أقلام حرة
علي الطائي: حين ترقص القبيلة فوق جثمان ابنتها.. ماذا جرى للمجتمع العراقي؟
ليست الجريمة التي هزّت العراق أخيراً مجرد حادثة قتلٍ عائلية عابرة، ولا يمكن اختزالها في عبارة “غسل عار” كما تفعل اللغة الاجتماعية الكسولة التي اعتادت أن تُخفّف بشاعة الجرائم عبر تسميات موروثة. نحن أمام لحظة انهيار أخلاقي عميق، لحظة تكشف تصدّع البنية النفسية والاجتماعية للإنسان العراقي المعاصر، وتفضح المسافة الهائلة بين كثافة الخطاب الديني وبين ضمور الضمير الإنساني. فأن تُقتل فتاة في الرابعة عشرة من عمرها لأنها رفضت الزواج ممّن فرضه الأب عليها، فهذا وحده مأساة. لكن أن يتحول القتل إلى مناسبة للغناء والرقص والاحتفال، فذلك يعني أن الجريمة لم تعد فعلاً فردياً شاذاً، بل أصبحت طقساً اجتماعياً يجد من يبرره ويصفق له ويمنحه شرعية جماعية.
إن أخطر ما في هذه الحادثة ليس الدم وحده، بل انهيار الإحساس بالذنب. ففي علم النفس الاجتماعي، حين يفقد الإنسان شعوره الداخلي بالخطأ، ويتحوّل العنف إلى قيمة جماعية محمية بالعُرف، يصبح المجتمع مهيأً لإنتاج جرائم أشد قسوة. الإنسان الطبيعي قد يرتكب خطأ تحت ضغط الغضب أو الخوف أو الانفعال، لكنه يبقى مطارَداً بوخز الضمير. أما حين يرقص القاتل بعد جريمته، فهذا يعني أن الضمير نفسه قد أُعيد تشكيله وفق ثقافة ترى القسوة بطولة، وترى السيطرة على المرأة شرفاً، وترى الطاعة العمياء للعائلة أعلى من حق الإنسان في الحياة.
لقد دخل المجتمع العراقي منذ سنوات طويلة في أزمة مزدوجة: تضخم في المظاهر الدينية، وتراجع في القيم الأخلاقية الحقيقية. فالمشكلة ليست في الدين، بل في تحويل الدين إلى طقوس صوتية فارغة تُستهلك في المنابر والخطابات والمواكب والشعارات، بينما تُهمَل جوهرية الإنسان وكرامته وحقه في الاختيار والرحمة والعدل. إن الدين الذي لا يمنع أباً من ذبح ابنته، ثم الاحتفال بذلك، ليس ديناً غائباً فحسب، بل دين جرى تشويهه وتحويله إلى قشرة اجتماعية تُستخدم أحياناً لتغطية أكثر الغرائز بدائية ووحشية.
ومن المؤلم أن هذه الظواهر تتفاقم في بيئات تُعدّ من أكثر البيئات امتلاءً بالمجالس الدينية والخطب والوعظ والمنابر. هنا يبرز السؤال المرعب: كيف يمكن لمجتمع يسمع المواعظ كل يوم أن يزداد عنفاً وقسوة؟ كيف يمكن لبيئة غارقة بالشعائر أن تنتج هذا الكم من التوحش الأسري؟ الجواب يكمن في الفرق بين “التديّن الشكلي” و”الأخلاق الإنسانية”. فليست كثرة الشعائر دليلاً على نضج الضمير، كما أن ارتفاع الصوت بالموعظة لا يعني بالضرورة حضور الرحمة في النفوس.
لقد تحولت المواعظ في كثير من الأحيان إلى خطاب تعبوي عاطفي لا يعالج البنية النفسية العميقة للإنسان، ولا يربيه على احترام الفرد وحقوقه واستقلاله الإنساني. يتم التركيز على الطقوس أكثر من التركيز على الإنسان نفسه. يُربّى الفرد على الخوف من الجماعة أكثر من خوفه من الظلم. وعلى الطاعة أكثر من التفكير. وعلى الانتماء القبلي والطائفي أكثر من الضمير الكوني. وهنا ينشأ إنسان قادر على البكاء في مجلس ديني، ثم ممارسة القسوة المطلقة داخل بيته دون أي تناقض نفسي يشعره بالخجل.
إن المجتمع العراقي اليوم يعيش أزمة “ازدواج الشخصية الاجتماعية”. ففي الفضاء العام يبدو متديناً، محتشداً بالشعارات، غارقاً في الرموز الدينية، لكنه في العمق يعاني تصحراً أخلاقياً خطيراً. ولعل أخطر ما أصاب المجتمع هو هذا الانفصال بين الخطاب والسلوك. بين ما يُقال وما يُمارس. بين القداسة المعلنة والعنف المخفي. حتى أصبح بعض الناس يتعاملون مع الدين بوصفه هوية جماعية لا مشروعاً أخلاقياً.
وفي علم الاجتماع، حين تتراجع سلطة القانون ويتضخم نفوذ القبيلة والعرف، تبدأ العائلة بالنظر إلى نفسها كدولة مستقلة تمتلك حق الحياة والموت على أفرادها. وهنا تتحول المرأة، خصوصاً الفتاة الصغيرة، إلى “ملكية عائلية” لا إنساناً مستقلاً. ويصبح جسدها وقرارها ومستقبلها جزءاً من مفهوم الشرف الجمعي. لذلك لم يكن رفض تلك الطفلة للزواج يُنظر إليه بوصفه حقاً إنسانياً، بل عُدَّ تمرداً على سلطة الأب والعشيرة. ومن هنا جاء العنف بوصفه “إعادة فرض النظام”، لا بوصفه جريمة في نظرهم.
لكن الحقيقة الأشد مرارة أن المجتمع نفسه كثيراً ما يشارك في الجريمة بالصمت أو التبرير أو التواطؤ النفسي. فحين تنتشر التعليقات التي تبحث للقاتل عن أعذار، أو تعتبر الضحية “سبب المشكلة”، فإننا لا نكون أمام قاتل واحد، بل أمام ثقافة كاملة تُنتج القاتل وتحميه. وهنا تصبح الجريمة نتيجة منطقية لبنية اجتماعية مأزومة، لا حادثة معزولة.
لقد تعرض الإنسان العراقي خلال عقود طويلة إلى حروب وحصار وعنف طائفي وانهيارات اقتصادية وسياسية متتالية. وكل مجتمع يعيش زمناً طويلاً تحت العنف، يبدأ تدريجياً بفقدان حساسيته تجاه الألم. تتبلد المشاعر، ويصبح الموت خبراً عادياً، وتتحول القسوة إلى سلوك يومي. ومع غياب التربية النفسية السليمة، وضعف التعليم، وتراجع دور الثقافة والفنون، ينمو جيل مضطرب يرى العنف لغة طبيعية للتعامل مع الخلافات.
كما أن الخطاب الذكوري المتضخم لعب دوراً خطيراً في ترسيخ فكرة امتلاك المرأة. فالفتاة في بعض البيئات لا تُعامل كإنسان كامل الإرادة، بل كرمز لشرف الجماعة. لذلك يُنظر إلى حريتها الشخصية كتهديد لسلطة الرجل، لا كحق طبيعي. وهذه العقلية لا علاقة لها بالدين الحقيقي، بل هي امتداد لتقاليد قبلية قديمة أُلبست أحياناً لباساً دينياً زائفاً.
إن الدين الحقيقي يبدأ من حرمة الدم، ومن الرحمة، ومن كرامة الإنسان. يبدأ من قوله تعالى إن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعاً. لكن حين يتحول الدين إلى مجرد هوية صوتية وصراخ منابر، دون بناء أخلاقي وإنساني، فإنه يفقد أثره التربوي العميق. ولهذا يمكن لمجتمع أن يكون ممتلئاً بالمآذن والرايات والخطب، لكنه فارغ من الرحمة.
ما حدث لهذه الطفلة ليس جريمة ضد فرد فقط، بل صفعة لضمير مجتمع كامل. إنها مرآة مخيفة تكشف ما تراكم تحت السطح من عنف وكبت وتشوهات نفسية واجتماعية. والمشكلة لن تُحلّ بإدانة عابرة أو موجة غضب مؤقتة، بل تحتاج إلى مراجعة جذرية لفكرة التربية والدين والرجولة والشرف والعائلة والقانون.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان العراقي من الداخل، لا إلى زيادة الضجيج فوق رأسه. بحاجة إلى تعليم يُربي على التفكير لا الطاعة العمياء، وعلى احترام المرأة لا امتلاكها، وعلى قيمة الإنسان لا سلطة الجماعة. بحاجة إلى خطاب ديني يزرع الرحمة لا الخوف، والوعي لا الانفعال، والضمير لا الاستعراض. وإلا فإن المجتمع الذي يرقص فوق جثمان طفلته اليوم، قد يستيقظ غداً ليجد أنه يرقص فوق جثمان إنسانيته كلها.
***
د. علي الطائي
13-5-2026







