أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: هل يوفر التاريخ معرفة في الماضي ام هو فقط تفسير له؟

ان فهم التاريخ هو افتراض مبني على التفاعل بين المعرفة ومختلف التفسيرات المنبثقة من تلك المعرفة. التاريخ غير قابل للتغيير. ما حدث لايمكن ان يتغير، والحقيقة هي ان الاحداث التاريخية حدثت بطريقة محددة. هذه العقيدة بالطبع يمكن تبريرها تماما. في العديد من الحالات يكون فهمنا للاحداث الحقيقية منفتح لتفسيرات واسعة. وان التفسيرات عرضة لتحيزات منْ يروي القصة. في الغالب، تفسيراتنا تخدعنا للاعتقاد اننا نعرف ما حدث بالضبط، الى ان يتم إبطال عقيدتنا عبر التحقق من خلال دليل قوي . كذلك، الاحداث يمكن النظر اليها من مختلف الزوايا، ويمكن ان تجبرنا لإعادة تقييم أهمية الدليل القوي. وهكذا، عند التفكير في الماضي فهو يوجد كشيء متغير، وفي الحقيقة، طبيعة التاريخ تتطلب افتراضات وتفسيرات يصعب تجنبها. المعرفة وتفسيراتها المختلفة توجد كتحالف وعادة يكون غير مريح (وحتى مخزي).

أين الفاصل بين هذه العوامل وكيف تتفاعل مع بعضها ومع أولئك الذين يسعون لفهم الاحداث التاريخية؟ ان المعرفة التاريخية تشكّل الأساس الذي توضع عليه التفسيرات. انها تضم أسماء، تواريخ، وثائق، بقايا مادية للناس او الأماكن او الأشياء. انها المادة الخام التي تقدمها الملاحظة العلمية. ماذا تمثل، بحاجة الى تفسير، نفس الطريقة التي ينظر بها الاحصائي الى رسم بياني ويقرر معنى النتائج. نحن نعرف بالضبط متى قُطع رأس الملك تشارلس الأول (في الثلاثاء، الساعة 2 بعد الظهر،يوم 30 جنوري عام 1649). لكن ماذا يعني". هذا الجزء تُرك للتفسير.

في مناسبات نادرة، الأخطاء في جمع البيانات يمكن ان تحرّف المعرفة، لكن في الجزء الأكبر، المعرفة سليمة ويمكن التحقق منها بشكل تام. التفسير أقل جدارة بالثقة. انه يترك للإنسان تطبيق المعنى على الحقائق. الأيديولوجيات، الفلسفات، الافتراضات والتوقعات، جميعها تدخل المعادلة، تضيف رؤى ثمينة ليست بالضرورة حقيقية لكن يمكن من خلال هذه الرؤى النظر الى الحقيقة.

ان فهم ونقل الحدث التاريخي يستلزم عملية تفسير. هذه العملية تُعرف بتحليل وفهم السجلات التاريخية لكي تؤسس سردية الماضي. السرديات بالطبع ليست طرق حصرية لرواية القصة. حدث منفرد يمكن قوله من خلال عدد لا متناهي نظريا من السرديات، كل واحدة تؤطر القصة بطريقة ملائمة لمنظور الراوي. بعمل كهذا، يضيف الرواة فكرتهم الخاصة لما هو مهم حول القصة، بالإضافة لتحيزاتهم. هم أيضا يدخلون أخلاقا او دروسا يتم تعلّمها من القصة، او انهم يضيفون زخارف بلاغية بدلا من الحقيقة. هذه الديناميكية ليست محصورة بالمؤرخين في الوصول للمعلومات بعد الحدث. المصادر المعاصرة المباشرة هي أيضا عرضة لأهواء البشر. الإجراءات اليومية والرسائل تحتوي على معلومات كما عُرضت بواسطة الافراد، وفي أغلب الحالات، هي عرضة للتحيز واللغة المنمقة. وبهذا تكون المصادر غير موثوقة ويجب قرائتها بروح نقدية. لذا عندما ادّعى مؤرخ معاصر تقريبا مثل جون ليدجيت John Lydgate ان السهم الإنجليزي اخترق دروع الفرسان الفرنسيين في معركة أجينكور، فان الإجماع الحديث لايزال قائما والتجارب لاتزال مألوفة لكي تقرر صحة الادّعاء.

الإغفال هو جزء حيوي من عملية التفسير. حدث منفرد يُملأ بمعلومات تتلائم مع القصة المرغوبة، لكن أيضا بمعلومات لا تتلائم او لا لزوم لها. ان شكل الغيوم فوق الجنود في جيتيسبيرغ ربما يكون مهما لعالِم الأرصاد الجوية او للفنان الذي يرغب بوصف المعركة، لكن بالنسبة لمعدل قرّاء قصة المعركة، ذلك غير هام وغير ملائم للقضية الرئيسية. وبالطبع، التفاصيل التي تُعتبر هامة اليوم قد لا تكون هامة لنقلها في المصادر الرئيسية. ماذا يعني هذا بالنهاية، لا طريقة هناك لإنجاز قصة موضوعية تماما لأن كل سرد هو نتاج للقاص الذي بدوره نتاج لعصره وظروفه المتضمنة مختلف المُثل حول ما يعتبره القاص مهما. الأمثلة الرئيسية لهذا الإغفال المعاصر تتضمن الموقع الدقيق لمعركة بونانبوره او الغرض من القطع البرونزية الرومانية المحيرة التي عُثر عليها في مناطق غالو الرومانية. بالرغم من العثور على اكثر من مئة قطعة وانها يجب ان تكون خدمت شيئا ما، لكن لا احد كتب عن الغرض منها. في الحقيقة، لا ذكر لها في أي نص قديم، وبهذا فان المؤرخين الحديثين في حيرة ولايستطيعون تقديم اكثر من تخمينات .

المنظور وإعادة التفسير

ان تطور التفسيرات يمكن ان يغير جذريا فهمنا لأسباب الحدث. دوافع وقوع الأحداث قد تخضع عبر العصور لمراجعة وإعادة تفسير جذريين، لأن القيم والسياقات تتغير عادة بفهم عميق لتعقيدية القضايا.

المثال الرئيسي لهذا هو إعلان الاستقلال الامريكي ودوافع القيادة الامريكية اثناء الفترة الثورية. يمكن القول بيقين ان الاستقلال جرى تبنّيه عام 1776 والسبب المباشر لهذا التطور السياسي كان استجابة للضرائب. هذه القصة مهما كانت صحيحة فهي غير دقيقة لأنها تغفل مجموعة كبيرة من الرؤى التي يمكن اعتبارها هامة او على الأقل جديرة بالانتباه. بالإضافة الى ذلك، يمكن الجدال أيضا ان قضية الضرائب خدمت كغطاء لمشاعر عميقة للاستقلال، الأسباب لهذا ربما وُجدت في مستوى العقل اللاواعي. هذه الديناميكية تطورت بعد عقد بإقرار الدستور.

وقبل قرن، جادل كتاب تشارلس بيرد Charles Beard "التفسير الاقتصادي لدستور الولايات المتحدة"، بان الدستور خُلق لكي يحمي المصالح التجارية للنخبة القوية التي سعت لتوحيد قوتها تجاه قطاعات المجتمع الأمريكي الضعيفة ماليا. من المهم ملاحظة ان اعلان الاستقلال والدستور في هذا الشأن مترابطان بشكل لا يمكن إنكاره.

وهكذا، انتقلت القصة من شعب يكافح ضد الاستبداد الملكي الى حرب طبقة ذات دوافع شريرة. بهذا، الاقتراح تكون الديمقراطية والحرية قشرة لأغراض خفية. وبينما جرى تحدّي هذه الرؤية منذ ذلك الوقت، لكنها كانت هامة لأنها أدخلت عوامل اقتصادية واجتماعية للقصة القديمة للصراع الأيديولوجي للعصر الثوري. جوهر الجدال هنا هو ان القصة البديلة موجودة، بدلا من قبول محتواها.

مع ذلك، العامل المهم في هذه الديناميكية هي قصص متنافسة، وهذه الديناميكية حاضرة عبر كل النماذج التاريخية. الامريكيون والروس مثلا، يعرضون حجج مختلفة جدا حول منْ ربح الحرب العالمية الثانية والتفسيرات ليست بالضرورة تبطل التفسيرات السابقة لكنها من المحتمل جدا ان توفر منظور مختلف. وبينما يمكن تسجيل سلسلة محددة من الاحداث، فان الكثير من دراسة التاريخ هي حول التفسير. انها تتناول أسباب الاحداث التاريخية، وتحاول فهم منطقها وتأثيرها. هذا الاستجواب ضعيف جدا وعرضة لدوافع سياسية/ اجتماعية تتضمن بروبوغندا. مثال على ذلك هو جان فان ريبيك Jan Van Riebeeck، المستوطن الهولندي المسؤول عن تأسيس مستوطنة كيب تاون وهي أول مستوطنة في جنوب افريقيا.

جنوب افريقيا هي امة عُرّفت عبر قرون من الصراع نتيجة الاستعمار والتوترات بين الجماعات الاثنية. في قلب هذه الديناميكية كان الإداري الهولندي جان فان ريبيك، الذي جسّد الاب المؤسس لجنوب افريقيا اثناء أيام الفصل العنصري. من منظور أولئك الذين دعموا الفصل العنصري وهيمنة البيض، هو اعتُبر كشخصية بطولية وباني امة. ميراثه في جنوب افريقيا ما بعد الفصل العنصري، كان مثيرا للجدل ويمثل عاملا مساعدا للفصل العنصري والاضطهاد. هذا كان مثالا على تغيير المنظور وإعادة التفسير.

وبهذا، فان حقيقة ريبيك او على الأقل ما نعتقد بصحته، قد تغيّر. وما هو اكثر أهمية كانت صورته التي عُرضت وبشكل واضح لمدة ثلاثة عقود من الفصل العنصري في الورقة النقدية لجنوب افريقيا. الصورة كانت منسوبة خطأ لبارثولومبيو الضابط اثناء الحرب الاهلية الإنجليزية والذي لم تكن له علاقة باستعمار جنوب افريقيا . العديد من الافريقيين الجنوبيين استوعبوا الصورة كحقيقة ولم يدركوا الخطأ، بل ولم يعتبروا ما اعتقدوا به خاطئا. الخطأ في الورقة النقدية اشير اليه لكن لم يُصحح ابدا، والصورة بقيت حتى بداية التسعينات عندما جرى تطبيق تصميمات جديدة تعكس التغيير في الوضع السياسي للبلاد وصولا الى نهاية الفصل العنصري.

وهكذا، يتضح ان العقيدة صعبة المراس حتى عندما تكون خاطئة. بالنسبة لاولئك الذين يعتقدون بشيء ما، يرونه جيدا كالحقيقة. انه معرفة. وهناك تحدّي آخر لهذه الديناميكية هو "الحاضرية" presentism، وهي الميل للحكم على الأحداث والناس التاريخيين من خلال رؤية حديثة، تطبيق أخلاق اليوم على الماضي.

الحاضرية: تطبيق القيم الحديثة على التاريخ

وهي ظاهرة شائعة في العصر الحديث تتضمن الحكم على التاريخ من خلال القيم في الوقت الحاضر. كل جيل جديد يطبق عقائد سوسيو اقتصادية حديثة على شخصيات وأحداث الماضي، يطالب بمراجعة للفهم التاريخي ويتحدى ما نعتقد "عرفناه". هذا يتوضح تماما في الكيفية التي نُظر بها الى مكانة اشخاص هامين. ومع تطور السرديات، ذهب اشخاص مثل كرستوفر كولمبس او ونستن تشرشل لا على الحصر من كونهم شخصيات احتُفل بهم الى التساهل معهم وصولا الى لعنتهم (رغم ان ذلك ليس عالميا). يوم كولمبس في الولايات المتحدة تطور ليتضمن يوم السكان الأصليين، إدراكا للضرر الذي تسبب به المستكشفون ضد السكان الأصلين لأمريكا. كلاهما احتُفل بهما بواسطة الإدارة السابقة. الإدارة الحديثة اشارت الى دعم الميراث الإيجابي لكولمبس بما يشير الى تحوّل حكومي نحو العودة الى الرواية الاصلية لـ "بطل أمريكا الأصلي".

وهكذا، الحاضرية لا تغيّر فقط التفسير. انها تولّد رد فعل وانخراط في صراع أيديولوجي عندما تكافح الجماعات لتغيير العقائد القائمة او الحفاظ عليها.

للاحداث التاريخية صور متعددة. المفسرون يختلفون ويتطورون. حتى المعرفة يمكن تحدّيها. الدليل الاركولوجي للديناصورات او الناس الذين عاشوا قبل ستة الاف سنة رُفض من جانب بعض الجماعات الدينية. واذا كانت التفسيرات قابلة للنقاش فان المعرفة نفسها لا تُقبل او تُعتمد عالميا. بالنسبة لاولئك الذين يثقون بالعلم، التاريخ بالتأكيد يساعدنا في معرفة الماضي، لكنه يأتي مع تحذير. ان تفسير المعرفة عملية متقلبة ومراوغة لا يعترف بالحقيقة بقدر فهمنا لها، لكنه يقدم طريقة لفهم الماضي من خلال مختلف وجهات النظر.

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم