قضايا
علي عمرون: في ضيافة بختي بن عودة.. القلق الذي لم يمت
فرش اشكالي: إنها "الضيافة" على طريقة بختي نفسه: نفتح له بابًا في لغتنا، وندعوه ليمارس بيننا "القلق" الذي كان يسكنه. لا لنخلده كأيقونة، بل لنستأنف السفر نحو المواقع الأكثر عتمة، في هذا اليوم الذي تتقاطع فيه، على مفارقة القدر*، ذكرى ميلاد قارئ وموت كاتب، يحق لنا أن نستلهم من بختي بن عودة سحر الكلمات.
الرصاصة الغادرة التي كان يراد لها ذات يوم ان تسكت الصوت الذي قال: "أنا زمان رمزي". وتغتال الجسد النحيل الذي كان يحمل "إيروس الحكمة" وشهوة المعرفة، الرصاصة التي ارادت قتل الأب الذي مزقته تجربة الانفصال، فتحت له ولنا عكس ما اريد لها كوة في جدار الصمت والظلمة فكان الضوء الذي ينبثق من خارز أكثر اشراقا.
لم يمت بختي بن عودة لأنه كان عاشقًا قبل أن يكون ناقدًا والعاشق حي في قلب المحبوب لا يموت، كان عاشقا للضيافة التي تعلمها من الخطيبي، عاشقا للغيرية الكريمة التي لا تبتلع الآخر ولا تذوب فيه. عاشقا لليل لأنه "حكمة"، لم يمت لأنه كان متيمًا بـ"التحاب (Aimance) لا بالحب.
لكن هذا العاشق كان، في الوقت نفسه، "مفجوعًا بمراثي الخيبة" فكان يقتل في اليوم مرات ومرات، مفجوعا بخيبة ثقافة تعيد إنتاج رداءتها و"تتكاثر وتنمو كورم سرطاني" يتألم وهو ينظر الى الديماغوجي والسياسي والاكاديمي المريض المتعفن الذي نصب نفسه إلهًا، متعب بخيبة "المشيمة" التي لا تلد، خيبة "اللا تأسيس واللا تجذر، لا هنا ولا هناك".
من هذا الجرح المزدوج – جرح العشق وجرح الخيبة – انبثق مشروعه الفكري الفلسفي وكانت مقالاته تولد وتنمو لا كجذور واغصان لشجرة" فكرية، بل "ريزومًا"، كتابات تتغذى من أسئلة واخزة وحارقة، تخترق النقد والفلسفة والتصوف والشعر، بلا مركز، وبلا أصل واحد، متحررة من كل وصاية. هناك في " القلق المثلث " تجلى (الحفر في الإبستيمي) كان يحفر وينبش ثم تراه يقفز دون مهادنة إلى "الكتابة الأخرى" باحثا عن عمق المدلول عن المسكوت والممنوع، يتحدث بلغة المتمرد العارف والعاشق يكتب عن "الحداثة كموت" و"انسحاب الكتابة" و"التحاب" كأفق.
في ذكرى اغتياله بعد واحد وثلاثين عامًا، نستأنف أسئلته التي تسم ولا تقتل نتساءل معه: هل ما زالت "العتمة" هي ذاتها؟ هل ما زال "الجزائري" يرفض "الموت" الذي هو شرط الحداثة؟ هل ما زالت "الرداءة" تتكاثر في غياب "الفكر القابل للسكنى"؟ ومن يكتب اليوم لنا " الكتابة الأخرى" في زمن الصورة الكاذبة زمن زخم الدال وعقم المدلول؟
- كيف نستلم "القلق" من صاحبه؟ كيف نحمل "الإبستيمي" الذي حفره دون أن نجعله "إبستيمياً" جديداً يغلق ما فتحه؟ كيف نكون أوفياء لـ"الريزوم" دون أن نحوله إلى "شجرة"؟
- أين يمكن أن نبحث عن "خطاب عاشق" جديد؟ كيف نستعيد "التاء" التي تفيد المشاركة، ونحن محاصرون بـ"الأنا" التي تنتفخ رقمياً؟ هل ما زال التصوف قادراً على أن يكون "ملاكاً للموت"، أي مختبراً للتجاوز؟
- وبعد واحد ثلاثين عاماً من اغتياله، هل قبلنا، كمجتمعات، أن نموت موتاً رمزياً كي نولد من جديد؟ أم أننا ما زلنا نتمسك بـ"المشيمة" خوفاً من المجهول؟
مشروع بختي النقدي وما يميزه
لم يبدأ بختي بن عودة مشروعه النقدي من " النص"، بل من النقد نفسه ففي مقاله المؤسس القلق المثلث، وجه سؤاله الذي صار بيانًا: كيف يمكن للنقد أن يدرس الخطابات والبنيات السردية والروائية إذا كان ممنوعاً إرادياً ولا إرادياً من دراسة وضعية الإبستيمي (Episteme)؟"
كان هذا السؤال، في زمنه وما زال، زلزالاً. فالنقد العربي، في نظر بختي، كان يمارس طقوسه التحليلية بأمان: يدرس الحبكة، الشخصيات، البنية السردية. لكنه يتوقف بأدب مصطنع أمام "الأسوار العالية" للنسق المعرفي الذي أنتج هذه النصوص. لماذا؟ لأنه، كما شخص، "ممنوع إراديًا ولا إراديًا" من دراسة "الإبستيمي". فما هو هذا "الإبستيمي" الذي جعله بختي حجر الزاوية؟ إنه ليس "الإبستمولوجيا" (نظرية المعرفة العلمية)، بل هو، "الأرضية التحتية التاريخية للمعرفة". إنه النظام غير الواعي الذي يحدد، في زمن محدد، انه شروط إمكان ظهور الخطابات، وشروط صدقها أو خطئها. إنه ما يجعل التفكير ممكنًا ومستحيلاً في آنٍ واحد. او بعبارة ادق "النبش في بنية العقل أو التفكير الذي أنتج هذا النص".
آلية المنع التي تنتج هذا الغياب عند بختي يمكن تلمسها على مستويين:
المنع الإرادي المتمثل في الخضوع الواعي للمحظورات السياسية والاجتماعية. بداية من "السياسي المريض" الذي شخصه في حواراته والذي يفرض "خطوطًا حمراء" والناقد يختار، بوعي، ألا يتجاوزها، حفاظًا على مكانته أو سلامته. أما اجتماعيًا، فهي سلطة "الجماعة"، و"العيب"، و"الحرام"، التي تجعل من مساءلة المقدس أو الجنس أو السلطة الأبوية "جريمة أخلاقية".
المنع اللا إرادي وهو الأعمق والأخطر. فالناقد نفسه تشكل عقله داخل نفس "الإبستيمي" الذي يدرسه. أدواته في التفكير، ومفاهيمه (مثل "الأصالة"، "الالتزام"، "الواقعية")، هي نفسها منتجات لهذا النسق. وبهذا، يمكننا أن نحدد ما الذي يجعل مشروع بختي النقدي مختلفًا: انه ليس نقدًا للنص، بل نقدًا للنقد، أي ان مشروعه الأول هو "أركيولوجيا النقد العربي" نفسه. إنه يريد تفكيك "التناغمات الكسولة" التي يمارس فيها النقد طقوسه، وفضح "هشاشة الإبستيمي المهيمن" الذي يجعل النقد أسير ثنائيات جاهزة (أصالة/معاصرة، تراث/حداثة) دون أن يجرؤ على مساءلتها. حيث استعار بختي من فوكو منهج "الحفريات"، لكنه طوعه لسياقه الخاص. "الحفر" عنده ليس بحثًا في الماضي، بل هو حفر تحت أقدام الناقد نفسه، لكشف الأساسات الهشة التي يقف عليها. هو ما سماه "السفر نحو المواقع الأكثر عتمة"، أي نحو الأسئلة التي "كُتمت وأُخفيت"
ان الإبستيمي عند بختي ليس مفهومًا أكاديميًا محايدًا، بل سلطة إنه "السلطة الأعمق" التي يجب فضحها ولهذا، فمشروعه النقدي هو، في العمق، مشروع سياسي. إنه يريد تحويل النقد من "قراءة للنص" إلى "تشريح للعقل الذي أنتج النص"، وبالتالي إلى تشريح للسلطة التي تتحكم في هذا العقل.
ففي مقاله القلق المثلث، أعطانا بختي مثالاً تطبيقيًا على منهجه. حين قارن بين "إبستيمي الثمانينيات والسبعينيات"، لم يقارن أفكارًا، بل قارن الشروط العميقة لإنتاج الأفكار. وحكم بأن المشهدين "يكاد يكونان متطابقين". لماذا؟ لأن النصوص الإبداعية في الثمانينيات "لم تنحت تميزها الخاص، ولم تخرج إلى القراء وهي حاملة لـ'ثوب حفريات المهادنة'".
هذه "المهادنة" هي، في تشخيصه، اسم آخر للمنع الإرادي واللا إرادي معًا. إنها تجسيد لخضوع النقد والإبداع لـ"الإبستيمي المهيمن". عدم القطيعة بين العقدين يعني أن الثقافة العربية ظلت أسيرة نسق واحد، تنتج نصوصًا مختلفة المظاهر لكنها تنتمي إلى "التشكيلة المعرفية" نفسها.
حين يصير القلق لغة
إذا كان "القلق المثلث" قد شخّص العلة (النقد الممنوع من الحفر)، فإن بختي لم يكتفِ بالتشخيص، ففي نصه عن الخطيبي، "الكتابة الأخرى". تجلت الكتابة التي لا تهادن، لا تلبس ، بل تغامر بالسفر نحو "المواقع الأكثر عتمة.
هنا يصبح الخطيبي مرشدًا. ليس لأن بختي يتبناه، بل لأنه يجد عنده نموذجًا للكتابة بلغة الآخر دون ذوبان. هذا هو "النقد المزدوج" تنقد ذاتك وأنت في لغة غيرك، وألا تكتفي بالرفض أو الاستسلام. "في ضيافة الخطيبي"، يعثر بختي على كلمة السر "الكاتب الجيد يُغري أولاً، ويُقدم السم بعد ذلك، وفي أثناء الكتابة يسمّ نفسه" هذه هي "الكتابة الأخرى" إغراء بالجمال، ثم زعزعة لليقين، الكاتب فيها هو أول ضحايا هذا السم. إنها كتابة لا تقف عند حدود النوع الأدبي، بل هي نقد وفلسفة وشعر وتصوف، تحت مظلة سؤال واحد: كيف نكتب دون أن نهادن موتنا الرمزي؟
لم تكن "الكتابة الأخرى" ترفًا جماليًا عند بختي، بل كانت فعل وجود في قلب الموت. هناك، في مقاله "الجن والحداثة"، ينتقل بالقارئ من التحليل إلى الصدمة. يتأمل الجذر اللغوي "ج ن ن" في العربية، فيجد فيه الجنون والظلمة والقبر. ثم يكتب جملته التي لا تنسى "الحداثة ذهاب نحو الموت، فهل الشرقي يقبل الموت؟"
هذا هو السؤال السياسي بامتياز، فالحداثة كما يفهمها، ليست ترقية تقنية، بل قطيعة جذرية مع الذات القديمة، مع "الأب"، مع "التاريخ وشرعيته". إنها موت رمزي يسبق كل ميلاد. لكن المجتمع، الذي شخصه بـ"السياسي المريض المعطوب" الذي نصب نفسه إلهًا انطلاقًا من "التاريخ وشرعيته، الثورة وشرعيتها، النفط وشرعيته"، يرفض هذا الموت. يرفض القطيعة. يتمسك بـ"المشيمة" خوفًا من المجهول. وهكذا، بدل أن يلد الحداثة، يلد "البلاسيبو": دواءً وهميًا، حداثة شكلية، "مادة لها مباهج السواد" لكنها بلا روح.
تشريح الانهيار
في "انسحاب الكتابة"، لم يعد بختي يتحدث عن النقد الأدبي، بل عن موت الوعي النقدي في الفضاء العام. رصد موت الملاحق الثقافية، صعود "الفاست فود" الإعلامي، إنتاج "ذهنية مسالمة راضية غير احتجاجية". بالنسبة له، لم يعد القارئ الجزائري قادرًا على إنتاج "جملة مفيدة"، لا بالمعنى النحوي، بل بمعنى "الموقف من العالم". وعندما يحلل عبارات يومية مثل "حاشاك" و"الله غالب"، فهو لا ينتقد العامية، بل يُطبق "القلق المثلث" على الحياة اليومية: هذه العبارات تجسيد لسالبية وجودية، استسلام لـ"ما هو قائم، مكتوب"، خوف من المجهول.
في "اللحظة الجزائرية"، يكثف هذه الرؤية في معادلة دقيقة " قدر المعنى" مقابل "واجب المفهوم " قدر المعنى هو كل ما نورثه دون تفكير: الخطابات الجاهزة، الهويات الخيالية، الصيغ اللغوية الميتة. أما "واجب المفهوم" فهو العمل الشاق: أن نبني مفاهيمنا بأنفسنا، أن نُسمي الأشياء بأسمائها، أن نستعيد "روح الأنوار" لا كاستيراد، بل كفعل نقد ذاتي. في هذا السياق، لم تكن "التبيين" سوى محاولة يائسة ونبيلة لخلق "مكان ثقافي" او ماسماه هو " فكر قابل للسكنى"
في آخر ما كتب، لم يعد بختي يحفر في النصوص، بل في مشروعه هو. استعار ثلاث كلمات لاتينية Placebo الدواء الوهمي، Place المكان، Placenta المشيمة، وكتب جملته التي تنزف ألما لا تأسيس ولا تجذر، لا هنا ولا هناك
قتل ولكنه لم يمت
لقد كان بختي بن عودة "ريزومًا" لا شجرة. لم يؤسس لنسق مغلق، ولم يلبس ثوب الأكاديمي المثقف الذي حددت له السلطة الخانات التي يتحرك فيها، بل كان رسول حكمة واشراقا في قلب الظلمة ترك لنا أسئلة مفتوحة، تشعبات تنمو بلا مركز. في ذكرى دمه الذي سال قبل واحد وثلاثين عامًا، لا نملك أن نقول إن مشروعه "نجح" أو "فشل". نملك فقط، كما فعل هو في ليلة وهران، أن نفتح النافذة. أن نستقبل الضوء الذي يأتي من "خارز"، من "العتمة"، من السؤال الذي لم يُغلق. أن نكتب، كما كان يحلم، "الكتابة الأخرى" التي لا تموت. وهذا، في ذاته، هو "التحاب" الذي كان يبحث عنه: تشاركٌ في السؤال، حيث لا صوت يعلو على صوت الدهشة، وحيث يكون القارئ، بعد واحد وثلاثين عامًا، هو الوريث الشرعي للقلق الذي لم يمت.
توقيع
- هي الأقدار: بين لحظة الميلاد ولحظة الموت، تتشارك الأرواح في عشقها للسفر نحو عوالم العتمة بحثًا عن لحظة الإشراق. ففي 22 ماي يوم اغتياله، كان لي موعد آخر مع الحياة عام 1972. وها أنا، بعد واحد وثلاثين عامًا، أكتب له هذه "الضيافة"، لأقول له: لم تمت. فما زرعته من قلق ما زال ينمو فينا، ريزومًا بلا نهاية.
***
عمرون علي







