عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

بسمة الشوالي: "أبناء النور" والزمن الرقميّ.. شهادة في الكتابة لليافعين

 يتوجّه الكاتب، حين يشرع في الاشتغال على مشروعه الأدبي، إلى قارئ ضمنيّ يدخل معه في حوار باطنيّ مستمرّ، يتراوح نسقه بين الهدوء والتوتّر، وقد يبلغ حدّ القطيعة أحيانا، فيتوقّف عن الاستمرار في عمله إلى حين استعادة نقطة تواصل جديدة بينهما. يبدأ هذا الحوار منذ اللحظة التي تلامس فيها شفة القلم بياض الورقة، إلى أن تستقرّ نقطة الختام عند طرف الحرف الأخير؛ تلك النقطة التي قد تتفكّك بدورها إلى نقاط متتابعة، مانحة القارئ مساحته الخاصّة للإبداع عبر القراءة والتأويل وإنتاج نصّه الخاصّ على نصّ الكاتب الذي بين يديه.

هذا القارئ ليس فردا معيّنا في الهويّة والعدد، ولا جماعة محدّدة بالمعنى المباشر، بل ذات افتراضيّة يحتاج إليها الكاتب لتنمية الفكرة وتوليد المعاني بعضها من بعض، ولإضفاء حيويّة حواريّة تخييليّة على النصّ أثناء الكتابة وبعد اكتماله.غير أنّ السؤال هنا يتعلّق بماهيّة القارئ الضمنيّ في الأدب الذي يستهدف الأطفال واليافعين، وبطبيعة الأعمال الأدبيّة التي قد تستهوي طفلا أو شابّا من الأجيال الرّقمية، "ألفا" و"بيتا" التي ولدت في بيئة تكنولوجيّة شديدة التطوّر فيخرج عن سلطة الأضواء المنبعثة من جهازه الالكتروني بالغ الذّكاء مقبلا على "أنوار" الأدب الذي تزعم الكتب المؤلفة لليافعين أنّها تبثّها بأشكال وأساليب متنوّعة.

لمقاربة السؤال سرديّا في رواية "أبناء النور" الصادرة مؤخّرا عن الدار المصريّة "فاصلة للنشر والتوزيع"، انطلقت من حدثين مهمّين ذاتيّ وفنّي. في عمر يناهز السنتين، كان ابني كلّما استمع إلى الأذان، قال "الله يُغنّي"، ويظلّ منصتا في خشوع ورهبة لذلك الصوت السحريّ الغامض النازل من علٍ، حتى ينتهي "الله" من الغناء. تكشف هذه الحقيقة الشعريّة، في بساطتها وتلقائيّتها، عن آليّة اشتغال الخيال لدى الطّفل. إذ تسمح لنا بتأمّل طبيعة التلقّي لديه، وكيفيّة تتشكّل علاقته الأولى والفريدة بالأماكن والوجوه والأصوات والصّور والمعاني فيبدو كلّ العالم الحقيقيّ عالما آخر على معنى ما يرتسم في تصوّره الخاصّ، وهذا الانزياح عن الواقع عبر الحلم والخيال ينعكس كذلك على طبيعة تلقّي الطفل للقصص وغيرها من المنتجات الفنيّة.2790 basma

من أجل ذلك استعرنا عبارة "الله يغنّي" من بعدها الشعريّ الخالص إلى عالم السرد، فتخلّقت من أمشاج التخييل شخصيّة الدّيك يقظان، انطلاقا من علاقة الديك المباشرة بالفجر، ومن مرتبته الرمزيّة في التراث الميثيولوجيّ الإنسانيّ، والمخيال الشعبيّ، فـ "الديكة ترى الملائكة" كما يتردّد في القول المأثور. يقظان في "أبناء النور" هو استعارة مركزيّة للطفل الآن واليافع غدا. إذ هو الكائن القادر على الإيقاظ لحظة نبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وتأخذ الشّمس في نشر نورها على الكون متسللة أيضا إلى ذواتنا من خلال جراحنا الصغيرة، وأحلامنا التي نبتت أجنحتها وآن لها أن تحلّق خارج القفص الصّدري. وهو بالتالي يمثّل، صحبة عدد آخر من شخصيات الرواية فئة "أبناء النور"، في مواجهة عصابة "بلاك لوكست/الجراد الأسود"، العالميّة المختصّة في الاتجار غير المشروع بالأحياء المميّزين والمختلفين من أبناء الإنسان والحيوان والأنواع النباتيّة النادرة، موظّفة في استدراجهم كلّ الإمكانات البشرية والماديّة للمكنة، فضلا عن التقنيات لتكنولوجيّة والمنصات الافتراضيّة المختلفة.

هناك لحظة مؤثّرة أخرى ساعدت بشحنتها الفلسفيّة والروحيّة العميقة في ميلاد رواية "أبناء النور"، وهي مشهد سينمائيّ من الفيلم "سبع سنوات في التّبت" (1997)، المأخوذ عن سيرة متسلّق الجبال النمساويّ هانريش هارر في التّبت، حيث تعرّف على زعيمها الروحي دالاي لاما[2] وهو في سنّ الرابعة عشر. مثّل دلاي لاما مركز الفيلم ونقطة قوته الباهرة. لقد كان هذا اليافع مزيجا عجيبا جمع في ذات إنسانية واحدة براءة الطفولة ونقاوتها وصفائها الروحي مع قوّة الحكمة ورجاحة العقل ونفاذ البصيرة، مزيج منحه القدرة الناعمة على قيادة الراشدين وتوجيههم روحيّا وفلسفيّا وسياسيّا.. في الفيلم عثر بعض رجال الدّين التبتيّين، أثناء حفر الأرض، على ديدان الأرض الصّغيرة، فخفّوا يلتقطونها بدهشة الأطفال، وتلقائيّتهم، وصخبهم الاحتفاليّ المفعم بالحبّ والتقدير الإنسانيّين لكلّ الكائنات الحيّة الأخرى التي تشاركنا السكن في هذا العالم، ثمّ وضعوها في مكان آمن لحمايتها من الموت أو الأذى. لوهلة بدا لنا المشهد تعبيرة سينمائيّة عن أنّ الطفولة ليست مجرّد مرحلة عمريّة يمرّ بها الإنسان، بل هي "منتهى الإنسانيّة"، هي " نِعم مقدّسة لإعادة تشكيل قيم جديدة وابتكارها"[3] .

 ما حاولت الرواية الاشتغال عليه استنادا لما سبق وسواه هو ماهية الكائن الحيّ في ذاته ومستحقاته، من خلال ما يميّزه فعلا، وليس فقط من خلال نوعه أو أصله أو مرتبته الاجتماعيّة. وهو حقّ لا يترسّخ فقط كمنحة طبيعيّة، بل كسعي دؤوب تعمل من خلاله شخصيّات الرواية على إثبات ذاتها وتطوير قدراتها، والتعرّف على هويّتها وتاريخها عبر طرح سؤال" من أنا"، وكذلك عبر البحث في داخلها عن ثرواتها الباطنيّة الخاصّة. الأمر أشبه بالحذاء الزجاجيّ ذلك الذي لم يكتسب أهميّته إلاّ لمّا لم تستطع أيّ قدم نسائيّة أخرى أن تنتعله سوى سندريلّا. إنّ هذا الحذاء هو الشّيء الخاص بها هي بالذّات دون سواها، شخصيّتها المميّزة، ذاتها المختلفة، والطريق التي لا يستحقّها غيرها، تماما كأيّ فرد من أبناء النور في الرواية أو في الحياة الواقعيّة: لكلّ فرد حذاؤه الزجاجيّ الخاص به هو وحده.

 في تحقيق هذه الفكرة الجوهريّة وسواها، اعتمدت رواية "أبناء النور" نموذجا أسريّا مختلطا مخصوصا. فالسيّد سمير الذي فقد أبناءه الثلاثة في ظروف غرائبيّة غامضة سيعرفها القارئ، يقرّر هو وأمّه السيّدة هدباء أن يتبنّيا ثلاثة من أطفال الحيوان لتربيتهم كما لو كانوا أطفالا من بني الإنسان: الكلب عسبور، والأرنب درّة، والديك يقظان.

هذا البناء السرديّ ليس مجرّد اختيار غرائبيّ، أو سيرا على نهج الأوّلين في إنطاق الحكمة على لسان الحيوان أو استمالة للطفل الذي يسهل عليه التفاعل مع شخصيّة حيوانيّة لتلقّي معارف أو معلومات مقصودة لذاتها، بل اقتراح تخييليّ فنيّ قام على منطق سببيّ اجتهدت الكاتبة في جعله مُحكما من حيث علاقة الترابط الوثيقة بين السبب والنتيجة، واختيار جماليّ تمّ استدعاؤه لإعادة بناء العلاقات الإنسانيّة على أساس التنوّع والتّكامل، في إطار حقّ الجميع في العيش معا في حدود العالم الذي يجمعنا، مقابل عصر رقميّ يذهب بنا يوما عن يوم نحو العزلة والتفكّك في الأسرة والمجتمع، عصر تحلّ فيه الشاشة محلّ الوجه، والخوارزميّة محل العلاقة الإنسانية المباشرة، والروبوت محلّ الصّديق الحقيقيّ.

إنّ محاولة أنسنة الروبوت المزوّد بقدر هائل من الذّكاءات المختلفة بما فيها محاكاة "الذّكاء العاطفي" المثير للدّهشة، هو إن شئنا نوع آخر من "الاستنساخ"، ليس ببعث الروح البشريّة في جسم حيوان كما يُعتقد لدى بعض الحضارات الروحيّة، بل بمحاولة "تنزيلها" في جسم إنسان آليّ. ونقد هذا التشييء الأخير للإنسان، ليس رفضا لما توصّل إليه التقدم التكنولوجي المبهر، فالتكنولوجيا أداة ضرورية جدّا اليوم وفي المستقبل، بلدفاعا عن الغنسان في حدود إنسانيته الثريّة، فالأداة، مهما بلغت كفاءتها لا تُقاس بذاتها بل بمدى نفعيّتها للإنسان، وتأثيرها في تفعله في إنسانيّته. وكما هو الطفل غاية الإنسان كما أسلفنا مع نيتشه، فإنّ الحيوان هو أصله الذي يروم التقدّم عليه في بعديْه: الفطريّ السليم، ممثّلا في أطفال هذه الأسرة وغيرهم من شخصيّات الرواية، والغرائزيّ المتوحّش ممثّلا في عصابة بلاك لوكست وعملائها  في كلّ مكان أكانوا من الأشخاص الطبيعيين ومن "الذّوات" الافتراضيّين.

وتتجلّى ثيمة الحكاية داخل هذا الفضاء السرديّ من خلال شخصيّة هدباء، الجدّة والأمّ في آن، تلك التي تستثمر فنّ القصّ، شفهيّا ومكتوبا، في تربية أطفالها، بعيدا عن الإملاء المباشر أو القسر التربوي. فالحكاية هنا ليست وسيلة تلقين، بل فضاء حوار، يتيح للطفل أن يشارك في بناء المعنى وإثرائه، وفي خلق معانٍ جديدة للحياة في الراهن وفي المستقبل، وهو ما حاولت الرواية أن تقوله بشكل غير مباشر عبر إقحام الشّخصيات الفتية في التجربة الأولى الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، فالنور لا يُرى إلاّ بانكشاف العتمة كما الفجر الضحوك يخرج من جبّة الليل السوداء. فهذه اللّحظة تعلّمنا جميعا أطفالا وكهولا كيف نتمسّك بالأمل لنواجه مصاعب الحياة ونجتاز عقباتها بروح قويّة قادرة على المواجهة. وفنّ المواجهة هو ما تعلّمه الطفل يقظان من القصص التي روتها له ميما هدباء كما سنقرأ. إنّه، في رمزيّته، قريب من صورة الطفل/الملاك في المخيال الشعبي، لكن مع تحوير دلاليّ عميق: فبراءته ليست سكونا، بل طاقة. وهشاشته ليست ضعفا، بل شرطا للإبداع والانفتاح. وصوته ليس مجرّد موهبة إلهيّة نادرة يعلن بها عن ميلاد  اليوم الجديد كلّ يوم، بل وسيلته في الدفاع عن نفسه، وطاقة التحرّر الخيّرة التي سيعمل على إيقاظها في نفوس أصدقائه من ضحايا بلاك لوكست ليهبّ كل أبناء النور في هذا الكون، من كلّ أشكال الحياة، ما يُرى منها بالعين المجرّدة، وما لا يُرى ممّا يوجد على سطحه وفي جوفه وفي سمائه.. الجميع سيثور ثورة واحدة لتخليص أنفسهم هم وكلّ الضحايا الذين لا يمتلكون صوتا أو يعجزون لسبب ما عن رفعه في مواجهة هذه العصابة العالمية وأذرعها العنكبوتية المتغلغلة في العالمين الواقعيّ والافتراضيّ.

إنّ فنّ القصّ، وغيره من الفنون التي تستدعيها الرواية، يفتح للقارئ المشرئبّ نحو المستقبل مجال التّجربة الذّهنية والوجدانيّة لا بوصفه متلقّيا فقط، بل بوصفه أيضا منتجا محتملا للفنّ والجمال، قادرا بوعيه الذّاتي وقدرته على التمثّل والتأويل على اكتشاف منبع النور في نفسه، ومكانته في المجتمع، ودوره في إضاءة طريقه الخاصّ وطريق من يشاركه السّير على نفس الدّرب، درب الحياة والنجاح والتميّز، خاصّة عندما يغادر، كما غادر يقظان، منطقة الأمن والرّفاه الأسريّين ليواجه مصاعب الحياة وتحدّياتها بنفسه البريئة وجسمه الصغير الهشّ.

***

بسمة الشوالي

....................

[1] -ألقيت الشهادة في ندوة "الكتابة لليافعين" ضمن أنشطة جمعية الكتاب التونسيين الأحرار بنزرت - تونس.

[2] -عماري خيرة، " الطفل كإمكانيةّ حقيقيّة للخروج من العدميّة"، مجلة تدوين المجلّد 15 العدد1 (2023)، ص 124- 201

[3]- دلاي لاما الرابع عشر (تينزن غياتسو1935 م– حتى الآن) هو القائد الديني الأعلى للبوذيين التبتيين وحتى عام 1959 م كان دالاي لاما يمثل القيادتين الروحيّة والدنيويّة في إقليم التبت. (التبت إقليم يتبع جمهورية الصين الشعبيّة ويتمتّع بالحكم الذّاتي).