قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسعة لقصيدة "مراعٍ بلا شتاء"

للشاعر العراقي: علاء سعود الدليمي

تندرج قصيدة «مراعٍ بلا شتاء» ضمن الشعر العربي المعاصر الذي يتخذ من التجربة الفردية نافذةً على الوجع الجمعي، ومن الصورة اليومية البسيطة أداةً لقول المأساة الوجودية والوطنية في آن. لا تتكئ القصيدة على خطاب مباشر أو شعاراتي، بل تُراكم دلالتها عبر لغة هادئة، مشحونة بالانكسار، تتوسل الرمز، وتستثمر الصمت والفراغ والانتظار بوصفها بنيات دلالية قائمة بذاتها.

النص لا يقدّم مأساة مكتملة، بل حالة استنزاف طويل، زمنًا بلا فصول، ومراعٍ بلا شتاء، أي بلا خلاص.

أولًا: المنهج الأسلوبي

1. اللغة والبناء:

تقوم لغة القصيدة على البساطة المشحونة، حيث تتجنب الزخرفة البلاغية لصالح جمل قصيرة، واضحة، لكنها مثقلة بالمعنى. يعتمد الشاعر على الجملة الاسمية والفعلية البسيطة، بما يعكس حالة الثبات والعجز:

«أقفُ قريباً من النهرِ،

لا ماءَ فيهِ يروي ظمئي»

الفعل هنا (أقف) لا يقود إلى حركة، بل إلى توقّف وجودي، وهو ما يتكرر في النص.

2. الإيقاع

الإيقاع داخلي، غير وزني صارم، يعتمد على:

١- التكرار الدلالي (الموت، الغياب، الانتظار)

٢- الوقفات السطرية

٣- الجمل القصيرة المتقطعة

هذا الإيقاع يحاكي التنفس المتعب، ويخدم الحالة النفسية للنص.

3. الصورة الشعرية:

الصورة قائمة على التحويل الدلالي:

النهر بلا ماء

الشعر الأبيض كزرعٍ حان حصاده

الأكفان كعباءة الأمس

وهي صور تقوم على مفارقة الأمل واليأس، وعلى تحويل عناصر الحياة إلى علامات فناء.

ثانيًا: المنهج الرمزي:

1. رمز النهر

النهر رمز الحياة والاستمرارية، لكنه هنا:

«لا ماءَ فيه»

أي أن مصدر الحياة ذاته صار خواءً، في إحالة واضحة إلى الوطن المستنزف أو الذات المجففة روحياً.

2. مراعٍ بلا شتاء

العنوان نفسه رمز مركزي:

المراعي: الخصوبة

الشتاء: التجدد

غياب الشتاء يعني تعليق دورة الحياة، وهو رمز لزمن عربي/عراقي متوقف عن التجدد.

3. الجنوب:

«ديارٍ لا تجيدُ عزاءَ الجنوب»

الجنوب هنا ليس مكانًا فقط، بل رمز للحرمان التاريخي، والتهميش، والجراح المتراكمة.

ثالثًا: المنهج النفسي:

القصيدة صوت ذات منهكة، تعيش:

الحداد المستمر

العجز عن التفريغ العاطفي

السؤال عن شرعية البكاء

«فكيفَ يندبُ الشاعرُ وجعَه؟»

هنا يظهر الصراع النفسي بين:

الرغبة في البوح

الخوف من الاستهلاك العاطفي

الشاعر لا يملك ترف البكاء، لأن وجعه أعمق من الدموع.

رابعاً: المنهج الاجتماعي / الفكري

تعكس القصيدة حالة الإنسان العراقي المعاصر:

١- موت متكرر

٢- ذاكرة مثقلة

٣- مستقبل معطّل

«بعدَ الموتِ

ألفُ موتٍ»

هذه العبارة تختزل واقعاً اجتماعياً سياسياً يقوم على تكرار الفقد، لا على تجاوزه.

كما تنتقد القصيدة ثقافة التعايش مع الألم، حيث يصبح الموت حدثاً اعتيادياً، بلا طقوس خلاص حقيقية.

خامساً: المنهج الفلسفي

1. الزمن

الزمن في القصيدة دائري، لا تقدّمي:

أمس يلفّ الحاضر

انتظار بلا أفق

2. الموت:

الموت ليس نهاية، بل حالة ممتدة:

«بعدَ الموتِ ألفُ موتٍ»

وهذا تصور وجودي قريب من العبثية (كامو)، حيث تتكرر المأساة دون معنى خلاص.

3. السؤال الوجودي:

القصيدة لا تقدم إجابات، بل تترك السؤال معلقاً:

هل يكفي الدمع؟

هل للانتظار جدوى؟

وهنا تتجلى القيمة الفلسفية للنص: الوعي دون عزاء.

خاتمة:

قصيدة «مراعٍ بلا شتاء» نص مكثف، هادئ، لكنه عميق الأثر، ينجح في تحويل التجربة الفردية إلى مرآة لوجع جمعي. قوته لا تكمن في الصراخ، بل في الاقتصاد اللغوي، والصدق الشعوري، والقدرة على جعل الصمت جزءاً من المعنى.

إنها قصيدة عن وطن بلا فصول، وعن ذاتٍ أنهكها الانتظار، لكنها ما زالت تطرح السؤال، والسؤال هنا هو آخر أشكال المقاومة.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

.....................

مراعٍ بلا شتاء

علاء سعود الدليمي

أقفُ قريباً من النهرِ،

لا ماءَ فيهِ يروي ظمئي،

ولا غيمةَ تبعثُ فيَّ الأمل.

لقد أكلَ القحطُ عشبَ أيّامي،

وصارَ الشَّعرُ أبيضَ اللونِ

كزرعٍ حانَ حصادُهُ،

تهشّمهُ مناجلُ الفلّاحين.

فهل يعودُ السوادُ بعدَ البياض؟

بعدَ الموتِ

ألفُ موتٍ،

وأكفانٌ كثيرة

تلفُّني بعباءةِ الأمس.

ابتسامةٌ هنا،

وضحكةُ طفلٍ هناك،

ومخيّلةُ شاعرٍ

فقدَ ديونَهُ البِكرَ

في ديارٍ

لا تجيدُ عزاءَ الجنوب.

فأيُّ فاتحةٍ للعذاب

قد فتحَها الغياب؟

لا حرجَ في ندبِ الأمهات،

ينثرنَ أوجاعَهنّ

على أكتافِ المنيّة،

فكيفَ يندبُ الشاعرُ وجعَه؟

أيكتفي بالدّمع،

أم ينثرهُ

في غروبِ الانتظار؟

مراعٍ بلا شتاء،

وقد انحنى

ظهرُ الأمنيات.

 

في المثقف اليوم