عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: النافورة التي توقّفت عند الساعة السابعة

قراءة نقدية في شعرية الزمن والانتظار وانكسار اليقين عند فارس مطر

ليست كلُّ قصيدةٍ تُكتب لكي تقول شيئاً؛ فبعض القصائد تُكتب لكي تكشف ما تعجز اللغة عن قوله. وفي هذا الأفق تتقدّم قصيدة «النافورة التي توقّفت عند الساعة السابعة» للشاعر العراقي فايز مطر، لا بوصفها مشهداً شعرياً عابراً، ولا بوصفها تسجيلًا لحظةً زمنيةً عالقةً في ذاكرة المكان، وإنما باعتبارها تجربةً جماليةً يتداخل فيها المرئي بالخفِيّ، واليومي بالوجودي، والزمن الفيزيائي بالزمن النفسي.

فالنافورة التي تتوقّف ليست ماءً انقطع جريانه فحسب؛ إنها استعارةٌ للحظةٍ يتعطّل فيها إيقاع العالم، فيغدو الزمن نفسه موضع سؤال. ومنذ العتبة الأولى، يضعنا الشاعر أمام مفارقةٍ كثيفة: كيف يمكن للماء، رمز الجريان، أن يتوقف؟ وكيف يمكن للزمن أن يُختزل في ساعةٍ واحدة، ثم يتحول ذلك التوقف إلى ذاكرةٍ كاملة؟

إن الشاعر لا يبني قصيدته من الأحداث الكبرى، بل من التفاصيل الصغيرة التي تبدو لأول وهلة عابرةً ومحايدة: رذاذ الماء، الحمامات، الجرو، الشمس، القمر، أشجار الكستناء، اليد، القطار، النادل، شرشف الطاولة، الرجل الذي يجمع قناني البلاستيك. غير أن هذه التفاصيل لا تبقى في حدود الأشياء؛ إذ سرعان ما تستحيل علاماتٍ نفسيةً ووجودية، ويصبح العالم الخارجي أشبه بمرآةٍ مضطربة تتكشّف عليها حركة الداخل الإنساني.

في القسم الأول من القصيدة، يبدو المتكلم مأخوذاً بإيقاع العالم، واثقاً بالوقت والريح والضوء، مأخوذاً بحضور الآخر حتى يقول: «بجلستك الهادئة المليئة بك تماماً»؛ غير أن هذا اليقين لا يلبث أن يتصدع تحت وطأة سؤالٍ خفيّ: «قد أكون مخطئاً». ومن هذه العبارة الصغيرة يبدأ الانعطاف الكبير؛ إذ ينتقل النص من الاطمئنان إلى الارتياب، ومن انتظام الأشياء إلى اختلال دلالاتها، حتى تبلغ التجربة ذروتها في الاعتراف الصريح: «لم أعد أثق بالوقت».

وهنا تحديداً تتجاوز القصيدة وصف المشهد لتدخل في منطقة الشعر بوصفه معرفةً أخرى؛ معرفةً لا تبحث عن الحقيقة في انتظام الأشياء، بل في لحظة اختلالها. فالوقت لم يعد ساعةً تقيس الحركة، والريح لم تعد مجرد ظاهرة طبيعية، والضوء لم يعد كشفاً بصرياً؛ كل شيء صار قابلاً لأن يكون علامةً على القلق، أو مرآةً لاضطراب الذات.

ولذلك فإن القصيدة لا تتحرك في خطٍّ سرديّ مستقيم، وإنما في دوائر من الذاكرة والإدراك والاسترجاع. إنها تنظر إلى العالم كما ينظر الإنسان إلى الأشياء حين يفقد يقينه بها: يحدّق في التفاصيل أكثر، ويعيد ترتيبها، ويمنحها أسماء جديدة، ثم يحاول من خلالها أن يستعيد صورته التي غابت عنه.

ومن أعمق مفارقات النص أن الذات، وهي تبحث عن الاتجاه، تقول: «أريد أن يتم العثور عليَّ». فالشاعر لا يقول: أريد أن أعثر على نفسي، وإنما يجعل نفسه موضوعاً للعثور. وفي هذا الانقلاب النحوي والدلالي تنفتح القصيدة على سؤالٍ نفسي وفلسفي بالغ العمق: هل الإنسان هو الذي يبحث عن ذاته، أم أن ذاته هي التي تبحث عنه؟

ثم تأتي الخاتمة لتمنح هذا السؤال مآله الجمالي:

«أمسكتُ بالهواء لأتذكّر نفسي

وضعتُ الحلم فوق شجرة

أعطيتُ القصيدة غابةً ونهراً

اجترحتُ المصبّ

وقبّلتُ روحي في وجه البحيرة»

هنا لا يعود الشعر وصفاً للطبيعة، بل يصبح فعلًا في إعادة خلقها. فالشاعر «يعطي» القصيدة غابةً ونهراً، و«يجترح» المصبّ، ثم يعثر على روحه في وجه البحيرة. وكأن القصيدة، بعد أن فقدت الذات ثقتها بالوقت، تمنحها زمناً آخر؛ زمناً شعرياً لا تقيسه الساعة، وإنما تقيسه القدرة على استعادة الروح.

ومن هذه الزاوية، تبدو «النافورة التي توقّفت عند الساعة السابعة» قصيدةً عن التوقف، لكنها في عمقها قصيدةٌ عن استئناف الجريان؛ وعن الانكسار، لكنها تنتهي بإمكان التشكّل من جديد؛ وعن فقدان الاتجاه، لكنها تفتح في النهاية مصبًّا للروح.

إنها قصيدةٌ تجعل من الأشياء الصغيرة ذاكرةً كبرى، ومن الزمن سؤالًا، ومن الماء مرآةً، ومن الأفق كائناً قابلاً للتشظي وإعادة التكوين. ولعل هذا هو سرُّ شعريتها الأعمق: أنها لا تمنح القارئ طريقاً واحداً إلى المعنى، بل تتركه واقفاً، مثل الشاعر، أمام نافورةٍ توقفت عند السابعة، يتساءل: أهو الماء الذي توقف، أم أن لحظةً من حياتنا هي التي ظلّت هناك، معلّقةً بين ما كان وما لم يعد؟

ومن هنا تبدأ القصيدة...

النافورة التي توقّفت عند الساعة السابعة

فارس مطر - العراق

رائحة رذاذ الماء

الحمامات التسع التي هبَطت توّاً

الجرو السعيد

الشمس التي ستغيب بعد ساعتين

نصف القمر المضيء

نصفُه الآخر

ملامحك وآفاقك الشاسعة

أشجار الكستناء التي خلفك

الأوردة الخضراء في يدك

يدك البيضاء الصافية

ها أنا ذا أثق بالوقت

بالريح

بالضوء

بجلستك الهادئة المليئة بك تماماً

قد أكون مخطئاً

لكن الاتّجاه البعيد هو الذي أقصده

أريد أن يتم العثور عليَّ

2

طيور الحمام

الرجل الذي يجمع قناني البلاستيك الفارغة

الكلب الذي معه

محطّة القطار

القطار الذي وصل في الخامسة والنصف

الشمس التي ستغيب بعد ثلاث ساعات ونصف

نصف الكلام

الثلاثاء الذي صار كل شيء فيه متوتّراً

لم أعد أثق بالوقت

برائحة الغسق

بالنادل

بالنادل الآخر

بالريح التي تحرّك شرشف الطاولة

بالطاولة التي تحتها أربعة أقدام متقابلة

اثنتان غاضبتان واثنتان قلقتان

بالضوء الذي بدا خاوِياً

أخيراً..

كالغريب الذي يحمل رأسه

‏تركتُ الأفق يتكسر يتداعى ويعيد تشكيل نفسه

أمسكتُ بالهواء لأتذكَّر نفسي

وضعتُ الحلم فوق شجرة

أعطيتُ القصيدة غابةً ونهراً

اجترحتُ المصبّ

وقبلّتُ روحي في وجه البحيرة

تنهض قصيدة «النافورة التي توقّفت عند الساعة السابعة» للشاعر العراقي فارس مطر على مفارقة شعرية عميقة: كيف يمكن لشيء مائي، متحرك بطبيعته، أن يتوقف عند نقطة زمنية محددة، وأن يتحول توقفه من حادثة عابرة إلى مركز دلالي تستدير حوله الذاكرة والحب والانتظار والذات؟ إن النافورة في القصيدة ليست نافورةً وحسب، والساعة السابعة ليست رقماً زمنياً محايداً؛ إنهما علامتان تتقاطع فيهما فيزياء العالم الخارجي مع ميتافيزيقا الذات.

والقصيدة، في بنيتها العميقة، ليست وصفاً لمشهد حضري، وإنما هي رحلة من الثقة إلى الشك، ومن انتظام العالم إلى تصدعه، ومن مراقبة الأشياء إلى البحث عن الذات. يبدأ المتكلم من عالم يبدو قابلاً للثقة: «رائحة رذاذ الماء»، «الشمس التي ستغيب»، «نصف القمر المضيء»، «أشجار الكستناء»، «الأوردة الخضراء في يدك»، ثم لا يلبث هذا العالم أن يتشقق في القسم الثاني، حتى يبلغ ذروة الانهيار في قوله: «لم أعد أثق بالوقت»، ثم «تركتُ الأفق يتكسر يتداعى ويعيد تشكيل نفسه».

ومن هنا تتأسس شعرية القصيدة على ثنائية مركزية: الكون بوصفه نظاماً، والذات بوصفها كائناً فقد يقينه بهذا النظام.

مكانة فارس مطر في الشعر العربي المعاصر:

ينتمي النص، من حيث الحساسية الجمالية، إلى التجارب الشعرية العربية الحديثة التي نقلت القصيدة من مركزية الحدث إلى مركزية التجربة الداخلية، ومن البلاغة القائمة على التشبيه المباشر إلى بلاغة الصورة المركبة والإيحاء والسياق. فالشاعر لا يقدم لنا قضية مكتملة، ولا يحكي قصة بالمعنى التقليدي، وإنما يترك الأشياء وهي تتجاور وتتنامى حتى تنتج معناها.

وتكمن خصوصية هذه التجربة في جعل التفاصيل اليومية ــ الحمام، القطار، النادل، شرشف الطاولة، قناني البلاستيك، شجرة، بحيرة ــ مادةً لتكوين عالم شعري يتجاوز يوميته. فالقصيدة لا تذهب إلى الشعر من خلال الابتعاد عن الواقع، بل من خلال إعادة اكتشاف الواقع في مرآة الذات.

مناسبة القصيدة وعلاقتها بالنافورة التي توقفت عند الساعة السابعة:

النافورة هي البؤرة الرمزية الأولى. والماء، في المخيال الإنساني، قرين الحركة والتجدد والذاكرة والحياة؛ لذلك فإن توقف النافورة عند «الساعة السابعة» يؤسس لمفارقة بين جريان الماء وتوقف الزمن.

واللافت أن القصيدة لا تقول لماذا توقفت النافورة؛ وهذا الامتناع عن التفسير ليس نقصاً سردياً، بل استراتيجية شعرية. فغياب السبب يحوّل التوقف إلى سؤال مفتوح: هل توقف الماء؟ أم توقف الزمن؟ أم أن الذات هي التي توقفت في لحظة عاطفية لم تستطع تجاوزها؟

إن «الساعة السابعة» تتحول إلى زمن نفسي لا إلى زمن كرونولوجي؛ فالزمن في القصيدة لا يُقاس بالساعات وإنما بدرجة الثقة والقلق والانكسار.

استعادة الصولجان في محراب الشعرية العربية:

إذا كان «الصولجان» هنا استعارة للسيادة الشعرية، فإن الشاعر يستعيده لا بالعودة إلى القصيدة العمودية، بل باستعادة سلطة اللغة على الأشياء. فالأشياء في النص لا تظهر بوصفها موجودات مستقلة؛ إنها تستمد دلالتها من موقعها في الوعي الشعري.

حين يقول:

««أعطيتُ القصيدة غابةً ونهراً

اجترحتُ المصبّ

وقبّلتُ روحي في وجه البحيرة»»

يعلن المتكلم، بصورة شبه ميتاشعرية، أن القصيدة نفسها أصبحت مجالاً لإعادة خلق الطبيعة. فهو لا يجد الغابة والنهر فحسب، بل «يعطي» القصيدة غابة ونهراً؛ أي إن الشعر هنا فعل تكوين لا وصف.

تأثير القصيدة في القارئ:

تستمد القصيدة تأثيرها من إشراك القارئ في إنتاج الدلالة. فهي لا تمنحه معنى جاهزاً، بل تضع أمامه سلسلة من العلامات المتجاورة، وتدع عليه مهمة بناء العلاقات بينها. ومن ثم يصبح القارئ شريكاً في تجربة البحث عن «الاتجاه البعيد» وعن الذات التي تقول:

««أريد أن يتم العثور عليَّ».»

وهذه العبارة من أكثر العبارات كثافة في النص؛ لأنها تقلب علاقة الباحث بالمبحوث عنه: الذات التي تبحث هي نفسها موضوع البحث.

العتبات النصية والعنوان بوصفه مفتاحاً تأويلياً:

يحمل العنوان ثلاث علامات مركزية: النافورة، التوقف، الساعة السابعة.

فالنافورة علامة الحركة، والتوقف علامة الانقطاع، والساعة علامة الزمن. وبذلك يقوم العنوان على تركيب جدلي: الحركة- السكون، الجريان - الانقطاع، الزمن - اللازمن.

أما «الساعة السابعة» فتكتسب دلالة خاصة لأنها لحظة انتقالية؛ ليست نهاراً مكتمل الوضوح ولا ليلاً مكتمل العتمة. وهذه الوسطية الزمنية تناظر الحالة النفسية للشاعر، الذي يقف بين اليقين والشك، وبين الحضور والغياب.

ويبدأ المقطع الأول بقوله:

««رائحة رذاذ الماء»»

وهي بداية حسية تجعل الشاعر يدخل إلى القصيدة من بوابة الشمّ لا النظر، وكأن الذاكرة أسبق من العين.

ثم تتوالى العلامات:

««الحمامات التسع التي هبطت توّاً

الجرو السعيد

الشمس التي ستغيب بعد ساعتين

نصف القمر المضيء

نصفُه الآخر»»

ويظهر «النصف» بوصفه علامة نقص وانقسام، وهو ما سيجد صداه لاحقاً في انقسام الثقة نفسها.

الأسس اللغوية والبلاغية:

سلامة اللغة وفصاحة اللفظ:

لغة النص في مجملها سليمة، وتقوم على ألفاظ يومية واضحة، لكنها تكتسب شعريتها من السياق والعلاقات لا من غرابة المفردة. وهذا من أبرز مكامن القوة؛ إذ لا يعتمد الشاعر على المعجم الغريب، بل يجعل المألوف قابلاً للدهشة.

ومن التراكيب اللافتة:

««الأوردة الخضراء في يدك

يدك البيضاء الصافية»»

إذ تتحول اليد من عضو جسدي إلى فضاء دلالي تتقاطع فيه الحياة والصفاء والحضور الإنساني.

بنية الأسلوب:

يقوم الأسلوب على التعداد الشعري. فالأشياء تتراكم دون روابط نحوية كثيفة:

««طيور الحمام

الرجل الذي يجمع قناني البلاستيك الفارغة

الكلب الذي معه

محطّة القطار

القطار الذي وصل في الخامسة والنصف»»

وهذه التقنية تجعل القصيدة أشبه بكاميرا شعرية تنتقل من لقطة إلى أخرى، لكنها في العمق لا تنتقل في المكان بقدر ما تنتقل في وعي المتكلم.

الانزياح اللغوي والتركيبي:

أبرز الانزياحات قوله:

««أمسكتُ بالهواء لأتذكّر نفسي»»

فالهواء غير قابل للإمساك مادياً، لكن الاستحالة الفيزيائية تتحول إلى إمكان شعري: الذات تحاول الإمساك بما لا يُمسك لكي تستعيد ما يتعذر استعادته.

وكذلك:

««وضعتُ الحلم فوق شجرة»»

فالتركيب ينقل الحلم من حيز التجريد إلى حيز المكان، فيجعل المجرد قابلاً للوضع والحمل.

أما:

««اجترحتُ المصبّ»»

ففعل «اجترح» يوحي بالفعل العنيف أو الشقّ والاختراق، مما يجعل المصبّ نتيجة لفعل إرادي، وكأن الذات تحاول أن تصنع نهاية لجريان داخلي لا ينتهي.

بؤرة التوتر:

تنتقل القصيدة من:

««ها أنا ذا أثق بالوقت»»

إلى:

««لم أعد أثق بالوقت»»

وهذه الجملة هي المفصل البنائي والنفسي في النص. فالفرق بين «أثق» و«لم أعد أثق» ليس فرقاً زمنياً فحسب، بل انتقال من حالة وجودية إلى أخرى.

الإيقاع والمعمار الصوتي:

لا تنتظم القصيدة في بحر خليلي ولا في تفعيلات ثابتة، ولذلك فإن تصنيفها عروضياً بوصفها قصيدة موزونة سيكون غير دقيق. إنها أقرب إلى قصيدة النثر ذات الإيقاع الداخلي.

ويُبنى الإيقاع على:

التكرار:

«بالوقت -  بالريح -  بالضوء»

ثم:

«لم أعد أثق بالوقت - برائحة الغسق - بالنادل - بالنادل الآخر -  بالريح...»

ويؤدي تكرار «بالـ» وظيفة إيقاعية ودلالية؛ فهو يحوّل الثقة إلى سلسلة من الأشياء التي تخضع للاختبار.

التوازي:

«اثنتان غاضبتان واثنتان قلقتان»

وهو تركيب شديد الدلالة، إذ تتحول أرجل الطاولة الأربع إلى حالات نفسية بشرية؛ وبذلك تتشخصن الأشياء، ويصبح العالم الخارجي مرآة للداخل.

الحروف المهيمنة:

تتكرر الأصوات المائية والرخوة، ولا سيما الراء واللام والميم والنون، بما ينسجم مع معجم الماء والريح والضوء والغسق. وفي القسم الثاني تزداد الأفعال ذات الإيحاء الحركي والانكساري: «يتكسر»، «يتداعى»، «يعيد تشكيل».

الوقفات:

تؤدي الأسطر القصيرة دوراً نفسياً واضحاً؛ فكل سطر يبدو كنبضة أو ومضة إدراك، بينما تتسع الجملة في النهاية لتستوعب فعل الانهيار وإعادة البناء.

البنية الفنية والجمالية:

تقوم البنية الفنية على مرحلتين متقابلتين:

الأولى: مرحلة الثقة.

««ها أنا ذا أثق بالوقت

بالريح

بالضوء

بجلستك الهادئة المليئة بك تماماً»»

إنها لحظة انسجام بين الذات والعالم.

ثم تأتي عبارة:

««قد أكون مخطئاً»»

لتزرع أول بذرة للشك.

وبعدها:

««لم أعد أثق بالوقت»»

فيتحول الشك إلى موقف وجودي.

أما القسم الثاني فيبني عالمه عبر الانقسام والتوتر:

««الثلاثاء الذي صار كل شيء فيه متوتراً»»

وحتى الطاولة نفسها تصبح كائناً نفسياً:

««اثنتان غاضبتان واثنتان قلقتان»»

وهنا تبلغ السيميائيات التشخيصية ذروتها؛ فالجماد يكتسب انفعالات الإنسان، لأن الإنسان لم يعد قادراً على رؤية العالم إلا من خلال قلقه.

القراءة الذرائعية: ماذا تفعل القصيدة في قارئها؟

من منظور الذرائعية، لا تقاس القصيدة بما تقوله فقط، بل بما تفعله في المتلقي. والقصيدة تدفع القارئ إلى إعادة النظر في مفاهيم تبدو بديهية: الوقت، الاتجاه، الأفق، الحلم، الذاكرة.

فعبارة:

«الاتجاه البعيد هو الذي أقصده»

تحوّل المكان إلى مقصد نفسي، بينما:

««أريد أن يتم العثور عليَّ»»

تنقل القصيدة من البحث عن الطريق إلى البحث عن الذات.

وفي النهاية يتحول القارئ من متلقٍ للمشهد إلى شاهد على عملية إنقاذ داخلي:

«أمسكتُ بالهواء لأتذكّر نفسي»

فتصبح القصيدة نفسها محاولة لاستعادة الذات من تبعثرها.

القراءة النفسية:

يمكن قراءة النص نفسياً بوصفه مساراً من الاطمئنان إلى القلق، ومن التماهي مع الآخر إلى استعادة الذات.

في القسم الأول تحضر «يدك»، «جلستك»، «ملامحك»، «آفاقك»، مما يدل على أن الآخر يشغل مركز المشهد. لكن القسم الثاني يعيد مركزية «الأنا»:

««لأتذكّر نفسي»»

ثم:

«وقبّلتُ روحي في وجه البحيرة»

وهنا يحدث التحول النهائي: بعدما كانت الذات تبحث عن الآخر في العالم، تعود لتجد نفسها في «روحها».

والبحيرة في خاتمة القصيدة ليست مجرد ماء؛ إنها مرآة نفسية، ولذلك يصبح «وجه البحيرة» مقابلاً لوجه الذات.

شعرية التوقف بوصفها شعرية للعثور:

إن «النافورة التي توقفت عند الساعة السابعة» قصيدة عن الزمن بقدر ما هي قصيدة عن فقدان اليقين؛ وعن الماء بقدر ما هي قصيدة عن الذاكرة؛ وعن الآخر بقدر ما هي قصيدة عن الذات.

وتكمن قوتها الأساسية في قدرتها على تحويل التفاصيل العابرة إلى علامات وجودية: النافورة تصبح زمناً متوقفاً، واليد تصبح ذاكرة، والطاولة تصبح كائناً قلقاً، والأفق يصبح كياناً قابلاً للتكسر وإعادة التشكل، والبحيرة تصبح مرآة للروح.

ولعل أجمل ما تنتهي إليه القصيدة أنها لا تحاول استعادة العالم كما كان، وإنما تعيد تشكيله بعد انهياره:

««تركتُ الأفق يتكسر يتداعى ويعيد تشكيل نفسه»»

فالتداعي هنا ليس خاتمة، بل شرط لإعادة التكوين. ولهذا فإن القصيدة، في جوهرها، ليست قصيدة عن النافورة المتوقفة، وإنما عن الإنسان الذي يتوقف لحظة أمام الزمن لكي يعيد العثور على نفسه.

ومن ثم تستعيد القصيدة «صولجانها» الشعري الحقيقي: ليس في الزخرفة، ولا في غرابة اللغة، ولا في الوزن الخارجي، وإنما في قدرتها على جعل الماء والزمن والنافورة والأفق والحلم والروح شبكة واحدة من العلامات، بحيث يتحول المشهد البسيط إلى سؤال وجودي مفتوح: متى يتوقف الزمن؟ ومتى يبدأ الإنسان، بعد كل هذا التصدع، في العثور على نفسه؟.

****

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم