قراءات نقدية
كريم الوائلي: التماهى بين الإنسان والمكان قصة "الثعبان" لعلي الجعكي أنموذجا
اضاءة: تُعد القصة القصيرة من الأجناس الأدبية التي تميزت بقدرتها على تكثيف المعاني ودراسة عوالم نفسية واجتماعية معقدة ضمن فضاء سردي محدود، يعتمد على اختيار دقيق للزمان والمكان والشخصيات، وفي هذا السياق، تبرز قصة "الثعبان" للقاص علي محمد الجعكي بوصفها أنموذجًا سرديًا غنيًا يجمع بين البُعدين الواقعي والرمزي، ويقدم رؤية فريدة في استثمار المكان والزمان كشفرات تكشف عمق التحولات النفسية والجمالية للشخصية.
تسير القصة في فضاء مزدوج، زمن اليقظة وزمن الحلم، إذ تتفاعل الشخصية مع المكان — الحديقة التي تضم تمثالًا رخاميًا متجسدًا في تمثيل جسد أنثوي — بطريقة تتجاوز التمثيل الحسي لتصل إلى حالة من التماهى الحسي والروحي مع الجسد والتمثال، فتنتقل من حالة الانبهار إلى لحظات رغبة شبقية تمثلها رمزية الثعبان المتلوّي حول جسد التمثال، هذه الثنائية الزمنية ليست مجرد تقنية سردية، بل تعبير عن صراع داخلي بين الرغبة والحرمان، بين الحياة والجمود، بين الجسد الجامد والكيان المتحرّك.
إن المكان في القصة لا يكتفي بدور الخلفية الثابتة للأحداث، بل يتحول إلى شخصية فاعلة تتفاعل مع الشخصية الرئيسة وتؤثر فيها، ويبرز ذلك من خلال التمثال الذي يمثل الجمال والمثالية، والحديقة التي تحضنه، والمحطة والفندق كمظاهر للتحول وعدم الاستقرار، المكان هنا ليس مجرد فضاء مادي، بل فضاء نفسي وروحي يعكس مكنونات الذات وتوتراتها، ويتماهى مع إيقاع السرد المتنقل بين الوصف التفصيلي الهادئ في زمن اليقظة والإيقاع المتقطع والعنيف في زمن الحلم.
وتسلط الدراسة الضوء على الأسلوب الفني الذي اعتمده القاص، والذي يستند إلى تقنية المونتاج السينمائي، إذ تنتقل اللقطات بين تفاصيل التمثال، وفضاء الحديقة، وضوضاء المدينة، بأسلوب متوازن بين الوصف الدقيق والجمل القصيرة المكثفة التي تعكس تحولات الإيقاع النفسي، هذا الأسلوب لا يقتصر على استعراض المشاهد، بل يكشف عن وظيفة سردية مهمة، هي إخراج الداخل إلى الخارج، بوح الرغبات المكبوتة، وصراع الذات مع نفسها، وتجسد ذلك في رمزية الثعبان الذي يمثل الذكورة والحياة والرغبة، لكنه في الوقت ذاته يتسبب في تمزيق وتحطيم الشخصية.
تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك عناصر الزمان والمكان والشخصية في قصة "الثعبان"، وبيان كيف تتداخل هذه العناصر لتشكيل بناء سردي معقد ينقل القارئ من عالم الواقعية إلى عالم الرمزية والصوفية، ومن حالة الانبهار إلى حالة التمزق النفسي، كما تهدف الدراسة إلى إظهار كيف يمكن لتقنيات السرد والأسلوب الفني أن تعكس وتحلل البنية النفسية والاجتماعية للشخصية، وما يكتنفها من نزاعات داخلية، وما يحفزها من رغبات مكبوتة، حتى تصل إلى حالة التفتت الذاتي التي تبدو كغاية من القصة.
إنَّ هذه الدراسة لا تقف عند حدود تحليل سردي تقني، بل تمتد إلى فهم أعمق للدلالة الرمزية والجمالية في القصة، وتطرح تساؤلات حول العلاقة بين الإنسان ومحيطه، بين الرغبة والحرمان، وبين الجسد والروح، عبر موضوعة " ثيمة " التمثال والثعبان بوصفها رموزًا مركزية في النص.
***
الثعبان / بقلم: علي الجعكي
كثيرًا ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل.. أمعن النظر في لمعان تفاصيله.. في خطوطه ودقة صنعه.. في انعكاس الضوء على هيكله.. في شموخه بين الأغصان المرتعشة.. كل مساء أجدني منساقًا إلى تلك الحديقة التي تحضنه، كانت تقع في الشارع الخلفي لمحطة القطار الرئيسية، حيث أقطن فندقًا يعج بالمسافرين.. نافورة قديمة تتربع تحت قدمي التمثال الشاهق.. رذاذ الماء البارد يغسل القدمين الرخاميتين، ويندلق عبر القاعدة ليرجع إلى حوض النافورة.
تتناثر قطرات الماء إلى نعومة الساقين الجميلتين، وتتكسر مع شعاع القمر في شكل نقط ضوئية.. نهدان بكران يشمخان عاليًا.. كأن لبن الحياة يسري فيهما، ويقطر على البطن ليستقر في السرة المحفورة بدقة.. شعاع خاطف ينطلق من عينيه ليخترق أضلاعي.. زاويتا الفم الصغير تنفرجان عن بسمة تترك أثرًا غامضًا في نفسي.. تشقّ أخدودًا عميقًا في صدري.. لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أُقم أية رابطة مع الذين يترددون بشكل يومي على الحديقة.. كان بعضهم يتخذ من الكراسي الحجرية أسرّة لهم، يقضون الليالي الطويلة بين أحضانها، مع زجاجات الخمر وإلقاء السباب والشتائم على الحياة.. لكني كنت منشغلًا مع حُلمي الخرافي.. أعيش لحظاتي المتصوفة على طريقتي الخاصة.. مع خمرتي التي تنعشني.. تشعل حريقًا هائلًا في حطامي.. في هذا الجو الليلي مع الأضواء الشاحبة المنعكسة على الرخام.. كنت أعيش حالات ملونة من المتعة الوحشية التي تخترق صلادة الرخام.. إزميلها الحاد يمزقني بلذة، ينحت مسارب مجهولة بداخلي.. كنت أتألم دون أن أعرف لماذا.. أتأوه دون أن أفتح فمي.. أتقوّض كبنيان قديم تجتاحه مخلوقات أسطورية مدمرة.. عناكب هائلة تسكن زواياه المظلمة الرطبة.. لم أتناول عشائي هذه الليلة، بل دلفت إلى سريري بكامل ثيابي.. أنين مفصلات الأبواب، وصراخ المخمورين تختلط بجلبة السكان، والأحذية الثقيلة على درجات السلم الحجرية.. بخرير النافورة القديمة ورنين الصحون المعدنية تحت رذاذ الماء.. بزعيق السيارات تخترق الأسفلت بجنون، لترسم لوحة من الفسيفساء على طبلتي أذنيّ.. إبرٌ حادة تخترقني من كل أطرافي.. شواظ من النشاز يشعل جلدي.. يمزقني.. يفجر دمي.. يحملني عاليًا حتى السقف.. الوجه الصنمي بنظرته الخاطفة.. ببسمته الهادئة على جانب فمه يطل من وراء زجاج النافذة.. الشعاع الغامض يخترق ألواح الزجاج.. يحرقني.. يتغلغل عبر جسدي المحموم.. أتأرجح بين الأغصان.. بين ذراعي التمثال الصخري.. أتحول إلى ورقة مهترئة.. الجفاف يغزوني.. أصبح هشًا كالرمل.. كالرماد.. أنزلق حول الساقين الجميلتين.. حول النهدين.. أغوص في السرة المحفورة بنعومة.. الأوراق الطرية يحركها الهواء.. سريري يتأرجح كالموج.. مصباح الغرفة يرتفع إلى السماء.. يخبو.. يصبح كنجمة خافتة.. جلجلة الساعة الضخمة بالمحطة تخترق الكون.. توقظني من حالتي. الدقة الخامسة.. السادسة.. السابعة.. الزحام يحيطني من كل جانب.. أكتشف أني أسير حافيًا.. أترنح عبر الشارع برأس مثقل.. كانوا يسرعون.. يهرعون في اتجاهات مختلفة.. أسيل بينهم.. أتدحرج بفوضى عبر الشوارع المكتظة.. أصطدم ببعض الأجساد الرخوة.. الناعمة.. أعترض وجوهاً حليقة لامعة.. وأخرى مصبوغة تعبق بألوان طيفية.. أغرق في لجة اللحم الهائلة.. أنغرز بين الزوائد المتهدلة، المترجرجة.. بين القامات الشاهقة المرسومة بعناية. بين خضم اللون والروائح المختلفة أضيع.. أتوه.. أجدّف صوب نقطتي الوحيدة.. صوب المرفأ المتربع في عمق الحديقة.. أضرب الأمواج بلا كلل.. كانوا ينظرون في عينيّ ببرود.. إلى قدمي الحافيتين.. في اضطراب خطواتي.. أتعثر كالجريح.. كمن يصعد سلمًا لا نهاية له.. أنحدر عبر الشارع الجانبي المؤدي إلى الحديقة.. إلى المرفأ.. أجتاز البوابة المشرعة.. طريق النافورة يبدو دائريًا عبر الشجيرات المزهرة.. الطريق مغطاة بالحصى المبلل والأوراق الجافة.. رطوبة الصباح تنعش المكان.. تدثر الأوراق بضباب دخاني.. أتخذ نفس الوضع على حافة الحوض.. لا أهتم بالبلل. قبالتي الرخام الناصع، تغطيه غلالة شفافة من البخار.. الأقدام دائمًا مبللة. الرذاذ حول الساقين يتكسر وترجع قطراته إلى القاعدة.. البخار يتكاثف حول الصنم.. يتحول لونه إلى الرصاصي الداكن.. إلى غابة من الأصباغ.. أكتشف أنه يخرج من السرة وينتشر حول الجسد.. يلتف في حركة لولبية يتحول إلى جسم اسطواني لين.. تظهر بقع داكنة على جلده.. شقوق عميقة تظهر على القاعدة الصخرية.. حول القدمين العاريتين.. بريق العينين يزداد توهجاً.. تنطبق الشفاه بقوة.. ثعبان ضخم يتلوى حول النهدين.. يلتف حول العنق المرمري، عضلاته تنفر بقوة.. تجحظ العينان.. تتحرك القدم المحررة صوب النافورة.. يلتف الذيل الهائل حولها بقوة.. تتحطم الأضلاع تحت الضغط الرطب.. حشرجة مبحوحة تخرج من الشفاه المطبقة.. الرأس الوحشي يلعق الأنف، الأذنين.. الوجنتين الباردتين.. ينحدر إلى العنق فيغرز أنيابه في اللحم. في الرخام.. في الحنجرة الناتئة.. تصفر الحشرجة من خلالها.. ينبثق الدم من العنق.. يسيل عبر الصدر.. يرسم خطوطًا حمراء على الجسد الرخامي الأبيض.. ينسكب اللعاب الحارق إلى صدري.. إلى جوفي، فينتشر الحريق في كل مكان.. أتحول إلى كثيب من الجمر.. الجحيم اللاهث والفحيح.. العطش يشقق لساني.. يفتت لحمي كالطين المشوي.. أنكب على وجهي في الحوض.. أترنح تحت الماء.. أجدّف إلى النبع.. أمتلئ حتى الحافة، لكن الحرائق تشتعل بداخلي.. تحولني إلى رماد.. إلى كومة من الحجر المحروق.. إلى أطراف متفسخة تذوب تحت الرذاذ الرخامي الجميل.
***
الدراسة
إنّ عالم القصة عالم تخيلي، وهو عالم ناجز قبل شروع المتلقي في قراءته، ولكنه لا يتجسد ـــ في الحقيقة ـــ إلاّ عبر قراءته، ويمكن القول: أن عملية القص تكتنفها ثلاثة أركان جوهرية متداخلة: الزمان والمكان والشخصية، ولا يمكن أن يتجلى حضور الشخصية بعيدًا عن الزمان والمكان، كما أنّ الزمان لا يمكن له أن يكون حاضرًا بعيدًا عن مقابله المكان.
وإنّ تقنيات الزمان والمكان والشخصية لا تقتصر على عرض العالم المتخيل، وإنما تعرض بكيفية معينة رؤية القاص للعامل، وتكشف عن موقفه من الحياة،
يتشكّل المكان والزمان لا بوصفهما إطارين خارجيين للأحداث، بل بوصفهما عنصرين تعبيريين يحكمان تجربة الراوي وتُبنى عليهما بنيته الوجودية المضطربة. إن القصة لا تسعى إلى تقديم حكاية متسلسلة بقدر ما تنحو منحى الغوص في أعماق النفس المضطربة من خلال مكان رمزي وزمان مفكك، يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل، والتاريخي بالميتافيزيقي.
وفي هذه المجموعة القصصية " سرّ ما جرى للجد الكبير " للقاص علي محمد الجعكي يتبدى المكان بوصفه تقنية بالغة الأهمية تقتضي وقفة وتأملاً، وليس بالإمكان دراسة المكان في المجموعة بأسرها، لتعذر ذلك في هذا التقديم، غير إنَّ دراسة المكان في هذه القصة تقتضي الإشارة إلى أمور لها أهميتها.
يتجسد المكان في الأعمال القصصية بطريقتين:
الأولى: تقديم صورة حسية أمينة تعرض للمشهد الحسي الذي تتحرك فيه الشخصيات، بحيث يتوازى المكان أو يتجاور مع الشخصية، ولا يعدو أن يكون مجرد خلفية للشخصية وأحداثها.
والثانية: تقديم صورة المكان ليس بوصفه وجودًا مستقلًا عن الشخصية، ولكن حضوره منها وبها، بمعنى أنّ المكان يسهم في بلورة طبيعة الشخصية وعوالمها وتحديد رؤيتها وموقفها من الحياة، تمامًا كما أنّ الشخصية ـــ هي الأخرى ـــ تسهم في تحديد المكان وكيفية تأثيره في المتخيل، غير إنَّ الزمن ليس منفصلًا عن ذلك كله ولكنه يتفاعل معهما على نحو من الأنحاء.
لا يبدو المكان مجرد إطار للأحداث، بل يتخذ دورًا مركزيًا مزدوج الطابع واقعي في ظاهره، وأسطوري في جوهره، فالحديقة، الكائنة خلف محطة القطار، لا تبقى فضاءً طبيعيًا خاضعًا لقوانين العالم الخارجي، بل تنقلب إلى مشهد غرائبي تتداخل فيه الأشياء والكائنات، ويتماهى فيه الجماد مع الحياة، إن التمثال القائم في قلب الحديقة، والمشيد من الرخام، لا يُقدَّم بوصفه منحوتة صامتة، بل كيان متحول يتفاعل وجوديًا مع الراوي، ويغدو نقطة انبعاث شعوري وذهني عميق.
إنَّ اختيار موقع الحديقة خلف محطة القطار ليس عبثيًا، بل يعبّر عن حركة الانسحاب من الامتلاء الى الخوار ومن الهامش، إلى منطقة مشبعة بالعزلة والانقطاع، حيث يفقد العالم الخارجي حضوره الصاخب، وتحلّ مكانه كينونة تأملية غامضة، في هذه البقعة المخبَّأة، يتكرّر حضور الراوي، وكأنه يؤدي طقسًا يوميًا، كأنما يجتذب إلى قوة لا مرئية، حتى لتبدو الحديقة معبدًا والتمثال صنمًا معبودًا، هذا التمثل الطقوسي يتعزز بدور النافورة، التي لا تُختزل في بعدها الجمالي أو المعماري، بل تؤدي وظيفة حسية وروحية، إذ يرافق رذاذها مشهد التحديق بالجسد الرخامي، فتخلق لحظة تشبه التطهر قبل الدخول في تجربة الانخطاف الجمالي.
التمثال، من جهته، ليس عنصرًا زخرفيًا باردًا، بل هو محور الرؤية والتماهي، وعليه تتكثف مشاعر الراوي، من الانجذاب الحسي إلى الفناء الوجداني، لغة الوصف التي تلاحق تفاصيل الجسد الأنثوي – من النهدين إلى الساقين، مرورًا بالسرة – تتجاوز التصوير البصري لتلامس حالة من الذوبان، أو الانمحاء التدريجي أمام جمال متعالٍ على الإدراك، لكنه في الوقت نفسه يحمل نواة التحوّل إلى الرعب.
أما الزمان، فهو يتوزع بين ليل داخلي طويل وأزمنة خارجية متقطعة تظهر في صوت الساعة الذي يخترق الحلم في لحظة استيقاظ حادة، الليل هنا ليس فقط إطارًا للحدث، بل هو المناخ الوجودي الكامل للحالة، الليل بوصفه مجالًا للبوح، للشرود، للهذيان، وكلما تقدم الزمن الليلي، كلما زاد التماهي بين الراوي والتمثال، إلى أن يصبح الليل، في لحظة ما، زمناً باطنياً، يتخلى عن تحديداته الخارجية ليصبح زمنًا داخليًا، نفسياً، حلميًا.
صوت الساعة الذي يخترق الحلم، هو الزمن الواقعي الذي يفصل بين العالمين: عالم الحديقة/الصنم، وعالم المدينة/الحشود، لكنه زمن مؤلم، لأنه يعيد الراوي إلى واقع يعجّ بالفوضى، بجلبة الأحذية، بأجساد الغرباء، بالزحام، بالرائحة، والراوي، في لحظة التيه هذه، لا يعرف هل هو يحلم أم يعيش، هل هو في عالم مادي أم في كابوس جمالي، فالزمن الواقعي يُصَوّر كقاسٍ، مشوش، عبثي، أما الزمن الذي يقضيه أمام التمثال، فهو زمن ميتافيزيقي، يضجّ بالمعنى والغواية والانخطاف.
ولمّا كان من العسير تلخيص عمل أدبي، وخصوصا القصة القصيرة، لأنّ تلخيص العمل القصصي يعني أننا نتحدث عن الحكاية لا الحبكة، إذا علمنا أنّ الحبكة ــ كما يرى الشكليون الروس ــ " هي التنظيم الفني للأحداث التي تصنع قصة, إنّ الحبكة هي التي تنفرد وحدها بالخاصية الأدبية، أما الحكاية فهي مجرد مادة خام تنتظر يد الكاتب البارع الذي ينظمها " ، ولذلك فإنَّ حديثنا عن قصة "الثعبان " يقتضي التحرك على محوري: زمن اليقظة، وزمن الحلم.
إنّ زمن اليقظة يبدأ بعبارة " كثيراً ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل" وهي عبارة لافتة تؤكد إلفة الحدث وتكراره وكثرته، وتبرز الشخصية مؤدية وظيفة السرد، ومؤدية فعل الاختلاء بالتمثال، وكأن الوظيفتين القولية، السردية والاختلاء تؤديان عملاً طقوسياً عبادياً، أو دوراً تناسلياً خاصاً، أو كليهما معاً، إذ لا فاصل بين الطقوسية والتناسلية في هذه القصة.
إن القاص يؤكد عبر استنطاق شخصيته بقوله: " أمعن النظر في لمعان تفاصيله.. في خطوطه ودقة صنعه.. في انعكاس الضوء على هيكله.. في شموخه بين الأغصان المرتعشة ".
وإذا كان بجماليون يريد خلق جمال المرأة عبر تمثال يصنعه ثم تدبّ فيه الحياة كما تشير إلى ذلك الأسطورة فإنَّ القاص يعيد من جديد خلق أسطورة بجماليون وتمثاله العاجي بطريقة تناصية خاصة.
ويعرض القاص للمكان عبر الوصف المتناوب بين الجزئي والكلي، ولا يقدم ذلك كله مرة واحدة مستقلة عن تطور الشخصية ونموها النفسي والانفعالي، ويمكننا التحدث عن وصف المكان خارج الشخصية، بمعنى أنّ لكل من الشخصية والمكان وجوداً لا يؤثر أحدهما على الآخر، وإن كان هناك من تأثير فهو تأثير باهت ضعيف:
1. وصف التمثال وملامحه الخارجية:
(كثيراً ما كنت أختلي بهذا الجسد الرخامي الجميل.. أمعن النظر في لمعان تفاصيله.. في خطوطه ودقة صنعه.. "
2. وصف الحديقة التي يقع فيها التمثال، ووصف المدينة:
" كل مساء أجدني منساقًا إلى تلك الحديقة التي تحضنه، كانت تقع في الشارع الخلفي لمحطة القطار الرئيسية، حيث أقطن فندقًا يعج بالمسافرين.. " إنّ القاص ينتقل في الوصف من الجزئي إلى الكلي بطريقة تكاد تكون أفقية.
ومن الجدير بالذكر أنّ التحديد المكاني للمدينة بما تشمل عليه
(محطة القطار والفندق " يدل على الصيرورة والتغير، ويكون الزمن عاملًا مهمًا فيهما، فالفندق والمحطة على الرغم من كونهما بنائين ثابتين، فإنَّ من يحل فيهما لا يعرف الثبات والاستقرار، ولقد أكد القاص ذلك، وخصوصًا في حديثه عن ساعة المحطة الضخمة وجلجلتها التي تخترق الكون.
ويمكن التحدث أيضًا عن وصف المكان وقد أصبح جزئية مؤثرة في الشخصية، أو بتعبير أدق، تأثير أحدهما بالآخر ويتبدى ذلك عبر الافتتان بملامح جمال التمثال وآثار ذلك على الشخصية، وتبرز أوليات آثار شهوانية تقود إلى شبقية واضحة في القسم الثاني من القصة، أعني زمن الحلم، يقول: " تتناثر قطرات الماء على نعومة الساقين الجميلين، وتتكسر مع شعاع القمر في شكل نقط ضوئية.. نهدان بكران يشمخان عاليا.. كأن لبن الحياة يسري فيهما، ويقطر على البطن ليستقر في السرة المحفورة بدقة.. شعاع خاطف ينطلق من عينيه ليخترق أضلاعي.. زاويتا الفم الصغير تنفرجان عن بسمة تترك أثرًا غامضًا في نفسي.. تشق أخدودًا عميقًا في صدري ".
وينتقل القاص ـــ هنا ـــ من البسيط إلى المركب، أي من حالة الاندهاش والانبهار للتمثال إلى التماهي معه، ويعمد القاص في طريقته السردية الخاصة إلى الفصل بين المرحلتين بحالة انتقالية تضيء جانبًا من المكان وتعبر عن العالم الداخلي للشخصية.. إذ ليس المكان خاليًا.. ولكنه يضجّ بالناس ويعيشون حالات إنسانية اجتماعية واقعية مادية، بخلاف الشخصية القصصية المثالية البيجمالونية التي تحلم على طريقة المتصوفة.. يقول: " لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أقم أية رابطة مع الذين يترددون بشكل يومي على الحديقة، كان بعضهم يتخذ من الكراسي الحجرية أسرّة لهم، يقضون الليالي الطويلة بين أحضانها، مع زجاجات الخمر وإلقاء السباب والشتائم على الحياة.
إنّ الشخصية القصصية تتماهى ـــ في زمن اليقظة ـــ مع التمثال بطريقة خاصة، وتحيل المفردات إلى عوالمها، فالتماهي مع التمثال يتحول لدى الشخصية إلى لحظات وجد صوفية، أو خمرة" صوفية " تنعش الشخصية، وإذا كان هذا يمثل الجانب الإيجابي من التماهي فإنَّ الجانب السلبي المدمر يشعل حريقًا في الشخصية وسط أضواء شاحبة، ويختلط من ثم السلبي والإيجابي معًا ويندمجان، ويثيران دلالات شبقية، وربما سادية، " أعيش لحظاتي المتصوفة على طريقتي الخاصة، مع خمرتي التي تنعشني.. تشعل حريقًا هائلًا في حطامي.. في هذا الجو الليلي مع الأضواء الشاحبة المنعكسة على الرخام.. إزميلها الحاد يمزقني بلذة، ينحت مسارب مجهولة في داخلي ".
ويتبدى عبر ما سلف في دراستنا لزمن اليقظة في هذه القصة أنّ القاص يتكئ في تقنيته الفنية على أمرين:
1. أنه يهب الشخصية القصصية وظيفة ساردة، فالشخصية هي التي تسرد العمل القصصي.
2. اعتماد القص المونتاج السينمائي، والعناية الفائقة بالجزئيات الصغيرة.
ولذا تنتقل اللقطة من مشهد إلى آخر على النحو التالي:
- التمثال " الجسد، والخطوط، ودقة الصنع.. ".
- الحديقة " الأشجار، والكراسي الحجرية، والنافورة،
والرذاذ.. ".
- المدينة " الفندق، محطة القطار، المسافرون، الساعة.. ".
ومن الجدير بالإشارة أنّ لقطات المونتاج السينمائي هنا ذات إيقاع بطيء تنساب بهدوء وتلقائية، وتتميز الجمل: بطول نسبي، والاعتماد على الوصف بشكل لافت للنظر " الجسد الرخامي الجميل، التمثال الشاهق، نعومة الساقين الجميلتين، المتعة الوحشية، مخلوقات أسطورية مدمرة.. ".
2
يتبدى مما سبق أنّ زمن اليقظة له خصوصيته في السرد وتحديد المكان ونمو الشخصية وتطورها، فالراوي هو المحور الذي تدور حوله التفاعلات كلها، إنه الشخصية الأكثر انكشافًا وارتباكًا، ذلك الإنسان المتصدع بين عالمين: واقع فندقي صاخب يقطنه المسافرون والسكارى، وعالم داخلي مظلم تتداخل فيه الشبقية مع التوحد، التصوف مع الهوس، والخيال مع التحلل، لم يُمنح هذا الراوي اسمًا، بل بقي صوتًا داخليًا متوحدًا مع ذاته، يتحدث بلغة مُثقلة بالشعور، مُفعمة بالانفعالات، ومشبعة بالتأمل في تفاصيل التمثال حتى حدود الذوبان فيه، إنه لا يرى في الآخرين إلا كائنات عابرة لا تشاركه تجربته الوجودية، "لم أُعر أي انتباه للزوار الكثيرين، ولم أُقم أية رابطة مع الذين يترددون على الحديقة.."، هذه الجملة تؤسس لاغتراب عميق يعيشه الراوي، لا لأنه منعزل فقط، بل لأنه يرفض العالم الخارجي رفضًا وجوديًا، ويندفع بالمقابل نحو اندماج شبقي تأملي مع التمثال، كأنما يبحث عن خلاص ما، أو عن حقيقة لا توجد إلا في هذا الجسد الرخامي البارد.
لا يُنظر إلى التمثال في القصة كشخصية صامتة، بل هو كائن يحيا في وعي الراوي، يتحول تدريجيًا من صورة جمالية إلى سلطة مرعبة، من أيقونة إلى لعنة، ومن جسد إلى ثعبان، يقول: "الشعاع الغامض يخترق ألواح الزجاج.. يحرقني.. يتغلغل عبر جسدي المحموم"، فالعلاقة هنا لم تعد تأملية بل انتهاكية، علاقة التهام وحلول، ويبلغ هذا التحول ذروته في المشهد الختامي حين ينفجر التمثال/الثعبان في عنف هائل، ويهشم الراوي، لا مجازًا فقط، بل فعليًا، إذ ينتهي متفحمًا، رمادًا، كثيبًا من الجمر، لحظة الهجوم حين "ينبثق الدم من العنق.. يسيل عبر الصدر.. يرسم خطوطًا حمراء على الجسد الرخامي الأبيض" تشكل لحظة تطابق الرؤيا والهذيان، ويصبح التمثال حيوانًا مميتًا، مزيجًا من الجمال والسم.
ولا ريب أنّ الشخصية تعاني قدراً من الحرمان نحو التمثال والجمال المتجسد فيه وتتخلل ذلك آثار رغبات غريزية معينة، غير إنَّ زمن الحلم يمهد له القاص بحرمان واضح فرضته الشخصية على نفسها تعبيراً عن جوع ودفء " لم أتناول عشائي هذه الليلة " فهي ليلة مخصوصة" زمن " وحرمان يتجلى في الجوع، وربما بمفهومه العام، ومنذ اللحظة الأولى للولوج في زمن الحلم يتكئ القاص على المونتاج السينمائي المتسارع والمتقطع، وتتداخل مشاهد الصور المتراكمة بين الحديقة والفندق " أنين مفصلات الأبواب، وصراخ المخمورين تختلط بجلبة السكان، والأحذية الثقيلة على درجات السلم الحجرية.. بخرير النافورة القديمة ورنين الصحون المعدنية تحت رذاذ الماء.. بزعيق السيارات تخترق الأسفلت بجنون، لترسم لوحة من الفسيفساء على طبلتي
أذني )، كما أنّ وصف المكان يلتحم بعالم الشخصية " أتحول إلى ورقة مهترئة.. الجفاف يغزوني.. أصبح هشاً كالرمل.. كالرماد.. أنزلق عبر قطرات الماء إلى حوض النافورة.. أتلوى حول الساقين الجميلتين.. حول النهدين.. أغوص في السرة المحفورة بنعومة.. الأوراق الطرية يحركها الهواء.. سريري يتأرجح كالموج.. مصباح الغرفة يرتفع إلى السماء.. يخبو.. يصبح كنجمة خافتة.. جلجلة الساعة الضخمة بالمحطة تخترق الكون.. توقظني من حالتي.. " وإذا كانت الجمل في زمن اليقظة ذات إيقاع بطيء منساب بهدوء وتلقائية، فإنَّ الجمل في زمن الحلم ذات إيقاع متسارع.. عنيف.. يتميز بالصخب والحركة والضجيج، ويتجلى بالجمل القصيرة، كما يتكئ القاص على تكرار الإيقاع بأداة تشبيهية مرة مثل الكاف " أصبح هشًا كالرمل.. كالرماد.. "، أو تكرار كلمة مثل: " أتلوى حول الساقين الجميلتين.. حول النهدين " وهذا ملمح أسلوبي يتجلى بوضوح في المجموعة بأسرها.
ولا يتخلى القاص عن طريقته في السرد القائم على الصفة..
" اصطدم ببعض الأجساد الرخوة الناعمة.. أعترض وجوهًا حليقة لامعة.. أنغرز بين الزوائد المتهدلة، المترجرجة.. بين القامات الشاهقة المرسومة بعناية.. بين خضم اللون والروائح المختلفة أضيع.. أتيه.. أجدّف صوب نقطتي الوحيدة..".
وإذا كانت الشخصية تتماهى في التمثال في زمن اليقظة، فإنَّ زمن الحلم يمثل تماهيًا من نوع آخر، إذ بمجرد أن تفارق الشخصية التمثال فإنها سرعان ما تعود إليه في الحلم، وتتماهى الشخصية هذه المرة مع " الثعبان " الذي يحقق رغبة الشخصية في التواصل والتلاحم الجسدي المادي مع التمثال، الذي يفقد خصائصه الحجرية الباردة إلى كائن يتحرك.. يتألم.. وينزف دمًا.. ويصرّ القاص في التحدث عن الثعبان " ثعبان ضخم يتلوى حول النهدين.. يلتف حول العنق المرمري، عضلاته تنفر بقوة.. تجحظ العينان.. تتحرك القدم المحررة صوب النافذة.. يلتف الذيل الهائل حولها بقوة.. تتحطم الأضلاع تحت الضغط الرطب.. حشرجة مبحوحة تخرج من الشفاه المطبقة.. الرأس الوحشي يلعق الأنف، الأذنين.. الوجنتين الباردتين.. ينحدر إلى العنق فيغرز أنيابه في اللحم.. في الرخام.. في الحنجرة الناتئة.. تصفر الحشرجة من خلالها.. ينبثق الدم من العنق.. يسيل على الصدر.. يرسم خطوطًا حمراء على الجسد الرخامي الأبيض..".
إنّ الثعبان هنا دال يعبر عن فاعلية الذكورة، ولذا جاء الحديث عنه بصيغة المذكر، إذ لم يقل القاص " أفعى، أو حيّة " فضلاً عن الفعل الذي يؤديه وسط مونتاج سينمائي لاهث ويتجلى في المقطع أنّ القاص يصف ذلك بتراكم كبير وواضح للأفعال.. " يتلوى، ويلتف، وتنفر، وتجحظ، وتتحرك.. الخ ".
إنّ الشخصية القصصية تتماهى مع الثعبان لتأدية فعل شبقي لم تستطع تحقيقه في زمن اليقظة، فسعت إلى التعويض في تحقيقه في زمن الحلم، وإذا كانت الرغبة المكبوتة الجارفة حين تجد فرصة للتحقق في الحلم فإنها تتحقق عبر أبعاد رمزية.. وبعد أن يتحقق ذلك.. تتلاشى وتذوب.. ولكنها لا تختفي.. بل تتجدد مرة أخرى.. وكذا الأمر مع الشخصية القصصية فإنها تتلاشى مع الرغبة المكبوتة.. وتذوب.. " ينتشر الحريق في كل مكان.. أتحول إلى كثيب من الجمر.. من الجحيم اللاهث والفحيح.. العطش يشقق لساني.. يفتت لحمي كالطين المشوي.. ".
وأخيراً فإنَّ تفتيت الشخصية وتحطيمها.. يعدّ هدفًا تسعى إليه القصة..إنّ الشخصية القصصية هنا.. شأن أغلب الشخصيات في المجموعة القصصية تعاني تفتتاً وتمزقًا وتكسرًا وإحباطًا.. ويعمد القاص إلى تحطيم الشخصية.. إنه يشظّيها.. وهي في كل الأحوال تعبر عن قدر من الإخراج والإظهار..، إخراج الداخل إلى الخارج.. البوح.. التقيؤ.. والرغبات المكبوتة.. تمامًا كما أنهيت هذه القصة.. " أنكبّ على وجهي في الحوض.. أترنح تحت الماء.. أجدّف إلى النبع.. أمتلئ حتى الحافة.. لكن الحرائق تشتعل بداخلي.. تحولني إلى رماد.. إلى كومة من الحجر المحروق.. إلى أطراف متفسخة تذوب تحت الرذاذ الرخامي الجميل ".
***
د. كريم الوائلي






