اخترنا لكم

عبد الله الغذامي: هل ما زالت القراءةُ الحرة حرّة؟

القراءة هي أعلى درجات الحرية، وهذا هو ما كنا نظنه ونتصوره عن القراءة، وهذا الحس هو ما كان يصنع متعتنا، ومن ثم يطور معرفتنا بخيارٍ مطلق منا. وتتجلى هذه الحريةُ في المقارنة مع حالي الكتابة والتحدث، وفيهما نقع تحت طائلة شروطٍ كثيرة حيث نراعي معهما حالات الخطاب ومقامات التعبير شعوراً منا بواجبات القول وأخلاقيات التلفظ. وكذلك هو شعور بشرط مهنية الأداء، بما أننا فيهما نقدم كشف حساب ذاتياً أو مرافعةً اجتماعيةً تتحدد فيها قيمتنا أمام من يستقبل حديثنا أو كتابتنا.

ومنذ مطالع الثقافات يجري الحثّ على شروط فعل القول، «فلسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك». وقالوا «الأسلوب هو الرجل»، أي أن لفظنا هو معنانا، وبمقدار ما نكسو ألفاظنا بالمعاني التي نودّ توصيلها، فإن المنطوق أو المكتوب هو وجهنا وقيمتنا عند غيرنا، وكذلك مسؤوليتنا، وكثيراً ما يكون مصيرنا مرتبطاً بهما.

وفي قصة المتلمس مع ابن أخته طرفة بن العبد، وردت عبارة «ويلٌ لهذا من هذا»، وأشار بيده إلى لسان طرفة وإلى رقبته، وهي الحكاية التي انتهى فيها طرفة مقتولاً بسبب لسانه. وفي الإعلام الحديث، نرى كم من تغريدةٍ في منصة «إكس» قد تودي بمصير مغردها، في حين كان يظن أنها مجرد تعبير تلقائي، ولكن التلقائي دوماً ما يكون هو القاتل.

أما القراءة فقد ظلّت تمثل لنا ملجأً آمناً نهرع إليه كلما حاصرتنا ظروف الوقت. وسادت صناعة النشر في العالم، لأن المنشور ظلّ مادةً مطلوبةً، ومن ثم مربحةً بما توفره الكتب من متعة روحية ونفسانية، أو ما تقدمه من فائدةٍ تنمو معها مهاراتنا الذهنية واللغوية. ولا يتم ذلك إلا مع الكتب التي نختارها نحن بمرادنا الخاص، وحسب ميولنا التي تكشفها وقفاتنا الطويلة في سوق الكتب، ونحن نقلب صفحات أي كتاب نفكر بشرائه لكي نتأكد أنه يستجيب لحاجتنا له متعةً أو فائدةً. وكانت هذه حالة تسوقٍ مقبولةٍ، ولا قسر فيها، وقد حدث لي أن قرأت كتباً كاملةً في مكان بيعها من المكتبات الكبرى، خاصة حين ظهرت المقاهي في تلك المكتبات كجزء من التكسب عبر أكواب القهوة، ولكن تعلم الناس أن يستخدموها لاستعراض الكتب قبل شرائها، وكانت متعتي الجمع بين ترشف القهوة وتصفح عددٍ من الكتب التي أكون جمعتها كي أختار قراري الأخير معها، وأنتهي عادةً بشراء بعضها وترك أخريات، وحينها كانت قراءتي واشترائي تتم بحرية كاملة، وهي متعة من أجمل ذكرياتي في مكتبات أميركا وبريطانيا في السبعينات والثمانينات وما بعد.

ولكن فجأةً ظهرت حيلةٌ تجاريةٌ عبر حرص الناشرين على تغليف الكتب بغلاف لصيق لا يسمح لك بذاك الخيار الذي كان حرّاً، وهذه الحركة هي أخطر حيلة في التقييد على حرية القراءة وحرية الشراء، وهو تصرف تولد عن فكرة التسويق والإغراء وفرض شروط التجارة على حال القراءة، بما أن القراءة أصبحت مجلبةً للمال ومادةً للمتاجرة، وكان لا بد من صناعة الحيل لتنشيط سبل الربحية.

ولهذا نشأت مثلاً جائزة البوكر حين فكّر مجموعةٌ من الناشرين في سبل تحفيز الشراء، وصمموا جائزة ظاهرها تكريم الكتاب، ولكن نيتها توسيع حالات البيع، فجعلوا الفوز يمر بمراحلَ، أولاها اختيار ستة وثلاثين كتاباً لتكون في القائمة الطويلة للجائزة، ويعلن عنها وتنزل الكتب في السوق لبضعة أسابيع لكي تبيع ما تبيع بوصفها كتباً اختارتها لجانٌ متخصصة من أهل الصنعة وكبار النقاد. وهذا سيغري جموع القراء لاقتناء هذه الكتب المختارة علمياً ومنهجياً كما هو ظاهر الأمر، وتعززه الأخبار المدوية بأسماء تدهش وتلفت، ثم تأتي القائمة القصيرة بستة كتب فتبيع ما تبيع في وقت مفتوح لها إلى أن يحين وقت الدهشة الكبرى بالإعلان عن الكتاب الوحيد الفائز. وهذه ملحمةٌ تجارية تصنع أرباحاً تتضاعف بالتدرج، وبتوالي الأحاديث عن هذه الجائزة التي بمقدار ما تُشهر الكتب والأسماء فإنها تجني الربح وتضاعفه، ما يحقق رغبات الناشرين.

وفي هذه الحركة يجري توجيه مسارات الذائقة القرائية وفرضها عبر كون الكتب هي خيارات الكبار من أهل الصنعة، أو كونها محميةً بورق تغليف يمنعك من النظر والتصفح، وهذا يفرض عليك ذوق غيرك الذي أعلن لك قوائم يقول لك إنها الأعلى والأرقى، وفي الوقت ذاته يسلب منك حق الاختيار والاختبار والتصفح. ولذلك تفقد القراءة مزية كونها حرةً كما كنا نسميها ونميزها عن القراءة الإجبارية في المقررات الدراسية التي تعودنا على كراهيتها والتعالي عليها بعد الفراغ منها لأنها إجباريةٌ. وهكذا نخرج من إجبار إلى إجبار آخر، ولكنه هنا إجبارٌ تجاري يتقرر بلعبة الإغراء والتسويق. وكل جائزة تعلن تلاحقها الربحية بمثل أعداد القراء الذين يتحول عندهم إعلان فوز كتاب ما إلى دعوة لحفلات البيع التي ستملأ مداخل المكتبات الكبرى مع كل مناسبة من مناسبات الفوز، غير أننا ظللنا نظن أننا أحرارٌ فيما نقرأ وكيف نقرأ وماذا نقرأ، ولكن صناعة الكتاب تغيرت مع شروط اقتصاديات السوق مذ ظهرت سوق النشر وضغط الإغراء كحال أي سلعة تجارية.

ولكي تكون متميزاً فعليك أن تكون مثل غيرك، وهذه مفارقةٌ تسويقية خداعة. وكم اشترينا من كتبٍ تحت حس الواجب لكيلا نبدو خارج الواقع، وكم وجدنا أنفسنا مضطرين للكتابة عن أي فائز في نوبل مثلاً. وستكون فضيحةً لأي مثقف أن يقول إنه لا يعرف ذلك الفائز، وقد يضطر للكذب بأن يتظاهر أنه كان يعرف الكاتب قبل فوزه، رغم أنه لم يسمع به إلا بعد انتشار خبر فوز ذلك المخطوط الذي سيتصدر واجهات الصحف، كما واجهات دور البيع. وكم من دار ستربح من مبيعات الكتاب الفائز رغم أن ثلاثة أرباع من يشترون الكتاب لن يقرأوه كما تقول الاعترافات. وهنا ندرك كم فقدنا من حريتنا مع أمرٍ كان هو أعلى درجات حريتنا وأعلى درجات الامتحان لذائقتنا الخاصة التي لم تعد خاصةً بسبب ما تتعرض له من إكراهات تجعلك أسير الجو الثقافي الذي يتحكم في أنفاسك وذوقك وخياراتك فقط لتكون مثل غيرك رغم إيهامك بأنك صاحب الخيار والاختيار.

***

د. عبد الله الغذامي - كاتب سعودي

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية، يوم: الثلاثاء - 21 رَمضان 1447 هـ - 10 مارس 2026 م

في المثقف اليوم