قضايا
أكرم عثمان: الشخصيات السامة.. كيف تسرق هدوءنا من الداخل؟
في حياتنا المهنية والاجتماعية، قد نصادف أشخاصاً لا يوجهون لنا ضربة قاضية مباشرة، بل يستنزفون طاقتنا ببطءٍ شديد حتى نجد أنفسنا بعد فترة شخصيات لا نعرفها؛ فقد تبدلت ملامحنا عما كانت عليه. كنا نتمتع بالهدوء والاتزان والذكاء، نعمل بشغف وتفان وحب، ونستمتع ببهجة الحياة وسعادتها، مؤمنين بأن النجاح رحلة عطاء جميلة، لكن فجأة يبدأ شيء في داخلنا بالانطفاء والإنكفاء. يصبح التركيز أصعب، ونومنا أقل سكينة واضعف طمأنينة، وتزدحم أفكارنا بالتشتت والسرحان، حتى باتت التفاصيل الصغيرة قادرة على إضعافنا واستنزاف ما تبقى من ذواتنا وقتل ما يكمن فينا.
لا تكمن المشكلة دائماً في ضغوط العمل أو تراكم المسؤوليات وتعددها، بل في أولئك الذين يتسللون إلى أعماقنا دون استئذان، يقتاتون على إحباطنا وقلقنا، ويحولون حياتنا من مساحة للعمل والجهد والإبداع إلى ساحة للاستنزاف العاطفي والتوتر الدائم. هؤلاء لا يدخلون حياتنا بصخب، بل يبدؤون بهدوء عبر النقد المستمر، والتقليل من شأن عملنا وإنجازاتنا ونجاحاتنا، وبث الطاقة السلبية في محيطنا وفي داخل أعماق نفوسنا، أو التلاعب بمشاعرنا وإلقاء أعبائهم النفسية والمرضية على عاتقنا وكاهلنا. ومع الوقت، نجد أنفسنا نحمل في رؤوسنا ضجيجهم وصخب حياتهم واضطرابها، ونخوض معاركهم دون أن نكون طرف فيها، ونتبنى عقليتهم المقيتة القائمة على الخوف والارتباك والسلبية، مما يؤدي بنا إلى الإنهاك والضعف والتآكل النفسي.
الأخطر من ذلك أن الإنسان أحياناً يسمح لهذا النوع من الشخصيات باختراق حدوده الزمانية والمكانية والنفسية والعاطفية، فيمنحهم مساحة أعمق تأثيراً سلبياً مما يستحقون. يدخلون إلى قلبه ويقتحمون جوارحه وعواطفه، يتسللون إلى أحلامه، ويزعجونه بكوابيس مفزعة ومقلقة، ينالون من ثقته بنفسه فيضعفونها، حتى تتحول طموحاته إلى سراب، وراحته النفسية إلى قلق دائم، ونومه الهادئ إلى كوابيس وأحلام مفزعة. يبدأ الإنسان في فقدان نفسه تدريجياً، ليس لأنه ضعيف أو متهالك، بل لأنه استنزف عاطفياً بصورة متراكمة دون أن ينتبه. الحل لا يبدأ بمحاولة تغيير الناس، لأن بعض الشخصيات المتعبة والسامة لا تتغير بسهولة، بل يبدأ باستعادة السيطرة على الذات وعدم السماح للآخرين في إنهاكنا وتدمير ما يكمن في أفكارنا وقلوبنا.
أن تدرك أن صحتك النفسية ليست ساحة مفتوحة للجميع، وأن القرب من بعض الأشخاص قد يكون مكلفاً أكثر من تجاهلهم والابتعاد عنهم. هناك علاقات تحتاج إلى حدود واضحة وقيود وضوابط، وهناك أشخاص يجب أن تتعامل معهم بوعي وحزم لا بعاطفة، وبمسافة نفسية تحفظ اتزانك الداخلي وسلامك النفسي.
من الحلول العملية المجرَّبة أن تتوقف عن تبرير السلوك المؤذي للآخرين، وأن تكفَّ عن لعب دور المُنقذ الدائم للشخصيات المضطربة التي تُلقي بهمومها وإخفاقاتها عليك. لست مُطالباً بحمل أعباء الجميع فوق طاقتك، ولا بالسماح لهم باختراق مساحاتك الخاصة التي تمنحك السكينة. كما أن العودة للأنشطة التي تبعث فيك الحياة أمر بالغ الأهمية، كالرياضة، والقراءة، وبناء العلاقات الصحية، وصُحبة الأخيار، والتأمل الذاتي، والإتقان في العمل، وتطوير الذات، وحتى الجلوس مع مَن يمنحونك الطمأنينة بدلاً من التوتر. علاوة على ذلك، يُعدُّ تعزيز الحوار الإيجابي مع الذات من أهم وسائل التعافي من القلق المستدام والحزن الذي قد يقودك إلى الكآبة.
إن الإنسان الذي يكرر لنفسه يومياً أنه منهك وضعيف ومهزوم ومكتئب، سيعيش هذه الحالة حتى لو امتلك كل أسباب النجاح والتميز. بينما الشخص الذي يعيد بناء ثقته بنفسه وقوته النفسية والذهنية، ويسترجع توازنه، ويؤمن أن ما مر به مجرد مرحلة يمكن أن تنتهي وليست نهاية الطريق والمآل، يستطيع أن ينهض من جديد مهما بلغت شدة الاستنزاف والإنهاك. فالحياة ليست خالية من الضغوط والابتلاءات، مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2)، لكن الفرق الحقيقي يكمن فيمن نسمح لهم بالاقتراب من أعماقنا. فليس كل من اقترب منا يستحق الدخول إلى عالمنا الداخلي وحياتنا الشخصية. بعض الناس حضورهم راحة وطمأنينة وسلوى، وبعضهم الآخر فوضى وكآبة نفسية وقلق مفزع وإحباط يدخلنا في تيه ونسيان، والذكاء الحقيقي ليس فقط في معرفة الناس، بل في معرفة من يستحق أن يكون له حضور في حياتنا ويبقى قريباً من روحنا وقلوبنا، ومن يجب أن يبقى خارج حدودنا.
***
د. أكرم عثمان
13-5-2026







