أقلام ثقافية

محسن الأكرمين: ألمي ملكي.. وذاكرتي محجوبة

في مغامرة طريفة ذات يوم مع قارئة الفنجان المغربية، فقد تأبطت الجُهد المرهق والمتعب على استقراء طالعي الخفي، والذي اعتبرته منذ البداية التنجيم أنه يبدو منكسرا ومقهورا، وحتى أنها عبرت عنه بأنه:" تالف عن حياة ويعيش الارتباك الخاضع. عملت منجمتي بكل جُهد قُدرتها وبمشقة عسر على فك جزء من ذاكرتي المحجوبة ببيان إظهار الحقيقة وتبيين التوضيح. لكنها تكمدت موضع الصدمة تلوى الأخرى، وعاشت لحظات من الفشل المتكرر في الكشف عن تجليات أوجاعي الموحلة في الحزن الشديد.

حينها أقرت بالبوح الطيع، كفاف محاولاتها، وأن موجات وذبذبات ألمي عليها من الحراس الشداد الغلاظ لا رحمة لهم في معاودة حك شفرات الألم بالاستدامة، وغلق تموضعات تسربات ألمي بأقفال وسلاسل أسرى العبودية، والتي قد تُماثل الحاجز الحديدي الذي أقامه ذو القرنين في مواجهة ياجوج  وماجوج.

لكنها أعادت الكرة ثانية، ولم تيأس تلك المنجمة من الكشف والذي باتت يُفتت آليات أحداث الماضي، ويَنكى هربا من تقشير الجروح، وفشل ضبط عقارب ما يحدث في الحاضر والمستقبل. أحسست أنها لم تستلم بتاتا وإعلان عوزها السرمدي (من لا بداية له لا نهاية له) في فك ولو جزء بسيط من الطلاسم المستعصة لذاكرتي المحجوبة، والتي قد تماثل توهيمات قوة القبة الحديدية !!!

في جلستها المنتصبة الأعين في اتجاه هامة رأسي المائلة يسارا، برهنت منجمتي أنها قادرة على فتح طالع ذاكرتي المحجوبة، ولو حتى بالمعاودة وترك الفشل يقع بين الحين والآخر. ابتسمت ابتسامة المستسلم، ثم تجهمت بالثواني نفسها وقالت: " أيها السيد لم تتعلم الألم من مقررات الدراسة في المدرسة العمومية... لم تتعلم الألم من ممارسة الظلم والحكرة على الآخرين، بل امتلكت الألم وترسخ في ذاكرتك الصامتة من خلال تجاربك البينية والذاتية، ومن خلال السياقات الاجتماعية التي تكابد وجع الفقد، وتداوم على منازلة النكسات. أيها السيد لن تستطيع نفض غبار تقادم الوجع عن هوامشها القصية، ولكنك تستطيع أن تصنع متنفسا لسد الألم والتوتر النفسي الهائج".

لم أكن أحفل بتعابيرها، وآرائها الرنانة عن ذاكرتي المحجوبة فكل ما قالته منجمتي كان فضفاضا ويليق لكل التشابهات بالتعميم. نعم قد نتشابه جميعا في حمل لبنات شديدة من وضعيات مشكلة، فالألم يتوزع دائما بيننا وبغير التساوي والانصاف، ومن خلال تجربة ترتبط بالمشاعر الشخصية. لكنها انتفضت مرة أخرى وقالت: "ألمك يا سيدي يكون حادا ومستمرا حين فقدت الدعامة الإنسانية بالفقد الفجائي... وضيعت المشاعر المتجددة من حولك، وتبيت تعيش الوحدة في عمرك الحاضر لا في ذات المستقبل. ألمك يا سيدي يكون باهتا ومتقطعا حين تكتم الوجع بالضغط عبر مساحات شاسعة من ذاكرتك المحجوبة، وتصنع ابتسامة مفبركة للإلهاء".

أحسست أنها لم تلحق بالتمام بحل أقفال ذاكرتي المحجوبة، وإنما استطاعت معرفة منغصات حياتي والتي لم أستطع يوما من وضع كيس أمان للوقاية من صدماتها المتكررة، حينها سحبت جسمي المتهاوي من أمام عيونها المتسلطة، وانسحبت أجر خيبة ألمي في ذاكرتي المحجوبة.

***

محسن الأكرمين

في المثقف اليوم