قراءات نقدية
عبد النبي بزاز: اختلاف أشكال الشعر ودلالاته وغنى عناصره الجمالية والبلاغية
في "ألزهايمر أبي"
يبرز الجانب الواقعي في شعر "ألزهايمر يا أبي" للشاعر المغربي عبد الرحيم الخصار حيث تستنفد جل مقاطعه موضوع إصابة الأب ب " ألزهايمر " والتي امتدت لخمس سنوات: " عاش والدي خمس سنوات ضباب ألزهايمر ثم غادر عالمنا الخريف الأخير. هذا النص منه وعنه وإليه " ص 7. فرغم اعتماد الشاعر على عناصر إيقاعية وبلاغية ومجازية تندرج ضمن تصوير معاناة الأب المصاب إلا أنها اتخذت أشكالا مختلفة في التعبير عما عاشه من توترات نفسية خلفت إحساسا بالإحباط والأسى لدى محيطه الأسري، والذي تكفل الشاعر بتصويره شعريا / إبداعيا، والغوص في مكونات علاقته بالأب، في رؤية شعرية تصدر عن إواليات حس ومقدرات خلق وابتكار نهجت أسلوبا مختلف ومغايرا في التصوير والتعبير اعتمادا على عناصر مادية، وأخرى ذهنية ووجدانية تؤسس لوضعية الأب المصاب والمبتلى من خلال مزيج من ذكريات، واستشرافات مصدرها المرض بحمولاته المؤثرة في التعبير عما يخاتله من أحاسيس، وما ينتابه من أفكار وتصورات تعجز عن رسم أشكال ثابتة وقائمة : " تحدق في ظلال تنأى وتدنو." ص 28، وإيقاع زمن متحرك ومهتز: " النهار أرجوحة / والليل مقص صدئ يجز حبالها. " ص28، فالنهار متحرك وغيرثابت، والليل يقطع بمقصه الصدئ حبال هذه الأرجوحة، أرجوحة النهار، فيوقف حركتها، وينهي دينامية إيقاعها الرتيب. فبعد الإسرار للنفس بكلمات غير مألوفة، ومعاينة السقف والجدران: " تهمس لنفسك بكلمات غريبة / وتحدق في السقف والجدران. " ص32، حيث تتقاطع الأحاسيس الداخلية بعناصر خارجية مثل السقف والجدران. واختزال حياة الأب في ما يصدر عنه من زفير محمل بتعب معاناة ناتجة عن خذلان وتخلي مقرون بالأرض والسماء: " زفرة مزارع متعب / خذلته أرض وسماء " ص33، وهو ما شكل فضاء اشتغاله بالأرض، والانغماس بكل قواه في خدمتها مُقَلِّبا نظراته وحسه بين الأرض والسماء، ولم ُيْبدِ أي خوف أو قلق من مصير تتضاءل فيه حظوظ الشفاء: " حَفَرْتَ مظاهر وأخاديد / ودسْتَ الخوف هناك. " ص34، فدفن مشاعر الخوف، وهواجس التوجس وتخلص منها بعد أن طمرها في أعماق الاندثار، وقيعان التلاشي والزوال.
وفي تتبع حالات الأب الناتجة عن ألزهايمر، والتي يغدو أحد عناصرها النسيان مما يصعب معه القبول بذلك خصوصا لدى المقربين منه كالأبناء: " ربما كنت تمزح أيها الأب / كيف تنسى أولئك الذين / تعذبت لأجلهم طويلا... " ص18، ففي غمرة هذا النسيان وعدم التذكر، بل التنكر لأقرب أقاربه فيغدو بعيدا يبتلعه النأي، وتجلله الوحشة والاغتراب: " تبدو بعيدا عنا " ص18، فرغم ما تفتر عنه شفتاه من ابتسامة فإنه يعجز عن ذكر أسماء أقاربه حتى الذين تجمعه بهم صلة الدم، ورابطة الأبوة: " تنظر إلينا بابتسامة تَسَع الدهر / ولا تذكر أسماءنا / ولا تذكر أننا ماء سال من عينيك... " ص19، وهو ما لا يستدعي اللوم والمؤاخذة بل يتطلب التجاوز: " لا عليك أيها الأب / ربما نحن نسينا / أن الغدر قميص قديم / في دولاب الأيام " ص 19، في استحضار لغدر الزمن وتقلباته. وتحضر صورة الأب وهو في سن الثمانين التي توالت سنواتها بسرعة منفلتة من إهاب ثقل الزمن، وبطء إيقاعه : " وفي ثمانين عاما / عبرت مثل سحابة. " ص61، بطاقيته البيضاء وجلبابه المعتاد وهم يبادلونه نظرات ملؤها الحب والحنان: " وها نحن ننظر إلى طاقيتك البيضاء / وجلبابك السوي... " ص62، وما خلفته حالته، وهو ينقطع عن محيطه بعد أن طوقه النسيان، في نفوس ذويه من غم واسى لم يفقدهم بصيص أمل، وبارقة أماني في استعادة سابق عهده: " أيها الأب / لم تغمض عينيك عن العالم / والطريق مصباح تلو مصباح ؟ " ص68، وارتباطا بالأب تبرز صورة والدته التي تشبه نساء الهنود الحمر، وهي تلازم منسجها كأداة للخلق والابتكار، داخل غرفة ضيقة، واستعمالها الزيت في دهن شعرها وترطيبه: " والدتك التي تشبه نساء الهنود الحمر... " ص37، وهي تحمل منسجها: "حملت منسجها الذي نخرته الأيام / ونصبته في غرفة أضيق من عينيها... / كانت تدهن شعرها بالزيت / وتخضبه بالحناء... " 37. ورغم أن موضوع إصابة الأب ب " ألزهايمر " هو ما طغى على شعر المقطوعات فإنها لم تخل من عناصر إيقاعية وبلاغية كسرت رتابة الجانب النثري في خلق إيقاع داخلي طالعنا منذ البداية متمثلا في حرف الدال الذي تكرر في قول الشاعر: " يسقط دلو من دلوك/ ويندلق الماء على تل النحاس... " ص9، وحرف السين: " أيها أقسى، أن تتذكر أم تنسى ؟ " ص15، وهو ما أضفى من خلال تكرار نفس الحرف على المقطع الشعري تناغما وتجانسا إيقاعيا، انتقل إلى خلق نبرة خارجية في: " بيننا السنابل في زمن آخر... / وانتظرت الحنطة قبل المطر. " ص25، حيث اختتمت الجملتان بروي الراء ( آخر، والمطر )، وتوظيف الجناس كما نقرأ في: " والطريق مصباح تلو مصباح ؟ " ص68، والطباق كما ورد في قوله: " أيهما أقسى أتتذكر أم تنسى ؟ " ص15، وكذلك حين قوله: " ونحدق في ظلال تنأى وتدنو. " ص28، حيث تقابل: تتذكر وتنسى، وتنأى وتدنو. كما عمد إلى استعمال عنصر التشبيه مجرد عن الأداة: " في صنعتك كان الحزن دالية " ص13، فرغم ذكر المشبه (الحزن)، والمشبه به (دالية) فلم تذكر الأداة، وهو ما تكرر في قوله: " الصبر حصان يعدو بلا وجهة / والحظ كلام قديم منسي في كتاب. " ص17، واستخدام الكاف في: " كان يومك يمر / كأسير في قدميه كَبْل... " ص26، أو الأداة " مثل ": " بالرغم من أننا حولك / مثل فراشات حول مصباح " ص54، وكلها عناصر بلاغية خلعت على الشعر جمالية في المبنى والمعنى. موازاة مع تعابير مجازية كما نقرأ في مثل: " تتحسس حقلا على كتفك " ص10، وهي صورة تجسد نمو حقل وتشكله فوق كتف شخص، واستعمال الحلكة لملاءة: " ريثما تجر الحلكة ملاءتها بعيدا عن المدشر. " ص11، في تصوير مختلف بحمل الحلكة لملاءة دون تحديد لطرق وظروف الاستعمال. ويصير للحيرة جناحين: " وحين أفردت حيرتك جناحيها في ليل المشاع... " ص14، وإخفاء اليأس في مطامر وجحور... " ص21، ويغدو للأيام كاحل يصاب بالتواء: " ولأيام التوى كاحلها في الطريق. " ص56، وولادة الحنان على راحة اليد الذي تصير له أجنحة: " وعلى راحة يدك ولد الحنان / ونبتت له أجنحة... " ص31،وانخراط الحجر في النشيج والبكاء: " يبكي الحجر وينتحب بين يديك... " ص41، وكلها عناصر أغنت المتن الشعري، وشرعته على آفاق موسومة بالاختلاف والمغايرة، وإلى جانب ما هو إيقاعي وبلاغي عمد الشاعر إلى توظيف عناصر أخرى مثل الحوار الذي ورد في العديد من الأشكال و منذ أول مقطع ": " أنظر إليك / وتنظر إلي " ص9، في حوار بين الأب وابنه، وما يحمله من دلالات، وما يلمح إليه من أبعاد تتجسد في تبادل لنظرات حبلى بمشاعر من ألم وأمل، وسرعان ما ينتقل إلى تنصيب الشمس كطرف في الحوار: " وتقول للشمس التي تنزل من سمائها: / العمر حصان يعدو بلا وجهة... " ص17، ونذكر من المواضيع التي تكررت في مقاطع المتن الشعري موضوع الأمازيغية التي هي أصل الأب: " والدك الأمازيغي... / فر من جبال الجنوب كما لو أنه فر من ثأر. " ص22، والذي غادر، فرارا، جبال الجنوب دون تحديد أسباب ذلك مكتفيا بصيغة التشبيه (كما لو أنه فر من ثأر)، وذكر بعض تقاليد الأمازيغ، وما يندرج في صلب ثقافتهم مثل الوشم: " أو وشم في جبين امرأة / من بلاد الأمازيغ. " ص24،وما يجري في نسغ نظرات الأب من ماء أمازيغي: " غير أن نظرتك التي سقيتها بماء الأمازيغ... " ص40، وهو تجسيد لمظهر من مظاهر الأمازيغية التي يتغذى منها فكره ووجدانه.
فشعر " ألزهايمر يا أبي " بمقاطعه المتوالية المفتوحة والمنفتحة على آفاق شعرية غنية وممتدة عبر صور وإيقاعات تجسد حالات الأب المصاب ب " ألزهايمر "، وما ينجم عنها من أوضاع تتوزع بين أعراض المرض وتداعياته حافرة في مجرى محيطه، خائضة في أضابير ذكريات ما تفتأ تنبش في تفاصيلها، وتتورط في فك خيوطها لرسم لوحة إبداعية متعددة الخطوط والظلال والألوان لوَقْع المصاب، وما أفرزه من آثار، وما نجم عنه من مخلفات نفسية وذهنية على الأب وأفراد محيطه الأسري القريب.
***
عبد النبي بزاز
.................
ألزهايمر يا أبي (شعر) عبد الرحيم الخصار/ دار العين الإسكندرية ـ مصر2026.







