عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي أسعد وطفة: التَّمْجيد على مبدأ التَّفْريد

حين يسقط المثقّف الحداثيّ في فخّ العنصريّة

"النّاس صنفان: إمّا أخٌ لك في الدِّين، أو نظيرٌ لك في الخَلْق" -علي بن أبي طالب (ر)

"لدينا من الدين ما يكفي لكي نكره، وليس لدينا منه ما يكفي لكي يحبّ بعضنا بعضًا" - جوناثان سويفت

"التعصّب هو طاعون القرن الحادي والعشرين" - آموس عوز

1- مقدمة:

ما أكثر ما تُفسد العصبيّة عقولًا نحسبها قد تحرّرت منها، وما أكثر ما يعود الموروث ليتكلّم بأفواه أولئك الذين أمضوا أعمارهم يعلنون القطيعة معه. وقد تكون المفارقة أبلغ ما تكون حين نرى مثقّفًا حداثيًّا، شديد الجرأة في نقد التراث، يعيد إنتاج بعض أبنيته العميقة من حيث لا يشعر، لا بلغته القديمة، بل بمفردات أكثر أناقة وحداثة.

كنت في مجلس بين أصدقاء، وقد دار الحديث عن العلماء والمفكرين، فتحدّثت عن أبي الريحان البيروني، وعن عبقريته العلمية وإسهاماته في الفلك والرياضيات والجغرافيا والطبيعة. وما إن مضيت في الحديث حتى اعترضني أحد الحاضرين، وكان أستاذًا جامعيًّا، وقال في انفعال شديد: إن عليّ بن أبي طالب أعلم من البيروني، بل هو أعرف من البشر جميعًا بدروب السماء ومدارات الأفلاك.

سألته يومها: وما الذي جاء بعليّ إلى الحديث عن البيروني؟ فنحن لسنا في مسابقة للفضائل، ولا في حلبة لترتيب البشر. إننا نتحدّث عن عالمٍ أسهم في تاريخ العلوم، فما معنى أن نستدعي شخصية دينية كبرى كي نثبت أنها «أعلم» منه؟

لقد بدا لي الموقف آنذاك نموذجًا صغيرًا لعطب ثقافيّ كبير: نحن لا نعرف كيف نُعجب بإنسان من غير أن نبحث عمّن نضعه فوقه أو تحته. وكأنّ الاعتراف بالفضل لا يكتمل إلا بالمقارنة، وكأنّ العظمة تحتاج دائمًا إلى ضحية.

2- العظمة لا تحتاج إلى خصم:

يمكنني أن أقول إنّ فلانا من الناس شخصية عظيمة من غير أن أقارنه بأحد. ويمكنني أن أقول إنّ البيروني عالم عظيم من غير أن أبحث عمّن هو أعلم منه. ويمكنني أن أتحدّث عن نيوتن من غير أن أضع أينشتاين في مواجهته، وعن ابن سينا من غير أن أجعله في منافسة مع الرازي، وعن المتنبي من غير أن أطالب الناس بالاعتراف بأنه أعظم شاعر ولدته العربية. العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى منصة تفاضل.

ومن هنا كان ما استوقفني في حديث لأدونيس عن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقد اسْتمعْت إليه يتحدّث في فيديو مصور عن شخْصيّة عليّ بْن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم الله وجهه إلى حد الغو والمغالاة في حبه وتقديسه، وقد رفع مقامه إلى أعْلى درجات التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد، وكمْ هو جميل أنْ نتحدّث عن فضائل علي الإسلاميّة وجهاده العظيم في نشْر الإسلام وتحْقيق معانيه، فهذا أمْر جميل ومسْتحبّ وجائز، وربّما مطْلوب، على ألا يكون في الأمْر تعصّب أوْ تصلّب مذْهبيّ .

ولكنْ ما يؤْخذ على أدونيس أنْ يعْتمد منْهج التّفْضيل بيْن عليّ وغيْره من البشر، وقدْ أدْهشتْني صيغة التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد الّذي أعْطاه أدونيس لشخص للإمام عليّ (رضي الله عنه وأرضاه)، فوضعه فوْق غيْره من البشر، ووصفه بأنّه الشّخْصيّة المتفرّدة في التّاريخ الّتي تجاوزت الحدود الجغْرافيّة والأعْراق والثّقافات، إلى الدّرجة الّتي نسب فيها إليْه من الأفْضال ما ليْس في غيْره من البشر. وممّا لا شكّ فيه أنّ عليّ بْن أبي طالب شخْصيّة إسلاميّة كبيرة كان لها حضورها المتميّز في الإسلام، ويكْفيه أنّه كان الصّحابيّ الرّابع، ولا ينْسى فضْله في نشْر الإسلام كغيْره من الصّحابة رضي الله عنهم جميعًا.

ونحْن لا نخْتلف مع أدونيس في تمْجيده لعليّ بْن أبي طالب(ر)، ولكنّ يجب عليْنا أنْ نقول بأنّ تجاوز الحدود والثّقافات لا ينْفرد به عليّ وحْده، فهناك شخْصيّات إسلاميّة تاريخيّة لا تقلّ أهمّيّةً عن عليّ أوْ غيْره، مثْل شخْصيّة الفاروق عمر، وأبي بكْر، وعمر بْن عبْد العزيز، وخالد بْن الوليد، وغيْرهمْ كثير، وقد تدفق صيتهمْ وتأْثيرهمْ في الدّنْيا والثّقافات.

ومهْما يكن الأمْر، فإنّ هذا التّفْضيل – برأينا يخفي - ما لا يخفى – إذ يخْفي تعصبا مذهبيا طائفيًّا خطيرًا كامنا في عقْل أدونيس وفي ترْبته الدّينيّة، إذْ لمْ يكفّ يوْمًا عن تمْجيد آيات الله والثّوْرة الإسلاميّة في إيران على خلْفيّات دينيّة تعصّبيّة.

إنّ التّمْجيد على مبْدأ التّفْريد يفْهم بدقّة على أنّه تعصّب، ولا سيّما إذا صدر عن مثقّف يدّعي العلْمانيّة والحداثة. وعليْه فإنّ تفْضيل عليّ بْن أبي طالب على غيْره من المسْلمين يأْخذ طابع الشّدّ العصبيّ الطّائفيّ في هذه المرْحلة الّتي تتفجّر فيها العنْصريّة الطّائفيّة في بلداننا الكئيبة.

ولوْ جاء هذا التّمْجيد والتّفْريد منْ قبل إنْسان عاديّ لقبلْناه، ولكنْ أنْ يأْتي منْ قامة فكْريّة، فهذا يرمز إلى نشْوة التّعصّب الطّائفيّ لا أكْثر. ومن الغريب أنْ يحْمل رجل يدّعي الحداثة هذا العنْوان الطّائفيّ في وقْت يجب عليْنا فيه أنْ نفكّك هذه المعْتقدات العصبيّة، وأنْ نعْمل على تصْفيتها، فعمر وعليّ وعثْمان وخالد وسائر الصّحابة (رضي الله عنهم جميعًا) شخْصيّات إسلاميّة تاريخيّة انْتشرتْ فضائلهمْ في العالم، وليْس الأمْر حكْرًا على أحد وليس لأحدهم فضل على الآخر.

فالإمام عليّ كرّم الله وجهه ورضي الله عنه، لا يحتاج للمقارنة بغيره من الصّحابة الكرام الّذين أسْهموا في نشْر الإسلام وتجْسيد معانيه في الدّنْيا شرْقًا وغرْبًا. فالأوائل من الصّحابة والمسْلمين حاضرون في كلّ الثّقافات الّتي انْتشر فيها الإسلام شرْقًا وغرْبًا، وإنّ ثقافة التّفْضيل ثقافة رخيصة اليوْم؛ فلا فضْل لأحد على آخر إلّا بالتّقْوى، وإنّني لأجد أنّه من المناسب اليوْم العمل على تفْكيك العصبيّات الدّينيّة الطّائفيّة لا أنْ نحْييها، وعليْنا أنْ نعْمل اليوْم على تصْفيتها لا أنْ نغذّيها.

ويا لبؤْس الثّقافة والمثقّفين في هذا الزّمن التّعس الّذي ينْحدر فيه المثقّف الحداثيّ إلى منْحدر التّعصّب الدّينيّ المذْهبيّ الطّائفيّ. وسؤالي: ألمْ يحن الوقْت بعْد لتفْكيك العنْصريّة الطّائفيّة بدلًا منْ تغْذيتها؟  فالتقدير، فهذا حق مشروع، وإنما التفريد المطلق، أي رفع الشخصية إلى مرتبة تبدو معها فوق المقارنة وفوق التاريخ وفوق سائر الشخصيات. فهذا أمر مستهجن.

وهنا يبدأ السؤال. حين نقول إنّ شخصًا هو الأعظم أو الأكثر تفرّدًا، فالأعظم في ماذا؟ في الشجاعة؟ في العلم؟ في الزهد؟ في السياسة؟ في الأخلاق؟ في الفقه؟ في التأثير التاريخي؟ في الحضور الرمزي؟ إنّ كلمة «الأعظم» ليست حكمًا علميًّا إذا لم تُحدّد جهة العظمة ومعيارها. وأمّا العظمة المطلقة فهي في الغالب تعبير وجداني، لا حكمًا تاريخيًّا.

3- مِن المحبّة إلى الهيمنة الرمزيّة

لا مشكلة في أن يحب الإنسان شخصيّة تاريخيّة أو دينيّة حبًّا عميقًا. فالمحبّة شأن وجداني. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه المحبّة إلى معيار للحقيقة. حين يقول المحب: إن هذه الشخصية عظيمة عندي، فهذا حقه. وحين يقول: هذه الشخصية أعظم البشر، فعليه أن يبرهن. وحين يطالب الآخرين بالتسليم بذلك، لم نعد أمام محبّة، بل أمام نوع من الهيمنة الرمزيّة.

فالذاكرة الطائفيّة تقوم في جوهرها على هذه الآلية: كل جماعة تريد أن ترى رمزها أعلى من رموز الجماعات الأخرى. وكل جماعة تبحث في الماضي عن بطل تتماهى معه، ثم تمنحه من الفضائل ما يعيد إنتاج صورتها المتخيّلة عن ذاتها.

وعندئذ لا يعود التاريخ مجالًا للفهم، بل يصبح مرآةً للنرجسيّة الجماعيّة. فالتفريد ليس بريئًا دائمًا، وقد يبدو في ظاهره ثناءً بريئًا، لكنه في السياقات الطائفيّة ليس دائمًا كذلك. لأنك حين تقول إنّ شخصية واحدة تجاوزت الجميع، فأنت لا ترفعها وحدها، بل تضع الآخرين ضمنيًّا في منزلة أدنى. وهكذا يتحوّل التمجيد إلى ترتيب خفيّ للقيم. ومن هنا كانت الحساسية الشديدة في الخطاب الدينيّ؛ لأن الشخصيات الدينية ليست أفرادًا منعزلين في الذاكرة، بل علامات لهويات وجماعات وانتماءات.

والكلمة التي تبدو مجرد ثناء قد تُستقبل بوصفها انتصارًا لطائفة على أخرى. ولهذا ينبغي للمثقف أن يكون أكثر حذرًا من غيره، لا أقل. المثقف الذي لا ينقد انحيازاته، والمشكلة ليست في أن يكون الإنسان ابن بيئته؛ فجميعنا أبناء بيئاتنا. المشكلة أن يدّعي الإنسان التحرر الكامل من الموروث، ثم يتصرّف حين تلامس المسألة رموزه الخاصة كما يتصرف أكثر الناس تقليدية.

فالحداثة لا تُقاس بكمية التمرّد الظاهر على الماضي، بل بقدرة الإنسان على إخضاع موروثه هو للنقد. ومن السهل جدًا أن تكون حداثيًّا في مواجهة مقدّسات الآخرين. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ حين تصل أداة النقد إلى مقدساتك أنت. هناك يظهر الفارق بين المثقف الذي يمارس النقد بوصفه منهجًا، والمثقف الذي يستخدمه سلاحًا في مواجهة خصومه. ولهذا فإنّ السؤال الذي يثيره خطاب أدونيس هنا ليس سؤالًا عن عليّ بن أبي طالب، بل عن أدونيس نفسه بوصفه مثقفًا حداثيًّا:

هل يستطيع المثقف أن يكون نقديًّا حقًا إذا احتفظ في داخله بمناطق محرّمة على النقد؟ فالتاريخ ليس سباق خيل.   لقد تعاملنا طويلًا مع التاريخ الإسلاميّ كما لو كان سباقًا لا بدّ أن يخرج منه فائز. من أفضل؟ من أعظم؟ من أشجع؟ من أعلم؟ من أزهد؟ من أحق؟ وكأن التاريخ لا يُقرأ إلا بمنطق الترتيب.

وهذا من أفقر أشكال التفكير. فالتاريخ ليس سباق خيل، ولا جدول ترتيب، ولا منصة تتوزع عليها الميداليات. عليّ بن أبي طالب لا يحتاج إلى أن يكون أفضل من عمر كي يكون عظيمًا. وعمر لا يحتاج إلى أن يتقدّم على عليّ كي تثبت مكانته. وأبو بكر لا يحتاج إلى أن يُفضّل على عثمان. وخالد لا يحتاج إلى أن يُقارن بسواه. كلّ شخصية تُفهم في سياقها، وفي أفعالها، وفي أثرها، وفي حدود تجربتها.

السؤال الناضج ليس: من الأفضل؟ السؤال الناضج هو: ماذا فعل؟ وكيف نفهم تجربته؟ وهذا الفارق الصغير في صيغة السؤال هو الفارق الهائل بين العقل التاريخيّ والعقل الطائفيّ.

4- حين يصبح الماضي وقودًا للحاضر

مشكلتنا ليست في الماضي ذاته، بل في الطريقة التي نستخدمه بها. نحن نعيد تعبئة الماضي داخل صراعات الحاضر، ونستنطق الموتى لكي يخوضوا معاركنا. نستدعي الصحابة والأئمة والفقهاء والقادة، لا لكي نفهمهم، بل لكي ننتصر بهم. وهكذا يتحوّل التراث من ذاكرة إلى ذخيرة. ومن معرفة إلى تعبئة. ومن تاريخ إلى اصطفاف. وعندما يفعل المثقف الشيء نفسه، فإنّ المشكلة تصبح أشدّ مرارة؛ لأنه يُفترض أن تكون وظيفته تفكيك العصبيّة، لا تزيينها بلغة ثقافيّة رفيعة.

5- لا تصغّروا الآخرين كي يكبر أبطالكم:

ثمة عبارة أراها جديرة بأن تصبح قاعدة في قراءة التاريخ: لا تُصغّروا الآخرين كي يكبر أبطالكم.

إذا كان عليّ عظيمًا وهو كذلك، فدعوا عظمته تتكلم من خلال سيرته. وإذا كان عمر عظيمًا وهو كذلك، فليتكلم تاريخه. وإذا كان البيروني عبقريًّا، فلتشهد مؤلفاته. العظيم لا يحتاج إلى هزيمة أحد.

والفكرة الكبرى لا تحتاج إلى تحقير فكرة أخرى كي تكتسب قيمتها. والمحبّة الناضجة لا تحتاج إلى أن تتحول إلى مفاضلة. بل إنّ التمجيد الذي لا يستطيع أن يعيش من دون مقارنة يكشف في الغالب عن خوف خفي: الخوف من ألا تكون الشخصية عظيمة إلا إذا جعلنا غيرها أقل عظمة.

6- العصبيّة حين ترتدي ثياب الحداثة:

للعصبيّة أشكال قديمة نعرفها: الشتيمة، والتكفير، والتحريض، والانغلاق. لكن لها أيضًا أشكالًا حديثة أكثر أناقة. قد ترتدي لغة الشعر. وقد ترتدي مفردات الفلسفة. وقد تتحدث باسم الحداثة والتحرر. لكن البنية العميقة تظلّ هي نفسها: نحن وهم، رمزنا ورمزهم، بطلنا وبطلهم، تفوقنا ونقصهم. وهنا تصبح الحداثة قشرة لغوية فوق وجدان لم يغادر منطق العصبية.

وتلك مفارقة مؤلمة. فما قيمة أن نهدم الأساطير القديمة ثم نصنع لأنفسنا أساطير جديدة؟

وما قيمة أن ننتقد التقديس حين يقع عند الآخرين، ثم نمارسه في موضع آخر؟ إن المطلوب: عقل تاريخي لا ذاكرة مقاتلة لسنا في حاجة إلى محو الماضي، ولا إلى تحطيم الرموز، ولا إلى مطالبة الناس بالتخلي عن محبّتهم لشخصياتهم التاريخيّة. المطلوب أبسط وأصعب في آن:

أن نحبّ من غير أن نكره. أن نُجلّ من غير أن نحتقر. أن نختلف من غير أن نرتب البشر في سلالم الطوائف. أن نقرأ التاريخ بوصفه تاريخًا، لا سلاحًا هوياتيًّا. وأن نحرّر الشخصيات الكبرى من الاستخدام الطائفيّ الذي جعلها رهائن لصراعات لم تختَرها.

7- الخاتمة

أما آن للمثقفين العرب، من جميع الاتجاهات والمذاهب، أن يعلنوا هدنة مع هذا الولع المرضيّ بالتفاضل؟ أما آن لنا أن نتوقف عن السؤال: من أفضل من؟ أما آن لنا أن ندرك أنّ كل مفاضلة طائفيّة تنطوي في باطنها على انتقاص من الآخر، وأن كل تمجيد مطلق لشخصية دينية يمكن أن يتحول، في مجتمع مأزوم طائفيًّا، إلى وقود جديد للانقسام؟

إنّ عليّ بن أبي طالب أكبر من أن نستخدمه في معارك المفاضلة. وعمر أكبر من أن نحوله إلى نقيض له. وأبو بكر وعثمان وخالد وسائر الشخصيات التاريخيّة أكبر من أن نختصر حضورهم في مسابقة للفضائل. والثقافة أرفع من أن تجعل التاريخ ساحةً لتصفية العصبيّات. إنّنا لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الأبطال الذين نضعهم فوق بعضهم، بل نحتاج إلى مزيد من العقل والتعقل والعقلانية .

وهذا يعني أننا لا نحتاج إلى تضخيم الذاكرة التراثية وتفخيخها، بل إلى فهمها وتخليلها و تفكيكها. وعليه لا نحتاج إلى تمجيد يُقصي ويصنف ويبعد بل إلى فهم يعي ويدرك ويستوعب دون تحيز أو تعصب .  وحين يستطيع المثقّف أن يقول عن رمزه: «أحبّه وأقدّره، لكنني لا أحتاج إلى أن أجعله فوق البشر»، يكون قد خطا أولى خطواته الحقيقية نحو الحداثة الإنسانية الحقيقية ـ أما أن نهدم العصبيّة في كتبنا ونبعثها حيّة في وجداننا، فتلك ليست حداثة، إنها فقط عصبيّة قديمة بملابس جديدة.

وسؤالي إلى المثقفين من كل الطوائف والملل ألم يحن الوقت كي نقدم رؤية موضوعية للتاريخ الإسلامي وشخصياته دون تفضيلات ودون عصبيات مذهبية أو دينية. لأن تناول هذه الشخصيات يحمل في ذاته معاني دينية مذهبية، والأمر هنا خطير وحساس إذ لا يجب أن نقلل من شأن أحدهم دون الآخرين، أو أن ترفع بعضهم فوق بعض بالتفضيل. ولو كان الأمر يتعلق بشخصيات علمية أو فكرية أو لما كان في الأمر ما نخشاه، فعلى سبيل المثال لو قلت إن البيروني عالم فاق فضله جميع العلماء قد يجوز وإن كان في القول بعض المبالغة. ولكن الشخصيات التي تحمل معان دينية فيجب علينا أن نحذر لأن هذا الأمر يغذي النفوس بالتعصب والكراهية

وأخيرا نقول بأنه في أي حال إذا أردنا أن نبجل شخصية تاريخية يمكننا أن نفعل ذلك دون المقارنة بينها وبين شخصيات أخرى على مبدأ التفضيل المطلق . وعلى هذه الصورة يمكننا أن نمجد – إذا كان التمجيد مشروعا – بشخص ما دون حدّ التقديس ودون مقارنته بأشخاص آخرين أي: خارج مقارنات التفوق والتفضيل. ولكننا في حالة التفضيل على مبدأ التفريد فإننا ننتقص من قيمة اشخاص لحساب أشخاص أخر. وعلى هذه الحالة يمكننا أن نمجد عليا أو عمرا أو خالدا (رضي الله عنهم) أو البيروني أو الفارابي أو ابن سينا دون أن نفاضل بينهم أو بينهم وبين أحد آخر ولكل منهم فضله العظيم.

***

د. علي أسعد وطفة

جامعة الكويت

في المثقف اليوم