عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: قراءة في رواية "لأني أسود" للكاتبة سعداء الدعاس

إشكالية التنميط العرقي والاستيهام في مكونات السرد

توطئة: ما جعلني ألتفت إلى عمق دلالات رواية (لأني أسود) كونها تحمل تلك التفاصيل المنتجة في المواقف والعواطف والأفكار، مما يجعلها تحليلا وتأويلا عن موت الانسان المغاير في عرقه ومذهبه وهويته، وصولا إلى تفاصيل جعلت من زمن أحداثها علاقة تدرجية في المرشح الانفصالي والتعالقي في مستوى وحدات السرد العضوية المتماسكة. ولعل الرواية في ظل هواجسها الحسية إستكمالا في طرح (الظاهر ــ الخفي) من مخصبات ورهانات واقعية متحكمة في نسج التفاصيل والأوصاف المتواترة في مدى خطوطها وحظوظها السياقية التي راحت تكتسب من خلالها جملة ترجيعات تمثيلية مصدرها غالبا ذلك النزوع المحوري في علامات نمو الشخصية وعوالمها السردية المتواترة ضمنا وعلنا من خلال حسية (التكوين العرقي) ومحفوظية العملية الاستفهامية في أواصر الهيكل السردي.

ــ فضاءات المتخيل وخصوصية الكينونة التوالدية

تظل محاور أشكال ومفاهيم الفضاء وطرق تبنينها متداخلة، حيث يفضي بعضها إلى بعض، ذلك منذ لحظة الاسقاط الولادي في الإشارة والأداة والتوالد، اتساعا نحو فضاءات ذات مرجعية مغلقة ومفتوحة، الأولى تتعلق ب(مثل كل الأطفال ولدت أصرخ.. هم يصرخون المستقبل المجهول، وأنا أصرخ المستقبل المعلوم. / ص1 الرواية) ويحيل هذا الشطر إلى مرجعية تتمثل في بلوغ حالات أكثر انسدادا وعطبا، خصوصا وإن وجهة النظر الروائية جاءتنا تعبيرا عن فراديس طفولية محكوما عليها بالنفي والأقصاء، فتتوالد الأحلام ملخصا لسيرة موحشة مصدرها المشاعر والخوف والترقب. ويعتبر الشطر المفتوح نظيرا في التداخل والاندغام من الحد الأولي من الفضاء، لذا فإن الشطر الآخر يعبر عن ملموسية مفتوحة من فعل الذات الأولى، وسنحاول أثناء تحليلنا للعناصر الروائية فصلها ولو نسبيا، حتى نميز مميزات كل فئة توالدية من خطوط التشارط المرجعي في النص الروائي.

1 ــ التوالد الرحمي ومختزلات التباين الاختلافي:

في إطار صيغة الخطاب المرشح يتم التفاعل النصي مع تمظهرات مادة رحمية يوظفها الحيز الكتابي في سياق جزئية تأريخية لها من الزمن الخطابي ما يؤهلها على اللعب ك (ناظم خارجي / داخلي) ينقل لنا سمات هذا الخطاب من خلال (الحكي داخل الحكي) امتدادا نحو ذلك الصوت الشهودي الذي يرويه الناظم الخارجي، وهو الخطاب الروائي الأول في نواة الحكاية: (و من بين تشققات جسد أسود.. استقيت أولى بوادر الحياة.. حاملا صبغة جينية داكنة.. ترسم هالتي، تلتصق بجلدي.. تتسرب إلى خلاياي.. وتغزل من السواد نسيجا تاريخيا معتقا. / ص1 الرواية) كذلك يبدأ الأمر ب (الفاعل الذاتي / المتكلم) على حركة السرد، حين يقوم هذا النوع من المروي بممارسة الفعل السردي من خلال تقنيتي (السرد ــ الوصف) وفي غضون هذا وذاك تتنامى عملية المسافة الأحداثية بشكل بطيء، كما إنه يصف معالم الفضاء الرحمي من خلال عين تبئيره له: (لحظتها.. أصدرت حنجرتي صراخا شق سكون المكان.. خشية مستقبل ينضج بالاختلاف.. محمل بأرث عنصري لا فكاك منه. / ص1 الرواية) فهو كعادته في مستوى السرد، يتبين لنا كساردا مبئرا، إلا إن اختلاف الأفضية المكانية التي يتنقل فيها المتكلم يتبعها اختلاف في زاوية التبئير، ومن ذلك تموقعه من خلال مسرودية: (إرث اعتاد أن يلبس السواد، ويعتز به كملك للألوان.. كما اعتاد أن يسلب الأرواح السوداء ملكها. / ص2 الرواية) ولأجل أن تكتمل الصورة المخصوصة رصدا لتفاصيل عوالم المكان تتسع الرؤية إلى موقع الأطراف البيضاء الممتد نحو الجسد الغاطس في طقوس سواده: (في تلك الغرفة المفعمة بالبياض، لمع جسدي الصغير على الأكف البيضاء. كنت أصرخ.. ارتجف.. واعلن للعام.. سوادي.).

2 ــ التداخل في الخطاب:

فهناك خطاب يرويه الناظم المشارك، وهو الخطاب الاحوالي يسرد بطاقة تعرفية تختص بها ماهية الأنا باعتبارها نقطة الارتكاز الملفوظي وسيرة تحولاتها من خطاب تعزيزي يؤكد للقارىء مخطط هويتها الوجودية والإرادية: (جمال.. أسمي / الأسود.. لوني / هل أتمنى ألا يكون لوني؟ !. / ص2 الرواية) من جهة أخرى يمكننا الانتباه إلى مدى التعويل من قبل الكتابة الدعاس حول إحالات مشروعية الإشكالية الاختلافية. فالدعاس تضع شخوصها كشخصية الأم جوان والأب فوزي في مساحة ملغومة من التعويل حول مسألة اللون والعرق بما لا يتناسب أحيانا وحدود الوظيفة السردية تشخيصا: فهل الدعاس تشخص حكاية ضمن أفق الانموذج؟ أم إنها تسعى إلى تجسيد حقيقة سيكولوجية وأخلاقية صارلها من التدليل ما يفوق الوصف الواقعي؟. الدعاس تحدد آليات حكايتها الروائية بشكل يشتغل بصفته هما مشتركا بين (الأنا ــ الآخر) وقد يتم تعليق صور الحالات الموقفية من خلال الوعي الإنساني أو من خلال فاعلية الانطباعات الحسية والصور بضروب التغير والتقلب والتدفق والتفاعل مع ماهية الانموذج. لقد أشرنا منذ برهة إلى أن الحكاية الروائية أخذت تمتد إلى أواصرية زمن حكاية فوزي وجوان وقد ينتج مؤشرات هذه الفصول الأولى والمتوسطة من أجمل ما قامت الدعاس في سكبه من مؤولات وفقرات روائية.

ــ مواقع الأحداث ومعزولية الشخصانية النائية

لعل الشخصية في بناء رواية (لأني أسود) شديدة التركيب والتباين والتنوع، لذا فالشخصية نجدها تتمثل بفاعل الأم (جوان) حيث تتعدد نوازع الذات من خلال علاقتها بمحيطها الأمريكي وصولا إلى ذروية احلامها الوردية في الاقتران بذلك الفارس الأقل سوادا منها، ولكن بناء الحكاية يطرح لنا شخصية فوزي الكويتي الأشد سوادا من بشرتها، ولكن للرجل روح إنسانية وحيوية خاصة في التعامل مع جنس النساء. في الحقيقة لا أود الاطالة في سرد كامل الحكاية المخصوصة بعلاقة جوان وفوزي، لأنها ببساطة استجلاء لسياقات نزوعية خاصة في شكل ومحاور وقائعية الاحداث. عموما أقول أجادت الدعاس في صياغة أفعال حكاية جوان وفوزي بما يناسب ووعي العالم التخيلي، فتظهر بوصفها المقاصد والإيحاءات التي تتمم الفاعلية في رسم المواقف والأحوال من قبل الشخصيتين. عموما فرواية (لأني أسود) رواية تصلح لمتعة القراءة أكثر من كشوفية المقاربة النقدية، ذلك لكونها رواية جمالية تعتمد آليات وتقانات حكائية مألوفة في البناء الروائي الذي يسعى بدوره إلى خلق ومعالجة موضوعة هامة وبأدوات وأفكار ورؤية سردية جديدة ومشوقة.

ــ تعليق القراءة:

لعل ما تقترحه رواية (لأني أسود) هو الخيط الزمني الذي يعالج التصورات والأفكار العنصرية التي تجاوزت الحدود الإنسانية تماما، فجوان وفوزي وجمال هم ضحية الحدوث العنصري المقيت، لذا فهؤلاء الثلاثي نموذجا عن حدود قصوى من إشكالية التنميط العرقي راح كل منهما يتبدد في خيوط وحشية من الاستبعاد والسقوط من تركيبة المجتمع السليمة. فذاك جمال يصطدم بحكاية عشقه بمحبوبته سارة ذات البشرة البيضاء، ولكنه كالعادة يصطدم بذلك التابو العرقي الذي جعل منه مجرد صبغة سوداء ذات مساحات كبيرة من اللاجدوى المتداعية بالفرار والهجران إلى موطن والدته أمريكا حيث الحدود العنصرية هناك تبدو أقل التباسا وإشكالية في الوصل والمواصلة والمماثلة والتمثيل. وهكذا تسجل رواية (لأني أسود) أعلى العلامات السردية الاستبعادية الحاضرة في الذاكرة القرائية الروائية التي تستدر لذاتها العديد من المعاني والمشخصات الإضافية في النوع الإبداعي الروائي.

***

حيدر عبد الرضا