قضايا

غالب المسعودي: سقراط... الفيلسوف الذي لم يكتب كلمة

رغم أنه لم يترك وراءه أي كتابات بخط يده، إلا أن سقراط، الفيلسوف الأثيني العظيم، خلد اسمه بمنهجه الفريد الذي يُعرف بـ “الطريقة السقراطية". هذا المنهج ليس سوى طريقة للبحث عن الحقيقة تعتمد على طرح الأسئلة المتتالية، لإجبار المحاور على فحص معتقداته والوصول إلى فهم أعمق. بدلاً من تقديم إجابات مباشرة، كان سقراط يسأل: "ما هي العدالة؟" أو "ما هي الفضيلة؟"، ثم يفند الإجابات من خلال أسئلة أخرى، مما يكشف التناقضات في تفكير محاوره. كان تأثيره قوياً جداً على تلاميذه، وأبرزهم أفلاطون، الذي وثق أفكاره ومنهجه في حواراته الفلسفية. هذه الحوارات، مثل "الجمهورية" و"المأدبة"، هي المصدر الرئيسي لمعرفتنا عن سقراط وفلسفته. وهكذا، أصبح سقراط فيلسوفاً خالداً من خلال كتابات الآخرين، الذين استلهموا منه على عكس الفلاسفة الذين سبقوه (المعروفين بـ السفسطائيين)، الذين كانوا يركزون على الجدل من أجل إثبات الرأي، كان سقراط يركز على الأخلاق والمعرفة الذاتية. مقولته الشهيرة اعرف نفسك تلخص منهجه الفلسفي. كان يؤمن بأن الفضيلة هي معرفة، وأن الناس يرتكبون الشر بسبب الجهل. هذا التركيز على الأخلاق والمعرفة الذاتية جعله شخصية محورية في تاريخ الفلسفة.

الفضيلة هي معرفة

كانت أبرز سمة لدى سقراط هي إيمانه بأن الفضيلة هي معرفة. على عكس الفلاسفة الذين رأوا المعرفة كقيمة منفصلة أو وسيلة لتحقيق أهداف أخرى، كان سقراط يرى أن المعرفة الحقيقية بالخير والعدالة تؤدي حتمًا إلى الفعل الفاضل.  بالنسبة له، لا يمكن لشخص أن يعرف ما هو صواب ويختار فعل الخطأ عن قصد. بالتالي، فإن كل الأخطاء البشرية تنبع من الجهل، وليس من الشر. هذا الربط المباشر بين المعرفة والأخلاق جعله يركز جهوده على مساعدة الناس على اكتشاف الخير بداخلهم، بدلاً من مجرد تزويدهم من مصادر خارجية. ميزة أخرى فريدة لسقراط هي إعلانه المستمر بأنه لا يعرف شيئًا، كانت مقولته الشهيرة (كل ما أعرفه هو أني لا أعرف شيئًا أنا أعلم شيئًا واحدًا فقط، وهو أنني لا أعرف شيئًا) لم تكن تواضعًا زائفًا، بل كانت نقطة انطلاق لمنهجه الفلسفي. كان يؤمن بأن الاعتراف بالجهل هو الخطوة الأولى نحو الحكمة. كان هذا الموقف مناقضًا تمامًا للسفسطائيين الذين كانوا يدعون امتلاكهم للمعرفة المطلقة ويبيعونها للناس. كان سقراط يستخدم جهله الظاهري كأداة لإجبار محاوريه على إعادة فحص معتقداتهم وافتراضاتهم، مما يكشف عن التناقضات في تفكيرهم.

مصادر فلسفته

استمد سقراط فلسفته من مصادر متعددة، ولكن بطريقة فريدة تميزه عن غيره. لم تكن فلسفته نتيجة لقراءة الكتب أو التعمق في نظريات الفلاسفة السابقين فقط، بل كانت نتاجًا لعدة عوامل رئيسية. كان المصدر الرئيسي لفلسفة سقراط هو التفاعل المباشر مع الناس في شوارع أثينا وساحاتها العامة.  كان يتجول في المدينة ويتحدث مع كل من يصادفه، سواء كانوا من النخبة السياسية أو من التجار أو حتى من العمال. كان يستمد أسئلته وموضوعات حواراته من القضايا اليومية التي تشغل بال الناس، مثل العدالة، والشجاعة، والجمال، والحب .كانت فلسفته نابعة من الواقع العملي والتساؤلات التي يواجها الأفراد في حياتهم من الصوت الداخلي (الديمون) ،كان سقراط يتحدث باستمرار عن وجود صوت داخلي أو (ديمون) داخله الصوت ليس إلهًا او وحيا بالمعنى الديني التقليدي بل كان نوعًا من الوعي و الإلهام الأخلاقي الذي يمنعه من فعل ما هو خطأ  ،هذا الصوت كان بمثابة بوصلة أخلاقية شخصية توجهه في مسيرته ،كان يرى في هذا الصوت ما يأمره بما يفعل بل ويمنعه من فعل ما هو خاطئ، ما يدفعه إلى مزيد من التأمل والتساؤل. كذلك استمد سقراط فلسفته من الفلاسفة السفسطائيين على الرغم من أنه كان ينتقدهم بشدة، إلا أن سقراط استمد الكثير من أفكاره من الجدال معهم. كان هؤلاء الفلاسفة متخصصين في فن الخطابة والجدل، ويهدفون إلى إقناع الآخرين بآرائهم، بغض النظر عن الحقيقة.  كان سقراط يشارك في حوارات معهم، ولكن بدلاً من أن يتبع أسلوبهم، كان يستخدم منطقهم ضدهم، ويكشف عن التناقضات في حججهم. هذا الجدل المنهجي معهم ساهم في صقل منهجه الفلسفي، وجعله يركز على البحث عن الحقيقة المطلقة، بدلاً من مجرد الفوز بالنقاش. لم يستمد سقراط فلسفته من الشريعة أو تعليمات رجال الدين لعدة أسباب، أبرزها كان منهجه العقلي والجدلي الذي يعطي الأولوية للتساؤل والبحث عن الحقيقة من خلال العقل، وليس من خلال التسليم المطلق لمعتقدات أو سلطة خارجية، كان سقراط يؤمن بأن الحقيقة تكتشف بالبحث والتساؤل، وليس بالتلقي الأعمى.  كانت مهمته هي فحص الحياة، كان يرى أن الحياة غير المفحوصة لا تستحق العيش. هذا المنهج يتعارض بشكل مباشر مع طبيعة الشريعة الدينية، التي غالبًا ما تتطلب الإيمان والتسليم بوجود حقائق مُنزلة دون الحاجة إلى فحصها أو التشكيك فيها. كان سقراط يرى أن الاعتماد على العقل هو السبيل الوحيد للوصول إلى الفضيلة الحقيقية. كان سقراط ينتقد بشدة الآلهة اليونانية التقليدية كما صورها الشعراء مثل هوميروس، حيث اظهروا الآلهة تتصرف بشكل غير أخلاقي، وتغار وتكذب وتخدع. بالنسبة لسقراط، فإن الإله الحقيقي يجب أن يكون مصدرًا للخير والكمال المطلق. هذا الموقف جعله في مواجهة مع الدين الرسمي لأثينا، وأدى في النهاية إلى اتهامه بالإلحاد وإفساد الشباب.

سقراط ومعضلة يوثيفرو*

تعتبر معضلة يوثيفرو واحدة من أهم القضايا في الفلسفة الأخلاقية، حيث تثير تساؤلات حول طبيعة الخير والشر، وأسس القيم الأخلاقية. معضلة يوثيفرو هي حوار فلسفي شهير بين سقراط ويوثيفرو، تدور حول طبيعة الفضيلة وعلاقتها بالله. تتلخص المعضلة في السؤال التالي: "هل الأشياء جيدة لأن الله يحبها، أم أن الله يحبها لأنها جيدة؟

الخيار الأول: "الشيء المقدس هو مقدس لأنه محبوب من الآلهة." وهذا يعني أن الآلهة هي التي تحدد ما هو مقدس، وأنها يمكن أن تجعل أي شيء مقدسًا، حتى لو كان غير أخلاقي. وهذا يفتح الباب أمام نسبية الأخلاق، حيث لا توجد معايير ثابتة للصواب والخطأ، بل كل شيء يعتمد على إرادة الآلهة.

الخيار الثاني: الشيء المقدس محبوب من الآلهة لأنه مقدس. وهذا يعني أن هناك معيارًا مستقلًا للأخلاق، وأن الآلهة تحب الشيء المقدس لأنه يتوافق مع هذا المعيار. وهذا يعني أن الآلهة لا تخلق الأخلاق، بل تتبعها، وهو ما يضعف فكرة أن الآلهة هي مصدر كل شيء. كان الهدف من طرح هذه المعضلة هو إظهار أن يوثيفرو، الذي كان يدعي أنه يعرف ما هو مقدس، لا يمكنه أن يبرر موقفه.

تعتبر هذه المعضلة من أهم الأسئلة في الفلسفة، وقد أثرت في الفكر الفلسفي والديني لقرون طويلة، وأسست لفكرة أن الأخلاق يمكن أن تكون مستقلة عن الدين، وأنها تستند إلى مبادئ عقلانية يمكن الوصول إليها من خلال الفلسفة، لم يرفض سقراط فكرة الإله أو الروحانية بشكل كامل، بل كان يؤمن بوجود صوت داخلي إلهي (الديمون) يوجهه، ولكنه رفض أن يبني فلسفته على عقائد دينية تقليدية أو على سلطة رجال الدين الذين كانوا يمثلون تفسيرًا بشريًا للآلهة.

***

غالب المسعودي

..........................

* وردت معضلة يوثيفرو في محاورات أفلاطون «يوثيفرو»، حيث يسأل سقراط يوثيفرو، «هل التقيّ محبوب من الآلهة لأنه تقيّ، أم هو تقيّ لأنه محبوب من الآلهة؟» (“معضلة يوثيفرو - ويكيبيديا”)

ورغم أن هذه المعضلة انطبقت في الأصل على البانثيون اليوناني القديم، فإن لها آثارها على الديانات التوحيدية الحديثة. تساءل غوتفريد لايبنتس عما إذا كان الخير والعدل «خيّرًا وعدلًا لأن الله يريده هكذا، أم ما إذا كان الله يريده لأنه خيّر وعادل في الأصل». طرح هذا السؤال، منذ المحاورة الأصليّة التي أجراها أفلاطون، مشكلة لبعض المؤمنين بالله، وعدّها آخرون مجرد معضلة زائفة، ولا يزال هذا السؤال موضوعًا للمناقشة اللاهوتية والفلسفية إلى اليوم.

في المثقف اليوم