قضايا
ياسر البتانوني: تحويل الحياة وفلسفة الوعي بالزمن
يمثل العمر الإنساني إحدى أعظم الهبات التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان؛ إذ جعله وعاءً للعمل، ومجالا للتكليف، وفرصة لبناء الذات وعمارة الأرض وتحقيق الغاية التي خلق الإنسان من أجلها. وليس العمر مجرد عدد من السنوات يتقلب فيه الإنسان بين الميلاد والموت، بل هو رصيد وجودي وأخلاقي وروحي، تتحدد قيمته بما يملؤه الإنسان من علم وعمل وخير وإصلاح. ومن هنا كان الوعي بحقيقة العمر وكيفية استثماره من أهم القضايا التي شغلت الفكر الديني والفلسفي والإنساني عبر العصور.
لقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون عمر الإنسان محدودا، لأن محدودية الزمن هي التي تمنح الحياة معناها، وتجعل الإنسان أكثر إدراكا لقيمة اللحظة وأهمية الإنجاز. ولو كان العمر ممتدا بلا نهاية لفقد الإنسان كثيرا من دوافع السعي والعمل والمسؤولية. ولذلك ارتبط الزمن في الرؤية الإسلامية بالحساب والجزاء؛ فالإنسان مسؤول عن أيامه وسنواته، وعن كيفية إنفاقها فيما ينفع أو يضر. ومن هنا جاء التأكيد على أن العمر نعمة لا تقاس بطوله وحده، وإنما ببركته وأثره وما يحققه صاحبه فيه من نفعٍ لنفسه ولمجتمعه.
وتتجلى أهمية العمر في كونه المجال الحقيقي لتكوين الإنسان أخلاقيا وفكريا وروحيا؛ ففيه يتعلم، ويخطئ، ويتوب، وينضج، ويختبر معاني النجاح والفشل، والقوة والضعف، والفرح والحزن. وهذه التجارب جميعها ليست عبثا، بل هي جزء من التربية الإلهية للإنسان حتى يزداد وعيا بنفسه وبخالقه وبالحياة من حوله. ومن هنا فإن إهدار العمر في اللهو الفارغ أو الصراعات الصغيرة أو الأحقاد والضغائن وتدبير المؤامرات للآخرين يمثل خسارة حقيقية؛ لأن الزمن إذا مضى لا يعود، ولأن الإنسان لا يملك في النهاية سوى ما صنعه في عمره من أثرٍ طيب وعملٍ صالح.
إن استغلال العمر استغلالا صحيحا يقوم على جملة من المبادئ:
أولها/إدراك قيمة الوقت، فالأمم المتقدمة لم تنهض إلا حين أدركت أن الزمن أساس الحضارة، وأن احترام الوقت احترام للحياة ذاتها.
وثانيها/ أن يوازن الإنسان بين مطالب الروح والجسد، وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة، فلا يطغى جانب على آخر. وثالثها/ أن يجعل الإنسان لنفسه رسالة أو هدفا يسعى إليه؛ لأن الحياة التي تخلو من المعنى تتحول إلى مجرد تكرار يومي يفقد الإنسان حيويته وطمأنينته.
كما أن الفلسفة الحصيفة في التعامل مع العمر تقتضي من الإنسان أن ينظر إلى الحياة باعتبارها فرصة للإصلاح والبناء لا للهدم والعداوة. فالعاقل هو من يحول سنواته إلى مواسم للعطاء والتسامح والمعرفة، ويجعل من تجاربه ـ حتى المؤلمة منها ـ وسائل للنضج واكتساب الحكمة. أما من يستهلك عمره في الحسد والصراع والفراغ، والاضرار بالآخرين والكيد لهم فإنه يحول النعمة إلى نقمة، ويخرج من الحياة مثقلا بالندم والخسارة المعنوية.
ومن الحكمة كذلك أن يدرك الإنسان أن جمال العمر لا يرتبط بالشباب وحده، بل بما يتركه المرء من أثرٍ كريم وسيرةٍ حسنة. فكثير من الناس طالت أعمارهم ووصلوا لأرذل العمر دون أن يتركوا أثرا يذكر، بينما خلد التاريخ آخرين لأنهم أحسنوا استثمار أعمارهم القصيرة في العلم أو الإصلاح أو خدمة الإنسانية. ولذلك كانت القيمة الحقيقية للعمر في عمقه لا في امتداده، وفي بركته لا في عد سنواته.
خلاصة القول: إن العمر أمانة إلهية عظيمة، وهبة ربانية تستوجب الشكر بالحسن في استثمارها، لا بإضاعتها وإهدارها. والإنسان الحكيم هو الذي يدرك أن كل يوم يمر من عمره إنما يقربه من نهايته، فيجعله يوما عامرا بالخير والعمل والمعرفة والمحبة. فإذا أحسن الإنسان إدارة عمره صار العمر نعمة مباركة، ووسيلة للسمو الإنساني والروحي، أما إذا فرط فيه وغفل عن قيمته تحول إلى مصدر للحسرة والندم. ولذلك يبقى حسن استثمار العمر من أعظم صور الحكمة، ومن أصدق الدلائل على وعي الإنسان بحقيقة وجوده ورسالة حياته.
***
بقلم: أ. د. ياسر البتانوني
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية







