قراءات نقدية
علي درويش: مؤشرات الجودة السردية في المجوعة القصصية لمحمد محضار
"العشاء الأخير في حضرة دافينشي"
هي مجرد قراءة أولى، لذلك لن تكفي حتى وإن كانت لمجرد استكشاف نصوص المجموعة القصصية "العشاء الأخير في حضرة دافينشي" للصديق المبدع محمد محضار جميعها؛ بل إن الاقتصار على قراءة نصوص-اختيرت أو أخذت منها عينة عشوائية- لن يفي بالغرض لوضع اليد على كل مؤشرات الجودة الفنية في مجموعة كهاته، كل نص فيها يحمل جودته في ذاته، لتتكامل في نهاية المطاف من حيث تيماتها وتماثل بنائها الفني؛ وإن تراوح أسلوبها بين الشعرية في المقاطع الوصفية و بين المباشرة أحيانا في فقرات الحكي التأريخي، كما تفاوتت في الأحجام (أصغرها "لحظة امتعاض" في ثلثي صفحة حتى كادت تندرج ضمن القصة القصيرة جدا وأطولها "شيطان الظهيرة يغني في غرناطة في ثلاث وعشرين صفحة" حتى كادت تشكل رواية قصيرة OMANR iMiN
.. وقد تباعدت تواريخ كتابة هذه النصوص (أقدمها "وجود الشيء واحتراقه" 1974، وأحدثها "شيطان الظهيرة يغني في غرناطة" 30/ 8/ 2025) حتى كادت تشكل مشروعا سرديا اِمتد إنجازه على مدى 51 سنة، وكان يكفي الوصل بينها عبر خيط زمني واسترسال سردي رابط لتلحيم أشلائها ودمجها ضمن متن روائي جامع .
لأنها (وكما سبقني إلى إدراك ذلك الصديق الناقد الأستاذ عبد الرحيم التدلاوي) نصوص محكومة بصدق التجربة ووحدة الرؤية بل وشاهدة على مهارة -لا تُخطئها العين- في التحكم في آليات السرد.
وقد فضل المبدع الأستاذ محمد محضار أن يعنون المجموعة بعنوان لقصة تتوسط المجموعة، وبذلك تكاد هاته القصة تشكل قلب المجموعة النابض دلاليا وجماليا وهي (العشاء الأخير في حضرة دافينشي ص: 57)
يتشكل العنوان من شقين (كما لاحظ ذلك الأستاذ التدلاوي)؛ ولمزيد من التوسيع؛ فالشق الأول منقول عن تسمية متداولة منذ زمن بعيد (العشاء الأخير) أما ثاني الشقين فموضوع من إبداع المؤلف نفسه (في حضرة دافينشي)، الشق الأول يحيل على تسمية من التسميات التي اشتهرت بها جدارية ليوناردو دافينشي في سانطا ماريا ديل كرازي بمدينة ميلانو الإيطالية؛ ويُختصر اِسمها عادة في أدبيات الفن ب neèC LA: والتي يتوسطها المسيح كمركز اهتمام وهو يسِرُّ إلى حوارييه الاِثني عشر، بأنه سيطعمهم بلحمه وسيسقيهم بدمه؛ لتلوح على ملامحهم علامات الصَّدمة والشَّك والغضب إحساسا بالخيانة التي تتربص بالمسيح؛ وذلك قبيل توقيفه وصلبه؛ بينما يُحيل الشق الثاني (الموضوع) على ذائقة (المؤلف) الفنية على لسان السارد والتي يؤكدها ويكشف عنها مَطلع القِصّة التي تحمل العنوان نفسه (ص: 57) .. ليتكامل العنوان واللّوحة التي تتوسط الدفة الأولى من غلاف المجموعة مثلما تتوسط صورة المؤلف ونبذة تعريفية به الدفة الخارجية الأخيرة إضافة الى آخر جُملة من الاهداء، فيقوي كل ذلك افتراضا مفاده أن تيمة الشك والتوتر والقلق والإحساس بالغدر ستشكل القاسم المشترك بين تيمات جل نصوص المجموعة؛ وهي دلالة تقويها بوضوح عناوين أغلب النصوص؛ ومنها (العجوز والموت/ زمن التمزق والتشظي/ نهاية سيدة من الزمن الماضي/ لحظة امتعاض/ روائح العصيان/..إلخ)
إلا أن طول مدة الإنجاز ترك أثرا واضحا على بنية النصوص لغويا وفنيا على الرغم من تردد التيمات المشتركة ذاتها (الغدر/ الخيانة/ حركية الزمن/ صورة الوجود بين الحقيقة والوهم...) فإن كان الجامع بين النصوص القديمة هو خطية الزمن ورتابة الحكي؛ فإن النصوص الحديثة العهد تتسم في مجملها (وهي الغالبة) بمركزية الشخصية وكثافة اللغة وإيحائية اللفظ واستبطان ذوات الشخوص بدل الاكتفاء بالتأثيث الخارجي؛ بينما لم تَخْلُ نصوصٌ قديمةٌ (على قِلَّتِها) من مقاطع مباشرة تَنزل في بعضِ الفقرات الى الوصفِ التقريري أو الخطاب التأريخي يُرافقه التفسير أحيانا (كما لو أن السّارد يتولى مهمة قارئ لحادثة تاريخية يوجه القارئ ليقاسمه المعلومة (هي سنة الحياة؛ ما من صعود وطلوع إلا ويتبعه نزول وسقوط، من سوء حظ أبو عبد الله أن سقوط غرناطة ارتبط باسمه وربما كان هذا سبب عيشه منبوذا بمدينة فاس التي هاجر إليها وحتى ضريحه لم يتم ترميمه إلا مؤخرا.....ص: 153 "شيطان الظهيرة....").. والملاحظة ذاتها تصدق على خطية الزمن في النصوص القديمة بينما يتموج الزمن أو يتخلله التقاطع بين الاسترسال والاسترجاع والاستشراف في نصوص أخرى، علما بأن عنصر الزّمن في الكثير من النصوص يتجاوز وظيفته التقنية ليتحول هو ذاته إلى تيمة مركزية إما بلفظة "زمن" أو بإحدى مشتقاتها أو بكناية دالّة عليها، كما في نصوص من قبيل (الأيام الشاحبة- زمن التمزق والتشظي- زمن البرشمان- زمن التفاصيل- نهاية سيدة من الزمن الماضي ..). ولعل ما يُفسر هذا الحضور اللّافت للزمن -باعتباره إحدى التيمات المركزية التي تكاد تحضر في السواد الأعظم من النصوص- هو الاقتناع برؤية تعتبر قراءة الحاضر رهينة باستحضار الماضي وهي رؤية عبر عنها المؤلف صراحة من خلال صوت السارد في ص: 143 ضمن نص (شيطان الظهيرة...): "النبش في الماضي يَمنحنا فُرصة لإعادة ترتيب الأوراق وقراءة الحاضر بنكهة الأمس..."؛ والدّليل الأقوى على ذلك هو التَّقابل (الضِّدي) الذي يلمسُه القارئ بوضوح خلال استحضار الماضي في الحاضر؛ حتى وإن اختلفت فضاءات الحدث وتعددت أمكنته، فالمكان ذاته ليس مجرد مساحة ثابتة بقدر ما ترتبط صورته بالأجواء النفسية والوجدانية، لذلك غالبا ما تفقد الأمكنة القديمة بريقها في الحاضر (عندما نزل الى الشارع صدمه مشهد العمارة التي عاش بها أكثر من نصف عمره فجدرانها كساها السخام....) ص: 41 (زمن التفاصيل). وقد كان للعناية المُفرطة بثنائية الماضي/ الحاضر ووَقْعُها على نفسية الشُّخوص وتوجيه رؤيتها للعَالم؛ تأثيرٌ واضح على بناء الحبكة القصصية، إذ غالبا ما يخلو تَشييدها من تَوْتِير للصراع أو تعقيد للحدث بهدف إيصاله الى دُروة مشوقة تستفز تساؤلات المتلقي؛ بخلاف ذلك يسترسل المؤلف في بناء السرد بتلقائية غير آبه بتعقيد الحبكة؛ عبر توالي الحكي والوصف والحوار وكأنه يمسك بيد المتلقي ليستدرجه إلى التفكير في خاتمة مفتوحة لـ(أغلب النصوص) او ليُشركه في استكمال القصة أو في افتراض اِنفتاح نهايتها على بداية قصة جديدة
وهذا ما يفسر إسناد وظيفة السرد لراوٍ "عليم" يرصد أحوال وأفعال وحركات الشخصيات مستعملا ضمير الغائب ويعلم ما تخفي وما تعلن بل ويتوقع ما ستقدم عليه (انتهت المكالمة ولم تنته هواجس خديجة؛ وبقيت ظلال من الحزن تخيم عليها وأسئلة لا حدود لها تشج رأسها وتبعثر أفكارها ....ص: 34.. زمن التمزق والتشظي)
(..ولكن هذا لم يؤثر على ما تحسه جوارحه ويصدقه عقله؛ فالتغيير بالنسبة له قادم لا محالة في يوم ما ...ص: 91. ... القطيعة الابستيمولوجية)؛ بينما تتقاطع نصوص يوظف فيها ضمير المتكلم باعتباره شخصية مشاركة مع مذكرات شخصية تكاد تنتفي فيها الحدود بين السارد والمؤلف نفسه (جالسا في باحة المقهى؛ ساهما أفكر في أشياء حدثت ذات زمن؛ أحفر بهدوء في تعاريج الذاكرة ص: 49.. صحراء الحاضر...)
وقلما يتم توظيف ضمير المخاطب في بعض المقاطع تحقيقا لرغبة واضحة في إشراك المتلقي، مثلا حين مَسرحة المشهد؛ من ذلك في مطلع (فاقد الشيء 52)
كما يكشف المسار القرائي عن أن لغة السارد تَتَوزّعها حُقول مُعجمية متداخلة، تتراوح بين النفسي والتأملي الذهني من جهة، والزّمني من جهة أخرى، بما يُضفي على الخطاب بعدًا دِيناميًا متحركًا. غير أن اللّافت في هذا النسيج اللغوي هو الحضور القوي للمعجم التأريخي؛ أو الديني، سواء عبر الاستشهاد المباشر بالنص المحفوظ، كما في قوله تعالى: "وما من دابّة في الأرض إلا على الله رزقها..." أو (ماكذب الفؤاد ما رأى ..) أو (وأن مع العسر يسرا..) أو من خلال تناصات ضمنية لاواعية يشي بها المعجم المُوظّف (حسبي الله ونعم الوكيل/ زور وبهتان/ ..) فضلا عن إحالات لافتة على نصوص أعلام من الأدب و الفلسفة (نيتشه/ إميل سيوران/ توماس هوبس...)؛بل وتوظيف مصطلحات متداولة من الحقل الفكري (القطيعة الابستيمولوجية) بما يعكس عمق المرجعية الثقافية للنص ويمنحه كثافة دلالية إضافية وإن سَلب العِبارة السردية شيئا من بعدها الإيحائي .
ختاما؛ يعلم صديقي العزيز سيدي محمد بأن مسار الإبداع سفرٌ متواصل بلا محطة نهائية، وأن هذا المنجز القيم بالإضافة إلى منجزاته الأخرى هي مجرد خطوات بِنِيَّة مواصلة السير مادام كما أعرفه يمتلك شجاعة الاِستمرار
بالتوفيق والسداد.
***
بقلم: علي درويش - أديب وناقد مغربي







