قضايا
مصطفى دحماني: مقدورك أن تبقى مسجونًا بين الطُغاة والغُلاَّة
النص واحد.. والفهومات متعددة
في البداية، لا بد أن نلفت الإنتباه أننا لا نتناول الدين الإسلامي كدين في حد ذاته، وليس غرضنا في هذه المقالة أو في غيرها من المقالات والدراسات التي تتناول الخطاب الديني المعاصر، الحفر في العقيدة الإسلامية، ولا يدور في ذهننا مناقشة عقيدة التوحيد الإلهية، ولا نقد أركان الإسلام ولا التشكيك في أركان الإيمان، لأننا على وعي تام أن هناك بون شاسع يفصل ما بين الدين والفكر الديني، بين الإسلام والخطاب الإسلامي، وبالتالي نحن نناقش الخطاب الديني، نمارس نقد الخطاب الديني، الخطاب الذي أنتجه البشر، وأنتجوه في ظروف وسياقات تاريخية مُعينة، كما نحلل الفكر الإسلامي، الفكر الذي صدر عن الفقهاء والأئمة وعلماء الكلام والمتصوفة والفلاسفة في العصر الوسيط وكذلك الأفكار التي قال بها رواد النهضة والإصلاح في العصر الحديث، ورموز الحركة الإصلاحية العربية، وكل الذين بحثوا في أسس التقدم من مفكري الإسلام، بالإضافة إلى خطاب الإحيائية والإسلام الحزبي ومنظُّرو الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، كما ننقد الفهم السلفي للدين والقراءة الرجعية للشريعة، كما نُحلّل الأفكار والتصورات الماضوية للدولة والمجتمع .
ولا يختلف إثنان على أن النص الديني واحد (القرآن والسنة). لكن الفهومات (تعدد الفهم) متعددة والتفسيرات مختلفة والقراءات قد تكون أحيان متناقضة وتكون التأويلات غير منتهية، لا في الزمان ولا في مكان، ولا يوجد معنى ثابت للنص الديني ولا يستطيع أحد ان يزعم أن فهمه هو الفهم الصحيح. ولهذا لا مستغرب من تعدد الفرق وتنوع الجماعات وتكاثر الطوائف في التاريخ الإسلامي وفي الإسلام التاريخي، بتعدد الفهومات وتنوع التصورات وإختلاف التأويلات، وبسبب كذلك تناقض المصالح حتى في المجتمع الواحد، ناهيك عن المجتمع متعدد "الملل والنحل "، وكذلك بسبب الإنقسام الذي حدث في الإسلام ما بين من السّنة والشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والأشاعرة والمتصوفة والفقهاء والفلاسفة، ولا ننسى إختلاف مفكري الإسلام في القرن التاسع عشر في أسس التقدم وفي شروط النهضة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، إن إهتمامنا بالكتابة والبحث والدراسة والتحليل والنقد بالفكر الإسلام السياسي المعاصر، وبكل ما يتعلق بظاهرة اسمها الصحوة الإسلامية، وبكل ما يترتب عن أعمال وأفعال وأقوال ونشاطات الجماعات السياسية الدينية أو كما يدعوه المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز بالإسلام الحزبي وما يصدر عن خطاب ما يسميه المفكر اللبناني رضوان السيد بالإحيائية الإسلامية من أراء وأفكار وتصورات ومفاهيم ورؤى وفتاوى، يعود بالدرجة الأولى إلى الوعي بأن هذه الجماعات الدينية / السياسية التي شكلت ظاهرة إجتماعية/ سياسية/ دينية لم يسبق لها مثيل. ولا مراء في أن هذه الظاهرة مارست التأثير الأكبر على الدول وعلى المجتمعات العربية/ الإسلامية، من بين جميع الإديولوجيات اليسارية والليبرالية التي عرفها العالم العربي في القرن العشرين، وكذلك بقدرة هذه الجماعات على التعبئة والحشد الجماهيري، على غرار الإيديولجيات الشمولية والحركات السياسية الشعبوية في الثلاثينيات مثل النازية والفاشية، والتي كانت تركز على الحشد الجماهيري والمظاهرات العارمة والإستعراضات العسكرية الضخمة
العمامة الدينية والقبعة العسكرية
والحقيقة التي لانقاش فيها، أن المد الديني/ الأصولي intégrismeفي المنطقة العربية حظي بجماهيرية كبيرة، وهذا راجع لعدة أسباب، منها خطاباته الشعبوية populisme أو بعبارة أصح، خُطبه في المساجد والمدارس والجامعات وحتى في رياض الأطفال، وكلنا يتذكر البرامج الدينية المكثفة في الإذاعات والتلفزيونات العربية وهذا الجيش عرمرم من الدعاة والشيوخ والوعاظ الذين يقدمون خطاب ديني كله وعد والوعيد وكله وعظ وإرشاد، خطاب يعرض بلغة شعبية بسيطة يفهمها العامة بسهولة .
من هنا اكتسب الخطاب الديني الأصولي، الجماهيرية الواسعة والتي لا تضاهييها من حيث الجماهيرية إلا جماهيرية المد القومي- الناصري في الخمسينات والستينيات . ولتوضيح الفكرة أكثر أن السبب الرئيس في جماهيرية الإسلام السياسي يعود بالدرجة الأولى إلى ما تقدمه هذه الجماعات من خطاب ديني، عاطفي للعامة وللجماهير التي تعاني أصلاً من الفقر المادي والعوز المعرفي والبؤس السياسي ويعاني أكثر من القمع التسلط والإستبداد السياسي، خطاب ديني متطرف يعتقد بإمتلاك صكوك الغفران ومفاتيح الجنة، وتلك هي المشكلة ! ومن المؤكد أن هذه الحركات السياسية، كان لها النصيب الأكبر في التأثير سلبا على أمن وإستقرار المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، ويكفي أن نشير أن جماعات الإسلام السياسي كانت العامل الرئيس من بين عوامل أخرى في إجهاض التجارب الديمقراطية في أكثر من بلد عربي، وخاصة في مصر وتونس وسوريا والعراق، إذ كانت سببًا مباشرًا في تعثر المسَّار الديمقراطي الوليد في الجزائر بعد إنتفاضة أكتوبر عام 1988، عندما رفعوا شعار " لا ميثاق..لا دستور قال الله قال الرسول ".
والجدير بالملاحظة أن الإسلام السياسي لعب دورا كبيرا في وأد حركات التغيير وإفشال ما يسمى بالرييع العربي، وإجهاض التجربة الديمقراطية بالتعاون مع الدولة العميقة، دولة العسكر والمخابرات والبوليس السياسي. ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول، بإن دولة العسكر، قتلت السياسة ووأدت العمل الحزبي واحتكرت المجال العالم وأممت الإعلام وضربت في مقتل التيارات المدنية وأجهزت على المجتمع المدني.
والمفارقة العجيبة أن القبعة العسكرية احتضنت العمامة الدينية ولعبت دورا كبيرا في تديين السياسة وتسييس الدين في الستينيان والسبعينيات، وبالتالي ساهمت في تناسل وتكاثر هذا المتدينين الذين سوف يدعمون صفوف تيار الإسلام السياسي والبعض من هؤلاء المتدينين سوف يلتحق بالتنظيمات الجهاية والجماعت الإسلامية المسلحة. فعلى سبيل المثال كشفت تنظيمات " التكفير والهجرة " و" الجهاد " و" الجماعة الإسلامية" و" الناجون من النار" و" الجماعة السلفية للدعوة والقتال" و" الجماعة الإسلامية المسلحة" و" داعش " و" القاعدة " و"أنصار الله " و" بوكو حرام " وغيرها من التنظيمات الإرهابية عن وججها الحقيقي عندما مارست أقصى درجات العنف. أو بعبارة أصح كشفت هذه التنظيمات الدينية والتي هي في الأصل تنظيمات خرجت من رحم جماعات كانت تمارس " الدعوة والتبليغ " والتي تميزت بالغلو في الدين بسبب تبنى إيديولوجية شمولية وفكر ديني متطرف، أقول كشفت عن وجهها الحقيقي في الإنتقال بسرعة من الكلام إلى الفعل ومن النظرية إلى التطبيق، وقفزت من مرحلة الدعوة إلى مرحلة أعلى وهي ممارسة الإرهاب الأعشى والعنف المُفرط والمُنفلت من كل عقال، المثال البارز ما حدث في الجزائر مع توقيف المسار الانتخابي في عام 1992 والذي فازت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حيث تسببت الجماعات الإسلامية المسلحة في قتل ربع مليون جزائري و30 ألف مفقود وخسائر قُدرت ب وقتها بعشرات المليارت من الدولارات، والأخطر من ذلك أن الجزائر تراجعت عشرات السنين إلى الوراء.
أما المثال الثاني فقد حدث في أرض الكنانة، كبرى الدول العربية وصاحبة التاريخ الحضاري الفرعوني والعربي / الإسلامي العريض والإنتاج الثقافي الضخم، والرائدة عربيا وإفريقيا وشرق أوسطيا في مجالات الفنون والآداب والفكر، فقد اندلعت فيها الموجة الإرهابية الثالثة في تسعينيات القرن الماضي، بإغتيال المفكر والكاتب الليبرالي فرج فودة عام 1992 ومحاولة قتل الأديب نجيب محفوظ عام 1994و قد بلغ العمل الإرهابي الذروة في الحادثة الإرهابية الأكبر في الأقصر في 17 نوفمبر عام 1997 والتي راح ثمانية وخمسون 58 سائحا أجنبيا وتبنتها الجماعة الإسلامية في مصر، وفي العراق وبعد سقوط نظام حكم استبدادي طويل، استعرت نار الإرهاب والعنف والفوضى عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وفي سوريا ارتكب الإسلاميون خطأ فادحا عندما قاموا بعسكرة ربيع دمشق، بهدف إسقاط النظام الاستبدادي، فكان أن جاءها الجهاديون من كل حدب وصوب رافعين شعار " أنا أقتل إذن أنا موجود "، وغني عن البيان القول بأن الدولة التسلطية في العالم العربي، كانت هي البيئة الحاضنة والأرض الخصبة لنمو وانتشار جماعات الهوس الديني وتضخم ورم سرطاني اسمه الأصولية الدينية.
وتجدر الإشارة أنه وبسبب الفقر السياسي المدقع الذي يعاني منه كافة التيارات السياسية الدينية، كانت للإسلام السياسي النسبة الأكبر في عودة الإستعمار للمنطقة العربية، وكأن التاريخ العربي تحكمه جدلية الطغاة (الإستبداد) الذي ينتج التطرف الديني (الغلاة) والتطرف الديني يستدعي الإستعمار (الغزاة) وصدق من قال أن الطغاة أفرزوا لنا الغلاة، والغلاة جلبوا لنا الغزاة ! ومما لا شك فيه أن من يقوم بعملية جرد على نشاطات جماعات الإسلام السياسي في الأربعين سنة الأخيرة سيجد نفسه أمام واقع مرير غير قابل للتغافل عنه، هو أن نشاطات التطرف الديني أحدثت جروحَا غائرة في جسم الأمة العربية / الإسلامية على المستوى الاجتماعي حيث تم أسلمة العلاقات الإجتماعية وخاصة تجاه المرأة وعلى المستوى السياسي تم تديّين الحياة السياسة وتسيّيس الشؤون الدينية وعلى المستوى الاقتصادي تم تأسيس شركات توظيف الأموال أو ما يسمى بالبنوك الإسلامية، كما تم تحريم فوائد البنوك، والأخطر ما تم على الصعيد الثقافي، حيث سادت وبقوة الثقافة الفقهية والفكر الديني المتزمت وهيمنت التصورات الغيبية وتكرسَّت الرؤية الدينية للعالم - la vision du monde - والكثير منا يتذكر قائمة المحرمات الطويلة التي نشرها الإسلاميون في بداية ثمناينيات القرن الماضي، والتي تبدأ من تحريم الفنون بأنواعها وتجريم الأدب بكل أجناسه وتبديع الفلسفة بكل تياراتها واتجاهاتها وشيطنة العلوم الإنسانية وبكل تخصصاتها. ولا ننسى كذلك التطرف والإيديولوجيا المتطرفة أصابت في مقتل السّلم المدني والنسيج الاجتماعي، ومن الواضح كذلك أنها زعزعت الإستقرار الاجتماعي، وفككّت الاندماج الوطني وهددت بالفعل وبالقوة الوحدة الوطنية، ولا نعتقد أن هناك تيار سياسي / إيديولوجي منذ بداية تشكل الأحزاب السياسية والتيارات الإيديولوجية، سواء التيارات الليبرالية واليسارية في العالم العربي قد هدّد السَّلم المدني والإستقرار الإحتماعي كما فعلت حركات الإسلام السياسي، كما لم نسمع أن هناك مثقف ليبرالي أو مناضل يساري قد أطلق رصاصة واحدة، أو رمى قنبلة أو أمسك سكينا، كما فعلت الحركات السياسية الإسلامية التي أطلقت الرصاص والقنابل والمتفجرات وأمسكت بالسكاكين.
واللافت للإنتباه، أن بعض الجماعات الدينية المعتدلة في خطابها السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين - أو ما يبدو أنه خطاب معتدل - عندما وصلت للسلطة وتقلد أعضاؤها مناصب في برلمانات وحكومات الدولة الوطنية في بعض الدول العربية، وشاركت في الحياة السياسية، بل وتغلغلت في مؤسسات الدولة وتأتى لبعضهم تقلد مناصب وزارية وتشكيل حكومات، كانت النتيجة كارثية على كل المستويات وعلى جميع الأصعدة.
***
مصطفى دحماني
أستاذ الفلسفة والفكر العربي/ الإسلامي/ كلية العلوم الإنسانية/ جامعة بشار / الجزائر







