عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

آمال بن الطاهر: بلاغة التناصّ وإعادة تشكيل الكائن

دراسة حجاجية مقارنة بين "فرانكشتاين" لماري شيلي، و"فرانكشتاين في بغداد" لأحمد سعداوي

مقدمة: في مسألة الحجاج الأدبي والذاكرة النصية

ثمة أسئلة يطرحها الأدب لا تستطيع الفلسفة وحدها الإجابة عنها، ولا السياسة وحدها استيعابها؛ وهي الأسئلة التي تُطرح حين يتقاطع التخيّل مع الواقع، ويشتبك النص بالنص في علاقةٍ لا تُشبه الاقتباس ولا تُشبه المحاكاة البسيطة، بل هي نوعٌ من الحوار العميق عبر الزمن. ومن أخصب هذه الحوارات في الأدب الروائي المعاصر: علاقة رواية أحمد سعداوي "فرانكشتاين في بغداد" (2013) بروايةِ ماري شيلي فرانكشتاين أو بروميثيوس الحديث (1818)، إذ لا يكتفي سعداوي باستعارة الاسم أو تحيين الأسطورة، بل يُقيم بين النصين علاقةَ جدلٍ فكري وأخلاقي وسياسي تجعل من التناص في حد ذاته موقفاً حجاجياً يستدعي التحليل والتأويل.

غير أن الوقوف عند مجرد التشابه البنيوي بين النصين - وحشٌ هنا ووحشٌ هناك، وخالقٌ هنا وخالقٌ هناك - هو وقوفٌ عند سطح الظاهرة لا جوهرها. ذلك أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُؤطّر هذه الدراسة هو: كيف يُحوّل سعداوي نصَّ شيلي من أنموذجٍ رومانسي فلسفي إلى أداةٍ حجاجية ذات وظيفة سياسية وأخلاقية محددة؟ وما الآليات البلاغية والسردية التي تُنجز هذا التحويل؟ وما الأطروحات التي يُقيمها النص المُحوَّل تجاه قارئٍ يعرف النموذج الأصلي ويستحضره؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، سنعتمد منهجاً مركّباً يستعين بنظرية التناص عند جيرار جينيت، وبالبلاغة الحجاجية الجديدة عند شاييم بيرلمان وأولبريشت- تيتيكا، وبنظرية الخطاب الحجاجي عند أوزفالد دوكرو وجان- كلود آنسكومبر، وبالنقد الأيديولوجي للرواية عند ميخائيل باختين، فضلاً عن نظرية التلقي عند وولف إيزر وهانز روبرت ياوس.

أولاً: الإطار النظري - متى يصير التناص حجاجاً؟

1. التناص: من المفهوم البنيوي إلى الوظيفة الخطابية

يُعدّ مفهوم التناص من أكثر المفهومات النقدية إثارةً للجدل منذ أن صاغته جوليا كريستيفا في أواخر الستينات مستندةً إلى باختين، حين أكدت أن "كل نصٍّ يتشكّل بوصفه فسيفساء من الاستشهادات، وكل نصٍّ هو استيعابٌ وتحويل لنصٍّ آخر." بيد أن كريستيفا، في سياقها البنيوي- السيميائي، اهتمت أساساً بالبنية، لا بالوظيفة الحجاجية. وقد جاء جيرار جينيت في كتابه Palimpsestes (1982) ليُقيم تصنيفاً أكثر دقةً وإجرائيةً للعلاقات بين النصوص، مُميّزاً بين خمسة أنماط: التناص بمعناه الضيّق (L' intertextualité)، والنص الأعلى (l'hypertextualité)، والتأطير (le paratexte)، والتناص المعماري (l'architextualité)، والنقد الذاتي (la métatextualité).

والنمط الذي يهمنا في علاقة سعداوي بشيلي هو النص الأعلى (Hypertextualité)، الذي يعنيه جينيت بكل علاقةٍ تربط نصاً لاحقاً (النص الأعلى / Hypertexte) بنصٍّ سابق (النص الأصل / Hypotexte) عبر تحويل أو تقليد. ويُميّز جينيت بين التحويل البسيط (transformation) والتحويل المُقلِّد (imitation)، مؤكداً أن التحويل الجاد (transposition sérieuse) هو الأكثر خصوبةً أدبياً وفكرياً. ورواية سعداوي تندرج بامتياز ضمن هذا الصنف الأخير: إنها لا تُحاكي شيلي بل تُحوّلها تحويلاً جذرياً يمسّ البنية والدلالة والأطروحة معاً.

لكن ما الذي يجعل هذا التحويل حجاجياً لا أدبيا فقط؟ هنا يصبح الانفتاح على البلاغة الحجاجية ضرورةً منهجية. فقد أكد بيرلمان وأولبريشت- تيتيكا في المقاربة الجديدة للبلاغة (1958) أن الحجاج لا يقتصر على الخطاب المنطقي أو الفلسفي الصريح، بل يمتد إلى كل خطابٍ يسعى إلى التأثير على متلقٍّ بعينه وتوجيه حكمه نحو موقفٍ ما. والرواية، بوصفها خطاباً يُقيم عالماً تخيلياً يُجادل به العالم الواقعي، هي في جوهرها حجاجٌ ممتد.

2. حجاج النموذج واستثمار السلطة النصية

من أنجع الآليات الحجاجية التي رصدها بيرلمان ما يُسمّيه حجاج النموذج (Argument du modèle): أي الاستناد إلى سلطةٍ راسخة في ذهن المتلقي - سواء كانت شخصاً أو نصاً أو حادثةً تاريخية - لتعزيز الأطروحة المطروحة. وحين يتخذ سعداوي من "فرانكشتاين" شيلي عنواناً لروايته وأنموذجاً لعالمها، فإنه يستثمر السلطة الرمزية التي تتمتع بها هذه الرواية في الثقافة العالمية - وهي رواية صارت أسطورةً بالمعنى الكامل للكلمة - ليُضفي على رؤيته الخاصة أبعاداً كونية تتجاوز السياق العراقي المحلي. إنه يقول ضمنياً لقارئه: ما يجري في بغداد ليس شأناً محلياً طارئاً، بل هو تجلٍّ جديد لإشكاليةٍ إنسانية قديمة طرحتها إنجلترا عام 1818 في صورةٍ أسطورية، وها هي تتجدد اليوم في العراق بصورةٍ أكثر دموية وأشد إيلاماً.

يُسمّي دوكرو وآنسكومبر هذه الآلية في إطارٍ آخر التوجيه الحجاجي (Orientation argumentative): أي الطريقة التي يوجّه بها الملفوظ استنتاجات المتلقي نحو اتجاهٍ معين لا اتجاهاتٍ أخرى. فالعنوان وحده - فرانكشتاين في بغداد - يُنشئ توجيهاً حجاجياً فورياً: إذ يدعو القارئ إلى تنشيط ذاكرته النصية بشأن شيلي وإسقاطها على الواقع العراقي في آنٍ واحد، وهذا الفعل القرائي المزدوج هو في ذاته إنتاجٌ للمعنى الحجاجي قبل أن يُقرأ السطر الأول من الرواية.

3. الأفق التوقعي وانكساراته

يرى ياوس في نظريته عن أفق التوقع (Horizon d'attente) أن كل نصٍّ يُقرأ في ضوء ما يُتوقع منه وفقاً لنماذج سابقة راسخة في وعي القارئ الثقافي. وكلما خيّب النص هذه التوقعات خيبةً منتجةً (أي فجأةً دالّة، لا اعتسافاً اعتباطياً) كان أعمق أثراً، وأكثر خصوبةً جمالياً وفكرياً. وهذا هو بالضبط ما يصنعه سعداوي: فالقارئ الذي يحمل معه نموذج شيلي سيتوقع وحشاً واحداً وخالقاً واحداً وسؤالاً فلسفياً محدداً؛ لكن ما سيجده هو وحشٌ جماعي متعفّن، وخالقٌ عَرَضيّ لا يقصد الخلق، وسؤالٌ سياسي حاد عن آليات الفوضى ومنتجيها. هذا الانكسار في أفق التوقع لا يُحبط القارئ بل يُنبّهه ويُحرّض تفكيره - وهو في ذاته فعلٌ حجاجي من الدرجة الأولى.

ثانياً: الوحش بين النصين - بنية الشخصية بوصفها حجةً فلسفية

1. المخلوق في شيلي: تراجيديا الاعتراف الرومانسية

خلقَ فيكتور فرانكشتاين مخلوقه في لحظةٍ من الغرور المعرفي المُفعم بالحماس الرومانسي، لكنه ما إن يرى نتيجة عمله حتى يهرب مذعوراً، تاركاً إياه من دون اسمٍ وهويةٍ وأيضا من دون اعترافٍ بوجوده. هذا الهجر الأول هو الجرح الذي تتولّد منه كل الجروح اللاحقة. والمخلوق في رواية شيلي ليس وحشاً بدائياً أعمى، بل هو كائنٌ يتعلم اللغة، ويقرأ الجنة المفقودة لميلتون وفردياناند ووليام لغوته وحياة بلوتارك، ويُدرك موقعه الوجودي بوضوح مأساوي. يقول مخاطباً فيكتور في مقطعٍ صار من أكثر مقاطع الأدب الغربي تداولاً: "أنا مخلوقك، فيجب أن أكون آدمك؛ لكنني أشبه أكثر بملاكٍ ساقط أبعدتَه عن سعادةٍ لم أقصّر في استحقاقها."

ما يُقيمه هذا المقطع هو الصياغة الأكثر إيجازاً لأطروحة شيلي: الشرّ ليس فطرياً، بل هو نتاج الإهمال والرفض الاجتماعي. المخلوق يعرف أنه يستحق الاعتراف، ويعرف أن خالقه يُنكره، ويعرف أن المقارنة بآدم في الجنة المفقودة تصبّ في غير صالحه لأن آدم على الأقل كان له ربٌّ يُكلّمه ويُهيّئ له شريكةً. هذا التثاقف العميق الذي تُجريه شخصية المخلوق - استدعاء ميلتون وبلوتارك وغوته في آنٍ واحد - يُحوّل المخلوق من وحشٍ إلى محاورٍ فلسفي يُجادل خالقه بمرجعياته الثقافية ذاتها. وهذا ما يجعل رواية شيلي تراجيديا بالمعنى الإغريقي: لا أحد فيها شريرٌ بالمعنى المطلق، بل الجميع ضحايا منظومةٍ وجودية معطوبة.

ولمّا يتحول المخلوق إلى قاتل، فإن الرواية لا تبرّر القتل لكنها تُفسّره بما يجعل القارئ في موقفٍ حرج: كيف تُدين فعلاً صدر عن مظلومٍ شكّل ظلمُه إياه؟ وهذا هو بالذات الإشكال الأخلاقي الذي يُراوغ الإجابة القطعية ويُبقي الرواية حيّةً في ضمير القارئ.

2. "الشسمة" في سعداوي: الاستعارة المُركَّبة والحجة السياسية

يتعمّد سعداوي أن يبني "الشسمة" - وهو اسمٌ عامي عراقي يعني الشيء الذي لا اسم له - على نحوٍ يجعله استعارةً لا شخصيةً بالمعنى الكلاسيكي. فهو جسدٌ مُركَّب من أشلاء ضحايا التفجيرات الطائفية: جزءٌ من شيعي، وجزءٌ من سني، وجزءٌ من مسيحي، وهكذا دواليك. هذا التركيب ليس مجرد تفصيلٍ بوليسي غروتيسكي) (Grotesque، بل هو الحجة البنيوية المركزية للرواية بأسرها: إن بغداد نفسها جسدٌ مُركَّب من هوياتٍ متناحرة تعيش في تجاورٍ مؤلم من دون أن تصل إلى وحدةٍ حقيقية، ومن هذا التجاور المتعفّن يولد الوحش.

غير أن ما يُميّز "الشسمة" عن مخلوق شيلي تمييزاً جوهرياً هو طبيعة وعيه. مخلوق شيلي يعرف أنه ضحية ويُصرّح بذلك بوضوح فلسفي بالغ. أما "الشسمة" فهو في بداية الأمر يعتقد أنه أداةُ عدالةٍ لا ضحيةٌ ولا جلاد؛ إنه يظن أن المهمة المقدسة التي أُوكلت إليه هي إعادة التوازن الأخلاقي لمدينةٍ ضاعت فيها المحاسبة. يقول لمستمعيه: "أنا هنا لأنجز ما عجز عنه الجميع: أن أُنصف الموتى." وهذه اللحظة من الوعي الزائف هي من أبلغ لحظات الرواية حجاجياً: إذ تُقدّم نقداً ذكياً لكل خطابٍ يُسوّغ العنف بلغة العدالة.

والحجة التي يُقيمها سعداوي عبر هذه الشخصية مزدوجة: أولاً، نقدٌ لفاعلي العنف من إرهابيين وميليشيات يُقدّمون أنفسهم بوصفهم محرّري الضحايا ومُنجزي/ محققي عدالة السماء. وثانياً، نقدٌ أكثر عمقاً للمنطق المجتمعي الذي يجعل مثل هذه الادعاءات مقبولةً بل مُغريةً لكثيرين في سياق الفوضى الشاملة. وهذا ما يُشير إليه عبد الله إبراهيم في دراسته السردية العربية الحديثة حين يُؤكد أن أنجح الروايات العربية التي تناولت الإرهاب والطائفية هي تلك التي رفضت الثنائيات المُبسِّطة وآثرت التعقيد السردي على التشخيص الأيديولوجي المُسبق.

3. الآلية الجهنمية: منطق الانزلاق

الأكثر عبقريةً في بناء "الشسمة" هو آلية تحوّله السردية. فهو يبدأ بقتل القتلة فحسب، مُدرِكاً معياره الأخلاقي - أي لا أقتل إلا من سفك دماءً بريئة. لكن جسده المُركَّب يبدأ في التعفّن، وحين يتعفّن عضوٌ ما فإنه يحتاج إلى استبداله بعضوٍ من جسدٍ آخر. وهكذا يُرغَم على قتل المزيد ليُبقي على نفسه - ولا يعود قادراً على التحقق دائماً من ذنب ضحاياه الجدد. هذه الآلية البيولوجية التي تبدو على السطح جزءاً من الغروتيسك الروائي هي في الحقيقة صورةٌ حجاجية كاملة عن آلية العنف المُؤسَّسي: كلّ عنفٍ يحتاج إلى عنفٍ إضافي لإدامة نفسه، وكل انتقامٍ يُنتج ضحايا جدداً يستوجبون انتقاماً، وهكذا إلى ما لا نهاية. والوحش لا يستطيع التوقف لأن التوقف يعني موته - كما أن العنف الإيديولوجي لا يستطيع التوقف لأن التوقف يُفضح أطروحته. هذا ما لم تبلغه رواية شيلي بهذا الوضوح لأنها لم تكن تُعالج سياقاً من هذا القبيل - وهو بالضبط ما يُضيفه سعداوي على أنموذجها.

ثالثاً: ثنائية الخالق والمخلوق - إعادة توزيع المسؤولية الأخلاقية

1. فيكتور فرانكشتاين: الـ"حبريس" المعرفي ومأزق العلم الحديث

يُجسّد فيكتور فرانكشتاين النموذجَ الأمثل لما يُسمّيه الإغريق الحبريس (Hubris): الغطرسة التي تجرّ صاحبها نحو الهلاك. وهو غطرسةٌ معرفية بالتحديد، غطرسةُ العالِم الذي يُقدّم ما يستطيع إنجازه على ما يحق له إنجازه. لم يكن فيكتور يعلم أن فراغه من صنع كائن حي من أشلاء ميتة؛ يُنبئ بكارثة جسيمة. (على عكس القارئ الذي يعرف ما لا يعرفه فيكتور في تلك اللحظة).

ما تُقيمه شيلي هنا هو حجةٌ ضد ما كان يُسمّيه الرومانسيون الإنجليز النقديون - كوليريدج وبليك وشيلي نفسها - طغيان العقل الأداتي: أي العقل الذي يرى في الطبيعة مادةً للتسخير لا حضوراً حياً يستحق الاحترام. فيكتور لا يُفكّر في مخلوقه باعتباره كيانا حيا له حقوق، بل كمشروعٍ علمي له متطلبات. وحين يُتمّ المشروع وتتضح تبعاته المُرعبة، يهرب - لأن مشروع العقل الأداتي لا يتضمّن عادةً تبعاتٍ ما بعد الإنجاز. يُسمّي فيليب بروتون هذه البنية الحجاجية حجة التبعات (Argument des conséquences): وهي الحجة التي تُقيّم فعلاً ما بناءً على نتائجه لا نواياه. وشيلي تُقيم هذه الحجة بكفاءةٍ عالية: النية كانت نبيلة، لكن التبعات كانت كارثية - وهذا يكفي للحكم.

2. هادي العتاك: الخالق العَرَضي وحجة اللاقصدية

أما هادي العتاك في رواية سعداوي، فهو نقيضٌ لفيكتور من حيث القصد والوعي. فيكتور أراد الخلق بكل وعيه وسعى إليه، بينما هادي يُجمّع الأشلاء من دون أن يقصد في بادئ الأمر سوى التعبير الرمزي عن رفض الموت العبثي المتناثر في شوارع بغداد؛ فعله فعلٌ انفعالي يجمع فيه أجزاء جثثٍ بلا اسمٍ ولا هوية ليُشكّل منها "جثةً كاملة" تستحق الدفن. لكن هذا الفعل العَرَضي يُنتج كائناً حياً لم يُخطّط له أحد.

في هذا التحويل حجةٌ سياسية بالغة الخطورة: الفوضى التي اجتاحت العراق لم تكن نتاج مؤامرةٍ متقنة ذات خالقٍ واحد، بل كانت نتاج قراراتٍ متفرقة ومتراكمة لم يُقدّر أصحابها تبعاتها. من الاحتلال الأمريكي الذي لم يُخطط لمرحلة ما بعد النصر، إلى قرار حلّ الجيش العراقي، إلى السياسات الطائفية التي رعتها أطراف متعددة - كل هذه قرارات أشبه بفعل هادي: عرضية، غير مدروسة، وذات تبعاتٍ مستقلة عن نوايا أصحابها. وهذا التشخيص للفوضى هو بالذات ما يُميّزه عن روايات الإدانة السطحية التي تبحث عن شريرٍ واحد وتُحمّله وزر كل شيء.

3. المسؤولية الموزَّعة وأطروحة الفوضى النظامية:

يُطوّر سعداوي أطروحته عبر طيفٍ من الشخصيات التي تُمثّل تنويعاتٍ مختلفة على ثيمة المسؤولية: المحقق سرور الذي يُمثّل مؤسسة الدولة الفاشلة في السيطرة، والصحفي محمود الذي يُمثّل الشاهد المُتردّد، والسيدة العجوز إليشوا التي تُمثّل الذاكرة والجرح التأسيسي. هذا التوزيع لا يعني أن سعداوي يُبرّئ الجميع، بل يعني أنه يُقيم حجةً ضد تبسيط المسؤولية: الفوضى نظامٌ لا عرضٌ، وهذا النظام يُشارك في إنتاجه الجميع بدرجاتٍ متفاوتة.

وهذا ما يُفرّق روايته جوهرياً عن رواية شيلي: ففي رواية شيلي المسؤولية فردية، تقع على عاتق فيكتور أولاً والمجتمع الرافض ثانياً. أما في رواية سعداوي فالمسؤولية مُفككة وموزّعة على درجاتٍ من الإهمال والقسوة والاستغلال والخوف - وهو تشخيصٌ أكثر أمانةً للمجتمعات التي تعيش الفوضى لا بالمعنى الرومانسي بل بالمعنى الوجودي الحقيقي.

رابعاً: المكان والزمان بوصفهما موقفَين حجاجيَّين

1. جغرافيا الحجة: الفضاء الأوروبي مقابل فضاء ما بعد الاحتلال

لا يُشكّل المكان في روايتَي شيلي وسعداوي مجرد خلفيةً للأحداث، بل هو جزءٌ من بنية الحجة. فالفضاءات الأوروبية الواسعة في رواية شيلي - جنيف، وإنجلترا، وجبال الألب، وأخيراً القطب الشمالي - تُنتج إحساساً بالانفتاح والطموح اللامحدود الذي يُناسب سؤالها المركزي: هل يمكن للإنسان أن يُحدَّ؟ أين تنتهي حدود المعرفة؟ المكانُ الكوني يُجسّد السؤال الكوني.

أما بغداد سعداوي فهي مكانٌ منسدٌّ على نفسه، تُطوّق الجدران الكونكريتية (الخرسانية) حاراتِه، وتُطوّق الحواجز الطائفية هوياتِ أهله. المكان هنا ليس ديكوراً بل شخصيةٌ مُحاجِجة تقول للقارئ: في مثل هذا الضيق تتولد الوحوش. يُذكّرنا هذا بما ذهب إليه غاستون باشلار في شعرية الفضاء من أن الفضاء الروائي هو دائماً فضاءٌ ذو معنى وجودي، يُشكّل الأشخاص ويتشكّل بهم. وفضاء بغداد عند سعداوي هو فضاء "الحصار المُزدوَج": محاصَرون من الخارج بالاحتلال، ومن الداخل بالطائفية والخوف.

يتجلى هذا الفضاء بصورةٍ أكثر حدةً في ما يمكن تسميته شعرية الخراب عند سعداوي: الشوارع المكتظة بالدوريات العسكرية، والأسواق التي تنفجر في لحظاتٍ من الطمأنينة الهشة، والفنادق المتداعية التي تضم شخصياتٍ بلا مستقبل. هذا الفضاء لا يحتاج إلى تعليقٍ صريح لأنه هو نفسه الحجة: العنف ينبع من هذه البيئة بمنطقٍ لا يُقاوَم تقريباً.

2. الزمان الحجاجي: الحداثة الأولى ومآزق العولمة العنيفة

تكتب ماري شيلي في عام 1818، أي في عزّ الثورة الصناعية وما رافقها من قلقٍ فلسفي عميق بشأن مآلات العلم والتقنية. كان التفاؤل التنويري في مواجهة الشكوك الرومانسية، وكانت أسئلة الخلق والطبيعة والحدود تُؤرّق الأنتلجنسيا " (Intelligentsia) الأوروبية. رواية شيلي وثيقةُ لحظتها: إنها تُعبّر عن القلق الرومانسي من أن ما يستطيعه العلم قد يتجاوز ما ينبغي له.

أما سعداوي فيكتب في عام 2013، بعد عقدٍ من الاحتلال الأمريكي وما أفرزه من فوضى وطائفية وإرهاب. لحظته لحظة انهيار الدول وانكشاف هشاشة المؤسسات وعودة القبيلة والمذهب بوصفهما مرجعيتَين أوليّتَين. الزمنان مختلفان اختلافاً جذرياً في سياقهما، لكنهما يشتركان في طرح السؤال ذاته بصيغتَين مختلفتَين: ما الذي يُنتج الوحش؟ عند شيلي: العلم حين يتحرر من قيود الأخلاق. عند سعداوي: السياسة حين تتحرر من قيود العدالة.

خامساً: السرد المتعدد الأصوات وحجاج الفوضى

1. باختين والرواية الحجاجية متعددة الأصوات

يُميّز ميخائيل باختين في كتابه الخطاب الروائي بين الرواية "أحادية الصوت" التي يُهيمن فيها صوتٌ واحد (غالباً صوت المؤلف المتنكّر في أشكالٍ متعددة) ويُوجّه معنى النص، والرواية "متعددة الأصوات" (Polyphonie) التي تُعطي لكل شخصية صوتاً مستقلاً حقيقياً لا يُختزَل في صوت المؤلف. والرواية المتعددة الأصوات عند باختين هي بامتياز رواية حجاجية لأنها تُحضر المواقف المتناقضة وتتركها تتصادم من دون أن تفرض حلاً سهلاً.

رواية شيلي تنزع نحو التعددية الصوتية: المخلوق يتحدث بصوته الخاص في الجزء الثاني من الرواية بصورة مونولوج داخلي ممتد ومؤثّر، وهذا الصوت لا يُلغيه صوت فيكتور ولا يندمج فيه. لكن بنيتها تبقى أقل تعدديةً من رواية سعداوي، إذ الصراع في نهاية المطاف بين صوتَين رئيسين.

أما رواية سعداوي فهي بالمعنى الباختيني ملحمة الأصوات المتناحرة: صوت هادي الفانتازي، وصوت محمود الصحفي الحديث، وصوت إليشوا الحاملة لذاكرة الأقليات المسيحية، وصوت المحقق سرور المُمثّل للدولة، وفوق هذا كله أصواتٌ متعددة يسمعها "الشسمة" نفسه من خلال وعيه المُركَّب - أصوات الضحايا التي تتنازع فيه ولا يستطيع الحسم بينها. هذا التعدد الصوتي لا يُنتج فوضى سردية بل حجةً بنيوية: الفوضى التي ينقلها تعدد الأصوات هي بالذات الفوضى التي تعيشها بغداد - وأي بنيةٍ أخرى لرواية عن هذا الموضوع ستكون كذباً جمالياً.

2. الغروتيسك بوصفه أداةً حجاجية:

يُعرّف باختين الغروتيسك في رابليه وعالمه بأنه البنية التي تجمع المخيف والمضحك والمقزّز في آنٍ واحد لتُنتج تأثيراً يجاوز أيّاً منها منفرداً. والغروتيسك في كلتا الروايتَين ليس مجرد اختيارٍ جمالي بل هو أداةٌ حجاجية: فالجسد المُركَّب المتعفّن في رواية سعداوي يستحيل تمثله بجدية أكاديمية صارمة من دون الإحساس بشيءٍ من الرعب المبهم الذي يجعل القارئ يُدرك اللامعقول بطريقةٍ لا يستطيع الخطاب السياسي الجاد وحده تحقيقها. الغروتيسك يُقحم الجسد في السياسة ويُجسّد المجرد، وبذلك يجعل الأطروحة الفكرية ملموسةً لا مجرد مُفكَّرٍ فيها.

سادساً: العدالة والانتقام - الحجة الأخلاقية الكبرى

1. ميثولوجيا الانتقام في شيلي: النهاية التراجيدية بوصفها حكماً

حين يُعلن مخلوق شيلي انتقامه من فيكتور ويُنجزه، لا تُقدّم الرواية هذا الانتقام بصورةٍ إيجابية بالرغم من تعاطف القارئ مع المخلوق. النهاية صريحةٌ في إدانة الانتقام من خلال ما تُنتجه: فيكتور يموت منهكاً في مكانٍ بارد، والمخلوق يعلن في المقطع الختامي الشهير أنه سيُحرق نفسه: "سأترك عالم الأحياء إلى الأبد، لن أرى النجوم ولا الشمس بعد الآن. ولن أسبب لأسرتك أي ألم بعد الآن. آه يا صانعي الحبيب. أعلم أنك لا تستطيع أن تسامحني، لكنك تستطيع الآن على الأقل أن ترقد بسلام" (ص77). هذا الختام هو الحجة الأخلاقية الأولى لشيلي: الانتقام لا يُنتج عدالةً بل يُنتج مزيداً من العدم، والمخلوق في لحظة وعيه الأخير يعرف ذلك.

2. تفكيك أسطورة العدالة الانتقامية في سعداوي

يُطوّر سعداوي هذه الحجة بطريقةٍ أشد إيلاماً لأنه يضعها في سياقٍ حيث خطاب العدالة الانتقامية لا يُقدّمه شخصٌ بائس مظلوم - كمخلوق شيلي - بل يُؤطّره الجميع: الميليشيات تُسمّيه ثأراً مقدساً، والمنظمات الإرهابية تُسمّيه جهاداً، وحتى الدولة تُسمّيه ردَّ فعلٍ مشروعاً. "الشسمة" في هذا السياق هو المرآة التي تعكس ادعاءات الجميع وتُظهر مآلاتها المشتركة: عنفٌ يدور في حلقةٍ مفرغة تلتهم الجلادين والضحايا على حدٍّ سواء.

إن ما يجعل هذه الحجة أعمق من مجرد إدانةٍ أخلاقية للعنف هو أن سعداوي يُظهر أن "الشسمة" يفقد القدرة على التمييز تدريجياً: في البداية يقتل من يُدان بدم الأبرياء، ثم يقتل من كان شاهداً ولم يُنقذ، ثم يقتل من نفعَ من الفوضى وإن لم يشارك فيها مباشرةً. هذا الانزلاق التدريجي لمعيار القتل هو الصورة الأمينة لما تفعله الإيديولوجيات الانتقامية في الواقع: تبدأ بمعيارٍ واضح ثم يتّسع المعيار ويتشعّب حتى يصير كل من ليس معنا عدواً.

3. السؤال الأخلاقي المُعلَّق: ماذا بعد؟

ما يُميّز كلا الروايتَين في مستواهما الحجاجي الأعمق هو أنهما لا تُجيبان على السؤال الأخلاقي الذي تُثيرانه، بل تتركانه معلّقاً بطريقةٍ تُلزم القارئ بالتفكير. شيلي لا تقول: هذا هو الحل لمشكلة العلم والأخلاق. وسعداوي لا يقول: هذا هو طريق الخروج من الفوضى العراقية. كلتا الروايتَين تنتهيان بالفناء لا بالحل. وهذا الرفض للخاتمة المريحة هو في ذاته موقفٌ حجاجي: لا حلولا جاهزة، ولا نهاياتٍ سعيدة، ولا بطولاتٍ منقذة... ما يبقى هو السؤال وثقله.

سابعاً: القارئ الضمني وبناء استراتيجية الإقناع

1. إيزر وتفعيل المسافة الجمالية:

يُرسّخ وولف إيزر في فعل القراءة مفهوم القارئ الضمني (Implied Reader) بوصفه البنية الداخلية للنص التي تستدعي قارئاً بعينه وتُعدّه لاستقبال معينٍ من دون سواه. وكلٌّ من شيلي وسعداوي يبنيان قارئاً ضمنياً مختلفاً، وهذا الاختلاف يُشكّل جزءاً جوهرياً من استراتيجية كلٍّ منهما الحجاجية.

قارئ شيلي الضمني هو القارئ المتشبّع بالفضاء الرومانسي الأوروبي، الذي يعرف ميلتون ويعرف غوته، والذي يُعاني هو نفسه من تناقضات الحداثة ويتساءل عن حدود العلم والتقنية. هذا القارئ مدعوٌّ إلى التعرّف على نفسه في فيكتور - طموحاً نبيلاً يجرّه غروره نحو الكارثة - وإلى التعاطف مع المخلوق ضد كل ردود الفعل الغرزية الأولى.

أما قارئ سعداوي الضمني فهو أكثر تعقيداً لأنه مُقيَّد بتوقعين متوازيَّين: توقع قارئ فرانكشتاين شيلي الذي يحمل الأنموذج في ذاكرته، وتوقع قارئ الواقع العراقي الذي يحمل التجربة في ذاكرته العاطفية. وحين يلتقي التوقعان يُنتجان تأثيراً استثنائياً: يُدرك القارئ أن ما يعرفه من الأسطورة الأوروبية ليس غريباً عما يعرفه من واقعه، وأن الوحش الذي خلقته أوروبا فكرياً في القرن التاسع عشر؛ أنتجته السياسة العالمية مادياً في القرن الحادي والعشرين.

2. التهجين الثقافي وحجة الكونية

من أعمق ما يُنجزه تناص سعداوي مع شيلي هو ما يُمكن تسميته "حجة الكونية|: إذ يرفض سعداوي ضمنياً الادعاء - الذي كثيراً ما تردّده الدراسات الغربية في مقاربتها للفوضى في المشرق - بأن ما يجري هناك ظاهرةٌ خاصة بثقافةٍ بعينها أو بمرحلةٍ في "التطور الحضاري." بتوظيف أنموذجٍ أوروبي أسطوري لقراءة الواقع العراقي.

خاتمة: التناص بوصفه رهاناً حضارياً

انطلقنا في هذا المقال من فرضيةٍ مفادها أن العلاقة التناصية بين رواية ماري شيلي ورواية أحمد سعداوي ليست علاقةَ استعارةٍ أدبية عابرة، بل هي استراتيجيةٌ حجاجية متكاملة تعمل في آنٍ واحد على أربعة مستويات:

المستوى الأول: حجاج الاستثمار الرمزي، إذ يستعير سعداوي السلطة الرمزية لأسطورة "فرانكشتاين" الراسخة في الوعي الإنساني الجمعي ليُضفي على رؤيته الكونيةَ بُعداً لا تُتيحه الرواية المحلية المُغلقة على سياقها.

المستوى الثاني: حجاج التحويل الدلالي، إذ يُحوّل سعداوي أسئلة شيلي الفلسفية (العلم والطبيعة والحدود) إلى أسئلة سياسية حادة (العنف والمسؤولية والفوضى)، مُنتجاً بذلك درجة جديدة من المعنى لا يمكن بلوغها من دون حضور النص الأصل.

المستوى الثالث: حجاج البنية السردية، إذ توظّف كلٌّ من الروايتَين البنيةَ الروائية نفسها - الوحش، والخالق، والعالم الرافض - لكن في كل روايةٍ تُفضي هذه البنية إلى أطروحةٍ مغايرة تُكمل الأخرى ولا تلغيها.

المستوى الرابع: حجاج الصمت والمُعلَّق، إذ تُقيم الروايتان معاً منطقةً من الصمت المُنتج: لا إجابات جاهزة، ولا بطولاتٍ مُخلِّصة، لوا نهايات مريحة - والصمت هذا هو الموقف الأكثر مسؤوليةً تجاه أسئلةٍ لا تزال حيّةً في لحظتنا الراهنة.

ونافلة القول، إن ما يجعل هذا التناص أنموذجاً استثنائياً في الأدب العربي المعاصر ليس فقط ذكاء التوظيف أو حُسن الصياغة، بل هو هذ الإدراك العميق لما تستطيع الأسطورة فعله حين تُعيد اختراع نفسها في ضوء الواقع: إنها لا تُزيّن الواقع بل تُعرّيه، ولا تُسلّي القارئ بل تُقلقه، ولا تُغلق الأسئلة بل تُبقيها مفتوحةً على ما ينبغي أن تبقى مفتوحةً عليه.

***

بقلم الباحثة والناقدة المغربية آمال بن الطاهر

.................................

المصادر والمراجع المعتمدة:

المصادر الأولية:

- شيلي، ماري: فرانكشتاين أو بروميثيوس الحديث (1818). ترجمة فايقة جرجس حنا، كلمات، وهنداوي، القاهرة، مصر، ط1، 2012.

- سعداوي، أحمد: فرانكشتاين في بغداد. دار الجمل، بيروت، لبنان، 2013.

في التناص ونظرية النص:

- G. Genette:Palimpsestes : la littérature au second degré, a été publié pour la première fois le 28 février 1982 aux Éditions du Seuil. 1 éd, 1982.

- Kristeva, Julia. Séméiotikè: Recherches pour une sémanalyse. Paris: Seuil, 1969.

- Barthes, Roland. S/Z. Paris: Seuil, 1970.

في البلاغة الحجاجية:

- Perelman, Chaïm, et Olbrechts- Tyteca, Lucie. La Nouvelle Rhétorique: Traité de l’argumentation. Paris: Presses Universitaires de France (PUF), 1958.

- Ducrot, Oswald, et Anscombre, Jean- Claude. L’Argumentation dans la langue. Bruxelles: Mardaga, 1983.

- Breton, Philippe, et Gauthier, Gilles. L’Argumentation dans la communication. Paris: La Découverte, 1996.

في نظرية الرواية:

- Bakhtine, Mikhaïl. Esthétique et théorie du roman. Paris: Gallimard

- Bakhtine, Mikhaïl. L’œuvre de François Rabelais et la culture populaire au Moyen Âge et sous la Renaissance. Paris: Gallimard.

- Iser, Wolfgang. The Act of Reading: A Theory of Aesthetic Response. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1978

في النقد الأدبي العربي:

- إبراهيم، عبد الله. السردية العربية الحديثة. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 2013.

في الفلسفة والفضاء:

- باشلار، غاستون. شعرية الفضاء. ترجمة لحسن أحمامة، دار التكوين، سوريا، ط1 لهذه الترجمة، 2025.

في المثقف اليوم