عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

حمزة مولخنيف: استئناف المشروع الرشدي في الفكر العربي المعاصر

إمكاناته وحدوده في أفق قراءة فلسفية نقدية

حين يُستدعى اسم ابن رشد في سياق الفكر العربي المعاصر، فالأمر لا يتصل بتمجيد عَلَمٍ من أعلام التراث ولا بإحياء ذكرى فيلسوف عظيم على نحو احتفاليّ تستهلكه المناسبات الثقافية وتستنفده البلاغة الخطابية. القضية أعمق من ذلك بكثير لأنها تمسّ في الصميم سؤال العقل العربي عن شروط نهوضه وتمتحن قدرته على أن يستخرج من تاريخه إمكاناتٍ معطّلة وأن يسترد من ذاكرته الفلسفية لحظاتٍ عالية من التكوين البرهاني ثم يعيد صوغها في لغة العصر وفي معترك الصراعات المعرفية والسياسية والقيمية التي تشقّ الوجود العربي الحديث. فابن رشد ليس مجرّد شارح لأرسطو كما اختزلته قراءاتٌ كثيرة، وليس مجرد فقيه وفيلسوف عاش في منعطف مضطرب من تاريخ الأندلس بل هو في عمق مشروعه أحد أكثر العقول الإسلامية جرأةً في تشييد هندسة فكرية دقيقة للعلاقة بين الحكمة والشريعة، بين البرهان والتأويل، بين الحقيقة ووحدة الحقيقة، بين النظر العقلي وشرعية النظر، بين المدينة والسياسة، بين العلم والفضيلة  وبين انتظام الكون وانتظام العقل.

من أجل ذلك ظلّ ابن رشد يستحضر في كل منعطف عربي عسير. يعود كلما تعقّد السؤال عن الدين والعقل. يعود كلما استبدّ التقليد وارتبكت سلطة التأويل. يعود كلما اضطربت صلة المثقف بالتراث والحداثة. يعود كلما بدا أن الثقافة العربية تُستدرج إلى ثنائيات قاتلة: أصالة/معاصرة، نقل/عقل، هوية/كونية، دين/فلسفة، تراث/حداثة، شرق/غرب. ففي كل هذه اللحظات ينهض اسم ابن رشد بوصفه علامةً على إمكانٍ تاريخيّ لم يُستنفد وبوصفه شاهداً على أن العقلانية العربية الإسلامية لم تكن هامشاً عابراً ولا قشرةً مستوردة ولا زينةً لفظية بل كانت في مرحلة من مراحلها قدرةً تأسيسية على إنتاج معرفة منضبطة وتدبير اختلافٍ معرفيّ وصوغ علاقة مع الوحي لا تُبطل النظر ولا تُسقط الشرع.

وقد أدرك كبار مفكري النهضة العربية الحديثة ثم فلاسفة النصف الثاني من القرن العشرين، أن استدعاء ابن رشد لا قيمة له إن ظلّ حبيس القراءة التاريخية الباردة أو الإعجاب الماضويّ العقيم. لذلك تحوّل في كثير من المشاريع الفكرية إلى مرآة يُقرأ فيها الحاضر أكثر مما يُقرأ فيها الماضي. فمحمد عابد الجابري لم يتعامل مع ابن رشد بوصفه موضوعاً للتاريخ الفكري فقط بل بوصفه ذروةً لما سماه “العقل البرهاني” داخل الثقافة العربية الإسلامية حتى قال في عبارة صارت من أشهر عباراته: «إن الرشدية تمثل في الثقافة العربية الإسلامية لحظة انتصار العقل البرهاني». والجابري في نحن والتراث وفي تكوين العقل العربي وفي بنية العقل العربي لم يكن يستعيد ابن رشد استعادة مدرسية، بل كان يسائل عبره بنية العقل العربي نفسه ويحاول أن يستأنف من داخله إمكاناً معرفياً يرى أنه انقطع تحت ضغط البيان والعرفان والسياسة.

أما عبد الله العروي فعلى الرغم من اختلاف زاويته المنهجية فقد كان يدرك أن مأزق الثقافة العربية لا يُفهم خارج علاقتها المتوترة بتاريخها المفهومي وخارج عجزها عن امتلاك حداثتها امتلاكاً تاريخياً واعياً. لذلك تبدو الرشدية في أفقٍ عرويّ جزءاً من تراث العقل الذي يمكن أن يُعاد فهمه في ضوء سؤال التاريخ لا بوصفه ملجأً تعويضياً من الحداثة بل بوصفه أحد الشروط التي تجعل الوعي التاريخي أكثر قدرة على فرز عناصر القوة والقصور في الذاكرة الحضارية. وطه عبد الرحمن مع مسافة نقدية واسعة تجاه كثير من رهانات العقلانية الحديثة وقراءاتها العربية، لم يترك ابن رشد خارج دائرة النظر، بل كان واعياً بأن استعادة أيّ نموذج من نماذج التراث تقتضي فحص شروطه ومقدماته ومآلاته وأن التكرار لا يُنتج استئنافاً وأن الاستئناف الحقّ يقتضي تجاوزاً خلاقاً.

المشكل إذن لا يكمن في حضور ابن رشد في الخطاب العربي، فحضورُه قائم منذ عقود وفي بعض اللحظات اتخذ طابعاً كثيفاً يكاد يرقى إلى “الموضة الفكرية”. المشكل يكمن في طبيعة هذا الحضور، هل هو حضور رمزيّ يلوذ بالاسم الكبير طلباً للمشروعية الثقافية؟ أم هو حضور معرفيّ يشتغل على المفاهيم والبنيات والرهانات؟ هل نقرأ ابن رشد قراءةً تؤسس أم نقرأه قراءةً تزيينية؟ هل نستأنف مشروعه أم نكتفي بترتيل اسمه في مناسبات الحديث عن التسامح والعقلانية؟ هل نمتلك من الجرأة ما يجعلنا نضع المشروع الرشدي نفسه تحت مشرط النقد فنأخذ منه ما يصلح للزمن الحاضر ونتجاوز ما ارتبط بسياق تاريخي مخصوص أم نقع في صنمية فلسفية جديدة تستبدل صنم التقليد بصنم “العقلانية التراثية”؟.

إن سؤال “إمكانات استئناف المشروع الرشدي” يفرض منذ البدء تحرير مفهوم “الاستئناف” ذاته. فالاستئناف ليس بعثاً ميكانيكياً لنصوص قديمة وليس إعادة تمثيل لمشهد تاريخي مضى وليس تعليقاً لافتة رشدية على واجهة مشروع حداثي مستعار. الاستئناف فعل تأويليّ وإبداعيّ في آن. هو استعادة مشروطة بوعي تاريخي صارم وبقدرة على التمييز بين ما هو بنيوي في المشروع وما هو ظرفي، بين ما هو منهجي وما هو سجالي وبين ما هو كونيّ في الدرس الرشدي وما هو متعلق بحدود المعرفة في القرن السادس الهجري. ولعلّ أجمل ما قيل في هذا المعنى ما عبّر عنه هانز-غيورغ غادامير حين كتب في الحقيقة والمنهج: «الفهم ليس تكراراً لإنتاج المعنى الماضي بل هو اندماج آفاق». فاستئناف ابن رشد بهذا المعنى اندماج أفقين: أفق الرشدية بوصفها لحظةً في تاريخ العقل الإسلامي وأفق المعاصرة العربية بما يعتمل فيها من أزمات الدولة والمعرفة والهوية والتأويل والحرية.

لقد كان ابن رشد واعياً في نصوصه الكبرى بأن الفلسفة ليست ترفاً ذهنياً بل فريضة نظرية على من استكمل شروطها. يقول في فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال: «فإن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع... وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك، فبيّن أن هذا الذي يُسمى فلسفةً إما واجب بالشرع وإما مندوب إليه». هذه العبارة وحدها تكفي للكشف عن طبيعة الانعطاف الرشدي، الفلسفة تُستمدّ مشروعيتها من صميم الأمر الشرعي بالنظر، والنظر في الموجودات يفضي إلى معرفة الصانع، والبرهان أداة معتبرة في هذا المسار. هنا تنفتح أمامنا أولى إمكانات الاستئناف، تحرير العلاقة بين الدين والعقل من منطق الخصومة الغليظة وإعادتها إلى أفق التساند المنهجي المشروط بالتمييز بين مراتب الخطاب وطرائق الإقناع وأهلية التلقي.

وقد كان ابن رشد حاسماً في تأكيده على أن الحقيقة لا تضاد الحقيقة. عبارته الشهيرة في فصل المقال تكاد تكون دستوراً فلسفياً كاملاً: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». في زمننا العربي الراهن حيث تُبنى خصومات كثيرة على سوء فهم العلاقة بين المرجعيات وحيث تُستثمر الثنائية بين “العقل” و“الدين” في صراعات أيديولوجية مبتذلة، تستعيد هذه العبارة قوتها التأسيسية. فهي لا تنطوي على تسوية سطحية ولا على مجاملة توفيقية رخيصة بل تعكس بناءً نظرياً دقيقاً، الحق واحد في ذاته وإن تعددت طرق الوصول إليه، والاختلاف قد يقع في مناهج النظر أو في مراتب البيان أو في قابلية العقول أو في فساد التأويل أو في جهل المتلقي، أما الحقيقة في ذاتها فواحدة لا تتشظى بتشظي المناهج. هنا تتبدى الرشدية قوةً مضادةً لكل أشكال الانقسام المعرفي الذي ينهك الثقافة العربية المعاصرة.

غير أن استئناف هذا المبدأ في الحاضر العربي يقتضي أن نُحسن فهم حدوده أيضاً. فابن رشد لم يكن يدعو إلى تسطيح الفوارق بين الخطاب البرهاني والخطاب الجدلي والخطاب الخطابي. بالعكس لقد أقام تمييزاً صارماً بين طرائق النظر ومراتب الناس في التلقي. يقول في فصل المقال: «والناس في الشرع ثلاثة أصناف: صنف أهل البرهان وصنف أهل الجدل وصنف أهل الخطابة». هذه القسمة ليست نزعةً أرستقراطيةً معرفيةً خالصة كما قد يتبادر إلى بعض القراءات المتعجلة، بل هي وعيٌ باختلاف البنيات الإدراكية وأنماط الإقناع وبأن الخطاب العمومي لا يُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها الحجاجات البرهانية الدقيقة. في الثقافة العربية الراهنة حيث اختلطت مجالات القول وصار الرأي العام يُستثار بخطاب انفعاليّ كثيف بينما تُستبعد التربية المنهجية على البرهان، تكتسب هذه الرؤية قيمةً نقدية بالغة. فاستئناف الرشدية يقتضي إعادة الاعتبار إلى التربية العقلية وإلى بناء الكفايات المنهجية وإلى التمييز بين فضاء البحث الأكاديمي وفضاء الوعظ وفضاء السياسة وفضاء الإعلام.

ولا يجوز اختزال المشروع الرشدي في مقولة “التوفيق بين الفلسفة والدين” لأن هذا الاختزال على شيوعه قد ظلم ابن رشد مرتين: مرة حين حوّله إلى وسيطٍ تصالحيّ محض، ومرة حين حجب كثافة مشروعه الإبستمولوجي والأنطولوجي والسياسي. فالرشدية في عمقها مشروع لإعادة ترتيب الوعي نفسه. هي دفاع عن البرهان نعم، لكنها أيضاً نقدٌ لأشكال الالتباس في التأويل. وهي دفاع عن الحكمة نعم، لكنها كذلك دفاع عن انضباط المعرفة وحدود التأويل ومخاطر تعميم الخطاب الفلسفي على غير أهله. وهي انفتاح على العقل اليوناني نعم، لكنها كذلك محاولة لتوطين هذا العقل داخل أفق الشريعة، لا بآلية الجمع التلفيقي بل عبر مساءلة المقدمات والغايات.

وإذا تأملنا اللحظة التاريخية التي ظهر فيها ابن رشد أدركنا أن مشروعه وُلد من قلب أزمة حضارية مركبة. فقد عاش في سياق صراع بين سلطة الفقه وسلطة الفلسفة وبين الدولة وتقلباتها وبين إرث الموحدين وضرورات الشرعية وبين آثار الغزالي في نقد الفلاسفة وبين محاولات الدفاع عن النظر العقلي. هذا المعطى مهمّ جداً لأنه يُظهر أن الرشدية لم تنبثق في فضاء هادئ بل تشكلت في بيئة توترٍ كثيف. وهنا تلوح دلالة عميقة للفكر العربي المعاصر، المشاريع الكبرى لا تولد في الطمأنينة المريحة بل تتخلق في مناطق الاحتكاك القصوى. ابن رشد نفسه ذاق المحنة والنفي والمصادرة. وها هنا يحضر قول باروخ سبينوزا في رسالة في اللاهوت والسياسة: «إن الغاية من الدولة هي الحرية». فكل مشروع عقلاني يحتاج إلى فضاء مدني وسياسي يسمح له بالتنفس وإلا ظلّ البرهان مخنوقاً داخل أسوار الخوف والرقابة.

ولذلك فإن أي حديث جاد عن استئناف المشروع الرشدي خارج سؤال الدولة والحرية والمؤسسات يظل حديثاً منقوصاً. لا يكفي أن نُعيد طباعة كتب ابن رشد ولا أن نُدرّس مقتطفات من فصل المقال ولا أن نحتفي به في الندوات ما دامت بنية المجال العمومي العربي في كثير من تجلياته تُعيد إنتاج أنماط من السلطوية الفكرية وتُضعف التربية النقدية وتُحوّل الجامعة إلى مؤسسة تلقين أكثر منها مؤسسة إنتاج. إن الرشدية في جوهرها تحتاج إلى بيئة تسمح للعقل بأن يعمل وللاختلاف بأن يُدار وللمعرفة بأن تتكاثر من داخل النقاش الحرّ. هنا يلتقي الدرس الرشدي مع الدرس الكانطي في معنى الأنوار. فكانط كتب في مقاله الشهير ما الأنوار؟: «الأنوار هي خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه» ثم يضيف: «تجرأ على أن تعرف». هذا النداء الكانطي يجاور على نحو مدهش الروح الرشدية التي تجعل النظر فريضة وتجعل البرهان طريقاً وتجعل القصور المعرفي علةً من علل الاضطراب.

إن استئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُصاغ في قالب استعادة “عقلانية صلبة” مغلقة على ذاتها وكأن ابن رشد معصوم من النقد أو كأن التاريخ الفلسفي توقف عنده. فالرشدية نفسها تحتاج إلى قراءة نقدية مزدوجة، قراءة تكشف عظمتها وقراءة تكشف حدودها. فابن رشد مهما بلغ من عمق يبقى ابن زمنه أيضاً. تصوره للعلوم وحدود اشتغاله في السياسة العملية وموقع التجربة العلمية بالمعنى الحديث وبعض رهاناته الأنثروبولوجية، كل ذلك محكوم بشروط عصره. لهذا كان الجابري نفسه مع إعجابه العميق بابن رشد حريصاً على أن يميّز بين استئناف “الروح الرشدية” وبين استنساخ النص الرشدي. وقد قال في التراث والحداثة: «المطلوب ليس أن نعود إلى ابن رشد بل أن نعيد تأسيس العقلانية في حاضرنا انطلاقاً من الدرس الذي يقدمه». هذه الفكرة بالذات هي مفتاح المقال كله، الاستئناف لا يعني الرجوع إلى الوراء بل يعني المضيّ إلى الأمام على هدي درسٍ تاريخيّ رفيع.

وإذا شئنا أن نُحدّد الملامح الكبرى للمشروع الرشدي القابل للاستئناف، أمكننا أن نلمس عدداً من المرتكزات العميقة التي تمنحه راهنيته. أولها مركزية البرهان. فالبرهان عند ابن رشد ليس مجرد تقنية منطقية بل هو أخلاق فكرية أيضاً. هو انضباط للعقل وحراسة من التسرع وتمييز بين الظن واليقين وبين المقبول والمبرهن. في زمن يتضخم فيه الرأي وتتسع فيه صناعة الوهم وتتحول فيه المنصات الرقمية إلى معامل لإنتاج الانفعالات واليقينيات الزائفة تبدو الحاجة إلى أخلاق البرهان أشدّ من أي وقت مضى. لقد قال أرسطو في الميتافيزيقا: «جميع الناس بالطبع يرغبون في المعرفة». غير أن الرشدية تُعلّمنا أن الرغبة في المعرفة لا تكفي ما لم تقترن بمنهج يميز المعرفة من الوهم.

وثانيها مركزية التأويل المنضبط. ابن رشد لم يفتح باب التأويل على مصراعيه فتحاً فوضوياً ولم يغلقه إغلاقاً حرفياً. لقد قرر قاعدةً بديعة حين قال في فصل المقال: «إذا أدى البرهان إلى شيء ما وخالف ظاهر الشرع فإن ذلك الظاهر يقبل التأويل». هذه القاعدة من أخصب ما أنجزه العقل الإسلامي في باب علاقة النص بالعقل. فهي تمنح النص قدسيته وتمنح البرهان سلطته وتمنح التأويل شرعيته وتمنع في الآن نفسه عبثية القراءة أو تسلط الحرفية. في الفكر العربي المعاصر حيث يتنازع النصَّ تياران متقابلان: تيار يفرغه من سلطته باسم الحداثة وتيار يجمّده في ظاهره باسم الهوية، تقدّم الرشدية إمكاناً ثالثاً: عقلنة التأويل من داخل احترام النص.

وثالثها وحدة الحقيقة وتعدد السبل إليها. وهذه الفكرة على بساطتها الظاهرة تحمل أثراً حضارياً هائلاً. لأنها تؤسس لإمكان التعايش المعرفي ولإمكان الحوار بين الحقول ولإمكان تجاوز الحروب الصغيرة بين “رجال الدين” و“رجال الحداثة” و“حراس التراث” و“مبشري القطيعة”. وقد عبّر ابن عربي في أفق مغاير تماماً عن معنى قريب حين قال في الفتوحات المكية: «الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق». وإذا كانت الرشدية لا تشارك العرفانَ منطقه ولا لغته فإنها تلتقي معه على مستوى بعيد في الإقرار بتعدد الطرق إلى المعنى. غير أن ابن رشد يمنح هذه الفكرة صياغة عقلية برهانية منضبطة.

ورابعها التمييز بين مستويات الخطاب ومخاطره. هذا الدرس شديد الأهمية في زمننا، لأن كثيراً من الكوارث الفكرية تنشأ من نقل مسائل دقيقة إلى المجال العمومي دون أدواتها أو من تعميم مسائل عمومية على فضاءات تخصصية. ابن رشد كان واعياً بخطورة “إفشاء التأويلات البرهانية” لمن لا يتهيأ لها. وقد كتب: «من صرّح بشيء من هذه التأويلات لغير أهلها فقد كفر من حيث لا يشعر»، والعبارة واردة بمعناها في فصل المقال. بغضّ النظر عن حمولة العبارة في سياقها العقدي والجدلي، فإن معناها المنهجي واضح: ليس كل ما يُعرف يُقال بالطريقة نفسها ولا في المقام نفسه ولا للجمهور نفسه. في الحاضر العربي حيث اختلط التخصص بالاستعراض وتحوّلت القضايا الكبرى إلى مادة للاستهلاك السريع تستعيد هذه الفكرة راهنيتها بقوة.

وخامسها أن الفلسفة عند ابن رشد ليست غريبة عن المدينة. كثيرون ينسون أن ابن رشد كتب في السياسة وشرح الجمهورية لأفلاطون وتأمل في تدبير الاجتماع الإنساني. صحيح أن أثره السياسي لا يُقارن من حيث الامتداد بأثره في الميتافيزيقا والمنطق والطب غير أن حضوره السياسي دالّ. فهو يفهم أن المعرفة لا تُثمر إلا داخل نظام اجتماعي وسياسي يتيح لها أن تعمل. هنا يتقاطع على نحو بعيد مع ما سيقوله الفارابي قبله عن “المدينة الفاضلة” ومع ما سيقوله هيغل بعد قرون عن أن العقل يتجلى في التاريخ والمؤسسات. يقول هيغل في أصول فلسفة الحق: «ما هو عقلي هو واقعي وما هو واقعي هو عقلي». ورغم ما في العبارة من التباسات وتأويلات فإنها تذكّرنا بأن العقل لا يعيش في فراغ بل يتجسد في أشكال تاريخية. واستئناف الرشدية بهذا المعنى يحتاج إلى مؤسسات لا إلى شعارات.

وعند هذه النقطة بالذات يبرز سؤال مركزي، لماذا تعثّر استئناف المشروع الرشدي عربياً رغم كثافة الحديث عنه؟ الجواب يقتضي شجاعةً فكرية. لأن العائق لا يكمن في خصوم الرشدية فقط بل يكمن أحياناً في بعض أنصارها أيضاً. هناك من حوّل ابن رشد إلى أيقونة خطابية تُستعمل ضدّ الخصوم الأيديولوجيين أكثر مما تُستعمل لتأسيس برنامج معرفي. وهناك من اكتفى بتمجيد “العقلانية العربية” دون أن يخوض في شروطها التعليمية والمؤسسية واللغوية. وهناك من قرأ ابن رشد بعينٍ انتقائية فأخذ منه ما يوافق معركته وأهمل ما يربكها. وهناك من استعار منجز الحداثة الأوروبية كاملاً ثم علّق عليه اسم ابن رشد طلباً للمشروعية التراثية. وفي كل هذه الحالات يضيع الاستئناف الحقيقي.

لقد نبّه عبد الله العروي في أكثر من موضع إلى أن أكبر أخطاء الفكر العربي المعاصر تكمن في التردد بين التبني الشكلي للمفاهيم الحديثة وبين رفضها العاطفي من غير حسم تاريخي حقيقي. وفي مفهوم العقل يكتب العروي بما معناه العميق أن العقل لا يُستعاد بالتغني به بل يُبنى داخل شروط تاريخية مخصوصة وأن المفاهيم الحديثة لا تدخل الثقافة بقرار خطابي. وهذا التنبيه ثمين جداً. فالرشدية إذا أُريد لها أن تُستأنف تحتاج إلى أن تدخل في صميم معارك التعليم والجامعة والبحث العلمي والسياسات الثقافية وإصلاح الخطاب الديني وبناء المجال العمومي. ما لم يحدث ذلك ستظل “الرشدية” اسماً جميلاً في المقالات أكثر منها قوةً فاعلة في الاجتماع العربي.

وإذا كان الجابري قد جعل من ابن رشد محوراً في مشروعه النقدي، فإن هذا الاختيار لم يكن مجرد ميل شخصي بل كان حكماً إبستمولوجياً على بنية التراث. ففي نحن والتراث يقول: «إذا كان لا بد من اختيار ممثل للعقلانية العربية في أرقى صورها فإن ابن رشد هو هذا الممثل». وهذه العبارة مهما اختلفنا معها أو ناقشنا حدودها تكشف عن شيء أساسي، ابن رشد عند الجابري ليس فيلسوفاً بين فلاسفة بل نموذجاً لنسق معرفي. ولذلك سعى الجابري إلى جعل “القطيعة الإبستمولوجية” مع البيان والعرفان على الطريقة الباشلارية المعدّلة مدخلاً لاستعادة البرهان الرشدي. غير أن هذه القراءة نفسها تعرّضت لنقد واسع لأن بعض الباحثين رأى فيها تبسيطاً للخريطة المعرفية الإسلامية وإقصاءً لأبعادٍ روحية وبيانية لا يجوز اختزالها. وهنا تتبدى ضرورة القراءة النقدية المركبة، نحتاج إلى ابن رشد نعم، ونحتاج إلى الجابري قارئاً له نعم، لكننا نحتاج أيضاً إلى أن نقرأ الجابري نفسه نقدياً.

أما طه عبد الرحمن فقد خاض مع الجابري سجالاً عميقاً في معنى العقل وفي طبيعة التراث وفي حدود الحداثة وفي إمكان تأسيس عقلانية أخلاقية وروحية تتجاوز الاختزال الأداتي للعقل. وفي روح الحداثة ثم في سؤال الأخلاق نلمح بوضوح أن طه لا يطمئن إلى كل أشكال التمجيد غير المفحوص للعقلانية الحديثة أو للعقل البرهاني إذا فُصل عن جذره الأخلاقي والائتماني. وهذه الملاحظة تهمّنا كثيراً في موضوعنا. لأن استئناف المشروع الرشدي إن جرى على نحو اختزالي قد ينتهي إلى عقلانية تقنية جافة أو إلى تمجيد للبرهان من غير سؤال عن أخلاق البرهان وغاياته. لذلك قد يكون من ثمرات الحوار بين الجابري وطه أن يُعاد فتح الرشدية نفسها على أفق أخلاقي أرحب من غير أن تُفرَّغ من صرامتها المنهجية.

والحق أن واحدة من أعظم إمكانات استئناف المشروع الرشدي تكمن في قدرته على المساهمة في تجاوز الانقسام المصطنع بين “العقلانية” و“الروحانية” داخل الثقافة العربية. فالرشدية وإن لم تكن مشروعاً صوفياً لا تستلزم عداءً للباطن بمعناه التربوي أو الروحي وإنما تعادي الفوضى التأويلية والادعاء المعرفي غير المنضبط وهذا فرق جوهري. لذلك يمكن للفكر العربي المعاصر أن يستلهم من ابن رشد منهجية البرهان ومن غيره من كبار التراث أفق التزكية والذوق والأخلاق شريطة أن تُحترم الحدود المنهجية بين الحقول وأن لا يُفرض منطق حقل على حقل آخر. هكذا يمكن أن تُبنى ثقافة مركبة غير ممزقة بين جفاف عقلاني وانفعال روحاني.

ويتعاظم هذا الإمكان حين نضع الرشدية في مواجهة سؤال العلوم الحديثة. فابن رشد كان طبيباً وقاضياً وفقيهاً وفيلسوفاً، وكانت صورة “العالم الموسوعي” في شخصه تعكس وحدةً معرفية افتقدناها في كثير من مراحلنا الحديثة. صحيح أن العصر الراهن عصر تخصصات دقيقة ولا يمكن الحنين فيه إلى الموسوعية القديمة على نحو ساذج غير أن الدرس الرشدي هنا واضح، المعرفة كلٌّ متصل والتخصص لا ينبغي أن يقتل الأفق الكلي. الجامعة العربية اليوم تعاني في كثير من مواقعها من انفصال الحقول، الفقيه بعيد عن الفيلسوف والفيلسوف بعيد عن العالم الطبيعي والباحث في العلوم الاجتماعية بعيد عن المشتغل باللسانيات والمثقف العمومي بعيد عن المختبر. استئناف الرشدية في هذا المقام يعني بناء جسور معرفية وتكوين نخب قادرة على الحوار بين التخصصات وتحرير الفلسفة من عزلتها المدرسية.

وقد قال إدغار موران وهو من كبار فلاسفة التعقيد في عصرنا: «المعرفة المجزأة تُنتج عقولاً عاجزة عن فهم المركب». هذه العبارة تصلح أن تُقرأ على ضوء الحاجة إلى روح رشدية جديدة. لأن الرشدية التاريخية لم تكن تجزئةً للمعرفة بل كانت سعياً إلى انتظامها. واستئنافها اليوم يقتضي أن تُستعاد الفلسفة بوصفها قدرةً على الربط لا بوصفها ترفاً إنشائياً. كما يقتضي أن يُعاد وصل التعليم الفلسفي بالعلوم وأن يُحرَّر تدريس الفلسفة من التلخيص المدرسي إلى التمرين على بناء السؤال وتحليل الحجة.

ومن الجوانب التي تحتاج إلى عناية خاصة في هذا الاستئناف: اللغة، فاللغة العربية المعاصرة في كثير من الاستعمالات الفكرية تعيش بين طرفين متباعدين، لغة تراثية مثقلة بالمحاكاة والرتابة ولغة حديثة مكسورة المفاهيم أو مرتهنة للترجمة الحرفية. وابن رشد يعلّمنا درساً بالغ الأهمية في صناعة اللغة الفلسفية، الدقة والاقتصاد والتحديد والقدرة على صوغ المفهوم داخل العربية من غير تفريط في الصرامة. إن مشروع استئناف الرشدية يقتضي عملاً معجمياً ومفاهيمياً كبيراً لأن أزمة الفكر العربي المعاصر في جانب منها أزمة مصطلح وأزمة لغة. وقد نبّه عبد السلام بنعبد العالي في غير ما موضع إلى أن التفكير في الفلسفة هو أيضاً تفكير في اللغة التي تقولها، وهذا صحيح إلى أبعد حد. فكل مشروع فلسفي عربي معاصر لا يُحسن صناعة لغته محكوم عليه بأن يبقى تابعاً ولو رفع راية الاستقلال.

وعند الحديث عن استئناف الرشدية يبرز بقوة سؤال “النقد”. لأن المشروع الرشدي نفسه كان مشروعاً نقدياً بامتياز. ابن رشد لم يكتف بشرح أرسطو بل مارس نقداً للمتكلمين وردّاً على الغزالي ومراجعةً لكثير من المسالك السائدة في عصره. كتابه تهافت التهافت شاهدٌ ساطع على ذلك. في مقدمة هذا الكتاب ومن خلال بنيته العامة نشهد عقلاً يحاور خصماً عظيماً مثل أبي حامد الغزالي لا بعصبية بل بحجاج دقيق وبإيمان عميق بأن القضايا الكبرى تُناقش بالحجة لا بالتشهير. والغزالي نفسه على عظمته كان قد كتب في المنقذ من الضلال: «الشكوك هي الموصلة إلى الحق فمن لم يشك لم ينظر ومن لم ينظر لم يبصر ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال». هذه الروح النقدية عند الغزالي مع اختلاف المآلات تلتقي مع روح ابن رشد في أن الفكر لا يُبنى بالتسليم الكسول. لذلك فاستئناف الرشدية لا ينبغي أن يتحول إلى معاداة للغزالي أو شيطنته كما فعلت بعض القراءات السطحية لأن ذلك يفسد فهم التاريخ الفكري الإسلامي ويحوّله إلى معركة كاريكاتورية بين “بطل العقل” و“عدو العقل”. الأجدر أن نقرأ الاثنين معاً قراءةً تركيبيةً دقيقة فنفهم مواقع التوتر ونستخرج الدروس.

ومن الدروس الكبرى هنا أن الفكر العربي المعاصر يحتاج إلى الخروج من منطق “الأبطال الخلاصيّين”. فلا ابن رشد وحده يكفي ولا الغزالي وحده ولا ابن خلدون وحده ولا الشاطبي وحده ولا الجابري وحده. الثقافة الحية لا تُبنى بعبادة الأسماء بل بحوار المشاريع. ومع ذلك يظلّ ابن رشد موقعاً مفصلياً لأنه يمنحنا مفهوماً قوياً للبرهان وللتأويل ولعلاقة العقل بالنص ويقدّم نموذجاً نادراً لمثقفٍ جمع بين الفقه والفلسفة والقضاء والطب والسياسة من غير أن يذوب في أيّ واحد منها.

ومن أشدّ ما يحتاج إليه الفكر العربي اليوم أن يتجاوز الاستقطاب الحادّ بين “التراثيين” و“الحداثيين” عبر نموذجٍ رشديّ مُجدَّد. فالتراثي المغلق يتعامل مع النصوص بوصفها أجوبةً نهائيةً على أسئلة لم تُطرح بعد، والحداثي المبتور يتعامل مع الحداثة بوصفها قدراً مكتفياً بذاته لا يحتاج إلى ترجمة حضارية عميقة، وبين هذين الطرفين تضيع إمكانات التأسيس. ابن رشد يقدّم في أفقٍ ما إمكاناً ثالثاً: الوفاء للنص دون عبودية للحرف والانفتاح على العقل دون تبعية عمياء للمركز الخارجي. هنا نستحضر عبارة بول ريكور: «التراث ليس ما نرثه فقط بل ما نُعيد قراءته». هذا المعنى هو عين ما نحتاجه في موضوعنا.

غير أن أخطر ما يهدد أي استئناف للمشروع الرشدي هو أن يتحول إلى “أيديولوجيا عقلانية” تُقصي ما لا تفهمه. لأن العقلانية حين تفقد تواضعها المعرفي تنقلب إلى سلطة جديدة. وقد نبّه باسكال منذ زمن بعيد إلى حدود العقل حين قال: «للقلب براهينه التي لا يعرفها العقل». والمقصود هنا ليس إبطال العقل بل تذكيره بحدوده وحقوله. والرشدية إذا قُرئت قراءة ناضجة فهي قادرة على استيعاب هذا الدرس لأنها لا تدّعي أن البرهان يشتغل في كل شيء بالطريقة نفسها وإنما تميّز بين مراتب النظر. أما إذا قُرئت قراءة أيديولوجية فإنها قد تُستخدم لتكريس نمط من العنف الرمزي ضدّ كل ما لا يندرج في صورتها المبسطة عن “العقل”.

إن إمكانات استئناف المشروع الرشدي في الفكر العربي المعاصر ترتبط كذلك بقدرتنا على تحرير مفهوم “العقل” نفسه من الاختزال. فالعقل عند ابن رشد عقل برهاني منضبط نعم، لكنه ليس آلةً صمّاء. والعقل في تراثنا على تنوع صوره يحمل أيضاً أبعاداً أخلاقية وعملية ووجودية. وقد كان أرسطو الذي شكّل أحد أعمدة التكوين الرشدي يميز في الأخلاق النيقوماخية بين الحكمة النظرية والحكمة العملية. واستئناف الرشدية في زمننا يقتضي أن نصل البرهان بالحكمة العملية وأن نجعل العقل قادراً على الإسهام في بناء الدولة العادلة وفي ترشيد الاقتصاد وفي إصلاح التعليم وفي تحرير الخطاب الديني وفي تهذيب المجال العمومي.

وإذا أردنا أن نُنزّل هذا الكلام من التجريد إلى مستوى البرنامج أمكن القول إن استئناف المشروع الرشدي يمر عبر مسالك محددة. يمر أولاً عبر إصلاح جذري لتدريس الفلسفة والمنطق وعلوم الحجاج في المدرسة والجامعة. يمر ثانياً عبر إعادة بناء العلاقة بين الدراسات الشرعية والدراسات الفلسفية بحيث ينكسر الجدار المصطنع بينهما ويُفتح حوار منهجي جادّ بين الأصوليين والفلاسفة واللغويين والمؤرخين. ويمر ثالثاً عبر مشروع ترجمة ومراجعة للمفاهيم الحديثة في العربية لأن الفكر لا ينهض بلغة مرتجفة. ويمر رابعاً عبر بناء فضاء عمومي يحترم الاختلاف ويصون حرية البحث. يمر خامساً عبر تحرير البحث العلمي من البيروقراطية والولاءات الصغيرة. يمر سادساً عبر تخليص الخطاب الثقافي من الاستعراض والإنشاء الفضفاض لصالح الحجة والتحليل. وكل هذه المسالك ليست “إضافات” على الرشدية بل هي الشروط التاريخية التي تجعل روحها قابلةً للحياة.

ولعلّ من المفيد هنا أن نستحضر ابن خلدون لأنه فيلسوف العمران وناقد الأحوال حيث قال في المقدمة: «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب». هذه العبارة الخلدونية تكشف لنا وجهاً خطيراً من أزمة الفكر العربي الحديث. فكثير من مشاريع “الحداثة” العربية جرى فيها الاقتداء بالغالب على نحو مبهور من غير تمثل عميق لشروط المفاهيم ومن غير قدرة على إعادة إنتاجها داخل التربة الثقافية الخاصة. واستئناف الرشدية يمكن أن يكون سبيلاً لمقاومة هذا الولع لا بمعنى الانغلاق القومي أو الحضاري بل بمعنى امتلاك القدرة على الحوار الندّي مع الفكر العالمي. فالعالم لا يحترم من يكرر بل يحترم من يضيف.

وقد كان مارتن هايدغر يقول: «اللغة بيت الكينونة». وإذا كان في هذه العبارة أفق أنطولوجي خاص، فإنها تُفيدنا هنا من جهة أن كل نهضة فكرية تحتاج إلى بيت لغوي يسكنها. والرشدية الجديدة إن جاز التعبير لا بد أن تُبنى في لغة عربية حية قوية قادرة على احتضان المفهوم دون أن تنكسر وقادرة على حمل الدقة دون أن تفقد الجزالة، لأن جزءاً من استئناف الرشدية اليوم يمر عبر هذا الإصرار على أن تكون العربية لغة تفكير لا مجرد لغة وعظ أو زخرفة.

ومهما قيل في إمكانات الاستئناف فإن الصدق العلمي يفرض الإقرار بأن الطريق شاق، فالعوائق البنيوية كثيرة، هشاشة المؤسسات، ضعف تقاليد البحث، تغوّل الاستهلاك الثقافي، هيمنة الخطاب الانفعالي، التباس العلاقة بين الدين والسياسة، غياب الإرادة الإصلاحية العميقة في كثير من البنى التعليمية. لذلك فاستئناف المشروع الرشدي لا ينبغي أن يُقدَّم كحلّ سحري ولا كطريق معبّد. إنه أفق نضاليّ طويل يحتاج إلى أجيال ويحتاج إلى صبر حضاري. هنا تلوح حكمة هيغل من جديد حين قال في محاضرات في فلسفة التاريخ: «بومة منيرفا لا تبدأ طيرانها إلا عند حلول الغسق». أي إن الفلسفة غالباً ما تأتي متأخرة لتفهم ما جرى. غير أن الفكر العربي اليوم لا يملك ترف التأخر الأبدي. عليه أن يجعل الفلسفة أداة فهم وأداة تأسيس معاً.

إن المشروع الرشدي ما يزال يحمل إمكانات هائلة للفكر العربي المعاصر شريطة أن نقرأه بعينين لا بعين واحدة، عين تعترف بعظمته وعين تمارس عليه النقد. بعين تستلهم منه وعين تتجاوزه. بعين تحفظ له مكانته في تاريخ العقل الإسلامي وعين ترفض تحويله إلى ضريح مفهومي. فابن رشد لا يُكرَّم بتمجيده اللفظي وإنما يُكرَّم حين نعيد تشغيل الأسئلة التي شغلته، ما حدود العقل؟ كيف يُفهم النص؟ ما شروط التأويل؟ ما طبيعة البرهان؟ كيف تنتظم المعرفة؟ ما صلة الحقيقة بالشرع؟ ما دور الفلسفة في المدينة؟ كيف تُدار مراتب الخطاب؟ كيف نمنع العوامّ من أن يُستثاروا ضدّ الحكمة ونمنع الحكماء من أن يفسدوا العامّة بسوء البيان؟.

في هذا المنحى يغدو استئناف المشروع الرشدي فعلاً من أفعال الشجاعة الحضارية. لأن الثقافة العربية اليوم في أمسّ الحاجة إلى عقل يملك الجرأة على النقد والتواضع أمام الحقيقة والانضباط في الاستدلال والصرامة في التأويل والقدرة على الجمع بين الوفاء والأفق. وليس المقصود أن نُعيد إنتاج القرن السادس الهجري ولا أن نستبدل مركزية غربية بمركزية تراثية ولا أن نُحوّل ابن رشد إلى أيديولوجيا جاهزة. المقصود أن نحرر من تراثنا ما يساعدنا على أن نفكر بحرية وعمق ومسؤولية. وهنا يستعيد قول ابن رشد نفسه ألقه النادر: «الحق لا يضاد الحق». تلك ليست عبارة في التوفيق فحسب بل هي إعلان عن ميثاق معرفي كامل، لا خصومة بين الحقيقة والحقيقة والخصومة، إنما تقع بين الأهواء أو بين الجهل والحقيقة أو بين سوء التأويل والبرهان.

وعند هذا الأفق يلوح معنى آخر أشد رسوخاً: استئناف المشروع الرشدي ليس شأناً فلسفياً صرفاً بل هو امتحان أخلاقي وسياسي وثقافي للمجتمعات العربية. فالمجتمع الذي لا يحتمل السؤال لن يحتمل الرشدية. والجامعة التي لا تربي على الحجة لن تلد عقلاً رشدياً. والخطاب الديني الذي يخاف من التأويل المنضبط سيبقى أسير التكرار. والمثقف الذي يكتفي بالشعار لن يبني تقليداً نقدياً. والدولة التي ترتاب من الحرية ستخنق كل مشروع عقلي قبل ولادته. لذلك فالرشدية ليست مجرد نصوص تقرأ بل هي شكل من أشكال الوجود الحضاري.

وقد يكون من أبلغ ما نختم به مقالتنا هاته أن نستحضر العبارة التي جعلها ابن رشد مبدأً في فصل المقال ثم نقرأها في ضوء الحاضر العربي بكل جراحه وآماله: «فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له». لو أُعيد بناء ثقافتنا على هذا المبدأ وحده لتغير كثير من وجوه الخصومة العقيمة التي تستنزفنا. ولعادت الفلسفة إلى مكانها الطبيعي لا خصماً للدين ولا تابعاً له بل شريكاً في طلب الحقيقة. ولعاد الفقيه إلى مقامه الأصيل لا حارساً للخوف بل مؤتمناً على المعنى. ولعاد المثقف إلى دوره الحق لا بائعَ مواقف بل صانعَ أسئلة. ولعادت الجامعة إلى رسالتها لا مصنعَ شهادات بل ورشةَ عقل.

هكذا وحده يمكن أن يكون الحديث عن إمكانات استئناف المشروع الرشدي حديثاً جاداً لا زينة خطابية ولا حنيناً مثقلاً بالمجاز. وهكذا وحده يصير ابن رشد معاصراً لنا لا لأنه عاش في زمننا بل لأن أسئلتنا الكبرى ما تزال تجد في مشروعه طاقةً على الإضاءة ومادةً للمراجعة ودعوةً إلى أن نكون أوفياء للعقل من غير قطيعة مع الجذور وأوفياء للجذور من غير عداوة للعقل. ذلك هو الدرس الرشدي الأسمى وذلك هو الرهان الذي يظل مفتوحاً أمام الفكر العربي المعاصر، أن يخرج من زمن التكرار إلى زمن التأسيس ومن زمن الاستهلاك إلى زمن الإنتاج ومن زمن الاصطفاف الأيديولوجي إلى زمن البناء المفهومي ومن زمن الحنين إلى زمن العمل.

فإذا نجحنا في ذلك فلن نكون قد “أحيينا” ابن رشد لأن الكبار لا يحتاجون إلى من يحييهم بل نكون قد أحيينا في أنفسنا القدرة على التفكير التي بها تُبنى الحضارات وتُصان الكرامات وتُستعاد المعاني. وتلك في تقديري المتواضع هي الغاية الأبعد من كل قراءة رشديّة جادة، أن نستردّ العقل لا بوصفه شعاراً بل بوصفه سلوكاً حضارياً ومِراناً منهجياً وفضيلةً أخلاقية ورسالةً تاريخية.

***

د. حمزة مولخنيف