عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حاتم حميد محسن: لماذا شعر اليونانيون القدماء بالخوف من الفراغ؟

اعتقد اليونانيون القدماء ان الفراغ امر مستحيل، وان هذه الفكرة أرعبتهم لأنها هددت فهمهم الكامل للواقع. ما الذي يخيف الانسان اكثر هل هو الوحش ام العدم المطلق؟ اليونانيون القدماء انزعجوا من فكرة الفضاء الفارغ. كان عليهم الاعتقاد ان الكون بالكامل كان منظما وهادفا وهيكليا. الفراغ التام بدا مخيفا بشكل لا يصدق واكثر مما يخشونه من الفيزياء. انه وضع الاخلاق، إحساس الفرد بالهوية، الهدف واستقرار الوجود أمام التساؤل. اذا كان "اللاشيء" موجودا حقا، عندئذ سيكون الواقع في نهاية المطاف غير محكوم بالعقل والانسجام.

لماذا اعتقد اليونانيون ان "اللاشيء" غير موجود؟

لكي نبدأ، يجب ان نرى الخلفية لسبب عدم وجود الفراغ ذاته. بالنسبة لمعظم فلاسفة اليونان، "اللاشيء" يستحيل تصوره بشكل عقلاني. بارمنديس تبنّى هذه الحجة عندما قال ان "ما ليس كائنا" لا يمكن ان يوجد بأي شكل من الاشكال. حتى التفكير في اللاشيء ذاته اعتبره مضادا لرؤيته. كيف يمكننا التفكير بشيء غير موجود؟

اعتقد بارمنديس ان الوجود والفكر مرتبطان بعمق. اذا كان الانسان يستطيع التفكير بشيء ما، عندئذ، وبطريقة ما، سيكون ذلك الشيء "هناك" سلفا. هذا يعني ان حالة الفراغ المطلق ستكون مستحيلة. الواقع لابد ان يكون كاملا، مستمرا، ومنظما. هذه الفكرة طبعت اليونانيين. هم كانوا يساوون بين الوجود والنظام والعقل والفهم. الكون يُتوقع ان يكون عقلانيا. من جهة أخرى، الفراغ يمثل الفوضى واللاعقلانية. الخوف لم يكن فقط فيزيائيا، انما كان أيضا نفسيا.

اذا كان اللاشيء موجودا، فان الواقع سيكون بلا بناء او غاية. تلك الفكرة بحد ذاتها ازعجت المفكرين اليونانيين، طالما ان فلسفتهم كانت دائما تبحث عن الانسجام والمعنى الكوني. الناس حاليا لايزالون يشعرون بنفس الخوف. العديد من الافراد يكافحون ضد مشاعر الفراغ الوجودي او فكرة ان الحياة قد لا تحتوي على معنى. الناس بالطبع ينظرون الى النماذج، التوضيحات، والبناء لأن اللايقين الثقيل يسبب لهم الفزع.

شعر اليونانيون بهذا القلق في وقت مبكر. بالنسبة لهم، الفراغ ليس فقط فضاءً فارغا. انه يرمز الى الاحتمال المرعب بان الواقع قد لا يكون له أساسا قويا ابدا.

ارسطو والخوف من الفضاء الفارغ

رفض ارسطو بقوة فكرة الفضاء الفارغ في كتابه الفيزياء، الجزء الرابع. طبقا لارسطو، الكون بطبيعته قاوم حالة الفراغ. هو اعتقد ان الحركة تحتاج الى شيء ما. الأشياء تسافر من خلال الهواء، الماء، او أي شيء مادي. الفضاء الفارغ سيكون مستحيلا لأنه لا شيء يمكنه التأثير في العدم المطلق او النفاذ من خلاله. يرى ارسطو ان الكون كان تاما، مترابطا، وهادفا. كل شيء له مكان ووظيفة. النجوم تحركت بشكل منظم. الطبيعة تميل نحو التوازن والمعنى. الفراغ يشكل تهديدا للرؤية الكاملة للعالم. الفضاء الفارغ يعني الاضطراب والعشوائية. انه يشير الى وجود مناطق من الوجود منفصلة عن الهدف والبناء. ارسطو وجد من الصعب جدا الاعتقاد بهذه الفكرة.

عالم اليونان عكس هذا الخوف بقوة. الكون جرى تصوره كنظام متناغم فيه كل عنصر احادي مترابط طبيعيا ومنطقيا. فكرة الفراغ غير الهادف اعتُبرت غير طبيعية وبغيضة.

مع ذلك، العلم الحديث كان محتوما عليه في يوم ما ان يتحدى رؤية ارسطو. الفيزيائيون لاحقا كانوا قادرين بانفسهم على اكتشاف الفراغ وما نراه في الفضاء الخارجي. حتى الان، الفضاء الفارغ في الحقيقة ليس "فراغا". فيزياء الكوانتم تبين لنا فعالية مستمرة، جسيمات، وتغيرات في الطاقة تحدث دائما ضمن ما يبدو فراغا.

العلوم الحديثة عادت نوعا ما الى ذلك الشعور من اليونان القديمة، حول اللاشيء. الناس لايزالون يكافحون لتصور الفراغ المطلق لأن الذهن يبحث اوتوماتيكيا عن النظام والحضور. ارسطو تصور هذا التصرف النفسي قبل الاف السنين. بالنسبة لليونانيين، الكون الفارغ لايبدو فقط خاطئا علميا وانما الشعور به أمر لا يطاق.

الفوضى الكونية: خوف اليونانيين من الاضطراب

لو نظرنا في الميثولوجيا اليونانية، نراها تبدأ بفكرة مدهشة للغاية وهي انه قبل ان يوجد النظام، كانت هناك فوضى. هذه لم تكن في فهمنا الحديث، فقط فوضى محضة تتمثل في الاضطراب. الفوضى صُورت كفجوة غير واضحة وبلا حدود توجد قبل التكوين وظهور المعنى والشكل، اليونانيون كانوا يشعرون بخوف عميق من هذا.

حضارة اليونان حاولت باستمرار فرض نظام على الواقع. هندستهم المعمارية بيّنت اهتماما في كل من التماثل والتناسب. فلسفتهم باستمرار سعت الى أنظمة عقلانية. سياستهم سعت دائما الى بناء مجتمعات محكومة بالقانون بدلا من الفوضى. الفراغ نُظر اليه كمضاد لكل شيء اعتقدوا انه ثمين. الفراغ المطلق دل على عدم استقرار تام وعدم تنبؤ كامل. بدون تكوين، هويتك تصبح غير واضحة. بدون نظام، سيبدو الواقع يستحيل فهمه او ادارته. هذا الخوف يظهر دائما في التراجيديا اليونانية. الشخصيات يحاولون دائما الهروب من اللانظام او المصير، فقط ليقعوا في فخ قوى اكبر من انفسهم.

ان انهيار البناء يحمل تهديدا كبيرا. المجتمعات الحديثة أيضا تستمر في مواجهة هذه المخاوف. انهيار اقتصادي، عدم استقرار سياسي، وتفكك المجتمع يرسخ الخوف لأن الناس يعتمدون على أنظمة منظمة ليشعروا باليقين.

اليونانيون تعلموا هذا نفسيا. الناس مطلوب منهم عادة وضع أشياء روتينية، أفكار متخيلة مسبقا، عادات مؤسسة، ومؤسسات لأن النقص المطلق للمعلومات ينتج قلقا وجوديا. الفوضى تثير ليس فقط مخاطرة عالية في البقاء وانما أيضا في معنى الوجود. هذا هو السبب لماذا فلاسفة اليونان اصبحوا مسحورين بالانسجام والتوازن والنظام الكوني النهائي لدرجة لا فكاك منها . ان الفراغ اصبح رمزا لكل الأشياء غير المستقرة والخارجة عن السيطرة كليا. وربما ذلك الخوف لم يتوقف ابدا في ان يكون جزءا من كامل الحضارة البشرية.

ديموقريطس، الذرات، والقبول الراديكالي للفراغ

ماذا لو لم يكن الكون منظما بدقة في كل الاوقات؟ ماذا لو ان كل ما يحيط بنا هو مجرد ذرات بسيطة عائمة في فراغ تام؟ بينما العديد من اليونانيين كانوا خائفين من اللاشيء، ديموقريطس قبل بذلك تماما. هو ومعه الذريين ادخلوا احدى اهم الأفكار الراديكالية في الفلسفة القديمة: وهي ان الواقع يتألف من ذرات صغيرة جدا غير مرئية تتحرك في فضاء فارغ. العديد من اليونانيين اعتبروا هذا امرا مخيفا.

خلافا لارسطو، ديمقريطس اعتقد ان الفراغ كان مطلوبا للحركة. بدو فضاء فارغ، الذرات لن تتحرك ابدا، او تصطدم، او تخلق كل العالم المرئي من حولنا. في هذه الفلسفة، الفراغ في الحقيقة يشكل جزءا من الوجود بدلا من ان يكون نقيضا له. تلك الفكرة غيرت كل شيء. الواقع لم يعد يعتمد على نظام الهي او عقل كوني. بدلا من ذلك، الكون نشأ من هذه الجسيمات غير المرئية، المتحركة باستمرار خلال الفراغ.

العلم الحديث في الحقيقة اقترب كثيرا من هذه النظرية القديمة. الفيزياء الذرية، ميكانيكا الكم، وعلم الكون كلها تصف البنى المختبئة التي تشكل الواقع ذاته تحت تجربتنا اليومية . ديموقريطس سبق عصره كثيرا. مع ذلك، العديد من اليونانيين عارضوا الذرية لأنها هددت الأفكار التقليدية للمعنى والنظام. اذا كان الوجود ينتج من ذرات تتحرك عشوائيا في فراغ تام، عندئذ ربما لا يمتلك الكون هدفا مقررا سلفا ابدا. تلك الامكانية يجب ان تكون مقلقة جدا. الذريون جعلوا الفلسفة تواجه اسئلة نحن انفسنا لانزال نسألها اليوم: هل ينطوي الواقع ذاته على معنى متأصل، او هل نحن نصنع معنى لأنفسنا ضمن كون غير مختلف؟ ديموقريطس قبل باللايقين بطريقة لم يكن العديد من المفكرين القدماء قادرين على القيام بها. ولهذا السبب تُعتبر فلسفته حديثة جدا حتى اليوم.

لماذا هدد الفراغ أفكار الهوية والمعنى اليونانية

بالنسبة لليونانيين، الفراغ مثّل تهديدا اكبر من الفيزياء. انه هدد المعنى. الفلسفة اليونانية ربطت دائما الاخلاق وهدف الانسان بالنظام الكوني. الكون نُظر اليه كمنظم وعقلاني ومليء بالمعنى. الناس وجدوا موقعهم ضمن التناغم الاوسع. لكن الفراغ أشار الى شيء ما مخيف: ماذا لو لم يأتي الوجود مع اتجاه مصمم سلفا؟ هذا الخوف يبدو واضح جدا في الفلسفة الوجودية اللاحقة أيضا. جين بول سارتر جادل بان الناس يُقذفون الى الوجود بدون معنى محدد مسبقا. فردريك نيتشه حذر بان المجتمع الحديث ربما يصارع بعد فقدان الايمان في النظام الكوني والقيم الموضوعية. بهذه الطرق المتعددة، هذا القلق الحالي كان موجودا سلفا في اليونان القديمة. الفراغ كان رمزا لانهيار اليقين. بدون بناء، الاخلاق ستبدو غير مستقرة ابدا. الذات ستكون غير مؤكدة. حياة الانسان ستبدو مؤقتة وبلا اتجاه كنتيجة لذلك. سايكولوجياً، الناس يقاومون هذا الشعور بانفسهم.

الناس ينظرون دائما لنماذج وتوضيحات وأنظمة لأن الفضاء الفارغ يسبب لهم القلق. الأديان، الفلسفات، العادات والأنظمة السياسية دائما مستعدة لتقديم مهرب من الخوف من اللاوجود. هذه الامكانية بقيت تؤرق اليونان القديمة والفلسفة الهيلينستية لقرون تلت. ولا تزال تؤرق الحياة اليومية.

لماذا لايزال خوف اليونانيين من الفراغ موجودا اليوم؟

لم يختف خوف اليونانيين من الفراغ. اليوم يستمر اللاشيء في إخافة الناس عاطفيا وسايكولوجيا، حتى انه يتخذ اشكالا مختلفة. "الفراغ" الحديث عادة يُنظر اليه كوحدة، ضجر، قلق وجودي او صمت غير مريح يظهر عندما تختفي مشتتات الانتباه. مجتمعنا الحديث يكافح دائما لملأ هذا الفراغ. أجهزة الموبايل، التواصل الاجتماعي، منصات البث، والضوضاء اللامتناهية كل ذلك يساعد الناس على تجنب الجلوس بمفردهم مع أفكارهم، فالكثيرون يخشون السكون لدرجة انهم يفضلون إبقاء انفسهم في حالة انشغال دائم بدلا من مواجهة المجهول وجها لوجه.

اليونانيون لاحظوا هذا السلوك. بالنسبة لهم، الفراغ ليس فقط فضاءً فارغا. انه رمز لفكرة مخيفة: ان الوجود ربما يفتقر الى معنى مؤكد او نظام. ذلك القلق من فقدان الحياة أو ان تصبح الحياة فارغة يؤثر علينا في كل مكان. فالناس يسعون وراء الإنتاجية بلا توقف، ويصيغون هوياتهم عبر الانترنيت، ويملأون جداول أعمالهم جزئيا لأنهم يحاولون الهروب من ذلك الفراغ.  

***

حاتم حميد محسن

 

في المثقف اليوم