قضايا

حيدر عبد السادة: البطريق والنورس وايرين ييغر

ما أُطلق عليه (البطريق العدمي) ليس مجرد طائر خرج عن مساره الطبيعي، بل كائن أعلن تمرّده الصامت على منطق القطيع… ففي المشهد الذي وثّقه الفيلم الوثائقي عام 2007، لم ترصد الكاميرا حركة بيولوجية عابرة، بل لحظة وعي نادرة، إذ اتّخذ أحد البطاريق اتجاهاً معاكساً، مبتعداً عن دفء الجماعة ومتقدّماً نحو المجهول، وكأنه يرفض أن يُختزل الوجود في طقس دائري مكرر تُعاد فيه طقوس الأكل والبقاء بلا سؤال، بدا وكأن قراره يهمس بحقيقة أعمق: أن العالم لم يُخلق ليكون حظيرة آمنة، بل فضاءً مفتوحاً لاكتشاف ما يخفيه من معانٍ مؤجَّلة.

وعلى ذات المسار الرمزي سار النورس (جوناثان ليفنجستون) في رواية (ريتشارد باخ)، إذ تمرّد على سرب لا يعرف من الطيران سوى ما رُسم له سلفاً ولا يرى في الأفق إلا حدود الحاجة والغريزة، فاختار أن ينفلت من هندسة التحليق الموروثة وأن يقفز بروحه قبل جناحيه نحو علوٍ آخر خارج جمود السرب ورتابة قوانينه، وهناك حيث الخطر والاحتمال تحققت له بحبوحة التحرر حين استعاد الطيران بوصفه معنى لا وظيفة.

أما (إيرين ييغر) بطل الكاتب الياباني الشهير (هاجيمي ايساياما) ورائعته في مانغا (الهجوم على العمالقة)… فقد حمل منذ طفولته جرح السؤال ذاته؛ سؤال ما وراء الأسوار، فلم تكن الجدران وسيلة حماية بالنسبة له بل رمزاً خانقاً لعالم مسروق، لذلك أصر على الخروج إلى الخارج، إلى البحر والصحارى والمحيطات، لا بوصفها أمكنة جغرافية فحسب، بل باعتبارها استعارات كبرى للحرية، فانضم إلى فيلق الاستطلاع مؤمناً بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع وأن الوجود الحق يبدأ لحظة كسر السياج الأول.

تكشف هذه الثلاثية، رغم اختلاف وسائطها بين الوثائقي والأدب والأنمي، عن جوهر واحد: قلق الكائن أمام حدوده وتمرده على المعنى الجاهز وسعيه المحموم نحو الحرية، وحين نضع هذه النماذج الثلاثة جنباً إلى جنب لا يعود السؤال متعلقاً بالشخصيات ذاتها بل بما تمثله في وعينا نحن، (فالبطريق العدمي) ليس كائناً غريباً عن الإنسان بل صورته الأولى حين يُلقى في العالم قبل أن يتعلم اللغة وقبل أن يفهم الدين وقبل أن تمنحه الثقافة تفسيرات جاهزة لما يحدث له، إنه الإنسان في لحظة الصدمة الأولى، موجود لأنه موجود، يتحرك لأنه إن توقف سيفنى، يمضي لا بدافع الأمل بل بدافع الغريزة الخالصة، هنا لا معنى للحياة ولا عبث لها، لأن العبث ذاته يحتاج وعياً كي يُدرك، ولهذا تبدو عدميته صافية باردة خالية من الغضب كأنها حياد كوني مطلق، وجود بلا احتجاج ولا تصالح، مجرد حضور عارٍ في عالم لا يفسر نفسه.

لكن هذا الوجود لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالكائن ما إن يبدأ بالسؤال حتى يغادر براءته الأولى، وهنا يولد (جوناثان) لا كنورس فحسب بل كقفزة في الوعي، لم يعد الاكتفاء بالبقاء كافياً ولم تعد الغريزة مبرراً أخلاقياً للحياة، يظهر لأول مرة التوتر الخطير بين الفرد والجماعة بين ما أستطيع أن أكونه وما يُراد لي أن أكون، (جوناثان) لا ينكر القطيع لكنه يرفض أن يكون القطيع سقفاً للوجود، فيكتشف أن الحرية ليست حالة طبيعية بل انحراف عن السائد وأن كل خروج عن المتوسط يُقرأ بوصفه تهديداً للنظام، ومن هنا تصبح الحرية فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون حقاً اختياراً واعياً لدفع الثمن، لأن من يرى أفقاً أبعد لا يستطيع أن يعود إلى العمى الطوعي دون أن يخون ذاته. غير أن هذه المرحلة، على نقائها، تظل رومانسية إلى حد ما، ف(جوناثان) ما زال يؤمن بأن الحرية ممكنة دون أن تتحول إلى لعنة، وأن الفرد يستطيع أن يسمو دون أن يهدم العالم من حوله، لكنه لا يرى بعد البنية العميقة للعنف الكامن في التاريخ ولا يدرك أن بعض الحُجب لا تقطع بالطيران، بل تُبنى أصلاً لمنع أي تحليق محتمل، وهنا يولد (إيرين ييغر) بوصفه انهيار الحلم الوجودي الجميل وانتقال الحرية من سؤال أخلاقي إلى معضلة كونية.

(إيرين) لا يسأل كيف يكون الإنسان حراً بل لماذا تُصادَر الحرية أصلاً ومن المستفيد من استمرار القيد، وحين يكتشف أن العالم منقسم بنيوياً إلى سادة وضحايا، مركز وهامش، إلى من يكتب التاريخ ومن يُسحق تحته، تتشقق داخله فكرة الخلاص النقي، لم تعد الحرية مشروعاً فردياً بل صراعاً صفرياً إما أن أكون حراً أو يُمحى وجودي، وهنا تتحول الحرية من نور إلى نار ومن قيمة إلى قوة ومن حلم إلى آلة، في هذه اللحظة المأساوية لا يعود العنف خياراً أخلاقياً بل ضرورة وجودية كما يراها الوعي المكسور، فيصبح الإنسان مستعداً لأن يحمل خطيئة العالم كله على كتفيه كي يفتح ثغرة واحدة في جدار القدر، حتى لو علم مسبقاً أن هذه الثغرة ستبتلعه هو أولاً، (إيرين) لا ينكر بشاعة ما يفعل لكنه يرى أن البشاعة جزء من منطق العالم ذاته وأن البراءة لم تكن يوماً متاحة للجميع، بل هي امتياز لمن وُلد خارج دائرة القهر.

وهكذا نكتشف أن المأساة الحقيقية لا تكمن في تحوّل الضحية إلى جلاد بل في أن النظام نفسه لا يتيح خياراً ثالثاً، فالحرية هنا لا تُنال دون أن تُلوَّث ولا تتحقق دون أن تنقلب ضد ذاتها، ولذلك يبدو (إيرين) أقرب إلى التراجيديا الإغريقية منه إلى بطل معاصر، محكوماً بمعرفة لا يستطيع الهروب منها، ومساقاً نحو مصير يكرهه لكنه يحققه في آن واحد، وكأن الوعي حين يبلغ منتهاه يتحول من نعمة إلى عبء لا يُحتمل.

وعند هذه النقطة تعود الثلاثية لتلتقي في دائرة واحدة: البطريق يمشي لأنه لا يعرف، جونوثان يطير لأنه يؤمن، وإيرين يدمر لأنه عرف أكثر مما ينبغي، ثلاثة أشكال للوجود الإنساني لا يتناقض أحدها مع الآخر، بل يتعاقبون داخل الإنسان نفسه عبر الزمن، فنبدأ حياتنا عدميين بلا وعي، ثم نصبح مثاليين نحلم بالحرية، ثم نكتشف أخيراً أن العالم أعقد من أن يُنقَذ بنقاء الفكرة وحدها، وهنا لا يبقى السؤال: من هو على حق؟ بل أي مرحلة نعيشها الآن؟ وأي ثمن نحن مستعدون لدفعه مقابل أن نقول: نحن أحرار؟.

إن البحث المحموم عن المصير المجهول لا يقود بالضرورة إلى خلاص منتظر بل كثيراً ما يستتبع الوقوع في مصير معلول، فكل خروج عن المألوف يحمل لعنة السؤال، وكل محاولة لبلوغ الحرية تستبطن ثمناً لا يُدرك إلا بعد فوات الأوان، فذلك (البطريق) الذي انتهج درب فردانيته حين انسل من قطيعه متجهاً عكس المسار، لم يكن يخطو نحو النجاة بقدر ما كان يوقّع على عزلته الأخيرة، لقد اختار أن يرى العالم بعين واحدة، عين السؤال، غير آبه بنداء الدفء ولا بحكمة البقاء، فسقط وحيداً في بياض لا نهاية له، ليغدو تمرده فعلاً نبيلاً من حيث النية، ومأساوياً من حيث المآل، إذ لم يحتمله الجليد ولم تنتظره الحياة…

وكذلك (النورس جوناثان) حين اختار التحليق خارج سربه لم ينل الحرية بوصفها نعمة صافية بل ذاقها بوصفها اغتراباً، لقد حلق أعلى، نعم، لكنه حلق وحيداً، فالسرب لا يغفر لمن يرى أبعد منه ولا السماء تكافئ من يغامر بلا سند، فكانت حريته مشروطة بالعزلة، ومعرفته مقرونة بالنبذ، وكأن الارتفاع في مدارج الوعي يستلزم دائماً الانفصال عن الجماعة…

أما مجنون الحرية (إيرين ييغر) فقد طاردها طوال حياته كما يُطارد السراب، ظن أن الحرية تكمن خلف الأسوار ثم خلف البحر ثم خلف العدو ليكتشف متأخراً أن كل باب يُكسر يولّد جداراً جديداً، فكلما اقترب منها ابتعدت عنه أكثر، حتى غدت الحرية نفسها قدراً قاسياً لا يُحتمل، وتحول الساعي إليها إلى أداة من أدواتها العمياء، وهكذا لم يكن المصير المجهول وعداً بالخلاص، بل اختباراً وجودياً فادحاً، فمن يخرج عن القطيع لا يختار طريقاً آخر فحسب بل يختار شكلاً آخر من الألم أشد نقاءً… وأشد وحدة.

تكشف هذه الثلاثية العدمية — البطريق، جونثان ليفنجستون، وإيرين ييغر — أن الحرية لا تأتي بوصفها خلاصاً نهائياً بل بداية لمأساة جديدة، فالخروج من القطيع لا يعني النجاة بل الدخول في عزلة مؤلمة حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عن اختياره بدل أن يكون محمياً بالامتثال، التمرد هنا فعل أخلاقي لا فوضوي لكنه لا يُكافأ، فالعالم لا يحتفي بمن يرى أبعد منه بل يعاقبه، القطيع لا يخشى الشر بل يخشى الوعي ولهذا يُقصى المختلف، لا لأنه مخطئ بل لأنه مبصر، كما تُظهر هذه النماذج أن المعرفة ليست نوراً خالصاً بل عبء ثقيل يسلب الطمأنينة، فالحقيقة حين تُكتشف لا تمنح عزاءً بل تجرّد الإنسان من راحة الجهل، وقد يتحول السؤال نفسه إلى لعنة حين يعجز صاحبه عن التعايش مع واقع لم يعد يقبله، وفي أقصى تجلياتها قد تنقلب الحرية إلى طغيان باسمها، كما في نموذج (إيرين) حين يصبح الحلم مبرراً للدمار وتتحول القيمة إلى صنم يطلب الضحايا…

الخيط الفلسفي الجامع بين هذه العدميات المتباينة يقوم على سؤال واحد يتخفّى خلف كل الحكايات: هل نحن أحرار لأننا نختار؟ أم نختار لأننا محكومون بما نحن عليه؟ (البطريق) يمثّل حرية بلا وعي، وجوداً يتحرك داخل الطبيعة دون سؤال أو قلق أو معنى، فهو حر لأنه لا يعرف أنه ليس حراً، (جوناثان) ينتقل بنا إلى التمرد الواعي، إذ يدرك حدوده ويرفضها دون أن يحوّل حريته إلى أداة تدمير، فيسعى إلى تحقيق ذاته لا إلى كسر العالم، أما (إيرين) فيبلغ أقصى درجات الوعي حيث تتحول المعرفة نفسها إلى عبء، فيرى المصير قبل أن يعيشه فيغدو اختياره ملتبساً بين الإرادة والقدر، وكأن الرحلة الوجودية تسير من العدم الصامت إلى التمرد الواعي ثم إلى المأساة الوجودية الكاملة، حيث كلما اتسع الوعي ضاقت الحرية وكلما اقترب الإنسان من الحقيقة ازداد ثقلها عليه، وهكذا تقف هذه الثلاثية عند مأزق الإنسان الأبدي: إما حياة بلا معنى داخل القطيع أو معنى يُدفع ثمنه من الحياة نفسها.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

في المثقف اليوم