قضايا

حاتم حميد محسن: أوهام التوازن.. لماذا يفشل التوازن الاقتصادي؟

الاقتصادي الذي اخترع نظرية التوازن Equilibrium theory رفضها بعد ان خسر 200 مليون دولار. ايرفينغ فيتشر خلق اطارا حديثا لازال الاقتصاديون المعاصرون يقدسونه حتى اليوم. في عام 1907 هو نشر اقتصاد التوازن – الفكرة بان الأسواق بطبيعتها تتحرك نحو توازن مستقر.

في عام 1929 كان فيتشر من أبرز علماء الاقتصاد الأمريكيين. في 15 أكتوبر من نفس العام صرح ان الأسهم "عالية القيمة دائما". نظريته أخبرته ان السوق عقلاني. وبعد أيام من ذلك التصريح حدثت كارثة الثلاثاء الأسود في أسواق الأسهم الامريكية. عندئذ هو خسر كل شيء. ذلك الدمار أجبره على مواجهة الخطأ، في عام 1933 نشر نظرية جديدة ترفض التوازن كليا. كتب فيتشر: "من السخف افتراض التوازن الاقتصادي كما هو الحال في افتراض ان المحيط الأطلسي يخلو من الأمواج". لايزال الاقتصاديون الكلاسيك الجدد في عام 2025 يدرّسون نظرية فيتشر المهملة . هم أخطأوا فهم الكساد الكبير، ثم أعادوا بناء نفس الاطار وأخطأوا فهم أزمة عام 2008. وحتى الان لازالوا ينصحون الطلاب بتجاهل الانتقادات ضد التوازن.

ماهي فكرة التوازن؟

 يصف الاقتصاديون حالة التوازن بالموقف الذي يتساوى فيه الطلب مع العرض. الطلب عموما يتناقص عندما ترتفع الأسعار، بينما يميل المزيد من المجهزين للدخول الى السوق عندما يرتفع السعر. التوازن السعري يُفترض ان يكون عند السعر الذي يتطابق فيه العرض تماما مع الطلب. الناس يستعملون أفكار التوازن لإشتقاق معادلات تسعى لوصف الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد. ان المشكلة هي ان فكرة التوازن ليست اكثر من تجريد نظري خالص ولن يحدث ابدا في الاقتصادات الواقعية. الاقتصاد الواقعي يتميز بالحركة. لا وجود لأي نقطة عندها يتساوى الطلب مع العرض. الطلب يتغير من لحظة الى أخرى وكذلك العرض. هناك أعداد لامتناهية من الأفعال الاقتصادية تحدث في كل لحظة لأن المستهلكين يغيرون مواقفهم حول سلع معينة في السوق، والمنتجون أيضا يقررون ان رغبوا بطرح المزيد من السلع في السوق. لا توجد أية نقطة يتوقف عندها الاقتصاد ويسمح لإختبار نفسه. دراسة الاقتصاد في لحظة جامدة يشبه محاولة دراسة جسم انسان بلا حركة. الجسم يتحرك باستمرار، يأخذ الهواء الى الداخل ويدفعه نحو الخارج، الدم يتدفق خلال الاوردة والشرايين، ويغذي الخلايا العصبية. في دراستنا للجسم وهو ساكن نسيء فهم جوهر الموضوع، وهي حركته. حتى عندما يكون الجسم مستقرا هو لايزال يمارس الحركة لأن المعلومات تنتقل بين خلايا الدماغ. الاقتصاد يتصف بتغير مستمر لأنه يستجيب لمدخلات من عدد لا يحصى من الافراد. الناس لا يستجيبون لتوازن اقتصادي مجرد، هم يستجيبون للتغيرات التي تحدث فعلا أمامهم في الاقتصاد الواقعي، وان سلوكهم لا يمكن تجريده ودراسته كما لو كان استجابة لظروف ثابتة.

علماء الاقتصاد القياسي econometricians أجروا محاولات لتجاوز تلك العقبات عبر استعمال مؤشر ستوكاست او نماذج التوازن العام DSGE التي تأخذ في الاعتبار أفضليات المشاركين وتفسير الصدمات العشوائية التي يتعرض لها الاقتصاد. هم يحاولون اتّباع نمذجة ديناميكية، لكنهم واجهوا مشكلة ان الاقتصادات الواقعية تتطور بطرق غير خطية، وان سلوك الناس يتغير استجابة لأحداث لا يمكن التنبؤ بها .

الاقتصاد ليس فيزياء

"الاقتصاد هو حقل تعليم للأوقات الهادئة. اتضح ان المهنة ليس فيها الفهم الواضح لكيفية خروج اللامألوف والشاذ من المألوف وما سيحدث لاحقا، الممارسون للمهنة يشبهون أولئك الذين يتنبؤون بالطقس وهم لا يفهمون العواصف". (ويل هتون، صحفي بريطاني في الاوبزيرفر- لندن).

قبل 37 سنة حذر الاقتصادي والفيلسوف فردريك هايك في (ادّعاءات المعرفة) بانه من السخف الاعتقاد اننا نستطيع صياغة العالم الاقتصادي حولنا عبر تطبيق قوانين مشابهة لقوانين الفيزياء على أنظمة اقتصادية معقدة. تنبؤاتنا ستفشل لأن قوانين الاقتصاد ليست عالمية وانما تعتمد على درس أخلاقي في ترتيب او تنظيم العناصر الفردية للاقتصاد. نحن لا نمتلك قدرة كمية لبلوغ ذلك الموقف. هذا النقد كان بسبب الغرور القاتل الذي اتسم به المخططون المركزيون. الفيزيائي مارك بوكانان Mark Buchanan أشار الى الغرور القاتل للعديد من الاقتصاديين. لاحظ بوكانان ان الاقتصاد عامة والمالية بشكل خاص ارتكزا منذ وقت طويل على أفكار التوازن. هذه الأفكار تؤكد ان الاقتصاد عموما، والأسواق المالية خاصة، تميل بطبيعتها نحو حالة من التوازن. أي اضطراب او صدمة سوف تحفز تغذية او ردود فعل سلبية negative feedbacks تعيد النظام مجددا الى حالة التوازن. التغذية السلبية تشبه قوة الجاذبية على البندول، تؤدي في النهاية الى عودة الوزن المتأرجح الى وضعه في حالة السكون. يصر الاقتصاديون ان الأسواق تعمل بنفس الطريقة.

الاعتقاد بالتوازن يمنح احساسا بالأمان والقدرة على التنبؤ. انه أيضا يعكس الاعتقاد بقدرة المنطق البشري على فهم الأنظمة الطبيعية والتحكم فيها. هذه الافتراضات تقيّد نوع الأشياء التي يمكن للاقتصاديين تصور حدوثها في العالم. قصور الإمكانات هذا يوضح لماذا وصفت لجنة التحقيق في الازمة المالية لعام 2007-2009 الازمة كنتيجة لشيء استثنائي وشاذ. انها لم تأت من العمل الداخلي الطبيعي للأسواق والذي يُفترض دائما ان يبقى في حالة توازن.

الكاتب الأمريكي نسيم طالب Nassim Taleb يتفق مع بوكانان ويضيف، ان الأنظمة المعقدة التي من صنع الانسان تميل لتطوير شلالات وسلاسل هائجة من ردود الأفعال التي تقلل بل وتمنع التنبؤ وتسبب أحداثا ضخمة. لذا فان العالم الحديث قد تزداد فيه المعرفة التكنلوجية لكن من المفارقة انه يجعل الأشياء اكثر غموضا ويصعب التنبؤ بها.

اللاتوازن Disequillbrium كنموذج للأسواق

في أسواق رأس المال، شكّل غياب الوعي الفكري بقوة التغذية الإيجابية نقمة على المستثمرين لقرون. ان فهم واحتضان انظمة اللاتوازن (أنظمة تحافظ على وتيرة الهدوء النسبي، تحجب التشوهات الشديدة التي تنتج في فترات الاضطراب الكبير) يجعلنا أقل خوفا فكريا من قبول الطبيعة الأساسية للتاريخ والتكنلوجيا والجيولوجيا والأبستمولوجيا وكل شيء.

اللاتوازن كان في جوهر الانهيار المفاجئ (2010)، ازمة الرهن العقاري (2008)، انهيار التمويل الكمي (2007)، فشل إدارة رأس المال الطويل الاجل(1998)، وانهيار عام (1987) من بين العديد من الازمات المالية في التاريخ، لم يُذكر أي شيء عن خطر مجهول يلوح في الافق. في مثل هذه الظروف يبرز السؤال اين كانت الحكمة المطلوبة قبل وقت طويل من وقوع الأزمة؟ سؤال الحشود في وسط الأزمة وهم على حق في ذلك لكنهم متأخرين جدا: منْ وأين الحكماء اليوم؟

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم