قضايا
تركي لحسن: هل في الدين حل لمشكلاتنا الاجتماعية؟
لقد أزاح الغرب الدين من المجال الاجتماعي حين عظمت التناقضات بين البراديغمين الديني والعلمي، وحين ثبت للطبقة البورجوازية الصاعدة أن الكنيسة ورجال الدين ليسوا سوى آليات لاستدامة الاقطاع. حلّت المنظومة التنويرية محل الدين وأصبح العلم هو الإله الجديد، فلا شيء في هذا الكون يمكن أن يسبح خارج فلك العلم.
حقق الغرب نقلة حضارية مبهرة وهيمن على العالم كله بفضل إنجازاته الحضارية، لكنه ما فتئ أن تحولت مكتسباته إلى نكسات وأزمات كشفت الجانب المظلم للحضارة الغربية. جاءت الحرب العالمية الأولى، ثم هيمنت الفاشية والنازية على عرش السلطة، تلتها بعد ذلك حرب عالمية ثانية، ثم أزمة تعددت أبعادها وكثرت مسمياتها قادها الشباب في أواخر ستينيات القرن العشرين. هذا من الناحية السياسة والاجتماعية، أما من الناحية المعرفية فقد شهد المجال العلمي البحت أزمة زعزعت عالم الكّم الذي شُيدت على أسسه الحضارة الحديثة، ثم تلتها أزمة العلوم الإنسانية التي كانت تقتفي آثار العلوم الدقيقة.
كل هذه الأزمات لخصها المفكر الفرنسي، العصي على التصنيف، (رينيه غينون René Guénon)، أو الشيخ عبد الواحد يحي، في كتاباته المختلفة، وعلى وجه الخصوص، كتابه المعنون بـ " أزمة العالم الحديث"، في تخلي الحضارة الغربية الحديثة عن الجانب الروحي وتنكرها للمبادئ الأخلاقية كمنبع للقوانين والمؤسسات.
هذه السردية أصبحت بمثابة عزائنا الوحيد فيما نعانيه من تخلف ومشكلات اجتماعية. فالتيار الذي يتشبث بالحل الإسلامي لازال يحاول تبرير موقفه هذا بالانحدار الأخلاقي والتفكك المجتمعي الذي بات يعاني منه الغرب. إلا أننا، ومن ناحية أخرى، لازلنا مفتونين بمنجزات المجتمعات الغربية على المستويين السياسي والاجتماعي... لماذا هذا الافتتان؟ لأننا على يقين أن الغرب استطاع إلى حدّ ما إيجاد حلول للعديد من مشكلاته الاجتماعية عن طريق الابداع وفسح المجال للمحاولات الفردية ومنح الفرصة للمتميزين والمتفوقين لتولي المناصب القيادية، وهي الحقيقة الغائبة في مجتمعاتنا.
يشتمل الدين على شقين: شق تعبدي فردي، وشق مجتمعي، أو ما يسمى في لغة أهل الدين: فقه المعاملات. يستعين المؤمنون بالجانب التعبدي لبناء مجتمع سوي بلا عيوب، وهذا بطبيعة الحال مطلبا مثالياً، فالتعاليم الدينية تحثهم على ذلك لأن الطبيعة البشرية تدفع الأفراد لإشباع رغباتهم ونزواتهم على حساب تجمعاتهم، صغيرة كانت أم كبيرة. وحتي نحن الذين نؤمن بأن الدين هو قارب النجاة، في الدنيا والآخرة، نخفق في تطبيق تعاليمه التي نعتمدها كمنهاج لحياتنا اليومية.
ما من شك في أن التعاليم الدينية جاءت لتهذيب أخلاق البشر وضبط غرائزهم الحيوانية، وهي تهدف في النهاية إلى بناء مجتمعات سوية، إلا أن تاريخ البشرية يثبت أن البشر، وإن كانوا يأملون في بلوغ مراتب الملائكة، إلا أن فطرتهم البشربة تشدهم إلى الأرض. فالدين لم يُتنزل ليخلق جنة في الأرض، بل ليَعد المؤمنين أن الخير الأسمى لن يتحقق إلا في جنة الخلد.
الدين يدعو إلى السمو، إلى الصفح والتسامح، إلى العفو والإحسان، إلى إزالة الأحقاد والضغائن، إلى المحبة والإيخاء...لكن لو بحثنا عن هذه القيم في مجتمعاتنا العربية الإسلامية فلن نجد إلا نقائضها، إلا ما ندر، وهذا دليل على أن التعاليم الدينية وحدها لن تصنع مجتمعات سوية، وكما ورد في الأثر: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
جاء الدين ليوجه السلوك البشري فيما بين إعمار الأرض والزهد فيها، وهذا ما عصي على الفهم البشري، فكيف نُفني أنفسنا لصناعة مباهج الدنيا ثم نُأمر ألا نحبها. ترويض النفس على إعمار الأرض يُجبلها على حب متاعها، أما الدين فيطلب من الإنسان أن يتجرد من هذه العلاقة السببية لا لكي يحرمه من متعتها، بل لكي يذكره بأن فطرته ترنو إلى الخلود، أما متاع الدنيا فليس سوى لذّات وشهوات ظرفية زائلة وأن تعلقه بها سوف يُضنيه ويرهقه.
أعتقد أنه من المستحيل أن نجعل من التعاليم الدينية قانوناً أرضيا لإصلاح المجتمعات وتنظيمها، وإلا سنضطر لأكراه الناس على حب الله والآخرة وهذا ما يرفضه الدين في الأساس. لن تصلح المجتمعات إلا بالعدل البشري، ولن تنزل علينا حلولا جاهزة من السماء لمشاكلنا الأرضية إلا من خلال ما أـودعه الله في عقول البشر.
العقل البشري مزود بقابلية للتطور كلما تعقدت أساليب الحياة من حوله. فكلما وجد هذا العقل مساحة خصبة وبيئة محفزة على الابتكار تضاعفت فاعليته لإيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية التي تزداد تعقيدا مع الزمن. وما جاء الدين إلا ليفسح للعقل البشري هذا المجال، وحين يساهم التديّن في تعطيل فاعلية الأفراد فاعلم أن هناك خلل في فهم الدين ممارسته.
الدين لا يشتمل على حلول دنيوية جاهزة، بقدر ما هو منهاج ومسلك آمن يرسم الحدود للبشر ليضمن لهم النجاة في الدنيا والآخرة، وليدفع أذى بعضهم عن بعض. فالدين، من هذا المنظور، هو المشتلة التي تُنتج الفرد الفعال القادر على خلق المعجزات الدنيوية ضمن براديغم إعماري يبدأ بخشية الله وينتهي بحبه.
أما نحن فقد اختزلنا الدين في مجرد طقوس تعبدبة ننتظر من ورائها تحقيق المعجزات، ونبرر لجوءنا للحلول الغربية على أنها تسخير من الله. فنحن نستخدم الدين لا كرابط اجتماعي ولا كضابط لسلوكاتنا ومعاملاتنا، بل كطقوس وعادات خالية من كل بعد روحي. نمارس الطقوس الدينية طلبا للمعجزات وننتظر حلا من السماء لمشكلاتنا الاجتماعية. نتوسل بطرق وأساليب ساذجة، نُصبغ عليها طابعا دينيا، لحل مشاكل عويصة ومعقدة، تماما كالذي يعالج مرضا يتطلب عملية جراحية معقدة بمرهم يُدهن فوق الجلد.
نغتبط حين يمدح الآخر ثقافتنا ونتلهف لسماع اعترافات بعضهم بفضل حضارتنا على حضارتهم، ونطير فرحاً حين يعتنق الأجنبي الإسلام، لأننا نبحث دوما عن تبريرات نوهم بها أنفسنا بأننا على حق، وأن الكون كله مسخر لنا، لا لشيء إلا لأننا عرب ومسلمون. نفرغ شحنات الهيمنة الغربية علينا، في كل يوم جمعة، بالدعاء على الكفار والمشركين، ونعطّل فاعليتنا بالدعاء والرجاء كي يُبلّغ الله مقاصدنا ويحقق أمانينا وأحلامنا.
نصبّ جام غضبنا على الكفار والمشركين بدعوة أنهم مارقين عن الدين، لكننا نعيش على ما ينتجون ونقتفي آثارهم ونتبنى مناهجهم وحلولهم لمشكلاتنا الاجتماعية.
أصبح الدين عندنا عامل تفرقة لا عامل توحيد، فالمذاهب والفرق والطوائف ما فتأت تزداد وتتكاثر منذ الفتنة الكبرى إلى يومنا هذا. أما الأحزاب السياسية الإسلامية فلم يعد همها البحث عن حلول للمشكلات الاجتماعية بقدر ما أصبحت تهتم بالوصول إلى السلطة أو التحكم في جزء منها.
قد يكون الدين مفتاحا سحريا لجميع مشكلاتنا الاجتماعية إذا كان العالم كله يَدين بدين واحد ويمتلك ثقافة واحدة، وإلا فسيتحول الدين إلى عامل تفرقة ومصدراً لكل المحن والأزمات.
***
د. تركي لحسن






