عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

بدر الفيومي: تحول مفهوم "التدين" في الفكر العربي والإسلامي المعاصر

تحوّلات المفاهيم (1850 -2026)

اللقاء الثاني

***

إذا ما حاولنا الاقتراب من مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، نجد أنفسنا منذ اللحظة الأولى أمام مفهوم بالغ التعقيد والسيولة؛ لا بسبب غموضه في ذاته، بل بسبب ما طرأ عليه من انزياحات دلالية ووظيفية عميقة، نقلته من كونه تعبيراً عن العلاقة الروحية والأخلاقية بين الإنسان والدين، إلى كونه في كثير من السياقات المعاصرة علامة اجتماعية وأيديولوجية وهوياتية، بل وأحياناً صورة ذهنية مشوهة ارتبطت في وعي بعض المجتمعات بالتشدد والغلو والانغلاق.

وهذا الأمر بعينه هو الذي يجعل دراسة التدين اليوم ضرورة لفهم تحولات الوعي الجمعي ذاته، لا مجرد دراسة لسلوك ديني معزول. وذلك لأن التدين بخلاف الدين لا يشير إلى النص المقدس في ذاته، بل إلى الكيفية التي يتمثّل بها الإنسان هذا النص داخل الاجتماع والتاريخ والثقافة والسلطة.

ومن ثَمّ، فالتدين ليس حقيقة ثابتة، بل بناء بشري متغير، يخضع للأغيار والتحولات، ويتشكّل داخل نسق معقد تتداخل فيه المؤسسة الدينية مع السلطة السياسية، ويتشابك فيه الإعلام مع التعليم، كما تتقاطع فيه الحركات الأيديولوجية مع الأزمات الاجتماعية والنفسية. وهو ما كان يعنيه طلال أسد حين أثبت في كتابه (أنساب الدين) أن التديّن ليس جوهراً نقياً بل تقليد خطابي يُعاد إنتاجه داخل نسقية من علاقات السلطة والمعرفة، وأن الدولة الحديثة تعمل في أغلب الأحيان على رسم حدود ما يُعدّ تديّناً مشروعاً وما لا يُعدّ كذلك.

ولهذا فإن الخلط بين الدين والتدين يمثّل أحد أخطر المواطن التي وقع فيها بعض المجترئين والمتأوّلين، حين تعاملوا مع صور التدين التاريخية وكأنها التعبير النهائي عن الدين ذاته، بينما الحقيقة أن التدين ليس إلا تمثّلاً إنسانياً متحوّلاً للدين، قد يصيب وقد ينحرف، وقد يسمو وقد يبتذل.

ولهذا فإننا إذا ما حاولنا تتبّع مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر، وجب علينا ألّا نتعامل معه بوصفه مفهومًا ثابتًا أو نسقًا جامدًا خارج حركة التاريخ والأغيار، بل بوصفه بناءً متحوّلًا أعادت كل مرحلة تاريخية تشكيله وفق شروطها السياسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية. ومن ثَمّ، فسوف نتناول تحولات مفهوم التدين عبر الحقب الزمنية الممتدة من عام 1850م وحتى عام 2026م، من خلال تتبّع أبرز الانزياحات التي طرأت على وظيفته ودلالته وصور تمثّله داخل الوعي الجمعي العربي والإسلامي.

أولاً: لحظة النهضة والتدين الإصلاحي العقلاني (1850 1918):

 إذا ما حاولنا الاقتراب من لحظة النهضة العربية والإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نجد أننا بإزاء نسق مغاير تمامًا لما آل إليه مفهوم التدين في حاضرنا المعيش؛ إذ لم يكن التدين آنذاك مشحونًا بهاجس المفاصلة أو الانغلاق الهوياتي كما وقع لاحقًا، بل كان يُقدَّم بوصفه قوة للنهوض الحضاري، وأداة لإحياء الوعي الجمعي، ومسارًا لإعادة بناء الإنسان المسلم في مواجهة الأغيار والتحديات التي فرضتها الحداثة الغربية والاستعمار معًا. والأمر الذي يستوقفنا هنا أن هاتيك اللحظة لم تكن لحظة انكفاء ديني كما يحاول بعض المجدفين والمتأولين تصويرها، بل كانت لحظة انفتاح عقلي واسع، سعت إلى التوفيق بين معطيات العصر وأصول الدين، بعيدًا عن نهوج الجمود أو الانسلاخ الكامل عن التراث.

فقد أدرك رواد الإصلاح آنذاك أن الأزمة الحقيقية لم تكن كامنة في الدين ذاته، بل في صور التدين الجامدة التي تراكمت عبر الأغيار التاريخية، حتى تحولت بفعل التكلس والتقليد إلى غرابيل تحول بين الإنسان وروح الدين الحقيقية. ومن ثَمّ، انصرف مشروع الإصلاح إلى تحرير العقل المسلم من النسقية المغلقة التي جعلت التدين مجرد طقوس شكلية وممارسات منفصلة عن العمران والمعرفة والحياة.

ولذلك نجد أن جمال الدين الأفغاني لم يكن معنياً بإحياء التدين الشكلي بقدر ما كان معنياً بإحياء الفاعلية الحضارية للأمة، بينما مضى محمد عبده إلى أبعد من ذلك حين ربط بين التدين والمدنية والتعليم والإصلاح المؤسسي، الأمر الذي يقودنا إلى القول بأن التدين في تلك المرحلة كان يُفهم بوصفه طاقة أخلاقية وعقلانية تُنتج العمران ولا تعوقه.

وإذا ما تأملنا الكتابات الإصلاحية في تلك المرحلة، نجد أنها لم تكن أسيرة لثنائية الحلال والحرام بالمفهوم الضيق الذي هيمن لاحقًا على بعض الحركات الجانحة المتأسلمة، بل كانت مشغولة بأسئلة النهضة الكبرى؛ من قبيل سؤال الحرية، والتعليم، والاستبداد، والتخلف، وموقع المسلم داخل العالم الحديث. ولذلك حري بنا ألّا نقرأ خطاب النهضة بمعايير اللحظة الراهنة؛ لأن التدين آنذاك لم يكن قد تحوّل بعد إلى هوية صراعية مغلقة، بل كان أقرب إلى مشروع أخلاقي حضاري مفتوح، يحاول إعادة بناء الذات الإسلامية من الداخل دون الوقوع في زيغ التقليد الأعمى للغرب أو نهوج الانغلاق الذي تمارسة أدعياء السلفية في الوقت ذاته.

ويبدوا أن هذا النسق الإصلاحي العقلاني هو الذي منح التدين في تلك اللحظة قدرة على التعايش مع التحولات الحديثة دون شعور حاد بالتهديد الوجودي، ناهيك عن أن المؤسسة الدينية نفسها لم تكن قد دخلت بعد في حالة الاستقطاب الحاد التي عرفتها المراحل اللاحقة. ومن هنا نفهم كيف كان المتفقهون والمثاقفون يتحركون داخل فضاء واحد نسبيًا، وكيف لم تكن الحدود بين الإصلاح الديني والإصلاح الاجتماعي والسياسي صارمة كما أصبحت لاحقًا.

غير أن هذا التوازن لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما بدأت التحولات السياسية والاستعمارية تعيد تشكيل مفهوم التدين ووظيفته داخل الوعي الجمعي، فما تقدم لا يمثل سوى مدخل أولي لفهم التحولات العميقة التي طرأت على مفهوم التدين داخل الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر؛ إذ إن المسار لم يتوقف عند لحظة النهضة والإصلاح العقلاني، بل دخل لاحقًا في أطوار أكثر تعقيدًا وتشابكًا تحت ضغط الاستعمار والدولة الوطنية وصعود الأيديولوجيات والتحولات الاجتماعية المتسارعة.

ولذلك؛ فإن الحديث عن التدين لا يزال ممتدًا عبر الأغيار والتحولات التي أعادت تشكيله مرة بعد أخرى داخل الوعي الجمعي العربي.

وللحديث بقية... إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين.

***

بقلم: د. بدر الفيومي