الفيلسوف رجل عمومي بالضرورة. لا يستطيع - بحكم فيزياء الفكر - أنْ يكون كائناً آخر. أهميته للعقول كأهمية "المسلة الفرعونية" وسط ميدان بلا أسوار، أو مثل"اهرامات الفراعنة" في مساحة تخص كل البشر. الفيلسوف لا ينتمي إلى جانبا الفردي من الحياة، بل يتعذر خطف عقله لاغراض خارج أدواره الحُرة. يمارس فكراً ذا سمات إنسانية في صلب الواقع، ولكنه لا يجيد زحفاً أو تسلقاً خلف الناس، وتصعب السيطرة عليه دون فقدان الرؤية الكلية للعالم والأشياء. إنه كائن موضوعي داخل المجتمع لا غير. حركة عقله في جميع الاتجاهات، لا يعرف الالتواء، لكونه نافذاً كالضوء الأكثر انتشار اً وشفافيةً... أو هكذا يجب أن يكون!!
وبالأصالة عن وجوده، الفيلسوف يتيم فكرياً intellectually orphaned منذ الولادة حتى الممات. وبلغة الواقع، هو نزيل إجباري في الأسواق والساحات والأروقة العمومية. لا فيلسوف يتحدث إلى نفسه، ولا يجري وراء السحب. ولكنه قد يصمت بشكل دال كصمت أبي الهول وسط تقلبات الزمن والأحوال، ويتكلم على شاكلة الطبيعة الطابعة بعبارة سبينوزا، لأنه يبتكر مفاهيم ومعاني جديدة لا يمتلكها سواه. هذه الجوانب يتحقق فيها النصيبُ الأوفر لإنسانيتنا المشتركة بخلاف الأفراد.
الشارع أخطر فضاء قد يشغله الفلاسفة بصورةٍ حُرةٍ. إنه البيئة الفلسفية الأصيلة لنمو أفكارهم. وإذا كانت البريّة هي البيئة الطبيعية للكائنات الحية، فالفلاسفة كالاشجار العملاقة التي تقوى بقوة العيش وأنفاس الحرية. لا يملكون بضاعةً مزجاةً، ولا صوتاً خاصاً كمقطوعة موسيقية ضائعة وسط الضجيج، بل يرسمون معالم لحياة كاملة، ولا يحددون نقاطاً لعبور الشوارع، بل يدربون عقولاً وقيماً وأفكاراً على الصمود في وجه العواصف.
عندما تكثر الادعاءات إزاء نسب الفيلسوف أو حين يتم تبنيه من قبل أنظمةٍ معرفيةٍ أو سياسيةٍ أو ايديولوجيةٍ، فقد خُطف عقله تحت جنح الظلام. في المقابل هو يصرُ اصراراً على عدم الاعتراف ببنوته لأي أبٍ، سواء أكان إلهاً أم امبراطوراً أم سلطة أم كاهناً. وبدوره لا يقرر الفيلسوف كونه أباً لأحد مرجعاً كان أم أصلاً أم شخصاً ناطقاً بلسانه أم نسقاً، فهو بالطبيعة عصي على التملك الشخصي. الفيلسوف ضامن لوجوده الحر من أول وهلة.
الفلسفة في إحدى دلالتها هي التدرب على فن" اليُتم العمومي"، لا تقبل الأبوة المجانية على قارعة الطرقات. كل فيلسوف له باع طويل في طريق اليُتم إلاَّ من إبداعاته الحرة. إن فيزياء الفلسفة منحوتة من جسم ما هو عمومي. والعمومية التي لا تنتسب إلى أب أو أم إلاَّ من العقل والحرية والإنسانية.
ولكن كم أظهر التاريخ أن الفيلسوف وقع ضحية لأكبر عملية سرقة من سلطات أخرى أو وقع في فخ الاحتيال من تلقاء نفسه. في الحالين تخلى عن مهامه العمومية، جرى تحريف ما يقال فلسفياً، حتى سقط في دائرة هيمنة محكمة التفاصيل خطفاً لفاعليته.
السؤال: من سرق الفيلسوف؟ وماذا لديه حتى يُسرق؟، وماذا سرق منه تحديداً؟ وأين سيذهب اللصوص بالسرقات؟
اللص الرمزي
لم تترك المجتمعات البشرية الفيلسوف خارج القيود، تاريخياً حاصرته ألعاب الثقافة في أحد زواياها المفتوحة. حتى ولو كان بطريقة وثيرة. الأمر جرى بنوع من الترويض للفكر في محميات عامة دون قيود ظاهرةٍ. قد يقال إن وجود الفيلسوف شيء رمزي ضمن المجتمع، وأنه من العلامات على حيوية الأفكار لا التطبيق. ولكن وصفاً كهذا وضع اغلالاً في يديه، ولن يقوى عقله على النظر ولا طرح الأسئلة خارج الاسوار.
يظن البعضُ أن ذلك اقرار بمكانة الفيلسوف في المجتمعات، ولكن الأمر أكثر احتيالاً من هذ اللعبة. قديماً أُطلق على سقراط" أب الاثينيين father of Athens"، واتسع الوصف إلى حد اعتباره "أب الفلسفة الغربية Father of Western Philosophy" قاطبةً. وذلك لم يكن من دواعي التبجيل، بل نوع من الاحتواء الناعم لخطورة أسئلته الكاشفة. عندما لا تقوى الثقافة على استيعاب خطورة أحد فاعليها، تمنحه مكانة سامية أخرى. حتى يظل حبيس سلطةٍ وهميةٍ لا يستطيع انفصالاً عنها. لأنَّ الوعي العام لا يتقبل بأريحية مُساءلة مرجعياته. كيف يتقبل هذا الوعي شيئاً مختلفاً عنه؟ ليس الأمر عادياً من تلك الزاوية، لأن النقد محظور لدرجة التحريم ويعلم الوعي كونه حاملاً لأبنية أخرى.
الأبوة لا تلوي على دلالةٍ غير محببه للأشخاص أصحاب المكانة. لأنها تُرشق إحساسهم الجمعي في درجه أعلى من الوجود. وفي الوقت ذاته تُزيح عناء التنقيب عن أدوار خطيرة ينشدونها. وحتى لو أراد الأب اجهاد فكره بالأسئلة السقراطية كحال الفيلسوف اليوناني، فالأبوة تجعلها مقبولةً كلون من النصائح. هل ثمة أب لا يقول نصائح لأبنائه من وقت لآخر؟ هل ثمة أب لا يكون مصدراً لحِكم غائبة عن الأجيال التالية؟ هل يوجد أب لم يمر بتجارب شتى؟ الأب في مكانة غير قابلة للتأثير بموجب رفعه إلى مكانة خادعه. الاب يلعب لعبته المزدوجة: موقعه الخادع له قبل غيره، وصورة مزيفة للواقع.
الألقاب السلطوية تصادر عقل فيلسوف بأدوات رمزية. وهناك من يقبل ذلك تحت عناوين راهنة براقة مثل: جوائز الدول وأنواط التكريم ورمزية المناصب والظهور الاعلامي واللقاءات المجانية وصناعة السياسات وتخطيط المجتمع. عناوين مشبعة بالتحجيم الوثير لحركة الأفكار وحجب النقد. كأنها تقول فليكن المفكرون تحت السيطرة، عوضاً عن حرية المجال العام الذي لا تحسب عواقبه. ما حدث مع اليوناني سقراط استبق كل العناوين المعاصرة في اختراع حيل الثقافة تجاه الفكر. إن كافة الثقافات- غرباً أم شرقاً - لجأت إلى تقنيات تعويضية لطي خطورة الفلسفة.
ولأن سقراط فيلسوف الاستفهام بالمقام الأول، فلم يكن ممكناً السيطرة عليه. كان الأب مصدرَ ازعاج لمجتمع أثينا. لم يكن كلامُه حكّماً ونصائح، بل أسئلة كاشفة إلى نهاية المدى. وسُمي أسلوبه الحواري بطريقة التهكم والتوليد. بحيث يعرض ما لدى الجماهير من معتقدات وآراء وأفكار غير صحيحة، وفجأة يجدها الفيلسوف جديرة بالرثاء. حتى تفقد بريقها تدريجياً لدى أصحابها ويكون الناس مهيئين إلى المناقشة والتفكير الحر. فالحرية ليست مقولة فارغة المحتوى، بل مستوى من الامتلاء الإنساني الحر. وأخذ أسلوب سقراط ينتشر في انحاء جسم المجتمع الاثيني. حتى قضَّ مضجع القوى الثاوية تحت الركام.
أزعج سقراط القوى الدينية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية كأخطر ما يكون ازعاج الفيلسوف. أخذ يطن طوال الوقت بما يراه تحقيقاً لمهمة الفلسفة. فلا يصح استنامة العقول، بل يجب ايقاظ ملكاتها النقدية. الفيلسوف كائن طنان ينتقل من فضاء إلى آخر ، رأى في كل المجال العام مُناخه الأثير. فعلاً أُطلق على سقراط ذُبابة خيول أثيناGadfly of Athens. وصفٌ أطلقه الناس نتيجة حوارات سقراط، وقد عاود إطلاقه على أعماله بين الناس أثناء محاكمته المشهورة، لأنه كان يُوقظ المدينة بأسئلته المستفزة كذبابة تلسع حصاناً ضخماً كسولاً.
الفيلسوف في المجال العام كـ "ذباب الخيل" الذي لا يهدأ. يطن ويدور ويطير هنا وهناك، ويلسع بوصفه رمزاً للإزعاج المتواصل وعلامة الفضول ودليل المثابرة. ونظراً لضرباته اللاسعة وملاحقته الحثيثة للحيوانات والبشر، فلم يكن محل ترحيب. ولكن ليس اسلوب سقراط طنيناً تافهاً، بل أسهم في توليد الأفكار. ساعد الناسَ على التفكبير بطريقة أفضل. ودفعهم للانخراط في الحياة المشتركة كأقوى ما يكون التفاعل. فقد أطلق على سقراط أيضاً" قابلة العقول Midwife of Mind"، لأنه يولد رؤى جديدة كالقابلة التي تستقبل الأطفال إلى الحياة. الفيلسوف يمتلك فنون الولادة رغم حالة يتمه الفكري. وحده هذا الكائن العمومي يعرف جيداً مخاض العقول وآلام تحولاتها.
في الفكر الاسلامي كان ابن سينا مُلقباً بالشيخ الرئيس. وليس من مبرر للقب كهذا طالما لا تتداخل الأفكار مع حياة الناس. هناك لقب الشيخ بكل حمولته الدلالية، لأنه اشتغل بالعلوم والمعارف الطبيعية والطبية والعلوم الإنسانية، الفلسفة وعلوم الدين والروحانيات. والشيخ لقب من باب التقديس والرمزية بالنسبة لمن خبر مجالاً وله باع طويل في دروبه. مثل لقب "المعلم" كشخص حازق وماهر في بابه. ويُخلع على ابن سينا لقب الرئيس، نظراً لكونه تقلَّد الوزارة في عصره. اللقب يدخل تحت سياسات الأسماء، ولكنه يصطنع قيداً للشخص الرمزي ويحول دون تأثير فكره. نظراً لأن الشخص فرد عادي. في حين أنَّ الرمز يخرج ليملأ المكانة التي لا تُخدش في ذهنية البشر.
كان ابن سينا مشهوراً في الطب وطرق العلاج، ولكنه لم يتمتع بالمكانه ذاتها على صعيد الثقافة. لأن الفلسفة في شرقنا العربي موضوعة تحت الاقامة الجبرية منذ أول يوم حتى اللحظة. وجرى سرقة دلالتها لتغدو مهمشةً في محميات الثقافة العربية المتواتر تكوينها من عصرٍ إلى آخر. المجال العمومي تم سرقته نتيجة السلطة العمومية. والثقافة لعبت دورها في تنحيته مبكراً عن مكانته، لتغدو دلالة اسمه الديني تغطيةً استعارية لمضمون غير مقبول. ولحظة التماهي بين السياسة والثقافي في الألقاب ليست اعتباطاً. تولى ابن سينا منصب الوزارة للأمير البويهي شمس الدولة في مدينة همدان (بإيران حالياً)، وذلك حين نجح في علاج الأمير من مرضٍ شديدٍ أصابه. ولكنه واجه خلال فترة توليه الحُكم صراعات ومؤامرات من الجند وأرباب الدولة أدت إلى عزله.
في تلك اللحظة المتماهية، تلاشت شخصية الفيلسوف في ابن سينا، لأنها سرقت تحت بند سياسات الحقيقة في المجتمعات الاسلامية. انزوت الفلسفة في الكتب والمؤلفات التي اعتبرت زندقة وخروجاً عن الاعتقاد الشائع. بعض الثقافة العربية ضرب من سرقة الفكر الحر لصالح التسلط والديكتاتورية. ووضع الشوارع تحت فكرة الحظر، لأن الفلسفة لن تتجول في وضح النهار، هي تتسلل خلسة ليس أكثر. وتقرأ في الغرف المغلقة، في السراديب تحت الأرض. ولو خرجت يوماً، فبفضل منَّة من حاكم أو تكرم من وزير أو من مريدي السلطة. وتتداول أفكارُها من باب المسامرات والحكايا وقص الأثر. ولكن سرعان ما تعود إلى كهوف الثقافة مرة أخرى.
اللص الخفي
التقاليد أكبر مقبرة جماعية للفلاسفة. وبحكم ماهيتها، لا تقبل بخروج الفلاسفة إلى الشارع. لأن الشارع بطبيعته يخضع للفاعل الأقوى، أصحاب اللهو الخفي. وليس هناك من يستطيع كشف هذا اللهو مثلما يفعل الفيلسوف. ولأن الأخير مصدر ازعاج وفهم ثقيل في الواقع، فالتقاليد تسلبه وجوده من الأساس.
لم تحاصر تقاليدنا العربية شيئاً قدر ما حاصرت الفيلسوف. بل وضعته في دلالة مستباحة ثقافيا. كل من هب ودب يقول دراجاً: " بَطّل فلسفةً". والفعل مشتق من البطلان والزيف وفقدان الأصل والغاية. وليس ثمة سخرية ناشطة مثل هذه الكلمة. فبطل يعني كف عن الفلسفة، لأنها لون من التفاهة. العبارة غير مقبولة وتنطوي على زجر مقنع مع أن الثقافة منكشفة الهشاشة. والعبارة تقول في سرها: الفلسفة باطلة، والنفس اللاهوتي يسكنها حتى النهاية. لأن الباطل وارد في مقابل الحق. والباطل هو الكفر والتشدق بكلمات المروق والزندقة. وهو المعنى البعيد الذي يرْشَح في تفاصيل المجال العام.
التقاليد ليست مادة خام في حياتنا المشتركة، ولكنها طاحونة القيم والأفكار وأساليب الفهم التي تلف العقول وتعتصرها. وتعيد تشكيل رؤى العالم والحياة. لا يفلت منها شخص طالما يسكن الثقافة. ولا تعترف بحرية الأفراد، فذلك ضرب من المستحيل والوهم. المستحيل لكون التقاليد تشبه الأفراد وجوداً رمزياً، لدرجة أنه لا يرى سواها. ويأتي الوهم من أن الأفراد يظنون كونهم أحراراً، بيد أنهم مكبلين بأفكار ناعمة حد الخفاء. التقاليد تقنية وجود عالية الشفافية والهيمنة معاً.
هذا التقنية الثقافية تسرق الفيلسوف من نفسه لا من عموميته. وليس سهلاً التفكير بآليات الفلسفة قبل التفكير بمحددات التقاليد. وهنا خطورة السارق الخفي، لأنه يطبع الفكر بطابع شديد العنف والصرامة. ولذلك لن يقوى الفيلسوف على مجابهة الفكر الرجعي، قبل أن يواجة كافة التقاليد دفعة واحدة. لا تضعك التقاليد في مواجهة مع شريحة من الأفكار، إلا داخل عمليه طويلة الأمد من دمجك وترويضك وإضاعة ما تريد التحرر منه. لكونها تسرق مضامين الفلسفة بواسطة "يقين مباشر " لدى حضورها في فضاء المجتمع.
الفيلسوف كائن خطير إزاء محددات التقاليد. إنه أخطر من يستطيع غربلتها وفهم آليات عملها. وهذا هو مصدر الخوف من الفلسفة الكامن في مقولة " بطّل فلسفة". وهي رأس جبل الثلج العميق الذي يختفي جسمه تحت أفق الحياة المباشرة. تحت الوعي الساذج بعالم الأشياء والعلاقات الاجتماعية.
في الفضاء العام (الشوارع)، تسمح التقاليد بوجود البهاليل (الدراويش)، تسمح التقاليد بوجود الصعاليك، تسمح التقاليد بوجود البهلوانات، تسمح التقاليد بوجود حيوانات السلطة، تسمح التقاليد بوجود الطفيليات الثقافية، تسمح التقاليد بوجود هوام المجتمعات، تسمح التقاليد بوجود المتزلفين، تسمح التقاليد بوجود حاملي البخور وضاربي الودع، تسمح التقاليد بوجود ذهنيات الارهاب، ولكنها أبداً لا تسمح بوجود الفلاسفة. بل ترفض مناقشة الفكرة من حيث المبدأ. ولئن ظهروا هنا أو هناك، فمن باب الخطأ غير المقصود!!
تظل التقاليد ضاربة للأسوار أمام تطلع الفيلسوف إلى الحرية. وتظل تسك الاجابات أمام اسئلته، حتى لا يكون شيئاً ذا أهمية. هذه عملية سطو مسلح على كل فكر حر في المجتمعات الأقل نضجاً.
اللافت أنه في الأساطير اليونانية، سرق بروميثيوسPrometheus النار من الآلهة واعطاها للبشر، لتنطلق شرارة المعرفة والحكمة ويُقدح زناد الاسئلة ويتم بناء الحضارة. وذلك تعبيراً عن التحرر وعدم الخضوع لسلطة المجهول وكبح جماح الجهل، أما في التقاليد العربية، فقد صنعت الأساطير خصيصاً لتُغلق الشوارع، وتُدق متاريس حول الأسئلة، وتُصنع عراقيل أمام الحرية. في التقاليد الشرقية، اعادت الثقافة النار إلى الأديان لتعذب البشر ويقبعون فيها إلى حين.
سرقة الفيلسوف من الشارع هو الخلل الثقافي على الأصالة. ومنذ دخول الفلاسفة إلى التاريخ، لم يخرجوا إلاَّ بالحرية سواء أكان شرقاً أم غرباً. ولكن لم يكن معروفاً أننا نسرق حقباً من عقولنا. وبدلاً من مساحة التحرر، نغطي الوجوه ونمشي بظهورنا نحو المصير. ليس مصادفة أن نسمع مصطلحاً دالاً: " تقبيل المؤخرة"، حين قال دونالد ترامب إن فلاناً -وهو رجل سياسي عربي- سيُقّبل مؤخرتي نتيجة اندهاشه من التغيير أو المشهد الحادث في ظل الرئيس الأمريكي. مصطلح عابر للمحيطات، ولكنه لم يستطع عبور الثقافة الجارية التي تقدس المؤخرات لا العقول. الثقافة التي لا تسمح لفيلسوف -كل ما يملكه مجرد عقل- أن يتواجد في الشارع.
بعض المصطلحات ملطخة بروث البشر، ولكنها تظهر حجم الثقافة الملوثة التي انتجتها. وحتى إذا ألقتها إلينا رياح السياسة في وقت ما، فهي تحتاج إلى "مُطهر فلسفي" لا يقل عنها قوة. تحتاج نقداً جذرياً ووعياً حراً كي يتم تنظيف الثقافة من روث البشر. إن جانباً من مهام الفلسفة هو إنارة العقول لمناطق الروث. فكل انتاج ثقافي – سلبيا كان أم إيجاباً- لا يتلاشى من تلقاء نفسه، لأنه يُعاد تدويره كأفضل ما يكون. ويصبح الفيلسوف عنواناً لكيفية التخلص من تلك النفايات بقوانين وآليات جديدة.
***
د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة








