عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

عبد الأمير كاظم زاهد: الممانعة البنيوية للاصولية والعنف الديني

في الفكر الشيعي

تعد الموجة الاصولية العنيفة التي تتعاظم في مجتمعاتنا اليوم واحدة من اهم المعضلات الكبرى التي تميز القرنين الاخيرين لما تشتمل عليه من فكر متعصب يتدرع وراء الدين ويدمر المدنية والانسان باسم الدين.

وعلى وفق المنطق الغربي فقد أخذ مصطلح الاصولية مدياته الدلالية الخاصة بالثقافة الأوربية وأصبح اسما للحركات الدينية المسيحية التي تنشغل بالتأصيل المنقطع عن الحاضر الذي يقرأ تلك النصوص قراءة حرفية ثم فرضته الترجمة ووسائل الإعلام الغربية وصنّاع الموقف الثقافي على المجال التداولي العربي فصار اسماً للتيارات الإسلامية التي تأسست في نهاية القرن التاسع عشر كالأفغاني والسنوسي وغيرهم، وتنامت دلالته في القرن الماضي حتى إذا أوشك في نهايات القرن العشرين اسما لعدد من الجماعات الدينية سواء كانت مؤسسات او احزاب او منظمات او حركات اجتماعية لاسيما بعد تفكك امبراطورية الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى التي تفككت ولاياتها الى دول صغيرة على وفق معاهدة سايكس بيكو وخضعت تحت الانتداب والادارة الاستعمارية وضمن تداعيات الحرب الاولى وانهيار دولة الخلافة الدينية فقد حصلت في هذا الوقت تحولات فكرية ثلاثة:

التحول الفكري الابرز

وهو التحول من الغيبوبة الحضارية في العالم الاسلامي إلى الرغبة في استعادة الدور الحضاري وقد تطلب ذلك في رايهم اعادة قراءة الاسلام من جديد فتبنوا النزعة السلفية بدعوى استرداد الهوية الحضارية والتزموا اراء أبن تيمية الحراني. (ت 726هـ) كانموذج للمواجهة الحضارية مع الغرب ولأغراض استعادة الهوية الحضارية وإعتماد فكر المواجهة لهيمنة الغرب على العقل الإسلامي فقد تحولت النزعة السلفية من مجموعة دينية لها منهجها في قراءة للنص الديني إلى حركات ذات نزعه سياسية تجسدت في أحزاب وحركات تتبنى فكرة الإسلام السياسي مثل حركة الاخوان المسلمين في مصر وحزب التحرير في فلسطين والاردن. وبسبب اصطدام الأحزاب والحركات الإسلامية مع حكومات الاقطار التي نشأت بعد سقوط الدولة العثمانية أي مع القوى غير الدينية للقمع الذي واجهته من الحكام ثم للفشل الحضاري الذي يعيشه العالم الإسلامي فقد اختار العديد منها نزعة فكرية مركبة من (قراءة سلفية للدين + نزعة أصولية في السياسة وممارسة عنفية في المواجهة ) وتبنت عدة مجموعات العنف كوسيلة من وسائل التغيير الاجتماعي الهادف نحو إيجاد مجتمع إسلامي في نظمه وسياساته وشكل دولته وعلاقاته الخارجية. وتنامى الخط الجهادي هذا بدءاً من صورته المحلية في مصر كجماعات صغيرة إلى حركة جهادية منظمة على مستوى عدة اقطار في العالم الإسلامي مثل قاعدة الجهاد ثم على مستوى العالم كما حصل في (تجربة أفغانستان) وتنظيم القاعدة العالمي وفروعه وما تطور عنه كجماعات داعش والنصرة وبقية المسميات التي تعد امتدادات مؤسسة على إحياء تراث التطرف وإعتماد العنف ومسلك النكاية وتوظيف التكفير لإدانه الاخر وتجريمه على خلفية العقيدة والراي

وهكذا صار مصطلح الأصولية المتداول في التخاطب السياسي العربي حالياً اسماً يطلق على كل الجماعات التي تعتنق إيديولوجية دينية ماضوية (نصوصاً أو تفسيرات) وتتمسك بها من دون أن يفرق هذا المصطلح بين المتشددين الذين يستعملون العنف عمن لا يستعين به او من يحرمه لانه وسيلة لتشويه الدين، واعتبرت هذه الجماعات كلها جماعات اصولية لأنها ترى إن مكامن الحقيقة النهائية والمطلقة والتامة تكمن في عقيدتها ولكن من دون تفريق في من يقف عند هذا الحد ومن يعممه على الاخر، وبين جماعات ترى أن تعميمها على الناس فرضا إلهيا لأحداث التغيير اللازم وبكل الوسائل المتاحة بما في ذلك العنف عمن لاتراه المكمن الوحيد للحقيقة ولا ترى العنف مجديا او جائزا، كذلك الحال فيمن تعتقد ان التجربة الدينية الأولى (الأص) هي الانموذج والمعيار الذي تصحح على اساسه تطورات الأجيال والأزمان اللاحقة عمن ترى شراكة الاجيال في صنع فكر التقدم ولا تفرق فيمن تعتمد في قراءة نصوصها وأدبياتها على القراءة الحرفية التي لا تقبل عليها مدخلاً نقدياً عن تلك التي تعتمد الاجتهاد لنقد المعرفة البشرية المتحصلة بغية التيقن من صدق امتدادها الزمني لان الانحصار في حدود التجربة التاريخية يفضي الى صعوبة التكيف مع الحاضر وهكذا اطلق مصطلح الاصولية الدينية على الجميع دون تفريق.

وشهدنا تطور أهداف التطرف العنيف فمن هدف مواجهة المصالح الغربية إلى إسقاط الحكومات الوطنية ومن معاداة الغرب الى معاداة الحداثة وتدمير البنى المدنية لمجتمعاتها وهدر ثروات المسلمين ومن حفظ مصالح المسلمين الى إشعال الحروب الطائفية في العالم الإسلامي بحيث شكلت خطراً بالغاً على الحياة والوجود والأمن الإنساني، فكانت مدعاة للباحثين لدراسة هذه الموجة الفكرية من حيث نشأتها وأيديولوجيتها وأسباب نموها ومستندها الديني، والتوقعات لمستقبلها في العالم الإسلامي.

وكان عدد من الدارسين على ان ذلك الخطر يكمن في التراث الفكري السني المتشدد اوالفهم السياسي السني للواقع وللدين لكنهم مختلفون في وجوده في التراث الشيعي

فماذا عن التراث الفكري الشيعي وماذا عن مكونات العقل الشيعي الراهن؟

لقد وجدت إثناء البحث والمحاورات التي جرت على هامشه قراءات متعددة لهذا الموضوع ومنها:

1- أن مجموعة من الدارسين يعتقدون أن الفكر الشيعي هو أيضاً فكر ديني وأن في اروقته جماعات دينية ذات تطلع سياسي ولديهم نزعات أصولية وعليه يعتقد هؤلاء أن كل المسلمين (سنة / شيعة) متساوون في وجود نزعات أصولية فليس من الدقة والحقيقة أتهام التراث السني والممارسة السنية لوحدها بأنها ممارسة أصولية عنفية.

2-  يقابلهم آخرون يرون أن الفكر الشيعي يخلو في أصوله النظرية المكونة له من نوازع اصولية عنفية، وأن التجربة التاريخية للشيعة من أزمان التأسيس الأولى إلى زماننا الراهن هي تجربه عقائدية مقموعة(تدافع) عن وجودها المهدد فكرياً وتاريخياً لذلك لايتصور انها ستتبنى نزعة اصولية وقيل بهذا الصدد لن الشيعة يتاح لهم ان يمارسوا سلوكا اصوليا عنيفا كونهم لم يمتلكوا فرصة للسلطة او لتكوين الجماعات الضاغطة لذلك لم تتبلور عندهم الا نزعات الدفاع عن الذات العقائدية وتبنوا الدعوة الى حرية الاعتقاد ليتخلصوا من الضغط المسلط عليهم تاريخيا.

3-  وتقر مجموعة ثالثة بأن الشيعة (مجموعة) ملتصقة بفكرهم وعقيدتهم وفقههم (فهم أصوليون) ولكنهم اصوليون نظرياً اما عملياً فلم يمارسوا احتكارا للحقيقة الدينية لوجود الاجتهاد كعنصر مهم من عناصر الكينونة الشيعية، ولم يعتمدوا عمليات العنف لفرض أنموذج الدولة الشيعية لأن اغلبهم يرون أن الأمام المهدي هو صاحب الحق الحصري في الحكم والسلطة والبشارة الإلهية وقد غاب عام 260 هج واغلبهم الى الان يمارسون مهمة الانتظار.وهي الاعداد للانضمام للامام المهدي في الطور الاخير للخلق

4-  ويفصل فريق رابع بين مؤسسات الفكر الشيعي المتعددة فيفرق بين المؤسسة الدينية الرسمية التقليدية اي (المرجعية الفقهية)، وبين الحركات السياسية الشيعية بشقيها الدعوي أو الجهادي فيرى أن النزعة الأصولية تكمن في الجماعات السياسية ذات المنحى الجهادي فقط بينما بقية المؤسسات تبقى مؤسسات عقائدية غير عنفية.

5-  ويحاول كثير من الكتاب أن يستدل بالممارسة الدفاعية القديمة والمعاصرة عند الشيعة لكي يجعلهم توأماً لأصوليات العنف السنية من دون أن يسند رايه بلائحة برهانية بيد ان كثيرا من الدارسين ترى إن هذا الراي محاولة تتعمد خلط الأوراق أو القياس على زمن اه خصوصيته وهو قياس للحاضر على خاص وهو قياس مع الفارق أو محاولة لتعميم الخطيئة على الجميع لكي يتساوى القاتل والضحية لاسيما في وضع فكري مأزوم كوضع العالم الإسلامي حالياً الذي غالبا ما تضيع في خضم ازماته الكثير من الحقائق ومن من هذه الاراء المتعددة حول صلة الشيعة بالنزعة الأصولية تدور مباحث الكتاب لان الأصولية الشيعية عبارة عن نزعة تقليدية اتباعية نظرية لم تمارس سطوة السلطة ولا سطوة الجماعات المتمردة وهي لا تماثل النزعة الأصولية السنية التاريخية لأنها نزعة متناسلة تاريخياً بدءاً من الخوارج مروراً بتيار الحنابلة وأبن تيمية والحركة الوهابية والحركات السياسية الإسلامية الحديثة وما تولد عنها من سلفيات جهادية وأصوليات العنف المعاصرة، فمن الصعب التفريق بين تراث الإسلام السني، والتراث الفكري السلفي الجهادي لهذه الجماعات ووجه الصعوبة انها جميعا تنطلق من تراث فكري مشترك.

لكن ولأجل أن لا نقع في التعميم فأننا لا نغفل المعتدلين الوسطيين من أهل السنة الذين يرون أن المشكلة ليست في التراث الديني السني او بالنصوص المعتمدة مذهبيا بقدر ما هي في فهم ذلك التراث وفهم النصوص، وهذا إلى حد ما يشكل دفاعاً مقبولا عن تراث الإسلام السني، لكنه لا يصمد كثيراً أمام ما يستند إليه (الجهاديون)من الأحاديث النبوية المروية بالصحاح والمسانيد والسنن المعتمدة والتفاسير القرآنية المقبولة عند أهل السنة التي لا يختلف في تبريرها السلوك العنفي المتشدد فهي ذات النصوص وفهمها هو الفهم التاريخي الذي تبناه التراث السني، رغم ان تلك النصوص يمكن فهمها فهما ايجابيا لكنه للشيوع يعد الفهم الايجابي غريباً عما تحمله (متون) تلك النصوص لغة ودلالة وتجربة وتطبيق، بحيث يمكن القول أن الفكر الإسلامي السني يعاني الآن من أزمة كبيرة فهو بين خيارين:

فإما ان تهدر قيمة النصوص الدينية التي يستند إليها التكفيريون، وهذا يعد هدما كاملا للتراث ومخالف تماماً لما جرى عليه العرف من تقديس الكتب الحديثية المسماة بالصحاح مطلقاً، وتبجيل مدونات القرون الأولى، أو السكوت عن أفعال التكفيريين الإجرامية المشينة وعدم الوقوف منها موقفاً حاسماً كما هو حال الكثير من المؤسسات الدينية للمسلمين الصامتين إزاء أزمة الامة ومحنة المختطفين من الوسطية، إذ لا يزال جمع من رجال الدين يتفرج على دوامة الدماء وشناعات التكفير والفوبيا المرعبة التي ترتكب باسم الإسلام ناهيك عن مراكز الإفتاء السلفية التي تدافع عن منطلقاتهم وتبرر لهم أفعالهم رغم ان اقل ما يجب إن يوصف به هؤلاء المتطرفون أنهم بغاة وقتلة وخارجون عن القيم الانسانية ودعاة للدمار.

ويشار هنا الى ان الجماعات (الجهادية) رغم انها قد تلقت مسلكها من (أهل الحديث) وهي منظومة لا ترى صحة الخروج على الحاكم الجائر في حين نرى حراكهم ضد الحكام خلافا للمبنى السلفي، ولكن لم يدن احد من علماء السلفية هذا الخروج الحاد عن اجماع انعقد عندهم في عدة ازمان لكن القدر المتيقن انهم قد تخرجوا على أشياخ زرعوا في عقولهم كراهية الإنسان وكراهية الحياة والتمدن وكراهية السلام والقيم الربانية كالتسامح والإحسان للغير والعمل الصالح.

وتتبنى هذه الدراسة الكشف عن معيارية جديدة في اكتشاف المواقف المجمع عليها او التي عليها اغلبية اهل الاعتقاد ايما اعتقاد سميناها الموقف البنيوي استخلصناها من تحليل انثروبولوجي لماهية المنظومة الفكرية وانساقها والنشأة الاولى الدينية والتاريخية والسياسية ثم مجموعة العقائد المذهبية ومنهج إنتاج المعرفة الدينية ثم فقه الجماعة (العينة)، ومواقف مؤسستهم الدينية عبر تاريخها الطويل بما يجعل من هذه العناصر منظومة متساندة بعضها لبعض ويصدق عليها مفهوم البنية الموضوعية فيعول عليها ان تكون مادة للبيانات المعرفية الاكثر وثوقا لاستخراج الموقف المجمع عليه او الاغلبي ازاء ظاهرة اجتماعية كبرى من الظواهر الحديثة او المعاصرة وتفرق الدراسة بين ما يعد محصلة البنية الموضوعية وما ينتج عنها وبين راي فقه لا يبدو منسجما مع عموم المنظومة قد ينفرد فيه فقيه ما او متكلم او مفسر بما لا يتناغم مع البنية المعرفية فيكون ما استخلص من البنية الموضوعية اكثر وثوقا لان من ابرز خصائص البنيوية ان الاسبقية للكل على الاجزاء ولأنها تعمل نسقا مترابطا ومتكاملا.

وعليه فالتحليل البنيوي- فيما ارى – سيكون اكثر استقراء من اي تحليل اخر وسيقدم مداليل مكثفة ومعبرة عن الموقف التاريخي وليس الاني الظرفي المتاثر بضغوط زمنه لان النسق البنيوي هوالنسق اللاتاريخي وهو ما تنتجه كل علاقات المنظومة الفكرية مع الاخذ بالاعتبار عناصر التزامن وحركة النص و التعاقب اي مسار الصيرورة والتكون (1)

ان فهم المسار الانثروثقافي لجماعة ما ضمن قواعد العمل في اكاديميات الفلسفة الاجتماعية يفضي الى قراءة قد تكون صحيحة حينما نبحث عن موقف يخص التكون او الممانعة، والتكون هو اساسيات تبني رؤية ما نظريا او عمليا والممانعة هي رفض قاطع لظاهرة ما نظرية كانت اوعملية

وفي هذا الكتاب سوف لن نقف عند الصلة بين علم الاجتماع والتاريخ الشيعي انما سنتجه الى تحديد الظروف الفاعلة والمكونة للتشكل الاجتماعي الشيعي من خلال التاريخ المتحرك الفاعل برصدنا لتأثيراته السوسيولوجية التي اسهمت في صناعة العقل الشيعي القديم والوسيط والمعاصر

وننطلق من مفهوم الكل المجتمعي الذي يكشف عن المركز المجتمعي statut social اوالدور المجتمعي role social للجماعة الشيعية داخل البيئة الموافقة والمخالفة في ان واحد ويمكن ان يكون الكل المجتمعي بوصلة للبحث يتجه بها الى دراسة التتابع الزمني للفكر الديني والتجربة الشيعية لاستحالة فهم الحاضر الا بفهم علمي للتراث علما ان ما يهمنا ليس ارشفة الماضي بقدر توظيفه لفهم الحاضر فنحن امام ظاهرة اصولية دينية معاصرة خطرة على الوجود الديني نفسه وعلى الحياة والحقوق المدنية ذاتها لذلك فنحن مضطرين لا جراء عملية تفكيك ذهني لبناءات الماضي وصولا للتعميم والتجريد لقوانين تحدد النمو الاجتماعي وتكون الاساس في القواعد النشطة التي تكوًن العقل المعرفي الشيعي الذي به تتشكل المواقف والتقييمات والتفضيلات للأشياء والاشخاص والافكار كما يقول مالك بن نبي

أن دراسة السلوك الاجتماعي لهذه الطائفة من المسلمين وتفاعلاتها الاجتماعية على وفق قواعد علم الاجتماع الديني ومعرفة اهتمامهم ودوافع تحركاتهم وفهم التنظيم الاجتماعي لهم والتغييرات المجتمعية عندهم ونظام التعليم الديني الذي يؤدي إلى نمط محدد من السلوك مرتبط بالنمط العام وبالنص وتفسيراته واظن ان ذلك كله سيوصلنا إلى إجابة علمية مركزة عن سؤالنا المركزي: هل في الفكر الشيعي نزعة أصولية او هو خال منها او هو ممانع لوجودها؟ وماذا تترتب على النتيجة من آثار سياسية واجتماعية على المستوى الاسلامي او الغربي في صياغات المواقف وسياقات الخطاب الشيعي المفترض؟ وهل يدعو الفكر الشيعي إلى السلام الاممي والتعاون البناء بين بني البشر، لأن في عموم بنية المنظومة الشيعية رفضا وممانعة للتطرف والعنف، وماذا سيكون موقف الراي العام الانساني من القراءة الشيعية للدين

أن دراسة النسق الاجتماعي يتطلب إن يرصد البحث مكونات السلوك الناتج عن الاعتقاد الديني ابتداءً من (الدوافع) إلى المسارات والأهداف للكشف عن الوظائف التي تقتضيها هذه الدوافع، ثم دراسة التفاعل الجدلي بين النص والسلوك الاجتماعي مع عدم اغفال عناصر البيئة الخارجية التي يتعايش معها النسق الديني المذهبي ويؤدي وظيفته الاجتماعية

وهذا يسهل: تقييم الموضوعات السلوكية الناتجة عن ذلك التفاعل والمتجهة نحو تحقيق (أهداف معينة) في ضوء متطلبات النص والوسائل المشروعة دينياً لتحقيقها مع تشخيص التفاعلات الدائمة المتجسدة بالطقوس الدينية والشعائر والأعراف السائدة في المناسبات الدينية لأن أساس السوسيولوجيا حسب (مارسيل موس) يقتضي ملاحظة سلوك المجموعة الاجتماعية ملاحظة شمولية علمية من خلال المحركات المصدرية لها ولإفرادها للوصول إلى توصيف علمي لطبيعة الايديولوجيا الدينية ومعطياتها.

محركات للتفكير: تكمن وراء ابحاث هذا الموضوع مجموعة محركات للتفكير اوردها موجزة

- هل الوقائع والإحداث التي ارتبطت بنشأة القراءة الشيعية للإسلام يمكن أن تزرع في نفوس إتباعها شعورا برفض كل وسائل الوصول إلى الحقيقة ما عدا الفكر المذهبي ؟

- هل النشأة الأولى للتشيع دينياً وتاريخياً تلزم اتباعها باعتماد نموذج النشأة والتأسيس أم ان القراءة الشيعية دعوه ديناميكية تتبنى الاجتهاد على مستوى المقولات الدينية، والتطور الاجتماعي؟

- ما التأثير السوسيولوجي للنصوص الدينية على تكوّن العقل الشيعي المعاصر (الفقهي منه والعقائدي والسياسي) وما التأثير السوسيولوجي للوقائع التاريخية ذات الصلة بتطور فكر التشيع على تكوّن العقل الشيعي المعاصر. (العقائدي منه والفقهي والسياسي)

- هل تأمره نصوصه العقدية أن يتبنى التغيير الاجتماعي الشمولي بوسائل العنف وتكفير الحكومات والمسلمين الآخرين؟ وهل يرى الشيعي أن (قتل الآخر وإرعابه) وسيلة مقبولة لنشر المعتقدات ؟

- هل: يقرأ المسلم الشيعي نصوصه الدينية خارج اطار الاجتهاد والعقلانية، وهل تتهم العقلانية عنده بالمروق عن الدين، وتتهم النزعة النقدية بانها مقدمه للكفر والشرك، وأن التأويل بدعة ضالة مآلها إلى النار؟

- هل ينطوي التشيع على منهج يقرأ النصوص والأدبيات قراءة حرفية بحيث يتشكل عنده عقل دوغمائي او راديكالي مهيأ لممارسة العنف، ما مدى تأثير الاجتهاد على الفكر الشيعي المعاصر، وكيف ترسم العلاقة بين الاجتهاد والتطور الاجتماعي ؟

- ما الفارق الأساس بين نظرية الحرب للدفاع عن الذات، وبين ممارسة الغزوات لا قامة دولة الخلافة وهل التطوع المبادر لغزو مدن رغم وجود المسلمين فيها بحيث تصنف دار للحرب وتتحول بعد احتلالها الى ولايات يولي عليها أمراء أو خليفة يسبي النساء ويهدم المساجد والكنائس والأديرة ويمارس القتل والترويع باسم الشريعة

-  هل نطلق على من يبادر بتكفير الناس وقتلهم ونهب ممتلكاتهم بحجة انها (غنائم) بأنه أصولي تكفيري ونطلقها ايضا على من يدافع عن وجوده المهدد وما يعتقد به لإيقاف استئصالا موجها له

ان كل تلك الأسئلة كانت محركات التفكير في هذه الأطروحة

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

....................

(1) اديث كريزويل، عصر البنيوية، ترجمة جابر عصفور ص20