عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قراءة انثروبولوجية

كثيرا ما نسمع آراء من داخل الأوساط العشائرية، حول طبيعة تحول العشيرة نحو توجاهات مخالفة للأصول العشائرية وتقاليدها، ويعزا هذا التحول إلى طبيعة التنافس العشائري حول الوجاهة والمشيخة والتصدي للظهور العشائري والبروز فيه. وإن كان هذا جزء من جملة أسباب، ممكن أن نشخصها في طبيعة العشيرة وتكوينها وحضورها، وتأثير شكل النظام السياسي عليها، وهوية الدولة، وطبيعة الحكم. بالتأكيد ما تقدم له مؤشراته في كل نشاط عشائري ممكن أن يكون جزء من هوية النظام السياسي وهوية نظام الدولة.

اذا تحدثنا عن هذه الطبيعة العشائرية من داخل مؤثرات النظام السياسي فيمكن أن نبتدأ ذلك مع بداية تكوين الدولة العراقية عبر سلطة الأحتلال البريطاني الذي جلب للعراق عائلة تحت مسمى (الأسرة الهاشمية) او العشيرة الهاشمية، وهذه أول مرحلة من مراحل تركيز الحكم العشائري في النظام السياسي العراقي، وما تبع ذلك من تصاعد للخطاب العشائري داخل الدولة والنظام السياسي، حيث قرب الهاشميين من الحكم والأصهار والأقارب الى سدة الحكم وإدارة الدولة فيما بعد، حتى فيصل الثاني، ووصيه عبد الأله الذي هو خال الملك. وهذا يعني أن الملوكية كظام سياسي قائم على فكرة العشيرة فهي تتشكل بها وتتغير بمتغيرات العائلة والاسرة الحاكمة فيما لو لم تنجب أولاد ذكور، وأشكالية الوصاية وغيرها من التبعات السلبية للنظام الملكي وعلاقته بالحكم وديمومته وعلاقته بالشعب على اساس هذا الاعتبار، والنظام الملكي هو وجه من وجوه الأنظمة الشمولية.

اما العشيرة في النظام الجمهوري، وبما يمكن أن نسميه بالجمهورية الأولى، وهي جمهورية عبد الكريم قاسم، كانت قد تعاملت مع العشيرة على أساس اعتبارات جديدة، اضعفت نسبيا الهيمنة العشائرية تحت نظامي الاقطاع، والوصاية العشائرية، حيث منحت القيمة للوظائف، والتمليك، والأعمال الحرة، وبدأت تفقد العشيرة أو بالأحرى بدأ يفقد الشيخ كثير من جمهوره، لا سيما جمهور من العبيد، والخدم، والتابعين، تحت سلطة الشيخ وحمايته او حماية عشيرته، فالشيخ كان في هذه المرحلة ليس شيخ على عشيرته فقط، بل شيخ على جميع منطتقه الجغرافية التي له حضور عشائري فيها. اذا ما تجاوز بتأثيره العشائري هوية انتماء أكبر تحت عنوان الإمارة أو السمعة الوطنية التي يكتسبها الشيخ.

اما وضع العشيرة في ظل الجمهورية البعثية الديكتاتورية الشمولية، في ظل وحدة الدولة، ووحدة النظام، ووحدة الحزب، ووحدة الجيش، ظهرت بشكل قوي وحدة العشيرة، واستمر هذا الحال الى ما بعد 1991 وما بعدها أحدث صدام حسين تغييرات في التكوين العشائري المسكوت عنه تحت عنوان وحدة العشيرة ووحدة الإنتماء والتألف العشائري الى وحدة الولاء السياسي للعشيرة تحت هذه الوحدة العشائرية، وهذا ما عمل عليه صدام حسين حين بدأ يصنف العشيرة من حيث ولائها ويفكك العشيرة التي لا تدين له بالولاء في مقابل إبراز مشايخ جديدة تنافس مشايخ آخرين من العشيرة ذاتها. فبقي داخل العشيرة ما هو مسكوت عنه، مثلما بقي داخل النظام السياسي ما هو مسكوت عنه، حتى تكشف كثير منه بعد الأنتفاضة الشعبانية، أو قل قبلها حيث عمل صدام على ترحيل التبعية الأيرانية أو الكردية الفيلية من العراق وكان اغلبهم كان قد إندمج عشائريا مع عشائر عراقية وعربية كثيرة حتى بعضهم حمل لقبها.

وكان صدام تحت شموليته المقيته عمل على تنقية العشائر العراقية من انتماءات كان هو يصفها بشكل عنصري، مثل العجمية، والأجنبية، والدخيلة. ولا ننسى صدام هو أيضا يحمل نزعة وحدة العشيرة ودمجها مع وحدة النظام السياسي، حيث كان حكمه مثقل بثقافة القرية والعشيرة، حيث إدارة حكمه كانت مقتصره على قرية العوجة وما يحيط بها، وما ينتمي له من عشيرة آل بوناصر وبقي هذه الشمولية تتضخم في الثقافة المجتمعية العشائرية حتى أصيب شيوخ عشار كثر بهذه النزعة، فكانوا يرفضون الاستقلال العشائري داخل القبيلة أو الأستقلال القبلي داخل الأمارة أو حتى الأنفصال والتحول الى عشيرة أخرى أو أمارة أخرى. ومازالت هذه النزعة موجودة عند كثير من الشيوخ حتى سقوط نظام البعث، واستمرت حتى في ظل النظام التعددي الديمقراطي في عراق ما بعد 2003 ومن مظاهر هذه الشمولية ، هو الطموح السياسي الذي دفع كثير من الشيوخ للترشح أو تولي مناصب عليا أو التقرب من السلطة أو التخادم بينها وبين النظام السياسي القائم، وهذا الأمر يتجاوز به الشيخ مهمته العشارية الا انه تكتنفه فكرة أحتواء العشيرة من خلال ما يتمتع به من نفوذ وسيطرة وبذل أموال وبذل طعام.

فإنثروبولوجية العشيرة في ظل النظام الشمولي تختلف عن أنثروبولوجية العشيرة في ظل النظام التعددي الذي انتج لنا شموليات ايديولوجية بدل الشموليات السياسية وتأثر العشيرة بهذا التغير، فجاء انتمائهم للفصائل المسلحة هو نوع من الحماية وتقوية شوكة العشيرة ازاء التهديد العشائري المجاور وغير المجاور، وانتمائهم للنظام السياسي ليكسبوا ويعززوا عامل الوجاهة وقوة خدمة العشيرة وأهل المصلحة، فأصبح للعشيرة توصيف سياسي وايديولوجي بارز أثر ايجابا وسلبا على التكوين العشائري المحايد للعشيرة، فهناك عشائر توصف على انهاء صدرية لأن شيخها وجزء كبيرة من اتباعها تحت رعاية التيار وحمايته وولائهم لرمز التيار، وهناك عشائر ذات ولاء حكيمي اي لعائلة الحكيم، وهناك عشائر مقربة من العتبات او ما يعرف بحشد العتبات وهناك عشائر ذات انتماءات متعددة متذبذبة ومتفاوته وعابره حتى للقومية والمناطقية والدينية او الطائفية، هناك ولاءات عشائرية اتاح لها النظام التعددي الديمقراطية حرية الولاءات العشائرية العابرة للحدود. فكثر من الشيوخ يعد نفسه مسؤولة إمارة في داخل العراق وخارجه، وهناك من يفرض أمارته على أجزاء من الوطن العربي، وهذا يعني التوسع خارج أقليمية الدولة وهو ما لم يشر اليه القانون دستوريا او ما لم يتم معالجته قانونيا، وهذا يعني إن إمارة العشيرة او القبلية او الإمارة هي أوسع تأثير من حدود سلطة الدولة المعترف بها، فهي خارج سياكس بيكو الحدود، وما يقابله ويعاب عليه عند كثيرين مفهوم سلطة الأمة على وفق الحكم الإسلامي.

فالعشيرة هي تكوين اجتماعي تتأثر بالتأكيد بكل متغيرات انظمة الحكم، ولو اطلع القارئ الكريم على وثائق في النظام الملكي والجمهوري الأول وحكم البعث، وحكومات ما بعد 2003 توضح طبيعة توظيف العشيرة لخدمة الأنظمة السياسية وعلاقة العشيرة بالسلطة، فكان فرصة كبيرة لإعادة النظر بالعشيرة إنثروبولوجيا عسى ان يصحح من مسار المواقف، واعادة توازن المصالح الإجتماعية والوطنية على اساسها.

***

د. رائد عبيس

أقصد بمفهوم (النخبة) هنا، ليس مثقفي السلطة، وتجار الكلمة، ومهاتري وأدعياء الثقافة. وإنما المقصود بها هنا هي كل تلك القوى الاجتماعية الممثلة للثقافة العالمة ممثلة بالانتلجنيسيا المختصة بأنساق واسعة من المعرفة الايجابيّة. أي المهتمون بشؤون المعرفة العلميّة من أطباء ومحامين ورجال قانون ومهندسين وإداريون وكل من يقع نشاطه المعرفي في مضمار البحث المتخصص والمتعلق في تنمية الدولة والمجتمع. ويأتي في مقدمة هذه النخب الإيجابيّة أيضاً، من يشتغل على قضايا الأدب والفن والفكر بأنساقها السياسيّة والسيسيولوجية، (الاجتماعية) والابستمولوجيّة، (المعرفيّة) والفلسفيّة، وغير ذلك من قضايا الثقافة الإبداعيّة التي تختص في تنمية الوعي الفردي والمجتمعي والارتقاء بهذا الوعي بما يخدم الفرد والمجتمع، ومحاربة الظلم والاستبداد والتخلف والفساد بكل أشكاله، وعلى رأس كل هؤلاء يأتي المثقف (الطليعي) أو ما يسمى بالمثقف (العضوي) على حد تعبير "غرامشي"

علاقة النخب الثقافية الشموليّة، أو السلطات الحاكمة المستبدة:

لقد ظل تعاضد السيف والسلطة في عالمنا العربي، قائماً في الدولة العربيّة منذ بداية الخلافة الإسلاميّة حتى اليوم. هذا التعاضد الذي عبر عنه الخليفة عبد الملك بن مروان بعد توليه الخلافة خير تعبير، عندما مسك القرآن بيده وراح يخاطبه بعد أن قبله قائلاً: (هذا فراق بيني وبينك)، ثم ذهب ليخطب بالناس في الكعبة بعد استيلاء عامله الحجاج على مكة ومقتل عبد الله بن الزبير قائلاً عبارته المشهورة: (إنكم تكلفونا أعمال الأوائل ولا تسيرون سيرتهم، والله لا أسمع رجلاً يقول لي بعد اليوم "اتقي الله" لقطعت رأسه بحد السيف). (1).

أما الحجاج فيقول عن المعارضة ومنها حتماً أصحاب الرأي، أي المثقفين السياسيين ممن عارض السلطة أو الخلافة الأمويّة في سياستها آنذاك قائلاً: (من تكلم قتلناه، ومن سكت مات بدائه غماً.). هذه المقولة التاريخيّة المعبرة عن استبداد السلطات الحاكمة الشموليّة وقهرها لمعارضيها أو منتقديها بشكل عام وللمثقفين العقلانيين التنويريين بشكل خاص، لم تزل سارية المفعول حتى تاريخه في عالمنا العربي.

وفي تاريخنا الحديث: يقول الكاتب السوري النهضوي شبلي شميل:

(ومن الأسباب القاضية على نبوغ الكتاب في المشرق هو وقوف حكوماتهم ضدهم، فقد تعودت الحكومة أن تنظر إلى هذه الطائفة كأنها من الآفات التي ينبغي مقاومتها أكثر من تنشيطها، وذلك لعدم معرفة الكثير من الحكام مالها من الأهميّة وما لكبارها من النفع في رفع شأن هذه الأمّة، إذ لا يعرف قدر الشيء إلا أهله، فمهما أجاد الكتاب في حكومة هذا شأنها، ومهما أظهروا الاستعداد لأن يكونوا من النوابغ فلا يصادفون إلا إعراضاً منها يحملهم على أحد أمور ثلاث  هي: إما كسر القلم، وإما تحييدها وعدم الوقوف ضدها، وإما إذلاله لها. وأبلغ من ذلك هو الإساءة إلى تخريب ذمم الكتاب وشرائهم بالمال ليكتبوا غير ما يفكروا به، أو يصمتوا عما يعتقدون، حتى ينحط مقام الكتابة بهم والنتيجة من ذلك في كلا الأمرين قتل الأفكار، وإفساد الأخلاق، وموت الْكُتَابِ الذين يُفتخر بهم، وما وجِدَتْ الحكومات لمثل هذا.).

من طرائف السلطات المستبدة في وطننا العربي في بداية القرن التاسع عشر، أن "محمد علي باشا" والي مصر أرسل الطهطاوي والعديد من النخب المصريّة إلى فرنسا للتخصص بالعلوم الحديثة أو ما سمي بـ (العلوم البرانية) كعلوم السباكة والحدادة والعسكريّة والأيلجة – أي الدبلومسية – وكانت يومها خمسة عشر علماً على حد تعبير ذلك الزمان، وعند عودتهم سأل الباشا كلاً منهم عن تخصصه العلمي الذي درسه في فرنسا، ووضع كلاً منهم في مجال تخصصه، إلا رجلاً واحداً عندما سأله عن اختصاصه قال له (علوم إداريّة). فاستفسر منه الباشا عن طبيعة هذا الاختصاص، فقال له: هو علم إدارة البلاد ومؤسساتها. فنظر إليه الباشا بشذر وقال له: أما  أنت فاذهب إلى الاسكندريّة وترجم الكتب العسكريّة للجنود هنا. فأنا الحاكم هنا.(2).

هكذا يفكر الحاكم المستبد في الدولة الشموليّة، فهو يتوجس شراً من كل مثقف أو متعلم يمكن أن ينافسه في الحكم أو يساهم في كشف المستبد وسياساته أما الشعب.

**

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

..................

الهوامش:

1- (الدكتور عبد الوهاب أحمد أفندي - الإسلام والدولة الحديثة – دار الحكمة لندن – ص 70. ).

2- (د. عدنان عويّد – بحث "النهضة وأزمة الطبقة" – من كتابنا: اشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل إلى النفط – إصدار دار المدى – دمشق – 1997- ص202).

 

هل نحن حقًا أحياء؟

في هذا الكون اللامتناهي، حيث كل شيء يبدأ وينتهي، هل تساءلت يومًا ما إذا كان وجودك ذاته مجرد لحظة عابرة في بحر لا نهاية له من الزمن؟ هل نحن أحياء حقًا، أم أننا مجرد تفكير، لحظة خاطفة في الكون، تحاكي حركة الأشياء من حولنا؟ في ظل هذه الفوضى، هل يمكن أن يكون الوجود البشري مجرد وهم؟ وإذا كان كذلك، ما الذي يبقى لنا من يقين في عالم تحكمه أسئلة لا نهائية؟

هل نحن أحرار فعلاً؟

إن السؤال عن الحرية ليس مجرد تساؤل فلسفي، بل هو قضية وجودية تتناول جوهر تجربتنا الإنسانية. كان الفلاسفة، من سقراط إلى سارتر، يسألون هذا السؤال: هل نملك حقًا حرية الإرادة؟ هل يمكننا اتخاذ قراراتنا دون أن تؤثر فينا القوى الخارجية، سواء كانت بيولوجية، اجتماعية، أو نفسية؟ أم أننا نعيش في وهم كبير، نخدع أنفسنا بالاعتقاد أننا أحرار، بينما في الواقع نحن مجرد كائنات تحت تأثير محيطنا الذي يعيد تشكيلنا في كل لحظة؟

خذ هذا المثال البسيط: أنت تقف أمام خيار حياتي مهم، ولكن كيف تضمن أن هذا الخيار هو نتيجة لإرادتك الحرة؟ هل هناك شيء في داخلك يحدد هذا الخيار، أم أنك متأثر بما قاله لك المجتمع، بما توقعته منك العائلة، بما قرأته في الكتب؟ هل رغباتك فعلاً تخصك، أم هي مجرد نتائج لما مررت به من تجارب سابقة؟ هل هناك تأثيرات خفية تمارس ضغطًا عليك دون أن تدركها؟

إذاً، هل أنت أنت حقًا في كل قرار تتخذه، أم أن تلك الأنت التي تعتقد أنك تعرفها هي محض تمثيل آخر في مسرح الحياة، تقوم فيه بدورٍ لم تكتب نصه؟

هل هويتك هي حقيقتك؟

وماذا عن الهوية؟ هل هي ثابتة كما نراها، أم أنها مجرد تمثيل ذهني يتغير بتغير السياق؟ هل نحن حقًا نحن، أم أن صورتنا الذاتية مجرد صورة تم صبها في قالب اجتماعي يفرض علينا تحديد من نكون؟ هل صورتك في مرآة المجتمع هي تلك التي تعكس حقيقتك؟ أم أن هذه الصورة هي مجرد قناع ترتديه لتنجو من العجز والفوضى الداخلية؟

إذا كنت تؤمن أن هويتك ثابتة، فهل فكرت في اللحظة التي تلاشى فيها ذلك الثبات؟ هل فكرت يومًا في لحظة تحولك، حين تصبح شخصًا آخر رغم أن كل شيء فيك بقي كما هو؟ من الذي يحدد هويتك حقًا؟ هل هو المجتمع؟ هل هي أفكارك؟ أم هو ذلك الفراغ اللامتناهي الذي يراهن على تقديمك كشخص ثابت رغم أنك مجرد انعكاس لمتغيرات لا تنتهي؟

الوعي واللاوعي: الفجوة بين المعرفة والفهم

الوعي هو أداة الفهم التي نملكها، لكن ماذا لو كان العقل الباطن هو الذي يمسك بالخيوط ويصنع الواقع الذي نعيشه؟ هناك شيء غريب وعميق في العقل الباطن: نحن نعتقد أننا من نقرر، لكن الحقيقة قد تكون أننا لا نقرر شيئًا في الواقع. وفقًا للعلم العصبي، العقل الباطن يتحكم في أكثر من 90% من قراراتنا. هذا يشير إلى أن معظم ما نعتبره قرارات في حياتنا هو في الواقع ردود فعل غير واعية تتأثر بذكرياتنا، تجاربنا السابقة، والنظام البيئي الذي نعيش فيه. إذًا، من هو الذي يتخذ القرار هنا؟

لو تمعنت أكثر، ستجد أن التفسير الذي تقدمه لنفسك حول حياتك قد لا يكون سوى تفسير منطقي أضفته بعد وقوع الحدث. قد تكون قراراتك ليست سوى مجرد تفاعل مع محفزات لا واعية تُشكّل اتجاهاتك ورغباتك. لكن هل يمكنك حقًا أن تكون أنت في هذا العالم إذا كنت مجرد رد فعل لبيئة غير مرئية تتحكم بك؟ ماذا عن تلك اللحظات التي تشعر فيها أنك اتخذت القرار بشكل حر، كيف تفسرها الآن؟ هل يمكنك أن تكون متأكدًا من أن تلك اللحظة كانت إرادة حرة أم مجرد تعبير عن ضغط غير مرئي كان يلوح في الأفق طوال الوقت؟

الوجود في ظل الضبابية: الفكرة والواقع

تتساءل الفلسفة الحديثة عن حدود الوجود الذي نعيشه. يقول إيمانويل كانط: لا نعرف الواقع كما هو، بل كما هو مرشح من خلال العقل. لكن، إذا كان العقل هو من يحدد كيف نرى الأشياء، فما الذي نراه حقًا؟ هل لدينا أي اتصال مباشر بالواقع كما هو؟ أم أن كل ما نراه وندركه هو مجرد صورة زائفة تنبع من تركيب ذهننا الذي يفتقر إلى القدرة على رؤية الحقيقة المطلقة؟

وإذا كانت الصورة التي نراها عن الواقع هي مجرد انعكاس لعقولنا، فماذا عن الحقيقة التي تتجاوز هذه الصور؟ هل يمكن أن يكون الواقع ذاته وهمًا نقوم بإنشائه عبر خوارزميات أدمغتنا، ليبدو كما نريد أن نراه، وليس كما هو في جوهره؟ هل يمكن أن نعيش في وهم كبير حول وجودنا في هذا العالم؟

الخطوة الأخيرة: عناق العدم

في نهاية المطاف، ماذا تبقى؟ إذا كان كل شيء الذي تعتقد أنك تعرفه عن نفسك والعالم هو مجرد وهم، فما الذي تبقى لك من يقين؟ ماذا لو اكتشفت أن الحقيقة الوحيدة التي يمكنك أن تحملها هي أنك في الأساس لا تعرف شيئًا؟ ماذا لو كانت الحقيقة الوحيدة التي تجدها هي العدم؟ وإذا كانت الحياة نفسها محض سراب لا أكثر؟ هل نحن في صراع مع أنفسنا، أم أن هذا الصراع هو جزء من الطبيعة البشرية التي تجعلنا نركض خلف شيء لا وجود له؟

وربما، في اللحظة التي تتوقف فيها عن البحث، ستجد أن العدم هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الكون. في تلك اللحظة، قد يكون كل شيء قد تلاشى، بما في ذلك كل أفكارك، رغباتك، وهويتك. قد تجد أن الصمت هو الذي يتبقى بعد أن تسكت كل الأصوات، وأنك، ربما، كنت دائمًا في عناق مع العدم.

السؤال الذي يظل بلا إجابة

إذا كانت حياتنا مجرد وهم مستمر، وإن كانت أفكارنا رغباتنا ومعتقداتنا مجرد ردود فعل لواقع لا نعيه، فهل يمكننا أن نعتبر أنفسنا أحياء حقًا؟ وإذا كان الوجود نفسه مهددًا من قبل شكوكنا العميقة، فكيف لنا أن نعيش حياة ذات معنى؟ وهل نملك فعلاً الحق في أن نكون أحرارًا في اختياراتنا، أم أن كل شيء، من لحظات الوعي إلى أصغر قراراتنا، هو مجرد سيرة تمليها قوى غير مرئية؟

***

الكاتب سجاد مصطفى حمود

تؤرقني الأسماء التي يسكنها وسواس السلطة، تسري فيهم مثل الروح هو مخيف لأنه يعيد ترتيب الأولويات معياريا، يعبدون السلطة مثل الالهة ويدعونها بأسماء رمزية، هي لا تفقه صدى ادعيتهم، يتمرغون في الصحراء على سراب وجدانهم، السقوط الحقيقي هو السقوط نحو هاوية الروح، مع مرور الزمن تترسخ تقاليد ليس لها تقاليد، تجعل المدينة وحدات متفاوتة من القناعات تتلاعب بها ذاكرة غفى على سطحها تراب زمن النزاعات والحروب، النتيجة تحلل أجساد وخامات نفط ورماد داخل نبوءات الخير والشر، تنز فيها المجموعات الرعوية الراغبة في هز العروش يعاضدهم حلم السلطة البدائية، دون دعم حقيقي من الميتافيزيقيا. في المدينة الحديثة تلعب السرديات الوهمية دورا مهمًا في تشكيل مفهوم اقتصاد القوة، الدول التي مرت بتجارب استعمارية من عصر الاستعمار الاول، تُستخدم السرديات حول المقاومة الوطنية لتوحيد الشعب تحت مظلة استعمار جديد. في الولايات المتحدة مثلا، تُستخدم السرديات حول الاستثنائية الأمريكية لتبرير التدخلات العسكرية والاقتصادية في الخارج وتُستخدم أيضا لتبرير الصراعات الاقتصادية، مثل النزاعات حول الموارد الطبيعية، في إفريقيا غالبًا ما يرتبط الاستغلال بسرديات تاريخية حول الاستعمار، بعض الدول تستخدم السرديات لتعزيز قوتها الناعمة، من خلال الثقافة والسياسة تزيد بذلك تأثيرها الدولي وتسوق صورة إيجابية للدول المستعمرة في الساحة الدولية، احيانا تُستخدم السرديات لتوجيه فهم التاريخ، مما يؤثر على كيفية تقييم القوة في العلاقات الدولية. العديد من الدول تعيد كتابة أو تعديل مناهجها وتعزز سرديات تعكس قوتها وتأثيرها التاريخي، الإعلام يلعب دورًا حاسمًا في ترويج السرديات، ما يؤثر على الرأي العام والسياسات الاقتصادية وتغطية الأحداث التاريخية بطريقة خاصة. تظهر العلاقة بين السرديات التاريخية واقتصاد القوة، أن الفهم التاريخي لدور السرديات يمكن أن يؤثر على السياسات والعلاقات الدولية من خلال توجيه السياسات نحو تعزيز القوة والتفوق العالمي.

إعادة تدوير دور السرديات

الدين يمكن أن يُستخدم كذريعة للقيام بالحروب أو الصراعات، مما يؤثر على توزيع القوة والموارد، الحروب الصليبية كانت مدفوعة بسرديات دينية، حيث تم تصويرها ملحمة لاستعادة الأراضي المقدسة السرديات الدينية يمكن أن تؤثر على العلاقات بين الدول، حيث تُستخدم لتبرير التحالفات، النزاعات بين الدول ذات الأغلبية المسلمة والدول الغربية تُعززت بفعل السرديات الدينية التي تُصوّر الصراع الاقتصادي، حرب بين الإسلام والغرب، الدين يمكن أن يُستخدم لتبرير استغلال الموارد أو السيطرة على الأراضي، تُستخدم السرديات الدينية لتبرير الاستعمار أو السيطرة الاقتصادية على مناطق معينة العالم،  تستخدم الدين كجزء من قوتها الناعمة، من خلال نشر قيمها الثقافية والدينية، بعض الدول تسعى لنشر الدين كوسيلة لتعزيز علاقاتها الدولية وزيادة نفوذها، مما يؤثر على توزيع الموارد، السلطة في بعض الدول تُستخدم السرديات الدينية لتبرير السياسات الاقتصادية التي تعزز من قوة مجموعة معينة على حساب أخرى، يظهر هذا أن الدين يلعب دورًا مركزيًا في تشكيل السرديات التاريخية التي تؤثر على اقتصاد القوة من خلال تقديم مبررات للحروب، و توجيه السياسات، وتغيير الهوية الجماعية.

الاستعمار واقتصاد القوة

تظهر العلاقة بين الاستعمار، واقتصاد القوة، والسرديات التاريخية كقوة وهمية في سياقات متعددة استخدمتها القوى الاستعمارية للسيطرة على الموارد والأراضي كوسيلة لتعزيز قوتها الاقتصادية والسياسية، ساهم الاستعمار في خلق اقتصاد عالمي غير متكافئ، حيث استغلت الدول الاستعمارية موارد الدول المستعمَرة لزيادة ثرواتها ونفوذها، غالبًا ما كانت تُستخدم السرديات التاريخية لتبرير الاستعمار، مثل فكرة (العبء الأبيض أو تحضير الشعوب)، هذه السرديات تُعزز من صورة الاستعمار كعمل نبيل، مما يخفي الواقع المعقد للاستغلال والظلم الذي أسهم في تشكيل هويات جديدة في المستعمرات، غالبًا ما كان ذلك على حساب الثقافات الأصلية مما جعل من الصعب على المجتمعات المحلية استعادة هويتها الحقيقية، السلطات الاستعمارية لها القدرة على السيطرة على الروايات التاريخية من خلال التاثير في ثقافة البرجوازية مما أعطى شرعية لأفعالها، هذه السيطرة على السرديات أدت إلى تشكيل تاريخ مشوه، حيث يتم تجاهل أو تهميش تجارب الشعوب الأصلية وترك آثارًا دائمة على الاقتصاد والسياسة والثقافة في الدول المستعمَرة، هذه الآثار تُستخدم كأدوات لتفسير الصراعات الحالية، حيث تُعزز السرديات التاريخية الفكرة بأن الاستعمار لا يزال له تأثير على العلاقات الدولية مما يُعطي الانطباع بأن هذه العمليات كانت ضرورية لتقدم البشرية بعد الاستقلال. من خلال تقديم السرديات كقوة وهمية، يتم تعزيز صورة الاستعمار كعمل نبيل، مما يخفي الآثار الحقيقية للاستغلال والظلم، فهم هذه الديناميات يساعد في كشف الحقيقة التاريخية والسعي نحو العدالة.

تفكيك السرديات

تفكيك السرديات التاريخية الوهمية يتطلب مجموعة من الإجراءات النقدية والمناهج البحثية. منها دراسة المصادر التاريخية بعناية، بما في ذلك الوثائق الأولية والثانوية، لتحديد انحيازاتها ووجهات نظرها، مقارنة عدة روايات تاريخية حول نفس الحدث للكشف عن التناقضات، دراسة السياق الذي كُتبت فيه السرديات، لفهم العوامل التي تؤثر عليها، تحليل العوامل التي قد تكون دفعت إلى تشكيل سرد معين، تعزيز مهارات التفكير النقدي، مما يساعد الأفراد على تحليل المعلومات بشكل مستقل، تشجيع الأفراد على طرح أسئلة حول الروايات التاريخية، الاستفادة من قواعد البيانات الرقمية والأدوات التكنولوجية لتحليل المعلومات بشكل أكثر دقة، الاطلاع على الدراسات الأكاديمية التي تتناول الموضوعات التاريخية من زوايا متعددة، العمل مع المؤرخين والباحثين لفهم الأساليب المختلفة في معالجة السرديات وتعزيز المناهج التعليمية التي تشمل وجهات نظر متعددة، بما في ذلك تلك التي تم تهميشها، إعادة كتابة التاريخ ليعكس تجارب الشعوب الأصلية والمهمشة، توثيق السرديات التاريخية ومراجعتها بشكل دوري لتصحيح الأخطاء وتعزيز الفهم الجماعي، نشر المعلومات المحدثة عبر منصات متعددة للوصول إلى جمهور أوسع، دعم الجهود المبذولة لاستعادة الحقوق التاريخية للأقليات والشعوب المتضررة، تفكيك السرديات التاريخية الوهمية يتطلب التفاعل و المعرفة والنظر من  زوايا جديدة، تمكن من تحقيق رؤية أكثر دقة وشمولية.

دور وسائل الاعلام

 وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًا في نشر السرديات التاريخية الوهمية، وهي تساهم في تشكيل الرأي العام من خلال تقديم روايات معينة، مما يؤثر على كيفية فهم الناس للأحداث التاريخية، ان تغطية الأحداث التاريخية بشكل يركز على جوانب معينة يعزز من سرديات معينة بينما يتجاهل جوانب أخرى ويحدد الروايات التي تُبرز وتلك التي تُغفل،  يؤثر هذا على الوعي العام بالتاريخ، وقد تُعطى الأولوية لروايات القوى العظمى على حساب التجارب المحلية، مما يؤدي إلى تشويه الصورة الكاملة، اللغة العاطفية أو التحريضية قد تعزز من السرديات الوهمية في وصف الصراعات كـ(حروب مقدسة) أو (معارك من أجل الحرية) يؤثر على كيفية تفاعل الجمهور مع تلك الأحداث، وسائل الإعلام قد تعزز من السرديات التي تُشدد على القوالب النمطية، مما يؤدي إلى تقوية الأفكار المسبقة، قد تتجاهل وسائل الإعلام الحقائق التاريخية أو تبرزها بشكل محدود، مما يؤدي إلى تكوين صورة غير دقيقة عن الأحداث مثل تجاهل الأحداث السلبية المرتبطة بالاستعمار أو التدخلات العسكرية، قد تُستخدم وسائل الإعلام كأداة لتحقيق أجندات سياسية معينة، مما يؤثر على السرديات التاريخية المقدمة. إذا كانت السرديات الوهمية شائعة في وسائل الإعلام، قد تُدرج في الكتب المدرسية، إعادة سرد الأحداث التاريخية بشكل متكرر يؤدي إلى قبولها كحقائق لذا وسائل الإعلام تلعب دورًا حاسمًا في نشر وتشكيل السرديات التاريخية الوهمية. من خلال فهم كيفية تأثير وسائل الإعلام على الروايات التاريخية، يمكننا العمل نحو تعزيز الوعي النقدي وتحفيز التحقق من المعلومات. فلسفة القوة والسرديات التاريخية الوهمية مترابطة بشكل عميق، حيث تؤثر السرديات في كيفية فهمنا للسلطة، بينما تستخدم السلطة السرديات لتأكيد وجودها، هذه العلاقة يمكن أن تساعد في تعزيز وعي نقدي يمكن من خلاله التصدي للسلطويات المدعومة استعماريا وتعزيز العدالة الاجتماعية.

***

غالب المسعودي – باحث عراقي

إن بعض النظريات العلمية، التي تكون ناجحة إلى حدٍّ كبير، تصبح قادرة على التأثير في التفكير الإنساني خارج إطارها المعهود. فيحاول العلماء والفلاسفة إسقاط هذه النظرية على أي مجال يمكن إسقاط مفاهيمها عليه. أحد أبرز الأمثلة التي تخطر سريعًا على البال هي نظرية التطور عبر الانتقاء الطبيعي لتشارلز داروين. وُضعت هذه النظرية لتفسير التنوع البيولوجي، إلا أن الكثيرين حاولوا توسيعها لتفسير مجالات أخرى كعلم الاقتصاد، وعلم النفس، والثقافة. لكن هذا التوسيع في التطبيق ليس بالضرورة أمرًا مفيدًا. في الواقع، فإن هذه الإسقاطات تخلق مشكلة دقيقة وخطيرة وهي ما يُعرف بـتجاوز المفاهيم.

تجاوز المفاهيم يحصل عندما تنجح فكرة في إطار أو حالة معيّنة وتدفع التفكير نحو استعمالها في أطر أخرى دون وجود أدلة كافية. وقد يحدث ذلك بسبب مقارنات وتشابهات بين حقيقة علمية ونماذج معرفية أخرى. فكرة "الميم"، التي تمثل تطبيق التطور الدارويني على الثقافة، تمثل مثالًا واضحًا على هذا الموضوع.

الجين الثقافي: الميم

مصطلح "الميم" صاغه لأول مرة عالم الأحياء التطوري ريتشارد دوكنز في كتابه الجين الأناني. اعتبر دوكنز أن الانتقاء الطبيعي يعمل على المكرّرات، وأن أي مكرّرات فهي خاضعة لنفس الانتقاء الطبيعي. فبينما يتعامل داروين مع الجين كوحدة للتطور، اقترح دوكنز أن الأفكار والتصرفات والمنتجات الفكرية والثقافية تنتقل من شخص إلى آخر ومن جيل إلى جيل مثل الجينات، واعتبر أن وحدة التطور الثقافي هي ما سمّاه بـ"الميم". هذا الميم، تمامًا كالجينات، يخضع للانتقاء الطبيعي.

الفكرة في ظاهرها رائعة. فلماذا لا نعتبر الأفكار المتناقلة بين الناس كالجينات التي تحاول البقاء في المحيط الثقافي؟ من هذا المنطلق، تصبح العقائد الدينية، وصيحات الموضة، والأيديولوجيات السياسية تتصرف كالكائنات الحية: تتغير مع الزمن، وتنتقل من بيئة إلى أخرى، ومنها ما يتمدد ومنها ما ينقرض.

هذه المقاربة أدت إلى نشوء ما سُمّي بـ"علم الميمات"، الذي حاول وضع التطور الثقافي ضمن إطار الانتقاء الطبيعي. إلا أن هذا العلم واجه سريعًا أسئلة وانتقادات عديدة تقع ضمن مفهوم تجاوز المفاهيم.

لماذا لا تتصرف الثقافة كعلم الأحياء؟

المشكلة الأساسية في هذا الإسقاط أن الثقافة ليست كعلم الأحياء. فالتطور البيولوجي يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء التي ترسم إطارًا لما هو ممكن. وهو يعتمد على العشوائية والتجريب، حيث تنجح بعض التغيّرات وتفشل أخرى، دون وعي أو اختيار.

أما في الثقافة، فالمسألة مختلفة تمامًا: الإنسان يقرأ الفكرة، يحللها، يتبناها أو يرفضها بناءً على معارفه وخبراته. بل إن كل شخص يفهم الفكرة ذاتها بشكل مختلف. وهذا لا يحدث في عالم الجينات.

كذلك، فإن انتقال الأفكار يحصل غالبًا أفقيًا بين أفراد المجتمع، بينما انتقال الجينات يكون عموديًا من جيل إلى جيل. وعليه، فإن التطور البيولوجي غالبًا ما يكون تراكميًا وبطيئًا، في حين أن التطور الثقافي يتم أحيانًا عبر قفزات ثورية، حين تصل فكرة إلى من ينتقدها ويعيد بناءها بشكل جديد تمامًا.

هذا الاختلاف الجوهري يؤكد أن إسقاط التطور الدارويني على الميمات أمر إشكالي، بسبب اختلاف المنهج والضوابط.

ما هو "الميم" أصلًا؟

رغم أني لا أحب التعريفات الجامدة، إلا أن مشكلة إضافية تكمن في عدم وضوح تعريف الميم. هل هو فكرة؟ جملة؟ لحن؟ طقس؟ لا توجد وحدة قياس دقيقة، ولا وسيلة علمية ثابتة لقياس انتشاره أو تحوّره. وعلى عكس الجينات، التي يمكن تحديدها وتحليلها مخبريًا، فالميمات غامضة وغير قابلة للقياس المباشر. فكيف لنا أن نجزم بأن فكرة معينة تطورت من أخرى؟

رغم الحماس الكبير في تسعينيات القرن الماضي، فشل علم الميمات في ترسيخ نفسه كتخصص علمي. لم ينتج نماذج تنبؤية أو دراسات كمية، وظل أقرب إلى خطاب تأملي واستعاري من كونه علمًا تجريبيًا.

جاذبية القوة المفاهيمية

لماذا انتشرت فكرة الميمات بهذه السرعة؟ السبب أن نظرية التطور حققت نجاحًا باهرًا وتمتلك قوة تفسيرية هائلة. حين نُدرك هذه القوة في تفسير الحياة، نميل إلى إسقاطها على ميادين أخرى. فنبدأ برؤية أنماط "تطورية" تتجاوز مفهوم الانتقاء الطبيعي كما طرحه داروين، بل ولا علاقة لها بمبادئه الأساسية.

والجدير بالذكر أن دوكنز لم يزعم أنه أسّس نظرية متكاملة للثقافة، بل قدّم الميمات كتجربة فكرية. لكنها تحوّلت لاحقًا إلى إطار يُستخدم على نطاق واسع في تفسير الظواهر الثقافية، رغم أن انتشار الميمات في الواقع يخضع لعوامل معقدة مثل الخوارزميات، وسائل الإعلام، والتفاعل البشري الواعي - وليس "انتقاءً طبيعيًا" بالمعنى الدقيق.

في الختام: الدرس الأوسع

تعطينا قصة الميمات درسًا مهمًا: ليس كل نظرية ناجحة صالحة للتعميم. تجاوز المفاهيم يضعف النظرية الأصلية ويفسد فهمنا للمجال الجديد. ما يبدو كتشابه بسيط قد يخفي اختلافات عميقة في المنهج والآليات.

الاستعارات مفيدة، والتفكير بين التخصصات ضروري. لكن عندما نستخدم نظرية قوية لتفسير كل شيء، فإننا نقع في فخ التبسيط المفرط. في النهاية، النظرية الجيدة تُستخدم بحذر، لا كعدسة موحّدة تُسقط على جميع الظواهر.

***

فضل فقيه

............

قراءات اضافية:

Dawkins, R. The Selfish Gene. (Oxford Univ. Press, 1976).

الكلمات يمكن أن تكون أدوات للشفاء عند الشامان، تحمل القدرة على تغيير الحالة وقد تصل او لا تصل الى الشفاء التام، لأنها تشير إلى أزمة وجودية،  تساؤلات عميقة حول الذات والوجود تسهم في نبش جراح شديدة النزف حول الطريقة التي نفكر ونعيش بها،  لحظات هاربة، وتجارب توصلنا إلى الإحباط وفقدان المعنى عندما تصبح هذه الجراح شعائر تمثل تجربة وشقاء  الالم الإنساني، مما يدفع الإنسان إلى مزيد من البحث عن المعنى كي ينتج مفاهيم جديدة في الفلسفة ومزيدا من الكلمات، اللجوء الى الفكر  في معالجة هذه الجراح يتمثل في تأملها ووسيلة الشفاء هي الإصرار على إعادة الترميم، انه سؤال ملغم حول معنى الحياة بعد الأزمات، هل يمكن أن يؤدي الخراب إلى ولادة أفكار جديدة  أكثر فعالية...؟هل ادى السرد التاريخي  دورًا مهمًا في فهم الممارسات المعاصرة، خاصة في سياق الخيبة أو الإحباط...؟هل  يساعد السرد التاريخي في توضيح كيف تشكلت الشعائر والممارسات عبر الزمن...؟ ما يعزز الفهم العميق للأسباب وراء الخيبة هو سرد الأحداث التاريخية وكيف يمكن فهم القيم التي ترسخت في المجتمع وكيف تؤثر على ردود الفعل تجاه الخيبات...؟ يمكن أن يوفر السرد التاريخي دروسًا حول كيفية التعامل مع الأزمات، مما يساعد المجتمعات على تطوير استراتيجيات للتكيف، السرد التاريخي ليس مجرد استرجاع للماضي، بل هو أداة فعالة تساعد الأفراد والمجتمعات على فهم أنفسهم وتحدياتهم بشكل أفضل، ويعزز من قدرتهم على مواجهة الخيبات الحالية.

حدود فعالية السرد التاريخي

لا يستطيع السرد التاريخي أن يغطي جميع التجارِب الفردية، حيث تختلف ردود الفعل على الخيبة بشكل كبير من شخص لآخر، يمكن أن تكون بعض السرديات التاريخية متحيزة أو غير شاملة، مما يؤدي إلى إغفال بعض الأصوات أو التجارِب المهمة ،تتغير السياقات الثقافية والاجتماعية بسرعة، مما  يجعل بعض الدروس التاريخية غير ملائمة أو غير قابلة للتطبيق في السياقات المعاصرة،  يؤدي استخدام السرد التاريخي إلى تعميمات مبالغ فيها، حيث يتم إسقاط تجارِب معينة على سياقات مختلفة دون اعتبار للخصوصيات، بعض القضايا المعاصرة  تكون جديدة تمامًا ولا يوجد لها مثيل في التاريخ، مما يجعل السرد التاريخي غير كافٍ لمواجهتها، العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المعاصرة  تؤثر بشكل كبير على الخيبة، وهي عوامل قد لا تكون مذكورة أو مفهومة بشكل كافٍ في السرد التاريخي، على الرغْم أن السرد التاريخي يمكن أن يساهم في الفهم، إنه لا يقترح حلولا سريعة أو فعالة لمعالجة الخيبة في اللحظة الحالية ، يمكن أن يكون للسرد التاريخي دور مهم في فهم الخيبة المعاصرة، إلا أن له حدودًا تتعلق بتنوع التجارِب، والتحيز، والتغيرات الثقافية، لذلك، من المهم موازنة السرد التاريخي مع أساليب أخرى لفهم ومعالجة التحديات الحالية.

السرديات المتحيزة والخيبة المعاصرة

السرديات المتحيزة  تساهم في تعزيز الانقسامات بين الفئات الاجتماعية المختلفة، مما يؤدي إلى تفاقم مشاعر الخيبة والإحباط، يمكن أن تؤدي السرديات المتحيزة إلى تشكيل هُوِيَّة جماعية قائمة على تجربتها الخاصة، مما يعزز الشعور بالضحية ويعوق التقدم نحو الحلول، تُستخدم السرديات المتحيزة لتوجيه المشاعر نحو مجموعة معينة، مما يعزز الاستياء والخيبة تجاه الآخرين بدلًا من التركيز على الحلول البناءة، تتجاهل السرديات المتحيزة الحقائق المعقدة أو السياقات التاريخية، مما يؤدي إلى فهم مشوّه للخيبة، وهذا يعزز من الإحساس بالظلم. يُلعب الإعلام دورا مهما في تعزيز السرديات المتحيزة، بالتركيز على قصص معينة دون أخرى، مما يؤثر على كيفية إدراك المجتمع للخيبة، تساهم السرديات المتحيزة في تأجيج المشاعر السلبية مثل الاستياء والقلق، مما يؤدي إلى سلوكيات سلبية أو مدمرّة، لفهم الخيبة المعاصرة بشكل أفضل، من الضروري التفكير في السرديات بشكل نقدي والتعرف على الأصوات المختلفة والتجارب المتنوعة.

السرديات في سياق الخيبة المعاصرة

تاريخ هذه السرديات يركز على تجرِبة مجموعة معينة تمثل شريحة ضحية، مما يعزز الإحساس بالخيبة ويعوق البحث عن حلول، تبرز هذه السرديات التمييز والمعاناة التي تعرضت لها جماعات معينة، و تعزز مشاعر الخيبة تجاه المجتمع الأوسع لأنها تركز على قصص الفشل والأزمات الاقتصادية، مما يمكن أن يؤدي إلى نَظْرَة قاتمة تجاه المستقبل ويعزز مشاعر الإحباط، تُستخدم هذه السرديات في بعض الأحيان لتصوير الأجيال الشابة على أنها خائبة الأمل أو غير قادرة على تحقيق النجاح، مما يعزز الإحساس بالخيبة بين الشباب، تُستخدم السرديات المرتبطة بالصراعات السياسية لتصوير طرف واحد على أنه دائمًا مخطئ، مما يعزز الانقسام ويزيد من مشاعر الخيبة لدى أنصار الطرف الآخر، تسهم هذه السرديات المتحيزة في تعميق مشاعر الخيبة وتعزيز الانقسامات، مما يجعل من الصعب العمل على حلول فعّالة، من المهم التعرف على هذه السرديات والبحث عن سرديات بديلة تعزز الوحدة والفهم المتبادل.

التصدي والتعامل مع الخيبة

تطبيق الأفكار المتعلقة بالتصدّي للسرديات المتحيّزة والتعامل مع الخيبة في سياق الصراعات الحالية يواجه عدة تحديات رئيسية، ومنها  من الصعب إيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف ذات الآراء المتباينة، مما يجعل الحُوَار المفتوح تحديًا، يؤدي الاستقطاب السياسي إلى تعميق الخلافات، مما يجعل من الصعب التعامل مع السرديات المتحيّزة، قد يكون هناك مستوى عالٍ من عدم الثقة بين الأطراف المختلفة، مما يعوق جهود الحُوَار والتعاون، قد تكون هناك تجارِب سابقة من الخيانة أو الفشل تجعل الأطراف متحفظة، في عصر المعلومات، يمكن أن تنتشر المعلومات المضللة بسرعة،  تعوق الفهم الصحيح، قد تتعرض القيادات لضغوط من قواعدها الجماهيرية التي تفضل السرديات المتحيّزة، الأزمات الاقتصادية تجعل الأفراد أكثر تركيزًا على القضايا المباشرة، مما يقلل من اهتمامهم بالحوار حول السرديات، بعض الأفراد والجماعات تسعى لتعزيز مصالحها الخاصة على حساب الحُوَار البنّاء، قد يتم استغلال الصراع من قبل بعض الأطراف لتعزيز سلطتها أو مكانتها. تطبيق الأفكار المتعلقة بالتصدّي للسرديات المتحيّزة في الصراعات يتطلب مواجهة عدة تحديات، منها الانقسامات وعدم الثقة، وكذلك التأثيرات الإعلامية يتطلب ذلك استراتيجيات مدروسة وموارد كافية لتعزيز الحُوَار والتفاهم بين الأطراف المختلفة.

الإعلام المتحيّز

 الإعلام المتحيز يلعب دورا مهما في ترسيخ السرديات المتحيزة، لذا يتطلب مجموعة من الاستراتيجيات الفعالة منها تطوير مناهج تعليمية تركز على مهارات التفكير النقدي، ما يمكّن الأفراد من تحليل المعلومات بشكل أفضل، تشجيع وسائل الإعلام الذي تقدم وجهات نظر متنوعة وغير متحيّزة،  تمويل و الدعم نشر محتوى إعلامي يقدّم سرديات متنوعة، مما يساعد على تقديم وجهات نظر مختلفة، تشجيع وسائل الإعلام على الالتزام بمبادئ النزاهة والموضوعية في التقارير، تنظيم مناقشات عامة حول تأثير الإعلام على المجتمع وكيفية التعامل مع المعلومات المضللة، نشر معلومات حول كيفية التعرف على الأخبار الزائفة والمعلومات الخاطئة على وسائل التواصل الاجتماعي، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات موثوقة من مصادر موثوقة، تشجيع الأفراد على التحقق من المعلومات قبل مشاركتها، مما يساعد في تقليل انتشار الأخبار الكاذبة، زيادة الوعي حول تأثير الإعلام المتحيز على المجتمع وكيفية مواجهته. معالجة الإعلام المتحيز تتطلب جهودًا جماعية من الأفراد ووسائل الإعلام .طقوس الخيبة تشير إلى مفهوم الفشل ، وغالبًا ما يكون لها تأثير عميق على الشخصيات والأحداث، السرد التاريخي يمكن أن يظهر كيف تؤثر الخيبات على نفسية الشخصيات، مما يساهم في بناء تعقيدها لذا يمكن أن يستخدم السرد الماضي لاستكشاف آثار الخيبات، وكيف تؤثر على الشخصيات ومصائرهم، ويمكن أن تشمل طقوس الخيبة عناصر رمزية تعكس الفشل، مثل الأحداث المأساوية، مما يضيف بعدًا تجريديًا للسرد، باختصار فعالية السرد في طقوس الخيبة تعتمد على كيفية تجسيد الفشل وتأثيره على الشخصيات، استخدام الرمزية في طقوس الخيبة يلعب دورًا مهمًا في تعزيز التأثير العاطفي والفكري.

***

غالب المسعودي – باحث عراقي

 

(بين اللَّفظ والسَّبب)

كان (ذو القُروح) قد عرَّج بنا في المساقات السابقة على القراءات في التراث العَرَبي، وما يعتورها من أوهام ومبالغات. حتى قال:

ـ وفي مقابل ما حدَّثتك عنه من مغالاة، قديمة ومعاصرة، في شأن «نَهْج البلاغة»، يمكن أن تقف على مبالغات أخرى في تمحُّل الإعجاز اللُّغوي في «القرآن الكريم». 

ـ مثل ماذا؟

ـ سمعتُ مرَّةً حلقة من برنامج تلفازي على إحدى القنوات الفضائيَّة، فعَجِبْتُ بعد أن كنتُ أُعجَب بما يطرحه الرجل المستضاف.

ـ وما ذاك؟

ـ كان يزعم أن كلمة «عِبادي» إذا كُتِبت في المصحف بالياء، دلَّت على الكثرة، وإذا كتبت بدون ياء، دلَّت على القِلَّة، وأنَّ تلك ظاهرةٌ قرآنيَّةٌ مطَّردةٌ في المصحف كلِّه، وأنها خاصيَّة لا نظير لها في غيره.  واستشهد بآيات منها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.﴾ (البقرة، 186). [كثرة]. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ.﴾ (سورة الزمر، ٥٣). [كثرة]. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.﴾ (سورة الإسراء، ٥٣).  [كثرة]. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ.  الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.﴾ (سورة الزمر، 17- 18).  [قِلَّة]. ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ .﴾ (سورة الزمر، 10).  [قِلَّة].  ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ.﴾ (سورة العنكبوت، 56). [كثرة].  هكذا قال. 

ـ لكن ماذا عن الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ.﴾ (سورة الشعراء، 52)؟

ـ هنا السؤال!

ـ وإنَّما الحديث هنا عن قوم (مُوسَى) فقط، لا عن كلِّ العباد.  فهل قوم مُوسَى كانوا بالكثرة التي تُسوِّغ ذلك؟ 

ـ حسب «التوراة»، أو بالأصح «العهد القديم»، هم كثرة جِدًّا؛ وذلك لمآرب سياسيَّة معروفة.  أمَّا بحسب «القرآن»، فـ«شِرذمة قليلون».  وبذلك وصفهم (فرعون)، في السورة نفسها: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ.﴾ (سورة الشعراء، 54). 

ـ فلماذا استعمل هنا «عبادي» بإثبات الياء؟! 

ـ اسأل عمَّك، صاحب نظريَّة أنَّ كلمة «عبادي» إذا كُتبت في المصحف بالياء، دلَّت على الكثرة، وإذا كتبت بدون ياء، دلَّت على القِلَّة!

ـ لقد توفي، رحمه الله!

ـ رحمه الله! أعني اسأل من يأخذ بمثل هذا. وكذا في الآية الأخرى من (سورة الدخان، 23): ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ.﴾  على أنَّ قوم (مُوسَى)، مهما بلغوا كثرة، ليسوا كعباد الله المؤمنين جميعًا، الذين يدخلون الجنَّة، في قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ.  الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ.﴾ (سورة الزخرف، 68- 96). 

ـ ومع ذلك حُذفت الياء من كلمة «عبادي» هاهنا.  إذن، لا يمكن تقعيد قاعدة مطَّردة في هذا يُبنَى عليها الزعم بدلالة بيانيَّة، بل بمعجزة لُغويَّة. 

ـ أضف إلى هذا أمور، منها: أنَّ التقاء الساكنين يقتضي حذف أحدهما، في مثل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ.﴾  وهذا أظهر سبب لحذف الياء من كلمة «عبادي».  فإذا أُثبِتت لَزِم تحريكها، في مثل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ...﴾. والأمر الآخَر، أنَّ حذف ياء المتكلِّم مألوف في لسان العَرَب.  وقد جاء من «القرآن» في آيات، مثل: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءْ.﴾ (سورة إبراهيم، 40). أي «دعائي».  ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينْ.﴾ (سورة الكافرون، 6).  أي «ديني».  ومثل هذا في الآية: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادْ.﴾ (سورة الزمر، 17). ثُمَّ إنَّ في «القرآن» مراعاة لجوانب من الجرس الموسيقي، ولاسيما في فواصل الآيات.  ويُلحَظ ذلك بين الآيتين: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادْ﴾، ﴿وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ المِيعَادْ.﴾ (سورة الزمر، 17، 20).

ـ وهذه في النهاية قضيَّة إملائيَّة.

ـ نعم، وإملاء المصحف معلومٌ أنه لا دلالة فيه، ولا قياس عليه، وإنَّما يمثِّل مرحلة بدائيَّة من تطوُّر الكتابة العَرَبيَّة، ولا علاقة له ببلاغيَّة النصِّ؛ و«القرآن» لم ينزل مكتوبًا.

ـ إذن، ثمَّة أسبابٌ لُغويَّة، تتعلَّق بأعراف العَرَب في كلامهم، وإنَّما نزل «القرآن» بلسانهم، وإلَّا لأنكروه. 

ـ صحيح. وثمَّة كذلك أسبابٌ صوتيَّة، تتعلق بالأداء وضرورات الترتيل، كما كانت في الشِّعر ضرورات أدائيَّة موسيقيَّة تخرق مألوف الكلام في غير الشِّعر.  أمَّا تكلُّف غير ذلك، فإسرافٌ في التماس ما «القرآن» عنه في غِنًى، وهو فاتح أبواب على الطَّعن، وإظهار المسلمين بمظاهر من الادِّعاء غير العِلمي، هم في غِنًى عنها كذلك.

ـ على أن غُلُوَّ المسلمين في الرجال لا يقلُّ عن غُلُوِّهم في النصوص.

ـ بل يوشك أن يوقعهم هذا في مثل ما وقع فيه (النَّصارى) من غُلُوٍّ وتناقضٍ في (يسوع)، حتى ألَّهوه، ثمَّ زعموا صَلْبه، مع أنه لم يَعرف له أحدٌ قبرًا طوال التاريخ. 

ـ بل المسلمون واقعون في ذلك بالفعل كثيرًا، وإنْ أنكروا لفظًا ما هم فيه مؤلِّهة رجالٍ واقعًا وسلوكًا. 

ـ ولولا أنَّ دينهم يرفض جذريًّا تأليه غير الله، لنطقوا بما في صدورهم جهرةً لا مجازًا.  فمن غُلُوِّ الشِّيعة غُلُوُّهم الأسطوري المتوارث في آل البيت.  ومن غُلُوِّ المتصوِّفة غُلُوُّهم الفكاهي في الأولياء والصالحين.  ومن غُلُوِّ السلفيِّين من أهل السنَّة والجماعة غُلُوُّ بعضهم في أئمتهم وشيوخهم، وقبل ذلك غُلُوُّهم في (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)؛ حتى لقد يُخضِعون كلام الله للحديث المروي، وإنْ لم يكن صحيحًا بالضرورة، وقد يتأوَّلون أحيانًا بعض «القرآن» لرفع الرسول وحديثه إلى مقام الله وقرآنه.  فمزَّق هؤلاء وأولئك جميعًا الأُمَّة تمزيقًا بسبب هذا الغُلُوِّ وذاك، وقبل ذلك مَزَّقوا العقل، بعد أن ألغوا عمله. 

ـ مثال ذلك، يا (ذا القُروح)؟

ـ ما أكثر الأمثلة! خُذ، مثلًا، قول بعضهم إنَّ كلام الرسول كلَّه وَحْيٌ يُوحَى، مستشهدين استشهادًا، مبتور السياقَين الداخلي والخارجي، ولا يُقرُّه عقل ولا نقل ولا قرآن، بالآيتين من (سورة النجم): ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.  وتحت شعار الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب- الغالطة المغالِطة- لا يتورَّعون عن أن يُسقِطوا سياق الآية الداخلي، وسياقها الخارجي. بل هم يُسقِطون العقل، والسيرة النبويَّة، ليتسوَّروا إلى القول، إذن: كلُّ ما جاء عن الرسول، أو نطق به، وَحْيٌ يُوْحَى من السماء! 

ـ وإذن، هو وَحْيٌ آخر؟

ـ نعم، هو كذلك لدَى الآخذين بهذا الفهم؛ ولذا ابتكروا مصطلح «الوحيَين». يقصدون «القرآن» و«الحديث». إنَّ قاعدة «الأخذ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب» لا تستقيم بها قراءةٌ لأيِّ نصٍّ ولا فهمٌ لإشاراته. 

ـ لستُ أدري في أي عقلٍ اختمرت؟! 

ـ والصواب أن يُقال بقاعدة «الأخذ بخصوص السَّبب لا بعموم اللَّفظ».  وإلَّا فكم من الضلالات يمكن أن يُؤسَّس لها بقاعدة «الأخذ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب»؛ بحيث تُسقَط أيُّ كلمةٍ وردت في سياقٍ خاصٍّ على كلِّ ما يمكن أن ينصرف إليه ظاهر معناها.  وهذا منافٍ لطبيعة اللُّغة أصلًا ووظيفتها ومدار دلالاتها.  وعليه:

1- ففي شاهدنا نجد «القرآن» ناطقٌ بنقيض الفهم الاجتزائي الأعور الدجَّال: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى،  مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى،  ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.» 

2- إنَّنا أمام استدلال أولئك الغُلاة أمام منهاج «ويل للمصلين»، وإلَّا فالكلام في الآيات واضح كلَّ الوضوح عن نُطق الرسول بما أوحاه إليه جبريل من «القرآن» نفسه، لا عن كلام الرسول في ما خلا ذلك، ولو كان القصد كلام الرسول بعامَّة، لجاء النصُّ بصيغة: «وما يتكلَّم عن الهوى». 

3- لقد أراد القوم أن يرفعوا الرسول عن مقامه البَشَري المعلوم، وأن يَغْلُو فيه غُلُوًّا، ليزعموا أنَّه لا يَصدر إلَّا عن الوَحي في كلِّ كلامه. وإنَّما تلك سبيل الأوَّلين، ممَّن خلا من الغُلاة، التي بلغت- لا إلى القول إنَّ كلام الرسول كلَّه وَحْيٌ يُوْحَى فحسب- بل إلى القول بعدئذٍ: إنَّ الرسول هو الله نفسه! ومعظم النَّار من مستصغر الشَّرَر!   

4- هو استدلالٌ مخالفٌ كذلك لنصِّ «القرآن»، في مثل قوله: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.»  فالرسول بَشَرٌ مثل غيره، في ما خلا ما يُوْحَى إليه من «القرآن».

5- ذلك الفهم مخالفٌ أيضًا لنصوص «القرآن» المعاتبة للرسول في بعض أقواله وأفعاله، ولو كانت وحيًا، فلِمَ العتاب؟!

6- هو مخالفٌ لسيرة النبي، الذي كان يتبرَّأ من بعض أقواله حين يتَّضح له عدم صوابها، كما في قِصَّة تأبير النخل، وكما في خطَّته في موقعة (بَدْر)، أو اتخاذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض [سُورة الأنفال، 67]. وكما في قوله إنه إنما ينطق بالحكم بين المتخاصمين بناء على ما سمعه من حُجََّة، فمن حكم له بغير حقِّه، فإنما حكمَ له بقطعةٍ من النار.  إلى غير ذلك.  فهل كان هاهنا يتبرَّأ من وَحْيٍ أُوْحِي إليه؟  لو كان كلُّ كلامه وَحْيًا يُوْحَى، كما يذهب هؤلاء الغُلاة، لكان، إذن، يتبرَّأ من بعض ما أُوْحِي إليه، بتبرُّئه من بعض أقواله أو نسبتها إلى طبيعته البَشَريَّة! ولو كان لا ينطق إلَّا عن وَحْيٍ يُوْحَى، لما كان لمثل هذه الأمثلة، من أقواله وأفعاله، من معنى ولا مساغ. 

7- نعم، هو لا ينطق عن الهوى في أقواله، لكنه لا ينطق عن وَحْيٍ في كُلِّ أقواله، وذلك بوصفه بَشَرًا، وبوصفه إنسانًا، ابن لُغةٍ وثقافة، وليس بالإله ولا بابن الإله.  ولولا الغُلُو، لما ساغ في عقلٍ تصوُّر الحديثيِّين وزعمهم، بحيث يوشكون بدَورهم أن يجعلوا من (محمِّدٍ) (يسوعًا) آخَر، على طريقتهم. 

لا خلاف، إذن، في أنَّ محمَّدًا لا ينطق عن الهوى، لكنَّ كثيرًا من المسلمين ينطقون عن الهوى.  أعياهم تحريف الكلم عن مواضعه، على نهج (بني إسرائيل)، فانسربوا إلى تحريفه من خلال التأويل. هما أُمَّتان، أُمَّة حرَّفت اللفظ، وأُمَّة حرَّفت المعنى، ولا فرق.  هي اللُّعبة الطفوليَّة نفسها التي مَرَّ بها الإنسان في كلِّ زمانٍ ومكان: طفلٌ يلعب باللَّفظ، وطفلٌ يلعب بالمعنى.  طفلان لا يرضيهما النصُّ كما هو، ولا يجدان أنَّه يخدم أهواءهما، فماذا يفعلان؟: الأوَّل يحرِّف الكلمات عن مواضعها، والثاني يحرِّف الدلالات عن مواقعها.  والأخير أخطر؛ لأنه يُفسِد اللُّغة كلَّها، لا النصَّ المحدَّد وحده.

ولقد كان (أبو بكرٍ الصِّدِّيق) قد أدركَ هذا النزوع المبكِّر إلى تقديس (محمَّد)، لمَّا قال: «مَن كان يعبُد محمَّدًا، فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومَن كان يعبُد الله، فإنَّ الله حيٌّ لا يموت.» وفي هذا السياق تصدُق مقولة أبي بكر؛ فمَن كان يعبُد محمَّدًا، فإنَّما محمَّدٌ بَشَرٌ مِثْلُكُم، يُوحَى إِلَيه، ومَن كان يعبُد الله، فإنَّ الله هو الذي أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

تأملات في موقف موسى عليه السلام

كيف تكون مشاعر الإنسان حين ينتظر مواجهة مصيرية؟ كيف يستعد للقاء قد يغيّر مجرى التاريخ؟ وكيف يمكن للثقة بالله أن تحوّل القلق إلى يقين؟ والخوف إلى شجاعة؟

موسى عليه السلام، شاب نشأ في ظروف استثنائية خرجت عن القاعدة، ثم وجد نفسه هاربًا من مصر بعد حادثة قتل غير مقصودة. لاحقًا، تم اصطفاؤه من قبل الله سبحانه وتعالى لحمل رسالة عظيمة. لقد كُلف بمواجهة أعتى الطغاة (فرعون)، وتقديم الأدلة والبراهين التي تُثبت صدق رسالته. ظروف صعبة وعهد قريب بالله. في الطرف الآخر، كان فرعون جبّارً طاغيًا، متمردًا على الحق، لم يتردد في استخدام كل وسائل القهر والبطش لترسيخ سلطانه.

في قصة موسى مع فرعون موقف عظيم يختبر حقيقة الإيمان والصبر. ورد في سورة الشعراء، عندما أرجأ فرعون المواجهة مع موسى ريثما يتم جمع السّحَرة لمنازلته، في قوله تعالى:

(قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۝ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ في ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ۝ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ). (سورة الشعراء: 34-37).

يكاد يكون المحور الأول في المشهد هو الانتظار. إذ أجّل فرعون المواجهة مع موسى ريثما يتم جمع أكبر عدد من السحرة، فكيف تتشكل معاني الانتظار في هذا الموقف الجلل؟ وكيف نقرأ موقف موسى في تلك اللحظات المصيرية من منظور أعمق؟

 أول ما يتراءى للذهن لحظات الصراع الداخلي لموسى بين المشاعر الإنسانية وما يترتب عليها من قلق وترقب، وبين لحظات اختبار تبين الإيمان الراسخ وكيف يدفع صاحبه نحو الطمأنينة والتوكل. فكيف تعامل موسى مع هذا الاختبار وهو يستعد لمواجهة السّحرة.

إن موسى، بوصفه نبيًا مُرسلًا، كان على يقين تام بأن الله سبحانه وتعالى لن يخذله. ومع ذلك النفس البشرية لا تختبر مشاعر الترقب والانتظار دائمًا. برغم وجود الآيات البينات التي أيده الله بها، كالعصا التي تتحول إلى ثعبان مبين، ويده التي تخرج بيضاء للناظرين. كان يدرك أنه سيواجه أعظم طاغية في تاريخ البشرية، ذلك الذي لم يتورع عن قول " فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى" سورة النازعات: 24، وليست المواجهة شخصية، إنما هي صراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر.

هذه اللحظات الصعبة لم تكن فراغًا زمنيًا، أو توقّفًا عن الحركة؛ إنما جزء من التدبير الإلهي لإظهار الحق. الانتظار يحمل معانٍ عميقة تتجاوز كونه مجرد حالة زمنية أو عملية نفسية، ويعبر عن علاقة الإنسان بالمستقبل المجهول وما يحمله من احتمالات.

الانتظار يُخرج الزمن من كونه محايدًا، إذ يفرض حالة من الترقب ويصبح ممتلئًا بالقلق. في هذا المنظر يرى الفيلسوف (مارتن هايدجر 1989- 1976) في مُجمل حديثه عن الزمن والوجود، أن الانتظار يعكس علاقة الإنسان بالزمن، فيُظهر وعيه بالمستقبل باعتباره بُعدًا جوهريًا للوجود الإنساني. فيتوقف الحاضر عن كونه محور التجربة ويُسيطر المستقبل على الوعي، فنرى أن الانتظار من هذا المنظور يصبح حالة وجودية.

بينما يعزو الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا 1930- 2004) الانتظار إلى التأجيل، بوصفه حالة مستمرة للرغبة، يبقى فيها الإنسان في علاقة مع شيء غير مكتمل (غير حاضر)، فيكون بهذا الوصف تجربة إنسانية تبين الافتقار إلى الكمال.

الانتظار، في أجلّ معانيه ليس فقط اختبارًا للصبر، بل هو التسليم والرجاء المرتبطان بالثقة الإلهية. والصبر في الانتظار فضيلة تُظهر قدرة الإنسان على مواجهة الزمن بثقة وتواضع.

لكن كل ذلك لا ينفي كون الانتظار تجربة مؤلمة، تكشف عن البعد التراجيدي للوجود حسب الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل( 1909-1943) التي عرفت بأفكارها العميقة حول الأخلاق والدين والعدالة، وقد يكون لحظة لإعادة التفكير والتأمل في كل شيء.

المواجهة الكبرى مع الزمن هو الحالة التي تصف علاقة الإنسان بالانتظار. من الممكن أن تكون قيدًا يكبل وعيه ويغرقه في القلق والاضطراب إذا استسلم لذلك، ومن الممكن أن يتحول إلى فعل إرادي للتعبير عن الحرية ويختار طريقة العيش في زمن الانتظار. في موقف موسى تتبين المسؤولية العظيمة والتوكل الكامل على الله برغم صعوبة الموقف.

الفيلسوف سورين كيركغارد (1813- 1855) يرى أن الانتظار جزءًا من العلاقة بين الإنسان والله، ليس بوصفه حالة من الترقب، إنما فعل إيماني عميق يعكس الثقة بالله. ويشير في كتاباته أن الإيمان الحقيقي يتجلى في القدرة على الانتظار دون تذمر، لأن المؤمن الحق يعلم أن الله قادر على تحقيق وعده، في الوقت المناسب. فليس الانتظار حلًا مفروضًا لعدم توفر البدائل، إنما جزء من العلاقة بالله.

في القرآن الكريم، يُعد الانتظار حالة إيمانية تتطلب الصبر والثقة بوعد الله. كصيغة اختبار للإيمان واليقين، تتمثل في قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) سورة الروم: 60

الانتظار كذلك جزء من الحكمة الإلهية لتحقيق غايات أعظم. فيكون الزمن هنا عاملًا مهمًا في تحقيقها، كما في سورة " يوسف" حين كان الزمن جزءًا من اختبار يعقوب عليه السلام الذي تحقق فيه الانتظار لعودة ابنه يوسف، تتمثل في قوله تعالى:(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) سورة يوسف:18، إذ يؤكد القرآن أن الانتظار ليس حالة من الفراغ، بل فرصة للإيمان والعمل واليقين بأن الله يدبر الأمور بحكمة إلهية.

الانتظار حالة إنسانية مشتركة بين الثقافات والفلسفات والديانات. لا يعتبر مجرد مرور للزمن، ولكن موقف وجودي يحرر تساؤلات الإنسان حول الصبر والحياة والمعنى.

تتقاطع السياقات بين القرآن والفلسفة حول مفهوم الانتظار، فهو اختبار وحالة إيجابية تتجلى في القرآن، ترتبط بالصبر والإيمان بوعد الله، وجزء من حكمة الله في ترتيب الأمور.

أما في الفلسفة، فهو يعكس الثقة في القوة الإلهية خاصة عند كيركغارد. وتجربة تعيد فهم الإنسان لوجوده عند هايدجر. فيكون اختبارًا للوجود الإنساني نفسه، يكشف عن عمق العلاقة بين الإنسان والكون.

الانتظار، سواء في القرآن أو في الفلسفة، موقف وجودي يعبّر عن الإيمان، الصبر، والوعي بالزمن. في لحظات الانتظار يُختبر الإنسان في أعماق نفسه، وفي موقف موسى: هل كان يثق بوعد الله؟ هل يظل ثابتًا على يقينه رغم التأجيل الذي فرضه فرعون؟

يمكننا القول إن موسى عليه السلام كان نموذجًا في الثبات والصبر. إذ لم يهتز أو يتراجع، أما تأجيل المواجهة مع السّحرة كانت فرصة لتعميق ثقته بالله، وتأكيدًا على استعداده للمواجهة الكبرى التي ستظهر الحق أمام الجميع.

كان الانتظار يحمل عدة معانٍ:

- التسليم لحكمة الله، وأن هذا الإرجاء لم يكن تأخيرًا عشوائيًا، بل كان جزءًا من التدبير الإلهي، ووسيلة لزيادة الصبر واليقين والثقة.

- الزمن في يد الله، يذكرنا الانتظار بأن الزمن ملك لله وحده، وأنه يدبر الأمور وفق رحمته وحكمته.

لحظات انتظار موسى توصف بأنها جسر عبر فيه إلى النصر، سلاحه الثقة بالله، ومفتاحه الصبر للعبور. الانتظار في موقف موسى يمثل موقفًا خالدًا، لتعميق الإيمان ونفي فكرة أن الانتظار فراغ زمني. والإيمان بأن النصر يتحقق مع الصبر: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ الصَّابرِين) سورة البقرة: 153. فالانتظار حالة يقررها الإنسان كفرصة عظيمة للتأمل والتقرب إلى الله، ولحظات تساهم في بناء اليقين.

***

ريما آل كلزلي

للأسف الشديد، رغم رحيل فاضل الربيعي، رحمه الله تعالى، لن يغلق ملفه الذي اشتعل بالتناقضات كالنار في الهشيم.. أسئلته التي حولها إلى حقائق مطلقة تذكرنا بخطاب الديماغوجيين الذين يصنعون اليقين من فراغ.. فكيف يختزل تاريخ الأنبياء وحضارات الشرق إلى مجرد خرائط يمنية متخيلة؟

فخ التلفيق..

ليس الخلط بين صموئيل النبي والسموءل الشاعر سقطة عابرة.. بل هو تعبير عن منهج يطحن الوقائع لينتج منها مسحوقًا لأسطورة يمنية تبتلع كل شيء.. ألف وخمسمائة عام تلغى بنفس واحد.. وكأن الزمن كرة طينية يشكلها الربيعي كيفما شاء.. ثم يأتي إنكار السبي البابلي والصراعات الآشورية ليكتمل المشهد.. فهل كل المؤرخين والأركيولوجيين الذين أثبتوا هذه الأحداث عبر قرون من البحث مجرد خونة للحقيقة؟

عندما يصر الربيعي على أن اليمن هي الهند القديمة.. وأن الرومان غزوا اليمن بدل فلسطين.. وأن رسائل تل العمارنة مزورة.. فإنه لا يقلب الجغرافيا فحسب.. بل يمحو الهويات.. كيف لليمين أن تكون مهد اليهودية بينما آثارهم وقصصهم منقوشة في كل حجر فلسطيني؟.. وكيف ينكر وجود الهيكل في القدس بينما قبور الأنبياء في الخليل تشهد على عمق التاريخ الفلسطيني؟.. أليس في هذا إعادة إنتاج للرواية الصهيونية التي تبحث عن جذور وهمية خارج فلسطين؟

لا يكفي أن ننقد الربيعي.. بل يجب فضح آلية تلاعبه.. فهو يستند إلى الهمداني كما لو أن كتاباته قرآن نزل من السماء.. ويتجاهل أن الهمداني نفسه كان يؤرخ لليمن لا لسرقة تاريخ الشعوب الأخرى.. فلماذا لا نسأل الربيعي عن السر في غياب أي دليل أثري يمني يدعم نظريته؟.. أين آثار هيكل سليمان المزعوم في السراة؟.. وأين شواهد غزو الإسكندر لليمن؟.. لماذا لا نرى إلا كلامًا مرسَلًا يتحوَّل إلى "حقيقة" بمجرد تكراره على الشاشات؟

من يحمي التاريخ من التشويه؟

مدرسة الربيعي وديب وأحمد الداوود ليست امتدادًا لكمال الصليبي.. بل هي نسخة مشوهة.. فالصليبي كان يملك منهجًا يقترب من العلم رغم اختلافنا معه.. أما هؤلاء فيحولون التاريخ إلى لعبة بلا قواعد.. يرفضون علم الآثار حين يعارضهم.. ويستدعون التوراة حين يحتاجون إليها.. وينتقي الربيعي من الباحثين الغربين ما يعزز روايته.. ويتناسى أن هؤلاء أنفسهم لم يجرؤوا على نقل أحداث التوراة إلى اليمن.. فلماذا يسبقهم هو إلى هذه المغامرة المجنونة؟

أسئلة حائرة.. تنتظر إجابات

لو وقف الربيعي أمام مرآة النقد الحقيقي.. لسقطت كل أقنعته.. كيف تتعامل مع نفي وجود الكنعانيين في فلسطين رغم أن أسماء مدنهم مذكورة في رسائل تل العمارنة؟.. وكيف تفسر وجود لغة كنعانية في النقوش الفلسطينية؟.. ولماذا ترفض أن يكون فرعون مصريًا بينما أهرامات الجيزة شاهدة على عظمة حضارته؟.. أليس إنكارك للكنعانيين إلغاء لتاريخ فلسطين نفسه؟

كاتب لا مؤرخ!

لا ينكر أحد على الربيعي براعته السردية.. لكن الرواية الأدبية غير البحث التاريخي.. فالأولى تلهو بالخيال.. والثاني يقيده الدليل.. خطورته تكمن في تزييف الوعي عبر خلط الأوراق.. فالشاب الذي يسمع أن الهيكل في اليمن.. وأن فلسطين ليست أرض الأنبياء.. سينسلخ عن تاريخه دون أن يدري.. وكأن الربيعي يكتب رواية بوليسية.. يمحو فيها الجريمة وينقلها إلى مكان آخر..

الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى منقذ يخترع لهم تاريخًا بديلًا.. فترابهم ينطق بالكنعانيين.. وحجارة مدنهم تحكي قصص الأنبياء.. الربيعي ومن على شاكلته يحاولون إنقاذنا بوهم.. لكن الأمة التي تهزم ذاكرتها تهزم حاضرها.. التاريخ ليس ساحة لتصفية الحسابات.. بل هو جذور ننتمي إليها.. أو نندثر بلا هوية.

تحريف روايات التاريخ..

اليوم رحل الدكتور فاضل الربيعي تاركا وراءه إرثا فكريا يثقل كاهل النقاش التاريخي بأسئلة ملحة: هل يمكن اختزال جغرافيا التوراة وقصص الأنبياء في رقعة ضيقة من الأرض؟ وهل يصح أن نعيد كتابة التاريخ عبر تخيل يلغي آلاف السنين من التراكم الحضاري؟

لم يكن الربيعي مجرد باحث يطرح فرضيات قابلة للنقاش، بل تحول إلى ظاهرة ثقافية ترفض العمل تحت سقف الشك العلمي. أخطاؤه الفادحة، مثل خلطه بين النبي صموئيل (القرن العاشر ق.م) والشاعر السموءل (القرن السادس ميلادي)، ليست مجرد هفوات، بل مؤشر على منهجية تتعامل مع التاريخ كـ"بازل" يفكك ويعاد تركيبه وفق هوى النظرية. فكيف يعقل أن تختزل 1500 سنة من الزمن في شخصية واحدة؟!

تتسع فجوات الربيعي عندما ينفي وقائع تاريخية مجمعا عليها، كالسبي البابلي أو الصراع الآشوري-المصري، مصرا على أن كل الأحداث التوراتية جرت في اليمن، والتي يسميها "الهند القديمة"! هنا، لا يكتفي برفض الآثار الكنعانية المنتشرة في فلسطين، بل يمحو دور حضارات الشرق الأدنى لصالح سردية يمنية ضيقة. فهل يعقل أن تكون رسائل تل العمارنة – التي تتحدث عن ممالك كنعانية – "مُزورة" أو "يمنية الأصل" دون دليل؟

الأخطر في أطروحات الربيعي هو نزع القداسة عن فلسطين كأرض الأنبياء، وإعادة تركيز كل شيء في اليمن، ما يخدم – ولو غير مقصود – روايات تهمش البُعد العربي الفلسطيني. فقوله إن اليمن هي مهد اليهودية، وأن هيكل سليمان بني في سراها، ليس مجرد تحريف جغرافي، بل إنكار لتاريخ فلسطيني متجذر.

بين كمال الصليبي وفاضل الربيعي: أيهما نصدق؟!

إذا كان كمال الصليبي نقل أحداث التوراة إلى عسير، فإن الربيعي حولها إلى اليمن، معتمدًا على المصدر نفسه: الهمداني. لكن هل تكفي إشارات الهمداني – رغم أهميتها – لإعادة تشكيل تاريخ ضارب في القدم؟ أليس في إغفال التنقيبات الأثرية، واستبعاد علماء مثل: إسرائيل فنكلشتين الذي يشكك في التطابق التوراتي-الفلسطيني، تناقض منهجي؟ فحتى المشككون في التوراة لا ينقلون أحداثها إلى اليمن!

أسئلة تبحث عن إجابات

لو أجري حوار جاد مع الربيعي، لكانت هذه الأسئلة جمرًا تحت الرماد:

- كيف تفسر وجود قبور الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب في الخليل إن كانت قصصهم حدثت في اليمن؟

- إذا كان جالوت هو "جاليوس الروماني"، فكيف نوفق بين زمن داود (1000 ق.م) والوجود الروماني (القرن الأول ق.م)؟

- أين الدليل الأثري اليمني على غزو الإسكندر أو الحملة الرومانية عام 70م؟

لا ننكر على الربيعي جرأته في تحدي السرديات، لكن الفرق بين التحدي العلمي والانزياح التخيلي هو الدليل. التاريخ يبنى باللقى الأثرية، والنصوص الموثقة، والقراءة النقدية، لا باليقين المطلق الذي يلوي عنق الحقائق. قد يكون الربيعي كاتبًا ملهِمًا، لكن الباحثين الحقيقيين مطالبون بحماية التاريخ من أن يصير أسير نظريات تختزله إلى خرائط وهمية.

في النهاية، لا تصلح قراءة الماضي إلا بالاعتراف بتعقيده، فالحضارات لا تنبع من بئر واحدة، ولا تختزل في قرية ضائعة.

***

د. عبد السلام فاروق

المعارف درجات من حيث قيمتها، وعلاقتها بالإنسان وكيف تطورت جدليًا عبر التاريخ الطويل للبشر. ذكر الفلاسفة قديمًا نوعان من المعارف التي يكتسبها الإنسان:

١- العلم الحصولي: أي العلم الذي نتعلمه من خلال المطالعة والتحدث مع الآخرين، أي من خلال الاكتساب.

٢- العلم الحضوري: وهو العلم الكشفي/العرفاني أو بلغة فلاسفة الإسلام؛ العلم اللدني.. اي العلم الذي ينكشف من لدن الله إلى العبد.

العلم الحصولي أوسع من حيث هو متوفر ومتداول في الموروث الإنساني عمومًا؛ إذ يمكن التعاطي معه وفهمه من خلال التعلم والصبر والمرونة. وبعض العلم الحصولي لا يكون علماً حصوليًا بحتًا، بل قد يكون مبعثه علمًا كشفيًا حضوريًا، ولكن بصورة اختزالية، بحسب قدرة اللغة على توصيف التجربة وقدرة خيال الملتقي وانشراح عقله على المعلومة.

هذه المعرفة هي المتعارف عليها والمتداولة بين أغلب الناس، بما في ذلك أكبر العلماء والفلاسفة، فهم يشتغلون عقلياً داخل أُطر جاهزة في التفكير، سواءً من خلال المنطق القديم أم الحديث، الفلسفي أم العقلي، إلى آخره. ومع ذلك، يظل جوهر المعرفة ليس بحضوري، إنما من خلال تجارب الآخرين أو فهمهم لتجارب أناس سبقوهم.

الأنبياء وأهل العرفان مثلًا، هم أصحاب المعارف الحضورية، أي أنهم حصلوا على تجارب من غير اكتسابها من الآخرين، عبر التجربة الصرفة وتأملها، ثم إيصالها للمجتمع. وغالبًا ما تُبتر هذه التجارب أو على الأقل يساء فهمها، لأن نورها قد يكون أقوى من أن يدركه من لم يسلك طريق الحضور.

ودائماً ما تتصارع هذه العقول المختلفة في مسائل الدين والسياسية وغيرها، لا سيما في قضية التأويل وكيفية فهم النصوص التاريخية.

أهل الكشف لهم طريقتهم الخاصة في فهم العالم، وهي طريقة تتجاوز كل التجارب الأخرى، بينما يثير هذا الأمر استياء الفئة الأخرى، ذوي المعرفة الحصولية، لأن في ذلك إهانة لعدم قدرتهم على فهم هذه التجارب إلا من خلال ما نُصّ به لهم، وكيف توارثوه عبر الأجيال، حتى أصبحت التجربة ملعونة في ذاتها، التي كانت إبتداءً هي البنية واللبنة الأولى لبناء المجتمعات.

العلم الحضوري يتجلى لفئتين:

الأولى: الفلاسفة والمتأملين الذين يتمردون بشكل كامل ويحققون استقلالية عقلية لفترات ممتدة، وعليه ينكشف لهم ما لا تعيه العامة.

والثانية: أصحاب التجارب الروحية الحقيقة، التي تشكل بالنسبة لهم قفزة في التجربة الوجودية، وبعدها تنعدم لديهم القدرة على التعبير بطريقة منطقية، أو يبدو كلامهم غير عقلاني لذوي العقول المُقلِّدة التي تدور حول ذات مقولات أجدادهم.

هذا النوع من العلم محظور في كل زمان ومكان، ويشكل خطرًا على صاحب التجربة اذا باح بها. ولهذا السبب، أعتزل الكثير من المتصوفة الناس، وقالوا كلامًا بدا وكأنه صادر من أشخاص فقدوا صوابهم، لكن واقع الأمر أنهم توسعوا في منطقهم فأصبح أوسع وأعمق مما يستوعبه الإنسان العادي؛ رغم أن الوصول ليس مستحيلًا لمن أراد، عبر التأمل الصادق.

ولهذا، فإن كل علم حضوري هو علم محظور ومحاصر، بينما العلم الحصولي المتراكم الذي اعتاد عليه الناس، هو الذي تستكن له المخيلة الإنسانية، والعقلية العلمية، لأنه لا يشكل اختراقًا للعادة، والإنسان بتكوينه يميل إلى العادة، والخوف من المجهول يحركه أكثر من أي شيء آخر.

وعليه نعي أن العادة تنحو نحو العلم الحصولي، بينما الخروج عن العادة، والعيش في خطر والمجازفة، وطرح الأسئلة الأكثر جرأة وغباءً – هي التي تكسر هذه العادة وتفتح إمكان الوصول إلى عقل وروح العلم الحضوري.

***

خالد اليماني

 

هناك نوعان من السرديات التاريخية، التبشيرية والمغلقة تختلف في طبيعتها وأهدافها، السرديات التبشيرية تهدف إلى الإقناع، السرديات المغلقة تقدم معلومات بشكل محدد، العلاقة بينهما وتأثيرهما في تاريخ وعي الإنسان يعكس تفاعلاً معقدًا بين الفكر، القيم، والمعتقدات، السرديات التبشيرية تسعى إلى نشر أفكار جديدة أو تعزيز معتقدات قائمة، مما يؤثر بشكل كبير على وعي الأفراد والمجتمعات وتلعب دورًا في تحديد المفاهيم والمصطلحات التي تُستخدم في النقاشات، مما يسهم في بناء أساس معرفي. المعلومات المستندة إلى سرديات مغلقة تُستخدم في النصوص التبشيرية لتعزيز الحجج والأفكار، السرديات التبشيرية قد تواجه تحديات من السرديات المغلقة، حيث تسعى الأخيرة لتقديم معلومات موضوعية  تتعارض مع الآراء أو المعتقدات التبشيرية .عبر الزمن تتطور السرديات التبشيرية إلى نصوص تحليلية ، مما يعكس نضوج الوعي الجماعي والقدرة على التفكير النقدي، كلا  النوعين يمكن أن يؤثر على السياقات الاجتماعية والسياسية، حيث يمكن للسرديات التبشيرية أن تحفز حركة اجتماعية، بينما توفر السرديات المغلقة الإطار القانوني أو العلمي . السرديات التبشيرية والسرديات المغلقة يعملان معًا في تشكيل وعي الإنسان، حيث تؤثر كل منهما على الأخرى وتساهم في تطوير الفكر والمعتقدات .

دور السياق الاجتماعي والثقافي

ان تفسير العلاقة بين السرديات التبشيرية والسرديات المغلقة مهم جدًا، حيث يؤثر على كيفية إنتاج هذه النصوص وتلقيها، في مجتمعات معينة تُعتبر قيم مثل الكرم أو التعاون مركزية، مما ينعكس في السرديات التبشيرية، الأحداث التاريخية والاجتماعية تلعب دورًا في تحديد السياق الذي يُنتج فيه النص، السرديات التبشيرية قد تكون استجابة لتغيرات اجتماعية معينة أو أزمات وتكون استجابة لاحتياجات اجتماعية معينة، مثل الدعوة للعدل أو التصدي للظلم، مما يجعلها مرتبطة بشكل وثيق بالسياق الاجتماعي ،السرديات المغلقة تقدم معلومات مستندة إلى الحقائق، قد تعمل احياناعلى تحدي أو تقويض النصوص التبشيرية إذا كانت تتعارض مع الحقائق الموضوعية ،السياق يؤثر على الكتابة والإنتاج الثقافي، حيث يمكن أن تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى إنتاج سرديات تبشيرية تدعو إلى التغيير أو الإصلاح، يمكن أن تلعب دورًا في التحريض السياسي أو التعبئة الاجتماعية، بينما قد توفر السرديات المغلقة إطارًا للسياسات العامة أو الإجراءات القانونية، السياق الاجتماعي والثقافي يلعبان دورًا حاسمًا في تشكيلهما ، حيث يؤثران على المحتوى، الإنتاج، والتلقي. العلاقة بين النوعين تتسم بالتعقيد والتفاعل، مما يعكس ديناميات المجتمع والثقافة في كل زمن.

المغالطات المنطقية في السرد التاريخي

التعرف على المغالطات المنطقية في السرد التاريخي تتطلب فهم الأنواع الشائعة من المغالطات، تحليل الحجج المقدمة، ومراقبة التناقضات، باستخدام هذه الأدوات النقدية، يمكنك تقييم السرد بشكل أفضل واكتشاف أي مغالطات قد تؤثر على مصداقيته، المغالطات التاريخية في السرد تمثل مشكلة تتعلق بدقة المعلومات وموضوعيتها، ويمكن اعتبارها (أسطرة) للنص بشكل مباشرحيث تشير إلى الأخطاء أو التفسيرات غير الدقيقة في السرد التاريخي، والتي قد تنجم عن تحريف الحقائق أو التفسير الخاطئ للأحداث، قد تنشأ المغالطات من التحيز، نقص المعلومات، أو محاولات لتوجيه الرأي العام ،خصوصا ما يتعلق بالنص المقدس الذي يُعتبر نصًا ذو قيمة دينية أو روحية عميقة، وغالبًا ما يُعتبر منزها من الخطأ ويحتوي على حقائق مطلقة من قبل مؤمنيه، ويُشكل جزءًا من الهوية الثقافية والدينية للأفراد والجماعات. يتناول السرد التاريخي النصوص المقدسة كجزء من التراث الثقافي والديني، ويبرز تأثيره على تشكيل الوعي الجماعي، مع ذلك، يُلاحظ أن بعض الروايات التاريخية قد تحتوي على مغالطات منطقية تؤثر على فهم الأحداث،مما يتطلب دراسة النصوص المقدسة من خلال السرد التاريخي تحليلًا نقديًا لفهم كيف يمكن أن تؤثر المغالطات المنطقية على الروايات. العلاقة بين المغالطات والنص المقدس في بعض الأحيان، يمكن أن تؤدي إلى تفسيرات مشوهة للنصوص المقدسة، مما يؤثر على كيفية فهمها وتفسيرها، قد تستخدم بعض الجماعات النصوص المقدسة لتبرير مواقف أو أفعال معينة، مما يتضمن مغالطات تاريخية أو تفسيرات غير دقيقة، لذا يجب أن يُؤخذ في الاعتبار وجود روايات أو تفسيرات متعددة للنصوص التاريخية والدينية، مما يعكس تنوع الآراء والتوجهات، بينما تؤثر المغالطات التاريخية على كيفية تفسير النصوص المقدسة، يجب التعامل مع كل من السرد التاريخي والنصوص المقدسة بطريقة نقدية لفهم السياقات والتفسيرات المختلفة.

الاركيولوجيا والمغالطات التاريخية

عندما تغيب الأدلة الأركيولوجية، يصبح التفكير النقدي أكثر أهمية في تقييم المغالطات التاريخية، في حالة عدم وجود توثيق أركيولوجي، يمكن أن تظهر المغالطات التاريخية بشكل أكبر، قد يعتمد السرد التاريخي على فرضيات أو تفسيرات غير مدعومة اويتم استخدام حالات فردية أو روايات غير موثوقة لتعميم استنتاجات غير دقيقة حول أحداث تاريخية ،استخدام التفكير النقدي لفهم السياقات الاجتماعية والثقافية يساعد في تقليل تأثير المغالطات في غياب الأدلة الأركيولوجية،كما يمكن الاستفادة من المصادر المكتوبة (مثل الوثائق التاريخية، الرسائل، أو الروايات) كأدلة، ولكن يجب تقييمها بعناية،ان استخدام الدراسات المقارنة مع ثقافات أو مجتمعات أخرى لفهم السياقات بشكل أفضل وتجنب المغالطات تشجع النقاشات المفتوحة حول المواضيع التاريخية ويمكن أن تساعد في كشف المغالطات، غياب التوثيق الأركيولوجي يزيد من أهمية التفكير النقدي في تقييم المغالطات التاريخية وتقييم المصادر، وفهم السياقات الثقافية والاجتماعية لتفادي الوقوع في المغالطات ،عند غياب الأدلة الأثرية يمكن أن تظهر عدة أنواع من المغالطات التاريخية. المغالطات التاريخية وغياب الأدلة الأثرية يمكن أن يؤدي إلى ظهور العديد من الاخطاء، مثل التعميم المتسرع، الاستدلال بالجهل، والهجوم الشخصي، من المهم أن يتم التعامل مع المعلومات التاريخية بعناية وموضوعية لتجنب هذه المغالطات، الأسس المنطقية للاستدلال في التفكير النقدي تشمل التحقق من الأدلة، التحليل المنطقي، التعرف على المغالطات، والمقارنة بين المعلومات، هذه الأسس تساعد الأفراد في تقييم السرد التاريخي بشكل موضوعي وكشف أي أخطاء قد تؤثر على الفهم الصحيح للأحداث، من المهم تطبيق التفكير النقدي لتفادي هذه المغالطات والحصول على فهم أعمق وأكثر دقة للتاريخ وكذلك تجنب استخدام الأساطير بشكل مبتذل أو غير مناسب علينا فهم السياق الثقافي، تجنب التعميمات، استخدام الأسطورة بدقة، الابتعاد عن الصور النمطية، تجنب الاستغلال التجاري، وتقديم تفسيرات غير واضحة. هذه تساهم في الحفاظ على قيمة السرد وتقديمه بشكل يحترم الثقافة ومعناها.

السرد أداة الفلسفة في التحليل

يمكن اعتبار السرد نفسه كأداة فلسفية، حيث يُستخدم في تحليل وتفكيك الأفكار. يُمكن للفلاسفة استخدام السرد كوسيلة للتعبير عن أفكارهم بطريقة إبداعية من خلال تحليل السرديات السائدة، يمكن للفلاسفة نقد المفاهيم والأفكار المترسخة، مما يفتح المجال أمام تفكير جديد، يمكن استخدام السرد في الفلسفة المعاصرة كأداة قوية لتقديم الأفكار، تحفيز التفكير النقدي، استكشاف التجربة الإنسانية، وتعزيز الوعي الثقافي. من خلال دمج السرد مع الفلسفة، يمكن خلق حوارات غنية ومؤثرة حول قضايا معقدة، مما يسهم في توسيع الفهم الفلسفي، رغم أن السرد يمكن أن يكون أداة قوية في الفلسفة، إلا أن له حدودًا تتعلق بفقدان الدقة، التأويل الشخصي، الاعتماد على العناصر الخيالية، تحديات التركيز، الفهم الفلسفي، التأثيرات الثقافية، وفصل الأفكار عن التطبيقات العملية. من المهم أن يُستخدم السرد بشكل مدروس ومتوازن لضمان عدم تجاوز هذه الحدود.

***

غالب المسعودي

العقل العربي، كمنتج تاريخي وسياسي، ظلّ خاضعًا لبنية سلطوية معقدة تتجاوز الأنظمة السياسية إلى أنماط التفكير والسرديات المهيمنة التي تمأسست عبر قرون من الاستلاب. إن هذا العقل لم يتشكل في فضاء حر، بل صيغ عبر أجهزة أيديولوجية متشابكة، تضافرت فيها السلطة السياسية، والدين المُمنهج، والمؤسسة العسكرية، والاقتصاد الريعي، لتخلق ذاتًا عربية هشّة، مستلبة، محاصرة بسرديات قسرية تمنعها من الانخراط في مشروع نقدي جذري.

هذه الهيمنة لم تقتصر على الجماهير، بل امتدت إلى المثقف الذي كان من المفترض أن يكون القادر على تفكيكها، لكنه في الغالب استحال إلى كائن مُذعن، خاضع، يكرر ما تنتجه المؤسسة بدل أن يكون قاطعًا معها. لكن هذا الاستلاب لا يمكن قراءته فقط من خلال المنظور السياسي، بل يجب فهمه أيضًا كنظام نفسي معقد، حيث يتحول القمع الخارجي إلى جزء من بنية اللاوعي، فتتم عملية ضبط الذات ليس فقط عبر القوة المباشرة، بل عبر آليات داخلية تجعل الفرد يتماهى مع القامع إلى حدّ الدفاع عنه.

وهنا يمكن استدعاء تحليل فرويد حول “الأنا الأعلى” بوصفه سلطة داخلية تتولى تأديب الذات، أو ما يسميه ألتوسير بـ “الاستدعاء الأيديولوجي”، حيث يُعاد إنتاج القمع داخل الفرد ذاته، لا عبر العنف فحسب، بل عبر منظومة القيم التي تفرض نفسها بوصفها طبيعية وغير قابلة للنقاش.

هذا الاستلاب يبدأ منذ اللحظة الأولى التي يُوضع فيها الفرد داخل منظومة تعليمية مُصممة لإعادة إنتاج التراتبية، لا لتحديها. المدرسة ليست فضاءً للشك، بل مصنعًا لإنتاج الامتثال، والجامعة ليست ساحةً للسؤال، بل مسرحًا لاستعراض الهيمنة وإعادة توزيعها.

هذه السيرورة تجعل العقل العربي غير قادر على إنتاج نقد ذاتي، لأنه غارق في تصديق السرديات الكبرى التي تصنع له وهم التفوق أو الاستثناء، رغم أنه في جوهره يعاني من هشاشة بنيوية تجعله غير قادر على مجابهة الأسئلة الوجودية للحداثة وما بعدها.

هنا يمكن الاستفادة من تحليل جان بودريار لفكرة “المحاكاة”، حيث لا يعود العقل العربي يعيش في واقع حقيقي، بل في محاكاة لواقع مصطنع تخلقه الدولة ووسائل الإعلام والمؤسسة الدينية، بحيث يبدو كل شيء طبيعيًا، حتى لو كان قائمًا على التزييف.

في هذا السياق، يصبح الخطاب الديني أداة حيوية لاستمرار الإذعان، ليس بوصفه دينًا قائمًا على تجربة روحية فردية، بل باعتباره جهازًا سلطويًا يُستخدم لإعادة إنتاج الطاعة، بحيث يُختزل الدين في سردية رسمية تُعادي النقد وتُعيد إنتاج المقدس في قالب يخدم البنية السلطوية.

وهنا لا يمكن الحديث عن العقل العربي دون استحضار مفهوم الهيمنة لدى غرامشي، حيث تصبح الأيديولوجيا وسيلة لضبط الجماهير عبر الاستيلاء على وعيها، لا عبر القمع المباشر فقط، بل عبر خلق منظومة تجعل الاستلاب يبدو طبيعيًا، بل مرغوبًا.

فالفرد العربي، وقد تشبّع بهذه البنية، يمارس نوعًا من الطاعة الطوعية، ليس خوفًا فقط، بل لأن أي محاولة للخروج على هذه السرديات تجعله في مواجهة الفراغ، حيث لا بديل جاهز سوى إعادة التفكير في كل شيء، وهذه مهمة مرعبة لمن نشأ على تقديس الموروث بوصفه يقينًا لا يُمسّ.

هذا ما يجعل السلطة أكثر فاعلية، حيث لا تحتاج دائمًا إلى ممارسة العنف المباشر، بل يكفي أن تجعل الجماهير ترى في الخضوع شكلًا من أشكال الهوية والانتماء.

هنا يظهر دور الجيش، ليس فقط كقوة قمعية، بل كمُنتج للسردية القومية التي تبرر وجوده كفاعل مقدس لا يخضع للمساءلة. فالأنظمة العربية لم تكن مجرد ديكتاتوريات عسكرية، بل كانت آلات ضخمة لإنتاج سرديات الاستثناء، حيث يصبح الجيش هو الحامي، والقائد هو الرمز، والمثقف هو المُبرر، والعدو هو الآخر المتخيل الذي يُعاد تشكيله حسب الحاجة السياسية.

وبهذا يصبح نقد السلطة ضربًا من الخيانة، حتى عند أولئك الذين يُفترض أنهم امتلكوا أدوات تفكيكها. من هنا يمكن استدعاء تحليل دولوز وغوتاري حول “آليات السيطرة”، حيث لم تعد السلطة في العالم الحديث مجرد قمع مباشر، بل تحولت إلى شبكات متداخلة من الضبط والإنتاج، حيث يصبح المثقف ذاته جزءًا من هذه المنظومة، إما عبر التواطؤ، أو عبر استدراجه إلى دوائر أكاديمية معزولة عن الفعل السياسي الحقيقي.

المثقف العربي، الذي كان من المفترض أن يكون في موقع المواجهة، ظل في الغالب عالقًا بين التواطؤ الصريح أو الصمت المُطبق. ربما لأنه، كما يرى فوكو، ليس كائنًا خارج السلطة، بل هو جزء من نظام إنتاج المعرفة الذي يحدد ما يُقال وما لا يُقال.

هذا يفسر لماذا ظل أغلب المثقفين يمارسون خطابًا دوغمائيًا، حتى عندما يرتدون قناع التقدمية. فهم إما موظفون لدى السلطة بشكل مباشر، أو خائفون من أن يُسحب الامتياز الرمزي الذي تمنحه لهم الدولة بوصفهم “مثقفين معترف بهم”، أو غارقون في ترف التحليل الأكاديمي المعزول عن الفعل السياسي.

وهنا تظهر المفارقة التي أشار إليها بيير بورديو حول “رأس المال الرمزي”، حيث يصبح المثقف خاضعًا لمنظومة السلطة لأنه يسعى إلى الحفاظ على مكانته، مما يجعله يعيد إنتاج الخطاب السائد حتى وهو يتظاهر بنقده.

لكن، وسط هذه العتمة، كانت هناك استثناءات. قلة من المثقفين حاولوا اختراق الجدار، من مهدي عامل إلى هشام جعيط، ومن صادق جلال العظم إلى نصر حامد أبو زيد، وغيرهم ممن دفعوا الثمن باهظًا لأنهم تجرأوا على خلخلة السرديات المهيمنة.

هؤلاء لم يكونوا فقط ضد السلطة السياسية، بل أيضًا ضد الذهنية القبلية والعشائرية التي تجعل المجتمع ذاته جزءًا من ماكينة القمع. فالثائر الحقيقي في العالم العربي لا يواجه فقط النظام، بل يواجه الجماهير التي تماهت مع القامع حدّ الدفاع عنه، كما رأينا في كل لحظة ثورية قُمعت بالهتاف نفسه الذي استخدمه القاتل.

إن هذه البنية المعقدة تجعل التحرر صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا. ما يحتاجه العقل العربي اليوم ليس إعادة إنتاج ذات النخب الفاشلة التي صنعتها الدولة العميقة، بل ولادة مشروع ما بعد حداثي قادر على تفكيك كل شيء: الدولة، الدين السياسي، الجيش، المؤسسات الثقافية الرسمية، والأهم، نقد الذات بوصفها أيضًا جزءًا من المشكلة.

فالهروب إلى نظرية المؤامرة، أو تعليق كل شيء على شماعة “الخارج”، هو في ذاته شكل من أشكال إعادة إنتاج الهيمنة، حيث يتم إلغاء الفاعلية الذاتية لصالح خطاب الضحية.

لكن هذا المشروع لا يجب أن يكون مجرد هدم للسرديات القديمة، بل يجب أن يكون قادرًا على تقديم بديل، بديل لا يعيد إنتاج الشمولية في شكل آخر، بل يقوم على تحرير الفرد من كل وصاية، بحيث يكون قادرًا على إنتاج حقيقته الخاصة، بلا خوف، وبلا أوهام كبرى.

هذا البديل يجب أن يذهب إلى ما هو أبعد من المطالبة بإصلاح سياسي، ليصل إلى تفكيك عميق لكل البُنى السلطوية التي صاغت وعي الإنسان العربي منذ قرون، بحيث لا يكون التحرر مجرد شعار، بل تجربة وجودية كاملة تُعيد تعريف الذات والعالم.

***

إبراهيم برسي – باحث سوداني

عزيزي القارئ

في مقالي هذا اتناول موضوعًا بالغ الاهمية لـدى الناس على اختلاف دياناتهم السماوية والوثنية يتعلق ذلك بالمُخلّص أو المُنقذ أو المهدي وكل هذه الاسماء لها دلالة واحدة تُشير الى شخص واحد لكنه يختلف من ديانةٍ الى ديانةٍ أخرى.

المنقذ في الديانة الهندوسية

وأبدأ بالديانات الوضعية أو الوثنية حيث جاء في الهندوسية وهي أقدم الديانات وموطنها الهند أن فيها ثلاثة آلهة يُعبدون توحدوا في تشكيل الاهٍ له قوى ثلاث وهم براهما وهو الخالق وفيشنو وهو الحافظ وشيفا وهو المدمّر وحسب معتقدهم أنّ فيشنو هو الذي سيظهر لإنقاذ المعذبين والمظلومين والمُستضعفين في الأرض وفي ظهوره وهو العاشر والأخير سيعم الخير والرخاء للبشرية.

المنقذ في الديانة البوذية

تمخضت البوذية من رحِم الهندوسية وهي حركة إصلاحية لحلِّ مشاكل ومعوقات في النظام الاجتماعي للديانة الهندوسية والذي تبنى عملية الإصلاح رجل من سلالة الملوك اسمه بوذا اما الهندوسية فلا يُعرف عنها شيء ولا يُعلمُ مصدرها.

ومولد بوذا ويُدعى بالمُستنير في مدينة كابيلا فاستو الهندية وهو من قبيلة ساكيا وقد توفيت امه في اسبوعه الأول وقد اعتنى به أبوه ووفر له كل وسائل الترف إلاّ انه ترك كل هذا في التاسعة والعشرين من عمره بما فيها زوجته وأولاده وهام في الخلوات والغابات طلبًا لاكتشاف الحقيقة المطلقة والاستنارة.

أخذ بوذا المستنير بنشر تعاليمه التي أسماها بعجلة النظام وكان يوصي أتباعَه بالتواضع والرحمة وحُسن الخُلُق واتباع تعاليمه التي تنقسم الى ثلاثة اقسام:

1/ أحاديث سوترا بيتاكا وهي تنقسم الى خمسة أبواب

2/ فينابا بيتاكا وهو قانون الدخول للوصول الى مرتبة الرهبنة

3/ ابهي دراما بيتاكما وهي تعاليم لأعمال تنقسم لأربعة اقسام وهي / المعاناة / واصل المعاناة / وإيقاف المعاناة / وإزالة المعاناة

وقد وضع بوذا وصايا عشرًا اسماها بالقيود العشرة وتُوفي في عمر تجاوز الثمانين عامًا وتقول الرواية عنه انه مات مسمومًا ورواية أخرى تقول بأنّه تعافى من السم وحسب التقاليد تم حرق جثمانه واخذ رماده وتوزيعه على ثماني ولايات وبعد موته انقسم جماعته الى مدرستين الأولى هي المركبة الصغيرة والأخرى المركبة الكبيرة.

والذي يعنينا هو موضوع المنقذ او المُخَلّص فمدرسة المركبة الصغيرة تَبَنّتْ إله نايانا وهي تقوم على الفكر القديم الذي يعتمد على قيام الانسان نفسه بتطهير نفسه وبلوغ درجة النيرفانا ولا يصل لهذه الدرجة الا القليل من الرُهبان لذلك تَسَمّت بالمركبة الصغيرة وفي تصورهم تحول بوذا من معلم الى روحٍ سماويةٍ وقدرات سامية تتجلى لهم على شكل انسان لينقذ البشر من الكارما أي الطريق المظلم الذي سلكته نفوسهم في شهواتها الدنيوية التي اضلتهم.

وللمركبة الكبيرة مدرستهم التي تبنوها وتُسمّى الماهيانا وفي هذه المدرسة ارتفع بوذا لمصاف الاله ويُسمّى بالأفتار ومعناها التجسد والظهور على هيئة انسان له قوى وقدرة لا تُوصف فهو قادر على فعل كل ما يُريدُ إصلاحه.

المنقذ في الديانة الزرادشتية

تؤمن الزرادشتيه بالإله الواحد اسمه / أوهرامزاده / وهذا الاله أراد ان يجعل له الهين للخروج من وحدته واحد للخير وآخر للشر وبهذا هم يختلفون عن الهندوسية بتعدد الالهة كما يؤمنون بأن الحياة قائمةٌ على الصراع بين الخير والشر والنور والظلام وان النفس الإنسانية تحمل الصفتين وهم يعتبرون العلاقة بين الاله والانسان علاقة شراكة ولهم خمسُ صلواتٍ في اليوم ويتطهرون قبل الصلاة بالماء وإذا تعذر وجودهُ فالتيمم بالتراب او الرمل.

ولد زرادشت في النصف الأول من الالفية الأولى قبل الميلاد في منطقةٍ ريفيةٍ قريبةٍ من بحر قزوين.

أرسله ابوه ليتعلم في السابعة من عمره فأظهر نباهةً وذكاءً متميزًا وكانت له تأمّلات في مسائل الخلق والكون كما أنّ له موقفًا رافضًا للظلم واستغلال الناس البسطاء من قِبَلِ السحرة كما كان رفضه لعبادة الكواكب.

واختلف القول فيه فمنهم مَنْ اعتبره نبيّا ومنهم من اعتبره حكيمًا.

وتَذكرُ كتبهم روايةً ان أحد الكهنةِ أخبر الملك بولادة مولود يُقوض مُلكه وقد عرف الملك هذا المولود هو زرادشت فحاول قتله عِدّة محاولات إلاّ أنّها لم تنجح محاولات قتله ومن هذه محاولة القاء زرادشت في النار.

وعندما بلغ أشُدّهُ عزم الخروج وبلا عودة الى البراري والجبال حتى يجد الأجوبة الكبيرة التي تدور في رأسه عن الخَلقِ والخالقِ وعن أسباب هذه المعاناة والمشاكل في هذه الحياة.

وفي اثناء مسيرته وهو بجانب نهر دايني في أذربيجان هبط عليه كما تقول الرواية سيد الملائكة وهو / فاهومانا / بكتاب الايستاق / وهو من الاله / اوهرامزداه/ فيه مفاهيم عن الحياة وما يتعلق بالكون وفيه عن الحياة الاخرة التي فيها الجنة والنار وبين الجنة والنار موضع ثالث للأرواح التي فعلت الخير والشر وفيه تبقى حتى تتطهر.

لم تجد دعوة زرادشت اهتمامًا، ولكن بعد اعتناق ابن عمه/ سينوتاء/لأفكار زرادشت بدأ انتشارها ثم أُوحي له بالذهاب الى بلخ ويعرض دينه على حاكمها / كشتاسب / فما كان من حاكمها الاّ اعتناقه لديانة زرادشت بعد ان استمع اليه وقد قرّبه اليه الاّ ان بعض حاشية

الحاكم أخذت بالتحريض عليه حتى قام الحاكم بسجنه وبقي فيه الى أن مرض حصان الحاكم فقام زرادشت بالدعاء له وتم شفاءُهُ وعلى هذا العمل اخرجه الحاكم وقد طلب زرادشت منه معاقبة المحرضين على سجنه ثم عَمِلَ على توثيق علاقته بالوزير الأول جماسب فزوّجه اختَهُ وتزوج هو اخت الوزير.

كانت الحروب دائرةً بين الملك كشتاسب والطورانيين لأسباب دينية وقد قُتِلَ زرادشت

في إحدى هذه المعارك عن عُمُرٍ ناهز السابعة والسبعين داخل المعبد مع مجموعةٍ كبيرةٍ من الكهنةِ اثناء قيامه بالطقوس الخاصة بعبادة النار المقدّسة.

وطقوسهم تدور حول الطبيعة واعيادهم عيد الماء في الربيع او الصيف وعيد النار في الشتاء ويُقدّسُ الزرادشتييون النار والهواء والماء والتراب وللأموات طقوس فهم لا يحرقون الجسد ولا يدفنونه ولا يتركونه في العراء ولا رميه في الماء لكون الميت نجس ولا تسمح عقيدتهم في ذلك حتى يُحافظوا على طهارة هذه العناصر فصنعوا ابراجًا تُسَمّى بأبراج الصمت حتى تبلى وتُجمع العظام ثم تُلقى في بئر خاص بها ولهم كتب يدرسونها هي/ الافستا / وتسميه العرب الابستاق وهو أهم كتبهم ويأتي بعده بالاهمية / اليسنا / وللزواج طقوس خاصة وللمرأة مكانة وتقدير كبيران.

وتُؤمن الزرادشتية بمراحل ظهور المنقذ على رأس كلِّ الفية وفي الالفية الأخيرة يظهر المنقذ / سوشيانس / وعلى يده تتطهر الأرض وينتهي الظلم ويعم الخير على الأرض وتغمر البشرية السعادة.

وقفة تحليلية للديانات الوثنية او الوضعية

وهنا اودُّ القول ان هذه الأديان الوضعية لم تأتِ من فراغ فلها جذور دينية جرى عليها تحريف وتغيير حسب الظروف الاجتماعية والحياتية لتلك المجتمعات فأبونا آدم كان أوّل نبيٍّ اصطفاه الله تعالى ومن بعده ابنه النبي نوح عليهما السلام وكان صاحب رسالة تأمر العباد بعبادة الله الواحد الاحد وهذا ما جاء ذكره في القران المجيد الا انّه لم يذكر تفاصيلاً عنها سوى الطوفان وهي أول رسالة سماوية للبشر تدعو لعبادة الله وتوحيده وجاءت من بعده رُسلٌ كما نوّه عنهم القران المجيد [ ولقد ارسلنا رُسُلاً من قبلك منهم مَنْ قصصنا عليك ومنهم مَنْ لم نقصص ] سورة غافر الآية 78 وكذلك الآية 36 من سورة النحل أكدت أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل رُسلاً الى أممٍ في قوله [ ولقد بعثنا في كلِّ أمّةٍ رسولاً ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] صدق الله العلي العظيم ومن تلك العبادات أخذت العبادات الوثنية مفاهيمها العامّة وبنت عليها دياناتها الوضعية بعد تحريفها وهذا هو القول الراجح عندي.

المنقذ في الديانات السماوية

 1/ الديانة اليهودية تبلورت في زمن النبي موسى عليه السلام وهي امتداد لرسالة الأنبياء السابقين إبراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام وتكلم عنهم القران المجيد فصولاً كثيرةً ولهذه الديانة ايمانٌ بخروج المشيح أو المسيا والذي يعني عندهم الممسوح بزيت الزيتون المبارك وهو من سلالة النبي داود عليه السلام وقد تغيّر عندهم المعتقد في زمن الملك كورش الفارسي الذي اسقط مملكة بابل واطلق سراح اليهود من الاسر واعادتهم الى اورشليم القدس والسماح لهم ببناء الهيكل فقد اعتبروه المنقذ وقالوا يجوز أن يكون من سُلالة الملوك وتتقلب الشخصيات عند اليهود حسب ظروفهم وأوقات الشدة و الرخاء.

2/ المنقذ في الديانة المسيحية فالكل مجمعون على انه النبي عيسى ابن مريم عليه السلام الا انهم يختلفون في كينونته الان أهو يعيش بدمه ولحمه الادمي بعد ما صُلب أم هو الان يعيش بروحه النورانية وهذا الاختلاف لا يتعلق ببحثنا الا ان القران المجيد يقول شُبّه لهم أي انه لم يصلب ورفعه الله عز وجل وهو القادر على كلِّ شيء بهيئته الأدمية، وهذا ما اعتقدُهُ وقرينتي بذلك عروج نبينا محمد عليه واله أفضل الصلاة وأتم التسليم حيث كان عروجه في ملكوت الله وبلوغه سدرة المنتهى بهيأته الادمية ولا أتفقُ مع القول الاخر بعروج الروح.

3/ المُخَلّص أو المهدي عند المسلمين

وللمسلمين بمدارسهم الاجتهادية تأكيدٌ على ظهور المهدي الـمُنقذ المنتظر  وقولي بالمدارس وليس بالمذاهب لأن الاجتهاد هو مدرسة يبقى ضمن دائرة الإسلام الموّحَد وأمّا المذهب فهو طريق يفترق عن الدائرة الجامعة الـمُوَحِدة للمسلمين وعلى هذا ابني رأيي على انّها مدارس وليست مذاهبًا فمدرسة اهل السُنّة على اختلاف اجتهاداتها تقول: بحتمية ظهور المهدي في اخر الزمان ومن شجرة الامام علي عليه السلام ويُظهره الله العلي القدير في اخر الزمان وهذا يُخالف رأي الشيعة الاثني عشرية.

واعلق هنا على هذا الرأي لأقول متسائلاً كيف لنا أن نعرف هذا المهدي بعد أحقاب قد مضت واحقاب ستأتي لا نعلم ما يجري فيها والله العالِم وله المشيئة والامر بشأن هذا الظهور بأنّ هذا المنقذ أو المهدي هو من الشجرة العلوية وقد تتابعت الذراري وتداخلت الانساب ولم تَعدْ للشجرة تلك الحاضنة أقول كيف لنا التحقق من شجرته ونسبه العلوي؟؟ وكان الأفضل ان يقولوا بظهور رجل مُصلح يختاره العزيز الحكيم.

أما مدرسة الشيعة الاثني عشرية فإنها تقول أنّ المهدي عليه السلام من الشجرة العلوية الفاطمية الحسينية التي تبدأ بالإمام علي وابنه الحسين عليهما السلام وتنتهي بالإمام محمد بن الحسن العسكري عليه وعلى ابائه صلوات الله وسلامه وهو الامام الغائب الحاضر حيث يخرج هو والمسيح والرجل الصالح المسمى بالخَضِر عليهم سلام الله وصلواته يخرج لقتال المسيح الدجال والسفياني واعوانهما وإقامة دولة العدل والمساواة.

وعلى هذا بَنَتْ الأديان السماوية والوضعية فكرة الظهور على هذه الأرض في اخر الزمان الذي لا يعلمه الا الله سبحانه وتعالى.

وهذا ما حداني لأكتب مقالتي لاختلاف رؤيتي التي بنيتُها وذلك باستدلالي ببعض الآيات ومُبيّنًا أسبابَ هذا الاجماع على هذا الغلط.

فإذا رجعنا الى ما يُسمّى بالديانات الوثنية أو الوضعية وتساءلنا من أين استمدت هذه الأديان فكرة ظهور المُنقذ فأقول وبلا ريب أنها مستمدّةٌ من الأديان السماوية المحرفة وقد نوهتُ عنها آنفًا وجاء في سورة غافر الآية 78 التي تقول[ ولقد أرسلنا رُسلاً من قبلك منهم مَنْ قصصنا عليكَ ومنهم مَنْ لم نقصص عليك] وابونا ادم عليه السلام اول نبي موحد ومن بعده ابنه نوح عليه السلام وفي هذا ما يُغني وتطمئنُ اليه النفوس من أنّ الديانات الوثنية أو الوضعية هي ديانات سماوية بالأصل حُرفتْ وانحرفتْ عن نهج التوحيد و الآية الشريفة رقم 74 في سورة الشعراء تبين هذا القصد حيث تقول [قالوا بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون] اذن فالعملية هي تقليد اعمى فيه للحُكّام مصالح ولأصحاب النفوذ منافع في ترسيخ هذه الوثنية.        وقد بقيت من تلك الأديان السماوية ظِلالها كظهور الـمُنقذ وبعض النفحات الإنسانية التي تغلغلتْ بأعماق مفاهيمها بعد تحريفها، فالأديان الوثنية أو وهي بالأصل اديان سماوية.

وكل هذه الروايات والأحاديث المنقولة عن الاديان الوثنية والسماوية أراها

تتقاطع مع ما جاء في القران المجيد عن ظهور المهدي والمسيح والرجل الصالح الخَضِر عليهم وعلى نبينا واله الصلاة والسلام.

ومن خلال التفسير لبعض الآيات المباركات غرّب المفسرون وتعسفوا في تفسيرها ليكون التوافق بشواهد الآيات على ظهور الامام المهدي عليه السلام في آخر الزمان على هذه الأرض التي نحن عليها اليوم وبظهوره تقوم دولة العدل ويعود السبب في هذا الاعتقاد الغلط الى أنّهم أخذوا اعتقاد السابقين  وبنوا على رواياتهم وكأنها كلام مُنزّلٌ فصارت من الـمُسَلّمات لا بل من المُقدسات فلا يُمكننا النقاش فيها وهم يعلمون أن أكثرها من المدسوس أو المُحرّف أو المزيّف والى الآن يدأبُ أهل المدرستين على التمسك بالاحاديث والروايات في حين ذكَرَ القران المجيد هذا التحريف في قوله تعالى الآية 46 في سورة النساء/من الذين هادوا يُحرفون الكَلِمَ عن مواضعه/وفي سورة المائدة الآية 41/يُحرفون الكَلِمَ من بعد مواضعه/صدق الله العلي العظيم

ونوه نبينا محمد عليه وآله افضل الصلاة والسلام في حديث له بعرض كل حديثٍ يُنسبُ له على القران المجيد فما توافق مضمونه مع القران المجيد فالحديث صحيحٌ واذا اختلف فعلينا ان نضرب به عرض الجدار وعلى هذا ابني أن كلّ حديث يتكلم عن أمور غيبية لا قيمة له.

وإذا كانت النصوص السماوية تُحرّف فما بالنا بالأحاديث والروايات التي نقلتها لنا كُتُبُ المدرستين السنية والشيعية وفيها ما فيها من سرد قصصي عن ظهور الامام المهدي وإنّ القارئ لها يجد نفسه يقرأ في رواية ابي زيد الهلالي فتحكي عن أمورٍ هي من علم الغيب ما انزل الله بها من سلطان.

وأنّ الله سبحانه وتعالى يؤكد لنا بحجب الغيب عن أحبّ خلقه اليه وهو الرسولُ عليه واله أفضل الصلاة والسلام ذكرها في قرانه المجيد ومنها ما جاء في علم عدد اصحاب الكهف الذين أووا اليه لكنه ذكر ما قاله الناس  في ذِكْرِ العدد فقال سبحانه/ سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كلبهم ويقولون خمسةٌ سادسهم كلبهم ويقولون سبعة و ثامنهم كلبهم رجمًا بالغيبِ قُلْ ربي أعلمُ بعِدتهم / وأوصى سبحانه رسوله في قوله/ فلا تُمارِ فيهم الا مراءً ظاهرًا ولا تستفتِ فيهم منهم أحدا /صدق الله العلي العظيم/ الآية 22.

وكذلك لم يذكر القران المجيد للنبي عليه واله أفضل الصلاة والسلام أسماء المنافقين في قوله تعالى/إذا جاءك المنافقون قالوا الى آخرها/ المنافقون الآية 8

وكذلك جاء في سورة التحريم والخطاب عن كلام كان دائرًا بين النبي عليه واله أفضل الصلاة والسلام وبين إحدى زوجاته فلما نبأت به عرّف الله تعالى نبيّه بافشاء ذلك السر ولم يذكر اسم تلك الزوجة.

والذي جاء في قوله تعالى [قل لا أدري ما يُفعل بي ولابكم] صدق الله العلي العظيم/ الاحقاف الآية 9 وفي قوله تعالى [قل لو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرتُ من الخير وما مسني السوء] صدق الله العلي العظيم/ الأعراف الآية 188 وفي قوله تعالى / وإمّا نُرينّك بعض الذي نعدهم أو نتوفينكَ فالينا مرجعهم/ صدق الله العلي العظيم ففي هذه الآيات هو القول الفصل بعدم العلم بالغيبيات وموضوع ظهور المهدي مع المسيح والخَضِر عليهم السلام هو من جملة الغيبيات لا يعلمها الا الله سبحانه وتعالى.

وتأتينا الروايات والاحاديث عن النبي وعن اهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام وعن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عنهم تأتينا الروايات منقولة بعد عقود من الزمن لتكلمنا عن ظهور المهدي عليه السلام وعن الاحداث التي ستسبق الظهور لتكون الروايات الحجة القاطعة ويتغافلون أو يَتركون ما جاء في كتاب الله الذي أوضح بما لا جدال فيه أنّ ظهور الامام المهدي والمسيح والرجل الصالح عليهم السلام هو مرتبط بقوله تعالى/ يوم تُبدّل الارضُ غير الارضِ والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار/ صدق الله العلي العظيم سورة إبراهيم الآية 48 وسأتناول الموضوع بالتفصيل بعد استشهادي بالحجج التي استند إليها الشيعة من الآيات القرآنية فهم يُفسرون الآية الكريمة/ ونُريدُ أنّ نَمُنَّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمّةً ونجعلهم الوارثين/ الآية 5 سورة القصص بظهور المهدي عليه السلام ولو رجعنا الى الآية التي بعدها لوجدنا انها تتحدث عن بني إسرائيل في الآية 6 من نفس السورة وبه يتوضح لنا القصد حيث تقول الآية / ونُمَكنَ لهم في الأرض ونُري فرعونَ وهامانَ وجنودَهما منهم ما كانوا يحذرون/ لكن مَنْ كتب عن الامام المهدي أخذ بما يتناسب وقناعته التي بناها وعليها استند كي يُجاري ما قالت به الديانات التي سبقت الإسلام ويُجاري الروايات والاحاديث التي تحدثت لنا عن ظهور المهدي وكذلك استشهادهم بالآية 33 من سورة التوبة وهي/ هو الذي ارسل رسوله بالهُدى ودين الحقِّ ليُظهرَهُ على الدين كلّه ولو كره المُشركون / والآية 55 من سورة النور / وَعَدَ الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَسْتَخلِفِنّهمْ في الأرضِ كما استخلف الذين من قبلهم ولَيُمَكِننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ولَيُبدِلَنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يُشركون بي شيءً ومَنْ كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون / صدق الله العلي العظيم.

كل هذه الآيات المباركات كانت عن وعدٍ مستَقْبلي من الله للمؤمنين وقد تحقق لهم في الدنيا ولو انتبهوا الى اخر الآية / ومَنْ كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون/ ففي هذه الجملة نتبين انها تتحقق في زمن الرسول عليه واله افضل الصلاة والسلام ولو كانت تتكلم عن ظهور المهدي عليه السلام ما استوجب ذِكْر / ومَنْ كفَر بعد ذلك / وهذه إشارة الى ان الاستخلاف في زمن الرسالة ولا علاقة له بزمن المهدي عليه السلام إلاّ أنّ الذين تأثروا بالروايات والأحاديث لووا معانيها وأوّلوها وغالطوا القران المجيد ليقولوا جاءت هذه الآيات المباركات لتُخبرَ عن ظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان وعلى الأرض التي نحن عليها.

والذي توصلتُ اليه من خلال قراءتي أن المهدي والمسيح والخَضِر عليهم السلام سيظهرون ولكن في أرضٍ ومكانٍ غير هذه الأرض مستندًا الى قوله تعالى / يوم تُبدلُ الأرض غير الأرض والسماواتُ وبرزوا لله الواحد القهّار / وقوله تعالى في سورة الطلاق الآية 65 / الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهنّ يتنزلُ الامر بينهنّ لتعلموا أنّ الله على كلّ شيءٍ قدير / صدق الله العلي العظيم.

وللقارئ انقل ما جاء في تفسير الميزان لهذه الآية وهو من التفاسير المعتبرة لدى الشيعة أقول والقول للمفسر الطباطبائي (واختلاف الروايات في تفسير التبديل لا تخلو عن دلالة على انّها أمثال مضروبة للتقريب والـمُسَلّم من معنى التبدل أنّ حقيقة الأرض والسماء وما فيهما يومئذ هي من اديم الأرض غير أن النظام الجاري فيهما غير النظام الجاري فيهما بالدنيا وينقل لنا صاحب الميزان في روايةٍ عن العياشي في تفسيره منقولاً عن تفسير القُمي ان الأرض تُبدل الى خبزة بيضاء في الموقف يأكل منها المؤمنون) انتهى 

أقولُ لو رجعنا الى سورة الزمر الآية 67 التي جاء فيها وصف الأرض في قوله تعالى / وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضتُهُ يومَ القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يُشركون / صدق الله العلي العظيم فهنا يتبين لنا أن الأرض في قبضة الله العلي القدير لتصفية الحساب مع البشر وبعدها تكون النقلة الثانية بعد فرز العباد ففي هذا اليوم قيامة العدل الهي ويقول الباري عز وجل في اخر السورة / وسيق الذين اتقوا ربّهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاؤوها وفُتِحت أبوابُها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الارضَ نتبوأُ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقِيلَ الحمد لله رب العالمين / الآية 75 صدق الله العلي العظيم.

وهنا اقولُ متسائلاً أي أرض هذه التي أورثهم الله؟؟ والجواب يقينًا أنّها في سماء أخرى كما قال رب العزة / ولقد خلقنا سبع سماوات ومن الأرض مثلهن / صدق الله العلي العظيم.

وجاء في تفسير الميزان للطباطبائي قوله: وعليه فالمعنى خلق من الأرض سبعًا كما خلق من السماء سبعًا فهل الارضون السبع سبع كرات من نوع الأرض التي نحن عليها والتي نحن على احداها؟ أو الأرض التي نحن عليها سبع طبقات محيطة بعضها ببعض والطبقة العليا بسيطها الذي نحن عليه؟ أو الاقاليمُ السبعة التي قسموا المعمور من سطح الكرة؟ الى آخر تساؤلاته الى أن يقول في تفسير سورة حم السجدة محتمل آخر في غيرها.

وربما قيل أن المراد بقوله / من الأرض مثلهن / أنه خلق من الأرض شيئًا هو مثل السماوات السبع وهو الانسان المركب من المادة الأرضية والروح السماوية التي فيها نماذج سماوية ملكوتية / انتهى تفسير الطباطبائي.

ويقول الطباطبائي في تفسيره للآية 105 من سورة الأنبياء / ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون / صدق الله العلي العظيم والمرادُ من وراثة الأرض التسلط على منافعها إليهم واستقرار بركات الحياة بها فيهم وهذه البركات امّا دنيوية راجعة الى الحياة الدنيا واما أُخروية وهي مقامات القرب التي اكتسبوها في حياتهم الدنيا ويقول أيضًا ومن هنا يظهر أن الآية مطلقة ولا موجب لتخصيصها بإحدى الوراثتين/ انتهى تفسير الطباطبائي للآية.

ومن هذه الخُلاصةِ استخلص أن يوم الحساب يكون على ارضٍ لها خصوصية لذلك اليوم مثلما قال الباري يوم تُبدل الأرض غير الأرض وفيها يختلط الصالحون من العباد مع الطالحين ويدور بينهم حديث وطلب من الطالحين بان يلتمسوا نورًا من نور الصالحين ويكون الجواب لهم ارجعوا وراءكم والتمسوا نورًا ويُضرب بينهم سورٌ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب ويُساق الذين آمنوا الى الجنة زمرًا فتتلقاهم الملائكة بالسلام وبالترحيب ويكون قول المؤمنين/ الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الأرض نتبوّأُ الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين / صدق الله العلي العظيم وعلى هذه الأرض يكون ظهور المهدي والمسيح والخَضِر عليهم السلام حيث تقوم دولة العدل الالهي والسلام الابدي الى ما شاء الله سبحانه وتعالى.

وقد يعترض عليّ المعترضون ممن يؤمن بظهور المهدي عليه السلام على ارضنا التي نحن عليها اليوم فجوابي على اعتراضه هو ان ارضنا هي دار امتحان لفرز الناس وغربلتهم وبعد الفراغ من حساب البشرية على ارض قد تبدلت كما جاء في سورة الزُمُر ومنها ستكون النقلة الى احدى الارضين التي أنشأها الله العلي القدير في السماوات الأخرى والتي جاء ذكرها في سورة الطلاق الآية 12 وهذا هو استنتاجي وإلاّ ما الغاية من وراء خلق هذه الارضين التي ذكرها الباري عز وجلّ في القران المجيد ولم يثبت تفسيرها عند المفسرين؟

وآخر قولي قوله تعالى / هو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هُنّ أمُّ الكتابِِ وأخَرُ مُتشابهاتٌ فأمّا الذين في قلوبه زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلهِ ولا يعلمُ تأويلَهُ إلاّ اللهُ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربِّنا/ صدق الله العلي العظيم الآية 7 آل عمران.

***

الحاج عطا الحاح يوسف منصور – الدنمارك / كوبنهاجن

الخميس 27 آذار 2025 / المصادف 26 رمضان 1446

 

تمهيد: أكثر ما يخشاه الإنسان دائمًا هو التغيير، تغير مناخ البيئة، الأحوال، ونمط الحياة، رغم قدرته على التكيف والتأقلم التي تُميّزه عن سائر الكائنات الحية. مع ذلك، يظل الإنسان يهاب المجهول والتغييرات المفروضة عليه التي تنتزع منه سلامه الاجتماعي والثقافي المتعارف عليه، ويجد صعوبة بالغة في قبول واقع الحياة كونها صيرورة - تتصير من شيء إلى آخر، من حالة إلى أخرى.
التهجين الثقافي وإمكان الاستقلالية:
تدفق المعلومات وتداخل الثقافات اليوم يبعث لدى الكثيرين القلق الهُوَوِيّ؛ قلق الهوية والانتماء. وهذا القلق الذي يحاول أن يبقى راسخًا على ما اعتاد عليه من رؤية للوجود، ونمط التفكير، يصعب عليه المران على طرق تفكير مغايرة، حديثة، متجاوزة؛ فما بالك إذا كانت مناقضة ومعارضة للرؤية الوجودية والفلسفية السابقة؟
ومع ذلك، يثبت لنا التاريخ، من خلال تراكم الأحداث والتقلبات السياسية والتداخلات الثقافية على مر العصور: أن الإنسان قادر على الحفاظ على ما هو عليه، على فلسفته في الحياة، وعلى نمط جوهري من التفكير رغم هذه التداخلات المتواصلة. على سبيل المثال – والأمثلة بالمئات – المسلمون في الهند، رغم احتكاكهم مع غير المسلمين من ناحية، واختلاف ثقافة وانماط الحياة والمعيشة تمامًا من ناحية أخرى، لم يخسر الفرد والعائلة المسلمة جوهر الإسلام.
وعليه وجب التفريق بين: الجوهري والعارض؛ الجوهري هو ما نؤمن به بالأعماق ويعطي لحياتنا معنى، ولها أثر أو حمولة ثقافية متجذرة فينا؛ بينما العارض: هو كل التغيرات المؤقتة التي لا تغير في جوهر الإنسان، بما في ذلك الثقافة ذاتها، إذ أن الجزء الأكبر من الثقافة غير معني فقط بالدين، وعليه يبقى تأثيرًا عارضًا، وقبوله والتماشي معاه لا يتعارض بالضرورة الجوهر؛ وهذا التمييز الدقيق يسهم في تقبل التغييرات في العالم دون الشعور بالخوف والذعر لأن ما يمثل هويتنا الثقافية والدينية جوهرياً لن يتغير بتغير العوارض.
حتميّة التهجين الثقافي:
وعلى الجانب الآخر، هناك جوانب الأصل فيها التغيير والصيرورة، بسبب التداخل الثقافي والحوار والتوليف، وهذا يحصل على المدى القريب في عالمنا اليوم، لا المدى البعيد. كل العالم يتشكل من كل شيء آخر في الوقت نفسه، وهذه الانصهارات تشمل: العلم وطبيعة التعلم وبناء المعارف والفنون وغيرها.
كل هذه الجوانب قائمة على التأثر والتأثير والتهجين، خصوصًا في عصرنا هذا سريع التداخل والتأثر.. وأي محاولة لإجهاض هذه الظاهرة تعد تحديًا لطبيعة سير التاريخ والعالم، وهو سلوك مجتمعي غير مجدٍ وقد أثبت فشله في عصور الظلام. إن الانفتاح الواعي على الثقافات، مع فهم الديناميكية الحتمية الحاصلة، يشكل اليوم الضمانة الوحيدة للبقاء.
خاتمة وتأمل:
وعند إدراكنا أن الهوية والجوهر يتطوران بتطور وعي الإنسان عبر الزمن والتجربة وتراكم المعارف، ندرك أن أدوات المعرفة تطور أدوات الفهم، وعليه فإن الحفاظ على الجوهر لا يكون بتجميده في قالب محدد، إنما يتحقق من خلال مسؤولية جماعية وتاريخية تستوعب الهوية والدين والحقيقة والثقافة كمشروعات مستمرة من الكشف المتجدد عبر المعرفة والتجربة والزمان.
***
خالد اليماني

 

هذا النص مستعار من مقولة سوف نعرفها في نهاية المقال، يقول " البير كامو " الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون على حقيقته، وأي منا يسقط ما بداخله على الآخر في أحسن الأوضاع وفي أسوئها، هو الإنسان عَينهُ لو قلنا أنه حكيم ومتزن، أو حقير محتقن بالحقد، لابد أنه يلجأ إلى إسقاط ما بداخله على الآخرين، بشكل فردي، أو جمعي، أفراد أو شعوب، هذا الاسقاط من المشاعر والانفعالات هي سمات في أي منا نحن معشر الأسوياء إذا ما سلمنا جدلًا نحن فعلا نمتلك هذه الصفة وهي (السوية) ولو هي مثلٌ أعلى نحاول أن نقترب منه بدرجة أو بأخرى كما يراها "صلاح مخيمر"، رغم أن الأسوياء لا يبرأون أيضًا من بعض سمات المرضى، أو من لديهم إنحرافات متنوعة ومختلفة، وأقصد الانحرافات في الشخصية مثل النرجسية، الشخصيات المضادة للمجتمع " السيكوباث" أو حتى ممن يحملون انحرافات في الحرية الجنسية " عذرًا الشذوذ الجنسي مع أحترامي لمن يعتنق ايديولوجية الانحرافات كمعنى وكمبنى في البنية والتكوين "، نطلق هذه التسمية عليهم تمشيًا مع تغيير قوانين الطبيعة البشرية لأغراض سياسية فرضت على الشعوب سمات الانحرافات بأنها الحرية الجنسية .
آلية " ميكانيزم " الاسقط وهي أحد الآليات التي يلجأ إليها الفرد في مواقف الحياة اليومية، وهي بالتأكيد آلية لاشعورية – لاواعية وعرفها التحليل النفسي بأنها حيلة من حيل دفاع الأنا بمقتضاها ينسب الشخص إلى غيره ميولًا وأفكارًا مستمدة من خبرته الذاتية، يرفض الاعتراف بها لما تسببه من ألم وما تثيره من مشاعر الذنب، فالإسقاط بهذه المثابة وسيلة للكبت أي أسلوب لاستبعاد العناصر النفسية المؤلمة عن حيز الشعور، والعناصر التي يتناولها الإسقاط يدركها الشخص ثانية بوصفها موضوعات خارجية منقطعة الصلة بالخبرة الذاتية الصادرة عنها أصلا، وهناك تعريف آخر للإسقاط بأنه حيلة نفسسية ينسب فيها الشخص سماته الذاتية وعواطفه وميوله لموضوعات بيئية من أشخاص وأشياء، كما دون هذه المعلومات سامي محمود علي في كتاب ثلاث مقالات في انظرية الجنسية لسيجموند فرويد .
تساؤلنا ماذا فينا؟ ولكن نراه في الآخرين، هو البخل، الانانية، حب الذات أولا، المكيدة وأختلاق التبرير لكل فعل، الغدر، الخيانة، الإلتواء في الحديث واللف والدوران، الوصول إلى تحقيق الهدف بأية وسيلة ممكنة حتى وإن كانت لا أخلاقية، هي فينا فعلا ولكن نراها في الآخرين، نسقطها كفكرة في دواخلنا على الأخرين، ولو عدنا إلى أصل المقولة في عنوان هذه المقالة، هي مقولة سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي، حينما سئل عن الشخصية اليهودية، لماذا هي هكذا؟ فأجاب اليهودي فينا ولكن نراه في الآخرين .
هي إذن سمات وليست صفات، والسمة أكثر ثباتًا في الشخصية، ومن الصعب تغييرها وهي التي تقود صاحبها لأن يطلب العون من المحلل النفسي بعد ان طغت في تفكير الشخص وأخذت تضايقه وتعيق نشاطه العقلي والفكري وسلوكه اليومي وتعامله وربما حتى أنفعالاته، إذا ربما أصبحت ثقيلة في النفس، إن أدركها وأقتنع في وجودها، وأنا أشك في ذلك . فالبخل، أو اللاوفاء، واللا إلتزام بالمواثيق والعهود، هي التي لا يستطيع صاحبها أن يقاومها، فتصرعه أما مريضًا، أو حقودًا على نقيضه الذي لا يحمل هذه السمات، فالذي يتكلم عنك بالسوء، كان يتمنى أن يكون مثلك ولكنه لم يستطع، والذي يغتاب الناس في عرضهم وشرفهم، فهو فاقد هذا الشرف، أو العرض، او الكرامة، ومن أجاز لنفسه أن يكون عبدًا، لم ولن يستطيع أن يكون غير ذلك وربما ذليل ولو تبوأ أعلى المناصب والمكانات الاجتماعية، تنضح منه بقايا الخسة والشعور بالدونية، فالرئيس الامريكي ترامب يشعر بإن ادارة أكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الامريكية هي مؤسسته التجارية، لم يحدث لديه الإعلاء والتسامي بهذا المنصب، وخطابه أوضح دليل على ذلك، لغة التجارة هي السائدة، الخطاب الواضح في كلماته وبعض هفواته، كما هو الحال في بعض الدول التي تم تنصيب رؤساء وزعماء من الجيش في ادارة الدولة، فالسمة الطاغية هي السلوك العسكري، وعندما يتهذبب سلوكه يحيل من يخالفه وباسرع وقت لمحكمة عسكرية خاصة بدون أي حقوق للدفاع . لذلك يمكننا القول بأن الإسقاط هو وسيلة تكيف، فهذا الشخص إذا ما واجه صعوبة في حياته اليومية فإنه يسقط ما في داخله على الآخرين كوسيلة لحماية نفسه، وبدلًا من مجابهة واقعه النفسي يقوم بإسقاط مشاعره ويمارس وجودة بشكل بدائي. يقودنا قول تولستوي الجبناء هم أكثر الناس حديثًا عن الشجاعة، ونحن نقول بأن البخلاء هم أكثر الناس حديثًا عن الناس واتهامهم بالبخل، وفي حياتنا اليومية المعاشة الكثير من الأمثلة.
***
د. اسعد الامارة

لماذا يقرر شخص غني أن ينهي حياته، إما بالانتحار وإما بالانسحاب من واجهة الشهرة والمكانة؟
قد يبدو مفهوما أن يقرر شخص عادي وضع حد لحياته بحبل أو طلقة مسدس. فتعب الحياة وشقاؤها، وتحطم الآمال على صخرة الواقع المرير، أضف إلى ذلك عدم الرضى عن توزيع المعايش بين الناس، والعجز عن احتمال وطأة الفقر أمام مظاهر الغطرسة والثراء اللذين تنعم فيهما فئة قليلة؛ كل هذه أسباب توعز للمرء بالانسحاب من مشهد لا يطاق. أما رحيل الأثرياء والمشاهير فيثير الحيرة والدهشة، خاصة من لدن المؤمنين بأن سعادة المرء تكمن في رصيده، وساعة يده، ويخته الذي يطوف به أنحاء العالم.
لم يكن ليو تولستوي من أعظم أدباء روسيا ومفكريها فحسب، بل كان أيضا أحد أثريائها الذين وفرت لهم الحياة كل الملذات المتاحة في عصره. وبالرغم من ذلك لم يخف قلقه وعذابه المتواصل من كون الحياة مجرد خدعة كبيرة. وظل سؤال " وماذا بعد؟" يثير في نفسه أسباب الحيرة والقلق، ويدفعه للاكتئاب والرغبة في الانعزال، فكان يردد:" حسن، سيكون عندك ستة آلاف فدان في أرقى منطقة،وثلاثمئة حصان. وماذا بعد؟ حسن، ستكون أكثر شهرة من غوغول وبوشكين وشكسبير وموليير، بل وكل كتاب العالم. وماذا بعد؟"
بحث تولستوي عن الجواب لفترة طويلة في الكتب وطرق عيش الناس، فاهتدى إلى أن الراحة الحقيقية هي في العيش وسط البسطاء من فلاحي روسيا آنذاك، مع نوع من المعرفة لا يوجد إلا في العقيدة: معرفة توّحد الإنسان مع الله، لا بمعنى وحدة الوجود التي ينادي بها غلاة الصوفية، وإنما بمعنى التوحد مع أوامر الله وتعاليمه ووحيه وأوليائه.
تكشف سيرة تولستوي أن ثورته على الحياة المترفة سببها التصنع والتعقيد الذي يُفقدها جمالها، ناهيك عن تنصلها من القيم والأخلاق التي ينبغي أن تحكم العلاقات داخلها. ومسألة التصنع هاته تقف اليوم سببا وجيها وراء إقدام عدد من مشاهير الفن والسينما على الانتحار، حيث تندس خلف الصورة المشرقة لهؤلاء تجليات هشاشة نفسية، وخوف مستمر من العجز عن مواصلة الظهور بالمثالية التي ترسمها الكاميرات ووسائل الإعلام.
في صيف 2012 أصدر نجم السينما الأمريكي روبن وليامز كتابا بعنوان "12 خطوة"، ووضع على غلافه ملحوظة تؤشر على ما سيؤول إليه الوضع بعد سنتين فقط: " أريد أن أساعد الناس على أن يكونوا أقل خوفا"، لكن يبدو أنه لم يحتمل هذا الخوف فوضع حدا لحياة تضج بالشهرة والثروة، والإنجاز السينمائي الضخم. وفي حديث زوجته لوسائل الإعلام تظهر شخصية مختلفة تماما عن الممثل المرح الذي ظل لسنوات يرسم الابتسامة على وجوه الناس، حتى أن الصحف العالمية لقبته ب" أطرف رجل عاش على الإطلاق".
كانت سنواته الأخيرة مستنزفة بفعل نوبات القلق والارتياب، وتأثرت حياته المهنية حين بدأ يفقد قدراته كممثل بارع، خاصة في آخر أعماله" ليلة في المتحف". ويبدو حسب مخرج الشريط الوثائقي "رغبة روبن" أن هذا الأخير لاحت عليه بوادر مرض "خرف أجسام ليوي" الذي يصيب خلايا الدماغ، فكان يتجنب اللقاءات العامة وحتى مقابلة الأصدقاء، لكن المحطة الأخيرة من حياته لم تخل من مبادرات تبعث رسائل وجيهة عن معنى الحياة، منها تبرعه بمبلغ 50 ألف دولار سرا لبنك الطعام في مدينة سياتل الأمريكية.
ينتحر الأغنياء ممن يعتبرون الحياة صفقة، حين لا يتحملون تبعات تلك الصفقة على حياتهم ومسيرتهم في عالم المال والأعمال. ورغم اليقين المسبق بأن مغامرات من هذا القبيل تنطوي على الربح والخسارة، إلا أن لذة تحقيق الثروة وتحصيل المكانة الاجتماعية اللائقة لا ينفي كون شبح الخسارة حاضرا ومتربصا، وأن على المرء أن يرتب نفسه على كل الاحتمالات ليمكنه مواصلة العيش والنهوض مجددا بعد كل كبوة.
كان رجل الأعمال الألماني أدولف ميركل يعيش حياة وصفها البعض بأنها طريقة حياة علم الأخلاق البروتستانتي. فالرجل متقشف في عيشه، يركب دراجة هوائية حين يذهب للعمل، ويسافر في الدرجة الثانية من القطار لإيمانه بأنك لن تصل أسرع إذا ركبت في الدرجة الأولى. وهكذا تمكن ميركل، بما يملكه من إصرار ورؤية واضحة وحكيمة عن مجال الأعمال، أن يحول النشاط التجاري في مجال الأدوية الذي ورثه عن عائلته، إلى ثاني أكبر شركة لبيع الأدوية في أوروبا.
على مدار أربعة عقود بنى أدولف امبراطورية تضم 120 شركة، بإيراد سنوي يبلغ نحو 38 مليار أورو. لكن حين حدثت الأزمة الائتمانية كان ميركل ثريا في الأصول، وفقيرا في التدفق النقدي كما صرح بذلك مستشار العائلة. لذا أمام انهيار أسعار الأسهم طالبته البنوك بضمانات إضافية، وصار الرجل الذي وُصف بالمفاوض العنيد، يأخذ جرعات من الدواء خلال محادثاته مع أزيد من 30 دائنا.
فقد ميركل موقعه ضمن المائة أغنى رجل في العالم، فكان عليه أن يهرب من نظرات الشماتة مثلما يهرب من ملاحقة البنوك التي تطالبه بسداد قروضها. وتحرك شبح الخسارة من مكانه ليدفع بالرجل إلى الانتحار ممددا على قضبان السكة الحديدية، في إحدى قصص السقوط المؤلمة التي تعلن أن السعادة ليست فقط مجرد صفقة.
إن كنت بسيطا في عيشك فهذا أمر جيد، وإن لم تكن كذلك فعليك أن تحاول. وهذه البساطة هي ليست دعوة لتجريب الفقر والحرمان، ولا عودة إلى البداوة وشظف العيش، لأن التحضر درجة طبيعية في الرقي الإنساني. ولكن، يتساءل أحمد أمين، ألا يمكن أن نتحضر وأن نتبسط معا؟
يبدو الأمر ممكنا برأي الكاتب المصري، مادامت البساطة لا تتعارض مع الانتفاع بنواتج العلم والتقنية. فما يحتاجه الإنسان المعاصر هو التخفف من أعباء الحياة المادية، والإيمان بأن هناك حياة روحية سامية وجميلة، تستحق أن يوفر لها المرء نصيبا من وقته وتفكيره.
ليس الأمر طبعا بتلك السهولة، فهناك من يعتبر الدعوة للبساطة خطرا يهدد الاقتصاد والمجتمع الاستهلاكي. لذا فإن ثقافتنا التي تجد صعوبة في تقبل البساطة، بحاجة للمراجعة واتخاذ القرار لتحديد ما هو مفيد وما هو غير مفيد. وبرأي دومينيك لورو فإن البساطة لا تتحقق إلا عبر التحرر من الأفكار المسبقة، والمخاوف والضغوط التي تثقل كاهلنا. إن البساطة التي تعني اقتناء القليل، تفسح المجال لما هو جوهري وأساسي، مثل القيم الإنسانية، والراحة النفسية، والجمال والحرية؛ بمعنى آخر: لكل ما هو حي.
***
حميد بن خيبش

في المقام الأول نستطيع أن نؤكّد أن البطالة في العالم تُعتبر من أخطر ما يُواجه الإنسان، والتي تترك بصمات سلبية تؤثّر على حياة الفرد واستقرار المجتمع.
ولا تزال هذه الظاهرة رغم محاولات القضاء عليها تترك آثارها السلبية على الفرد وعلى المجتمع. آخذين بعين الإعتبار أن الحروب وعدم تقديم الدعم لقطاع الأعمال من قِبل الحكومات، وإهمال جانب التنمية البشرية، وتلاشى دورها على الوضع الاقتصادي وبشكلٍ مباشر في المجتمعات التي تُحاول التطور والتقدم والسير في ركب المجتمعات الأخرى، إلاّ أنها وباعتبارها من المجتمعات النامية، فإن المطبات أمامها، وكثيرٌ من الأمور تحتاج إلى بترٍ وإلى إصلاح، ومراجعة مجمل الخطوات المعمول بها.
وهناك أسباب أخرى للبطالة واستفحالها منها: غياب دور التنمية الاجتماعية، وإهمال جانب التعليم والتوعية، والتزايد المتسارع في عدد السكان، وفشل الشباب في الحصول على فرصة عملٍ مناسبة، وهذا ما يُسبب اليأس والإحباط بين صفوف هذه الشريحة من المجتمع على الأقل، وغياب الإهتمام بالدراسات الاستثمارية، التي تهدف إلى استيعاب أعدادٍ كبيرة من المستخدمين والعمال والموظفين، وتخفيف فجوة البطالة السائدة.
ومن أجل تجاوز هذه الحالة المأساوية لا بُدّ من تخصيص معاهد مهنية متطورة تفتح المجال أمام الشباب فرص العمل وفق اختصاصهم.
كما لا بُدّ من بتر الإعتماد على العمالة الأجنبية، والاعتماد على العمالة الوطنية المحلية فقط، من أجل الحدّ من البطالة المسيطرة على الواقع المُعاش.
كما لا بُدّ من تشجيع المبادرات الفردية، وحالات الإبداع في مجال العمل الحر، ودعم كافة عمليات التعليم للقوى العاملة، وتسليط الأضواء على التعليم المهني، والذي من خلاله تتم المشاركة الفعلية والفاعلة بين القطاعين العام والخاص.
إن التنمية البشرية قولاً واحداً لا تستطيع أن تأخذ دورها في ظلّ نظامٍ سياسي متخلف وقمعي وفاسد.
حيث أن التنمية البشرية تُمثّل بصريح العبارة العملية التي تعتمد على " الإنسان " بهدفِ تطوير قدراته، كي يصلَ من خلال مجهوده الفردي إلى مستوى معيشي يضمن يضمن كرامته وعزّة نفسه ، والمتعة في إحترام الذات، وضمان حقوق الإنسان.
كما تؤكّد التنمية البشرية أن البشر هم الضمانة الحقيقية للأمم وثروتها.
أمّا المطبات التي تُعيق أو تواجه مسيرة التنمية البشرية يُمكن اختزالها، وتؤكّد أن المشاكل التعليمية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، والمشاكل السياسية، والوضع الاقتصادي، والحالة النفسية والصحية للأفراد، تُعتبر جميعها من أبرز معوقات التنمية البشرية.
إنها التنمية التي تساهم في التقدم والنمو المتصاعد، وتحسين المعيشة الإنسانية، وتنمية حالات الإبداع والمهارات التي تلعب دوراً فاعلا ً في تحسين حياة المجتمعات، إضافةً إلى ذلك نأخذ بعين الإعتبار أن التنمية البشرية ساهمت في إفادة عشرات الآلاف من الأُسر من خلالِ تمويلها واعتبارها أُسر منتجة.
إن التنمية البشرية تلعب دوراً فاعلاً في تحسين حيثيات الحياة من كل جوانبها، من خلالِ التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والتي بدورها تُحقق تقدماً شاملاً في شرائح المجتمع.
1 - ونرى في الجانب الآخر، أن هناك كثيرٌ من الكتّاب يتلاعبون بمصير الفرد من خلالِ ترويجهم لكتبٍ كثيرةٍ وتكتظ بها المكتبات، مليئة بالنصائح وضروب الأمثال، وتحمل مفاتيح النجاح والفوز في الحياة.
ومثل هذه الكتب تجعل المرء يشعر بوقتٍ طريفٍ مليء بساعات الاستغراق في التفكير في صومعة الخيال، والتحليق في عالمِ الأمل والخيال المليء بالأحلام.
بنفس الوقت نؤكّد أن الأوهام تلعب دوراً كبيراً في حياة البشر، على الأقل تبعدهم عن الحقيقة التي قد يكون لها تأثيراً سلبياً على الإنسان، لذلك نراهم ومن خلالِ الأوهام يستطيع الفرد أن يُجسّد حقيقةً خاصّة به.
الوهم والاعتقاد به يبعثُ أحياناً الثقة عند الإنسان، ويُوحي له أيضاً بالنجاح، لكن حياته تبقى غير واقعية، وبالتالي يميل إلى التمسّك بالسخافات والأوهام، بعيداً عن مواجهة الحياة بحقيقتها.
2 - إنّ الساحة العربية مليئةٌ بالكتب التي تبيع الأوهام والأباطيل، وبكلِ تأكيد الهدف الرئيسي لانتشار مثل هذه الكتب في بلادنا هو لإبعاد الأجيال عن الحقيقة، وعن النمو الإيجابي، وعن الإبداع والتألق والتقدم، كي نبقى على الدوام في حالةٍ من التخلّف والجهل الذي لا يُفارقنا.
وبكلِ تأكيد إن التبعية والفساد حتّى التواطؤ، هو الذي فتح بلادنا وجعلها أراضٍ خصبةٍ لتلقي هكذا هراء، وهكذا معرفةٍ مُزيّفة.
حتّى هذا الزيف وصل إلى إبداعنا الفني بكلِ مجالاته، بهدفِ الهروب إلى الوراء، وبذلك أصبح الفن في كلِ مجالاته فنّاً هابطاً بإمتياز.
كما أصبحت مشاعرنا هابطة ومُزيّفة، حتّى مشاعر العشق والمحبة، تماماً كما الأداء السياسي والاقتصادي، وكأننا أصبحنا في عالمٍ يعجّ بتخمةٍ بكلِ ماهو باطلٍ وغير حقيقي، وكلّ الأمور أصبحت تصبّ في الهراء والخيال الخاص بنا.
3 - هناك ركائز أساسية لتحقيق التنمية البشرية، ولعلها وفي المقام الأول: النظام السياسي الديمقراطي، ومقدرة المؤسسات على التنظيم والتخطيط الراقي بعيداً عن الفساد والمكاسب والمحسوبيات، والنظام الذي ينطلق من أساسيات حقوق الإنسان والعدل والعدالة والمساواة، والنظام الذي يُراعي الواقع الصحي ضمن حدود الرعاية الكافية، ومقدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع التقنيات المتطورة والحديثة، والتي ستكون رديفةٌ أساسية لمقوّمات التنمية البشرية.
إن التنمية البشرية تهدف إلى تنمية مهارات الفرد وإبداعه وقدراته، وبالتالي تتم تنمية واقع المجتمع، وواقع الدولة، إن كان على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي والفكري، وجعل أي إنسان ممتلكاً مقدرته وتطوير ذاته، وتغيير حياته ومعيشته نحو الأفضل على كافة الأصعدة، المالية والنفسية والفكرية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الإرتقاء بنفسه وسط محيطه وفي مجتمعه.
مع الأسف إن معظم الأنظمة العربية تُحارب الإنسان، وتضع العديد من المطبات أمام فكره وثقافته ومهاراته، حتّى أمام وضعه النفسي والمعيشي والصحي.
لذا نرى أن الواقع العربي المُعاش لا يتناسب فعلاً مع عوامل وأساسيّات التنمية البشرية، التي يجب أن تأخذ دورها في مُكوّنات المجتمع العربي.
المنطقة العربية تفتقد إلى العدل والأمان، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، ومبادئ حقوق الإنسان، وحقوق الطفل وحقوق المرأة.
في البلاد العربية تنتشر بشكلٍ واضح البطالة المُقنّعة، وتنتشر سياسة الإقصاء والتهميش وسياسة الرأي الأوحد.
وإذا فعلاً أردنا أن نلج فعلاً درب التطور العملي علينا أن نفسح المجال الإيجابي للتنمية البشرية لتأخذ دورها الفاعل في مجتمعنا، من خلال إجراءاتٍ فعلية لا بُدّ منها، وفي المقام الأول مراجعة كافة خطاباتنا السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والفكرية والتربوية، واستبدالها بخطابٍ يتلاءم مع الواقع الدولي المُعاش، ومع التطور والرقي والتقدم لمعظم دول العالم.
و بدون هكذا خطوات يبقى إعلامنا وواقعنا، وتبقى خطاباتنا وشعاراتنا مجرّد أحلامٍ وأوهامٍ ليس إلاّ.
4 - من خلالِ المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي، وواقع هذه المجالات، تُقاس التنمية البشرية، حيث أنها أي التنمية البشرية هي كُلٌ متكامل، وشاملة ومتكاملة، ومترابطة فيما بينها، وهي التي تستحضر الإمكانيات البشرية والمادية من أجلِ تحقيق التحوّل الجدّي في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والفكري.
لأن التنمية البشرية بحاجةٍ ماسّةٍ إلى مُشاركةِ أبناء المجتمع لإكمال مسيرتها حتّى نهايتها.
وفي هذه المسيرة البنّاءة يتطلّب من الدولة إجراء تحوّلٍ جاد، بعد مراجعةٍ نقديةٍ وموضوعيّةٍ لواقعها، وتأسيس هيئة بحوثٍ علمية فاعلة، تُشارك في مجريات أمورها الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والدراسات العليا، ومراكز الأبحاث بمختلف توجّهاتها واختصاصاتها، بهدفِ استقطاب الكفاءات العلمية.
ومن ثُمّ الاعتماد على قاعدةٍ علميةٍ متكاملة متوافقة، لتشجيع الأبحاث العلمية وحلّ مشاكل المجتمع المختلفة من كل جوانبها، إن كانت اقتصادية أم سياسية، وإيجاد آليات نشطة لحلّ هذه المشاكل وبترها.
التنمية البشرية لا تستطيع النشاط في بلدٍ يُعاني ولم تنتهي مشاكله بعد، إن كانت داخلية أو مشاكل كبرى يُعاني منها.
الوطن لا يستطيع أن ينهض كما المجتمع، من دون توفّر آلية سياسية وإرادةٍ سياسية تتحمّل مسؤولياتها، من أجلِ الدعم المعنوي والمادي وتوجيه مقدرات الدولة، من خلالِ عمليةٍ مدروسة، تضع الأمور في نصابها السليم. في مجال التعايش الإيجابي في المجتمع، وبتر الإقصاء، وتفعيل دور المشاركة، وتأمين العدالة والإنصاف،ة وتحقيق مبادىء حقوق الإنسان، ومنحه أسباب معيشته وكرامته، وتأمين مستوى معيشي لائق لأفراد المجتمع، وعدم التمييز بين كافة مكوّنات المجتمع.
لأن الإنسان هو الفاعل الأساسي في مجال التنمية البشرية وخاصّة في المجال الاقتصادي، وبالتالي تأمين وتوفير الرخاء للفرد وللمجتمع وللدولة، حيث أن التنمية البشرية تهتم بشكلٍ مباشر بمستوى النمو الإنساني، وتنمية قدرات الإنسان إن كانت بدنية أو عقلية أو نفسية أو اجتماعية.
كما تعني التنمية البشرية كعملية باستثمار الموارد والمدخلات والمخرجات، وبأي نشاطٍ اقتصادي يُوفّر الثروة والإنتاج الهادف، لتنمية قدرات الإنسان من خلالِ كامل الاهتمام ببنية المؤسسات وتطويرها والانتفاع بقدراتها لدى أفراد المجتمع.
مع كامل إيماننا بأن المواطن العربي موهوبٌ ومبدع وباستطاعته الإبداع في تحقيق إنجازاتٍ علمية رائعة، ومن أجل هكذا تنمية لا بُدّ من إجراء المزيد من الإصلاحات لكافة مؤسسات الدولة، وخاصّة الجانب الإداري، بهدفِ تهيئة جيلٍ جديد مبدع ومهني، وفرز العناصر الشابة المتميّزة فنّياً كي تكون في المقدمة، في المواقع الانتاجية في المجال الصناعي والقطاعات الاقتصادية ومجالات الثروة الباطنية الحيوية في علاقتها مع مجال الاقتصاد، الذي هو في حاجةٍ ماسّة إلى تهيئة مستلزمات التنمية البشرية الشاملة في البلد، وفق خطةٍ علمية وبسقفٍ زمني مُحدد.
كما لا بُدّ من الإشارة إلى أن أحد أهم حقوق الإنسان هو الحق في تقرير المصير، وهو واحدٌ من قواعد القانون الدولي الأساسية من أجلِ إقامة العلاقات الوديّة بين الدول والتعاون فيما بينها.
وحق تقرير المصير هو حقٌ مؤكّد للسكان في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
علماً أن مفهوم حق تقرير المصير يعود تاريخ ظهوره إلى فترة الثورة الأمريكية عام 1776، ومن ثُمّ الثورة الفرنسية 1789، والهدف الأساسي منه، تمكين الشعوب من التخلّص من الأنظمة السياسية التي تنتهج القمع والإستبداد.
كما لا بُدّ من حق تقرير مصير الفرد، وكمال ذاته، واحترام استقلاليتها، إن كان في المجال الفكري أو الجسدي، وضمان الحريات الفردية، ونشر الحريات السياسية والعمل الحر، والمواطنة المتساوية بين كل مكونات المجتمع وتحقيق الضمان الاجتماعي بشكلٍ عادلٍ وإنساني.
وأحياناً كثيرة نرى أن حق تقرير المصير بشكلٍ عام أو الفردي، مع الأسف مرتبط بالموافقة الخارجية مؤسسات ودول، وتدخلات الدول الكبرى في هذا المجال، وبذلك نرى أن حق تقرير المصير مرتهن برأي الجهات الخارجية التي تنشط وفق أجنداتها ومصالحها بعيداً عن القومية والدولة والسيادة والجغرافية.
إن عملية التنمية البشرية ستبقى شبه فاشلة في بلادنا العربية لسببٍ رئيسي هو الفساد المتفشّي المستشري في كل مؤسسات الدول، وسيطرة حيتان الفساد على مراكز القرار، وفقدان الحريات والحقوق، وانتشار الحقد والكراهية.
ولكي نخطو الخطوة الأولى في الدرب السليم نحو التنمية البشرية لا بُدّ من مراجعة كافة خطاباتنا السابقة وفي كافة المجالات، والإعتماد على برنامجٍ وطني سليم، وبتر الفساد وحيتانه، وإطلاق الحريات، وفسح المجال أمام المجتمع المدني، والعمل على ترسيخ مبادىء حقوق الإنسان وحقوق المواطن، وتطهير إدارات مؤسسات الدولة، وفسح المجال أمام المواطن ليكون بعيداً عن الإقصاء أو التهميش وليكون فاعلاً في المشاركة في صناعة القرار السياسي والاقتصادي البلاد، والعمل الجاد والجريء في ترسيخ سياسة التداول السلمي للسلطة.
***
د. أنور ساطع أصفري

مقدمة: النظرة إلى الفوضى كما لو كانت مصدرًا للإبداع هي وجهة نظر قد تبدو مثيرة على سطحها، لكنها في الحقيقة تسعى لتجميل هزالٍ فكريٍ كبيرٍ في محاولة لتفسير الواقع المحير. بينما يحاول بعض المفكرين وضع الفوضى في سياقٍ يعكس أفقًا جديدًا للمعرفة، نلاحظ أن هذه التصورات تنبني على أسس غامضة وغير واضحة، تمامًا كما يفعل وعاظ السلاطين الذين يتحدثون عن الحقائق في قوالب مفخمة فارغة، ليستمروا في إيهامنا بأن الفوضى ليست سوى جسرًا نحو الإبداع والحرية الفكرية. هذه الأيديولوجية لا تطرح أي تساؤل حقيقي حول قدرتنا على تحديد هذه الفوضى من عدمها، بل تجعل منها ذريعة لتبرير التناقضات الفكرية السطحية.
التهويل الفلسفي: الفوضى كأداة لتحرير الفكر
يدّعي الكاتب أن الفوضى قد تكون أداة لتحرير الفكر، لكن هذا الادعاء يشوبه إغراق في التأويلات الفلسفية دون ربطها بواقع ملموس. يرى الكاتب أن الفوضى تفتح آفاقًا جديدة للمعرفة، لكن ماذا عن التساؤل الأساسي: هل الفوضى، من حيث هي، قادرة على توليد أي إبداع حقيقي؟ أم أنها مجرد غطاء للضياع الفكري؟ الفوضى، في الكثير من الحالات، ليست أكثر من تكرار للمشاعر المزعجة التي يصعب التوافق معها، ولا تساهم بأي حال في تحفيز الفهم العميق للمجتمع أو للوجود. النقد الحقيقي لا يأتي من التفكير في الفوضى كحالة مزاجية، بل من فهم الأطر المعرفية التي تُمكِّننا من تجاوز التشتت وتحقيق التماسك المعرفي. ولكن، كما في كثير من الأحيان مع وعاظ السلاطين، نرى أن الكاتب يقفز من مفهوم إلى آخر دون أن يتيح للقارئ فرصة التأمل أو التدقيق في أبعاد هذه الفوضى المزعومة.
فوضوية إبداعية أم عبث فكري؟
المقارنة بين الفوضى والإبداع في المقال تبدو سطحية، حيث يتم تصوير الفوضى وكأنها التربة الخصبة للإبداع. لكن هذا التصور لا يعكس الواقع بشكل حقيقي. الفوضى التي يتحدث عنها الكاتب ليست إلا نوعًا من العبث الفكري الذي لا يقدّم أي حلول جذرية أو تأثيرات على الثقافة أو الفكر المعاصر. المبدعون الذين استخدموا الفوضى في أعمالهم، مثل هيرمان هيسه أو سارتر، لم يتخذوا من الفوضى قيمة مطلقة، بل كانوا يدركون حدودها في سعيهم لإعادة النظر في المسلمات الاجتماعية. في حين أن الكاتب هنا يعمم ويدعو لتبني الفوضى كمنهج للإبداع دون أن يوضح كيف يمكن ترجمة هذه الفوضى إلى نتائج حقيقية.
الفلسفة والفوضى: هراء أم نقد حقيقي؟
في الفصل المخصص للفلسفة، يحاول الكاتب ربط الفوضى بنظريات فوكو وهايدغر وسارتر، لكن يبدو أنه يستخدم هذه الأسماء الكبيرة لتعزيز حجته دون أن يقدم فحصًا حقيقيًا للفكر الفلسفي وراء هذه النظريات. فوكو، على سبيل المثال، لا يتحدث عن الفوضى كأداة للخلق بقدر ما يتحدث عن العلاقة بين المعرفة والسلطة. بالمثل، هايدغر لا يُشجع على الفوضى الخلاقه، بل يركّز على الكائن بوصفه موجودًا في العالم. لم يقدم الكاتب هنا أي إشارة جادة إلى هذه السياقات الفلسفية العميقة، بل اقتصر على استخدام هذه الأسماء كأدوات لتمرير فكرة أيديولوجية غير متماسكة فكريًا.
الفوضى كمصطلح سطحي: فقدان المعنى والاتجاه
حين ينظر الكاتب إلى الفوضى على أنها حالة ضرورية للنقد الاجتماعي، فإنه يغفل عن حقيقة أن الفوضى ليست بالضرورة حلاً للتحديات المعرفية. الفوضى قد تكون، في واقع الأمر، نوعًا من الهروب من الإجابات الصعبة والتحديات الفكرية الحقيقية. بإغراق القارئ في مفاهيم غير محددة حول الفوضى، يعزز الكاتب نوعًا من الهروب الفكري الذي لا يساهم في فهم أعمق للواقع الاجتماعي والسياسي.
خاتمة والنتائج: إبداع بلا أساس
ما يقدمه الكاتب هو تأويل فلسفي قد يبدو مبتكرًا في ظاهره، لكنه في حقيقة الأمر إعادة تدوير لأفكار قديمة تحت قشرة جديدة. الفوضى التي يروج لها ليست في الحقيقة أكثر من نوع من العبث الفكري الذي لا يحقق أي غاية حقيقية سوى الاستمرار في تهويل الفضاء الفكري. كالعادة، مثل وعاظ السلاطين الذين يزينون الأفكار بالألفاظ الجذابة دون أن يعمقوا في جوهرها، يبقى الكاتب في دائرة من التفكير السطحي الذي لا يتجاوز الجمل الفضفاضة والشعارات الفكرية دون أن يقدم رؤية حقيقية للكيفية التي يمكن أن تتحقق بها الفوضى كأداة للإبداع.
***
الكاتب: سجاد مصطفى حمود
...................
المراجع:
1. فوكو، ميشيل. أركيولوجيا المعرفة. 1972.
2. سارتر، جان بول. الوجود والعدم. 1943.
3. هيسه، هيرمان. سارق اللؤلؤ. 1927.

 

كعادته، أقحم إبن خلدون نفسه في مسألة " الصنعة " أي تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب وبيّن رأيه في هذه المسألة وهو ليس كيميائياً أصلاً وأكثر.. تكلّم في موضوعات هي أقرب للخرافات والدجل ولَعَمري كيف ورّط نفسه فانكفاَ ثم سقط في وحل الهلوسات التي لا تليق به كمؤرِّخ معروف وعالم إجتماع كما دأبَ البعضُ على نعته؟ إليكم نماذج من هذه الخزعبلات والترّهات التي كتبها إبن خلدون في مقدمته:
أنهى إبن خلدون كتابة مقدمته في العام 779 الهجري (أي حوالي العام 1358 الميلادي).
كتبها في المغرب وأهداها إلى (…أتحفتُ بهذه النسخة منه خزانة مولانا السلطان الإمام المُجاهد الفاتح الماهد…، أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز إبن مولانا السلطان الكبير المُجاهد المُقدّس أمير المؤمنين أبي الحسن إبن السادة الأعلام من بني مرين) / (الصفحات 5 و6 من المصدر 25). في حين نشطت أغلب وأشهر حركات الإستشراق وترجمات آثار العرب ومخطوطاتهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد سبق إبنُ خلدون هذا النشاط بأكثر من خمسة قرون من الزمن. معه عذر ولكن، لِمَ أغفل ذكر إبن النديم وفهرسته الأشهر؟ أفَلمْ يسمعْ به أو أن يطَّلعَ عليه؟ لقد ذكر إبن خلدون في مقدمته
(الصفحة 3) مشاهير المؤرخين من العرب المسلمين أمثال إبن إسحق والطبري وإبن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي والمسعودي وغيرهم من الفلاسفة كالغزالي وإبن رشد والكندي والفارابي وإبن سينا والكيميائيين والمشتغلين بصنعة الكيمياء كالمجريطي والمٌغيربي والطغرائي وجابر بن حيان وسواهم. كما ذكر الكثير من مصادر علماء الفقه والشريعة خاصة على الصفحات 261 – 246 من مقدمته. وقد إنتقد غامزاً دقّة المسعودي والواقدي بالقول (… وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الأثبات / المقدمة ص 3). كيف يعرف إبن خلدون المسعودي ويجهل مُعاصره إبن النديم؟؟ لو كان إبن خلدون، كما أحسب، قد إطَّلع على فهرست إبن النديم لكان غيّرَ الكثير من مواقفه وآرائه. أو أن الرجل قد عرفه وإطّلع عليه بالفعل لكنه لسبب ما أهمله ولم يأخذ به.
سأرجع إليه ثانيةً حين أتعرض لموضوعة إبن خلدون وكيمياء الذهب.
يبدو لي أنَّ الرجل مستودع هائل ونادر للمتناقضات. فقد جمع في رأسه الصرامة الموضوعية التي سبقت زمانها من جانب، والإعتقاد بالخوارق والمعجزات والسحر (المُقدمة: علوم السحر والطلّسمات/ الصفحات 393 - 399) والخزعبلات من جانب آخر. نقرأ نموذجاً من هذه التخريفات التي لا تليق برجل كإبن خلدون على الصفحة 73 من مقدمته ما يلي (… ومن تأثير الأغذية في الأبدان ما ذكره أهل الفلاحة وشاهده أهلُ التجربة أنَّ الدجاج إذا غُذيت بالحبوب المطبوخة في بعر الأبل وأُتُخِذ بيضُها ثم حُضِنتْ عليه جاء الدجاج منها أعظم ما يكون. وقد يستغنون عن تغذيتها وطبخ الحبوب بطرح ذلك البعر مع البيض المُحضّن فيجيء دجاجها في غاية العِظَم وأمثال ذلك كثير…). هل نُصدّق أن قائل هذا الكلام هو نفسه إبن خلدون صاحب نظريات البداوة والحضارة والعمارة والفساد؟؟
هل سمع الناس بسخافات كهذه وهل يليق ب (مؤسس علم الإجتماع) أن يتورط بخوض مثل هذه الخرافات؟ أريد تفسيراً من المعجبين به جداً جداً علماً أني سبق وأنْ بيّنتُ في بعض كتاباتي أنَّ كل ما قاله من أفكار [سمّاها البعض نظريات !؟] موجوده قبله بعدة قرون منها ما هو مذكور في القرآن (وإذا أردنا أنْ نُهلِكَ قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحَقَّ عليها القولُ فدمرّناها تدميرا سورة الإسراء الآية 16) وفي سورة النمل ألآية 34 (قالت إنَّ الملوكَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعِزّةَ أهلها أذِلّةً وكذلك يفعلون) أليسَ هذا الكلام في عمران الدول وفسادها الذي أطال إبن خلدون الكلام عنه في مقدمته؟ وبعضها مذكور في القرن الهجري الثاني على لسان بعض خلفاء بني العبّاس ولا سيّما أبو جعفر المنصور. يبقى موضوع تعاونه مع الغازي المغولي (تيمورلنك) واستخذائه له في المقابلة التي تمت بينهما خارج أسوار دمشق المحاصرة وتقديمه له معلومات عن أحوال وجغرافية الشمال الإفريقي في عدّة كراسات، حسب اعترافه، وهذا بالطبع عمل إستخباراتي خطير تورّط فيه إبن خلدون لكي ينجو بنفسه ويدع دمشق وأهل دمشق لسيوف المغول الغُزاة قتلاً ونهباً وسبياً وحرائقَ ودماراً. هذا هو {عالم الإجتماع !؟ }.
***
د. عدنان الظاهر
آذار 2025

عندما يعود بك الزمن إلى كتب التقطتها من أرفف كانت يوما تتنفس ثقافة، تشعر كأنك تلمس ظل إنسان. هكذا التقطت كتاب "تجلي الجميل" لهانس جادامر، بترجمة الدكتور سعيد توفيق، في تلك الأيام الباكرة من الألفية، حين كان المركز القومي للترجمة ورشة للعقل، يديرها الدكتور جابر عصفور. كان يصر أن يضع بين يدي كل كتاب جديد، كأنه يمنحني قطعة من عالم لم نعشه. اليوم، تغيرت الرفوف، وصارت الكتب كالغرباء في وطن نسي لغته.
جادامر، الفيلسوف الذي رأى في الفن مرآة للوجود، يفتح في هذا الكتاب أفقًا تأويليا لاستعادة الجمال من سجن الحداثة. يذكرنا بأن الفن القديم لم يكن مجرد لوحة تعلق، بل كان حكاية تنسجها الجماعة، وطقسا يذوب فيه الفرد بالكل. أما اليوم، فالفن تحول إلى كيانٍ معزول، يسكن المتاحف كأشباح، بعيدًا عن نبض الحياة. هذه المفارقة التي يكشفها جادامر ليست نقدًا للفن، بل صرخة ضد اغتراب الإنسان عن جذوره.
الترجمة، هنا، ليست نقلًا لغويا، بل إحياء لروح النص. الدكتور سعيد توفيق، كمترجم خبيرٍ بدهاليز الفلسفة، نجح في أن يجعل النص الألماني ينطق بالعربية بسلاسة نهر. لم يخن جادامر، بل حمله بلغة تليق بثراء أفكاره، كأنما يضع القارئ في حوارٍ مع فيلسوف يهمس: "الجمال ليس فكرة، بل تجربة نعيشها".
لكن، أينا يذكر تلك الأيام؟ أيام كان الكتاب هدية من صديقٍ مثقفٍ كجابر عصفور، يغريك بكل إصدار جديد كأنه سر يكشف. المركز القومي للترجمة كان خيمة تجمع المشتغلين بالكلمة، أما اليوم، فكأنما الثقافة صارت غيمة تمر من بعيد، لا تمطر إلا نادرًا.
لم يكن جادامر في كتابه هذا يحاور الفن وحده بل كان يحاور الزمن نفسه. زمن انشق إلى شظايا: ماضٍ كان الجمال فيه جزءًا من نسيج الوجود اليومي وحاضر صار الفن فيه لغزا يحلل في مختبرات النخبة. الكتاب، بترجمة سعيد توفيق التي تشبه عبور النص من ضفة الاغتراب إلى ضفة الحميمية، يطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن أن نستعيد الجمال كـ" حدث" يلمسنا قبل أن يكون فكرة نفككها؟
هنا، يفتح جادامر نافذة على الهرمنيوطيقا كفن للفهم، لا كمنهجٍ جاف. إنه يرى أن العمل الفني ليس شيئا نفسره، بل شيئا نعيشه، كالضوء الذي يخترقنا دون أن نمسك به. لكن الحداثة حولت هذا الضوء إلى شيء، إلى سلعة تعرض في سوق القيمة الرمزية. الفن الذي كان يوماً صلاة جماعية صار طقسا فرديا، والمتحف الذي كان يجب أن يكون بيت الذاكرة صار مقبرة للأشياء الميتة.
الدكتور سعيد توفيق، بوعي المترجمِ الذي يعرف أن الفلسفة حكاية قبل أن تكون مصطلحات، نجح في أن ينسج لغة عربية تحمل ثقل الأسئلة الوجودية دون أن تنكسر. ترجمته ليست مرآة عاكسة بل هي حوار صامت بين لغتين، بين عقلين. كأنما يقول لنا: الفلسفة الألمانية يمكن أن تولد من جديد تحت شمس العربية، إذا وجدت من يحملها باحترام الحرفِ وروح المعنى.
أما جابر عصفور، صديقي الذي أهداني الكتاب مع عشرات الكتب الأخرى، فكان يرى في الترجمة مقاومة ثقافية. المركز القومي للترجمة، في عصره، كان مشروعا لإنقاذ الذاكرة من طوفانِ التسطيح. اليوم، حين أزور مقر المركز، أشم رائحة الغياب. الرفوف التي كانت تضج بالكتب كأنها خلية نحل صارت متحفا للصمت. حتى الكتب الجديدة تبدو كغرباء في بلد لا يتذكر لغته.
ما يفعله جادامر في "تجلي الجميل" هو تفكيك وهم الاستقلاليةِ الذي يحيطُ بالفن الحديث. حين يقول إن الجمال كان في الماضي حدثا جماعيا، فهو يشير إلى أن أزمة الفن هي في جوهرها أزمة انفصالِ الإنسانِ عن عالمه. الفن لم يعد ينبع من الحياة، بل صار يسكن في جزرٍ معزولة: لوحة تعرض، سمفونية تسمع، رواية تقرأ... كل شيء منفصل عن سياقه الحيوي.
لكن هل يمكن أن نعود؟ هل يمكن أن نستعيدَ تلك اللحظة التي كان فيها الفن تنفسا مشتركا؟ جادامر لا يقدم إجابات جاهزة، بل يفتح أبواب الأسئلة. هو يذكرنا بأن الهرمنيوطيقا ليست أداة لفك الشفرات، بل هي استعداد للاستماعِ إلى ما يقوله العمل الفني لنا الآن، في هذا الزمنِ بالذات. الفن الحقيقي لا ينتمي إلى ماضيه، بل ينتمي إلى كل لحظة نعيشه فيها من جديد.
في زمنٍ تسيطر عليه ثقافة الاستهلاكِ، حيث يختزل الجمال في "إنستجرام" والصورةِ السريعة، يبدو كتاب جادامر كنداءِ صحوة. نداء يوقظنا من سباتِ العادة، ويدعونا إلى أن نرى الفن كـ "لقاء" وجودي، لا كـ "شيء" نحصيه في سجل الإنجازات.
أما أنا، الذي قرأت الكتاب في زمنٍ كان جابر عصفور يملأُه بالكتب كأنها أطفال يولدون من رحمِ الثقافة، أتساءل: هل صارت الترجمة اليوم مجرد نشاطٍ بيروقراطي؟ أم أن هناك من لا يزال يؤمن بأن الكتب جسور نعبر بها إلى ذواتنا قبل أن نعبر بها إلى الآخرين؟
تبقى كلمات جادامر، في هذا الكتاب، كالندبة التي تذكرنا بأننا جرحنا الجمال حين فصلناه عن الحياة. وتبقى الترجمة، حين تكون أمينة، كالوشم الذي يحمل قصص الأجداد على جلد الأحفاد.
"تجلي الجميل" ليس كتابا عن الفن فحسب، بل سيرة جمالٍ ضائعٍ بين الماضي والحاضر. يذكرنا بأن النقد الحداثي للفن قد يكون مرآة لأزمتنا نحن: أزمة انفصالٍ عن العالم، وعن بعضنا. وكأن جادامر يناجينا: عودوا إلى حيث كان الجمال ينبع من الحياة، لا من المتاحف.
هكذا كانت الكتب أيام جابر عصفور: جسورا بين العوالم. أما الآن، فكثير من الجسورِ صار خرابا، وكثير من الأسرار بلا حكاة. ولكن، يبقى الكتاب بصمة نور في ظلام الزمن الرديء.
***
عبد السلام فاروق

كيف تُستخدم المصطلحات السياسية والدينية لإخضاع الشعوب
لم يكن الاستبداد يومًا مجرد سلطة خشنة تُمارَس بالحديد والنار، بل هو هندسة متقنة للوعي، معماريّة للذهن تُشيَّد بالمفاهيم قبل السجون، وباللغة قبل البنادق. فالكلمات ليست محايدة، إنها دواليب الزمن، وقاطرات التاريخ، وأحيانًا، قيود لا تُرى. ومنذ أن أدرك الطغاة أن العنف العاري يخلق المقاومة، لجأوا إلى ما هو أكثر مضاءً: تفخيخ المصطلحات، وإعادة تعريفها بحيث تبدو كما هي، لكنها تحمل نقيضها. فالطاعة ليست طاعة، بل “استقرار”، والخضوع ليس خضوعًا، بل “مصلحة وطنية”، واحتكار السلطة ليس استبدادًا، بل “وحدة الصف”.
يبدأ كل استبداد بعملية إعادة تأويل ممنهجة للمفاهيم، حيث تتحول اللغة إلى أداة ضبط لا تُمارِس القمع المباشر، لكنها تشكل العقل ببطء، كما ينحت النهر الصخور بصبر لا ينفد. منذ لحظة دخول الإنسان إلى فضاء السلطة، سواء عبر الدولة أو المؤسسة الدينية، يجد نفسه محاطًا بمفاهيم لا يملك رفاهية مساءلتها، لكنها تشكل حياته بأدق تفاصيلها. فالطاعة ليست فقط علاقة بين الفرد والسلطة، بل منظومة تُعاد هندستها في المدارس، ودور العبادة، والبرامج التلفزيونية، والوثائق الرسمية، وحتى في الأحاديث اليومية التي تجري بلا اكتراث، لكنها تحمل في طياتها ترسبات قرون من الإخضاع الممنهج.
حين قال أفلاطون إن الحاكم ينبغي أن يكون “راعيًا” لشعبه، لم يكن يدرك أنه يضع حجر الأساس لاستعارة قاتلة. فالراعي لا يكون إلا إذا كان الناس قطيعًا، والقطيع لا يسير إلا بوهم الطاعة أو بسوطها. ولذا، شُيِّدت النظم السلطوية على مصطلحات تُعيد إنتاج هذه العلاقة، فأُفرغت السياسة من معناها الجدليّ، وأُعيد تعريفها كعلاقة رأسية، لا تقوم إلا على الطاعة والتسليم.
في السياق الديني، تحولت عبارات مثل “طاعة أولي الأمر” و"درء الفتنة" و"الخروج على الجماعة" إلى أسلحة مفاهيمية تضمن للسلطة بقاءها، لا بالحجة، بل بإرهاب الفكرة نفسها. هكذا أصبح الحاكم ظلّ الله، وأي مساس به مساس بالعقيدة. حتى أن الغزالي، رغم تأملاته العميقة، سقط في فخ هذه الصياغة حين قال: “السلطان ضروري في نظام العالم”، رغم أن السلطان لم يكن يومًا إلا الضرورة الوحيدة في خراب العالم.
أما في الحقل السياسي، فالأمر أكثر تعقيدًا، إذ يتخذ الخطاب أشكالًا أكثر حداثة، لكنها لا تقل قِدَمًا في جوهرها. فمصطلحات مثل “الأمن القومي” و"المصلحة العليا للدولة" تُستخدم اليوم بذات الطريقة التي استُخدمت بها في عصور السلاطين، لكن في لبوس جديد. في القرن العشرين، لم يكن القمع في الأنظمة السلطوية يُمارَس بذريعة الحق الإلهي، بل تحت راية “حماية الاستقرار”. ومن السودان البشير إلى عراق صدام، ومن سوريا الأسد إلى ليبيا القذافي، ظل “الاستقرار” حجر الأساس في قمع كل ما يهدد احتكار السلطة.
منذ فجر التاريخ، كان للسلطة قدرة خارقة على التكيف، على تغيير جلدها دون تغيير جوهرها. ففي الدولة الأموية، حين أراد عبد الملك بن مروان أن يُحكم قبضته على الخلافة، لم يُشهر سيفه فحسب، بل أشهر مفهومًا: الجبرية، التي صاغها وعّاظ السلطان لتصبح أيديولوجيا تخدم الخليفة. فصار الحاكم هو قَدَر الأمة، ورفضه هو رفض لإرادة الله. هذه الصياغة لم تكن سوى صورة أولية لما سيأتي لاحقًا في الأنظمة الحديثة، حيث يُعاد إنتاج الطغيان لا بالسيوف، بل بالمفاهيم.

وما الجبرية سوى نواة لأشكال أخرى من إعادة إنتاج الطاعة؟ في العصر الاستعماري، كانت “رسالة الرجل الأبيض” هي الجبرية بثوب حديث، حيث صُوّرت الهيمنة الغربية كقدر لا يُردّ، ومهمّة حضارية لا تقاوم. أما في الدولة الوطنية، فقد تحول الاستعمار إلى استعمار داخلي، حيث استبدلت الشعارات، لكن البنية بقيت كما هي. فالقائد الضرورة هو ذاته الحاكم بأمر الله، والدولة الأمنية هي امتداد للحامية الاستعمارية، وإن تغيّرت الأسماء.
لكن هل يمكن قلب الطاولة؟ هل يمكن للمصطلحات أن تُحرر بدل أن تُكبِّل؟ هنا يأتي دور المثقف، ليس بوصفه مصلحًا اجتماعيًا، بل بوصفه مُخرِّبًا للخطابات المستقرة. فالتفكيك ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة سياسية، وهو فعل مقاومة بحد ذاته.
حين قال غرامشي: “الهيمنة تبدأ بالثقافة”، كان يضع أصبعه على الجرح. فالسلطة لا تحكم بالسلاح فقط، بل بمنظومة كاملة من الخطابات التي تجعل الطاعة أمرًا بديهيًا. ومن هنا، فإن تفكيك اللغة ليس تمرينًا لغويًا، بل مواجهة للهيمنة في أعمق مستوياتها.
لكن هذا التفكيك لا ينبغي أن يكون هدمًا فحسب، بل إعادة بناء. فالمفاهيم لا تزول، بل تتحول، وما يُفكَّك اليوم يمكن أن يُعاد تشكيله غدًا. فالمصلحة الوطنية، مثلًا، ليست مفهومًا سلطويًا في جوهرها، بل أداة يمكن أن تُستعاد لصياغة مشروع شعبي، والأمن القومي ليس سلاحًا لقمع المعارضين، بل يمكن أن يكون ضمانًا لحماية الجماهير من الدولة نفسها.
غير أن السلطة تتكيف، وها هي تعيد إنتاج نفسها في الفضاء الرقمي. فمن كان يظن أن وسائل التواصل الاجتماعي ستكون منبرًا للتحرر، وجدها تتحول إلى ساحة جديدة للرقابة، حيث يُعاد تعريف “حرية التعبير” وفق شروط السوق والتوجهات الأيديولوجية السائدة. فمن يحكم اللغة يحكم الوعي، ومن يحكم الوعي يحكم المصير.
في الصين، على سبيل المثال، صيغ مصطلح “التناغم الاجتماعي” ليبرر الرقابة على الإنترنت، وفي الغرب، أُعيد تعريف “الأخبار المزيفة” بحيث أصبحت أداة لإسكات الأصوات غير المرغوبة. أما في العالم العربي، فما زالت المصطلحات تُستخدم بذات الحيلة القديمة: فمن يرفع صوته يُتهم بأنه “عميل”، ومن يطالب بحقوقه يُتهم بأنه “مخرّب”، وهكذا تدور الدائرة.
التاريخ ليس قدرًا، والمصطلحات ليست محايدة، واللغة ليست أداة للتعبير فقط، بل هي أداة للتحكم أو للتحرر. وما دام الاستبداد قادرًا على إعادة إنتاج نفسه عبر الخطاب، فإن المقاومة تبدأ من تفكيك الكلمات التي صيغت لخدمته، وإعادة تعريفها بحيث تصبح في خدمة الإنسان، لا الطاغية.
فالطاعة ليست استقرارًا، والاستبداد ليس قدَرًا، واللغة ليست حكرًا على السلطة. ومن هنا، فإن استعادة الوعي لا تبدأ فقط من تحرير الأجساد، بل من تحرير الكلمات، لأنها أول ما يُسلب، وآخر ما يُستعاد.
***
إبراهيم برسي - باحث سوداني

إنّ الأديب الحقيقي الملتزم الواقعي، شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً، لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها، لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه، فهو ظاهرة اجتماعيّة بامتياز، تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو جزء من تراثها في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ، في الوقت الآخر هو جزء أيضاً من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً، وهو طاقة تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، في حياته وحركيّته… والأديب إضافة لكونه هكذا، أي هو صورة المجتمع، فدوره لن يقتصر على تصوير الواقع وقضايا فحسب، بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات تخلفه. وما التنوّع الإبداعي في القضايا التي يتناولها الأديب بشكل عام، إلّا دلالة على عمق التجربة التي مر بها هذا الأديب، ورمزيتها الرؤيويّة. من هنا تأتي واقعيّة الأدب وتأثيره وذاتيّته وثوريته والتزامه بقضايا الفرد والمجتمع والإنسان عموماً.
إن الأديب الواقعي لملتزم هو ليس المنغرسّ في تربة وطنه فحسب، بل وفي تراث أمته، ولكنّه في الوقت ذاته، هو منفصل عن تراث أمته نسبيّاً، وما انفصاله هنا إلا من أجل إعادة تأويل واستلهام هذا التراث بما يتفق وروح العصر.
من خلال تعرفنا على مناهج النقد الأدبي الحداثيّة وبخاصة (السياقيّة) منها، وهي المناهج التي تدرس العوامل الخارجي المحيطة بالكاتب التي تؤثر فيه عند كتابته لنصه الأدبي، مثل المنهج التاريخي الذي يهتم بالأحداث والوقائع التاريخيّة. والمنهج النفسي الذي يعتمد على آليات علم النفس في دراسة النص، ويهتم بنفسيّة المبدع وعقده النفسيّة إن توفرت، والمنهج الوصفي والمنهج النسوي ومنهج النقد الثقافي وغيرها، أو المناهج ما بعد الحداثيّة (النسقيّة) منها وهي المناهج التي اهتمت بالبنية الداخليّة للنص فقط، وأهملت العوامل الخارجيّة المحيطة بالنص، كالبنيويّة التي قالت بموت المؤلف، وعدم الاهتمام بمولده أو تاريخ حياته أو بنيته النفسيّة، ويقوم الناقد أو المتلقي بدراسة النص من خلال لغته فقط وليس كوسيلة تواصل، وهذا ما يدفع الناقد في هذا المنهج للبحث عن جماليّة النص. فالتركيز على اللغة نجده أيضاً في المنهج التفكيكي، ومنهج التلقي، وعند المنهج الشكلاني الروسي .. الخ، فكل هذا المناهج (النسقيّة) عملت على دراسة العمل الأدبي لذاته، والاشتغال على نظريّة الأدب للأدب، أو الفن للفن.
فمن خلال اطلاعنا كما ذكرت على جوهر هذا المناهج تبين لي أن أفضل المناهج التي يجب علينا دراسة النصوص الأدبيّة بكل تجلياتها وخاصة في مجال النثر والشعر، هو المنهج الواقعي الذي بينا في دراسة سابقة لنا طبيعة هذا المنهج وسماته وخصائصه وأهدافه، وخاصة في تياره الاجتماعي الذي جاءت نظريّة أو منهج الانعكاس لـ"جورج لوكاش" لتضفي عليه حيويته عندما ربط ما بين البناء التحتي والفوقي وطبيعة العلاقة الجدليّة بينهما. هذا مع تأكيدنا على ضرورة الاتكاء على المناهج النقديّة الأخرى، فهي ليست عديمة الفائدة في آليّة عملها وسماتها وخصائصها وأهدافها، ففيها جوانب جيدة قادرة على إغناء المنهج الواقعي الاجتماعي، وليست مسألة اللغة كعلامات وإشارات ورموز سواء أكانت طبيعيّة لا يتصرف الانسان فيها، كصوت الحيوانات أو عناصر الطبيعة، أو الاصوات الدالة علي التوجع والألم وغير ذلك. أم كانت هذه العلامات اصطناعيّة أوجدها الإنسان نفسه للتعبير عن حاجاته وتداولها في اللغة اليوميّة المباشرة، أي في اللغة التقريريّة، أو اللغة الأدبيّة وما تحمله هذه اللغة الأدبيّة من جماليات البلاغة كالانزياح والتشبيه والاستعارة والصورة والرمز .. وغير ذلك. وبالتالي أستطيع القول إن اللغة بكليتها هي علامات أو أصوات راحت تدل على كل مفردات الحياة. فللفن لغته وما تحمل من دلالات، وكذلك الفلسفة والطب والعلوم الطبيعيّة والاجتماعي وغير ذلك.
إن المناهج التي فيها ما يعانق الواقعيّة الاجتماعيّة برأيي هي أداة لإثراء القراءات النقديّة، وهي أنموذج أنسب لتصور قراءة الداخل والخارج (المضمون والشكل) قراءة دقيقة لبنية النص الشعري والنثري ونسيجهما... قراءة تتطلب بالضرورة تفكيك أو تشريح بنية النص، لا لهدم بنيته العامة وإقصاء العوامل الخارجيّة التي أنتجته من أجل خلق قراءات لا حدود لها عند المتلقي الذي ارتبط بالنص بعيدا عن المؤلف وظروف حياته التي ساهمت في إنتاج هذا النص، بل هي عملية تفكيك لبنية النص للبحث عن المستوي الاجتماعي والدلالي والنحوي والرمزي والأسطوري، والتركيبي، والصوتي والايقاعي والجمالي في هذا النص.
إذاً إنّ العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة قويّة متماسكة كما بينا أعلاه، لا يمكن فصلها؛ إذ إن أيّ أديب مهما بلغ من الشهرة لا يمكن أن ينتج أدباً إلاّ في إطار الجماعة التي يعيش معها. وهو يستمدّ تجربته الذاتيّة من هذا المجتمع، وتتولد انفعالاته من خلال شبكة العلاقات الاجتماعيّة في مواقفها المتعددة، تلك التي تمدّه بدفق المشاعر والانسياب الشعري بشكل خاص.
وبناءً على ذلك تعد دراسة الجانب الاجتماعي عند أديب ما، هي في غاية الأهميّة؛ لأنها تكشف عن علاقة الأديب بالواقع الاجتماعي الذي عايشه، من خلال النظر إلى النصّ الأدبي الذي أنتجه، وهذا النوع يعتمد على المنهج الاجتماعي في كشف تلك العلاقات بين الأديب وبيئته الخاصة المتصلة بأسرته ومكان سكنه، ومكونات المجتمع الذي يعيش فيه. وقد تأثر النقاد العرب المحدثون بهذا المنهج الاجتماعي، ونظروا إلى النص الأدبي بوصفه وثيقة اجتماعيّة مهمة، وأن المجتمع هو المنتج الفعلي للأعمال الإبداعيّة، فالقارئ حاضر في ذهن الأديب وهو وسيلته وغايته في آن واحد؛ لأن الأدب في أي بلد هو انعكاس للصورة الاجتماعية التي يمارسها المجتمع بكل فئاته. (1)،
تنوع الخصائص الاجتماعيّة في البعد الأدبي:
نظراً لارتباط الأدب بالوجود الاجتماعي، فإن هناك تعدداً في خصائص أو مفردات البعد الاجتماعي في مضمون الأعمال الأدبيّة، حيث تشمل نـساءً ورجالاً، وأطفالاً وشيوخاً ينتمون إلى مهن متنوعة ومكانات اجتماعيّة وعلميّة مختلفـة، مثلما نجد فيها أحداثاً وتناقضات وصراعات سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة طبقيّة، وهناك حرب وسلم.. الخ. وكل هذه المفردات تشكل المنطلقات الموضوعيّة والذاتيّة للأديب، وغالباً ما يتشابك العديد من هذه المفردات مع بعضها في نطاق عمل إبداعي اجتماعي ضيق، يرصده لنا الأديب من خلال نافذته الخاصـة التي يطل من خلالها على واقعه، وهي تختلف من أديب لآخر. وبالرغم من أن هذه الخصوصيّة لهذا العمل أو ذاك، إلا أن هذه الخصوصيّة التي يقدمها الأديب عن أي ظاهرة اجتماعيّة لا تـتم بمعزل عن بقيّة عناصر المجتمع أو خصائصه، وإنما تظل مرتبطة بالضرورة مع غيرها من الخصائص بشكل مباشر أو غير مباشر، وهنا يأتي التأكيد على التزام الأديب مـن خلال تفاعله مع وسطه الاجتماعي الذي يتحرك فيه. وبهذا يتم التعرف علـى موقـف الأديب عن طريق ربطه بالنسيج العام الذي يتداخل معه والحكم عليه مـن خـلال هـذا التداخل. (2).
البعد التاريخي والوطني والقومي في الأدب:
- البعد التاريخي:
إن الأديب بشكل عام لا يكتب التاريخ أو يدون الأحداث والوقائع الماضية ليكون أدبه سجلا لأحداث التاريخ كي لا تنساه الذاكرة، وإنما يأتي التاريخ هنا حصيلة وعي إبداعي تتداخل فيه خبرات متعددة للكاتب، ومن ثمة لا يكون التاريخ هو المحور والغاية، ولكنه إطار لأحداث كثيرة تكشف عن الهموم والقضايا التي تشغل ذهنية الأديب .
لذلك فإن القضايا التاريخيّة التي يشتغل عليها الأديب في نصه شعراً كان أو قصة أو رواية، هي تحيل إلى الماضي بصفته مرجعيّة للذات المبدعة، تستمد منه انشغالات متعددة الأبعاد يحتاج إليها المبدع، وتعمل على إثراء وإغناء النص الإبداعي من جهة، والمتلقي وهو يتأمل تلك اللمسات يجد فيها علاقات معبرة عن صور شتى ترسم ملامح الحاضر في اندماجه مع الماضي في أشكال فنيّة رائعة، تختلف عن السياق التاريخي الجاف الذي يسرد الأحداث بطريقة تخلو من ملامح انعكاس الذات على الماضي في تلونها وتشكلها عبر مسارات تعلو وتنخفض تنكسر وتنحني تستقيم وتتعرج من جهة ثانيّة. وعلى هذا الأساس يأتي التاريخ في النص الأدبي لحظة تأمل في زمن سادته انكسارات وأوهام وضعف وقوة ورقي وحضارة،
إن النص الأدبي يستمد القوة والجماليّة من الأبعاد التاريخيّة التي يتجاوز بها الأديب عند تناولها النمطيّة، فالشعر الحداثي مثلاً حين يوظف ملامح التاريخ المتجلية في الخرافة والأسطورة والشخصيات والأحداث الدينية والسياسية والاجتماعية، فإنه يهدف إلى بناء نص شعري جديد يتصف بالحداثة والجماليّة، ويستطيع المتلقي أن يدرك الأهداف التاريخيّة أو العودة إلى الماضي في تشكيلة من الإبداع تنأى عن الأسلوب التاريخي النمطي الذي يتناوله المؤرخ.
إن ينطبق على البعد التاريخي من قضايا اشتغل عليها النص الأدبي كما بينا أعلاه، ينطبق أيضاً على البعد الوطني والقومي والإنساني عموماً.
إن " الشخصيّة الإنسانيّة التي يشتغل عليها الأديب لا تقتصر حدودها على التجربة الفرديـّة أو الاجتماعيّة أو الوطنية والقومية، وإنمـا تمتـد أيضاً لتستوعب التجربة الإنسانيّة عموماً.
***
د. عدنان عويّد
كاتب وباحث من سوريا.
..........................
الهوامش:
1- العقاد، عباس محمود، دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012م. ص15.
2- نقد الرواية في الأدب العربي : أحمد إبراهيم الهواري، القاهرة ، دار المعـارف ، د/ط ، ٩٩٣م. صـ.٢٦٧. بتصرف

 

تنتهي الكثير من التعريفات الأكاديمية إلى حدِّ الحرية بكونها إمكانية الفرد، دون جبرٍ أو شرط، على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانات موجودة... أو هي حق الفرد في التعبير عما يراه مناسباً، دون أي ضغطٍ خارجي أو حتى نفسي. وهذا يقودنا إلى وصفها، وببساطة شديده، بـ(كسر القيود في التعاطي مع الأشياء من حيث خلق الأفعال وممارستها)، ولكن، ومن المفارقة، نجد أن الحرية من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى قيد أخلاقي لتكون فعلاً ملائماً وصالحاً للمداولة الاجتماعية. وهنا نصل إلى التساؤل الجوهري عن مدى علاقة الحرية بالحتمية الأخلاقية؟. أي هل نفهم من الحرية فعل مجرد عن كل التبعات والمسؤوليات؟ أم هي مبدأ يحتاج في صيرورته وسيرورته إلى عملية إدامة إلزامية؟.
وقبل أن نجيب عن ذلك، لنا أن نشير إلى أن الحرية لا تكمن في الوجود بقدر ما تتعلق بالماهية، وحتى في الأخيرة فهي لا يمكن أن تكون إلا باشتغالٍ نسبي ومحدود، ففضلاً عن كوننا لا نمتلك الخيار في خلقنا بهذه الهيئة أو في تلك البيئة، فإننا نفتقر من جهةٍ أخرى إلى رسم خصوصيتنا وطريقة تفكيرنا، فنحن لا نختار ما يجب أن نكون عليه، لذلك دائماً ما تبقى صورة الإنسان الكامل تطاردنا من جهة ونطاردها من جهة أخرى(تحت معايير دليل الكمال لـ ديكارت) دون جدوى من اللحاق بها؛ وبالتالي فما نحن إلا نتاج البيئة التي نشأنا فيها دون خيارٍ أو معرفة(تحت معايير هربرت سبنسر "الإنسان ابن بيئته")، وقد نكون فيها مجرد دمية، نتوجه إلى حيث ما يريد الرقيب أن نتجه، سواء أكان الرقيب ديناً أو فكرة طائفية أو حتى مؤسسة تربوية واجتماعية، فهو-أي الرقيب- يُمارس على الفرد إمكانية الصناعة والتدجين، فنحن لم نكن كذلك، بل صرنا كذلك.
وعلى كلِّ حالٍ، فينبغي أن تقترن الحرية بالمسؤولية، كما أقرت الفلسفة الوجودية ذلك، بل يجب أن تكون قرينة القيد والحدود، لأن حالها كحال (الفضيلة) من وجهة نظر أرسطو والكندي، أي إنها الوسط الذهبي بتعبير الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس)، فلا إفراط ولا تفريط، فالحرية الدينية على سبيل المثال تقع وسطاً بين هامشين، التعصب الأصولي من جهة، الذي يقضي على حرية الفرد في أن يختار دينه ومعتقده، فيحكم عليه بالانفلات، والانفلات القيمي من جهةٍ أخرى، والذي يؤدي بالأخير إلى ازدراء الأديان والمعتقدات، فينتهي بالحكم على الآخر بكونه متعصباً وإرهابياً... أما وسط هتين الحريتين فتكمن الحرية الدينية، التي تدع للآخر في أن يعتنق دينه ومذهبه دون التطرف وإقصاء أصحاب الملل والنحل الأخرى. وكذا الحال بالنسبة للحرية الأخلاقية، فهي أيضاً وسط بين رذيلتين، الانغلاق والعزل عن المجتمع بدافع الحفاظ على السمعة والتقاليد، والانحلال الأخلاقي الذي يمارس الحرية بشكلٍ هجين وصارخ. أما الحرية الأخلاقية فهي قرينة الذوق العام، والتي تُمارس أفعالها بمسؤولية اجتماعية، لا تنتهي بصاحبها إلى الرجعية ولا إلى متاهات الشهرة العمياء.
من خلال ما تقدم نجد أن الحرية تلتزم في تطبيقها على مسؤولية كبيرة، فهي إن احتلت المكانة الوسطية بين المبادئ، بقي عليها أن تحترم مقررات غيرها، وإن أدى ذلك إلى الاختلاف، أما الحرية المطلقة فقد تنتهي إلى احتدام الخلاف، وشتان ما بين الخلاف المُنهِك والاختلاف المُنتج.
ففي الوقت التي تكون فيه الحرية مرهماً ضرورياً لعلاج الأزمات النفسية لمعشر المنغلقين والمتعصبين، في أن تخرجهم من ضلالات العمى إلى إشراقات المستقبل، عن طريق تفعيل خاصية العيش السليم، فإننا اليوم بحاجة فعلية إلى الحتمية في ترويض الانفلات الأخلاقي الذي يُمارس تحت يافطة الحرية، فينبغي أن يتم تقنين المفهوم لدرجة سلب الحرية عن الحرية ذاتها.
***
د. حيدر عبد السادة جودة

يبدو ان الخلاص غير مطلوب في المجتمعات الوهمية والة القمع التكنولوجية هي المهيمنة، المشهد فانتازيا والكائن اسطوري يحلم بالمستحيل وهو يحاول ان يختار شكلا اعلى من الوجود كي يتجلى في الحياة، الوعي العميق والإدراك يمكن أن يقودا إلى شعور بالاغتراب، إلا أنهما أيضًا يمكن أن يكونا مصدراً للنمو الشخصي والتواصل الأعمق مع الذات، هكذا يمكن أن يؤدي إلوعي العميق دوره في الواقع، و يكشف عن تناقضات العالم، مما يسبب شعورًا بالعزلة، الشعور بالاغتراب هو ناتج عن التفكير النقدي والتأمل العميق في مشاكل الانسان، يشعر الانسان بالغربة و عدم الانتماء، مما يؤدي إلى تمرده على القيود الاجتماعية، ويظهر ذلك كاغتراب، هذا التحرر والاغتراب يمكن أن يكون تجربة إيجابية، ولكنه يؤدي أيضًا إلى شعور بالعزلة، المفكرون يحتاجون إلى مجتمعات تشاركهم نفس الاهتمامات لتخفيف نفورهم الداخلي، بالتالي هذا الشعور يكون تجربة شائعة بين العلماء والفلاسفة نتيجة للإدراك العميق، لكنه ليس أمرًا حتميًا. يمكن ان يكون إدراك عبثية الوجود وفكرة أن الحياة قد تحمل معنى ثابتًا أو هدفًا، هوالذي يمثل الصراع بين رغبتنا في إيجاد معنى والواقع الذي يبدو عبثيًا، بالتالي يؤدي الاعتراف بعبثية الوجود ولايسمح بخلق معنى خاص . يحتاج الانفصال عن الواقع ومواجهة الحقيقة الهروب أحيانا، يمكن أن يوفر الهروب راحة مؤقتة، إلا أنه يؤدي أيضًا إلى تفاقم الشعور بالفراغ إذا لم يتم التعامل مع المشاعر الحقيقية بشكل واقعي، وبهذا يمكن أن يكون نوعًا من الدفاع النفسي، إلا أنه يؤدي إلى عدم معالجة القضايا الأساسية، ويفاقم الفراغ الوجودي على المدى الطويل. بينما تكون هذه الآليات وسائل مؤقتة للتعامل مع الفراغ الوجودي، لكنها لا تعالج القضايا الأساسية، البحث عن معنى خارجي، يمكن من خلق معني وهمي لكنه الاستسلام، ولايمكن أن يكون نقطة انطلاق في خلق معاني خاصة، التركيز على اللحظة الراهنة وتحقيق توازن بين الفهم الفلسفي للعبثية وعيش حياة مليئة بالرضا يمكن ان يؤدي الى خلق معنى وتجاوز عبثية الحياة.
التمرد على العبثية متاهة عقلية
التمرد على العبثية يُعتبر متاهة عقلية في بعض السياقات، لكنه أيضًا يكون جزءًا من عملية الفهم والنمو الشخصي.عندما يواجه الأنسان فكرة عبثية الوجود، يشعر بالقلق والإحباط. التمرد يمكن أن يكون استجابة طبيعية لهذا الشعور، حيث يسعى الأشخاص للعثور على معنى أو هدف، التمرد يدفع الأفراد للبحث عن معانٍ جديدة أو قيم بديلة، هذا البحث يمكن أن يكون محفزًا للتفكير النقدي والنمو الشخصي في بعض الأحيان، يمكن أن يؤدي التمرد على العبثية إلى صراع داخلي مستمر، هذا الصراع يكون مرهقًا، حيث يتنقل الأفراد بين قبول العبثية ومحاولة مقاومة ذلك، بعض الأشخاص يستخدمون التمرد كوسيلة للتعبير عن أنفسهم من خلال الفنون أو الكتابة، هذا الإبداع يمكن أن يكون طريقة فعالة لمعالجة العبثية وتحويلها إلى شيء ذي معنى، التمرد على العبثية أيضًا يمكن أن يكون جزءًا من رحلة الفهم والنمو، من خلال مواجهة هذه الأفكار، يجد الأنسان طرقًا جديدة لإيجاد المعنى وعيش حياة مُبدعة رغم العبثية.
النسيان الطوعي
النسيان الطوعي والإدراك العميق في مقاربة فلسفية مثيرة، يمثل كل منهما جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية ويشيران إلى القدرة على استعمال المشاعربشكل اعمق، مما يؤدي إلى فهم أكبر للذات والعالم. الإدراك العميق يعزز الوعي باللحظة الراهنة ويشجع على التفكير النقدي، يرتبط بحضور الوجود والوعي، وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى فهم أعمق لمعنى الحياة، تجاهل أو نسيان التجارب أو المشاعر المؤلمة، يمكن أن يكون نوعًا من الدفاع النفسي الذي يهدف إلى تجنب الألم أو المعاناة، وقد تؤدي إلى فقدان جزء من التجربة الإنسانية، التوازن بين الإدراك العميق والقدرة على النسيان الطوعي يكون ضروريا أحيانًا لتخفيف العبء، لكن يجب ألا يكون ذلك على حساب النمو الشخصي وفهم الذات، يمكن استخدام النسيان الطوعي كوسيلة لتخفيف الضغط النفسي، بينما يُستخدم الإدراك العميق كوسيلة لمواجهة وتحليل المشاعر، البحث عن توازن بين هذين المفهومين يمكن أن يؤدي إلى حياة أكثر رضا، الوصول الى السلام الداخلي يكون بالوعي العميق وادراك الاشياء بشكلها الكامل والواقعي.
السلام الداخلي
لا توجد طريقة واحدة واضحة للوصول إلى السلام الداخلي. قد تكون مزيجًا من الوعي العميق، الفهم البسيط، وإدراك الواقع كما هو. من خلال استكشاف هذه الطرق، يمكن للفرد أن يجد طريقه الفريد نحو تحقيق السلام الداخلي، العديد من الفلاسفة تمردوا على الأفكار السائدة أو المعتقدات التقليدية في سعيهم للبحث عن معنى أعمق للحياة. هذا التمرد كان جزءًا من رغبتهم في فهم طبيعة الوجود، إدراك العبثية في الحياة يمكن أن يؤدي إلى تمرد ضد القيم التقليدية، حيث يسعى الأفراد لتجاوز المعنى الظاهري والبحث عن معاني جديدة، الفلاسفة وصلوا إلى الإدراك العميق للحياة من خلال التفكير النقدي والتأمل الذاتي والتفاعل مع العالم. تمردهم كان نتيجة لرغبتهم في البحث عن معنى أعمق، ورفض القيم الاجتماعية السائدة، هذا التمرد ساعدهم على تطوير أفكار جديدة ومفهوم أعمق، العديد من الفلاسفة واجهوا تجارب صعبة، هذه التجارب دفعتهم إلى التساؤل عن معنى الحياة والوجود، مما ساهم في تمردهم على الأفكار السائدة، الفلاسفة الذين يخوضون تجارب عميقة يميلون إلى التفكير فيها بشكل نقدي، هذه التأملات تساعدهم على فهم المعاني المحتملة وراء تجاربهم، مما يعزز الإدراك العميق من خلال التفكير في تجاربهم ومحاولة الوصول الى السلام الداخلي، يمكن للفلاسفة أن يتحدوا معتقداتهم الشخصية مما يؤدي إلى إدراك أعمق للحياة، عندما يعاني الفيلسوف من تجارب خاصة، قد يشعر بأنه مضطر للتمرد على القيم أو المعتقدات التي لا تعكس واقعه. هذا التمرد يمكن أن يكون دافعًا للبحث عن فهم أعمق للتجارب الشخصية، مما يدفع الفلاسفة للبحث عن معانٍ جديدة وتطوير أفكار تتجاوز الفهم التقليدي، التجربة الشخصية للفيلسوف تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل تمرده وإدراكه العميق لمعنى الوجود، المعاناة والنجاحات، إلى جانب التأمل النقدي في هذه التجارب، يمكن أن تؤدي إلى فهم أعمق وتحدي القيم السائدة، مما يسهم في تطوير أفكار فلسفية جديدة.
الوعي العميق ومجتمعات الحافة
مجتمعات الحافة، أو ما يُعرف بالمجتمعات المهمشة، تشكل عادةً أغلبية اجتماعية في معظم السياقات، بالرغم من انها تُعتبر أقلية في المجتمع الأوسع، هذه المجتمعات تتضمن أفرادًا أو مجموعات تعاني من التهميش الاجتماعي، الاقتصادي، والسياسي، وغالبًا ما تواجه تحديات مثل الفقر، نقص الفرص، والتمييز ومع ذلك هذه المجتمعات كبيرة من حيث العدد في بعض السياقات، في المناطق الحضرية تأثيرها الاجتماعي والسياسي قد يكون محدودًا بسبب العوامل الهيكلية التي تعيق مشاركتها الفعالة في الحياة العامة، يمتلك أفراد مجتمعات الحافة وعيًا عميقًا حول قضاياهم الخاصة، لكن هذا الوعي لا يتماشى دائمًا مع المفاهيم الأوسع للوعي العميق التي تتعلق بمشكلات المجتمع بشكل عام، الوعي العميق يمكن أن يساعد في فهم قضايا مجتمعات الحافة بشكل أفضل، مما يعزز من قدرتهم على مواجهة التحديات، يتعرض الوعي العميق للتهديد بسبب عدم فهم القضايا الثقافية والاجتماعية الخاصة بهذه المجتمعات، مما يؤدي إلى فرض حلول غير ملائمة وخلق الفجوات الثقافية بين مجتمعات الحافة والمفكرين الذين يحملون وعيا متقدما تؤدي إلى صعوبة في التواصل وفهم القضايا بشكل مشترك، يتم تجاهل القيم والتقاليد المحلية، مما يؤدي إلى فقدان الهوية والانفصال عن القضايا التي تهمهم ويفقدهم القدرة على اتخاذ قرارات دون قيود خارجية أو داخلية.
***
غالب المسعودي

أظن أننا جميعاً نعرف الظاهرة التي تسمى «تضخم الذات» أو «الأنا المتضخمة». ولعل كلاً منا قد لاحظ حالات تكشف عن ذوات متضخمة، في مقابلات صحافية أو على منصات التواصل الاجتماعي، أو في المجالس، وربما اختبرها بعضنا في نفسه، في بعض الأحيان على الأقل.
وتتمظهر هذه الحالة في صورة تكبُّر على الغير، بل قد يبلغ الأمر حد مطالبة الناس بالتسليم بفضله عليهم، فإن لم يستجيبوا، بادر بإنكار كل قيمة لهم وكل حُسن فعلوه في حياتهم.
ليست هذه مشكلة كبرى، فضررها محدود، لكنها تصل إلى مستويات خطرة، حين يتحول التعبير عن الذات المتضخمة إلى إعلان كراهية لجنس بأكمله، مثل القول بأن الأحباش أو البنغال فيهم كذا وكذا، أو القول بأن البوذيين أو اليهود فيهم كذا وكذا، أو أن العرب أو الأكراد فيهم كذا وكذا. هذا التنميط السلبي لشعوب كاملة يتبلور مع الزمن على شكل كراهية منفلتة، تبرر كل أذى يقع على الناس، وربما حرضت على إيذائهم، أو حتى قتلهم.
السؤال الذي يُلح على ذهني هو: هل يمكن لوسائل الاتصال الجمعي أن تُحول هذه الحالة الفردية إلى سلوك جمعي؟ هل يمكن للسياسيين وغيرهم من النافذين والمؤثرين على الرأي العام أن يُحولوا الكراهيات الفردية إلى كراهية عامة؟
تردَّد هذا السؤال في ذهني وأنا أقرأ خبراً من الفلبين فحواه أن الحكومة ستُسلّم رئيس الجمهورية السابق إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي تتهمه بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، خلال حربه على تجار المخدرات بين 2011 و2019.
وتقول الأنباء إن الشرطة قتلت 6000 شخص في تلك الحرب، من دون محاكمة. سألتُ نفسي: كيف تسنَّى للرئيس أن يواصل هذه المقتلة العظيمة، طوال ثماني سنين من دون عوائق جدية، بل لعلِّي أزعم أن الشعب، أو شريحة مُعتبرة منه، كانت راضية بتلك المقتلة، لأنها اقتنعت بأن البلد فيه فعلياً 6000 تاجر مخدرات، كما قال الرئيس. ومما يدل على رضا تلك الشريحة هو تكرار انتخاب رودريغو دوتيرتي في منصب عمدة مدينة دافاو، حيث أسس فرقة إعدام ميداني، ثم انتخابه رئيساً للجمهورية، وقبل ذلك عُرض عليه منصب وزير الداخلية أربع مرات. هذا يدل على أن الرجل محبوب، رغم المعلومات الكثيرة التي تفيد بأن كثيراً من الضحايا قُتلوا لمجرد أن الشرطة وجدتهم في مواقع يرتادها الحشاشون.
حسناً... ما الذي يحمل الناس على دعم حملة دموية كهذه، وهل يمكن أن تتكرر في أماكن أخرى؟
هل يمكن لسياسي مثل دوتيرتي أن يقنع الناس العاديين بأن احترامهم مشروط بقتل مَن يكرهونه؟
الذي فعله رودريغو دوتيرتي، حين رشح نفسه لمنصب نائب العمدة في دافاو، هو إقناع المواطنين بأن سكان الأحياء المعروفة بتجارة الحشيش، ومن يتواجد قريباً منها أو يتعامل مع سكانها، هم عدوهم، وأنهم يستحقون القتل. ولتسهيل المهمة على الناس، فإنه لم يكلفهم بقتل أحد، بل أقنعهم بأن يكرهوه فقط وأن يتمنوا موته، وسيأتي أشخاص آخرون لحمل العبء الأثقل؛ أي القتل.
هكذا قتل 6000 شخص، بينهم ما لا يقل عن 1150 طفلاً وامرأة، رمياً بالرصاص، في بيوتهم أو على قارعة الطريق، من دون أن تُواجه الشرطة استنكاراً أو شجباً من جانب جمهور الناس، ومن دون أن تحتاج الحكومة إلى تبرير تلك الدماء.
أظن بعضنا يستذكر الآن حوادث القتل الجمعي التي سمعنا عنها، في غزة وحواليها، وفي سوريا والعراق، وفي السودان والصومال، وفي مناطق أخرى... ألم تبدأ المسألة بأشخاص مثل دوتيرتي، يقنعون المواطنين بأن أولئك أعداؤهم وأنهم يستحقون القتل، وأن المطلوب منهم هو فقط إعلان التأييد أو التبرير، وسيتولى غيرهم الجزء الأصعب من المهمة.
لو سمعتم بشخص يدعو للتخلص من سكان بلد بأجمعه أو قبيلة بمجملها أو دين بكل أتباعه، ألن تقفز إلى أذهانكم قصة رودريغو دوتيرتي؟
***
د. توفيق السيف

 

فهم يتجدد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. لاح في أفق تفكيري وتدبري لهذه الآية الكريمة، وما سُميت آية إلا دعوة كريمة من الكريم المطلق الأبدي، وهو الحق سبحانه، إلى مائدة الأفكار التي يُدعى إليها أولو الألباب من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، لتقتات القلوب من هاته المعاني الذوقية اللذيذة معنى، الراقية مضمونًا، المطرَّزة مبْنى، كما هو الشأن في بناء الآيات القرآنية. وهذا ما جعلني أكتب حول هذا الموضوع الذي يُعد استثمارًا معنويا في أسواق التجارة التي لا تبور، بشكل جميل لا يُضاهى.
لفهم المقصود، لنرجع بتفكيرنا إلى أنواع الروائح الكريهة في تاريخ البشرية، وأساليب البشر في مكافحتها من أجل عيش يوم هنيئ. فلا شك أن الإنسان في حياته اليومية عبر التاريخ، ومنذ القدم، يتعرض لمواقف مختلفة، إما بتصبب عرق متراكم يؤذي الجالسين على نفس المائدة، أو التعرض لروائح كريهة من حيوانات ميتة أو فضلاتها. كما أن الفضاءات المغلقة أيضًا تجتمع فيها الروائح الكريهة التي تتراكم بشكل قد لا يُطاق.
وبسبب كل ما سبق، اجتهد الإنسان منذ القدم في اختراع وإبداع أجود أنواع العطور ليُقضي على ما يُسيء رونق حياته اليومية، ليحيى حياة هنيئة طيبة.
إذا تأملنا أنواع العطور اليوم، ستجد منها ما هو خفيف لمجرد الانتعاش اليومي، ويغطي ويستر المستور ولا يزيله من الجذر (Body Mists). ولإزالة الروائح الكريهة بقوة، يمكن استخدام المسك أو العنبر، وهي تدخل ضمن (Parfum Oils). ولروائح الطعام الكريهة، تُستخدم في الغالب عطور (Dior Sauvage).

وقد سقتُ هذه الأمثلة لِنُشخِّص الفهم العميق للحديث النبوي الشريف:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً» (متفق عليه).
فبتحليل دقيق، مع استحضار ما سبق، سيُحيلنا ذلك إلى أن الحسنات درجات في فاعليتها بنحو السيئات، بحسب نية العبد وإبداعيته في تنزيل تلك النية على أرض الواقع. ولهذا اختلف الأنبياء في مقاماتهم، وتنوع الأولياء في درجاتهم، وتفاقمت دركات أهل الكفر والنفاق -والعياذ بالله-.
فلا شك أن التصورات تبتدئ بفكرة، وهي النية، ثم بعد التصور يأتي التنزيل الواقعي لذلك التصور. فنجد أن المخترع نزل فكرة صنع طائرة من مجرد تصور، أو صنع عجلة كانت سبب تقدم البشرية في كل ميادين تقدمها؛ لأن العجلة كانت عند بعض العلماء من أهم الاختراعات في تاريخ البشرية. حيث لا يختلف اثنان في أن سهولة التواصل بين بني البشر تعتمد على سهولة باقي الاختراعات مهما تنوعت؛ لأنه لولا العجلة لما تمكنوا من استحضار المواد الأولية لأي اختراع آخر.
عالم السموم وإيجاد ترياق لها بحر عميق لمن تبحر فيه، حيث إن أنواع السموم ودرجات فعاليتها تختلف -ولا شك حسب الأطباء- فمنها ما يسبب شللًا للأعضاء، ومنها ما ينتج اختناقًا تنفسيًا، كما أن منها ما قد ينتج عنه أمراض سرطانية أو مزمنة، وأخرى تسبب الموت في جرعات متوالية، ومنها ما قد يقتل فورًا.
في المقابل، فإن العقل البشري طور أنواعًا من الترياق ضد كل هذه الأنواع من السموم، حيث طور الإنسان أنواعًا من الترياق الكيميائي الذي يحول السم إلى فيتامين (B12)، ومنها ما يسهل إخراج السموم من الذات الإنسانية، ومنها ما يزيل تراكم السموم الزئبقية في جسم الإنسان، كما أن هناك من أنواع الترياق ما يخلص الجسم من السموم بإخراجها من الكبد.
والحديث في ذلك عند أهل الاختصاص يطول، وقد أخذنا منه ما يفيدنا لفهم المقصود في ارتباطه بحديثنا عن إكسير الخير، وفعالية درجات الحسنات في إذابة السيئات وإزالة روائحها المعنوية الكريهة بعطر أعمال الخير المتباينة في درجاتها.
يقول الحق سبحانه في الآية الكريمة، والقانون الكوني الرهيب في جماليته والغني بمعانيه الذي يأخذ بالألباب:
﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21].
ليس المقصود -في نظرنا- في تفسير هذه الآية هو شرح التباين الحاصل بين الحياة الدنيا والآخرة، بقدر ما أن القصد هنا يتمحور حول أعمالنا المرتبطة باهتماماتنا اليومية، سواء كان دافعنا إليها دنيويًا أو أخرويًا. هذه الدوافع والنوايا والتصورات القبلية هي ما يجعل التفاضل كبيرًا في نتائجها. هذا التفاضل والتباين يكبر كلما تعلق بهدف سماوي أخروي، ويصغر كلما كان مرتبطًا بما هو أرضي دنيوي.
وما سُميت الدنيا -في نظرنا- إلا لصغر ودناءة نتائجها، وما ارتبطت الآخرة بما هو سماوي غيبي إلا لسمو وعلو درجاتها ومقاماتها علوًا كبيرًا. وضرب الله مثالًا على ذلك اصطفاء مريم عليها السلام اصطفاءً جوهريًا ليُحيلنا إلى أهمية مفهوم الجوهر والأخلاق الطيبة وفاعليتها في إزالة السموم المعنوية.
يقول تعالى:
﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
وهو ما يشبه قول الرسول ﷺ في الحديث النبوي الشريف:
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (متفق عليه).
إن كل متدبر في الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف سيتبادر إلى ذهنه الارتباط الوثيق بينهما في أن تكرار الأشياء في الحياة اليومية يمكن من إتقانها وتمكينها واستقرار أثرها في قلب الإنسان، سواء في جانبها الإيجابي أو السلبي. وهو قانون الاصطفاء في جانبه الإيجابي أو السلبي، فمن كل شيء خلق الله زوجين اثنين، فلينظر كل أحد في أي شق أراد أن يصطفي ويختار بضم الياء.
وختامًا، فإن ما يزيل السموم القاتلة بترياقاتها الكيميائية يُحيلنا إلى درجات وفاعلية الترياق المعنوي في إزالة كل دركات السموم المعنوية من حقد وكره ونفاق وغفلة وفتنة وأمراض اجتماعية، بأعمال القلوب التي هي التصورات القبلية لكل أعمال الجوارح. فالتوبة والأوبة إلى الله تعالى دافع قوي للإبداع في الأعمال القلبية الأخرى من حلم وصبر ومحبة وشوق وإيثار وتدبر وتعقل، يورث الحكمة التي هي كيفية تنزيل الآية والقانون الكوني على أرض الواقع لكل مؤمن في حياته اليومية. ولا يتأتى ذلك إلا بفهم وفقه ووعي عن الله عز وجل، الذي به يحقق الإنسان المؤمن القصد من خلقه في هذا الكون.
***
د محمد غاني - كاتب، المغرب

الفيزياء وحدود العلم التجريبي

عبر التاريخ، طوّر البشر سُبلًا متعددة لجمع المعرفة، مدفوعين بفضول فطري. تطورت هذه السُبل من التفكير المنطقي في الأكاديميات اليونانية، إلى مشاريع علمية ضخمة تعادل اقتصادات دول، كمشاريع الفضاء وأبحاث الفيزياء الجزيئية. في هذا المقال، أحاول تسليط الضوء على تطوّر مناهج المعرفة تاريخيًا، وكيف يمكن للفيزياء والعلم الحديث أن يعيداننا، بعد مضي قرابة أربعة قرون، إلى نقطة البداية: التساؤل الفلسفي والعقلانية.
مسار تطور طرق جمع المعرفة
اعتمد الفلاسفة الأوائل على العقلانية الفلسفية للوصول إلى فهمٍ لطبيعة الوجود. انتهجوا منهجًا استنتاجيًا قائمًا على التحليل المنطقي، مؤمنين بأن المعرفة يمكن استنباطها من مبادئ عقلية أولية. استمر هذا التصور لفترة طويلة، بدءًا من الفلاسفة اليونانيين كأرسطو، وصولًا إلى ديكارت وسبينوزا، اللذين رسّخا مفهوم أن التفكير المنطقي وحده كفيل باكتشاف الحقيقة.
أما التحول إلى المنهج التجريبي، فقد بدأت ملامحه بالظهور لدى العلماء المسلمين في العصر الذهبي، أمثال ابن الهيثم، والبيروني، وابن سينا. رأى ابن الهيثم، في كتابه المناظر، أن المعرفة لا تكتمل دون التجربة والتحليل. إلا أن هذا الإسهام كثيرًا ما يُهمَّش في السردية الغربية، التي تبدأ عادةً من أمثال غاليليو ونيوتن بوصفهم المؤسِّسين للعلم التجريبي الحديث.
لقد أثبتت العلوم التجريبية قدرتها الفائقة على تفسير الظواهر الطبيعية، بل وحتى الظواهر السلوكية والإنسانية. ويُعزى هذا النجاح إلى عوامل متعددة، من أبرزها تطوّر فلسفة العلم التي رسمت حدودًا واضحة لما يمكن اعتباره علمًا. هذه الحدود، التي بلورها فلاسفة كبيكون، وبوبر، وتوماس كيون، جعلت من العلم التجريبي مجالًا مفتوحًا على التصحيح والاختبار المستمر.
بين العقلانية والعلم التجريبي: اختلاف في المنهج والرهان
العقلانية، كما تُفهم في السياق الفلسفي، هي المذهب الذي يرى أن العقل هو المصدر الأهم، بل الكافي، للمعرفة. وقد أسست لمنهج استنتاجي يرى أن التفكير المنطقي وحده قادر على بناء معرفة يقينية. غير أن هذا المنهج، رغم ما وفره من أدوات تحليلية، بقي في معظمه معلقًا في فضاء التأمل، غير قادر على اختبار صدقية نتائجه في العالم الواقعي.
في المقابل، جاء العلم التجريبي ليبني معرفته على التجربة القابلة للرصد والاختبار، واضعًا الواقع في مركز العملية المعرفية. لم يلغِ دور العقل، بل أعاد ترتيب العلاقة بينه وبين الواقع؛ فبات العقل خادمًا للواقع، لا حاكمًا عليه. وقد ساعد هذا التواضع المعرفي في جعل العلم التجريبي أكثر قدرة على التقدّم والتصحيح والتطوير.
ميكانيكا الكم كحالة غير مسبوقة
رغم النجاح الهائل الذي حققته العلوم التجريبية، فإن القرن العشرين شهد أزمة معرفية قلبت مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية. جاءت ميكانيكا الكم، لا لتكمل مشروع الفيزياء، بل لتعيد التفكير في أسسه. ففي المستوى دون الذري، لم تعد التجربة وحدها كافية للوصول إلى نتائج يقينية. فمجرد القياس ذاته يؤثر على النظام المدروس، ويغيّر من سلوكه.
تُقدّم ميكانيكا الكم تصورًا للعالم يختلف تمامًا عن التصورات الكلاسيكية؛ فالجسيمات لا تكون في موقع محدد، بل توصف عبر دالة موجية تمثل احتمالات وجودها في أماكن متعددة. قبل القياس، يكون الجسيم في حالة تراكب، أي في عدة حالات محتملة في آن واحد. وعند القياس، تختفي هذه الحالة لتظهر نتيجة واحدة فقط، كما لو أن الجسيم "اختار" موقعًا معينًا.
تتعدد التفسيرات الفلسفية لهذه الظواهر؛ فهناك من يرى أن الدالة الموجية تمثل واقعًا فيزيائيًا حقيقيًا (تفسير أنطولوجي)، وهناك من يعتبرها مجرد أداة تعكس معرفتنا (تفسير إبستمولوجي). وكلا التفسيرين منسجمان مع النتائج التجريبية، لكن الاختلاف بينهما يبقى فلسفيًا في جوهره.
هكذا، نجد أن الفيزياء المعاصرة، وعلى رأسها ميكانيكا الكم، دفعت العقل مرة أخرى إلى الواجهة، لا كبديل عن التجربة، بل كأداة لتأويل نتائج لا تكفي التجربة وحدها لفهمها. وأمام هذا التعقيد، لجأ بعض الفيزيائيين إلى فرضيات يصعب إخضاعها للتجريب، كفكرة الأكوان المتعددة.
في الختام: نحو عقلانية جديدة
في نهاية المطاف، يبدو أن مسار العلوم التجريبية، بكل ما فيه من دقة وصرامة، يعيدنا إلى سؤال فلسفي قديم: ما حدود معرفتنا؟ بل يعيدنا تحديدًا إلى العقلانية، ولكن ليس بصيغتها الكلاسيكية التي تفصل العقل عن التجربة، بل إلى عقلانية جديدة، تأخذ في اعتبارها التداخل المعقّد بين الملاحظة والتأويل، بين التجريب والتفكير النظري.
نحن اليوم لا نملك إجابات حاسمة، بل احتمالات وتفسيرات يظل كثير منها مفتوحًا للتأويل. لم يعد العقل سيدًا مطلقًا، بل شريكًا متواضعًا في مشروع لفهم الكون، مشروع يحتاج إلى تعاون دقيق بين المناهج المختلفة للمعرفة، دون أن يدّعي أيٌّ منها احتكار الحقيقة.
***
فضل فقيه – باحث
.....................
قراءات اضافية:

-Heisenberg W. Physics and Philosophy: The Revolution in Modern Science. London: George Allen & Unwin; 1958.
-Kova A. The weirdness of quantum mechanics forces scientists to confront philosophy. Big Think. Published February 8, 2023.

 

لم يكن الفكر يومًا رفاهيةً زائلةً أو زينةً يتأنق بها من يقتاتون على هوامش النصوص، بل كان وسيظل ميدانًا لصراع الإنسان مع واقعه، ومنبرًا للتساؤل الدائم الذي يهزّ أركان الجمود.
والقراءة النقدية التي نحن بصدد تحليلها ليست خروجًا عن هذا المسار، بل تأتي كإسهامٍ جادّ في بلورة معالم الصحافة الثقافية، وإعادة مساءلة دورها في إنتاج المعرفة ومشاركتها.
لقد استطاعت هذه القراءة النقدية أن تنفذ إلى قلب إشكالية الصحافة الثقافية، متجاوزةً الطابع الاستهلاكي لبعض المنابر إلى تفكيك علاقتها بالمثقف العضوي، وما إذا كانت فضاءً للحوار والتجديد، أم مجرد دائرة مغلقة تعيد إنتاج ذاتها بشكل روتيني بحت.
والمقال هنا لا يكتفي بوصف المشهد أو الاكتفاء بموقع الرائي المحايد، بل يتورط فيه، مُسائلًا ذاته بالقدر ذاته الذي يُسائل فيه الآخر.
أهمية هذا الطرح تتجلى في كونه يزاوج بين النقد الذاتي ونقد المؤسسات الثقافية، فلا يكتفي الكاتب بمساءلة صحيفة المثقف موضوع النقد، بل يمدّ أسئلته إلى ذاته ايضا، متسائلًا عن موقعه داخل هذا النسق. وهذه الازدواجية تمنح المقال قوةً ومصداقية، إذ يتحول النقد هنا من سلطة تُمارس من موقع الوصاية، إلى فعلٍ عضوي يتجاوز أحكام القيمة إلى الحفر في طبقات المعنى.
إن البناء اللغوي لهذا النص يتسم بجزالة المفردات وثراء التراكيب، حيث تتضافر الجمل المتماسكة في نسيجٍ يجعل القراءة أشبه بتجربة فكرية جمالية في آنٍ معًا. فهو لا يُسهب في التوصيف السطحي، بل يختار كلماته بعناية، فيأتي النص مشحونًا بكثافة فكرية لا تنفصل عن طاقته التعبيرية.
أما على المستوى النقدي، فيمكن القول إن هذا المقال ينتمي إلى مدرسة النقد الجدلي، حيث لا يضع الأمور في ثنائيات جامدة، بل يخلق دينامية داخل النص، فيظل القارئ متنقلًا بين التساؤلات، لا ليجد إجاباتٍ نهائية، بل ليشارك ويدعو الى المشاركة الفعالة في توليد أسئلةٍ أكثر عمقًا املا في الوصل الى الامثل.
هذه المقاربة تجعل من النقد فعلًا مفتوحًا، لا يبتغي هدم ما هو قائم لمجرد الهدم، بل يسعى إلى بناء بدائل أكثر حيوية وانفتاحًا.
والنقد هنا ليس تمرينًا لغويًا ولا محاولةً لتسجيل المواقف، بل هو التزامٌ معرفيٌّ واعي يحاول أن يردم الفجوة بين التنظير وديناميكية التطبيق، بين المثقف والجمهور، وبين الخطاب الثقافي وواقعه الاجتماعي. وفي هذا السياق، يكتسب هذا المقال قيمته الحقيقية، إذ إنه لا يدين الصحافة الثقافية من موقع المتعالي، بل من موقع الشريك في إنتاجها، الأمر الذي يمنح النقد بعدًا أخلاقيًا يخرجه من دائرة الخطابة إلى مجال التأثير الفعلي.
إن قراءةً نقديةً كهذه تكشف عن أهمية وجود منابر "مثل المثقف" تستوعب هذا النوع من الطرح، لأن النقد الموضوعي والبنّاء لا غنى عنه في تطوير العمل الصحافي الثقافي، وضمان انفتاحه على آفاقٍ جديدة. فالمجلة أو الصحيفة التي تحتضن هذه الأصوات تبرهن على أنها ليست مجرد قناة لنقل المحتوى، بل مختبرٌ لإنتاج الأفكار، ومجالٌ لاختبار حدودها وإمكاناتها.
في النهاية، فإن هذه القراءة النقدية ليست مجرد مقالةٍ عابرة، بل نموذجٌ لما ينبغي أن يكون عليه النقد الثقافي: فعلٌ حيويٌّ لا يكتفي برصد المشكلات، بل يضع ذاته على المحك، ليؤكد أن الفكر الحقيقي لا يتوقف عند حدود القول، بل يمتدّ إلى مساءلة الذات والواقع في آنٍ واحد.
***
سعاد الراعي

 

يحتدم رأيان في قضية تذوق الأعمال الأدبية، سعيا لتحديد المسافة بين النص وقارئه. هل يتعلق الأمر بمتعة وجدانية متحررة من أي استدلال عقلي أو مسبقات لغوية وبلاغية؟ أم هي ملكة لا تستوعب جمالية قول شعري أو نثري، إلا باستيفائها شرط الإلمام بمعارف تساعد على الإيضاح وتبديد الغموض؟
إلا أن كلا الرأيين يتفقان على أن التذوق في مجال الآداب لا يتحقق بدون فهم. فالمتذوق في عالم الإحساس الجسمي يكفيه جزء يسير لبلوغ الإحساس المطلوب، سواء تلذذا أو نفورا، بينما يحتاج متذوق الأدب إلى وقت طويل، ينتهي خلاله من قراءة النص أو استماعه إلى نهايته.
تكمن خصوصية الأدب في كونه يتطلب إلماما بنظام رموزه، حيث الكتابة رمز ننفذ من خلاله إلى شيء كامن خلفها. ولذا يتوجب على كل قارئ أن يفك شفرات النص أولا، ثم يحدد مدلول كل كلمة في نفسها أولا، ثم بوضعها داخل سياق تعبيري وتركيبي متعدد بتعدد النصوص الأدبية زمانا ومكانا. وهو الجهد الذي لا تتطلبه التعبيرات الفنية الأخرى، من تشكيل وموسيقى وغيرها.
كل تذوق إذن يشتمل على معرفة في حدها الأدنى بلغة النص الأدبي وأسلوبه، والقواعد التي تحكم جنسه، ثم الاتجاهات التي ينحاز إليها كاتبه، اجتماعية كانت أم سياسية أم غيرها. وهذا يعني أنه لا يوجد قارئ يبدأ من نقطة الصفر كما يؤكد الدكتور إبراهيم عوض (1)، وأن الملكة النفسية التي تدرك نواحي الجمال لابد أن تسبقها عملية الفهم.
تلهمنا قراءة النصوص الأدبية شعورا مكثفا بالنشوة والامتلاء، لأنها استنطاق لما تحمله الرموز من صور خيالية، ورؤى ومشاعر وجدانية. وهو الشعور الذي لا يتحقق إلا بشكل مضطرب ومشوش في باقي الإبداعات الفنية، حيث اللوحة أو المعزوفة الموسيقية حاضرة أمام المتلقي يعاينها ويسمعها. أما النص الأدبي فلا يُقيد القارئ بهذا الحضور المادي، بل يحرره معتمدا على الخيال الذي لا يلتزم سوى بالخطوط العامة للنص.
هذه الحرية تتيح للمتذوق أن يخلق للنص الأدبي أوضاعا وأشكالا لا حد لها، وأن يستغرق فيه لدرجة الفناء، بحيث يصبح شخصا من شخوصه وليس مجرد متابع. وهي السمة التي يشير إليها أوسكار وايلد في قوله: " تتلخص السمة الوحيدة المميزة للشكل الرائع في أن باستطاعة أي واحد أن يُضمنه ما يخطر على باله، أن يرى فيه ما يريد أو يرغب".
يبدأ التذوق فرديا قبل أن يتخذ طابعا جماعيا نسميه "الذوق العام"، ثم ينعكس فيما بعد على الفرد. وهذا يعني أن التذوق عملية متجددة باستمرار، تتيح لبعض الأعمال الأدبية والفنية عموما أن تصمد أمام اختبار الزمن، بينما تفشل أخرى ويكون مآلها النسيان، رغم ما قد تستحوذ عليه من شهرة إبان صدورها. لذا يمكن القول دون مواربة أن التذوق الأدبي مشاركة إبداعية، تعزز بروز طاقات الخلق والإبداع لدى القراء، وتُنمّي التعبير الجمالي عن الذات والوجود.
رغم أن الأعمال النقدية للأديب المصري طه حسين تشكلت قبيل منتصف القرن الماضي، إلا أننا نلمس في تكويناتها إرهاصات ذكية بأهمية التذوق في إنتاج الدلالة الأدبية، والإسهام في تخمر الأفق النقدي الذي حرّك فيما بعد ثورة البنيوية. لقد تميز إنصات طه حسين للمنجز الأدبي باستحضار قارئه الضمني، ومشاركته أحكامه في الأدب والنقد، وبالتالي إرساء استراتيجية فكرية تتمثل القارئ وتصنفه إلى مستويات، بدءا بالموافق له وانتهاء بمن يفترض أنه خصمه. وقبل أن يتوجه للقارئ بصفته ناقدا للعمل الأدبي، كان يهمس في أذنه باعتباره متذوقا، يتدرب على اختبار فهمه، واستكشاف المنطقة الواصلة بينه وبين العمل الأدبي.
إذا أخذ طه حسين في نقد القصة، يقول الدكتور صلاح فضل، كانت بؤرة تركيزه على فعاليتها الجمالية تنصب على وصف حاله كقارئ، ووصف ما يتعين على بقية القراء أن يستوعبوه منها؛ فموقف القارئ هو الذي يحدد طبيعة النص، وليس العكس كما يتوهم بعض الناس.. إنه بذلك يبني الخطوط الجوهرية لصورة القارئ وهو يبني المعالم البارزة للنص القصصي. (2)
وطّأت الأعمال النقدية لطه حسين أرضية الاشتغال على الذوق والتذوق، باعتباره مقياسا للكفاءة الأدبية، ولكون غاية الأدب في النهاية هي تحقيق التواصل الجمالي. وهو يحدد للتذوق مستويين: أحدهما الذوق الجماعي لعموم الناس في زمان معين، والثاني هو الذوق الفردي الذي يمتاز به نخبة القراء، ويتيح لهم اختبار فاعلية النص الأدبي وكفاءته الوظيفية؛ لكنه يضعهم في علاقة جدلية متوترة، تسهم في تأطير ما يسميه بالحياة الفنية.
يستهدف التذوق جوهر العمل الأدبي وأصالته، وعوامل تأثيره في النفس الإنسانية. ولتحقيق ذلك يتسلح بقوتين: قوة الشعور وقوة الفكر. لذا يدافع بعض النقاد عن ضرورة الاستعانة بمعارف مختلفة، تتيح للمتذوق تعليل الذوق الذي حصل له من قراءة هذا العمل أو ذاك. يتعلق الأمر هنا بمستوى ثان هو "التعمق"، حيث ينتقل القارئ إلى تحليل وتعليل النص، ليكون تذوقه أعمق وأدق.
خلال هذا المستوى يصبح التذوق الأدبي قراءة للنص من داخله، وتحقيقا لأدبية الأدب كما يحددها الدكتور بيومي توفيق مصطفى في صورة حوار بين القارئ والنص؛ يصغي القارئ لكلماته فيثير الحوار من الهزة والقلق أكثر مما درج عليه، ويحاول استكناه الشكل اللغوي وسبر أغواره وتحليل طاقته الإبداعية. تلك الأدبية التي تثق بالنص وتعترف بقدراته، وتمارس فحصا مستمرا لتداخل بنيته، وفك شفرته، فتنمي ملكات الأدب بمعزل عن أشياء مقحمة عليه، كأبحاث علم النفس وعلم الاجتماع والجمال. (3)
يمنح التعمق في الأعمال الأدبية فضيلة توجيه النشاط الإنساني والفني للكاتب، في حال تحرره من ذاتيته المفرطة وإنصاته لنبض المجتمع. وهو توجيه ذو دلالة قيمة، يجعل من التذوق الأدبي مقياسا للتجربة الإنسانية في شمولها وجزئياتها، وفي صلابتها وتكيفها. لذا حين عكف تولستوي على تذوق مجمل الأعمال المسرحية لشكسبير، متحررا من سلطة التقعيد التي انتهجها النقد الكلاسيكي، كشف عن صورة العالَم الإقطاعي الذي كان شكسبير يتحرك داخله، ويحدد لأعماله وجهة ارستقراطية لا تهتم بالطبقات الكادحة!
كيف نتذوق الأدب؟
يثير رونان ماكدونالد في كتابه (موت الناقد) مسألة التحول الجذري الذي طرأ على المشهد الثقافي منذ الثورة الطلابية لسنة 1968. وكيف أن معاداة السلطة في مجتمع الشباب الأوربي امتدت لسلطة الناقد الأكاديمي الذي يملي وجهة نظره حول الآداب والفنون، كأنها كلمة فصل لا تلقي بالا لجمهرة واسعة من القراءة غير المتخصصين. هكذا إذن ازداد النقد تباعدا عن القراء، بعد أن تحول إلى ما يشبه العلم الإنساني الذي يستعير علوم اللغة والعلوم التجريبية في مقاربته للنص الأدبي؛ فعمد القارئ " الجديد" إلى التخلص من النقد وأحكام القيمة، ليفسح المجال ل "وجهات نظر"، يدلي بها قراء تتنوع معارفهم وتوجهاتهم، وبالتالي "أذواقهم".
كان لزاما أن يستحث هذا المنعطف الحرِج جمهور الدارسين لتأطير القراءة التذوقية، وتمكين القارئ من معايير واستراتيجيات تُشركه في تكوين النص الأدبي وإعادة إنتاجه. بل واشترط بعض النقاد كفاءات محددة يجدر بالقارئ أن "يتخلق" بها، من قبيل الموهبة الفطرية، والحساسية الفنية، والوعي المعرفي الشامل، والحياد الذي لا يُكره مستويات النص على التجاوب مع انتماء القارئ او اتجاهاته الفكرية والدينية وغيرها.
شكّلت قاعات الدرس منطلقا لتأسيس معايير تذوق النص الأدبي، وتخريج جيل من القراء يتميز أداؤه في التفاعل مع الأعمال الفنية المختلفة بالمنهجية والدقة. واهتمت الدراسات المعتمدة بوضع قوائم المهارات المطلوبة (رشدي أحمد طعيمة، أحمد عبده عوض، أحمد مناع، فرانك وآخرون..)، والتي يمكن الاتكاء عليها باعتبارها مستويات معيارية للتذوق، من قبيل:
- معرفة المعنى الدلالي والإيحائي للكلمة.
- التمييز بين الأساليب المختلفة في العمل الأدبي.
- استنباط العاطفة المسيطرة على العمل الأدبي.
- إبراز الدور الجمالي للصور والأخيلة في النص.
- تحديد العناصر البنائية للعمل الأدبي. (4)
وأما خارج قاعات الدرس فإن التذوق منوط بقدرة القارئ على التأمل الذي يحقق إفادة المعنى، والتأثر بالتجارب التي يعانيها الأدباء، كل وفق أسلوبه الذي تقترن فيه خصائص التعبير الفني بروعة الأداء، وبالتصوير الذي يُبرز المعاني في إطار مبدَع يهز النفوس.
يصير التذوق الأدبي حركة مستمرة بين النص وقارئه، حتى يحدث التوازن والتناسب، وتتحقق التجربة الجمالية. لذا يتوجب على المتذوق أن يجرد حواسه وشعوره إلى جانب فكره ليصدر عنه قبول العمل الأدبي أو رده وفق ملكة فنية عارفة.
يورد ابن سلام الجمحي في (طبقة الشعراء) خبر الرجل الذي قال لعلّامة البصرة خَلَف الأحمر: إذا سمعتُ الشعر واستحسنته فما أبالي ما قلتَ فيه أنت وأصحابك، فقال خلف: إذا أنت أخذت درهما فاستحسنته، فقال لك الصرّاف: إنه رديء، هل ينفعك استحسانك له؟
***
حميد بن خيبش
......................
(1) د. إبراهيم عوض: التذوق الأدبي
(2) د. صلاح فضل: حواريات الفكر الأدبي. ص148
(3) د. بيومي توفيق مصطفى: أدبية الأدب. ص7
(4) د. ماهر شعبان عبد الباري: التذوق الأدبي.

في سيرته الذاتية الشعرية (المقدمة،1799)، يصف الشاعر البريطاني وليم وردزورث William Wordsworth حلماً رأى فيه فارسا عربيا يمتطي جواده بسرعة كبيرة حاملا حجرا و درعا. الحجر مثّل العقل والعلم، بينما الدرع يرمز الى الشعر والإلهام. كلاهما كانا في خطر شديد، ومن الواضح ان وردزورث منح قيمة عليا متساوية لكل منهما.
من الصعب تقدير ما اذا كان خطر هاتين القيمتين ازداد أم تناقص منذ ايام وردزورث (1770-1850)، لكن يبدو من الواضح ان العقل والعلم حصلا باستمرار على المكانة الراقية على حساب الشعر والخيال. هذا الموقف اكتسب قوة أكبر بفعل عاملي الوضعية والإختزالية، بصيغتهما "هذا هو ذلك فقط". طبقا للاختزالية، البايولوجي في النهاية يُختزل الى الكيمياء، والكيمياء تُختزل الى الفيزياء، وفي نفس المنحى، الشعر ربما يُختزل الى البايولوجي. لكن المعركة لازالت مستمرة.
في كتابها الشهير (قصص دارون: السرد التطوري،2009 جورج اليوت ورواية القرن التاسع عشر) تقارن الكاتبة واستاذة الادب جيليان بيرGillian Beer تلاميذ العقل مع مخلوقات اكثر قدرة على التخيّل. تطرح بير ادّعاء فرويد بان "النرجسية الكونية للرجال، وحبهم للذات،عانت حتى الان من ثلاث ضربات عنيفة من بحوث العلم (الصعوبة في مسار التحليل النفسي، 1953). هذه الضربات حسب ترتيبها الزمني هي : الثورة الكوبرنيكية التي اسقطت مركزية الارض، الجدال الداروني بان "الانسان ليس كائنا مختلفا او متفوقا على الحيوانات"، وثالثا، ادّعاء فرويد بان "الايغو ليس سيدا في بيته" طالما نحن نتصرف بحوافز لاواعية. هذه الضربات لإحساس الانسانية بالخصوصية،ترابطت كخطوات متتابعة قدماً للذهن العقلاني.
هل ان هذه "الثورات" في هوية الانسان التي تبدو أخف في تعاقبها هي دليل على تكيّف الانسان؟وكما بالنسبة للاولى، ربما العديد يشعرون بالفرح في اننا لسنا عالقين في كون ما قبل كوبرنيكوس الصغير نسبيا محاطين بكرات بلورية متحدة المركز بجحيم مشتعل بعيدا عنا .
من الواضح ان الثورة الدارونية عبر الانتخاب الطبيعي كانت فكرة صعبة القبول من جانب اكثرية الناس. تكتب بير عن "القشعريرة المادية" العميقة للعديد من الفيكتوريين الذين شعروا بها من تصوّر العلاقات الجديدة بين الناس والحيوانات – شعور غريزي بالتهديد من جانب البدائي واللاعقلاني في السيطرة على الانسانية الرشيدة. يرى البعض ان التهديد الحقيقي هنا هو للنموذج الأصلي الطبيعي لـ "الاختلاف البشري" – وهي الفكرة التي بدونها لا يستطيع الذهن البشري، بكل اصنافه الاجتماعية، من العمل ابدا. اذا تم انكار الشعور القوي بالاختلافات بين الانسانية وبقية العالم، فان الاضطراب الذهني والعاطفي والارباك والجنون سوف يكون هو السائد . حاليا – تقريبا 165 سنة بعد كتاب اصل الانواع الذي نُشر عام 1859 – العديد من الناس يشعرون بالرفعة بدلا من الانحطاط بسبب قرابتنا بالوحوش، وبكل الاشياء العضوية وغير العضوية. لكن ربما التباينات في صورة شخص ما عن العالم، بما في ذلك اختلافه هو عن الاخرين، هي ضرورية للذهن للاحتفاظ بإحساسه بالهوية؟ اذا كان الأمر كذلك، أين نؤسس الآن إحساسنا بالاختلاف؟
البعض يسقطون الاختلاف وبشكل ضار وغير مستديم على العرق او الثقافة او الجنس. و بنفس التحفيز الاساسي، العديد من النقاد يطالبون وبشدة ان الفن يجب ان يكون مزعجا ومواجها، ويدفعنا دائما الى اعادة ترتيب جذرية لأفكارنا.
كانت هناك ايضا جوانب اخرى صعبة لنظريات دارون. مقدمة خطاب وليم هيرشل William Herschel حول دراسة الفلسفة الطبيعية (1831) "أثارت حماسا شديدا في الشاب تشارلس دارون اضافت الكثير من المساهمات المتواضعة لهيكل العلوم الطبيعية" . مع ذلك، وصف هيرشل لاحقا ثورة دارون بـ "قانون الاضطراب والتشويش"، لأن كل شيء بدا يحدث بشكل مجزأ وعشوائي. كذلك، وكما يقول هكسلي T.H.Huxley،"اذا لم يكن هناك انقطاع ولا خرق في استمرارية السببية الطبيعية"، هل نستطيع كجزء من الطبيعة الحفاظ على معنى الحرية والاختيار الذي تعتمد عليه انسانيتنا؟ (حاليا، ربما هناك طرقا، مثل نظرية الأنظمة العامة، قادرة على انتشالنا من فخ الحتمية، عبر بيان مثلا ان الكون يمكن ان يتكشف بطرق غير متوقعة كثيرا، يرمي حقائق جديدة نحن جزءاً منها و يمكن ان نساهم بها بشكل واع وخلاق).
وفق المنظور المادي الخالص او الطبيعي الذي صاغه دارون،فان كل الأحكام الاخلاقية والجمالية هي وهمية، او في أفضل الاحوال، هي ذاتية فقط. اذا كان كل شيء يعمله الفرد طبيعي (لأنه لا يوجد شيء آخر يكون عليه)، لماذا نستمر بالكفاح ضد اللاعدالة، او نحاول "إنقاذ" المحيط الحيوي؟ مرة اخرى، يبدو ان الاختلافات تذوب في ظلمة رمادية حزينة ويأس معاد للانسانية.
وبالرغم من هذا، وربما جزئيا عبر تجاهل المضامين، استمر الناس بعمل التمايزات والاختيارات مدعومين ومحرّضين من جانب الطبيعة الخلاقة للّغة. الذهن البشري ككل نجا من ثورات العلم عبر الحكايات، والشعر،والتحيزات و ايجاد معنى الجمال. فمثلا، جون ستيوارت مل لجأ الى وردزورث لإنقاذه من الإنهيار العصبي الناجم عن الفراغ والكآبة في الفلسفة المادية.
يجدر الانتباه الى اسلوب فرويد الذكوري في التعبير عن وصف الثورات العلمية الثلاث بالحركات. افتراضه ان الايغو يجب ان يكون "سيدا في بيته" هو ابوي في العبارة، واشارة فرويد لنرجسية الرجل تبدو متأسسة على سيطرة الذكر الاجتماعية بدلا من ان تكون فكرة انسانية شاملة. بدلا من رؤية التحليل النفسي كفارس لإستعمار الظلام، نحن يمكننا التفكير في العقل المتجسد المستكشف لكلا الجنسين باعتباره يخلق روابطا جديدة بين الظلام والنور، العقلاني والعفوي. هذا يقودنا الى تصور الانسانية كافراد يتفاعلون بنوايا طيبة وآمال واهتمام بالملاحظات، لكن لانزال لا نتوقع ابدا معرفة المعنى التام لما يفعلون. لا توجد هناك طريقة بان الضوء العقلاني سيمتد الى كل ما حولنا، لذا يتعين الوثوق بالظلام المتبقي. بهذا الفهم،نستطيع مثلا، نؤكد القرابة مع الحيوانات التي سوف من المحتمل تبقى دائما محيرة. لاحاجة هناك لاحتضان الافاعي والنمور او الذئاب، لكن لاحاجة لايذائهم بدون سبب كاف.
في نفس الوقت هناك الحس الشعري والمرمم في ان هناك نسيج واحد للوجود: نسيج متعدد الالوان ومزخرف بشكل معقد يتضمن كل من العضوي واللاعضوي. دارون ترك بعمق بصمة من القرابة البايولوجية على الذهن الحديث، وعلم الكون الذي يشتق مكونات اجسامنا من النجوم القديمة يدفع الترابط بعيدا. لكن خيال وردزورث كان هناك سلفا عندما ننظر في مقطع مبكر حيث يكتب "قلب يهتز الى الابد، مستيقظ/ للشعور بكل الاشكال التي يمكن ان تتخذها الحياة/ ذلك الاتساع لايزال تعاطفه يمتد/ ولايرى أي خط ينتهي عنده الوجود"(مشية في المساء،1793).
ان أكبر تهديد لهذا الإحساس بكمال الوحدة ربما لايكون في النهاية أي شيء فلسفي، وانما وجود الألم الذي لايمكن توضيحه، الى جانب الحكم بان هذا الألم عظيم ايضا ومدمر،لايمكن تحمّله من جانب الكائن البشري الضعيف. نحن (ربما) نبقى منقسمين في ثنائية عاطفية لا يمكنها ابداً ان تحوّل بشكل دائم وروتيني اللامقبول الى ايجاب. دارون الذي هو ذاته عانى جدا من موت بنته الشابة بسبب المرض، مع ذلك كتب "طبقا لتقديري، السعادة تسود حتما بين الكائنات الحية، مع ذلك هذا سيكون من الصعب اثباته ... بعض الاعتبارات الاخرى،تقود الى الايمان بان كل الكائنات الحية ،كقاعدة عامة،تكونت لتتمتع بالسعادة" (السيرة الذاتية،1876). وردزورث ايضا واجه خسارة وحزن – خاص به وبالناس الآخرين – وهذا بالنسبة له اصبح جزءاً مما نستمع من "موسيقى الانسانية الحزينة والبطيئة"،والتي تبقى مسلية بشكل محير.
كتب دارون ايضا في سيرته الذاتية "الصعوبة الفائقة او استحالة تصوّرهذا الكون الهائل والمدهش، المتضمن الانسان بقدرته في النظر بعيدا الى الوراء وبعيدا نحو المستقبل، كنتيجة للحظ الأعمى او الضرورة. عندما افكر بهذا انا اشعر مكرها للنظر الى ان السبب الاول يمتلك ذهنا ذكيا بدرجة ما مشابه لما لدى الانسان، وانا استحق ان يُطلق علي مؤمنا". مع ذلك، وبصدق تام، هو يستمر لإضعاف هذا الاستنتاج بالسؤال،"هل عقل الانسان الذي،كما اعتقد، تطور من ذهن متدن كالذي تمتلكه ادنى الحيوانات، يمكن الوثوق به عندما يُطرح هكذا استنتاج عظيم؟". هو يقرر انه ليس بسبب ما يبدو من الإزدراء الدائم لعقول الغوريلا – ولهذا يقول، "انا يجب ان اكون راضيا بالبقاء لاادريا". هذا هو استنتاج دارون المتواضع. هناك جو من الشعور الكئيب في قبوله. في وردزورث نجد ادّعاء للحقيقة اكثر شمولا وإلهاما لكنه نسخة شعرية و غير دوغمائية. بالنسبة لوردزورث، الطبيعة كانت روحا تشكيلية "في عملها المظلم واللامرئي توفق بين العناصر المتنافرة".
الطبيعة المُجسدة على شكل "هي" توفر ارشادا – شيئا ما لطيفا، احيانا شرسا، لكنه دائما يضيف الى الإحساس بالمعنى، يدمج بين الفخامة والمتعة العميقة في الكون. هذه التجربة من الشعر لا تساعد في عمل ادّعاءات الحقيقة التي، بالطبع، يقترب منها الناس بوجهات نظر مختلفة هم احرار في انكارها.
وردزورث اعترف بان ما أسماه "فلسفة القرود" من المرجح ان تهاجم الشعراء واصحاب الرؤى بمثل هذه المصطلحات المهينة مثل المحتالين والمتطفلين والمتخلفين عقليا. لكننا تُركنا مع بدائل مفهومة يمكن ان نسلط عليها الضوء بشكل حاد. من هذه، استنتاج وردزورث هو بالتأكيد معقول ومحبط في آن واحد. لذا مع كل الاحترام الواجب لعالم عظيم مثل دارون، لايزال يريد إنقاذ كل من الحجر والدرع من كارثة ثقافية، يمكن القول ان وردزورث هو أفضل مرشد ومثال للحياة الانسانية.
***
حاتم حميد محسن
....................
Wordsworth&Darwin, philosophy Now Feb/Mar 2025

 

في المثقف اليوم