عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ماذا لو كان الكون بلا بداية؟.. فرضية ستيفن هاوكنغ

بقلم: بول سوتر

ترجمة: حاتم حميد محسن

 ***

كان الاعتقاد السائد هو اننا لا نستطيع ببساطة الوصول الى بداية الكون، والان، بفضل العمل الأسطوري للعالمين الفيزيائيين ويلر و ديويت (1)، اصبحنا نمتلك الوسيلة الدقيقة التي نحتاجها لحل بداية الكون فقط لوعرفنا شيئا واحدا، وهو قطعة صغيرة جدا من المعلومات، وسوف نتمكن من ذلك.

بعد عقدين من ويلر و ديوت (الأول ولد عام 1911، والثاني عام 1923)،جاء عالِم الفيزياء البريطاني الراحل ستيفن هاوكنغ وطرح فرضية لا حدود no-boundary proposal (2) ،هنا هو امتلك فكرة اكثر من أي شخص آخر، حيث ربط، كما يفعل عادة، بين عدة خطوط فكرية، وهو يدرك ان المشكلة لشيء ما هي في الحقيقة حل لشيء آخر.

 هاوكنغ حدق في معادلة ويلر ديوت Wheeler-Dewitt equation – التي يكشف لغزها الكون لكن جميع أجزاء اللغز متناثرة في كل مكان، ونحن نحاول فهم مشكلة معقدة (كمن يحاول في لعبة الصور المقطوعة تجميع الصور دون وجود غطاء مرشد للعلبة في الأعلى). لو كنا نستطيع معرفة كيف نضع فقط قطعة واحدة، سنتمكن من تجميع دالة الموجة الكمومية للكون.

نحن نحتاج فقط القطعة الأولى او الحالة الحدودية boundary condition التي تحدد بداية الكون. لكننا لا نستطيع قياسها، نحن لا نستطيع قراءة أي وسيلة او ننظر من خلال أي تلسكوب لنكتشف ذلك. لا شيء يتيح لنا الوصول الى اللحظة الأولى للانفجار العظيم. وليست لدينا ببساطة نظرية للجاذبية الكمومية في الأفق القريب لنطرحها.

اذن يبقى أمامنا ان نخمن تخمينا عشوائيا ونرى ان كنا سننجح . هاوكنغ قرر ان يكون تخمينه الجامح واقعيا قدر الإمكان. هو جادل ان أفضل حالة حدودية للكون، وأفضل بيان يمكنك الإدلاء به حول كيفية بدء كل شيء يجب ان يكون مبرر ذاتيا. هذا يعني ان التخمين حول بداية الكون لا يمكن ان يأتي من أي مكان آخر: انت لا تستطيع الإشارة الى الله او ويلر او أي شيء فقط ليعطيك الجواب، لأن الكون هو كل شيء موجود على الاطلاق، في كليته ولا يمكنك الوصول الى ما هو خارجه. لا يوجد هناك ركن مخفي في الخزانة التي توجد خارج الكون ليحدد لنا الحدود. ان أكبر تصريح تبريري يمكن ان يدلي به هاوكنغ حول بداية الكون هو انه ليس له بداية.

بكلمة أخرى، ماذا لو كان السبب في صعوبة العثور على حد لبداية الكون هو ليس لأنه مخفي او يصعب الوصول اليه، وانما لأنه غير موجود؟ الآن هذه فكرة جميلة جدا. لكننا هنا لسنا من أجل الأفكار الجميلة، نحن هنا من أجل الفيزياء العملية والواقعية. ان قول شيء غريب شيء، وتحويل ذلك الى نظرية عملية للطبيعة شيء آخر. لحسن الحظ، امتلك هاوكنغ بالضبط ما كان بحاجة اليه. واحدة من السمات المحددة لمعادلة ويلر- دويت هي انها لا تشرك الزمن. انها لا تعرف او تهتم بان الكون يتطور، يتوسع، يعمل أشياءً ملفتة.

ان المفتاح الذي يمكن ان يحل معادلة ويلر – ديوت هو بيان قوي حول الزمن، خاصة، الزمن الأكثر أهمية: بداية الكون. لذا نحتاج الى ادخال عنصر الزمن بطريقة او باخرى في كل هذه الفوضى اذا اردنا احراز تقدم.

لهذا فان هاوكنغ يأخذ بالاعتبار الزمن. بدلا من مجرد النظر الى المكان، هو يقوم بتجميع هذه الاشكال الهندسية معا جنبا الى جنب مثل صفحات الفيلم. هو يصنع منها سلسلة، تمثل تطور تاريخ الكون. هذه الأطر تحكي قصة الكون. الآن، نحن لا نعرف ما هي تلك القصة، لذا، يبني هاوكنغ كل هذه المسارات. تواريخ ممكنة للكون، مسارات، تطورات، قصص. في بعض القصص، يصبح الكون ضخما جدا بسرعة كبيرة ثم يتلاشى الى لا شيء. في أخرى لا يتمدد ابدا، وفي أخرى،لا وجود هناك الاّ المادة. وفي أحيان خرى، لا شيء الا اللاشيء. الان كل هذه المسارات، كل هذه التواريخ للكون، كلها تشترك بشيء واحد: انها في الزمكان العادي الذي نحن نعرفه ونحبه. السبب والنتيجة، الماضي والمستقبل، سرعة الضوء، كل ذلك. وكلها لها بداية. اول اطار في فهم الكون .

حسنا، ماذا لو جعلنا الزمن يتصرف بشكل مختلف؟ الان سوف نستخدم كلمة جديدة هي الزمن التخيلي

imaginary time ، الزمن التخيلي، زمن لكنه خيالي. الأرقام الخيالية، رائعة وممتعة حقا: الفكرة الجوهرية خلف الأرقام الخيالية هي بيان الجذر التربيعي للعدد أربعة سالب الغير معروف. الجذر التربيعي للرقم أربعة النظامي هو 2 لكن الجذر التربيعي للسالب أربعة هو... ؟ في الرياضيات الابتدائية العادية، هنا يسخر منا المعلم ويقول انت لا تستطيع اخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. لكن هذه ليست رياضيات مدرسية. نحن سوف لن نأخذ الجذر التربيعي لرقم سالب. بدلا من ذلك، نحن نقول ان الجذر التربيعي للارقام السالبة هو نوع جديد تماما من الأرقام. فئة جديدة تماما. انت لديك أعداد صحيحة، أعداد نسبية، أعداد سالبة، والان لديك أعداد تخيلية، التي هي جميع الجذور التربيعية للارقام السالبة.

 الحيلة التي استخدمها هاوكنغ كانت انه أخذ كل هذه التواريخ للزمكان واستبدل "الزمن" بـ "زمن تخيلي". ثم ضرب مسار الزمن × الجذر التربيعي لزمن سالب . الان، العلماء في الحقيقة يقومون بهذا في ميكانيكا الكم طوال الوقت كحيلة.

أحيانا عندما نحصل على معادلات يصعب جدا حلها، نستبدل الزمن بزمن تخيلي وتصبح أسهل. بعدها نحلها، ثم نعيدها الى وضعها الأصلي . فقط تعديلات طفيفة في الواجهة الخلفية لحل بعض المشاكل المعقدة. لكن عندما يقوم هاوكنغ بهذا في زمكان الكون، هو يحصل على مكافأة. لم يعد الامر مجرد خدعة في حفلة. انه بيان. انت ترى، في زمكان طبيعي، الكون له بداية. لكن عندما تستبدل الزمن بزمن تخيلي، البداية ستهرب. هذا الاجراء في الحقيقة يضع المكان والزمان على قدم المساواة. انه يجعلهما نتاج للانحناء والهندسة، مع عدم وجود هوية منفصلة وهو ما يجعل بداية الكون ليست زمان خاص ابدا. انها تصبح مثل القطب الجنوبي، الذي هو حقا مثل أي نقطة أخرى على الكوكب. انت تصل الى القطب الجنوبي ولن تسقط من حافة، ولو تستمر بالمشي سيكون بدون أي معنى، حيث لا يوجد شيء سوى الاتجاه شمالا من هناك. انت تصل بداية الكون، وهي ليست خاصة او فريدة (ربما اكثر حرارة)، وكل ما لديك هو المستقبل الذي أمامك. لا بداية. لا حدود. كون يبرر ذاته. عبر الانتقال الى الزمن التخيلي، استطاع هاوكنغ تشفير فكرته القائلة بان (الكون ليس له بداية)، وكان بامكانه اجراء عمليات حسابية معقدة.

هذا هو المفتاح الذي يفتح معادلة ويلر- دويت والمعرفة اللازمة لتشغيل الآلة الرياضية. ماذا نحصل مقابل كل هذا العمل؟ ليس أقل من دالة موجية للكون.

***

............................

* المقال نُشر بتاريخ may,17,2026 للكاتب بول سوتر في نشرة universe Today بعنوان (ماذا لو كان الكون بلا بداية؟ الجزء الثاني: لا حدود، لا مشكلة).

* بول سوتر Paul Sutter عالم كونيات، مستشار في وكالة ناسا، مؤلف ومقدم برامج

الهوامش

(1) ويلر ودويت كانا عالمي فيزياء أمريكيين بارزين أبدعا بعملهما الحديث في النسبية العامة والثقوب السوداء والسعي لنظرية في الجاذبية الكمومية. هما اشتهرا بتطويرهما المشترك لمعادلة ويلر- دويت – wheeler-Dewitt equation(صيغت في أواخر الستينات من القرن الماضي، كمعادلة أساسية تحاول رياضيا دمج ميكانيكا الكم مع نظرية اينشتاين في النسبية العامة). أهم عناصر المعادلة هما الدالة الموجية للكون و مشكلة الزمن. الدالة الموجية هي في الأساس تعمل بمثابة معادلة شرودنغر لكل الكون. بدلا من وصف الكترون واحد او ذرة واحدة، انها تصف الحالة الكمومية للمكان والكون كله. اما مشكلة الزمن فهي السمة الأكثر اثارة في المعادلة كونها لا تحتوي على متغير الزمن. بما ان الزمن والمكان متداخلان في نسيج واحد ضمن نسبية، فان تطبيق مبادئ الكوانتم على كل الكون يتركنا مع معادلة لازمنية.

(2) تقوم هذه الفرضية على النقاط التالية:

1- لا بداية، لا حافة: اقترح هاوكنغ ان لا وجود لحد مادي للكون، لا نقطة بداية في الزمن. الزمكان محدود، بما يعني انه لا يستمر الى الابد، لكنه ينطوي على نفسه بطريقة لا تخلق أي حدود.

2- السؤال عن الزمن قبل الانفجار العظيم هو بلا معنى لان الزمن كما نفهم غير موجود قبل تلك النقطة.

3- الكون مكتفِ بذاته: بما ان الكون مكتف بذاته تماما ولم يتأثر باي شيء خارج ذاته، فان حالة الحدود هذه تعني ان الكون لا يتطلب خالقا او قانونا خارجيا خاصا لضبطه.