قراءات نقدية
جمعة عبد الله: تطبيق الرموز الأسطورية على واقعنا الحاضر
في رواية "أوديسيوس المشرقي" للكاتب بولص آدم
يستعين الاديب الروائي (بولص آدم) بروح الفن البصري أو الفن التشكيلي، ليربطه بالرموز الأسطورية، لكي ينطق الحاضر في السرد الروائي، وهي محاولة مبتكرة غير تقليدية في الفن الروائي، في التناص والانزياح، في رحلة الرسم من أجل البحث عن عشبة الخلود، من أجل اعادة صياغة مدينته المحطمة الموصل (نينوى) بالفن البصري من خلال احيائها بالفرشاة والألوان المائية، وهذا ما سعى اليه الرسام العراقي المغترب (أوديسيوس)، عند عودة وجد كل شيء محطم ومهدم، الإنسان. البيوت. المعابد. الكنائس والمآذن، سعى لإيجاد مخرج لهذا الخراب، بمحاولة صياغة الحياة والمدينة مجدداً، أو انبعاثها من رمادها، كالطائر المحترق تنبعث له الحياة من رماده. نحن بصدد اهمية الفن البصري، في رسم مدينة الموصل (نينوى) من خلال اللوحة والألوان، يعطيها متنفساً للحياة والخلود، وهو يعبر عن صرخة احتجاجه ضد الخراب العام الذي اجتاح مدينته، لذا فإن السرد الروائي، يستخدم في درامية الحوارات والجدل، والصراع بين الضمير المتكلم والضمير المخاطب، في لغة مشوقة ومرهفة، تدعو الى التمعن والتفكير، في الدلالات الرمزية البليغة في المغزى والايحاء، في استغلال الاسطورة والتاريخ، وروائع الفن التشكيلي من خلال رموزه البارزين، وهو يربط الأدب والفن البصري ومزجهما في بوتقة واحدة، في ملاحقة الحاضر وتسليط الضوء عليه، لكي يؤكد بأن الفن الجمالي في اللوحات التشكيلية، ليس ديكوراً فارغ المحتوى والمضمون، بل انها تحمل رؤية فكرية وفلسفية على أحداث حاضرنا، الذي اجتاحها الخراب، الذي حول الموصل مدينة النور والجمال الى خراب وأطفئ النور، وهو بهذا الصدد يفتح نافذتين على العالم، الذاكرة وإحياء الحياة من جديد، محاولة اعادة الزمن من خلال بعث الروح، حينما يمسك الفرشاة، كأنه يعيد ذاكرة المدينة، ويعيد أحلام الطفولة التي سرقت، والطرق التي تهدمت، بصياغة ترميمها بالالوان المائية، ويضع في كل لوحة زهرة، تحمل روح انبعاث والمقاومة، والإصرار على بناء ما تهدم، ومن خلال رسم اللوحة، هو الخروج من العتمة الى منطقة النور، هكذا فعل الرسام العراقي، الذي تقمص اسم (اوديسيوس) الاغريقي، الذي تغرب عن مدينته (ايثاكا) عشرين عاماً (عشرة اعوام في حرب الطروادة، والعشرة الاخرى صراعه مع أله البحر (بيسودونس) الذي منعه من ان يصل الى مدينته، الى حبيبته (بينولوبي)، وخاض مغامرة في رحلة بحرية طويلة، من اجل البحث عن عشبة الخلود في الوصول الى مدينته، هكذا فعل الرسام العراقي المغترب، أو اوديسيوس المشرقي (أوديسيوس هو ابن الجبال، ابن القرية تهجع كطفلٍ تحت عباءة الاديرة، لم تكن الطائرات مجرد ظلال في السماء، كانت في طفولته كوابيس تأتي بالنار، العام 1961، انشق الزمن، ومنذها عاش مهاجراً في وطنه، يغترب وهو في الداخل، حتى اضطر للرحيل الاخير الى بخديدا، ليس هرباً، بل تحولاً جسدياً، أما الروح فقد بقيت في المنعطفات الاولى من اللوحة، ترصد. وتحن، وتصر على الغناء) ص55. يحاول ان يكرس جهده في الفن التشكيلي في خدمة مدينته في رسم اللوحات (أرسم عقارب هاربة، أرسم وجوهاً لا تملك وقتاً لتبكي، واجساداً لا ظل لها في الضوء الرقمي، في هذا الزمن، لا أحد يموت موتاً حقيقياً، نُدفن داخل بيانات، تغمرنا الشاشات. نختفي، ونبقى مرئيين، الزمن عندي.. كائن مريض، يعاني من سعال فلسفي يمشي الى الخلف حافياً).
- الدلالة من استخدام الرموز الأسطورية:
1 - الطائر المحترق الذي يولد من رماده (أنا الطائر الذي لم يرسم، كي يعجب به أحد، أنا الطائر الذي احترق، واترك لحناً لم يسمعه أحد، أنا الموصل حين صارت صوتاً بلا جسد، أنا الانسان حين يُقتل لأنه كان يغني) ص9. حيث احترقت في نينوى، البيوت، المعابد.الكنائس والمآذن، احترقت الحياة وأصبح كل شيء رماد، لذا يحاول ترميم الحياة من خلال الرسوم.
2 - الرسام العراقي اوديسيوس، ذكرته أعلاه، ليس هو من رحلة بحرية الطويلة، بل بحثاً عن عشبة الخلود الى مدينته. من خلال لوحات الرسم
3 - جلجامش في رحلته الطويلة، التي عانى بها الاهول، بحثاً عن عشبة الخلود لنفسه،
4 - الشاعرة السومرية، التي تغني في معبد (إنانا)، لتعيد رونقة الحياة بالغناء، تعيد ترميم الأرواح، وهي تقاوم الزمن، من اجل الوصول الى عشبة الخلود، خلود مدينتها ومعبد (إنانا). لذا فأن الرسام العراقي (اوديسيوس المشرقي) يستلهم هذه الرموز الاسطورية، وكذلك يستلهم رواد الفن الحديث. من بيكاسو الى الرسام الإيطالي مايكل أنجلو، الذي اعاد الحياة الى الكنيسة القديمة، في رسم جدرانها الداخلية، ليبعث فيها الحياة والخلود، وهذا يؤكد على اهمية الفن في ترميم الارواح، وبعث الحياة من جديد، بالفن لا يموت اي شيء، بل يبقى خالداً وحياً، وهذا ما يفعله الرسام العراقي الى مدينته الموصل (نينوى )، ويضع في كل لوحة زهرة، وهي تدل على الجمال والروح والحياة النابضة والمقاومة (لا أريد رسماً جميلاً، أريد رسماً صادقاً بما يكفي ليكمل صلاتي، هذه الزهرة ليست زخرفة، أنها جرح مفتوح بلون دافئ، احياناً تهمس لي اللوحة.... اكسرني كي اتكلم) ص36. يتقمص مقولة سقراط: تكلم حتى اعرفك. لذا يعتبر كل لوحة، تفتح باباً للحياة، وتكسر الحصار في شقوق الخراب، يرسم في محاولة انبعاث الأرواح التي أهملها الزمن، بالرسم يعيد سكة الحياة الى مسارها من شقوق الزمن ( ان تستمر اليد بالرسم، حتى حين لا ترى العين الطريق، تبقى المدينة التي ترسمنا، أجمل، وأصدق من كل الخرائط، هذا الطير العازف في لوحة اوديسيوس المشرقي، ليس رمزاً فقط، بل هو، نينوى، وقد تعلمت الغناء من فوضى الحرب، والعزف من حطام الذاكرة، والتحليق من جدار الحالمون) ص156.
بهذه الرونقة الابداعية يربط الفن بالادب، ليعبر عن مشروع بالغ الأهمية، أنه يسعى الى عشبة الخلود الى نينوى، مدينة الانبياء والحضارة والتاريخ.
***
جمعة عبد الله







