قضايا
عبد الهادي عبد المطلب: هل نعيش زمن انقراض الانسان؟
تأمُّلات في زمن ما بعد الإنسان
تمهيد: هل يعيش الإنسان زمن انقراضه؟ وهل بدأ العد العكسي لتراجع الإنسان عن مركزه الإنساني لصالح النظم الخواريزمية[1]؟ وهل انتهت صلاحية الإنسان وابتدأت ثورة النظم المعلوماتية؟ وهل وقَّع الإنسان صكَّ انقراضه حين ارْتَكَن إلى الراحة والهدوء والدّعة، وسكت عن السؤال وأغلق عنه باب المغامر؟
يُحيلنا هذا الطّرح التراجيدي إلى تحذيرات (فريدريش نيتشه) في كتابه «هكذا تكلم زرادشت» حول "الإنسان الأخير" كمفهوم فلسفي للإنسان الساكن، الرّاضي بوضع الـقطيع، بلا طموح، يسعى فقط للراحة، الأمن، والملذات الصغيرة، ورؤى (هايدجر) حول التقنية التي تحول الإنسان إلى "مخزون احتياطي". فهل أخطأ الإنسان حين سلّم المشعل للنّظم المعلوماتية تقوده مُتَحكِّمةً في عالمه؟ وهل أخطا حساباته وتقديراته واتجاهاته حين ألغت النظم المعلوماتية معناه وغاياته ومسافاته وآماله وتأمّلاته وأخرجته من السياق وحكمت عليه بعدم الصلاحية، فارتاح واطمأنّ على بذرته التي زرعها فيها وأصبح قاب قوسين أو أدنى من التجاوز والاندثار؟
انقراض الإنسان مقاربة تراجيدية ليست موتاً فعلياً، بل عبور نحو ما بعد الإنسانية. فالعالم اليوم تحكمه النّظم الذّكية التي صمّمها الإنسان نفسه ليتنازل لها، بعد ذلك طواعية، عن مكانته ومركزيته ويصبح خادما لها.
مقدمة..
«ما بعد الإنسان» سؤال يضرب عميقا في وجود الإنسان ومركزيته، وفي «النُّظُم المعلوماتية» كواقع يفرض نفسه بقوة، ويعتبر أحد المواضيع إثارة للقلق والدهشة في آن واحد، فهو يطرح تساؤلاً جوهريا تتفرّع عنه أسئلة مقلقة: هل الإنسان بصدد تطوير أدوات وجوده ومعناه، أم بصدد فقدان ماهيته، وتوقيع صكّ انقراضه لصالح النظم المعلوماتية؟
لطالما كان الإنسان هو المركز الذي يدور حوله الكون، والعقل الذي يطوِّع المادة لتخدُم إرادته، غير أننا الآن نقف على أعتاب عصرٍ لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أداة خارجية، بل بدأت تتوغّل في نسيجه البيولوجي وهويته المعرفية. إن "ما بعد الإنسان" ليس مجرد مصطلح تقني، أو تجاوز للقيود البيولوجية الطبيعية، أو تطوير القدرات الجسدية والفكرية ودمج الآلة بالجسد في إطار ما يسمى بالسبيرانية لزيادة كفاءة الذاكرة والحواس والسعي نحو الخلود، أو تأخير الشيخوخة، بل هو صرخة ميلاد لكائن جديد يتشكل في رحم النظم المعلوماتية؛ حيث تتلاشى الحدود الفاصلة بين الانسان كنبض للحياة ومركز لها والنظم المعلوماتية كهياكل منطقية لإدارة البيانات. فهل سنظل في نهاية المطاف "بشراً" كما عهدنا أنفسنا، أم أننا نتحول إلى نسخة مطورة تتجاوز قيود الجسد والزمان؟
ما بعد الإنسان..
هذه ليست نبوءة ولا محض خيال علمي جامح، لكنه، وبحياد تام، تفكير لسيناريو قد يبدو دراميا، ووقفةٌ للتّأمل فيما وصل إليه الإنسان، وفتح نقاش هادئ ورصين عن زمن فقد فيه الإنسان مركزيته لصالح النّظم المعلوماتية، كما فقد إنسانيته ومعناه الحقيقي في الوجود.
هل يعيش الإنسان زمن انقراضه؟ والانقراض هنا لا نعني به المحو والفناء والزوال، بل نقصد به التّخلّي عن مركزيته وفشله في تسيير دواليب الحياة وخلافته في الأرض وإعمارها. وهل بدأ العدّ العكسي لتراجع الإنسان عن غاياته وصلاحياته الإنسانية والوجودية لصالح نُظم لا تعترف بما يؤسّس وجود الإنسان من أخلاق وقيم وعدالة وكرامة وحرية؟ وهل «نهاية الإنسان هي المعرفة؟»[2]، «نعم، لإنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كانت المعرفة ستُنقذه أم أنها ستقتله. سيُقتل، نعم، لكنه لا يستطيع أن يعرف ما إذا كان قُتل بسبب المعرفة التي اكتسبها أم بسبب المعرفة التي لم يكتسبها والتي كانت لتُنقذه لو أنّه عرفها»[3].
لقد استفادة الآلة من معارف الإنسان وحسّنت أدائها، واتّسع نطاق اشتغالها وتحكُّمها في مجرى حياته من مولده إلى مماته، وبرضاه حين أقصى نفسه وركن إلى الظل يستريح بعيدا عن القلق الفكري وعن السؤال، ولم يعد يُقلقه تراجعه عن مركزيته، ولا الضّريبة الباهظة التي يؤدّي ثمنها من وجوده الإنساني والروحي، وحين لم يعد يُلقي بالاً للقيم ولا لتشْييء الإنسان وتسليعه، كلّ شيء يمضي سلساً إلى نهايته وحتفه من دون الشعور بالذّنب أو ضياع الاستقرار النّفسي.
الصلاحية للإنسان أم للنّظم الذكية؟..
لقد سمّى الإنسان الأشياء بمسمّياتها وأغلق الكتاب وغادر مركزه في الدّائرة، وأتلف خريطة وجهاته، وأَبْدَلَ الفعل بالتّفرج والانتظار، ووقف ذليلا يستجدي معارفه وسيْر حياته بكل تفاصيلها ممّنْ وقّع لهم صك انسحابه وأصبح حلاًّ مؤقتا في حين استمرت النظم بذكائها تؤسِّس لوجودها القوي، لأن سنة الحياة أن تُجدّد خلاياها وتتخلّى عن التي ماتت أو أصابها الدمار، وتبحث عن البدائل التي يقود بها العالم الجديد.
أعطى الإنسان، في إطار التسابق الحضاري، كل شيء، وبنفس السرعة التي أعطى بها فقَدَ كل شيء حين زرع روحه في بديلٍ لا يعترف بما يقيم أوْدَ إنسانيته فحكم على سلالته بالتيه والضياع، وجلس في الهامش أسفل الحياة كتوقيع باهت ضائع لا قيمة له، تجاهل الإشارات والتحذيرات وصفّارات الإنذار، وضاعت من يده السلطة، وطوى صُحُفَهُ وأغلق عنه الأبواب، وأمسك مناديل الوداع يلوّح بها غير نادمٍ، ووقف ينتظر جنازته ليُدفن عميقاً من دون اعتراف ومن دون مقاومة، وتخلى عن البحث والسؤال والفضول العلمي والقلق المعرفي لصالح الإجابات الجاهزة من النظم المعلوماتية، واستحلى الاعتماد عليها فأصبحت تختار له ما يقرأ وما يشتري، وكيف يفكّر ويربي أولاده، وكيف يحل مشاكله، في انتظار أن يضيف إلى صك تنازله تنازلات أخرى.
ماذا..
هل يستمر العالم من دون الإنسان؟ وهل سنعيش زمن استحكام قبضة النّظم الذكية في دواليب الحياة وتسيير العالم؟
حين تراجع الإنسان عن مركزيته كان لابد من تدخّل ومن تصحيح للأمور وحكم العالم، وكان لابد أيضا من إصلاح العطب وتحريك دفة العالم يسير بسرعة، وكان لابد أخيرا من إحياء الدهشة والسؤال والانفتاح على آفاق بكر وعلى زمن جديد، زمن لا يخاف المواجهة ولا يركن إلى الراحة، يخاف البُطء والتّوقّف، يدفع العالم إلى الأمام بقوة، يبدو خارج الزمن، لكنه الزّمن وصانع الزّمن، والإنسان في دعته يكره السرعة بينما النظم الذكية تكره الكسل، والسرعة عندها تقتل التفاصيل، بل لا تعترف بها ولا بالقيم والأخلاق والحب أو الكره، تقود الإنسان إلى نهايته وتُبقي العالم مُعلّقاً تتلاعبه التّنبّؤات، تسير به من دون شغف ولا دهشة ولا روح، مُبرْمجٌ من دون مقاومة، ينام ليستيقظ على زمن النظم التي ملكت كل شيء تصوغ أيامه بلا معنى يُعدّدُ خساراته وانكساراته وهزائمه.
ما بعد الإنسان يحتاج نبوءة قوية صادقة، صادمة ومنطقية لنقول لم يبق من الإنسان إلا اسمه وعينان في رأس لا يفكّر كثيراً، ونفَسٌ طالع ونازلٌ، ولا شيء آخر مهم حين تنازل برضاه عن مركزيته ومعناه وإنسانيته ووجوده، وحين سكتَ عن السؤال والبحث فيه.
ما بعد الإنسان أزمنةٌ تمر تَتْرى بلا توقُّف، لا أحد يفتح قلبه ليعي ما وصل إليه الحال، لأن السؤال ضاع، فالعالم بعد الإنسان حكاية تتناقلها الشّفاه تدفعها إلى النسيان، حكاية عن عالمٍ لم يعد شاهداً على شيء، لا هو أفضل ولا أسوأ، يسير بلا توتّر، لا يُفرّق، لا يتعلّق، لا يحب، لا يكره، يسير سريعا بلا توقّف بهدوء مُرْبِك وسلام بارد، بكثير من الرغبة لملء ما بعد الإنسان بعيداً عن الصراع، لأن الصراع إنساني. والإنسان في زمنه هذا موجود وغائب، يعمل ولا يعمل، يتلاشى حضوره، يبتعد عن إنسانيته ومركزيته، يقاوم بما تبقّى له من وجود وقوة كي لا يختفي تماماً وينقرض.
ختاماً..
رغم هيمنة عالم النظم المعلوماتية والسرعة التي يفرضها على الإنسان، يظهر أن زمن "ما بعد الإنسان" ليس وجهة نهائية نصل إليها أو حتفا نُدفعُ إليه دفعاً، بل هو رحلة مستمرة من التكيف والتحول. ورغم كل الإغراءات التي تقدمها لنا الرقمنة من "خلود تقني" أو "ذكاء فائق"، يبقى الرهان الحقيقي ليس في مدى سرعة معالجاتنا لما غمض من الحياة أو سعة ذاكرتنا للتخزين والتحليل، بل في قدرتنا على الحفاظ على تلك "الشرارة" التي تجعلنا بشراً، شرارة التعاطف، والحكمة، والوعي بالجمال، وإنسانية الإنسان. إن الخوف ليس من أن تصبح الآلات مثلنا، بل من أن نصبح نحن مثلها، مجرد نظم معلوماتية باردة خالية من المعنى. لذا، ونحن نخطو نحو هذا المستقبل السيبراني، علينا أن نتذكر أن أعظم إنجاز لمعلوماتيتنا يجب أن يكون تعزيزاً إنسانيتنا، لا محوها، ليبقى الإنسان، بكل تناقضاته وضعفه، هو المعيار الأسمى في عالمٍ تتصارع وتتلاعب به الأرقام.
***
عبد الهادي عبد المطلب
الدار البيضاء / المغرب
....................
[1] الخوارزمية (Algorithm) هي مجموعة من الخطوات المُنظمة والمُتسلسلة التي تُصمم لحل مشكلة محددة أو أداء مهمة معينة.
[2] فرانسيس فوكوياما. نهاية الإنسان (عواقب الثورة البيوتيكنولوجية). ترجمة د. أحمد مستجير. إصدارات سطور 2002. (ص 7 ـ 8)
[3] نفس المصدر (ص 7 ـ 8). جوابٌ لشخصية من رواية «كل رجال الملك» لروبروت وارين.







