قضايا
غالب المسعودي: المفارقة التطورية للكائن البشري.. جدلية الصدق والخداع
تحليل النزوع البشري نحو التضليل في سياق الارتقاء
يتربع الكائن البشري على قمة الهرم التطوري، متميزاً بقدرات معرفية فائقة، ولغة رمزية معقدة، وهياكل اجتماعية لا تضاهى. بيد أن هذا الارتقاء البيولوجي والذهني واكبته ظاهرة تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع أسس التعاضد الاجتماعي: وهي الميل البنيوي، وربما النزوع الفطري، نحو الخداع. إن السؤال حول ما إذا كان الكذب يمثل "استراتيجية بقاء" ليس مجرد تساؤل فلسفي مجرد، بل هو بحث في صميم البيولوجيا التطورية وعلم النفس المعرفي. فالمعطيات العلمية الحديثة تشير إلى أن القدرة على الخداع ليست عيباً في التصميم البشري، بل هي ميزة تكيفية محورية ساهمت في تطوير الدماغ البشري ذاته.
من المنظور الأخلاقي إلى الوظيفة التطورية
إن السردية التقليدية التي تحصر الكذب في إطار "الخطيئة الأخلاقية" تتجاهل الجذور الضاربة لهذه الممارسة في تاريخنا النوعي. ففي صراع البقاء، برز الخداع كاستراتيجية فعالة لإدارة الموارد؛ إذ يكشف التحليل السلوكي أن جزءاً كبيراً من الأكاذيب اليومية يهدف بشكل مباشر إلى حيازة الموارد أو حمايتها. هذا الارتباط الوثيق بين التضليل والمكاسب المادية والاجتماعية يضع الكذب في قلب معادلة البقاء والاستمرار.
فرضية الذكاء الاجتماعي النفعي (الميكافيلي)
لفهم أسباب هذا النزوع، يجب العودة إلى الدوافع التي أدت لتضخم الدماغ البشري. تشير "فرضية الذكاء النفعي" إلى أن المحرك الرئيسي لتطور العقل البشري لم يكن مجرد التحديات البيئية المادية، بل كان التعقيد الهائل للحياة الاجتماعية. ففي المجموعات الكبيرة، يحتاج الفرد إلى الموازنة بين التعاون والمنافسة، وتشكيل التحالفات، والتلاعب الرمزي بالآخرين لتحقيق مكاسب شخصية دون اللجوء إلى العنف الجسدي عالي الكلفة. ويقترح الباحثون (أمثال بيرن ووايتن) أن القدرة على "الخداع الإجرائي" كانت عاملاً حاسماً في الانتقاء الطبيعي؛ فالأفراد الذين ملكوا القدرة على استقراء عقول الآخرين وتضليلهم بنجاح، استطاعوا الوصول إلى الموارد والشركاء بشكل أفضل.
الارتباط بين حجم القشرة المخية الحديثة ومعدلات الخداع
تدعم الأدلة التشريحية العصبية هذه الفرضية بقوة؛ حيث أظهرت الدراسات المقارنة وجود علاقة ارتباطية طردية بين حجم "القشرة المخية الحديثة" ومعدلات ممارسة الخداع المناور. فالكذب يتطلب قدرة حسابية ومعرفية عالية؛ إذ يتحتم على الكاذب استحضار الحقيقة في "الذاكرة العاملة"، وبناء سيناريو بديل متماسك، والتنبؤ بردة فعل الضحية، مع ضبط لغة الجسد لتتوافق مع الرواية المختلقة. هذه العمليات المعقدة تتطلب "مخزوناً معرفياً" وسلوكيات مرنة لا تتوفر إلا للأدمغة المتطورة.
نيتشه وإرادة الخداع: الكذب كشرط حيوي
في القراءة الفلسفية لهذا النزوع، نجد أن فريدريك نيتشه كان سبّاقاً لربط الحقيقة بالبيولوجيا. يرى نيتشه أن الكذب ليس مجرد رذيلة، بل هو "شرط وجودي" للحياة. ففي كتابه "ما وراء الخير والشر"، يطرح فكرة أن الحقيقة هي نوع من الأوهام التي نسينا أنها كذلك. بالنسبة لنيتشه، فإن "إرادة القوة" تقتضي التلاعب بالواقع؛ فالأقوياء يستخدمون الخداع كأداة للإبداع والسيطرة وصناعة قيم جديدة، بينما يمثل الصدق المطلق أحياناً عائقاً أمام الحيوية والارتقاء.
الماركسية والأخلاق: الخداع كأداة للصراع الطبقي
من زاوية أخرى، تقدم الماركسية مراجعة نقدية للأخلاق بوصفها "بناءً فوقياً" يعكس مصالح الطبقة المهيمنة. ترى الماركسية أن الطبقة المسيطرة تروج لقيمة "الصدق" كواجب مقدس لضمان انضباط الطبقات الكادحة، بينما تمارس هي "الخداع الأيديولوجي" لتزييف وعي الجماهير والحفاظ على علاقات الإنتاج. لذا، فإن الزيف في هذا المنظور هو نتاج لاحتدام الصراع المادي، ولا يمكن تجاوزه إلا بتحرر الإنسان من الاستلاب الاقتصادي.
"الكذب الفئوي (الأزرق): "الغراء الاجتماعي والولاء
يتجلى أقصى تعقيد لهذه الظاهرة فيما يُعرف بـ "الكذب الفئوي" (أو الكذب الأزرق)؛ وهو التضليل الذي يُمارس لتعزيز تماسك الجماعة. على خلاف الكذب الأناني، يُعد الكذب الأزرق "إشارة ولاء"؛ حيث يقبل الفرد إنكار الحقيقة الموضوعية في سبيل الحفاظ على "الحقيقة الاجتماعية" للجماعة، مما يحول الكذب إلى أداة تضامن سياسي وهوّياتي ضد الخصوم. هذا النزوع يفسر كيف تتحول الأساطير والقصص المشتركة إلى "غراء اجتماعي" يربط آلاف الغرباء تحت راية واحدة.
الدين كآلية لضبط الخداع
مع تجاوز المجتمعات لـ "رقم دنبار" (حوالي 150 فرداً)، فقدت آليات المراقبة المباشرة فاعليتها، مما سهل عمليات الغش. هنا نشأت الحاجة لرقيب مفارق: "الآلهة الكبرى". لقد عمل الإيمان بقوى عليا مراقبة كـ "رادع تطوري" للحد من الخداع الضار، وتحويل التدين وطقوسه المكلفة إلى "إشارة صادقة" تعزز الثقة والتعاون بين المجموعات الكبيرة، وتمنحها ميزة تنافسية في التجارة والحروب.
تحديات المستقبل في عصر المعلومات
يظل الكذب استراتيجية بقاء أصيلة، وجزءاً لا يتجزأ من النسيج البيولوجي والمعرفي للإنسان. واليوم، يواجه الإنسان تحدياً جديداً؛ فمع تراجع سطوة "الرقيب الأخلاقي التقليدي" وصعود التكنولوجيا الرقمية التي تضخم القدرة على الخداع وتلغي كلفته الجسدية، أصبحنا أمام خطر انهيار "افتراض الصدق". إن فهم جذورنا التطورية وآلياتنا المعرفية الضابطة أصبح ضرورة وجودية لإيجاد توازن جديد يحفظ الحقيقة... أو على الأقل، يضمن البقاء.
***
غالب المسعودي
........................
المراجع
علي الوردي: وعاظ السلاطين، ومهزلة العقل البشري (لتحليل ازدواجية الأخلاق في المجتمع العربي).
طه عبد الرحمن: سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (حول فلسفة الائتمانية والصدق).
يوڨال نوح هراري: العاقل: تاريخ موجز للبشرية، ترجمة نهى عباس (لفهم دور الأساطير والخيال التكيفي).
فريدريك نيتشه: ما وراء الخير والشر، ترجمة علي مصباح (حول إرادة القوة ونسبية الحقيقة).
كارل ماركس وفريدريك إنجلز: الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (لتحليل الأخلاق كبناء فوقي).
روبن دنبار: كم عدد الأصدقاء يحتاج الشخص؟، ترجمة ممدوح عدوان (حول العلاقات الاجتماعية وحجم الدماغ).
عبد الله العروي: مفهوم الأيديولوجيا (لتحليل التزييف الواعي وغير الواعي في الفكر والسياسة).
إدوارد هال: اللغة الصامتة، ترجمة يسرى عويص (حول التواصل والخداع الثقافي).
Expertise and the Evolution of Intellect. 10. Dunbar, R. I. (2004): The Human Story: A New History of Mankind's Evolution. 11. Sipos, M. (2020): The Evolutionary Role of Lies and the Dilemma of Telling the Truth.






