قضايا

أمان السيد: ‎التعليم بين الصبر والرحمة

تأمل في قصة العبد الصالح مع موسى في سورة الكهف

تبدأ الحكاية بتسرب الحوت/ غداء موسى وفتاه/ في البحر بعد أن أنسى الشيطان فتاه الحرص عليه ليوثّق وعظ جليل حول تعلّم بالصبر يفتقد مع تقلب وتنوع الوسائل في زمن يسابق حتى أنفاسه، اختار الله رائدا له وصفه بعبد من عباده، أوتي الرحمة وعلما من لدنه، صفات المعلم الحق: الصلاح، والرحمة، وسعة الاطلاع، فكيف به الذي ابتعث معلما للنبي موسى؟!

ما أود الخوض فيه حول طريقة تعامل المعلم مع موسى النبي الذي تصفه مواضع أخرى من القرآن الكريم بسريع الهبوب، والانفعال تجاه أمر يجابهه، ثم سرعان ما يندم ويستغفر ربه، أذكر ذلك في معرض استنصاره الذي من شيعته على عدوه " فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مبين" القصص (15)

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" القصص (17) "

وكان سيهب لنصرته إثر دعوة منه ثانية لولا أن تيقظ لكلمة حق أتته من عدو آخر له، فتنبه لما كان سيجر من الغواية "قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ" القصص (18).

يبدو أن شخصية موسى لم تتصف بالاستسلام والتعلم التلقيني، بل كان يسعى إلى التيقن بالأدلة ضمن نفس لم يهدأ غليانها فيما جاش فيها من التفكير والتحليل، مثال ذلك ما التمسه من الله جل شأنه من النظر إليه:

"َقَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي ۚ وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" الأعراف (143)

اللافت للمتابع أن سبحانه ما امتنع عن نبيه، لكنه لقنه درسا، صبر عليه، فلم ينعته بالكفر، وهو الذي جبله وطبع نفسه في سعيها إلى الأدلة والشروح طريقا لليقين، وأوصى بها عباده الصالحين، وتلك ميزة، لا عيب ما دام القصد الله، لذا اختار له فيما ذكرت سورة الكهف معلما ارتقى به رويدا رويدا، وقد عرفه العجول النافذ الصبر!

انظر الأسلوب الذي يتحاور به الطرفان رغم أنه يمكن القول إنهما تدانيا في المكانة إلا أن الله الذي قال "إنما يخشى الله من عباده العلماء" فاطر (28) جعل من نبيه موسى متعلما أمام معلم مصطفى ليهيئه لأمر جلل، وأمض صدره بالقلق حيال أحداث شهدها معه بأم عينيه، فلم يستوعبها منطقه، رغم أن السورة أوحت أن تسرب الحوت بمثابة إشارة سماوية جعلته وفتاه يرتدان على أعقابهما قصصا ليباشر موسى رحلة التجلي المنتظرة..

هي مفاجأة لموسى أن بادره العبد الصالح بتعقيبه عن المشقة التي سينالها في صحبة التعلم، وبهذا قبض على زمام انفعاله من أوله:

"قال إنك لن تستطيع معي صبرا" الآية (67)

وإذ بموسى العارف نفسه جيدا يرد على معلمه بأسلوب شرط مرتجيا فيه مساندة الله في ضعفه، عبارة تحلت بما ينتظر من متعلم شغوف من التأدب أمام من هو أعلى منه قدرا،أقلها في مثل هذا الموقف:

" قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا" الآية (69)

وتمسك المعلم فيما امتدّ من المحاورة بالصيغة ذاتها " لن تستطيع" مستخدما النفي المستقبلي مع فعل المضارع وهو يتابع غضب موسى تجاه ما يرتكبه ولا يجد له تفسيرا،  وإثر كل تصرف غريب من العبد الصالح، كان موسى يستدرك تسرعه، فيرجع التلميذ المطيع الأسف..

فؤاد موسى المفطور على الإيمان استفزه خرق السفينة الذي يعني إغراق أهلها، وإذ به يهتف لمعلمه:

" لقد جئت شيئا إمرا" الكهف (71)

وقتل الغلام أفظع " لقد جئت شيئا نكرا" الكهف (74)

وكأن موسى نسي موقف التعلم برمته، فاستعاد هياجه الأصلي أمام ما شهداه في القرية التي استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، وبعدها رأى من معلمه العجب، فكيف يقيم جدارا في قرية أهلها لؤماء تخلوا عن أبسط واجباتهم تجاه عابري سبيل، ألا وهو الضيافة؟!

قابل الإساءة بخير لم يفهم له تفسيرا!

"فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا" الكهف (77)

هذا ما قصم ظهر البعير في محاورة تبودل فيها الصبر والاعتذار بتتابع وتواز، يتكرر

"لن تستطيع معي صبرا" في حفاظ على الصيغة النحوية والصرفية نفسها ما دام ماء الدرس جاريا، ولكن عندما أشرف الختام تغيرت الأداة الناصبة النافية المستقبلية "لن"

إلى" لم" أداة الجزم ونفي الماضي المستمر إلى الحاضر، فغاب حرف الياء من الفعل المرافق:

" قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا" الكهف (78)

أسلوب المعلم الحكيم في تدرجه في عرض ما استفز صبر موسى حتى بلغ أوجه مع الحدث الأخير صاحبه تدرج في استعمال الفعل (استطاع) أيضا إلى أن تجلت الزبدة مع اللفظ الأرشق (تسطع) موحية أن المعلم تنفس صبره الأخير مع تلميذه المجادل المتشكك، وتعرى أخيرا ما أبهم وألغز على موسى..

ولكن ما السر وراء تمكن أداة الجزم (لم) في تسيد الوعظ حتى النهاية؟!

وما السر في أن الفعل وردّ الفعل تواجها مباشرة دون تأجيل الموعظة لشاهد آخر في حكاية القرية البخيل أهلها، وإقامة الجدار حفاظا على كنز اليتيمين؟!

ترى هل يمكن نسب هذا التعلم إلى مرحلة كان يحضّر الله موسى للنبوة، أم خلالها؟

لعل الجواب اختبار ميداني يفعّل الاستفادة من خلفية هذا الدرس القيم، فكم من غوص وتحمّل لنتتوج بما نرغب!

***

أمان السيد - كاتبة

سيدني في 12-3-2026

في المثقف اليوم