قضايا
أنور ساطع أصفري: "بانوراما" نقد العقل العربي
العديد من المفكرين تناولوا موضوع " نقد العقل العربي بعمق وإسهاب، وكلمات هؤلاء الكـتاب تأتينا الآن في مرحلةٍ مفصلية من تاريخ الفكر العربي، حيث تتشابك فيها الأمور وتتعقّد، حيث يطفو سؤال الهوية ويتشابك مع سؤال المعرفة، كما ينحرف النقد الثقافي عن مسار الأزمات البنيوية، التي بالأساس يُعاني منها الفكر العربي والعقل العربي منذ بدايات القرن الماضي.
وكلّ المحاولات السابقة للإرتقاء بالفكر العربي، كانت عبارة عن سردٍ وقراءات الأزمة الثقافية، واحداثيات الحداثة، ومحاولة ترميم خريطة الوعي العربي من الداخل.
ولو تناولنا الأمور على حقيقتها ندركُ تماماً أن مشروع النهضة العربية لم يتعثّر بسبب العوامل الخارجية وحسب، بل إن الخلل في آليات إنتاج المعرفة ذاتها لعب دوراً سلبياً كبيراً في هذا المجال.
لذلك حينما نناقش الأفكار علينا مناقشتها من جذورها، ومن البنية العميقة، وليس من مظاهرها بغض النظر إن كانت فكرية أو سياسية أو ثقافية.
وهكذا نستطيع تفكيك تراكمات ترسّبت عبر التاريخ وأصبحت " ذاكرة معرفية مُغلقة "، تفرض نفسها على مسار التفكير بشكلٍ عام، وتُوجّه العلاقة ما بين الذات والماضي والحاضر والحداثة.
المشكلة التي نُعاني منها ليست هي في الأحداث، وإنّما في الذهنية التي تتابع الأحداث، وليست في التراث، بل في الكيفية التي تحوّل بها التراث إلى قيدٍ معرفي، وليست في الغرب، بل في أفكارنا المتوفّرة لدينا والتي مخاوفنا وسردياتنا الهُلامية.
ومن هنا نرى أن أزمة النهضة ليست أزمة أفكار بحدِ ذاتها، بل هي قولاً واحداً أزمة وعي، لذا تأتي ضرورة تحرير العقل العربي في المقام الأول دائماً.
فنحن بأمسِ الحاجةِ إلى تأسيسٍ جديدٍ لمفهوم مسار النهضة بحد ذاتها، وتفتيت المنظومة المُغلقة العصيّة على التغيير.
الوعي العربي مضغوط الآن لا محالة بين الإرث والموروث والذاكرة، وبين الوقت الراهن المُعاش، ونستطيع أن نرى هنا أنّ الذاكرة أو الإرث هي ليست حيادية في سجلّها التاريخي، بل هي تتجاوز الواقع من خلال خيال صورةٍ قد تكون مثالية.
ومع سوء التدبير نرى أن العرب يستعينون بالذاكرة و بالإرث ويسقطونها على حاضرهم، وبذلك يستعصي عليهم فهم واقعهم، لذلك نرى أن الماضي عند العرب يُمثّل سلطة، لها مرجعياتها، وبالامكان الاعتماد والاحتكام إليها، وليست مادة نقدية بالإمكان مساءلتها.
وهنا يكمن الانسلاخ الحقيقي، حيث إن الإرث والذاكرة عبارة عن أمجاد، بينما الواقع متخم بالأزمات المتراكمة المركّبة.
في إطار هذه المعادلة نرى أن الماضي يلعب دوراً ما، وكأنّه يعوّضنا نفسياً عن واقعنا، بعيداً عن الأفق المعرفي، وآفاق موسوعة العقل العربي.
وكأننا ومن خلاله نشعر بالطمأنينة المترافقة مع الاستمرارية، لكن لو تأمّلنا جيداً نرى أن هذا الواقع يفرض علينا قيوداً صلبة كلّما حاولنا التفكير والخروج عن سيطرته، أو مارسنا التفكير النقدي، فكلمنا حاولنا بكل عقلانية قراءة الواقع نصطدم بمرجعياتٍ تراثية وتقول لكَ قف.
لذلك يُصاب التفكير النقدي العربي بشللٍ فعلي يمنعه من الولوج الفعلي والجاد في مجال الحداثة والأسئلة المتراكمة حولها.
ومن هنا نرى أن العقل المنغلق دوماً يتغذى من خلال الذاكرة والتراث والماضي، ماضٍ يُهمّش الواقع، ويُحوّل كلّ الأمور كُلّما اشتدت من خلال فهمه المتواضع إلى ملاذٍ نفسي يعيش حالة التقهقر على الدوام.
والخروج الوحيد من هذه البوتقة يشترط التمكّن من إعادة ترتيب أولويات العلاقة البيانية بين الواقع والذاكرة، كي نستطيع تحرير الذاكرة أو الماضي من واقعه المُنزّه، وتحويله إلى مادةٍ للحوار والنقد والتحليل، بعيداً عن الأحلام المتشبث بها.
لذا أن الوعي العربي يعيش فعلاً حالةً من الانشطار والتمزّق في شكلٍ من أشكال التردّي، وعلى جناحي هذا الانشطار هناك من يعمل على إنتاج هذا الانشطار والتمزق من جديد وبشكلٍ مستمر،
ومن خلال خطابٍ يستبسل في الدفاع عن التراث بوصفه حقيقة فوق الزمان والمكان، ليبقى الماضي شكلٌ من أشكال اليقين الذي يفرض نفسه كخيارٍ وحيدٍ بعيداً عن أي مُساءلة، ومن خلال خطابٍ ينتج ويبتكر خطاباً مختلفاً عبر النقد للفكرِ وللعقل، ويُمارس هذا المنحى بطريقةٍ عقيمة تسقط الماضي بمجمله ويلغيه.
من هنا نرى أن كلا الطرفين مع إختلاف وجهات النظر، يبتعد عن النهج النقدي الحقيقي والفاعل الذي يستدعي بالضرورة شجاعة الفهم والإدراك، وقدرة التفحّص والنقد والتأويل الحكيم.
ونستنتج أن كلاهما ابتعد عن النقد الخلاّق، بل يسعيان من حيث الدراية أو عدمها، في العمل على شلل الوعي، والأخذ به إلى جدالٍ عقيم، حيثُ يتلاشى الأفق العقلاني، وكلاهما يأخذ بالاختلاف إلى ساحةِ المواجهة، وبالنقد إلى تقهقر، وليس إلى معرفةٍ أو نهضة.
مع الأسف لقد ارتدى الوعي العربي وعبر مسيرته التاريخية المليئة بكمٍ من التناقضات والتراكمات الثقافية والفكرية والتاريخية، عباءة نفي الآخر وعلى مختلف الأصعدة، إن كان على الصعيد المذهبي أو القومي أو الديني، أو حتّى على الصعيد الإيديولوجي، وهذا الواقع قد أخذ هذا المنحى بسبب العقل المنغلق والفكر المتقوقع المغلق، الذي يختصر مقولة " نحن الأنقياء وهم الشياطين ".
من خلال هذا التصوّر تتوقّف لغة الحوار، وينعدم فهم الآخر، بل ينتشر مفهوم نفي الآخر، وتنتشر وتتوسع دائرة الإقصاء، لتشمل القريب كما البعيد، ويتلاشى الأفق المنفتح، كما يذوب مفهوم التفاعل والتجديد عند الهوية.
وفي هذه الحالة لا بُدّ من إنتشار الوباء المعرفي ذو الجذور العميقة، وتنعدم الثقة، ويتصاعد الخوف من الأخر المختلف، وبالتالي تتقوقع الهوية لتحمي نفسها ليس إلاّ، حتّى ولو كان الثمن وضع فهم الآخر جانباً.
وأيّاً كانت الأمور، فلا ينبغي أن نُغلق أزماتنا أو نحوّلها إلى شمّاعة الآخر.
فلا بُدّ من بناءِ فضاءٍ رحب، يتميّز بالتعددية والاختلاف كي تُتيح هذا الفضاء للعقل العربي أن يتنفّس بعيداً عن أي سطوةٍ تتحكّم به.
إنّ أزمة الوعي العربي أبداً لا تتمثّل في حداثة الآخر، أو وصول العالم إلى منظوماتٍ معرفية دائمة التجديد، بل في تركيبة عقلٍ لم يستطع أن يتجاوز صدمة النكسة، ولا تلكؤ المشروع القومي، ولا التردد المخيف من التغيير.
لذا إنّ الزمن العربي سيبقى مُنهكاً بالعقبات الداخلية، إن كانت أزمات سياسية، أو تحجّر فكري، وشرخٍ أيديولوجي.
إنّ العقل العربي شئنا أم أبينا يعيش مُفارقاتٍ لا تمس ولا تنتمي إلى الواقع بأية صلة، فهو مُثقلٌ بتراثٍ مُنهك، ويطمح إلى حداثةٍ تفتقد الممارسة النقدية المزدوجة، نقد التراث من جهة، ونقد الحداثة الغربية من جهةٍ أخرى، كي لا نكون أسرى لهذا الطرف أو ذاك، والنهضة القومية بمجملها تتعلق بهذا المنهج، فهي معركةٌ ترتبط بحاضرنا بين وعيٍ يرتبط مع الماضي ويستمد منه إيجابياته، و وعيٍ يطمح نحو أفقٍ واسع لمستقبلٍ أفضل.
إنها قضية تؤرق العقل العربي، والفكر العربي حول نهضتنا، حيثُ أنّ أزمة التعليم منتشرة وسائدة، وغياب العقل النقدي، والاستلاب الثقافي، حتّى وفشل الدولة الوطنية في صناعة أو تأسيس أي مشروع حداثي حكيم ومتماسك، وترسيخه بشكلٍ جذري.
إنّ الفكر الفلسفي يُركّز على أهمية الحوار كوسيلةٍ نشطة للتواصل الإنساني، والتعامل والتفاعل مع كلّ جوانب هذا التواصل، حيثُ أنّ الحوار بحدِ ذاته هو من أساسيات الفلسفة، كوسيلةٍ، ومنهجٍ للتعبير عن الأفكار والمفاهيم المختلفة، كما يؤدي إلى فهمٍ أعمق للموضوعات المطروحة، حيثُ أنّ الحوار بجوهره هو وسيلة للتعلّم والتطوّر الفكري، والسمو بالأفكار بشكلٍ عام.
يبقى الحوار النقدي، بل الحوار الفلسفي النقدي ركيزة أساسية في الفلسفة العربية المعاصرة، فهكذا حوار يُساهم في تحليل وتقييم المفاهيم والأفكار، وتقييم الأطروحات الفلسفية، والكشف عن التأثيرات الثقافية والتاريخية على الفكر الفلسفي العربي.
حيثُ أنّ الحوار الفلسفي، والفكر الفلسفي يلعب دوراً كبيراً وبارزاً في تطوير المجتمع، وقد يؤدي بالضرورة إلى تعزيز أشكال التعايش والتعاون، وبناء أرضيةٍ مشتركة لكافةِ أطياف ومُكوّنات المجتمع، والحفاظ على حقوق الناس ومصالحهم، وتنشيط المشهد الثقافي والفكري.
لذا من الأهمية بمكان تعزيز السُبل التي من شأنها تحرير الفلسفة العربية من قيود التبعية والسلفية، وهذه الأهمية تأتي نظراً لاهتمام الشباب العربي بالتغيير بمجمله، بغضِ النظر إن كان سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، نحو الرقي والتطور والسمو للبلاد وللإنسان.
ولا بُدّ لنا إلاّ أن نُعرّج في دراستنا هذه إلى أن اللغة العربية عرفت التأسيس المدرسي الذي تُمثّله مدرسة البصرية من خلال التزامها بالقياس المنطقي في استنباط أحكام النحو، بينما ومن جانبٍ آخر تميّزت مدرسة الكوفة باعتمادها إلى كلام أهل البادية لتأخذ منه قواعدها النحوية، كي تحمي الأصالة في هذه اللغة.
هذا الشكل المعرفي شكّل محور الصراع بين البنية الفكرية البيانية، والبنية الفكرية البرهانية.
وكانت مقاربة الفارابي مناصرة للاشتغال باللغة بمقدار الإقبال على علم المنطق، وهذه المقاربة هي التي حققت التقارب بين العلوم الأصلية والأخرى الدخيلة.
حيث أن العقل البياني يعتمد على التراث الفقهي والأصولي، أمّا العقل البرهاني فهو نموذج للعقلانية البرهانية، آخذين بعين الاعتبار أن العقل البرهاني انطلق من المغرب، مع ابن ماجه، وابن رشد بشكلٍ خاص.
إنّ الانعزال عن الواقع وعن المجتمع وعن التطور والعصر، يؤدّي لا محالة إلى توهّج التراث الذي يُهيمن بانجازاته على حاضر المثقف العربي، وبشكلٍ تلقائي يجرّه إلى الامتثال والقبول بالأمر الواقع طوعاً، والتمتع بإنجازات الماضي والقائمين عليه.
إنّ نواة الإبداع بأحلى صوره تنمو في حياة المثقف، حينها يبدأ التفاعل مع قضايا عصره وعلومه بشكلٍ حكيمٍ ومدروس.
حينها يبدأ هذا التفاعل بعملية نقد الواقع فنّياً وثقافياً ومعرفياً، فتتولّد عند المثقف ذاته عملية الإبداع في توليد المعرفة الجديدة المبدعة وبكلِ سمو.
حيث أنّ المثقف الذي يضع بينه وبين التفاعل الإيجابي حاجزاً، بكلِ تأكيد لا ولن يُباشر بأي فعلٍ له علاقة بالإبداع خلال حياته الثقافية والعلمية، لأن الحواجز والمطبّات حالت بينه وبين الشموخ والإبداع.
إنّ حيوية إثبات الذات عند المثقف في العصر، هي الأساس المعرفي والمادي لعملية الإبداع في كلّ مستوياتها المعرفية.
مع الأسف تقهقر العقل العربي، وضاعت الثوابت مع الوعي الثقافي العربي، وكأن حركة التاريخ توقّفت عندنا، ولم يعد بإمكاننا مواكبته، فهل نستمر على ثوابتنا وقيمنا، أم نرضخ لكل الأجندات الأجنبية، ونتحالف مع الصهيونية لمقاومة العنف والتطرف، وبالتالي تحقيق مصالحها ومخططاتها في الإقليم ؟.
هناك شرخٌ وفصام في شخصية الإنسان العربي، بين تاريخٍ يفرح به، وواقعٍ لا يمكنه التكيّف معه.
ولأن الإنسان العربي استحالت عنده الرؤية العامة لتاريخه وواقعه، وللعالم من حوله، إرتدّ على نفسه، محاولاً حلّ مشاكله، ومقاومة القهر والفقر الذي يعاني منه، ساعياً كي يكون سعيداً لو استطاع تأمين معيشته وإطعام أطفاله وتأمين مسكنه على الأقل.
إنّ سياسة القمع والتهميش التي تُمارسها الأنظمة العربية لعبت دوراً كبيراً في تقزيم الفرد العربي، وفي تغييب الفكر القومي الذي كان يربط الأقطار العربية ببعضها، ويجمع المجتمعات العربية بكلِ ود، ولكن وللأسف أصبحت مجتمعاتنا مضطهدة، والإنسان فيها مُجرد من الحقوق.
هذا الواقع هو الذي زرع ويزرع اليأس في الوعي العربي، ويصيبه بالإحباط والتشاؤم، فقط بالنهج الديمقراطي السوي، والعمل بسياسة التعددية وحقوق الإنسان، وبتحرير العقل والفكر العربي، يمكن أن يُزهر الإبداع والاجتهاد، وإعادة صياغة الحلم العربي.
آخذين بعين الإعتبار بأنه لا يوجد في العالم كلّه وطنٌ شبيه بالوطن العربي يملك كمّاً هائلاً في صنوف الإبداع، إن كان في الشعر أو المسرح، أو الرواية والموسيقى والبناء، وفي مختلف الفنون الأخرى.
صحيح أن هناك معارضات عربية لا تزال تطالب بالخيار الديمقراطي، وتأمين انتخابات نزيهة وحرّة، وتوفير العمل وفق سياسة ومبادئ حقوق الإنسان، وحماية الإعلام والصحافة، وبتر الفساد المتفشي في كل مكان وحيتانه، وصياغة قانون فوق الجميع، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ومواجهة التفتت والتشرذم إن كان على مستوى القطر الواحد، أو على مستوى الأمّة.
كثيرون تحدّثوا وكتبوا حول أزمة الفكر العربي، وأزمة الوعي العربي، وأزمة الواقع العربي المتردي، ويتساءلون عن المشروع القومي العربي، والشعور والانتماء العربي المشترك، وعن الهدف والمصير.
إنّ هذا الواقع بالفعل هو جزء من كل، حيث أن الموقف الحضاري ومن خلال التاريخ، وضع العربي بين الماضي والمستقبل، بين تراثهم وما بعد ذلك، وبشكلٍ أعم أن التاريخ وضعهم على حافة أضلاع هرمٍ ثلاثي، بين تراثهم وتراث غيرهم والواقع العربي، هذا الواقع المنهك بالموروث القديم، والوافد أو الغزو الغربي.
وبنفس الوقت يُعاني العربي من الفقر والكبت والإحباط الناتج عن الأنظمة السياسية وشتّى أنماط السلطة في المجتمع.
وهذا ممّا جعل علاقة العرب مع الآخر علاقة غير سوية، حيث أن الآخر يُبدع ونحن ننقل عنه، والآخر يُنتج ونحن نستهلك، والآخر يفرض علينا ونحن ننفّذ، ويبقى العربي هو التابع والتلميذ الذي لا يشذّ عن طلبات أسياده.
وتكبر الهوّة بيننا وبينهم، ونحن نلهث لا نستطيع اللحاق بهم، حتّى نُصاب بصدمةٍ لا صحوة بعدها، لنصبح بعد ذلك مُجرد قطعةٍ تراثية وأثرية في زاويةٍ صغيرة في متحف التاريخ.
ورغم محاولات حكماء الفكر العربي بمختلف توجهاتهم، إلاّ أنهم لم يتوصّلوا إلى بلورة الوعي التاريخي العربي، الدول بشكلٍ عام ورثت تمزّق دول الخلافة، وبعد الحرب الأولى ورثت تركة العثمانيين والإحتلال الأوروبي، وجاءت بعد ذلك حركات التحرر ومن ثُمّ الاستقلال، وتبقى أي دولةٍ عربية هي وريثة هذا التاريخ، ولا تحمل أي شرعية أخرى.
وأيضاً حينما نفكر بالدولة القومية، نرى أن فكرتها جاءت كردةِ فعل على القوميات الأخرى ليس إلاّ، بعيدة عن جذور متأصّلة في الإنسان العربي.
العرب وفق تاريخهم لم يُمارسوا العداء للحضارات الأخرى، على العكس تماماً نرى أن الجزيرة العربية على سبيل المثال وليس الحصر، كانت منفتحة تماماً أمام الثقافات الأخرى، مثل النصرانية والحبشية واليهودية والفارسية، وكانت وبشكلٍ طبيعي هناك تعددية ثقافية، بعيداً عن أي صدام مع آخر، بل كانت الثقافة العربية هي القاسم المشترك بين الجميع، مثل العادات والتقاليد والقيم.
أمّا الآن ولأن الخوف يسكننا، فإننا فاشلون بأبسط أشكال الإبداع، ولأننا موجودون ضمن محيط فقيرٍ، ويفتقر الدعم، ولذلك فإننا سنبقى في مكاننا جامدون. لأن الإبداع يحتاج إلى دعمٍ معنوي ومادي، ويحتاج إلى مناخٍ ديمقراطي لا يتعامل مع القمع والتهميش، سياسته تقوم على المساواة والتعايش مع كافة مكونات المجتمع.
إن التحجّر والاعتماد على كل ما هو قديم في المناخ الاجتماعي العام، وعدم الاستجابة للعصر الحديث وتغيراته المختلفة، من شأنه وبشكلٍ مباشر بتر كل أشكال الابتكار والإبداع، حيث لا بُدّ من وضع استراتيجيات جديدة ومختلفة، وتوظيف وتحكيم العقل والعلم، والانفتاح وعدم التقوقع، وتوفير رؤية سليمة لنا ولغيرنا الآخر، بعيدة كل البعد عن التطرف أو التعصّب العرقي أو المذهبي، ولا بُدّ من المرونة والسلاسة لتأمين المسار السليم.
كي يستطيع الإنسان التعامل معها في الزمن الحديث، لضمان الوعي الفكري، والوعي النقدي في أبهى صوره.
والجميع يدرك أن الوعي النقدي ليس سلعة مستوردة أو مسبق الصنع، وليس مجرد كلمة عابرة، بل هو درب طويل ومتكامل، وخطواته الأولى هي التساؤل، لأن كل شيء يجب أن يتعرض للسؤال والنقد، بهدف التوصّل لمفهومٍ عميق يُنصف و ينهض بالإنسان وبالمجتمع.
وهنا تتبلور المسؤولية الإنسانية والبعد الأخلاقي، التي تُحافظ على الوعي النقدي وتمنعه من الانزلاق إلى مطبّاتٍ لا تليق بمفهوم المسؤولية، الذي هو أداة بناء بعيداً عن الهدم والفوضى.
وهذه المسؤولية، وهذا البعد الأخلاقي الذي يرتبط بشكلٍ حي بالواقع المُعاش، والذي لا ينبثق من المثاليات العارية، بل يتناول كلّ الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية بكلّ جرأةٍ ومصداقية وتفحّص، ويتناول معها كل تساؤل وحوار بدلاً من أن يهمّشها، وبذلك يكون فاعلاً ومنخرطاً في أعماق جذور التاريخ.
وهذا الوعي لا يكتمل إلاّ بالتحرر من كل الأشكال والأمور التي تغلق العقول، وتُقيّد حرية التعبير، والتحرر من كلّ أشكال استلاب السلطة التي تخنق صوت الإنسان، وتُصادر رأيه وحقّه، والتحرر من قيود الماضي حينما تتحوّل إلى جلادٍ يُكبّل حرية التعبير وحرية التفكير، ويمنع الواقع من الإبداع نحو مستقبلٍ منفتح.
نعم بهذه الحالة يُصبح الوعي النقدي مشروع تحررٍ ذو معنى، مشروع يوازن بين المسار والمسؤولية، وبين الواقع والمستقبل، والوفاء للأصول والانفتاح على الآخر، وتجاوز كلّ السلبيات والأخذ بكلّ مسارٍ إيجابي.
لأننا إذا بقينا بعيداً عن مفهوم الوعي النقدي، ونقد الفكر العربي، هذا يعني بأننا سنبقى كما نحن، والمجتمع مُحاصر بدائرةٍ مغلقة، والفقر والتخلف سيعيد إنتاج نفسه، والاستبداد سيبقى يتغذّى على القهر والقمع والخضوع، والثقافة ستبقى تُكرّر نفسها، بدون أي استطاعة على مواجهة التحديات أو التجديد، وبالتالي بدون أي قدرة على صناعة المستقبل.
لذا لا بُدّ من تلازم الوعي النقدي والخطاب الديني، مع ضرورة تحرير الخطاب الديني كي لا يفقد قدرته على أن يكون قوّة بنّاءة، ومن نشر الثقافة العلمية لأنها أداة لفهم العالم، ومن خلق مناخٍ يتلاءم مع الحوار الحر، لأنه يستحيل بناء وعيٍ نقدي حقيقي بدون حرية التعبير، ومن ربط الفكر مع الفعل، ليكون شريكاً أساسياً في التغيير، وفاعلاً في رسم الخط البياني للمستقبل.
وبهذه الحالة يصبح الوعي النقدي مشروع حضاري متكامل، ويؤسّس لمجتمعٍ أكثر حرية وعدلاً وحيوية وإبداعاً.
أي عملية بناء يجب أن تُكلّل بالمسؤولية، ولكي تكون المسؤولية مثالاً يُحتذى به، يجب أن تتحلّى بالنقاء والمسار الأخلاقي، كي يكون المرء مسؤولاً أخلاقياً عن أي شيء يُعتبر مرفوضاً عند الآخرين.
فالمسؤولية هنا فصيلٌ أساسي من تكوين النفس البشرية، ولكي أكون مسؤولاً عن عملٍ قمت به، يجب أن أتحلّى بالوعي والإدراك لما قمت به، بمعنى أن المسؤولية هنا ترتبط ارتباطاً مباشراً بالوعي، ومن خلال هذا الوعي نستطيع أن نُقيّم الفعل، حينها نستطيع أن نقول أن هذه المسؤولية هي نظيفة أخلاقياً، بمعنى أنها تخلو من المحسوبيات أو الأنانية والمكاسب الشخصية.
بينما في عالمنا العربي ينتشر مفهوم المسؤولية في كلّ مكان، لكنها مسؤولية مليئة بالفساد والانتهازية والبيروقراطية، بغض النظر إن كانت هذه المسؤولية هي سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وثقافية.
مع الأسف إن مجتمعنا العربي عارٍ عن أي مفهومٍ للوعي السياسي أو الثقافي أو الديني والاجتماعي، لذلك من الطبيعي أن نرى كلّ سلبيات الحياة تُعشّعش في أركان المؤسسات بمجملها وعلى اختلاف مهامها.
وسيظل الإنسان العربي يُعاني ما دامت نظافة المسؤولية خالية من السلوك الشخصي الأخلاقي المُمارس.
الجميع يدرك ويتابع بأن هناك ثمة مخاطر عديدة داخلية وخارجية تُهدد الواقع العربي، وتُهدد أي مشروعٍ عربي مستقبلي، ومن الطبيعي أن يتصدّى لهكذا مخاطر وفي المقام الأول المفكرون والمثقفون العرب، وأن يُمارسوا دورهم التوعوي وأن يتحمّلوا مسؤولية النهوض بالأوطان وبالأمّة والإنسان العربي.
ولكن مع الأسف هذا لم يتوفر في الميدان في وقتنا الراهن، وعندما نتساءل، تأتينا الردود بأن المسؤولية الاجتماعية لدينا مبتورة، لأن الوعي الأخلاقي مُشوّه.
حيث أن الوعي الأخلاقي مُتلازمٌ مع المسؤولية الاجتماعية، بهدف تحسين حياة الأفراد في المجتمع، والسمو بقيم الإنسان لأنه واجهة أساسية لها، وتضعه في محور اهتماماتها وفي المقام الأول، بحيث يكون الوعي الأخلاقي والمسؤولية الاجتماعية وتحسين شتّى مناحي الحياة، والدفاع عن قيم الوطن وسيادته وعن الإنسان، ضمن علاقةٍ قوية ومتماسكة ومتلازمة.
إنّ محاربة الفقر والقمع، وتحسين المستوى المعيشي للمواطن وتحسين كافة أنواع الخدمات للإنسان الفرد، وخلق فرص عمل، والعمل على تعظيم الأثر الإيجابي، وبتر التأثيرات السلبية قدر الإمكان بالمجتمع. جميعها تُعتبر من أولويات المسؤولية الاجتماعية، التي يجب أن يترافق معها الوعي الأخلاقي، الذي يلتزم بالضرورة بمعايير شتى، تُحدد ما هو عادل، وما هو سليم، ويلتزم بالنزاهة والكرامة والثقة، والعدل مع الآخرين، والسلوك الأخلاقي، والسعي المستمر لتطوير الذات أخلاقياً، ومساعدة الشباب لتحويل أفكارهم الإبداعية إلى واقع.
وبدون هذا الوعي، فإننا نفتقد معنى المسؤولية الاجتماعية قولاً واحداً.
الفيلسوف " إريك فايل " وحول العقل هو أساس الوعي الأخلاقي، يقول:
" إن العقل هو أساس الوعي الأخلاقي، فمتى إنحاز الإنسان إلى العقل، يكون بذلك قد أسّس للواجب الأخلاقي، وإتخاذ موقف أو الميل إلى رأي أو تبنّي فكرة وفق مبدأ أخلاقي، هو في جوهره فعلٌ أخلاقي، فالإنسان مدعو إلى تغليب جوانبه العقلية على نزواته وأهوائه الغريزية، وكذلك إعطاء الأولوية للمصلحة العامة والكونية على حساب المصلحة الخاصة، حتى يكون فعله فعلاً أخلاقياً، فعلاقة العقل بالوعي الأخلاقي هي علاقة وجود وتضمّن ".
كُثرٌ هم الذين يُحاولون التهرّب من مسؤولياتهم من خلال تبرير المواقف والأحداث، لأنهم لا يرغبون بتحمّل مسؤولية التغيير، آخذين بعين الاعتبار أن هناك أنظمة دول عربية بمجملها تتهرب من مواقفها ومن مسؤولياتها وتتنصّل من ردودها، من خلال سياسة التبرير، الذي يعتبر وسيلة دفاعية يلجأ إليها الشخص بهدف إيجاد أعذارٍ لتصرفاته أو مشاعره أو أفكاره، بدلاً من مواجهة الأسباب بكلِ جرأةٍ وحكمة، أو الإعتراف بالخطأ.
التبرير هو محاولة لإقناع النفس بأن ما تمّ فعله هو مُبرر، وبالتالي محاولة إقناع الآخرين بذلك.
فعندما نُبرّر أفعالنا نحن بواقع الحال نتجنّب تحمّل المسؤولية ونتائجها، وبالتالي هذا الواقع يمنعنا من التعلّم من أخطائنا، والتطوّر والنمو والتغيير نحو الأفضل، لأن التغيير قولاً واحداً هو تحمّل المسؤولية، والرغبة في التطوّر والتحسّن نحو الأمثل.
كما أن التبرير يتركنا في حالةٍ من الجمود، لأننا غير مُضطرين لمواجهة الواقع بحيثياته، وهذا الواقع يحول بيننا وبين القدرة على التكيّف مع ظروفِ التغيير مع إكتساب مهاراتٍ وإبداعات جديدة ومختلفة، وتوسيع الأفق أمامنا.
إنّ التغيير هو ركنٌ أساسي من السمو الشخصي والرقي، وبدونه نعيق ونحجب أي تقدم لنا، لنبقى في حالة الركود التي تملّكتنا.
فعندما يرتقي المواطن، يرتقي معه المجتمع، والوطن، وترتقي الأمّة بمجملها، حينها تكون حريصة على نهضتها، واستقلالها الوطني والقومي.
كلّ أمّةٍ معرّضة للانتكاسة، في أي لحظةٍ تاريخية من عمرها، فتتلاشى فيها روح الإبداع، وتتوقّف حركتها إلى الأمام، بعد أن كان لها دوراً في صناعة الحضارة بين الأمم، تماماً هذا ما حصل لأمتنا العربية.
ولعل الصدمة المؤلمة التي أصابت الأمة ومشروعها النهضوي هي نكسة 1967، ومن ثمّ جاء احتلال العراق عام 2003، وقبل هذه المنعطفات أو الإنحدار الذي أصاب الأمّة، كانت الأمّة قد مرّت في عدة مشاريع إصلاحية، منها المشروع النهضوي الإصلاحي في القرن التاسع عشر، ومن ثُمّ الفكر القومي المعاصر قبيل منتصف القرن الماضي، ومن ثُم مشروع عبد الناصر القومي في منتصف القرن الماضي، وكان من الطبيعي أن تتطلّع الأمّة إلى مشروعٍ نهضوي فاعل بعد النكسات التي مرّت بها، كي تُكمل مسيرتها مع حركة التاريخ، وتتعامل مع التطور المعاصر وتحولاته.
لقد تعرّضت المنطقة إلى تداعياتٍ عسكرية وسياسية متكررة، وعكست ظواهر سلبية وخطيرة سياسياً، حيث تلاشت الثوابت والقيم والحقوق، وأصبحت التبعية هي السياسة المعمول بها، لدرجة أن حكّام المنطقة يتم اختيارهم من قوى خارجية، ويتم دعمهم من خلال الكرسي الممنوح لهم والذي تملّكهم، لتمرير أجندات ومصالح دولٍ أجنبية، والتشبث بالكلام المعسول للولايات المتحدة، الذي يروم إلى تدمير وتفتيت المنطقة برمّتها، وإبقاء العدو الصهيوني هو الأقوى في الميدان والمتحكّم بمصيرها، تدمّرت السودان، وليبيا، واليمن والعراق وسورية ولبنان، والمخطط قادم إلى السعودية ومصر والأردن، والحكّام العرب يُدركون الواقع، وينتظرون دورهم بكل غباءٍ أبله.
انتشرت البطالة والفقر، والعنف الاجتماعي والسياسي، والتطرف، وتبعثرت القيم، تفككت الأسرة والنظام التعليمي والتربوي في البلاد، وساد إنعدام الحريات وحقوق الإنسان، وعمّت سياسات التسلّط على الحياة السياسية العربية، وأصبحت قوى الأمن والمخابرات هي المتنفّذة في كلّ شيء حتّى الشؤون العامة، وتم انتهاك الدستور والقانون بعد أن كان فوق الجميع، وأصبح يُداس على أرصفة الطرقات، حتّى الإعلام والصحافة تحوّلت إلى مؤسسات خرساء لا تنطق إلاّ بما يُملى عليها، وتحوّلت الدول إلى مزارع تُعتبر من أملاك الحاكم، مع ضمان التوريث السياسي لأفراد عائلته.
مع الأسف لم يعد هناك على الساحةِ العربية المترامية الأطراف حياة سياسية، حيث تم احتكارها في مراكز القرار، وفي بعض العائلات والطوائف المتنفّذة، وتحوّلت إلى سياسة قمعٍ وتسلط واستبداد.
نعم كانت هناك محاولات في القرن الماضي من أجل النهوض في مشاريع النهضة القومية العربية، إلاّ أنها فشلت، ولكي تستمر هذه المحاولات، علينا أن ندرس جيداً التجارب السابقة تاريخياً، ورفض النظرة التشاؤمية، لنبدأ بمشروعٍ نهضوي جديد يُتابع التجارب السابقة من خلال النقد البنّاء لمجملِ الأسباب أو العوامل التي أدّت إلى إخفاق التجارب السابقة.
ولعلّ من أهم أسباب فشل تجارب النهضة العربية السابقة، هي مجابهة القوى الإمبريالية والصهيونية لهذه التجارب، وتحقيق ضربات عسكرية متلاحقةٍ للإقليم، حرب 1956، حرب 1967، وتحقيق الانفصال بين مصر وسورية عام 1961، ومن الأسباب أيضاً غياب الديمقراطية وبالتالي استبعاد عدة قطاعاتٍ من الشعب للمشاركة السياسية، والعمل على تمجيد الزعيم، وغياب نظام المؤسسات، وارتباط عدد من القوى المضادة مع أمريكا والصهيونية وسواها بهدف الانقضاض على أي مشروعٍ نهضوي، والعمل على التطبيع مع إسرائيل، وتضارب المشروع النهضوي الناصري في المنطقة، ونشوء صراعات بينه وبين قوى الإسلام السياسي من جهة، ومن جهةٍ أخرى مع قوى اليسار، وكان من المفروض أن يتضمّن ويشمل هكذا مشروع تحالف واسع يضم كافة مكوّنات القوى والفعاليات السياسية ذات التمثيل الأصيل.
لذلك نرى أن الصهيونية وأمريكا تتربّص وتترصّد كل المحاولات العربية للنهضة، بهدف إسقاطها قبل أن تنطلق، من خلال كلّ الوسائل المتاحة وأيّاً كانت.
علينا الآن أن لا نيأس، وأن نستفيد من تجاربنا السابقة، وأي مشروعٍ نهضوي قادم تتطلّع إليه الأمّة، علينا أن نرى مستقبلنا بكلِ وضوح من خلاله، وأن نرى دورنا كأمّةٍ لها رصيد تاريخي ويُناسب صورة الأمّة.
نحن ندرك أن الأمّة تعاني من التأخر التاريخي والترهّل الشديد، والتخلف، ورؤيتها مشوّهة، من خلال كل المطبات التي انعكست عليها، وحينما تكون الأمة على هذه الحال، معنى ذلك أنها بأمسّ الحاجة إلى بوصلةٍ سليمةٍ تهتدي إليها وترشدها إلى المسار السليم، نحو مشروع نهضوي شامل واستراتيجي.
وأي مشروع نهضوي تطمح إليه، يجب أن يكون فعلاً كمنظومةٍ متشابكة، من خلال مجموعةٍ من الأهداف المترابطة والتي لا تقبل العزل أو الفصل، والنظر إلى كلّ الأهداف بعينٍ واحدة، بعيداً عن تمييز هدفٍ على آخر.
فهل تستطيع الأمة وقواها السياسية والاجتماعية والثقافية الفاعلة قبول هذا التحدي. إنها معركة مصير، جوهرها تحقيق المشروع النهضوي العربي وأهدافه التاريخية، مستلهمة تراثها الحضاري، وتراكمات التاريخ، والواقع المُعاش، إنها رؤية واضحة تُوضع أمام الأمّة لتحقيق الهدف المنشود.
وأمام الأمّة خيارولا بُدّ منه، عليها أن تنهض وتنفض عنها حالة العجز والتخلف والتقهقر، أو عليها الاستعداد لمزيدٍ من التمزّق والاستعداد لإعلان رحيل الأمّة ومشروعها النهضوي.
إن مشروع النهضة هو واجبٌ وفريضة، وبدون ذلك تردٍ وسقوط إلى أعماق الهاوية، حيث أن المستقبل النهضوي هو الوحيد الذي يحمي الأمّة وجماهيرها الواعية.
إن الفكر العربي وُجد من أجل نصرة المواطن، وتبنّي قضاياه، وهو يعمل بكل السبل المشروعة والمسارات التنموية المتاحة لتجسيد ذلك الالتزام الراسخ والأصيل الذي انطلق من أجله.
علينا أن ندرك ونعي بضرورة نشر فكر المشروع النهضوي القومي العربي بين أوساط الشباب، والتركيز على مفهوم الوعي ومشروع النهضة في كل نشاطات الشباب الذين ننظر إليهم على أنهم الرصيد الأساسي لاستمرار النهج السليم في المستقبل.
إن النهضة العربية لا يمكن أن تبدأ من خلال استعادة الماضي، أو من خلال إلغاء الآخر، فكلاهما مرفوض، والسبيل الوحيد هو العمل على تأسيس وعيٍ نقدي داخلي لديه الحكمة والقدرة الكافية على إعادة صياغة العلاقة بالمعرفة والتاريخ والهوية، وبالتالي إنتاج عقلٍ عربي جديد، يتمتع بالحرية والتجديد، وقادر على مواجهة كل المطبات بوعيٍ عميق، وثقة معرفية محّضة، كي تبقى الثقافة العربية مجالاً واسعاً للحوار والتطور والإبداع، بعيداً كلّ البعد عن أشكال الإقصاء أو الانعزال أو التهميش.
إن المشروع النهضوي العربي ليس هندسة وراثية، بل جملة مواقف واضحة وصادقة، وجهد كبير لمجموعةٍ أقسمت أن تُخلص للإنسان وللوطن وللأمّة.
***
د. أنور ساطع أصفري







