مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: الرشاد الإنساني على تخوم الحياة والموت

وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه

 هانت عليه ملامة الجهال

ابن سينا- من كتاب نزهة الألباء في طبقات الأدباء" لأبي البركات الأنباري.2469 Luke Fields

بهذا البيت المكثف يضع ابن سينا يده على جوهر الحكمة العملية: أن يبلغ الإنسان رشدا داخليا يجعله ثابتا في موقفه، غير معلق على تصفيق الناس أو لومهم. ليس الرشاد هنا معرفة نظرية فحسب، بل طمأنينة أخلاقية تمكن صاحبها من الوقوف في لحظة حرجة دون اضطراب. هذا المعنى، على نحو لافت، يتجسد في لوحة الفنان الإنجليزي لوك فيلدس «الطبيب» (١٨٩١)، التي تجاوزت كونها مشهدا طبيا لتصبح أيقونة إنسانية عن الوقوف الصامت على تخوم الحياة والموت.

في غرفة فقيرة، تكاد تخلو من أي مظهر للتقنية، يجلس الطبيب منحنيا إلى الأمام قرب سرير طفلة صغيرة ترقد بين الحياة وافولها. عيناها معلقتان بوجهها، جسدها ساكن، لا يباشر علاجا ولا يمسك أداة. لا أجهزة، لا ضجيج، لا بطولات استعراضية. الحضور نفسه هو الفعل. هذا الطبيب لا "يعالج" بقدر ما "يشهد"؛ يشهد هشاشة الجسد، وانتظار المصير، وحدود العلم حين يبلغ منتهاه. وهو بهذا يجسد "الرشاد" الذي تحدث عنه ابن سينا: رشاد من عرف قدر نفسه، فعلم متى يتحرك ومتى يسكت، ومتى يكون الفعل الأكبر هو التأمل الأعمق.

خلفه، في ظل الغرفة، يقف الاب واضعا يده على كتف زوجته الجالسة. ملامحه شاردة، لا لانه جاهل، بل لان المعرفة هنا لم تعد ذات نفع. إن كان ثمة "جهل" في هذا المشهد، فهو جهل المآل، لا جهل القيمة. الاب لا يعترض، لا يطالب، لا يلوم الطبيب، بل يسلم في صمت. لعل هذا الصمت نفسه صورة أخرى من صور الرشاد: رشد العجز حين يعترف الإنسان بان بعض اللحظات لا تدار بالقوة ولا بالعقل وحده. وهكذا يوزع المشهد "الرشاد" بين أبطاله: الطبيب رشيد في ثباته، الاب رشيد في تسليمه، وحتى المكان رشيد في تواضعه، إذ لا يدعي أكثر مما يحتمل. واللوحة، في هذا المعنى، لا تدين أحدا ولا تمجد أحدا، بل تنصت.

ومن زاوية أخرى، يمكن للوحة أن تقرأ بعين ابن عربي، حيث الوجود ليس مجرد وقائع، بل تجليات. يرى ابن عربي في الانوثة مظهرا أكمل لتجلي الحق، لا بوصفها جنسا اجتماعيا، بل بوصفها قابلية الوجود للاحتواء والظهور. حين يقول في فصوص الحكم:

ولذلك أحب النساء: لكمال النظر إلى الحق فيهن، فإن الحق لا يرى مجردا من المواد

 فإنه يشير إلى أن الجمال الإلهي لا يتجلى إلا في الضعف، في القابلية، في الانكسار. فالأنثى ليست جسدا فقط، بل هي مظهر من مظاهر الحق، وفي التأمل فيها تأمل في أسرار الوجود.

الطفلة الراقدة هنا ليست مجرد مريضة؛ هي صورة الوجود في أنقى حالاته: هش، عار من الحيلة، معلق بين الفناء والبقاء. جسدها النحيل، أنفاسها المتقطعة، عيناها المغلقتان، كلها ليست علامات نقص، بل شروط ظهور المعنى. إنها تجسيد للضعف الذي يتسع للحق، للهشاشة التي تصير مرآة للجمال الإلهي.

وفي الظل تجلس الأم، مغطية وجهها بيدها، حضور أنثوي آخر: ليس تجليا للبراءة، بل للمنبع. الأمومة هنا لا تنتج الحياة فقط، بل تجسد ألم احتمال فقدها. إنها الأنثى كأصل، كمصدر، كرحم يعرف ثقل الفراغ حين يخلو.

ولعل أدق تفصيل في اللوحة هو يد الأب الموضوعة على كتف الأم. هذه اللمسة البسيطة ليست مجرد تعزية، بل اعتراف ضمني بالمركز: مركز الاحتواء. الرجال في المشهد يدورون حول هذا المحور الأنثوي: الطبيب يحرس الجسد، الأب يحرس الانكسار، وكلاهما يعترف، بصمته، بأن سر الحياة لا يدار بالقوة بل بالاحتواء. هكذا تصبح اللوحة مشهدا للأنوثة في مستوياتها المتعددة: الأنوثة الوليدة المحتضرة (الطفلة)، والأنوثة المنتجة الحزينة (الأم)، والأنوثة الغائبة الحاضرة في لمسة يد الأب التي تبحث عن دفء الأنثى في لحظة العجز الكوني.

أما إذا انتقلنا شرقا، إلى الحكمة الصينية، فإن المشهد يكتسب بعدا آخر. في التقاليد الطاوية، ثمة تقدير عميق للقوة الهادئة، للفعل غير المباشر، للماء الذي يهزم الصخر بالصبر لا بالقوة. ومن هذا المنطلق، يقال في مدح الطبيب الماهر تعبير صيني تقليدي: (الأيادي الماهرة تعيد الربيع).

والربيع هنا ليس علاجا فوريا، بل وعد. هو زمن العودة، لا فعل الاقتحام. في الفلسفة الطبية الصينية المتأثرة بالطاوية، الشفاء لا يكون دائما بالتدخل العنيف، بل أحيانا بتهيئة الشروط، بترك الجسد يستعيد توازنه حين يمنح الثقة والوقت.

الطبيب في لوحة فيلدس يجسد هذا المعنى بدقة. يده لا تعمل، لكنها حاضرة. نظرته لا تتشتت، لكنها لا تتعدى. كأن وظيفته ليست أن يخلق الربيع، بل أن يمنع اليأس من إفساد إمكانية عودته. والطفلة، في ضعفها، تشبه أرضا في قلب الشتاء: ساكنة، باردة، لكنها لم تمت بعد. وجود الطبيب وحده هو ما يحفظ لها الدفء الكافي كي تنتظر.

غير أن سؤالا يظل معلقا: ماذا لو لم يأت الربيع؟ هل يبقى الطبيب حكيما إن انتهت المراقبة بالفشل؟ هل الرشاد في النتيجة، أم في الموقف؟

هنا تكتسب اللوحة عمقها الحقيقي. فهي لا تقدم عزاء سهلا، ولا وعدا أخلاقيا جاهزا. إنها تجمد لحظة لا نعرف خاتمتها، وتتركنا أمام السؤال ذاته الذي تتركه الحياة دائما: ما الذي يجعل الوقوف بجانب الضعف فعلا ذا معنى، حتى حين لا ينتصر؟

لعل الجواب يعود بنا إلى ابن سينا نفسه. فالرشاد الذي تحدث عنه لم يكن رهين النجاح، بل رهين الثبات على القيمة.

هانت عليه ملامة الجهال.. تعني أنه صار في منأى عن أحكام الآخرين، سواء كانت باللوم أو بالمدح. الطبيب الحكيم ليس من يضمن النتيجة، بل من لا يخون اللحظة التي أوكلت إليه. إنه من يبقى حاضرا، يقظا، غير مدع، شاهدا على الضعف الإنساني دون أن يتخلى عنه.

والطفلة الراقدة هناك، بأنفاسها المترددة، تذكرنا بأن الرشاد قد يكون أحيانا في مجرد الانتظار بشجاعة. والأم التي تغطي وجهها تعلمنا أن الرشاد قد يكون في البكاء الصامت. والأب الذي يضع يده على كتفها يقول لنا إن الرشاد قد يكون في لمسة لا تشفي لكنها تواسي.

في هذا الالتقاء الصامت بين العلم والإيمان، بين الرجولة والأنوثة، بين الشرق والغرب، تلمع الحكمة لا كإجابة، بل كبوصلة. واللوحة، مثل الحياة، ترفض أن تغلق السؤال.

***

د احمد عابر

 ..........................

المصادر

١. بيت ابن سينا: من قصيدته التي مطلعها "عجبا لقوم يحسدون فضائلي"، وهو الشطر الثاني من البيت الرابع. القصيدة مثبتة في كتب التراث ومنها "نزهة الألباء في طبقات الأدباء" لأبي البركات الأنباري.

٢. قول ابن عربي: من "فصوص الحكم"، فصل في كلمة محمدية، تحقيق أبو العلا عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت، ص ٢١٧.

٣. المثل الصيني: وهو تعبير تقليدي يستخدم في المدح للأطباء ، ويرد في قاموس "سي يو" للأمثال الصينية.

٤. معلومات عن اللوحة: اللوحة من أعمال السير لوك فيلدس (Sir Luke Fildes) ، رسمت عام ١٨٩١، وهي معروضة في معرض تيت بريطانيا (Tate Britain) في لندن.

في المثقف اليوم