عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: مشكلة التأسيس المعرفي في الفلسفة المعاصرة

حدود العقلانية ومقتضيات النقد

يحتل سؤال التأسيس المعرفي موقعا مركزيا في تاريخ الفلسفة لأنه يتصل بالشرط الذي يجعل المعرفة ممكنة وقابلة للتبرير، وبالحدود التي ينبغي أن تقف عندها دعاوى العقل حين تنتقل من وصف الظواهر إلى بناء أحكام كلية بشأن الحقيقة والإنسان والعالم. وقد اكتسب هذا السؤال في الفلسفة المعاصرة تعقيدا خاصا نتيجة التحولات التي مست مفهوم العقل نفسه وأعادت النظر في صورة الذات العارفة وفي طبيعة الموضوع الذي تتجه إليه المعرفة وفي الوسائل التي تستند إليها عملية التبرير. فقد تراجعت الثقة في إمكان إقامة معرفة مؤسسة على مبادئ يقينية ثابتة وبرزت اتجاهات فلسفية جعلت من تاريخ المفاهيم وبنية اللغة وشروط التواصل وتجربة الوعي وتعدد المنظورات عناصر حاسمة في فهم فعل المعرفة.

ولم يعد هذا السؤال يطرح اليوم بالصورة نفسها التي طرح بها في أوج المشروع العقلاني الحديث، حين منحت مسألة التأسيس صياغة قوية جعلت العقل مرجعا وحيدا لتحديد ما يمكن قبوله بوصفه معرفة صحيحة. فقد كشفت فلسفة اللغة عن الطابع البنيوي للمفاهيم التي نفكر بواسطتها وأبرزت الفينومينولوجيا أن كل معرفة تنبثق من تجربة معيشة سابقة على كل تجريد نظري وأظهرت الهرمنيوطيقا أن الفهم فعل تاريخي وتأويلي لا يمكن فصله عن أفق الذات التي تفهم، فيما بينت فلسفة العلوم أن النظريات ليست انعكاسات محايدة للواقع بل بنى مفهومية مرتبطة بتقاليد بحثية متغيرة. أمام هذا الزخم من المراجعات وجدت الفلسفة المعاصرة نفسها مطالبة بإعادة صياغة سؤال التأسيس من جذوره حيث لم يعد الأمر يتعلق بالبحث عن نقطة انطلاق يقينية مطلقة بقدر ما بات يتعلق بفهم الشروط التاريخية واللغوية والتواصلية التي تجعل الادعاء المعرفي قابلا للتبرير والمناقشة والمراجعة.

وتتضح خطورة هذا التحول حين نلاحظ أنه يضع الفكر أمام معضلة دقيقة الحدود، فإذا كان كل تأسيس مشروطا بسياق تاريخي أو لغوي معين، أفلا يفضي ذلك إلى ذوبان فكرة الحقيقة في نسبية شاملة تسوي بين كل الأحكام؟ وإذا كانت الذات العارفة كائنا متموضعا داخل التاريخ واللغة والمجتمع فهل يبقى لمفهوم العقلانية معنى متماسك يميز بين الحجة القوية والحجة الواهية؟ تستدعي الإجابة عن هذه الأسئلة تجاوز الثنائية التقليدية التي حصرت الخيار الفلسفي بين عقلانية صلبة تدعي امتلاك أسس نهائية ونزعة نقدية جذرية تنتهي إلى نفي إمكان كل معيار مشترك.

كان المشروع العقلاني الحديث قد اتخذ أشكالا متعددة من البحث عن يقين أولي تستند إليه بقية المعارف إلى بناء نسق من المبادئ يضمن انتظام التفكير واتساقه. ارتبطت هذه النزعة بفكرة أن المعرفة تحتاج إلى أساس يمكن الرجوع إليه عند اختلاف الآراء، وأن العقل قادر من حيث المبدأ على اكتشاف القواعد التي تجعل الحكم مبررا. غير أن التجربة الفلسفية اللاحقة كشفت عن صعوبات عميقة في هذا التصور إذ إن كل تأسيس يستند إلى مبدأ معين يحتاج إلى بيان مصدر صلاحية ذلك المبدأ وكل معيار يستخدم لتبرير المعرفة يثير سؤالا جديدا حول مشروعيته هو نفسه. ويظهر خطر الدور المنطقي حين يحاول العقل أن يؤسس شروط العقلانية بواسطة أدوات لا يملك مبررا مستقلا عن العقل لاستخدامها.

تزداد المسألة تعقيدا حين ننتبه إلى أن المعرفة الإنسانية لا تتكون في فراغ مجرد وإنما تتشكل داخل اللغة والتاريخ والمجتمع ومؤسسات التعليم والتواصل. فالذات العارفة ليست عقلا معزولا عن العالم وإنما كائن يتلقى مفاهيمه داخل أفق ثقافي ويستعمل لغة سبقت وجوده ويخضع لأنماط من التصنيف والتأويل تحدد جزئيا ما يستطيع رؤيته وصياغته. وقد كان هذا الوعي من أهم التحولات التي دفعت الفلسفة المعاصرة إلى مساءلة النموذج التقليدي للذات الشفافة التي تمتلك مبادئ معرفتها بوضوح كامل.

إن حضور التاريخ في المعرفة لا يعني سقوط العقل في النسبية وإنما يفرض إعادة تحديد مفهوم العقلانية بحيث يصبح أكثر حساسية لشروط إنتاج المعرفة وحدودها. مع ذلك فإن نقد الأساس المطلق يضع الفلسفة أمام مأزق بالغ الدقة. فالنقد الفلسفي يحتاج إلى معيار يستطيع بواسطته التمييز بين الحجة الأقوى والحجة الأضعف وبين التبرير المقبول والادعاء الذي يفتقر إلى السند. وحين يفقد النقد هذا المستوى من التمييز يتحول إلى موقف هدمي لا يستطيع تفسير مشروعيته الخاصة. لذلك يبدو أن المعضلة الأساسية لا تتمثل في الاختيار بين عقلانية صلبة ونقد جذري وإنما في البحث عن صورة للعقلانية تستوعب النقد من داخلها. العقلانية التي تستحق الدفاع عنها ليست تلك التي تتصور العقل جهازا مكتفيا بذاته وإنما عقلانية إجرائية وانفتاحية تقبل قابلية المراجعة وتقر بتعدد مصادر المعرفة وتخضع حججها للفحص العمومي. ويكتسب التأسيس المعرفي حينئذ معنى مختلفا؛ إذ لا يعود تأسيسا على قاعدة مطلقة، وإنما تأسيس يقوم على شبكة من المبررات المتبادلة وعلى قدرة التصورات على الصمود أمام الاعتراض والاختبار وإعادة الصياغة.

يستدعي هذا التحول إعادة النظر في مفهوم اليقين، فالفلسفة الحديثة ربطت المعرفة بدرجة عالية من اليقين، بينما تسمح الإبستمولوجيا المعاصرة بالتمييز بين اليقين النفسي والوجاهة المعرفية؛ فقد يكون المرء شديد الاقتناع بحكم معين من غير أن يمتلك أسبابا كافية لقبوله، وقد تكون قضية ما قوية تبريريا مع بقائها مفتوحة للمراجعة. تكمن أهمية هذا التمييز في أنه يحفظ للمعرفة طابعها العقلاني من دون أن يحملها شرط العصمة، فالمعرفة العلمية نفسها تتقدم عبر الفرض والاختبار والنقد والتصحيح وتستمد قوتها من قابليتها للكشف عن الخطأ لا من حصانتها المطلقة أمام المراجعة. ويرتبط هذا التصور أيضا بمسألة المسؤولية إذ يعني قبول قضية على أساس حجج معينة تحمل مسؤولية بيان هذه الحجج وحدودها؛ فالمعرفة ليست تراكما للمعلومات وإنما علاقة بين ادعاء ومبرر وفاعل معرفي قادر على مساءلة نفسه والآخرين.

وتتضح أهمية هذا المنظور في مواجهة النزعات النسبية التي جعلت اختلاف الأطر الثقافية دليلا على استحالة وجود معايير مشتركة. صحيح أن اختلاف السياقات يؤثر في الأسئلة والمفاهيم وأولويات البحث، غير أن هذا لا يستلزم استحالة الحوار بينها؛ فإمكان الترجمة المفهومية والاعتراض المتبادل واكتشاف التناقض داخل موقف معين، كلها تشير إلى وجود حد أدنى من المشترك العقلاني. والنقد المعاصر للعقلانية يكتسب قيمته حين يعمل على توسيع مفهوم العقل لا حين يسعى إلى إلغائه. فالعقل الذي يتعلم من أخطائه أكثر قدرة على إنتاج معرفة متينة من عقل يعتقد في كماله ويصبح النقد بذلك جزءا داخليا من العقلانية ويغدو التأسيس عملية مستمرة تتجدد كلما ظهرت معطيات أو اعتراضات جديدة.

على هذا الأساس تكشف مشكلة التأسيس المعرفي انتقالا عميقا من البحث عن نقطة بداية مطلقة إلى البحث عن شروط معقولة لإنتاج المعرفة وتبريرها؛ فلم يعد السؤال مقتصرا على ماهية الأساس الذي تقوم عليه المعرفة بل صار يشمل كيفية تكون المبررات وسبل اختبارها وما يجعل حكما ما قابلا للدفاع عنه أمام جماعة من الفاعلين المعرفيين. تتحدد قيمة هذا المسار في كونه يحرر الفلسفة من ثنائية مغلقة، إما عقل يمتلك أساسا يقينيا وإما نسبية تذيب كل معيار. فحدود العقل ليست حدا خارجيا يقف عنده التفكير وإنما معرفة بما لا يستطيع العقل إثباته وبالافتراضات التي ترافق أحكامه وبإمكان الخطأ الكامن في كل بناء معرفي. وحين يصبح الوعي بالحدود جزءا من العقلانية ذاتها يتحول النقد من قوة هدم إلى طاقة تأسيس.

يصعب فهم عمق هذا التحول من غير العودة إلى اللحظة الكانطية التي أعادت صياغة سؤال المعرفة من أساسه. فكانط حين وجه نقده إلى العقل الخالص لم يكن يسعى إلى هدم العقلانية بل إلى تحديد شروط إمكانها مميزا بين ما يمكن للفكر معرفته موضوعيا وما يظل خارج حدود التجربة الممكنة، فجعل من النقد ذاته فعلا تأسيسيا لا هداما. غير أن هذا التحديد ظل يفترض بنية ثابتة للذهن كقوالب قبلية للزمان والمكان والفهم التي تجعل المعرفة ممكنة بصورة متعالية عن كل سياق، وهنا بدأت الفلسفة اللاحقة تتساءل: هل هذه الشروط ثابتة فعلا أم أنها نتاج تاريخ وتجربة ولغة؟

مع هوسرل ينتقل السؤال إلى بنية الوعي وهو يتجه نحو العالم؛ فالمعرفة عنده علاقة قصدية إذ لا يوجد الوعي أبدا من غير أن يكون وعيا بشيء. وقد حاول عبر الرد الفينومينولوجي أن يضع جانبا كل افتراض مسبق حول طبيعة الواقع ليعود إلى الأشياء كما تعطى للوعي مباشرة. لكن هوسرل نفسه اكتشف في أواخر مساره أن هذا الوعي لا يعمل في فراغ بل داخل ما أسماه عالم الحياة، ذلك الأفق المشترك من المعاني الذي يسبق كل معرفة علمية ويجعلها ممكنة، فأدرك أن التأسيس الحقيقي ليس في مبدأ مجرد بل في العودة إلى هذا النسيج الحي من التجربة.

سيذهب هايدغر إلى ما هو أبعد معتبرا أن السؤال عن المعرفة سؤال متأخر لأنه يفترض ذاتا منفصلة عن العالم تحاول معرفته من الخارج، في حين أن الإنسان منغمس فيه أصلا قبل أن يتخذ منه موقف المتأمل النظري. فالفهم عنده بنية وجودية أصلية لا ملكة معرفية إضافية، ومن هذا المنطلق ينتقد تاريخ الميتافيزيقا الغربية بأكمله بوصفه نسيانا للسؤال عن الوجود لصالح الانشغال بضبط الموجودات والسيطرة عليها.

تأخذ غادامير هذا الخيط الهرمنيوطيقي وتطوره في اتجاه أكثر التصاقا بمسألة التأسيس؛ فهو يرفض الصورة التي تجعل من الأحكام المسبقة عائقا ينبغي التخلص منه ويرى أنها هي الشرط الذي يجعل الفهم ممكنا أصلا إذ لا فهم من العدم ولا قراءة خالية من أفق مسبق. لكن هذا لا يعني الوقوع في أسر التحيز لأن الفهم يتحقق عبر اندماج الآفاق، حيث يدخل أفق القارئ في حوار مع أفق النص فيتعدل كل واحد منهما بفعل هذا اللقاء، في عملية تصحيح متبادل مستمرة تضيف بعدا حواريا وتاريخيا إلى فكرة المبررات المتبادلة التي أشرنا إليها سابقا.

في مسار مختلف يقدم بوبر حلا آخر لا يقوم على العودة إلى التجربة المعيشة أو التاريخ، بل على إعادة تعريف العقلانية العلمية ذاتها، إذ يرفض فكرة أن المعرفة تبنى بالتحقق التراكمي من فرضيات صحيحة ويقترح أن قيمة النظرية تكمن في قابليتها للتكذيب أي في استعدادها لأن تدحض بالتجربة. فالعلم يتقدم بالتخلص من الفرضيات الخاطئة عبر النقد المستمر، وهو ما يسميه بالعقلانية النقدية، موقف لا يبحث عن يقين يستريح إليه بل عن استعداد دائم لمواجهة الفرضية بمحاولة دحضها، وهو ما يمنح مضمونا منهجيا دقيقا لفكرة أن قوة الفكرة تقاس بصمودها أمام الاعتراض لا بحصانتها المسبقة.

أما هابرماس فينقل السؤال من علاقة الذات بالموضوع إلى علاقة الذوات بعضها ببعض، ويرى أن العقلانية تتحقق في فعل التواصل والحجاج بين فاعلين يسعون إلى تفاهم متبادل. فالادعاء المعرفي لا يكتسب صلاحيته من مطابقته لواقع خارجي وحسب، بل من قدرته على الصمود أمام نقاش عمومي حر تختبر فيه الحجج بعيدا عن كل إكراه، في ما يسميه وضعية الكلام المثالية. صحيح أن هذا النموذج يظل أفقا تنظيميا أكثر منه واقعا محققا لكنه يمنح فكرة التأسيس التبريري بعدا أخلاقيا وسياسيا واضحا. وفي المقابل يأتي فوكو ليذكر بأن هذا الحوار العقلاني نفسه لا ينعقد في فراغ من علاقات القوة، فما يعتبر في حقبة معينة معرفة صحيحة وما يستبعد بوصفه لا معقولية ليس نتيجة محايدة لفحص عقلي خالص بل نتاج أنظمة خطاب وسلطة تتحكم فيما يمكن قوله وفيمن يحق له أن يتكلم باسم الحقيقة. ومشروعه لا يهدف إلى نفي وجود حقيقة بل إلى كشف الشروط التاريخية والسلطوية التي تجعل خطابا بعينه يظهر بمظهر الحقيقة الطبيعية والبديهية.

حين تقرأ هذه المسارات معا يتبين أن كلا منها يضيء وجها مختلفا من المشكلة نفسها، من كانط نتعلم أن كل معرفة تفترض شروط إمكان يجب فحصها، ومن هوسرل أن هذه الشروط متجذرة في تجربة معيشة سابقة على كل تنظير ومن هايدغر أن الفهم نفسه أقدم من فعل المعرفة النظري ومن غادامير أن الحوار مع التقليد هو طريق الفهم الذي يتجاوز التحيز من غير أن ينكره ومن بوبر أن قابلية النقد هي علامة العقلانية الحقة لا اليقين ومن هابرماس أن صلاحية الحكم تختبر في فضاء تواصلي مشترك ومن فوكو أن هذا الفضاء نفسه ليس بريئا من علاقات القوة التي ينبغي كشفها باستمرار.

ومستقبل التأسيس المعرفي لا يكمن في اختيار واحد من هذه الاتجاهات على حساب البقية بل في القدرة على استيعابها معا داخل تصور واحد للعقلانية، عقلانية تعرف حدودها الترنسندنتالية كما بين كانط وتصغي إلى التجربة المعيشة كما طلب هوسرل وتعترف بتاريخيتها ووجوديتها كما أوضح هايدغر وتنخرط في حوار متجدد مع تراثها كما أراد غادامير، وتظل قابلة للتكذيب والمراجعة كما أصر بوبر وتبحث عن مشروعيتها في الحجاج التواصلي كما تصور هابرماس، ولا تكف عن مساءلة الشروط السلطوية لخطابها كما علمنا فوكو. فلا يبدو أن الفلسفة المعاصرة تملك ترفا اختيار عقل بلا حدود أو التخلي عن العقل كليا لصالح فوضى الآراء بل هي مطالبة بأن تعيش في تلك المسافة الدقيقة بين الطرفين، مسافة يقظة دائمة لا تمنح نفسها راحة اليقين ولا تستسلم لإغراء العدمية.

وهذه بالضبط هي القيمة الكبرى لهذا المسار الممتد من كانط إلى فوكو، أنه علم الفلسفة أن تشك في ذاتها من غير أن تفقد ثقتها في إمكان الحقيقة وأن تفحص أدواتها من غير أن تتخلى عن استعمالها وأن تعترف بتاريخيتها من غير أن تحكم على نفسها بالعجز عن قول شيء صحيح. فالعقل الذي يخرج من هذه الرحلة النقدية الطويلة ليس عقلا أضعف مما كان بل عقلا أكثر نضجا لأنه تعلم أن قوته الحقيقية لا تكمن في ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة منذ البداية بل في القدرة على السير نحوها بخطى حذرة محاطا بالسؤال والنقد والحوار عارفا أن كل محطة يبلغها ليست النهاية بل دعوة متجددة لمواصلة السؤال.

***

د. حمزة مولخنيف

 

في المثقف اليوم