عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: التأصيل الأنطولوجي لمفهوم الوجود

بين الاكتمال الفلسفي والنقص الحضاري

تبدأ المقاربة الفلسفية لمسألة التخلف من البحث في جذور "الوجود" كفعل كينونة وحضور فاعل في العالم، حيث تمثل الأنطولوجيا، بوصفها علم الوجود بما هو موجود، المبحث الأساسي الذي يحدد طبيعة الظهور الإنساني في التاريخ. إن الوجود في الفكر الميتافيزيقي الكلاسيكي ليس مجرد حالة استاتيكية، بل هو "فعل الظهور وخروج الذات إلى العالم"، وهو ما يعني أن الكينونة الحضارية هي بالضرورة كينونة "فعلية" تتجلى من خلال الإدراك الحسي والاستدلال العقلي. وعندما يتم فحص إشكالية التخلف من هذه الزاوية، يبرز التمييز الجوهري بين "الوجود الكامل" و"الوجود الناقص"، وهو تمييز يعود في أصوله إلى الفلسفة اليونانية، وتحديداً عند بارمينيدس الذي تصور الوجود ككتلة تامة الثبات والاكتمال، متساوية الأقطار ككرة مستديرة، تقصي كل نفي أو عدم أو تغير. 

في هذا السياق، يمكن تعريف الوجود الكامل حضارياً بأنه الحالة التي تحقق فيها الذات الجمعية استقلاليتها المعرفية وقدرتها على الفعل الخلاق، بينما يمثل الوجود الناقص حالة "الوجود بالغير" أو "الوجود العرضي"، حيث تعيش المجتمعات المتخلفة وجوداً "رابطاً" يعتمد في ماهيته على مخرجات الحضارات الأخرى، مما يجعلها في حالة انطولوجية منقوصة تفتقر إلى جوهر الكائن الفاعل. إن الوجود الحقيقي، كما يطرحه المذهب الأنطولوجي، هو الذي يكون فيه "الفكر تابعاً للوجود"، أي أن الواقع يفرض ضروراته العقلية على الذهن، بينما في ثقافة التخلف، ينقلب هذا الترتيب ليصبح "الوجود تابعاً للمتخيل" أو للماضي، مما يولد انفصالاً عن الحقيقة الواقعية الدائمة. 

إن هذا النقص الأنطولوجي يتجلى بوضوح عندما نعاين كيف أن الوجود المطلق يتصف بالضرورة، بينما الوجود المختلط أو الناقص هو الذي يعتريه التغير السلبي أو الانحدار. فالتخلف، في جوهره، هو "حالة من الوجود تتناقض مع درجة العقلانية التي حققها المجتمع الإنساني". هذا التناقض يعني أن المجتمع المتخلف يعيش في زمن "فيزيائي" معاصر، لكنه ينتمي أنطولوجياً إلى زمن "معرفي" بائد، وهو ما يخلق فجوة في كينونته تجعله غير قادر على مواكبة الحضارة الإنسانية التي وصلت إلى مستويات من العقلنة ترفض الخرافة والجمود.

 دفاعات "النموذج الذهني" وصدمة الحداثة

ينطلق التحليل الأنثروبولوجي للعقلية المتخلفة من مفهوم "النموذج الذهني"، وهو نظام معقد من الصور الذهنية والمشاعر والقيم التي يحملها الفرد في رأسه للتكيف مع عناصر الوجود. في المجتمعات التقليدية، يعمل هذا المخزون كآلية دفاعية صلبة ضد التغير السريع؛ إذ إن "أمواجاً من الصور الجديدة" التي تأتي بها الحداثة تهاجم الدفاعات النفسية للفرد، مما يدفعه إلى الانغلاق على نموذجه القديم لتجنب "صدمة المستقبل". هذا الانغلاق يفسر لماذا تظل ثقافة التخلف باقية، حتى لو تغيرت نظم الحكم، لأن البنية الأساسية للعلاقات الذهنية تظل محكومة بـ "ثقافة عينها في قفاها". 

يبرز هنا التمييز الذي وضعه ليفي برول بين "العقلية المنطقية" و"العقلية ما قبل المنطقية"، حيث إن الإنسان في حالة التخلف لا يدرك العلاقات بين الأشياء بناءً على السببية المادية، بل يستند إلى "تصورات جمعية" موروثة تفرض عليه رؤية خاصة للكون. هذه العقلية ترى العالم كساحة للقوى الخارقة والكرامات، مما يؤدي إلى ما يصفه محمد عابد الجبري بـ "العقل المستقيل". إن استقالة العقل تعني التخلي عن البحث في "الأسباب الطبيعية وغير الشخصية" للأحداث، والعودة إلى التفسيرات الميثولوجية التي سادت قبل الثورة العقلانية اليونانية. 

تتغذى ثقافة التخلف على ثنائية "السكون والحركة"؛ فهي تقترن بالمجتمعات الساكنة التي تعادي التغير وترتاب من الاختلاف والحوار. في هذه المجتمعات، يصبح الفكر لا يرتقي لأنه يفتقر إلى المساءلة، ويؤمن أفراده بامتلاك الحقيقة المطلقة. إن هذا الجمود ليس مجرد كسل ذهني، بل هو وظيفة بنيوية تهدف إلى الحفاظ على تماسك النظام الاجتماعي القديم الذي يحدد قيمة المرء بما يملك أو ينتسب إليه طبقياً أو قبلياً، وليس بما ينتجه أو يبدعه. 

التوظيف النفسي والاجتماعي للاغتراب التاريخي

تعد "أسطورة الماضي الذهبي" الركيزة الأساسية التي تستند إليها ثقافة التخلف لاستساغة عجزها الحضاري. تقوم هذه الأسطورة على تخيل عصر قديم اتسم بالكمال المطلق والوئام والعدل، وهو نموذج يُستدعى دائماً كـ "مطلق تراثي" لمواجهة التجربة الاجتماعية المأزومة في الحاضر. هذا الارتباط بالماضي ليس مجرد حنين عاطفي، بل هو "آلية دفاعية سكونية" تهدف إلى توفير نوع من الطمأنينة النفسية والاكتفاء الوهمي الذي يغني الفرد عن مواصلة التحصيل والإبداع. 

إن الاغتراب في الماضي يتجلى في "الهروب إلى الوراء" سعياً وراء "النموذج المثال"، وهو ما يؤدي إلى فهم عدمي لإشكالية الحداثة. عندما يعجز المجتمع عن تجديد تراثه الثقافي، فإنه يحوله إلى "صنم" يُعبد، ويصبح الدفاع عن "الخصوصية " وسيلة للتغطية على "التأخر الاجتماعي والتاريخي". هذا النوع من الهوية، القائم على الأساطير وقيم النكوص، يؤدي بالضرورة إلى استلاب الذات وتكريس التبعية، لأنها هوية "مغلقة" لا تقوى على الحوار العلمي مع الحضارة المعاصرة.

تؤدي هذه الأسطورة إلى ما يمكن تسميته بـ "البيات الشتوي" للعقل العربي والشرقي، حيث ينشغل العقل باجترار الأجوبة الجاهزة من الماضي لمواجهة تحديات الحاضر المعقدة. وبدلاً من أن يكون الماضي منطلقاً للبناء، يصبح "سجناً" يعوق الفرد عن إدراك ذاته ككائن فاعل في الزمان الحالي. إن "ثقافة الجهل" التي تنبثق عن هذا الوضع تجعل من المجتمع يعيش حالة "تخلف عصري شامل"، لأنه يستهلك أدوات العصر بينما تظل حالته الداخلية تفتقر إلى التنوير والعقلنة.

إبراهيم البليهي وتفكيك "البرمجة الثقافية" للعقل الساكن

من زاوية أخرى، يقدم المفكر إبراهيم البليهي رؤية جذرية لتخلف العقل العربي، معتبراً إياه عقلاً "ساكناً" يعيش حالة من الاجترار لا الابتكار. يرى البليهي أن الإنسان لا يولد بعقل مكتمل، بل يولد بقابليات فارغة تتشكل وتتقولب بناءً على البيئة التي ينشأ فيها. وفي المجتمعات المتخلفة، تتم "برمجة" الفرد ثقافياً منذ الصغر على الطاعة والاتباع و"ثقافة القطيع"، مما يقتل ملكة النقد والاستقلال الذهني.

يحدد البليهي أسباب التخلف في ثلاثة محاور رئيسية:

الاعتداد بالذات المبالغ فيه: الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، مما يغلق العقل أمام التجارب الإنسانية الأخرى.

غياب المنهج العلمي: الغرق في البلاغة والإنشاء والوعظ بدلاً من تبني ثقافة العلم والتجريب والعلية. 

العجز عن النقد الذاتي: الهروب من مواجهة الخلل الداخلي بإسقاط الفشل على "المؤامرات الخارجية".

إن الانتقال من "الوجود الناقص" إلى "الوجود الكامل" يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات تقنية؛ إنه يتطلب "قطيعة حاسمة" مع التفسيرات الميثولوجية للكون، تماماً كما فعل اليونانيون القدماء عندما انتقلوا "من الأسطورة إلى المنطق". هذا الانتقال تطلب البحث عن أسباب طبيعية للأحداث وتشجيع التفسيرات المبنية على الاستدلال التي يمكن مناقشتها وتعديلها.

في العصر الحديث، يطرح هابرماس "العقلانية التواصلية" كمخرج من الأزمات الوجودية، حيث يتم بناء الإجماع العقلاني عبر الحوار الحر في "عالم الحياة". بالنسبة للمجتمعات التي تعاني من التخلف، يعني هذا ضرورة نقد الأيديولوجيات التي تحول المعرفة إلى أداة سيطرة، والتحول نحو تواصل غير مشوه يسمح بالإبداع الحضاري. إن الوجود الكامل لا يتحقق إلا عندما تصبح حياة الإنسان منظمة على أساس "يستحيل تصوره بدون العقل" في جميع جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

إن الإنسان بما ينضاف إليه من علم ومعرفة هو الذي يصنع الحضارة، وليس بما يولد به من انتساب لعرق أو ماضٍ بائد. فالوجود الحقيقي هو "فعل مستمر" في الحاضر، وليس صدىً خافتاً في ردهات التاريخ المنسي.

إن مواكبة الحضارة الإنسانية ليست مجرد عملية "لحاق" تقني، بل هي "تحول ماهوي" في نظرة الذات للوجود. فالإبداع الحضاري يتطلب شجاعة مواجهة "صدمة المستقبل" بدلاً من الهروب إلى "دفء الماضي"، وإدراك أن الهوية الحقيقية هي التي تُبنى في كل لحظة عبر العقل والحرية، لا التي تُورث كعبء ثقيل من القرون الخالية.

***

غالب المسعودي