين الآخرين يتمتعون به. لكن الرغبة في الحصول على حقوق غير محدودة تبدو سيئة."4  فماهو الفرق القائم والممكن الذي يظهر بين العدالة التبادلية والعدالة التوزيعية؟

العدالة كإنصاف

لقد تفطن ارسطو في العصر الاغريقي للفلسفة وفي كتابه ايتيقا الى نيقوماخوس الى الحاجة الى تقويم مفهوم العدالة من خلال الانصاف وصرح في هذا الشأن: " فالعدل والمنصف سواء، وكلاهما خير، وإن كان المنصف أفضل منهما. وما يجعل الصعوبة هو أن ما هو منصف، رغم كونه عادلاً، ليس ما هو عادل وفقًا للقانون، بل هو تصحيح للعدالة القانونية. والسبب هو أن القانون دائما شيء عام، وأن هناك حالات معينة لا يمكن القول فيها بجملة عامة تنطبق عليها باستقامة. لذلك، في الأمور التي يجب فيها بالضرورة الاقتصار على العموميات وحيث يكون من المستحيل القيام بذلك بشكل صحيح، يأخذ القانون بعين الاعتبار الحالات الأكثر شيوعًا فقط، دون تجاهل الأخطاء التي قد ينطوي عليها ذلك. وليس القانون أقل لومًا، لأن العيب ليس في القانون ولا في المشرع، بل في طبيعة الأشياء، لأن مادة الأشياء المتعلقة بالنظام العملي، بحكم جوهرها، تأخذ هذا الطابع من عدم الانتظام. وعندما يترتب على ذلك أن يضع القانون قاعدة عامة، وتنشأ قضية خارجة عن القاعدة العامة، فإننا نكون حينئذ في قانون حيث فشل المشرع في توفير هذه الحالة وأخطأ في الإفراط في التبسيط لتصحيح الخطأ. وتفسير ما كان المشرع نفسه سيقوله لو كان حاضرا في تلك اللحظة، وما كان سيدرجه في قانونه لو كان على علم بالحالة المعنية. ويترتب على ذلك أن العادل عادل، لا يتفوق على العادل المطلق، بل فقط على العادل حيث يمكن مواجهة الخطأ الناتج عن الطابع المطلق للقاعدة. وهذه هي طبيعة ما هو عادل: أن يكون مصححًا للقانون، حيث عجز القانون عن الحكم بسبب عموميته. في الواقع، السبب وراء عدم تحديد كل شيء بالقانون هو أن هناك حالات محددة لا يمكن وضع قانون لها، بحيث يكون المرسوم ضروريًا."5 علاوة على ذلك اضاف أرسطو في كتاب السياسة الفكرة الموالية: "الإنسان الذي يعيش بحسب أهوائه لا يستطيع أن يستمع أو يفهم المنطق الذي يسعى إلى صرفه عنها. كيف يمكن تغيير شخصية انسان كهذا؟ وبشكل عام، يبدو أن الشعور لا يخضع للعقل، بل للقيود. لذلك، يجب علينا أولاً أن تكون لدينا شخصية مناسبة للفضيلة بطريقة ما، تحب ما هو جميل، وتكره ما هو مخزي؛ كما أنه من الصعب أن يحصل المرء من الشباب على تربية سليمة تشجع على الفضيلة، إذا لم تتم تربيته في ظل هذه القوانين، لأن الجمهور، وخاصة الشباب، لا يجدون متعة في العيش في اعتدال وحزم. كما يجب أن تضع القوانين قواعد التعليم والمهن، والتي يمكن دعمها بسهولة أكبر عندما تصبح معتادة. ومن المؤكد أنه لا يكفي أن يحصل المواطنون، خلال شبابهم، على التعليم والرعاية المناسبين؛ ومن الضروري أيضاً، عندما يبلغون مرحلة الانسانية، أن يمارسوا ما تعلموه، وأن يكتسبوا منه عادات جيدة. ومن وجهة النظر هذه، وفي الحياة بشكل عام، نحتاج إلى قوانين. في الواقع، يطيع الجمهور الضرورة أكثر من العقل، والعقوبات أكثر من الشرف."6 هذا العمل التقويمي والحاجة الى اصلاح مفهوم العدالة ألهم القديس توما الاكويني الذي عبر عن رغبة التعديل كما يلي: " في الواقع، لا شيء من القانون البشري يمكن أن ينتقص مما هو قانون طبيعي أو قانون إلهي. ولكن، وفقًا للنظام الطبيعي الذي أنشأته العناية الإلهية، تخضع الحقائق الأدنى للإنسان، بحيث يستخدمها لتلبية احتياجاته. ويترتب على ذلك أن تقاسم الخيرات والاستيلاء عليها وفقًا لحقوق الإنسان لا يلغي حاجة البشر إلى استخدام هذه الخيرات لتلبية احتياجات الجميع. ومنذ ذلك الحين، فإن الممتلكات التي يمتلكها بعض الناس بشكل زائد، تهدف، بموجب القانون الطبيعي، إلى مساعدة الفقراء. لهذا يكتب القديس أمبروسيوس: "الخبز الذي تحتفظ به للجائع، والملابس التي تخفيها للعراة، والمال الذي تدفنه هو فداء وخلاص البائس." الآن أصبح عدد المحتاجين كبيرًا جدًا لدرجة أننا لا نستطيع مساعدتهم جميعًا بنفس الموارد، ولكن لا أحد يستطيع التصرف بحرية في ممتلكاته لمساعدة البائسين. وحتى في حالات الضرورة الواضحة والملحة، حيث يكون من الضروري بشكل واضح أخذ ما هو في متناول اليد لتلبية حاجة حيوية، على سبيل المثال عندما يجد المرء نفسه في خطر ولا يستطيع فعل خلاف ذلك، فمن المشروع استخدام ممتلكات الآخرين لتلبية احتياجات الفرد الخاصة؛ ويمكن أخذها، علناً أو سراً، دون ارتكاب السرقة أو السرقة فعلياً." 7 .

على هذا النحو اقترح توما الاكويني الفكرة الفلسفية الموالية:" يهدف كل قانون إلى تحقيق المصلحة المشتركة للناس، وبهذا الحد فقط يكتسب قوة القانون وقيمته؛ وعلى العكس من ذلك، فهي لا تحقق هذا الهدف، فإنها تفقد قوة التزامها. ومع ذلك، كثيرًا ما يحدث أن النص القانوني الذي يكون من المفيد مراعاته من أجل الصالح العام، كقاعدة عامة، يصبح، في بعض الحالات، ضارًا للغاية. كما أن المشرع، لعدم قدرته على النظر في جميع الحالات الخاصة، يكتب القانون وفق ما يحدث في أغلب الأحيان، ويركز اهتمامه على المنفعة العامة. ولهذا السبب، إذا ظهرت حالة يكون فيها الامتثال لمثل هذا القانون يضر بالمصلحة العامة، فلا يجب الالتزام به بعد الآن. وهكذا، لنفترض أنه تم إصدار قانون في مدينة محاصرة يقضي بوجوب بقاء البوابات مغلقة، فمن الواضح أن هذا مفيد للصالح العام، كقاعدة عامة: ولكن إذا حدث أن الأعداء يلاحقون المواطنين الذين يتوقف عليهم خلاص المدينة سيكون ضررًا كبيرًا على هذه المدينة ألا تفتح أبوابها لهم. ولذلك، في مثل هذا الأمر، لا بد من فتح الأبواب، رغم ما ينص عليه القانون، حفاظاً على المصلحة العامة التي يقصدها المشرع."8 في نفس الاتجاه سار فيلسوف العقد الاجتماعي الانجليزي دافيد هيوم حيث نجده يشير الى ما يلي: " يمكن للمؤرخين، وحتى المنطق السليم، أن يعلمونا أنه على الرغم من جاذبية أفكار المساواة الكاملة هذه، إلا أنها في الواقع غير عملية في الأساس، وإذا لم تكن كذلك، فإنها ستكون ضارة للغاية بالمجتمع البشري. اجعل الممتلكات متساوية قدر الإمكان: إن اختلاف درجات الفن والرعاية والعمل لدى البشر سوف يؤدي على الفور إلى كسر هذه المساواة. وإلا، إذا قمت بتقييد هذه الفضائل، فإنك تخفض المجتمع إلى الفقر المدقع، وبدلاً من منع العوز والتسول بين القلة، فإنك تجعلها حتمية للمجتمع بأكمله. ومن الضروري أيضاً إجراء تحقيقات أكثر صرامة، للكشف عن أي تفاوت بمجرد ظهوره، فضلاً عن اللجوء إلى القضاء الأكثر صرامة لمعاقبته وتصحيحه. ولكن، بصرف النظر عن حقيقة أن قدرًا كبيرًا من السلطة يجب أن يتدهور سريعًا إلى طغيان، وأن يُمارس بتحيز كبير، فمن يستطيع أن يستثمرها في وضع مثل الوضع المفترض هنا؟ ".9 من المعلوم أن فيلسوف العقد الاجتماعي الاخر جون جاك روسو قد أدلى بدلوه في الموضوع بتصريحه في خطاب حول الاقتصاد السياسي بما يلي:" ولذلك فإن المصلحة الأكثر إلحاحًا للرئيس، فضلاً عن واجبه الذي لا غنى عنه، هي ضمان الامتثال للقوانين التي هو وزير لها، والتي تستند إليها كل سلطته. إذا كان عليه أن يجعل الآخرين يلاحظونهم، فيجب عليه بالأحرى أن يراقبهم بنفسه، الذي يتمتع بكل فضلهم: لأن مثاله قوي لدرجة أنه، حتى لو كان الناس على استعداد للسماح له بتحرير نفسه من نير النظام. يجب عليه أن يحرص على عدم استغلال مثل هذا الامتياز الخطير، والذي سيسعى الآخرون قريبًا إلى اغتصابه بدورهم، وغالبًا ما يكون ذلك على حسابه. في الأساس، بما أن التزامات المجتمع كلها متبادلة بطبيعتها، فلا يمكن أن يضع الإنسان نفسه فوق القانون دون التنازل عن مزاياه؛ ولا يدين أحد بأي شيء لأي شخص يدعي أنه لا يدين بأي شيء لأحد. وللسبب نفسه، لن يتم منح أي إعفاء من القانون، لأي سبب كان، في ظل حكومة جيدة التنظيم. إن المواطنين أنفسهم الذين استحقوا الخير من أجل البلاد يجب أن يكافؤوا بالتكريم، وليس بالامتيازات أبدًا؛ لأن الجمهورية على وشك الخراب، بمجرد أن يظن أحد أنه من الجيد عدم الانصياع للقوانين. ولكن إذا تبنى النبلاء، أو الجيش، أو أي نظام آخر في الدولة، مثل هذا المبدأ، فسوف يضيع كل شيء دون موارد."10 لكن المرء عندما يعمل من اجل الصالح العام يتم استغلاله وظلمه كما كشف عن ذلك ماركس في كتاب راس المال بقوله: "فالعمل للوهلة الأولى هو فعل يجري بين الإنسان والطبيعة. فالإنسان نفسه يلعب دور القوة الطبيعية في مواجهة الطبيعة. القوى التي يتمتع بها جسده، الذراعين والساقين، والرأس واليدين، يتحرك من أجل استيعاب المواد من خلال إعطائها شكلاً مفيدًا للحياة. وفي نفس الوقت الذي يتصرف فيه من خلال هذه الحركة على الطبيعة الخارجية ويعدلها، فهو يعدل طبيعته ويطور الملكات الكامنة هناك. ولن نتوقف عند هذه الحالة البدائية من العمل حيث لم تجرد بعد من أسلوبها الغريزي البحت. نقطة انطلاقنا هي العمل بشكل خاص بالإنسان حصريًا. فالعنكبوت يقوم بعمليات تشبه عمليات الحائك، والنحلة ببنية خلاياها الشمعية تربك مهارة أكثر من مهندس معماري. لكن ما يميز أسوأ مهندس معماري عن النحل الأكثر خبرة هو أنه بنى الخلية في رأسه قبل أن يبنيها في الخلية. إن النتيجة التي يحققها العمل بشكل مثالي موجودة مسبقًا في مخيلة العامل. لا يعني ذلك أنه يؤدي فقط إلى تغيير شكل المواد الطبيعية؛ وفي نفس الوقت يدرك هدفه الذي يدركه." 11 وفي كتابه خطوط عريضة في نقد الاقتصاد السياسي يدعم موقفه بما يلي: "مما تتكون مصادرة العمل؟ أولا، في حقيقة أن العمل خارجي بالنسبة للعامل، أي أنه لا ينتمي إلى كيانه؛ وأن العامل في عمله لا يؤكد نفسه، بل ينكر نفسه؛ أنه لا يشعر بالرضا بل بالتعاسة. أنه لا يستخدم الطاقة الجسدية والفكرية المجانية، بل يُميت جسده ويفسد روحه. ولهذا السبب لا يشعر العامل إلا بأنه ملكه خارج العمل؛ في العمل يشعر بأنه خارج نفسه. فهو هو عندما لا يعمل، وعندما يعمل فهو ليس هو. عمله ليس طوعياً، بل قسرياً. العمل القسري ليس إشباع حاجة، بل هو مجرد وسيلة لإشباع احتياجات خارج العمل. تتجلى الطبيعة المغتربة للعمل بوضوح في حقيقة أنه بمجرد عدم وجود قيود مادية أو غيرها، يتجنب الناس العمل مثل الطاعون. العمل المغترب، العمل الذي يجرد فيه الإنسان نفسه، هو تضحية بالنفس، وإماتة. وأخيرًا، يشعر العامل بالطبيعة الخارجية للعمل من خلال حقيقة أنه ليس ملكًا خاصًا به، بل ملكًا لشخص آخر، وأنه لا ينتمي إليه، وأن العامل في العمل لا ينتمي إلى نفسه، بل إلى إلى نفس أخرى فنصل إذن إلى أن الإنسان العامل لا يملك إلا العفوية في وظائفه الحيوانية: الأكل والشرب والإنجاب، وربما في الموطن والزينة وغيرها. وأنه، في وظائفه الإنسانية، لم يعد يشعر بأي شيء سوى الحيوان: ما هو حيواني يصبح إنسانيًا، وما هو إنساني يصبح حيوانًيا." 12  بيد أن الفيلسوف الامريكي جان راولز في النصف الثاني من القرن العشرين وكتابه الذي نشره عام 1971 المعنون نظرية العدالة هو الذي صاغ مفهوم العدالة كإنصاف وعني به القسط في التبادل والتوزيع بقوله:" "إن عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية... على سبيل المثال، عدم المساواة في الثروة والسلطة، تكون عادلة فقط إذا كانت تنتج، على سبيل التعويض، مزايا للجميع، وعلى وجه الخصوص، لأفراد المجتمع الأكثر حرمانا... وليس هناك ظلم في الحقيقة أن يحصل عدد صغير على مزايا أعلى من المتوسط، بشرط تحسين وضع الأشخاص الأقل حظا."13

خاتمة

العدالة تشير قبل كل شيء إلى قيمة ومثال أخلاقي ومفهوم فلسفي. إنه معطى غريزي (الشعور بالظلم أو العدالة يفرض نفسه علينا) ومعقد (من المستحيل تحديد معايير العدالة بشكل تجريدي). الا أن العدالة بدون قوة تتناقض، لأن هناك دائما الأشرار. القوة بدون عدالة متهمة. ولذلك يجب علينا أن نجمع بين العدالة والقوة، ولكي نفعل ذلك يجب علينا أن نتأكد من أن ما هو عادل قوي أو أن ما هو قوي عادل. العدالة محل نزاع. فهل تكفي المقاربة القانونية الاجرائية لكي تصبح العدالة قيمة كونية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

المصادر والمراجع

1. PLATON, Le Gorgias: (selon Calliclès, interlocuteur critique de Socrate)

2. PLATON, Les Lois Livre IX

3. ALAIN, Propos d’un Normand

4. ALAIN, Propos d’un Normand

5. ARISTOTE, Ethique à Nicomaque

6. ARISTOTE, La Politique

7. Saint THOMAS D’AQUIN, Somme théologique (XIII siècle)

8 . Saint THOMAS D’AQUIN, Somme théologique (XIII siècle)

9. HUME David, Traité de la nature humaine (XVIII siècle)

10. Jean-Jacque ROUSSEAU, Discours sur l’économie politique

11 . Karl MARX, Le Capital

12. MARX, ébauche d’une critique de l’économie politique

13.RAWLS Jean, Théorie de la justice (XX siècle)

استمراراً لعرض القواعد الكلية في الفقه السياسي الاسلامي، والتي تناولنا منها أثنين في الحلقة السابقة، وستناول قواعد آخرى في هذا الجزء من الدراسة، ولكن قبل البدأ، نتناول بعض الشرح عن القواعد الكلية، وتبيان الهدف منها، وأن تطرقنا لها في الحلقات السابقة، لكن ما نطرحه في هذه الحلقة، هو أضافة أخرى في التوسع في شرح هذا المفهوم، وزيادة في معرفة القاريء له.

القاعدة الكلية في الفقه السياسي:  هو مبدأ يُستخدم لطرح الرؤية السياسية، كدليل توجيهي وأرشادي، يستعين بها الفاعل السياسي في صياغة رؤيته السياسية، سواء كان هذا الفاعل السياسي فرد أم حزب أم نظام سياسي، وهي (تعتبر الأطار الذي يجيب عن التسائلات الحرجة والملحة، ومن ثم يمكن من خلالها تحديد الأستراتيجيات المناسبة لمواجهة ذلك الواقع على وجه الدقة، وعلى مستوى التنفيذ كدليل معياري نحدد به مدى قربنا أو بعدنا من الممارسة السياسية الواعية) (قواعد في الممارسة السياسية ص17:  د.جاسم سلطان). فالقاعدة الكليه في المجال السياسي، هي أذن منظور توضح، وتحدد الرؤية للفاعل السياسي، وكلما كانت القواعد سليمة تكون نتائج العمل السياسي الذي يتخذ من القاعدة الكلية موجه له يكون سليم أيضاً، وعلى هذا الأساس تكون طبيعة الفلسفة السياسية تعتمد على طبيعة هذه القواعد، وتتلون بلونها، وعلى أساسها تتميز المدارس السياسية، وتختلف عن بعضها . كما من فوائد القواعد الكلية في المضمار السياسي أنها تمنح الفاعل السياسي الوضوح في الرؤية والأداء السياسي، وتجعله يبتعد عن الأرتجال في القرار السياسي، بأعتباره قرار خطير بسبب طبيعته الشمولية، فيشمل كل أفراد الشعب، ويؤثر على مصير بلد، بالأضافة الى ذلك فأن أستخدام الفاعل السياسي، وألتزامه بالقواعد الكلية يجعل من تصرفه ذو صفة شرعية وقانونية، مما يضفي على عمله نتائج مقبولة بحكم ألتزامه بحدود هذه القواعد، وعدم الخروج عنها، لأنها حدود متفق عليها في ظل نظام نال مقبولية العمل بمبادئه جماهيرياً .

القاعدة الثالثة من القواعد الكلية في الفقه السياسي الأسلامي هي:

3-  قاعدة الحرية:

الأصل في الأسلام الحرية إلا أذا جاء نص يحرم الفعل أو القول، وأن تقيدها يكون في حدود الصالح العام، والحرية في الأسلام تشمل الجميع، ولافرق بين مسلم وغير المسلم بحقوقه المدنية، فقد قال الرسول (ص) (من ظلم معاهداً أو أنقصه حقه فأنا خصمه يوم القيامة)، وقد نُقل عن عمر بن الخطاب كلمته المشهورة (متى أستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، ومن أنواع الحرية التي أقرها الأسلام، هي حرية العقيدة، والنص القرآني صريح في هذا (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر)(الكهف: 29)، وأن الأنسان هو المالك لنفسه، والمسؤول عن فعله، وقد وضح النص القرآني ذلك، حيث أشار الى حدود النبي في علاقته مع الأنسان بأن علاقته أرشادية وتوجيهية بعيداً عن الأجبار والسيطرة على أفكاره، ونوع عقيدته، وما يملك، والنص القرآني واضح في هذا الشأن (إنما أنت مُذكر لست عليهم بمسيطر)(الغاشية: 22) و(..وما جَعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل)(الأنعام: 107).

4-  قاعدة الشورى:  

وهي قاعدة كلية، حيث تمثل قاعدة مهمة للفاعل السياسي، تمنعه من الأرتجال في الأحكام والقرارات، مما تبعده عن حالة الأستئثار في الحكم، وتمنع عليه الأستبداد، وهي قاعدة مرنه تتيح للمنظر والفاعل السياسي مجارات التطور في تشكيل الأنظمة السياسية، وتستوعب كل تطور في أدوات العمل السياسي . فمثلاً يمكن تطبيق هذا المبدأ الكلي على طريقة أهل احل والعقد، وممكن أن تتمثل في النظام البرلماني، أو بأخذ الرأي من منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية الى آخره، فالشورى تمتلك من المرونة ما يجعلها تتماشى مع الكثير من الأنظمة ذات الطابع الغير شمولي بأعتباره مبدأ يقر المشاورة والمشاركة، ويسمح بكل الأشكال الفنية من طرق المشاورة التي يفرزها الزمن عبر مسيرته الطويلة .، وهنا يمكن أن نُشير الى نصوص تأسيسية في القرآن الكريم وبعضها جاء على لسان النبي والأئمة من آل بيته من بعده:

أ- (وأمرهم شورى بينهم)(الشورى: 38)

ب- (..وأستغفر لهم وشاورهم في الأمر..)(آل عمران: 159)

ج- (...فإن أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جُناح عليكم ...)(البقرة: 233)

ح- (ماخاب من أستخار، ولا ندم من أستشار)(حديث نبوي)

د- (أسترشدوا العاقل ترشدوا، ولاتعصوه فتندموا)(الدر المنثور، البحار)

ذ- من أراد أمراً فشاور فيه، أهتدى لأرشد الأمور)(الدر المثور)

ر- (من شاور الناس شاركهم عقولهم)(الأمام علي ع)

ز- (شاور ذوي العقول تأمن الزلل والندم)(الأمام علي : غرر الحكم)، وقد أكد الأمام علي على أستخدام هذا المبدأ في وصيته الى واليه على مصر مالك الأشتر، وأنه مبدأ في غاية الأهمية لمن يتولى قيادة الناس سياسياً، حيث جاء فيا (وأكثر مدارسة العلماء ومنافثة الحكماء، في تثبيت ماصلح عليه أمر بلادك ..)

5- قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

وهي من القواعد الكلية المهمة، وذلك لشموليتها، وسعتها في كثرة الموضوعات التي يمكن أن تغطيها، وتضم تحت جناحها العديد من المصاديق التي يمكن تطبيق القاعدة عليها،وهي قاعدة تستمد قوتها التأصيلية من القرآن (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر..)(ال عمران: 110)، كما قال تعالى (الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوباعندهم في التوراة والأنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر..)(الأعراف: 157)، بالأضافة الى قوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)(ال عمران: 104) والسنة النبوية تُشير كذلك لهذه القاعدة (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه،وذلك أضعف الإيمان)، ففي هذا الحديث الذي خرجت منه هذه القاعدة لو يُفَعَل سياسياً لتراه يقف بوجه كل دكتاتور، ومجابهة كل محتل للبلد، كما أنها ترتبط بشكل كبير بالواقع العملي، وتدخل في صلب العمل السياسي والأجتماعي، فهي قاعدة تروم في التصدي للظلم، ومكافحة التعدي سواء كان سياسي أم أجتماعي، وهي مبدأ يوجه لأستباب الأمن والسلام، وأقامة واقع يتسم بالأصلاح والعدل، وهي من القواعد المهمة والمركزية في المشروع الفكري المعتزلي، مبدأ يوجه بأتجاه دفع الضرر عن كل ما يمس الحياة العامة والخاصة للفرد والمجتمع، كما يحمل الجميع المسؤولية للقيام بمسؤولياتهم أمام أي حالة أنحراف سياسي وأجتماعي، وخلاصة القول أنه قاعدة كلية تسند كل ماهو أيجابي، وتقاوم كل ما هو سلبي .

6- قاعدة العدالة:

وهي من القواعد التي قام عليها الأسلام، وتمثل أصل من أصول الدين، والركن المتين في الأسلام، وهي الدليل في المدارات الأجتماعية والقضائية والأخلاقية والسياسية، والعدل من أولى واجبات الحاكم في الأسلام، والحامي له والحريص على سريانه في المنظومة السياسية التي يقودها، ولاشك فهي قاعدة لها تأصيلها بالكتاب كقوله

(وأذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..)(النساء: 58) و(لقد أرسلنا رُسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط)(الحديد: 25)، و(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآىءِ ذي القربى)(النحل: 90)، كما في الآية (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين)(النساء: 135). أما في الحديث النبوي فقد جاءت كثيراً ومنها (أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) و (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل الا ظله:  إمام عادل...) و(من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جَوره فله الجنة..)، وكذلك يقول (ص) (ساعة أمام عادل أفضل من عبادة سبعين سنة)(وسائل الشيعة: ج28) وفي كلام لعلي بن أبي طالب ع (ومن ضاق عليه العدل،فالجور عليه أضيق)(نهج البلاغة:  الخطبة15) يتضح مما سقناه من نصوص قرآنيه وحديثية بأن مبدأ العدل هو مبدأ أساسي، وأنه الأس في النهج السياسي للفلسفة السياسية في الأسلام، وأنه من الأحكام العقلية، لذا فالسياسة والحكم في الأسلام لا مشروعية لهم بدون توفر العدالة، فهي معيار لشرعية السياسة، ودليل ومرشد لها. لذا نرى أن أقامة العدل أمر وجوبي وهو ما دعى علي بن أبي طالب (ع) بقبول الخلافة بعد عثمان بن عفان، حيث قال (لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقارَّوا على كظة ظالم ولاسغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها)(نهج البلاغة: خطبة 3)، فالعدالة هي المحرك والدافع لكل الثورات التي مرت على الأنسانية عبر الزمن، وأمل كل المجتمعات، وشعار كل الأنظمة السياسية التي تنادي لنصرة الأنسان. يتبع. يتبع

***

أياد الزهيري

 

قبل كل شئ لا بد من الاشارة أن القران يتكون من (114 سورة) موزعة كالاتي:

- السور المكية (التي قيلت في المكة وهي على جزأين –

51 سورة قبل الهجرة، و35 سورة بعد الهجرة)

السور المدنية (التي قيلت في المدينة ـ يثرب) 28 سورة.

وهناك خلاف في ذلك حيث 82 سورة مكية و20 مدنية متفق عليها والباقي 12 سورة غير متفق عليها.

وكذلك هناك خلاف في عدد الايات فالترقيم الاولي كان 6000 آية ولكن الترقيم المكي عدها 6219 آية والترقيم الكوفي 6236 آية والترقيم العثماني أعتبرها 6344 آية وهناك ترقيمات أخرى مقاربة كالترقيم البصري والشامي والألماني.

هناك العديد من الايات ورد ذكر المسيح فيها سواء بصورة مباشرة او غير مباشر، حيث هناك ما لا يقل عن 93 آية تناولت شخصية المسيح، وهي موزعة بين الايات المكية والمدنية.

ومن الملاحظ عن هذه الايات ان الايات المكية (وخصوصاً قبل الهجرة) هي الأكثر تعاطفا وانسجاما مع الانجيل مما عليه مع الايات المدنية التي تبدوا انها تتعارض في أغلبها مع ما جاء في الانجيل وخصوصا في موضوع الألوهية مما دفع بالبعض من شيوخ المسلمين ان يتهموا المسيحيين بالشرك في الله. فعلى سبيل المثال كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية وجميع الآيات التي فيها ذكر (إذن بالجهاد، وبيان لأحكام الجهاد) هي مدنية وكل آية فيها ذكر المنافقين فهي مدنية وهكذا.

لذا لا بد لنا أن نتساءل عن سبب ذلك، ومن أجل الوقوف على حقيقة ذلك لا بد لنا من دراسة الأرضية التي ولد فيها القران، لنتمكن من فهم الموضوع، لأن المشكلة عند الكثير من المسلمين أنهم يحفظون القران حفظا كونه حسب اعتقادهم منزل غير قابل للدراسة والنقاش لذا لا يعطون للارضية اهتماماً.

إلا أن دارسوا القرآن بحيادية يقولون جزء كبير من القرآن اعتمد على نصوص ومصادر يهودية ومسيحية، وخاصة المنتحلة منها، ولكن المصادر اليهودية تزيد بكثير عن المصادر المسيحية فضلا عن كتب أخرى حيكت حول أحكام وشخصيات وأحداث وأساطير نجدها في العهدين القديم والجديد وأيضا في القرآن. ومن أبرز اليهود الذبن اعتمد عليهم في المرويات الاسلامية هم:

كعب بن احبار 2- واهب بن منبه 3- عبد الله بن سلام

وإن أردنا أن نكون منصفين لقلنا إن الثقافة اليهودية والمسيحية والإسلامية مرتبطة بصورة وثيقة بالثقافات الدينية الشرقية التي سبقتها مثل الفرعونية والزردشتية والبابلية والأشورية والسومرية والمندائية والمانوية، ناهيك عن المعتقدات والطقوس الوثنية التي كان يتبعها العرب قبل الإسلام، نذكر منها على سبيل المثال طقس الحج والطواف حول الكعبة.

فلا بد من معرفة كل تلك الروافد الشرقية حتى نفهم القرآن، بعيدين عن الهواجس الدينية والتطرف والمغالاة.

وعلى هذا الأساس يمكن القول ان القرآن وكما هو في الانجيل والعهد القديم يحوي على خليط من المعتقدات التي سبقته وهذه الكتب تحاول اصلاح المجتمع بموجب ما يراه صاحبها، وكان محقاً الشيخ أحمد القبانجي، (وهو شيخ شيعي عراقي ينتمي إلى مدرسة العرفاء) حيث قال القرآن يعكس ثقافة النبي محمد، والنبي كان يجلس مع اليهود والنصارى وهو حتمًا سمع قصص الأنبياء لذا ووفقاً لكلام الشيخ أحمد القبانجي، فإن القرآن هو نتاج ما سمعه الرسول محمد.

واستناداً الى طبيعة القرآن حصل جدال بين المدارس الاسلامية الفقهية إن كان القرآن مخلوق أو منزل، حيث ذهب البعض منهم كونه مخلوق من بينهم الحلاج وآخرون ويقال ذهب ضحية هذا الفكر ما لا يقل عن الف مجتهد تم قتلهم. وذهب بالبعض الاخر من بينهم المفكر السوداني محمود محمد طه – والذي كان أحد أساتذة الازهر والذي بنى فكرته في إصلاح المجتمع الإسلامي وإخراجه من جدل تقسيم القرآن إلى قسم مكي وقسم مدني، مطالبًا بالرجوع لقرآن وإسلام مكة المسالم وترك قرآن وإسلام المدينة العنيف الذي يخالف حقوق الإنسان كما في كتابه الشهير: (الرسالة الثانية من الإسلام). إلا ان دعوته هذه لاقت رفضًا تامًا من قِبَل الأزهر والهيئات الدينية الإسلامية الأخرى فحكمت عليه السلطات القضائية السودانية بشنقه في 1985.

وبطبيعة الحال، يرفض رجال الدين من المسلمين عامةً القول بأن القرآن ليس كلام لله ومنهم من اتهم احمد القبانجي بالزندقة.

الحالة الاجتماعية في الجزيرة العربية

كان العرب في الجزيرة يعيشون نوعين من الحياة وهي:

1- الحضر المتمثلة في المدن

2- البدو الرحل

وكانت القبائل العربية المنتشرة في شبه الجزيرة تشكل مجموعتين متنافستين وهما:

عرب الجنوب ـ- اليمنيون - ينتمون الى قحطان

عرب الشمال ـ- النزاريون - ينتمون الى اسماعيل

ثم تفرعوا الى عدة مجموعات من بينهم العدنانيون

الحالة السياسية في الجزيرة

كانت الجزيرة العربية تحيطها ثلاث امبراطوريات تحكم المنطقة وهي:

البيزنطية: التي كانت تسيطر على القسم الشمالي من الشرق، وكانت ديانتهم مسيحية كاثوليكية.

الفارسية: كانت تسيطر في الشرق وكانت تدين بالزرادشتية

الحبشية: في الجنوب وكانت تدين بالمسيحية الارثودكسية.

والصراع الدائر في المنطقة كان على الاغلب بين البيزنطيين والفرس، وكانت شبه الجزيرة العربية بعيدة عن هذه الصراعات عكس بلاد النهرين.

الحالة الدينية في الجزيرة

كانت تهيمن على الجزيرة اشكال متنوعة من الوثنية الشرقية المرتكزة على عبادة الشمس والقمر والكواكب، ثم تطورت الى عبادة القوى الخفية المتمثلة بالحجارة التي ترمز الى آلهتِها، وأصبح الحجر الأسود كعلامة للحفاظ على الوحدة بين القبائل المختلفة وشعورهم بالانتماء الى عرق مشترك. فضلا عن المسيحية واليهودية.

في البداية حاول اليهود ان يقضوا على الوثنية والمسيحية في الجزيرة من خلال جاليات يهودية نشطة انتشرت في خيبر وتيماء واليمن ونجران. الا انهم عجزوا عن ذلك مما دفههم للاعتماد على المسلمين لتحقيق مآربهم لذا في البداية احتظنوا المسلمين ودعموهم.

المراكز المهمة في الجزيرة

كانت في الجزيرة العديد من المراكز المهمة وهي:

اليمن: كانت ديانة اهل اليمن يهودية في البداية وكان أميرها من المتعصبين إلا أن المسيحية دخلت اليمن في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع. البعض يعتقد انها جاءت من الحبشة وآخرون يعتقدون أنها جاءت من سوريا وبلاد النهرين إلا أنها لم تصبح قط كنيسة منتظمة تشمل جميع القبائل العربية. واللغة السائدة في الكنيسة اليمنية يقال كانت السريانية.

بعد ذلك احتل الفرس اليمن مما ادى الى تغلغل الفكر النسطوري فيها.

نجران: كانت تدين بالمسيحية ومن اتباع الفكر النسطوري، دخلت المسيحية اليها من بلاد النهرين وبلاد فارس. بعد ذلك زحف اليها مسيحيوا المناطق البيزنطية أي المونوفيزيين (الجماعة التي كانت تؤمن بالطبيعة الواحدة للمسيح)، نتيجة للاضطهاد الذي شنه الامبراطور يوستينس الاول (518-527) ويوستنيانس (527-565) فاصبحت المونوفيزية هو المذهب السائد في نجران، الا ان المسيحية تعرضت الى اضطهاد من قبل والي اليمن ذو نواس (ملك الحميريين) اليهودي ويقال انه قتل 20000 مسيحي من مسيحيوا اليمن ونجران، وجاء ذكرهم في الاية 85/4 من سورة البروج باسم اصحاب الاخدود كما تقول الاية:

(قتل اصحاب الاخدود)

وكانت نجران جالية يهودية نشطة.

الحجاز: كانت اغلب مناطق حجاز مسيحية وقد حضر اسقفها مجمع نيقيه عام 325م ومن مدنها:

ايلة (عقبة)، دومة الجندل، وادي القرى، تيماء، تبوك، عمان، قطر، جزيرة البحرين، كويت، حضرموت (دخلتها المسيحية قبل الاسلام).

يثرب (المدينة): كانت شبه مستعمرة يهودية (رغم ورود في تقويم قديم للكنيسة الشرقية، انهم أقاموا في يثرب مطرانا وكان لهم ثلاث كنائس)، كما فرضوا سيطرتهم على خيبر وفدك.

المكة: كانت تحكمها قريش، وكانت مركزا تجاريا مهما، حيث كانت تتعايش جماعات عرقية ودينية مختلفة في المكة، أهمها العرب الوثنيون، والذين يذكرهم القرآن باسم المشركين أو الكفار، والأحناف. فيها الكعبة القريبة من بئر زمزم، وكانت تنتعش كحركة اقتصادية من القرن الثاني قبل الميلاد. ثم اصبحت مركزا دينيا مهما للبلاد العربية قبل وبعد الاسلام. وفي القرن السادس اصبحت الكعبة زاخرة بالاصنام، كل قبيلة وضعت فيها آلهتها.

والالهة الكبرى في الكعبة هي:

1- اللات - الشمس 2- العُزى - نجمة الصبح، 3- افروديت (مَناة - ابنة اللات، الهة السعادة)

حيث ورد ذكرهم في سورة النجم 53 (افرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى).

بعد ذلك تطورت الفكرة فاصبح هناك اله واحد يجمع هذه الالهة وهو الاله (هبل) الذي أبقاه الرسول محمد في حينه، وان عبارة (لا اله إلا الله) جاءت من فكرة سيطرة الاله الأوحد الذي كان هبل في البداية ومن ثم سيطرة إلاه ابراهيم على الالهة الحجرية الموجودة في الكعبة.

وكان هناك ايضا أتباع الديانة اليهودية، وطوائف مسيحية منها من كان يؤمن بألوهية المسيح كأهل نجران، أو من كان يرى فيه نبيًا بشريًا مثل الطائفة التي مثلها القس ورقة بن نوفل، وخديجة التي تزوجها محمد على مذهبهم، وسماهم القرآن جميعهم بـ (النصارى).

ووفقا للمصادر الإسلامية، ولد الرسول محمد حوالي سنة 570 في مكة (المذكورة في القرآن باسم أم القرى)، وهي مدينة تجارية في شبه الجزيرة العربية وفي حوالي عام 610، بدأ بتلقي رسالته من الملاك جبريل كما تذهب المصادر الاسلامية، وهي الظاهرة التي سميت بنزول الوحي. وأمام اضطهاد أهل قبيلته ومدينته بسبب مواقفه الدينية المتشددة، هاجر عام 622 مع بعض رفاقه إلى يثرب، مدينة خواله بني النجار من الخزرج، والتي أصبحت تدعى المدينة. وكانت هذه بداية التقويم الهجري الموافق سنة 622 الذي يقابل أول يوم من شهر محرم.

وقد عاد محمد إلى مكة عام 630 على رأس جيش ففتحها وأخضعها لسلطته. وتوفي في المدينة عام 632.

وكانت هناك منافسة شديدة بين المكة والمدينة، فبالرغم من ان أهل مكة هم عدنانيون وأهل مدينة هم قحطانيون، كان غالبية أهل مدينة يهود والمكة مزيج من الوثنيين والمسيحيين، مما دفع أهل المدينة لمساعدة الرسول محمد من أجل القضاء على مكة وأصنامها.

وكان للمسيحيين في مكة دور هام تجاه طبقات المجتمع القريشي كلها، ولكنهم لم يكونوا منتظمين، ولم يكن لهم مؤسسات فاعلة خاصة بهم فكانوا ينتمون الى أصول عديدة منتشرين بين جميع الطبقات القريشية، (أحباش، اقباط، تجار من نجران، ورعايا من الحيرة والمناذرة والغساسنة وأنباط سوريا، فضلا عن جماعة من علية القوم الذين اعتنقوا المسيحية امثال عثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل) هؤلاء جاءوا من مختلف الاماكن، يمارسون عدة مهن، الا انهم لا يملكون مؤسسة كنسية او سياسية تنظم امورهم الدينية ـ عكس اليهود.

وكانت المسيحية كما يقول الاب الحداد الرومي في كتابه القرآن والكتاب ص988-989 (كانت المسيحية في مكة هي المونوفيزية السائدة في اليمن والحبشة وفي دولة الغساسنة وفي مشارف الشام كلها).

فكانوا يمتزجون بالعرب الوثنيين في مكة حول الكعبة، كانوا يجتمعون عند الكعبة اسوة بالآخرين، الى حد كان بعض الشعراء المسيحيين من امثال عدي بن يزيد والاعشى، يقسمون أمام الحجر الاسود في آن واحد كقولهم (برب الكعبة والصليب). كان الجميع حتى اليهود يكرمون الحجر الاسود (اليهود يرجعونه الى جدهم ابراهيم الخليل). الا ان الرسول محمد بعد ذلك منع لغير المسلمين دخول الكعبة. ومن الجدير بالذكر بأن محمد كسر جميع الأصنام باستثناء الحجر الاسود.

وكان المسيحيون في الكثير من الاحيان يتجادلون فيما بينهم (أصحاب المذهب النسطوري ضد المونوفيزي، الملكيون ضد أتباع أفسس وخلقدونية، بالاضافة الى شيع يهودية مسيحية).

فقد أدت النزاعات والجدالات القائمة بين أصحاب هذه المذاهب المسيحية وعدم وجود رئاسة دينية موحدة قادرة على سبك العرب في الجزيرة في قالب مؤسسات كنسية واجتماعية منتظمة الى جعل المسيحية في حالة ضعف وعجز. والمشكلة الاخرى هي ان العقلية العربية لم تكن مهيئة وقادرة لاستيعاب هذه الجدالات المعقدة حول طبيعة المسيح.

بمعنى اخر ان المسيحية لم تستطع ان ترسخ بعمق في نفوس عرب الجزيرة فكانت مسيحيتهم سطحية وضحلة.

والحاقا لما قاله الاب حداد الرومي وما يؤكده الاب البير أبونا كان من بين الذين جاءوا الى الجزيرة اصحاب النظريات المتطرفة والمرفوضة من قبل رؤساء الكنيسة والمؤمنين مما حذا بمسؤولي الكنيسة، سواء اكانوا من اتباع نسطورس او قورلس ومن الذين يسكنون بلاد الرافدين او بزنطية، بنفيهم الى خارج ديارهم فكانوا على الاغلب يقصدون شبه الجزيرة، لذا انتشرت في الجزيرة بدع باسم المسيحية وهي مرفوضة ضمن تعاليم الكنيسة من بينها البدعة القائلة (الله، مريم، المسيح) هم الثالوث المقدس بدلا من (الاب والابن والروح القدس) وبدعة اخرى تقول (ان مريم العذراء هي إلاهة وان الله اتخذ منها صاحبة فانجبا المسيح) وهذه البدعة ترفضها جميع الكنائس الشرقية والغربية والاسلام وبدعة الغنوسيون الذين انكروا فكرة التجسد بالمعنى المتداول بين المسيحيين.

فتقول الاية المدنية 73 من سورة المائدة:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

جاء ذكر اصحاب هذه البدع ضمن كتابات احمد المقريزي في كتابه (القول الابريزي ص26) وابن حزم في كتابه (الملل والاهواء والنحل ص48)، واصحاب هذه البدع كانوا في السابق وثنيين فعوضوا بآلهة الزهرة بمريم، فجاءت الاية 116-118 من سورة المائدة (مدنية) كرد فعل لذلك:

﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

نقاط الخلاف والتقارب بين الانجيل والقرآن

اولا:التقارب

الولادة:

تقول الاية 91 من سورة الانبياء (مكية):

(ومريم ابنة عمران التي احضنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القائلين)

وهناك عدة تفاسير في عملية النفخ منهم من قال (ان النفخ كان من الله) واخرون قالوا (النافخ هو جبريل) إلا ان الطرفين أجتمعا على ان النفخ كان في عيسى، لان عيسى كان في بطن امه.كما تقول الاية 45 في سورة ال عمران:

﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾

وهذا ما تؤكده الاية 19-20 من سورة مريم (مكية) بقولها:

(إنما انا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا، قالت أنى يكون لي غلام ولم أكن بغيا، قال كذلك قال ربك هو على حين ولنجعله اية للناس ورحمة منا وكان امرا مقضيا).

وقال المفسرون عن:

الزكي: الطاهر من الذنوب، أي النزاهة والطهارة

اية للناس ورحمة: بمعنى ولد من غير ذكر

وهذا يتفق مع الانجيل من حيث النفخ أي حلت روح القدس على مريم وهذا ما يؤكده الحوار الدائر بين مريم والملاك جبرائيل.

كما ان الاية 171 من سورة النساء (مدنية) تؤكد كون المسيح مؤيدا بالروح القدس حيث تقول الاية:

(المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته القاها الى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله..)

لروح القدس عدة تفسيرات عند علماء الاسلام نكتفي بتفسير ابن العباس ربما هو الاصح والاقرب الى مفهوم الانجيل، حيث يقول:

انه الروح الذي نفخ فيه، والقدس هو الله، فهو اذن روح الله

رفعه عند وفاته

تقول الاية 55 من سورة ال عمران (مدنية):

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

هذا يعني ان المسيح قام وصعد الى عند الله بعد الوفاة مثلما يذهب الانجيل.

المعجزات

تقول الاية 110 – 111 من سورة المائدة (مدنية):

﴿اذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾

كذلك ان القرآن يتفق مع ما ذهب اليه الانجيل من قدرة المسيح على احياء الموتى وشفاء الاكمة والابرص و.. فجاءت الاية 48- 49 من سورة ال عمران (مدنية) تأكيدا على ذلك، فتقول الاية:

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

الا ان القرآن يذهب الى ابعد من ذلك من حيث قدرة المسيح على النطق عند الولادة كما في الاية 29-30 من سورة مريم (مكية):

(فاشارت اليه قالوا كيف تكلم من كان في المهد صبيا، قال اني عبد الله اعطاني الكتاب وجعلني نبيا)

وكذلك من حيث العلم بالغيب كما تقول الاية 49 من سورة ال عمران (مدنية):

(وانبئكم بما تاكلون وما تدخرون في بيوتكم)

هاتين الايتين تؤكدان نبوءة المسيح

التكثير

يتفق الانجيل والقرآن على قدرة المسيح على تكثير الخبز عندما قال الحواريون للمسيح ان ينزل عليهم مائدة من السماء فجاءت الاية 112-113 من سورة المائدة (مدنية):

﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾

وكذلك الاية 253 من سورة البقرة (مدنية) تؤكد كون المسيح مؤيدا بالروح القدس فضلا عن قيامه بالعجائب. تقول الاية:

(واتينا عيسى بن مريم البينات وايدناه بروح القدس)

وهذه الآية لها علاقة بما كان يدور من نقاش بين الفرق المسيحية ان كانت مريم أم المسيح أم أم الله.

ثانيا: نقاط الخلاف

البنوة: رغم ان القران يتفق مع الانجيل كون المسيح هو روح الله وكلمته حلت على مريم فولد المسيح، ويذهب المسيحيون على ان المسيح هو ابن الله من حيث الروح، اعني الروح القدس الا ان بعض البدع التي ظهرت في الجزيرة شوهت الصورة وكأن المسيحية تريد ان تقول ابن الله جسديا في الوقت الذي يؤكد الانجيل على ان الله واحد لم يلد ولم يولد.. فجاءت بعض الايات معارضة لهذه البدع لا الانجيل.

قبل كل شئ علينا ان نعي ليس في عبارة (ابن الله) أي تضمين جسدي على الاطلاق في المسيحية، فلا اشارة الى ان الله اتخذ زوجة، واولد منها ابنا، هذه العبارة (ابن الله جسديا) جاءت لدى اصحاب بعض البدع، فرفضتها المسيحية رفضا قاطعا، لان المسيحية تؤمن من خلال الانجيل ورسائل الرسل وتعاليمهم، ان الله واحد، هو روح لا جسد له، لم يلد ولم يولد، فعبارة ابن في المسيحية لا تشير الى علاقة جسدية بل روحية، وهي تشير مع مفهوم الكلمة بخط متواز (في البدء كان الكلمة..) علينا أن نفهم شخصية المسيح كونه الانسان المولود من إمراة وفي الوقت ذاته كونه ابن الله روحيا أي من خلال الروح القدس، لانه من الله، كلمة الله وروحه المولود بقوة روح القدس وهذا لا خلاف فيه بين المسيحية والاسلام.

فالاية 35 من سورة مريم (مكية):

(ما كان لله ان يتخذ من ولد سبحانه اذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون)

وكذلك الاية 101 من سورة الانعام (مكية):

(انى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة)

جاءت معارضة لهذه البدع لا للمسيحية. لان القرآن يقر بان المسيح هو كلمة الله وهو روح منه، الا ان هذه الايات وغيرها تعاملت مع البنوة على اساس مادي. فعلى سبيل المثال ان البيضاني يفسر الاية 101 من سورة الانعام (مكية) بقوله:

(ان المعقول من الولد هو ما يتولد من ذكر وانثى متجانسين والله تعالى منزه من التجانس.)

من المؤكد ان البدعة القائلة ان مريم العذراء الهة، وان الله اتخذ منها صاحبة وغيرها من البدع كانت السبب في ظهور هذه الاية. وكذلك الاية 75 من سورة المائدة:

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.

لاهوت المسيح:

ايضا يختلف القرآن والانجيل في مفهوم لاهوت المسيح، حيث يؤمن المسيحيون بالوهية المسيح كونه روح الله وكلمته كما يتفق الانجيل والقرآن بذلك، الا ان القرآن في بعض اياته كالتي سنذكرها يتعامل مع الموضوع من كون المسيح انسان والله روح. فتقول الاية 72 من سورة المائدة (مدنية) ما نصه:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾

رغم ان الانجيل يؤكد وعلى لسان المسيح كل ما يفعله هي من ارادة الله.

وكذلك الاية 73 من سورة المائدة (مدنية) تقول:

(لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله إلا واحد وان لم ينتهوا عما يقولون ليمس الذين كفروا منهم عذاب أليم)

وكذلك في الاية 116 من سورة المائدة (مدنية):

(وقال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس إتخذوني وامي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما نفسي ولا اعلم ما في نفسك إنك انت علام الغيوب)

وكذلك في الاية 171 من سورة النساء (مدنية):

(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته القاها الى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسوله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله اله واحد)

من المؤكد ان هذه الايات جاءت مصححة ومعارضة لاهل البدع الذين رفضتهم الكنيسة فالتجأوا الى الجزيرة كي يبشروا بمعتقداتهم فرفضتهم الاسلام واليهودية.

ناسوت المسيح:

ان كانت المسيحية نفسها وبعد عدة قرون من التنظيم والتبشير قد دخلت دوامة الجدالات فيما يخص ناسوت المسيح الذي كان في مقدمة الاسباب للانشقاق فكيف في شبه الجزيرة (مكة والمدينة) وحيث المسيحية غير منضمة وبلا مؤسسات ومدارس والبدع منتشرة هنا وهناك، فجاءت الايات لمحاربة هذه البدع اولا ومفهوم الاقنوم وشخص المسيح ان كان قد ولد انسانا وتأله بعد مماته وانبعاثه او منذ ولادته وهذا كان من بين الجدالات التي شهدتها المجامع الكنيسة والتي أدت بهم الى الانشقاق فضلا عن المفهوم اليهودي للمسيح.

فالاية 30-34 من سورة مريم (مكية) تقول:

(اني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا اينما كنت واوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا).

أي ان المسيح ولد انسانا نبيا متواضعا مباركا ولم يكن انسانا شقيا كما صوره حديثا نيتشه وبرنادشو وغيرهم من فلاسفة القرن العشرين بانه كريندايزر. وان عبارة عبدي التي وردت في الاية هي نفسها التي ترد في لغة الانبياء كاشعيا مثلا (هوذا عبدي يعقل يتعال ويرتقى ـ اشعيا 52-53). وفي لقاء اهل نجران بمحمد جاء في الحديث على ان المسيح هو عبد الله فقالوا له هل يستطيع العبد ان يفعل العجائب؟

وكذا الحال في الاية 59 من سورة ال عمران (مدنية) حيث تقول الاية:

(ان مثل عيسى عند الله كمثل ادم خلقه من تراب ثم قال كن فيكون).

هذا يعني ان النص تعامل مع المسيح كانسان من لحم ودم مجرد من هذه النفحة التي جاءت في الايات التي ذكرناها سابقا من ان المسيح هو روح الله وكلمته ولم يرد اسم ادم بهذه الآيات لذا، فالمسيح لا يمكن ان يكون مثل آدم.

الفلسفة الاسلامية تعتمد على برهان الطعام ـ طالما ان المسيح يأكل ويشرب هذا يعني انه ليس اله ـ وكذلك على برهان المنفعة والضرر ـ طالما ان المسيح لا يستطيع ايقاع الضرر بمن كانوا يعادونه (اليهود مثلا) او ايصال النفع لمن كانوا يحبونه اذن هو ليس اله ـ كما جاء في الاية 76 من سورة المائدة (مدنية):

(قل اتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضررا ولا نفعا والله هو السميع العليم).

وهكذا في الاية 57 من سورة المائدة:

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾

متناسين ان مفهوم المسيح والمسيحية يعتمد على نظرية العطاء والحب، الله محبة، من احبني احب الله، من لطمك على خدك الايمن فدر له الايسر، كلما اجتمع اثنان كنت ثالثهم..

الصلب:

يعارض الاسلام مفهوم الصلب عند المسيحيين من خلال الاية 157 من سورة النساء (مدنية):

(وقولهم أنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الضن وما قتلوه يقينا)

وياتي تفسير الجلالين للاية:

وكان اليهود هم الذين زعموا بذلك (إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) قال تعالى تكذيبا لهم في قتله (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) المقتول والمصلوب وهو صاحبهم بعيسى، أي ألقى الله عليه شبهه فظنوه إياه (وإن الذين اختلفوا فيه) أي في عيسى (لفي شك منه) من قتله حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول الوجه وجه عيسى والجسد ليس بجسده فليس به وقال آخرون بل هو هو (ما لهم به) بقتله (من علم إلا اتباع الظن) استثناء منقطع، أي يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه (وما قتلوه يقينا) حال مؤكدة لنفي القتل.

وقوله في الاية 155-158 من سورة النساء:

﴿بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

الاية جاءت انسجاما مع ما ذهب اليه بدعة الغنوسيين الذين انكروا[6] فكرة التجسد بالمعنى المتداول بين جمهرة المسيحيين. فهؤلاء اقروا لاهوت المسيح ولم يعترفوا بناسوته. وقد قالوا ان المسيح ظهر في هيئة انسان، دون ان تكون له حقيقة جسد الانسان. وانه لم يولد، ولم يتألم، ولم يمت بالحقيقة. لان جسده كان طيفا او خيالا، تراءى. قال فريق منهم ان جسد المسيح لم يكن ماديا كباقي اجساد الناس، ولكنه كان من جوهر خاص سماوي.

خلاصة القول:

ان الاختلاف الحاصل بين مفسري الانجيل والقرآن في فكرة الثالوث جاء كنتيجة للجدالات الحاصلة بين اصحاب المذاهب الكنسية في تفسير بعض المفاهيم اليونانية الاصل كالاقنوم والشخص والمفاهيم الاخرى فضلا عن قصر لدى المفسرين من الاسلام، الا ان هذه الفكرة صححت لدى بعض المعاصرين من فلاسفة الاسلام، حيث اتفقوا على ان عقيدة الثالوث لا تتعارض مع فكرة التوحيد، فليست الصيغة (الاب والابن والروح القدس) عبارة عددية بل انها تشير الى شكل وجود الله، فالله واحد بفكره الخلاق وكلمته المنطوقة وروحه الفعال. فليس باستطاعتنا فصل الله عن كلمته أو ابنه (المسيح) وروحه (روح القدس)[7].

***

نزار حنا الديراني – ملبورن - أستراليا

....................

المصادر

1- شخصية المسيح في الانجيل والقرآن، عبد الفادي، دار الهداية.

2- الانجيل ـ قراءة شرقية / اعداد نخبة من المختصين، دار الجيل ـ بيروت 2004

3- تاريخ الكنيسة الشرقية / البير ابونا

4- محاضرات في الدورة اللاهوتية

5- القطر البحري / بنيامين حداد، منشورات مركز جبرائيل دنبو 2006

[6] شخصية المسيح في الانجيل والقرآن / عبد الفادي ص42

[7] الانجيل ـ قراءة صوفية / اعداد نخبة من المختصين / دار الجيل ـ بيروت 2004

 

أولا:  مصير الطفل بين قوة النسب وعقيدته الدينية

إن الإسلام لا يسلب الطفل نسبته النسلية الأسرية بسبب اعتبار نسبته الروحية أو الدينية، وإنما يبقى الحق للوالد في ولده رغم أنه غير مسلم والتقط في بلد الإسلام، طالما أنه قد ثبتت لديه هذه النسبة بالبينة المعتبرة شرعا، ولم يكن التأثير للنسب الروحي والعقدي إلا في مرحلة يكون الطفل قد بلغ فيها سن التمييز وحدد موقفه من الدين إيجابا أو سلبا، فحينئذ قد يحكم له بنسبته إلى أبيه رغم كفره .

لكنه من حيث النسب الديني يعتبر حسب تصريحه بنوع عقيدته عند مرحلة التمييز والإفصاح، كما يقول الإمام مالك في المسلم يلتقط اللقيط فيدعي الذمي أنه ابنه: "قلت أرأيت اللقيط من أقام عليه بينة أيقضي له بهن وإن كان في يدي مسلم فأقام ذمي البينة من المسلمين أنه ابنه أتقضي به لهذا الذمي وتجعله نصرانيا في قول مالك؟قال: قال مالك في اللقيط يدعيه رجل أن ذلك لا يقبل منه إلا ببينة أو يكون رجل قد عرف أنه لا يعيش له فيزعم أنه فعله لذلك، قال ابن القاسم: فإن من الناس من فعل ذلك، فإذا عرف ذلك منه رأيت القول قوله وإن لم يعرف ذلك منه لم يلحق به، فإذا أقام البينة عدولا من المسلمين فهذا أحرى أن يلحق به نصرانيا كان أو غيره .

قلت: فما يكون الولد إذا قضيت به للنصراني وألحقته به مسلما أم نصرانيا ؟قال: إن كان قد عقل الإسلام وأسلم في يد المسلم فهو مسلم...وإن كان لم يعقل الإسلام قضى به لأبيه وكان على دينه"1.

إذن فهناك مسألتان متكاملتان ومنفصلتان في آن واحد ألا وهما النسب الأسري والنسب الديني، فالنسب الأسري المحض لا يؤدي إلى النسب الديني ابتداء إلا إذا كان مبنيا على أسس شرعية إسلامية إذ"كل مولود يولد على الفطرة"وحيث إن الإسلام دين الفطرة فالمولود يكون عليه أصلا وتبعا.

أما إذا كان النسب الأسري غير مبني على الإسلام فإنه لا يعطي النسب الديني حكما ظاهريا مادام الطفل لم يعبر عن نفسه، وما دام تحت ولاية أبويه الكافرين سواء كانا ممن يعتبرون أهل الكتاب أو غيرهم من الملحدين والمشركين، لأن النسب الأسري حينئذ يكون هو الحاكم على وضعية الطفل في كلا المسألتين وهما: النسب النسْلي والنسب الديني أو الروحي، ومن هنا فلم يكن الإسلام أبدا سالبا للنسب بسبب الانتماء الديني وإنما يحفظه بحسب الارتباط الغريزي للفرع بأصله .

لكن حينما يعبر الطفل عن إسلامه يحكم له بنسبه الديني مع الإبقاء على نسبه النسلي والأسري الغريزي رغم مخالفته لعقيدته . وليس الشأن كما هو في الزواج، أي أن اختلاف الدين أو العقيدة يفرقه أو يفسخه إذا كان أحد الزوجين مسلما والآخر كافرا وخاصة الزوج فيما سبق وقسمنا فقها.

فهذه المسألة قد تجرنا إلى البحث عن مصير أبناء المشركين من حيث الحكم ومن حيث موقعهم في العالم الأخروي وهل هم من أهل السعادة أم من أهل الشقاء؟ بحيث قد يغلب على الحكم أنهم من أهل السعادة رغم كفر آبائهم وأمهاتهم إذا توفوا في مرحلة ما قبل التمييز أو التكليف، وذلك من خلال النصوص القرآنية والحديثية الخاصة بهذا الموضوع: "عن ابن عباس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين"2 "عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا يا رسول الله أفريت من يموت وهو صغير ؟قال:  الله أعلم بما كانوا عاملين ".

ثانيا: حماية النمو والنشأة من لوازم حفظ النسب

كما أن حماية نسب اللقيط تتبعها ضرورة حماية نموه ونشأته وتربيته وكذلك تعويضه عما فقده من والديه أو أمه المتخلية عنه، فيكون لابد من إيجاد جو أسري متكامل يقوم فيه الأفراد المتولون تربيته مقام الوالدين الحقيقيين، وهذا النوع من التبني الذي قد يصطلح عليه بتبني الجزاء أو التنزيل منزلة الولد، وهو غير مؤثر على النسب الأصلي الأسري من حيث السلب أو القطع كما أنه غير معطي له جزافا إلا ببينة شرعية تثبته كما سبق وبينا. إذ حكم التبني قد ألغته الشريعة الإسلامية نصا وتطبيقا عمليا حتى لا يؤثر النسب المصطنع أو المفتعل في تحدي العلاقات الأسرية وتوهم المحرمية من غيرها بمجرد الدعوى .

فالحقيقة حقيقة و المواضعة مواضعة، ولا يمكن للتوظيف اللفظي المحض أو التنزيل أن يلغي الحقيقة الرحمية أو يعطيها بأي وجه كان، وإنما-كما سبق وبينا- يبقى الإسلام هو النسب الجامع للمجتمع على قاعدة التوحيد والمعوض عن كل نقص، وذلك من خلال الضوابط العقدية والنفسية والأخلاقية وأيضا التشريعية والقضائية مجتمعة.

من هنا لو فتح المجال لإعطاء النسب لمجهوله جزافا وبمجرد دعوى العاطفة المحضة فإنه سيصبح ذريعة لإهداره والعمل على تضييعه بوهم استدراكه بالتبنيات أو الإلحاقات من خلال الحمل غير الشرعي وإتباعه بالتبني أو بالزواج لتغطيته بدعوى ستر الفضيحة، لكن قد يصبح العكس هو المتفاقم ألا وهو شيوع الفضائح الجنسية وغياب التحرج من الزنا وما يترتب عنها من حمل غير شرعي، وبتالي طغيان ظاهرة اللقطاء مما هو ليس في صالح الطفل ولا الأسرة ولا المجتمع.

كما أن تخصيص الملاجئ لعلاج المشكلة لا يزيدها إلا استشراء وتعقدا، لأنها تكون بمثابة تشجيع ضمني على التمادي في الخطيئة وإيداع الأطفال غير الشرعيين فيها كإخفاء وتملص من المسؤولية على حساب الطفل البريء ؛الذي قد يدور عليه نفس الدور في تسلسل الخطيئة من الأصل إلى الفرع ثم إلى الشيوع في الأجواء والساحات العامة!.

لكن أعظم علاج و حل لحماية الطفل هو ما نص الشرع على اتباعه عمليا وسلوكيا وقضائيا، كما قد نجد في موضوع وحدة النسب الأسري الخاص والنسب الديني العام وأوجه التكامل بين الجانبين على قاعدة شرعية وتربوية ونفسية وعقدية مع إلغاء التبني في قول الله تعالى: "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم، ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما، النبيء أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم، وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، كان ذلك في الكتاب مسطورا"3.

عن الحد الفاصل في تحديد النسب واستحقاقه يقول النبي صلى الله عليه وسلم:  "الولد للفراش وللعاهر الحجر"4 .

فلننظر في ضوابط الفراش وأنواعه قوة وضعفا وبتالي واقع الطفل والمرأة بين ظروفه وأحواله الزمانية والمكانية، واللفظية والنفسية والاجتماعية..

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

المغرب، وجدة

....................

1- الإمام مالك: المدونة الكبرى، ج3، ص 337.

2- رواه البخاري في كتاب القدر

3- سورة الأحزاب، آية 4-6

4- رواه مالك والبخاري

1) من الممكن القول بأن السفه قد يكون عرضيا ومرضيا وجنسيا. وهي أنواع كلها قد حدد القرآن الكريم طريقة التعامل معها ودلل عليها بكل دقة وعناية. إذ فيما يخص السفه العرضي فهو الذي  يمر به كل الناس في مراحل حياتهم الطفولية إلى غاية بلوغ سن التمييز الكامل وهو  بلوغ الرشد.

وهذا النوع من السفه يمكن تحديد مستوى امتداده من خلال الاختبار والابتلاء والتجربة، حتى إذا تبين أن الشخص قد اجتاز مرحلة السفه المالي،  بعد ذلك يسلم له المال كشخص كامل الأهلية ومسئول عن تصرفاته الإرادية.

بحيث عند هذا الاختبار سيتبين هل هذا السفه الظاهر على هذا الشخص هو سفه عرضي سليم أم أنه سفه مرضي قد يحتاج معه إلى تحديد التحجير والمراقبة والترشيد المستمر.

ولقد ورد في القران الكريم الجمع بين السفه المرضي والعرضي وطرق التعامل معه لتفادي آثاره كوسائل علاجية نفسية ناجعة،  قد تميزت بنوعين من التعامل وهما: منع التصرف الكلي في حالة المرضي والاختبار الجزئي في حالة العرضي، وذلك في قول الله تعالى:"ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا"1.  و"وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا.  ومن كان غنيا فليستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف،  فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا "2.

هذه الآيات قد تؤسس لنا أعظم مدرسة نفسية لسبر الواقع النفسي للإنسان ومستوى انضباطه أو عدمه،  وذلك في طريق الاختبار العملي المعملي اللائق بالتصرف الإنساني وليس بالحيواني أو الحشري وما إلى ذلك، لأن نفس الإنسان لها ارتباط غريزي بالجانب المالي الذي قد يلازمه في مراحل حياته حتى يصبح إحدى عناصر تكوينه النفسي التي لا يستطيع إسقاطها من حساباته.

وهذا ما يؤكده الحديث النبوي الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكبر ابن أدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول العمر"3.

2)  فإذا كانت هذه الملازمة المالية للحالة النفسية عند الإنسان لها هذا الحضور المكثف على مستوى الحب والحرص، فإن تبذير المال والتصرف فيه على مستوى السفه هو في الحقيقة إهدار لغريزة نفسية راسخة لديه بدون مقابل مناسب، ألا وهي غريزة البقاء.

ويتجلى إعجاز الحديث النبوي وبلاغته الجامعة في التأسيس لذلك حينما ربط بين حب المال وطول العمر، وهذا هو عين غريزة البقاء بكل عناصرها،  وإذا اختلت هذه الغريزة عند الإنسان فإن أجلى مظاهرها قد تتحدد في التصرف المالي الذي هو عصب الحياة ووسيلة استمرارها.

من هنا فلقد كان السفه من ضمن أعراض النفس الأمارة بالسوء،  المؤدي إلى الهلاك عن طريق الاستهلاك غير المرشد لإحدى الغريزتين وهما:غريزة البقاء وغريزة النوع،  وأصل النوع البقاء.

إذن، فالحرص المالي غريزة نفسية سليمة لكن مخالفتها مؤدي إلى داء نفسي قد يعالج بنفس المادة الاختبارية التي يعتمد عليها في ضمان البقاء.

ولهذا فبالرغم  من وجود المال والغنى إلا أن السفه قد يكون دائما مؤديا إلى الفقر طالما لم تكن لديه اعتمادات نفسية سليمة مؤسسة على الاختبار القرآني الميداني، الذي من خلاله يمكن إصلاح النفس والحد من جموحها في تبذير طاقاتها وممتلكاتها.

كما نجد لذلك دلالة في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"،  وكذلك الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"4.

فالنفس الأمارة بالسوء إذا لم تختبر ولم تجاهد فهي بالضرورة ستؤدي إلى السفه والطيش، لأنه إذا توفر المال توفر السرف والتبذير وإهلاك مادة الحياة للبقاء، وإذا توفرت القوة والصرعة توفر البطش والفتك وإهلاك الجنس المفيد للنوع والضامن لاستمراريته.

والبقاء والنوع شرطان متلازمان:فلا البقاء يكون بدون نوع ولا النوع يستمر بدون بقاء، وضبط النفس والحد من تأمرها هو الضامن لسلامة البقاء والنوع.

إذ كما سبق أن قلنا: فإن السفه النفسي ذي الارتباط المادي والاجتماعي مستدرك وقابل للعلاج والمراقبة والضبط، لأن آثاره ظاهرية وملموسة، لكن الذي يبقى الأصعب للاحتواء والمراقبة والاختبار هو السفه ذو الارتباط العقدي، وذلك لأنه تبذير للتصور وطيش في الإدراك لغاية التناقض الكلي وقلب المفاهيم قلبا يستحيل معه الترشيد أو التبصير.  وهذا ما يمكن اعتباره شبيها بمرض الألوان أو الصفراء التي تحيل الحلو مرا عند المذاق كما يقول الشاعر:

ومن يك ذا فم مر مريض  

 يجد مرا به الماء الزلالا

ولقد صور لنا القرآن هذه الظاهرة النفسية الخطيرة في قول الله تعالى:"وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنومن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون".

هذه الآية قد توضح لنا مظاهر الإسقاط النفسي عند أهل السفه وتؤسس مبدأ "الناقص لا يري غيره سوى ناقص" على شكل المقايسة المغلوطة عند توهم المماثلة كما مر بنا.

فالسفيه لخفة وطيش عقله لا يرى نفسه سفيها، وإنما قد يسقط سفهه على غيره  كما دلت عليه الآية، وفي هذا الإسقاط يكون قد بلغ ذروة الخضوع للتأمر النفسي الذي يجعله أكثر انطوائية وذاتية دائرية لا يستطيع معها أن يرى نفسه في مرآة أخيه أو في مرآة الحقيقة المنصوبة أمام عينيه.

والأدهى من هذا هو أن السفيه قد لا يدرك في نفسه السفه كما دلت عليه الآية:"ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون"5.

وفي هذه الدلالة بعد آخر، وهو أن السفه النفسي سببه غياب العلم بالنفس، والعلم بالنفس أساسه الارتكاز العقدي كما سبق وقلنا. إذن، فالنفس قد تنضبط بالعلم، والعلم المحقق لهذا الانضباط لا يكون إلا بالعقيدة المتضمنة للمعرفة بالله خالق النفس وأعراضها.

ولهذا فقد كان السفه ذو الارتباط العقدي دليل النفاق كما نصت عليه الآيات المبينة لطبيعته وآثاره السلوكية والنفسية المرضية.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

وجدة،  المغرب

............................... 

1- سورة النساء آية 5

2- سورة النساء آية 6

3- رواه البخاري في كتاب الرقاق

4- رواه البخاري في كتاب الأدب

5- سورة البقرة آية 13

6 – الصهيونية الغربية والجماعات اليهودية:

من الملاحظ أن تاريخ الصهيونية الغربية تاريخ مركب إلى اقصى حد، تتداخل فيه العديد من العوامل الحضارية والاقتصادية والاجتماعية..

سنحاول أن نقف عند بعض مظاهر التشكلات الاجتماعية بغرض الإحاطة بمضمون دور الجماعات السياسي والتاريخي..

من المعلوم أن الشخصية اليهودية معقدة تدخل في تركيبها عناصر شتى جمعت في ظروف شديدة التنوع، وعبر مسافات شاسعة..

ان البحث عن العناصر المكونة للشخصية ينبغي ان يطال الكثير من العوامل التي لعبت دوراً في حياة الأشخاص والظواهر التي ساهمت في خلق الشخصية..

فجميع البحوث الاجتماعية والتاريخية و الانتروبولوجية  تؤكد أن الجماعات اليهودية ينتمون إلى عناصر بشرية تندمج فيها أجناس متباينة عبر عصور التاريخ المتطاولة. ودخل فيها المتهودون من كل الآفاق..[1].

لقد ثبت من شواهد التاريخ أن اليهود رحلوا إلى الشاطئ الشمالي من البحر الاسود في القرن الأول الميلادي، وكانوا في هذه الفترة متأثرين بالثقافة والعادات الاجتماعية والدينية المأخوذة من جيرانهم الهيلنيين .. ويؤكد المؤرخون على ان الكثير من اليهود الذين كانوا يقطنون في فلسطين قد وصلوا منذ ما قبل المسيح بقرون عديدة (بعد سقوط الهيكل الأول في القرن السادس ق م) إلى شواطئ روسيا وانتشروا عبر منطقة القوقاز ووفقا للأدلة التاريخية فإن جماعة يهودية استقرت في جورجيا حوالي عام 132 ق م، وفي مرحلة متأخرة ظهرت جماعات يهودية في أجزاء من روسيا كما استقروا في كيف و لوتسنيا حوالي القرن الثامن الميلادي.. وفي بداية القرن الخامس عشر كانت جماعات يهودية في منطقة بيلوروسيا..، وأكبر هجرة في تاريخ اليهود حدثت في شرق أوروبا وفي غرب أوروبا في اتجاه ألمانيا. وهناك ادلة على وجود اليهود على ضفاف الرين إلى عصر الإمبراطورية الرومانية.

وبتأثير من الحروب الصليبية هاجر عشرات الآلاف من الأسر من غرب أوروبا إلى شرقها.. وتوالت موجات الهجرة إلى بولندا..

واعتبارا من القرن السادس عشر تجددت حياة يهود غرب أوروبا حيث وجدوا وطنا آمنا في شرقها.. وقد أعطيت لهم الامتيازات الممنوحة التي شملت الحريات والحرية الدينية والإقرار بالحكم الذاتي الطائفي، مما أنعش حياتهم لدرجة لم تكن متاحة لهم في غرب أوروبا..[2].

وهكذا تم إطلاق مصطلح (الدياسبورا Diaspora) و الشتات للإشارة إلى الجماعات اليهودية التي تعيش مشتتة بين الشعوب في أرجاء الأرض.

والدياسبورا كلمة يونانية تعني الانتشار. كانت شائعة في العالم الهيليني والروماني. حيث كانت جماعة من التجار اليونانيين يؤسسون جماعتهم الصغيرة في المدن التي يستقرون فيها، يبنون فيها معابدهم وجميع مؤسسات حياتهم ونفس الشيء بالنسبة للسكان الذين يستوطنون المدن اليونانية. والكلمة تكون محايدة لان الانتشار تم بإرادة المنتشرين.. اما في الرؤية اليهودية فان عقيدة المنفى والعودة تعتبر محورية في النظر إلى التاريخ والكون.

وقد تركت أثرها العميق على الوجدان اليهودي، فأصبح المنفى جزءا من الخطاب الديني، والعودة دينيا أي التعلق الديني بالأرض المقدسة. والواقع أن أغلب اعضاء الجماعات اليهودية في العالم يرفضون مفهوم المنفى والعودة لأن حالة التهجير القسري الذي تعرض لها يهود المملكة الجنوبية حينما هجروا إلى بابل لا تنطبق عليهم..[3].

من أسباب ظاهرة الهجرة أو (الشتات) ان تحولت الجماعات اليهودية والمتهودة إلى جماعات وظيفية تعمل في التجارة واعمال الصرافة وبدأت بعض الجماعات تتحول إلى جماعات وظيفية استيطانية وقتالية.

وكانت القوى الامبراطورية الصاعدة. في حوض البحر المتوسط توظف الجماعات اليهودية لخدمة مخططاتها. فلم يعد هنالك مركز قومي. يحدد المعايير الدينية والقومية. وأصبحت الهويات تتشكل في الواقع من خلال التشكلات الحضارية.

وكان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية الإثنية الدينية الواحدة..[4].

ثمة ثلاث جماعات أساسية يؤمن أعضاؤها باليهودية أو يدورون في إطارها وهم السافرد والاشكناز والإسرائيليين..

مصطلح (السافرد) مأخوذ في الأصل من (سافرديم) استخدم للإشارة إلى اليهود الذين عاشوا في اسبانيا والبرتغال ثم انتشروا بعد طردهم في بلدان العالم الإسلامي خاصة في سالونيك التركية وأصبح المصطلح اليهود الشرقي أو يهود العالم الإسلامي تمييزا لهم عن الاشكناز الذين يمثلون اليهود الغربيين.

كان السافرد في أول الأمر يتربعون على هرم الجماعات اليهودية، ظهر في صفوفهم عدد كبير من المفكرين والفلاسفة ورجال الدين. وكان السافرد ينظرون إلى الاشكناز نظرة متدنية. وحافظوا على مسافة فيما بينهم. فحرموا الزواج من الاشكناز. وحيث كانت توجد جماعات سافردية واشكنازية، كانت الجماعة السافردية تبسط هيمنتها اللغوية والثقافية والدينية..

لعب السافرد في معظم الأحيان دورا مهما في تطور الرأسمالية الغربية وبروز النظام الإقتصادي الحديث في حين كان الإشكناز اكثر إرتباطا بالنظام الربوي والإقتصاد التقليدي.

ولذا كانت المسألة اليهودية والمسألة الصهيونية اشكنازيتين بالدرجة الأولى نتيجة عجز الاشكناز عن الاندماج في حركة الحداثة الغربية.. منذ نهاية القرن السابع عشر. وبفعل تطورات عديدة في أوروبا اثرت على مركز سافرد، مما ادى إلى تراجعهم..

ونتيجة تزايد حجم التجارة الدولية لم يستطع رأس مال السافردي، بالإضافة إلى ظهور برجوازيات منافسة فضلا عن الحروب التي قطعت شبكة العلاقات بين المجموعات السافردية في أوروبا.

أما الاشكناز تختلف المصادر في تحديد أصل الكلمة وهي تعني في الاستخدام الحالي اليهود الغربيين وبخاصة ذوي الأصول الفرنسية والألمانية والبولونية الذين انتشروا في أوروبا خلال القرن السابع عشر وهاجرت ملايين منهم إلى الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأستراليا ونيوزيلندا في القرن التاسع عشر بعد تضخم النمو السكاني الذي حدث في صفوفهم.. وتوجه بعضهم إلى آسيا وإفريقيا مع حركة التوسع الاستعماري الأوروبي. ويشكل اليهود الغربيون نحو تسعين في المئة 90% من اليهود في العالم.

تنازع الاشكناز والسافرد على السيادة الثقافية والدينية، وانتهت الغلبة لصالح الاشكناز، حيث أصبحت معظم الحركات والمدارس الدينية اشكنازية كما أصبح معظم مشاهير اليهود في العالم من اليهود الاشكناز الغربيين، وكانت صبغة الاشكنازية غالبة على التوجه الصهيوني ومتصدرة له..[5].

- 7 -

الصهيونية والإستعمار

يجب أن نميز بين اليهودية كعقيدة دينية والصهيونية باعتبارها عقيدة سياسية، وحركة سياسية مرتبطة بالوعود التراتية وتابعة لقيام الدولة أو سقوطها في بيت "داود."

وكلمة "صهيون"لا اصل لها متفق عليه في اللغة العبرية.. ويرجح الشراح أنها عربية الأصل لها نظير في الحبشية، وتعني الصون والتحصين والحصون العالية في لغة الكنعانيين الذين سكنوا في أرض فلسطين قبل هجرة العبرانيين بمئات السنين..

والكلمة العبرية تأتي تارة بالسين (Sion) وتارة بالزاي(Zion) ، بعد السبي البابلي أصبح الحنين إلى صهيون رمزا للحنين إلى عودة المملكة الغابرة..[6].

وقد حولوا الوعود الإلهية في "أسفارهم" إلى دعوة سياسية.. وهكذا أصبح صهيون وعدا سياسيا، تابعا لمآرب الدولة ومآرب الهيكل الذي قام بجوارها، فلا شأن له بعقيد إبراهيم عليه السلام التي تشمل إمامة الناس جميعا..

لا يقر كهان الهيكل بعثت المسيح عليه السلام لأنه قال بأن أبناء إبراهيم الموعودون بالخلاص هم أبناؤه الروحيون أي الذين يؤمنون برسالته..

تفرق اليهود في عصر المسيح في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، وآسيا، وينظرون إلى "أورشليم- بيت المقدس " نظرة تقديس لأنها مقر الهيكل المقدس..

إذن الصهيونية في العهد القديم لم تكن عقيدة دينية بل كانت نزعة سياسية..، ولما ذهب الأمل في نجاحها السياسي، انقطعت العلاقة بينها وبين معناها الجغرافي..[7].

ناهض المتدينون اليهود إنكار عودة المسيح المنتظر.. مما يعني الفصل بين الديني والسياسي.. والواقع أن الصهيونية هي وليدة السياسة ومآرب السياسيين، وجملة أسباب ظهور فكرة القومية ومطامع الإستعمار الأوروبي..

نشأت أول الأمر في أوروبا الشرقية وأوروبا الوسطى، حيث بلغ اضطهاد اليهود أشده، في القرن التاسع عشر.. كما تم ربطها بالمسألة الشرقية..

إن القرن التاسع عشر عصر الثورة والإستعمار والصناعة الكبرى، ولكل صفة من هذه الصفات علاقة باليهودية الصهيونية فلا يخفى أن عصر الإستعمار بدأ بالتجارة وأن طريق الهند كان أهم الطرق التجارية في العالم القديم، ومن ثم كثر الإهتمام بفلسطين، ومصر..، وارتفع صوت اليهود في المجامع الدولية، لاتصالهم بالتجارة وبهذه البلاد..، فتعلقت مسألة القروض بمطامع المستعمرين، في أقطار الدولة العثمانية. نظر المستعمرون إلى مطالب اليهود بأنها الوسائل المعول عليها في خدمة السياسة الإستعمارية.

أثار العصر الجديد مسألتين، المسألة اليهودية، وقضية اندماج الجماعات اليهودية في المجتمع الحديث..

ظهر لكثير من اليهود، خاصة في بولونيا ورومانيا، واسبانيا وهولندا أن يطالبوا بوطن يستقرون فيه.. وتساعدهم الدول الإستعمارية على إنشائه.. وقد انطلقت الفكرة من المؤتمر الصهيوني الذي انعقد بمدينة بال بسويسرا 1897، وتمت صياغتها في إعلان وعد بلفور بعد عشرين سنة..

والواقع المحقق أن الصهيونية تستغل الدول، والدول تستغلها، والعامل المهم الذي ترتكز عليه هو المصلحة المتبادلة بين الطرفين..[8].

الصهيونية تتعلق بالآمال الموعودة، ومنها السيادة على العالم وتسخيره لتحقيق أهدافها في قيام دولة إسرائيل.. وكانت القوى الإستعمارية تعمل على قيام هذه الدولة في ملتقى القارات لأنها تخدم السياسة العالمية الإستعمارية، ومن ورائها قوة المال، وقوة الأسواق، وأسعار العملة في العالم بأسره..

يطمح الغلاة من الصهيونيين إلى مساومة الدول.. وفرض مشيئتهم بكل وسيلة من الوسائل الميسرة، ومنها وسيلة المال، ووسيلة الإغراء، ووسيلة القوة والإرهاب.. فلا تعيش بجوار دولة إسرائيل دولة أو أمة مستقلة بمواردها الإقتصادية.. ولا يستقر للدول الكبرى نفسها قرار مع هذه المطامع، التي تقترن بالمساومات الإقتصادية، والمداراة السياسية بغير انقطاع..[9].

من الواضح أن الصيغة الأساسية للصهيونية تضرب بجذورها في الحضارة الغربية وذلك باعتبار اليهود "شعب عضوي وجماعة وظيفية."

وقد تحولت الصيغة اليهودية الصهيونية من فكرة إلى حركة منظمة بعد مرحلة تيدور هيرتزل (1860/1904) مؤسس الحركة الصهيونية (1897) وصاحب كتاب دولة اليهود (1896) وأرتور بلفور (1848/ 1930) صاحب الوعد الشهير باسمه (1917).

بحيث تشرف على عملية التوطين دولة استعمارية كبرى من دول الغرب، تؤمن باستمرار الدولة الوظيفية الإستيطانية. وقد حدد وعد بلفور فلسطين لقيام الدولة الصهيونية كصيغة علمانية، نفعية، مادية..

بعد أن استقرت أوضاع الجماعات اليهودية في الغرب أصبحت الصيغة الصهيونية الغربية تتمثل في دولة وظيفية يدعمها الغرب الإستعماري ويضمن بقاءها وتقوم على رعاية مصالحه وخدمة أهدافه الإستراتيجية في العالم..

ومن نافل القول أن ديدن الإستعمار تغليب أمة على أمة، وتسخير الأضعف في خدمة الأقوى.. كما أن التنازع بين الشرق والغرب قديم، منذ أن عرف هذا التقسيم بين أمم شرقية وغربية..

أما الإستعمار فهو يطلق على حركة ترمي إلى غرض مشترك تحقيقا لدعوة واحدة، تدعيها أمم متعددة في فترة محددة.. فالإستعمار بهذا المعنى لم يكن معروفا قبل العصور الأوروبية الحديثة..[10].

فظاهرة الإستعمار الحديث ظاهرة أوروبية تحيل إلى السيطرة الأوروبية العسكرية والإقتصادية والسياسية على الشعوب والبلدان الأخرى..

لقد فرضت أوروبا بقوة سلاحها قانونها وتجارتها ولغاتها على غيرها.. واكتملت صورة السيطرة الأوروبية مع اكتمال الثورة الصناعية في أوروبا.. بحيث انفردت بالمبادرة وفرضت اختياراتها وسيطرتها على معظم قارات العالم..

ولم تكتف أوروبا باستغلال الثقافات والحضارات الأخرى بل عملت على طمس هويات الشعوب.. فالإستغلال والإحتكار صنوان يكشفان عن حقيقة الإستعمار.. المتمثلة في التوسع والتعسف..، والثقافة التي تقوم على سيادة التفوق الإثني والديني..

تأسيسا على كل ما سبق فإن الصهيونية ظاهرة من ظواهر الإستعمار باعتبارها دعوة عصبية للسيطرة مرتبطة بأساطير الوعود التراتية.. لكي يلعبوا دور البطولة على مسرح التاريخ.. باعتبارهم الشعب الأزلي يعتقدون أنهم وعدوا بوراثة مملكة داود.. ويعتبرون أن اليهودية وطن للإسرائيليين، وجامعة نفعية، لا دين ولا نحلة فحسب..[11].

وغلاة الصهيونية هم أشد تعصبا وتعلقا بالآمال الموعودة..، إنه هوس المتعصب الذي يحمله جنون الحماسة وراء فكرة مسيطرة على عقله..

إن ثمن إنشاء الدولة الصهيونية سيكلف العالم ألوف الأرواح.. ويجب أن تطغى الحماسة المبصرة لأنها حماسة تهدي إلى السلامة، وليست حماسة التعصب والكنود.. من عشرات القرون..

وخطر سقوط فلسطين في قبضة الصهيونية خطر على الشرق الأوسط سياسيا وعسكريا واقتصاديا.. وغلاة الصهيونية لن يعيشوا في سلام متى شعروا بالقوة والمناعة..، لأنهم مصابون بأعراض (البارانويا) وهي الغرور والأنانية والإنفصام عن الوسط الذي يعيش فيه المريض، والوهم المتسلط والشعور بالإضطهاد، والتوجس الدائم من الأعداء..[12].

وقد توسلوا باستبقاء نفوذهم في الولايات المتحدة الأمريكة باعتباره ضرورة لا غنى عنها بكل ثمن ولكل حيلة.. فهم يستميتون في سبيلها وينسون أن الإستماتة قد تميت..[13].

كان موقف الولايات المتحدة الداعم والمنحاز للصهيونية العالمية، موقفا سيء التقدير من جميع الوجوه. فهي قدرت أن تقسيم فلسطين نهاية مريحة لمشكلة عالمية، وماهو في الحقيقة إلا بداية المشكلات.. فقدرت أن قيام دولة صهيونية في الشرق الأوسط يضع لها قدما راسخة في هذا الشرق من طريق هذه الدولة الصهيونية.. ولكن الواقع نقيض ذلك لأن قيام هذه الدولة في هذه البقعة من الأرض يفتح المشكلة على أوسع نطاق..[14].

- 8 -

الصهيونية العالمية في الختام.

في فصل الختام نطرح السؤال حول مصير الصهيونية العالمية في عالم يبحث عن الإستقرار، ولن يتأتى الإستقرار من ناحية الدولة الصهيونية، وهي مشكلة مجسدة بأسباب الغلية والكراهية والإضطراب..، فلم تعش قط في استقرار مع من حولها، ولا مع أبناءها..

إن الهوس في التعصب والكراهية الدينية، واللدد في الخصومة قد بلغ بالقوم مبلغا فاق كل تصور..، وأدى بهم إلى تحجر في النظر، وعمي في البصيرة وانسداد الأفق، وتقهقر في الوعود..

فالقوم على اختلاف مذاهبهم متفقون على أن المخلص الموعود لم يأت بعد..، وأن الوطن اليهودي في فلسطين لا يحل مشكلة الصهيونية، وليست هو على اليقين الحل الأخير..، فهي قضية من قضايا التاريخ التي يدل فيها الماضي على المستقبل، وهو مستقبل لا يسر الصهيونية.. لأن نصيبها من أمسها الذي تفر منه أهون من نصيبها عند الغد المجهول بل الغد المعلوم..[15].

من المفيد ونحن ننظر إلى مستقبل الصهيونية العالمية، أن نعرض لوجهة الكاتب الفرنسي جاك أتالي (Jacques Attali) التي ضمنها في كتابه "قاموس القرن 21" الصادر سنة 1998..

يقول بأن إسرائيل تعتبر موضع نزاعات وأرض للأمل.. وبأن الإسرائيليين إذا قرروا التحصن والإنعزال عن الفلسطينيين، خوفا من أن يغمرهم نموهم الديموغرافي.. فإنهم سيثيرون مع جيرانهم نزاعا سيكون هذه المرة انتحارياً، وسيؤدي إلى قطيعة مع بعض الطوائف اليهودية في الخارج.

أما إذا نجحوا بالمقابل، في وضع الأسس لمجتمع منفتح مع جيرانهم، واعترفوا بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وساهموا في نموه، فإن ذلك كفيل، بقيام شرق أوسط موحد على مثال النموذج الأوروبي الذي تتوحد فيه المواطنة والعملة..

وسيكون موضع تخصيب متبادل، وجسر بين أوروبا وآسيا، وبين الديانات التوحيدية..

وعلى المشروع الصهيوني أن يراجع دعواه حول الأرض القائمة على الوعود التراتية..[16].

هذا نموذج من الآراء حول مستقبل الصهيونية العالمية يشترك فيه طائفة من المفكرين والكتاب وأساتذة الجامعات الغربية...، وأصحاب هذه الآراء قد استجابوا للرجاء والإلحاح في النظر إلى مصير الصهيونية..، ومستقبلها في عالم متغير..

خلاصة القول أن شعوب العالم مطالبة بإلغاء كل فارق أو امتياز بينها، وأن تقوم الدول الكبرى المؤثرة في النظام الدولي وتنظر بالإنصاف وتحكم بالعدل على تطبيق الحقوق..

فالسياسة لا يمكن أن تغير مصير مجتمع ما لم يتم تحديدها وفق تصور عام باعتبارها التعبير الملموس عن ثقافة وحضارة مرتسمة في استراتيجية تروم استشراف المستقبل..

وجملة القول أن رسالة النبوة تهدف إلى معرفة الله حق المعرفة، وأن الأفضلية تكمن في التقوى المؤسسة على الفضائل الخلقية والكمالات الروحية. بعيدا عن دعاة الصولجان وشريعة الإستكبار..

لا أحد يملك آجال الأمم في يديه يفعل فيها بإرادة القوة الغاشمة ما يشاء إن استطاع ولن يستطيع..

أن البلاء الأكبر انما حاق بالدول الكبرى من آفة الغرور الباطل وسوء التقدير والاستخفاف بملكة السيادة المتجذرة في الشعوب المجبولة على الحرية ..

ولم تنفعهم قلة المبالاة ولا فرط المبالاة بعد فواة الأوان ..

لان دروس التاريخ تعلمنا ان الامبراطوريات الكبرى في الغالب تتولى هزيمة نفسها عندما تصاب بالغرور وتتصور ان قدرتها غالبة الى الابد.. ثم تكتشف فداحة التكاليف وعندها تظهر حتمية النزول..

ان ما حدث ، سيحدث طبقا لاسباب التطور والنهوض والانهيار الموستوحاة من حوادث التاريخ وعبره ..

***

أحمد بابانا العلوي.

..................................

[1]- حسن ظاظا، الشخصية الإسرائيلية، دار العلم، ط3/ 1999/ ص 36.

[2]- الشخصية اليهودية الإسرائيلية، ص11/10

[3]- الموسوعة الصهيونية، ج1/ ص70/ 71.

[4]- عبد الوهاب المسيري، دفاع عن الإنسان، ص 34.

[5]- موسوعة اليهود واليهودية، ص82 /83.

[6] - عباس محمود العقاد، الصهيونية العالمية، ص 9/ 10.

[7] - نفس المصدر، ص 11.

[8] - نفس المصدر، ص18/ 19

[9] - عباس محمود العقاد، الصهيونية وقضية فلسطين، المكتبة العصرية، بيروت، ص12.

[10] - عباس محمود العقاد، لا شيوعية ولا استعمار، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، ص 53.

[11] - الصهيونية العالمية، ص75.

[12]- نفس المصدر، ص 33.

[13]- نفس المصدر، ص67.

[14]- العقاد، الصهيونية وقضية فلسطين، ص15.

[15]- نفس المصدر، ص 93.

[16]- Jacques Attali, Dictionnaire du XXIe siecle-Fayard, ed-1998, p 196 - 197

 

التجريد الصارخ من الإنسانية

صدرت مؤخراً دراسة جديدة ترصد مواقف أربع دول أوروبية تجاه اللاجئين والمسلمين، اشتملت عينات من جمهورية التشيك، والمجر، وإسبانيا، واليونان. سأستعرض في الجزء الأول نتائج الدراسة في التشيك والمجر، على أن أستكمل نتائج الدراسة في الجزء التالي.

في عام 2015، سعى أكثر من مليون شخص إلى الهروب من الصراعات في سوريا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط عن طريق اللجوء إلى أوروبا. وكانت القوارب، التي غالباً ما تكون محملة بما يتجاوز طاقتها، تنقل معظم هؤلاء اللاجئين عبر البحر الأبيض المتوسط من تركيا وشمال إفريقيا، إلى اليونان. ومع تسارع الهجرة، سرعان ما أُطلق عليها اسم "أزمة اللاجئين". واستجابت الحكومات الأوروبية بطرق متنوعة. وفتحت بعض البلدان، مثل ألمانيا، أبوابها أمام اللاجئين، في حين اتخذت بلدان أخرى مواقف متشددة مناهضة للاجئين، حيث أقرت الدنمارك قوانين مفرطة في مكافحة اللاجئين تسمح بمصادرة الأشياء الثمينة لطالبي اللجوء، وأقامت المجر سياجا بطول 175 كيلومترا على طول حدودها الجنوبية، وإطلاق حملة خدمة عامة واسعة النطاق لتثبيط توطين اللاجئين المسلمين. وسخر بعض المعلقين من ردود الفعل القاسية تجاه اللاجئين خلال الأزمة، مشيرين إلى أن العداء تجاه اللاجئين يعكس وجهة نظر غير إنسانية للمسلمين لدى الكثيرين في أوروبا. وأضفت تصريحات العديد من الساسة الأوروبيين مصداقية على هذا المنظور. وفي استجابة للأزمة، أشار "ديفيد كاميرون" David Cameron إلى اللاجئين على أنهم "سرب"، وأشار "يانوش كوران ميكا" Janusz Koran Mika العضو البولندي في البرلمان الأوروبي، إلى "غزو القمامة البشرية"، و"زولت باير" Zsolt Baer مؤسس الحزب الحاكم في المجر. نشر حزب فيدس افتتاحية تشير إلى "جحافل" المهاجرين على أنهم "وحوش برية" و"قمل". وتشير هذه التصريحات إلى أن اللاجئين المسلمين يُنظر إليهم - على الأقل من قبل بعض الأوروبيين - على أنهم أقل من إنسان كامل. ولكن ما مدى شيوع وجهة النظر هذه وتبعاتها وقابليتها للمقارنة في مختلف أنحاء أوروبا؟

تجريد المسلمين من إنسانيتهم

لقد ثبت مؤخراً أن التجريد الصارخ من الإنسانية يتنبأ بالمواقف والسلوكيات السلبية للجماعات الخارجية. تمت دراسة التجريد الصارخ من الإنسانية للاجئين المسلمين خلال "أزمة اللاجئين". للإجابة على هذا السؤال الهام قام الباحثان "إميل برونو" Emile Bruneau من جامعة بنسلفانيا University of Pennsylvania، و"نور كتيلي" Nour  Kteily من جامعة نورث وسترن Northwestern University بإنجاز دراسة مهمة شملت عينات كبيرة في أربع دول أوروبية: جمهورية التشيك (1,307)، والمجر (502)، وإسبانيا (1,049)، واليونان (1,049)، واليونان (1,307). = 934).

تشير نتائجنا إلى أن التجريد الصارخ من إنسانية اللاجئين المسلمين هو:

 (أ) سائد بين الأوروبيين، و(ب) يرتبط بشكل فريد بالمواقف والسلوكيات المناهضة للاجئين، بما يتجاوز الأيديولوجية السياسية والتحيز، وله أهمية خاصة في التعاطف مع أزمة اللاجئين. ونجد أيضاً أن التجريد الصارخ من الإنسانية للاجئين المسلمين أعلى بكثير وأكثر ارتباطاً بالسلوك بين الجماعات في دول أوروبا الشرقية (خاصة جمهورية التشيك) مقارنة بإسبانيا واليونان. من خلال دراسة مجموعة من الأهداف الخارجية غير اللاجئين، توضح النتائج أيضاً أن التجريد الصارخ من الإنسانية ليس مجرد تحيز عرقي محض: في حين أن الأفراد عبر السياقات يشعرون بدفء تجاه مجموعتهم أكثر من أي شخص آخر، فإنهم يصنفون العديد من المجموعات الخارجية ذات المكانة العالية على أنها "متطورة" بشكل متساوٍ أو أكثر اكتمالًا. ومتحضرة من المجموعة. يوسع البحث الفهم النظري للتجريد الصارخ من الإنسانية، ويشير إلى أن التجريد الصارخ من الإنسانية يلعب دوراً مهماً ومستقلاً في رفض اللاجئين المسلمين في جميع أنحاء أوروبا.

بالرغم من أن هذه الدراسة ليست الأولى التي تدرس التجريد من الإنسانية بما في ذلك تلك الدراسات التي تستهدف مجموعات اللاجئين. لكن هناك العديد من السمات المهمة لهذه الدراسة لتمييزها عن الأبحاث السابقة حول العداء ضد اللاجئين، وهي:

(1) التركيز على التجريد العلني (مقابل الأكثر دقة) من الإنسانية.

 (2) الاستخدام (وأين) ممكن، مقارنة) لعدة عينات من المجتمع الكبير في جميع أنحاء أوروبا خلال نقطة زمنية فريدة عندما تأثرت بشكل مباشر بـ "أزمة" اللاجئين الحادة.

 (3) فحص السلوك الفعلي.

 (4) فحص التجريد من الإنسانية الذي لا يقتصر فقط على المواقف السياسية والعاطفية.

 على الرغم من أن النظريات المبكرة حول تجريد اللاجئين من إنسانيتهم ركزت على تمثيلاتها الأكثر وضوحاً والصارخة على التحيز، إلا أن الأبحاث التجريبية حول تجريد اللاجئين على مدى العقود العديدة الماضية قد بحثت في المقام الأول في تجريد اللاجئين من إنسانيتهم بصورة أكثر دقة عبر السلوك اليومي. على سبيل المثال، أظهر أحد الفروع البارزة لهذا البحث أن الناس لديهم ميل إلى إسناد عدد أقل من المشاعر والصفات "الخاصة بالإنسان" للتفوق على الآخرين.

على سبيل المثال، وُجد أن بعض الأفراد الذين نسبوا عدداً أقل من المشاعر الإنسانية إلى الناجين من إعصار كاترينا يتفوقون على المجموعة بتجريد الآخرين من الإنسانية، أي جعلوهم دون المستوى الإنساني، وكانوا يعتزمون مساعدتهم بشكل أقل. كما تمت ملاحظة أن الإيطاليين الذين أنكروا عن الهايتيين السمات الإنسانية الفريدة عبروا عن عدم استعدادهم للمساعدة بعد الأزمة الإنسانية.  وتمت الإشارة إلى أن الأتراك الذين يتم وصفهم بكلمات غير إنسانية يتعرضون للتمييز بقوة أكبر من أولئك الموصوفين بكلمات إنسانية أو بكلمات لا علاقة لها بالإنسانية.

التجريد الخفي من الإنسانية

أظهرت الدراسات السابقة (التي اكتملت قبل أزمة اللاجئين) أن الأوروبيين الذين حرموا اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم من خلال حرمانهم من المشاعر الإنسانية المحددة كانوا أكثر عرضة لمعارضة هجرة المسلمين إلى أوروبا. توضح الدراسات السابقة أن التجريد الخفي من الإنسانية له دور يلعبه في استجابات الناس للاجئين. ومع ذلك، فإن التصريحات التي أدلى بها الزعماء الأوروبيون في السنوات الأخيرة تشير إلى أن التجريد من الإنسانية الذي يمارسه جزء من السكان الأوروبيين قد يمتد إلى ما هو أبعد من التصورات الدقيقة وغير الواعية إلى التعبيرات العلنية والصارخة. ويبدو أن التمييز بين التجريد الصارخ والخفي من الإنسانية له أهمية كبيرة، حيث تشير الأبحاث الحديثة إلى أنهما بنيان منفصلان بتأثيرات مختلفة.

في الواقع، فإن هذين الشكلين من أشكال التجريد من الإنسانية التي تم تقييمها بين الأمريكيين والبريطانيين والإسرائيليين والهنغاريين تجاه مجموعة من المجموعات المستهدفة (على سبيل المثال، العرب والمسلمين والغجر) لا يرتبطان إلا بشكل ضعيف، والتجريد الصارخ من الإنسانية هو الهدف. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، فإن الدرجة التي يتم بها تجريد العرب والمسلمين والمهاجرين المكسيكيين من إنسانيتهم بشكل صارخ تتنبأ بدعم سياسات مكافحة الإرهاب العدوانية.

إن تدابير التجريد من الإنسانية، والتي تميل إلى أن تكون لها تأثيرات أضعف وأقل اتساقاً بالنظر إلى أن التجريد الصارخ من الإنسانية يرتبط بقوة بأنواع المواقف العدائية التي قد تكون ذات صلة بشكل خاص باللاجئين في الأزمات (على سبيل المثال، منع دخول اللاجئين، وعزل اللاجئين داخل أماكن ضيقة)، من المهم توسيع نطاق فحص التجريد من الإنسانية إلى ما هو أبعد من الخفي والضمني إلى ما هو أكثر وضوحاً وعلنية. في البحث الحالي، تم استخدام تدابير تم التحقق من صحتها لفحص التجريد الصارخ من إنسانية اللاجئين المسلمين خلال أزمة اللاجئين عبر مجموعة من البلدان الأوروبية (جمهورية التشيك، واليونان، وإسبانيا، والمجر)، باستخدام عينات مجتمعية كبيرة، وتم فحص كلا من المواقف والسلوك. لقد فُحصت المساهمة الفريدة للتجريد الصارخ من الإنسانية في المواقف والسلوك بين المجموعات بالتنسيق مع مجموعة من المتنبئين الآخرين. تضمنت الأعمال السابقة لتقييم الارتباط الفريد بين التجريد من الإنسانية والنتائج بين المجموعات تدابير تنبؤية متوازية للتوجه الأيديولوجي - بما في ذلك التوجه نحو الهيمنة الاجتماعية، والسلطوية اليمينية، والمحافظة السياسية، بالإضافة إلى مقاييس التحيز. وتم في البحث الحالي تضمين مقاييس المحافظة السياسية والتحيز العاطفي أيضاً. بالإضافة إلى ذلك، والجديد في البحث الحالي، تم ملاحظة المدى الذي يتنبأ فيه التجريد الصارخ من الإنسانية بنتائج التحكم في التعاطف. مثل التحيز والمعتقدات الأيديولوجية ذات الميول اليمينية.

ضعف التعاطف مع اللاجئين

 كان الفشل التعاطفي ظاهراً على نطاق واسع في الصراع بين المجموعات. وهناك سبب وجيه لذلك، أعتقد أن التعاطف قد يكون ذا أهمية خاصة خلال أزمة إنسانية حادة مثل تلك التي يتناولها البحث: العديد من الصور المنبثقة عن أزمة اللاجئين، بما في ذلك تلك التي تتضمن نداءات مباشرة للمساعدة، تصور أفراداً في ظروف يائسة أثناء فرارهم من الفظائع في وطنهم، والعديد من الصور تمت مشاركتها مع القصص على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ربما لا يوجد مثال أكثر إثارة للدهشة من صورة إيلان كردي - الصبي السوري البالغ من العمر عامين، والذي تم تصوير جثته على أحد الشواطئ التركية بعد أن غرق أثناء محاولته الهروب من سوريا إلى أوروبا. أثارت صور الكردي موجة من التعاطف في جميع أنحاء العالم، والتي تجسدت في زيادة التبرعات الخيرية بمقدار عشرة أضعاف في الأسبوع الذي تلا نشر صورته. لذلك فكر الباحثان في أن التعاطف سيكون أمراً مهماً متنبئاً للتحكم فيه عند فحص التأثيرات الفريدة للتجريد الصارخ من الإنسانية على النتائج بين المجموعات.

من الناحية المدنية، تم إدراج في تحليلات البحث الانحدارية مقاييس سمة القلق التعاطفي (الميل إلى الشعور بالتعاطف تجاه الآخرين) وسمة تبني منظور الميل إلى تبني منظور الآخر.

في السياقات بين المجموعات، يرتبط الاهتمام التعاطفي بقوة بالإيثار، حتى تجاه الآخرين، وقد تبين أن اتخاذ المنظور يقلل من الصور النمطية ويقلل من المحسوبية داخل المجموعة.  لقد ثبت أيضاً أن التعاطف يرتبط بأشكال خفية من التجريد من الإنسانية عند التفاوض على الصراع بين المجموعات.

عند النظر في المساعدات الإنسانية. في الواقع، فإن تأثير تجريد الإيطاليين من إنسانيتهم الخفية للهايتيين على عدم رغبتهم في المساعدة بعد حدوث أزمة إنسانية تم تفسيره بالكامل من خلال الارتباط بين التجريد الخفي من الإنسانية والتعاطف. لقد قامت الأبحاث السابقة إلى حد كبير بقياس تعاطف الدولة تجاه مجموعة خارجية، وتصور التجريد من الإنسانية كمقدمة لتجاوز التعاطف.

 في البحث الحالي، تم استخدام بدلاً من ذلك مقاييس تعاطف السمات. نظراً لأن مقاييس السمات تعتبر بشكل عام خصائص شخصية قابلة للانعكاس، فقد تم وضع تصور صارخ للتجريد من الإنسانية والتعاطف كعمليات نفسية متوازية تؤثر على النتائج. إن مشاعر التجريد من الإنسانية هي أنها صريحة جداً لدرجة أن الناس قد يستخدمونها مجرد انعكاس لكراهيتهم الشديدة لمجموعة أخرى. تظهر الدراسات السابقة أن مقياس الصعود للتجريد الصارخ من الإنسانية وتقييمات مقياس الحرارة للشعور يرتبطان بقوة مع بعضهما البعض. وفي الوقت نفسه، هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز يمكن أن يكونا مختلفين من الناحية المفاهيمية. على سبيل المثال، قد يكره الناس مجموعة خارجية، ولكنهم ما زالوا يعترفون بالتقدم العلمي والتقني الذي حققته تلك المجموعة، أو مدى تطور ثقافتهم أو نظام حكومتهم. على العكس من ذلك، قد يشعر الأفراد بالدفء تجاه مجموعة أخرى حتى عندما ينظرون إليهم على أنهم بدائيون نسبياً.

علاقة التحيز بالتجريد من الإنسانية

حتى عندما يتوافقان، يمكن أن يتنبأ التحيز والتجريد من الإنسانية بالنتائج لأسباب مختلفة: على سبيل المثال، إذا كان شخص ما ينظر إلى اللاجئين على أنهم متوحشون وعدوانيون ويفتقرون إلى الأخلاق، وهي السمات الأساسية للتجريد الصارخ من الإنسانية، فقد يساعد ذلك في تفسير رغبتهم في منعهم من دخول البلاد (أي الحد من أي تهديد جسدي متصور)، بما يتجاوز مستوى كراهية شخص ما للاجئين. وبالمثل، يمكن للأفراد أن يسعوا إلى تجنب دخول مجموعة أخرى لا يحبونها، حتى لو لم يرونهم بالضرورة أقل إنسانية - ربما، على سبيل المثال، لأنهم ينظرون إلى قيمهم على أنها مختلفة (إذا كانت شبيهة بالإنسان بنفس القدر)، وشعروا أنهم سيضعون قيماً مختلفة، أو إجهاد لا مبرر له على المجموعة، أو ببساطة لم ينظروا إليهم كمجموعة تتوافق معها مصالحهم.

 في الواقع، أظهرت الدراسات السابقة أن التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز العاطفي يتنبآن بشكل مستقل بنتائج بين المجموعات مماثلة لتلك التي تم النظر فيها في الدراسة الحالية. على سبيل المثال، في البحث الحالي، سعى الباحثان لمزيد من التنظير حول التمييز بين التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز بطريقتين: أولاً، قاما بالتحقق مما إذا كان التجريد من الإنسانية والتحيز يتنبأ بشكل مستقل بالمواقف والسلوكيات تجاه اللاجئين (مع الأخذ في الاعتبار أيضاً سمة التعاطف والمحافظة السياسية). تم قياس تقييمات التجريد من الإنسانية والشعور بمقياس حرارة في كل عينة تجاه مجموعة واسعة من المجموعات المستهدفة لاختبار ما إذا كان التجريد الصارخ من الإنسانية وتقييمات التحيز عبر المجموعات قد تتباين. على وجه التحديد، كان هناك اعتقاد أن الأفراد من المرجح أن يشعروا بتحسن. والجدير بالذكر أن بعض الأبحاث قد فحصت التحيز العاطفي كوسيط لتأثيرات التجريد من الإنسانية على مقاييس النتائج. على الرغم من أنه من المعقول التأكيد أن رؤية مجموعة على أنها أقل من البشر يمكن أن تؤدي إلى الكراهية، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى التأثير على السلوك.

كان الهدف الأساسي لهذا البحث هو توثيق الدور الفريد للتجريد الصارخ من الإنسانية في الرفض السلوكي والمواقفي للاجئين خلال "أزمة اللاجئين" في أوروبا. ومع ذلك، نظراً لأن عينات المجتمع الكبيرة تضمنت جميعها بعض التدابير المشتركة، وتم جمع ثلاث من العينات الأربع خلال نفس النافذة الزمنية، فقد انخرط الباحثان أيضاً في مقارنات عبر وطنية حيثما كان ذلك ممكناً ومناسباً على الرغم من أن الأبحاث السابقة عبر الوطنية في أوروبا لم تقم بذلك. تظهر دراسة التجريد من الإنسانية، واستطلاعات بيو العالمية، والمسح الاجتماعي الأوروبي، ودراسة القيمة الأوروبية، والمقاييس الأوروبية نفس النمط الواسع: مستويات عالية مماثلة من التحيز والعداء تجاه المسلمين والمهاجرين في جمهورية التشيك والمجر واليونان، مع مستويات أقل بشكل ملحوظ في إسبانيا على سبيل المثال. وبالنظر إلى هذا البحث السابق، كان من المتوقع أن تظهر إسبانيا عداء أقل للاجئين من جمهورية التشيك وهنغاريا. والتوقعات بالنسبة لليونان كانت أقل وضوحاً.

فمن ناحية، استقبلت اليونان ما يقرب من 80% من أكثر من مليون لاجئ وصلوا إلى الشواطئ الأوروبية عن طريق البحر في عام 2015، وهذا التدفق الهائل من "الغرباء" يمكن أن يولد مستويات من التهديد الرمزي والواقعي أكبر مما كانت عليه في التشيك والمجر، حيث كان تدفق اللاجئين أقل بكثير. وقد يؤدي مثل هذا التهديد إلى إبقاء مستوى التجريد من الإنسانية والتحيز مرتفعاً (أو أعلى) بين اليونانيين كما هو الحال بين المجريين والتشيك. ومن ناحية أخرى، هناك عاملان على الأقل قد يؤديان إلى انخفاض مستوى التجريد من الإنسانية والتحيز الصارخ بين اليونانيين عما لوحظ في المجر وجمهورية التشيك.

كانت سياسات الحزب الحاكم اليوناني اليساري أكثر تأييداً للاجئين من المواقف العلنية المناهضة للاجئين التي اتخذها القادة في كل من المجر وجمهورية التشيك (والحكومة اليونانية السابقة؛ بساروبولوس، 2015). وبما أن الدراسات السابقة تشير إلى أن سياسات التكامل السخية توفر إشارة معيارية للسكان تقلل من المواقف المناهضة للمهاجرين، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض مستويات التجريد من الإنسانية والتحيز في اليونان مقارنة بالمجر وجمهورية التشيك. ثانياً، أتاح القرب الوثيق للمواطنين اليونانيين من اللاجئين فرصاً أكبر للاتصال المباشر وغير المباشر، وهو ما ظهر في العديد من السياقات أنه يقلل من التحيز. وبالتالي فإن مستويات التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز في اليونان مقارنة بالمجر وجمهورية التشيك - وكذلك مستويات هذه البلدان مقارنة بإسبانيا - كانت ذات أهمية خاصة في التحليلات العابرة للحدود الوطنية.

التشيك هي الأسوأ

تم تقييم التجريد الصارخ من الإنسانية باستخدام مقياس الصعود، حيث استخدم المشاركون أشرطة التمرير للإشارة إلى مدى "التطور والتحضر" الذي نظروا إليه في كل مجموعة من المجموعات المستهدفة المدرجة في مقياس التحيز. تم عرض المجموعات بترتيب عشوائي عبر المشاركين، وتم تقديم الإجابات على مقياس 4 بالنسبة لهذه الدراسات وجميع الدراسات اللاحقة، وتمت الترجمة للمجموعة المستهدفة الرئيسية: "اللاجئون المسلمون". تم توجيه المترجمين لاستخدام الترجمة التي كانت مفهومة بشكل شائع في البلد المستهدف، بدلاً من الترجمة الحرفية.

في جمهورية التشيك تم حساب التجريد النسبي من الإنسانية لكل مجموعة عن طريق طرح تصنيف صعود المجموعة المستهدفة من تصنيف صعود التشيك (أي، داخل المجموعة)، بحيث تشير الدرجات الأعلى إلى قدر أكبر من تجريد المجموعة الخارجية من إنسانيتها. تم تقييم دعم السياسات من خلال تزويد المشاركين بأربع سياسات كانت تجري مناقشتها في جمهورية التشيك في وقت إجراء الاستطلاع: على سبيل المثال، "لا ينبغي لنا أن نخاف من استخدام العنف إذا لزم الأمر لإبعاد المسلمين عن جمهورية التشيك". تم إجراء التقييمات على مقياس مكون من 5 نقاط مثبت على 1 ('أوافق بشدة') و5 ('لا أوافق بشدة').

 تم تقييم دعم اللجوء على النحو التالي: "في العام الماضي، من بين 330,000 شخص من الأغلبية المسلمة من بين الدول التي طلبت اللجوء في الاتحاد الأوروبي، تم منح 460 شخصاً حق اللجوء في جمهورية التشيك. هل تعتقد أن هذا الرقم مرتفع جداً، أو صحيح، أو منخفض جداً؟

 تم تقديم الإجابات على مقياس مكون من 5 نقاط، مثبتاً عند -2 ("يجب أن نقبل أقل بكثير من 460 سنويًا") و+2 ("يجب أن نقبل أكثر بكثير من 460 سنويًا"). قم بالتوقيع على التماسات اللاجئين. للحصول على مقياس للسلوك تجاه اللاجئين، قُدم للمشاركين فرصة التوقيع على عريضتين حول اللاجئين المسلمين. وعلى وجه التحديد، ما يلي: "بما أننا نجمع معلومات من عينة تمثيلية من التشيك، فإننا نخطط لتسليم هذه الردود الأخيرة إلى الحكومة التشيكية للنظر فيها في صنع السياسات. يرجى إعلامنا إذا كنت ترغب في احتساب صوتك لصالح (أو ضد) الالتماسات التالية: (1) "يجب أن نستثمر المزيد من الأموال والموارد لدعم اللاجئين الذين يفرون من الحرب والمصاعب ويأتون إلى حدودنا" (مؤيدون للاجئين) و (2) الاستيلاء على أصول المهاجرين واللاجئين المسلمين لدفع تكاليف إقامتهم في جمهورية التشيك (مناهضة للاجئين).

أبلغ المشاركون عما إذا كانوا يريدون احتساب أصواتهم لصالح الالتماس (بالرمز 1)، أو ضد الالتماس (بالرمز -1)، أو عدم احتساب أصواتهم (بالرمز 0). كان الارتباط الصفري بين هذه العناصر منخفضاً (r = -.26)، لذلك تم فحص كل منها على حدة. وكان هناك مقياس صارخ آخر للتجريد من الإنسانية يعتمد على سمات السمات المفرطة المدرجة في المسح؛ تم الإبلاغ عن النتائج باستخدام هذا الإجراء في التحليلات التكميلية.

بالنسبة لهذه الدراسة والدراسات التالية، تم تضمين التدابير في المسح الشامل لأغراض تتجاوز البحث الحالي. تمت ملاحظة تجريد كبير من الإنسانية على المستوى المتوسط للاجئين المسلمين، الذين تم تصنيفهم على أنهم أقل بما يزيد عن 37 نقطة على مقياس الصعود من التشيك. تم تجريد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم أكثر من جميع المجموعات الأخرى باستثناء المسلمين والغجر.

أفاد المشاركون أيضاً بمعارضة قوية للاجئين في جميع التدابير. على سبيل المثال، عندما سُئل عما إذا كان منح جمهورية التشيك حق اللجوء لـ 460 لاجئاً مسلماً في العام الماضي منخفضاً جداً أو مرتفعاً جداً، كانت الإجابة النموذجية (التي قدمها 49.4% من المشاركين) هي "يجب أن نقبل أقل بكثير من 460 لاجئاً سنوياً". بالإضافة إلى ذلك، وقع أكثر من ضعف عدد المشاركين على العريضة التي تؤيد العنف ضد اللاجئين لحماية الحدود مقارنة بالموقعين على العريضة التي تعارض هذا العنف.

وقع معظم الأشخاص على العريضة ضد تقديم المزيد من المساعدات للاجئين (464) شخصاً مقارنة بالتوقيع لصالح تقديم المساعدات 189)).

قام الباحثان بعد ذلك بفحص ما إذا كانت هذه المواقف والسلوكيات المناهضة للاجئين كانت مرتبطة بشكل فريد بالتجريد الصارخ من إنسانيتهم اللاجئين المسلمين، والسيطرة على التحيز (تقييمات مقياس حرارة الشعور) والتركيبة السكانية (العمر والجنس). وكما يتبين فإن التجريد الصارخ من إنسانيتهم للمسلمين كان مرتبطاً بقوة وبشكل فريد بكل من مقاييس النتائج، كما كان الحال مع التحيز. تضمنت الدراسة 1مقياساً بديلاً للتجريد من الإنسانية (التجريد الصارخ من الإنسانية على أساس السمات)، بالإضافة إلى المتغيرات الديموغرافية الأخرى مثل التعليم، التي يمكن إدراجها كمتغيرات مشتركة.

 ظلت النتائج متشابهة (مع التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز الذي يتنبأ بشكل مستقل بجميع النتائج) عندما تم استخدام مقياس التجريد من الإنسانية القائم على السمات بدلاً من مقياس الصعود (عندما تم تضمين التعليم والحالة الاجتماعية والاقتصادية كمتغيرات مشتركة إضافية، و/أو عندما تم استبعاد جميع المتغيرات المشتركة من التحليلات. وهكذا، كانت نتائج الدراسة متسقة مع النتائج السابقة.

 في توضيح أهمية التجريد من الإنسانية في مكافحة العداء للاجئين، وتوسيع نطاق هذا البحث من خلال توضيح العلاقة الفريدة بين التجريد الصارخ من الإنسانية وكل من المواقف والسلوك الموجه نحو اللاجئين المسلمين باستخدام مقياس تم التحقق منه من التجريد الصارخ من الإنسانية في عينة مجتمعية كبيرة تمثل المجتمع التشيكي على نطاق واسع (عبر مجموعة من المعايير) أثناء التدفق الحاد للاجئين. للبقاء متسقين مع الدراسات الأخرى، قام الباحثان بإدراج المتغيرات الديموغرافية فقط كمتغيرات مشتركة تم قياسها أيضاً في الدراسات (العمر والجنس)، وليس تلك التي كانت فريدة من نوعها للدراسة. عندما تم تضمين المتغيرات المشتركة الإضافية هنا، ظلت النتائج متشابهة.

أخيراً، تسلط هذه النتائج الضوء على التمييز بين التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز "المجرد" من خلال إظهار أنه على الرغم من أن التشيكيين أبلغوا عن تحيز كبير تجاه المجموعات الخاصة بهم، إلا أنهم لا يجردون جميع المجموعات الأخرى من إنسانيتهم بالنسبة للتشيك. على وجه التحديد، صنف التشيكيون الألمان بدرجة 89.9 على أنهم "متطورون ومتحضرون" تماماً مثل التشيك .90.43.على الرغم من التقييم أظهر جميع المجموعات (بما في ذلك الألمان) انخفاضاً ملحوظاً في الدفء باستخدام مقياس حرارة الشعور بالتحيز.

السياسة المجرية المخزية

 المجر، والتي كانت بمثابة نقطة اشتعال لأزمة اللاجئين، حيث أطلقت الحكومة المجرية حملة كبرى مناهضة للهجرة من خلال نشر سلسلة من اللوحات الإعلانية في جميع أنحاء البلاد والتي كانت تستهدف المهاجرين ظاهرياً (على سبيل المثال، "إذا أتيت إلى المجر، فلا يمكنك سرقة وظائفنا"). قامت المجر أيضًا ببناء سياج على طول حدودها الجنوبية، تم بناؤه خصيصاً لإبقاء اللاجئين خارج البلاد، ومنعت نقل اللاجئين عبر البلاد عبر نظام السكك الحديدية. إلى جانب التعليقات رفيعة المستوى للقادة المجريين التي تجرد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم. بدت النخب السياسية في المجر مشجعة بشكل خاص لنزع الإنسانية والعداء ضد اللاجئين. ومن ناحية أخرى، لوحظ أيضاً تدفق للقلق في هذا الوقت حول العالم. رداً على العديد من الصور المروعة للاجئين الذين يغرقون أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا، بما في ذلك صورة إيلان الكردي. لذلك اعتقد الباحثان أن الميل نحو التعاطف سيكون من المهم أخذه في الاعتبار.

 وتم تقييم دعم السياسات المناهضة للاجئين من خلال تزويد المشاركين بأربع سياسات تمت مناقشتها خلال "أزمة" اللاجئين في أوروبا: على سبيل المثال، "يجب علينا تقليل عدد اللاجئين بشكل كبير" حجم المساعدات التي نقدمها للاجئين من أجل ردعهم عن محاولة القدوم إلى بلادنا”. تم إجراء التقييمات باستخدام أشرطة التمرير المثبتة عند 0 ("أعارض بشدة") و100 ("أؤيد بشدة") اللجوء. من أجل التقييم المباشر لعدد اللاجئين المشاركين الذين قد يكون المشاركون على استعداد لقبولهم في المجر، طرحنا ما يلي: "من بين ما يقدر بـ 1.000.000 من اللاجئين الذين يمكنهم الوصول إلى أوروبا هذا العام، كم عدد الأشخاص الذين تعتقد أن المجر يجب أن تمنح حق اللجوء لهم، مما يسمح لهم بالعيش هناك بشكل دائم؟ (النطاق: 0 - 100000)" بسبب النطاق الكبير من الاستجابات المحتملة، تم تحويل النتائج إلى سجل. المسافة الاجتماعية. تم تقييم المسافة الاجتماعية من خلال مطالبة المشاركين بالإبلاغ عن مدى اتفاقهم بقوة مع 5 سيناريوهات تضعهم في تقارب اجتماعي مع اللاجئين (على سبيل المثال، "سيزعجني إذا انتهى ابني أو ابنتي بالزواج من لاجئ مسلم"). تم إجراء الردود باستخدام أشرطة تمرير غير محددة مثبتة عند 0 ("لا أوافق تمامًا") و100 ("أوافق تمامًا") الرد على الظلم.

لدراسة كيفية استجابة المجريين للظلم الذي ارتكبته مجموعتهم تجاه اللاجئين، قُدم للمشاركين قصة إخبارية عن شخص مجري قام بتوزيع عصير برتقال ممزوج بملين للاجئين المسلمين المحتاجين، وتغريدة تشيد بالعمل الذي حصل على أكثر من 2500 "إعجاب". لقد طلبنا من المشاركين الإبلاغ عن مقدار الغضب والشعور بالذنب والعار الذي شعروا به باعتبارهم مجريين على أشرطة تمرير غير مميزة مثبتة عند 0 ("لا شيء على الإطلاق") و100 ("كثير"). أظهر العمل السابق أن المشاعر الجماعية مثل الغضب والشعور بالذنب والعار رداً على الأفعال الخاطئة داخل المجموعة تحفز السلوك المؤيد للمجتمع عبر حدود المجموعة.

على الرغم من أنه يمكن اعتبار هذه المشاعر بمثابة بنيات منفصلة، إلا أن الاستجابات عبر العناصر الثلاثة كانت مرتبطة بقوة، وتم حساب متوسط الألم لإنشاء مقياس للحصول على الاستجابات المتوسطة والارتباطات ذات الترتيب الصفري لجميع المقاييس.  وكما هو الحال في جمهورية التشيك، فقد تم تجريد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم بشدة في المجر، حيث تم تصنيفهم بأكثر من 25 نقطة تحت المجموعة على مقياس الصعود.

أبلغ المشاركون أيضًا عن تحيز كبير تجاه اللاجئين، حيث صنفوهم على مقياس حرارة الشعور أقل بما يزيد عن 40 نقطة من المجموعة. بالنسبة لمقاييس النتائج، كان المجريون على استعداد لاستقبال ما متوسطه 13,827 لاجئًا

تمشيًا مع التوقعات، كان تجريد اللاجئين المسلمين من إنسانيتهم مرتبطًا بشكل كبير (وإن كان ضعيفًا) سلبًا مع سمة القلق التعاطفي. وارتبط التجريد الصارخ من الإنسانية بقوة مع كل من التحيز ومع الأيديولوجية السياسية بشكل فريد بجميع مقاييس النتائج (بما في ذلك المواقف والسلوك).

عند فحص تصنيفات التجريد الصارخ من الإنسانية والتحيز تجاه المجموعة بالنسبة لكل مجموعة من المجموعات الخارجية المستهدفة، وجد الباحثان أن المجريين، مثل التشيك، لم يجردوا الألمان من إنسانيتهم مقارنة بمجموعتهم. من ناحية أخرى، وتماشياً مع المشاركين التشيكيين، أبلغ المجريون عن مستويات كبيرة من التحيز تجاه جميع المجموعات (بما في ذلك الألمان) مقارنة بالمجموعة الداخلية.

كان التجريد من الإنسانية (والتحيز تجاه) اللاجئين في المجر مرتفعاً، وكان هذا التجريد الصارخ من الإنسانية مرتبطاً بشكل فريد بجميع النتائج. كما هو الحال أيضاً في العينة التشيكية، أبلغ المجريون عن إعجابهم بالمجموعات الأخرى بدرجة أقل بكثير من المجريين، على الرغم من تصنيف الألمان على أنهم "متطورون ومتحضرون" على حد سواء. وعلى الرغم من الرؤى التي ولدتها الدراسة، فقد اقتصرت هذه النتائج على أوروبا الشرقية، حيث ينتشر التحيز وكراهية الأجانب بشكل عام بصورة مرتفعة جداً مقارنة بأجزاء أخرى من أوروبا.

***

د. حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمرك

(إن الكيان الإسرائيلي أضحى إيذاؤه لا وصف له كأنه الشر المطلق)... طه عبدالرحمن، ثغور المرابطة.

(إن الدرس الذي نستخلصه من الدراسة عن سوء نية الإنسانية يتجلى في ان تفاهة الشر المرعبة وغير الموصوفة وغير المتصورة..  "إذ يتعلق الأمر بجريمة جماعية من حيث عدد الضحايا وكذلك عدد المساهمين في الجريمة.. إنها جريمة سياسية منظمة بامتياز)... حنة أرندت، إخمان في القدس تقرير حول تفاهة الشر

(إن الأحداث التي وقعت هي بمثابة النذر للحوادث الخطيرة التي ستحدث. والمؤرخ لا يحسب حسابا للمتناقضات ان مهمته تنحصر في تسجيل الحدث كما حدث فعلا وانه مس حياة شعب بأسره في الصميم)... البير كامو، رواية الطاعون

-1-

فلندخل في صلب الرواية لأن ما حدث يحتاج إلى تفصيل وتعليق..

يرى المؤرخ ارنولد توينبي (1975/1889) بان اليهودية والهيلينية كانتا المصدرين الرئيسيين للحضارة الغربية، ونتيجة الصدام تم التمازج بين الهيلينية واليهودية...

في سنة 1897، بدى من اليسير ان نتابع التقدم الذي اصاب العالم قبل الحضارة الغربية، من ايام اليهودية والهلينية. فاليهود والاغريق اندمجوا في الامبراطورية الرومانية. وهذه تعتبر الرحم السياسي للمسيحية.

سنة 1897 ظهر وكأن السيطرة العالمية التي بلغها الغرب دائمة وممتدة...، كأنها لم يسبق لها مثيل في انتشارها العالمي الواسع.. وفي سنة 1973  بدت هذه السيطرة عابرة، على نحو ما عرفه المغول والعرب والرومان والإغريق.. ومن ثم فان السيطرة الغربية لا يمكن اعتبارها غاية التاريخ او نهايته..

اليهود اقصوا من التاريخ سنة 70 م وهي السنة التي هدم فيها الهيكل من طرف الرومان، كما أقصى الإغريق من التاريخ ابتداء من سنة 451 م وأعيد اليونان إلى عضوية المنظومة الغربية سنة 1821 م لأنهم قاموا بالثورة ضد الامبراطورية العثمانية...[1]

نخلص مما سبق أن المسيحية تحولت على يد القديس بولس، وانسلخت من التقاليد اليهودية لتصبح ديانة للامميين وتحولت الكنيسة إلى الهيلينية باعتبارها فلسفة وحضارة وعندما اعتنقت الامبراطورية الرومانية المسيحية أصبحت الدين الرسمي للدولة.

وقد اعتبرت الكنيسة الكاثوليكية سقوط اورشليم (بيت المقدس)  وشتات اليهود عقابا من الله لليهود لصلبهم المسيح.. ونبذت الحضارة المسيحية اليهود حتى القرن الخامس عشر، حيث نعرضوا اما للطرد أو تم إجبارهم على التحول عن الديانة اليهودية..

كيف واجهت الجماعات اليهودية التطورات التاريخية التي عصفت بهم بعد هدم الهيكل الثاني من طرف الرومان..؟ وكيف تكيفوا واستطاعوا ان يحافظوا على ما يتصورونه جوهري في الشخصية اليهودية عبر التاريخ..؟

وكيف تحول العداء المسيحي المتأصل إلى انحياز لاهوتي وثقافي..؟ وتحويل اسطورة المسيح المخلص..، في العهد القديم (سفر دانيال) وفي العهد الجديد (رؤيا يوحنا) إلى ممارسة سياسية.

ان دراسة التطور التاريخي للشخصية اليهودية هو الذي يساعدنا على فهم أطوارها المختلفة وهوياتها العرقية والدينية والتي تسعى إلى المحافظة على وحدة (إسرائيل) القومية بهدف استعادة (ملك) إسرائيل وبالتالي الظهور كقوة مؤثرة على مسرح التاريخ.

-2-

مفهوم اليهودية عبر التاريخ.

يجب في البداية ان نفرق بين مفهوم العبريين وبني إسرائيل واليهود واليهودية؛ وهي جميعا تحيلنا إلى ظواهر ومعاني تتمايز وتختلف بعضها عن بعض. هذه الكلمات تحيل إلى خصوصيات متمايزة. من هنا يتوجب ان نفصل معانيها بعناية فائقة. لان الاستخدام الصحيح لمعانيها ليس مجرد الفاظ ومترادفات. بل مفاهيم ومصطلحات تشكل مفاتيح النسق الفكري من منظور تاريخي..

1- العبرانيون:

إن كلمة عبري اقدم التسميات التي اطلقت على اعضاء الجماعات اليهودية. وتختلف المصادر في تحديد أصلها فيرى البعض انها مشتقة من كلمة (عبيرو) التي ترد في المدونات المصرية القديمة وفي المدونات الأكادية..

ويرى اخرون انها مشتقة من العبور بالتحديد عبور يعقوب (إسرائيل) نهر الفورات هاربا من أصهاره.  ويرى اخرون ان التسمية ترجع إلى (عابر) حفيد سام الذي تنسب اليه مجموعة كبيرة من الانساب.

وكانت الكلمة تعني الغريب الذي لا حقوق له. بالإشارة إلى أن العبرانيين كانوا في مصر غرباء بلا حقوق فترة طويلة وارتبطت بهم هذه التسمية، وتحولت مع الوقت إلى تسمية اثنية واجتماعية ووردت الكلمة في سفري الخروج والتكوين كمرادف لكلمة (يهودي) و (إسرائيلي). باعتبار ان الكلمة تشير إلى أن العبريين كجماعة اثنية (عرقية) قبل اعتناقهم اليهودية[2].

بغض النظر عن التخمينات الكثيرة في هذا الباب، يعترف المؤلفون فيما سبكوه من بقايا الأسانيد المختلفة منذ عرف اسم العبرانيون في التاريخ، إن هؤلاء القوم من سلالة سامية نشأت في مهد الشعوب السامية.. هاجروا إلى العراق، ثم هاجروا من جنوب العراق إلى شماله في عصر يقارب عصر ابراهيم الخليل...، ثم هاجروا من العراق إلى كنعان التي كان يسكن فيها الأدوميون والمؤابيون والعمالقة وعشائر مختلفة من الأراميين والكنعانبين.. وقد نشب النزاع بينهم وبين جيرانهم.

وسجل التاريخ باحتدام النزاع بين اتباع ابراهيم عليه السلام فانقسموا إلى شطرين.. ثم دخلوا مصر فنفر منهم المصريون. وعادوا إلى أرض كنعان. وقامت لهم دولة في عهد النبي داود وابنه وفي عهد سليمان بني الهيكل ثم انقسموا بعده قسمين، دولة في الشمال ودولة في الجنوب. ثم سباهم البابليون وسرحهم (كورش) عاهل الفرس وجملة تاريخهم بعد العودة من السبي الأول تكرار لهذا التاريخ..بعد هدم الهيكل الثاني تفرقوا في ارجاء الأرض حدث لهم نفور وقتال وكراهية في كل بلد..[3]

2- إسرائيل:

كلمة إسرائيل ومعناها قوة الله او القوة بالله والقوة الالهية المتجلية في جنوده أو عباده الصالحين.. فهي في كل التفسيرات تحمل معنيين محددين هما الصراع والقداسة..

السردية اليهودية تروي ان الكلمة أصبحت اسما ليعقوب عليه السلام بعد ان صارع الاله واجبره على ان يباركه مما يحيل على الأساطير اليونانية التي يتصارع فيها الابطال مع الاله فيكتسب صفة القداسة التي تجعله فوق البشر ثم اطلقت الكلمة على نسل يعقوب وأصبحت تشير إلى مملكة الشمال ثم إلى مملكة الجنوب (مملكة يهودا) بعد سقوط مملكة (إسرائيل) إلى ان حلت كلمة يهود محلها.

وللكلمة في دلالتها الاصطلاحية معنيان أساسيان فهي تعني اليهود بوصفهم شعباً مقدساً وتعني فلسطين بوصفها أرضا مقدسة. والإسرائيلي تعبير قانوني يشير إلى مواطن دولة إسرائيل ويختلف عن معنى الإسرائيلي الذي يشير إلى العبرانيين كجماعة دينية، كما ان الإسرائيلي يختلف على الصهيوني الذي يؤمن بالإيديولوجية الاستيطانية والهوية العرقية اليهودية.

هناك الصهيوني المسيحي والصهيوني اللاديني.. وليس كل يهودي صهيوني بالضرورة.[4] يرى كمال الصليبي[5]، بأن بني إسرائيل بعد أن زال ملكهم وتفرقوا في أقطار الأرض امتزجوا بشعوب أخرى كما حدث للشعوب البدائية.

أما اليهودية فهي ديانة توحيدية وضعت اسسها على ايدي انبياء بني إسرائيل بناء على شريعة او (توراة) موسى عليه السلام. وقد انتشرت الديانة اليهودية على ايديهم. وما زالت منتشرة في العالم بين شعوب لا تمت إلى بني  إسرائيل بصلة، لغة او عرفا.. مع العلم بأن عناصر من بني إسرائيل القدامى انصهروا في المجتمعات اليهودية التي انتظمت في مختلف الاقطار بعد زوال ملك إسرائيل..

كما أن عناصر من بني إسرائيل انصهرت في المجتمعات الغربية، وتحولت مع مرور الزمن إلى المسيحية..

ومن البديهي أن التشكلات الاجتماعية تعرف التبدل والتحول والاندماج من واقع تاريخي إلى واقع آخر.. والادعاء السائد بين يهود العالم انهم ورثة بني إسرائيل القدمى.. وهذا ادعاء باطل يعود إلى الاختلاط والتضليل الذي تحمله المصطلحات السابقة.

فالعبرانية تشير إلى الجماعات البدوية التي تتميز بخصائص البداوة. ولفظ عبري يشير إلى الناحيتين اللغوية والأدبية ولفظ بني إسرائيل يشير إلى العبرانيين  القادمى من حيث هم تجمع ديني. وإسرائيلي تشير إلى مواطني الدولة الصهيونية. اما كلمة يهودي فهي مصطلح يشير إلى معتنقي الديانة اليهودية بغض النظر عن انتمائهم العرقي (الإثني) أو الحضاري[6].

3- اليهود واليهودية:

تشير كلمة (يهود) على اطلاقها اشكاليات كثيرة، لأنها تخلط بين جماعات بشرية شديدة  التباين من حيث الاصل والميراث الحضاري، والمذاهب الدينية، باعتبارهم كلا متماسكا  ومتجانسا أو بوصفهم الشعب اليهودي.. تربط بينهم علاقة  اثنية (عرقية )  أو رابطة دينية.

الحركة الصهيونية استخدمت مصطلح  اليهود باعتبارهم  شعب واحد متجانس إلا أن مصطلح  (الجماعات اليهودية) هو الاكثر دلالة على التمايزات الموجودة  بينهم فكل جماعة  مرتبطة  بظروفها الحضارية والثقافية والبيئية التي عاشت فيها. فكانوا اقنان البلاط وتجار  ومحاربين داخل  النظام الإقطاعي.

وانتقل يهود بلاد فارس إلى الصين، واكتسبوا سمات الحضارة الكونفوسيوسية. ويهود الفلاشا اندمجوا في التشكيل الحضاري الافريقي. وهكذا لم يعد من الممكن النظر إلى كل هذه الظواهر في إطار واحد يقع خارج التطور التاريخي، استنادا إلى مفهوم الشعب اليهودي.

إن التفسير الصحيح لكل جماعة بشرية يجب ان يراعي الدائرة الحضارية التي نشأت فيها، والقوانين الحاكمة لحركة التاريخ والعصر الذي عاشت فيه.

ومما لا شك فيه أن التمايزات الحضارية كانت لها أثر عميق في الجماعات اليهودية من النواحي العقدية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية،  فاندمجوا في بيئاتهم ولم يبق لكثير منهم من اليهودية إلا الاسم..

والذين ثبتوا على هويتهم اليهودية (العرقية أو الدينية) بفضل الظروف المواتية في بيئاتهم الحضارية فقد انقسموا إلى مذاهب شتى.. واختلفوا فيما بينهم أحزابا وشيعا.

ومصطلح جماعة لا يعني أن اليهود جماعة واحدة بل توجد في الغالب جماعة رئيسية وجماعات فرعية لها هويات متمايزة..

ويهودي نسبة إلى (يهودا) باعتبارهم ينحدرون من قبائل العبرانية الاثني عشر.. واستخدمت الكلمة للدلالة على الدور الوظيفي الذي يقوم به ابناء الجماعات اليهودية في أوروبا..

في القرن الحادي عشر كانت كلمة  تاجر مرادفة  لكلمة (مرابي)  وكانت كلمة  يهودي  في الحضارة الغربية تحمل مضامين قدحية وسلبية فكانوا يستبدلونها بكلمة عبراني وإسرائيلي وموسوي. ورغم أن الكثير من اليهود تركوا عقيدتهم بتأثير من حركة التنوير اليهودية إلا أنهم استمروا في تسمية انفسهم يهودا. وهكذا لم يعد مصطلح يهودي يشير إلى الإيمان والعقيدة الدينية ومن هنا طرحت مسألة تعريف اليهودي حيث وجد تعريفان متباينان إحداهما يعتمد الهوية الدينية والثاني الهوية الإثنية أي الثقافية..[7]

كان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية الإثنية الدينية الواحدة.. التي تكرسها المؤسسة الحاخامية كما توجد عشرات من الجماعات التي تؤمن بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة، عن اليهودية الحاخامية.. وكل هذه الجماعات بهويات اثنية مختلفة، أي موروث ثقافي مشترك واسلوب حياة مشتركة.. وعلى الرغم من تنوع هويات اعضاء الجماعات اليهودية فيدعي الصهاينة ان ثمة وحدة جامعة وهوية اثنية عالمية.. وهو تصور ينطلق من أن الإنسان خاضع للحتميات الطبيعية المادية والاجتماعية ولا يمكن تجاوزها. فيذعن لهذه الحتميات المادية التي توجهه وتشكل هويته الإثنية (العرقية).

فالفكر الصهيوني يدور في إطار الرؤية الحلولية التي تجعل الخالق يحل في مخلوقاته فيتوحد بها ويصبح العالم جوهراً واحداً.

من هذا المنطلق تسقط الصهيونية على الشعب اليهودي والأرض اليهودية صفة القداسة لكونهما موضع الحلول الالهي مما جعل من الشعب اليهودي مختارا ومقدسا. ويتسم بفرادته وعزلته عن بقية الشعوب. كما أن الحلول يجعل الرابطة بين الشعب المقدس والأرض المقدسة رابطة عضوية لا يمكن فك أواصرها كما لا يمكن لغير اليهودي فهمها وسبر أغوارها بسبب تفردها.

وقد تفرع عن مفهوم الوحدة اليهودية مجموعة من المفاهيم الاختزالية، مثل الهوية الإثنية اليهودية، والشخصية اليهودية، والتاريخ اليهودي، والثقافة، اليهودية العالمية...الخ

هذه المفاهيم تختزل الجماعات اليهودية في صور إدراكية ايديولوجيا تهدف إلى تأكيد وحدة الجماعة على حساب التنوع الحضاري..

فأعضاء الجماعات اليهودية تفند هذه المقولات فهم يتسمون بالتنوع وعدم التجانس..[8].

إن الهدف من الترويج لمقولة الهوية الجامعة للجماعات اليهودية عبر التاريخ هوتحديد الأسس الإثنية والدينية، التي تعتمد لتحقيق الهوية اليهودية..

وبهذا الصدد فإن المؤسسة الحاخامية تعرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية، أو من يعتنق الديانة اليهودية. هذا التعريف هو الذي ساد في العصور الوسطى في أوروبا حتى بداية القرن التاسع عشر وهو التعريف الذي يعد الإطار المرجعي للكتابات حول الهوية اليهودية. وهو تعريف ديني وإثني فمن يولد من أم يهودية يظل يهوديا ولو لم يؤمن بالعقيدة اليهودية، وهو يهودي بالمعنى الإثني (العرقي)، أما اليهودي المتهود فهو يهودي بالمعنى الديني.

ورغم انتشار الجماعات اليهودية في العالم وما اتسمت به من تجانس ثقافي وديني فقد ظل تعريف الحاخامات لليهودي هو المعتمد.

إلا أن الحركات اليهودية التنويرية والإصلاحية والتجديدية والمحافظة، وهي فرق كان لها تعريفها لليهودية يختلف عن تعريف اليهودية الارثودوكسية.. أما الإصلاحيون فيؤمنون بروح العصر وأما المحافظون فبروح الشعب أو الأمة.

وهذه الصيغ تلغي الحلولية التقليدية التي كرستها الحاخامية والتي عزلت اليهود عن مجتمعاتهم فنزعت القدسية عن الهوية اليهودية بوضعها في إطارها التاريخي حتى يتسنى التمييز بين المطلق والنسبي مما يتيح للجماعات اليهودية الاندماج في المجتمعات المادية الحديثة بحيث تصبح هويتهم هي هوية الدولة القومية التي يعيشون فيها.

فالشريعة فقدت سلطتها الالزامية وأصبحت روح العصر هي المرجعية.. لا يعترف الإصلاحيون بالشريعة الشفوية.

(الحلول الالهي في الشعب وقيادته الحاخامية).

من ثم استبعاد العناصر القومية الموجودة في الدين اليهودي. والتي تؤكد فكرة اليهودية العالمية..[9]

رغم إسقاط صفة القداسة، فقد احتفظ الإصلاحيون بفكرة الشعب اليهودي، مع إعطائها دلالة عالمية جديدة واستبدلوا عقيدة المشحيانية بروح العصر الذي يحل فيه السلام والكمال ويأتي الخلاص إلى كل البشر من خلال التقدم العلمي والحضاري..

اندمجت الجماعات اليهودية في النسيج الحضاري الغربي، وأصبحت جزءا من المصالح الاقتصادية والسياسية ونشأ المشروع الصهيوني من رحم النظام الإمبريالي الرأسمالي الغربي الأمر الذي جعل الإصلاحية تعدل من رؤيتها لتتوائم مع الحركة الصهيونية لخدمة المصالح الامبريالية الاستعمارية..

اليهودية تطورت عبر التاريخ، وتكيفت مع روح العصر فاساس بنية الفكر الصهيوني تداخل المقدس والديني واللاهوت والسياسة.

الخلاصة أن تاريخ الهويات اليهودية الإثنية والدينية مركب ويغطي عدة أزمنة وأمكنة لا يربطها رابط. وأول هذه الهويات العبرانية لا تستند إلى تعريف ديني، بل تنسب إلى أقوام (كالعانيين والأراميين)، وهي مجموعات بشرية متماسكة تتصف ببعض سمات القومية، اللغة المشتركة، الثقافة والدين. ولكنها ليست شعوبا ولا قوميات بالمعنى الحديث..[10].

ولم يعد مصطلح (يهودي) حسب التعريف الحاخامي ينطبق على الغالبية العظمى من اليهود في العالم ولكن الغالبية تصر على ان تحتفظ بلقب يهودي..

-4-

تجليات الشخصية الإثنية في التاريخ:

1- الظاهرة الإثنية:

إن الملامح الأساسية للشخصية الإثنية هو أنها جماعة ذات تراث وتاريخ مشترك (لغة ودين وثقافة) يتوارثها أعضاء الجماعة جيلا بعد جيل، وتميزهم عن الآخرين من خلال ابراز خصوصيتهم الإثنية والقومية، وعلاقة الجماعة الإثنية بالأرض علاقة عضوية لا انفكاك منها.

النظرية الإثنية هي المقابل للنظرية العرقية التي تعتبر الانتماء إلى جنس معين محدد لهوية الشخص وانتمائه وتميزه واختلافه.

وقد استخدمت النظرية العرقية لتبرير الغزو الاستعماري الغربي للشعوب الأخرى. في آسيا وإفريقيا والأمريكيتين.. لأن هذا الآخر لا ينتمي إلى الهوية الإثنية والحضارية الغربية. فهو مستباح..

ومفهوم (الشعب العضوي) يعني أن أعضاء الشعب يترابطون ترابط الأعضاء بالجسم، والشعب هو الكمال العضوي المتماسك..[11].

النازية والصهيونية تبنت مفهوم الشعب العضوي والتفوق العرقي، بهدف تحقيق أهداف سياسية.

بهذا الخصوص يرى كلود ليفي ستروس (2009/1908): إن لا شيء في الوضع الحاضر للعلم يسمح بتأكيد التفوق او الدونية الثقافية بعرق من الأعراق، بالنسبة إلى عرق آخر.

فكل التجمعات الإثنية الكبرى التي تتألف منها الإنسانية اسهمت في تشكل تراث الإنسانية..

إن مساهمة الأعراق في الحضارة تعود لظروف جغرافية وتاريخية واجتماعية وليس نتيجة لقابليات متميزة أو متصلة بالتكوين التشريحي أو الفيزيولوجي..

إن الحياة الإنسانية لا تتطور في ظل نظام متماثل الرتابة، ولكن عبر نماذج منوعة من المجتمعات والحضارات، وهذا التنوع الثقافي والجمالي والاجتماعي ليس متصلا بأية علاقة سببية، بالتنوع الموجود على الصعيد البيولوجي. فثمة ثقافات إنسانية اكثر بكثير من الأعراق البشرية..[12].

2- الشخصية الإثنية اليهودية:

الشخصية اليهودية كما ظهرت على مسرح التاريخ شخصية معقدة تعتمد جذورها وتتحدد خصائصها في إطار الظروف والعوامل المتداخلة والمتناقضة التي تتصل اتصالا مباشرا بواقع الظروف التي تعرضت لها الجماعات اليهودية عبر التاريخ.

إن البحث عن ملامح الشخصية بين الأقليات اليهودية المبعثرة عبر تضاريس الكون البشري. التي تخضع لتأثيرات ثقافية ولغوية متباينة، فالبحث عن تاريخ مشترك لهذه الأقليات أو الجماعات اليهودية هو من قبيل الإبحار في أغوار محيط لا ساحل له..

وما يلفت النظر ان الشخصية اليهودية لم ترتبط بإطار جغرافي محدد.. ومن ثم فإن الجغرافيا لم تكن جزءا من هويتها ولم تكن سمة من سمات تراثها الذي تميز بتعدد مراكزه الجغرافية..[13]

لهذا يصعب القول إن ثمة شخصية يهودية واحدة جامعة تتسم بعناصر مشتركة... فبين الشخصية اليهودية الاثيوبية والشخصية اليهودية الامريكية فروق وتمايزات جمة ترجع إلى المحيط الحضاري لكل منهما، وذلك بمعزل عن الشخصيات والهويات اليهودية الأخرى..[14].

ولعل دراسة الشخصية اليهودية تكشف لنا الفرق بين الهويات اليهودية والصهيونية كايديولوجية عملت على تشكيل الشخصية اليهودية في العصر الحديث.

فمنذ القرن الخامس عشر ظهرت تيارات اليهودية المسيحية في الجزيرة الايبيرية (إسبانيا والبرتغال) وبرز نشاط تيارات المسيحية اليهودية في مرحلة الإصلاح والنهضة وراج الاعتقاد بعودة المسيح على رأس الفية السعيدة، وربطوا هذه العودة بعودة اليهود إلى أرض صهيون (اورشليم) واعادة بناء الهيكل.. بيد ان الانطلاقة الكبرى للمسيحية اليهودية ترجع إلى حركة الإصلاح الديني (البروتستانتية) في القرن السادس عشر حيث اعيد الاعتبار لليهود وللعهد القديم. المرجع الأعلى للإعتقاد المسيحي..

وانتعشت مع البروتستانتية المسيحية اليهودية والمتهودة.. واعتبرت بريطانيا بعد  انفصالها عن الكاثولوكية في مهمة مقدسة لعودة اليهود إلى اورشليم (بيت المقدس) وهكذا كانت البروتستانتية وراء انطلاق الحركة الصهيونية المسيحية. وذلك قبل ظهور الصهيونية اليهودية التي يعود تاريخ تأسيسها إلى المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1897.

وقد جرى توظيف (اللاهوت) لأغراض سياسية وتم استخدام الجماعات اليهودية لتحقيق أهداف السياسة الاستعمارية.

وكانت الصهيونية المسيحية الأمريكية السباقة إلى الاستيطان في فلسطين منذ منتصف القرن التاسع عشر، ومع حلول القرن العشرين يسري الانتماء الصهيوني في الثقافة الأمريكية.

نتيجة الارتباط العضوي باللاهوت اليهودي (توراة)..[15]

فالمعتقدات الأمريكية مزيج من التقاليد والأخلاق الدينية اليهودية والمسيحية الذي تمت ترجمته إلى معنى سياسي يتجلى في توافق القيم الأمريكية والإسرائيلية مما يفسر الانحياز الأمريكي المطلق لإسرائيل..

- 5 -

اليهودية والصهيونية

ظهر مصطلح اليهودية في العهد الهليني للإشارة إلى ممارسات اليهود الدينية أي العقيدة التي يتبعها سكان (يهودا)..، ثم استوعبت اليهودية الكثير من العناصر الدينية والحضارية، من الحضارات التي وجدت فيها وتتميز اليهودية بان التقاليد الشفوية أصبحت شريعة شفوية تعادل الشريعة المكتوبة.. استولت الصهيونية على العقيدة اليهودية وذلك باستقطاب الارثوذكس في صفها..[16].

أما مصطلح الصهيوني فقد تمت صياغته في القرن التاسع عشر ويستخدم للإشارة إلى بعض النزعات داخل النسق الديني اليهودي.

فالصهيونية بالمعنى الديني: تشير إلى كلمة صهيون في التراث الديني اليهودي (إلى جبل صهيون والقدس) بل إلى الأرض المقدسة كلها ويشير إلى اليهود باعتبارهم ابناء صهيون..

كما يستخدم للإشارة إلى اليهود كجماعة دينية.. وفكرة العودة إلى صهيون فكرة محورية في الدين اليهودي. إذ أن أتباع هذه العقيدة يؤمنون بأن المسيح المخلص سيأتي في آخر الزمان ليقود شعبه إلى صهيون ليحكم العالم ويسود العدل والرخاء..[17].

وقد بدأ مفهوم الصهيونية يتبلور مع توسع النظام الإمبريالي وظهور الدولة القومية العلمانية التي همشت الجماعات اليهودية الوظيفية.

بدأ مفهوم الصهيونية في التبلور والتخلص من ابعاده الدينية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول..، وتم تسويغ الصهيونية انطلاقا من الرؤية المعرفية الامبريالية واطروحاتها المادية وغالبا ما يخلط بين العلمانية والهوية الدينية لتبرير توطين اليهود في فلسطين لتحقيق الخلاص ولحماية، الطريق إلى الهند بهدف التوسع الإمبريالي..

حتى نهاية القرن التاسع عشر تمت صهينت الوجدان والعقل الغربي من خلال بلورة فكرة (الشعب العضوي ) في كتابات المفكرين والأدباء سواء من حركة الاستنارة أو الرومانسية.

وبدأ الاهتمام باللغة العبرية والموضوعات اليهودية بكثير من الألفة لم تكن معروفة من قبل.. ونشر ما بين (1880/1840) ما يزيد على 1600 كتاب من كتب الرحلات في تدعيم صورة فلسطين كأرض مهملة وصورة العرب والمسلمين بكونهم مسؤولين عن هذا الخراب..

وأسس صندوق استكشاف فلسطين عام 1865 وكان مركزا لمؤيدي الاستيطان الصهيوني.

كانت النزعة الصهيونية حتى اوائل القرن التاسع عشر تأخذ طابعا فكريا تأمليا وعاطفيا لان أوروبا في حالات الانتقال..

ويلاحظ أن البعد (الجيوسياسي) الكامن وراء النزعة الصهيونية ازداد مع التوسع الإمبريالي والاستعماري الغربي..

وربط الحل الصهيوني للمسألة اليهودية بتمزيق الامبراطورية العثمانية.. واقتسام تركتها.. وازدادت فكرة الصهيونية المركزية في المخططات السياسية الغربية الاستعمارية. فكانت معظم الدول الأوروبية مشاركة في وعد الوزير البريطاني(آرتور بلفور) (2 نونبر 1917) الرسالة موجهة إلى ادموند روتشيلد (1937/1868) أحد زعماء الحركة الصهيونية تم التنصيص في الرسالة على إقامة وطن للشعب اليهودي (â national home for jewish people)  في فلسطين..

والجدير بالذكر أن فكرة الوعد ترجمة حرفية للمقولات اللاهوتية اليهودية والمسيحية.. ومن هذه المقولات تبلور مفهوم الصهيونية الغربية وهو مصطلح يشير إلى أنها حركة غربية تضرب بجذورها في التشكل الحضاري والسياسي الغربي، وتصدر من الصيغتين الأساسية والشاملة.. (صهيونية اليهود في غرب أوروبا، وصهيونية يهود شرق أوروبا). فالشعب اليهودي مجرد وسيلة مهمة توظف في إطار كوني وتاريخي ضخم بسبب الرؤية الحلولية اليهودية التي تمتزج بالرؤية المادية النفعية في إطار الحضارة الغربية الحديثة بحيث يتم التعبير عن الروحية بطريقة مادية. فيحل النظر إلى أرض الميعاد باعتبار اهميتها الاقتصادية والاستراتيجية وإلى الشعب باعتباره مادة استيطانية تخدم الحضارة الغربية..[18].

***

أحمد بابانا العلوي – باحث مغربي

...........................

[1]- أرنولد توينبي، تاريخ البشرية،  ترجمة نقولا زيادة- الدار الأهلية للنشر 1981 الجزء الأول- ص 11/10.

[2]- د. عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (الموجزة)، دار الشروق 2003/ط/1/  ص - 103

[3]- عباس محمود العقاد، الصهيونية العالمية، منشورات، المكتبة العصرية ص- 32/31

[4]- عبد الوهاب المسيري، المصدر السابق، ص 103.

[5]- كمال الصليبي، التوراة جاءت من الجزيرة العربية، ترجمة عفيف الرزاز، مؤسسة الأبحاث العربية ط/6/ص12/ 13.

[6]- عبد الوهاب المسيري، مصدر سبق ذكره، ص - 104

[7]- عبد الوهاب المسيري، المصدر السابق ص- 103/101

[8]- عبد الوهاب المسيري، دفاع عن  الإنسان دراسة نظرية وتطبيقية في النماذج المركبة، دار الشروق ط4 / 2020- ص 23/21.

[9]- المصدر السابق، ص 107

[10] - المصدر السابق، ص 123

[11]- عبد الوهاب المسيري، الموسوعة اليهودية (ج2/ 2003) ص 26.

[12]- كلود ليفي استراوس، العرق والتاريخ، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر- ط2 / 1997/ص5/ 7.

[13]- الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية، د. رشاد عبد الله الشامي، عالم المعرفة(102) يونيو 1986/ص 29.

[14]- عبد الوهاب المسيري، الموسوعة اليهودية- ج2 / ص 30.

[15]- رضا هلال، المسيح اليهودي ونهاية العالم المسيحية السياسية والأصوليةفي أمريكا، دار الشروق، ط1 /2001/ص16/ 18

[16]- الموسوعة اليهودية، ج2/ص19

[17]- المصدر السابق، ص197.

[18]- المصدر السابق، ص 246.

 

عندما تنظر في كتاب رب العالمين عز وجل تلمس الإعجاز القرآني وبديع صنعه في السور والآيات القرآنية وخصوصاً تلك التي تتحدث عن طبيعة ردود الأفعال والتصرفات الفجة التي تتعامل بها الأقوام الجاحدة والمنكرة لرسالة الأنبياء والمرسلين المبلغين عن الله عز وجل لأقوامهم، فهم يريدون لهم الخير والسلام والإيمان الذي يخرج الأقوام والشعوب والأمم من جهل الدنيا إلى سعة الآخرة وظلامها الدامس إلى نور وعدالة في الأرض والسماء ، كما قال ربيعي بن عامر رضي الله عنه لرستم " قال له رستم: ما جاء بكم؟ فقال له: لقد ابتعثنا اللهُ لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".[1]

تأمل معي هذه الآيات العظيمات في قوله سبحانه وتعالى " قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" ( الأعراف:62)،"

فالسفاهة‏ تعني: ‏إساءة التصرف أو التصرف بما يناقض الحكمة‏، خفة عقل وضلالة عن الحق

مصدر سفه رداءة خلق. وقاحة.[2]

والنداء في جوابه إياهم للاهتمام بالخبر، ولم يخص خطابه بالذين جاوبوه، بل أعاد الخطاب إلى القوم كلهم، لأن جوابه مع كونه مجادلة للملأ من قومه هو كذلك دعوة عامة والرد عليهم وإبطال قولهم إنا لنراك في ضلال مبين .[3]

وآية أخرى" قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِين".[(الأعراف:٦٦ – ٦٧).

فالضَّلالة: الضَّلال. والضَّلالة سلوك طريقٍ لا يوصِّل إِلى المطلوب. ضلالة العمل: بطلانه وضيَاعه. الضَّلالُ والضَّلالةُ: ضدُّ الهُدَى والرَّشاد.[4]

وصلت بهم الصلافة والرعونة وقلة التهذيب بأن يتحدثون مع أنبياء الله عز وجل في نعتهم بالسفاهة والتي تصفهم بالإساءة وقلة الحكمة، وكذلك بالضلالة التي تتهمهم بقلة الهدى والرشاد مع أنهم جاءوا يبلغون رسالات الله عز وجل ويخرجون العباد من الشرك إلى الإيمان ومن الضياع إلى الهدى ومن الانحراف إلى السوية والصراط المستقيم، قلة الفهم وغياب الدراية والمعرفة والفهم لاستيعاب دور الأنبياء المبلغين عن الله عز وجل في التصرف والتجاوزات باتهاماتهم وتعنتهم كبراً وتطاولاً عليهم.

لم يتعامل الرسل عليهم السلام بالمثل ويستخدمون الجدال والمناكفات والتصرفات غير المتوازنة، ويتصرفون وفق ردود الأفعال كما فعلت الأقوام المنكرة والمتهمة إياهم بالضلال والسفه، بالرغم من أن هذه الكلمات والاتهامات مؤلمة وموجعة وفيها قدح وذم لأعظم البشر وأكثرهم صدقاً وعدالة، فهم رسل الله عز وجل حملوا لواء الرسالة لنشر القيم والمبادئ العظيمة والفهم الصحيح لطبيعة الحياة وخلق الإنسان لعبادة الله وتوحيده، وهو في نهاية المطاف له التمكين والسعادة في الدارين، إن اتباع نهج الرسالة ووعى كنه أصالتها والتزم بتعاليم دينه ومنهجه، إنما تحلو بالانضباط ورباطة الجأش والتحكم في الذات والتركيز على الهدف في الموقفين، فقد دحضوا فكرة الضلالة والسفاهة عنهم بروح وثابة ونفس مطمئنة وثقة بالله ومن ثم من أنفسهم لعظيم رسالتهم وصدقها وعدالتها، وأظهروا رسالتهم والأهداف التي جاءوا من أجلها، فلم يحرفهم هؤلاء القوم على بشاعة ما ذكروه ووصفوهم بهم عن جادة طريقهم ومسار غاياتهم، فقد أشاروا لهم أنهم رسل لله عز وجل وإظهار دورهم الإيجابي ونصحهم لهم والخير الذي يكمن في دعوتهم .

فحري بكل موظف أو أية شخص أين كان موقعه أو منصبه أن ينحوا تجاه الحياة العملية والمهنية والاجتماعية عندما يتعرض للاستفزاز والصعوبات والتحديات في عمله ، أن يسلتهم العبر والعظات من هذه الآيات بأن يتمتع بالتوازن في شخصيته والتحكم فيها دون الانجرار إلى ترهات الكلمات والمواقف التي تصدر عن البعض من إيذاء وتشكيك وقدح وذم، فلربما الشخص الذي يكيل الإتهامات والأوصاف غير الحقيقية ، إما أنه جاهل يحتاج إلى تعلم ووعي وإدراك، وإما متكبر ومعاند يريد أن يحرف البوصلة عن مسارها وينفذ مآربه ومخططاته. فالتوجه نحو الأهداف والأدوار أثمن نفعاً من السجال غير المجدي الذي يؤدي بدوره إلى النجاح في التعامل مع المخطئ أو تحجيم الجاهل أو المعاند وتفويت الفرصة عليه والسيطرة على الموقف والأحداث التي يفتعلونها ويحدثونها. فالسيطرة على الذات والتعامل بتوازن نفسي والتصرف وفق الفعل الإيجابي والتوجه الأسمى أعظم فائدة وأكبر أثراً في إحداث التغيير الملائم والوصول إلى الأهداف المرجوة والمخطط لها.

***

د. أكرم عثمان

مستشار ومدرب دولي في التنمية البشرية

2024

.................

[1] https://www.islamstory.com/ar/artical/20281

[2] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

[3] https://www.islamweb.net/ar/library/content/61/945

[4] https://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar

الموافقة على الفعل الجنسي للفتيات الصغيرات في محاكمات الاغتصاب في شاتليه في النصف الثاني من القرن الثامن عشر

بقلم: ماييل برنارد

ترجمة: د.محمد عبدالحليم غنيم

***

يجسد الاعتداء الجنسي على الأطفال حاليًا أحد الأشكال النادرة للحياة الجنسية غير القانونية في فرنسا. ولأن الطفل يعد غير قادر على الموافقة على الفعل الجنسي، فإنه يمثل في المخيلة الجماعية الضحية البريئة في أنقى صورها. ومع ذلك، فإن مسألة موافقة الأطفال لا تزال تخضع حاليًا للعديد من المناقشات والخلافات.في حين ترغب الحركات النسوية في تحديد "سن الرضا للقاصرين الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا" وسن "قانون يحدد على وجه التحديد الاغتصاب وغيره من الاعتداءات الجنسية على القاصرين، مع عبارات محددة لتوصيف الإكراه والتهديد والعنف والمفاجأة".(1)"نجد الحكومة، تبادر باعتماد قانون شيابا في 3 أغسطس 2018*، ومن ثم قد تخلت أخيرًا عن تحديد الحد الأدنى لسن الموافقة على الاتصال الجنسي (2).

يقودنا هذا القرار إلى التشكيك في براءة الطفل المفترضة، وبالتالي غياب موافقته، لأنه في المحكمة يمكن اعتباره موافقًا على علاقة جنسية(3) – كما كان الحال خلال الحكم الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني أصدرت محكمة جنايات مو (سين إت مارن) في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2017، حكماً ببراءة رجل يبلغ من العمر 30 عاماً متهم باغتصاب فتاة تبلغ من العمر 11 عاماً. إن رفض الاعتراف بالاغتصاب عندما يقدم الطفل شكوى ويثبت الفعل الجنسي يثير التساؤل التالي: هل يمكن للطفل أن يوافق على الفعل الجنسي رغم صغر سنه؟ لأنه، كما تشير ساندرا بورينغر، في المجتمعات الغربية المعاصرة، "لا تعاقب الإدانة بالاغتصاب على فعل محدد، بل ما يعاقب عليه هو انتهاك موافقة الشخص(4)." لكي نفهم بشكل أفضل ما هو على المحك في هذه الأسئلة الاجتماعية - التي هي التشكيك في موافقة الأحداث والرغبة في إثبات أن الطفل ضحية كاملة - من المفيد كمؤرخ "الذهاب نحو الماضي بهذه الأسئلة حول الحاضر لنعود إلى الحاضر مثقلين بما فهمناه من الماضي(5)"

قبل التركيز على شخصية الفتاة الصغيرة، من المناسب أن نتوقف بضع لحظات عند جريمة الاغتصاب في القرن الثامن عشر. وفي هذا التاريخ، حددها ستة من الفقهاء الفرنسيين (6)؛ يقدم بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، المحامي، ودانييل جوس، الحقوقي والجنائي، التعريفات الأكثر تفصيلاً. وفي هذا التاريخ، حددها ستة حكماء فرنسيين؛ يقدم بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، المحامي، ودانييل جوس، الحقوقي والجنائي، التعريفات الأكثر تفصيلاً. الأول يكتب أن “هذه الجريمة ترتكب عندما يستخدم الرجل القوة والعنف ضد فتاة أو امرأة أو أرملة ليتعرف عليها جسديًا، على الرغم من المقاومة القوية والمتساوية دائمًا التي تبديها لمنع القيام بذلك. (7)" والثاني يصف الاغتصاب بأنه "أي ارتباط غير مشروع يتم بالقوة، وضد إرادة الفتيات والنساء والأرامل (8)" . من بين تعريفاتنا الستة، فقط جوس هو الذي ذكر الإرادة الأنثوية. إن فكرة "موافقة الأنثى" غائبة عن هذه الأدبيات القانونية للنظام القديم؛ ظهر عام 1810 مع إنشاء القانون المدني. ومن ثم يُفهم الاغتصاب على أنه "الجماع غير المشروع مع امرأة معروف عنها عدم موافقتها".لفترة طويلة، قلل علم التأريخ من أهمية الاغتصاب في القرن الثامن عشر، وأنزله إلى المرتبة الثانية، بعد جرائم الاختطاف العنيف والإغواء والزنا. ويوضح جورج فيجاريلو أن "كلمة الاغتصاب موجودة بالطبع في إجراءات القرن الثامن عشر، ولكن المصطلح المستخدم تحديدًا في الأطروحات المتعلقة بالمسائل الجنائية هو مصطلح "الاختطاف بالعنف" (9)". ومن الناحية الرمزية، فإن الجريمة التي يعاقب عليها القانون ليست اغتصاب موافقة الضحية، بل الاعتداء على شرف فرد ذكر - شرف الأب في حالة الاختطاف وشرف الزوج في حالة الزنا. ثم تستنتج جينيفيف فريس أنه في فرنسا "تغيرت الأمور [...] خلال المناقشات الثورية [...] مع الاعتراف بالاغتصاب الذي يحل محل مصطلح الاختطاف في قانون العقوبات لعام 1791 [...].أصبحت موافقة المرأة الآن مسألة خطيرة(10)." ومع ذلك، تحتاج هذه النظرية التاريخية إلى تعديل لأننا لاحظنا خلال بحثنا أن ثلث المعتقلين في مجموعتنا يعرّفون الاغتصاب بشكل مستقل عن الجرائم الأخرى، وبالتالي يضعون موافقة الأنثى في مركز تفكيرهم (11).

ومع ذلك، فإن هذا الاعتبار القانوني للاغتصاب ليس مرادفًا لمراعاة موافقة الضحية أثناء الجريمة. إذا كانت الفتاة الصغيرة تعتبر "الضحية المثالية (12)" في القرن الثامن عشر، فإن هذا ليس هو الحال بالنسبة للمرأة البالغة التي تأتي لتقديم شكوى. عندما يحلل هيرفي بليانت المفهوم القانوني لـ "الضحية"، فهو يربطها بالسلبية: الضحية ضحية لأنه لم يفعل شيئًا (أو لم يفعل ما يكفي) للهروب من مصيره. هذه السلبية – التي يعتبرها “أحد الشروط الضرورية للبراءة(13)" – تؤدي إلى الشك: إذا لم يقم الضحية بأي شيء، فمن المشروع بالتالي التشكيك في حالة موافقته. وبالتالي فإن الضحية المثالية هي الشخص الذي - على الرغم من سلبيته، سواء أكان نسبيًا إذا حاول المقاومة أو مطلقًا -لا يمكن الشك في أنها وافقت أو استسلمت. ثم يجسدها شخصيتان: الطفل والمرأة الميتة. الأول لأن عمرها يشهد على عدم رضاها، والثاني لأن موتها هو الدليل القاطع على أنها قاومت حتى النهاية، وبالتالي لم توافق.

على عكس هاتين الشخصيتين اللتين يُنظر إليهما على أنهما بريئتان جوهريًا، فإن المرأة البالغة التي تعرضت للاغتصاب يُشتبه دائمًا في أنها لم تمنع مهاجمها من التصرف لأنه، وفقًا لمعاصريها، "مهما كان تفوق قوة الرجل على قوة المرأة، فإن الطبيعة قد زودتها بموارد لا حصر لها لتجنب انتصار خصمها(14)." استنتج جان فرانسوا فورنيل، وهو محام فرنسي من النصف الثاني من القرن الثامن عشر، أن الاغتصاب الناجح - وبعبارة أخرى، عندما يكون هناك إيلاج -تتم دائمًا الموافقة عليها جزئيًا من قبل الضحية البالغة نظرًا لأن الأخير استسلم أخيرًا لهجمات مهاجمه و"الحكمة التي تستسلم دائمًا تقريبًا نصف حكمة(15)". في حين أن شكاوى الاغتصاب من النساء البالغات نادرة في الأرشيفات القضائية، فإن أرليت فارج تشكك في هذا الوضع الأرشيفي وتستنتج أن معظم الضحايا يظلون صامتين؛ ولا يملك هؤلاء الأخيرون سوى القليل من سبل اللجوء ضد المعتدي، خاصة إذا لم يكن لديهم إصابات أو حمل للإدلاء بشهادتهم بشأنه. وأيضاً، بحسب هذا المؤرخ، فإن "غياب الاغتصاب يجعل منه حاضراً بشكل غريب(16)".

ومن الناحية القانونية، فإن شبهة الرضا هذه غير موجودة عندما يتعلق الأمر باغتصاب طفل يقل عمره عن (12) سنة. ويوضح مويارت دي فوجلان أنه "نحن نميز في الفقه بين نوعين من الاغتصاب: تلك المرتكبة ضد فتيات غير مؤهلات للزواج أو غير ناضجات وتلك المرتكبة ضد فتيات قابلات للزواج(17)". لذلك، يلعب العمر دورًا مهيمنًا في الفكر القانوني في القرن الثامن عشر، ولهذا السبب "لا يُنظر إلى اغتصاب فتاة صغيرة تبلغ من العمر 17 عامًا، أو امرأة متزوجة أو أرملة، ولا يُعامل بنفس الطريقة التي يتم بها اغتصاب طفل.(18)".

إن الوثائق القانونية التي تم تحليلها كجزء من بحثنا، وجميعها من الأرشيفات الباريسية لشاتليه وبرلمان باريس والتي يرجع تاريخها إلى الفترة من 1750 إلى 1785، تشهد على ذلك: إنها في الأساس محاكمات تشمل فتيات صغيرات جدًا؛ من بين 31 تجربة اغتصاب تمت دراستها (19)، كانت 23 منها تتعلق بفتيات تحت سن 12 عامًا (20). ثم دفعتنا هذه النسبة الكبيرة إلى التساؤل عن المكانة الحقيقية التي يمنحها قضاة شاتليه دو باريس لموافقة الأطفال - وخاصة لعدم وجودها - في مواجهة النظرية القانونية التي تجعل من هؤلاء "ضحايا مثاليين". (21)".

إذا كان هذا الاعتبار القانوني الذي يوضح على الفور براءة الفتيات الصغيرات يشجع الآباء عمومًا على تقديم شكوى (I)، فإن الواقع القانوني غالبًا ما يتضمن التشكيك في عدم موافقة الضحية القاصر، وبالتالي فهو ملزم بإثبات براءته، كضحية بالغة. سيفعل ذلك (الثاني). هذا الشك حول موافقة الفتيات يدفع النظام القضائي إلى توخي الحذر عند معاقبة اغتصاب الأطفال، لأنه في القرن الثامن عشر فضلت المؤسسة القضائية إطلاق سراح الشخص المذنب بدلاً من إدانة شخص بريء (III) .

الفتاة الصغيرة: "الضحية المثالية) 22 (" في النظرية القانونية

يعتقد التأريخ الحالي أن الفتاة الصغيرة في القرن الثامن عشر كانت "ضحية مثالية(23)" عندما يتعلق الأمر بالعنف الجنسي - كانت النظرية القانونية في ذلك الوقت تقدمها على أنها غير قادرة على الموافقة على ممارسة الجنس قبل سن الثانية عشرة. تفسر هذه البراءة النظرية التي مُنحت لها الوجود الكبير لحالات اغتصاب الأطفال في الأرشيفات القضائية: فالآباء أقل خوفا من تقديم شكوى ويعتقدون أن ابنتهم سوف يصدقونها بشكل أكبر، على عكس الضحية البالغة التي تثقل كاهلهم بشكل منهجي تقريبا بشبهة الموافقة.

العمر كدليل على عدم الموافقة

في القرن الثامن عشر، كان سن البلوغ عند الإناث حوالي 15 عامًا ونصف، وبالنسبة لمعظم الفتيات، بالنسبة لمعظم الفتيات، لم يصل الحيض حتى سن 17 أو 18 (24). ومن ثم قبل أن تبلغ المرأة 12 سنة، فهي ليست في سن البلوغ وتعتبر فتاة؛ ومع ذلك، فمن هذا العمر، وفقًا للقواميس القانونية، يمكنها الموافقة على العلاقة الجنسية. ويعكس هذا الحد العمري النظريات التي وضعها القانون الكنسي، والتي بموجبها يكون الحد الأدنى لسن الزواج هو 12 عامًا للفتيات و14 عامًا للفتيان (25) . ويوضح نيكولا شورييه، وهو محام ومؤرخ فرنسي من القرن السابع عشر، أنه إذا تم انتهاك حياء فتاة دون سن 12 عامًا عن طريق الاختطاف والعنف، فإن العقوبة العادلة هي الموت(26). وإذا تم الجماع دون هذين العنصرين العنيفين، وجب الحكم على المتهم بالإبعاد – إذا كان رجلا حسن السمعة أو يعمل فى تشغيل المعادن - هنا، يُفهم سن 12 عامًا على أنه الحد الفاصل بين اغتصاب البالغين واغتصاب الأطفال، وبالتالي يتضمن عقوبة أشد. علاوة على ذلك،  شير نيكولاس كورييه إلى أن العمر الحقيقي للفتاة - وليس فقط حقيقة أنها أقل من 12 عامًا - مهم في إدانة الاغتصاب؛ في الواقع، “كلما كان عمر الفتاة المغتصبة أقل، كلما كان الشخص الذي أجبرها على الجريمة أكثر إجراماً(27)"

لأن تعريفها بالطفلة، وعمر المجني عليها أقل من 12 سنة هو في الأدبيات القانونية دليل على عدم رضاها وبالتالي على براءتها. يؤكد مويارت دي فوجلان على أهمية هذا المعيار عندما ينصح القضاة "بتوخي الحذر الشديد تجاه الاتهامات [بالاغتصاب]" إلا عندما ترتكب الجريمة "ضد فتيات غير ناضجات، حيث يكون العمر وحده كافيًا لإثبات الدليل (28)". على عكس المرأة غير الصالحة للزواج التي يجب أن تظهر مقاومة كاملة، وعدم تكافؤ القوة بينها وبين مهاجمها، وتصرخ، ويجب أن تكون مصابة بجروح وآثار عنف، فإن الطفل الذي يقل عمره عن 12 عامًا، وفقًا للمؤلف، خامل بسبب عمره؛ الشك في الموافقة غير موجود. ويفسر افتراض البراءة هذا السبب الحقيقى فى تشديد العقوبات المطلوبة في حالة اغتصاب فتاة صغيرة.

الوضع الذي يستدعى الإدانات

المصادر القضائية غير كاملة بطبيعتها لأنه لا يقدم جميع ضحايا الاغتصاب شكاوى. وأمام صعوبة إثبات عدم الموافقة والشكوك المستمرة التي تحيط بهن، تلتزم العديد من النساء الصمت. وهكذا تظهر الأرشيفات أفظع الجرائم، بما في ذلك حالات اغتصاب الفتيات المبلغ عنها بسبب البراءة الجوهرية التي تمنحها الأدبيات القانونية لهؤلاء الضحايا؛ وتعتقد العائلات بعد ذلك أنها ستتمكن من كسب القضية والحصول على تعويض بسهولة كبيرة.

ومع ذلك، كما يشير ألكسيس برنارد، حتى أصغر الضحايا يحاولون إخفاء الجريمة عن المقربين منهم، وغالبًا ما يحدث ذلك فقط عندما يعانون من إصابات أو أمراض فسيولوجية تظهر للعلن(29). ومن بين الحالات الثلاث والعشرين، تم تقديم 11 بلاغًا بعد أن لاحظ الوالدان علامات جسدية غير عادية على طفلهما. يمكن أن يتراوح ذلك من الأمراض التناسلية، كما هو الحال بالنسبة لماري آن بريفالون، وهي فتاة تبلغ من العمر 5 سنوات (30) إلى أضرار جسدية لا يمكن إصلاحها: اشتكت ماري تيريز باريس، البالغة من العمر 3 سنوات ونصف، من المغص لأمها التي لاحظت بعد ذلك "أن الدم يخرج بغزارة عبر الرحم(31)". ثم ماتت الفتاة الصغيرة بعد ستة أيام.

البراءة موضع شك في المحاكمة القضائية

وعلى الرغم من النظرية القانونية التي تعتبر الفتاة التي يقل عمرها عن 12 عامًا "الضحية المثالية (32)"، فإن المحكمة تحتفظ بشكوك قوية تجاهها. ولذلك يجب على الأخيرة أن ترد على اتهامات مهاجمها وتقنع القضاة ببراءتها. وللقيام بذلك، أظهرت، بمساعدة عائلتها، مقاومتها وصراخها وشرفها، كما تفعل الضحية البالغة؛ ومن ثم تشكل هذه العناصر دليلاً على عدم تصديقها أثناء الإبلاغ.

إلقاء اللوم على الفتاة الصغيرة في الاغتصاب

ليس من غير المألوف أثناء محاكمات الاغتصاب أن يسعى المتهمون إلى تشويه سمعة الفتاة من خلال الادعاء بأنها تتحمل بعض المسؤولية عن الفعل الجنسي. من بين محاكماتنا الثلاث والعشرين، ذكر ثمانية متهمين المبادرة النسائية للتقليل من مسؤوليتهم. وينطبق هذا، على سبيل المثال، على فرانسوا ريمون وجان باتيست فلورات اللذين يدعيان أن الأطفال هم الذين جاءوا ليجدوهما في غرفتهما وأنهم، بموقفهم، قاموا بفعل جنسي (33)؛ الفتاتان تبلغان من العمر 5 سنوات ونصف و 7 سنوات على التوالي. من جانبه، وصف ليونارد لا شابيل ماري آن نيري، البالغة من العمر 11 عامًا، بأنها وافقت على الإيماءات الجنسية. ويوضح أن "الفتاة [المذكورة] هي التي جاءت لتبحث عنه بنفسها لتجرب الدغدغة بالعضو الذكري".وعلى حد قوله فإنه "لم يكتف إلا بمسها وبرضاها"(34). فرانسوا بلانشيت هو المتهم الوحيد الذي حاول إعادة صياغة الجماع الجنسي باعتباره عملاً من أعمال الدعارة. ويوضح أنه بعد محاولة الإيلاج، "مدت الفتاة الصغيرة [المذكورة] نفسها إلى جيبهوأخذت العملة المعدنية ذات الجنيهين(35) كان عمر ضحيته 6 سنوات.

يرتبط شرف المرأة وسمعتها ارتباطًا وثيقًا بحياتها الجنسية في خيال القرن الثامن عشر. وعلى خلاف الرجال الذين يتأثرون بقصورهم الجنسي لا بإفراطهم، فإن الفجور من أسوأ الإهانات التي يمكن أن توجه إلى المرأة(36). في الأدبيات القانونية، لا تعتبر المرأة ذات السلوك السيئ عرضة للاغتصاب؛ أثناء محاكمة الاغتصاب، يستنكر المتهم أحيانًا حياة الفتاة السيئة لمحاولة إثبات موافقتها. من بين الاثنين والعشرين متهمًا في مجموعتنا - أحدهم حوكم في قضيتين - يسعى ثلاثة إلى الإضرار بسمعة ضحيتهم: أندريه شيفال، وكريستوف إيزابيل، وليونارد لا شابيل. وللدفاع عن نفسه ضد اتهام ماري أوبورتون هينوست، يقول كريستوف إيزابيل " أقسم بإن هذه الفتاة [تبلغ من العمر 10 سنوات ونصف] معروفة بأنها فاجرة بعض الشيء، حتى أن والدها يشكو من فجورها(37)".

ضرورة إثبات عدم موافقة الفتيات

في مواجهة الاتهامات من المعتدي، يجب على الفتيات الصغيرات المشتبه في موافقتهن إثبات براءتهن. وللقيام بذلك، طرحوا حججًا مرتبطة بالتعريف القانوني للاغتصاب - والذي يتميز بشكل خاص بالمقاومة المستمرة وصرخات الضحية؛ وبعد مرور قرن فقط، اكتشف الطب حالة الدهشة عندما أوضح ألفريد سوين تايلور، الكيميائي الإنجليزي وعالم السموم، أن المرأة يمكن أن "تستسلم لهجوم دون أن تبدي مقاومة" لأنها "تصبح عاجزة بسبب رعب القوة". حالتها   (38)". إذا لم تصرخ الضحية، يمكن للمتهم بسهولة أن ينكر عدم الموافقة أو حتى الفعل الجنسي. وفقًا لروسو دو لا كومب "نحن نعترف أنه كان هناك عنف أثناء عملية الاختطاف [أو الاغتصاب] عندما طلبت امرأة، بصوت عالٍ، المساعدة والمساعدة من شخص ما، وعندما سمع بعض الناس هذه الصرخة (39) "؛ ولهذا السبب يُشتبه في موافقة الضحية الصامتة. من بين المحاكمات الثلاثة والعشرين التي أجريناها، ادعت خمس فتيات أنهن صرخن، وذكرت خمس فتيات أنهن حاولن ولكن مُنعن من القيام بذلك - في هذه الحالات، غالبًا ما يضع المتهم يده أو منديلًا على فم ضحيته - واثنتان وضح أنها بكيا بسبب الألم الناتج عن الإيلاج.

موقع الجريمة مهم أيضًا؛ وبحسب المعتقلين، فإن الاغتصاب لا يمكن أن يحدث إلا في أماكن محددة، وخاصة المعزولة، وإلا فإن صرخات الضحية كان من الممكن أن تسمع حتما. ولذلك، فإن ضحايا الاغتصاب لديهم كل الاهتمام بتفسير سبب عدم نجاح صرخاتهم طلبا للمساعدة،وبالتالي إثبات عزلة مسرح الجريمة. ومن بين المحاكمات الثلاث والعشرين، حددت اثنتان وعشرون فتاة أن الهجوم وقع في مكان منعزل. ومن هذه الحالات الاثنين والعشرين، سبعة عشر حالة ارتكبت في منزل المتهم، واثنتان في منزل الضحية، وواحدة في المرافق، وواحدة في غرفة خلفية وواحدة في غرفة يخزن فيها المتهم حطبه. وحدد ثمانية من الضحايا الاثنين والعشرين أن الباب مغلق، وأكد ستة منهم أن المتهم وضع القفل حتى لا يزعجهم أحد، وذهبت واحدة إلى أبعد من ذلك بقولها إن الرجل الذي اعتدى عليها "أغلق الباب". وسد الثقوب بالورق (40).

ونظرًا لأن الاغتصاب له عواقب على أسرتها، فغالبًا ما تحصل الفتاة الصغيرة على مساعدة من والديها أثناء المحاكمة. الشرف هو "عنوان الأسرة (41)" في القرن الثامن عشر، وهو ملوث ويلطخ دماء الرجال إلى الأبد عندما تفقد الفتاة عذريتها قبل الزواج. وفي محاولة لتعويض شرف الأسرة المفقود، يسعى الوالدان إلى إكمال كلام الطفلة لتقديمها على أنها بريئة. وذكر فنسنت إستيفال، والد ماري إستيفال، وهي طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات، خلال المعلومات أنه "سمع الطفلة [المذكورة] تصرخ في غرفة [المذكور] بوس (42)". وأوضحت الطفلة، من جهتها، أن المتهم جان بوس "غطى فمها بقطعة قماش كبيرة(43) " ومن الناحية العملية، يبدو من الصعب على الأب أن يسمع صراخ ابنته عندما منعها المعتدي من ذلك؛ وربما تكون هذه محاولة من الأب لتقديم المزيد من الحجج لإثبات عدم موافقة ابنته.

اغتصاب الأطفال في المحكمة: جريمة لا يعاقب عليها القانون

وعلى الرغم من النظرية القانونية المتساهلة تجاه الفتيات، فإن المحكمة تشكك في شهادتهن وتثير الشكوك حول عدم موافقتهن. وعلى عكس ما يؤكده التأريخ - الذي يؤكد أن اغتصاب فتاة صغيرة يعاقب عليه بشدة ويعتبر جريمة خطيرة - فإن محاكمات اغتصاب الأطفال في شاتليه دو باريس بين عامي 1750 و 1785 تكشف عن جريمة لا يعاقب عليها إلا القليل في نهاية المطاف، وعقوباتها قليلة نسبيًا. وذلك بناء على شهادة المتهم وليس شهادة الطفلة.

الرغبة في عدم إدانة شخص بريء

على عكس عصر العصور الوسطى حيث كان النظام القضائي محكومًا بالمواثيق والأعراف، تركت العقوبة الجنائية في القرن الثامن عشر إلى حد كبير لتقدير القضاة؛فالنظام التقديري، كما يسميه المؤرخون القانونيون، يجعل من الممكن "مراعاة مسائل المحاكمة(44)". يتم إصدار أحكام مختلفة على جريمة الاغتصاب: تلك التي تؤدي إلى العقوبة البدنية - التي تطلبها المحكمة الجنائية عندما تجد المتهم مذنباً - وما يسمى بالأحكام "الأكثر استنارة".وتسمح هذه للنظام القضائي بإبقاء المتهمين الذين لم تثبت براءتهم أو إدانتهم تحت تصرفه، حتى يتمكن من إعادة فتح القضية إذا ظهرت أدلة جديدة في وقت لاحق؛ وإذا لم يكن الأمر كذلك، يطلق سراح المتهم – إذا لم يكن حراً بالفعل – بعد ستة أشهر أو سنة ويقال إن القضية قد أغلقت. من بين الاثنين والعشرين متهمًا في مجموعتنا، شهد خمسة عشر منهم انتهاء محاكمتهم "بمزيد من المعلومات الكاملة"، وحُكم على واحد في القوادس، ونُفي آخر، وتم إعلان المحاكمة خارج المحكمة، وأخيرًا حُكم على متهم واحد بالإعدام. حتى بلغ سن الرشد بسبب صغر سنه وتم شنق ثلاثة منهم.   وتثبت هذه النسبة الكبيرة مما يسمى بالأحكام "الأكثر استنارة" (أكثر من ثلثي المحاكمات تقريباً) إلى أي مدى تفضل العدالة عدم إدانة شخص مذنب بدلاً من اتهام شخص بريء.

هذه الرغبة موجودة بين رجال الفن. يظل العديد من الجراحين متشككين في حالة الضحية ويرفضون ملاحظة الاغتصاب. من بين التقارير الاثني عشر للجراحين والأطباء التي تشير إلى إدخال جسم صلب في الأعضاء التناسلية للضحية، ثلاثة فقط خلصت إلى أن الضحية تعرضت للاغتصاب؛التسعة الآخرون يؤكدون فقط الواقع المادي ولا يعلقون على حالة موافقة الفتاة الصغيرة. في عملها حول الاغتصاب في شاتليه في باريس بين عامي 1725 و1750، تتساءل إيمانويل لاسيغ: هل يحاول الممارسون، من خلال عدم ذكر الاغتصاب في استنتاجاتهم، التلميح إلى أن الفتاة الصغيرة كان من الممكن أن توافق؟ الضحايا الثلاثة الذين ثبت اغتصابهن أثناء الفحص الطبي هم 7 و 8 و 11 سنة. لذلك، في بداية عصرنا، اعترف رجال الفن بالاغتصاب – وجرت المحاكمات بين عامي 1759 و1761؛ وبعد هذا التاريخ يختفي من الاستنتاجات الطبية. ومع ذلك، تؤكد إيمانويل لاسيج أنه منذ بداية النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم يعد الواقع القضائي يتبع النظرية القانونية حيث "بدا المحلفون الخبراء في شاتليه مترددين في ملاحظة الاغتصاب عندما كان عمر الضحية المزعومة أكثر من 10 سنوات". (٤٦)."

الأولوية لاعترافات الذكور في مواجهة الإدانة

أصغر ضحيتين في مجموعتنا، ماري تيريز باريس وجين دوريه، تبلغان من العمر 3 سنوات ونصف. وتوفيت الأولى متأثرة بجراحها فيما نفى المتهم الاغتصاب طوال التحقيق. وفي الحالة الثانية، نفى جان بلينكور، المعتدي المزعوم، اختراق الفتاة لكنه اعترف بأنه رفع تنورة الفتاة. تنتهي المحاكمة الأولى بسنة يجب خلالها أن تكون المحكمة على اطلاع أفضل ويمكن للمتهم أن يظل حرا طليقا؛ والحكم على جان بلينكور بالإعدام. وبناء على هذه الأمثلة، لا يبدو أن لعمر الضحية أي تأثير على الحكم الصادر في نهاية المحاكمة.

تشير إيمانويل لاسيج إلى أنه في الفترة ما بين 1725 و1750، كان المتهمون الذين حُكم عليهم بعقوبة شديدة - النفي أو عقوبة الإعدام - هم أولئك الذين يتمتعون بمكانة اجتماعية.أدنى من مستوى الضحية أو من له سلطة عليهم(47). وتشير ماري سيلفي دوبونت بوشات من جانبها إلى أنه في بداية القرن التاسع عشر، كان القضاة البلجيكيون أول من أراد معاقبة المتهمين، نظرا لصغر سن الضحايا. "[إن] الحذر الشديد للأطباء [الذين يرفضون ملاحظة الاغتصاب أثناء الفحص الطبي] يتناقض مع تصميم القضاة الذين يبحثون عن الجاني والذين يتجاهلون بكل سرور هذه الاستنتاجات غير المتسقة للمطالبة بعقوبة نموذجية". ووفقا لها، "في عمل القضاة، يجب علينا بلا شك أن نسعى إلى الوعي والتصميم الأولين لمكافحة العنف الجنسي، خاصة إذا كان يتعلق بالأطفال (48)." هذه الملاحظات المتعلقة بحذر مهنة الطب موجودة أيضًا في عمل آن كلود أمبرواز-ريندو، حول الولع الجنسي بالأطفال في القرن التاسع عشر (49).

النسبة للفترة من 1750 إلى 1785، تختلف استنتاجاتنا عن تلك المذكورة حتى الآن. أثناء الفحوصات الطبية، لم يعد معظم الجراحين والأطباء في شاتليه دو باريس يتوصلون إلى أن الطفلة قد تعرضت للاغتصاب؛ إنهم ببساطة يتعرفون على الاختراق. ومن جانبهم، لا يسعى القضاة بعد إلى حماية الحدث الضحية بأي ثمن من خلال تحديد سنهم على أساس سنهم لإدانة المتهم؛ الأفراد الذكور الذين أدينوا هم أولئك الذين اعترفوا بلمس طفل، بغض النظر عما إذا كانوا ينكرون الإيلاج أم لا. ولذكر بعض الأمثلة فقط، اعترف جان باتيست فلورات، المحكوم عليه بالنفي، بأنه ضرب فخذي مارغريت فافييه، البالغة من العمر 7 سنوات،يوضح ليونارد لا شابيل، الذي أُرسل إلى المطبخ مدى الحياة، أنه دغدغ ماري آن نيري البالغة من العمر 11 عامًا بقضيبه،، ويعترف فرانسوا ريمون، المحكوم عليه بالإعدام،  بأنه قذف على بطن آن فيليسيتي شوفان، وهي فتاة تبلغ من العمر 5 سنوات ونصف. إن صوت الذكور هو الذي له الأسبقية ولا يعير القضاة سوى القليل من الفضل لشهادة الإناث. إن الخوف من الكذب والشك في الموافقة يفوق صغر سن الفتاة الصغيرة، والذي ينبغي مع ذلك أن يكون دليلاً على براءتها لأنه يجعلها، من الناحية النظرية، "ضحية مثالية (50)".

وكما يشير ألكسيس برنارد، فإن العائلات أحيانًا تخفي اغتصاب الأطفال لتجنب وصمة العار؛ ولا يبلغون عنها إلا عندما يضطرون إلى ذلك أو عندما لا تحدث عملية الاغتصاب، بل مجرد محاولة(51) . في كثير من الأحيان، يسعى الآباء إلى حل مشكلة اغتصاب طفلهم دون اللجوء إلى المحكمة، خوفًا من اعتبار الطفل موافقًا. البعض، مثل بيير أندريه غيران، يفضحون هذه المحاولات في شكواهم؛ عندما يأتي للتنديد باغتصاب ابنته إليزابيث البالغة من العمر 7 سنوات، يوضح أنه حاول أولاً حل الجريمة خارج المجال القضائي ولكن بسبب موقف جوزيف سيتوت، المتهم - الذي أراد رفع دعوى قضائية شكوى ضده بتهمة التشهير – ولم يكن أمامه خيار آخر سوى رفع الأمر إلى المحكمة (52) . وهذه الرغبة في تجنب اللجوء إلى العدالة يتردد صداها في ما يسميه المؤرخون «الرقم الأسود» الشهير للإفلات من العقاب (53)، والذي يمثل، حسب رأيهم، عددًا لا بأس به من الجرائم. تفضل العائلات عمومًا التزام الصمت بشأن الاغتصاب لأن نشره يعني فقدان شرفهم للمرة الثانية(54). علاوة على ذلك، فإن اللجوء إلى عدالة مكلفة وغير مؤكدة، بسبب الشكوك حول موافقة الفتاة، غالبًا ما ينتهي بإقناعها بالمضي قدمًا في الاتفاق المالي (55).

إن مجموعة صغيرة مثل مجموعتنا (23 حالة باريسية) لا تسمح لنا بصياغة استنتاجات عامة. ومع ذلك، يمكننا أن نؤكد أنه في شاتليه باريس، من 1750 إلى 1785، كان نطاق النظرية القانونية التي جعلت من الطفل "ضحية مثالية"(56) محدودا على الرغم من أن اغتصاب الأطفال هو الجريمة الأكثر تمثيلاً في هذه الأرشيفات. مالت هذه النظرية، التي تنص على أن الفتاة لا تستطيع أن تعطي موافقتها الكاملة على علاقة جنسية، والتي تعني بالتالي أن كلام الأحداث أكثر فظاظة وأن الجريمة يعاقب عليها بشدة، يتم تحريفها من قبل القضاة والأطباء الذين يشتبهون في أن الفتاة أعطت موافقتها أو، بسبب عدم وجود أدلة مقنعة، رفض إدانة أي فرد. على الرغم من هيمنة محاكمات اغتصاب الأطفال في صناديق المحفوظات في شاتليه وبرلمان باريس، إلا أن هذه الجريمة تظل موضع شك، كما أن تصور خطاب الأحداث يشهد تدهورًا في نهاية النظام القديم.

يمكن ربط هذا التطور باتجاه أكثر عمومية يتمثل في تزايد الشك تجاه الضحايا طوال القرن الثامن عشر عندما يتعلق الأمر بالجنس- كما يتضح من عمل فيرونيك ديمارس-سيون ( 57)   . في سياق إعلانات الحمل غير الشرعي التي تم الإدلاء بها في كامبريسي، لاحظت أن كلمات الفتيات الصغيرات يتم الاستماع إليها بشكل أقل فأقل؛ بينما في القرنين السادس عشر والسابع عشر، تمت مساعدة النساء بشكل عام وتم إدانة المتهمين – في حالة الاغتصاب – أو إجبارهم على الزواج منهن أو دفع النفقة لهن – في حالة الحمل غير الشرعي – في القرن الثامن عشر، غالبًا ما يتم محاكمة النساء البالغات. ويعتبرن مسؤولات عما يحدث لهن. ولذلك فإن القضاة الفرنسيين يعطون مصداقية أقل فأقل لكلمات النساء ويبحثون عن أدلة دامغة على ذنب المتهمين من أجل إدانتهم. بشكل عام، كان المزيد من الحكمة يحرك العدالة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. وتُظهِر الأحكام التي يُطلق عليها "الأحكام الأكثر استنارة" رغبة القضاة في إبقاء الأشخاص المتهمين تحت المراقبة القضائية الذين لا يستطيعون إثبات إدانتهم، في حين لا يعترفون ببراءتهم؛ وتوصلت المؤرخة سابين يوراتيك إلى نفس الملاحظات فيما يتعلق بموقف رجال العدالة، وهذه المرة بالنسبة للنساء المتهمات بقتل أزواجهن(58).

إذا كانت النظرية القانونية والواقع القضائي بالكاد يتفقان في القرن الثامن عشر، فإن الفكر القانوني الحالي يتعارض مع الرأي العام ومطالب الحركات النسوية. في حين يعترف قانون العقوبات بأنه قبل سن 15 عامًا، لا يمكن للقاصر الموافقة الكاملة على الفعل الجنسي - نظرًا لأن أي شخص بالغ له علاقات مع الأخير يعتبر مرتكبًا لجريمة جنسية - لا يعترف القانون بسن محدد يعتبر القاصر دونه بالضرورة غير راضٍ، وبالتالي يُفترض تصديقه إذا قدم شكوى اغتصاب وثبت الفعل الجنسي. وكما رأينا في القرن الثامن عشر، إذا لم تحدد المحاكم السن رسمياً، فقد يشكك القضاة في شهادة الطفل ويفترضون أنه يوافق على الرغم من صغر سنه. وكما هو الحال مع محامي شاتليه، يمكن للقضاة الحاليين أن يستنتجوا أن فتاة تبلغ من العمر 11 عامًا قد وافقت، حيث لا يوجد نص يحدد السن القصوى؛ ووفقا للحركات النسوية، فإن فرض مثل هذا القانون من شأنه أن يجعل من الممكن تجنب بعض التجاوزات التي نجدها في نهاية المطاف في مصادرنا في القرن الثامن عشر.

(انتهى المقال)

***

.........................

المؤلفة: ماييل برنارد/Maëlle Bernard مؤرخة متخصصة في موضوع الحياة الجنسية في جامعة باريس السوربون. حصل عملها حول موافقة المرأة على الفعل الجنسي على تنويه خاص في جائزة الجمعية الفرنسية لدراسات القرن الثامن عشر. مؤلفة “تاريخ الرضا الأنثوي – من صمت القرون إلى عصر القطيعة” (آرخي، 2021)

* قانون مكافحة العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي الذى تم التصديق عليه من قبل البرلمان الفرنسى فى 1/8 / 2018 بأغلبية 92 صوتًا مقابل لا شيء وامتناع 8 عن التصويت. ويهدف مشروع القانون إلى تعزيز قمع الاغتصاب والاعتداء الجنسي المرتكب ضد القاصرين، وتمديد فترة التقادم لاتخاذ إجراءات عامة بشأن جرائم معينة، عندما ترتكب ضد القاصرين، فضلا عن تعزيز قمع التحرش الجنسي أو الأخلاقي. أما شيابا فهى مارلين شيابا/ maʁlɛn ʃjapa وزيرة المواطنة الفرنسية فى ذلك الوقت (المصدر محطة تلفزيون فرنسا 24 )

الهوامش:

1- انظر على وجه الخصوص البيان الصحفي  "جرأة على النسوية".“تمت تبرئته من تهمة اغتصاب قاصر: أي عدالة للضحايا؟ » بتاريخ 20 نوفمبر 2018.  متاح على: < https://osezlefeminisme.fr/cp-3/ > [ تم الوصول إليه في 17 فبراير 2020].

2- أُرسل هذا المقال إلى هيئة تحرير مجلة Dix-huitième siècle بتاريخ 14 أبريل 2020 وتم قبوله في 13 مايو 2020؛ في هذه التواريخ، لم تكن المناقشات التي يرجع تاريخها إلى يناير 2021 قد بدأت، وبالتالي لم يتم إقرار أي قانون.

3- انظر جيفروي توماسوفيتش، "اغتصاب القاصرين: قانون لا يطاق، حكم مقلق" في لو باريزيان [أون لاين]، 11 نوفمبر 2017. متاح على:

http://m.leparisien.fr/faits-divers/viol-sur-mineurs-une-loiinsupportable-un-verdict-qui-derange-11-11-2017-7386381.php

[تم الوصول إليه في 17 فبراير 2020].

4- ساندرا بورينغر، "العنف الجنسي في العصور القديمة: أين يظهر النوع الاجتماعي؟ » في الجسد في حالة يرثى لها: العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي ضد المرأة، دير. ليدي بوديو، فريديريك شوفو، لودوفيك غوسو، ماري خوسيه غريهوم، ميريام سوريا، كاثرين كوتيل، ميشيل بيرو، رين، المطابع الجامعية في رين، 2016، ص.33-49، ص.43.

5- نيكول لورو، "في مديح المفارقة التاريخية في التاريخ"، الجنس البشري، المجلد 27، عدد 1، 1993، ص.23-39، ص.28

6 - يُذكر أدناه بالترتيب الزمني علماء القانون في القرن الثامن عشر الذين عرّفوا الاغتصاب بشكل مستقل عن جرائم الاختطاف والزنا: جان بابتيست دينيسار، مجموعة القرارات والمفاهيم الجديدة المتعلقة بالفقه الحالي، المجلد 4، باريس، لوكلير، 1754؛ بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، معاهد القانون الجنائي، باريس، لو بريتون، 1757؛ غي دو روسو دو لا كومب، الرسالة حول المسائل الجنائية، باريس، بيلي، 1769؛دانيال جوس، أطروحة عن العدالة الجنائية في فرنسا،  المجلد 3، باريس، ديبور بير، 1771؛ جوزيف نيكولا جويو، المرجع العالمي والمعقول للفقه المدني والجنائي والكنسي والمفيد، المجلد 63، باريس، ج. دوريز (-بانكوك)، 1775-1783؛ بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية لفرنسا في نظامها الطبيعي، باريس، ب. موران، 1780.

7- بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، معاهد القانون الجنائي، باريس، لو بريتون، 1757، ص 496.

8-دانييل جوس، رسالة حول العدالة الجنائية في فرنسا، المجلد 3، باريس، ديبور بير، 1771، ص 742.

9- أمبرواز تارديو، جورج فيجاريلو، الهجمات على الأخلاق (1857)، غرونوبل، ج. ميلون، 1995، ص 10.

10- جينيفيف فريس، موافقة، باريس، إد. دو سيويل، 2007، ص.46-47. وتبني الفيلسوفة اعتباراتها التاريخية على تلك الموجودة في أعمال جورج فيجاريلو: جورج فيجاريلو، تاريخ الاغتصاب، القرنين السادس عشر والتاسع عشر، باريس، طبعة دو سيويل، 1998، ص 107.

11- تتضمن هذه المجموعة القواميس القانونية المنشورة في القرن الثامن عشر والتي تحدد جرائم الاغتصاب والاختطاف و/أو الزنا: غي دو روسو دو لا كومب، مجموعة الفقه القانوني لبلد القانون المكتوب والعرفي، باريس، لو غرا، 1753؛ جان بابتيست دينيسار، مجموعة القرارات والمفاهيم الجديدة المتعلقة بالفقه الحالي، باريس، لوكلير، 1754؛ بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، معاهد القانون الجنائي، باريس، لو بريتون، 1757؛ غي دو روسو دو لا كومب، الرسالة حول المسائل الجنائية، باريس، بيلي، 1769؛ نيكولاس تشورير، فقه المستشار والفقه الشهير غي بيب في كتابه، نيون، 1769؛ دانيال جوس، أطروحة العدالة الجنائية في فرنسا، المجلد 3، باريس، ديبور بير، 1771؛ جوزيف نيكولا جويوت، الدليل العالمي والمعقول للفقه المدني والجنائي والكنسي والمفيد، باريس، ج. دوريز (- بانكوك)، 1775-1783؛بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية لفرنسا في نظامها الطبيعي، باريس، ب. موران، 1780.

12- هيرفي بليانت، "ضحية أم طرف مدني أم متهم؟ بعض الأفكار حول مفهوم الضحية، لا سيما في عدالة النظام القديم، في الضحايا، التي نسيها التاريخ؟ وقائع مؤتمر ديجون، 7 و 8 أكتوبر 1999، دير. بينوا جارنو، رين، المطابع الجامعية في رين، 2000، ص.41-58، ص44.

13- المرجع نفسه، ص 43.

14- جان فرانسوا فورنيل، رسالة في الزنا معتبرة في الأمر القضائي، باريس، 1778، ص 82-83 في جورج فيجاريلو، تاريخ الاغتصاب، مفتوح. مستشهد به، ص 53.

15-  نفسه.

16- أرليت فارج، العيش في الشارع في باريس في القرن الثامن عشر، باريس، غاليمار جوليارد، 1979، ص144.

17- بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية...، مفتوح. مستشهد به، ص 242.

18- ماري سيلفي دوبون بوشات، "الجسد المنتهك"، في أجساد النساء: الجنسانية والرقابة الاجتماعية، دير ماري تيريز كوينين، إيفون كنيبيهلر، بروكسل، دي بويك، 2002، ص 65-96، ص 72. .

19- محاكمات الاغتصاب في مجموعتنا تأتي من أرشيفات Châtelet de Paris (الجانب Y)، المحفوظة في الأرشيف الوطني (موقع باريس). من بين هذه المحاكمات، تم العثور على 18 قضية، يرجع تاريخها إلى الفترة من 1752 إلى 1780، من خلال قائمة الجرد رقم 450 - وبالتالي فهي محاكمات تم استئنافها لاحقًا أمام برلمان باريس - وتم العثور على 13 قضية في الصناديق من ثمانينيات القرن الثامن عشر إلى عام 1785، دون المرور عبر قائمة الجرد؛ ومن ثم فإن هذه محاكمات يحكم فيها في المقام الأول فقط.

20- الضحايا الثمانية الآخرون هم 13 سنة، و13 سنة ونصف، وبين 12 و15 سنة، و14 سنة، و14 سنة، و16 سنة، و17 سنة، و25 سنة.

21- هيرفي بليانت، "ضحية أم مدعي مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44.

22- المرجع نفسه، ص 44.

23- نفسه .

24- إدوارد شورتر، "عصر الحيض في فرنسا، 1750-1950"، في الحوليات. اقتصاديات، مجتمعات، حضارات، السنة 36، عدد 3، 1981، ص. 495-511.

25- دانييل ألكسندر-بيدون، "الطفولة الثانية والشباب في نظرية أعمار الحياة وفي التجربة الأسرية في نهاية العصور الوسطى صور ونظريات"، في عندما يكبر الطفل. بين التبعية والاستقلال، د. جان بيير بارديه وآخرون (دير)، باريس، الجراء، 2003، ص 159-172.

26- نيكولا شورير، فقه الفقيه الشهير غي بيب، مفتوح. مستشهد به، ص 264.

27- المرجع نفسه، ص 266.

28- بيير فرانسوا مويارت دي فوجلان، القوانين الجنائية في فرنسا...، مفتوح. مستشهد به، ص 242.

29- ألكسيس برنارد، "ضحايا الاغتصاب في ليون في القرنين السابع عشر والثامن عشر"، في ضحايا نسيهم التاريخ؟ وقائع مؤتمر ديجون، 7 و 8 أكتوبر 1999، دير. بينوا جارنو، رين، المطابع الجامعية في رين، 2000، ص.455-466.

30- AN، Y10415، محاكمة دوميرك، شكوى جاك بريفالون بتاريخ 26/06/1780

31- AN، Y10414، محاكمة ماينبونتي، شكوى ليون باريس بتاريخ 6/06/1780.

32- هيرفي بليانت، "ضحية أم طرف مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44.

33- AN ، Y10431، محاكمة ريمون، الحكم الصادر بتاريخ 1769/10/20، Y10304؛ محاكمة فلورات، الحكم بتاريخ 11/8/1781.

34- AN، Y10283، محاكمة لا شابيل، استجواب ليونارد لا شابيل في 12/2/1766.

35- AN، Y10353، محاكمة بلانشيت، استجواب فرانسوا كلانشيه بتاريخ 29/10/1774.

36- كارين لامبرت، مارتين لابيد، "نساء الشعب في الأرشيف القضائي"، ديكس هويتييم سييكل، المجلد 36، عدد 1، 2004، ص 155-170.

37- AN، Y10308، محاكمة إيزابيل، استجواب كريستوف إيزابيل (26/01/1770)

38-  ألفريد سوين تايلور، رسالة في الطب الشرعي، باريس، جيرمر بيليير وشركاه, 1881, p.820، مقتبس في لوران فيرون، "إثبات جريمة الاغتصاب في القرن التاسع عشر"، في إثبات العدالة من العصور القديمة حتى يومنا هذا، دير. برونو ليميل، رين، المطابع الجامعية في رين، 2003، ص.211-220، ص.216.

39- بيير بيارنوي ميرفيل، غي دو روسو دو لا كومب، رسالة في المسائل الجنائية، بعد مرسوم أغسطس 1670، والمراسيم وإعلانات الملك، والأحكام واللوائح الصادرة حتى الآن، الطبعة السادسة، باريس: بايلي، 1769، ص. 39.

40- AN، Y10457، محاكمة مونتيه، معلومات من ماري تيريز ديكارت بتاريخ 1784/09/2.

41- ميشيل ناسيت، العنف، تاريخ اجتماعي: فرنسا، القرنان السادس عشر والثامن عشر، سيسيل (عين)، شامب فالون، 2011.

42- AN، Y10224، محاكمة بيوس، معلومات من فنسنت إستيفال من 15/06-1759/06.

43- AN، Y10224، محاكمة بيوس، معلومات من ماري إستيفال من 15/06-1759/06.

44- بينوا جارنو، الجريمة والعدالة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، باريس، إيماجو، 2000، ص.70

45. إيمانويل لاسيج، حالات الاغتصاب في شاتليه بباريس بين 1725 و1750، أطروحة ماجستير. أجريت تحت إشراف إيف ماري بيرسيه، ألفريد سولمان، باريس الرابعة السوربون، 1995.

46- المرجع نفسه..، ص 38.

47 - إيمانويل لاسيج، قضايا الاغتصاب...، مفتوحة. مقتبس.

48- ماري سيلفي دوبونت بوشات، "الجسد المنتهك"، الفن. مستشهد به، ص 79.

49- آن-كلود أمبرواز-ريندو، “عندما يصبح الاعتداء الجنسي على الأطفال فضيحة”، التاريخ [على الإنترنت]، المجموعات 32، يوليو-سبتمبر 2006. متاح على: https://www.lhistoire.fr/quand-la-p %C3 %A9dophiliabecomes-a-scandal [تم الوصول في 29 مارس 2020].

50- هيرفي بليانت، "ضحية أم طرف مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44.

51- ألكسيس برنارد، "ضحايا الاغتصاب في ليون..."، قول  مقتبس.

52- AN، Y10463، محاكمة سيتوت. شكوى من بيير أندريه غيران بتاريخ 20 يناير 1785.

53- بينوا جارنو، "مدى وحدود النظام القضائي في فرنسا القديمة (القرنين السادس عشر والثامن عشر)"، في النظام القضائي من العصور الوسطى إلى العصر المعاصر: وقائع مؤتمر ديجون، 5-6 أكتوبر 1995، أد. . روزين فراي، بينوا جارنو، ديجون، EUD ، طبعة جامعة ديجون، 1996، ص 69-76، ص 69.

54- أرليت فارج، "العائلات: الشرف والسرية"، قول مستشهد به .

55- ستيفاني جوديلا-كوتيلا، ""الاغتصاب" في القرن السادس عشر: بين النظريات والممارسات"، في القواعد القانونية والممارسات القضائية: من العصور الوسطى إلى العصر المعاصر، دير. بينوا جارنو، ديجون، الطبعة الجامعية لديجون، 2007، ص 103-112.

56  - هيرفي بليانت، "ضحية أم مدعي مدني أم متهم؟ … "، فن. مستشهد به، ص 44

57- انظر على وجه الخصوص فيرونيك ديمارس سيون، النساء المُغويات والمهجرات في القرن الثامن عشر: مثال كامبريسيس، هيليمز، إستر، ، الدراسات العلمية والتقنية للتدريس والبحث، 1991

58- سابين جوراتيك، “قاتلة زوجها: “مصير” إجرامي في القرن الثامن عشر؟ قضية ليسكومبات"، RHMC، المجلد الرابع والثلاثون، 1987، 1، ص. 123-137.

 

أولا: الطفل بين التخلي الخفي والعلني

إذا كان الطفل قد ضمنت له الشريعة الإسلامية حقوقه في كنف الزواج الشرعي والنسب المضبوط بالفراش وقواعده الرئيسية فإنه قد يطرأ على سلامة هذه النسبة انقطاع و اختلال لا دخل له فيها بإرادته ووعيه، لأنه في مبدئه لا يعلم من الوجود شيئا بالإدراك والعقل كما ينص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى "والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون "[1].

إذن؛ فهو غير مسئول عن وجوده ولا عن نسبه، ومن ثم فلا معرة أو ملامة تقع عليه شخصيا حتى يشعر بدونية أو نقص اجتماعي ونفسي إذ"لا تزر وازرة وزر أخرى "[2]"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " [3] و" لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه " .

فلا خطيئة موروثة ولا تحمل لشخص عن الآخر آثامه في الإسلام، وخاصة في الأحكام وتبعاتها وجزاءاتها... لأن الناس "سواسية كأسنان المشط".

ومن هنا فالطفل يبقى رغم كل الظروف والطوارئ محل الصيانة والعناية الواجبة له في حضن أهله، كما أنه يعتبر أمانة مفروضة على المجتمع ككل حينما ينقطع نسبه ولم يعرف له أصل قضائيا وأسريا.

وحينئذ يكون الشرع هو الذي يعطي له النسب أصالة، أي يصبغ عليه صفة الشرعية في بعده الروحي الذي يتحدد فيه موقعه الاجتماعي وحقوقه المادية والمعنوية، وهذا الاستحقاق يتحدد عندما يعرف "بمجهول النسب" الذي قد يكون بسبب شرعي أو غير شرعي، وهو ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مجهول النسب الكبير أو مجهول النسب الصغير الذي هو محط دراستنا، إذ لكليهما يضمن الإسلام النسبة الروحية التي هي أساس النسبة الاجتماعية وحقوقها المادية والمعنوية، وهذا ما يصطلح عليه الشرع بالأخوة في الدين والموالاة، مصداقا لقول الله تعالى "فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم "[4] و"إنما المؤمنون إخوة "[5] وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[6].

فالذي يهمنا بالدرجة الأولى هنا هو مسألة "الصغير" الذي يعرف حالتين في قطع صلته بنسبه وهما: التخلي الخفي والتنازل العلني، وبالمقابل قد يعرف استقبالين وهما: الاستقبال الإجباري والاستقبال التطوعي .

إذ التخلي الخفي هو الذي اصطلح عليه الفقه الإسلامي باللقيط، و هو الطفل المنبوذ: واللقيط بمعنى الملقوط .وهذا النبذ الذي قد يتعرض له الطفل لا يخرج في غالب الأحيان عن دائرة الخوف وأسبابه، وهو له عدة صور كما أنه إما أن يكون خوفا عليه أو منه! .

فالخوف عليه يدخل في إطار غريزة الأبوة والأمومة وحب البقاء بالسهر على حماية الطفل من الأذى المحدق به كما ذكر لنا القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام مع الفرعون الذي كان يذبح الأطفال من الذكور من بني إسرائيل ويستحيي إناثهم خوفا من أحدهم الذي سيكون هلاكه على يده وهو موسى عليه السلام فيما توقع له كهنته، إذ كما يقول الله تعالى عن هذا الصراع بين الحق والباطل منذ الولادة حتى الكهولة والمواجهة الواعية والمدركة ومبرزا نعمته على موسى عليه السلام: "إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له، وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني "[7]؛"وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، وقالت امرأة فرعون قرة عين لي و لك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون "[8].

فهذا الإجراء من طرف أم موسى عليه السلام مشروع بل واجب، لأنه تأسس على وحي ويقين جازم بسلامة المآل رغم ما يبدو ظاهريا من مخاطرة ومجازفة، إذ الهلاك المحقق كان لو بقي موسى عليه السلام في حضن أمه لأنه مقصد المطاردة المنظمة والمصرة على الوصول إليه، ولهذا غلب الإلقاء في اليم حتى لا يعرف نسب المولود عند الفرعون الذي كان يركز على قتل ذكور بني إسرائيل خصوصا.فحيث أنه لم يعرف نسبه بالتقاطه من اليم كما ذكره القرآن الكريم فإن الدافع إلى قتله كان أقل احتمالا مما لو بقي في حضن أمه .فكان الحال هنا أن الجهل بالنسب وسيلة فعالة للتورية ودرء الخطر المحدق بالشرفاء الذين كثيرا ما كان ينكل بهم الطغاة بسبب نسبهم الشريف وهو ما يؤدي بهم إلى التخفي وتغيير الأسماء والألقاب تورية وحفاظا على النفس والعرض. وهذا مما وردد في التاريخ بصورة مكررة حسب ما كان الشأن في اضطهاد الشرفاء الأدارسة بالمغرب حينما أسقطت دولتهم وطوردوا من طرف أعدائهم ...

كما أن الآية فيها دلالة على مسألة التبني الذي عرفته المجتمعات عبر التاريخ وذلك حينما يفتقد البنون في بيت من البيوت، وذلك عند قول آسية زوجة فرعون"أو نتخذه ولدا".وهو الشيء الذي سبق في نص آخر وقصة أخرى لنبي آخر وهو سيدنا يوسف عليه السلام كما يقول الله تعالى عن مآله عند التقاطه من البئر "وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا "[9]الآية .

هذا الإجراء يبين نوعا من النزوع الغريزي للتعويض عن فقد البنوة عند العثور على طفل ملتقط لا يعرف نسبه، وذلك باللجوء إلى التبني الذي كان سائدا قبل الإسلام ثم ألغاه عمليا بواسطة النبي صل الله عليه وسلم لتحديد المحرمية من غيرها في العلاقات الأسرية، و التي أكدت هشاشتها عند التبني قصة زليخا في تعلقها بيوسف عليه السلام حينما ألغت كل الاعتبارات التعويضية بسبب المتطلبات الغريزية وضغوطاتها عند التقارب والاختلاء بغير احتياطات شرعية أو مراقبة ...

أما الخوف من الطفل فهو إما أن يكون لسبب مادي محض كالفقر مثلا وإما لسبب سلوكي محظور له بعد معنوي سلبي يعود على النفس والمجتمع معا، وهو خطيئة الزنا تحديدا .

إذ الفقر يجعل من الطفل لدى البعض خطرا ضاغطا على مستوى القوت وتحصيل المعاش، ومن ثم فقد يكون التخلي عنه إما لما عليه الواقع أو لما هو منه متوقع.

وهاتان الحالتان قد ذكرهما القرآن الكريم بسياقين وهما "و لا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم "[10]و"ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم"[11].

ثانيا: مصير الطفل بين رهانات الواقع والمتوقع

فالأولى تصور الخوف من الواقع، والثانية تحدد الخوف من المتوقع، وكلا الإجراءين غير مشروعين لأنهما مؤديان إلى هلاك الطفل وإهدار وجوده للحفاظ على أصله، وهذا تناقض وسلوك غير سليم يعبر عن مرض غريزي قد ينتاب أحيانا بعض الآباء و الأمهات، إذ المفروض أن الحفاظ على استمرارية وجود الأصل لا تتأتى إلا بحماية الفرع، وهو هنا الطفل حتما، وإلا انقرض الجنس البشري عموما إذا سادت مثل هذه العقليات المنحرفة والأنانيات الأبوية على حساب رعاية وحماية الأطفال...

لكن قد يضطر بعض الآباء نظرا لشظف العيش وضيق الحال أو توقع سوء المآل إلى التسليم المؤقت في أولادهم والتنازل عن تربيتهم، وهذا كثيرا ما يقع في المجتمعات البشرية عموما، وأكثر ما يحدث عند وجود فاقة عامة أو سنة، وهو ما يحكيه الكثير من الناس وخاصة بعد الأزمة الاقتصادية العالمية في القرن الماضي أو في مراحل الوباء والحروب المتتالية عبر التاريخ مما هو مدون أو غير مدون ...

هذا التنازل قد يكون بسبب الخوف من الفقر لا الخوف من الطفل، إلا أنه يكون طرفا في المعادلة فيصبح التخلي عنه وسيلة لدفع هذا الخوف وتهدئته شكليا، لكن قد يترتب عليه قلق غريزي فيما بعد وهو معاودة بحث الأصل عن الفرع أو العكس ربما قد يلتقيان أو لا يلتقيان إلى الأبد .

كما أن التسليم في الولد قد يكون بصورة علنية وبتوافق بين الوالدين والشخص أو المؤسسة المسلم إليها الطفل، وقد يكون بشكل سري على نمط اللقيط المنبوذ إما في أماكن عمومية أو خلوات وفلوات وما إلى ذلك .

إذ الإجراء الثاني قد يكون غير مقبول شرعا لأنه قد يعرض الطفل إلى خسارتين جد محتملتين وهما: إهدار حياته وذلك حينما لا يجد من يلتقطه مع عجزه عن طلب قوته، أو يقع في أيد غير أمينة ومتاجرة في الأطفال وأعضائهم مما أصبح آفة العصر وصورة الانحدار البشري نحو الظلامية المادية، أو يكون فريسة لوحش أو إصابته بأمراض وهلاكه بالأمطار والرياح ...إلخ

أما الخسارة الثانية فهي تعريض نسبه وأصله للضياع وبالتالي قطع رحمه وجذوره، مما قد يترتب عنه مشاكل مستقبلية على عكس إرادته من بينها: الزواج بالمحارم من حيث لا يدري سواء كان الطفل ذكرا أم أنثى، وهو ما سنرى حكمه في مثل هذه العقود الاستثنائية و الشاذة أو ما يسمى بالعقود الفاسدة وأثرها على النسب .

فهذا النوع من التخلي الخفي هو السائد في الحالة الثانية كخوف من الطفل وهو السبب السلوكي السلبي والمتمثل في ارتكاب خطيئة الزنا وترتب الحمل عنه مما قد يوقع المرأة في حرج ظاهري لا تستطيع إخفاءه، وبالتالي قد يجر عليها وعلى أهلها عارا وقذفا وما إلى ذلك مما قد يكسر معنوياتها بسبب هذه الفضيحة التي توجب الحد عليها مجرد حملها ولو بغير إقرار بالزنا، خاصة إذ كانت خالية من الزوج، اللهم إلا إذا ادعت وطء بشبهة أو اغتصابا وهذه لها شروط واعتبارات فقهية وقضائية تستدعي التثبت في الدعوى كما يقول ابن رشد:

"وأما اختلافهم في إقامة الحدود بظهور الحمل مع دعوى الاستكراه فإن طائفة أوجبت في الحد على ما ذكره مالك في الموطأ من حديث عمر، وبه قال مالك إلا أن تكون جاءت بأمارة على استكراهها مثل أن تكون بكرا فتأتي وهي تدمي أو تفضح نفسها بأثر الاستكراه، وكذلك المرأة إذا ادعت الزوجية إلا أن تقيم البينة على ذلك ما عدا الطارئة فإن ابن القاسم قال: إذا ادعت الزوجية وكانت طارئة قبل قولها، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يقام عليها الحد بظهور الحمل مع دعوى الاستكراه كذلك مع دعوى الزوجية وإن لم تأت في دعوى الاستكراه بأمارة ولا في دعوى الزوجية ببينة لأنها بمنزلة من أقر ثم ادعى الاستكراه...و لا خلاف بين أهل الإسلام أن المستكرهة لا حد عليها "[12].

يقول ابن جزي أيضا: "وأما الحمل فإن ظهر بحرة أو بأمة ولا يعلم لها زوج ولا أقر سيدها بوطئها، وتكون الحرة مقيمة غير غريبة فتحد خلافا لهما في قولهما لا حد بالحمل، فإن غصبت أو استكرهت لم يقبل ذلك منها إلا ببينة أو أمارة على صدقها كالصياح والاستغاثة..." [13].

هذه المسألة بالضبط- أي الحمل عند المرأة -هو الخصوصية التي تميز بين الرجل والمرأة في الأحكام وتدحض دعوى المساواة الطلقة بين الجنسين سواء على مستوى الحريات والولاية وكذلك سن الزواج وأيضا القوامة، إذ الرجل يبقى أمره مستورا عند الزلل و لا يردعه إلا تقواه أو وجوده بمكان فيه شبهة، كما سنرى حكم الشبهات، أما المرأة فإنها ولو استترت إلا أن حملها هو الذي يفضحها ولهذا فهي تحتاج إلى مراقبة نفسها وغيرها لها، لأن المسالة قد تمس المجتمع ككل حينما تأتي بخطيئة تكون نتيجتها الحمل غير الشرعي ربما قد تلجأ البعض من الزانيات إلى إجهاضه قصدا -أي العمل على قتل الطفل وهو مازال في رحم أمه -في حين يكون قد أصبحت له أهلية الوجوب الناقصة أي له الحق في الوجود والميراث والنسب.

فالتخلي عن المولود بدعوى دفع المعرة قد يكون سببا رئيسيا في استشراء عدد اللقطاء في المجتمع، فيكون الهروب من السيئ إلى الأسوأ لا يحل مشكلته الملاجئ الخيرية و لا الجمعيات الانتهازية والاستغلالية لموضوع الطفل المنبوذ بجمع التبرعات واقتناص الأموال بدافع الرحمة والشفقة، في حين لم تشفق عليه أمه التي ولدته بسبب انزلاقها في أوهام فكرية وتسيب سلوكي أدى إلى انحرافات جنسية، يغذيها أولئك المروجون أنفسهم لتلك الملاجئ والمنتديات، وهو ما يسوق لها الإعلام الغربي والعربي على حد سوء في زماننا هذا...

وحيث أن الطفل قد أصبح قدره النبذ من طرف أصله بسبب المؤثرات التي أشرنا إليها فإن الشريعة الإسلامية ستضمن له حقه في الحياة والتربية والنسب والميراث أو المال الإحساني...إخ

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم "فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه"[14].

***

الدكتور محمد بينيعش - أستاذ الفكر والحضارة

وجدة، المغرب

................................

[1] سورة النحل آية 78

[2] سورة الأنعام آية 166

[3] سورة النجم آية 38

[4] سوررة الأحزاب آية 5

[5] سورة الحجرات آية10

[6] رواه مسلم

[7] سورة طه آية 38-39

[8] سورة القصص آية 7-9

[9] سورة يوسف آية 21

[10] سورة الأنعام آية152

[11] سورة الإسراء آية 31

[12] ابن رشد: بداية المجتهد ج2ص443

[13] ابن جزي: القوانين الفقهية مكتبة الرشاد ص 262

[14] رواه البخاري في كتاب التفسير سورة الأحزاب

 

العنصر الثالث من عناصر العقيدة المسيحية هو صلب المسيح فداءً عن الخليقة. ويتساءل المرء كيف يمكن أن يكون المسيح إلهاً ويصلب؟ ولا شك أن جميع المصادر المسيحية ما عدا البروتستانت ترى في صلب المسيح مسألة من مسائل العقيدة المسيحية الأساسية.

وعند الرجوع للمصادر الأولى للمسيحية نرى أن بولس الرسول أتى بأمور لم يأت بها غيره. فقد جعل مسألة الإيمان ترتكز على صلب المسيح رباً وإلهاً فقال مثلا: «وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ»[1]، حيث يعتبر الرسول بولس أن الصليب جوهر المسيحية فيركز عليه قائلاً: «لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا»[2] أي أن الأمر الوحيد الذي يريد معرفته هو الصليب[3].

«إن وفاة عيسى على الصليب هي عصب كل العقيدة المسيحية. إن كل النظريات المسيحية عن الله، وعن الخليقة، وعن الخطيئة، وعن الموت، تستمد محورها من المسيح المصلوب»[4].

وعليه فإن المسيحية التي تقول بصلب المسيح الإله، قد غالت كثيراً وخصوصاً أنها تصر أن الإله المسيح قد صلب. ولو أنها قالت بصلب المسيح النبي لكان أمرً مستساغا، باعتبار أن اليهود تاريخهم معروف بقتل الأنبياء والتنكيل بهم، فهذا أمر يتناقض مع إيمان المسيحية بقدرة المسيح الغير المحدودة؛ باعتباره أنه إله قوي وجبار. فالذي ترتكز عليه المسيحية هو الهدف من الصلب والغاية منه ألا وهو أمر مقدس في حد ذاته. ويمكن حصر هذا المعتقد المقدس لدى المسيحيين في كونه قد جاء ليصلب ويخلص البشرية من الخطيئة، أي ما يعرف باسم المخلص الذي يقدم نفسه فداءً ليحمي البشرية ويفديها ويمحو خطيئتها.

"إن الله من صفاته المحبة. ومحبة الله ظهرت في تدبيره طريق الخلاص للعالم؛ لأن العالم- من عهد سقوط آدم عليه السلام في الخطيئة وهبوطه هو وبنيه الدنيا – مبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة، ولكن الله من فرط محبته وفيض نعمته، رأى أن يقربه إليه بعد هذا الابتعاد، فأرسل لهذه الغاية ابنه الوحيد في العالم ليخلص العالم"[5].

وهكذا فإنهم يزعمون أن في صلب المسيح خلاص للعالم أجمع من خطيئة أبيهم آدم عليه السلام. "وصور لهم أن صلب المسيح كان فداءً للبشرية كافة وتكفيرا لخطاياهم، وأن هذا الصلب في نظره هو الهدف الحقيقي لرسالة المسيح (عليه السلام) التي جاء من أجلها إلى الأرض، فلم تخلو أي رسالة من رسائل بولس من ذكر هذه الحادثة المركزية وشرح تفاصيلها"[6] «وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ»[7]

وهنا سنعرج لنرصد خبث المكيدة المدبرة للنبي عيسى عليه السلام والتي أشادت بتكون عقيدة الصلب.3779 الصلب في المسيحية

نفث الشيطان في صدور بني إسرائيل، فملأها حقدا وغلا وكرها لعيسى ابن مريم -عليه السلام-فقرروا ضرورة التخلص منه؛ فكان من أمرهم أن اجتمع كهنة إسرائيل وشيوخها لتدبير مؤامرة دنيئة؛ انتهت بقرار قتله لأن تعاليمه هزت عرش سلطانهم المبني على الغش والفسق، والفساد والرياء، والمكر والظلم. فكان التدبير للمؤامرة بالصلب حتى القتل هو أسهل وأبلغ مسلك للقضاء نهائياً على رسالته؛ مستعينين بأعدائه وأعداء تعاليمه فقاموا بالبحث عنه ووشوا به مقابل دنانير.

وقد استطاع اليهود أن يأثروا على بيلاطس فأمر بالقبض على عيسى: »وأحس عيسى بذلك فاختفى مع حوارييه في حديقة جثيماني Gethmane ، ولكن يهوذا الإسخريوطي أحد الحواريين تقدم للكهنة وساومهم على تسليمه للرومان نظير ثلاثين قطعة من الفضة، وقاد يهوذا جند الرومان حيث قبضوا على عيسى، ودفع اليهود بيلاطس[8] فحكم عليه بالموت صلباً، ونكل به الجنود الرومان ثم صلب حتى مات ودفن، وبعد ثلاثة أيام أمضاها في القبر قام في الفصح ومكث أربعين يوماً مع تلاميذه خاصة، ثم ارتفع إلى السماء أمامهم بعد أن أوصاهم بالجد في نشر دعوته باسم الأب والابن والروح القدس«.[9]

نفس الطرح ذهب إليه الكاتب "يوحنا لورنس فان موسهيم" في كتابه تاريخ الكنيسة المسيحية بقوله: "فلا تهمة من هذه التهم كافية لتقنع قضاة مستقيمين عادلين بأن يحكموا عليه لكن صياح الشعب المهيج بالكهنة المنافقين أجبر بيلاطيس على أن يحكم عليه بالموت"[10]

«وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُدْعَى «جُمْجُمَةَ» صَلَبُوهُ هُنَاكَ مَعَ الْمُذْنِبَيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ».[11]

لكن إرادة الله وعنايته برسله كانت مع المسيح عليه السلام، فقد ألقى الله الشبه على أحد الخونة الواشين به وهو يهوذا الإسخريوطي، وهو من أحد تلاميذ المسيح إلى الحاكم فألقى الجنود القبض عليه وحوكم وصلب؛ أما النبي فرفع إلى الله جل شأنه.

والذي أراه بصدق أن العقيدة المسيحية التي تقول بأن المسيح عليه السلام صلب من أجل الخليقة، فنجد أن مسألة الصلب كانت بيد الحاكم بعد المكر والخداع الذي افتعله اليهود للإطاحة به وقتله، والقضاء بذلك على تعاليمه. فلو كان الأمر كذلك لما صلب المسيح بسبب تعاليمه المناقضة لبني إسرائيل، والأحق أن صلبه وقتله جاءاً رداً على خروجه عن دينهم وتعنتهم وضرباً في غيهم وكفرهم الذي نهجوه بعد موسى عليه السلام، وأن عقيدة الصلب جاء بها المسيحيين بعد موت عيسى عليه السلام حتى يضفوا طابع القداسة ويبرروا قضية الصلب الذي تعرض له نبيهم، معلقين عليه جميع ذنوبهم وأنهم بفضله نالوا العفو من الرب والخلاص. وجاء في التوراة ما يؤكد إلغاء عقيدة الصلب من أجل غفران خطايا الآخرين: «لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ، وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ».[12]

فعقيدة الصلب المسيحية عقيدة بشرية من صنع فكر بشري، وليست عقيدة ربانية منزلة.

"نفى القرآن –بحق وصدق-القتل عن سيدنا عيسى يقول تعالى: ﴿وما قتلوه﴾[13]، ونفى القرآن الكريم- بحق وصدق- الصلب عن سيدنا عيسى، فما الصلب إلا بيان لكيفية القتل، وإذ لم يمت المسيح على الصليب يصح قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وما صلبوه﴾[14]، ولا يجدى في محاولة تكذيب المكذبين للقرآن الكريم شهادة شهود العيان أو وجود تواتر.[15]

وهكذا كانت نهاية عيسى عليه السلام، أن تولى الله رفعه وسلمه من كيد أعدائه حين قال:

﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيماَ﴾[16]

أما الرفع فكيف كان وبأية طريقة وقع، فلا فائدة للبحث فيه، لأن عيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، كما يدعي اليهود، فالأمر بيده تعالى، قادر على نجاته بأي شكل لا يعجزه ذلك، ولو وقع القتل والصلب لأخبر الحق بذلك، وقد ذكر أن بني إسرائيل قتلوا من قبله الرسل والأنبياء حين قال[17]:

﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾[18].

وخلاصة القول فإن القرآن الكريم جاء بالحق والقول السديد في قضية الصلب، فالمسيح عليه السلام رفع بأمر رباني إلى السماء ولم يقتل كما يردد أعداء الله من اليهود والنصارى، ويبين كذلك أن عيسى عليه السلام لم يصلب كما جاء في الإنجيل من أجل التكفير عن خطايا الآخرين } عقيدة الفداء}، بل رفع لأمر رباني فيه حكمة نحن البشر لا دخل لنا في الخوض فيها، بل نتقبلها كما جاء بها القرآن الكريم بدون تأويلات أو زيادات تُدخل العقل البشري المحدود في متاهة الشك والضلال والتحريف.

***

رجاء موليو

طالبة بسلك الدكتوراه/تخصص التاريخ والتراث/ جامعة ابن طفيل-المغرب

......................

[1] - رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية: 6/14.

[2] - رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس: 2/2.

[3] - العقيدة النصرانية بين القرآن والأناجيل، حسن الباش، دار قتيبة، الجزء الأول، الطبعة الأولى 1421ه-2001م، ص: 151.

[4] - مسالة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء، أحمد ديدات، دار الفضيلة، ص: 10.

[5] - العقائد المشتركة بين اليهود والنصارى وموقف الإسلام منها، خالد الرحال محمد صلاح، دار العلوم العربية بيروت- لبنان، ص: 213. / العقائد المشتركة بين اليهود والنصارى وموقف الإسلام منها، خالد الرحال محمد صلاح، دار العلوم العربية بيروت- لبنان، ص: 213.

[6] - المسيحية دين الله الذي أنزله على المسيح أم هي ديانة بولس؟، نبيل نيقولا جورج بوخاروف، الطبعة الثانية 2007، ص: 63.

[7] - العبرانيين: 9/22.

[8] - بيلاطيس: كان يلقب بالبنطي وهو وال من قبل الحكومة الرومانية على اليهود سنة 29م، واستمر حكمه بعد انتهاء دور المسيح بضع سنين، واختلفوا في موته فقيل: انتحر نفسه، وقيل: أقيل من منصبه ونفي إلى فرنسا ومات هنا. من كتاب دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند لمحمد ضياء ص: 299.

[9] - المسيحية، أحمد شلبي، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة العاشرة 1998، ص: 105-106.

[10] - تاريخ الكنيسة المسيحية القديمة والحديثة في ست كتب، يوحنا لورنس فان موسهيم، ص: 15.

[11] - إنجيل لوقا: 23/33.

[12] - سفر التثنية: 24/16.

[13] - سورة النساء، الآية :157.

[14] - سورة النساء، الآية :157.

[15] - أخطر المناظرات هل مات المسيح على الصليب، مناظرة بين الدكتور أحمد ديدات والبروفيسور فلويدكلارك، ترجمة علي الجوهري، دار البشير القاهرة، ص: 166.

[16] - سورة النساء، الآية :156-157-158.

[17] - أصول المسيحية كما يصورها القرآن الكريم، داوود علي الفاضلي، مكتبة المعارف للنشر، ص: 107.

[18] - سورة البقرة، الآية: 87.

 

مقدمة: مذهب الرواقية الفلسفي الهلنستي أنشائه الفيلسوف اليوناني زينون السيشومي في أثينا ببدايات القرن الثالث قبل الميلاد التي تندرج الرواقية تحت فلسفة الأخلاقيات الشخصية التي تستمد من نظامها المنطقي وتأملاتها على الطبيعة وفقاً لتعاليمها، فإن الطريق إلى السعادة أو الراحة الدائمة يكون بتقبل الحاضر، وكبح النفس من الانقياد للذة أو الخوف من الألم، عبر مشورة العقل لفهم العالم وفعل ما تقتضيه الطبيعة. عرف الرواقيون لتعاليم مثل «الفضيلة هي الخير الوحيد»، وأن بقيةَ الأشياء الخارجية كالصحة، الثراء، واللذة ليست شراً أو خيراً في حد ذاتها، لكنها تحمل قيمة بصفتها «مادة يسع للفضيلة أن تستعملها» فلقد انقسم تاريخ الرواقية بذاته إلى فترتين: الفترة الأولى كان مركزها في اليونان، وجزء ضئيل في آسيا، والفترة الثانية في روما. فقد كانت ظروف الحياة في الرواقية الرومانية سبباً في أن تتخذ الرواقية شكلاً خاصاً فالرواقية الرومانية لها سماتها الخاصة فإن أعظم ثلاث رواقيين في الإمبراطورية الرومانية هم: سينيكا، وإبكتيتوس، وماركوس أوريليوس، بل ربما أعظم من المؤسسين لهذه المدرسة، وذلك لأن تعاليمهم صادفت تطور عام في الفكر ووصلت إلينا بشكل كامل، فأخذت المسيحية من الرواقية العديد من الأفكار الأساسية بحيث صبغت فلسفتها بألوان مبادئ رواقية حتى تكون ملائمة للحياة الاجتماعية وطبيعة هذه العقيدة

فكان الرواقيون الأوائل، وخاصة كريسيبيس، مغرمين بالمنطق، والفلسفة الطبيعية وكذلك بالأخلاقيات. وشدد الرواقيون المتأخرون ـ خاصة سنيكا وماركوس أُوريليوس وأبيكتيتوس ـ على الأخلاقيات.3774 سينيكا

* سيِنـيكا (4 ق.م. - 65 م)

عرف لوقيوس أنـّايوس سينيكا Lucius Annaeus Seneca أو سـينـيكا الأصغر (Seneca the Younger)؛ ويعرف عادةً بإسم "سـينـيكا"(Seneca) فكان فيلسوفاً رواقياً رومانياً ورجل دولة وكَاتب أبوه كان سنكا الأكبر، وشقيقه الأكبر كان لوقيوس يونيوس گاليو أنايانوس، وابن عمه الشاعر لوكان. وفي 41 م، نـُفي سينيكا إلى جزيرة كورسيكا في عهد الامبراطور كلاوديوس، ولكن سمح له بالعودة في 49م ليصبح مُعلماً لـ نيرون. وحين أصبح نيرون امبراطوراً في 54م، أصبح سنيكا مستشاره، ومع القائد الپريتوري سكستوس أفرانيوس بوروس، أدار حكومة فكفوءة لأول خمس سنوات من عهد نيرون.ثم تراجع تأثير سنيكا على نيرون مع مرور الوقت، وفي سنة 65 م أجبر نيرون سنيكا على قتل نفسه بتهمة التواطؤ في المؤامرة الپيسونية لاغتيال نيرون، وكان في الأغلب بريئاً منها. انتحاره المتأمل والهادئ أصبح موضوع العديد من اللوحات

اعتنق سينيكا مذهب وحدة الوجود لدى الرواقيين، فاعتبر العالم كلاً مادياً وعقلياً واحداً، وأوضح بصورة أساسية المشكلات الأخلاقية التي إذا ما عولجت على نحو سليم تمكن الإنسان من بلوغ السعادة والأمن والخير، لهذا كان سينيكا يدعو إلى الأخوة والمحبة بين الناس، فاشتهرت مقولته «كن محبوباً من الجميع حياً ومأسوفاً عليه ميتاً». وكان يحارب أيضاً الانفعالات ويدعو إلى لغة العقل المتزن، فالرجل الحكيم هو الذي يسمو على الغضب متجاوزاً تجارب الحياة القاسية. ولم يهتم سينيكا بالميتافيزيقا، وفصلها عن ميدان الأخلاق، فاتجه إلى الناحية العملية، أي الحكمة العملية للحياة، وانصرف نهائياً عن الأسس النظرية الأولى التي قامت عليها الأخلاق الرواقية، فاهتم بالحياة الشعبية، لأنه وجد فيها ما يلائم مزاجه وطبيعته الخاصة. ورأيه في الإلهيات لا يعدو الإرشاد الخلقي: «أتريد أن تكون عند الله محبوباً؟ كن صالحاً إذن، وإذا أردت التعبد له فشابهه، فليست العبادة في تقديم الأضاحي بل في الإرادة الورعة المستقيمة». وهذا الورع الرواقي الذي كان يسكن قلبه في حضرة إله بارٍ بخلائقه، الله الشاهد الداخلي على أفعالنا، قد صرفه تماماً عن دراسة طبيعته وصلته بالعالم. وحتى الأصل الإلهي للنفس البشرية، تلك الشذرة التي نزلت من السماء لتسكن في الجسم، هي عنده مادة للإرشاد الأخلاقي، لهذا لم يبحث في ماهية النفس، بل سعى إلى رسم تلك الصورة المتعددة الألوان والأشكال للرذائل أو الشرور الخلقية بغية معالجتها والقضاء عليها وتقويم السلوك الإنساني

لذلك كانت التأثيرات للرواقيين أن كل هذا تحدث من خلال التلاقي الجسدي؛ فكل صورة من صورة السببية تختزل إلى العلة الفعالة، والتي تتضمن إتصال الحركة من جسم أحدهم إلى الآخر. ما يوجد فقط هو الجسد، أدرك الرواقيون وجود أشياء غير مادية مثل المكان والزمان والفراغ، لكن على الرغم من حقيقتها، فإنها لا توجد ويقال ببقائها. كانت الرواقية مادية بشكل كامل؛ وتستكشف الإجابات على الميتافيزيقا من علم الطبيعة؛ وخصوصًا مشكلة علل الأشياء التي روجت لها نظرية المُثُل الأفلاطونية والصورة التأسيسية المشائية بوصفها حل من الحلول .

حيث كانت الرواقية فلسفة حلولية أو مرتبطة بوحدة الوجود. فيتميز الكون بأنه فعّال ومانح للحياة وعقلاني وابداعي فهو كيان يدعم نفسه بنفسه، ويحتوي بداخله على كل ما يحتاجه، وتعتمد كل الأجزاء على التبادل المشترك مع بعضها البعض، فكانت الفلسفة الرواقية لدى الرومان في مستوى أرقى من الإغريق، ولم تكن مجرد فلسفة بل غدت دينًا اعترف بإله واحد، روح إلهي، منه تصدر كل الأشياء، وإليه مصيرها.. وتؤمن الرواقية أن بكل إنسان شعاعة من الطبيعة الإلهية. ومهمة الإنسان أن يصون هذه الشعاعة، ويضرم نارها لتبقى مشتعلة منيرة.. وتؤمن أن أعظم هبه وهبها الإنسان هي العقل ومن ثم فإنه يحق للبشر أن يكونوا أبناء الله.. وقد ألهبت هذه الفكرة نفوس الرواقيين، وأمدتهم بعزاء وهدى في حياتهم اليومية.

وكانت الرواقية عقيدة الأقوياء وأصفياء النفوس، الذين مالوا بطبعهم إلى الخير، وإلى كل المعنويات الطيبة الجميلة، كما أكدت كثيرًا على ضبط النفس وترويضها وتنمية الحياة الداخلية، أو الحياة المتناسقة كما يدعوها فيلسوفهم الأول زينون.. ولعل نواحي السمو في فلسفتهم ترجع إلى أن الفكرة المحورية عندهم هي الحياة بمقتضى الطبيعة والطبيعة في اعتقادهم هي "اللوغس" أو العقل الكوني وفي رأيهم أن العقل الإنساني ليس سوى جزء من هذا العقل الكوني..

لقد جاء أولئك المفكرون بأفضل ما لديهم، لكن لم تخرج جهودهم عن نطاق التفكير النظري، ولم تقو نظرياتهم على مغالبة الحياة وعثراتها وثمة أمر هام يجب الإشارة إليه، وهو أن الفلسفة لم تكن يومًا لعامة الناس، الذين لم تقو مداركهم العقلية على تفهمها.. وهكذا فشلت نظريات أولئك الفلاسفة المفكرون عن امتلاك عامة الناس، ولم تمس إلا عقول المفكرين والمثقفين وحدهم. هكذا وجدت المسيحية تربة حقل العالم مستعدة، لتزرع فيها زرعها الجيد، فأتى بثمر كثير.

فالشعور بالإثم والبؤس كطابع مميز للصفات الإنسانية وهو الذي جعل بسنيكا يحلق في سماء المبالغة في تقدير القيمة ومن أهم المؤثرات الرواقية على المسيحية هي القول" بأن المعنوية لصفتي "الرقة والعطف وهما من الفضائل التي تتسم بها الفلسفة الرواقية كما اتخذت أبوة الله والأخوة الناس ومن معاني المحبة التي تحكم في الجنس البشري كله هي نفس المعاني تمثلت في تعاليم المسيحية كالرحمة والترفق، الخير وحسن الرواقية والأخلاق المسيحية"، فالمسيحية كذلك تدعو إلى المعاملة، وسعة الصدر، وحب الناس، ارتفعت هذه الفضائل إلى ضرورة التجرد من الغرائز وكبح جماح اللذة والرغبات، حتى تبلغ مكان الصدارة كما استنكرت الكراهية الغضب والعنف في معاملة التابعين أوأقل منزلة.

ولقد اقتبس الفلاسفة المسيحيون من الرواقية الكثير من القيم الروحية التي تنطوي عقيدة دينية كالتالي دعا إليها ماركوس أوريليوس بإطالة التأمل في الحياة الروحية فالجسد ليس إلا قيد للروح وظلماتها لذا يتعين على الروح أن تكافح عبء الجسد وكان هذا المفهوم في الحق هو طابع المجتمع الوثني الذي نشأت المسيحية .

حيث نجد النزعة الرواقية داخل الفلسفة المسيحية وحضور مختلف إشكاليات اليونان من المنطق والمعرفة والأخلاق ونظريات في السياسة داخل الفلسفة المسيحية رغم تباين آراء الفلاسفة بين مؤيد ومنقذ للفلسفة اليونانية، وهذا ما يعكس أن الإيمان المسيحي لم يتحرر من مختلف التأثيراث الهلينية للفلسفة اليونانية فكانت تأثيرات الثقافة الهلينية تدفع الإيمان في إتجاهين مختلفين، وهما إكتمال تحول المسيحية إلى فلسفة إلهامية وثانيها هو إزدهار الغنوصية (نَزعة فكرية ترمي إلى مزج الفلسفة بالدِين)، فإن فكرة سينيكا عن الحالة الطبيعية قد وجدت لنفسها وبين صدى عند رجال الديانة المسيحية، فيستدل على الإيمان في طهر الحياة البدائية من قصة الخطيئة الإنسانية وهبوط الإنسان الأول إلى الأرض لذلك فضت أحاديث المسيحيين عن الزهد وإقران الفقر بالعفة وقد اعتبر الفقر أكثر مكانة من الثروة من الناحية المعنوية وأن حياة الرهبة أفضل من الحياة الدنيوية" فكان القديس ألبرت يردد قول سنيكا: « لا من يقول بل ما يقول أعقل» ويعلن أن من العار إبداء رأي في الفلسفة دون دعمه بالدليل3775 البيرتوس ماغنوس

* القديس ألبرت الأكبر (١٢٠٦ – ١٢٨٠م)

ألبيرتوس ماغنوس باللاتينية: (Albertus Magnus) لاونغن، حوالي عام 1200 - كولونيا، 15 نوفمبر 1280)، معروف أيضا باسم القديس ألبيرت الكبير، وهو كاهن وراهب دومينيكي حقق الشهرة لمعرفته الشاملة ودعوته للتعايش السلمي بين العلم والدين. يعتبر أعظم لاهوتي وفيلسوف ألماني من العصور الوسطى. كان أول من بين دارسي القرون الوسطى الذي طبـّق فلسفة أرسطو في الفكر المسيحي. كرمته الكنيسة الكاثوليكية بصفة دكتور الكنيسة واحداً من 33 شخصاً فقط الذين نالوا هذا التكريم. من إنجازاته في الكيمياء اكتشاف عنصر الزرنيخ. كان ذلك عام 1250م.

ففي الوقت الذي ألفت فيه لجنة لتهذيب كتب أرسطو، ولم تؤد اللجنة مهمتها كان ألبرت يتطلع بتلك المهمة وحده وهو على بينة من غرضه وأهميته البالغة، فقد كان أول من عرف للأرسطوطالية مزاياها، وأول من عرضها للغربيين، وأول من ساهم في العلوم مساهمة أصيلة، ولد في بافاريا، ولما بلغ السادسة عشرة قصد إلى إيطاليا، حيث اختلف إلى جامعة بولونيا، فإلى جامعة بادوفا. وفي هذه المدينة دخل رهبنة الدومنيكيين، وعكف على العلم، وبعد خمس سنين أخذ في التعليم متنقلا بين الرهبنة وفي ١٢٤٠ أرسل إلى باريس، فحصل بها بعد خمس سنين على لقب أستاذ في اللاهوت، وشرع يعلم بجامعتها على أساس كتب أرسطو، وكانت ما تزال محرمة رسميًّا، فكان عمله جريئًا، ولكنه كان عملا ضروريًا لشدة الحاجة إليه حينذاك، فأصاب نجاحًا عظيمًا وفاز بشهرة أوروبية، ولما توفي كانت كتبه تقرأ وتشرح وتذكر صراحة في معرض الاستشهاد إلى جانب كتب أرسطو وابن سينا وابن رشد، بالرغم مما كان يقضي به العرف من عدم ذكر المعاصرين في الكتب العلمية، ولم يمض على وفاته ربع قرن حتى كان يلقب بالأكبر. تتوزع كتبه إلى طوائف ثلاث: لاهوتية وفلسفية وعلمية، أما الكتب اللاهوتية فأهمهما شرح على كتاب الأحكام شرح على كتب العهدين القديم والجديد، «مجموعة في المخلوقات» و«مجموعة لاهوتية»، شروح ديونيسيوس، وأما الكتب الفلسفية فهي شروح على أرسطو المنطق الطبيعيات ما بعد الطبيعة.

وقد عرض آراء أرسطو عرضًا أمينًا دقيقًا، وجاء عرضه عبارة عن تمثيل وتكميل على طريقة ابن سينا في كتاب الشفاء، لا شرحًا حرفيًّا على طريقة ابن رشد، وكان أوسع منها حرية بإزائه، وقد قال في مفتتح الطبيعيات: «من يعتقد أن أرسطو إله يعتقد بالضرورة أنه لم يخطئ، أما من يعتقد أنه إنسان فهو يعتقد من غير شك أنه قد يكون أخطأ مثلما نخطئ نحن»، ودل في نفس الموضوع على منهجه، قال: «غرضنا أن نرضي رهباننا بقدر استطاعتنا وهم يطلبون إلينا منذ سنوات أن نضع لهم كتابا في الطبيعة يجدون فيه دراسة وافية للعلوم الطبيعية ويعطيهم مفتاحا لفهم كتب أرسطو، أما طريقتنا فهي أننا سنتبع ترتيب كتب أرسطو وآراءه، ونقول كل ما يبدو لنا ضروريًا لتفسيرها والتدليل عليها، ولكن دون إيراد أقواله، ثم نستطرد لتوضيح الشكوك، وتفصيل ما أجمله الفيلسوف فأغمض فكره على كثيرين، وسنبين في عناوين الفصول إن كان الفصل وارداً في كتب أرسطو أو كان استطرادًا منا، ونحن إذ نتبع هذه الطريقة نصنف كتبًا بعدد كتب أرسطو وبنفس أسمائها، ونضيف أجزاء إلى الكتب التي تركها ناقصة، ونضيف كتبًا برأسها لم يدونها أو دونها ولم تصل إلينا»، هذه الطريقة تبين عن غرض أساسي هو الاستفادة من أرسطو مع رده إلى حكم العقل، وتكميله بمكتشفات العلم، فهي تدل على محاولة لوضع مذهب، لذا كان تلاميذه ومعاصروه يعتبرونه فيلسوفا أصيلا لا مجرد شارح.

فإن الفلسفة هي التى تلتزم بالتدقيق، فيضيق مجال التدليل العقلي في اللاهوت عما هو عند الأوغسطينيين، أما في سائر العلوم فالمرجع إلى العقل،، فالفيثاغوريون وحدهم اتبعوا رأي زعيمهم في كل شيء، أما الباقي فيقبلون الآراء من أي جهة جاءت بشرط أن تحمل معها أدلتها.» وإذا أردنا تلخيص آرائه في المسائل الرئيسية بدأنا بمسألة الله، فقلنا: إنه في مؤلفاته الأولى يشرح ويفسر وجود الله أكثر مما يبرهن عليه، تمشيا مع الأوغسطينية.

ففي شرحه على قول ديونيسيوس: إن الله مجهول نراه كأنه يسبق كانط إلى أن الحكم بوجود الله، أي ذات لا متناهية ابتداء من المعلومات المتناهية، خروج بمبدأ العلية إلى أبعد مما ينبغي إذ إن هذا المبدأ لا يتطلب سوى علة متناسبة مع المعلول، وليس بين الله والعالم تناسب، ولكنه بعد أن تحول إلى أرسطو، لم يعتبر وجود الله بينا بذاته كما يعتبره الأوغسطينيون، ولم ير إمكان استنباطه من فكرة الله كما يستنبطه أنسلم، وإنما قال بوجوب البرهنة عليه، وعاد إلى الإشكال المتقدم فحله على النحو التالي: إننا أولا نصل إلى علة أولى بناء على استحالة التسلسل إلى غير نهاية وبعد ذلك يلزم لدينا من كونها العلة الأولى أنها غير متناسبة مع العالم بالضرورة؛ لأنها إن كانت متناسبة معه كانت متناهية مثله، فلم تكن أولى بل افتقرت إلى علة، وعدنا إلى التسلسل وهو مستحيل مبدأ العليَّة، ويستعيض ألبرت عن وصف الله بأنه المحرك الأول، وهذه صفة تدل بموجب على الفعل فقط، بقوله إنه الموجود اللامتناهي، وهذه صفة دالة على الذات الإلهية

يوفق ألبرت المعرفة بين أوغسطين وأفلاطون وأرسطو فيقول: إن الكليات موجودة في الذات الإلهية، وتشع عنها فتوجد خالصة، وتتحقق في الأفراد، ويجردها العقل الإنساني، وهو يدعو كل معرفة تجريدًا، حتى المعرفة الحسية على اعتبار أن الحس يدرك موضوعه منفصلا أو مجردًا عن سائر كيفيات الشيء، وسنصادف هذا المعنى عند الحسيين المحدثين يحاولون أن يردوا إليه التجريد العقلي، على أن التجريد الأكمل عند ألبرت هو هذا التجريد العقلي الذي يستخلص الماهية من علائقها المادية، وهذا التجريد يستلزم عقلا فعالا، وجميع المعارف العقلية مستمدة من الإحساس، ما خلا المبادئ الأولية، كمبدأ عدم التناقض، فإنها وإن كانت حدودها مجردة من الإحساس، إلا أن معانيها غريزية في النفس أو مدركة في النور الإلهي كما يقول أوغسطين، ولكل نفس إنسانية عقلها الفعال، وعقلها المنفعل.

حيث جعل أرسطو الفضيلة أكبر شيء قيمة، ولكنه مع هذا جعل للمال والظروف والأشياء التي حولنا قيمة في الحياة، أما الرواقيون فقالوا: لا خير في الوجود إلا الفضيلة، ولا شر إلا الرذيلة، وما عداهما فشيء تافه لا قيمة له، فالفقر والمرض والألم والموت ليست شرورًا، والغنى والصحة واللذة والحياة ليست طيبات، فإذا انتحر الإنسان وأعدم حياته لم يعدم شيئًا ذا قيمة، واللذة ليست ذات قيمة، وعلى الإنسان ألا يبحث عن اللذة، فالسعادة الحقة في الفضيلة، والإنسان يجب أن يكون فاضلًا لا للذة ولكن لأنه الواجب، وليس هناك درجات للفضائل ولا للرذائل، فكل الفضائل خير ومتساوية في الخير، وكذلك الرذائل.

فإن التعامل مع الأفكار الرواقية، في سياق العقيدة الأرثوذكسية المسيحية، يتطلب الدقة. بينما تم الاتفاق، بين الجميع تقريبا، على أن الله ليس وجودا ماديا، فإن حالة النفس البشرية كانت موضوعا أكثر إثارة للجدل. وبشكل عام، تطورت الأرثوذكسية بعيداً عن الأنثروبولوجيا المادية، بالشكل الذي نجده في كتابات ترتليان، إلى المفهوم اللامادي للروح، التي يعتبرها المسيحيون المعاصرون أمراً مفروغاً منه لقد شعر مسيحيون القرون الوسطى بضرورة رفض ما أسموه القدرية الرواقية، أما مفاهيم مثل الضمير، والقانون الطبيعي، فكانت لها صلات واضحة بالفكر الرواقي. فأثرت الفكر الرواقي ـ مع منافاة مبادئها للعقائد المسيحية ـ على مفكري اللاهوت المسيحيين لما جاءت به من تفصيل القول في الفضائل والرذائل، وفي صفات الله، وفي العناية الإلهية، فلقد كان لهذه الأفكار صدى في الفكر المسيحي المتأخر خاصة حول الفضيلة والرذيلة والخطايا، والفضائل الكبرى، فالمعرفة بالنسبة للرواقين ومن بعدهم المسيحيين خير خالص والخير يمكن أن يكون أيضا جمالا وعدلا وشجاعة وحكمة أثر الرواقية على المسيحية ومن أهم المؤثرات الرواقية على المسيحية هي القول" بأن حياة الفضيلة هي حياة التأمل والتأني والانسجام مع النفس وتجنب اللذة في طريق كبح جماع الرغبات غير الطبيعية وغير الضرورية وعراقية الخطيئة فهذه المفاهيم في الجوهر والمنهج بين الأخلاق الرواقية فالمسيحية كذلك تدعو إلى ضرورة التجرد "والأخلاق المسيحية"، من الغرائز وكبح جماح اللذة والرغبات، حتى تبلغ السعادة او الفضيلة "كما تتطابق الرواقية والمسيحية من زاوية اجتماعية، ذلك أن تعاليم الرواقية تؤكد على ضرورة التعايش مع الآخر وأن الواجب الاجتماعي يعد أشرف وأهم الواجبات أو الوظائف الفردية، لأن الإنسان لا يحيا مستقلا عن الآخرين أو بمعزل عنهم فالأخلاق الفردية في الرواقية هي بطبيعة الحال اجتماعية،،إذ يكتفيان لبلوغ بالعيش وفقا للطبيعة والعقل" أي العيش وفقا للطبيعة (السعادة (يعني العيش في صداقة مع الإله أووفق لإرادة الإله عند المسيحي، كان للنزعة الإنسانية التي تميز الفلسفة الرواقية وخاصة المتأخرة تواجدا قويا في الفكر المسيحي وهذا بالسمو بالقيم الأخلاقية وخلق رابطة اجتماعية قوية توثق العلاقات بين الفئات الاجتماعية المختلفة بحيث استحوذت على المسيحية فكرة تأصيل الإثم في الطبيعة الإنسانية ولا مفر للإنسان إلا بالفضيلة لتحقيق الخلاص.

فإن الاهتمام الأكاديمي بالمذهب الرواقي، في أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين، قابله الاهتمام بالجوانب العلاجية لطريقة الحياة الرواقية، من قبل غير المتخصصين في تاريخ الفلسفة.

إشكاليات الدراسة:

تتفرع عن هذا التساؤل عدة اسئلة فرعية منها:

- ما الهدف المشترك بين الرواقية والمسيحية؟

- هل لها أهمية في نظرية المعرفة بين سينيكا والقديس ألبرت ؟

- ما مدى تأثير الفكر الرواقي في المسيحية عند القديس ألبرت؟

- هل المعرفة تتأثر بالطبيعة عند كلا من الرواقية والقديسين؟

- ما علاقة الفكرة الالهية بالنفس الانساني وعلاقة الاخلاق الانسانية بالقيم الالهية؟

- هل الفكر الالهية مادية ام معنوية في الطبيعة عند سينيكا والقديس ألبرت؟

- ما أوجه الأختلاف في الفكر الفلسفي عند سينيكا والقديس ألبرت؟وما أوجه التشابهة بينهما؟

- ما العلاقة بين الوجود والمنطق والاخلاق عند سينيكا والقديس ألبرت ؟

أهداف الدراسة:

تستهدف الدراسة مجموعة من الأهداف على رأسها:

- عرض تصورات الفلسفة بين سينيكا والقديس ألبرت الكبير.

- رصد لأسس مبادئ الفكر عند الرواقية والفكر المسيحي.

- تناول علاقة الخير بالطبيعة .

- بيان فكرة الاخلاق والدين .

- شرح اثر الفلسفة عند سينيكا والقديس ألبرت في العصور المتأخرة .

- تأثير الفكرة الرواقية على الدين المسيحي.

مفهوم الدراسات السابقة:

هناك العديد من الدراسات الفلسفية التي تناولت دراسة الرواقية وشرح العصور الوسطى بالعرض والتفصيل كمعرفة يسعى إليها البشرية والتي سوف استفيد منها في اعداد رسالة الدكتوراه ولعل من أبرز هذه الدراسات:

1. لوكيوسانايوس سينيكا: في محاورات السعادة والشقاء(2019) ترجمة د|حمادة احمد علي، والتي كانت فكرة سينيكا (عن مشهد يستحق النظر إليه وهو يتفقد المخلوقات) فأصبحت موضوعاً في خطاب التشاؤم المسيحي وربما يكون تأثير سينيكا أكثر واقعية علي التأثير المسيحي فكان يفسر لنا العناصر الطبيعي(الماء والهواء والنار والتراب) بصورة مختلفة للرب.

2. أ.د. شرف الدين عبدالحميد (2015) مدارس الفلسفة اليونانية في العصر الهللينستي، والذي يفسر لنا أن الإنسان عند الفلاسفة الرواقية جزء من الكون وهو لذلك منوط بمهمة يؤديها فيه وكل فرد في هذه الدنيا أشبه بضيف في مأدبة، فيعلن الرواقيون ان هناك ثلاثة أنواع من الحياة هي: الحياة التأملية والحياة العملية، والحياة العقلانية .

3. ماركوس اوريليوس (2017)، التأملات: ترجمة عادل مصطفى، والذي عرض لنا مفهوم الفلسفة عند سينيكا: "الفلسفة تُشكِّل النفس وتُشيدها، وتنظم الحياة وتُرشد السلوك، وتبين ما يجب فعله وما يجب تركه، وتجلس على دفَّة القيادة وتهدي مسارنا ونحن نتأرجح وسط السكينة"

4. أ.د.عصمت نصار: (2008) فلسفة اللاهوت المسيحي، والتي هدفت إلي أوجه التشابة والمتبادلة بين سينكا والقديس بولس بالمفعمة بالإحترام المتبادل بينهما واتفاقهما على العديد من الفضائل الأخلاقية وعلى رأسهم التسامح مع كافة البشر وجعل المحبة دواء للبغض والعداوة.

5. يوسف كرم (2012) تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط: يوضح ألبرت في شرحه على كتاب العلل يقول: إن الله أوجد «العقل» أو المعلول الأول بفعل خالق (يسميه صدورًا وانبثاقًا، ولكنه يريد به غير ما يريد الأفلاطونيون وأتباعهم) وأن العقل عاون الله في إيجاد سائر العقول المفارقة والنفس العالية والجواهر الجسمية، وفي شرحه على طبيعيات أرسطو يقرر أن السموات صدرت عن الله رأسًا باختيار إرادته.

6. أ.د. عبد الرحمن بدوي (1984) كتاب موسوعة الفلسفة والذي يعرض لنا ألبرت الكبير الربط بين العلة الأولى (الله) و بين النفس الإنسانية إذ هي صورة له لان النفس الإنسانية ليست مجرد صورة لجسم بل هي جوهر روحي.

7. د. زينب الخضيري (2008)أثر ابن رشد في العصور الوسطى، أول من أراد استيعاب ارسطو في علم اللاهوت المسيحي هو القديس ألبرت وتأثر به، حيث نفى البرت تفسير ابن رشد وابن سينا. كما استقرت الباحثة في دراسة الفلسفة عند توما الأكويني فترى انه مكمل لألبرت الكبير.

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية هذه الدراسة- في علم الباحثة - في أنه هناك العديد من الدراسات والكتب والأبحاث التي تناولت تصورات الفلاسفة الرواقية حول الطبيعة والمعرفة، والأخلاق والمنطق والتي لا يسعنا المجال هنا لنذكرها على سبيل، إلا أن هذه الدراسة تعد أول دراسة متخصصة تتناول بالتحليل والمقارنة والتعليق في نظريات اللاهوتية عند سينيكا والقديس ألبرت الكبير.

***

إعداد: سارة حسين كامل ابو النجا

..........................

قائمة المصادر والمراجع

أولا: المصادر

أ. المصادر المترجمة إلي العربية:-

- لوكيوس أنايوس سينيكا: مسائل طبيعية ترجمة د| حمادة أحمد علي، دار رؤية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى القاهرة ۲۰۲۱م.

- ديوجينس اللائرتي:- حياة مشاهير الفلاسفة)المجلد الثالث)، ترجمة امام عبد الفتاح امام، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2014، م .

- لوكيوس أنايوس سينيكا: محاورات السعادة والشقاء ترجمة حمادة أحمد علي، دار آفاق للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى القاهرة ٢٠١٩م

- افلاطون(محاور افلاطون)، ترجمة: د . زكي نيجيب محمود، المؤسسة المصرية، القاهرة، 2001م

- اوغسطين: الاعترافات، ترجمة الخوري يوحن الحلو، دار المشرق، الطبعة الرابعة، بيروت، لبنان، 1991م

- اوغسطين:تعليم المبتدئيين اصول الدين المسيحي،ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق،بيروت، لبنان، 2007م

- اوغسطين: خواطر في الحياة الروحية، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان، 2004م

- ------:محاور الذات، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان،2005م

- ------:مدينة الله، المجلد الأول، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان،2006م

- -----: مدينة الله، المجلد الثاني، ط 2، ترجمة الخوري يوحنا الحلو، دار المشرق، الطبعة السابعة،بيروت، لبنان،2007م

ب - المصادر المترجمة للإنجليزية:

- Plato: Apology، English translation in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988.

- --------: Meno، Eng.trns. by: Jowett، in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988 .

- --------: Phaedrus، in " Great Books of the western world "، Eng.trans.by: B. Jowett، university of Chicago، 1988.

- ---------: Phaedo، English translation in " Great Books of the western world "، university of Chicago، 1988.

- ---------: Protagoras، Eng. trans. by: W.K.C. Guthrie، Penguin Books، New York، U.S.A، 1977.

- ---------: Theaeteus، trans.by: F.M. Cornford، in " Plat،s theory of knowledge "، Routledge α Kegan Paul Ltd.، London، 1973.

- ----------: The Symposium، Trans. with by: R. E.Allen، Volume 11، Yale University Press، New Haven and London، w.d

- Augustine: confessions،trans by، A.C،outler Harry planting a publisher، texas،ND

- --------:on Christian doctrine – in four books، trans by،Emmalon Davis، Christian classics Fthereal library، Grand Rapids، ND

- ----------: on nature and Grace، Trans by Peter Holmes in the anti – pelagian works of saint Augustine،vol، 1، Edinburgh، 1872.

- ----------: on the free choice of the will،on grace and free choice and other writings Trans by Peter King، combridge university press، New York، 2010.

- ----------: the Anti-pelagian works of saint Augustine، vol،1، trans by peter holmes، Murry and Gibb، London، 1872.

ثانيا: أ-المراجع العربية

1. إتين جلسون: روح الفلسفة المسيحية في العصر الوسيط – ترجمة أ.د/ إمام عبد الفتاح إمام– نشر مكتبة مدبولي– ط3 - جامعة الكويت، القاهرة، 1996م

2. أ.د. شرف الدين عبد الحميد امين (الفلسفة اليونانية في العصر الذهبي) سقراط أفلاطون – ارسطو)جامعة سوهاج – 2012م

3. يوسف كرم (تاريخ الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط)– مكتبة الأسرة 0 القاهرة – 2017م

4. ألفرد إدوارد تايلور:- أرسطو، ترجمة: عزت قرني، دار الطليعة، بيروت، 1992م.

5. =====: سقراط، ترجمة: محمد بكير خليل، مراجعة: ذكي نجيب محمود، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1962م.

6. إمام عبد الفتاح إمام:-الأخلاق..والسياسة (دراسة في فلسفة الحكم)، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002م.

7. أميرة حلمى مطر:- الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها،دار قباء للطباعة والنـشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٩٨م.

8. =======:- الفلسفة عند اليونان، الجزء الأول، دار الثقافة للنشر والتوزيـع، القاهرة، ١٩٨٦.

9. إميل برهيبه: الفلسفة الهللينستية والرومانية، ترجمـة: جـورج طرابيـشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، د. ت.

10. =======:- تاريخ الفلسفة (الجزء الأول)، الفلسفة اليونانية، الطبعة الثانية، ترجمـة: جـورج طرابيـشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت،1987م.

11. أنجلو شيكوني: (أفلاطون والفضيلة)،ترجمة منير سبغيني،دار الجيل، بيروت لبنان، 1986م .

12. أولف جيجن:المشكلات الكبرى فى الفلسفة اليونانية، ترجمه: عزت قرنى .مكتبة سعيد رأفت، القاهرة، دون تاريخ.

13. برتراند راسل: تاريخ الفلسفة الغربية (الكتاب الثالث) الفلسفة الحديثة، ترجمة محمد فتحي الشنيطي،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة،1977م .

14. بيار بويانسي: أبيقورس،تعريب بشارة صارجي،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،1980م .

15. توفيق الطويل: فلسفة الأخلاق، نشأتها وتطورها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1979.

16. ======: مذهب المنفعة العامة في فلسفة الأخلاق، الطبعة الاولى،القاهرة، 1953م.

17. جعفر آل ياسين:- فلاسفة يونانيون (العصر الأول)، مطبعـة الارشـاد، بغـداد، ١٩٧١م.

18. حسن حنفي حسین: نماذج من الفلسفة المسیحیة في العصر الو سیط (أوغسطین .أنسلم . توما الاكویني) المكتبة الأنجلو مصریة . ط2 .القاهرة 1978 م.

19. جاریث_ب_.ماثیوز: أوغسطین .تر: أیمن فؤاد زهري - المركز القومي للترجمة،ط1 القاهرة،مصر.2013م .

20. زینب محمود الخضیري: لاهوت التاریخ عند القدیس أوغسطین - دار قباء . القاهرة.1997م.

21. عبد الرحمن بدوي: فلسفة العصور الوسطى، وكالة المطبوعات، دار القلم . ط3،الكویت، بیروت، 1979م

22. جيمس فينكيان اليسوعي:- افلاطون (سيرته، آثاره، مذهبه الفلسفي)، دار الشرق، بيروت، 1991م.

23. جيهان نور الدين محمد المقدم: (الجانب الاخلاقي عند افلاطون)،العدد الثامن،دار الكتب المصرية،الجزء الثاني، 2018م .

24. علي زیغور:أوغسطینوس مع مقدمات في العقیدة المسیحیة والفلسفة الوسیطیة، دار إقرأ، ط1 . بیروت،1983م

25. علي عبود المحمداوي (وأخ)، فلسفة التاریخ (جدل البدایة والنهایة والعود الدائم) دار الروافد للنشر والتوزیع، ط1،بیروت،2012م.

26. كامل محمد محمد عویضة:.الفلسفة المسیحیة في العصور الوسطى .، دار الكتب العلمیة ط1،بیروت، لبنان،1993م.

27. حربي عباس عطيتو: المدارس الفلسفية المتاخرة (ابيقورية نموذجا)،دار المعرفة الجامعية،الاسكندرية،1999م .

28. ======: ملامح الفكر الفلسفي عند اليونان، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية، 1995م .

29. حسن حرب: الفكر اليوناني قبل افلاطون، دار الفكر اللبناني، بيروت،١٩٩٠م.

30. ديف روبنسون وجودي جروفز:- أقدم لك أفلاطون، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، المجلس الأعلى للثقافة، 2001م.

31. زكريا إبراهيم: المشكلة الخلقية، مكتبة مصر، القاهرة، 1966.

32. =====: مشكلة الحياة، مكتبة مصر، القاهرة، 1972.

33. زكي نجيب محمود واحمد امين: (قصة الفلسفة اليونانية)، مؤسسة هنداوي سي اي سي،المملكة المتحدة،2017م .

34. سعد عبد العزيز حباتر: الأخلاق العقلية عند اليونان، رؤية جديدة، جامعة عين شمس، القاهرة، 1987 .

35. شرف الدين عبد الحميد: الفلسفة اليونانية في العصر الذهبي (سقراط- افلاطون – ارسطو)،جامعة سوهاج،كلية الاداب، سوهاج، 2014م .

36. =======: الفلسفة اليونانية في العصر الهلليني (قبل سقراط)،جامعة سوهاج، كلية الاداب،2013م .

37. ======: جدلية العلاقة بين الفلسفة والدين عند فلاسفة اليونان،دار الوراق للطباعة والنشر والتوزيع بالاردن، لبنان، 2014م .

38. عبد الرحمن بدوي: أفلاطون، وكالة المطبوعات، الكويت، 1979.

39. ======: الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام، مطبعة دار الكتب، القاهرة، 1954م.

40. ======:- ربيع الفكر اليونـانى، مكتبـه النهـضة المـصرية، ط ٣، القاهرة، ١٩٤٢م

41. ======:- خريف الفكر اليوناني، مكتبة النهضة المصرية، ط ٤، القـاهرة ١٩٧٠م.

42. عبد الغفار مكاوي:-الحكماء السبعة، الهيئة المصرية العامـة للكتـاب، القـاهرة، ١٩٩٠م

43. عبد المعبود مصطفي سالم: المدارس الفلسفة اليونانية قبل ارسطو،مطبعة الامانة، الطبعة الاولى، القاهرة 1987م.

44. عزت قرني:الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون، طبع ذات السلاسل،الكويت،١٩٩٣م

45. عزيز لزرق ومحمد الهلالي: السعادة، دار توبقال للنشر، دار توبقال، المغرب، 2013.

46. فريدريك كوبلستون: تاريخ الفلسفة، ترجمة: إمام عبدالفتاح إمام، المجلد الأول "اليونان وروما"، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومى للترجمة، ط 1، القاهرة، 2002م.

47. فواد سواف تاتاركيفتش: الفلسفة اليونانية، ترجمة: محمد عثمان مكى العجيل، كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، 2012م.

48. كورا ميسن: سقراط، الرجل الذي جرؤ علي السؤال، ترجمة محمود محمود، مؤسسة هنداوي سي اي سي، المملكة المتحدة،2017م .

49. ماجد فخرى: تاريخ الفلسفة اليونانية من طاليس ٥٨٥ ق . م " إلى افلـوطين ٢٧٠ م وبرقلس " ٤٨٥م "، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩١م

50. مجدي كيلاني: الفلسفة اليونانية من منظور معاصر، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الاسكندرية، ٢٠٠٥م.

51. محمد الجبر: الفكر الفلسفي الأخلاقي عند اليونان،(ارسطو نموذجا)، دار دمشق، 1994م.

52. محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: دفاتر فلسفيه (نصوص مختاره)، دار توبقال للنشر، المغرب، 2005م

53. محمد عبد الرحمن مرحبا:- مع الفلسفة اليونانية، منـشورات عويـدات، ط ٣، بيروت – باريس، ١٩٨٨م

54. ======: تاريخ الفلسفة اليونانية من بدايتها حتى المرحلة الهلينستية، مؤسسة فخر الدين للطباعة والنشر، بيروت ١٩٩٣م

55. محمد على أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفى من طاليس إلى أفلاطون، ج 1، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2004م.

56. محمود مراد: الحرية فى الفلسفة اليونانية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر والتوزيع، إسكندرية، 1999م.

57. مصطفى النشار:- تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي، الجزء الثاني (السفسطائيون، سقراط، افلاطون)، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 2000م .

58. =======: فلسفة السعادة، مكتبة الدار العربية للدراسات، بيروت، 2018 م.

59. نصار عبدالله: دراسات في فلسفة الأخلاق والسياسة والقانون،دار الوفاء،الطبعة الاولى،الاسكندرية،1999م.

60. هنرى توماس: أعلام الفلاسفة كيف نفهمهم، ترجمة مترى أمين، مراجعة زكي نجيب محمود، دار النهضة العربية، القاهرة، 1964.

61. هنرى توماس ودنانالى نوماس: المفكرون من سقراط إلي سارتر، ترجمة / عثمان نويه، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1970.

62. و. ك. س. جثرى: الفلاسفة الإغريق من طاليس إلى أرسطو، ترجمة وتقديم: رأفت حليم سيف، مراجعة: إمام عبد الفتاح إمام، دار الطليعة، الكويت، 1985م.

63. ولتر ستيس: (تاريخ الفلسفة اليونانية) ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد،دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة،1984م.

64. يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2018م .

ب. المراجع الانجليزية:

1. GORCE (M.M.)، The rise of thought in the Middle Ages. Albert the Great and Thomas Aquinas، 1933

2. E. Taylor: Plato the man and his work، Methuen & McGraw. Hill، Inc، New York، 1902.

3. A .H .Armstrong ; An Introduction to Ancient Philosophy، Methuen &Co .LTD، London، 1981.

4. Alessandro S. Ch. Moore، Socrates and the Socratic Dialogue، for use by the Author only، Koninklijke Brill NV، 2018.

5. Alessandro Stavru: Aristoxenus on Socrates، Universita Bocconi، 2017.

6. A.S. Bogomolov ; History of Ancient Philosophy، Greece and Rome، trans by; V. Stankerich، progress publishers، Moscow، 1985.

7. C.J..DE. Vogel; Greek philosophy (A collection of text،vol II، Aristotle، The Early peripatetic School and The Early Academy، The Netherlands Organization، Leiden،1953.

8. Ritter: The Essence of Plato's Philosophy، Trans by: A، Alles،Lincoln Mac Veagh، The Dial Press، New York. 1933.

9. D .W .Hamlyn ; the Penguin History of Western philosophy، Penguin Books،London، 1990.

10. E.Hussey: the Pre-Socratics(Classical Life and Letters) Gerald Duckworth، London، 1972. .

11. E. zeller: A history of Greek philosophy،trans by; S. F. Allyer، Longmans .Green. and Co.،London، 1881.

12. =====: Outline Of The history Of Greek philosophy، Dover publication inc،1980

13. Fiona Hobden: Xenophon "Ethical Principles and Historical Enquiry، Koninklijke Brill، 2012.

14. F.M. Cornford: Before and after Socrates، Cambridge University press، 1990.

15. =====: From Religion to philosophy (A study in the origins of Western speculation)، Harper & Row Publishers، New York and Evanston، 1957.

16. G. C. Field: The Philosophy of Plato، Oxford University Press، London،1949.

17. George Rude Busch: Socrates، publication Wiley-Blackwell، first published، 2009.

18. Gregory A. McBrayer: Xenophon and Plato on Socrates and Alcibiades، antique، 2017.

19. =======: The philosophy of Socrates، Palgrave Macmillan، 1971.

20. Jacob Howland: Kierkegaard and Socrates، University Press، New York، 2006.

21. John Burnet ; Early Greek philosophy، 4 th ed، Adam & Charles-Black، London، 1975.

22. ======:Greek philosophy part 1 ;Thales to Plato،Macmillan and Co. London، 1924.

23. =======: Plato's Euthyphro، Apology of Socrates، and Crito Oxford: The Clarendon Press، 1979.

24. John Bussanich and Nicholas D. Smith: The Bloomsbury Companion to Socrates، London، first published 2013.

25. Leo Strauss: Xenophon's Socrates، Cornell University Press Ithaca and London، 1972.

26. Leo Strauss & Joseph Crapsey: History of political philosophy، The University of Chicago press، London، 1987.

27. N. Glley: The Philosophy of Socrates، Macmillan، London، 1968.

28. Peter Warnek: Descent of Socrates، University Press، 2005.

29. Rappe- and Rachana Kamtekar، A Companion to Socrates Sara Ahabel 2-Blackwall Publishing، 2006.

30. Robert Adamson: The development of Greek philosophy، William Black wood and sons London، 1908.

31. S.F Alleyne: A History of Greek philosophy (from the earliest period) to time of Socrates، transled from the German of D.E. zeller، Longmans oreen، and co.،London،1881.

32. . Theorder Gomperz ; The Greek Thinkers، Vol 1، trans by; Laurie Magnus، John Murray، Albemarle Street، London. 1964.

33. T. Irwin: Plato's Moral Theory، The Early and Middle Dialogues، Clarendon Press، Oxford، 1985.

34. W. Jeager:-The Theology of The Early Greek philosophers، At Clarendon press، Oxford، London، 1948

35. W .K .Guthrie; A history of Greek philosophy،vol 1 (The Earlier Pre- Socratic and the Pythagoreans)، Cambridge University Press، 1962.

36. ======: Socrates، Gambridge University Press،New York 1971.

37. ======:-The Greek philosophers، Routledge، London and New York، 1991.

38. W. Windelband:-History of Ancient philosophy، trans by H.E. Cushman، Dover.

39. Luscombe، D.E.،، Medieval Thought (History of Western Philosophy: Volume 2)، Oxford: Oxford University Press،1997

40. Pasnau، Robert، and Christina van Dyke (eds.)، The Cambridge History of Medieval Philosophy، Cambridge: Cambridge University Press،2010.

41. Dronke، Peter (ed.): A History of Western Philosophy in the Twelfth Century، Cambridge: Cambridge University Press، 1988

42. Gersh، Stephen، Middle Platonism and Neoplatonism: The Latin Tradition، 2 volumes (Publications in Medieval Studies: Volume 23)، Notre Dame، Ind.: University of Notre Dame Press،1986.

43. Inglis، John (ed.):Medieval Philosophy and the Classical Tradition: In Islam، Judaism، and Christianity، London-New York: Routledge،2002.

44. Luscombe، D.E.، Medieval Thought (History of Western Philosophy: Volume 2)، Oxford: Oxford University Press، 1997.

45. Marenbon، John، (Medieval Philosophy: An Historical and Philosophical Introduction) London،Routledge،2007.

ثالثا: المعاجم والقواميس:

- ابراهيم مدكور: المعجم الفلسفي، الهيئة العامة لشئون المطـابع الاميريـة، القـاهرة، ١٩٨٣م.

- اندريه لالاند: موسوعة لالاند الفلسفية، المجلد الثالث، تعريب خليـل احمـ د خليـل، منشورات عويدات، بيروت- باريس، ٢٠٠١م

- عبد المنعم الحنفي: المعجم الشامل المصطلحات الفلسفة، مكتبة مدبولى،٢٠٠٠م

- محمود جواد مغنيه: مذاهب فلسفيه وقاموس مصطلحات، دار ومكتبـة الهـلال، دار الجواد، بيروت – لبنان، بدون تاريخ

- جورج طرابيشي: معجم الفلاسفة، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الثالثة، 2006م.

- فولتير: قاموس فولتير الفلسفي، ترجمة: يوسف نبيل، مؤسسة هنداوي،2017م.

(كما أن لهذه الدنيا شمساً يستضاء بها ويـُعرف بها الليل من النهار والأوقات والأشخاص والأجرام فكذلك للنفس نور تميز به بين الخير والشر وهو أشد ضياءً من الشمس).. أفلاطون

***

مقدمة: هو أفلاطون (427- 347) عنوان الفلسفة المثالية وملهمها، وهو من أكثر عقول الإنسانية في العصر القديم نبوغاً وإبداعاً وإشراقاً وعبقرية، ولا ريب أن نظريته تشكل منعطفا تاريخيا في الفلسفة الإنسانية، ولا غضاضة إذ يشار إليه إجماعاً بأنه المؤسس الأول للخط المثالي في الفلسفة، وقد قدّر للمثالية أن ترتفع على يديه إلى مستوى المذهب الفلسفي الشامل، فطرحت نفسها اتجاها معارضا للفلسفة المادية الممثلة بخط ديمقريطس وطاليس وهيرقليطس. وقد عرفت مدرسته الفلسفية التي أطلق عليها "الأكاديمية" بأنها أهم جامعة تنويرية في العصور القديمة، وهي التي استمرت تومض وتشعّ بأنوارها فلسفة وعلماً وعطاءً فكرياً في أثينا مدة تسعة قرون، وما كانت لتبقى لو لم يصدر الإمبراطور جستنيان الروماني قرارا بإغلاقها وطرد فلاسفتها. وقد قيل في أفلاطون "إن الفلسفة نبتت على يديه واكتملت في حياته"([1]).

يتحدّر أفلاطون من أسرة أثينية عريقة في المجد، ولد في أثينا عام 427 ق. م وعاش حتى بلغ الثمانين من العمر، إذ توفي سنة 347 ([2]). كان أبوه يدعى أرستون وأمه فريقونية. ويقال بأن الاسم الأصلي لأفلاطون هو أرستوقلس، ولقب أفلاطون لسعة في جبهته واتساع في منكبيه، كان رجلاً وسيماً وشجاعاً فاز في حلقات السباق وفي حلبات والمصارعة. تتلمذ مدة ثماني سنوات على يد أستاذه سقراط، وكان يقول حباً فيه: "أحمد الله الذي خلقني يونانياً لا بربرياً، وحراً لا عبداً، ورجلاً لا امرأة، ولكن فوق ذلك كله أنني ولدت في عهد سقراط"([3]). وكان لعبقرية ذلك الرجل أن تتألق في كل العصور التاريخية، حتى قيل فيه "إن أفلاطون هو الفلسفة وإن الفلسفة أفلاطون".

كان أفلاطون واعظاً وكاهناً وفيلسوفاً، أسس "الأكاديمية" في 388 ق.م، وسميت هكذا لأنها أقيمت بالقرب من ضريح أكاديموس البطل الأسطوري اليوناني، وكتب على بوابتها "لا يدخل هذه الأكاديمية من لم يكن رياضيا".

كان عصر أفلاطون عصر حروب ومؤامرات ودسائس سياسية، الحرب بين الفرس والإغريق، الحرب بين أثينا وإسبرطة، المؤامرات بين الأحزاب والأرستقراطية والديمقراطية. وتحت تأثير تلك الظروف وعلى أثر مقتل سقراط قرر أفلاطون الترحّل في بلدان واسعة كإيطاليا ومصر وصقلية، وكات للأنظمة السياسية في تلك البلدان تأثير واضح على نمط تفكيره السياسي. وكان لإعدام أستاذه سقراط أثر كبير في توجهه نحو العمل السياسي في عصره، إذ كان حاقداً على الديمقراطية الأثينية التي أدت إلى مقتل العقل.

وقد نهل أفلاطون من ينابيع متعددة في الفكر والثقافة، وأهم مصادره الفكرية:

1 ـ السوفسطائيون ولاسيما مبدأهم: الإنسان مقياس الأشياء.

2 ـ نظرية هيرقليطس في التغير الدائم.

3 ـ الفلسفة الفيثاغورثية أو فلسفة العدد ومفهوم التناسخ.

4 ـ الفلسفات الشرقية المصرية والهندية: حيث قضى ردحاً من الزمن في مصر ينهل من معينها الفكري.

5 ـ أستاذه سقراط في منهجه وتهكمه وفضيلته([4]).

واستطاع عبر هذه المصادر أن يرسم واحدة من أعظم النظريات التربوية والفلسفية.

2- المحاورة الأفلاطونية:

ترك لنا أفلاطون تراثاً ثرّاً من الكتب والمصنفات التي سطرها على صورة محاورات مستلهماً المنهج السقراطي في الحوار والمناقشة. ويتميز أسلوب المحاورة الأفلاطونية بالرشاقة والجمال كما يتميز بالتكامل والانسجام.  وكان أسلوبه مزيجاً ساحراً من الفلسفة والشعر والأدب والفن. إن ما يتميز به أسلوبه من حب المداعبة والتهكم والخرافة والأسطورة يترك القارئ في حيرة دائمة من أمره. فالمحاورات الأفلاطونية- كما يقول ديورانت- ستبقى أحد الكنوز الثمينة في العالم، وأفضلها كتاب الجمهورية([5]).

ويقال إن أعمال أفلاطون في محاوراته تشهد على أنه من أبرز كتاب الأدب العالمي، حيث يعتمد أفلاطون المنهج الفلسفي النقدي وهو منهج جدلي تهكمي توليدي.  كما يستخدم في  كتابة محاوراته أساليب عديدة من الدراما والتهكم والسخرية والحوار. ويقال في ذلك إن المحاورات الأفلاطونية لا تعين منهجاً للبحث من أجل اهتمامها بل تجعل الفكر أكثر قدرة على التفكير في الموضوعات وحلها، وتجعله أكثر إبداعا، والمحاورة لا ترمي إلى تقديم معلومات بل إلى إعداد الفكر وتنمية العقل النقدي.

كانت المحاورات التي تركها أفلاطون مرآة لعصره، فالشخصيات التي تمثلها هي شخصيات سياسية معروفة في العصر وأبرزها: سقراط، بركليس، بارمنيدس، أقريطون أو في الواجب، لاخس، أو في الشجاعة، لوسيوس، أو في الصداقة، جورجياس، أو في الخطابة، مينون، أو في الفضيلة، المأدبة، أو في الحب، فيدون، أو في النفس([6])، السياسة أو في العدل، قريطياس، برمنيدس، قفيلابوس، فدرس، السياسي، أقريطون، يوتيفرون أو في التقوى، خرميدس، هيبياس، وبروتوغاروس([7]) وتصنف هذه المحاورات إلى:محاورات الشباب، ومحاورات الكهولة، ثم محاورات الشيخوخة. وقد ذكر أنه ألف 35 محاورة من أبرزها: السوفسطائي، فينون، الجمهورية، النواميس، وأهمها إطلاقاً محاورتا الجمهورية والنواميس، وهما أكثر كتبه نضجاً وتألقا.

3- المسألة الوجودية عند أفلاطون:

تتحدد المسألة الوجودية بطبيعة العلاقة بين الوعي والمادة أو بين الذات والعالم كما تتعلق بمسألة أسبقية الوجود: أيهما وجد أولاً المادة أم الروح؟ الوعي أم المادة؟

يميز أفلاطون في المستوى الوجودي بين عالمين: عالم المثل والعالم المادي، ويرى بأولوية الأول على الثاني، أي بأولوية عالم المثل على العالم المادي.

فعالم المثل بالنسبة لأفلاطون هو الوجود السرمدي الخالد الذي لا يعتريه تغير أو تبديل، هو الوجود المعنوي والروحي، و هو الوجود الأول. ويصور لنا أن عالم المثل هو عالم الحقيقة والخلود، وهو هرم من المثل يتربع على رأسها مثال الخير أرفع المثل الذي يتربع على عرش عالم الماهيات

أما العالم المادي: فهو عالمنا الذي يتصف بالتغير والتبدل والفناء، وهو انعكاس ظلالي شبحي للعالم الأول. الأشياء المحسوسة -كما يرى أفلاطون- هي في تغير أبدي دائم تنشأ وتفسد وتتلاشى، ولا تحتوي على أي شيء يقيني ثابت، والمثل هي علة المحسوسات، والمحسوسات حادثة توجد وتتلاشى، أما العالم الأول فهو عالم يتصف بالأزلية والخلود والأصل. فالمثل ليست من المحسوسات بل هي ماهيات منفصلة عن الأشياء. وبعبارة أخرى المثل هي صور في عقل الإنسان بل هي أفكار في عقل الله، لأنها ماهيات مفارقة للمادة.

ويحدد أفلاطون العلاقة بين العالمين بالعلاقة الانعكاسية، إذ يرى بأن العالم المادي انعكاس لعالم المثل أو عالم المعقولات، وكل شيء في عالم الحس يقابله ما يماثله في عالم المثل. فالمثال هو الشيء بعينه بذاته، أما الشيء فهو صورة وانعكاس للمثال. فهناك إذن وجود مزيف هو العادة، ووجود حقيقي هو المثال. ويبرهن على ذلك بفكرة أن الشيء الذي له بداية له نهاية. وعلى خلاف ذلك فإن الشيء الذي ليس له نهاية ليس له بداية. وما هو ذو نهاية محدث، أما الذي ما لانهاية له فهو قديم.

فالمادة زائلة متغيرة لا بد لها من علة لوجودها، وعلة وجودها هو المثال: التفاحة المزيفة لها أصل ومبدأ هو التفاح الحقيقي، العلاقة بين الجسم وظله، نسيب الظل هو الجسم. الروح في الإنسان تنتمي إلى عالم المثل، والجسد إلى عالم المادة. إن الماهية الخفية للأشياء تكمن في عالم المثل، وهو عالم غير محسوس ويدرك بالعقل فقط.3766 جدول افلاطون

4 - أسطورة الكهف:

يحاول أفلاطون عبر أسطورة الكهف أن يحدد طبيعة العلاقة بين عالم المثل وعالم المادة، ويحاول أيضاً أن يوضح نظرية المعرفة. يتحدث أفلاطون عن كهف مظلم فيه أسارى مصفدون بأغلالهم ينظرون إلى غور الكهف، حيث ترتسم ظلال وأشباح تلقيها نار مشبوبة، تنيرها تماثيل صغيرة، يحملها أناس لا يظهرون يمرون خلسة أمام باب الكهف.

وتبين القراءة الرمزية لهذه القصة الخيالية ما يلي:

1- هناك عالمان: الكهف المظلم وهو العالم المادي الذي نعيش فيه، أما العالم الخارجي فهو عالم المثل والحقائق.

2- الأسرى: هم الناس الذين يعيشون في العالم المحسوس.

3- الأغلال: تمثل الرغبات والميول التي تمنع الأسارى من المعرفة والنظر إلى الخلف.

4 - الظلال والأخيلة والأشباح هي الظنون والرؤى والأوهام للنار المشبوبة في الخارج التي هي شمسنا المنيرة.

حين يتاح لأحد الأسرى (وهو الفيلسوف) أن يخرج خلسة من الكهف ليرى الشمس، ويرى عجبا؛ لأنه للمرة الأولى يرى عالم الحقيقة، وتبهر عيناه في البداية، ثم يعتاد النظر إلى الحقيقة المشرقة، ثم يعود ليخبر من كان في الكهف ويساعدهم على الحرية من أجل الحقيقة. ولكن أفراد الكهف يستسلمون لما هم فيه ويرفضون الخروج من أجل الحقيقة. وهنا يريد أن يقول لنا إن الناس محكومون بأهوائهم وعاداتهم ورغباتهم التي تنسيهم جمال الحقيقة والنظر في ضوء الشمس.

5- نظرية المعرفة عند أفلاطون:

نعني بنظرية المعرفة العلاقة بين الذات والموضوع، بين الوجود الواعي والوجود المادي. ويمكن تعريفها عبر صيغ التساؤل عن مصادر المعرفة وأدواتها وكيفياتها. ونظرية المعرفة عنده تتصل بالمسألة الوجودية الأنطولوجية، التي تعطي عالم المثل أولوية الوجود، فهو يؤمن بوجودين، ويعطي للعقل مبدأ الأولوية في الوجود. وإذا كان العالم المادي متغيراً متبدلاً فاسداً تعتريه الصيرورة، فإن معرفته معرفة متبدلة ومتغيرة وفاسدة. وهناك معرفتان:

1- معرفة حسية: وتعبر عن العالم المحسوس، والوصول إليها يكون عن طريق الحواس.

2- معرفة عقلية: وتعبر عن العالم المعقول، والوصول إليها يكون عن طريق العقل والتأمل العقلي.

يبدأ ديالكتيك المعرفة من عند أفلاطون من منهج سقراط في التوليد والتهكم، وهو الأسلوب الذي استخدمه في الهجوم على السوفسطائيين، وديالكتيك المعرفة، عند أفلاطون يأخذ صورتين فهناك: الديالكتيك الصاعد وهناك الديالكتيك النازل. فالجدل الصاعد هو المنهج الذي يرتفع به العقل من المحسوس إلى المجرد دون أن يستخدم شيئاً حسياً بل بالانتقال من فكرة إلى أخرى. أما الجدل النازل فهو منهجية الفكر في الانتقال من المعقول إلى المحسوس. ويشير إلى أربعة مستويات لمنطق المعرفة هي:

1- الإحساس: وهو إدراك عوارض الأجسام.

2- الظن: وهو الحكم على المحسوسات بما هي.

3- الاستدلال: وهو علم الماهيات الرياضية المتحققة في المحسوسات.

4- التعقل: وهو إدراك الماهيات المجردة.

6- الآراء الاجتماعية عند أفلاطون

يودع أفلاطون أفكاره التربوية في كتابه الجمهورية. وفي هذا الكتاب يقدم أفلاطون تصوراً لمجتمع مثالي تحكمه العدالة والمساواة بين الناس وتسوده الفضيلة. يصف جان جاك روسو كتاب الجمهورية لأفلاطون بأنه أجمل رسالة وضعت عن التربية، ويقول "إذا أردتم أن تعرفوا ما التربية العامة عليكم أن تقرؤوا جمهورية أفلاطون، فهي ليست كتباً في السياسة على الإطلاق، بل هي أجمل رسالة وضعت في التربية"([8]).

في هذه المدينة يمنع على الفلاسفة والحكام التملك؛ لأن الملكية هي أصل الشرور والآثام. وعلى طبقة الحكام والحراس الانصراف إلى العمل الفكري والذهني. وفي هذه المدينة أيضاً لا يحق للحكام من الفلاسفة الزواج بالطريقة التقليدية. فالحكام يتزوجون في طقوس عامة، حيث يعقد لهم على حكيمات النساء. أما الأطفال فيؤخذون لتتم تربيتهم تحت إشراف الدولة، وهؤلاء الأطفال لا ينسبون لآبائهم بل إلى الدولة بشكل عام حيث تقوم مرضعات غير الأمهات بإرضاع هؤلاء الأطفال وتنشئتهم كما يقوم مربون بتربيتهم وفق المعايير التربوية للدولة.

لقد تطلع أفلاطون إلى تكوين مجتمع من الأحرار بكل ما يعنيه مفهوم الإنسان الحر من نبل وسمو وقدرة على التعبير والإبداع، لذلك فإنه وقف ضد مختلف أشكال القسر والتسلط والظلم الذي يقع على الإنسان، ورفض في نظريته التربوية الأساليب التربوية القائمة على القسر والإكراه، فهو يرفض أن تكون التربية طريقاً إلى العبودية، فالتربية يجب أن تكون من أجل بناء الإنسان الحر المتكامل جسداً وروحاً وعقلاً.

يبسط أفلاطون أفكاره الاجتماعية في كتابيه السياسة والجمهورية. ويمكن الإشارة إلى أهم الأفكار التي يطرحها في كتابيه:

1- شيوعية النساء: إذ يحظر أن يكون للحراس (هذه لطبقة الجند والحكام) أسر ويكون الزواج بالقرعة. فالجميع للجميع عبر طقوس واحتفالات دينية يجتمع فيها الحراس من الجنسين، ويكون الزواج بالقرعة تفادياً للحسد والتخاصم. ويعقد زواج رسمي لكنه مؤقت، والغرض منه التناسل لتحقيق حاجة الدولة من السكان. ثم يوضع الأطفال في مكان مشترك يعنى بهم متخصصون، وتأتي الأمهات لإرضاعهن دون أن يعرفن أطفالهن. وعندما يولد للحراس أطفال خارج هذه الطقوس يعدمون، كما يعدم الأطفال ناقصو التركيب.

2- تحسين النسل وتحديده: وهنا يستفيد أفلاطون من مسألة تحسين النسل عند الماشية. لا يكفي أن تعلم الطفل تعلماً حسناً دائما، بل يجب توليده توليداً حسناً عن أبوين قويين صحيحين، وبطلب من كل عريس وعروس تقديم شهادة تبين صحتهما، والرجال ينجبون بعد سن الثلاثين ودون سن الخمسين. ويجب إعدام الأطفال المشوهين، ويباح للرجل الاتصال الجنسي بعد المرحلة المحددة للزواج بشرط ألا يؤدي ذلك للإنجاب. لا ينسل رجل أو امرأة ما لم يكونا صحيحي الجسم والنفس.

3- زواج الأقارب: ينهي عن زواج الأقارب لأنه يضعف النسل، وبزواج أفضل النساء مع أفضل الرجال يمكن بناء المدينة. إذ يباح لأشجع شبابنا الاتصال بعدد أكبر من النساء لأن هؤلاء الآباء ينبغي أن ينجبوا عدداً أكبر من الأولاد.

4- المساواة بين الجنسين في التعليم وممارسة الوظائف والمهن.

7- الطبقة عند أفلاطون

لا تقوم الطبقة عند أفلاطون على معيار الثروة وإنما على مبدأ الاستعدادات والكفاءات العقلية. ويؤكد في رؤيته الطبقية هذه أهمية المساواة بين الرجل والمرأة. ويتحدث عن ثلاث طبقات أساسية:

1- طبقة الحكام الفلاسفة، وهي القوة العاقلة وفضيلتها الحكمة.

2- طبقة الحراس الجند، وتماثل القوة الغضبية وفضيلتها الشجاعة.

3- طبقة الصناع، ويقابلها القوة الشهوانية وفضيلتها العفة.

وكما أنه يماثل بين الطبقات والقوى الطبيعية في الجسد، فإنه أيضاً يقابل بين هذه الطبقات والمعادن، فطبقة الحكام الفلاسفة تقابل معدن الذهب، والطبقة العسكرية طبقة الجند يقابلها معدن الفضة، أما طبقة الصناع فيقابلها معدن النحاس. والعدالة تكون بتحقيق الانسجام وهيمنة الفلاسفة في المدينة. وهيمنة العقل على الجسد في سائر الأحوال.

8- الطبيعة الإنسانية:

أخذ أفلاطون تفسير حقيقة النفس من النظرية الأورفية التي كانت تنص على أن النفوس كانت توجد في مكان مقدس قبل أن تحل في الأجسام. و كانت في مكانها هذا تنعم بالسعادة الأبدية. ثم ارتكبت جريرة ما فعوقبت على ذلك وأهبطت إلى الأرض واتحدت بالجسد. وهذا يعني أن اتحادها مع الجسد يرمز إلى عقاب أنزله الله عليها. وهي - أي الروح - تعود إلى عالم المثل بعد الموت.

ومن هذا المنطلق يرى أفلاطون أن الروح هي نقطة الالتقاء بين عالم المثل وعالم الجسد. وأن النفس جوهر روحي وليس مادياً كما يعتقد الفلاسفة. ومن أجل أن تتحرر النفس من سجنها الأبدي لا بد أن تعمل على تطهير نفسها بالعمل الصالح الذي يختص بالمعرفة. ويرى أن عدد النفوس لا يقبل الزيادة ولا النقصان، وأن النفس تحل في أكثر من جسد حتى تكفر عن الذنوب التي ارتكبتها.

يجري السلوك عند أفلاطون من ثلاثة منابع: الجسد والعاطفة والعقل، وهو في رؤيته هذه يبدو متأثراً بفكرة العقيدة الإبراهيمية.

1- فالجسد والرغبة والشهوة والجسد والباعث أمر واحد.

2- والعاطفة والروح والطموح والشجاعة أمر واحد.

3- والعقل والمعرفة والفكر والذكاء شيء واحد.

وهناك ثلاث قوى محركة للطاقة الحيوية عند الإنسان وهي:

1- القوى الشهوانية: وتتمثل في الرغبة وفضيلتها العفة.

2- القوى الغضبية: تتمثل في الشجاعة وفضيلتها الشجاعة.

3- النفس العاقلة: تتمثل في الحكمة وفضيلتها المعرفة([9]).

9- النظرية التربوية:

يودع أفلاطون كتابه الجمهورية جلّ أفكاره التربوية، ويؤكد على الدور الاصلاحي للتربية كما يؤكد قدرتها على تحويل المجتمع إلى مجتمع عادل فاضل تسوده الحكمة والخير والفضيلة. ومن أجل هذه الغاية يطرح أفلاطون منظومة من الأفكار التربوي المهمة نوجزها بما يلي:

1- عزل الأطفال عن المجتمع: إذ لا يمكن بناء مدينة مثالية بأولاد صغار أفسدهم كبارهم، إذ يجب أن نخرج جميع الأطفال الذين بلغوا السابعة من العمر ونضعهم في معسكرات تشرف عليها الدولة لتربيتهم وتأهيلهم كمواطنين أحرار.

2- ديمقراطية التعليم: لا أحد يعرف من أين تتوهج نار العبقرية. ويجب أن نمنح كل طفل فرص تعليم متساوية، لا أحد يعرف من أين تتوهج نار العبقرية، ويجب أن نبحث عن هذا التوهج العبقري في كل مكان وفي كل نوع وجنس.

3- التربية الاصطفائية: حيث يجب اصطفاء الأفضل والأقوى لمتابعة التعليم والوصول إلى قمة الهرم المعرفي والسياسي: طبقة الحكام الفلاسفة.

4- المساواة بين الجنسين: في التعليم دون تمييز بين المرأة والرجل.

5- تحقيق التوازن التربوي: تربية الجسد والنفس والعقل.

10 - المنهج التربوي لدى أفلاطون:

يرى أفلاطون أن التربية يجب أن تتم وفق منهجية محددة، حيث يتم إعداد الجسد بالرياضة، والقلب بالموسيقى، والعقل بالرياضيات. ويجب تحقيق التكامل بين هذه الجوانب أي بين التربية الروحية والنفسية والعقلية من أجل بناء الإنسان الكامل عقلاً وجسداً وروحا. ومن أجل تحقيق هذه الغاية يقترح نظاماً تربوياً متكاملاً يستند إلى الخطوات التالية:

1- الرياضة: في السنوات العشر الأولى، يجب أن ينصب التعليم على التربية البدنية، لتكوين مواطنين أصحاء شجعان ومعافين. ولم تكن الرياضة من أجل بناء أجساد قوية خشنة فحسب بل كانت من أجل تحقيق الرشاقة والقوة والجمال في الجسد والنفس.

2 - الموسيقى: ولكن مجرد الرياضة البدنية لا تكفي إذ تجعل من الشخص عنيفاً شديد الخشونة، وهو لا يريد مجرد شعب من المصارعين وحملة الأثقال، بل أناساً أقوياء البنية أصحاء العقل والروح والجسد. لذا يؤكد على أهمية صقل الروح الإنسانية وتهذيبها بالفن والموسيقى، فالموسيقى تهذب الروح وتجد طريقها إلى خفايا النفس فتجعلها رشيقة لطيفة، وهي قادرة بطاقتها الكونية على تهدئة المنابع غير الواعية في العقل البشري. ومع الأهمية الكبيرة التي يوليها أفلاطون إلى الموسيقى فإنه يدعو إلى التعقل وعدم الإسراف، لأن الإفراط فيها خطير كالإفراط في الرياضة. وإذا كان الاقتصار على الرياضة يدفع الإنسان إلى التوحش، فإن الاقتصار على الموسيقى يضعف الإنسان ويجعله ضعيفاً رقيقا، لا بد إذا للإنسان من تهذيب الروح بالموسيقى وفي الوقت نفسه صقل الجسد بالرياضة.

3- الرياضيات: كتب أفلاطون على مدخل الأكاديمية عبارته المشهورة: "لا يدخل هذه الأكاديمية من لم يكن رياضيا"، وهذه إشارة كبيرة إلى أهمية الرياضيات في النظام التعليمي عند أفلاطون. فإذا كان الجسد ينمى ويصقل ويؤهل بالرياضة، وإذا كانت النفس تصقل بالفن والموسيقى فإن العقل يرتقي ويصل إلى غايته عن طريق الرياضيات. لأن الرياضيات هي رياضة العقل ووسيلته في بلوغ الكمال. وكان أفلاطون متأثراً بنظريات فيثاغورث في الرياضيات حيث كان فيثاغورث يرفع من شأن الرياضيات إلى مرتبة القدسية. وكان يرى أن الكون عدد ونغم ([10]).

11- مراحل التعليم عند أفلاطون:

1- في المرحلة الأولى يتم انتزاع الأطفال الذين بلغوا السادسة من العمر ليوضعوا في مدارس عامة تشرف عليها الدولة. ويحصل هؤلاء الأطفال على تعليم عام حتى الثامنة عشرة من العمر. ويبدأ التعليم بالتربية الجسدية، وتقترن هذه التربية بالموسيقى والأناشيد؛ لأن وجود الموسيقى إلى جانب التربية البدنية يخلق حالة من التوازن الإنساني عند الطفل. وفي نهاية هذه المرحلة يخضع الأطفال لامتحان شامل للنواحي النفسية والعقلية والجسدية، ومن يخفق يكن مآله إلى الطبقة العاملة، وهي أدنى طبقات المجتمع.

2- في المرحلة الثانية: من الثامنة عشرة حتى العشرين ينقطع الحراس عن الدرس ويزاولون الرياضة البدنية والتمرينات العسكرية.

3- في المرحلة الثالثة: من العشرين حتى الثلاثين ينصرفون لدراسة الحساب والفلك والموسيقى من أجل الوصول إلى مرتبة الحراس.

4- في المرحلة الرابعة: من الثلاثين حتى الخامسة والثلاثين: في الثلاثين يتم اختيار أهل الكفاية والجدارة الذين تتوفر فيهم محبة الحق وشرف الفلسفة وضعف الشهوة، وهم أقلية بطبيعة الحال. ويقضي هؤلاء الصفوة خمس سنوات أخرى في دراسة الفلسفة.

5- في المرحلة الخامسة: من الخامسة والثلاثين حتى الخمسين: يزج بهم في معترك الحياة السياسية والحربية حتى سن الخمسين، والذين يتميزون يصلون إلى مرتبة الحكام ويدعون الحراس الكاملين، ويتناوبون الحكم كل بدوره. وهذه الدورة تسمى الدورة الكبرى، دورة الحكام، حيث يصل الفرد إلى غاية التربية ومنتهاها إنساناً يتصف بالكمال ويمتلك القدرة على حماية العدالة في المدينة والسهر عليها.

فالهدف التربوي العام عند أفلاطون هو تكوين تناسق بين روح تحس الجمال وتعشق الأدب، وجسم رشيق قوي، وعقل يمور بالعطاء والحكمة والمعرفة.

12- خلاصة:

لا يمكن لأحد من المفكرين أن يتجاهل الطابع الطوباوي والخيالي للنظرية الأفلاطونية في التربية والسياسية. إذ غالباً ماً يوجه النقد الشديد لرؤى أفلاطون التي تتسم بالطابع الأيتوبي الخيالي الذي يحاول فيه أن يصلح مجتمعاً فاسداً عبر التربية وبأدواتها. ولكن يجب علينا أيضاً أن نأخذ بكثير من الأفكار المهمة التي طرحها أفلاطون في مشروعه التربوي والسياسي.

- استطاع أفلاطون أن يربط بعمق وأصالة منهجية بين التربية والحياة الاجتماعية والسياسية، وهو أول من نفذ ببصيرته إلى عمق العلاقة بين التربية والمجتمع، وأول من أدرك منهجياً إمكانية توظيف الفعل التربوي في إصلاح الحياة الاجتماعية والسياسية.

- يعد أفلاطون أول من نادى بديمقراطية التعليم بين المرأة والرجل وبين أفراد الطبقات الاجتماعية من جهة أخرى. لقد نادى بحق المرأة في التعليم وفي قيادة المجتمع على قدم المساواة دون تمييز بينها وبين الرجل. كما نادى بحق كل طالب علم بأن يتعلم وأن يصل إلى الغاية التي ينشدها إن استطاع إلى ذلك سبيلا, فالتربية يمكنها -وفقا لتلك الرؤية- أن تكون أداة للحراك الطبقي. ومصير الإنسان مرهون بقدرته على التعلم والسير في دروب المعرفة.

- استطاع أفلاطون أن يرسم المثل الأعلى للتربية وأن يصقل الغاية الأسمى للعملية التربوية في بناء الإنسان المتكامل جسداً وعقلاً ونفساً، واستطاع أن يحدد جدل العلاقة بين هذه الجوانب، وأن يبرز أهمية الرياضيات والرياضة والموسيقى في إيصال الإنسان إلى جوهر إنسانيته.

- تعد نظريته في مقدمة النظريات النقدية للتربية والمجتمع. وبهذا يكون أفلاطون مؤسساً للنزعة النقدية في الفلسفة والتربية والمجتمع. وقد جعل من النظرية الفلسفية أداة فعالة في النقد الاجتماعي والسياسي. ولم يكن ذلك مألوفاً في عصره أو فيما سبقه([11]).

***

علي أسعد وطفة

كلية التربية – جامعة الكويت

..................

مراجع المقالة وهوامشها:

[1]- أحمد فؤاد الأهواني، أفلاطون، دار المعارف، القاهرة 1991، ص 7.

[2]- هناك خلاف كبير حول مولده، فبعض المؤرخين يشيرون إلى عام 427 وبعضهم إلى 428 وبعضهم الآخر يرجح 429.

[3]- ول ديورانت، قصة الفلسفة، ترجمة فتح الله المشعشع، مكتبة العارف، بيروت، 1985.ص 19.

[4]- عبد الله عبد الرحمن، تطور الفكر الاجتماعي، دار المعرفة الجامعة، الإسكندرية، 1999، ص 16.

[5]- انظر: أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، دار القلم، بيروت، 1980.

[6]- انظر: أفلاطون، فيدون (في خلود النفس) ترجمة عزت قرني، دار قباء، القاهرة، 2001.

[7]- انظر: أفلاطون، في السوفسطائيين والتربية، محاورة بروتاغوراس، ترجمة عزت قرني، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، 2001.

[8]- جان جاك روسو، إميل، ترجمة عادل زعيتر، دار المعارف، القاهرة، 1956، ص34.

[9]- فؤاد بسيوني، من أعلام الفكر التربوي، مركز الإسكندرية للكتاب، الإسكندرية، 2000، ص 34.

[10]- فاطمة جيوشي، فلسفة التربية، مطبعة خالد بن الوليد، جامعة دمشق، دمشق، 1982، ص 17.

[11]- محمود عبد الرزاق شفشق، الأصول الفلسفية للتربية، دار البحوث العلمية، الكويت، 1980.  ص 48.

 

ترجمة د. زهير الخويلدي

كانط هو أبو الفلسفة الألمانية: فهو المؤلف، أو بالأحرى أداة، لأعظم ثورة فلسفية حدثت في أوروبا الحديثة منذ ديكارت. لكن أي ثورة تستحق هذا الاسم هي ابنة الزمن وليست ابنة انسان. العالم يتحرك، لكن لا أحد يحركه، كما لا يستطيع أحد أن يوقفه. أرى سابقتين عظيمتين في فلسفة كانط: الروح العامة، والحركة العالمية لأوروبا، ثم الروح الخاصة لألمانيا. إن الروح العامة لأوروبا في نهاية القرن الثامن عشر معروفة جيداً: في ذلك الوقت، كان هناك تخمير صامت، نذير أزمة قادمة. لقد تم استبدال سذاجة القرون السابقة بميل عاطفي للفحص والتحقيق، وهو ما يساعد على اكتشاف الحقيقة. لقد كشف التفكير المطبق في البحث عن حقوق الإنسان وواجباته عن فراغ المؤسسات القائمة؛ لقد شعرنا بشدة بالحاجة إلى تجديد كامل للجسم الاجتماعي. يجب أن أصر أكثر على حالة ألمانيا الخاصة قبل كانط. لكن تاريخ الأمة هو في الأساس تاريخ واحد، وبالمعنى الدقيق للكلمة، يكاد يكون من المستحيل أن نفهم بشكل كامل الوضع الأخلاقي لألمانيا في نهاية القرن الثامن عشر، ما لم يعرف المرء إلى حد ما العصور التي سبقت وأعدت ذلك العصر. نحن ندرس؛ لذا يبدو لي من الضروري أن أقدم هنا رسمًا سريعًا لتاريخ الحضارة الجرمانية منذ بداياتها الأضعف حتى وقت ظهور كانط، وذلك لكي أفهم بوضوح الروح الأساسية والدائمة للأمة العظيمة التي ينتمي إليها فيلسوفنا. ، ومن هو ممثله. إنني على قناعة تامة بأن النوع البشري هو نفسه في كل مكان، مهما كانت خطوط العرض المختلفة التي تتوزع عليها الأجناس البشرية. لا يوجد سباق متميز من أجل الحقيقة، من أجل الجمال، من أجل الخير. لقد تم التغلب على تأثير الظروف الخارجية وهزيمته في كثير من الأحيان، هنا بإرادة بعض النخبة من الأفراد بقدر ما كانوا يعنيهم الأمر، وهناك، من أجل الجماهير، من قبل الحكومات والمؤسسات. ويقلب التاريخ النظريات المطلقة التي تنسب الحرية أو العبودية إلى هذه المنطقة أو تلك. أعتقد باختصار أن الحضارة المشتركة هي ملك للجنس البشري بأكمله في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، إذا كانت البشرية واحدة، فليس أقل صحة أن الحضارة تتخذ أشكالًا مختلفة تمامًا، اعتمادًا على الظروف والأزمنة والأماكن. وأبرز تمييز هو الفرق بين الحضارات الجنوبية والحضارات الشمالية. شعب الشمال يرى نفس الحقائق التي يراها شعب الجنوب، لكنهم يرونها بشكل مختلف. ويلاحظ هذا الاختلاف في الشعر وفي الدين وفي المؤسسات السياسية. وتتبع الفلسفة نفس الحظ، لأن الفلسفة ليست في بعض الأحيان سوى القاعدة السرية، وأحيانًا قمة هذه التطورات الثلاثة العظيمة للروح، وأنقى وأسمى تعبير عنها. لقد تتبع السيد دي سيسموندي، في عمله الجميل عن آداب الجنوب، طابع الشعر في إيطاليا وإسبانيا في علاقته بالدين والحالة السياسية في هذين البلدين. ويمكننا، على غرار مثاله، أن نشير أيضًا إلى الخصائص الأدبية والسياسية والدينية الخاصة حصريًا بدول الشمال. النتيجة الأكثر تأكيدًا لجميع الملاحظات التي تم تقديمها بالفعل هي أن إنسان الجنوب، على الرغم من أنه نفس إنسان الشمال بشكل أساسي، إلا أنه أكثر اتساعًا، وأن إنسان الشمال، على العكس من ذلك، من خلال إن تأثير الانطباعات التي تنتجها الظروف الخارجية عليه يسهل نقله نحو نفسه ويعيش حياة أكثر حميمية. ألمانيا هي هذا السهل الشمالي الكبير، الذي تقطعه عدة أنهار كبيرة، وتفصلها عن بقية العالم حواجز طبيعية نادراً ما يتم عبورها، عن طريق المحيط وبحر البلطيق، وجبال كراباكس، ونهر تيرول والراين. ضمن هذه الحدود، تعيش وتتحدث نفس اللغة أمة أصيلة بعمق، ولا يخضع وجودها إلا لقليل من تأثير الشعوب المجاورة. إن الروح المشتركة التي توحد هذه المجموعات العديدة هي حب الحياة الداخلية، حياة الخيال أو الشعور أو الفكر الانفرادي مثل حياة الأسرة، وتفضيل أحلام اليقظة أو مزجها مع العمل، والاستعارة من الروح، من شيء مثالي وغير مرئي، اتجاه الحياة الخارجية، حكومة الواقع.

يبدو لي أن تاريخ هذه الأمة ينقسم إلى ثلاثة عصور رئيسية.

العصر الأول، الذي ضاع أصله في ضباب الزمن، لا ينتهي إلا مع شارلمان. تُظهر لنا الآثار القديمة، التي يلخصها تاسيتوس، القبائل الجرمانية المختلفة المنتشرة على سطح منطقة شاسعة احتلوها بدلاً من تخصيبها. لقد اعتادوا على حياة الترحال، وحاربهم الرومان دائمًا، ولم يُهزموا أبدًا، نراهم ينتظرون في غاباتهم حتى يحين الوقت لإرجاع الغزاة إلى ديارهم ومهاجمة المعتدين. حتى اللحظة التي أصبحت فيها شعوب الشمال غزاة بدورها، ولفترة من الوقت حتى بعد الغزو، كانت لديهم حضارة، وشكل من أشكال الحكم، ودين، وشعر خاص بهم. تتمثل روحهم السياسية بشكل عام في الاعتراف فقط بالقادة المنتخبين من قبلهم، وفي ترك السلطة شبه التعسفية للتفوق الجسدي أو المعنوي، حتى أننا نرى أحيانًا فوضى الضعف، عندما لا يكون لدى القائد سوى القليل من القوة. محارب سعيد. افتح إيدا ونيبيلونجن؛ إن القراءة الأكثر سطحية تكتشف طعم الأحلام والمشاعر العميقة المظلمة أو السامية التي تذكرنا باستمرار بأن أبطال وشعراء هذه القصائد القديمة لم يروا سماء إيطاليا أو سماء إيطاليا أو إسبانيا. ومهما تحركوا في العالم الخارجي، فإنهم يتخذون دائمًا أشكالًا مستعارة من الحياة الحميمة. كما أن لهذا العصر فلسفته، فلسفة على طريقة البرابرة، غامضة وغير محددة، لأنها ليست سوى تطور غريزي، ثمرة العفوية وليس التفكير، هي وحدها التي تشكل الفلسفة الحقيقية. هذه الفلسفة الأولية هي الدين. في أساطير إيدا ونيبيلونجن، يتم التعبير عن تفوق الإنسان على الطبيعة في كل مكان، وهناك بالفعل نوع من النظرية الفلسفية. سيجورد، سيجيفريد، أتيلا، أبطال الشمال، يلعبون بالحوادث الطبيعية؛ إنهم يستمتعون وسط عواصف المحيط، ويتنهدون بعد المعارك كما بعد المهرجانات، ويبتسمون للموت كما لو كانوا يبتسمون لصديق، وينضمون إلى الازدراء العميق للحياة، والشعور النشط بالواجب، والذوق للحب الذي لا حدود له من النقاء. أن شعوب الجنوب. وهذه هي، في مهد ألمانيا، البذور الخصبة لفلسفة المستقبل. خلال هذه الحقبة الأولى، كان الشمال وثنيًا، حربيًا، حرًا وشاعريًا.

العصر الثاني بعد الغزو

يبدأ هذا الشكل الأول من الحضارة الجرمانية بالتغير مع الغزو. وعندما عبرت شعوب الشمال الحواجز التي تفصلها عن بلاد الغال وإيطاليا، بينما دمرت الشكل الروماني، اضطرت إلى الاحتفاظ بشيء منه. وقد أعاد العديد من هؤلاء الغزاة إلى وطنهم عادات الغزو؛ لقد تبع الاستبداد العسكري القادة المنتصرين وتأسس بفضل خدماتهم ومجدهم. وهكذا فإن الغزو يولد دائمًا الاستبداد، ليس فقط بالنسبة للمهزومين، بل أيضًا بالنسبة للمنتصرين. وسرعان ما استسلم دين الفاتحين لدين الشعوب المهزومة. لقد فازت المسيحية، بعبادتها وممارساتها في التضحية والحب، بهذه القلوب البربرية العظيمة، وتخطت على التوالي جميع الحواجز التي عبرها المنتصرون أنفسهم، وتغلغلت في قلب ألمانيا. الشرك الإسكندنافي والجرماني، الذي تعرض لهجوم بالسيف والعلم وبطولة المحبة غير المعروفة حتى الآن، لم يستطع المقاومة وهُزم؛ ومع الوثنية هلك الشعر الذي ولد من هذه الحالة السياسية والدينية. شارلمان، وهو أكثر فرنسية من الغاليين، بتسليمه للكنيسة بشكل نهائي مهمة إنشاء وتنظيم المجتمع البربري، أنهى هذه الحقبة الأولى وبدأ الثانية. إن طابع هذه الفترة الجديدة من التاريخ الألماني هو أن تكون مسيحية بعمق وفي نفس الوقت ملكية وحرة. يختار الناخبون وأمراء الإمبراطورية زعيمهم أحيانًا من منزل، وأحيانًا من منزل آخر؛ ويعترف القائد، الإمبراطور المنتخب على هذا النحو، بحدود سلطته في القوانين الفظة، ولكن يتم الالتزام بها دينيًا، وخاصة في الروح الاختيارية التي لم تكن في ذلك الوقت مجرد صورة زائفة. كان للشعب نفسه حقوق يدافع عنها الأمراء ضد اغتصاب السلطة الإمبراطورية، وتضمنها ضد الأمراء أنفسهم مؤسسات لم يتم تدميرها بالكامل أبدًا: إنها حضارة لا تزال قاسية، لكنها مليئة بالقوة؛ الحرية الجرمانية، المبنية على وحدة دينية وجدت الإيمان المطلق في كل القلوب والعقول، جعلت من ألمانيا أمة عظيمة حقًا، تحترمها وتخشاها أوروبا بأكملها. تم العثور على شعر هذه الأوقات في أغاني المينيسنجر التي تشبه إلى حد كبير أغانينا الشعراء الغنائيين في بروفانس، والتي ربما أخذت أصلها منهم. يشير اسم مايستر بالفعل إلى أنهم شكلوا مدرسة؛ يبدو هذا الشعر في البداية، لهذا السبب بالذات، أقل أصالة وأقل شعبية من شعر الفترة الأولى. ومع ذلك، فإنها لا تزال تحظى بشعبية بمعنى أنها تتناغم مع الروح العامة للعصر؛ في الواقع، يتم الترحيب بها والاحتفال بها، خاصة في القلاع. طيب ! وحتى في هذا الشعر الأكثر اصطناعاً نجد سحر الأحلام الكئيبة التي لم تعرفها أسبانيا وإيطاليا، وهذا العطر من التصوف في الدين والحب الذي يذكرنا بألمانيا القديمة. كانت فلسفة هذه الفترة هي المدرسانية، التي استحقت آنذاك قدرًا كبيرًا من الاحترام كما اجتذبت الازدراء لاحقًا، عندما أرادت الحفاظ على إمبراطورية سلبتها منها القرون، باعتبارها السيادة الشرعية، كانت طاغية واضطهادية. لم تكن المدرسانية سوى مجموعة من الصيغ العلمية إلى حد ما، حيث قام التفكير الناشئ، استنادًا إلى كتاب أرسطو، بترتيب المذاهب المسيحية لاستخدام التدريس. اللاهوتيون هم فلاسفة العصر، ويتصفون بالسذاجة والجدية، وعمق المشاعر وارتفاع الأفكار، مما يجعلهم في مرتبة عالية جدًا في تاريخ الفلسفة. قبل الجامعات، ازدهرت المدارس الكبيرة في جميع أنحاء ألمانيا، في فولده وماينز وريغنسبورغ، وخاصة في كولونيا. ولا شك أن المدرسانية الألمانية أقل أصالة وأقل إثمارًا من المدرسانية الفرنسية التي ليس لها مثيل ولا منافس؛ ومع ذلك، فإنه يضم بعض الأسماء الكبيرة، وأكبرها هو ألبرت. فلا تستهينوا بهذه الفلسفة، رغم شكلها الهمجي بعض الشيء؛ لأن إيمان المعلمين والتلاميذ ساهم في تسريعه. ومن ناحية أخرى، الإيمان الحقيقي بالشعب، وبالتالي الحرية، حيث آمن الشعب بإيمان حر مثل الحب الذي كان مبدأه؛ ومن ناحية أخرى، السلطة الحازمة في الحكومة، لأن هذه السلطة كانت مبنية على موافقة الشعب الحرة، وعلى المعتقدات النبيلة. هكذا كانت الحالة الفلسفية والدينية والأدبية والسياسية في هذا العصر الثاني. كانت هذه الأيام الذهبية للإمبراطورية الجرمانية، التي لا يزال الكتاب العظماء يستحضرون ذكراها بحماس.

العصر الثالث

 لقد مر هذا النموذج مثل الآخر، كما تمر جميع الأشكال. وما ساهم في إثارة غضبها أولاً ومن ثم إهانتها هو التأثير المفرط للهيمنة الأجنبية على السياسة والدين. شيئًا فشيئًا، لعب الأجانب دورًا أكبر في ألمانيا من دور السكان المحليين. انتهت إحدى المدن الإيطالية إلى فرض المعتقدات والعادات وأصغر الممارسات التي يجب مراعاتها في أعماق تورينجيا. حدث ذات يوم أن وُجد على عرش ألمانيا أمير لم تعد سيطرته، التي امتدت أيضًا إلى هولندا وإسبانيا وأكثر من نصف إيطاليا، تمثل حكومة وطنية للشعب. لقد وصل شارل الخامس، البلجيكي والإسباني، أكثر بكثير من الألماني، إلى ذروة القوة التي كان من المحتم أن تتراجع إذا لم تتمكن من الزيادة. يمكن لألمانيا أن تخضع للنظام الخارجي والسياسي، لكنها لا تستطيع إلا أن تخضع لعبقريتها في النظام الفكري والأخلاقي؛ لقد طالبت ببعض الحرية في التفاصيل بشأن نقطة ذات أهمية بسيطة: لم يتم الاستماع إليها؛ ولذلك قاومت، وطاقة المقاومة الداعية إلى عنف القمع، ومضاعفة الأخير للعنف، اندلعت ونشرت هذا الإصلاح الديني والسياسي الذي كسر وحدة أوروبا ومزق الصولجان من ألمانيا إلى ألمانيا. بيت النمسا وإلى محكمة روما. بدأ هذه الثورة شخصان ألمانيان، وشخصان من الشمال، احتج أحدهما ببلاغة عاطفية على الاستبداد الديني، والآخر دعم هذا الاحتجاج بسيفه: أنا أتحدث عن لوثر وغوستافوس أدولف. قوضت خطب لوثر الكاثوليكية. وسقط سيف جوستافوس بيت النمسا وحرر ألمانيا. ولكن يجب أن أقول إن هذين الرجلين العظيمين، بتدميرهما لشكل لم يعد يناسب الروح العامة، لم يستبدلاه بأي شكل جديد ثابت ودائم. ومن هنا جاءت الفوضى التي استمرت لفترة طويلة وما زالت مستمرة. عندما انهارت وحدة الإمبراطورية المقدسة، وأصبح لقب الإمبراطور لقبًا عبثيًا لم يكن في الواقع أكثر من لقب إمبراطور النمسا، واستعاد الناخبون والأمراء الاستقلال، وأصبحوا تدريجيًا ملوكًا مطلقين، والنظاميون لقد خلف استبداد رجل واحد مجموعة من المستبدين المعينين. وبالمثل، عندما دمر لوثر نفوذ روما في جزء كبير من ألمانيا، لم تعد العقول، بعد أن تركت السلطة القديمة، تعرف كيف تتعرف على أي منها؛ كان للوثرية أيضًا انشقاقاتها، والكالفينية محارقها، وما تبقى من الإيمان لم يعد يعرف الشكل الذي يجب أن يتخذه وأين يستقر. الشعر المكرس لغناء المعتقدات والمشاعر والأحداث المولودة من شكل ديني وسياسي لم يعد شعبياً، لم يعد يحظى بشعبية؛ وبما أن الثورة ليست حالة، وبما أن الشعر يعيش على أشكال محددة، فإن غياب الأشكال هذا لم يولد شعراء، وكانت تلك نهاية الشعر الألماني. اتبعت فلسفة البروتستانتية ثروته. لقد رأينا في ألمانيا ظهور مجموعة لا حصر لها من المدارس حيث خضعت المدرسة القديمة لتحسينات، أي تغييرات مستمرة؛ ولكن في خضم هذا الارتباك لا نجد شيئًا عظيمًا، ولا شيئًا أصليًا، ولا شيئًا يستحق دراسة تاريخية جادة. إلا أن شخصاً عبقرياً في فرنسا دمر المدرسة إلى الأبد، وأقام على أنقاضها نظاماً جديداً كلياً في منهجه وفي اتجاهاته العامة. وقد انتشر هذا النظام، أو روحه على الأقل، بين خيرة العباقرة في قرن لويس الرابع عشر. بوسويت نفسه، على الرغم من أنه لم يعترف بذلك، كان فينيلون ومالبرانش والسادة البورت رويال ديكارتيين. في هولندا، لم يفعل سبينوزا شيئًا سوى استخلاص نتائج صارمة من مبادئ ديكارت. وصلت الفلسفة الجديدة أيضًا إلى ألمانيا، وقام بتدريسها وتقليدها الأطباء الألمان، تمامًا كما كان للشعر البروفنسالي من قبل مقلدون على ضفاف نهر الراين. لايبنيتز، الذي لا يمكن المبالغة في الإعجاب بعبقريته، لايبنيتز نفسه هو تلميذ لديكارت، تلميذ، صحيح، تجاوز معلمه، لكنه للأسف جرفه الفضول العالمي، والشغف بكل أمجاد وانحرافات العالم. فالحياة السياسية لم تقدم إلا آراء جديرة بالإعجاب، دون أن تؤسس لنظام واضح ودقيق. حاول وولف جلب المناظر المتناثرة لجهاز كشف الكذب الكبير إلى مركز مشترك وتقليصها إلى نظام منتظم؛ ولكن فولف أعاد إنتاج أشكال فلسفة ليبنتز وليس روحها. لقد واصل من جاء بعده هذه المدرسة الجديدة، ومن الحقائق التي لا جدال فيها أننا في منتصف القرن الثامن عشر وقرب نهايته لم نجد في ألمانيا أي نظام سيطر على العقول بدرجة كافية لتظهر فلسفة ألمانية حقيقية. كانت الأمور على هذا النحو عندما دخلت ألمانيا في علاقة أكثر حميمية مع أوروبا الفلسفية التي لم تعد ديكارتية. وكانت إنجلترا قد وقعت تحت نير نظام لوك، واستبدلت فرنسا ديكارتية مالبرانش المبالغ فيها ولكن السامية بتقليد سطحي للفلسفة الإنجليزية. لقد أدت هذه السياسة، التي لست مدعواً إلى التراجع عنها، إلى انهيار الشجاعة. لقد أصبحت الشهوانية الشكل الفلسفي لإنجلترا وفرنسا. وسرعان ما انتقل إلى ألمانيا بكل ما أحضره معه، ذوق الصغير والمتوسط في كل شيء، ومن بين أشياء أخرى ذوق الشعر الصغير الذي يقتل الكبير. وملك فردريك بعد ذلك في برلين، أما هؤلاء المثقفون الفرنسيون الذين لم يشعروا بأنهم قادرون على التألق في فرنسا إلى جانب نجم فولتير المبهر، فقد ذهبوا إلى برلين ليقوموا بموجب أوامر بتسلية البلاط والسيد. لقد هاجموا ما تبقى من المسيحية واللاهوت في ألمانيا. وقد استمتع فردريك بصراع اللاهوتيين القدامى مع الفلاسفة الجدد. لقد دفع الأول، ولكنه أخضعهم لسخرية لاميتري والمركيز دارجن؛ وتراجع اللاهوت القديم أمام روح الفلسفة الجديدة. فلا قانون ولا حرية ولا شعر وطني. والحكومات الاستبدادية ترشي السفسطائيين الأجانب من أجل تدمير الروح الجرمانية القديمة؛ لاهوت ينحني تحت الكفر والسخرية، ولم يعد حتى يدافع عن نفسه؛ وبالنسبة للفلسفة كلها، نوع من الرعونة العقائدية التي تملي فقط القصائد القصيرة والكتيبات المكونة من بضع صفحات بدلاً من الأوراق، وهي شهادات محترمة عن العلم اللاهوتي القديم؛ هذه هي الحالة التي وجد فيها كانط ألمانيا. كنت مخطئا ؛ لقد سبق كانط شخصًا، ويجب أن ننسب إليه أيضًا شرف كوننا أول من نهض بشجاعة ضد الحماقات الذليلة والاستبدادية لبلاط برلين. كلوبستوك، رجل ريفي بسيط وجاد، مسيحي وألماني في القرن الثامن عشر، وجد في روحه أغانٍ ملهمة تم الترحيب بها، من أقصى ألمانيا إلى الطرف الآخر، باعتبارها فجر وطني شعري حقيقي. فقط محكمة برلين لم يتم نقلها. وعبثاً قدم كلوبستوك إلى فردريك، في أبيات شعرية سامية، اعتذاراً للملهمة الجرمانية: إن الملك العظيم لم يفهم الوطني المخلص؛ لكن ألمانيا سمعت ذلك. لقد اتبع الأدب ككل الطريق الذي فتحته له عبقرية كلوبستوك، وحتى قبل وفاة فريدريك، ظهر عدد معين من القصائد الوطنية التي حفظها الجميع عن ظهر قلب. والآن، ما هي طبيعة هذا الشعر الجديد؟ مع الشعور الوطني، عادت الروح الدينية إلى الظهور، والعبقرية الحالمة والكئيبة لألمانيا القديمة والخالدة، وتلك المشاعر العذبة النقية التي، في كلوبستوك وفي برجر، تتناقض بشكل نبيل مع التفاهة أو الفجاجة التي اتسمت بها صالونات الشعر التي عفا عليها الزمن في القرن الثامن عشر. والساحات.

ظهور كانط

في خضم هذه الحركة العظيمة، نشر شخص، ولد في كوينيسبرج، والذي، مثل سقراط، بالكاد يغادر أسوار مدينته الأصلية، عملاً فلسفيًا، لم يُقرأ في البداية إلا قليلاً ولم يلاحظه أحد تقريبًا، ثم تغلغل تدريجيًا قليلاً في الفلسفة. وكان لقلة من نخبة العقول، بعد ثماني أو عشر سنين، أثر عظيم في ألمانيا، وانتهى بهم الأمر إلى تجديد الفلسفة، كما جدد "المسيح" الشعر. درس كانط أولاً اللاهوت وتعلم اللغات؛ كان لديه عبقرية غير عادية في الرياضيات. حتى أنه قام باكتشافات في علم الفلك. لكن الفلسفة هيمنت على كل أعماله واستوعبت في نهاية المطاف جميع أذواقه: وأصبحت دعوته الحقيقية ومجده الرئيسي. كان طابعها المميز هو الشعور الحي بالضمير الصادق والمستقيم والثابت الذي كان يشمئز من العواقب المخزية للفلسفة العصرية. من ناحية أخرى، كان كانط في قرنه، وكان يخشى، بقدر ما كان يخشى الشهوانية، من استنتاجات الميتافيزيقا المدرسانية، التي يعتبرها محفوفة بالمخاطر. يمكننا القول أن هيوم هو الشبح الدائم لكانط: فبمجرد أن يميل الفيلسوف الألماني إلى التراجع عن الطريق القديم، يظهر له هيوم ويصرفه، وكل جهد كانط ينصب على وضع الفلسفة بين القديم والحديث. الدوغمائية والشهوانية عند لوك وكوندياك، محمية من هجمات ريبية هيوم. لكن في الفلسفة الأخلاقية بشكل خاص، حارب كانط شهوانية القرن الثامن عشر، دون العودة إلى صوفية العصور الوسطى. عندما كان في كل مكان في فرنسا، في إنجلترا، في إيطاليا، لم يكن هناك سوى حديث عن اللذة والاهتمام والسعادة، ارتفع صوت من كونيجسبيرج ليعيد الروح الإنسانية إلى الشعور بكرامتها، ويعلم الأفراد والأمم أن فوق عوامل الجذب من اللذة وحسابات المصلحة، لا يزال هناك شيء، قاعدة، قانون، قانون ثابت، إلزامي في كل زمان وفي كل مكان وفي جميع الظروف الاجتماعية أو الخاصة: قانون الواجب. إن فكرة الواجب هي محور أخلاق كانط، وأخلاقه هي محور فلسفته. إن الأخلاق تحل الشكوك التي قد تتركها الميتافيزيقا الشديدة، وينير نورها الدين والسياسة. إذا كانت في الإنسان فكرة قانون يعلو على العاطفة والمصلحة، فإما أن وجود الإنسان تناقض ومشكلة غير قابلة للحل، وإما أن الإنسان لا بد أن يتمكن من الوفاء بالقانون المفروض عليه؛ وإذا كان يجب على الإنسان أن يكون قادرًا، والواجب يعني الحرية. ومن ناحية أخرى، إذا كان الواجب متفوقًا على السعادة، فمن الضروري في بعض الحالات القصوى التضحية بالسعادة من أجل الواجب، ومع ذلك هناك انسجام أبدي بينهما، قد يضطرب مؤقتًا، ولكن ما الذي ينشئه العقل وما يفرضه. إذا جاز التعبير، عن الوجود وعن مؤلفه؛ لذلك يجب أن يكون هناك إله، متفوق على كل الأسباب الثانوية، ليجعل الانسجام بين الفضيلة والسعادة يسود في مكان ما. ومن هناك الله وحياة أخرى. وأخيرًا، لا تزال فكرة الواجب تتضمن فكرة الحق: واجبي تجاهك هو حقك علي، كما أن واجباتك تجاهي هي حقوقي عليك؛ ومن ثم فإن الأخلاق الاجتماعية، والقانون الطبيعي، والفلسفة السياسية، تختلف اختلافًا كبيرًا عن سياسة العاطفة الجامحة وسياسة المصلحة المتعرجة. هذه، في كلمات قليلة، الملامح العامة للنظام الجديد الذي أعطاه كانط لألمانيا وألمانيا لأوروبا. لا شك أن الفلسفة الاسكتلندية حاولت شيئًا مماثلاً، وكان لدى ريد الحكيم، في إدنبرة، نفس أفكار الفيلسوف العظيم كونيجسبيرج تقريبًا؛ ولكن ما كان مجرد مخطط غير حاسم في اسكتلندا أصبح تصميمًا محددًا ومحددًا تمامًا تحت يد كانط القوية. هذه هي الدرجة الأخيرة، أعلى تطور للروحانية في القرن الثامن عشر، والتي تعتبر المدرسة الاسكتلندية درجتها الأولى ونقطة البداية.

فلسفة كانط النظرية

كانط يتوج ويغلق القرن الثامن عشر. ولا أتردد في القول إن هذا القرن، في الفلسفة، هو نفس ما تمثله الثورة الفرنسية في هذا القرن نفسه في النظام الاجتماعي والسياسي. كانط، المولود عام 1724، نشر نقد العقل التأملي الخالص عام 1781، ونقد العقل العملي الخالص عام 1788، والدين وفقًا للعقل عام 1793، والمبادئ الميتافيزيقية للحق عام 1799، وبعد أعمال أخرى، توفي عام 1799 في كونيغسبيرغ عام 1804. إنه ينتمي إلى القرن الثامن عشر، وفي الوقت نفسه يفتتح قرنًا آخر، مدعوًا إلى مصير مختلف تمامًا في الفلسفة كما في السياسة. إنها هذه الفلسفة، التي ولدت في نهاية القرن الثامن عشر، ولكنها تملأ فلسفتنا بالفعل بشهرتها، وتطوراتها ونضالاتها التي لم تكتمل بعد، إنها هذه الفلسفة العظيمة، التي تم النظر فيها بشكل خاص في جانبها الأخلاقي، التي أعتزم صنعها. ومن المعروف إلى حد ما. وسوف أتابعه بالتفصيل، وإذا جاز التعبير، خطوة بخطوة، في المعالم الرئيسية التي تحتوي عليه؛ ولكنني أردت أولا أن أشير إلى طابعها الأعم وعلاقتها بروح الحضارة التي تنبثق منها.

أولا. لست هنا لأقدم ملخصًا لفلسفة كانط، المأخوذة من أعماله المختلفة المستخدمة والمعاد تشكيلها لتكون بمثابة معرض جديد؛ أريد أن أجعل هذه الفلسفة معروفة بشكل أكثر صدقًا وعمقًا. قدر الإمكان، سأدع كانط يشرح نفسه؛ سأحلل تباعًا مختلف الآثار الشهيرة التي تحتوي على نظامه بأكمله: أولًا نقد العقل الخالص، الذي يحتوي على ميتافيزيقاه، ثم نقد العقل العملي الخالص، الذي يحتوي على أخلاقه؛ وأخيرًا، هناك كتابان أو ثلاثة كتابات أخرى تطور نقد العقل العملي الخالص، وتنقل المبادئ العامة للأخلاق الكانطية إلى الأخلاق الخاصة، وإلى الأخلاق الاجتماعية، وإلى القانون العام.

لنبدأ بنقد العقل الخالص. ظهر هذا العمل عام 1781. لقد كان مجلدًا كبيرًا جدًا، تم تأليفه على طريقة مدرسة وولف، بانتظام كبير، ولكن مع مثل هذا الترف من التقسيمات والأقسام الفرعية لدرجة أن الفكر الأساسي ضاع في دائرة تطوراته الطويلة. كما كان من سوء حظها أنها مكتوبة بشكل سيء. وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك في كثير من الأحيان ذكاء لا نهاية له في التفاصيل، وحتى من وقت لآخر قطع رائعة؛ ولكن، كما يعترف المؤلف نفسه بصراحة في مقدمة طبعة 1781، إذا كان هناك وضوح منطقي كبير في كل مكان، فإن هناك القليل جدًا من هذا الوضوح الآخر الذي يسميه الجمالي، والذي ينشأ من فن أخذ القارئ من المعرفة المعروفة إلى المجهول، من السهل إلى الصعب، وهو فن نادر جدًا، خاصة في ألمانيا، والذي افتقر إليه فيلسوف كونيجسبيرج تمامًا.

خذ جدول محتويات كتاب نقد العقل الخالص؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك سوى مسألة الترتيب المنطقي، وتسلسل جميع أجزاء العمل، لا شيء أكثر سطوعًا، ولا شيء أكثر دقة. لكن خذ كل فصل في حد ذاته، هنا يتغير كل شيء: هذا الترتيب الصغير الذي يجب أن يحتوي عليه الفصل ليس موجودًا؛ يتم دائمًا التعبير عن كل فكرة بأقصى قدر من الدقة، ولكنها ليست دائمًا في المكان الذي يجب أن تدخل فيه بسهولة إلى ذهن القارئ. أضف إلى هذا العيب أن اللغة الألمانية في هذه الفترة قد وصلت إلى ذروتها، وأعني هذا الطابع التركيبي غير المتناسب للجملة الألمانية والذي يشكل تناقضًا صارخًا مع الطابع التحليلي للجملة الفرنسية. هذا ليس كل شيء: بشكل مستقل عن هذه اللغة، التي لا تزال قاسية وسيئة التدريب على تحليل الفكر، لدى كانط لغة أخرى خاصة به، وهي مصطلحات، بمجرد فهمها بشكل صحيح، تصبح واضحة تمامًا وحتى ذات استخدام مناسب، ولكنها فجأة إن تقديمه دون مقدمات ضرورية، يسيء إلى كل شيء، ويعطي كل شيء مظهرًا غامضًا وغريبًا. كما أن نقد العقل الخالص لم يترك في البداية انطباعًا كبيرًا؛ استغرق الأمر منه عدة سنوات ليشق طريقه؛ وكان من الضروري لبعض المفكرين المجتهدين والمستقلين، بعد دراسة المذهب الجديد، أن يلفتوا الانتباه إليه بشرحه بطريقتهم الخاصة. نشر كانط طبعة ثانية عام 1787، مصححة في عدة نقاط؛ هذه الطبعة الثانية هي الكلمة الأخيرة للمؤلف، وعليها تمت كتابة جميع الطبعات اللاحقة. يسبق كتاب نقد العقل الخالص  مقدمتان، إحداهما من طبعة 1781، والأخرى من طبعة 1787، بالإضافة إلى مقدمة طويلة. هذه القطع الثلاث ذات أهمية قصوى؛ إنها تحتوي على ما قد يكون الأكثر أهمية والأكثر ديمومة في نقد العقل الخالص، أي طريقة المؤلف. الآن، في كل مخترع، في كل مفكر أصيل، هذه الطريقة هي التي يجب البحث عنها قبل كل شيء، لأن هذه الطريقة هي بذرة كل شيء آخر؛ غالبًا ما ينجو من عيوب تطبيقاته.

إن المقدمتين ومقدمة نقد العقل الخالص هما بالنسبة لفلسفة كانط ما يمثله الخطاب حول المنهج بالنسبة لفلسفة ديكارت.

 ولذلك سأحاول أن أجعل هذه الكتابات الثلاث معروفة جيدًا. كان كانط على علم بالثورة التي كان يقوم بها؛ لقد حكم على وقته وفهم احتياجاته. لقد ولدت الدوغمائية العظيمة غير النقدية في القرن السابع عشر ريبية هيوم، وكانت اللامبالاة في الميتافيزيقا كاملة في جميع أنحاء أوروبا. هذه اللامبالاة لم تأت من الرعونة، بل من الإحباط؛ بل كان أكثر وضوحًا منه حقيقيًا، وكان يعني شيئًا واحدًا فقط، وهو أن الميتافيزيقا القديمة ماتت وأن هناك حاجة إلى ميتافيزيقا جديدة. يقول كانط: لقد مر وقت كانت فيه الميتافيزيقا تعتبر ملكة العلوم كلها؛ اليوم مهجورة ومنبوذة،

لقد كانت حكومة الفلسفة في المقام الأول حكمًا استبداديًا، أي حكم الدوغمائيين؛ وبعد الاستبداد جاءت الفوضى، وظهرت روح التمرد تلك التي تسمى الريبية.

في الآونة الأخيرة، يبدو أن بعض الفسيولوجيا الفكرية التي قدمها لوك قد هدأت كل شيء وأعادت كل شيء إلى سلطة واحدة، وهي التجربة؛ لكننا أدركنا أن هذه التجربة المزعومة كانت في حد ذاتها مليئة بالفرضيات، وأن السلطة الجديدة لم تكن أقل من دوغمائية طاغية مثل تلك التي سعى العلم إلى التحرر منها. لذلك، بدا أن جميع السلطات قد تعرضت لإغراءات لا طائل منها، وتبع ذلك آخر أشكال السيطرة وأكثرها حزنًا، وهي اللامبالاة، أم الليل والفوضى. لكن هذه الفوضى، إذا بقيت الطبيعة البشرية بغرائزها وقواها، ما هي إلا مقدمة لتحول قادم وفجر نور جديد. هذه اللامبالاة، التي تسبب اليأس للوهلة الأولى، تستحق التأمل العميق  بين المدارس التي تتصارع منذ قرون في ساحة الخلافات التي لا نهاية لها والتي نسميها الميتافيزيقا، وجمهور عصرنا الذي يعترف بأنه لا يسمع شيئاً عن هذه المناظرات ولا يستطيع الاهتمام بها، وهذا خطأ وغلط. من على حق ؟ ولا نرى أن الجمهور يشمئز من الرياضيات والفيزياء؛ لماذا سيكون أكثر اشمئزازًا من الميتافيزيقا، إذا كانت الميتافيزيقا علمًا قويًا وثابتًا مثل العلمين الآخرين؟ "إن عصرنا هو عصر النقد، الذي لا يفلت منه شيء، لا الدين رغم قدسيته، ولا القانون والدولة رغم جلالتهما".

فلماذا لا نطبق النقد أيضًا على الميتافيزيقا؟

وبهذا لا ينبغي لنا أن نفهم انتقاد هذا النظام أو ذاك. لا ؛ إنها مسألة نقد أعمق، وينطبق على أداة أي نظام، على كل الميتافيزيقا، على ملكة المعرفة، على العقل، الذي يحدد تكوينه الداخلي، ومداه وحدوده أيضًا:

إذا أزلنا هذا النقد، فإن الفلسفة ليست أكثر من نوع من السحر الذي يعلن كانط أنه غريب عنه تمامًا.

تم شجب كل اليقينيات القديمة. لكن هذا لا يعني أن العقل البشري يتخلى عن اليقين. وما زال يطمح إليها؛ لكنه يبحث عنها في طريق آخر. إنه غير مبال بفلسفة المدارس؛ وربما لا يكون ذلك لفلسفة جديدة تقوم على أساس النقد.

ولإقامة هذه الفلسفة الجديدة، وللتوصل إلى هذا اليقين الجديد، يستعرض كانط العلوم الأكثر تقدما، ويبحث عن مبدأ تقدمها، ليعرف مبدأ عدم اليقين الذي لا يزال يسود في الميتافيزيقا.

في الواقع، هناك الكثير من النقاش في الميتافيزيقا؛ نادرًا ما نتجادل في المنطق والرياضيات والفيزياء، أو على الأقل، إذا تجادلنا، ينتهي بنا الأمر إلى الاتفاق. لماذا الرياضيات والمنطق وعلوم الفيزياء تتقدم وتتحسن باستمرار؟

منذ أرسطو، لم يتراجع المنطق؛ لا يوجد في أعماله أي قاعدة للقياس المنطقي، ولا توجد بديهية منطقية ليست غير قابلة للجدل في أعيننا اليوم كما كانت في أعين اليونانيين آنذاك. دعنا نقول كل شيء: لم يقتصر الأمر على أن المنطق لم يتراجع إلى الوراء، بل إنه لم يتحرك حتى إلى الأمام. لقد تمكنا من إضافة أجزاء مختلفة إليه، استطرادًا عن قوى الروح، وأخرى عن أسباب أخطائنا وعلاجاتها؛ ولكنه لا يتزايد، بل هو تشويه للعلوم لتجاهل حدودها والتشويش عليها. إن المنطق السليم لم يخطو خطوة منذ أرسطو، لا إلى الأمام ولا إلى الخلف. لماذا هذا ؟ وذلك لأن المنطق يتعلق بقواعد يمكن اختزالها في قضايا معينة بديهية ومستقلة عن أي تطبيق. وهذه القضايا، إذا اختزلت إلى مبادئها، هي قوانين العقل البشري، قوانين يخضع لها في كل مرة يفكر فيها. إن طبيعة العقل البشري لا تختلف، ولا يمكن أن تختلف قوانينه. ولذلك فهو يطيعها دائمًا وفي كل مكان؛ فهي بالنسبة له أساس لا يتزعزع من اليقين؛ فالخطأ لا يمكن أن يأتي من هناك، بل يجب أن يأتي من مكان آخر. لذلك، عندما نتساءل لماذا يعتبر المنطق علمًا معينًا، يجب أن نجيب: لأنه لا يهتم بأي شيء خاص ومحدد؛ بل هو أنها مستقلة عن تطبيقاتها، وأن فضيلتها تكمن في قوانين العقل ذاتها، التي تعتبر في حد ذاتها ونقية من أي عنصر أجنبي. وهذا أيضًا هو مبدأ اليقين في الرياضيات. وطالما توقفت الرياضيات عند الجزء المتغير من الأشياء القابلة للقياس، فمن المحتمل أنها مرت بعصر من عدم اليقين والتلمس. ولكن بمجرد أن أظهر طاليس، أو أي شخص آخر، بإهمال الجزء المتغير والتعامل فقط مع الجزء الثابت من المثلثات متساوية الأضلاع، الخاصية الأساسية للمثلث متساوي الأضلاع، بدأت هذه الخطوة الأولى في مسيرته. أدت صيغة طاليس إلى اكتشاف آخرين، وشيئًا فشيئًا تشكل علم الرياضيات. مما تتكون؟ في دراسة الخصائص الثابتة، التي لا وجود لها في الطبيعة، والتي هي تصورات للعقل، للعقل، الذي يتصرف وفقا لقوانينه الخاصة على البيانات التي توفرها الطبيعة، وبغض النظر عما هو متغير وغير مؤكد حول هذه البيانات. لقد كان الأمر نفسه مع الفيزياء قبل جاليليو كما كان الحال مع الرياضيات قبل طاليس. كانت الفيزياء القديمة مجرد كومة من الفرضيات. لقد تخلى الفيزيائيون المعاصرون قبل غاليليو عن الفرضيات، ووضعوا أنفسهم في حضور الطبيعة، ولاحظوا وجمعوا الظواهر التي قدمتها لهم. لقد كان شيئًا بالفعل؛ لكن هذا ليس المكان الذي ترجع إليه الفيزياء الحقيقية بعد، فقد بدأت فقط مع غاليليو. وقد تصور جاليليو وآخرون فكرة عدم الاعتماد بعد الآن على الملاحظة البسيطة والتصنيفات السطحية والقوانين التجريبية الناتجة عنها. لقد أدركوا أن الأمر متروك للإنسان ليكون هو الحكم وليس التلميذ السلبي للطبيعة: لقد طرحوا مشاكل جسدية بداهة، ولحل هذه المشاكل، أجروا تجارب وجهوها وفقًا للمبادئ التي اقترحها عليهم العقل. وكان هذا هو السبب وراء اتباعهم، حتى عند العمل في الطبيعة؛ لقد كانت مبادئ هذا العقل هي التي بحثوا عنها في الطبيعة، وعندما أصبحت الفيزياء عقلانية أصبحت علمًا. لكن بدلًا من تفسير كانط، من الأفضل أن نتركه يتحدث عن نفسه هنا.

«بما أن جاليلي قد جعل الكرات تتدحرج على مستوى مائل، وهو الوزن الذي اختاره بنفسه، أو منذ أن جعل توريتشيلي الهواء يحمل وزنًا كان يعلم أنه يساوي عمودًا من الماء كان يعرفه، أو منذ ذلك الحين قام ستال بتحويل المعادن إلى جير، وهذا إلى معادن عن طريق إزالة أجزاء معينة وإضافتها، ومنذ ذلك الوقت تم تسليم الشعلة لعلماء الطبيعة. لقد أدركوا أن العقل لا يصمم إلا ما ينتجه بنفسه وفقًا لمخططه الخاصة، وأنه يجب أن يأخذ زمام المبادرة بمبادئه الخاصة، ويجبر الطبيعة على الإجابة على أسئلتها، بدلاً من أن تترك نفسك تقودها كما لو كنت على الحافة. وإلا فإن الملاحظات العرضية التي تتم دون أي خطة محددة مسبقاً لا يمكن أن تتفق مع بعضها البعض لعدم ارتباطها بقانون ضروري؛ ومع ذلك فإن هذا هو ما يسعى إليه العقل، وما يحتاج إليه. يجب على العقل أن يقدم نفسه إلى الطبيعة، ممسكًا بيد بمبادئها، التي هي وحدها القادرة على منح مجمل الظواهر وانسجامها سلطة القوانين، وبالتجارب التي أسسها وفقًا لهذه المبادئ نفسها، من ناحية أخرى. العقل يطلب من الطبيعة أن تعلمه، ليس مثل تلميذ يسمح لنفسه أن يقال له ما يرضي سيده، ولكن مثل القاضي الشرعي الذي يجبر الشهود على الإجابة على الأسئلة التي يوجهها إليهم. تدين الفيزياء بالتغيير السعيد في منهجها إلى هذه الفكرة: إن العقل يبحث، ولا أقول يتخيل، في الطبيعة، وفقًا لمبادئه الخاصة، عما يجب أن يتعلمه من الطبيعة، وما لا يعرفه لا يمكنه أن يعرف شيئًا بنفسه. هكذا أسست الفيزياء على أرض صلبة من العلم، بعد أن تجولت وتلمست طريقها لقرون عديدة. »

لكن لماذا لا تكون الميتافيزيقا متقدمة مثل الفيزياء العليا والمنطق والرياضيات؟

دعونا نلاحظ أولًا أن الميتافيزيقا ليست دراسة اعتباطية، ولدت من نزوة الكبرياء، ولدينا الحرية في نبذها. إن الله والعالم والنفس والوجود المستقبلي، هي أشياء تثير فضول العقل البشري باستمرار، ويعود إليها باستمرار، لأن طبيعتنا تشعر بالتدهور عندما تهملها. ربما أراد العقل البشري إدانة نفسه والاستسلام، ليس فقط للجهل، بل أيضًا لللامبالاة في الميتافيزيقا؛ واضطر إلى إلغاء الأحكام التي أصدرها ضد نفسه. يجب أن نوافق على حالتنا، وبما أن حالتنا هي أن نكون رجالًا، فيجب علينا إثارة المشاكل الإنسانية. ولكن لماذا يوجد الكثير من الحلول لهذه المشاكل، وكل هذا التنوع في هذه الحلول؟ إذا أُعطيت للطبيعة البشرية أن تجد الحقيقة في الميتافيزيقا، فكيف لم ينجح هذا العدد الكبير من الاشخاص العظماء، والعديد من العباقرة الرفيعين، الذين جعلوا من هذه الدراسة دراستهم؟ باختصار، لماذا كل هذا اليقين في العلوم الأخرى، وكل هذا القدر من عدم اليقين في الميتافيزيقا؟

وإذا أردنا أن نتذكر تقدم العلوم ونختزل مبدأ تقدمها في أبسط صوره، فإننا نجدها تتقدم بشرط إهمال الجزء الخارجي والمتغير من الأشياء التي تعمل بها، والاكتفاء بالاعتبار الجزء الثابت والثابت، أي الجزء الذي يضعه العقل البشري في كل معارفه. إن القوانين التي هي أساس المنطق والميتافيزيقا والرياضيات، والتي تثبت يقين هذه العلوم، ليست سوى قوانين العقل البشري نفسه؛ لذلك، بالمعنى الدقيق للكلمة، في طبيعة العقل البشري، بغض النظر عن أي تطبيق وأي موضوع خارجي، يتم حل اليقين في كل المعرفة الإنسانية. والآن، إذا فحصنا وجهة النظر التي تم النظر من خلالها إلى الميتافيزيقا حتى الآن، فسنرى أننا أهملنا على وجه التحديد ما يمكن وحده أن يجد يقينه، وهو طبيعة العقل البشري وقوانينه التي يتم النظر فيها بشكل مستقل. من الكائنات التي تنطبق عليها. لقد اهتممنا بموضوعات معرفتنا وليس بالعقل الذي يعرف؛ سألنا ما هو الله، هل هو موجود أم لا؟ أنشأنا أنظمة على العالم؛ قارنا الكائنات المختلفة مع بعضها البعض؛ تم ضبط التقارير. لقد استخلصنا النتائج دائمًا من خلال العمل على الأشياء، أي على الوجود الافتراضي. هناك عدد قليل من الفلاسفة الذين اعتبروا المعرفة في علاقتها بالعقل البشري. غير أن هذه كانت الطريقة الوحيدة للوصول إلى شيء مؤكد، والارتقاء بالميتافيزيقا إلى مستوى يقين الفيزياء والرياضيات والمنطق. بعد أن أذهلته هذه الفكرة، تعهد كانط بإدخال موضوع البحث المعرفي الذي كان حتى ذلك الحين يطبق فقط على موضوعاته: فقد قام في الميتافيزيقا بنفس الثورة التي قام بها كوبرنيكوس في علم الفلك. ولما رأى كوبرنيكوس أنه من المستحيل تفسير حركات الأجرام السماوية، إذا افترضنا أن هذه الأجرام تدور حول الأرض الساكنة، جعل الأرض تدور معها حول الشمس؛ وبنفس الطريقة، فبدلاً من جعل الإنسان يدور حول الأشياء، جعل الأشياء تدور حول الإنسان. خذوا روح الإنسان ودستوره الضروري، فكل ما يتبقى لكم من الأشياء هو مفاهيم لا أساس لها من الصحة؛ ستطرح نظرية افتراضية ستطيح بها نظرية افتراضية أخرى لتنقلب بدورها؛ ستتبع الأنظمة والمدارس بعضها البعض دون أن يتقدم العلم، وستسعى الميتافيزيقا، الخاضعة للثورات المستمرة، عبثًا إلى اليقين الذي يراوغها دائمًا. وعلى العكس من ذلك، إذا أخذنا العقل البشري كنقطة انطلاق، وسعينا إلى تحديد طبيعته بدقة ووصف قوانينه ونطاقها الشرعي بدقة، فإننا نعطي الميتافيزيقا أساسًا متينًا. مثل هذا البحث ليس علمًا، بل هو الشرط. يقول كانط: «إن إنكار فائدتها يعني الرغبة في إنكار فائدة الشرطة، لأن الوظيفة الوحيدة للشرطة هي منع العنف الذي يمكن ارتكابه بدونها، والتأكد من أن الجميع يمارسون أعمالهم الخاصة». بأمان. » يعترف كانط أن مثل هذا الأسلوب يمكن أن يطيح بكل الدوغمائية، التي، حسب رأيه، ليست سوى فرضيات للعقل الذي يتصرف بشكل عشوائي ودون انتقاد مسبق لنفسه. نعم، يقول إن النقد سيدمر العديد من الحجج الشهيرة؛ لكنها ستحل محل حجج أخرى لا تتزعزع، لأنها سوف تستند إلى قوانين العقل ذاتها. ويشير إلى الحجج المؤيدة لوجود الله، والحرية، والخلود التي قدمتها الميتافيزيقا القديمة، وتلك التي ستضعها الجديدة في مكانها؛ ويؤكد أن النقد يمكن أن يضر باحتكار المدرسة، ولكن ليس بمصلحة البشرية، لأنه بحد ذاته يصلح الخراب الذي يسببه. وهنا، لن نعترض على كانط بأي شيء مقدمًا، لكننا لن نمنحه شيئًا، ونبدي كل تحفظاتنا، ليس لصالح احتكار المدارس، بل لصالح الحجج التي استخدمتها منذ ألفي عام، والتي ربما ليست عبثية كما يفترض كانط. ومن المناسب تأجيل هذه المناقشة حتى نهاية النقد، وقد أشرنا فقط إلى ادعاءات كانط في هذا الصدد لإظهار مدى وجرأة تصميمه. تشير المقدمتان اللتان قمنا بتحليلهما للتو إلى هذا التصميم بالطريقة الأكثر عمومية؛ ستجعلها المقدمة معروفة بمستوى مختلف تمامًا من العمق والدقة.

ثانيا. يجب أن يقال: هنا تبدأ الصعوبات التي يواجهها العرض الأمين والواضح لأفكار كانط. المقدمة مليئة بالفعل بمجموعة من الفروق، الجميلة والحقيقية، ولكن على ما يبدو دقيقة، معبر عنها بإيجاز غامض في بعض الأحيان وبلغة غالبًا ما تذكرنا بالمدرسة، بسبب شدتها وغرابتها. هذا هو التمييز الأول الذي، على الرغم من أنه لم يتم تحديده والتعبير عنه بوضوح في المقدمة، فإنه يهيمن عليه ويعمل كأساس لنقد العقل الخالص. في كل المعرفة الحقيقية، هناك وجهتا نظر لا يمكن الخلط بينهما. على سبيل المثال، لنأخذ هذا الافتراض: جريمة القتل هذه التي حدثت للتو تفترض وجود قاتل؛ وما هي العناصر التي يتكون منها هذا الاقتراح البديهي؟ هناك في المقام الأول فكرة محددة عن جريمة قتل معينة تُرتكب في ظروف معينة، باستخدام هذه الأداة المحددة أو تلك؛ هناك أيضًا فكرة ليس عن القاتل بشكل عام، بل عن هذا القاتل أو ذاك الذي يجب اكتشافه. هذه عناصر لا جدال فيها، ولكنها يمكن أن تختلف إلى ما لا نهاية، لأن هناك عددًا كبيرًا من الاغتيالات التي تتميز جميعها عن بعضها البعض بآلاف الظروف المختلفة. لكن ألا يوجد شيء آخر في هذه الفرضية: أن هذا القتل يفترض وجود قاتل؟ وليس من الصعب أن نتبين هنا مرة أخرى هذا المبدأ العام الذي تغطيه العناصر الخاصة، ولكنها لا تتضمنها، أي أن كل جريمة قتل تفترض وجود قاتل، وهو مبدأ يرتبط في حد ذاته بهذا المبدأ الأكثر عمومية، والذي يتجاوزه. لم يعد من الممكن العودة إلى الوراء: كل حادث يفترض سببا لهذا الحادث. وهذا هو جوهر الاقتراح المطروح. إنكر هذا المبدأ، ويمكنك الاتفاق على عدم البحث عن قاتل عند وقوع جريمة قتل. ولكن هذا غير ممكن. إن طبيعة هذا العنصر الجديد لا تتغير مع حشد الظروف التي تجعل العناصر الأخرى تتغير باستمرار؛ هذا واحد ثابت ودائما هو نفسه. هذا التمييز حقيقي. كانط، في شغفه بالدقة والدقة في التعبير وكذلك الأفكار، ميزها بكلمتين غريبتين ولكن حيويتين، متجددتين من التجوال والمدرسية. وفي القضية المعنية، وفي أي قضية مشابهة، يطلق على العناصر الخاصة المتغيرة والعرضية، مادة المعرفة، ويطلق اسم الشكل (الصورة) على العنصر العام المنطقي. وهكذا فإن في المعرفة عنصرًا مستعارًا من الظروف، وعنصرًا آخر لا يُقترض منها، بل يُضاف إليها، لتأسيس المعرفة. يتم توفير مادة المعرفة لنا من الخارج ومن خلال أشياء خارجية؛ فالشكل يأتي من الداخل، من الذات القادرة على المعرفة. ويترتب على ذلك أن المعرفة، التي تتميز في المادة والشكل، يمكن أيضًا تمييزها من حيث الذاتية (ذات، ذاتية، ذاتية)، وموضوعية (موضوعية، موضوعية، موضوعية)؛ المعرفة الذاتية، أي التي تأتي من الذات والشكل الذي يعطيه للمعرفة، بمجرد تدخله في المعرفة، والمعرفة الموضوعية، أي التي تولد من الخارج، من الظروف والظروف. من علاقة الموضوع بأشياءه. وفي هذه الفرضية: لا بد من وجود سبب للكون؛ – يجب أن يكون هناك سبب، هذا هو الجزء الذاتي، شكل المعرفة؛ - الكون، هذا هو الجزء الموضوعي، مسألة المعرفة. إن نتيجة هذا التمييز لها أهمية قصوى. وكما أن مادة المعرفة لا تدخل إلى المعرفة الحقيقية إلا من خلال الشكل، فإن الهدف لا يُعرف لنا إلا في الذاتي ومن خلاله: فنحن لا نثبت المبدأ من خلال الموضوع الذي ينطبق عليه؛ فنحن لا ننطلق من الله مثلاً لنصل إلى مبدأ السببية؛ على العكس من ذلك، فإن مبدأ السببية هو الذي يوصلنا إلى فكرة علة العالم؛ ويترتب على ذلك أنه لكي نتقدم بشكل منطقي، يجب على المرء أن يبدأ من الفكر، من الشكل، من الذاتي، وليس من الموضوع ومن الكينونة. وهذا يغير وجه الميتافيزيقا، وتتلقى مدرستان متنافستان نفس الضربة وتقتنعان بعملية شريرة بنفس القدر، وبنقطة بداية افتراضية بنفس القدر. فعندما نقول إنه يجب علينا أن نبدأ من العالم الخارجي لنصل إلى الإنسان، ومن الحواس لنصل إلى الذكاء، أو عندما نفترض أولًا وجود الله ونستنتج منه الإنسان والعالم، فإن كلا الجانبين متساويان في الخطأ. لا يمكن لأطروحة الحسية ولا أطروحة اللاهوت أن تدعم بعضها البعض، لأن كلاهما ينتقل من المادة إلى الشكل، من الموضوع إلى الذات، من الوجود إلى الفكر، من الأنطولوجيا إلى علم النفس، في حين أن العملية المعاكسة هي العملية الوحيدة المشروعة. وإننا نعلن بصوت عالٍ تمسكنا الكامل بهذه الآراء البسيطة والمثمرة المستمدة من أسلوب المراقبة المفهوم جيداً. ونحن نملق أنفسنا بأنهم اليوم راسخون بيننا، ودون الخوض في مزيد من التفاصيل، نعود إلى تحليل المقدمة. لا يمكننا فقط تمييز المعرفة إلى مادية وشكلية، وموضوعية وذاتية؛ ولكن يمكننا أيضًا أن ننظر إليها فيما يتعلق بأصلها، ونتحقق مما إذا كانت كل معرفتنا تأتي أم لا من الخبرة.على هذا السؤال، يجيب كانط بروح قرنه بأكمله على أن كل معرفتنا تفترض الخبرة. لا يمكننا أن نقول بشكل أكثر وضوحا. وقال: «ليس هناك شك في أن كل معرفتنا تبدأ بالتجربة؛ لأنه بأي وسيلة يمكن أن يُطلب من ملكة المعرفة أن تمارس نفسها، إن لم يكن من خلال الأشياء التي تضرب حواسنا، والتي من ناحية تنتج فينا تمثيلات لأنفسها وللآخرين، وتحرك نشاطنا الفكري وتثيرنا. هل يجب مقارنة هذه الأشياء، أو توحيدها أو فصلها، وتنفيذ المادة الإجمالية للانطباعات الحساسة لتكوين هذه المعرفة بالأشياء التي نسميها الخبرة؟ لا معرفة تسبق الخبرة؛ كل شيء يبدأ معها.  لكن كانط يميز بين البداية بالتجربة والقادمة من التجربة. كل معرفتنا تفترض الخبرة؛ لكن الخبرة وحدها لا تكفي لتفسيرها كلها. لنأخذ المثال الذي سبق أن استخدمناه: القتل يفترض وجود قاتل. لو أن التجربة لم تثبت القتل قط، لما خطرت في بال العقل فكرة القاتل؛ ومن ثم فإن الخبرة والتجربة وحدها هي التي يمكن أن توفر هنا المادة اللازمة للمعرفة. ولكن في الوقت نفسه الجزء الشكلي والذاتي الذي يتم التعبير عنه على النحو التالي: كل تغيير يفترض سببًا لهذا التغيير، وهذا الجزء الشكلي، الذي يفترض تجربة هذا التغيير أو ذاك، يتجاوز هذه التجربة. ولا يمكن أن تبدأ بدونها، لكنها لا تشتق منها، لأنه ثبت أن تجربة أي حقيقة لا يمكن أن تعطي العقل البشري فكرة السبب. إن العقل البشري يبحث عن الأسباب، لأن هذه هي طبيعته، ويبحث عنها بمناسبة هذا الظرف أو ذاك. ويترتب على ذلك أن القضية: القتل يفترض وجود قاتل، وهذا الذي يحتوي عليه، كل تغيير يفترض سببا، يحتوي في نفس الوقت على شيء تجريبي وشيء لا يأتي من التجربة. يسمي كانط المعرفة التجريبية أو البعدية ( a posteriori) تلك التي لا تفترض الخبرة فحسب، بل تستمد منها، ويسمي المعرفة القبلية (a priori) تلك التي، على الرغم من أنها لا يمكن أن تنشأ بدون خبرة ، لا تستمد منه وتعطى لنا بقوة العقل وحده. ويجب ألا يكون هناك أي غموض هنا. يقول كانط، إنني أحكم، دون أن أختبر ذلك، أننا إذا أزلنا أساسات هذا البيت فسوف يسقط. صحيح أن هذا الحكم يبدو وكأنه يستبق التجربة، لكنه في الواقع يتبعها؛ لأن كل قوتها تعتمد في النهاية على ملاحظة سقوط الأجسام غير المدعومة. لكن عندما أقوم بهذا الحكم الآخر، مهما كان التغيير الذي قد يحدث، فإن هذا التغيير له سبب بالضرورة؛ لا يتوقع هذا الحكم تجربة المستقبل فحسب، بل إنه لا يرتكز على أي تجربة سابقة، لأن التجربة يمكن أن تظهر أن مثل هذا التغيير له سبب كذا وكذا، ولكن لا يمكن لأي تجربة أن تعلم أن الأمر كذلك بالضرورة. ويشير كانط بحق إلى أنه من المستحيل اختزال فكرة الضرورة هذه إلى عادة، وليدة اتصال دائم: وهذا لتدمير وليس لتفسير مبدأ السببية، الذي، من أجل التصرف، لا ينتظر العادة ويتدخل. في التغيير الأول كما في المائة ليجعلنا نؤكد أنه لا يمكن أن يكون له علة. إن فكرة الضرورة لا تتشكل بشكل مجزأ وبالتفصيل، بل يتم إدخالها بالكامل إلى الذكاء. ألف وألف تعميم متتابع لا تولد ضرورة، فهي تختلف باختلاف مطلق. وبالتالي فإن الحكم بأن كل تغيير له سبب بالضرورة هو حكم لا يستند إلى الخبرة، بل هو حكم مسبق حقيقي.  طيب ! حتى في المعرفة القبلية، التي تحررت من كل الآخرين، لا يزال يتعين علينا التمييز. بادئ ذي بدء، هناك مبادئ يمكن تسميتها بحق بداهة، لأنها لا تقوم على الملاحظة، ولكنها تحتوي مع ذلك على عنصر قدمته الملاحظة؛ هذا هو هذا المبدأ: كل تغيير له بالضرورة سبب. إنه لا يدين بأي شيء للتجربة، بقدر ما يتعلق الأمر بيقينه، ولكنه يحتوي على فكرة التغيير، التي يتصور العقل من خلالها فكرة السبب، ومن الواضح أن فكرة التغيير هذه مستعارة من التجربة. وعلى الرغم من أن مبدأ السببية مبدأ قبلي، إلا أنه يحتوي على عنصر تجريبي. ولكن هناك على الاطلاق مبادئ قبلية مستقلة عن كل تجربة، ولهذا السبب يسميها كانط ملكة خالصة، هذه هي المبادئ الرياضية. والآن، إذا كان صحيحًا أن هناك معرفة مسبقة خالصة في الذكاء، فمن المهم قبل كل شيء البحث في خصائص هذه المعرفة. كانط يختزلهما إلى اثنين، الضرورة والعالمية. لقد أشار إليهم بالفعل، وهنا يحددهم بدقة أكبر. تخبرنا التجربة ما هي الأشياء، ولكن ليس ما لا يمكن ألا تكون عليه؛ فهو يخبرنا ما هي الأشياء في لحظة الملاحظة وفي المكان الذي نحن فيه، ولكن ليس ما هي عليه في كل الأزمنة وفي كل الأماكن. وبالتالي فإن العالمية والضرورة هي الخصائص المحددة للمعرفة القبلية المحضة. وحيثما تكون هذه الخصائص مفقودة، فمن السهل التعرف على المعرفة بعديا. كل المعرفة المبنية منطقيًا على الخبرة مشروطة؛ يمكن أن يكون لها عمومية المقارنة والاستقراء، ولكن ليس مطلقة مطلقة. من خلال ذكر قانون تجريبي، فإنك تقتصر على التأكيد على أنه لم تتم ملاحظة أي استثناء حتى الآن؛ لكن لا يمكنك القول إنها لم تعاني أبدًا ولن تعاني أبدًا من الاستثناء، ناهيك عن أنها لا تستطيع أن تعاني منه. إن القوة فينا التي ترتبط بها المبادئ المميزة بخصائص العالمية والضرورة، المبادئ القبلية المحضة، هي العقل (فيرنونفت)، والعقل الخالص.

 إن الدراسة المتعمقة لهذه الملكة هي نقد العقل الخالص. نحن الآن نفهم معنى ونطاق عنوان عمل كانط.

عندما نرى فيلسوفنا ينخرط في انتقاد العقل الخالص، والمبادئ المرتبطة به والتي لا تدين بأي شيء للتجربة، فإننا نميل إلى الخوف من أنه سوف يضيع في عمق تحليله. عالم المفاهيم المسبقة النقية لا يسمح لنفسه بأن ينقاد إلى الوهم. لكن هذا الخوف لا أساس له من الصحة. وبعيدًا عن منح العقل الكثير، سنرى أن كانط لا يمنحه ما يكفي. من المقدمة، بالكاد لاحظ فينا ملكة معرفة قادرة على إنتاج المعرفة التي ذكرناها للتو، من هذه الخطوة الأولى يسارع إلى تحذيرنا من أن كل هذا يحدث في العقل، في العقل، في الموضوع، أن ويجب أن نكون حريصين على عدم رؤية واقع موضوعي هناك؛ إنه يحتج مقدمًا على ادعاء المثالية بنقل الأفكار خارج سياج العقل الذي يتصورها، ويريد أنه بمجرد التعرف على مفاهيم العقل الخالص، فإننا نكرس أنفسنا للبحث عن الشرعية، وإلى أي مدى، وإلى أي نطاق يجب أن ننسبها. لهم. "العقل"، كما يقول، "لأنه قادر على حمل مثل هذه المبادئ، وقد أسيء استخدامه بمثل هذا الدليل على قوته، لم يعد يرى حدودًا لشغفه بالمعرفة. الحمامة الخفيفة، عندما تطير بحرية في الهواء الذي تشعر بمقاومته، يمكن أن تعتقد أنها ستطير بشكل أفضل في الفراغ؛ وهكذا ينسى أفلاطون العالم المعقول، لأن هذا العالم يفرض حدوداً ضيقة على العقل، ويغامر بتجاوزه، على أجنحة الأفكار، إلى الفضاء الفارغ للفهم الخالص. ولم ينتبه إلى أنه لا يتقدم رغم جهوده، لأنه لا يوجد لديه أي نقطة يسند بها نفسه وينقل الفهم من مكانه الطبيعي. هذا هو المصير الطبيعي للعقل البشري في التأمل: فهو يكمل أولاً صرحه بأسرع ما يمكن، وبعد ذلك بكثير يهتم بمعرفة ما إذا كان أساسه متينًا أم لا. " لذلك نحن بحاجة إلى علم يبحث ويلاحظ، من ناحية، القوى الطبيعية للعقل، ويقيس ويحدد نطاقها الشرعي، من ناحية أخرى. مرة أخرى، هذا العلم هو نقد العقل المحض. يحدد كانط، في الجزء الذي لا يزال يتعين علينا أن نعرفه من المقدمة، الأسس التي يقوم عليها هذا النقد من خلال تحليل متعمق للحكم. يميز كانط بين نوعين من الأحكام. في بعض الأحيان تربط العلاقة السمة بالموضوع باعتبارها متأصلة في الموضوع نفسه، كما تتضمنها طبيعة الموضوع منطقيا وضروريا، بحيث أنك بالتعبير عن هذه العلاقة لا تعبر عن قطعتين مختلفتين من المعرفة، ولكنك تعرض نقطتين وجهة نظر أو شكلين من نفس المعرفة. عندما تقول: كل الأجسام ممتدة، لأنه من المستحيل تصور مفهوم الجسم دون مفهوم الامتداد، ولا مفهوم الامتداد دون مفهوم الجسم، فإنك لا تقول معرفة جديدة، بل تقوم فقط بتطوير المعرفة التي كانت لديك بالفعل. وفي هذه الأحكام تستمد الجزء من الكل، وتثبت الشيء من الشيء، على مبدأ التناقض. ولكن هناك نوع آخر من الأحكام، أحكام نربط فيها بالموضوع صفة لم تكن واردة فيه بالضرورة ومنطقيا، بحيث لا نعود نعبر عن وجهتي نظر لنفس المعرفة أو نفس المعرفة في شكلين مختلفين، ولكننا نعبر عن معرفة جديدة، ونضيف إلى مفهوم الموضوع مفهوما لم يتضمنه. وبقولي: كل الأجسام ثقيلة، فأنا أؤكد لجسم الموضوع صفة لا يحتويها منطقيا. ولم يعد يكفي هنا تحليل الذات لاستخلاص الصفة؛ لأنني حتى لو حللت مفهوم الجسم، فإن مفهوم الجاذبية لن يظهر كجزء لا يتجزأ منه. ولذلك فإن هذه العلاقة ليست علاقة هوية، مثل الأولى، لأنه يتم إعطاء أحد المصطلحين، وليس بالضرورة افتراض الآخر. لم تعد العلاقة هي نفسها، وبالتالي فإن الحكم الذي يعبر عنها لم يعد من نفس النوع الذي تحدثنا عنه سابقًا. يعبر كانط عن هذا التمييز بتسمية الأحكام التي تؤكد نفس الشيء تحليلية، لأنه في الواقع يكفي تحليل أحد مصطلحات العلاقة التي تعبر عنها، لاشتقاق المصطلح الآخر، وبالتالي الحصول على التقرير والتقرير. الحكم، التعبير عن التقرير؛ وهو يسمي الأحكام التركيبية التي تؤكد موضوعًا ما سمة غير واردة هناك منطقيًا، لأنه للعثور على العلاقة، لم يعد الأمر يتعلق بتحليل أحد المصطلحات، ولكن يجب على المرء أن يجمع بين مصطلحين مستقلين منطقيًا، وبالتالي إنشاء تجميع، وهو عبارة عن توليفة من فكرتين معزولتين سابقًا. ولتحديد الفرق بين هذين الحكمين بشكل أقوى والخصائص التي يمكننا من خلالها التعرف على كل منهما، يفرض كانط أيضًا أسماء أخرى ذات أهمية متساوية عليهما. وبما أن الأحكام التحليلية تعمل فقط على تطوير وشرح وتوضيح المعرفة التي لدينا بالفعل، دون إضافة أي شيء إليها، فإنه يسميها أحكامًا تفسيرية. وبما أنه، على العكس من ذلك، فإن الأحكام التركيبية لا تفسر ولا تطور المعرفة المكتسبة بالفعل، ولكنها تضيف إلى هذه المعرفة معرفة جديدة، يطلق كانط على الأحكام التركيبية أحكامًا واسعة النطاق، لأنها في الواقع توسع معرفتنا. يجب علينا الآن أن نميز بين فئتين من الأحكام التركيبية. والقاسم المشترك للأحكام من هذا النوع هو أنها تتعلق بالموضوع صفة لم تكن متضمنة فيه منطقيا. والآن، فإن هذه العلاقة التي نؤكدها بين الذات والصفة، يمكن أن تكون قد أعطيت لنا بطريقتين: إما أن تكون التجربة هي التي كشفت لنا عنها، وإما أن نثبتها تجربة قبلية مستقلة. الأجساد ثقيلة، كل تغير يقتضي علة، هما حكمان تركيبيان، لأنه لم يدخل مفهوم الجاذبية في حكم الجسم، ولا مفهوم السبب في حكم التغيير؛ لكن هذين الحكمين يختلفان في أنه، في الأول، التجربة هي التي شهدت لنا حقيقة العلاقة بين فكرة الجاذبية وفكرة الجسم، بينما في الثاني، ليست التجربة التي استطاع أن يجعلنا نرى حقيقة الارتباط بين فكرة السبب وفكرة التغيير. وفي الواقع، فإن التجربة لا تعطي إلا سلسلة من الحقائق، ولا تعطي أبدًا علاقة مثل علاقة السببية. ولذلك فإن الأحكام الاصطناعية هي من نوعين. فحقيقة البعض تعتمد على الخبرة، ويسميها كانط الأحكام الاصطناعية بأنها أحكام لاحقة؛ فحقيقة الآخرين لا تعتمد على الخبرة، بل على العقل وحده، ويسميها كانط أحكامًا قبلية تركيبية. نفسه. وهكذا، ما لم نحل مبدأ التناقض في التجربة، يجب علينا أن نعترف بأن جميع الأحكام التحليلية هي أيضًا غير تجريبية بداهة. إذا تم تأسيس كل هذه الفروق عند كانط، فنحن الآن في وضع يسمح لنا بتقدير تأكيدين مشهورين، وهما: أن المعرفة الإنسانية كلها مستمدة من الخبرة المحسوسة؛ 2o أن جميع الأحكام الإنسانية تخضع لقانون الهوية. ومن الخطأ أن كل المعرفة الإنسانية تنبع من التجربة الحسية، لأن كل المعرفة تتحول إلى قضية، وكل قضية إلى حكم تحليلي أو تركيبي، قبلي أو لاحق. الآن، أولاً، الأحكام التحليلية مبنية على مبدأ التناقض، وهو ليس مبدأ تجريبياً؛ ثانياً، لا يمكن استخلاص الأحكام المسبقة الاصطناعية من التجربة. وما تبقى هو الأحكام الاصطناعية التي يأتي يقينها من التجربة. لا يزال بإمكاننا الاعتراض عليه عندما تكون هذه الأحكام عامة، أي عندما تنتهي بالاستقراء من الحالات المرصودة إلى الحالات التي يمكن ملاحظتها، لأن هذا الاستقراء يعتمد على مبدأ استقرار قوانين الطبيعة الذي لا تحدده التجربة. إذا لم يكن صحيحًا أن كل معرفتنا مستمدة من التجربة، فليس أقل خطأً أن جميع أحكامنا تخضع لقانون الهوية؛ لأنه، لهذا، سيكون من الضروري، في الأحكام التركيبية القبلية أو اللاحقة، أن يكون حدا العلاقة متطابقين، أي أنه، إذا تم إعطاء أحدهما، تم إعطاء الآخر منطقيًا. والآن، كيف يمكن أن نثبت أنه لا يمكن أن يكون لدينا مفهوم الجسم دون أن يكون لدينا مفهوم الجاذبية؟ كيف يمكننا أن نثبت أن فكرة التغيير تشمل منطقيا فكرة السبب؟ لا الأحكام الاصطناعية القبلية ولا الأحكام اللاحقة الاصطناعية تعبر عن علاقة هوية. وبعيدًا عن أن تكون جميع أحكامنا خاضعة لقانون الهوية، فلا يمكننا أن نعيد إلى هذا القانون إلا أحد أوامر أحكامنا الثلاثة، الأحكام التحليلية. والشيء الفريد هو أن الفلسفة الحسية، التي تعترف بأن كل معرفتنا مستمدة من التجربة، تعترف في نفس الوقت بأن جميع أحكامنا تخضع لقانون الهوية. إنه يأخذ كنقطة انطلاق فريدة في علم النفس الأحكام الاصطناعية والأحكام اللاحقة، وأحكام التجربة، وعندما يتعلق الأمر بالمنطق، فإنه يعطي كأساس لهذا المنطق، مبدأ الهوية أو التناقض. ولكن أحد أمرين: إما أن مبدأ التناقض مستمد من التجربة، أو أننا مضطرون إلى إعطائه أساساً آخر. فإذا كانت مستمدة من التجربة، أصابها طابع العرضية والتقلب، وحينئذ لم يعد منطق الحسية قائما على الضرورة، بل هو متغير مثل الإحساس نفسه، أي لم يعد منطقا. وإذا أكدنا على العكس من ذلك أن مبدأ الهوية ليس مشروطا، بل ضروريا، لكي يكون قادرا على العمل كأساس للمنطق، فإن الحسية غير قادرة على التوفيق بين هذا المبدأ وعلم النفس، ولا يمكنها استخلاص ما هو ضروري من الوجود. فهو مجبر على الاعتراف في تطوراته بعناصر يرفضها عند نقطة البداية. لذلك دمرت فلسفة كانط تمامًا كلاً من علم النفس ومنطق الحسية. بعد أن قسم وصنف كل المعرفة الإنسانية، أي كل أحكامنا، إلى أحكام تحليلية قبلية وأحكام تركيبية، بعضها قبلية، والبعض الآخر بعدية، يدرس كانط نوع الأحكام التي تقوم عليها العلوم المختلفة، ويميز بين وهي نوعان: تلك التي تقوم على الأحكام التركيبية البعدية، أو العلوم التجريبية، وتلك التي تقوم على الأحكام القبلية التركيبية، والتي يسميها العلوم النظرية.

الأول: علوم الملاحظة الصرفة: الملاحظة، والتصنيف، والتعميم، وهو كل جزء من العقل في تكوينها. التاريخ الطبيعي للحيوانات والنباتات والمعادن، وهو جزء من الفيزياء، وما إلى ذلك، يقع ضمن هذا القسم. أما العلوم النظرية فهي الحساب والهندسة والفيزياء العليا والميكانيكا والميتافيزيقا. يثبت كانط أن هذا النوع الأخير من العلوم يعتمد على أحكام مسبقة تركيبية. عندما ندرس عمليات الرياضيات، نذهل عندما نجد نفس العملية تستخدم باستمرار في كل مكان. إنهم يعتمدون دائمًا على مبدأ التناقض؛ ولكن من حقيقة أن هذا المبدأ ملازم لتقدم العلم، استنتجنا أنه أساسه. هذه النتيجة لا قيمة لها. إن مبدأ الهوية لا يولد برهانًا رياضيًا، بل هو الشرط الضروري فقط؛ وبدونها لا تستطيع الرياضيات أن تخطو خطوة، ولكنها لا تتقدم من خلالها. ولو كان هذا هو مبدأ كل الحقائق الرياضية، لكانت هذه الحقائق بمثابة افتراضات تحليلية بحتة؛ لكن كانط يثبت بأمثلة مأخوذة من الحساب والهندسة أن الأمر ليس كذلك.لمعرفة ما إذا كانت هذه القضية: سبعة زائد خمسة يساوي اثني عشر، تحليلية أو تركيبية، يجب علينا فحص ما إذا كان لا يمكننا الحصول على فكرة سبعة زائد خمسة دون أن يكون لدينا فكرة اثني عشر، وفكرة الموضوع دون فكرة الحد الآخر والمعنى. علاقة المساواة التي توحدهم. والآن، بعد أن أضفت سبعة إلى خمسة، أصبحت لديك فكرة اتحاد رقمين في رقم واحد؛ ولكن ما هو هذا العدد الجديد الذي يحتوي على الرقمين الآخرين؟ أنت تعلم أن سبعة وخمسة يشكلان مجموعًا؛ ولكن ما هو هذا المبلغ؟ أنت تتجاهل ذلك. يصبح هذا الجهل أكثر وضوحًا إذا جربنا أعدادًا أكبر. عندما نعمل على كميات صغيرة، فإن عادة الانتقال من الأجزاء المختلفة إلى المجموع، والسرعة التي ندرك بها تساويها، تعطينا وهمًا حول العملية الحقيقية للعقل؛ ولكن عندما نريد دمج عدة أعداد كبيرة في رقم واحد، فإن الصعوبة التي نواجهها في الوصول إلى العدد الإجمالي الذي يحتوي عليها تثبت لنا أننا لا ننتقل من نفس إلى نفس، وأن الأمر بالنسبة لنا بالفعل هو مسألة اكتساب معرفة جديدة. لماذا إذن اعتبرت القضايا الحسابية قضايا تحليلية؟ وذلك لأننا نظرنا إلى عمليات العقل في تكوين معرفته أقل من اهتمامنا بهذه المعرفة في حد ذاتها، بالنسبة إلى موضوعاتها وبشكل مستقل عن العقل. وبما أن سبعة زائد خمسة واثني عشر هي في الواقع أرقام متطابقة، فقد كان يعتقد أن القول: سبعة زائد خمسة يساوي اثني عشر هو انتقال من نفس المعرفة إلى نفس المعرفة. أما إذا كانت فكرة المصطلح الثاني موجودة ضمنا في الأول، فهي غير موجودة صراحة ونفسيا؛ والسؤال هنا هو ما إذا كان لدينا أيضًا فكرة إجمالي الوحدة اثني عشر التي تمثلهما، نظرًا لأن لدينا فكرة الوحدتين سبعة وخمسة. كما أن الحقائق الهندسية ليست حقائق متطابقة. إذا كانت هذه الفرضية: الخط المستقيم هو أقصر خط من نقطة إلى أخرى، تحليلية، فمن الضروري إثبات أن فكرة الخط الأقصر منطقيا واردة في فكرة الخط المستقيم. "لكن فكرة القانون" كما يقول كانط "لا تحتوي على أي فكرة عن الكم، بل عن الكيفية فقط. " وبالتالي فإن حقائق الهندسة هي من الترتيب الاصطناعي. ومع ذلك، يجب علينا التمييز بين نوعين من الحقائق الهندسية، التي كثيرًا ما يتم الخلط بينها، بعضها تحليلي بحت، والبعض الآخر له طابع تركيبي. الأول هو بديهيات الهندسة، والثاني هو مبادئها الحقيقية. البديهيات مثل هذه: - يساوي أ؛ الكل يساوي نفسه. الكل أعظم من الجزء؛ - هذه البديهيات، التي ربما تكون مجرد وجوه مختلفة لمبدأ التناقض، ضرورية للعلم. هل هناك في الواقع نظرية واحدة لا تفترضها؟ هل من الممكن أن نخطو خطوة واحدة في الهندسة إذا اعترفنا فقط بأن الشيء هو نفسه، وأن الكل أكبر من الجزء؟ ولكن، من ناحية أخرى، دعونا نظهر لنا بعض الحقيقة الهندسية التي تأتي مباشرة من هذه البديهيات كما من مبدأها. وبالتالي فإن البديهيات ضرورية وغير منتجة. على العكس من ذلك، خذ الحقيقة الأخيرة في الهندسة، وابحث عن مصدرها؛ إنها تأتي من الحقيقة السابقة، والتي بدورها تأتي من حقيقة سابقة، وكل واحدة منها تظهر لك بدورها مبدأ ونتيجة، سيتعين عليك العودة من نظرية إلى نظرية حتى الحقائق الأولى التي لها سببها وهي في ذاتها مبادئ، دون أن تكون نتائج، أي حتى تعريف المثلث، الزاوية، الدائرة، الخط المستقيم. التعاريف وحدها مثمرة. بدون البديهيات، العلم مستحيل، لكنها لا تصنع العلم؛ وبدونها لا يجوز إقامة مبدأ، واستنباط نتيجة، ولكنها ليست هذه المبادئ ولا هذه النتائج. ولذلك فإن هناك حقائق هندسية تقوم على مبدأ التناقض، أما المبادئ الهندسية الحقيقية فهي تعريفات، أي أحكام تركيبية قبلية. مبادئ الفيزياء العليا لها نفس الطبيعة. وأخذ المثالين اللذين قدمهما كانط: - في أي تغيير في العالم المادي، يجب أن تظل كمية المادة كما هي؛ في أي اتصال للحركة، يجب أن يكون الفعل ورد الفعل متساويين. — من الواضح أن هذه أحكام تركيبية، لأن فكرة المادة لا تعني على الإطلاق أن كمية المادة هي نفسها في جميع التغيرات؛ وبنفس الطريقة يمكننا أن نحصل على فكرة الحركة دون أن نستنتج أن الفعل ورد الفعل متساويان دائمًا. أضيف من جهة إلى فكرة المادة، ومن جهة أخرى إلى فكرة الحركة، مفاهيم لم تكن واردة هناك، وأصدر حكمًا تركيبيًا. علاوة على ذلك، فإن هذا الحكم له طابع العالمية، والضرورة، وبالتالي فهو ليس نتيجة للتجربة؛ ولذلك فهو اصطناعي بداهة. ليس من الصعب أن نقنع أنفسنا بأن الميتافيزيقا تعتمد أيضًا على أحكام مسبقة تركيبية. هناك، وفقًا لكانط، ميتافيزيقا طبيعية كانت دائمًا، وستظل كذلك دائمًا، وهي الفضول المتحمس لرؤية الأسئلة التي يطرحها الذكاء البشري إلى الأبد بوضوح؛ هذه الأسئلة هي الله، والنفس، والعالم، وأبديته أو بدايته، الخ. هذه هي موضوعات الميتافيزيقا. ومبادئه هي نفس المبادئ التي يحاول الذكاء البشري بمساعدتها حل الأسئلة التي لا يمكنه الهروب منها؛ ويكفي أن نذكر بعضها: كل ما يحدث له سبب؛ كل ظاهرة، كل نوعية تفترض موضوعا؛ كل حدث يتطلب وقتا؛ أي جسم أو مساحة أو ما إلى ذلك. والآن تمعن في هذه المبادئ، تجد أنها ليست أقل من أحكام قبلية تركيبية، لأن الحد الثاني من العلاقة الذي تعبر عنه هذه الأحكام لا يدخل في الأول بأي حال من الأحوال؛ فلا الزمن ينحصر في الحدث، ولا المكان في الجسد، ولا الذات في الصفة، ولا العلة في الواقع الذي يبدأ بالظهور؛ وبالتالي فإن هذه الأحكام ليست تحليلية؛ وليست التجربة هي التي تُدخل إلى الذكاء مفاهيم السبب، والمادة، والزمان، والمكان، وما إلى ذلك. ; هذه مفاهيم مسبقة؛ وبالتالي فإن الأحكام التي تحتوي عليها هي أحكام مسبقة تركيبية. يجب أن يكون واضحًا تمامًا الآن أن جميع العلوم التي تستحق اسم العلوم النظرية مبنية على أحكام مسبقة تركيبية؛ ويبقى أن نرى كيف تكون مثل هذه الأحكام ممكنة، وبعبارة أخرى، كيف توجد أحكام تحتوي على عنصر مستقل عن كل تجربة، وما هي القيمة التي يمكن أن تكون عليها هذه الأحكام. وهذا السؤال ليس أقل من قيمة العقل الخالص، صاحب هذه الأحكام. هيوم هو واحد من كل الفلاسفة الذين تجرأوا على تناول هذه المسألة بأكبر قدر من الحزم، ولكن تحت جانب واحد فقط من جوانبها، وهو مبدأ السببية الشهير، ونحن نعرف كيف حلها. رأيه. في الواقع، إذا كان هيوم يرفض فكرة الضرورة المتضمنة في مبدأ السببية، كان عليه أيضًا أن يرفضها من المبادئ الأخرى التي تتضمنها أيضًا، كان يجب عليه أن يرفض أي حكم تركيبي قبلي، أي الرياضيات البحتة والفيزياء العالية. وهي نتيجة متطرفة ربما كانت ستبقي هذا العقل الممتاز على منحدر الشك. ولما كانت الأحكام التركيبية موجودة، فهي إذن ممكنة، وكذلك الأمر بالنسبة لعدد معين من العلوم النظرية التي تقوم على هذه الأحكام. يجب أن تكون الرياضيات البحتة والفيزياء البحتة ممكنة، لأنهما موجودتان، لكننا لا نستطيع أن نعطي نفس الإجابة على الميتافيزيقا؛ لقد حققت حتى الآن الهدف الذي حددته لنفسها قليلاً جدًا بحيث لا يمكن حرمان أحد من حقه في إثارة هذا السؤال: كيف تكون الميتافيزيقا ممكنة؟

إذا كنا نعني بالميتافيزيقا الاستعداد الطبيعي للعقل البشري لطرح وحل عدد معين من المشاكل، فيجب علينا بالتأكيد أن نجيب على أن الميتافيزيقا ممكنة، لأنها كذلك؛ ولكن، وفقًا لكانط، فإن جميع الأنظمة المولودة من هذا التصرف الطبيعي معيبة جدًا وغير مرضية لدرجة أنه لا يجوز تسميتها باسم العلم؛ لذلك، إذا كنا لا نعني بالميتافيزيقا الاستعداد الطبيعي، بل العلم الحقيقي، فإننا مضطرون إلى الإجابة على أن الميتافيزيقا غير موجودة. ولكن في الوقت نفسه، لا يتردد كانط في إعلان أن ذلك ممكن؛ إنه يخاطب الحاجة الأبدية للطبيعة البشرية؛ إنه يقارن الميتافيزيقا بالنبات الذي يمكننا أن نقطع منه جميع البراعم التي نمت حتى الآن، ولكن لا يمكننا اقتلاع الجذور منها. فهو إذن لا ييأس من اعتبار الميتافيزيقا علما، بل يؤجلها إلى المستقبل، ولا يريد إلا أن يضع أسسها ويتحقق أداتها. هذه الأداة هي العقل الخالص، مع القوى الموجودة فيه؛ هذه الأسس هي أحكام مسبقة اصطناعية يتطورها العقل الخالص مع تطور نفسه. وبقدر ما تبلغ قيمة هذه الأداة وهذه الأسس، فإن الصرح بأكمله سيكون له قيمة فيما بعد. ولذلك فإن نقد العقل الخالص ليس في الحقيقة سوى مقدمة للعلم. ومهمتها واسعة جدًا ومحدودة جدًا في نفس الوقت: محدودة جدًا، لأن الأمر لا يتعلق هنا بموضوعات العقل اللامحدودة، بل يتعلق بالعقل وحده؛ واسعة جدًا، لأننا يجب أن نتبع هذا العقل في كل تطوراته، بشرط ألا تكون هذه التطورات لها علاقة بالتجربة والحواس، وأن تحافظ على طابع النقاء هذا الذي يشكل أحكامًا قبلية تركيبية. الآن، كما يحلو لكانط، في اللغة التي ابتكرها، أن يطلق على الفلسفة المتعالية ما يحمل الطابع المزدوج المتمثل في كونه مستقلاً عن الخبرة وعدم تطبيقه على الأشياء الخارجية، فهو يسمي الفلسفة المتعالية النظام المثالي للبحث الذي يرتبط بالأشياء الخارجية. معرفة مسبقة. ما يقوم به هو مقال بسيط، رسم تخطيطي لمثل هذه الفلسفة. - قال إنه لا يزال يتعين صنع عضو جديد لا يكون مثل أرسطو ولا بيكون، والذي سيكون عضوًا للعقل الخالص. هذا النقد هو شريعة هذا العضو الجديد. علاوة على ذلك، لا يتردد كانط في الاعتراف بذلك: يجب أن يكون النقد إصلاحًا كاملاً وجذريًا للفلسفة، وبالتالي لتاريخ الفلسفة نفسها، لأن النقد وحده يمكنه أن يزود التاريخ بمحك حجري معصوم من الخطأ لتقدير قيمة الأنظمة. وبدونها، ماذا يستطيع المؤرخ أن يفعل سوى إعلان كذب ادعاءات الآخرين، باسم ادعاءاته التي ليس لها أساس آخر؟

توضح المقدمة بوضوح السمات الرئيسية لهذه الشركة العظيمة. وما يلفت النظر هناك، للوهلة الأولى، كما في الخطاب حول المنهج، هو جرأة الفكر وطاقته. يقدم كانط نفسه علانية باعتباره ثوريا حقيقيا. فهو، مثل ديكارت، يحتقر كل الأنساق قبل نقده؛ إنه يعبر عن ماضي الفلسفة باللهجة الحادة والرائعة لفلاسفة القرن الثامن عشر. وفي حديثه بهذا الازدراء لكل الأنساق التي سبقته، وتقديمها ككتلة من الفرضيات الاعتباطية، التي لا تكاد تحتوي على بعض الحقائق كما لو كانت صدفة، لا يخطر بباله مرة واحدة أن واضعي هذه الأنساق، إنهم اشخاص أو أقرانهم أو رؤسائهم، أفلاطون، أرسطو، ديكارت، لايبنتز. لكن لماذا يحترم العبقرية؟ ولا يتعلق الأمر حتى بالطبيعة البشرية. إنه يمنحه نزعة فطرية تجاه الميتافيزيقا، لكنها نزعة مؤسفة، والتي لم تنتج حتى الآن سوى الوهم، وهو يتملق نفسه، في نهاية القرن الثامن عشر، لأنه بدأ لأول مرة الميتافيزيقا الحقيقية، بعد ثلاث سنوات. ألف سنة من الجهود غير المجدية. قد يميل المرء إلى الافتراض، في مثل هذا التصميم، وراء مثل هذه الكلمات، فخرًا هائلًا. مُطْلَقاً. وكان كانط أكثر الرجال تواضعاً وحذراً؛ ولكن روح عصره كانت فيه. وبعد ذلك لا نقوم بالثورات بادعاءات صغيرة، وكانط يريد أن يحدث ثورة في الميتافيزيقا. مثل أي ثورة، كان على هذه الثورة أن تعلن عبثية كل ما سبقها، وإلا فما كان علينا إلا أن نفكر في تحسينها، وليس تدمير كل شيء من أجل تجديد كل شيء. كانط، مثل ديكارت، الذي يجب مقارنته به باستمرار، مشغول بأسلوبه، لا يرى إلا في كل مكان. ليس من عبقريته أن يكون لديه رأي عظيم، بل من عبقريته. وهنا يرتقي، وهنا ينتصر. قال ديكارت في مكان ما إنه بمقارنة نفسه بالناس الآخرين، وجد نفسه متفوقًا على عدد قليل جدًا وأدنى من الكثيرين، وأنه يدين بكل شيء لطريقته. كما أن سقراط، قبل كانط وديكارت بألفي سنة، ربط كل شيء بأسلوبه الذي كان في الأساس نفس أسلوب الفيلسوف الفرنسي والفيلسوف الألماني.  هذا الأسلوب هو الصحيح، وهو الأسلوب النفسي الذي يتكون من البدء بالإنسان، بالذات التي تعرف، بدراسة قوة المعرفة وقوانينها ونطاقها وحدودها. لقد وُلِد مع سقراط، وتطور مع ديكارت، واكتمل مع كانط، ومع الثلاثة ينتج في كل مرة ثورة قوية. لكن ليس من حق الرجل نفسه أن يبدأ ثورة وأن ينهيها. لم يكن سقراط أفلاطون ولا أرسطو، بل كان أبًا لكليهما. وديكارت بدوره ليس لايبنتز، وكانط، الذي بدأ الفلسفة الألمانية، لم يحكمها ولم يكملها. ولا تزال هذه الفلسفة تعمل، ولا يبدو أنها وصلت إلى تطورها النهائي. والأسعد من ذلك، أن الثورة الفرنسية، التي ولدت في نفس الوقت الذي ولدت فيه الثورة الفلسفية في ألمانيا، انطلقت من نفس النقطة تقريبًا، من إعلان الحقوق البدائية والأبدية للإنسان بشكل مستقل عن كل المجتمع، وعن كل التاريخ، كما هو الحال مع الآخر. قوانين العقل البشري الخالصة، بشكل مستقل عن كل التجارب، والتي تعلن على حد سواء ازدراء الماضي والآمال الأكثر فخرًا، مرت خلال سنوات قليلة بتقلباتها الضرورية، ونحن نراها اليوم قد وصلت إلى ديمومتها، مخففة ومنظمّة في الميثاق الذي يحكمنا. ميثاق فلسفة القرن التاسع عشر لم يُكتب بعد. لم يتم استدعاء كانط لهذا العمل؛ كان موقفه مختلفًا تمامًا: كان عليه أن يقوم بثورة ضد كل الدوغمائيات الكاذبة، وضد الفرضيات العظيمة لمثالية القرن السابع عشر، وضد الفرضيات التافهة والتعسفية أيضًا للحسية في عصره؛ وقد أنجز هذا المشروع بفضل هذا الأسلوب الذي عرفت شخصيته للتو من المقدمتين ومقدمة نقد العقل الخالص. ربما سنحاول مرة أخرى تناول هذا النقد نفسه، وتعريف قراء المجلة بالجزء الداخلي من هذا النصب التذكاري العظيم."

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.....................

المصدر

Victor Cousin, Kant et sa philosophie, « Revue des Deux Mondes », no 21, 1840

تكالبت الأحزاب مجتمعة على المسلمين في غزوة الخندق في جيش كبير تعداده عشرة الآلاف مقاتل بالمقارنة مع جيش المسلمين الذي لا يتعدى حينها ثلاثة الآلاف، تأمر كبير وحقد مستشري في نفوس من تأمروا على الإسلام والمسلمين في المدينة المنورة من قبائل العرب ويهود بني النضير فقد تجاوزوا المواثيق ونقضوا العهود التي أبرموها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، عانى المسلمين أوضاع قاسية وبرد شديد وجوع، " فلما تجمع أصحاب الأحزاب لقتال المسلمين بالمدينة، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ليستشيرهم في كيفية الدفاع عن المدينة وصد الأعداء، فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، حيث قال: يا رسول الله: إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فوافق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام على هذه الخطة الحكيمة التي لم تكن معروفة لدى العرب، فكانت بحمد الله تعالى من أسباب صد الأحزاب وفشلهم في تلك الغزوة. .[1]

فكان هذا الرأي السديد في المشورة وأعطى الرسول عليه الصلاة والسلام الأمر والتعليمات  للعمل لأصحابه وجنوده بحفر الخندق وخطط له في توزيع المهام بحيث يحفر كل عشرة أشخاص أربعين ذراعاً (والذراع يساوي 45.72 سم)، أي كل عشرة يحفرون ما مقداره (18 متراً)، وكان صلى الله عليه خير قدوة وجندي في الميدان يحفر ويحمل التراب على ظهره حتى أن كشف عن صدره عليه السلام و ظهر منه شعر صدره وكان كثيفاً. أما غزوة الخندق (تسمى كذلك غزوة الأحزاب) وقعت في شهر شوال من العام الخامس من الهجرة (الموافق مارس 627م) بين المسلمين بقيادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والأحزاب الذين هم مجموعة من القبائل العربية التي اجتمعت لغزو المدينة المنورة والقضاء على المسلمين والدولة الإسلامية. سميت هذه الغزوة بهذا الاسم لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم.[2]. فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوماً، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل والحجارة ، وأصيب منها سعد بن معاذ بسهم فكان سبب موته. وأن هزيمتهم أن نعيم بن مسعود الأشجعي ألقى بينهم الفتنة فاختلفوا، وذلك بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بذلك . ثم أرسل الله عليهم الريح فتفرقوا، وكفى الله المؤمنين القتال .[3]. وأن طول الخندق كان خمسة آلاف وخمس مائة وأربعة وأربعين متراً ـ5544ـ ومتوسط عرضه أربعة أمتار فاصلة اثنين وستين ـ 4.62 ـ  ومتوسط عمقه ثلاثة أمتار فاصلة ثلاثة وعشرين ـ3.23.[4]

فقد تصدى عليه الصلاة والسلام والمسلمون للأحزاب المتحالفة ضدهم، وذلك عن طريق حفر خندق شمال المدينة المنورة لمنع الأحزاب من دخولها، ولمَّا وصلت الأحزابُ حدود المدينة المنورة عجزوا عن دخولها، فضربوا حصاراً عليها دام ثلاثة أسابيع، وأدى هذا الحصار إلى تعرِّض المسلمين للأذى والمشقة والجوع. وانتهت الغزوة بانسحاب الأحزاب وذلك بسبب تعرضهم للريح الباردة الشديدة، ويؤمن المسلمون أن انتصارهم في غزوة الخندق أن الله تعالى زلزل أبدانَ الأحزاب وقلوبَهم، وشتت جمعَهم بالخلاف، وألقى الرعبَ في قلوبهم، وأنزل جنودًا من عنده.[5]

رؤية القيادة لبيئة العمل وتوزيع أدواره:

نجح مشروع حفر الخندق تمامًا وكان عملًا جماعيًا ضخمًا، وهناك ضوابط جعلته ينجح، فقد أدار الرسول عليه الصلاة والسلام المشروع بكفاءة غير عادية، فقد وضع قواعد ناجحة في إدارة الأعمال الناجحة والمتميزة من خلال مشاركة القائد في العمل جبناً إلى جنب مع أتباعة وجنوده، وقام بتوزيع المهام بدقة متناهية على الجميع والإحاطة بأسلوب الجدة في العمل رغم الظروف الصعبة والأجواء المناخية الباردة وشديدة الرياح العاتية واللين والرفق والدنو والحنو عليهم، بالإضافة لرفع الهمة وبناء الأمل في النفوس.[6]، حيث أشار أحد الصحابة الكرام " رَأَيْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَومَ الخَنْدَقِ وهو يَنْقُلُ التُّرَابَ حتَّى وارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ، وكانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ، وهو يَرْتَجِزُ برَجَزِ عبدِ اللَّهِ اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا... ولَا تَصَدَّقْنَا ولَا صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا... وثَبِّتِ الأقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا إنَّ الأعْدَاءَ قدْ بَغَوْا عَلَيْنَا... إذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبيْنَا يَرْفَعُ بهَا صَوْتَهُ".[7]

ومن شدة الجوع وقلة الطعام قد ربطوا على بطونهم الحجارة، ناهيك عن تثبيط المنافقون في أدوارهم الواهية والشائنة ، فكانوا يتأخرون في العمل وينشرون الإحباط والتثبيط في نفوس المسلمين وإضعاف عزائمهم ومعنوياتهم، ويتسللون هاربين بدون إذن من الرسول صلى الله عليه وسلم ، يذهبون إلى أسرهم وأهليهم، وفي خضم حفز الخندق وما لاقاه المسلمين من نصب وتعب وجوع  حدثت مواقف ومعجزات عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم، فمنها ما رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: كنا نحفر الخندق، فعرضت لنا كدية؛ أي حجر كبير، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم عجزوا عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: إني نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول، فضرب الحجر على ضخامته، فما كان من الحجر إلا أن كان كثيبًا؛ أي رملًا لينًا، فحفروه، فسبحان من قدرته عمَّت كل شيء.[8]

القائد النموذج بين أتباعه وجنوده:

وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول ثم قال: بسم الله، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا.[9]

إن الظروف التي عاشها الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه من تأمر وتكالب وظروف شديدة القصوة استمرت لستة ايام في حفر الخندق لكي يحميهم ويصد عدوهم من النيل منهم والأنتصار عليهم ، ورغم ما عانوه من كافة الظروف والمعطيات المحيطة بهم ، صبروا وتحملوا في أجواء محفزة و طاقات إيجابية عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم النموذج والأسوة الحسنة، حيث أن القائد أو من يتحمل مسؤولية العمل ويشارك أتباعه الهموم والتعب والجهد بنفس راضية وصبر جميل، كان يبث فيهم أشعاراً محفزة وكلمات ينبعث منها الأمل وتحريك الطاقات.

استلهام بث الأمل ونشر التحفيز بين الأفراد والجماعات:

فقد شرع المسلمون في حفر الخندق في أجواء باردة، ورسول الله معهم يحفر ويحمل التراب بنفسه، وقد جعل لكل عشرة منهم أربعين ذراعًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما بهم من النصب والتعب حفزهم وأدخل في نفوسهم النشاط والحماس بمثل قوله: اللهمّ إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة، فيجيبون قائلين:  نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا.  وهكذا تجاوبت المشاعر المليئة بالإيمان والنفوس العظيمة بالعزيمة والإصرار والتحمل والجلد. روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن البراء بن عازب قال: لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته يحمل من تراب الخندق حتى وارى عنه التراب جلدة بطنه وكان كثير الشّعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة وهو ينقل التراب يقول:

اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا

فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا

ثم يمد صوته باخرها، يعني بقول: أبينا. أبينا .

ولا تسل عما كانت تصنعه هذه الكلمات المؤمنة العذاب في نفوسهم من مضاعفة الجهد، والاستهانة بالنصب والتعب، وبهذا العمل الدائب أتموا حفر الخندق في ستة أيام، وقد استعانوا بالأحجار الصلبة فاتخذوا منها متاريس يتحصنون بها.[10]

تأمل معي الاستراتيجية التحفيزية التي قام النبي على أصحابه بتخفيف وطأة المشقة والجوع بترديد الشعر[11]: " لقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم تعبٌ وجوعٌ وبرد ، لأنه كان في زمن عسرةٍ وعام مجاعة، ولما رأى صلى الله عليه وسلَّم ما بأصحابه من النصبِ والجوع، قال متمثِّلاً بقول عبد الله بن رواحة ـ أحد أصحابه وكان شاعراً ـ كان عليه الصلاة والسلام في أثناء الحفر يقول:   اللهم لا عيْشَإِلا عَيْشُ الآخِرَةِ     فَأَصْلِحِ الأَنْـصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ

[من صحيح البخاري عن أنس بن مالك]

اللهمَّ لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة    فارحم الأنصار والمهاجــرة

اللهمَّ لا خيرَ إلا خيرُ الآخـرة    فبارك في الأنصار والمهاجرة

اللهمَّ إن الأجر  أجر الآخـرة    فارحم الأنصار والمهــاجرة

اللهمَّ لا  خيرَ إلا خيرُ الآخرة     فانصر الأنصار والمهـاجرة

***

فهذا الشعر الذي يبُثُّ الحماس في نفوس أصحابه، ويخفِّف عنهم متاعب الجوع والخوف والبرد والجهد الشاق ، فأجابوه رضي الله عنهم:

نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا    عَلَى الْجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا

[ من صحيح البخاري: عن أنس بن مالك]

وقال صلَّى الله عليه وسلَّم وهو ينقل التراب ، وقد وارى التراب جلد بطنه الشريف ، متمثلاً قولَ ابن رواحة :

وَ اللَّهِ لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا     وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَـا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَـــا     وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَـا

إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَـلَيْنَا      إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَــا

وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ:

أبَيْنَا أَبَيْنَا

[من صحيح البخاري عن أنس بن مالك]

وأعاد أبينا ثلاث مرَّات:

إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَــا

أبَيْنَا أَبَيْنَا

هكذا قال الله عزَّ وجل:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ(39)﴾ .

(سورة الشورى)

ومع ذلك فرغوا بعد معاناة من الحفر والتعب والبرد والجوع من حفز خندق طوله خمسة الآف ذراع وعرضه تسعة أذرع وعمقه سبعة أذرع في ستة أيام في بيئة مجهدة لكنها محفزة وقريبة من النفوس العظيمة التي تدافع عن نفسها في ظل قيادة حكيمة تتسم بالتشاور وأخذ أراء الأتباع والأفراد والجماعات، وتعمل بكد وجهد مضني وبث روح البسمة والتحفيز في النفوس من خلال الأشعار والكلمات التي تحرك الجماد قبل الإنسان بالرغم من أنها تتعرض لأجواء باردة وبطون فارغة، وبث فيها روح الأمل عندما اعترضت صخرة كبيرة جاء القائد لزرع المستقبل المشرق في نفوس الأفراد والجماعات عندما خرجت شرارة قال كذا وكذا .

أي بيئة رائعة تلك التي يبث فيها روح وطاقات إيجابية ومستقبل أخاذ رغم المعاناة وتأمر المتآمرين وخذلانهم، فقمة النصر أن تتغلب على ذاتك وتخرج الطاقات الكامنة للعمل والإنجاز والتميز والتفوق والنصر في نهاية المشاور، انهزم الأحزاب وفروا من حيث أتوا هاربين تتسم نفوسهم بالضعف والهوان والهزيمة رغم كثرة العدد والعتاد. إنها معالم الصبر والجلد والإيمان الحقيقي بالقيادة و أفرادها وما تملكه من قدرات وطاقات خلاقه تحول الهزيمة إلى نصر وتمكين وغلبة.

فقد كانت القيادة التي تولاها الرسول صلى الله عليه نموذج فعال ومتميز من حيث إدارته للواقع الذي كانوا فيه، من مشورة وإعطاء مساحة للخبرات والآراء المتميزة في التعبير عن الموقف السديدة والرشيد لمصلحة عمل الجميع ونجاحه، تخطيط عالي المستوى في توزيع المهام وتنفيذ الأفكار المطروحة دون تأجيل أو تسويف، مشاركته عليه الصلاة و السلام في الحفر ومساندة جنوده وإتباعه فهو واحد منهم لا يفرق القادم إليهم أن هذا قائد وذاك جندي أثناء أداء المهام و العمل، إضفاء الروح المرحة والأناشيد والشعر الذي كان يردده أمام أتباعه فما هو إلا تحفيز وبناء للهمة والجلد وقضاء الساعات والأيام في مرح وتسلية ودعابة وأجواء احتفالية رغم البرد والتعب والجوع الشديد الذي نال من الجميع دون استثناء، ومع ذلك يستمر العطاء والجهد دون توقف، بل أكثر من ذلك كان القائد عليه الصلاة والسلام نموذجاً فريداً في تحدي الصعاب عندما كان يعجز أصحابه أداء بعض الأعمال، كان يتصدى له ويتعامل معه بحكمه وصبر وجلد، ورغم الواقع المرير خاطب أصحابه عن الآمال المستقبلية التي ذكرها لأصحابه في الفتوحات التي القادمة، عندما قال عليه الصلاة والسلام (الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب أخرى، فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن، وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)[12]، ناهيك عن تعامله بتحييد للمنافقين الذي كانوا يتسللون إلى بيوتهم دون استئذان منه صلى الله عليه وسلم ، وكان هؤلاء المتخاذلين من المنافقين عندما كان يبشر أصحابه بالفتوحات القادمة أردوا أن يبثوا روح الهزيمة في نفوس المؤمنين بقولهم " كنا لا نأمن على الذهاب للخلاء من شدة الرهب والخوف ويبشرنا بفتوحات للشام والفرس". على العكس من المؤمنين الطائعين الذي ما برحوا مكاناً إلا طلبوا أذنه عليه السلام من قوة إيمانهم وإخلاصهم وتفانيهم في دعوتهم ورسالتهم.

بيئة العمل الجاذبة في منظماتنا:

من حسن الطالع أن نسهم في الإجادة في توفير بيئة عمل جاذبة ومحفزة في منظماتنا عندما نعتبر غزوة الأحزاب وتصرف الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً راقياً للقائد الذي حرص في توفير بيئة ويعتبر نفسه جزءاً أساسياً وعضواً فاعلاً في العمل يقوم بتوزيع الأدوار ويعطي كل فرد مسؤوليته ويعمل بنفسه ويتعايش مع أفراده ويكون قريباً منهم يشد من أزهم ويدعم حضورهم وعملهم ويتعاطف مع همومهم وتعبهم وجهودهم ويتصدى لكل الصعوبات التي تعترض أصحابه والقريبين منه، يحمل هموم أتباعه وأعضاء مجتمعه من بث الإيجابية والأمل في نفوسهم رغم التعب والنصب والجوع، ويحفزهم بكلمات وأشعار لها أثراً كبيراً في الأعضاء العاملين معه، ويمنيهم بالمستقيل المشرق بفتوحات لليمن والشام وفارس بالرغم من أنهم محاصرون ومرهقون وجائعون، فالتحدث عن المستقبل ربما يبدد كل هم وضيق وقلق وتجعل العاملين والأعضاء لهم رؤية ثاقبة وهمة عالية للنجاح في العمل وإنجازه وامتلاك الروح القوية والمنعة في التصدي للغزاة والمنافسين والتحديات التي يفرضها واقع الحال، بالإضافة لمشورة الأعضاء وإعطائهم دوراً في الاستفادة من خبراتهم ومعارفهم واستخراج وتوظيف قدراتهم ومواهبهم عندما استجاب لرأي وفكرة سلمان الفارسي رضي الله عنه في حفر الخندق و دهاء نعيم بن مسعود في نشر الفتنة وتفريق الأعداء وإضعافهم، ناهيك عن استخدام عنصر التجاهل للمنافقين الذين يتسللون إلى بيوتهم دون إذن منه عليه السلام، وكأنه يعطينا درساً أن التركيز على الأشخاص الإيجابيين والمخلصين يبدد كل ضعف أو انهزامية عند البعض وقتل ممارساتهم وأفعالهم التي لا ترقى للفعل الحسن والسلوك القويم والسليم.

***

د. أكرم عثمان - مستشار ومدرب في التنمية البشرية

2024

................................

[1] https://www.islamweb.net/ar/fatwa/39817

[2] https://islamonline.net

[3] https://www.islamweb.net/ar/library/index.php?page=bookcontents&idfrom=2218

[4] https://www.islamweb.net/ar/fatwa/132835

[5] https://islamonline.net

[6] https://www.alshareyah.com

[7] رواه البخاري ومسلم

[8] https://www.alukah.net/sharia/0/158187/

[9] رواه أحمد

[10] https://www.alshareyah.com

[11] http://www.quran-radio.com/?page=details&newsID=1379&cat=184

[12] رواه أحمد

نفتتح القول بدرة من درر الفيلسوف الرازي طاب ثراه.  يقول:

"القول بترجيح النقل على العقل محال لأن العقل أصل النقل، فلو كذبنا العقل لكنا كذبنا أصل النقل، ومتى كذبنا أصل النقل فقد كذبنا النقل. فتصحيح النقل بتكذيب العقل يستلزم تكذيب النقل فعلمنا أنه لابد من ترجيح العقل.

(فخر الدين الرازي).

لنبدأ بمقولة محمد أراكون:

"لكي تتحرر من شيء ما ينبغي أن تكشف عن أصله أو جذره الأول-أي كيف تشكل وانبنى لأول مرة- ومن المعلوم إن الشيء يخفي أصله بكل الوسائل وذلك لكي يقدم نفسه بشكل طبيعي بدهي لا يقبل النقاش، ثم لكي يقدم نفسه وكأنه كان دائما موجودا هكذا، وسوف يظل موجودا إلى الأبد. بمعنى آخر فإنه يفعل كل شيء لكي يغطي على لحظة انبثاقه التاريخي، لكي يخفي تاريخيته. هذا ما تفعله كافة العقائد والتصورات الدوغمائية في جميع الأديان”1.

يعتبر الغلو أخطر شكل من أشكال الإعاقة المعرفية وهو الأساس الأول للتحارب الطائفي وعلى المستوى الثقافي هو صراع العقل مع اللامعقول في تجلياته الأسطورية ومنهجه الخرافي.

والغلو تعريفا هو: إلباس البشر ثوب الإله وجعله مقدسا بإشراكه في خصوصية التكوين الإلهي.

وبهذا يكون الغلو خيال وتوهم أسطوري بامتياز.

وهذه الأسطرة تثير الارتباك والاضطراب فهي خلل منهجي يجعل العقل عاجزا عن الربط المنطقي بين واقع الشخصية وبين حقيقتها المحجوبة بالأسطرة فيعزل العقل عن سياقه التطوري الطبيعي ونمط صيرورته المتجددة فيحوله إلى عقل مأزوم سيتمخض في نهاية المطاف عن هوامش تخيلية سخيفة مرتبكة لا رابط عقلاني لها تتشوه بنيتها الإدراكية عبر استلابات إيديولوجية تعادي كل معرفة عقلية.

والغلو بالأصل رد فعل لا عقلاني من مجتمع مهزوم خسر الزعامة والحكم.

هو واقعة اجتماعية مشفوعة بالأضطهاد السياسي لمواجهة الحاكم الظالم المنتصر لكنه رد فعل وهمي هدفه تعويض الهزيمة على أرض الواقع.

وسايكولوجيا يوفر استقرار نفسي كتعويض لخسارة لا يمكن تعويضها واقعيا.

ثم يخرج أصحاب المصلحة لإدامة هذا الواقع واستغلاله لصالحهم عندها تبدأ مسيرة استحمار الطائفة وأصحاب المصلحة هم رجال الدين المنتفعين ونسميهم تجار الدين وهؤلاء مصلحتهم تأجيج الحراب الطائفي ليبقوا سادة الناس من كل الطوائف.

التشيع المبكر ومسيرة التمايز:

استغرقت عملية تمايز العقيدة الشيعية عن جسد التيار الإسلامي العام مدة غير قصيرة من الزمن تعرض خلالها الشيعة عبر سلسلة من المحن لنوع من الانتخاب الطبيعي الذي تمخض في نهاية الأمر عن ثلاث فرق رئسية هي بترتيب حجمها الراهن:

1- الإمامية الأثنى عشرية.

2- الإسماعيلية.

3- الزيدية.

وعلى خلاف الخوارج الذين كان انسلاخهم منذ اللحظة الأولى مزامناً لتبلورهم المذهبي- بمعنى أن الزمن لم يضف كثيراً إلى أصول المذهب الخارجي- كانت المذاهب الشيعية تتبلور تدريجيا مع حركة التأريخ وتطور الحوادث السياسية في عملية جدل تاريخية مؤطرة بالدماء والفجيعة. وفي هذا دلالة واضحة على أن المبادىء النظرية للتشيع لم تطرح في نسقها النهائي المعروف قبل التداعيات اللاحقة لواقعة كربلاء الدامية. الحدث الأعظم في تاريخ الإسلام والمسلمين.

هذه المبادىء النظرية ليست أولية في نسيج النص الأول الخالص وإلا لكانت عبرت عن نفسها قبل هذا التاريخ وهو ما يعود بنا لإستحضار دور التشكل الأول للسلطة السياسية (الخلافة) على وجه الخصوص في صياغة الإسلام كما هو بين أيدي الناس اليوم.

في يوم وفاة النبي كان شيعة الإمام علي-أنصاره- أفرادًا معدودين أي "جماعة خاصة" ولم يكن لها أسس سياسية أو مذهبية خاصة تجعلها حزبا سياسيا أو عقيدة دينية أو نحلة خاصة تتميز عن باقي المسلمين. كان الجميع بمن فيهم الإمام علي منخرطا في مسار نظام الخلافة القائمة وظل نشاطهم داخل الدائرة الواسعة هي دائرة المسلمين. وهي الدائرة التي حرص الإمام علي على البقاء داخلها ورفض وجود ميزة سياسية أو دينية تميزه عن باقي الناس حيث كان محور نشاطه بعد خسارة الخلافة هو:

"لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين وإن يكن فيها جور علي خاصة"2.

وبعد مدة قصيرة بايع أبا بكر ثم عمر ثم عثمان إلى أن أصبح خليفة بعد مقتل عثمان.

مما لا ينكر أن سابقة الإمام علي في الإسلام  وقربه من الرسول ورصيده التاريخي في الجهاد ضد مشركي قريش أوجد مريدين له متأثرين بشخصيته لكن هذا التأثير لم يتطور ليتخذ شكل مذهب واضح المعالم والتكوين والخطاب أو يتخذ مفهوما إماميا بالمعنى العقائدي والديني الذي اصطبغ به في فترات تاريخية متأخرة.

ولو راجعنا أسماء الذين التفوا حول الإمام علي في فترة البيعة لوجدنا أنهم لم يكونوا شيعة بالمعنى العقائدي أي شيعة يؤمنون بإمامة إلهيه منصوبة معصومة منصوص عليها بل كان لكل واحد منهم حساباته وتقديراته الخاصة بحيث يمكن القول إن الجامع للبعض وخاصة فقراء الصحابة هو الموقف الطبقي من أرستقراطية قريش وللبعض الآخر الاعتبار العائلي والعشائري لا الموالاة القائمة على أساس المشروع السياسي.

ومن الذين التفوا حول الإمام علي واعتبروا من شيعته طلحة والزبير ثم خرجا عليه لاحقا مع عائشة وجرت بينه وبينهما معركة الجمل. فالزبير أنضم إلى الإمام علي حمية بحكم الإنتماء العائلي إذ عده من بني هاشم أما طلحة فله حساباته الشخصية ضد أبا بكر وعمر .

هذا الالتفاف حول الإمام سرعان ما تحول إلى صراع مرير ضد الإمام في وقت لاحق.

أما الأنصار فانضمامهم إلى الإمام علي لم يكن لدواع عقيدية فهم بالأمس بادروا إلى البيعة لسعد بن عبادة وبعدما أقصوا عنها أخذوا يطالبون بالإمام علي لا بصفته معصوما منصوصا عليه بل بصفته الخيار الأفضل أو الأقل ضررا بالنسبة إليهم .كما أن الأنصار لم يكونوا في الصراعات السياسية صفا واحدا فمنهم من حارب مع الإمام ومنهم من حارب مع معاوية في معركة صفين ولا يمكن اعتبارهم كتلة تضامنية واحدة بل أخذت صفة الأنصار تضمحل وتذوب وتقتصر قيمتها على رمزيتها لا على فعاليتها السياسية.

وشدة الخلاف في السقيفة لا تحتاج إلى ذكر وسنكتفي بخبر واحد رواه الطبري قال: "ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد- أي مبايعة أبي بكر  وبشير من الخزرج - وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن خضير -وكان أحد النقباء- والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لازالت لهم عليكم بها الفضيلة ولم يجعلوا لكم معهم فيها نصيبا فقوموا فبايعوا أبا بكر .

فقاموا إليه فبايعوه، فأكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ماكانوا أجمعو له من أمرهم"3.

وحتى فقراء الصحابة من المؤمنين الذين عرف عنهم تدينهم اللافت وانجذابهم إلى الإمام علي وتحلقهم حوله منذ زمن النبي وكانوا يشكلون ما يمكن تسميتهم "أنصار علي" من أمثال أبي ذر وسلمان والمقداد. فهؤلاء أيضا اعترفوا بالسلطة القائمة رغم قولهم بأولوية الإمام علي في السلطة وانصاعوا لأوامرها وتسلم بعضهم مناصب عدة فيها مثل تولية عمار الكوفة في زمن عمر وتولية سلمان الفارسي المدائن أي خضعوا بالكامل لأمرة هذه السلطة وصاروا جزءا من تاريخها وتكوينها.

معنى كلمة شيعة؟

حدود التسمية:

أما كلمة شيعة فترد في خلافة عثمان إلى نهاية خلافة الإمام علي بمعناها القاموسي فيقال: 'الكوفة شيعة لعلي والبصرة شيعة لعثمان'. وفي كربلاء بعد عشرين سنة من الخلافة الأموية كان الإمام الحسين(ع) يخاطب جيش الكوفة:

"يا شيعة آل أبي سفيان" ويصعب تعيين الزمن الذي أستقر فيه الاسم علماً على الفرقة. وهناك تداخل تزميني بينه وبين ظهور اسم القدرية بحيث يصعب الجزم إن كانت هي أم الشيعة الفرقة الثانية بعد الخوارج إذ ترجع أوليات القدرية إلى زمن معاوية وكان مؤسسوها الأوائل من التابعين الذين اتصلوا بعصر الصحابة.

حين أشاع معاوية بذور العقيدة الجبرية في خطبته الشهيرة بصفين والتي قال فيها: "الحمد لله الذي دنا في علوه، وعلا في دنوه، وظهر وبطن، وارتفع فوق كل ذي منظر، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، يقضي فيفصل، ويقدر فيغفر، ويفعل ما يشاء، إذا أراد أمرًا أمضاه، وإذا عزم على شيء قضاه، لا يؤامر أحدًا فيما يملك، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والحمد لله رب العالمين على ما أحببنا وكرهنا".

وقد كان فيما قضاه الله أن ساقتنا المقادير إلى هذه البقعة من الأرض، ولفت بيننا وبين أهل العراق، فنحن من الله بمنظر، وقد قال سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} انظروا يأهل الشأم، إنكم غدًا تلقون أهل العراق، فكونوا على إحدى ثلاث خصال: إما أن تكونوا طلبتم ماعند الله في قتال قوم بغوا عليكم، فأقبلوا من بلادهم حتى نزلوا في بيضتكم وإما أن تكونوا قومًا تطلبون بدم خليفتكم وصهر نبيكم، وإما أن تكونوا قومًا تذبون عن نسائكم وأبنائكم، فعليكم بتقوى الله والصبر الجميل، واسألوا الله لنا ولكم النصر، وأن يفتح بيننا وبين قومنا بالحق، وهو خير الفاتحين".

"شرح ابن أبي الحديد ج11 ص497".

لقد أراد هو وأتباعه إشاعة أن ما يفعلونه لا ناقة لهم فيه ولا جمل وإنما بإرادة مسبقة من الله.

ولمواجهة هذا الخط ظهرت فئة من المتكلمين وعلى رأسهم غيلان الدمشقي الذي قال بقدرة الإنسان على خلقه أفعاله وكانت حجتهم قرآنية وعقلية في ذات الوقت فمن الناحية القرآنية يؤكد القرآن بأن الثواب والعقاب قانونه: (بما كنتم تعملون).

ومن الناحية العقلية (كيف يعذب الله عز وجل الإنسان على فعل لا قدرة له على خلقه) وإنما كتبه الله عليه؟

سميت هذه الفئة التي تدافع عن قدرة الإنسان على خلق أفعاله بالقدرية وهم أسلاف المعتزلة.

وتفيد وثيقة التحكيم في صفين اقتران اسم شيعة الإمام علي وشيعة معاوية: (هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتيهما فيما تراضيا عليه من الحكم).

الظاهر من جمع شيعة علي وشيعة معاوية في نص واحد والتسوية بينهما وجود تماثل في التكوين الداخلي لكل من الطرفين المتقابلين وتشابه في طبيعة الرابطة بين التابع والمتبوع أو الناصر والمنصور . فلم يكن التشيع مصحوبا بإيديولوجية خاصة تفرض عصبية متماسكة ولم يكن التشيع حينذاك بمثابة هوية أو فرقة ذات تكوين ورابط متميز. بل يمكن القول إن التشيع كان عبارة عن موالات سياسية مرنة تجعل الإنتقال من طرف إلى الطرف المضاد في غاية السهولة مثلما حصل مع زياد ابن أبيه.

يذكر الصفدي في "الوافي بالوفيات" إن زياد ابن أبيه كان (أولا من شيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان عامله على فارس، ثم إنه بعد موت علي صالح معاوية، وادعاه وصار من شيعته، واشتد على شيعة علي، وهو الذي أشار على معاوية بقتل حجر بن عدي وأصحابه، وأغلظ للحسن بن علي رضي الله عنهما في كتاب كتبه له)4.

حيث يستنتج من النص أن تشيع زياد للإمام علي يماثل تشيعه لمعاوية لاحقا ما يعني أن التشيع للإمام كان عبارة عن شكل من أشكال الولاء السياسي لا أكثر.

كذلك الذي حصل في معسكر الإمام علي قبل التحكيم وبعده وانشقاق الخوارج يوحي بأن المشايعة والتشيع حينذاك كان مناصرة مرنة وهلامية تتمحور حول نصرة الإمام علي من دون أن تتحول إلى عقيدة أو مذهب.

إذن غياب المضمون العقائدي عن التشيع المبكر  يعني بكل وضوح غياب الفهم المخصوص لشخص الإمام علي بجعله صاحب مواصفات وقدرات خارقة وحالة ذهنية ودينية ذات ميزة إعجازية كما صار لاحقا.

ومن خلال هذا الفهم تكون العصمة-التي أضيفت للإمام علي وأولاده- فيما بعد فكرة غير واردة على الإطلاق وغير متداولة بالتأكيد يكشف عن هذا الجدل الدائم في صفوف أتباعه وفرض البعض رأيهم عليه وانقلاب البعض الآخر وتمردهم عليه عسكريا.

ولا أظن إن تفسير ذلك -كما يدعي الشيعة اليوم- بخبث النيات وسوء الأدب في التعامل مع مقام الإمامة كافي في الفهم والتحليل.

والصحيح والواقعي أن الناس تعاملوا مع شخصية الإمام علي بصيغة بشرية عادية لا تملك صفات استثنائية أكثر مما تحتمله أو تتوقعه العادة في شخص آخر .

وهذا دليل من كتاب الإمام علي إلى عامله: "ومن كتاب له عليه السلام إلى المنذر بن الجارود العبدي وقد خان في بعض ما ولاه من أعماله أما بعد فإن صلاح أبيك (غرني) منك، و(ظننت) أنك تتبع هديه وتسلك سبيله فإذا أنت فيما رقي إلي عنك لا تدع لهواك انقيادا، ولا تبقي لآخرتك عتادا تعمر دنياك بخراب آخرتك وتصل عشيرتك بقطيعة دينك. ولئن كان ما بلغني عنك حقا لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك. ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسد به ثغر أو ينفذ به أمر أو يعلى له قدر أو يشرك في أمانة)5.

تأمل كلمة (غرني) و(ظننت) فمثل هذه الكلمات لا ينطق بها معصوم قط.

وهذه هي الحقيقة فالغلو في الإمام علي وأبنائه تولد في سياقات سياسية أخرى وجاء استجابة ورد فعل لاحق على فهم غيبي جديد تحت ضغط واضطهاد السلطتان الأموية والعباسية.

هذا كله يبين أن الروايات مهما بلغ عددها التي تتحدث عن تشيع ذي خصائص عقائدية ومنظومة فهم ديني مكتمل العناصر والرؤى منذ زمن النبي هي روايات جاءت لتلبي ذهنية وحاجة زمن الراوي الذي جاء بعد زمن الإمام علي بفترة طويلة أي هي حاكية عن زمان الراوي لا زمن مضمون الخبر أو كما يسميه الشيخ ميثاق العسر "أدلة ما بعد الوقوع".

وإيصال مضمون هذه الروايات إلى النبي وأقواله هي ممارسة مألوفة ومعروفة لدى أكثر المذاهب الإسلامية التي تعمد بعد اكتمال منظومتها الفقهية إلى تسويغها بمفعول رجعي من أقوال النبي والأحداث التأسيسية الأولى في الإسلام لإكسابها شرعية مقدسة. وهكذا فعل الشيعة في رواياتهم وهي روايات عمدت إلى التغطية على معطى التشيع التاريخي وفضاء نشؤته وتطوره الخاص ليتم سلخه عن التاريخ وسلخ التاريخ عنه وإظهاره أمرا منجزا ومكتملا منذ بداية الدعوة الدينية الإسلامية.

في حين أن التشيع في تشكلاته اللاحقة ليس سوى منتج تاريخي اتخذ توصيفات ووضعيات مختلفة متفاوته وأنه لم يكن في زمن الإمام علي أكثر من ميل سياسي اتسم بهشاشة وتقلب لافتين داخل معسكره ولم يأخذ صورة موحدة في التاريخ بل كان محل صراع وتنافس بين تياراته المتعددة حتى زمن الإمام محمد الباقر الذي أرسى عقائد الإمامة في النص والعصمة والنسب وأسس أصولا وفقها وحديثا.

الأمر الذي ستكتمل بنيته المذهبية مع الإمام الصادق ويأخذ أسم المذهب الجعفري. أي مذهب الإمام جعفر الصادق.  

حين نصل إلى هذا الفهم العقلاني للتشيع نستطيع تفهم الآخر المختلف حينها فقط يبدأ حوار البحث عن مشتركات العقيدة وأسس الأتفاق لتجاوز الخلاف.

***

سليم جواج الفهد

........................

1- محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم. ترجمة: هاشم صالح. دار الطليعة.بيروت، 2009.ط4. ص280.

2- نهج البلاغة ،دار الذخائر ،قم،ج1،ص 116.

3- تاريخ الأمم والملوك بيروت، دار الكتب العلمية،1997،ج2، ص243.

4-الصفدي ،الوافي بالوفيات ،دار إحياء التراث /بيروت، ج 15، ص8.

5- خطب الإمام علي (ع) - ج3 - ص132.

أولا: بين الهوى والتسويل طريق طويل

إن النفس الإنسانية بمواصفاتها المتناقضة وظيفيا قد تجمع، كما نعتها القرآن الكريم، بين الأمر بالسوء من جهة وبين الجهل بذاتها وعواقب سلوكياتها، وبهذا فتبقى دائما هي المستحث للإنسان الواعي على أنماط من السلوك قد لا تكون في صالحها، في حين قد تتأرجح ما بين مفهوم الهوى والتسويل، إلا أن الهوى قد يكون دائما قبل التسويل، الذي يعني استحثاثا ذاتيا وملحا، لأن هذا الأخير من نتائج الأول ويمثل الامتداد التطبيقي للموقف الأهوائي.

ومن نموذجه ومعناه نجد في قول الله تعالى:"وجاءوا على قميصه بدم كذب، قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا. فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون "[1]، "فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي"[2].

إذ الملاحظ في هاتين الآيتين أن "التسويل" قد يأتي مباشرة بعده تطبيق الموقف أو النية المبيتة، وكأنه –التسويل- فكرة متحركة ضاغطة. والتطبيق عمل متحرك، بينما السابق هو فكرة ساكنة، قد أخذت مكانها واستوطنت في أعماق الإنسان، سيحددها مستوى تأمر النفس وميلها إلى السوء، عبر عنها القرآن مرة بالهوى ومرة بالزيغ ومرة باتباع الظن، وهذه كلها صور للنفس الأمارة بالسوء والتي قد لا تستطيع أن تميز بين الفكرة وأبعادها ونتائجها، نظرا لتلبسها المادي وانطوائيتها الذاتية.

فنجد من بين هذه الأوصاف في قول الله تعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأوليه " وقوله تعالى:"وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا، إن الله عليم بما يفعلون"[3]و"ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون "[4] و"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا"[5].

وفي نفس السياق نجد قول الرسول صلى الله عليه وسلم يحدد لنا الميل النفسي في ميدان الشهوات والتي هي ذات عواقب مهلكات، غير أن المستسلمين للتأمر النفسي قد لا يدركون خطورتها سواء كانت الشهوة معنوية أو مادية.

فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره" [6].

وهذا من بديع جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشق عليها" [7].

وهذا الميل الشهوي الطاغي على النفس الإنسانية قد يحجبها عن الاستبصار بالعواقب المترتبة عن الاندفاع في تحقيقه، و يتم على مستوى تغير النظرة والتقييم الموضوعي للأشياء، لأن الذات قد تحتجب عن العواقب حين استغراقها في إشباع ذاتها من الجانب الشهوي، و لا يتم هذا بلغة الشهوة واندفاعاتها وإنما بواسطة العنصر الواعي في الإنسان، ولكن من حيث هو مراقب للوظيفة الجسدية أو النفسية الشهوية.

من هنا فقد تصير الأحكام لديه مناقضة لما يقتضيه وعيه من حيث الرؤية السليمة للوظيفة الجسدية والنفسية وأبعادها.

وقد دل على مثل هذا التحول النفسي في إصدار الأحكام قوله تعالى:" أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون "[8]، "بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسأل أيان يوم القيامة "[9].

"والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما "[10].

ثانيا: النفس من عارض الشهوة إلى عارض الشبهة

إذ أن عارض الشهوة قد ورث عارض الشبهة، ومن ثم تخلى العنصر الواعي في الإنسان عن الموقف الصحيح وأصبح فيما بعد سجين الذات والملذات: "وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد"[11].

وقد دل على هذا الاندفاع الشهوي المضاد للمصلحة الذاتية رغم وجود الوعي والإدراك ما ورد في الحديث: عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه بكى، فقيل له ما يبكيك، قال شيء سمعته من رسول الله فأبكاني.سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية!. قلت يا رسول الله: أتشرك أمتك من بعدك ؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا، ولكن يراؤون بأعمالهم" والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه "[12].

عند هذا الضعف النفسي المترتب عن الاندفاع الغريزي ستصبح التصرفات لدى الإنسان غير مضبوطة، سواء على المستوى العقدي أو الجسدي أو المالي وما إلى ذلك، بسبب الاحتجاب وضبابية الرؤية لدى الشخص الواعي، لغاية أنه قد يصبح الشخص البالغ سن الرشد في حكم الطفل الصغير الفاقد لكمال التمييز، وهذا ما يعرف بالسفه .

والسفه إما أن يكون ذاتيا وإما أن يكون مؤججه عاملا خارجيا متمثلا في تغرير شيطاني غير مرئي، لغته من جنس حديث النفس .

ففيما يخص السفه النفسي نجد عدة صور تحدده إما على المستوى العقدي وإما على المستوى السلوكي أو هما معا، كما أن السفه قد يأخذ طابعا مرضيا وآخر عرضيا يزول بزوال أعراضه. وأسوأ هذه الأنواع من السفه هي ذات الطابع العقدي المرضي.إذ أن الانصراف عن العقيدة الصحيحة والتخلي عن اتباعها مقابل اتباع أهواء ذاتية هو مرض نفسي بالدرجة الأولى، شأنه شأن الأمراض التي تطرأ على الإنسان في تصرفاته المالية والمادية بصفة عامة.

غير أن السفه العقدي أخطر وأسوأ، لأن العقيدة كنز ثمين وثروة تمثل عصب الحياة الباقية.ولهذا فلا ينبغي تبذيرها أو إهدارها بالاستغناء عنها والجري وراء السراب القاتل، ومن هنا سيستحق صاحب هذا الإجراء صفة السفه، لماله من دلالة على ضعف التمييز وخلل النفس الإنسانية في تفضيلها الأدنى على الأولى والأعلى.

وهذا المعنى يمكننا استلهامه من قول الله تعالى:"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه، ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين"[13]، "سيقول السفهاء من الناس ما ولا هم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم"[14].

فالسفه العقدي -كما قلنا- أسوأ من السفه المالي والسلوكي بصفة عامة، وذلك لأن الاعتماد العقدي أساس الانضباط المالي وتقنين التصرف فيه. إذ أن السفه المالي مستدرك أما السفه العقدي فهو صعب الاستدراك لأنه غير قابل للتناول أو الحجز والتحجير، ولهذا فحيثما وجد سفه عقدي إلا وكان تابعه سفه مالي واقتصادي وسلوكي عام كنتيجة حتمية.

لكنه قد يوجد سفه مالي وقضائي إجرائي ولا يوجد سفه عقدي، وعند وجود السفه المالي سيكون الاستدراك عمليا ممكنا، وذلك عن طريق الترشيد والاختبار والتربية والتعضيد، قد يصبح السفيه معه فيما بعد شخصا كامل الأهلية، يمكنه التصرف في ماله بكل حرية واختيار، ويمكنه أن يصبح قابلا للتقاضي والشهادة، وبهذا سيصبح السفه غير ذي أثر على توازن المجتمع واستقراره المالي والقضائي.

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

المملكة المغربية

....................

[1] سورة يوسف آية 18

[2] سورة آل عمران آية 7

[3] سورة يونس آية 36

[4] سورة الحجر آية 14-15

[5] سورة مريم آية 59

[6] رواه البخاري، باب حجبت النار بالشهوات

[7] العسقلاني:فتح الباري شرح صحيح البخاري ج10 ص 388

[8] سورة فاطر آية 8

[9] سورة القيامة آية 5-6

[10] سورة النساء آية 27

[11] سورة البقرة آية 204

[12] أخرجه أحمد وابن ماجه

[13] سورة البقرة آية 130

[14] سورة البقرة آية 142

 

(بعد أن كافح الإنسان في الماضي كي لا يتحوّل إلى عبد، عليه أن يناضل كي لا يتحوّل إلى آلة…)... إيريك فروم

1- مقدّمة: إذ كان التشيّؤ صنو الاغتراب، فإنّ البحث في التشيّؤ لا يكون إلّا منهجاً في استكشاف الاغتراب الإنسانيّ في أقصى حالاته واستجواب معانيه في أعلى مستوياته. وإذا كان الاغتراب يشكّل البعد الفلسفيّ للتشيّؤ، فإنّ التشيّؤ يشكّل البعد المادّيّ المشخّص للاغتراب. وقد يكون التشيّؤ المؤشّر الأوّل للاغتراب، ولكنّه في النهاية يشي بعمقه، ويشكّل تمامه وكماله، ونعني بذلك أنّ التشيّؤ الكامل هو الظاهرة الكلّيّة للاغتراب في أكثر مظاهرة شموليّة وانبثاقاً. فلا يكون اغتراباً من غير تشيّؤ، ومن الاستحالة بمكان أن يكون التشيّؤ من غير الدلالة على الاغتراب؛ لأنّه يشكّل شرط الاغتراب وتجسيداً له. ومن الأمور الّتي يجب ألّا تغيب عن البال بأنّ الاغتراب والتشيّؤ مفهومان متداخلان في المعنى متشابكان في الدلالة، ومع ذلك فإنّ من يتأمّل بعمق قد يأنس طيفاً من الاختلاف. ومع أنّ ماركس سيّد المفهومين قد جمع بينهما وصهرهما في بوتقة واحدة، إلّا أنّ نفراً من المفكّرين قد عكفوا على استخدام مفهم التشيّؤ بوصفه أكثر قدرة على تجسيد مفهوم الاغتراب وتوظيفه في فهم أعمق لوضعيّة الهزائم الحضاريّة في وضعيّة الإنسانيّة المعاصرة، وربّما قد وجدوا في مفهوم التشيّؤ قدرة على الاستبصار الواقعيّ تجنّباً للوقوع في المطبّات الغامضة والمسالك الصعبة للاغتراب. فالاغتراب يحمل طابعاً فلسفيّاً محضاً، ويأتي التشيّؤ ليعبّر عنه بطريقة أكثر حسّيّة وتجسيداً. ومهما يكن الأمر، فإنّنا في هذا المساق ننحو إلى الإضاءة على مفهوم التشيّؤ مقارنة بالاغتراب واستكمالاً لمعناه ودلالته. وهو مهما يكن، فإنّ التشيّؤ يشكّل صيغة لازمة من الاغتراب نراها في توجّهات بعض المفكّرين الّذين أبدعوا في تناوله وتحليله والكشف عن أبعاده بطريقة سوسيولوجيّة بارعة في القدرة على البحث والاستكشاف. ويشار في هذا الصدد إلى نخبة من المفكّرين الّذي وظّفوه واستخدموه أمثال ماركس وماركوز وفروم ولوكاش وهونيث وهم الّذين بحثوا في متاهاته، واستكشفوا في أبعاده، ووظّفوه توظيفاً سوسيولوجيّاً خلّاقاً في الكشف عن مآزق العصر الصناعيّ الرأسماليّ ومستويات تشيؤه واغترابه.

وإذا كان التشاكل في مفهوم التشيؤ يأخذ مداه ثقيلا فإننا سنعمل في هذه المقالة على رصد المفهوم واستجلاء معالمه وتحديد سماته وإبراز معانيه واستكشاف دلالته كشفاً عن حضوره تجلّياته في فضاءات الزمن الرأسماليّ الليبرالي الحديد الّذي ينحو إلى أن يكون زمناً مادّيّاً زومبيا تغيب فيه الروح، وتفيض فيه قيم والربح والشهوة والتسلّط. إنّه زمن اللامتناهيات في السقوط الأخلاقيّ والانحدار القيميّ؛ إذ تحوّلت فيه كلّ الكائنات الحيّة والمادّيّة إلى سلع، بل إلى تجارة، ومن ثمّ إلى مادّة للتصنيع والاستهلاك. إنّه الزمن الّذي تحاك فيه الأشياء في دورة التصنيع والإنتاج، وكلّ شيء يدور فيه حول قيم الريح والاستهلاك، وكلّ شيء فيه يخضع لدورة السوق وقوانين العرض والطبّ: جسد الإنسان وروحه، ولا يبقى هناك شيء بعد ذلك لا يخضع لدورة السلع والأشياء: كلّ شيء يباع، تجارة البشر، تجارة الأعضاء، تجارة الجنس، الحبّ تجارة، والصداقة صناعة، وفيه تجارة الأدب والفنّ والأخلاق، حتّى الدين أصبح تجارة ونخّاسة. وهذا هو الزمن الّذي تبشّر فيه الرأسماليّة بزوال الإنسان وتشكيل الإنسان الآليّ "الروبوت"، الإنسان الزومبيّ (Zombie) (الموتى الأحياء) (1)، الإنسان الجسد الّذي يتحرّك من غير روح، الإنسان البيونيّ الّذي تحوّل إلى كيان من الأسلاك والأجهزة والسيليكون ومثال ذلك المرأة السليكون. وفوق ذلك كلّه أصبحنا نتحدّث اليوم عن الإنسان السبورغ الإنسان الّذي تحوّل بجسده إلى كائن خارق، أو لنتحدّث عن الإنسان الآليّ. والمذهل في حركة الحضارة الصناعيّة والذكاء الاصطناعيّ أنّ الحضارة المادّيّة تسعى إلى إضفاء الطابع الإنسانيّ على الروبوتات بينما تجرّد الإنسان الحيّ من الروح والمعنى والدلالة، وتحوّل إلى كائن زومبي هشّ تستطيع أن تدمّره بعصاك لأنّه كائن بلا روح ولا معنى أو دلالة.3719 زومبي

2- مفهوم التشيّؤ:

يعدّ مصطلح "التشيؤ" ترجمة عربيّة للكلمة الإنكليزيّة (Reification) يقابلها في الألمانيّة كلمة (Verdinglichung) وفي الفرنسيّة كلمة (Réification)، وتشير هذه الكلمة إلى تحوّل العلاقات بين البشر إلى ما يشبه العلاقات بين الأشياء، وحـينما يتشيّأ الإنسـان، فإنّه سـينظر إلى مجتـمعه وتاريـخه باعتبارهما قوى غريبة عنه، تشبه قوى الطبيعة الفيزيائيّة الّتي تفرض عليه كقوّة خارجيّة تسيّره وتحدّد له أقداره ومصيره، وعلى هذه الصورة يأخذ الإنسان المتشيّيء صورة الإنسان المنفعل بقدر خارجيّ كقشّة في مهبّ الريح لا حول له ولا قوّة. ويتمثّل التشيّؤ في عمليّة تحوّل الإنسان إلى شيء جامد صلب يتحرّك بتأثير الجاذبيّة في الأشياء المحيطة به كالوزن والضغط والجاذبيّة والسقوط والانحدار، وهو في كلّ الأحوال يفقد معناه ودلالته الإنسانيّة، وتتسطّح أحلامه الّتي تدور في عالم الأشياء. والإنسان المتشيّئ حسب ماركوز هو الإنسان ذو البعد الواحد الّذي يستطيع التفاعل مع الأشياء بكفاءة عالية وفق خلال نماذج اختزاليّة بسيطة، ولكنّه بالمقابل يخفق في التعامل مع الناس والآخرين على نحو إنسانيّ.

والتشيّؤ عموماً في أبسط معانيه العمليّة الّتي يتحوّل فيها ما ليس بشيء ليصبح شيئاً، وهذا يعني أنّ الكائن الإنسانيّ الّذي يحمل في ذاته صفات إنسانيّة روحيّة حيّة قد يتحوّل في معادلة التشيّؤ إلى كائن متحجّر متصلّب يتّسم بذات السمات والصفات الّتي تنطبق على الأشياء والموجودات الفيزيائيّة الصلبة، وهذا التشيّؤ يؤدّي إلى إحداث تغيير عميق في جوهر الإنسان وفي طبيعته الإنسانيّة، وعلى هذه الصورة يفقد الإنسان المتشيّيء صورته الإنسانيّة، ويغدوا جماداً ينتمي إلى عالم الأشياء.

يمكن تعريف التشيّؤ (Reification) في أبسط مستويات التعريف بأنّ تحوّل العلاقات بين البشر إلى ما يشبه العلاقات بين الأشياء ومعاملة الناس باعتبارهم أشياء صلبة، وهذا يعني أنّ الإنسان يفقد جوهره الإنسانيّ، ويتحوّل إلى حالة من الجمود والتصلّب الفيزيائيّ جسد بلا روح أو قلب أو عواطف أو مشاعر. وعلى هذا المنوال يعني التشيّؤ تحوّل الناس إلى كائنات شبيهة بالأشياء، لا تتصرّف بطريقة إنسانيّة، بل وفقاً للقوانين الّتي تسود في عالم الفيزياء والأشياء. ويمكن وصف التشيّؤ بأنّه الحالة الّتي يتحوّل فيها الإنسان إلى شيء " ليس له أيّ دور في تأكيد ذاته الإنسانيّة بعد أن استلبت منه قدراته العقليّة وإرادته، وأصبح في حالة صنميّة أو سلعيّة، أو تحوّل إلى ذرة اجتماعيّة ليس لها لون أو طعم أو رائحة" (2). والتشيّؤ مصطلح صكّه الناقد المجريّ الماركسيّ جورج لوكاتش مستلهماً المفهوم الماركسيّ عن صنميّة السلعة، وهو يرمز إلى الحالة الّتي يجمّد فيها الناس أشياء، ويتصلّبون في وجودهم على أوهام العلاقات الصلبة الجامدة الّتي تقوم بين الأشياء.

ومن أبلغ ما يمكن أن يوصف به التشيّؤ الإنسانيّ هو الوصف الّذي يقدّمه ستيفن إريك برونر الّذي يعرف التشيّؤ الإنسانيّ بأنّه الوضعيّة الّتي " ترى فيها حرفيّين، لكنّك لا ترى أناساً حقيقيّين؛ ترى مفكّرين لكنّك لا ترى بشراً؛ قساوسة لكن ليسوا ببشر؛ أسياداً وعبيداً شباباً وأصحاب أملاك، لكن ليسوا ببشر. إنّه عالم أشبه بأرض المعركة الّتي تجد فيها أيادياً وأذرعاً وأطرافاً على صورة تكتّل تتناثر أجزاؤه بعضها إلى جانب بعض، بينما تسري الدماء المراقة منها في الرمال؟!". (3).

ومن أجل تحديد مفهوم التشيّؤ الإنسانيّ تحدّد الكاتبة الأمريكيّة مارثا نوسباوم (Martha Nussbaum) سبعة مؤشّرات يستدلّ فيها على أنّ الإنسان أصبح مشيّأ: (4)

1 - الأداتيّة: معاملة الشخص كأداة، وليس إنساناً له هويّته.

2- العبوديّة: الشخص هنا لا يتمتّع بسمة الاستقلال أو تقرير المصير.

3- الاستضعاف: معاملة الشخص على أنّه عاجز وضعيف وغير قادر على إنجاز مهمّاته.

4- القابليّة للاستبدال – معاملة الشخص على أنّه قابل للتبديل مع أشياء (أخرى).

5- الملكيّة: معاملة الشخص كما لو أنّه يمكن امتلاكه أو شراؤه أو بيعه أو تبديله.

6- القابليّة للانتهاك: معاملة الشخص على أنّه كائن مستباح قابل للانتهاك كشيء يجوز تفكيكه أو تحطيمه أو اقتحامه.

7- إنكار الذاتيّة: معاملة الشخص بوصفه شيئاً مجرّداً من العواطف والمشاعر والتجارب وإهمال ما يمتلك عليه من مشاعر وعواطف وحسّ إنسانيّ. وترى الكاتبة أنّ الإنسان قد يتعرّض للتشيّؤ إذ انطبقت عليه إحدى هذه المؤشّرات أو بعضها.

وأضافت أستاذة الفلسفة في جامعة كامبريدج راي هيلين لانجتون (Rae Helen Langton) في كتابها في كتابها "الأنانيّة الجنسيّة" (Sexual Solipsism) ثلاث ميزات أخرى لقائمة مارثا نوسباوم: (5)

1- الاختزال الجسديّ: ويعني معاملة الشخص كأنّه مجرّد جسد أو أجزاء من جسد، وهذا يمثّل أقصى درجة من درجات الاستلاب، إذ لا ينظر إلى الشخص على أنّه كيان متكامل، بل بوصفه كياناً متشظّياً إلى أجزاء وكيانات بيولوجيّة يمكن استبدالها.

2- الاختزال في المظهر: معاملة الشخص أساسيّاً وفق المظهر الخارجيّ، أي معاملة الشخص في المقام الأوّل من حيث مظهره وفقاً للصورة الحسّيّة الّتي يبدو عليها.

3- صنميّة الكلام: ويعني أنّه ينظر إلى الشخص وكأنّه عاجز عن الكلام وملزماً بالصمت، ولا يملك القدرة على الكلام والتعبير أو حقّ التعبير على التحدّث والكلام.

هذا ويرمز التشيّؤ إلى الوضعيّة الّتي تضع الإنسان في مواجهة عاتية مع القوّة الضاربة للمجتمع الصناعيّ الأداتيّ، وهو في دائرة هذه المواجهة الصعبة تتحطّم أحلامه الإنسانيّة ويفقد ذاته وقيمته الأخلاقيّة. فالمجتمع الرأسماليّ المعاصر يضع الإنسان في دائرة التشيّؤ والاستلاب، ويقوم بتدمير منظّم للجوانب الذاتيّة والروحيّة في الإنسان، وفي هذه الدورة الاستلابيّة يُقْضَى على مختلف تجلّيات الخيال والفكر والحلم والإبداع والإحساس الجماليّ والأخلاقيّ عند الإنسان وهو الأمر الّذي يحوّله إلى أداة مشيئة مستلبة مغتربة.

ويحدث هذا التشيّؤ في المستوى الاجتماعيّ الأعمّ بتشويه الفنون الإبداعيّة للإنسان الّتي تتمثّل في التاريخ والأدب والفنّ والفلسفة الّتي تمثّل مختلف مظاهر الحياة الفنّيّة والجماليّة في حياة الإنسان المعاصر. ويتمّ هذا التشويه بتحويل هذه الفنون والآداب عن غاياتها الّتي تتمثّل مبدئيّاً إيقاظ الروح الخلّاقة للإنسان؛ ومن ثمّ توظّف ضدّ الإنسان تحت عنوان والآداب المشيئة الّتي تتحوّل ضدّ الإنسان؛ إذ تحوّل إلى أداة استلاب واغتراب. وهو الأمر الّذي يؤكّده كلّ من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما جدل التنوير إذ تحوّل الثقافة إلى أداة أيديولوجيّة تصبّ في خدمة النظام الرأسماليّ بدلاً من أن تكون أداة لإيقاظ الروح الإنسانيّة والارتقاء بالجوانب الذاتيّة والأخلاقيّة للإنسان. وعلى هذه الصورة وضمن هذه الوضعيّات الاجتماعيّة والثقافيّة يتحوّل الإنسان إلى عبد للآلة وأداة للربح ومادّة تطرح للاستهلاك في أسواق النخاسة الصناعيّة ضمن قانونيّات الربح والنشوة والإثارة والاستهلاك المرضيّ لمعطيات الإنتاج الصناعيّ السلعيّ.

وقد شكّلت هذه الوضعيّة الأساس الاغترابيّ الّذي جرّد الإنسان المعاصر من قيمته الإنسانيّة، ومعها تحوّلت الحياة إلى جحيم استلابي مفرغة من المعنى والجدوى، فاندفع إلى مهاوي الإدمان والهوس السوقيّ بالمخدّرات والجنس والجريمة، وهي المظاهر الّتي نشاهدها في أغلب المجتمعات الرأسماليّة المعاصرة الّتي تنطوي على كتلة متراصّة من الفعاليّات والظواهر والممارسات الّتي تدفع الإنسان إلى وضعيّة التقوقع والعزلة والانطواء، فتدمّر فيه مكامن الإبداع والانطلاق والشعور بالهويّة الإنسانيّة، إذ يجد الإنسان نفسه، وقد أصبح غريباً عن ذاته وعن الوسط الّذي يعيش فيه، وقد يصاب بالشلل الروحيّ كنتيجة طبيعيّة للتدمير المنظّم الّذي ينال من قدراته الإبداعيّة وتشويه مصادر اليقظة الإبداعيّة في المجتمع الرأسماليّ تحت مطارق الهيمنة الإعلاميّة الرأسماليّة والنموّ الهائل للبيروقراطيّة الّتي تقنن سلوك الإنسان، وتفكّك قدراته الإبداعيّة تحت تأثير العقل الأداتيّ المتوحّش بامتداده الفسيح وسلطانه المدمّر على العقل والروح والمشاعر، وهذا كلّه ينتهي بالإنسان الفرد إلى وضعيّات الشعور بالاستلاب والتشيّؤ والاغتراب، وهي الوضعيّة الّتي تجعله عاجزاً أمام المصير والظروف الّتي تقهر وجوده، وتفكّك كيانه الإنسانيّ. وهذا يعني في النهاية إنّ التشيّؤ ظاهرة اجتماعيّة يتحوّل فيها البشر إلى كائنات مشيئة تحرّكهم نمطيّة اغترابيّة تحمل في طيّاتها تأثير جبّار للقوى التكنولوجيّة والاقتصاديّة والأيديولوجيّة الّتي تتفاعل معاً في عمليّة إخضاع الإنسان وترويضه على أن يكون موضوعاً يخضع لقوانين التشيّؤ في المجتمع الرأسماليّ الجديد.

فالإنسان يتحوّل تحت ضغط المجتمع الصناعيّ الضخم إلى ترس في آلة الإنتاج الصناعيّ الضخم. وتتمثّل هذه الحالة في نمط الإنتاج الصناعيّ القائم على ما يسمّى بخطّ الإنتاج، إذ يقوم كلّ عامل بحركة جزئيّة روتينيّة واحدة ضمن آلاف الحركات الأخرى الّتي يقوم بها عمّال آخرون. وكلّ منهم يقوم بعمل منفصل عن الآخرين، ولا يعرف مآلات هذا العمل أو صورته الكلّيّة. وهذا يعني أنّ العامل يصبح جزءاً متناهياً الصغر في جهاز الإنتاج الهائل "المكوّن من عدّة عناصر، وهو جهاز يصعب فهمه أو الإحاطة بشبكته المعقّدة أو القوى الّتي تمسك بخيوطه وتحرّكه (6).3721 زومبي

ويشكّل الإيقاع الآليّ المنظّم للحياة في المجتمعات الرأسماليّة الحديثة أحد أهمّ العوامل الّتي تعكس روح التشيّؤ عند الإنسان المعاصر. إنّ إيقاع الحياة الحديثة يتّخذ صورة نمطيّة آليّة تفرض نفسها على سلوك الأفراد، وتنمط حياتهم ووجودهم على صورة هذا النمط الآليّ الّذي يجتاح تفكير الفرد وأنماط حضوره الذهنيّ في الحياة. فعلى سبيل المثال: إيقاعات الحياة اليوميّة الّتي تتمثّل الاستيقاظ مبكّراً الذهاب إلى العمل الخضوع للمرؤوسين العودة في أوقات محدّدة تناول الطعام في ساعات معيّنة، تناوب ورديّات العمل، أيّام العطلة، مشاهدة التلفزيون، استخدام مصادر الذكاء الاصطناعيّ، كلّ هذه الأمور وعدد هائل منها يحكم حياة الإنسان اليوميّة، وهذا الأمر يجعل من عقل الفرد عقلاً آليّاً نمطيّاً مشيّأ إلى حدّ اغترابيّ كبير.

ويرتسم أحد أهمّ العوامل الفاعلة في عمليّة التشيّؤ في الرأسماليّ في ظاهرة التسليع الّتي تأخذ طابعاً شموليّاً عامّاً كلّيّاً. فالمجتمع الصناعيّ الرأسماليّ يتدفّق بالسلع والبضائع بالمنتجات، وفيه كلّ ما لذّ وطاب، وتتميّز هذه المنتجات بالطابع الإغرائيّ الّذي لا يقاوم المعزّز بالإمبراطوريّات، والفرد الّذي يعيش في هذا الجحيم الإنتاجيّ المسلّع يقع ضحيّة الإغراء وعشق الاستهلاك، وعلى هذه الصورة تتزايد شهوة الإنسان إلى التملّك والحيازة والاستهلاك، ويكدّ للحصول على كلّ ما يمكن أن يحصل عليه من هذه السلع ليشبع حاجاته الصنعيّة المرتدّة دون توقّف، وهذا الاستغراق الاستهلاكيّ يؤدّي إلى تدمير التكوين الأخلاقيّ والروحيّ للإنسان، إذ يتحوّل إلى وحش استهلاكيّ لا يشبع، وتلك هي أخطر حالات التشيّؤ الّتي يفقد فيها الإنسان روحه وعقله وكيانه الإنسانيّ.

وتشكّل النظم البيروقراطيّة أحد مصادر وعوامل التشيّؤ؛ لأنّ الأنظمة البيروقراطيّة تعلّب الإنسان في نماذج طاغية، إذ تضع الفرد تحت تأثير القوى المدمّرة الخفيّة والسافرة في المجتمع الصناعيّ المتقدّم، ويعمل هذا النظام البيروقراطيّ على انتزاع فرديّة الفرد وإحساسه بالمسؤوليّة، ويعمل على استلابه وتحويله إلى كيان مستلب ومغترب (7). وممّا لا شكّ فيه أنّ البيروقراطيّات الحديثة تمتلك في ذاتها قوى جبّارة في مجال القمع والإغواء وترويض الإنسان علّة وضعيّة التشيّؤ.

ويعدّ الإعلام الجبّار الضخّ أحد أهمّ سمات ومميّزات المجتمعات الرأسماليّة المعاصرة، وتمتلك هذه الإمبراطوريّات الإعلاميّة القدرة الفائقة على طحن العقول وتشكيل الأذهان وترويض الإنسان على القبول الصاغر لكلّ معطيات المجتمع الصناعيّ. وهذه القوى الإعلاميّة استطاعت أن تكون أقوى أدوات صناعة اللذّة وتسويق الأحلام وتدمير المنطق والتلاعب بالعقول وتشكيل الإنسان على صورة السلعة وتحويله إلى وضعيّة التشيّؤ.

ويبنى على ما تقدّم بأنّ التشيّؤ هو الحالة الّتي يتحوّل فيها الإنسان إلى شيء إلى سلعة إلى بضاعة إلى مادّة في عالم الأشياء والإنسان المشيّأ كائن تتمركز أحلامه ورغباته وتطلّعاته وتدور في عالم حول الأشياء وهو في وضعيّة التشيّؤ هذه لا يستطيع أن يتخطّى عالم الأشياء والسلع. وعلى هذه الصورة يختزل عقله وروحه في القدرة على التعامل مع عالم الأشياء، وهذا ما يعبّر عنه ماركوز بقوله إنّ الإنسان المتشيّيء هو إنسان ذو بعد واحد وقد فقد أبعاده الروحيّة وتطلّعاته الروحيّة.

رأسماليّة التشيّؤ:

خاض مفكّرو النظريّة النقديّة في مسألة تشيّؤ الإنسان، وبحثوا في صلب العوامل والمتغيّرات الّتي أدّت إلى تشكّله كظاهرة اجتماعيّة تسود في العصور الحديثة. ويقرّ معظمهم ولاسيّما روّاد مدرسة فرانكفورت في التأكيد على عدّة عوامل أهمّها النزعة الأداتيّة للعقل الرأسماليّ وعلى عوامل تطوّر المجتمع الرأسماليّ القائم على الإنجازات الصناعيّة والتكنولوجيّة الكبرى في مجال الإنتاج الضخم المفتون بقيم الربح والهيمنة والسيطرة الّتي يفقد فيها الإنسان قيمته الإنسانيّة ودلالته الأخلاقيّة. فالعقل الأداتيّ الجامح اندفع بقوّة فاخترق القيم وانتهك المعاني وحطّم المشاعر الإنسانيّة، ودمّر العواطف وطحن الإنسان محوّلاً إيّاه إلى نخالة مادّيّة متناهية في الصغر يمكن تذويبها وتصنيعها بوصفها مادّة إنتاجيّة استهلاكيّة تباع وَتُشْتَرَى في الأسواق. بل قل بأنّ الرأسماليّة بأدواتها الجبّارة وهيمنتها المطلقة حوّلت الإنسان إلى وقود بشريّ يحترق في مواقد الجشع الرأسماليّ المأخوذ بقيم السيطرة والهيمنة وتكديس الأرباح كغاية تبرّر وسائلها المضادّة للإنسان وقيمه الإنسانيّة. وفي دورة هذا الجشع الرأسماليّ الرهيب تحوّل الإنسان إلى ترس في آلة جهنّميّة، بل إلى مادّة خام قابلة للتصنيع والاستهلاك والتدوير، وقد تمّ تشييؤه بوصفه مطلباً مادّيّاً من متطلّبات التصنيع والإنتاج والربح في الدورة الرهيبة للاقتصاد الرأسماليّ، وباختصار، أصبح الإنسان شيئاً من الأشياء، كياناً متشيّأً ممسوخاً يفتقر إلى جوهره الإنسانيّ وحسّه الأخلاقيّ وكيانه الروحيّ. وهو في هذه الوضعيّة يصحّ معها قول اللاهوتيّ الإنجيليّ ديتريش بونهوفر Dietrich Bonhoeffer: "لقد صار سيّد الآلة عبداً لها، وأمست الآلة عدوّ الإنسان، وحرّيّة الجماهير انتهت إلى رعب المفصّلة، والتحرير المطلق للإنسان سيختم مساره بالدمار الذاتيّ " (8).

يرى منظرو فرانكفورت أنّ عمليّات التشيّؤ تحدث بقوّة في ظلّ النظام الاقتصاديّ الرأسماليّ بما ينطوي عليه من علاقات الإنتاج والتسويق والتسليع. ويرون بأنّ الجشع الرأسماليّ أدّى إلى ما يسمّى بصنميّة السلعة الّتي وضعت الناس في محراب العبادة الرخيصة للسلعة، والميل الجارف إلى الاستهلاك وتلبية الاحتياجات المادّيّة المتزايدة، وهو الأمر الّذي حول العلاقة بين الناس إلى علاقات أشبه بالعلاقة الجامدة بين الأشياء، فجعلت من السلعة وثناً للعبادة، ومن الاستهلاك قاموساً للحياة، ومن التملّك منهجاً للوجود. وعلى هذا النحو تمحورت العلاقات بين الناس حول المنافع والمصالح على حساب العلاقات الإنسانيّة والقيم الأخلاقيّة والروحيّة، فأصبح الإنسان جسداً بلا روح ومادّة بلا معنى وكياناً جامداً من غير إحساس أو مشاعر إنسانيّة.

فالعقل الأداتيّ الصرف، والجشع الرأسماليّ المطلق، والصناعة المتوحّشة القائمة على تقسيم العمل، والاستغراق في مظاهر التشظّي والانشطار في التخصّصات المهنيّة، وهيمنة ما يسمّى بخطوط الإنتاج في المصانع، وتنامي الروح البيروقراطيّة المدمّرة، والهيمنة الفارطة لأمواج الدعاية الإعلام القائم على الذكاء الاصطناعيّ، وتعليب التعليم، والهيمنة الأيديولوجيّة، والموجات المتدفّقة الّتي تقوم على غسل الأدمغة، عوامل تشكّل في مجموعها القوّة الحضاريّة الّتي أدّت إلى اغتراب الإنسان المعاصر وتشيئه.

فالرأسماليّة تجرّد البشر من إنسانيّتهم، بل تمسخهم إلى ركام من الأشياء، وتحوّلهم إلى مادّة أوّليّة مفرغة من المعاني الروحيّة والإنسانيّة، مادّة قابلة للتصنيع والتدوير والتسليع والتسويق. ومن المفارقة بمكان أنّ الرأسماليّة الّتي تفقد الإنسان روحه وكيانه الإنسانيّ، وفي الوقت الّذي تحوّله إلى أداة تضفي بالمقابل فيه على الأشياء على السلع والمنتجات والموادّ الأوّليّة طابعاً غائيّاً ذاتيّاً. وهنا تتجلّى بصورة جليّة المعادلة الرأسماليّة الّتي يتحوّل فيها الإنسان إلى موضوع وأداة، ويقابل ذلك تحويل الموضوع (الشيء) إلى قيمة وذات. وهذا يرمز إلى صيغة من الانقلاب الجذريّ في الحضارة الإنسانيّة الّتي تنقلب على ذاتها، وتفقد روحها ومعانيها وغاياتها الأخلاقيّة السامية. إنّه عالم مقلوب ولا يمكن " أن يصبح قلب هذا «العالم المقلوب» ممكناً إلّا بإنهاء ما أطلق عليه ماركس مصطلح «صنميّة السلعة»، وهذا يعني أنّ نهاية الاغتراب لا يمكن أن تكون إلّا بالقضاء على ظاهرة التشيّؤ الإنسانيّ الّتي تفقد الإنسان معناه، وتجرّده من قيمته، وتستلبّ منه دلالته الروحيّة وقيمتها الغائيّة (9). فالرأسماليّة الليبراليّة الجديدة تجعل من تطوير الصناعة وسيلة للربح للسيطرة للقوّة للهيمنة، وهي تعمل حسب تعبير ماركس، "تأليل" الإنسان، (تحويله إلى آلة) بل إلى كيان متشيّء، بل إلى صنميّة إنسانيّة شديدة التوحّش والانحدار(10).

وعلى هذه الصورة استطاعت الرأسماليّة أنت تحوّل الإنسان إلى شيء من الأشياء المادّيّة، وإلى كيان مفرغ من الروح الّتي تنبض بالمشاعر الإنسانيّة الخلّاقة، فالرأسماليّة بأدواتها الجبّارة استلبت الإنسان وجرّدته من مشاعره وأحاسيسه وإنسانيّته ليصبح ترساً في آلتها الإنتاجيّة الجبّارة. وفي هذا المجتمع الرأسماليّ تقوم الطبقة الرأسماليّة بتجريد الفرد من محتواه الإنسانيّ، وتدمّر في أعماقه معظم القيم والمبادئ الأخلاقيّة، كما تدمّر صلاته الإنسانيّة بالعائلة والصداقة والدين والأخلاق والقيم الأخلاقيّة، فيزداد عمق ارتباطه بالوسط الصنعيّ للمجتمع الرأسماليّة، ويشتدّ عمق هذا الارتباط بتحوّله إلى ماكينة إنتاجيّة في خضمّ الإنتاج الضخم للرأسماليّة الليبراليّة المعاصرة الّذي تتحدّد فيه قيمة الإنسان بما يستهلك وبما ينتج وبمقدار ما يتحوّل إلى آلة تنتج وتستهلك في المجتمع الرأسماليّ المعاصر. وهذا التشيّؤ الصناعيّ جرّد الإنسان من قدرته على التحكّم بمصيره وحياته ووجوده الإنسانيّ. فالطبقة الرأسماليّة الّتي تسيطر وتهيمن على مصيره تحوّله إلى أداة للإنتاج، وإلى سلعة للربح، وإلى طاقة للاستهلاك تستثمر في تأكيد فائض القيمة وتحقيق أعلى درجة من الربح والعائدات الماليّة الاقتصاديّة الّتي تصبّ في مصالح الطبقة الرأسماليّة على صورة أرباح واستثمارات ومضاربات اقتصاديّة.

في المجتمع الرأسماليّ يحوّل الناس إلى مجرّد أشياء أرقام ومعادلات وبيانات حسابيّة وإحصائيّات، وفي هذا المجتمع يتحوّل الإنسان إلى كيان تغذّيه فكرة واحدة، ويستولي عليه هاجس واحد يتمثّل في الاستهلاك والتسوّق والتملّك والحصول على كلّ ما هو جديد في عالم السلع والأشياء، وهو في دائرة شبقه الاستهلاكيّ يقتني كلّ شيء، ويشتري كلّ شيء بقدر ما يستطيع، وهو في ذلك يتصرّف بقوّة هائلة لإشباع رغبات زائفة لا طائل منها، ففي عالم الأشياء تتحوّل الأشياء إلى قيمة تعطي لمن يمتلكها قيمة أكبر والإنسان في هذا العالم المتشيّيء لا يكون إنساناً إلّا بقدر ما يمتلك من أشياء إلّا بقدر ما يستهلك، وعلى هذا الأساس تكمن قيميّته في بعد واحد هو الاستهلاك كما يقول هربرت ماركوز الّذي يصف الإنسان المتشيّيء بالإنسان ذي البعد الواحد.

فالنظام الرأسماليّ يحوّل العلاقات القائمة بين الناس في مختلف ميادين الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة إلى أشياء جامدة تخضع لقوانين الفيزياء، وتقوم على أساس معادلة التسويق والتبادل التجاريّ وذلك بطريقة فظّة يتحوّل فيها البشر إلى سلع وبضائع وماكينات وأدوات وهم بذلك يخضعون لقوى خارجيّة غريبة عنهم تحدّد مصيرهم في سوق النخاسة البشريّ.

وفي النظام الرأسماليّ تشتدّ وتائر التشيّؤ والتسليع، ويرتفع منسوب الافتتان بالسلع عند الأفراد في المجتمع، وفي حمأة هذا التشيّؤ يرتبط سلوك الأفراد بالسلع في عالم تعرض فيه كلّ الموجودات بوصفها سلعاً الأدب والفنّ والمرأة والقيم والتعليم والإعلام والصحافة، وكلّ شيء معنويّ أو مادّيّ يخضع لقانونيّة السوق قانونيّة البيع والشراء. وهذا يعني أنّ علاقات السوق تتغلغل في سلوك الأفراد، وترسم حدود علاقاتهم الإنسانيّة وتفاعلاتهم الاجتماعيّة، وهذا الأمر يتخطّى الجوانب الاقتصاديّة والمادّيّة إلى الجوانب الإنسانيّة والروحيّة(11). وعلى هذه الصورة تتغلغل القيم السوقيّة إلى المجال الإنسانيّ، وتتحوّل الظواهر الإنسانيّة إلى قيم مشيئة، وتغرق الحياة الإنسانيّة في مستنقع التشيّؤ الّذي يشمل مختلف جوانب الحياة مثل: الفكر والطبّ والتعليم والفنون والسياسة وغيرها "ويصبح مقبولاً، على سبيل المثال فقط، دفع مقابل ماليّ لتجريب أدوية جديدة على من يدفع لهم، أو شراء أعضاء بشريّة، أو بيع المواطنة لمهاجرين يستطيعون دفع الثمن المطلوب فيها بأشكال مختلفة، أو شراء أصوات الناخبين في الانتخابات، أو كتابة أعمال «أدبيّة» لمصلحة شركات كبرى تستخدمها في الترويج لنفسها" (12).3720 زومبي

3- عولمة التشيّؤ:

يتمثّل جوهر العولمة ثقافيّاً في عمليّة اغتصاب ثقافيّ ينال من كرامة الإنسان ويستهدف إنسانيّته، وتتمثّل هذه الثقافة في أنساق متنوّعة من الفعاليّات المنظّمة الساعية إلى تشكيل الإنسان على منوال القيم والمعايير الّتي تحكم اتّجاهات الحياة ومطالب السوق الرأسماليّة الجديدة. إنّها تهدف إلى بناء الروح الاستهلاكيّة عند الإنسان وتنميطه في طرازات ذوقيّة قيميّة تحدّدها مطالب السوق الرأسماليّة الجديدة. ووفقاً لهذه المنهجيّة يمكن القول بأنّ ثقافة العولمة بأنّها "فعل اغتصاب ثقافيّ وعدوان رمزيّ على سائر الثقافات، تعبير عن انسحاق الإنسان أمام سطوة الآلة والتقدّم العلميّ وتمركز رأس المال وانعدام القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة وسيادة منطق الربح والفرديّة والبقاء للأقوى من خلال تجارة السوق والمعلوماتيّة والاستلاب الثقافيّ للشعوب والدول والقوميّات"(13).

ويميّز حنّا أرنت (Arendt Hannah)(1906- 1975) في كتابه شرط الإنسان الحداثيّ (La condition de l’homme moderne) (14) بين عالمين حيث يعرض ما بين الأعمال الفنّيّة الّتي تنتسب إلى عالم غير زمنيّ للثقافة وبين الاستهلاك في عالم ما بعد الحداثة. فعالم ما بعد الحداثة يمثّل نهاية الثقافة السامية وهيمنة الاستهلاك بوصفه ثقافة حيث تقاس الثقافة بمعيار الاستهلاك.

وفي عصرنا هذا أصبحت القيمة العليا هي القيمة الاقتصاديّة بامتياز، فقيمة الأشياء، وقيمة الأشخاص تحسب اليوم بمعايير الاستهلاك وبالقدرة على الاستهلاك. ومن ثمّ فإنّ لذّة الاستهلاك هي معيار سعادتنا المعاصرة. ونحن اليوم لا نزهو، كهؤلاء الرجال ما بعد الحرب، بعملنا وثقافتنا، ولسنا من هؤلاء الّذين تبهرهم الأيديولوجيّات السياسيّة، وتسحرهم العقائد الفكريّة، كما هو حال الأجيال المثقّفة في الستينيات، ولم نعد هؤلاء الّذين تسحرهم شعارات الثورة والتقدّم. نحن لا نريد تغيير العالم، بل نريد أن نحقّق الفوائد ونستفيد. لقد تحوّلنا إلى أطفال المتعة الصناعيّة، إنّنا نعيش في عصر الدعاية والإعلان، والإعلان هو اليوم آخر معاقلنا حيث نشكّل منذ نعومة أظفارنا تحت مطارقه وتأثيراته. وما تعلّمنا إيّاه الإعلانات هو أنّ الحياة تعني الاستفادة والربح وتأكيد الذات. فالحياة أصبحت كالحركة في داخل صالات التلفزيون وقاعاته الفاخرة، وفي الكليب فيديو حيث كلّ شيء يكون على ما يرام، أو حيث كلّ شيء يمضي سريعاً وخاطفاً، حيث تكون الصورة سريعة جميلة برّاقة خاطفة، وفي المكان الّذي يلهو فيه الناس ويستمتعون. لقد عمدنا في مياه النزعة إلى اللذّة وغمسنا في ماء الحياة القائمة على الربح والاستهلاك والإثارة. إنّ هاجس الحياة اليوم هو اللهو واللذّة والمتعة، وقد أصبحت هذه معايير نموذجيّة لنمط الحياة الثقافيّة المعاصرة. وعنّا يتساءل عبد الخالق عبد اللّه حول الهويّة الّتي تعدّ بها العولمة معلناً بأنّه إنّها هويّة استهلاكيّة مسطّحة لا عمق فيها ولا معنى. إنّها ثقافة السلعة والتسويق والربح، إنّها توحّد شباب العالم على قيم الاستهلاك واللذّة، إنّها ثقافة الأزياء، والمأكولات، و"البيتزا"، والمياه الغازيّة، والأفلام الإباحيّة، وأغاني "مادونا"، و"مايكل جاكسون"، وملابس الجينز، وماركات "كلفن كلاين"، و"بينيتون"، و"التيتانك"، وحرب النجوم" (15).

لقد "أصبح المشروع الثقافيّ الغربيّ رهين الإمبراطوريّات السمعيّة والبصريّة وسجين إرادتها؛ واستطاعت هذه الإمبراطوريّات بما تمتلك عليه من نفوذ وقوّة وسلطة، أن تأسر البشر وتسحرهم عبر " تكنولوجيا الإثارة والتشويق " وأن تعمل بصورة مستمرّة متواترة على وأد حاسّة النقد لدى المتلقّي الّذي يجد نفسه في نهاية المطاف مروّضاً على قبول جميع القيم الاستهلاكيّة لثقافة العولمة دون اعتراض عقليّ أو ممانعة نفسيّة "(16). هذا التأثير الترويضيّ على خطورته يتضاءل أمام المخاطر الّتي تتمثّل في قدرة هذه التكنولوجيا على محاصرة البشر في واقع افتراضيّ لا صلة له بالحياة أو مع الحياة. وبالتّالي فإنّ هذا الواقع الافتراضيّ يضعنا أمام كابوس إنسانيّ" يتحوّل فيه الإنسان إلى رأس تنمو منه مجموعة من الأطراف الضامرة، ويتغذّى ويتحرّك بواسطة الآلة، هذا إذا ما كان لا يزال بحاجة إلى الحركة، إذ من الممكن أن يكون الواقع كلّه قد آل إلى افتراضي، كما يتصوّر فيلم الخيال العلميّ ماتريكس (المصفوفة (17).

في العشرينات من القرن العشرين كانت ثقافة المتعة والاستهلاك ثقافة خاصّة بفئة من أبناء الطبقة الاجتماعيّة الثريّة في أمريكا، ولكنّها اليوم تحوّلت إلى طابع ثقافيّ عامّ في مختلف مستويات الحياة الثقافيّة الجارية في مختلف المجتمعات المعاصرة. فما بعد الحداثة يمثّل اليوم إمبراطوريّة القيم الأداتيّة، حيث تأخذ الأشياء قيمتها وفقاً لمعيار الاستهلاك وتحقيق اللذّة والمتعة. وهنا وفي دائرة هذه الثقافة الجديدة نجد معياراً واحداً قوامه أن تتمثّل قيمة كلّ الأشياء في قابليّتها للاستهلاك السريع وتوفير المتعة السريعة، وهذا المعيار ينسحب في جدواه على مختلف المظاهر بدءاً من الكتب والأفلام والموسيقى، مروراً بالعمل والإنتاج، وانتهاء بكلّ مظاهر الحياة الثقافيّة ومستلزماتها. فالأشياء ومن أجل أن تكتسب قيمتها يجب أن تكون وفقاً لمعايير الاستهلاك القائمة مثيرة ممتعة سريعة وافية وقتيّة وعابرة.

وعندما نركّز اهتمامنا حول ما يجري حولنا سنجد حضوراً صارخاً لنزعة لذويّة شبقيّة متقدّمة تلهبها دورة إعلاميّة مسعورة دافعة إلى قيم الاستهلاك والمتعة والسطوة. وفي دائرة هذا الجنون الاستهلاكيّ والنزعة الرغبويّة الشبقة يفقد كلّ نشاط أو فعل يعتمد على التأمّل والتعقّل والنظر والصبر والانتظار قيمته ودلالته ومعناه. وهذا يعني أنّ كلّ النشاطات الإنسانيّة الّتي لا ترتبط بالاستهلاك واللذّة والسرعة تصبح مدعاة للسخرية والازدراء والاحتقار. وهذا الانحسار القيميّ يشمل اليوم كلّ صيغ التربية التقليديّة وكلّ معاني الثقافة التقليديّة القائمة على معايير إنسانيّة سامية ومختلفة.

وفي هذا السياق يمكن القول بأنّ ثقافة العولمة بوصفها مرحلة ما بعد حداثيّة" تُفيلق الفرد وتنظّمه في طرازات ذوقيّة استهلاكيّة ترتفع فيها قيمة السلعة من قيمة استعماليّة إلى قيمة مادّيّة بحدّ ذاتها فتُقتنى لأجلها. وبكلام آخر فإنّها تكيّف الفرد وفق نمط واحد، وبعد واحد، وتتغلغل صنميّة السلعة إلى تلك المناطق من الخيال ولنفس الّتي اعتبرت دائماً منذ الفلسفة الكلاسيكيّة الألمانيّة معقلاً أخيراً يستحيل اختراقه على المنطق الأداتيّ لرأس المال" (18). وهذا وتعتمد ثقافة العولمة "إغراءات لا تقاوم تجعل البعض يتقبّل بسهولة ضغط العولمة، أو يطالب من تلقاء نفسه بإحدى منافعها الظاهرة" (19). ومثال ذلك إغراءات الحاسوب الّتي تتمثّل في برامج وألعاب ومعلومات مذهلة للعقل الإنسانيّ. وهناك تأثيرات الصوت والصورة والإنترنيت والأغاني والأفلام المدمجة الّتي تسحر العقل، وتستلبّ لبّ الإنسان بما تمتلك عليه من قدرة وسحر وشاعريّة وإبداع. وهناك التكنولوجيا المذهلة الّتي تخلب العقل، وتستلبّ الوعي بما فيها من غرائب وعجائب وهلوسة، وهذا عداك عن سحر الصورة التلفزيونيّة وقدرتها المدمّرة للعقل في استهواء النفوس والقلوب وتشكيل الأذواق.

4- مظاهر التشيّؤ:

يقول ماركس "إنّ الرأسماليّة ستجعل كلّ الأشياء سلعاً: الدين والفنّ والأدب وستسلبها قداستها. - كارل ماركس" وقد صدق تنبّؤ ماركس فالتشيّؤ يحيط بكلّ مظاهر الحياة والوجود في المجتمعات الإنسانيّة المعاصرة، إذ يتمّ تسليع كلّ شيء وتحويله إلى منتج، ويشمل ذلك مختلف مظاهر الوجود: الطبيعيّة والإنسان الزواج والحبّ والأدب والشعر والعلاقات العائليّة، وقد اقتحم هذا التشيّؤ كلّ أشكال الإيمان مخترقاً أصعب مستوياته الّتي تتمثّل في العقائد الدنيّة الصلبة.

ومن الواضح أنّ الأمر الأوّل الّذي حوّل إلى أداة أو شيء هو العلم الّذي تحوّل إلى قوّة أداتيّة جبّارة وظّفت في استلاب الطبيعيّة والإنسان. وممّا لا ريب فيه أنّ العلم والمعرفة العلميّة والعلوم قد تحوّلت إلى طاقة جبّارة مفرغة من المعاني تهدف إلى السيطرة والضبط والقوّة.

واقتحم التشيّؤ عالم الرياضة، وقد تحوّل هذا العالم إلى سوق ضخمة جبّارة يباع فيها كلّ شيء يتعلّق بالجسد والقوّة واللعب. وفي هذه النخاسة الرياضيّة يتمّ بيع اللاعبين وتحديد أسعارهم بصورة مستمرّة ودائمة. ومن الواضح أنّ هذا القطاع قد أصبح جزءاً أصيلاً في عمليّة التشيّؤ الإنسانيّ؛ إذ يخضع اليوم بصورة كلّيّة لقوانين العرض والطلب والتسويق والتسليع، وقد فقد البعد الإنسان الكامن في تحقيق التفاعل الإنسانيّ والتكامل الأخلاق.

وقد أشرنا كثيراً إلى ظاهرة تشيؤ الفنّ والأدب وتحويلهما إلى قوّة استلابيّة تمارس دورها في الماكينات الاغترابيّة في المجتمعات الرأسماليّة المعاصرة، ومن الكارثيّ اليوم أن يفقد الأدب والفنّ والشعر قيمته الإنسانيّة، وأن يتحوّل من قوّة تحرير للروح والقلب والعقل والضمير إلى قوّة استعباديّة تمارس فعاليّة القهر والإكراه في خدمة الأنظمة الاجتماعيّة الرأسماليّة السائدة.

ومن أخطر مظاهر التشيّؤ في المجتمعات المعاصرة يتمثّل فيما تتعرّض له المرأة اليوم من فعاليّات اغترابيّة استلابيّة مستمرّة تدفعها إلى مستنقع التشيّؤ والعدميّة. لقد وظّفت الرأسماليّة تشيؤ المرأة كأداة جبّارة في استلاب الوعي الجمعيّ في المجتمع. وقد أصبح جسد المرأة يعامل على أنّه شيء، وينظر إلى المرأة بوصفها طاقة جنسيّة محرّضة على الاستهلاك. ولا ريب أنّ معظم الدعايات الإعلانيّة ترتبط بجسد المرأة الّذي أصبح أخطر عنوان لاغتراب الإنسانيّة والإنسان. والأدهى من كلّه الأمر الّذي يتعلّق بتجارة الجنس وتجارة القاصرات الّتي انتشرت كالنار في الهشيم في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعيّة في المجتمعات الرأسماليّة المعاصرة. ويلاحظ في هذا السياق ظاهرة انتشار صالونات التجميل وعمليّاته بطريقة فائقة في هذه المجتمعات، ويتّضح أنّ المجتمع بدأ يتعامل مع جسد المرأة بطريقة يمكن تعديله وتطويره وتصنيعه كما يجري في عالم الأشياء. ويتّضح ذلك بوضوح في أحد الإعلانات الّتي تصوّر امرأتين ورجلاً يقرّر: "هل يدفع زوجته الحاليّة للذهاب إلى طبيب التجميل أم يستبدل بها امرأة ثانية؟". وعلى هذه الصورة تأخذ المرّة صورتها في المجتمعات الرأسماليّة على أنّها طاقة جنسيّة وجسد يلبّي احتياجات الرجل؛ وعلى هذا النحو فقدت المرأة قيمتها الإنسانيّة الأخلاقيّة بوصفها أمّاً وزوجة وإنسانة، وفقدت الدلالة العاطفيّة الّتي تتمثّل في أنّ المرأة هي مصدر أجمل العواطف وأبل المشاعر وأقدس الأمنيّات. ويمكن القول في هذا السياق: إن تشيؤ المرأة يعود إلى ممارسة الضغط الإعلاميّ الّذي يقدّمها سواء عن طريق التلفزيون أو الصحف أو الكتب أو وسائل التواصل الاجتماعيّ على أنّها قوّة مشيئة وسلعة قابلة للتطوير والاستهلاك. ومن المناسب هنا أنّ جسد المرأة شكل، وما زال يشكّل أهمّ عوامل التسليع والترويج للسلع في العالم المعاصر. فالمعلن عندما يضع إعلاناً لبيع أيّ شيء تقريباً يربطه بجسدها، وربّما بأكثر مناطق الجسد إثارة وتحريضاً وخصوصيّة.

ومن المدهش أنّ التشيّؤ قد توغّل وأحكم قبضته على أنظمة التعليم والتفكير، وقد تحوّلت المدارس والجامعات إلى أسواق رأسماليّة كبرى تباع فيها المعرفة وَتُشْرَى بوصفها سلعاً رأسماليّة. وما يجري في عالم التربية يتجانس إلى حدّ كبير مع فعاليّات السوق والماركة والعرض والطلب. والأموال تشتري الشهادات العلميّة، وتباع الشهادات والبحوث والدراسات في الأسواق الرأسماليّة التربويّة الرائجة. ومن اليقين أنّ معظم ما يجري في عالم المدرسة يجري وفق قوانين التسليع الرأسماليّ. ومن يتأمّل سيجد بأنّ التعليم في معظم البلدان بدأ يرتبط ببرامج البنك الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ وهي أخطر المؤسّسات الماليّة الرأسماليّة الّتي تعمل على توظيف التعليم رأسماليّاً في خدمة الإنتاج الرأسماليّ. ومن المؤكّد أنّ هذه المنظّمات الماليّة تعمل على توجيه التعليم رأسماليّاً وتحويل برامج ومناهج المدارس بما يخدم المجتمع الرأسماليّ ومتطلّباته الصناعيّة الإنتاجيّة والاستهلاكيّة.

ومن المهمّ في هذا المجال الإشارة إلى عمليّة التشيّؤ طغت لتشمل مختلف القيم الإنسانيّة، وقد تحوّلت القيم في معترك المجتمع الصناعيّ إلى قيم مشيئة ‘إذ فرغت من ومض دلالاتها الإنسانيّة الروحيّة والأخلاقيّة. وعلى هذه الصورة الاغترابيّة أصبحت القيم الإنسانيّة ترتبط بالمنافع، فكلّ ما ينفع هو حقيقيّ ذو قيمة، وكلّ ما لا ينفع ليس له قيمة في سوق النخاسة الرأسماليّ. وأصبح الإنسان بكلّيّته يقيم بما يملكه من سلع وبما ينتجه في عالم السلع. ونجد تأكيداً لهذا التصوّر فيما قاله ماركس يوماً: «إنّ سائر القيم تحوّلت إلى مجرّد قيمة تبادليّة نفعيّة» وها هو هابرماس بدوره يقرّ " بأنّ القيم الإنسانيّة في ظلّ الحداثة الغربيّة تحوّلت إلى سلعة تباع، وَتُشْرَى، وأصبحت السيادة لوسائل الإنتاج وعلاقاته؛ لذا أضحت القيم خالية من كلّ معنى" (20).

5- فنّ التشيؤ:

يصاغ مفهوم التسليع في صورته في اللغة الإنكليزيّة بكلمة (Commodification) ويعني تحويل الأشياء إلى بضاعة (merchandise) تباع وَتُشْرَى في السواق، والتسليع يقابل التشيّؤ مفهوم (Reification) وهذا يعني أنّ التسليع هو تحويل الأشياء إلى سلع أيّ إلى أشياء خاضعة لقوانين التسوّق الرأسماليّ ولاسيّما قانونيّ العرض والطلب والقيمة التبادليّة والقيمة الرمزيّة. والتسليع يؤدّي إلى تحييد العالم والنظر إليه بوصفه كياناً مادّيّاً استعماليّاً لا يرتبط بأيّ مشاعر أو غايات إنسانيّة. وعندما يتحوّل الإنسان إلى سلعة، فإنّه يتشيّأ أو لنقل أنّه عندما يتشيّأ يتحوّل إلى مجرّد سلعة تخضع لقانوينة النخاسة الرأسماليّ.

عملت الرأسماليّة الجديدة على تحويل العالم إلى أشياء، وقد شمل هذا التحويل الفكر والثقافة والإنسان والدين والأدب والأخلاق فجعلت منه عالماً مجرّداً من القيم والأخلاق والروح الإنسانيّة، ولم تبق في عالمنا إلّا قيم الربح والنفوذ والهيمنة والسيطرة. ولا ريب أنّ الرأسماليّة تشكّل بطبيعتها عالماً متشيّئاً، وهي تعمل بذاتها وبصورة عفويّة إلى تحويل كلّ مظاهر الوجود إلى أشياء. فالعالم وفق المنظور الرأسماليّ يجب تحويله إلى أشياء إلى سلع تباع وَتُشْرَى من أجل غاية واحدة هي تعظيم الأرباح المادّيّة وتمجيد قيمة التملّك والتسلّط والاستهلاك والإنتاج.

وفي دورة التشيّؤ هذه عملت الرأسماليّة على تشييء الوعي والفكر والثقافة وتحويل هذه الظواهر المعنويّة إلى سلع، أو إلى قوّة سلعيّة توظّف في خدمة التسليع الرأسماليّ الّذي لا يقف عند حدود. ويرى ليوتارد في كتابه المعروف “حالة ما بعد الحداثة” (1979) أنّ المعرفة لم تعد حاجة روحيّة كما كانت في العصور السابقة، بل أصبحت سلعة كباقي السلع تخضع لقوانين التسليع الرأسماليّ، أي أنّها تُشْتَرَى، وتباع في السواق شأنها شأن السلع المادّيّة الأخرى. ومن الواضح أنّ التكنولوجيّات الجديدة جعلت المعرفة في أرقى أشكالها مجرّد سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب في الأسواق الرأسماليّة. ويشير ليوتارد في هذا السياق إلى أنّ السلعة اكتسبت بعداً جديداً يتمثّل بالقيمة الدلاليّة مثل “الماركة” وغيرها. وهذه القيمة الجديدة هي الأهمّ، وعلى أساسها يعمل مجتمع الاستهلاك ما بعد الحداثيّ، وتتمحور حولها العلاقات الإنسانيّة والحياة العصريّة؛ وعلى هذا الأساس يتّضح لدينا أن لم يبق من سحر الحياة وجمالها إلّا صوت البارود والنار.

ولم تقف حركة التسليع عند حدود الثقافة والمعرفة، بل اتّجهت إلى اغتصاب الفنّ والأدب والشعر والموسيقى والآداب الّتي تحوّلت إلى مجرّد وسائل وأدوات وسلع تباع أيضاً في السوق الرأسماليّة، والأخطر من ذلك كلّه أنّ النظام الرأسماليّ المتوحّش حول الطاقة الروحيّة للأدب والفنّ من قوّة تحرير للإنسان إلى قوّة فتّاكة في تعظيم الروح السلعيّة للمجتمع الرأسماليّ. ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى جهود كلّ من أدورنو وهوركهايمر في كتابهما "جدل التنوير" الذيّ يتضمّن تناولاً قيماً لوضعيّة تشيؤ الفنّ والإبداع والثقافيّة، وفيه يصفّان الكيفيّات الّتي انحطّ فيها العمل الفنّيّ في ظلّ المجتمع الصناعيّ، وتحوّل إلى سلعة، وفي الوقت نفسه إلى أداة لترسيخ نظام التشيّؤ في المجتمع الرأسماليّ، وفي ظلّ هذا النظام المدمّر فقد كلّ من الأدب والفنّ قيمته الإنسانيّة وقدرته على التأثير الخلّاق قلوب البشر، وفي عواطفهم وميولهم. لقد تحوّل الفنّ في دورة التوحّش الرأسماليّ إلى سلعة رخيصة شأنها شأن السلع المادّيّة الاستهلاكيّة تستهلك للتسلية وتسطيح الوعي وتدمير الأعماق الإنسانيّة، وعلى هذا النحو فقد الأدب وظيفته الأخلاقيّة، ودُمِّر الدور الروحيّ للفنّ الّذي يفترض به أن يوقظ الروح الإنسانيّة لا أن يشوّه معالمها (21). وعلى هذه الصورة أدّى تسليع الإنسان العمليّة الّتي أزاحت الإنسان عن مركزه في الكون، فانتقلت به من صورته الغائيّة إلى صورته الأداتيّة، وهذا يعني أنّ الإنسان أصبح شيئاً أو أداة أو وسيلة بعد أن كان غاية وروح وفكراً وعقلاً، وهذا التحوّل يمثّل جوهر التشيّؤ الإنسانيّ.

ولم يقف التسليع عند حدود التشيّؤ المادّيّ الخارجيّ للإنسان بوصفه قوّة عمل فحسب، بل تغوّل هذا التسليع ليستولي على العالم الداخليّ للإنسان، فنفذ إلى أعمق تكويناته الروحيّة والأخلاقيّة ليستولي على عقله وروحه ومشاعره الإنسانيّة الدفينة، فجعل من هذه السمات الروحيّة قوّة استهلاكيّة تسعى إلى تحقيق الإشباع اللذويّ الخالص الّذي يتعلّق بالجنس والمخدّرات والجريمة والمال والربح والسيطرة. وعلى هذا النحو تبدّدت أحلام الإنسان الأخلاقيّة، وتعطّلت معه نوازعه الروحيّة، وخبّت فيه المثل الإنسانيّة فتحوّل إلى وحش استهلاكيّ داجن مدجّن بالعنف مهووس بالرغبة مخبول بالجشع والاستهلاك مجبول على قيم الحيازة والسيطرة.

ومن مظاهر ذلك ودلالاته الّتي نعيشها اليوم: "ظاهرة التسليع الّتي شملت حتّى البشر - بيع وشراء لاعبي الكرة المحترفين مثالاً - ووقوع الناس تحت سيطرة الميول الاستهلاكيّة والشركات الكبرى، وانحيازهم لجانب الثورة المعلوماتيّة وقنوات التواصل الاجتماعيّ. وتأتي قمّة التشيّؤ؛ في تحوّل الإنسان في حدّ ذاته إلى رقم مجرّد. إنّ الدلالة الممكنة لمعرفة الشخص نفسه أو التعرّف عليه من غيره من اليوم فصاعداً؛ هي في الأرقام الّتي تمثّله، وليس في شكله، أو اسمه، أو عرقه وفصيلته" (22).

وفي ظلّ هذا التشيّؤ أصبحنا اليوم نعيش في عالم "أصبح فيه المؤقّت مركزيّاً، نعيش حياة مؤقّتة، وأعمالاً مؤقّتة، وعلاقات مؤقّتة، وزواجاً مؤقّتاً، وسكناً مؤقّتاً، كلّ ما نستخدمه أيضاً في حياتنا اليوميّة أصبح مؤقّتاً كالمناديل الورقيّة والأكياس والأكواب والملاعق البلاستيكيّة، لا شيء يحمل علامة، لا شيء يحمل معنى؛ لأنّ كلّ شيء زائل، فقد تحوّل الانتباه الثقافيّ المعاصر من الكينونة أو الوجود في العالم إلى السيرورة أو العبور في العالم، إنّه عالم العابر والمؤقّت"(23). وهذا العبور المؤقّت يمثّل سمة تجاريّة تدول على زواليّة السلعة في العالم الرأسماليّة؛ لأنّ الزوال قانون تجاريّ سلعيّ مركزيّ في النظام الرأسماليّ، ومثال ذلك أنّه لا توجد سلعة منتجة ما يحدّد لها تاريخ التصنيع وتاريخ الصلاحيّة، لأنّ الديمومة في الأشياء أمر مضادّ لطبيعة الاستهلاك واستمراريّة الاستثمار في الإنتاج والتصنيع والاستهلاك.

6- خاتمة:

في زمن التشيّؤ تحوّل العلم إلى صناعة، واتّخذت المعرفة هيئتها في التجارة، وتحوّلت الثقافة إلى اقتصاد والتربية إلى ربح وفساد، وأصبحت المعرفة والثقافة احتكاراً للشركات الرأسماليّة الكبرى، وأصبح العلم رهين من يمتلك القدرة على شراء الشهادات، وأصبحت المعرفة أداة للسيطرة الاقتصاديّة، وها هي الشركات الاحتكاريّة الكبرى تتنافس في مجال المعلوماتيّة فيما بينها على تصنيع المعلومات، "وتصبح أسماء IBM، Macintosh لا تقلّ أهمّيّة عن الشركات العابرة للقارّات المتعدّدة الجنسيّات في الإنتاج الصناعيّ Mitsubishi, Panasonic, Sanyo, Sony، نيسان، هوندا، تويوتا، وتختلط أسماء العربات مع أسماء شركات أجهزة المعلومات، كلاهما إنتاج وتصنيع، لا فرق بين صناعة الذهن وصناعة السيّارة، بين صناعة العلم والصناعات الاستهلاكيّة، الكلّ يسعى إلى الربح والسيطرة على الأسواق لا فرق بين الأذهان والأبدان، بين الاستهلاك المعرفة واستهلاك السلع" (24) .

في هذا الزمن الموحش، لم يعد هناك شيء محظور إذ هو عالم البيع والشراء ، فكل الأشياء تباع وَتُشْرَى : الجسد الروح المعنى الفنّ الأدب الموسيقا. وفي هذا العالم المختنق بقيم الربح والاستهلاك يفقد الناس خصوصيّتهم وكرامتهم، وتتحوّل حياتهم الخاصّة إلى سلع رغماً عنهم، فالناس يراقبون بوسائل التنصّت ويحاصرون بالتصوير، ولم تعد هناك حصانة أو أسرار. إذ لم تبق هناك حرمة أمام أجهزة الإعلام ووسائل الاتّصال الحديثة، كلّ شيء عرضة للاتّجار للإعلام. والشركات الكبرى تنفق اليوم بلايين الدولارات للسيطرة على الفكر وصناعة الثقافة وتصنيع الرأي العامّ وتشكيل المعتقدات وتدمير الفكر الإنسانيّ المضادّ لوضعيّة الاغتراب، وأصبحت القيم مخلوعة من جذورها مقلوبة في تشكيلها مغلوبة على أمرها: "فالرأسماليّة حرّيّة، والاستغلال منافسة، والاحتكار تجارة، والربح عرض وطلب، ورأس المال الأجنبيّ عمّالة، والاستهلاك تسويق، والإنتاج وفرة، وحماية الصناعات الوطنيّة انغلاق. والخصخصة انفتاح، والدولة تطغى على المجتمع المدنيّ، والمجتمع المدنيّ بديل عن الدولة، كما تركّز رأس المال في الشركات العابرة للقارّات كذلك تركّز الإعلام في المراكز الاقتصاديّة والقوى السياسيّة نفسها لا فرق بين رأس المال والقوّة الكبرى والقمر الصناعيّ" (25).

وعلى هذه الصورة يقال إنّ الإنسان قد تشيّأ "زومبياً" : جسد بلا روح !!! وهو الزمن الرأسماليّ الذي لم ولن يقف عد حدود تشيؤ الجسد والعمل والقيم، بل استطال هذا التشيّؤ وامتدّ ليسكن الروح الّتي فارقت عالم المعاني، واشتطّت هبوطاً في عالم الأشياء، وقد أصبحنا أرواحاً هائمة في عالم الأشياء، أرواح تباع وَتُشْرَى كما هي الدمى وألعاب الأطفال. وقد لا نبالغ بأنّ الكائن البشريّ في هذا الزمن الصعب قد تحوّل كائن "زومبي" أجساد بلا أرواح تهيم في عالم لا روح فيه، وتلك هي الحقيقة الّتي عبّر عنها طاغور في قوله الشهير: " إنّ الحضارة المادّيّة ستخسر كلّ شيء إذا فقدت روحها، وأنّ البشريّة ستصبح مهدّدة بالفناء في ظلّ جسد بلا روح، وعندما تصبح الحضارة بلا قلب، فإنّها ستفقد أهمّ مقوّمات الحياة (26). ونستطيع أن نردّد مع طاغور بأنّ الحياة في الزمن الرأسماليّ فقدت المعنى والقلب والروح، بل نزيد على طاغور بالقول إن الحضارة المعاصرة أصبحت حضارة زومبية يعيش فيها الناس أجساداً بلا أرواح أو أرواحاً هائمة في عالم الأشياء ، ولم يبق للإنسان إلّا الأمل إذ كان الأمل ما زال باقياً في صندوق باندورا المكسور.

***

عليّ أسعد وطفة

كلّيّة التربية – جامعة الكويت

.......................

هوامش المقالة ومراجعها:

(1) - الزومبي أو الموتى الأحياء (Zombie)‏ هو الجثة المتحركة التي أثارتها وسائل سحرية من الساحرات أو حدث خطأ بالعقل وغالبا ما يطبق هذا المصطلح غير الحقيقي لوصف شخص منوم مجرد من الوعي الذاتي. يأتي المصطلح من الفولكلور الهايتيّ حيث الزومبي هو جسد ميت يتم إحياؤه بطرق مختلفة معظمها تنطوي على السحر.

(2) - عدنان عويّد، التشيؤ، الأربعاء، تلاسكف، 1 أكتوبر 2018.

https://www.tellskuf.com/index.php/authors/1111- add/77944- cb178.html

(3) - ستيفن إريك برونر، النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جدًّا، ترجمة سارة عادل، مراجعة مصطفى محمد فؤاد ، القاهرة ، مؤسسة هنداوي للنشر والتوزيع ، 2016 . ص 43 .

(4) - Martha C. Nussbaum, Objectification , Philosophy & Public Affairs, Vol. 24, No. 4 (Autumn, 1995), pp. 249- 291. https://www.mit.edu/~shaslang/mprg/nussbaumO.pdf

(5) - Rae Langton, Sexual Solipsism: Philosophical Essays on Pornography and Objectification, Oxford, GB: Oxford University Press (2009). https://web.mit.edu/langton/www/pubs/SexualSolipsism.pdf

(6) - عبدالوهاب المسيري، "التشيؤ" وما بعد الحداثة، مجلة العربي الكويتية، العدد 464. 19- 3- 2024. https://alarabi.nccal.gov.kw/Home/Article/3453

(7) - عبد الغفار مكاوي ، تجارب فلسفية ، مؤسسة هنداوي ، القاهرة ، 2020 . ص 95 .

(8) - محمود حيدر، وثن التّقنيّة وعبادة الشّيء، فصليّة «الاستغراب »، العدد الخامس عشر، السّنة الرّابعة، ربيع 2019 .

(9) - ستيفن إريك برونر، النظرية النقدية: مقدمة قصيرة جدًّا، ترجمة سارة عادل، مراجعة مصطفى محمد فؤاد ، القاهرة ، مؤسسة هنداوي للنشر والتوزيع ، 2016 . ص 45 .

(10) - أنجيل الشاعر ، الاستلاب في ظل العولمة: كيف أفقر الإنسان نفسه؟ حفريات ، 29- 10- 2023 . https://bitly.ws/3frRI

(11) - وحيد عبد المجيد، الرأسمالية.. وظاهرة التشيؤ في المجتمعات الحديثة، آفاق اجتماعية - العدد الثاني - أغسطس 2020، صص 1- 5. ص 4.

(12) - وحيد عبد المجيد، الرأسماليةـ المرجع السابق، ص 4.

(13)- عبد الله أبو راشد، العولمة: إشكالية المصطلح ودلالته في الأدبيات المعاصرة، معلومات دولية، العدد 58، خريف 1998، صص 19- 25، ص 23.

(14) - Hannah Arendt, La Condition de l'homme moderne, Broché - 15 octobre 2002.

(15)- عبد الخالق عبد الله، عبد الخالق عبد الله، العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، عالم الفكر، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1999. صص 79- 80.

(16)- عبد الإله بلقزيز، في البدء كانت الثقافة، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1998، ص121.

(17)- - كفاح الفني، طفل الفضاء الافتراضي وهمهمات في أذن المستقبل ،التكنولوجيا أداة لصياغة الهوية في بعد معرفي تحرري، مركز القطان، موقع إليكتروني.

http://www.qattanfoundation.org/pdf/1564_24.doc.

(18)- محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة، مراجعات نقدية، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 2000، ص 129.

(19)- عبد الله الخياري، التعليم وتحديات العولمة، فكر ونقد، عدد 12، السنة الثانية، أكتوبر، 1998، صص 45- 82،ص 45.

(20) - عماد الدين عبد الرزاق، الحداثة الغربية وتشيؤ القيم، المجلد 16، العدد 62 (30 سبتمبر/أيلول 2018)، ص ص. 291- 300، ص 292.

(21) - عبد الغفار مكاوي ، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، مؤسسة هنداوي ، القاهرة ، 2017. ص 20.

(22) - حمّاد السالمي ، تشييء «الناس»؟! الجزيرة ، الأحد 14 اغسطس 2016 . https://www.al- jazirah.com/2016/20160814/ar2.htm

(23) - وائل فاروق ، ديمقراطية العدم .. ما بعد الحداثة تلعب دورًا حاسمًا في تقرير مصائر الأمم ، مجلة الفيصل ، العددان 499- 500 ، مايو /يونيو ، 2018 ، (صص 68- 78) ، ص 72.

(24) - حسن حنفي ، ثورة المعلومات بين الواقع والأسطورة ، ضمن أعمال : المجلس الأعلى للغة العربية (2007) ندوة الطريق إلى مجتمع المعرفة وأهمية نشرها باللغة العربية المنعقدة بالجزائر يومي:13 و 14 نوفمبر 2007 .

(25) - حسن حنفي، ثورة المعلومات بين الواقع والأسطورة ، المرجع السابق .

(26) مجدي عزيز إبراهيم، المنهج التربوي العالمي، أسس تصميم منهج تربوي في ضوء التنوع الثقافي، مكتبة الأنجلو مصرية القاهرة 2001، ص 232.

 

أولا: حسن الاختيار ضمان لسلامة النشأة والإعمار

حماية النسب هي أساس حماية الطفل، وحماية هذا الأخير تبتدئ من "تخيروا لنطفكم"[1] و"تزوجوا الودود الولود "[2] و"إياكم وخضراء الدمن ... المرأة الحسناء في المنبت السوء"[3] و"تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"[4] و"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ..."الحديث

هذه النصوص وغيرها تؤكد ابتداء حماية حقوق الطفل غيبيا وظاهريا وتحمي له حقوق الأداء الكاملة والناقصة وكذلك حقوق الوجوب، ومن ثم يتم التكامل بين مقتضى الغريزة ومقتضى الشرع، مقتضى النسب ومقتضى البنية الاجتماعية وتكاتفها والعصبية وإيجابياتها، كما نجد الدلالة عليها في النصوص القرآنية و الحديثية كقوله تعالى"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب"[5]و"المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا .."[6]، " آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا "[7].

فلقد حرص الإسلام على حفظ البنوة الشرعية ليس في مجرد حقوقها المادية المترتبة عن الميراث والنفقة والرضاع والحضانة أو حتى الانتماء الديني بالتقليد الأسري المحض وإنما في حقوقه الروحية التي قد يولد وهو مزود بأنوارها وإشعاعاتها التي ترسخت في ذاته منذ عالم الذر حيث يقول الله تعالى "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريا تهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟قالوا بلى!شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ؟"[8]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ..."[9] الحديث.

و للحيلولة دون تأثير الشيطان ومكايده على المولود وخاصة في باب الإيمان والحقوق الروحية للإنسان فإن الشرع بين لنا هذه الإجراءات الضرورية في الدعاء، لتحقيق هذا المكسب الذي يعد في الإسلام لب المكاسب وأثمنها قبل المواريث والتفاخر بالأحساب والأنساب يقول الله تعالى "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركا فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون" [10]

عن ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم :"أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله :بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ثم يقدر بينهما في ذلك أو قضي ولد لم يضره شيطان أبدا " [11].

ثانيا:حماية الحقوق الروحية للطفل أولوية وجودية

ففي الآية والأحاديث دلالات واضحة على حماية حقوق الطفل روحيا سواء قبل ولادته أو عندها بإسماعه ابتداء الآذان والإقامة، إذ قد تكون هناك لدى الأبوين رغبة في الولد وإلحاح في طلبه فيلجآن إلى الدعاء، لكن ما أن يتحقق لهما هذا الطلب حتى يتغير القصد وتبدأ الأوهام والانفلات العقدي يحوم حول قلبيهما في نسبة الخلق إلى غير الله تعالى من مخلوقاته وحصرها في الأسباب المادية أو الطبيعية المسخرة وغيرها؛ مما قد ينفلت إليه وهم الإنسان في نسبة الخلق والإبداع، بينما حقيقة تلك الأسباب الظاهرية في التوليد كما سبق وبينا ليست إلا وسائل جعلها الله تعالى مترتبة بعضها عن بعض لتحقيق تلك الخلقة، كما أنها بدورها مخلوقة، ومن ثم فالمخلوق لا يخلق وإنما هو بخلقته واستعداده للتشكل والتشكيل الخلقي خاضع لمشيئة الله وإرادته، ومن هنا جاء الاستفهام الإنكاري في الآية الموالية من قوله تعالى: "أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون "[12].

فلقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المقصود في هذه الآيات بالخطاب كما يروى عن الحسن البصري:هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا "، وهذا من أحسن التفاسير كما - يعلق ابن كثير-وأولى ما حملت عليه الآية". [13]

إذن فحماية الطفل روحيا أولا قبل أن تصبح قضائيا وفقهيا، وذلك لحفظ العلاقة النسبية بينه وبين والديه وهي مبنية على الوحدة الدينية التي تربط الفرع بأصله، كما تحدد الانتفاع المادي بين الطرفين على سبيل الميراث وتبادل المنافع سواء في الحياة أو بعد الممات قد يفهم هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم :"لا يتوارث أهل ملتين" [14].

ومن هذا البعد فقد كانت حقوق الطفل الروحية عند الصوفية خاصة أوفر منها عند أهل الظاهر والفتوى من الفقهاء الذين يرون أن الإسلام في حق الصبي الصغير الرضيع هو بحكم التبع فقط، وأما عندنا كما يقول الشيخ ابن عربي الحاتمي فهو"بالأصالة والتبع معا، فهو ثابت في الصغير بطريقتين وفي الكبير بطريق واحد وهو الأصالة لا التبع، فالإيمان أثبت في حق الرضيع، فإنه ولد على فطرة الإيمان وهو إقراره بالربوبية لله تعالى على خلقه حين الأخذ من الظهر الذرية والإشهاد، قال تعالى "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟قالوا بلى ."فلو لم يعقلوا ما خوطبوا ولا أجابوا، يقول ذو النون المصري :كأنه الآن في أذني، وما نقل إلينا انه طرا أمر اخرج الذرية عن هذا الإقرار وصحته، ثم إنه لما ولد ولد على تلك الفطرة الأولى، فهو مؤمن بالأصالة، ثم حكم له بإيمان أبيه في أمور ظاهرة فقال : "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان " يعني إيمان الفطرة" ألحقنا بهم ذريا تهم "فورثوهم وصلي عليهم إن ماتوا وأقيمت فيهم أحكام الإسلام كلها مع كونهم على حال لا يعقلون جملة واحدة، ثم قال "وما ألتناهم من عملهم من شيء"يعني أولئك الصغار ما أنقصناهم شيئا من أعمالهم، وأضاف العمل إليهم، يعني قولهم:بلى. فبقي لهم على غاية التمام ما نقصهم منه شيئا، لأنه لم يطرأ عليهم حال يخرجهم في فعل ما من أفعالهم عن ذلك الإقرار الأول ..."[15].

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

المملكة المغربية

......................

[1] رواه ابن ماجه عن عائشة

[2] رواه أبو داود والنسائي عن معقل ابن يسار

[3] رواه الدارقطني في الأفراد

[4] رواه البخاري ومسلم

[5] سورة آل عمران آية 14

[6] سورة الكهف آية45

[7] سورة النساء آية 11

[8] سورة الأعراف آية 173

[9] رواه البخاري في كتاب التفسير

[10] سورة الأعراف آية 189-190

[11] رواه البخاري في كتاب النكاح

[12] سورة الأعراف آية 191

[13] الصابوني: مختصر ابن كثيرج2ص74

[14] رواه الترمذي عن جابر

[15] ابن عربي: الفتوحات المكية، ج1، ص670

The magic of the mundane

بقلم : لوسي ماكدونالد

ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم

***

أدرك عالم الاجتماع الرائد إرفينج جوفمان* أن كل فعل يكشف بعمق عن الأعراف الاجتماعية التي نعيش بها

فكر في المرة الأخيرة التي سقطت فيها في مكان عام. ماذا فعلت بعدها؟ ربما قمت بتعديل نفسك على الفور وواصلت العمل كما كان من قبل تمامًا. أراهن أنك لم تفعل ذلك، رغم ذلك. أراهن أنك ألقيت نظرة خاطفة أولاً على المناطق المحيطة بك لمعرفة ما إذا كان هناك شهود. إذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أنك انحنيت وتفحصت الأرض كما لو كنت تعرف سبب تعثرك، حتى لو كنت تعرف السبب بالفعل. أو ربما ابتسمت أو ضحكت على نفسك أو نطقت بكلمة مثل "عفوا!" أو "اللعنة". على أقل تقدير، أراهن أن معدل ضربات قلبك قد زاد.

تبدو هذه السلوكيات غير عقلانية. إذا لم تتأذى، لماذا تفعل أي شيء بعد العثرة؟ لسبب ما، فإن هذه الحوادث العامة (التعثر، أو الاصطدام بشيء ما، أو سكب شيء ما، أو دفع الباب، أو إدراك أنك قد سلكت الطريق الخطأ، ثم الالتفاف) تثير القلق الذي يجبرنا على الانخراط في سلوكيات غريبة.

وذلك لأنه، كما يوضح لنا عالم الاجتماع إيرفينغ جوفمان، ليس هناك شيء بسيط في المرور عبر مكان عام. وبدلاً من ذلك، يُتوقع منا دائمًا طمأنة الغرباء من حولنا بأننا عقلانيون وجديرون بالثقة ولا نشكل تهديدا للنظام الاجتماعي. نحن نفعل ذلك من خلال الامتثال لجميع أنواع القواعد غير المرئية، التي تحكم، على سبيل المثال، مدى المسافة التي نبتعد بها عن بعضنا البعض، وأين نوجه أعيننا، وكيف نتصرف. تساعدنا هذه القواعد المعقدة على فهم أنفسنا والآخرين. وإذا تم انتهاك هذه القاعدة، فإن "الأساس المشترك للفهم المتبادل السهل" يصبح مهدداً.

إن النظر إلى الأرض يشير إلى أنك لم تختر التحرك بشكل غريب: لقد تعرضت لعائق غير متوقع. ويشير الابتسام إلى أنك ترى الحادث "على سبيل المزاح، وهو أمر غير عادي إلى حد ما". وتشير الشتائم إلى أنه بما أنك تستطيع استخدام اللغة، فأنت شخص سليم العقل وأن سقوطك كان حادثة عابرة في حياة عادية. ومن خلال أداء مثل هذا "المشهد الطبيعي"، يعيد المرء ترسيخ نفسه كشخص مطلع، ويتم استعادة النظام.

أدرك جوفمان أن السلوكيات من هذا النوع، مهما كان حجم ما يُشعر بها، ليست نتيجة لمخاوف خاصة، أو وعي ذاتي مفرط، أو حرج. وبدلاً من ذلك، فهي استجابات معقولة من أشخاص متناغمين بشكل مناسب مع تعقيدات العالم الاجتماعي.

يكشف "علم الاجتماع الجزئي"** لجوفمان أنه حتى أكثر التفاعلات الاجتماعية تصادفا هي ذات أهمية نظرية عميقة. كل لقاء يتشكل حسب القواعد الاجتماعية والحالات الاجتماعية؛ "سواء تعاملنا مع الغرباء أو المقربين، فسوف نجد أن أطراف أصابع المجتمع قد وصلت بشكل مباشر إلى العلاقة". تساهم مثل هذه التفاعلات في وعينا الذاتي، وعلاقاتنا مع الآخرين، وبنيتنا الاجتماعية، والتي غالبًا ما تكون قمعية للغاية. بقطع النظر عن التعاملات في قاعة المحكمة، أو مجلس الشيوخ، أو بورصة الأوراق المالية، فإنه في التفاعلات الدنيوية للحياة اليومية، كما يعتقد جوفمان، "يتم إنجاز معظم عمل العالم".

ولد إرفينج جوفمان/ Erving Goffman عام 1922 في ألبرتا، كندا، لمهاجرين يهود من أوكرانيا. بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في جامعة تورنتو، بدأ دراساته العليا في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة شيكاغو. قاده عمله الميداني إلى بالتاساوند، وهي قرية تقع في أونست في جزر شيتلاند، اسكتلندا. هنا طور نسخته الفريدة من الإثنوغرافيا. عرضت الأطروحة المنتجة، "سلوك الاتصال في مجتمع الجزيرة" (1953)، الأساليب والمنظور المبتكر الذي أصبح جوفمان مشهورًا به.

ووصف بحثه بأنه دراسة "في مجتمع"، وليس دراسة "مجتمع". لقد اعتقد أنه لكي تفهم عالمًا اجتماعيًا، لا يمكنك مجرد مراقبته؛ يجب أن تدخل فيه، وتكون مراقبًا مشاركًا. كان يعتقد أنه يجب عليك أن تتعمق كثيرًا في الأمر، بحيث "تنسى أن تكون عالم اجتماع".وهكذا، من ديسمبر 1949 إلى مايو 1951، أصبح عضوًا في مجتمع بالتاساوند. كان يحضر المزادات وحفلات الزفاف والجنازات والحفلات الموسيقية. كان يلعب البلياردو والوست( لعبة ورق)  مع السكان المحليين. وتناول العشاء وعمل غاسل أطباق في فندق محلي. سيصبح هذا النهج الغامر طريقة عمله - ومن المعروف أنه سيعمل لاحقًا متخفيًا في مستشفى للأمراض النفسية لدراسة قواعده الاجتماعية.

استخدم جوفمان هذه المنهجية لمتابعة أجندة بحثية جديدة. كان علماء الاجتماع البارزون في ذلك الوقت، مثل تالكوت بارسونز، مهتمين بالبنى الاجتماعية واسعة النطاق، مثل الاقتصادات والأديان والمؤسسات السياسية. تجنب جوفمان علم الاجتماع الكلي هذا لصالح تحليل  التفاعلات الشخصية الصغيرة وجها لوجه . لقد درس، على سبيل المثال، كيف استقبل سكان بالتاساوند بعضهم بعضًا أثناء مرورهم على الطرق، وكيف غيروا سلوكهم اعتمادًا على ما إذا كانوا بين العملاء أو الزملاء، وكيف تعاملوا مع الزلات الاجتماعية، مثل كتابة اسم شخص ما بشكل خاطئ.

مثلما يتصرف الممثل على خشبة المسرح بشكل مختلف عما يتصرف خلف الكواليس، كذلك يفعل كل واحد منا اعتمادًا على السياق.

في بحث الدكتوراه هذا، نجد نواة فكرة جوفمان الأكثر شهرة: أن التفاعلات الاجتماعية تحكمها مجموعة معقدة من المعايير والتوقعات التي أطلق عليها اسم "نظام التفاعل". كان يعتقد أن فهم نظام التفاعل هذا كان أمرًا أساسيًا لفهم كيفية تطوير البشر للهويات الفردية والجماعية، وكيف يتم تشكيل العلاقات والتنقل فيها، وكيف تتشكل أنظمة الاستبعاد والقمع.

في كتابه الأكثر شهرة، عرض الذات في الحياة اليومية (1956)، طوَّر جوفمان تحليلًا دراميًا للتفاعل، آخذًا على محمل الجد اقتراح شكسبير بأن "الدنيا مسرح كبير، وكل الرجال والنساء ما هم إلا ممثلون على هذا المسرح". مثلما يتصرف الممثل بشكل مختلف على خشبة المسرح عنه في الكواليس، كذلك يغير كل واحد منا سلوكه اعتمادًا على السياق.عندما نكون في حضور الآخرين، فإننا نسعى جاهدين لتقديم أنفسنا باعتبارنا نشغل دورًا اجتماعيًا معينًا، سواء كان ذلك موظفًا أو صاحب عمل أو معلمًا أو طالبًا أو جارًا. نحن نستخدم أجسادنا وكلماتنا لتقديم معلومات استراتيجية معينة. أطلق جوفمان على هذا اسم "المرحلة الأمامية".

عندما نترك هذه الأماكن الاجتماعية، نخرج من أزيائنا وندخل إلى "خلف الكواليس". يتضمن الكواليس عادةً حواجز أمام الإدراك - عندما نكون خلف الكواليس، أو المطبخ خلف المطعم، أو حمام المنزل الذي يستضيف حفل عشاء، نكون مخفيين عن الآخرين، ولم نعد بحاجة إلى التحكم بإحكام في الصورة التي نعطيها عن أنفسنا. في بعض الأحيان ينتهك ما وراء الكواليس ما هو موجود في المقدمة؛ قد نكون في حالة من خلع ملابسنا، أو نسمع من يتمتم  بشكل خبيث حول زميل لنا. وهذا يؤدي إلى إحراج شديد لأن الهوية التي نحاول تنميتها على المسرح قد قُوّضت.

أحيانًا يُساء فهم استعارة جوفمان الدرامية. لم يزعم أننا جميعًا محتالون ونسيء تمثيل أنفسنا باستمرار. بدلاً من ذلك، كانت وجهة نظره هي أن كونك عضوًا في المجتمع يتطلب عملاً مستمرًا: عملية مستمرة لإدارة الانطباعات، وجعل نفسك مفهومًا للآخرين من خلال الإشارات والإيماءات الخفية. وكما أن الشخصية في المسرحية هي نتيجة العمل الشاق الذي يقوم به الممثل، فإن هوية الشخص هي نتاج مشروع إبداعي مستمر، يتم تنفيذه من أجل الجمهور ومعه.

ويظل هذا العمل ذا أهمية حتى يومنا هذا، حيث قام المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي بتحويل بناء الهوية وتنظيمها إلى شكل من أشكال الفن. كما تجد استعارة جوفمان المسرحية أصداء في الفكرة المعاصرة للجندر كأداء، والتي طورتها جوديث بتلر في مشكلة الجندر (1990) وفي أماكن أخرى. كان جوفمان متقدما على عصره في ملاحظة أن الهوية لا يتم بناؤها من خلال الحديث فحسب، بل من خلال الجسد. نحن لا نعبر عن هوياتنا بالكلمات فحسب، بل أيضًا في الطريقة التي نتحرك بها وكيف نرتدي ملابسنا - أو ما يسميه جوفمان "لغة الجسد".

خلال الفترة التي قضاها في أونست، لاحظ جوفمان أنه عندما يحتاج السكان المحليون إلى الاختلاف مع بعضهم البعض، فإنهم لا يرفضون بيانًا ببساطة، بل يخففون من حدة الضربة بعبارة مثل "هناك شيء ما حول ما تقوله".وفي مقالته اللاحقة "في العمل على الوجه" (1955)، وصف هذه المناورات الاجتماعية اللبقة بأنها أشكال من "العمل على الوجه"، ومحاولات للحفاظ على "وجه" الشخص. وبالاعتماد على أفكار من المجتمع الصيني، وصف جوفمان "الوجه" بأنه "القيمة الاجتماعية الإيجابية" التي يبنيها الشخص ويطالب بها في التفاعل الاجتماعي.

لا بأس أن تبتسم لطفل مجهول في القطار، وليس لرجل مجهول في منتصف العمر

نحن عادة نعمل بجد لتجنب تقويض "وجه" الآخر. على سبيل المثال، إذا أردنا أن نطلب من شخص ما أن يفعل شيئًا ما، فإننا نظهر أننا نحترم استقلاليته من خلال صياغة الطلب بـ "هل تمانع إذا..."، "سأكون ممتنًا جدًا إذا استطعت..."، "أنا" آسف لإزعاجك، يعرف جميع البريطانيين إيماءة المحادثة التي يقوم بها المرء عندما يصفع فخذيه بكلتا يديه من وضعية الجلوس ويبدأ في الوقوف ببطء ــ وهي الحركة التي تكون مصحوبة في بعض الأحيان بعبارة "صحيح". لماذا تخاطر بتشويه وجه مضيفك بالقول "لقد اكتفيت من هذا وأريد الرحيل" بينما يمكنك أداء هذه الطقوس الصغيرة بدلاً من ذلك؟

نحن أيضًا نستجيب بسرعة عندما يخاطر شخص ما بفقدان ماء الوجه. إذا سقط شخص ما أو وجد نفسه في حالة غير سارة، فإننا ننظر بعيدًا. إذا تم تجاهلهم أو إهانتهم، فيمكننا الاعتذار (إذا كنا مسؤولين)، أو مجاملتهم، أو تقديم الهدايا والدعوات لهم. من المغري الاعتقاد بأن الغرض الأساسي من المحادثة هو تبادل المعلومات. في الواقع، يظل هذا افتراضًا في الكثير من فلسفة اللغة المعاصرة. يوضح لنا جوفمان أن المحادثة هي أكثر من ذلك بكثير ويمكن أن تتعلق بالحفاظ على احترام كل شخص لذاته بقدر ما تتعلق بتوصيل الحقائق أو الآراء.

إن نظام التفاعل يحكم أكثر بكثير من مجرد محادثاتنا. يعتقد جوفمان أننا نخضع لقواعد غير مرئية حتى عندما نكون موجودين فقط في وجود الغرباء. فكر في الطريقة التي تتصرف بها عندما تجلس بجوار شخص غريب في القطار أو تمر بشخص لم تره من قبل في الشارع. من المحتمل أنك ستنظر إليها للحظات - مجرد وميض - ثم تنظر بعيدا بشكل واضح، مثل سيارة تخفض أضواءها. من خلال هذا الإجراء، يتم تحقيق "الحد الأدنى من الطقوس الشخصية"، وهو ما يسميه جوفمان "قاعدة" "الانتباه المتحضر". أنت تعترف بمهارة بوجود الآخر، مع الإشارة إلى أنه "ليس لديك أي نية سلبية ولا [تتوقع] أن تكون موضوعًا له".

يعتقد جوفمان أنه إذا رأيت صديقًا في الأماكن العامة، فقد تحتاج إلى سبب لعدم التفاعل معه. من المحتمل أن تشعر أنك مضطر للتلويح أو الإيماء أو الابتسام. من ناحية أخرى، عندما تقابل شخصًا غريبًا، فإن التوقع الافتراضي هو أن تتجاهله تمامًا تقريبًا، ولكن ليس بالكامل. في بعض الحالات قد يكون من الصعب جدًا القيام بذلك؛ كتب جوفمان، بطريقته  البلاغية المعتادة: "إن القاعدة في مجتمعنا هي أنه بشكل عام، " عندما تكون الأجساد عارية، تكون النظرات مكسوة ".

ومع ذلك، هناك استثناءات لقاعدة الإهمال المدني/ Civil inattention . بعض "الأشخاص المنفتحين" لا يخضعون لها؛ كبار السن، وصغار السن، ورجال الشرطة، والأشخاص الذين لديهم كلاب، والآباء الذين لديهم أطفال، على سبيل المثال، يعتبرون جميعًا ودودين. لا بأس أن تبتسم لطفل مجهول في القطار، وليس لرجل مجهول في منتصف العمر.

ورغم أن جوفمان نفسه لم يتعمق في سياسات Civil inattention ، فمن الواضح أن التسلسلات الهرمية الاجتماعية تحدد نوعا ما من يمكنه الاقتراب من ومن الذي يعتبر سهل الوصول إليه. واصلت كارول بروكس جاردنر، طالبة جوفمان، تطبيق تحليلها للمساحة العامة على التهجم: لاحظت أن النساء الوحيدات غالبًا ما يعاملن كأشخاص منفتحين من قبل المتحرشين في الشوارع، بطرق تعزز المعايير الجنسانية القمعية.

وبينما كان جوفمان يحب أن يسلط شعلته الاجتماعية على الشبكة المعقدة من الأعراف الاجتماعية، فإنه لم ير أي قيمة جوهرية في الأعراف نفسها. في الواقع، كان في كثير من الأحيان ينتقد بشدة إمكاناتها الإقصائية. في كتب مثل المصحات (1961)، وصمة العار (1963) وفي سلسلة من المقالات عن السجون والمستشفيات، أظهر تعاطفًا كبيرًا مع محنة "المنحرفين"، الأشخاص الذين لم يمتثلوا أو لم يتمكنوا من الامتثال لأمر التفاعل. ، على سبيل المثال. لأسباب نفسية أو جسدية، وبالتالي استبعادهم من المشاركة الاجتماعية.

في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، أمضى جوفمان 12 شهرًا في العمل كموظف في مستشفى سانت إليزابيث، وهو مرفق للأمراض النفسية في واشنطن العاصمة بهدف "التعرف على العالم الاجتماعي لنزيل المستشفى، حيث يختبر هذا العالم بشكل شخصي".  وكانت النتائج التي توصل إليها لاذعة، ووصف هذه المستشفيات بأنها "مقالب تخزين للقمامة لا نفع منها مغطاة بأوراق الطب النفسي".

كانت أعمال العصيان البسيطة هي محاولات المرضى للتشبث بهويتهم

وصف مستشفيات الأمراض النفسية، إلى جانب السجون ودور الرعاية وثكنات الجيش والأديرة والمدارس الداخلية، بأنها "مؤسسات كاملة". هذه هي المؤسسات التي ينقطع فيها الأفراد عن بقية العالم الاجتماعي، ويضطرون إلى الخضوع لجميع الإجراءات الروتينية الأساسية للحياة اليومية - العمل، واللعب، والنوم - في نفس المكان، في نفس المكان، مع آخرين في نفس المكانة، وفقا لجدول زمني تحدده السلطة.

لاحظ جوفمان أن السجناء، عند وصولهم إلى مثل هذه المؤسسة، يخضعون عادة لسلسلة من الإذلال والإهانة وتدنيس الذات ــ على سبيل المثال، في السجن أو المستشفى، تتم مصادرة ممتلكاتهم، وتجريد أجسادهم، وفحصها. ويغتسلون، ويحلقون في بعض الأحيان، وتنزع وسائل اتصالهم بمعارفهم في العالم الخارجي.

ويعتقد جوفمان أنه من خلال هذه العملية، أُجبر المرضى على التخلي عن "ذواتهم المدنية" لصالح الذات المؤسسية المعقمة. إن أعمال العصيان البسيطة التي انخرط فيها المرضى بعد ذلك، مثل امتلاك أماكن محظورة للاختباء أو الابتزاز أو العمل الجنسي، لم تكن أعراضًا للانحطاط بل كانت محاولات للتشبث بهويتهم بينما كانت القوى المحيطة بهم تعمل جاهدة للقضاء عليها.

كان جوفمان ينتقد بشدة ما يمكن أن نسميه الآن «النموذج الطبي» للمرض العقلي، والعمليات التي من خلالها يصبح الشخص مؤسسيًا. وقال إن العديد من أعراض حالات الصحة العقلية كانت في الواقع "مخالفات ظرفية" - فشل في الالتزام بمعايير نظام التفاعل.

يعتقد جوفمان أن إضفاء الطابع المؤسسي على الأشخاص الذين ارتكبوا مثل هذه "المخالفات" من شأنه أن يدفعهم إلى ارتكاب المزيد: "إذا سلبت الناس جميع الوسائل المعتادة للتعبير عن الغضب والاغتراب ووضعتهم في مكان لم يكن لديهم فيه سبب أفضل من قبل لهذه المشاعر، فإن الملاذ الطبيعي سيكون هو هو استغلال ما تبقى – المخالفات الظرفية."

وهنا، حدد جوفمان ما أسماه الفيلسوف إيان هاكينج "الحلقة الاجتماعية": إن وصف شخص ما كعضو في فئة اجتماعية (في هذه الحالة، شخص يعاني من مرض عقلي) يؤدي إلى تطوير المزيد من الخصائص التي تبرر مثل هذا التوصيف. يبدو أن مستشفى الطب النفسي كان يتفاعل فقط مع المرض العقلي، لكنه في الواقع قام ببنائه إلى حد ما.

يرى جوفمان أن الشخص الموصوم سيظل إلى الأبد "أجنبيًا مقيمًا"

في وصمة العار، ركز جوفمان اهتمامه على عمليات الاغتراب الاجتماعي خارج المؤسسة. لقد تصور وصمة العار على أنها "سمة تسيء إلى السمعة بشكل كبير، وتتسبب في "تلوث" الشخص أو التقليل من شأنه، وبالتالي "عدم أهليته للقبول الاجتماعي الكامل". كان يعتقد أن هناك وصمة عار جسدية مثل الإعاقة. وصمة العار الأخلاقية، مثل العيوب المزعومة في الشخصية؛ والوصمة القبلية، مثل الانتماء إلى أعراق أو أمم أو ديانات أو طبقات معينة.

كان جوفمان واضحًا في أن وصمة العار "ليست جديرة بالثقة أو غير جديرة بالثقة باعتبارها شيئًا في حد ذاتها". بل إن المجتمع هو الذي يحدد السمات العادية والطبيعية وأيها ليست كذلك. لقد كان ذكيًا بشكل خاص في التعامل مع التحديات التي يواجهها الأشخاص الذين يعانون من الوصمة، وفي ما يمكن أن نسميه الآن "سياسة الاحترام": "العرض أو عدم العرض"، يجب على الشخص الموصوم أن يتساءل، "الإخبار أو عدم الإخبار؛ السماح أو عدم السماح ؛ الكذب أو عدم الكذب؛ وفي كل حالة، لمن وكيف ومتى وأين. في عبارة واضحة ومميزة، وصف جوفمان المكفوفين الذين يختارون ارتداء نظارات داكنة لإخفاء أعينهم بأنهم "يكشفون عن سوء البصر بينما يخفون القبح".

ويرى جوفمان أن الشخص الموصوم سيظل إلى الأبد "أجنبيًا مقيمًا". إن اندماجها الظاهري في أي مجتمع سوف يكون دائما مؤقتا وغير مستقر، وسوف يعيش في خوف من إرباك أولئك الذين يتفضلون بضمه. من المتوقع أن يقدم هذا الشخص لمجتمعه الجديد قبولًا بأنه لن يقدمه له أبدًا في المقابل. يمكنك أن تتوقع، في أحسن الأحوال، "القبول الوهمي"، والذي بدوره يتيح لك الشعور "بالحياة الطبيعية الوهمية".

في وقت متأخر من حياته، وجه جوفمان اهتمامه نحو الجنس. كان متيقظًا، كما كان دائمًا، لطبيعة الهوية المبنية اجتماعيًا، ورفض الاختلاف الجسدي كأساس لعدم المساواة الاجتماعية بين الرجال والنساء،وجادل بأن الاختلافات بين الجنسين تم إنتاجها من خلال "نظام تحديد الهوية" الذي يملي أنواع العمل الذي يقوم به الأشخاص، ومع من يتفاعلون، وكيف يلبسون، وحتى المراحيض التي يستخدمونها. يعتقد جوفمان أن "التعبيرات عن التبعية والسيطرة ليست مجرد تتبع أو رمز أو تأكيد طقسي للتسلسل الهرمي الاجتماعي". وبدلاً من ذلك، «تشكل هذه التعبيرات التسلسل الهرمي إلى حد كبير؛ إنهما الظل والجوهر.  فالنوع الاجتماعي هو نتاج الممارسات الاجتماعية التفاضلية، وليس مبررًا لها.

طوال حياته المهنية، رفض جوفمان وصف عمله بأنه يقدم نظرية للعالم الاجتماعي. في خطابه الرئاسي أمام الجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع، والذي نُشر بعد وفاته بسبب وفاته المبكرة عن عمر يناهز الستين عامًا، وصف جوفمان نفسه بأنه يقدم ببساطة "لمحات" عن بنية التفاعل الاجتماعي. ولعل هذا يفسر لنا  سبب اختلاف العديد من علماء الاجتماع بشأن أعماله، على الرغم من شهرته، ولماذا يتم تجاهله في كثير من الأحيان في مجال الفلسفة المجاور.

من الصعب أن نعرف بالضبط ما يجب فعله مع جوفمان. فهو لم يقدم أي مبادئ تأسيسية، ولا تحليلات شاملة للعالم في مجمله. ولم تكن منهجيته واضحة دائمًا أيضًا؛ لقد استخدم الكثير من البيانات ليتأهل كمنظر، لكن عمله كان في كثير من الأحيان مجردًا جدًا، وانطباعيًا جدًا، وأدبيًا جدًا بحيث لا يمكن اعتباره إثنوغرافيًا صالحا. ولم يساعد فى توضيح الأموربسبب  رفضه الانخراط في تحليلات الآخرين لعمله.

ألا توجد راحة من مطالب وآراء الآخرين؟

ومع ذلك، فإن رفض جوفمان للتنظير له أهمية كبيرة من الناحية النظرية. لقد أظهر أن المرء لا يحتاج إلى صياغة نظرية كبرى عن العالم من أجل تحسين فهمنا له. والواقع أن مثل هذه النظريات الكبرى قد تكون سابقة لأوانها في حين أننا لم نقدر بعد التعقيد الكامل حتى لأدق الظواهر ــ مثل سقوط شخص في الشارع. اعتقد جوفمان أنه يمكن أن تكون هناك قيمة كبيرة في توفير حتى «تمييز مفاهيمي واحد»، «إذا كان يأمر وينير ويعكس البهجة في حدود بياناتنا».

ومن خلال تحديد "نظام التفاعل"، ألقى جوفمان الضوء أيضًا على بُعد من الحياة كان مخفيًا في السابق عن معظمنا. من خلال مهاجمة ما أسماه "النزعة المؤثرة للحفاظ على جزء من العالم في مأمن من علم الاجتماع"، أظهر لنا جوفمان أن الحياة اجتماعية بكل معانيها: لا شيء نفعله خال من أعراف مجتمعنا وتوقعاته.

قد يجد المرء هذا الاكتشاف محبطًا؛ ألا يوجد راحة من مطالب وآراء الآخرين؟ ولكن من الممكن أيضًا أن تجد الأمل في هذا. إن ما يمكن أن نعتبره حرجًا شخصيًا هو في الواقع دليل على الانسجام الشديد مع الأعراف الاجتماعية. إن سمات أجسادنا وسلوكياتنا وعقولنا التي أخبرنا الآخرون بأنها عيوب متأصلة ليست في الواقع ذات أهمية أخلاقية - إذ تنشأ عيوبها المزعومة من معايير اجتماعية تعسفية "للحياة الطبيعية". وفي نهاية المطاف، فقط عندما ندرك تعسف واصطناع مثل هذه الأعراف الاجتماعية، وخاصة تلك التي تضطهدها، يمكننا أن نبدأ في تحويلها.

***

........................

* إرفنج جوفمان (11 يونيو 1922 - 19 نوفمبر 1982) عالم اجتماع أمريكيًا كندي المولد، وعالم نفس اجتماعي، وكاتب، يعتبره البعض "عالم الاجتماع الأمريكي الأكثر تأثيرًا في القرن العشرين".

**علم الاجتماع الجزئي هو أحد المستويات الرئيسية للتحليل (أو التركيز) في علم الاجتماع، فيما يتعلق بطبيعة التفاعلات الاجتماعية البشرية اليومية والفاعلية على نطاق صغير: وجهًا لوجه.   يعتمد علم الاجتماع الجزئي على التحليل التفسيري الذاتي بدلاً من التحليل الإحصائي. أو الملاحظة التجريبية.

المؤلفة: لوسي ماكدونالد/ Lucy McDonald محاضر في الأخلاقيات في جامعة كينغز كوليدج في لندن. ظهرت أعمالها في مجلة الفلسفة الأخلاقية والمجلة الأسترالية للفلسفة، وغيرها.

(رؤية تحليلية – نقدية)

”وبعد الترحيب بالأفكار من دون التسليم بها إحدى أهم العلامات التي تميز العقل المثقف“ (أرسطو).

” وحتماً، يمكن أن يكون العقل أي شيء... فطريقة تفكيرك هي التي تحدد شخصيتك “ (بوذا).

- تمهيد:

ما تزال الرغبة في السيطرة على أفكار الآخرين وسلوكياتهم وأفعالهم أكثر المطالب إلحاحاً منذ بزوغ فجر الإنسانية. بيد أن قلة نادرة من الناس فقط تدرك أن تقنيات السيطرة على العقل وجدت مع فجر الحضارة نفسها. وبقدر إدراكنا لما وهبنا إياه الله تعالى من عقول متنوعة وطرائق تفكير مختلفة. ندرك في الوقت نفسه تلك الشهوة العارمة للسيطرة على عقول الآخرين وطرائق تفكيرهم، بغض النظر عن الدافع أو الفائدة المبتغاة، ربما يكون السبب نابعاً من رغبتنا في فهم الطريقة التي يفكّر فيها الآخرون، وما إذا كانت تتفق مع طريقتنا أو تختلف عنها(1).

لكن بالمقابل، يعتبر العقل ميزة الإنسان وقيمته العليا، لا بل هو والإنسان صنوان لا يفترقان وبدونه يفقد الإنسان إنسانيته. وبفضل العقل وقواه استطاع الإنسان أن يصول ويجول ويكشف الحقائق ويُخضع الأشياء لسلطانه وأن يذلل الصعاب ويبدد الظلمات وينشر النور ويتصور الأشياء ويتأمل في الوجود ويسبح في الخيال والفرضيات واللامعقول.

وعن أهمية العقل في التطور البشري يمكننا القول إن العقل هو قوة أساسية تمكن الإنسان من التطور والنمو الشخصي. بفضل العقل، يستطيع الإنسان أن يفكر ويتعلم ويتطور، ويستخدم التفكير العقلي لتحقيق أهدافه واتخاذ القرارات الصحيحة. يساعد العقل الباطن في تطوير الذات وتحقيق النجاح في الحياة(2).

عندما يستخدم الإنسان عقله بشكل فعّال، يتمكن من استكشاف إمكاناته وتطوير مهاراته العقلية والإبداعية. يسمح له العقل بالتفكير بشكل منطقي وتحليلي، وبالتالي يزيد من فهمه للمشكلات ويتمكن من العثور على حلول إبداعية. يعمل العقل الباطن في خلفية الوعي اليومي للإنسان، وهو المسؤول عن تطوير العادات والمعتقدات وتشكيل الشخصية. لذا، يُعتبر استخدام العقل الباطن في تطوير الذات وتحقيق الأهداف أمراً ضرورياً. من خلال تنمية العقل وتعزيز التفكير المنطقي، يمكن للإنسان أن يحسن من أدائه في جميع جوانب الحياة. فالتفكير العقلي يساعد على اتخاذ القرارات الصائبة ومواجهة التحديات بثقة. كما يساعد في تحليل المعلومات والبيانات بشكل فعّال، وبالتالي يمكن للإنسان اتخاذ قرارات مدروسة والوصول إلى نتائج إيجابية(3). ولكن قبل الخوض في تحليل ونقد ممارسات العقل الإنساني سنحاول توضيح وتعريف مفهوم العقل في محاولة لفهم جوهر هذا المفهوم لغوياً، وفلسفياً، واصطلاحياً.

- مفهوم العقل: لغوياً العَقْلُ (اسم)، الجمع عُقُولٌ. مصدر عَقَلَ. عَقَلَ: (فعل). عَقَلَ عن يَعقِل، عَقْلاً عُقُول، فهو عاقل، والمفعول معقول - للمتعدِّي. عَقَلَ الوَلَدُ: أَدْرَكَ حَقَائِقَ الأَشْيَاءِ. وأصل معنى العقل المنع والإمساك والحبس، وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه، أي يحبسه عن التورط في المهالك، أو لأنه يعقل حقائق الأشياء(4). ومن المعاني الواردة، قولهم: عقل عقلاً: أي أدرك الأشياء على حقيقتها، والغلام أدرك وميّز، ويقال: ما فعلت هـذا منذ عقلت. والعاقل هـو الشخص المدرك. ومن المعاني، أن العقل هـو ما يقابل الغريزة التي لا اختيار لها. ومنه قولهم: الإنسان حيوان عاقل. ومنها ما يكون به التفكير والاستدلال، وتركيب التصورات والتصديقات. كما أن من المعاني الواردة حول موضوع العقل: إنه ما يتميز به الحسن من القبيح، والخير من الشر، والحق من الباطل.

أما معجم وبستر Webster فقد أورد معان عدة لكلمة عقل، تحت الكلمة الإنجليزية، Mind ومن هـذه المعاني: الذاكرة، التذكر أو الاسترجاع. وقد تعني ما يفكر به الشخص، أو رأيه في موضوع من المواضيع. ومن المعاني الواردة: أنه يعني الإدراك، الشعور، الانتباه، الذكاء، الملاحظة. وقد قصرت بعض التعريفات في هـذا القاموس العقل: على ما يمكن التفكير به، أو إدراكه، مما يمكن تصنيفه على أنه جزء من الشعور، إلا أن تعريفاً آخراً، يضيف الخبرة اللا شعورية، كعمل من أعمال العقل. والتعريف الشامل الذي ورد في قاموس وبستر هـو طريقة، وحالة، واتجاه للتفكير والشعور، الذي يكون عليه الفرد، وقد وردت معاني مثل: الانتباه، الطاعة، الاهتمام، الملاحظة، الاعتراض، الكره، كمعان معبرة عن العقل.

ومفهوم العقل في التربية وعلم النفس يتشعب فيها، بين الذكاء، والفهم، والقدرة العامة، والقدرات المتخصصة، بالإضافة إلى القدرات الشعورية واللاشعورية، حيث أورد فاخر عاقل تعريفاً للعقل: على أنه مجموع السلوك الذكي، بما في ذلك التذكر، والتفكير، والإدراك. وكثيراً ما يستعمل مرادفاً للخبرة الشعورية(5). فالعقل بناءً على ما سبق هو: مجموعة من القوى الإدراكية التي تتضمن الوعي، المعرفة، التفكير، الحكم، اللغة والذاكرة. هو غالباً ما يعرف بملكة الشخص الفكرية والإدراكية. يملك العقل القدرة على التخيل، التمييز، والتقدير، وهو مسؤول عن معالجة المشاعر والانفعالات، مؤدياً إلى مواقف وأفعال.

أما العقل فلسفياً يرى أسطو أن العقل عبارة عن جوهر قائم بالإنسان يفارق به الحيوان ويستعد به لقبول المعرفة. أقام أرسطو فلسفته كلها على الماهيات العقلية التي عرفت من خلال نظريته في الصورة. فالعقل في الفلسفة اليونانية هو مقياس لذاته، وهو سند يقينه فلا حاجة للتدليل على صدق قضاياه إلى أدلة خارجية عن دائرة ذاته، وهو وحده كاف لتحصيل العلوم والمعارف في شتى أشكالها وضروبها(6).

إن الشعور دائماً ما يحثنا على عدم قبول نتائج منطقية يؤيدها العقل. وليس من الحكمة التنكر لشعورنا لمجرد أن العقل يرفضه. ويذهب كانط إلى أن العقل أداة فكرية تحول الإدراك الحسي إلى أفكار، وتمنح التجربة وحدة الفكر. وبين التجربة والعقل تتم المعرفة، فالتأملات العقلية النظرية ليس لها قيمة ما لم تدعمها التجربة(7). ففي كتابه نقد العقل المحض 1781، ناقش كانط شروط قيام العلم، ممثلاً بالرياضيات، والتي تعتمد على الإمكان القبلي ثم الإمكان التركيبي فيما بعد، لإنتاج معرفة علمية يقينية ضرورية، والتي يُنتج المحمول فيها شيئاً جديداً لم يكن متضمناً في الموضوع. وقد أخذ كانط على كل الفلسفات السابقة، سواء أكانت عقلية أم تجريبية، أنها أغفلت النظر في العقل ذاته، من حيث هو ينبوع كل معرفة، وبدلاً من ذلك، نظرت في المعارف كلها بواسطة العقل، بوصفه، أي العقل، معصوماً لا مجال للتشكيك في إمكاناته المكتملة. وهذا ما دفعه (كانط) إلى النظر في العقل من حيث إمكاناته وطاقاته، بغية الوصول إلى ما قد يستطيع بلوغه، وما لا يستطيع، ومن ثم الوصول إلى القواعد والمبادئ التي تضبط المعرفة من جهة، والأخلاق من جهة أخرى(8).

ويعرف العقل اصطلاحاً بـأنه كل الأفكار والمفاهيم والمعلومات والعادات الفكرية التي توجه السلوك الفردي والاجتماعي وتقومه. إذ إن العقل ينشأ بالمعرفة ويتحكم بالأمور عن طريق التحليل والتعليل والبرهان، فالعقل يقوم على البرهان، والبرهان عادة نابع من رد النتيجة إلى المقدمة التي تولدت عنها. باختصار شديد العقل يقوم على النقد والموضوعية(9). بناءً على ما سبق سنحاول استعراض مفهوم العقل كممارسة تطبيقية في الواقع العملي والاجتماعي من خلال المفاهيم التالية:

1- العقل الأداتي Instrumental Reason : يقصد بالعقل الأداتي نوعاً من التفكير السائد في المجتمع الصناعي الحديث وهو ما وصفه هربرت ماركيوز بالتفكير ذو البعد الواحد، ويتضح ذلك في أسلوب التفكير العلمي والتقني، كما تعبر عنه الفلسفة الوضعية بأشكالها المعاصرة والفلسفة البراغماتية.

يتضمن مصطلح (الأداتية) مضمونين: فهو أسلوب لرؤية العالم، وأسلوب لرؤية المعرفة النظرية. بحيث إن رؤية العالم بوصفه أداة تعني اعتبار عناصره أدوات نستطيع بواسطتها تحقيق غاياتنا، والمثال على ذلك، أنا لا انظر إلى الشجرة لما يجلب جمالها لي من رضى، بل أراها خشباً يمكن أن يحول إلى ورق يطبع عليه كتابي الذي أقوم بتأليفه.... وبإمكاننا أيضاً النظر إلى المعرفة باعتبارها أداة ووسيلة لتحقيق غاية. وربما تكون هذه الفكرة أصعب كثيراً لأنها تتخلل ثقافتنا لدرجة أن إي وجهة نظر أخرى لا ترى في المعرفة أداة يصعب تصورها(10).

* يمكن القول بأن العقل الأداتي بعد تبلوره، يتسم بالسمات التالية(11):

- ينظر العقل الأداتي إلى الواقع من منظور التماثل بحيث لا يهتم بالخصوصية المميزة للواقع الاجتماعي، لأنه يبحث عن السمات المتماثلة في الأشياء ويهمل السمات التي تميز ظاهرة ما عن أخرى.

- العقل الأداتي قادر على إدراك الأجزاء، فهو يعمل على تفتيت الواقع إلى أجزاء غير مترابطة، ويفككه دون أن يستطيع إعادة تركيبه إلا من خلال نماذج اختزالية بسيطة.

- ينظر العقل الأداتي إلى الإنسان باعتباره مجرد جزء يشبه الأجزاء الطبيعية (المادية) الأخرى، وهذا الجزء ليس له ما يميزه عن بقية العالم، فهو مستوعب في كليته في النظام الاجتماعي القائم وفي تقسيم العمل السائد في الطبيعة (المادة).

- يرى العقل الأداتي الإنسان من منظور العلوم الطبيعية باعتباره شيئاً ثابتاً وكماً واضحاً ووضعاً قائماً لا يحتوي أية إمكانيات إنسانية خلاقة.

- ينظر العقل الأداتي إلى الطبيعة والإنسـان باعتبارهما مادة استعمالية يمكن توظيفها واستغلالها لخدمة أي هـدف.

- الهدف النهائي من الوجود كما يؤمن العقل الأداتي هو الحفاظ على بقاء الذات وهيمنتها وتفوقها، ومن هنا جاءت تسميته بالعقل الذاتي أيضاً.

- لتحقيق هذا الهدف، يلجأ العقل الأداتي إلى فرض المقولات الكمية على الواقع وإخضاع جميع الوقائع والظواهر (الطبيعة والإنسان) للقوانين الشكلية والقواعد القياسية والنماذج الرياضية، حتى يمكن التحكم في الواقع ويصل هذا إلى ذروته في الفلسفة الوضعية. وينتج عن هذا ما يلي:

أن العقل الأداتي يصبح عاجزاً تماماً عن إدراك العمليات الاجتماعية والسياسية والتاريخية في سياقها الشامل الذي يتخطى حدوده المباشرة، بل إنه يعجز تماماً عن إدراك أي غايات نهائية أو كليات متجاوزة للمعطيات الجزئية الحسية والمعطيات المادية الآنية. ولذا يمكن تسميته بالعقل الجزئي أي أنه يصبح عاجزاً تماماً عن تحقيق أي تجاوز معرفي أو أخلاقي.

لهذا السبب نفسه يصبح العقل الأداتي غير قادر على تجاوز الحاضر للوصول إلى الماضي أو استشراف المستقبل، أي أن العقل الأداتي يسقط تماماً في "اللا زمنية واللا تاريخية".

مع غياب أية مقدرة على إدراك الكل المتجاوز وأية أسس تاريخية ورؤى مستقبلية، أي مع غياب أية أرضية معرفية ثابتة، يمكن أن تستند إليها المعايير العامة، يسقط العقل الأداتي تماماً في النسبية المعرفية والأخلاقية والجمالية إذ تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تظهر حالة من " اللا معيارية الكاملة "، فيمكن القول بأن النموذج الكامن والمهيمن على الإنسان الذي يصبح مع تساوي الأمور هو: (الطبيعة - المادة - السلعة - الشيء في ذاته - علاقات التبادل المجردة).

يصبح العقل الأداتي قادراً على شيء واحد فقط وهو قبول أمر الواقع، من خلال التكيف مع ما هو قائم من أحداث ووقائع وجزئيات بالإضافة إلى التكيف مع الظروف المنتجة (للقهر والقمع والتنميط والاغتراب) التي تؤدي جميعها بنهاية الأمر إلى تثبيت دعائم السلطة وعلاقات القوة والسيادة القائمة في مجتمع معين، مع العمل على كبح أية نزعات إبداعية تلقائية تتجاوز ما هو مألوف.

كما يتحول العقل رغم تحرره من الأساطير، إلى قوة عقلانية تحاول السيطرة على الطبيعة والإنسـان وترشـيد الحياة بشـكل يؤدي إلى نفي الحرية تماماً كما يتبدى في بنى التسلط الرشيدة الحديثة، ولذلك نجد أن التقدم أدى إلى عكسه وأن التنوير أدى إلى الشمولية، فالمجتمعات الحديثة التي تسعى إلى الفردية همشت الفرد، وأنها في طريقها إلى شكل من أشكال البربرية التي تتقدم بخطى حثيثة نحو الجحيم، والبرهان على ذلك ما حدث في معسكرات الإبادة النازية فهو جزء عضوي من هذه المسيرة الشيطانية حسب آراء مفكري الاتجاهات النقدية باعتباره ينتمون إلى الديانة اليهودية(12).

وهكذا يؤدي الترشيد الأداتي والسيطرة المتزايدة - لمجالات متنامية في الحياة الاجتماعية من قِبَل الأنظمة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والإدارية - إلى استعباد الإنسان وإلى تقليص عالم الحياة وهيمنة عالم الأداة واستبعاد كثير من جوانب حياته الثرية وإمكانياته الكامنة المتنوعة، أي أن العقل الأداتي يؤدي إلى هيمنة الواحدية الموضوعية المادية.

2- العقل النقدي Critical Reason: يقال عنه أيضاً " العقل الكلي أو العقل الموضوعي "، في مقابل "العقل الأداتي أو العقل الجزئي أو العقل الذاتي"، وكلمة نقدي هنا مبهمة إلى حد ما، وتعود إلى مفهوم كانط في النقد، فكانط كان يرى عمله باعتباره جزءاً من المشروع التنويري الغربي الذي رفض جميع الحجج التقليدية القائمة وأخضع كل شيء للنقد، ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد وإنما أخذ خطوة للأمام وأخضع العقل للعملية النقدية نفسها، أي أن كانط أخضع أداة الاستنارة الكبرى للنقد وبيَّن حدودها الضيقة، متجاوزاً بذلك عقلانية عصر الاستنارة، أي أن هناك عقلانيتين: عقلانية مباشرة سطحية، وعقلانية أكثر عمقاً، وهذا هو الذي ترجم نفسه إلى عقلانية العقل الأداتي وعقلانية العقل النقدي. وبالعموم يتسم العقل النقدي بما يلي(13):

- ينظر العقل النقدي إلى الإنسان لا باعتباره جزءاً من كل أكبر منه يعيش داخل أشكال اجتماعية ثابتة معطاة، مستوعباً تماماً فيها وفي تقسيم العمل القائم، وإنما باعتباره كياناً مستقلاً مبدعاً لكل ما حوله من الأشكال التاريخية والاجتماعية.

- لا يدرك العقل النقدي العالم (الطبيعة والإنسان) كما تدركه العلوم الطبيعية، باعتباره نتاجاً ثابتاً ووضعاً قائماً وسطحاً صلباً، وإنما يدركه باعتباره وضعاً قائماً وإمكانية كامنة.

- لا يقنع العقل النقدي بإدراك الجزئيات المباشـرة، فهو قادر على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود الإنسـاني.

- العقل النقدي قادر على التعرف على الإنسان من خلال دوافعه وإمكانياته والغرض من وجوده.

- بناءً على ما تقدم نجد أن العقل النقدي قادراً على تجاوز الذات الضيقة والإجراءات والتفاصيل المباشرة والحاضر والأمر الواقع، لذا يمكن تسمية العقل النقدي بـ (العقل المتجاوز)، فهو لا يقبل الواقع بصورته المطلقة الجامدة، وإنما يمكنه القيام بجهد نقدي تجاه الأفكار والممارسات والعلاقات السائدة والبحث في جذور الأشياء وأصولها وفي المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح وهذا هو الجانب التفكيكي في العقل النقدي.

- يدرك العقل النقدي الحقيقة الكلية والإمكانيات الكامنة ليست كعوامل مجردة متجاوزة للإنسان (الفكرة الهيجلية المطلقة)، وإنما هي كامنة في الإنسان ذاته، والعقل النقدي قادر على رؤيتها في كمونها هذا أي أن الإنسان يحل محل الفكرة المطلقة.

- لا توجد الحقيقة في الواقع بذاته وإنما تقع بين الواقع الملموس، كما يحدده المجتمع من جهة والخبرة الذاتية من جهة أخرى. لذلك فالوضع الأمثل هو وضع التوازن بين الذات والموضوع وهذا ما يقدر على إنجازه العقل النقدي وما يفشل فيه تماماً العقل الأداتي.

- يعتبر التاريخ عملية كاملة تتحقق من خلالها الذاتية الإنسانية، أي أن التاريخ هو الذي يرد إلى الإنسان (خالق التاريخ) وليس الإنسان هو الذي يرد إلى التاريخ، لذلك فإن المجتمع في كل لحظة هو تجل فريد للإنسان، وتحقق الإمكانية الإنسانية في التاريخ هو الهدف من الوجود الإنساني.

- يمكن إنجاز عملية انعتاق الإنسان وتحريره من خلال التنظيم الرشيد للمجتمع المبني على إدراك الإمكانية الإنسانية الذي يعتمد على الترابط الحر بين جميع أفراد المجتمع الذين يتاح لهم نفس الإمكانية لتنمية أنفسهم بنفس الدرجة المعطاة للجميع الأمر الذي يؤدي إلى القضاء على الاستغلال وانتفائه فيما بينهم.

- يمكن للعقل النقدي أن يساهم في هذه العملية من خلال الجهد التفكيكي الذي أشرنا إليه. كما يمكنه أيضاً القيام بجهد تركيبي إبداعي، فهو قادر على التمييز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي، وعلى صياغة نموذج ضدي ليس انطلاقاً مما هو معطى وإنما مما هو متصور وممكن في آن واحد ويمكن على أساسه تغيير الواقع، أي أن العقل النقدي يطرح أمام الإنسان إمكانية تجاوز ما هو قائم دائماً انطلاقاً من إدراكه لما هو ممكن بداخله، أي أنه يفتح باب الخلاص والتجاوز أمام الإنسان وهو عكـس التكـيف والإذعـان للأمر الواقع (على طريقة العقل الأداتي)(14).

3- العقل التواصلي: Communicational Reason  مفهوم صاغه هابرماس لمحاولة تنمية البعد الموضوعي الإنساني للعقل، ولذلك يطلق على مفهوم العقل عند هابرماس " العقل التواصلي " Communicational Reason هذا العقل لديه هو فاعلية تتجاوز العقل الغربي المتركز حول الذات، والعقل الشمولي المنغلق الذي يدعي أنه يتضمن كل شيء، والعقل الأداتي الوضعي الذي يفتت ويجزئ الواقع ويحول كل شيء إلى موضوع جزئي حتى العقل نفسه(15).

يرى هابرماس أن العقل الأوروبي قد شهد مراحل من الصعود والهبوط، فالعقل الذي أسسه كانط، أي عقل التنوير في أرقى تجلياته، لم يستخدم دائماً في الطريقة الصحيحة، رغم أنه فتح أمام الإنسان الأوروبي المتجاهل، وحرره من العقد القديمة والوعي الخاطئ، وقذف به نحو اكتشاف أسرار الطبيعة والكون، وأدى إلى تأسيس أكبر حضارة مادية وتقنية شهدها تاريخ البشرية. لكن هذا العقل كان ينحرف أحياناً عن مساره الصحيح، فيتحول إلى عقل أداتي، بحسب تعبير ماكس فيبر، أي عقل حسابي بارد قادر على خلق المعجزات التقنية وعلى استئصال البشرية في وقت واحد(16).

وفي كتابه " الفعل التواصلي " الذي يشكل بوجه من الوجوه إسهاماً فيما يسميه " نظرية التواصل "، يعيد هابرماس طرح إشكالية العقلانية الحديثة بإسقاطاتها المتعددة وهذا ما عبر عنه في التمهيد الخاص بالجزء الأول حين قال: "على الرغم من مما يوحي به العنوان فأنا واع من أنني لم أقدم نظرية مكتملة من خلال هذين الجزأين ومع ذلك سأسعى إلى تثبيت العنصر النظري الضروري لكل الفلسفة ملزمة ببلورة فهم خاص بها يتجاوز الفهم الميتافيزيقي إذا ما رغبت في إقامة روابط تعاون مع العلوم الاجتماعية بالاستناد إلى قاعدة تقسيم العمل فإن الرهان بالنسبة لي يتلخص في تأسيس مشروع قد يتفرع في اتجاهات متعددة إذا ما قبلنا النظر إليه نظرة واعدة"(17).

يسقط مفهوم العقل عند هابرماس من حسابه أية مسألة جوهرية، وبتعبير آخر أن العقل عنده لم يعد جوهراً، سواء أكان هذا الجوهر موضوعياً أو ذاتياً، بل صار معمولاً به نتيجةً لتأثيرات الاتجاهات التحليلية عليه. إنه سيكون من الحكمة البحث فيما هو عقلاني عوضاً عن البحث في مفهوم العقل وعليه ينتقل الاهتمام المركزي إلى العقلانية بدل التركيز على العقل في شكله المجرد(18).

وعندما يطرح هابرماس هذا العقل التواصلي، لا يريد الامتثال للعقول التي تدعي تقديم حلول فورية لإشكاليات مركبة في البيئة الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية، أنه يريد لهذا العقل أن يكون متواصلاً مع غيره.

لذا يؤكد هابرماس على "أن هذا العقل يتجاوز العقلانية الغربية التي أعطت أولوية مطلقة للعقل الغائي، والتي تهدف إلى تحقيق مصالح وغايات معينة، فهذا العقل يبنى على فعل خلّاق يقوم على الاتفاق بعيداً عن الضغط والتعسف وهدفه بلورة إجماع يعبر عن مساواة داخل فضاء عام ينتزع الفرد جانباً من ذاتيته ويدمجها في المجهود الجماعي الذي يقوم بالتفاهم والتواصل العقلي"(19).

ويمكننا القول إن هابرماس من خلال كل أعماله وكتاباته. يريد أن يؤكد على ما يسميه بالعقل التواصلي كصيغة تركيبية لقضية الحداثة الغربية والعقلانية سواء في تعبيرها الأنواري أو في مظاهرها النقدية. فالعقل التواصلي هو الذي ينظم النشاط الاتصالي ويبين أن الحديث عن العقل يستلزم الحديث عن الأسس التي يترتب عليها هذا العقل، فالنشاط الاتصالي يسعى إلى وضع شروط لمجتمع ممكن.

لذلك بدأ يوجه سهام النقد للعقل الغربي المتمركز حول الذات والانتقال منه إلى عقل آخر هو العقل التواصلي، من خلال تأكيد هابرماس على ضرورة الخروج من فلسفة الذات إلى مخرج مهم وهو يسميه العقل التواصلي.

يظهر هابرماس كيفية تحول مجلات البحث من العقلانية الأداتية إلى العقلانية التواصلية، فهذه العقلانية التواصلية تظهر من خلال العلاقة التي يقيمها الناس القادرين على الكلام وعلى الفاعلية عندما يتفقون على شيء معين(20). وبهذا حاول هابرماس جاهداً الانتقال من العقل الأداتي الظاهر بوضوح في المركزية الغربية إلى عقل آخر وهو العقل التواصلي.

- خلاصة القول: يقصد بمفهوم العقل الأداتي العقل الغائي، فهو إما أن يكون أداتياً أو اختباراً عقلانياً أو مركب منهما. وتقوم ممارسات العقل الأداتي على القواعد التقنية المستندة على المعرفة التجريبية، حيث يحقق هذا العقل أهدافاً محددة في ظل شروط واضحة. وهكذا يعتبر مفهوم العقل الأداتي أكبر دليل على ظاهرة التمركز حول العقل العلمي- التقني، حيث أدت حركة التطور العلمي في عصر الأنوار إلى ظهور هذا العقل، وأرسى آلياته النظام الحديث أو بالأحرى المجتمع الحديث. كما تبين ممارسات هذا العقل الطريقة الاختزالية التي يمارسها بحق الطبيعة والإنسان، فالعقل الأداتي ينظر إلى الطبيعة والواقع من منظور التماثل ولا يهتم بالخصوصية، كما يحاول العقل الأداتي تفتيت الواقع إلى أجزاء غير مترابطة وينظر إلى الإنسان باعتباره مجرد جزء يشبه الأجزاء الطبيعية المادية، فالإنسان بالنسبة للعقل الأداتي شيء ثابت وكمي مما يؤدي إلى النظر للإنسان كشيء (ذي بعد واحد) وتغيبه إنسانيته التي تشكل جوهر وجوده(21).

وفي هذا السياق نستشهد بممارسات الاستعمار الأوروبي الذي يعتبر أحد أهم مفرزات عصر النهضة والثورة الصناعية وسيطرة العلوم التجريبية على الواقع الأكاديمي، حيث ارتكز في رسم خططه وسياساته لاحتلال شعوب العالم الأقل تطوراً على مبدأ العقلانية الأداتية، فأصبحت توجد كل مساراته وعلاقاته مع الآخر المختلف عن الأثنية الأوروبية. وبنفس الطريقة الأداتية التي شرحها رواد مدرسة فرانكفورت حاول الاستعمار من خلال السلطة السياسية توظيف الانثروبولوجيا كعلم أكاديمي والنتائج التي توصلت إليها لإحكام السيطرة على المجتمعات البدائية التقليدية بأسهل الطريقة وأقل التكاليف من خلال الأخذ بعين التوصيات التي تقدمها تلك الدراسات الانثروبولوجية على اختلاف مداخلها النظرية والمنهجية. كما سيطرت على عقلية الاستعمار مبادئ الفلسفة النفعية المتجذرة في البنية الفكرية للعالم الغربي، مما أدى رفع شعار الغاية تبرر الوسيلة بكل معانيها الانتهازية، التي بنى عليها الغرب أفكاره ومبادئه الاستعمارية وبالأخص في تعامله مع الشعوب الأخرى، فقد شكلت هذه المقولة الذهنية السياسية خلال القرون الأخيرة جميع أنحاء العالم الغربي وتحولت مع مرور الوقت إلى عقيدة فاسدة يتم توظيفها من أجل الوصول إلى أهداف خاصة مهما كان ثمن هذا الوصول حتى لو كان على حساب الآخرين من خلال استعمارهم ونهب خيراتهم وتدميرهم وتكريس مبدأ تبعيتهم للاستعمار في كافة المجالات.

فمن الوسائل التي انتهجها الاستعمار لإحكام سيطرته على البلدان المستعمَرة تتمثل في إيهام سكان المستعمرات بأنه جاء إليهم من أجل الإعمار والإصلاح وتمكين البلاد من اللحاق بركب الدول المتقدمة. إلا أنهم في حقيقة الأمر دعاة شر مفسدون ومضللون يعملون وفق سياسة ماكرة، هي سياسة فرق تسد، ولا يقر لهم قرار إلا إذا أشاعوا الفرقة والانقسام بين أفراد المجتمع المستعمَر. بالإضافة إلى العمل في الخفاء والظلام والاعتماد على الجاسوسية والسرية في تنفيذ خططهم وتحقيق مصالحهم وغاياتهم، فالاستعمار في حقيقته ما هو إلا ضرب من ضروب القرصنة بشكله الحديث.

كما شجع الاستعمار على تنفيذ أطماعه التوسعية فكرة: (نحن والآخرون) التي ظهرت إلى العلن بنفس التوقيت، نحن: الأوربيون، بكل تميزنا وتفوقنا، أما الآخرون: فهم غير الأوربيين، الذين يجب أن يخضعوا لنا وأن يسلموا لنا مقاليد الهيمنة على ما يملكون، كانت هذه الاتجاهات التي خلصت إليها الدراسات الانثروبولوجية والاستشراقية نتيجة لعلاقات القوة، أو أوضاع السلطة التي أصر الغرب على الإمساك بها وممارستها على مقاليد الشرق، ويعتبر إدوارد سعيد من أهم الفكرين - الناقدين لهذه الفكرة في كتابه: "الاستشراق" 1978(22).

وفيما يتعلق بممارسات العقل التواصلي يقترح هابرماس أن تقوم عملية النقد في الواقع الاجتماعي على أسس ومبادئ الفعل التواصلي المرتكز بدوره على العقلانية التواصلية، التي تمارسها " ذات قادرة على الكلام والفعل بهدف التوجّه نحو التفاهم بين الذوات "، مما يؤدي حكماً إلى عدم اللجوء إلى العنف أو إلى إلغاء الآخر والسيطرة عليه، وذلك بفضل قدرة " الفعل التواصلي الذي يحدد العلاقات داخل مجالات عمومية قائمة على المناقشة والحوار متخذةً من المبادئ الأخلاقية أساساً لها، أطلق عليها هابرماس أخلاقيات المناقشة "، التي تحكم العملية التواصلية حسب معايير متفق عليه. ولكن تلك الأخلاقيات ليست مذهباً ولا نسقاً من القيم والمعايير الجامدة أو الثابتة، والدليل على ذلك، في أنه إذا تشكك أحد المشاركين في العملية التواصلية في الدقة المعيارية لتعبير ما، أو إذا تعرضت أحد ادعاءات الصلاحية للشك، أو لم يستطع المشاركون في التواصل تبريرها أو الدفاع عنها بالحجج العقلانية، فإن ادعاءات الصلاحية نفسها تصبح موضع سؤال، مما يؤدي إلى اختلال التواصل أو توقف، وفي هذه الحالة لا بد للمشاركين في التواصل إعادة فحص تلك الادعاءات من جديد ومراجعتها مراجعة نقدية لتصحيح أخطائها، ومعنى ذلك أن العملية التواصلية تخضع لما يسمى بديمقراطية الحوار.

وهكذا يعتمد هذا التفسير على البعد التواصلي اللغوي والتفاهم العقلاني الهادف، الذي يؤدي بالأطراف المشاركة بالعملية التواصلية إلى محاولة تحقيق نوع من الاتفاق والإجماع المتبادل حول القضايا المطروحة للحوار، وفقاً لشروط وقواعد أخلاقية تنفي قهر الذوات أو السيطرة عليها أو خداعها مما يتيح لهم الفرص بالتساوي للمشاركة في الحوار والنقاش وصنع القرار، كما أن الإجماع لن يتم الوصول إليه إلا عن طريق قوة الأطروحة الأفضل(23).

وفي هذا الصدد، يجب علينا أن نذكّر، أنه لا يصح للناقد أن يمارس نقده في كل شيء وهو لا يمتلك معرفة في المجال محل النقد، ذلك أن أدوات النقد بمعية الإلمام بالمادة محل النقد لا بد منهما، لتكون مسألة النقد شمولية، وبدون ذلك لا يمكن أن يسمى نقداً إذا افتقد الناقد العلم بالمسألة.

أما عن غاية العقل النقدي أي ممارسة النقد الاجتماعي، فيجب أن تكون واضحة المعالم، فحري على من يمارس النقد أن يستعد لوضع البدائل المناسبة، فإن ذلك يحقق له التوغل أكثر في المسألة محل النقد، والنظر في حيثياتها وأبعادها المختلفة، ويساهم من خلال ذلك في ترقية المجتمع، ذلك أن النقد بهذه الصورة تكون إيجابية، وأن الناس ليسوا على مستوى واحد من النشاط الذهني والتقبل، ولذا نجد لدى المجتمعات المتقدمة عدة مستشارين ونقاد، وهذا ما يحقق لهم النجاح لوجود الأدوات اللازمة للنقد، وأنهم على استعداد لسد الثغرات ومعالجتها عند حدوث طارئ، وهذا ما تفتقده معظم المجتمعات العربية فيما يتعلق بالنقد البناء الذي يؤدي إلى الازدهار والتطوير والتحديث نحو حياة أفضل. إن أهمية الرؤية النقدية وقوتها لا تكمنان في قدرتها على تسجيل ما يقوله الفاعلون عن أفعالهم، بل في تمكينها الأفراد والجماعات من التفكير في وضعهم بشكل مختلف، وعبر ذلك بتجاوز الجمود الاجتماعي وبتغيير نظام الأشياء(24).

وفي النهاية إن مسألة السيطرة على العقل والواقع بواسطة العقل نفسه وغيرها من أشكال الممارسات الظاهرة والخفية التي تهدف إلى الاستحواذ على تفكير الفرد والجماعة، والتحكم في تصرفاتهم، من خلال التلاعب بعقولهم؛ أي جعل الأفراد يعيشون في حالة دائمة من الشك والارتباك وعدم اليقين، والتغييب التام لأي رؤية واضحة لأن وضوح الرؤية يعني الثقة الناتجة عن ممارسات العقل النقدي. وبقدر ما نكره الاستسلام لهذا الطرح، فإننا نلاحظ وجود مؤسسات وأشخاص يبذلون الغالي والنفيسي للحيلولة دون تمتعنا بعقل صاف ذي بعد نقدي لإدراك تلك الحقيقة تحقيقاً لمصالحهم وأهدافهم الخاصة على أرض الواقع الاجتماعي.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- حلب سابقاً

..........................

(1) - ماري د. جونز، ماري فلاكسمان: حروب العقل، ترجمة: نور الدائم باكر أحمد، مكتبة العبيكان، الرياض، ط1، 2017، ص (9).

(2) -هيئة التحرير: العقل والعقلانية: مفاتيح النمو والرقي في الحياة، موقع تطوير الذات والمهارات الاحترافية، تاريخ الدخول إلى الموقع 06/04/2024. https://n9.cl/7yzmgq

(3)-  المرجع السابق نفسه.

(4) - ابن المنظور: لسان العرب، تحقيق: مجموعة من الأساتذة العاملين بدار المعارف، دار المعارف، القاهرة، بدون تاريخ، ص (3046).

(5) - عبد الرحمن الطريوي: العقل العربي وإعادة التشكيل، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ط1، 1413ه، ص (33-34).

(6) - لخضر شكير: العقل في الإسلام: مفهومه - قيمته - ودوره، مجلة الشريعة والاقتصاد، المجلد: 3، العدد: 1، الجزائر، 2014، ص (396-397).

(7) - عايدة عبد الحميد عبد الرحمن: نظرية المعرفة عند كانط، حولية كلية أصول الدين بالقاهرة، المجلد: 30، العدد: 30، 2017، ص (749).

(8) - يوسف بن عبد العزيز أبا الخيل: العقل عند كانط مؤهل للتعامل مع ظواهر الطبيعة فقط..!، جريدة الرياض، العدد: 17313، 18 نوفمبر 2015. https://www.alriyadh.com/1101577

(9) - مديحة فخري محمود: العقلية العربية في زمن العولمة (مشكلات وقضايا)، دار دجلة ناشرون وموزعون، عمان، ط1، 2015، ص (42-43).

(10) - إيان كريب: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس، ترجمة: محمد حسين غلوم- محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد: 244، شهر يناير/ كانون الثاني، 1999، ص (316).

(11)-  حسام الدين فياض: تطور الاتجاهات النقدية في علم الاجتماع المعاصر (دراسة تحليلية- نقدية في النظرية السوسيولوجية المعاصرة)، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب الأول، دار كريتار، إسطنبول، ط1، 2020، ص (50-51).

(12)-  المرجع السابق نفسه، ص (52).

(13) - حسام الدين فياض: مقالات نقدية في علم الاجتماع المعاصر (النقد أعلى درجات المعرفة)، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب الثالث، دار الأكاديمية الحديثة، أنقرة، ط1، 2022، ص (103 وما بعدها).

(14) - Ibid, p. (6).

(15)- أبو النور حمدي أبو النور حسن: يورغن هابرماس " الأخلاق والتواصل "، دار التنوير، بيروت، ط1، 2009، ص (135).

(16)- توم بوتومور: مدرسة فرانكفورت، ترجمة: سعد هجرس، دار أويا، بنغازي (ليبيا)، ط1، 2004، ص (187).

(17) - Habermas: The Theory of Communicative Action. Translated By: Thomas Mc Carthy, Boston, Beacon Press, v (1), 1984, p. (9).

(18) - عمر مهيبل: إشكالية التواصل في الفلسفة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2005، ص (361).

(19) - Habermas: The Theory of Communicative Action, v (1), op.cit, p. (10).

(20) - أبو النور حمدي أبو النور حسن: مرجع سبق ذكره، ص (138).

(21) - حسام الدين فياض: نظرية نقد العقلانية الأداتية عند يورغن هابرماس، موقع الحوار المتمدن، العدد: 7396، تاريخ 09/10/2022. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=770946

(22) - حسام الدين محمود فياض: الانثروبولوجيا بين الأكاديمية والأداتية (دراسة تحليلية- نقدية لطبيعة العلاقة بين الانثروبولوجيا والاستعمار)، المجلة العربية للعلوم ونشر الأبحاث (مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية)، مجلة علمية محكمة دولية، فلسطين، المجلد: 5، العدد: 5، 2021، ص (70).

(23) - حسام الدين فياض: مقالات نقدية في علم الاجتماع المعاصر، مرجع سبق ذكره، ص (109-110).

(24) - المرجع السابق نفسه، ص (107-111).

 

هناك فارق كبير بين أن يخترع الإنسان الأسطورة ويصدقها ويحكيها، وبين أن يعي دلالاتها. (فريدريش ڤيلهلم يوزف شلنگ)

1- مقدمة:

ما زالت الأساطير الإغريقية القديمة تشكل منجماً فكرياً فذاً فريداً يستلهمه الأدباء والفلاسفة وعلماء النفس في تفسير نشأة الحضارات وسقوطها. وقد شكلت الأساطير تاريخياً منهج الشعوب في النظر إلى الحياة والتأمل في الكون واستجواب معاني الوجود. وعلى هذا النحو شكلت الآداب الأسطورية منطلقاً للتفكير الفلسفي وبداية لا بد منها للمعرفة العلمية. وعلى هذه الصورة جاءت أشعار هوميروس وهوزيود الأسطورية في بلاد الإغريق لتمهد الطريق أمام التأمّل الفلسفي وتشكيل التصورات الفلسفية القائمة على العقلانية الحديثة. وقد برع فرويد في التوظيف السيكولوجي للأساطير الإغريقية في التحليل النفسي للشخصية والكشف عن الأعماق السحرية اللاشعورية للكائن الإنساني، وعلى هذا النحو وظف أسطورة "أوديب" أجمل توظيف في تحليله للشخصية والكشف عن الميول الجنسية الدفينة في الأعماق للفرد ومنهل اقتبس عقدة أوديب المشهورة في الكشف عن الميول العاطفية بين الآباء والأطفال من الجنسين المتقابلين. وعلى المنوال نفسه وظف تلميذه كارل يونغ أسطورة إليكترا لتفسير علاقة الإناث بالأب وأطلق عليها عقدة إليكترا([1]).

لقد وطف فرويد الرموز الأسطورية في تفسيره لنشأة الأخلاق والدين والحضارة، ومن أجل هذه الغاية يلجأ إلى حيّزين أسطوريين، يتمثل الأول في الأسطورة الولائمية (الوليمة الطوطمية) بطابعها الأنثروبولوجي الاجتماعي (مقتل الأب الأول)، في حين يتمثل الثاني في الأسطورة “الأوديبية” بتجلياتها السيكولوجية التربوية، وفي كلتا الأسطورتين تتجلى جريمة قتل الأب وغشيان المحارم. وتشكل هاتان الأسطورتان مادة فرويد المميزة في الاستكشاف الرمزي لعمليات التشكل التاريخي للقيم والأخلاق والأنا الأعلى والحضارة. وهو في الوقت الذي يوظف فيها الأسطورة الأولى (مقتل الأب والتهامه) لتفسير منشأ الحضارة الإنسانية بمضامينها الأخلاقية العامة، يوظف الثانية (الأسطورة الأوديبية) في تفسير نشأة الأنا الأعلى والتكوين الخلقي للأفراد في المستويين السيكولوجي والتربوي؛ ولا يخفى على المتأمل وجود تقاطعات كبيرة بين الطاقة الرمزية لكل من الأسطورتين، وتجانس أكبر في الكيفية التي توظف فيها هذه الرمزية لتفسير نشأة الأخلاق والحضارة، إذ تنطلق كلتاهما من موجبات الخطيئة الأصلية (قتل الأب) واللعنة الأبدية (غشيان المحارم) في تفسير ولادة الأخلاق والقيم والضمير الأخلاقي.

ومما لا شك فيه أم جانباً كبيراً من عبقرية فرويد تكمن في قدرته الهائلة على توظيف الرموز والأساطير في إضفاء المعاني والدلالات على مكونات الحياة الأخلاقية والنفسية في المجتمع، حيث تتجلى هذه العبقرية في التوليف الخلاق بين الواقع الأسطورة والتاريخ والرمز والعلم والدين في تفسير الجوانب الخفيّة للحياة الاجتماعية والأخلاقية والسيكولوجية في حياة المجتمع والأفراد والجماعات.

وقد دأب كثير من المفكرين على توظيف الأساطير في تفسير نشأة الحضارة وسقوطها ومن أبرز الأساطير التي وظفت في تفسير نشأة الحضارة الغربية يمكن الإشارة إلى أسطورتي برومثيوس وأوديسيوس إذ ترمز أسطورة برومثيوس إلى نشأة التنوير والحضارة الغربية، بينما تشير أسطورة أوديسيوس إلى سقوط التنوير وتشيؤ الحضارة الغربية وبين هاتين الأسطورتين يمكن أن نقع على أساطير جزئية ومهمة مثل أسطورة سيزيف والأسطورة الفاوستية التي تتشاكل بوضوح مع دلالات الأسطورة الأوديسية في مسألة سقوط التنوير وتشيؤ الحضارة.

2- أصل التنوير- برومثيوس سارقاً للنار:

تروي الأسطورة أن برومثيوس  (Prometheus) [2] سرق النار الإلهية المقدسة من جبل الأوليمب وأعطاهم قبساً منها للبشر ليدفؤوا بها ويستنيرون بضوئها ويأنسون بسحرها، ومن ثم منح البشر العديد من العطايا والهبات التي سرقها من آلهة الأوليمب. فقد أعطاهم فنون العمارة والبناء، النجارة، استخراج المعادن، علم الفلك، تحديد الفصول، الأرقام والحروف الهجائية، كما علمهم استئناس الحيوانات وركوبها والإبحار بالسفن، وأعطاهم موهبة التداوي والشفاء.

ولما علم زيوس بخيانة برومثيوس وسرقته النار المقدسة غضب غضباً شديداً اهتز له جبل الأوليمب، وقرر عقاب برومثيوس على الإثم الذي ارتكبه بحق الآلهة فعاقيه بأن قيّده بالسلاسل إلى صخرة في جبال القوقاز. وأرسل عليه في كل صباح نسراً عملاقاً يدعى (أثون) لينهش كبده كل يوم، وكان كبده ينمو في المساء ليصبح طعاماً للنسر الوحشي في الصباح. وبقي على هذه الحال حتى جاء هرقيلوس (ابن الإله زيوس) الذي قتل النسر وكسر قيود برومثيوس ومنحه حريته من جديد.

غضب زيوس كبير الآلهة وسيدهم مرة جديدة من تحرر برومثيوس فقرر هذه المرة معاقبة البشر جميعاً وتدمير الهبات التي منحها برومثيوس لهم، ولكنه في هذه المرة لجأ إلى حيلة أسطورية إذ أمر الآلهة بتشكيل امرأة فأعطاها (هيفاستوس) إله النار جسدها الناري وصوتها الساحر الناعم، وأعطتها إلهة الحرب (أثينا) قوة التحمل والقدرة على الإبداع، وأعطتها (أفروديت) إلهة الحب سحراً جذاباً ودهاء مكينا، وأعطاها (هيرميس) ابن زيوس إله البحارة عقلاً مسطحاً صغيرا، ثم أعطاها بوسيدون إله البحر مزاج الأعاصير وهيجان الانفعالات، وأطلق زيوس على هذه المخلوقة الحسناء (باندورا) التي منحت سمات تفوق ما يوجد لدى الآلهة.

ثم أرسل زيوس (باندورا) كهدية إلى إبيمثيوس (شقيق برومثيوس) بعد أن زودها بصندوق سحري عجيب مغلق مطالباً إياها ألا تفتحه أبدا. وسرعان ما وقع إبيمثيوس في حب باندورا وسحر بجمالها وأخذ بسحرها فتزوجها. وطالبها بألا تفتح الصندوق امتثالاً لإرادة زيوس وخوفاً منه، لكن الحسناء باندورا شغلت في التفكير بالصندوق وما قد يحمله في داخله من كنوز خفيّة. ومن ثم صارت حياتها جحيماً، وكاد فضول المرأة يقتلها وينازعها ولم تستطع مقاومة غواية الصندوق وسحره ففتحته خلسة في غياب زوجها، وعندما فتحت الصندوق خرجت كل القوى الشريرة التي وضعها زيوس في الصندوق (الفقر، النفاق والمرض والجوع والحسد الكراهية العنف والقتل وكل الشرور التي توجد في الكون) وعندها ذعرت باندورا وامتلكها الخوف الشديد، فأغلقت الصندوق بعد فوات الأوان فلم يبق فيه فيه إلا قوة الأمل والحلم الإنساني. ومع خروج قوى الظلام من الصندوق فاض العالم بالشر وتحولت جنة الأرض إلى جحيم البشر ولم يبق لهم إلا الأمل الذي يمكن أن يخفف عنهم وقع الشر والظلم والقهر الذي أنزله زيوس بجنس البشر.

ويستفاد من الأسطورة أن برومثيوس نزع الشعلة من أيدي الآلهة ليضيء بها أركان الأرض فلا يترك منها ركناً خافياً في عتمة الظلام وهذا يرمز إلى حركة التنوير التي شهدتها المجتمعات الأوروبية في عصر النهضة وفي زمن التنوير. ومع أن برومثيوس أهدى البشر قبس النار فإن البشر لم يكتفوا باستخدامها للتدفئة وطهي الطعام وصهر المعادن بل صنعوا منها الأسلحة، وأحرقوا بها القرى والغابات واستخدموها في الحروب والقتل، فهل ضاعت تضحية «برومثيوس» هباء؟!

3- أوديسيوس وحوريات البحر:

تشكل الأوديسة إحدى أهم المرجعيات الثقافية للحضارة الغربية المأخوذة بفكرة التحرر من سلطة الطبيعة والسيطرة على مقدراتها والتحكم فيـها وإخضاعها لمطالب الرجل الفاوستي. وقد دأب المفكرون الغربيون على استلهام أسطورة أوديسيوس الإغريقية([3]) واستجواب معانيها الرمزية لتفسير قيام الحضارة الغربية ومن ثم سقوطها في مستنقع العدمية. وأوديسيوس (Ὀδυσσεύς) بالتعريف بطل ملحمة الأوديسة لهوميروس ([4]) وتروي الأسطورة أنه كان ملك إيثاكا الأسطوري الذي ترك بلده كي يشارك في حرب طروادة الشهيرة، وهو صاحب الخدعة الحربية لحصان طروادة التي كانت سبباً مباشراً لهزيمة الطرواديين. وتروي الأسطورة أن صديق أوديسيوس المحبب قتل في المعركة فاستشاط أوديسيوس غضباً وحزناً وفي موجة غضبه تعرض للآلهة بالسباب والشتم فغضب منه إله البحر بوسيدون فأنزل به أثناء عودته إلى الديار عقاب الضياع في متاهات البحر وأمواجه لمدة عشر سنوات، وقد لاقى في رحلة الضياع هذه أهوالاً كثيرة ومخيفة. وطوال هذه الفترة بقيت زوجته بينيلوبي بانتظاره، ممتنعة عن الزواج، رغم العروض الكثيرة التي تتلقاها، ولاسيما بعد عودة معظم المحاربين في حرب طروادة ما عدا زوجها. وأخيرا تنتهي الملحمة الأسطورية بوصول أوديسيوس إلى عاصمة مملكته "إيثاكا" وقيامه بالانتقام من الذين اضطهدوا زوجته وضايقوها. .

وقد جاء في الأسطورة أن حوريات البحر (أو عرائس البحر) اعتدن على إنشاد أغان ساحرة للغاية بأصوات غناءة عذبة ساحرة صداحة لا يمكن لسامعيها أن يقاوموا سحرها وينتهي بهم الأمر إلى الاستسلام للحوريات عبيداً لهن إلى الأبد. ولما مرّ أوديسيوس بقربهن في رحلة عودته إلى الوطن اتخذ إجراءات صارمة لحماية بحارته من قدر الاستسلام للحوريات، فأمرهم أن يضعوا الشمع في آذانهم كي لا ينتهي بهم الأمر إلى سماع شدو الحوريات الساحرات والاستسلام لغوايتهن، ثم ومن أجل حماية نفسه أيضاً طلب من بحارته أن يقيدوه إلى "صاري" السفينة وأن يشدّو قيده كلما اشتد الغناء وعَذُب سحره كي لا يقع في مصائد العبودية لحوريات، وقد تمكن بهذه الطريقة أن يمرّ وبحارته بسلام، وتنتهي الأسطورة إلى انتحار الحوريات لأنّ أوديسيوس سمع غناءهن وعرف سرّهنّ ([5]).

وقد شكلت هذه الأسطورة مصدر إلهام فكري لهوركهايمر وأدورنو وانطلقا من معانيها ودلالاتها الحضارية في استكشاف العمق الثقافي للحضارة الغربية، ووظفا هذا النص الأسطوري لاكتشاف العلاقة الجدلية بين التنوير والحضارة المادية. وفي مسار التحليل يجد هوركهايمر وأدورنو شرارة التماثل بين الأسطورة وحركة التنوير الأوروبية. فالتنوير كان محاولة تاريخية لفك السحر عن العالم، والإنسان الغربي حاول في سياق حركة التنوير أن يتحرر من القوى السحرية وأن ينتصر على الطبيعية ويخضعها لإرادته العليا، ولكنه في صراعه مع الوحوش أصبح أكثر وحشية، وفي صراعه مع القوى الأسطورية أصبح قوة أسطورية، إذ يقاتل القوى الأسطورية التي تتمثل في " حوريات البحر" وينقذ نفسه من العبودية الاستسلام للغانيات، ومع ذلك فإن أوديسيوس يقع في عبودية من نمط جديد لا تقل خطراً عن عبودية الغانيات، إذ يجد نفسه مشدوداً إلى صاري السفينة وقد خسر حريته وحرية بحارته فأصبح بإرادته عبداً لصواريه هذه المرة. وهذا يعني أن الإنسان في صراعه مع الطبيعية وفي محاولة فك السحر عن حضارته يقع من جديد في أسر العبودية والسحر والأسطورة، بل يتحول إلى وهج أساطير جديدة هي أساطير الحضارة الاغترابية المغلقة التي تدفع بالإنسان المتحضر إلى دياجير العبودية المظلمة.

ولهذا، " كان أوديسيوس في ملحمة هوميروس – حسب قراءة هوركهايمر وأدورنو لهذه الملحمة - رمزاً لقيم التنوير والإنسان الأداتي الذي يبحث باستمرار على تحقيق ذاتـه مـن خلال التحكم في الأشياء والظواهر المحيطة به، ولهذا تصور لنا الأوديسة أن مغامرات أوديسيوس الملحمية قد سمحت له في آخر المطاف بمراقبة الطبيعة والانتصار على قواها الكبيرة والجبارة ليحفظ بقائه والعودة إلى موطنه، ولهذا كانت المعرفة " ([6]).

فالتنوير الغربي في سعيه إلى تحرير الإنسان أسقطه في سحر الفردانية والعقل الأداتي الذي يتمثل في الحبال التي شدت برومثيوس إلى الصواري وقادت بحارته إلى الصمم. وهذا يعني أن صراع الإنسان الغربي مع الطبيعة ومحاولته السيطرة عليها أغرقه في وهم الحرية موقعا إياه في عبودية جديدة، وهي: عبودية العقل الأداتي الذي وضع الإنسان في أقفاص الاغتراب والتشيؤ. وهذا يعني أن الإنسان التنويري عندما عمل على ممارسة السيطرة على الطبيعية فقد السيطرة على ذاته وأفقد نفسه الحرية التي كان يبحث عنها، لقد أصبح شيئاً يرتبط مصيره بالأوثان مقيداً بالصواري في سفينة برومثيوس الذي طور نموذجاً من العقلانية الأداتية ليدرأ عن نفسه شر تلك القوى الأسطورية التي حاصرته، وهي نوع من الحيل الماكرة التي حمت حياته لمرات عديدة أثناء رحلة العودة.

وعلى هذه المنهجية ذاتها أبدعت الحضارة الغربية أدواتها للسيطرة على الطبيعية والانفلات من سحرها، ولكن السحر انقلب في النهاية على الساحر فأصبح الإنسان عبداً لما صنع عقله وما اخترعت يداه من وسائل السيطرة والهيمنة. فالحبال والأوتاد تشدنا إلى الزنزانات الحضارية التي يعيشها الإنسان الغربي المعاصر، والشمع يصم أذنيه إلى الدرجة التي فقد فيها ما هو عليه من قهر وعناء وشقاء. نعم هو الإنسان الذي توقف عن سماع نداء الطبيعة الجميل بما ينطوي عليه من سحر الغناء وغواية الحوريات وارتضى لنفسه عبودية جديدة تتمثل في شبقية الحضارة وجنونها الأداتي. نعم، نجح أوديسيوس في قهر قوى الطبيعة الخارجية (سحر الغانيات)، ولكنه دفع حريته ثمناً لذلك عندما قيَّد نفسه إلى الصارية ([7]). وتكمن العبرة في أن الإنسان عندما حاول أن يروض الطبيعة ويسيطر عليها خسر حريته الذاتية ووقع في عبودية الحضارة وتلك هي حكاية التنوير([8]).

وإذا كان هدف التنوير العقلي منذ القِدم هو تحرير البشر من الخوف، وجعلهم سادة على الأرض وملوكًا عليها أو مالكين لها " فإن الأرض التي تم تنويرها لا تزال تغمرها ظلال الكارثة — والكارثة في مفهومهما هي سيادة الأسطورة (النازية اللاعقلانية!)، وهكذا كانت الأسطورة نفسها نوعًا من التنوير، ولكن التنوير كان يرتدُّ دائمًا إلى الأسطورة ويدمِّر نفسه بنفسه" ([9]). وهذا يعني أن تاريخ التمدن والتنوير ظل حتى اليوم ظل مُتلبِسًاً بالأسطورة أو مطويًّا فيها، وكأن التنوير لا يزال في حركة دائمة كحركة الفكرة المستمرة تُفضي به دائماً إلى الوقوع في أَسر الأسطورة ([10]). ومعنى هذا أن الأساطير تُولِّد وتحقِّق التنوير الذي يتعثَّر بعد ذلك مع كل خطوة من خطواته.

ولهذا يرى هوركهايمر وأدورنو أن انتصار العقلانية الأداتيـة أثنـاء مسار الحضارة الغربية، كان بمثابة نتيجة حتمية لفكـرة الصـراع وإرادة الهيمنة على الطبيعة، غير أن الهيمنة على الطبيعة ليس الدافع الوحيد الذي يفسر المسار الخاص بتاريخ النـوع البشري، إذ تتجلى في جدل التنوير ميزة أخرى بشـرية تلعب دور الدافع الجارف لذلك المسار وهو الخوف، فالرغبة الشديدة في الهيمنة على الطبيعـة تخلق في الإنسان خوفاً يائسـاً مـن المجهول، لذلك تنشـأ القـدرة على التفكير العقلاني كرد على هذا الخوف) ([11]).

لقد كان هدف هوركهايمر وأدورنو العمل على استكشاف الخوف الكامن في الإنسان الغربي وارتداده المستمر إلى اللاعقلانية والأسطورة التي حاول باستمرار وفي كل مرة التنصل منهما طوال تاريخه الحضاري، لذلك يكون هذا الإنسان واهما حين يعتقد أنه بواسطة معرفته العلمية ومـا ارتبـط بهـذه المعرفة من تقدم تكنولوجي وما أنتجه من وسائل وأدوات وأجهـزة، ومـا انـجـر عنهـا مـن هيمنة كلية على الطبيعة، أنه تحرر فعلا من خوفه البدائي وتجرد من الأسطورة واللاعقل، بل هو يرتد إليهما باستمرار [12]. ويفيد هذا كله بأن التنوير هو الحالة التي يتحرر فيها الإنسان من الخوف وذلك عندما لا يعود هناك ثمة شيء مجهـول فالتنوير هو عقلنة الرعب الميثولوجي([13]). وهكذا، يعتبر الخوف حسب هوركهايمر وأدورنو مظهرا أساسيا لعلاقة الإنسان بالطبيعة عبر التاريخ الحضاري الغربي، لذلك يلعب الخوف لديهما دورا أساسيا في الفهم الدقيق للعقل الإنساني وسبر أغـواره العميقة، والسبب أن العقـل مـدفـوع منذ ولادته وإلى آخر مراحل تاريخـه بالخوف من الطبيعة، وذلك أن الخوف هو بمثابة دافع أولي أمام الصراع من أجل الهيمنة على الطبيعة ومنشط للقدرة على التفكير العقلاني ولاتساع السيطرة على الطبيعة، بل وامتداد هذه السيطرة على الطبيعة الداخلية للإنسان، بحيث تحكمت العقلانية الأداتيـة فـي دوافعه الأولية وحياته الباطنية وأحكمت قبضتها عليه، فنتج ما يسمى بالاغتراب والتشيؤ.

4- فاوست- مسخاً شيطانيا:

تتجلى المعاني الاغترابية لأسطورة أوديسيوس بوضوح أكبر في أسطورة " فاوست" (Faust) الأكثر حداثة وهي الأسطورة التي تفيد برمزية العقل الأداتي الذي أدى إلى نهاية التنوير وسقوطه. ولكي نفهم الدلالات الرمزية لأوديسيوس الإغريقي بوضوح أكبر يمكن أن نستلهم أسطورة " فاوست " التي تدور شخصية يوهان جورج فاوست (1480 - 1540) الذي كان كيميائياً لامعاً ومنجماً في عصر النهضة في ألمانيا وأصبحت حياته محوراً لحكايات شعبية وقصص وروايات أدبية ومسرحيات تحمل عنوان "فاوست" ومنها مسرحية " التاريخ المأساوي لحياة وموت الدكتور فاوست " لـ كريستوفر مارلو، وكذلك مسرحية " فاوست" الشاعر الألماني ولفغانغ فون غوته.

تفيد الحكاية أن فاوست في سعيه إلى مزيد من العلم والقوة تحالف مع الشيطان وأبرم معه عقداً (A pact with the devil) وفي هذا العقد يبيع فاوست للشيطان (ميفيستوفيليس ) مقابل أن يقوم الشيطان بمنحه القوة والمعرفة والعلم والسيطرة. وعندما يستغرق فاوست في أهوائه ويشبع ميوله ونزواته ويحقق سيطرته الكلية على مظاهر الحياة من حوله يكتشف في نهاية المطاف أن السعادة الحقيقية لا تتحقق في المتعة الحسية والسيطرة المادية ولكنه يكتشف ذلك بعد فوات الأوان إذ قد أصبح جسداً  بلا روح ومادة بلا معنى وقد أدرك أنه فقد الفرصة للتوبة والنجاة. وفي مواجهة هذا البؤس الوجودي يحاول فاوست الانتحار والتخلص من الحياة التي فقدت بريقها الروحي وجمالها الأخلاقي.

حكايات فاوست تشكل نموذجاً أوديوسياً للحضارة، فاوديسيوس الذي حاول أن يسيطر على الطبيعة فقد حريته على الصواري ولكي يتحرر من عبودية الطبيعة أصبح عبداً لصواري سفينته. ترك الغانيات وسحرهن من أجل السيطرة على العالم ففقد روحه أيضاً وتحول إلى قوة مدمرة لا روح فيها. أوديسيوس اتجه إلى المعرفة معرفة أسرار الطبيعية والسيطرة عليها وهو في سياق ذلك فقد رجه وحريته. وهذا هو حال فاوست الذي باع روحه للشيطان من أجل المزيد من العلم والسيطرة ولكنه وقع في حبائل عبودية الشيطان الذي أفقده جمال روحه.

وفي عملية الإسقاط الحضاري للأسطورتين تتضح الغايات وتنكشف الدلالات وتخرج المعاني الحبيسة. فالإنسان الغربي قد باع نفسه للشيطان، والشيطان هو العقل الأداتي الذي يتمثل في القوة الفارطة للعلم وقدرته على السيطرة، ويبنى على ذلك أن الإنسان في الحضارة الغربية في سعيه للسيطرة على الطبيعية فقد نفسه وانغمس في هوس اكتئابه واغترابه إذ أصبح كياناً بلا روح علما بلا معنى مادة بلا أخلاق ففقدت الحضارة أجمل ما فيها وأرقى أوجه نبلها ورقيها الأخلاقي والإنساني. وهذا يعني أن الحضارة المعاصرة شٌغفت بالعلم والعقل المسيطر فوقع الإنسان في حصار العدم (القنابل الذرية – الحروب الجرثومية – تدمير البيئة – تدمير المعنى – تشويه الأدب والدين ) وهذا يعني كله يعني أن الحضارة الغربية المعاصرة حضارة ميتة فانية مدمرة جسد بلا روح وكيان بلا معنى وتشكيل هلامي بلا دلالة. إنها الحضارة الفاوستية التي باعت روحها للشيطان ففقدت أجمل ما فيها: الأدب الشعر الموسيقا الجمال الأخلاق القيم والروح التي أصبت في متناول الشيطان.

5- سقوط الحضارة:

ليس ثمّة شك في أنّ الحضارة المعاصرة قد حققت قدراً لا بأس به من النجاح والتقدّم. لقد استطاعت أن تلبي وتحقق كلّ ما يحلم به الإنسان من مطالب وحاجات مادية، في ظلّ التقدم العلمي والتكنولوجي الذي استطاع أن يسخّر كلّ شيء للإنسان، وأن يصبح الإنسان بواسطة هذا التقدّم التكنولوجي سيّداً للعالم.

ومع ذلك فهناك صيحات تنذر بأنّ الحضارة تمرّ بمأزق أو أزمة كما رأى "هابرماس". ([14])  وصرّح نيتشه "Nietzsche" أنّها تسير إلى الهاوية.  ويرى نيتشه أن التكنولوجيا  تشكل تهديداً مستمراً لإنسانية الإنسان بعد أن «نما فيها الكم على حساب النوع،  والإنسان الخارجي،  بلغة نيتشه،  على حساب الإنسان الداخلي»  ([15]) .  يقول نيتشه في عبارة رائعة:  «إننا في عصر حضارته مهددة بالتدمير من طرق وسائلها هي نفسها»  ومن ثم يصف «  الحضارة الصناعية للغرب بأنها أحط شكل من أشكال الوجود التي أمكننا أن نراها اليوم ([16]).

وتمضي الحضارة الغربية كما يرى روجيه جارودي  (Garaudy Roger) إلى الهاوية بما أنتجته من أدوات الفتك والتدمير التي أدت إلى هلاك ستين 60 مليون إنسان خلال الحرب الثانية، وقنابل هيروشيما  وناكازاكي  ما تزال شاهدا احتضار هذه الحضارة واقتراب زوالها وقد قام  بتحليل الأزمة التي يعيشها الغرب، ولاحظ أن هذه الأزمة ترجع بجذورها إلى عصر النهضة الذي أسس للرأسمالية الاستعمارية، وما صاحب ذلك من تدمير وهدم للثقافات الإنسانية وقد اعتمدت هذه الحضارة منهجا أوصلها إلى أزمة داخلية عميقة وشاملة وغير قابلة للحل .  ويرى في هذا السياق إنه إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فإننا سنواجه أضعاف ما عشناه من ويلات وكوارث" ([17]) .  وعلى إيقاع غارودي  يقول نورثروب: " إن عالمنا هذا عالم متناقض؛ فالمنجزات التي تمثِّل أمجاده هي التي تهدده بالدمار، ويبدو أننا كلما تقدمنا في الحضارة، فقدنا القدرة على الحفاظ عليها"([18]) . ويقرر كونكلين في كتابه الإنسان: الواقع والمثال أن الجنس البشري الآن في أشد أزمة مرَّ بها في تاريخه الطويل ([19]) . ويرى جوليان هكسلي، فيقول: إن هذه الحقبة حقبة شديدة الحرج يسودها العنف والصراع والثورة، والدمار والوحشية والأخطار النووية والذرية، والانفجار السكاني والتلوث البيئي، والانفصام الأيديولوجي والإضراب العام . ويؤيد يقول إريك فروم: العالم الغربي في طريق مسدود، لقد حصل على الكثير من الأمور الاقتصادية، وفقد أي معنى وهدف في الحياة، وبدون هذا فإن المجتمع الغربي مثل أي مجتمع آخر في الماضي لا بد من أن يفقد حيويته وقوته الداخلية. ويرى  عالم الاجتماع بيتريم سوروكين: "إن كل جانب من حياة المجتمع الغربي ونظامه وثقافته، إنما هو في أزمة طاحنة أن جسد المجتمع الغربي مريض وعقله مريض، ولا تكاد توجد نقطة صغيرة واحدة على جسده إلا ويعتورها الألم " ([20]) .

ويعد الشاعر الفرنسي شارل بودلير (1821- 1867) من أبرز هؤلاء الذين حذروا من دمار الحضارة عندما وجد أن التكنولوجيا التي يعيش بها الغرب ستدمر ثقافته وحضارته . وهذا هو الأمر الذي أكده الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي (1828- 1919) . وقد أكد فيودور دوستويفسكي (1821- 1881) الفكرة التي تقول بأن الحضارة الغربية تتجه نحو انهيار مأساوي لا يمكن إيقافه.   ويعد أوزوالد شبنغلر (Chweitzer)   من أبرز المفكرين الذين قالوا بانهيار الغرب وسقوط حضارته البربرية  ويؤكد أننا نعيش اليوم في ظلّ انهيار الحضارة الغربية التي تدخل الآن مرحلة التداعي، وقد حكم عليها بالموت والدمار.

6- خاتمة - صخرة سيزيف:

عندما حصل الأديب والفيلسوف الهندي طاغور على جائزة نوبل في الآداب عام 1913 قال " إن الحضارة المادية ستخسر كل شيء إذا فقدت روحها، وأن البشرية ستصبح مهددة بالفناء في ظل جسد بلا روح وعندما تصبح الحضارة بلا قلب فإنها ستفقد أهم مقومات الحياة ([21]). وفي هذا القول تتوهج كل الدلالات الأسطورية للحضارة الغربية الفاوستية التي فقدت بريقها الإنساني من نار برومثيوس التي أحرقت العالم إلى صواري أوديسيوس وسجونه الحضارية، ومنهما إلى الروح الفاوستية في الحضارة الغربية .

في الأساطير الثلاثة يتوهج نور الحضارة في البداية ثم تأفل الأنوار ويسقط الإنسان في مستنقع العدمية. أراد برومثيوس أن ينير الأرض بشعلته ولكن هذه الشعلة أحرقت الأرض ودمرت الأنوار، وانتهى به الأمر بصندوق باندوا (عقاب زيوس للبشر ) التي انفتح شراً على الإنسانية فانتشرت الشرور والآثام ولم يبق فيه إلا الأمل.

أراد أوديسيوس أن يسيطر على الطبيعية بالعقل والمعرفة فوقع في أسر الصواري وأرهب الطبيعة إذ كشف أسررها دون أن يمتثل لغواية الغانيات التي ترمز إلى في جمال الطبيعة وسحرها، حرم نفسه من أناشيد الطبيعة الروحية فأخضع نفسه لقوانين العلم والمعرفة، فسقط تحت مقصلة العقل الأداتي فاقداً للروح والجمال الذي تتجلى فيه الطبيعة التي تتمثل في الفن والموسيقا والجمال.

وهذا هو الواقع الحضاري المأساوي الذي نعيشه المحاصر بزنزانات الاغتراب والاستلاب لقد أصبح الناس في هذا الزمن الحضاري عبداً لنزواته المادية يرزح تحت السلطة البيروقراطية، وقد أصبح اليوم عاجزاً مجرداً من طاقته الروحية والأخلاقية. فالحياة المعاصرة في ظل الحضارة الغربية حضارة فاوستية حضارة السيطرة والقوة والدمار. والإنسان اليوم يعيش تحت مظلة الخطر الذي يهدد كيانه ووجوده الذي يتمثل في الحروب النووية والخراب البيئي وسيطرة الإعلام وهيمنة الذكاء الاصطناعي. لقد اصبحنا نعيش في عالم يعلو فيه كل شيء وتسقط قيمة الإنسان نفسه صانع الحضارة والتاريخ. وعلى هذا النحو يمكن القول إن كل حضارة تنطوي على بذور فنائها، وعليه فالحضارة الإنسانية الكونية تقارب الفناء والزوال والانحدار. وقد كتبت أطنان من الكتب والروايات والدراسات التي تحدثنا عن فناء الحضارة الإنسانية وسقوط الإنسان.

وقد تمثل أسطورة سيزيف ([22]) اليوم تصورا عميقا عن وضعية الحضارة المعاصرة فالإنسان يعيش فيها وضعية سيزيفية مجردة من الحلم والأمل، وحياة البشر أصبحت  اليةم روتينا يستمد معناه من صخرة سيزيف الأبدية  أي كحال سيزيف الذي يدفع صخرته بصورة دائمة إلى أعلى الجبل لتنحدر بعدها إلى سفحه على نحو لا يتوقف أبدا . وتلك هي حالة الإنسان المعاصر الذي يرفع أثقاله اليومية في ظل غياب الروح الحقيقية للإنسان بوصفه والإنسانية بوصفها نمطا للعيش الحرّ الكريم، وقد يكون كل ما يقوم به الإنسان المعاصر في ظل هذه الروح الفاوستية مجرد عمل رتيب سخيف تافه لا قيمة له ولا معنى محال سيزيف الذي يحمل صخرته المتدحرجة دون جدوى إلى الأبد. وتلكم هي الحياة العبثية التي نعيشها في هذا الزمن، وقد لا نبالغ في القول: إن الحياة التي نعيشها اليوم تشبه إلى حد كبير هذا الشقاء الذي حُكم به على سيزيف إنها مأساة هذا الروتين اليومي الذي يكبلنا بأغلال برومثيوس وصواري أوديسيوس. فنحن نعيش اليوم في مهب الريح نكرر حياتنا كل يوم دون هدف يتميز بنبله وسموه، نعيش نستهلك نأكل نخضع نستسلم نتشيأ نتملك نشتري نبيع كما نُشترى ونُباع في سوق النخاسة الرأسمالي الجديد، وقد أصبحنا أشلاء في ماكينة الإنتاج الصناعي والإعلامي الجبار، بل قل أننا اصبحنا وقوداً لهذه الصناعة وموضوعاً لها. وقد لا يوجد أمام الإنسان بعد أن فقد شغفه الطبيعي إلى الحياة الإنسانية الروحية إلا الموت خلاصاً من هذا الضجر الأبدي، أو لنقل إذا حاولنا رفع المعنويات بأن لم يبق أمام هذه الإنسانية البائسة أكثر من الحلم والأمل القابع في صندوق باندورا الذي يحتاج إلى من يطلقه من جديد في قلوب الناس ووعي البشر. ويبقى السؤال هل هنام من يأتي ليكسر أغلال برومثيوس؟ أو ليحرر سيزيف من عنائه الأبدي فيحطم صخرته الكارثية؟ وهل هناك من جنيات بحرية تأخذنا إلى صوابنا في التفاعل مع الطبيعية لنخرج من دوائر اغترابنا واستلابنا؟

***

علي أسعد وطفة

جامعة الكويت – كلية التربية

..................................

مراجع المقالة وهوامشها:

[1] - إلكترا شخصية اسطورية ابنة ملك الإغريق "أغمانون". وقد اشتهرت بقيامها بتحريض أخيها "أوريستيس" على قتل أمّها "كليتمنسترا"، بعدما اتهمتها بالمشاركة في قتل أبيها. يضاف إلى ذلك كلّه السبب الأهم وهو حبّها السابق والشديد لأبيها وتعلُّقها به ورفضها في أن تشاركها فيه أي امرأة غيرها، حتى ولو كانت هذه المرأة هي أمّها! لذلك أطلق علماء النفس هذا الاسم على إحدى العقد النفسية التي تعاني منها البنت في فترة المراهقة، وما ينتج عنها ليغطي المراحل القادمة. وبهذا المعنى فإلكترا هي النسخة المؤنَّثة لما يُسمَّى "عقدة أوديب". وعلى الرغم من أن فرويد هو من ابتكرها، إلا أن يونغ هو من أطلق التسمية الحالية على العقدة التي كان يُسمّيها فرويد "عقدة أوديب المؤنثة".

[2] - بروميثيوس (Prometheus) أحد الأرباب المعروفة بالتيتان في مجمع أرباب اليونانيين القدماء، ويعني «المتبصر» وهو ابن التيتان إيابتوس وشقيق أطلس وابمثيوس في الأساطير اليونانية. وقد كان يملك المقدرة على التنبؤ بالمستقبل. عندما قامت الحرب بين كرونوس و التايتن من جهة وزيوس وأخوته من جهة أخرى، انضم بروميثيوس إلى جبهة زيوس، وبعد الانتصار اتخذ زيوس من بروميثيوس مستشار له لبعد نظره وحكمته. عهد زيوس إلى بروميثيوس وأخيه ابيمثيوس تشكيل الحيوانات والبشر. شكل ابيمثيوس الحيوانات، بينما شكل بروميثيوس البشر. أنهى ابيمثيوس الحيوانات بسرعة، بينما استغرق بروميثيوس الكثير من الوقت، بالرغم من رغبة بروميثوس إتقان تشكيل البشر، إلا أن بطئه الشديد جعل أخاه يمنح الهبات كلها إلى الحيوانات: السرعة في العدو، الرؤية عن بعد، السمع عن مسافات بعيدة كما أعطاهم رداء من الفراء ليدفئهم من البرد، ومختلف الأسلحة للدفاع عن نفسها مثل القرون والأنياب، ولم يبق شيء للإنسان. أعطى بروميثيوس البشر العديد من العطايا والهبات التي سرقها من آلهة الأوليمب هيفاستوس وأثينا وغيرهم، فقد أعطاهم فنون العمارة والبناء، النجارة، استخراج المعادن، علم الفلك، تحديد الفصول، الأرقام والحروف الهجائية، كما علمهم استئناس الحيوانات وركوبها والإبحار بالسفن. لم يكتف بروميثيوس بذلك، بل سرق النار من جبل الأوليمب، وأعطى قبسا منها للبشر. فقد حزن بروميثيوس لرؤية البشر في برد الشتاء محرومين من الدفء والأمن. تألم بروميثيوس لحال البشر، وقرر أن يحضر لهم النيران التي تدفئهم وتأنسهم بنورها. سرق برميثيوس إحدى صواعق زيوس، وأخفاها داخل عصا مجوفة صنعها من النباتات. وقد علم زيوس بخيانة بروميثيوس، وقرر عقابه على الإثم الذي ارتكبه في حق سادة الأوليمب. استدعى هيفاستوس وطلب منه أن يصنع سلاسل قوية حتى يقيد بها بروميثيوس على صخرة في جبال القوقاز. وكان كل صباح يأتيه نسر عملاق يدعى أثون ينهش كبده، الذي يعود لينمو مجددا في المساء ليستمر عقاب بروميثيوس الأبدي. انظر الموسوعة العربية للمزيد من المعلومات.

[3] - الأوديسة باليونانية (ούνταξις)هي ملحمة شعرية وضعها هوميروس في القرن 8 قبل الميلاد. وتتكون من 24 جزئا. تبدأ الملحمة من منتصف القصة، ثم تروي ما حدث بالبداية وتنتهي بوصول البطل إلى الجزيرة. تبدأ قصة الأوديسة بعد نهاية ملحمة الإلياذة. وتروي قصة عودة أوديسيوس ملك إيثاكا الذي من المعروف عنه أنه صاحب فكرة حصان طروادة.

[4] - يسمى أوديسيوس يوليز أو عوليس باللاتينية (Ulysses)

[5] - Max Horkheimer and Theodor w. Adorno, La dialectique de la raison, fragment philosophiques, traduit de l'allemand par eliane kaufholz, Editions gallimard, p 50.

[6] - كـمـال بـومـنـيـر، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: من ماكـس هـوركهايمر إلى أكسـل هـونيـث، الدار العربية للعلوم ناشرون، الرباط، الطبعة الأولى، 2010. ص 20.

[7] -Max Horkheimer et Theodor W. Adorno, La Dialectique de la Raison, trad. Éliane Kaufholz, Gallimard, 1974, p. 72.

[8] - خلدون النبواني، الجيل الأول لمدرسة فرانكفورت من الماركسية إلى ما بعد الحداثة، الأوان، 8ديسمبر 8, 2013. https://bitly.ws/3dqE3

[9] - عبد الغفار مكاوي، تجارب فلسفية، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2020. ص 106.

[10] - عبد الغفار مكاوي، تجارب فلسفية، المرجع السابق، ص 106.

[11] - كـمـال بـومـنـيـر، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت: من ماكـس هـوركهايمر إلى أكسـل هـونيـث، الدار العربية للعلوم ناشرون، الرباط، الطبعة الأولى، 2010. ص 21.

[12] - كـمـال بـومـنـيـر، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، المرجع السابق، ص 22.

[13] - كـمـال بـومـنـيـر، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، المرجع السابق، ص 22.

[14] - عماد الدين ابراهيم عبد الرازق، مفهوم الاغتراب لدى فلاسفة مدرسة فرانكفورت، مؤمنون بلا حدود، يناير 2017. https://bitly.ws/3dqMj

[15] - مهند حبيب السماوي، نقد الحضارة الأوربية عند نيتشه، مركز الشرق العربي، 12/7/2007. https://www.asharqalarabi.org.uk/mu-sa/b-mushacat-417.htm

[16] - مهند حبيب السماوي، نقد الحضارة الأوربية عند نيتشه، المرجع السابق .

[17] - زيد بن محمد الرماني، فلاسفة الغرب والحضارة الغربية الحديثة، الألوكة، 13-6-2022.

https://bitly.ws/3htXA

[18] - زيد بن محمد الرماني، فلاسفة الغرب والحضارة الغربية الحديثة، المرجع السابق.

[19] - زيد بن محمد الرماني، فلاسفة الغرب والحضارة الغربية الحديثة، المرجع السابق.

[20] - زيد بن محمد الرماني، فلاسفة الغرب والحضارة الغربية الحديثة، المرجع السابق.

https://bitly.ws/3htXA

[21] نقلا عن: مجدي عزيز إبراهيم، المنهج التربوي العالمي، أسس تصميم منهج تربوي في ضوء التنوع الثقافي، مكتبة الأنجلو مصرية القاهرة 2001، ص 232.

[22] - سيزيف شخصية أسطورية شريرة في الميثولوجيا الإغريقية، وقد صوره هوميروس أكثر أبناء البشر مكرا وخبثا ولؤما. ولسوء أعماله حكمت عليه الآلهة الأوليمبية أن يدحرج صخرة ضخمة من أسفل الجبل إلى أعلاه، وفي كل مرة تصل فيها إلى قمة الجبل تتدحرج إلى أسفله فيعود سيزيف جديد ليدحرجها إلى القمة من جديد مرارا وتكرارا إلى الأبد. وليس هناك عقاب أقبح وأشد أيلاما من القيام بعمل تافه لا معنى له ولا جدوى فيه.

1) من أهم أركان النفس الإنسانية التي طرحها القرآن الكريم باعتبارها تمثل مظهرا رئيسيا، عليها يتم تقسيم سلوك الإنسان وخلفياته، نجد تلك الصورة التي عبر عنها بالنفس الأمارة بالسوء، وهي تمثل الجانب المذموم من التوجه النفسي. وتتجلى على عدة صور وظواهر جزئية في سلوكه الظاهري والباطني. بحيث ستمثل المجموعة السالبة في كيان الإنسان كمقابلة ومناقضة للموجبة ذات الصورة المحمودة من ظواهره النفسية .

ولئن كنا قد اصطلحنا بمصطلح المجموعة أو النفس السلبية أو السالبة فذلك من حيث إنها لا تقدم للإنسان مكسبا زائدا على ما هو عليه في نفسه الحسية الغريزية أو ما في معناها، أي أنه لا يسعى إلا إلى الاستجابة للمتطلبات الجسدية أو ما يدور في فلكها من نوازع ذاتية تؤول في النهاية إلى تحقيق الرغبة الجسدية على غير اعتدال أو وجه صحيح في أغلب الأحيان .

فلقد ورد هذا الوصف للنفس الإنسانية في قول الله تعالى :"وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي لغفور رحيم ".

فالآية قد وردت في سياق أو معرض حادثة لها دلالتها الخاصة على مستوى سلوك غريزي محدد والذي بسبب تصارعه قد اعتبرت النفس على صيغة العموم بأنها أمارة بالسوء.بحيث إن هذا الوصف سيوضح لنا صورة استثنائية للنفس البشرية، ومع ذلك فقد تمثل قاعدة عامة عند أغلب الناس الذين قد يظهرون بسببها على شكل شخصية متناقضة ذاتيا.

لأن الوضع الطبيعي والأسلم للإنسان، عقلا وذوقا وسلوكا، هو أن يسعى إلى تحقيق مصلحته ونفع ذاته وبالتالي اجتناب كل إساءة إليها ورفض كل ما يضرها.

لكن المشكلة التي تحتاج إلى تحليل عميق لواقع النفس الإنسانية هي: كيف يمكن تصور الإنسان الواعي يأمر ذاته بالسوء، ويسعى إلى حتفه بظلفه ؟ فمن تكون النفس المقصودة في الآية ومن يكون الإنسان الذي لا يبرئ نفسه، وهل توجد ازدواجية في تكوينه على مستوى التناقض أم على مستوى التكامل ؟ كما أنه :هل له مسؤولية جزائية كاملة أم أنه يتحمل المسئولية عن بعض سلوكياته بينما يعفى منها في الجوانب الأخرى؟.

إن ظاهرة الأمر بالسوء، الذي وصفت به النفس الإنسانية قد جاء في سياق الوضع الغريزي الذي هو من جهة قد يمثل المطلب الجسدي بالدرجة الأولى.و هو استحثاث باطني من جنس الباعث المادي لتحقيق الاستجابة للحاجة وسدها، وخصوصياته هو أنه انجذابي ومغناطيسي نحو مشاكله، على أية صورة كانت هذه المشاكلة.

وبما أن الجسد له اتصال بالروح العنصر الواعي والشعوري في شخصية الإنسان فإنه سيكسب قسطا نسبيا من الوعي الذاتي الذي يصرف به مصالحه ويطلب بواسطته حاجاته، وتستحث من خلاله غرائزه.ولهذا فالوعي الجسدي هو وعي محدود انطوائي لا يعمل إلا في دائرة الأنانية الجسدية والتخطيط والتحايل على إشباعها إشباعا أعمى، وانجذابا غير واعي بأبعاده السيئة إن هو جاوز الحدود الفطرية واخترق حقل الوعي الروحي الذي هو أصله مرتكز حياته وإحساساته .

والواقع أن سقوط النفس في دوامة الوصف بالأمارة بالسوء هو نتيجة فتح المجال لعدم التوازن بين العمل الروحي والعمل الجسدي، وقد دل على ذلك قول الله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف عليه السلام :" إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي".

إذ الاستثناء وارد بسبب التدخل الإلهي لضبط السلوك النفسي، مما يعني أن المرتكز في معرفة النفس ابتداء وانتهاء مرتكز عقدي توحيدي، هو الذي يحقق التوازن بين الوظيفة الروحية والجسدية لتحقيق السلامة الفطرية.

2) والأمر بالسوء قد يعرض على صورتين: إما على صورة عقل واعي قد يتخذ صور تخطيط وحيل وتسويل وحديث نفس، وإما على صورة شهوة بدنية ستأخذ شكل الاندفاع والانجذاب نحو المبتغى بالتحسيس الممزوج بالألم واللذة كتلازم بين ألم اللذة ولذة الألم .

والملاحظ أن الأمر النفسي قد يعتبر جزائيا على المستوى العملي أو الحركي، أما ما يبقى داخل الخطاب الذاتي الباطني فهو خارج عن هذا الاعتبار.

وهكذا سنجد القرآن يقرر أن الظاهرة عامة عند الإنسان، وهي تأخذ مستوياتها بحسب الاعتماد الفطري أو غيابه وذلك في قول الله تعالى:"ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد، ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"[1].

وبما أن هذه الظاهرة من خصائص النفس الإنسانية التي قد تدخل إما في حكم الاختيار، ولكن في حدود الاستعراض الخيالي، وإما في حكم عدم الاختيار بالتسلط والتأمر النفسي فإننا سنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرح بحكم شرعي كطمأنة للنفوس وصرفها عن التعقد وتوهم الخطأ أو الضياع وما إلى ذلك بحسب حديث النفس.

فعن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به "[2]، بل سيذهب إلى أبعد من هذا وهو التلطف في اتهام النفس وتحميلها من النعوت إلا ما تستحقه بالاستحقاق الجزائي المناسب كما في حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست نفسي"[3]. واللِّقْس يختص بامتلاء المعدة . وهذا فيه أيضا دلالة الارتباط الموضوعي العضوي بين مفهوم النفس والاستحثاثات الغريزية .

قال ابن جمرة كما يحكيه عنه العسقلاني:"ويؤخذ من الحديث استحباب مجانبة الألفاظ القبيحة والأسماء والعدول إلى ما لا قبح فيه، والخبث واللقس وإن كان المعنى المراد يتأدى بكل منهما لكن لفظ الخبث قبيح ويجمع أمورا زائدة على المراد، بخلاف اللقس فإنه يختص بامتلاء المعدة.قال : وفيه أن المرء يطلب الخير حتى بالفأل الحسن . ويضيف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما ويدفع الشر عن نفسه مهما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة.

قال: ويلتحق بهذا أن الضعيف إذا سئل عن حاله: لا يقول لست بطيب بل يقول ضعيف ولا يخرج نفسه من الطيبين فيلحقها بالخبيثين "[4].

لكنه مع هذا النهي عن وصف النفس بالخبث سنجد حديثا آخر يصفها بنفس النعت المنهي عنه، وذلك بالحكم الشرعي وليس بالحكم الشخصي، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب كل عقدة:عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان[5].

وللجمع بين الحكم الشرعي والحكم الشخصي، فإن الحكم الشرعي يبقى هو المقرر الأعلى في قضايا النفس وظواهرها وبواطنها لأنه العلم الإلهي الذي له كامل الحق في الحكم على الأشياء ولأنه أعلم بها من كل جوانبها "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"[6]، وعلمه بالنفس قد يتضمن التقرير والحكم والجزاء والتربية والتزكية:"فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى"[7]، "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا"[8].

" ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا"[9].

وفي الحديث:" أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ويلك قطعت عنق أخيك ثلاثا! من كان مادحا لا محالة فليقل أحسب فلانا والله حسبه ولا أزكي على الله أحدا إن كان يعلم ". (رواه البخاري في كتاب الأدب ).

***

الدكتور محمد بنيعيش - أستاذ الفكر والحضارة

المملكة المغربية

.....................

[1] سورة ق آية 16-23

[2] رواه مسلم

[3] رواه البخاري، كتاب الأدب

[4] :فتح الباري في شرح صحيح البخاري، دار الكتب العلمية بيروت ط1-1410-1989 ج10 ص 690

[5] رواه البخاري، كتاب الجنائز

[6] سورة الملك آية 14

[7] سورة النجم آية 32

[8] سورة الإسراء آية 25

[9] سورة النساء آية 49

 

تتجلى آيات الله عز وجل في ثلاثة منها تحكم طبيعة السلوك بين البشر، حيث تتناول ثلاثة دوائر أكبرهما الحديث والقول الحسن للناس كافة بغض النظر عن دينهم وأعراقهم وأصنافهم وأشكالهم وأوضاعهم الاجتماعية، الاقتصادية، والعلمية ونحوها، فالرسالة واضحة وجلية في الإحسان في القول والفعل. " وقولوا للناس حسناً " [1]، وقوله عز وجل " وقولوا للناس حسنا)" أي: كلموهم طيباً، ولينوا لهم جانباً، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: (وقولوا للناس حسناً) فالحسن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسناً كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله .وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا تحقرن من المعروف شيئاً، وإن لم تجد فالق‏ أخاك بوجه منطلق " .[2] ودعا أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسناً، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره:حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف يعني التنيسي حدثنا خالد بن صبيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة: أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهودياً ولا نصرانياً إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك ؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال: إن الله يقول: (وقولوا للناس حسناً) وهو: السلام . قال: وروي عن عطاء الخراساني ونحوه .[3]

وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ قُولُوا لَهُمُ الطَيِّبَ مِنَ القَوْلِ، وحاوِرُوهم بِأحْسَنِ ما تُحِبُّونَ أنْ تُحاوِرُوا بِهِ، وهَذا حَضٌّ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ.[4]، فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: "اتقوا النار ولو بشق تمرة فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة" وقوله - صلى الله عليه وسلم - "[5]من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت"[6]، وقوله - صلى الله عليه وسلم - "والكلمة الطيبة صدقة"[7]

إن اللطافة واللين في التعامل مع الناس من شيم الكرام وأخلاقهم السمحاء ومعادن نفوسهم الطيبة للقول والتصرف والفعل الحسن، يقول ربنا عزوجل "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"[8] .

تعتبر القدرة على فهم الناس وإقامة علاقات اجتماعية معهم والتعامل بشخصية لبقة ولطيفة ومتعاطفة من أساسيات الذكاء الاجتماعي التي يتصف بها المرء في فهمه ولباقة تصرفه مع من حوله. ويوضح الحسن البصري بعبارته الحكيمة: "اِصْحَب الناس بأي خلق شئت يصحبوك". فلا تُعاملهم كما يعاملوك به، أنت صاحب قيم وأخلاق سامية، فديدن القلوب الرحيمة والمبادىء السمحاء يصلحون ولا يفسدون، ولديهم القدرة على التحمل والصبر من إيذاء الآخرين . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "درجة الحِلم، والصبر على الأذى، والعفو عن الظلم؛ أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؛ يبلغ الرجل بها ما لا يبلُغه بالصيام والقيام"[9] قال تعالى: "وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ"[10]

وبدأت الدائرة تضيق رويداً رويداً حتى أنها وصلت إلى تخصيص في طبيعة العلاقة ما بين المؤمين بعضهم ببعض في علاقة لا تقبل شكاً أو تطاولاً ولا استقواءً على أحد ولا تكبراً أو استغلالاً لهم، علاقة سامية صفتها التواضع ولين الجانب واللطف في التعامل، فلا ينبغي أن تترفع وتتكبر على أخيك المسلم "واخفض جانحك للمؤمين" [11]، اخفض لهما جناح الذل، بمعنى: اخفض لهما جناحك الذليل، وجناح الإنسان يقال ليده، فإن الإنسان إذا أراد أن يبطش رفع يده، ويقال ذلك بمعنى لين الجانب والتواضع. الطائر إذا أراد أن يضرب ضرب بجناحه، رفع جناحه وضرب به، وإذا جاء عند صغاره فإنه يخفض جناحه ويرفرف على هؤلاء الصغار، فخفض الجناح يعني التواضع واللين في التعامل والمخالطة والمعاشرة[12]. والتعبير عن اللين والمودة والعطف بخفض الجناح تعبير تصويري، يمثل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير.[13]

وقوله) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وألِن لمن آمن بك، واتبعك واتبع كلامك، وقرِّبهم منك، ولا تجف بهم، ولا تَغْلُظ عليهم، يأمره تعالى ذكره بالرفق بالمؤمنين.[14]، إن الإسلام يدعو إلى الكلمة الطيبة في القرآن الكريم الأمر بالقول المعروف، والقول السديد، والقول الميسور، والقول الحسن، والقول الكريم، والقول اللين.[15]

فالبيئة التي ينشأ فيها الطفل إذا كانت تُربي فيها على القِيّم الإيجابية، وتنشئته على تعلم الألفاظ الجميلة والكلمات الطيبة، فسيكون محبوباً في بيئته، وتجعل المحيطين به يتوددون إليه ويتقربون منه، ويتعاملون معه برقي واحترام، أما إذا كان ما تربى على محتوى سلبي، غير لائق، فإن الناس سوف ينفرون من حوله، وينبذونه، ويحذرون من مجالسته وصحبته والتقرب منه، ويصبح منبوذاً وغير مقبول اجتماعياً. ففي دراسة أعدتها الدكتورة إليزابيث سويني من جامعة سينسيناتي والمتخصصة في مجال الاجتماع خلُصت في نتائجها إلى "إن الأطفال الذين ينشؤون في كنف عائلة يتسلط فيها الأبوان يميلون إلى الاستئساد على الآخرين والهيمنة عليهم عبر شتى وسائل الضغط والترهيب".[16]، فاختيار أحسن الكلام من أعظم أخلاق الإسلام التي كثُر تأكيدها في كثير من الآيات والأحاديث، قال تعال: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾[17]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إِن مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ بَذْلُ السَّلامِ، وَحُسْنُ الْكَلامِ»؛[18] .

والهين اللين ينسحب رفقه على كل صور حياته، التي تقتضي السماحة واللين في التعامل مع المؤمنين، حتى يحظى بمحبة الله سبحانه وتعالى (إن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله)[19]، كما نحظى بعون الله عز وجل يقول رسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف .[20]، ليس الرفق في الأمور الكبيرة أو ذات الشأن أو قضايا الحياة فقط، بل يتخطاها إلى ما يسمى صغائر الأمور: النظرة، المصافحة، طريقة الجلوس، الإقبال بالوجه. وكلها ذات آثار عظيمة في النفس، فهي تملك القلوب، وتنبّه العقول، خاصة أن محمدًا لم يفرق في ذلك بين فقير أو غني، ذو الشأن أو بسيط الشأن، الرجل والمرأة، الصغير والكبير. لذا، امتلك حب القلوب من حوله.[21]

وأمست الدائرة تضيق أكثر وأكثر في العلاقة ما بين الآبناء والآباء، في احترام وتقدير وتوقير لفضل هؤلاء على أبنائهم وفلذة أكبادهم " ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما".[22]، وقضى أي أمر وألزم وأوجب . قال ابن عباس والحسن وقتادة: وليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر[23]، وقضى ربك وأمر أمراً مقطوعاً به . ألا تعبدوا بأن لا تعبدوا إلا إياه لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة، وأحسنوا بالوالدين إحساناً لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش . فلا تقل لهما أف فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما، وهو صوت يدل على تضجر . وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير، ولذلك منع رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين، نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإحسان بهما. ولا تنهرهما ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ .[24]

هناك آداب ينبغي لنا مراعاتها، ويجدر بنا سلوكها مع الوالدين، لعلنا نرد لهما بعض الدين، ونقوم ببعض ما أوجب الله علينا نحوهما، كي نرضي ربنا، وتنشرح صدورنا، وتطيب حياتنا، وتسير أمورنا، ويبارك الله في أعمالنا، وينسأ لنا في آثارنا وبالوالدين إحسانا). إن مخاطبتهما بلطف وأدب وعدم رفع الصوت عليهما أو الرد عليهما بغضب وعبوس وجه وعدم رضا. فطاعتهما في كل وقت وكل أمر من ليل أو نهار ولكن في غير معصية الله، «فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .[25]، وتجنب مجادلتهما أو تخطئتهما أو إنكار شيء عليهما مباشرة ولكن يوضح لهما الصواب بلطف ولين وحسن أدب. والدخول عليهما بإذن ولاسيما وقت نومهما وراحتهما وكذلك عدم التصنت لحديثهما أو إفشاء سرهما.· تناول الطعام بعدهما أو الدخول إلى المنزل أو الجلوس قبلهما أو المشي أمامهما، أو النوم أو الاستلقاء أمامهما.· عدم تفضيل الزوجة والأبناء عليهما، عدم الإكثار والإلحاح عليهما بالطلبات التي ترهقهما إما مالية بالنسبة للأب أو أعمال منزلية بالنسبة للأم، عدم الكذب عليهما أو لومهما إذا عملاً لا يعجب الابن ·.[26]

***

د. أكرم عثمان

مستشار ومدرب دولي في التنمية البشرية

2024

.........................

[1] البقرة: 83

[2] أخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [ وصححه ] من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم، به .

[3] https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/katheer/sura2-aya83.html

[4] https://tafsir.app/ibn-atiyah/2/83

[5] رواه البخاري ومسلم

[6] رواه البخاري ومسلم

[7] متفق عليه

[8] سورة فصلت: 34

[9] https://www.aljazeera.net/blogs/2019/2/6

[10] سورة آل عمران: 133

[11] الحجر: 88

[12] https://khaledalsabt.com/interpretations/2740/3-

[13] https://quran-tafsir.net/qotb/sura15-aya88.html

[14] https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura15-aya88.html

[15] http://saaid.org/Doat/mehran/109.htm

[16] https://nir-osra.org

[17] الأسراء: 53

[18] رواه الطبراني

[19] رواه البخاري

[20] https://www.islamweb.net/ar/article/10245

[21] https://www.alukah.net/sharia/0/116664

[22] سورة الأسراء: 23

[23] https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/qortobi/sura17-aya23.html

[24] https://www.islamweb.net/ar/library/content/205/1437

[25] أخرجه البغوي

[26] https://kalemtayeb.com/safahat/item/42660

 

لما كانت الغاية من العقاب في الفقه الاسلامى حماية الفضيلة، وحماية المجتمع من أن تتحكم فيه الرزيلة، والحفاظ على المصلحة العامة، فقد وجب أن تكون العقوبة ذات طبيعة ملائمة تحقق هذا الغرض وتؤدى وظيفتها كما ينبغي."ولا يتحقق ذلك إلا أن تكون العقوبة تقوم على أصول ومواصفات معينة أهمها:

- أن تكون العقوبة زاجرة بحيث تجعل الفرد يفكر في عواقب الجريمة قبل الإقدام على اقترافها، فإذا وقعت الجريمة كانت العقوبة بحيث تؤدب الجاني على جنايته، وتزجر غيره عن التشبه به وسلوك طريقه، ولذلك قيل عن العقوبة أنها موانع قبل الفعل زواجر بعده، أي العلم بشرعيتها يمنع الإقدام على الفعل وإيقاعها يمنع العودة اليه.

- أن تكون العقوبة مناسبة لحاجة الجماعة ومتلائمة مع مصلحتها، فإذا إقتضت مصلحة الجماعة التشديد شددت العقوبة، وإذا اقتضت المصلحة التخفيف خففت العقوبة فلا يصح أن تتجاهل حاجة الجماعة ورغبتها.

- إذا اقتضت حماية الجماعة من شر المجرم إستئصاله من الجماعة، أو حبسه عنها كفاً لشره، وتحقيق أمن المجتمع واستقراره، وجب أن تكون العقوبة هي قتل المجرم أو حبسه عن الجماعة حتى يموت مالم يتب أو ينصلح حاله.

- إن كل عقوبة تؤدى لصلاح الأفراد وحماية الجماعة، هي عقوبة مشروعة، فلا ينبغى الإقتصار على عقوبات معينة دون غيرها.

- إن هدف العقوبة على اختلاف أنواعها ليس الإنتقام من المجرم وإيذائه، وإنما لإصلاحه وتقويمه". يقول الماوردى فى العقوبة: "أنها تأديب وإصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب". والعقوبات إنما شرعت "رحمة من الله تعالى بعباده، فهي صادرة عن رحمة الخلق وإرادة الإحسان إليهم، ولهذا ينبغى لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم، والرحمة لهم، كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض". والتأديب يختلف ويتفاوت باختلاف الأشخاص "فتأديب أهل المكانة أخف من تأديب أهل السفالة والسفاهة، لقول النبى r "أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا حداً من حدود الله"، والمراد بذوي الهيئات"أهل المروءات، أما أن يعلم من رجل صلاح في الدين، وكانت العثرة أمراً فرط منه على خلاف عادته ثم ندم، فمثل هذا ينبغي أن يتجاوز عنه، أو أن يكون أهل نجدة وسياسة وكبر فى الناس، فلو أقيلت العقوبة عليهم فى كل ذنب قليل أو كثير لكان فى ذلك فتح باب التشاحن، واختلاف على الإمام فإن النفوس كثيراً ما لا تحتمل ذلك، وأما الحدود فلا ينبغى أن تهمل إلا إذا وجد لها سبب شرعى تندرئ به، ولو أهملت لتناقضت المصلحة، وبطلت فائدة الحدود".

"ولأن التأديب المقصود منه الزجر عن الجريمة وأحوال الناس مختلفة فيه، فمنهم من ينزجر بالصيحة ومنهم من يحتاج إلى اللطمة وإلى الضرب، ومنهم من يحتاج إلى الحبس".ومنهم "من لا ينفع معه إلا القتل، لهذا تدرجت عقوبات التعزير من الوعظ والإرشاد إلى القتل تعزيرا"ً، ومما يؤكد حرص الشريعة الاسلامية على مصلحة المجتمع وحمايته من الخطر الذى يتهدده من جراء تلك الجرائم ، وجود تشريع عقابي حازم يضرب بيد من حديد كل من صادته حبائل الشيطان، وأصرّ على غيّه ونزع عن نفسه عذار الدين والحياء، بيد أن الشرع لا يتعجل فى تطبيق تلك العقوبة إلا بعد روية وتمحيص في الأسباب التي دعت الجانى لاقتراف الجرم الفادح، والوقوع في حمى الرحمن، "فالشريعة الغراء تراعى كلا الأمرين مصلحة المجتمع، ومصلحة الجانى، ففي عقوبات جرائم الحدود لاحظت الشريعة مصلحة الجانى بأن جعلت شخصية الجانى تقف عند التأكد من بلوغه وعقله وإختياره وعدم وقوعه في حالة الإكراه أو الضرورة والجهل في بعض الأحيان،كما لو شرب خمراً يظنها عصيراً، فلا عقاب عليه في هذه الحالة لأنه جاهل بذلك".

ويختلف الأمر حين النظر إلي مصلحة المجتمع ، فلو ارتكب الجانى جريمة من جرائم الحدود كالزنا والسرقة دون إكراه أو إضطرار وهو عاقل مختار، استحق أن تقام عليه العقوبة المقررة للجريمة المرتكبة، ولا يلتفت إلي المبررات التي ساقها لدرء العقوبة عنه، كما لا تولى ظروف وملابسات القضية أدنى اهتمام، ولا تلعب شخصية الجاني والأجواء المحيطة به وضحالة تعليمه، دوراً في اسقاط العقوبة أو احالتها لعقوبة أخرى تعزيرية، ولا يملك القاضي إلا توقيع الحد على المذنب لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قدر العقوبة وجعلها عامة لجميع مرتكبى جرائم الحدود، دون النظر لشريفهم أو وضيعهم طالما فيهم شروط تطبيق العقوبات المقررة لهذه الجرائم، وهي كون مرتكبها عاقلاً بالغاً غير مضطر ولا مكره، هذا هو النهج القويم فى حماية المجتمع وصون ذماره، حتى لا يتهضم جانبه، ويستباح حماه.

***

د. الطيب النقر

في المثقف اليوم