قراءات نقدية
فاطمة عبد الله: من الحداد الفردي إلى التماهي الوطني
جدلية الرغبة والقانون في رواية جذور الحنين
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مؤداها أن الحنين في رواية "جذور الحنين" لا يقدم بوصفه انفعالاً وجدانياً عابراً، بل بوصفه بنية نفسية، سيميائية تنظم علاقة الذات بالوطن وبالفقد وبالرغبة. وعليه، تتمثل إشكالية البحث في مساءلة الكيفية التي يعاد بها تشكيل الصدمة التاريخية داخل الخطاب السردي، بحيث تتحول إلى نظام رمزي يؤسس للهوية الفردية والجمعية.
تعتمد الدراسة مقاربة تحليلية نفسية ذات أفق لاكاني مدعومة بأدوات سيميائية بنيوية. ويستثمر مفهوم "اسم الأب" لفهم اشتغال القانون الرمزي داخل تشكل الهوية، كما يوظف مفهوم الرغبة و"الموضوع الصغير (a)" لتحليل دينامية العلاقات العاطفية بوصفها استجابات لنقص بنيوي في الذات. وعلى المستوى السيميائي،تحلل العلامات المركزية في النص (البيت، الشجرة، النهر، التراب، الزيتون، الاسم المتكرر) للكشف عن انتظامها ضمن شبكة دلالية تحول المكان من معطى واقعي إلى فضاء نفسي.
يقارب المتن المدروس عبر تحليل فصول الرواية بوصفها وحدات دلالية متعاقبة تكشف انتقال السرد من الفقد الفردي إلى التماهي الجمعي، ومن الحب الشخصي إلى الانتماء الوطني. وتركز الدراسة على البنية الرمزية الداخلية للنص في حدود التحليل النصي دون توسع سوسيولوجي خارجي.
وبذلك تسعى الدراسة إلى بيان أن الرواية تؤسس تصوراً للهوية يقوم على إدارة النقص لا إلغائه حيث يغدو الوطن بيتاً رمزياً وتتحول العائلة إلى استعارة مصغرة عن الأرض ويغدو السرد ذاته آلية مقاومة دلالية للفقد.
الفصل الأول: الحنين بوصفه بنية رمزية
يؤسس الفصل الأول من "جذور الحنين " البنية الدلالية التي تنظم الرواية، حيث تعاد صياغة التجربة الفلسطينية داخل الوعي الفردي لا بوصفها حدثاً تاريخياً خارجياً، بل أثراً نفسياً يعيد تشكيل إدراك المكان والزمان. فالفضاء السردي لا يقدم كخلفية محايدة، بل كامتداد لحالة داخلية مأزومة إذ تتحول علامات مثل( الليل، الشجرة، البيت، و النافذة) إلى وحدات رمزية تعكس القلق والانقسام والبحث عن الجذر.
تتشكل شخصية يوسف بوصفها ذاتاً متصدعة تعيش انتقالاً قسرياً من فضاء الرغبة إلى فضاء القانون الاجتماعي. فترك الجامعة والانخراط في العمل يمثلان عبوراً من أفق الحلم إلى النظام الرمزي القائم على الواجب والاعتراف. وتغدو المشاريع اللاحقة، ومنها المقهى، آليات تعويض لا تلغي القلق بل تعيد إنتاجه في صورة انضباط أخلاقي. ويكشف قوله: "لم يعرف اليأس طريقه إلى قلبه" عن اشتغال دفاعي يقوم على نفي اليأس بما يؤكد حضوره الضمني في دلالة على توتر بين الوعي و اللاوعي.
يحتل الأب موقعاً مركزياً بوصفه ممثل القانون الرمزي الذي يؤطر الرغبة ويحدد مسار الهوية، فالألم الفردي ينتقل إلى مستوى التوريث النفسي ويتحول الوطن إلى صورة داخلية ثابتة أكثر منه جغرافيا متحققة. ضمن هذا الإطار، تتحدد علاقة يوسف بالعالم عبر انقسام دائم بين ما يرغب فيه وما يفرضه الواجب.
أما يارا، فتتموضع كموضوع رغبة مؤجل لا يمنح الاكتمال بل يحافظ على التوتر. حضورها العابر ولقاء الصفصاف يرسخان فضاءً تخييلياً يقوم على الحلم والتماهي، بما يجعل العلاقة بنية استمرار للنقص لا تجاوزه.
وعليه يرسخ الفصل الحنين بوصفه آلية تنظيم نفسي لا تتجاوز الفقد بل تديره، حيث يغدو النضج قبولاً بالانشطار شرطاً للهوية ويتحول السرد إلى ممارسة دلالية تحفظ الرغبة داخل خطاب الفقد.
الفصل الثاني: المقهى وبنية القانون والرغبة
يمثل فصل "مقهى الرملة" انتقالاً من التوتر الفردي إلى تشكل الفضاء الجمعي، حيث يتحول المكان من إطار اجتماعي إلى علامة رمزية تنتج المعنى. فالمقهى لا يؤدي وظيفة خدمية، بل يغدو حيزاً تتشكل فيه الذات الجمعية عبر التداول والخبر، بما يجعله بنية خطابية تعيد إنتاج الهوية تحت شروط المراقبة والتهديد. هذا التوتر بين الانكشاف والحماية يعكس انقسام يوسف بين إدارة المجال العام والخضوع لقانونه الرمزي.
في المستوى النفسي و الرمزي، يستمر اشتغال '' اسم الأب " بوصفه ممثل القانون الذي ينظم الرغبة. فموت الأب لا يلغي سلطته، بل يعيد إنتاجها داخل يوسف حاملاً للشرعية الأخلاقية. وتتكثف دلالة الامتداد في العبارة:
" ليكونوا كالشجرة التي جذورها عميقة في تراب الحاج مصطفى "
حيث يتحول الأب إلى أصل رمزي يشتق منه المعنى، لا إلى ذكرى منقطعة. هكذا ينتقل يوسف من موقع الرغبة إلى موقع الحارس للقانون.
غير أن هذا التماهي مع القانون لا يلغي القلق، بل يعيد توزيعه. فنجاحه الاقتصادي يمثل صيغة تسام تحول الخسارة إلى انضباط عملي، إلا أن انحراف حكيم يكشف هشاشة البنية ويهدد شرعية " اسم الأب ". ويتكثف هذا التوتر في قوله:
" لا أخشى عواقب السير غير أنني أخشى هزيمة لا أستحقها "
إذ يكشف عن ذات تخشى تصدع معناها أكثر مما تخشى العواقب الخارجية.
في موازاة ذلك، تتحدد العلاقة بالمرأة ضمن اقتصاد الرغبة. فيارا تتموضع كموضوع مؤجل لا يمنح الاكتمال، بل يحافظ على اشتغال النقص. أما ملك فتظهر كتحويل للرغبة لا كبديل عنها، ليست تعويضاً مباشراً، بل موضوعاً يعيد تنشيط التوتر بين الهو والقانون. ويعبر يوسف عن هذا الانقسام بقوله: "أخشى أن قلبي يفعلها في أي لحظة "، حيث ينكشف الصراع بين الأنا الأخلاقية والانجذاب العاطفي.
يتعزز هذا البعد في قصة مريم، حيث يتحول الهاتف إلى علامة لانكشاف السر، ويغدو الاعتراف محاولة لإعادة ترميم صورة الرجل داخل النظام الرمزي. أما اعتراف ملك بتاريخ أمها، فيكشف إعادة إنتاج لا واعية لجرح الأصل، فطلب الجمع بين الزوج والحبيب يمثل خلخلة لبنية القانون، ما يدفع يوسف إلى استعادة موقعه بوصفه حداً فاصلاً بين الحب والوهم.
بذلك يكشف الفصل عن جدلية متواصلة بين القانون والرغبة، حيث يتقاطع الأب والمقهى والمرأة داخل شبكة رمزية واحدة. فالمقهى حاضنة للوعي، والأب أصل الشرعية، والمرأة أفق رغبة غير مكتمل. وتغدو المحافظة على القيم شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية في مواجهة التفكك، بينما يظل يوسف ذاتاً معلقة بين الامتثال للقانون واستدعاء الرغبة.
الفصل الثالث: الامتداد الرمزي وإعادة تشكل الهوية
يمثل هذا الفصل تحولاً في مسار يوسف من ذات مثقلة بالفقد إلى ذات تعيد تنظيم عالمها عبر الفعل الأخلاقي. لم يعد الصراع محصوراً في الرغبة المؤجلة، بل أصبح متعلقاً بسؤال الامتداد والهوية: الاستمرار العائلي وإمكان تجاوز الحداد دون محوه.
تتجلى أزمة الذات بين مطلب الأم بالاستمرار، وجرح الحب القديم، وتجربة فريدة التي تكشف عقمها، حيث يتحول الزواج من خيار اجتماعي إلى اختبار لاتساق الهوية. رفض يوسف لا يقرأ بوصفه موقفاً بيولوجياً، بل دفاعاً عن بنية معنى أسسها على التضحية والانضباط. وتتكثف هذه الثنائية في قوله:
"أطفأ ناراً، أوقدها بيده ولم يقدر على إطفاء نار في قلبه منذ سنين. "
النار هنا علامة على رغبة مكبوتة وحداد غير منجز، إطفاء خارجي يقابله احتراق داخلي، يكشف استمرار الانقسام بين الفعل الأخلاقي والذاكرة العاطفية.
تأخذ زيارة المخيم بعداً رمزياً بوصفها مواجهة مع الجرح الجمعي. تتحول سهى إلى علامة على براءة باقية، ويصبح المال وسيطاً لإعادة إنتاج الحياة (الدكان كاستقرار واستمرارية). نفسيا، يمارس يوسف آلية الإعلاء، محولاً خيبته إلى عطاء منظم، لكنه يظل معلقاً بين فضاءين: المخيم بوصفه ذاكرة ألم، والمقهى بوصفه أفق احتمال عاطفي. هكذا يتحرك بين معاناة/رغبة وواجب/حب دون حسم نهائي.
يكشف رفض نزار الاعتراف بابنة أخيه، سهى انكسار رابطة الدم، مقابل إعادة يوسف تعريف القرابة أخلاقياً حين يتعهد أن يكون لها " أخاً وأباً "، بما يجعل الإنسانية بديلاً عن النسب البيولوجي.
في علاقته بزينب، يتوازى تحفظها مع تحفظ المخيم على جراحه، كلاهما يخفي ماضياً يهدد الاكتمال. لحظة الاعتراف " يا يوسف ألا تعلم بأني أيضًا في شوق إليك " تمثل اختراقاً لخطاب الفقد، حيث يغدو الحب فعل مقاومة رمزي. ويمثل امتناعه عن دخول البيت قبل تثبيت العلاقة اجتماعياً و وعياً يؤطر الرغبة بالقانون، ناقلاً العلاقة من الانفعال إلى المشروعية.
يؤسس الزواج انتقالاً من الهامش العاطفي إلى المركز الاجتماعي، ويتجسد التصالح بقبول الأم لزينب داخل البيت. غير أن الاستقرار لا يلغي الذاكرة، بل يعيد احتواءها ضمن بنية أكثر تماسكاً.
وبالتالي، يكشف الفصل عن انتقال يوسف من إدارة الفقد إلى إعادة إنتاج المعنى عبر العائلة والعطاء. لم تلغَ الرغبة، بل أُعيد تنظيمها داخل إطار رمزي يدمج الحب بالقانون، ليغدو الامتداد الأسري تعويضاً عن الموت دون إنكار أثره. هكذا تتشكل الهوية عبر تأطير الانشطار لا محوه، بما يمنح الذات قدراً من الاتساق والاستمرار.
الفصل الرابع: جدلية النهر والحرب وتحول الهوية
يتأسس هذا الفصل على شبكة علامات متقابلة تؤطر الصراع الدلالي والنفسي معاً : (النهر/الحرب، الماء/النار، الضفة/الحد، العطر/البارود). دجلة يحضر بوصفه علامة حضارية للخصب والاستمرار، لكنه في الآن ذاته حد رمزي يفصل بين الشرعية والخطيئة. القصب فضاء اختباء، أي تمثيل سيميائي للرغبة المكبوتة، بينما الصواريخ والملاجئ علامات انقطاع تاريخي وموت جماعي. هذا التقابل لا يبقى خارج النص، بل يعاد إنتاجه داخل يوسف ذاته.
خطابه القومي المرتكز على " الكرامة والشرف " يمثل نظام العلامات الصلبة المرتبط بالأنا الأعلى، أي مجال القانون والحدود. في المقابل، انجذابه إلى آفاق (" أشعلتني وأصبتني بالغيبوبة ) ينتمي إلى حقل الماء والعطر والانسياب، أي مجال الهو والليبيدو. هكذا يتجسد الصراع بين الأمة والجسد بوصفه صراعاً بين نظامين دلاليين داخل الذات.
اسم " آفاق" نفسه علامة انفتاح تقوض انغلاق البطل الأيديولوجي. يونغياً، تمثل تجسيداً للأنيما، أي الجانب الأنثوي المكبوت في النفس وسيميائياً، تحدث أفقاً دلالياً جديداً يعيد ترتيب المعنى. العناق عند النهر يصبح حدثاً مزدوجاً: نفسياً تفريغاً لرغبة مكبوتة، وسيميائياً عبوراً للحد وإعادة كتابة للهوية خارج خطاب الحرب.
يتحول النهر لاحقاً إلى علامة كبرى للاوعي الجمعي والفردي معاً. عبارة " من يروي النهر حين يعطش غيرك يا يوسف" لا تقرأ حرفياً، بل استعارة لليبيدو الباحث عن إرواء نقص داخلي. شبكة النهر/الجسد/العشب تمثل الخصب والحياة، في مقابل الحرب/القصف/الرماد بوصفها علامات انقطاع. لذلك يتكلم يوسف بلغة أسطورية (" تفاحة سومرية "، "شجرة الحياة ")، ما يكشف انزياح العلاقة من الواقعي إلى الرمزي.
غير أن هذا الاكتمال يظل هشاً، فآفاق وعد بالحياة يولد في فضاء موتي وينتهي برسالة، أي يتحول إلى أثر لغوي لا حضور جسدي. بذلك يغدو العشق كتابة تعويضية في مواجهة الفقد. تكرار صورة زينب لاحقاً يعكس اشتغال الحداد غير المنجز (فرويدياً)، حيث تبقى الذات معلقة بين فقد لم يستوعب ورغبة لا تكتمل.
يختتم هذا المسار بما يضيئه قول كارل يونغ: " ما لا ندركه في داخلنا يعود إلينا في صورة قدر " ، فآفاق هي قدر يوسف الرمزي، عودة المكبوت في هيئة امرأة/ نهر، تمنحه لحظة اكتمال عابرة قبل أن يعيده التاريخ إلى وحدته الأولى.
الفصل الخامس: طين البلاد / من الهوية الفردية إلى تمثيل التماهي الوطني
يقوم هذا الفصل على توتر بنيوي بين الفقد والرغبة، حيث يتحرك يوسف داخل أفق حداد غير مكتمل يسعى إلى إعادة تنظيم هويته عبر علاقة جديدة. ووفق المنظور اللاكاني، تتحدد الرغبة بوصفها استجابة لنقص بنيوي لا يمكن إلغاؤه، بل يعاد تنظيمه رمزياً. ضمن هذا الإطار، لا تقدم فاطمة موضوع حب فحسب، بل تشتغل دالاً لترميم كينونة متصدعة عقب موت الزوجة. أما لحظة التردد قبل إرسال الرسالة، فتمثل عتبة رمزية تشير إلى انتقال من ذات متماهية مع الفقد إلى ذات تجازف بإعادة تعريف موقعها داخل شبكة الرغبة.
ينكشف الجرح النرجسي في سؤال الابن حول التعليم الجامعي، حيث يكشف الرد التعويضي "علمتني الحياة" آلية دفاع عقلانية تخفي هشاشة داخلية. وبهذا المعنى، لا يقرأ مشروع الزواج بوصفه رغبة وجدانية خالصة، بل كمحاولة لإعادة إنتاج اتساق سردي للذات في مواجهة تصدع سابق.
سيميائياً، يشتغل الفصل على ما يمكن تسميته اقتصاد العلامة المؤجلة. فالهاتف، و الإشعارات، وتأخر القراءة، عناصر تنتج المعنى عبر بنية الانتظار، بما ينسجم مع تصور رولان بارت للمعنى بوصفه أثراً للفجوة بين الدال ومدلوله. لذلك تتحول عبارة مقتضبة مثل "مساء النور" إلى حدث وجداني مكثف، لا بسبب محتواها اللغوي، بل نتيجة البنية الزمنية التي تؤطر تلقيها.
يحمل عنوان "طين البلاد" كثافة رمزية مزدوجة. فالطين يحيل إلى مادة الخلق الأولى وإلى قابلية التشكل في آن. يتماهى هذا الدال مع الوضع الوجودي ليوسف بوصفه ذاتاً قابلة لإعادة الصياغة. في المقابل، تحضر فلسطين عبر علامات أيقونية ثابتة (الزيتون، الزعتر، الليمون) تؤدي وظيفة تثبيت المعنى. وبهذا لا يقرأ اتحاد الشخصيتين باعتباره تحققاً عاطفياً فحسب، بل بوصفه بناءً رمزياً يعيد وصل هوية ممزقة عبر تمثيل التحام الجذور بالأرض.
في ضوء مفهوم بول ريكور للهوية السردية، لا يغير يوسف واقعه مباشرة، بل يعيد كتابة قصته عن نفسه. انتقاله من "رجل لم تكتمل قصته" إلى "رجل ينتظر اكتمالها" يكشف أن إعادة السرد تسبق تحقق الواقع، وأن الهوية تبني عبر إعادة التأويل المستمر للذات.
يتواصل التحول البنيوي من الرغبة الفردية إلى أفق الهوية الجمعية عبر مستويين: العائلة والوطن. قبول فاطمة داخل البيت واعتراف إياد بها "ماما" يمثلان تفكيكاً تدريجياً لحداد مؤجل، حيث يعمل الإنجاب بوصفه استمرارية رمزية تعيد توزيع أثر الموت. أما انتقال إياد إلى فاعل سياسي متجه نحو فلسطين، فيكشف نقلاً للرغبة من الأب إلى الابن. تتغير موضوعاتها، لكن بنيتها تظل قائمة على بحث عن اكتمال مؤجل.
في ضوء مفهوم فرويد للـ Heimlich/Unheimlich، يتضاعف معنى البيت. فالبيت العائلي فضاء ألفة وترميم، في حين تستعاد فلسطين بوصفها " بيتاً أصلياً" مفقوداً. وينتج التفتيش على الحدود أثراً للـ " لا-أليف"، حيث يتحول الوطن إلى فضاء اغتراب مؤقت يعمّق الرغبة في استعادته. ضمن هذا السياق، تعمل القدس دالاً مكثفاً لفكرة " البيت الأعلى" بوصفه مركزاً رمزياً للانتماء.
يبني النص منظومته عبر علامات متواترة: الزغاريد، تسمية الأبناء (جهاد)، شجرة التين، الأهازيج، والحدود. وتشتغل العائلة هنا كاستعارة مصغرة عن الوطن، بحيث تتشكل بنية دائرية: يوسف يؤسس بيتاً لحماية ابنه من الفقد، فيما يغادر الابن البيت دفاعاً عن الوطن من الفقد ذاته.
في الذروة السردية، يعاد تمثيل مشهد الاستشهاد بوصفه تكثيفاً رمزياً للعلاقة بين الجسد والأصل. إن العبارة: "لم يغمض إياد عينيه، بل ظل ينظر إلى امتزاج دمه مع حفنة تراب جدته" لا تقرأ بوصفها تحققاً وجودياً للتماهي، بل كبناء خطابي يعيد ترميز الموت داخل أفق الانتماء. فامتزاج الدم بالتراب يشتغل كصورة دلالية توحد الذات بالأصل الأمومي، منتجاً تمثيلاً للعودة. غير أن هذا "الاكتمال " يظل أثراً خطابياً، إذ يعيد النص إنتاج الفقد داخل صيغة مقدسة تمنح العنف وظيفة تأسيسية للهوية.
تتوزع العلامات هنا بوضوح: الزيتون دال الاستمرارية، التراب دال الأصل، المسجد مركز القداسة، النجمة استعارة الخلود، وتكرار الاسم (يوسف) علامة عودة الأب في الابن. وبهذا يؤسس الفصل بنية دائرية يعاد فيها تنظيم الموت ضمن أفق انتمائي. الابن يعود إلى الأرض بالدم، والأب يعود إليها بالذاكرة ثم بالدفن. بين الفعل العنيف والتسليم الهادئ، يعاد ترميز الموت لا بوصفه نهاية، بل كآلية لإنتاج معنى داخل خطاب الهوية.
وعليه، يتحول "طين البلاد" إلى استعارة كبرى للإنسان بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل داخل البيت، لكنها تثبت رمزياً في هيئة انتماء نهائي للأرض. غير أن هذا التثبيت لا يمحو أثر الانشطار، بل يعيد تنظيمه ضمن بنية سردية تمنح الفقد وظيفة تأسيسية في تشكل الهوية.
تبين الدراسة أن اشتغال الحنين في الرواية لا ينتج خطاب تعزية، بل يبني نظاماً رمزياً يعيد توزيع الفقد داخل بنية دائرية يتقاطع فيها الذاتي و الجمعي.. فانتقال الشخصية من انقسام داخلي إلى تماه وطني لا يمحو النقص، بل يحوله إلى مبدأ تنظيم للهوية. بذلك لا يعاد تمثيل الوطن كموضوع استعادة، بل كأفق يؤطر الرغبة ويمنحها شرعيتها ضمن القانون الرمزي.
تكشف هذه البنية أن الامتداد الأسري، وتكرار الاسم، والاتحاد بين الدم والتراب ليست حلولاً سردية بقدر ما هي آليات لإنتاج معنى يحفظ الانشطار داخل نظام دلالي متماسك. ومن ثم، يغدو السرد ذاته فضاء لإعادة كتابة الصدمة بوصفها شرطاً لتشكل الهوية لا عائقاً أمامها.
***
من إنجاز فاطمة عبدالله






