قضايا

(بين النثر الأدبي في صدر الإسلام والشريف الرضي)!

مَن يقرأ كتاب «نهج البلاغة»، لـ(الشريف الرضي، -406هـ= 1015م)- في غير تنقُّص لمقام (عليٍّ) العالي، صُحبةً وبلاغة، ولا بغلوٍّ فيه، اعتقادًا في خوارقيَّةٍ ميَّزته عن مجايليه من الصحابة، بل رفعتْه أحيانًا كثيرة عن الرسول نفسه، وعن البشَر كافَّة- يُدرِك أنَّ «نهج البلاغة» أشبه بكلام معتزلة العصر العبَّاسي، منه بخطابة الناس في الصدر الأوَّل من الإسلام، أو كلام ذلك الرعيل الأوَّل، الذين خَبِرنا كلامهم، وأساليب خطابتهم، وأنماط تعابيرهم، من خلال خطابة النبيِّ، وصحابته، بل من خلال خطابة عليٍّ نفسه في ما نُسِب إليه من ذلك، كخُطبته يوم أن أراد (عُمَر) الخروج إلى العَجَم المتحشدين بـ(نهاوند).

هكذا استهلَّ بنا (ذو القُروح) إزعاجه المعتاد بأفكاره المشاكسة. قلتُ:

ـ بعيدًا عن التنظير، هاتوا برهانكم!

ـ برهاننا؟ خذ، على سبيل المثال، هذا النصَّ:

«فمَن وَصَفَ اللهَ سبحانه، فقد قَرَنَه، ومَن قَرَنَه، فقد ثَنَّاه، ومَن ثَنَّاه، فقد جزَّأه، ومَن جزَّأه، فقد جَهِلَه، ومَن أشار إليه، فقد حَدَّه، ومَن حَدَّه، فقد عَدَّه، ومَن قال: «فِيمَ؟»، فقد ضَمَّنَه، ومَن قال: «عَلامَ؟»، فقد أَخْلَى مِنه...».

ونحو هذا، ممَّا يُشبِه كلام المترسِّلين العبَّاسيِّين، كما يُشبِه من بعض الوجوه، كلام المتصوِّفة، لدَى (النِّفَّري، -354هـ= 965م) وأضرابه.

ثمَّ قُل لي: أيُّ جمالٍ بلاغيٍّ في هذا التحذلق البارد، والتمنطق الفارغ، والرطانة التي كان يتباهى بها الكتبة والمترسِّلون، منذ (عبد الحميد الكاتب، -132هـ= 749م) وقواعده في نظم الرسائل، بجُمَلها القِصار، المتكئة على المعادلات الصوتيِّة، والمحسِّنات اللفظيَّة، والتلاعب بالمفردات؟!

وأخبرني بعدئذٍ: ما علاقة هذا بالنثر في صدر الإسلام والخطابة وأساليبها إذ ذاك؟!

ـ ما سبب هذا الخلط؟

ـ الخائضون في هذا لا صلة لهم غالبًا بالأدب العربي، ولا بتطوُّر النثر الأدبي، ولا بفِقه الخِطاب الثقافي، ولا قِبَل لهم بالتفريق بين جاهليِّه وإسلاميِّه وأُمويِّه وعبَّاسيِّه. وإنَّما هم يَطربون للألفاظ، في ذاتها، وينتشون للبديع، من حيث هو، ويُهوَّسون بالنسج الأسلوبي، فوق هوسهم الأصلي بالرَّجُل المنسوب إليه الكلام، وبالأسطوريَّة البطوليَّة التي تلفُّه في مخيالهم الشعبي، وسِيَر «الحكواتيَّة» الشعبيَّة التي ما تنفك تأخذ بألبابهم وتلابيبهم. ومن ثَمَّ يغدو كلُّ خِطابٍ مجلجلٍ ببطلهم جديرًا، وإنْ كُتِب البارحة! وإنَّما مثلهم في ذلك كمَن يَنسب كلَّ شِعرٍ جزلٍ مجهول القائل- وإنْ لم يجهله سِوَى ناسبه نفسه- إلى (أبي الطيِّب المتنبِّي)، وستجد من ذلك اليوم عشرات الأبيات على مواقع «الإنترنت»، منسوبة إلى المتنبِّي، لا علاقة لها بشِعره.

ـ ما أشبه الليلة بالبارحة، إذن! مثل ماذا؟

ـ كالبيت المشوَّه المتداول:

لا تحـسبوا رَقـصي بينكُـمْ طَـرَبًا  :::  فالطَّير يَرقُصُ مذبوحًا مِنَ الأَلَمِ

ـ الله!

ـ الله... يهديك! لا تستفزني بتهليلك للزيف وترويج الأكاذيب! ثمَّ البيت مكسور الوزن أصلًا، صوابه: «لا تحسبوا أنَّ رقصي...». وبعضهم يضيف: «مِن شِدَّة الأَلَمِ»، ليزيد الشِّدة في الزعم بمتنبئيَّة البيت الفارهة شِدَّة!

ـ رجاءً، لا تخرج بنا عن الموضوع، يا (جاحظ) العصر والأوان!

ـ ما قصدتُه أنَّ هذه آية معاصرة على آيات الكذب البلاغي التي ورثناها عن تراثنا. فالعَرَب المعاصرون يمارسون، عبر وسائل التواصل، هوايات أجدادهم في انتحال النصوص ونَحْلِها إلى غير أهلها، فما أشبه ليلتهم ببارحتهم، كما قلتَ! حتى لقد أصبح (المتنبِّي) مسخًا لكثرة ما يُنسَب إليه من هراء؛ فكلُّ من أعجبه بيت سخيف، نسبَه إلى المتنبِّي. مع أنَّ ديوان المتنبِّي متاحٌ على شبكة «الإنترنت»، لو كان هؤلاء يقرؤون أو يتحرَّون الصدق في ما يقولون. وهكذا، فمَن لم يعرف الشاعر، قال: «قال المتنبي: ...»! على أنَّه قد ينافسه لدَى كَذَبة الرواية هؤلاء (امرؤ القيس)، أو (عنترة)، وأضرابهما من المشاهير.

ـ رجاءً، لا تخرج بنا عن الموضوع، يا (جاحظ) زمانك! وهاتِ الزُّبدة!

ـ الزُّبدة: أنه من المعروف في تاريخ النثر الأدبي العَرَبي أنَّ ذلك الطابع من اللفاظيَّات الطاغية على أسلوب «نهج البلاغة» هو ما صار وباءً أسلوبيًّا منذ عصور الهوس البديعي إلى بعض أيَّامنا وكتَّابنا وشعرائنا، من حُواة الجناس والطباق، يشعبذون بهما على خواء المعاني، أو على معانٍ لا ترقى إلى ما حُمِّلت به من زخرف القول. حتى لقد جاء، من جرَّاء ذلك الهوس، أن وضع (صلاح الدِّين الصَّفدي، -746هـ= 1345م)، خلال تلك الحقبة الجناسيَّة من تاريخنا، كتابًا تحت عنوان «جِنان الجناس في عِلم البديع»، جُنونًا بالجناس والتجنيس. ولك أن تضع هنا تحت مفردتَي «جِنان» و«عِلم» خطوطًا عريضة؛ فهما تغنيان في العنوان عن قراءة الكتاب، الذي اكتنز حشوُه بالجناس، أسلوبًا وتنظيرًا. وهل أنتج ذلك الجنون أتفه من معلَّقات (ابن الفارض، -632هـ= 1235م)- قدَّس الله هذيانه البديعي- أو أبرد منها أو أسمج، من مثل مطوَّلته:

سائق الأظعانِ يَطوي البِيْدَ طَيْ  :::  مُنْعِمًا عَرِّجْ على كُثْبَانِ طَيْ؟

ـ الله!

ـ الله... يصلح ذوقك! في تلك الشُّمحوطة المملَّة يظل (ابن الفارض) يدور في حفرة معنى واحد، متلاعبًا بالألفاظ والحروف، لا أكثر! ففاق بذلك كهنة العصر الجاهلي في سجعهم الوظيفي بمراحل ضوئيَّة، بحيث يحقُّ أن يُسمَّى هذا النظم (نظم الكهان المتصوفة) في الإسلام، على طريقة (سجع الكهان) قبل الإسلام. وهو إذ يتساءل، مثلًا:

أيُّ شيءٍ مُبْرِدٌ حَرًّا شَوَى  :::  للشَّوَى حَشْوَ حَشَائي أيُّ شي؟

فلا إجابة، سِوَى أنَّ ما شَوَى حَشْوَ حشاه هو هذا البديع المتكلَّف، الذي بلغ به إلى أن تُصبح بعض أبياته كعبارات المُعاياة لتحدِّي: مَن ذا يستطيع تكرارها دون أن يقع في عثرة لسان! ومَن لم يُصدِّق، فالتحدِّي أن يحاول تكرار بيته هذا مرتين أو ثلاث مرَّات، بحروفه الحلقية المتوالية (ح، خ، هـ):

أَنْحَلَتْ جِسمي نُحُوْلًا، خَصْرُها  :::  منهُ حالٍ؛ فهو أبهَى حُلَّتَي

ـ الله!

ـ اللهم لا تؤاخذنا بما فعل البديع فينا! كرِّره بلا خطأ، ولك مني ما شئت! وما كان ليجد شيئًا يبرِّد حَرَّ حشاه، سِوَى ذلك الانتحار البديعي باسم الشِّعر، الذي كان يتواجد به أمام قُرَّائه بتلك الصورة المزرية، مصغِّرًا قوافيه، بل مصغِّرًا الشِّعر كُلَّه بطبيعته ووظيفته! بَيْدَ أنَّ لكُلِّ ساقطةٍ لاقطة، فلن يعدم مثل هذا من أمثاله- أذواقًا وعقولًا- قبولًا وإجلالًا.

ـ كأنك تعرِّض بي، يا (ذا الجُحُوظ)!

ـ وهذا ما كانت الأذواق السليمة في صدر التاريخ الإسلامي تمجُّه، وكانت أساليب العَرَب الرصينة منه براء، إلَّا ما جاء عفو الخاطر، أو لدَى الكُهَّان وأشباههم من الخطباء. ذلك أنَّ الأساليب إنما كانت تأخذ من الكلام أيسره، ومن المعاني ما جاء عفوًا، ولا تصطنع اصطناعًا، ولا تتكلَّف تكلُّفًا، ولا تكدُّ الأذهان كدًّا، لرسم المشاكلات وتقليب الصيغ والدلالات. لم يكن لذلك من أثرٍ في كلام العَرَب الأوائل، اللهم إلَّا في أساليب الكُهَّان، من أرباب السجع والتهويل بالمفردات الغريبة عن غيبٍ يدَّعون التنبُّؤ عن أخباره. ومفهومةٌ وظيفة ذلك لديهم، من الكهانة والتدجيل والتكسُّب. ولذا كرهه الرسول، عليه الصلاة والسلام، وصحابته. فقد وردَ، مثلًا، أن (عُمَر بن الخطاب، رضي الله عنه)، سأل (صحارًا العبدي) عن (مُكْران)، ببلاد (فارس)، فقال: «يا أمير المؤمنين، أرضٌ سهلُها جَبَل، وماؤها وَشَل، وتمرُها دَقَل، وعدوُّها بَطَل، وخَيرها قليل، وشَرُّها طويل، والكثير بها قليل، إنْ كثُر الجُند بها، جاعوا، إنْ قلُّوا بها، ضاعوا»، فقال له عُمَر: «أسجَّاعٌ أنتَ أم مُخْبِر؟!» فقال صحار: «بل مُخْبِر.»(1) ومن ثَمَّ فلا يمكن أن يكون «نهج البلاغة» من كلام (ابن أبي طالب)، اللَّهم إلَّا روايةً بالمعنى، مع صياغات منتحلة، وإضافات مفتريات. وإنَّما هو عملٌ من إنشاء (الشريف الرضي)، الشاعر والفقيه ونقيب الطالبيِّين. إنْ يكن أنشأه على بقايا نِثارٍ مأثورة مما يُنسب شعبيًّا- دون تحقُّق، إلى الإمام- فما يعدو ذلك الأساس مادةً أوَّليَّة، اشتغل عليها الشريف، بملَكاته البيانيَّة البديعيَّة، وثقافته العبَّاسيَّة الحضريَّة؛ ليبني لجَدِّه مجدًا في كتاب، خلال عصرٍ احتدم فيه هذا الخِطاب، حتى قامت دولةٌ باسمه ظاهرة، هي الدولة الفاطميَّة. وما ينفصل انبثاق هذا المنتَج الأدبيِّ المنسوب إلى (أبي الحسن، رضي الله عنه) عن تلك الظروف السياسيَّة، والمعطيات الظرفيَّة، والمتطلَّبات السياقيَّة التي اقتضته.

***

ا. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

........................

(1) يُنظر: الطَّبري، (1970)، تاريخ الرُّسُل والمُلوك، تحقيق: أبي الفضل إبراهيم، (القاهرة: دار المعارف)، 4: 182؛ الجاحظ، (1998)، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام محمَّد هارون، (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 285. (ونسبَ الجاحظ هذا إلى أعرابيٍّ سأل رسولًا قَدِمَ مِن أهل السِّند). وقد نقل (شوقي ضيف)- في كتابه ((1983)، الفن ومذاهبه في النثر العَرَبي، (القاهرة: دار المعارف)، 57)- العبارة الأُولى خطأً، وربما كان الخطأ مطبعيًّا، هكذا: «سهلها جِبال»، ولا تستقيم السجعة بهذا، بل بأن يقول: «سهلها جَبَل».

بقلم: يأنس فيروفاكس

ترجمة: علي حمدان

***

أنت واحد من العديد من المنظرين، إلى جانب سيدريك دوران، وجودي دين، وماريانا مازوكاتو وآخرين، الذين تكهنوا بأن هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى ــ باستخدام الخوارزميات لبناء إمبراطوريات البيانات التي تعمل كمصدر لا حدود له على ما يبدو للقيمة ــ ربما تتجاوز حدود الرأسمالية. في كتابك الصادر عام 2023 بعنوان "الإقطاع التقني"، تزعم أنه كما شهدت الفترة الحديثة المبكرة استبدال الأرض برأس المال الإنتاجي كعامل مهيمن في الإنتاج، شهد أوائل القرن الحادي والعشرين استبدال رأس المال الإنتاجي بـ"رأس المال السحابي"، مما يشير إلى التحول إلى نظام تراكم جديد. لماذا، في رأيك، يختلف رأس المال السحابي نوعيًا عن أشكال رأس المال الأخرى؟ وما هو تطوره التاريخي؟

أولا، اسمحوا لي أن أقدم لكم مقدمة قصيرة. إن الإقطاع التكنولوجي ليس تحليلا ما بعد ماركسي لنظام ما بعد الرأسمالية. إنه تحليل ماركسي كامل لكيفية عمل رأس المال المعاصر، والذي يحاول تفسير سبب خضوعه لطفرة أساسية. بطبيعة الحال، على مدى القرون السابقة تطور طابع رأس المال الثابت من قضبان الصيد والأدوات البسيطة إلى الآلات الصناعية المعقدة، لكن كل هذه الأشياء تشترك في سمة أساسية: تم إنتاجها كوسائل إنتاج. الآن، لدينا سلع رأسمالية لم يتم إنشاؤها من أجل الإنتاج، ولكن من أجل التلاعب بالسلوك. يحدث هذا من خلال عملية جدلية حيث تحث شركات التكنولوجيا الكبرى مليارات الأشخاص على أداء عمل غير مدفوع الأجر، وغالبًا دون علمهم بذلك، لتجديد مخزون رأس المال السحابي. وهذا نوع مختلف تمامًا من العلاقات الاجتماعية.

ولكن كيف حدث هذا؟ كما هو الحال دائما، من خلال التغيرات الكمية الثابتة والتدريجية في التكنولوجيا، والتي أسفرت في مرحلة معينة عن تغيير نوعي أكبر. وكانت الشروط المسبقة مزدوجة. الأول كان خصخصة الإنترنت، "الموارد المشتركة للإنترنت" الأصلية. فقد جاءت لحظة حيث كان عليك، من أجل إجراء المعاملات عبر الإنترنت، أن تطلب من بنكك أو منصة مثل جوجل أو فيسبوك التحقق من هويتك. وكان هذا شكلا بالغ الأهمية من أشكال الاحتواء، وتسويق المجال الإلكتروني وخلق هويات رقمية مخصصة جديدة. وكان عامل آخر هو الأزمة المالية في عام 2008. وللتعامل مع تداعياتها، طبعت الدول الرأسمالية 35 تريليون دولار بين عامي 2009 و2023، مما أدى إلى نشوء ديناميكية التوسع النقدي حيث أصبحت البنوك المركزية، وليس القطاع الخاص، القوة الدافعة. كما فرضت الدول التقشف الشامل في جميع أنحاء الغرب، مما أدى إلى كساد ليس فقط الاستهلاك ولكن أيضا الاستثمار الإنتاجي. واستجاب المستثمرون بشراء أصول العقارات وصب الأموال في شركات التكنولوجيا الكبرى. وبالتالي، بطبيعة الحال، أصبح القطاع الأخير القطاع الوحيد القادر على تحويل ذلك السيل من النقد لدى البنوك المركزية إلى سلع رأسمالية. وأصبح مخزون هذه السلع كبيرا للغاية، ومنحت أصحابها قدرا كبيرا من القوة للتأثير على السلوك واستخراج الريع، حتى أنها مزقت الأداء التقليدي للنظام الرأسمالي. وقد حدث هذا بالصدفة تماما: حالة كلاسيكية من العواقب غير المقصودة، دون قصد حتى من جانب شركات التكنولوجيا نفسها.

بطبيعة الحال، يعتمد دخولنا إلى عصر ما بعد الرأسمالية أو عدم دخولنا إليه على مفهومنا للرأسمالية. وقد قيل إن تعريف روبرت برينر، الذي ينظر إلى الرأسمالية باعتبارها نظامًا يتم فيه إكراه العمل، وبالتالي تراكم رأس المال أيضًا، بشكل أساسي من خلال القوى الاقتصادية، يؤدي إلى تعريف الوضع الحالي بأنه "إقطاع تقني" أو "رأسمالية سياسية"، كما يقول برينر، نظرًا لبروز الإكراه "خارج الاقتصاد" - سواء كان قوة سياسية صريحة تحمي الاحتكارات وتوجه الأرباح إلى الأعلى أو أشكال من التحكم الخوارزمي - داخل نموذج التراكم الحالي. لكن آخرين، على سبيل المثال موروزوف، يرفضون هذا باعتباره تعريفا ضيقًا للغاية، لأن الرأسمالية كانت دائمًا تنطوي على تفاعل معقد بين العوالم الاقتصادية وغير الاقتصادية. كيف ترد على هذا؟

إنني لست من أتباع برينر. إن فهمي للرأسمالية يأتي مباشرة من ماركس، الذي يرى أنها تقوم على تحولين رئيسيين: نقل السلطة من أصحاب الأراضي إلى أصحاب الآلات بعد بناء الأسوار، والتحول من تراكم الثروة في شكل إيجار إلى تراكم الربح. يطلق الأول العنان لعملية لا نهاية لها على ما يبدو من التسليع، والتوسع الدائم للسوق في جميع مجالات الحياة. ويكرس الثاني فائض القيمة - المبلغ الذي يستطيع الرأسمالي استخراجه من العمل بعد سداد الإيجار والفائدة وما إلى ذلك - كهدف أساسي للاستثمار. لقد تطور اقتناعي بأننا تجاوزنا الرأسمالية من ملاحظة بسيطة للغاية: إذا نظرت إلى موقع أمازون دوت كوم، فسوف تلاحظ أنه ليس سوقًا. إنه إقطاعية رقمية أو سحابية. إنه يشترك في بعض الخصائص مع الإقطاعيات القديمة: هناك تحصينات حوله، وهناك "سيد" واحد يمتلكه، وما إلى ذلك. ولكن على النقيض من هذه الهياكل ما قبل الحديثة التي تتضمن الأراضي والأسوار البسيطة، فإن الإقطاعيات السحابية مبنية على رأس مال سحابي ويتم تشغيلها بواسطة نظام متطور للتخطيط الاقتصادي - وهي الخوارزمية التي كانت بمثابة الحلم  لغوسبلان، وزارة التخطيط السوفييتية.

ولنتذكر هنا أن علم التحكم الآلي قد تطور في الاتحاد السوفييتي. فقد استخدموا مصطلح "الخوارزمية" للإشارة إلى آلية تحكم آلتي من شأنها أن تحل محل الأسواق بطريقة مختلفة لمطابقة الاحتياجات بالوسائل. ولو كانت حكومة الاتحاد السوفييتي تتمتع بالتطور التكنولوجي الذي تتمتع به خوارزمية أمازون، لكان من الممكن أن يكون الاتحاد السوفييتي قصة نجاح طويلة الأجل. ولكن اليوم، لا تُستخدم الخوارزميات للتخطيط نيابة عن المجتمع ككل؛ بل تُستخدم لتعظيم إيجارات السحابة لأصحابها. إن إعادة إنتاج رأس المال السحابي، والإقطاعيات السحابية التي يقيمها، لا تدمر المنافسة في السوق فحسب، بل وتدمر الأسواق بأكملها أيضا. ثم يتم تخصيص القيمة الفائضة المتبقية المنتجة في القطاع الرأسمالي التقليدي (المصانع وما شابه ذلك) كإيجار سحابي من قبل أصحاب رأس المال السحابي. وعلى هذا فإن الربح يصبح مهمشا ويعتمد تراكم الثروة بشكل متزايد على استخراج إيجار السحابة.

لقد كتبت أن الرأسمالية حوّلت العمل إلى سلعة، في حين تعمل التكنولوجيا الإقطاعية على نزع صفة السلع عنه. وهذا يعني أن شركات التكنولوجيا الكبرى تعتمد على الاستغلال الذي يحدث خارج سوق العمل، وتستبدل العمل المأجور بجمع البيانات. ولكن ألا يقول منظرو إعادة الإنتاج الاجتماعي إن الرأسمالية كانت تفعل دائما شيئا مماثلا، في استخراج القيمة من أشكال العمل غير النقدية؟

صحيح أن العمل في مجال الرعاية غير المدفوع الاجر كان ضروريا للرأسمالية منذ فترة طويلة. ولكن عندما أقول إن رأس المال السحابي ينزع عن العمل المأجور صفة السلعية، فأنا أتحدث عن شيء مختلف تماما. هنا، يعمل العمل غير المأجور غير المدفوع الأجر على إنتاج رأس المال بشكل مباشر على نحو غير مسبوق. إن مقدم الرعاية الذي لا يحصل على أجر بسبب النظام الأبوي يعمل على تسهيل توزيع القيمة الفائضة في الاقتصاد الرأسمالي، لكنه لا ينتج رأس المال بشكل مباشر. في ظل الرأسمالية، يتم إنتاج رأس المال من خلال العمل المأجور وحده. إذا أراد أحد أصحاب الصناعات النسيجية محرك بخاري، فعليه أن يذهب إلى جيمس وات ويطلبه، وسيتعين على وات أن يدفع للعمال الذين أنتجوه مبلغا كافيا لتوفير عملهم. مع شركة مثل ميتا، يتم إنتاج الكثير من رأس مالها ليس من قبل موظفيها ولكن من قبل مستخدميها في المجتمع ككل - من قبل أشخاص غير مدفوعي الأجر، مثل "أقنان السحابة" في العصر الحديث، يتعاملون مع خوارزمياتها ويعملون مجانًا لغرس قدرة أكبر على جذب أقنان السحابة الآخرين. ولهذا السبب أزعم أن رأس المال السحابي يمثل تحول رأس المال إلى سلالة جديدة لم تعد، للمرة الأولى في التاريخ، وسيلة إنتاج منتجة. بل أصبحت بالأحرى وسيلة منتجة لتعديل السلوك: وسيلة يتم تصنيعها إلى حد كبير، إن لم يكن بالكامل، من خلال العمل غير المدفوع الأجر.

إن فرضية الإقطاع التقني تميل إلى النظر إلى الريع والأرباح باعتبارهما متضادين هيكلياً، حيث يحل الأول محل الثاني ــ فيحل الركود والأوليجارشية محل الديناميكية والإبداع الرأسمالي. ولكن ماركس يوضح كيف أن البحث عن الريع لا ينبغي له دائماً أن يحيد مكاسب الإنتاجية؛ بل في الواقع، في الفترة الرأسمالية المبكرة، كان يفعل شيئاً أشبه بالعكس، حيث دفع الرأسماليين إلى تطوير القوى الإنتاجية. فهل من الممكن أن يعمل الريع السحابي على استعادة الربحية الرأسمالية بدلاً من خنقها على نحو مماثل؟ ماذا لو كانت العلاقة بين الاثنين أقل عدائية مما تتصور؟

لقد أدرك ماركس أن البحث عن الريع يمكن أن يدفع التنمية، لكنه اتفق أيضا مع ريكاردو على أنه إذا تجاوز كنسبة من إجمالي الدخل عتبة معينة، فإنه يصبح عبئا على النمو الرأسمالي. واليوم، أصبحت إيجارات السحابة باهظة للغاية لدرجة أنها تصنع هذا التأثير بوضوح. والواقع أنني أجازف بالقول إن إخراج الشركات المدرجة المزدهرة على إيجار السحابة من سوق الأوراق المالية من شأنه أن يؤدي إلى انهيار قيمتها. وعلى مستوى أكثر شمولا، ضع في اعتبارك أن أمازون تستولي على ما يصل إلى 40% من سعر المنتج المباع على منصتها. وهذا لا يترك أي فائض تقريبا للبائع لإعادة استثماره. وعندما يكون هناك قدر كبير من الريع يتم سحبه من الاقتصاد، من التدفق الدائري للدخل، فإن القطاع الرأسمالي يتضور جوعاً ويخضع بشكل متزايد لقطاع إيجار السحابة. وهذا لا يعني أن القطاع الرأسمالي لم يعد موجودا؛ بل إنه لا يزال مسؤولا عن كل القيمة الزائدة التي يتم إنتاجها في الاقتصاد، وفقا لنظرية العمل للقيمة. ولكنها صغيرة نسبيا مقارنة بهذا النمو الطفيلي، الذي أصبح هائلا لدرجة أنه، كما قلت، تحول الكم إلى نوع، وتم تغيير النظام بأكمله.

الواقع أن أغلب كبار المحتكرين الفكريين ــ الذين يمتلكون البنية الأساسية الرقمية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي ــ يتخذون من الولايات المتحدة مقرا لهم. وربما يُعَد هذا بمثابة إشارة إلى أن الإمبراطورية الأميركية تتمتع بصحة جيدة، على الرغم من الحديث عن نظام متعدد الأقطاب ناشئ. ولكنك كتبت أن الصين حققت شيئا لم يحققه وادي السليكون، في تحقيق اندماج ناجح بين رأس المال السحابي وقطاعات أخرى من التمويل الكبير. فما هي الآثار المترتبة على الحرب الباردة الجديدة بين القوتين؟

في رأيي، ما لدينا الآن هو نظام ثنائي القطب. وهذا ليس ما تريده الصين. والأمر المذهل بشأن الحزب الشيوعي الصيني هو أنه لا يريد حقًا حكم العالم، ولا حتى أن يكون قطبًا مهيمنا ثانيًا يعارض القطب الأول. ما يريدونه هو حكم الصين - بالإضافة إلى الأماكن التي يشعرون أنهم فقدوها، مثل هونج كونج وتايوان - والتجارة بحرية مع البلدان الأخرى. إنهم يرغبون حقًا في عالم متعدد الأقطاب، حيث يتقاسمون السلطة مع شركائهم التجاريين، لكن المشكلة هي أنهم لا يملكون سوى طريقة واحدة لتحقيق ذلك، وهي استخدام قطاع التكنولوجيا لديهم، بالتنسيق مع التمويل الكبير، لإنشاء شيء مثل نظام بريتون وودز داخل مجموعة البريكس. وهذا من شأنه أن ينطوي على أسعار صرف ثابتة، وعملة مشتركة مدعومة باليوان. سيكون هذا مشروعًا كبيرًا، وهو يشبه الصفقة الجديدة للنظام العالمي في عام 1944 في مؤتمر بريتون وودز. ولكن بقية دول البريكس ليست مستعدة لذلك، كما يمكننا أن نرى من التوترات الضخمة بين الهند والصين. إن أغلب بلدان الجنوب العالمي ليست مستعدة لهذا النوع من التعددية القطبية. والقيادة الصينية نفسها مترددة للغاية. ولكن إذا لم تبدأ في الدفع في هذا الاتجاه، فإنها سوف تظل عالقة في عالم ثنائي القطب بين الولايات المتحدة والصين، مع كل المخاطر التي ينطوي عليها هذا.

ولكن ألا يعمل النموذج الصيني، الذي يقوم على نظام السوق حيث تلعب الدولة دورا نشطا في توجيه وتخصيص الاستثمار، على تقويض الافتراض القائل بأن شركات التكنولوجيا الكبرى أصبحت الآن القوة المهيمنة في تخطيط الاقتصاد؟ يبدو من الممكن، على الأقل من الناحية النظرية، أن تبحث الدول الغربية بشكل متزايد عن حلول جديدة للدولة في ظل صراعها مع آثار الركود الاقتصادي وأزمة المناخ. فماذا يعني هذا بالنسبة لريعية الحوسبة السحابية؟

إنني أعتقد اعتقاداً راسخاً أننا في الدول الغربية نقلل من شأن دور الدولة، وفي الصين نبالغ في تقديره. ولقد فتحت زيارتي الأخيرة للصين عيني على حقيقة مفادها أن الكثير من التفكير الجريء في نشر القيم الصينية والنفوذ الصيني يأتي من القطاع الخاص، في حين أن الدولة ذاتها أكثر تردداً. (كما نجد في القطاع الخاص أغلب الماركسيين، وإن لم يكن عددهم كبيراً). وفي الولايات المتحدة، نجد أشخاصاً مثل إريك شميت وبيتر ثيل متشابكين تماماً مع الدولة: البنتاجون، والمجمع الصناعي الدوائي. ولقد نشر جوليان أسانج كتاباً صغيراً بعنوان "عندما التقى جوجل بويكيليكس" عندما كان لا يزال في السفارة الأكوادورية، وأنا أنصح الجميع بشدة بقراءته. إنه حوار بينه وبين شميت، والأمر المذهل في هذا الكتاب هو أنه عندما يتحدث شميت، فمن المستحيل أن نحدد ما إذا كان موظفا لجوجل أم عميلاً للدولة الأميركية. لذا فإنني أعتقد أن فكرة انفصال الدولة عن السوق في الغرب، وربما حان الوقت الآن لكي تلعب الدولة دوراً أكبر، هي في حد ذاتها خيال ليبرالي. وكان من المستحيل دوماً فصلهما. وإذا نظرت عن كثب إلى أشكال التقارب بين الاثنين في كل من الشرق والغرب، فسوف تميل إلى رؤية درجة ملحوظة من التشابه.

عندما اشترى إيلون ماسك تويتر، كتبت أن هذه كانت محاولة للصعود إلى الدائرة الذهبية للمستفيدين من خدمات الحوسبة السحابية. هل ينطبق نفس القول على دخوله إلى عالم السياسة؟ هل يعني هذا، كما تكهن بعض النقاد، أن الطبقة الحاكمة الأميركية أصبحت مضطرة إلى شراء القدرة على الوصول إلى أدوات السلطة السياسية من أجل ضمان عائداتها؟

لا أعتقد أن هذا ضروري تمامًا بالنسبة لهم. جيف بيزوس لا يفعل ذلك. إنه يستخدم قنوات أخرى للتأثير مثل صحيفة واشنطن بوست. على الرغم من أن قيادة جوجل لديها الكثير لتخسره من أي محاولة من قبل لجنة التجارة الفيدرالية لتنظيمها، إلا أنك لا تراهم يبذلون الكثير من الجهد للدخول في السياسة. ماسك مختلف لسببين. أولاً، لأنه مجنون العظمة المتبجح الذي لا تستند قراراته بالضرورة إلى أي مصلحة مادية معينة. وثانيًا، لأنه يتمتع بقبضة ضعيفة نسبيًا على رأس المال السحابي. كانت أعماله - تيسلا، ونيورالينك، وبورينج كومباني - كلها شركات رأسمالية قديمة الطراز. حتى سبيس إكس، من عجيب المفارقات، بنيت على رأس مال أرضي. كان هدفه تحويلها إلى شركات سحابية. لهذا السبب اشترى تويتر: ليس كاستثمار تقليدي كان يأمل في تحقيق ربح منه، ولكن كواجهة معك، ومعي، ومعنا جميعًا؛ نوع الواجهة التي كانت لدى الآخرين ولم يكن لديه. لقد استولى على الشركة بطريقة وحشية إلى حد ما، وخسرت الشركة نصف قيمتها السوقية على الفور. ولكن هذا أمر طبيعي بالنسبة لماسك: فهناك لحظات ترتفع فيها القيمة السوقية لأعماله إلى عنان السماء ولحظات تبدو فيها وكأنها قد تخسر كل شيء.

إن مشاركته مع إدارة ترامب - والتي أنا متأكد من أنها لن تنتهي بشكل جيد، بالمناسبة - هي جزئيًا مسألة رغبة في الحصول على بعض الامتيازات. لقد أعطى احتمال تخفيف القيود التنظيمية المفروضة على السيارات ذاتية القيادة، في يوم واحد، لشركة تيسلا رأسمال سوقي إضافي يعادل إجمالي رأسمال جنرال موتورز وفولكس فاجن وستيلانتس ومرسيدس بنز. لذا فهذه مكافأة صغيرة لطيفة له. لكن هذا ليس بالتأكيد السبب الوحيد وراء قيامه بذلك. إنه مدفوع أيضًا بالأيديولوجية: على عكس بيزوس أو جيتس، يعتقد في الواقع أنه قوة من أجل الخير. الآن هذا مستوى فريد من الوهم.

***

نيولفت ريفيو نوفمبر2024

الموروث هو كلُّ شيءٍ ورثناه من أجدادِنا وآبائِنا. وقد ورثتُ نقوداً وأثاثاً وعلما. عُرف العربُ بأنهم يتمسكون بتراثهم بشدة، حتى ذكرهم القرآن بقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَايَهۡتَدُونَ١٧٠). ومن جملة الموروثات الأدب بشقيه: الشعر والنثر الذي كان في وقتٍ من الأوقاتِ من الأسلحة الماضية التي يستعين بها العربي من أجل الغلبةِ. وأقصد بذلك ما عرف به العربي البدوي من حب للسيطرة على جيرانه والمنافسين له. وكان الشعر والشعراء من جملةِ الأسلحةِ التي يتمسك بها العربي وقبيلتُه من أجل النصر والغلبة، لأن لسان الشاعر ربما كان أكثرَ تأثيراً من السيف والرمح. لكن الحال تغير والدنيا لم تعد، هذه الأيام، تلك الدنيا التي كان ينعم بها ذلك الإنسان البسيط. وبكلمةٍ أخرى تعقدت حياتُنا بما فيها من وسائل متعددة من أجل الراحة والسعادة. كثُرت الأموالُ وتشعَّبت سبلُ الحصول عليها، وتنوعت مجالات وميادينُ العمل. فأصبح الغزو الذي يستعان عليه بالسيف والرمح واللسان السليط نوعاً جديداً من السيطرة عن بعد. ولم يعد السلاح التقليدي كافياً للسيطرة على الشعوب والدول كما هو واضح.

كل هذا الكلام معروف لدى القارئ الكريم، لكن من باب التذكير، لابد أن نستعرض شيئا من الماضي حتى تتوضح الفكرة.

 لم يتقن العربي قديما إلا الكلام. ومن هذا الكلام الأدب بشقيه المعروفين النثر والشعر. لكننا يجب أن لا ننسى ما للأدب من تأثير في تلك الأيام الخوالي. حتى أن خطبةً واحدةً قد تغير من واقع الحرب، فتنقل الجيش من حالة الانهزام والخوف إلى حالة النصر والبسالة. يذكر لنا التاريخ كيف أن القواد العرب الذين غزوا الشعوب شرقا وغربا كانوا يتقنون الكلام والخطب الرنانة في الحرب. ولم يقتصر هذا الأمر على العرب أو المسلمين الذين قاموا بالفتوحات الإسلامية (كما يسمونها)، بل كان هذا الأمر معروفا عند الإغريق واليونانيين القدماء. وهناك كتاب ألفه أرسطو عنوانُه (الخطابة)، لأن هذا الفن كان شائعا في زمانه. لا نريد أن نتشعب في الكلام عن هذا الأمر ولابد لنا أن نتوقف هنا كي نستخلص العبرة من كل أحداث التاريخ، وأن نستلهم التراث أو الموروث بكل أنواعه. دعونا نقلب صفحات التاريخ العربي الإسلامي أو بكلمةٍ أخرى: دعونا نحصي الكتب الأدبية والتاريخية والروائية ونحصي أمامها الكتب العلمية التي ورثناها عن أجدادنا العظماء!! هل هناك نسبةٌ تذكر للنوع الثاني بينها ؟ لا ننكر الدور الذي لعبه عدد محدودٌ من العلماء العرب المسلمين وخاصة في بغداد وفي الاندلس وفي الشام. لكنَّ هذا كان منذ زمان بعيد ولنقل إنه توقف ووئِد في طيات النسيان. بل أن أغلب هؤلاء العلماء لم يكن عربياً. وكل من قرأ تاريخنا الإسلامي يفهم هذا.

 أتحدث في هذا المقال باللسان العربي ولست أريد من هذا الكلام التحيزَ القومي، بل أريد أن أوصل رسالةً إلى قومنا الذين أنتمي إليهم بسبب أبي وأمي العربيين، والبيئة التي خلقت فيها معهم، وأقول لهم: كفاكم تشدقاً وإطالةً للسان، وكفى بنا أننا أصبحنا عالةً على العالم المتقدم. لا تستغربوا من قولي هذا، لأن الواقع يدل عليه. والحجةُ الواقعية المرئيةُ هي أبلغ الحججِ في مضمار الفكر البشري.

 ما نراه اليوم من تقدم تقني لم يصنعه العرب ولا المسلمون بل صنعه أولئك البشر الذين ربما لم يَدينوا بأي دين في الصين، في اليابان، في أمريكا أو ربما كانوا من أديان أخرى. ولا يفهم من كلامي هذا أن الدين هو الباعث على التقدم العلمي والتقني، ولا ملازمة بينهما، بل من باب الاستشهاد بأن القوميات الأخرى والأديان الأخرى غير العرب هي التي صنعت الحضارة هذه الأيام بل ومنذ أكثر من مئتي عام تقريبا. لم يتقن العربي سوى الأدب وخاصةً الشعر. والسؤال الذي يطرح هنا هو: حتى متى نبقى هكذا؟ يهدم العدو حضارتنا ويقلع دورنا فنقابله بالأهازيج والشعارات والقصائد العصماء والخطب الرنانة التي لا تغني ولا تشبع ولا تسمن.

حتى متى يبقى العرب يسبحون في مستنقع آسنٍ من التاريخ المشوه الذي كتبه قوم كانوا يتنعمون في أروقةِ قصور الملوك والأمراء المسلمين؟

 تاريخٌ كتب لكي نتحدث به في المقاهي. وقصائدُ كتبت لهؤلاء الملوك والأمراء حتى فاقت بهم حد المعقول. هؤلاء هم من كتبوا قصائدهم لأغراض ما كانت يوما تدعو إلى نهضةِ المجتمع وبناء حضارة إنما كتبت من أجل تضخيم الجيوب وتطويل الأعناق. حينما يمجد الشاعر نفسه أو يمجد قبيلته فإنه لابد أن يجنح إلى عنصر المبالغة والغلو، حتى يكون مؤثراً وتُهزَّ له الرؤوس، ويقال له: أحسنت... أحسنت أيها الشاعر المفلق.

 هكذا هم العرب. وأقول: مع كل الأسف إنهم ما زالوا هكذا حتى يومنا هذا. ثقوا أن الشعوب الحيةَ تركت إلى حد كبيرٍ مهنةَ الأدب، وأقول: مهنة، لأنها على مر التاريخ العربي الإسلامي كانت هكذا. وإذا شذَّ منهم أحد، فالشاذ لا يقاس عليه، كما يقول علماء المنطق.

لو كان لنا شغل شاغل بالعلم والتقنية وروح البحث، لما التجأنا إلى الأدب وكثرةِ الكلام، ولملأنا أوقاتنا بشيء مفيد ينفع المجتمع والبشرية. المضمار واسع ومفتوح على مصراعيه والساحة أمامك لكنك لن تنجح إلا بعد أن تحطم هذا المنبر الذي اتخذه هؤلاء صنماً يعبدونه ويجلسون حوله وكأنه إله يُعبد. منبر الأدب كان في وقت من الأوقات منبراً مقدسا عند كثير من الشعوب التي تحترم الموروث التاريخي لها، لكن الزمن تغير بتغير الأحداث والحاجات. وإذا عرفنا أن الحاجةَ هي أم الاختراع، وعرفنا أن البشر أصبح مخترعاً وأنتج آلات تفوق تصورَ العقل وحد التصديق، عرفنا مقدار التأخر الذي أحاق بنا نحن العرب.

تتبارى الشعوب الحيةُ والحكوماتُ الواعية والمؤسساتُ العلمية الراقية بمقدار مساهمتها بالاختراع والاكتشاف والتطوير. وهذه هي المنافسة و"الحرب السلمية" الحقيقية. منافسةٌ تنتج حضارة وتنتج خيراً للبشرية. وإذا عرفنا أن كل اكتشاف واختراع لابد أن يرافقه شيءٌ من الشر، وأن هذه هي طبيعةُ الأشياء، يكمن فيها الخير والشر في مكان واحد، تيقنا أن هذا ليس من باب جمع المتناقضات أو جمع الأضداد كما يسميه علماء المنطق القديم.

كم هو جميل أن يتحدث الأديب بلسان حال عالِمٍ عربي قدم شيئا مفيدا لمجتمعه وللبشرية.

كم هو جميل أن نمدح شيئا مصنوعا في بلادنا مثلما كان البدوي يمدح خيمته وسرجَ دابته التي صنعها بنفسه.

 وكم هو جميل أن نتغنى بقصائدنا ونثرنا بحديقة أو روضةٍ غناء صنعناها بأنفسنا على هذه الأرض.

كم هو معيبٌ أن يقف شاعرُنا الحديثُ فيمدحَ الدابة والخيمةَ والسيفَ والرمحَ في القرن الحادي والعشرين وهو لم يرَ أياً من هذه الآلات والأدوات والحيوانات!

هذا هو الاجترارُ وهذا هو الترديد الذي يجب أن نتركَهُ إلى الأبد. لابد أن تتغير مناهجُ البحث وقبلها مناهجُ التعليم في مدارسِنا بحيث لا نعطي تلك الأهمية الكبيرة أو الفريدة لكل ما جاء في تاريخنا الطويل.

 علينا ان ندرس التاريخ الحديث قبل أن ندرس التاريخ القديم، لأننا لا نملك عمراً طويلا يسمح لنا بأن نصرفه على كمٍّ كبيرٍ من التفاهات والخرافات والأساطير التي كُتبت بأيدي بشر أمثالنا.

 قل لي بربك ما الذي تستفيدُه من حفظ قصيدةٍ تعداد أبياتِها ألفُ بيت، وتصرفُ عاماً كاملا أو شهراً أو أسبوعاً في حفظها.

 ما الذي تستفيدُه لو حفظت كتاباً للخطب كنهج البلاغة مثلا وتصرفُ أعواما على هذا العمل؟

 ما الذي تستفيده لو صرفت عمرَك كلَّه في البحث عن الحلال والحرام والمكروه والواجب في أمور سطحيةٍ من أمور الفقه كالطهارة والنجاسة والحيض والنفاس؟

ألم يأن لهذه العقول أن تنتقل إلى مرحلةٍ جديدةٍ من التفكير؟ مرحلةٍ تأخذ بالعقل العربي إلى ساحه النور والعلم وتؤسس تراثا علميا يمثل الغايةَ العظمى في أهدافه ويترك التراث الأدبي لأنه تاريخ لحظي يتحكم فيه الزمان والمكان وحجمُ الحدث.

 هذا هو ما أدعو إليه. وقد دعا إليه عددٌ من علماءِ الاجتماع والفلسفة العرب على ندرتهم.

 وقبل أن أنهيَ هذا الحديث أقول: إنني عربي وصرفت عمري كله أخوض في هذا الوسط فخرجت بخُفَّي حُنين، كما يقول المثل العربي. ما الذي أضاف إلي الأدب؟ وإذا سألتني ما رأيُك بكل ما قرأته من شعر ونثر وخطب ورسائل وغيرها، فإنني أقول لك: لا يجب أن يتعدى تأثيرُها أكثر من الاستمتاع بالكلام الرنان والمعاني التي لا تخلو من جمال رغم تكرارها في كل هذه الفنون. الجمال متعددٌ ومن مصاديق هذا الجمال الكلامُ الجميل والمعاني الدقيقة التي تهز الوجدان والعواطف وربما تجيش المشاعر. ولا ننسى أنها ربما تُغيظ النفوس وتبعث فيها الكراهية وتثير الدفائن في قوم هم على شفا حفرةٍ من الثقافة وسطحيةٍ من العلم. إذن، لابد لنا أن نعيد قراءةَ هذا الموروث بشكل جديد وناقد ولا نبقي إلا على ما يتفق مع مقررات العلم والتقنية الحديثة لأنها واقعٌ والموروث الأدبي وهمٌ اختلقهُ الأدباءُ ونحن من بعدهم !!

***

بقلم: د. علي الطائي

 

من البديهي أن نتفكر في العلاقة التي تربط وسائل الإعلام بالمجتمع، وبالتالي تقدير استنتاج كون النظر إلى العلاقة بين الإعلام والمجتمع، يعني حتما أن المجتمع يؤثر في تطور الإعلام، وأن تطور الإعلام بدوره يؤثر على تطور مجتمعاتنا.

هذا سيساعدنا لا محالة، في إثبات أن وسائل الإعلام مرتبطة بالتفاعل الاجتماعي، فقد أصبح من الضروري تعليم الجانب الاجتماعي لكيفية عمل وسائل الإعلام. هذه حقيقة، أثبتتها صيرورة العلاقة المتصلة بين الإعلام والمجتمع. ولا جدال فيها على الإطلاق.

الجديد في دورة التأثير بين العنصرين الجاذبين (الإعلام والمجتمع)، هو النظام الحافز لمواءمة واستشراف التواصل الاجتماعي لمجتمع ليست له قابلية لاستنباط المعرفة، أو استيفاء طبيعة التعاطي معها، وهو منظور، في اعتقادي، ساهم في توسيع فجوة الفهم، ومضاعفة التداعيات الخطيرة للتماس بين التقائية تدبير مرحلة التكيف مع الشكل الجديد لوسائل الإعلام، وافتراقاتها على مستوى القيم والخطاب والامتداد.

 وفي هذا الإطار، من الضروري، الحديث هنا عن خصيصات الثقافة والهوية، كما هو الشأن بالنسبة للإعلام الخبري الموجه، الذي يحتكر سلطة الإدارة والتدبير، وتمثلاتها للجهات السياسية الفاعلة، والتأطير في حملات الرصد والقيادة والشخصية، والإعلان  والحوكمة، كما العرض المبني على التشريعات التي يستنبطها المتدافعون، لجعلها منطقة متاخمة لحجم خططهم واستراتيجياتهم.

إن ارتباط الإعلام والمجتمعات بالوسائط الإعلامية وتغيراتها الثاوية، عبر تطور الاتصالات الإلكترونية، بصدمات الإنترنت والوسائل الرقمية، يسوغ وضع أدبيات جديدة لتحليل هذه التطورات من منظور أو رؤية سوسيولوجية متماسكة، تستند إلى الموازنة بين طريقة الاستخدام ومعالجة التأثيرات، انطلاقا من طبيعة المجتمعات، وتحولها من مجرد مستهلك ومستقبل، إلى ناقد ومستوعب.

وهنا يصير من الأكيد معرفة التحديات الرئيسية المرتبطة بالمعلومات والاتصالات، أو على الأقل، الحدود بين القيمة واللا قيمة، بين المعلومات والترفيه أو الدعاية، بين صورة الفرد وشخصنة الأحداث ومنظومة الجماعة ووحدة مصيرها ومشتركها، فضلاً عن الحياة الخاصة أو الجزء الأكثر حميمية منها، على نفس المنوال، فضلا عن الحياة العامة، والتي تجعل كل واحد منا مواطنًا على وجه الخصوص، وله التزامات مجتمعية وعقد اجتماعي ونظر مسلكي وغير ذلك..

أعتقد أن الإعلام في مرحلة فارقة، كالت يعيشها عالمنا الراهن، يحتاج إلى التدليل على هذا النهج، على اعتبار تأثير الإعلاميين على المستوى الاجتماعي والثقافي إزاء المجتمع. وهو ما يحتم العمل بصورة تعكس القابلية الإيجابية لهذا المجتمع ومحيطه.

كما لا تخرج مواقف الإعلام إياه، عن الأحداث الجسام، التي تكلكلت أورامها وتفجرت، في حالات الانهيار السيكولوجي والمادي لتلك المجتمعات، خلال حروب القتل والنار والتهجير والإبادة والأمراض الفتاكة. فهي بمثابة الرواء الذي يسقي روح السيرورة ويغديها ويسحبها إلى تخوم القيمة والوجود، بما هي ارتقاء وثبوت على اكتناه مصادر الحقيقة، دون تزييف أو خداع أو تضليل.

وتحت ظلال هذه المآسي غير المسبوقة، في تاريخ توثيق الأحداث وتأريخها، سيكون من الصعب، غربلة ما فاض عن حاجة المتلقين، ممن ينشغلون بتكريس آليات الإغفال والتورية، وتحوير الصور والمشاهد المدسوسة، حيث تصير الحاجة إلى قيمة المعرفة أبعد مما يكون من تكشف إبرة القش، وتتألب المعاذير والشكوك على تكسير كل المنطقيات والحتميات، الشيء الذي يعيد واجهة الوظيفية الإعلامية المنظورة إلى عتمة القفل التي تنزاح إلى استعارة المفتاح من بلاغة "النص المحشور" وليس من "خطاب الكفاية المختصرة"؟.

***

د مصـطـــفى غَـــلْمَــان

أنا اندهش إذن أنا اتفلسف

كانت تنظر إليه وهو يسير في طريقه لا يلتفت الى أحد، لم يكن يسير كما يفعل معظم الناس ممن يعرفون هدفهم ويتأكدون من مواضع أقدامهم. فقد كان رافعاً رأسه الى السماء ومشغولاً بتأمل النجوم. وما هي لحظات إلا ويجد نفسه قد وقع في حفرة لم ينتبه إليها، هذا المشهد الغريب استهوى المرأة التي تتابع " طاليس المالطي " الذي اشتهر في بلاد الإغريق قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام بتنبوئه بحدوث كسوف للشمس، يكتب برتراند رسل ان حكاية طاليس المالطي لا يستحق من خلالها لقب اول فيلسوف وانما ايضا لقب " اول الاساتذة شاردي الذهن "، وتقول الحكاية ان المرأة عندما رأت الشيخ المهيب يقع في الحفرة أطلقت ضحكة عالية وهي تقول له:" أنَّى لك أن تعلم كل شيء عن السماء يا طاليس وأنت لا تستطيع أن ترى ما تحت قدميك؟".

ماذا تعني ضحكة المرأة التي يقال إن بها بدأت قصة الفلسفة؟ أكان بمحض الصدفة أن يجد طاليس نفسه موضع سخرية؟ هل نفهم إن التفلسف يخالف المألوف في الحياة؟، وإنه في بعض الأحيان يصبح موضع استنكار وسخرية، يخبرنا افلاطون ان هذه الضحكة هي الجواب الذي يردُّ به " العاقلون" و" العمليون" في الحياة اليومية على كل سؤال فلسفي.

كان طاليس المولود عام " 624 ق.م " اول من تساءل عن الحقيقة القائمة وراء الاشياء الطبيعية، وحاول تفسيرها لا على غرار المؤمنين بالاساطير والخرافات، بل على غرار العلماء، فبفضل هذا الرجل الذي كان قصير القامة، على شيء من الوسامة، عكس سقراط كان يهتم بمظهره الخارجي، انتقل الفكر من الاسطورة إلى المنطق، ونجد ارسطو في كتابه " ما بعد الطبيعة " يؤكد ان طاليس خطى بالفلسفة خطوة الى الامام، ذلك انه اسس مبدأ الدهشة، وكيف كانت هذه الدهشة باعثا على النظر، ولهذا نجد ان اول الاشياء التي اثارت الدهشة عند طاليس هي حركة القمر والشمس والنجوم، ثم نشاة العالم، ويضيف ارسطو ان " طاليس مؤسس نوع من الفلسفة يرى ان المبدا الاول للاشياء هو الماء " ويقال ان هذه الفكرة استمدها طاليس من البابليين حيث تحكي احدى الاساطير البابلية بأن " كل شيء كان بحرا.. وقد وضع الإله مردوخ حصيرا من القصب فوق سطح الماء فتراكم عليه الطين "، لكن طاليس استغنى عن الآلهة واستبدلها بعمليات طبيعية، وفي هذا يكون طاليس انتقل بنا من التفسير الاسطوري الى التفسير العقلي للاشياء، وهو في محاولة بحثة عن مادة طبيعية تكون اصل العالم، كان يسعى الى تبسيط ظواهر العالم وتوحيدها، والأهم كان يسعى الى المعرفة، عوضا عن الاستعانة في تفسيره بكثير من الآلهة.

يكتب برتراند رسل ان قدرة الإنسان على الاندهاش هي قدرته على البقاء إنسانًا، طالما بقي في استطاعته أن يسأل مَن هو الإنسان؟ إن دهشته نابعة من إحساسه بوجوده، في محاورة " المأدبة " لافلاطون – ترجمها الى العربية مجدي عبد الحافظ - تقول ديوتيما موجهة حديثها إلى سقراط: ما من أحد من الفلاسفة يتفلسف، والحمقى كذلك لا يتفلسفون، ذلك لأن ما يفسد في الحمق أن يتوهم الإنسان أنه مستغنٍ بنفسه." ويمضي سقراط قائلًا: " سألتها مَن هم الفلاسفة إذن يا ديوتيما، إن لم يكونوا هم الحكماء ولا الجهلاء؟ " عندئذٍ أجابت قائلة: " إن هذا لأمر واضح حتى للطفل، إنهم أولئك الذين يشغلون من الفئتين مكان الوسط "، هذا الوسط هو الذي قال عنه باسكال عبارته المشهورة: " نحن لسنا شيئًا، نحن نأمل أن نكون".

في كتابها " الدهشة الفلسفية " – ترجمه الى العربية محمد آيت حنا – تكتب جان هرش ان الدهشة هي الخصيصة المميزة للانسان، فالدهشة اساس الشرط الانساني، وربما يقول البعض: هل ما يزال بوسع الانسان المعاصر ان يندهش وهو يعيش في عصر التكنلوجيا المتطورة، ويعتقد على الاقل ان العلم كشف له كل شيء؟، هل يمكن أن تساعد نصائح فيلسوف مثل ابيقور عاش في اواخر القرن الرابع من الميلاد، على ان يستمد منها شاب يعيش عام 2020 النجاح؟، وهل يصلح فيلسوف الماني مثل ايمانويل كانط، اثار الجدل بحياته الغريبة، ان يصبح معلما ويشير لنا نحنن أبناء هذا القرن والحروب، الى اهمية بناء مجتمع ديمقراطي يحمي حريات الافراد، وينشد السلام، صحيح ان تاريخ الفلسفة يخبرنا ان ايمانويل كانط عاش حياته من خلال الالتزام بنظام حياتي صارم،كان يستيقظ في الخامسة صباح كل يوم، يخصص ثلاث ساعات للكتابة، وبعدها يذهب الى الجامعة يلقي محاضرات لمدة اربع ساعات فقط، لاتزيد ولا تنقص، يتناول الطعام في مطعم واحد لم يغيره لمدة اربعين عاما، بعد الظهر يذهب في جولة رياضية، ثم يعود الى البيت ليقرا وينام الساعة العاشرة مساء بالضبط ..وكان جيرانه يقولون انهم يستطيعون ضبط ساعاتهم على مواعيد خروجه وعودته، كان كانط يولي جسمه الكثير من العناية الشديدة، فهو يعتقد ان من المهم ان يطول عمر الإنسان، وكان يحتفظ بقائمة لأطول السكان عمراً في المدينة التي يسكن فيها، وظل مدير الشرطة يوافيه شهرياً بحالات الوفاة التي تقع في المنطقة القريبة من بيته.

ما الذي فعله هذا الرجل الذي عاش حياة نمطية مستقرة، بحياتنا نحن ابناء هذا القرن؟.. يعتقد الكثير من القراء أن الفلسفة تقول شيئا لا يفهمه الناس، ويهتم به النخبة فقط . ولكننا ياعزيزي عندما نتعرف على سيرة المرحوم إيمانويل كانط سنكتشف ان الرجل تدخل في معظم شؤون حياتنا، فمن بيته الصغير في مدينة كونيغسبرغ عمل بجدارة وتصميم على تهديم لأفكار قرون مضت، وساهم في توجيه العالم اكثر مما ساهم الاباطرة وزعماء الدول، فاذا كنت تنعم بالديمقراطية لا بد ان تعرف ان كانط كان قد اعلن في كتابه " ميتافيزيقيا الاخلاق " والذي ترجم الى العربية باكثر من ترجمة اشهرها قام بها عبد الغفار مكاوي، والاخرى ترجمها محمد فتحي الشنيطي، وفيها يقول ان لكل انسان كرامة اصيلة ملازمة له ينبغي احترامها ورعايتها، وكان اول شخص يتصور تاسيس هيئة عالمية قادرة غلى ضمان السلام في العالم وكانت هذه الفكرة التي طرحها في كتابه " مشروع للسلام الدائم " ترجمه ال العربية عثمان امين، هي التي اوحت بتاسيس منظمة الامم المتحدة، وستساهم شروحه العميقة عن المكان والزمان في ان يتوصل آينشتاين الى تحقيق نظريته النسبية.. وتقول جان هرش في كتابها " الدهشة الفلسفية " ان كانظ سيظل يشغل العالم اكثر من غيره من الفلاسفة، فهو وحده الذي استطاع ان يغير زوايا نظر الفكر الفلسفي ومفاهيمه تغييرا جذريا، ولهذا تتفق هرش مع مارك مانسون صاحب كتاب " خراب " الى انه اذا اهملنا كانط لن يكون بمقدورنا ان نفهم شيئا عن التطور الفلسفي الذي حصل بعده.كان كانط يعتقد بأن ما يجعلنا بشرا، على خلاف الحيوان، هو قدرتنا على التفكير بطريقة نقدية في اختياراتنا.

كانت الفلسفة في العقود الماضية تعد مجالا معرفيا معقدا لا يقصده إلا المتخصصون، فلماذا خرجت في السنوات الاخيرة من الفضاء الأكاديمي الخاص والمحدود إلى الفضاء العام الرحب ولاقت رواجا بين القراء؟

يعزو الفرنسي ميشيل اونفري، رواج الفلسفة إلى الأزمات العالمية الحالية، ويقول إن الفلسفة الأخلاقية والعلاجية ازدهرت أيضا في العصر الهلنستي الذي شهد تحولات كبرى، تزامنا مع انهيار الدويلات اليونانية، وصعود قوى عظمى مثل الإمبراطورية المقدونية والإسكندر الأكبر.

ويرى آلان دو بوتون أن القرن العشرين كانت تسوده روح التفاؤل والإنجاز، وزاد الناس ثراءً، ومن ثم زاد الإقبال على المبالغة في الشراء بلا اكتراث. ثم فوجئ العالم بأزمة الائتمان، وتلاشى هذا التفاؤل. وتساءل الناس عن دوافعهم وأهدافهم في الحياة، ومن هنا ظهر الشغف بكتب النصح والإرشاد. ويقول دو بوتون إن أعلام الفلسفة القديمة دأبوا على تقديم هذا النوع من الحكم والنصائح، بمعنى أن هذه الكتب تركز على جوهر الفلسفة كما كانت في أول عهدها.

لجأ الناس للفلسفة بحثا عن نصائح تساعدهم على مواجهة تحديات الحياة ووجدنا روائية مثل سارة بكويل تؤلف كتابا بعنوان " كيف تعاش الحياة او حياة مونتاني " – صدرت مؤخرا الترجمة العربية للكتاب عن دار التنوير " حيث ترشدنا الى ان مونتاني يرى أن الحياة فنّ، وعملية بدهيّة للاكتشاف والتفكّر وإيجاد المتعة خلال رحلتنا فيها.. وكانت كتابات مونتاني التي اختار لها عنوان " المقالات " محاولة كما يقول لان يُمنح الانسان فرصة، وان يجرب الحلول للمشكلات التي تحيط به، كان مونتاني يقرأ كثيرا، ويعلق كثيراً على ما قرأه، متطرقاً الى معظم أوجه المعرفة يكتب:" إن أعظم ما في العالم أن يكون المرء نفسه "، وقد تجمعت له من مقالاته اكثر من كتاب حيث نشر عام 1580 كتاب " المقالات " بجزئين ثم أضاف لهما جزءاً آخر. كان ياسبرز اول من اطلق صفة الدهشة على الفلسفة حيث اكد ان الفلسفة تمثل الدهشة، وهذه الدهشة تدفع الانسان الى المعرفة:" حين اندهش، معنى هذا انني اشعر بجهلي فانا ابحث عن المعرفة بغية المعرفة ذاتها، فالتفلسف يقظة "، ويبدو ان هرش استمدت العنوان من استاذها الذي تنقل من دراسة الطب الى ممارسة العلاج النفسي، الى التفرغ للفلسفة، وقد كان لهرش لقاءات مع هايدغر وسارتر، وتولت رئاسة قسم الفلسفة في منظمة اليونسكو وقد توفيت عام 2000، بعد ان تركت عددا من الكتب المهمة كان " الدهشة الفلسفية " واحدا منها.. في الكتاب، تاخذنا هرش في سياحة فكرية ممتعة مع كثير من الفلاسفة تبدأ من طاليس وتنتهي عند استاذها كارل ياسبرز

" الفلسفة مغامرة مدهشة " هكذا يضع لها كارل ياسبرز تعريفا في كتابه " مدخل الى الفلسفة "..وهي شكل غريب من الحوار بدأ في اليونان القديمة قبل ما يقارب الألفين وخمسمائة عام.. حيث بدأ الفلاسفة تُحركهم تجربة ما او احساس ما يعصف بهم فضولاً واهتماماً وشغفاً، وهو لا حقا ما يدفعهم لطرح الاسئلة..اسئلة تبدأ بـ " لماذا؟ ". يريدون اجوبة لاسئلتهم، اي يريدون ان يفسروا لِمَ هي الاشياء على ما هي عليه؟.. فالفلاسفة يأسرهم التساؤل والبحث عن الاجابة دائما.

كان كانط يعتقد بأن ما يجعلنا بشرا، على خلاف الحيوان، هو قدرتنا على التفكير بطريقة نقدية في اختياراتنا. سنشبه آلات إذا لم نكن نفعل الأشياء عن قصد ووعي، وظل كانط يؤمن هو أنه لا يجب على الشخص استعمال الناس بل معاملتهم باحترام، والاعتراف باستقلالية الناس الآخرين و قدرتهم كأفراد على اتخاذ قرارات معقولة لأنفسهم. هذا الاحترام لكرامة وقيمة المخلوقات البشرية الفردية، هو أصل السؤال الفلسفي وغاية الدهشة التي جعلت طاليس يقع في الحفرة.

***

علي حسين – رئيس تحرير صحيفة المدى البغدادية

عدنان عويدمبادئ التصوف العرفانيّة: العرفان في اللغة مشتقّ من "عَرَفَ"، ويُعْنى به المعرفة. يقول ابن منظور: "عرف: العرفان: العلم... عَرَفَه، يَعْرِفُهُ، عِرْفَة وعِرْفاناً وَمَعْرِفَةً واعترفه... ورجل عروفٌ: وعَروفة: عارف يعرف الأمور، ولا ينكر أحداً رآه مرة... والعريف والعارف بمعنى مثل عليم وعالم... والجمع عرفاء...".

والعرفان في الاصطلاح هي المعرفة الحاصلة عن طريق المشاهدة القلبيّة، وليس عن طريق العقل أو التجربة الحسّية... وهذا اللون من المعرفة يحصل من خلال العمل المؤمن إيماناً كاملاً بأحكام الدين. وهو بالتالي، الثمرة الناضجة والنهائيّة للدين الحقيقي. وعلى هذا الأساس قدَّم أصحاب الاختصاص تعاريف متعدّدة للعرفان، من أبرزها ما جاء على لسان القيصري: "هو العلم بالله سبحانه، من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهره، وأحوال المبدأ والمعاد والعلم بحقائق العالم وبكيفيّة رجوعها إلى حقيقة واحدة، هي الذات الأَحَدِيّة، ومعرفة طريق السلوك والمجاهدة، لتخليص النفس من مضايق القيود الجزئيّة وبالتالي اتّصالها بمبدئها أو خالقها، واتّصافها بنعت الإطلاق والكلّيّة". (16).

وعند الصوفيين، تتمثل الحقيقة اليقينيّة العرفانيّة بتزاوج مبدأيّ الفناء والبقاء الذين يتكاملان للوصول إلى اليقين.

والفناء عند الصوفيين هو مصطلح يدل على مستويات إدراكيّة يصل إليها المريد. وهي نوع من أنواع اندثار أو غياب النفس مع الحفاظ على الجسد الماديّ حياً. أو هي حالة كاملة الاتحاد مع الوجود الماديّ والروحانيّ. وهناك ثلاثة مستويات من الفناء التي يجب تحقيقها وهي:

"الفناء بالشيخ" أي التكامل مع الوجوديّة الفيزيائيّة الماديّة،

"الفناء بالرسول" أي التكامل مع العالم الروحانيّ،

ثم "الفناء بالله" أي التكامل مع الوجود المجرد.

ولكي يصل الصوفيّ إلى هذه المستويات، عليه تطهير ذاته النفسيّة من كل الدوافع الشريرة، والتغلب على كل الغرائز الجسديّة الوضيعة. بمعى أخر، الامتناع عن القيام بكل الخطايا (مثل الجشع، والشهوة، والمتعة، والغرور، والأنانيّة... والامتناع عن كل أنواع الحب ما عدا حب الذات الإلهيّة المطلقة. ويؤدي هذا الامتناع إلى تدمير الذات النفسيّة، مما يقرب المريد إلى الله لدرجة الفناء فيه. (17).

الفناء والبقاء:

إذا كان الفناء في الصوفيّة هو سقوط الأفعال المذمومة عند المتصوف، وتحقيق النقاء الجسديّ والروحيّ معاً، فإن البقاء في المنزلة التالية، هو درجة إدراكيّة عليا، يصل اليها المريد عند نهاية تجربته الصوفيّة، حيث يفنى كذات إنسانيّة بشكل تام بالذات الإلهيّة مما يعطيه الكمال في الوجود والعرفانيّة واليقين. ويعتبر الصوفيون أن كل المخلوقات ستصل إلى هذه الدرجة سواء بحياتهم أم بمماتهم. ويعتبرون أن كل الحكماء والأنبياء سيصلون لهذه الدرجة، وأنهم حاولوا تعليمها للبشر. فهذه الفكرة أساسيّة في كل الطروحات الدينيّة، فكل دين أو طريقة تطلق مصطلحا مختلفا لمعنى البقاء نفسه. فعلى سبيل المثال، تسمى في الإسلام "النجاة"، وفي المسيحيّة تسمى "الخلاص"، وفي البوذيّة تسمى "نيرفانا" وفي الهندوسيّة تسمى "موكتهي".(18).

هذا وهناك الكثير من المفاهيم الصوفيّة مثل:

اليقين:

وهو أعلى مقامات أو مستويات العرفانيّة الصوفيّة، وهو نهاية مطاف المريد الصوفيّ، التي وصل إليها كل الأولياء والقديسين.

الحقيقة:

وهي المعرفة الكاملة التي يصل إليها المريد عند مستوى اليقين.

المعرفة:

وهي عند الصوفيّة تعني إدراك الموجود بحقيقته بشكل غرائزيّ، وذلك عن طريق المرور بخبرات شخصيّة خارجة عن المألوف (الشطح) بدلا من تعلمها عن طريق الأخرين أو إدراكها بالتفكر.

الإحسان:

وهو الكمال وَالْتَمَيّزُ، ويعتبر من أهم أهداف الصوفيّة.

الْذِكْرُ:

وهو شعيرة فكريّة يقوم بها المريد للتقرب من الله. وبالعادة تكون بترديد لفظة معينة (مثل كلمة الله أو عبارة سبحان الله) أو القيام بحركة معينة مهمتها توجيه العقل كلياً للتفكر بالله. (19).

الكرامة الصوفيّة والأسطورة والحلم:

إن من يبحت في الأبعاد الفكريّة والنفسيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة وأخيراً الكاريزميّة للكرامة، سيجد فيها:

أولاً الوعي: حيث يسود الفكر والوضوح، وثانياً اللاوعي: حيث يسيطر المضمر والمقنّع والرمزيّ. أو بتعبير آخر يسود عالمان : عالم الوقائع الخارجيّة التي تجري فعلا وتحصل أمام العين، وعالم التجارب الداخليّة الذاتيّة للفرد المتصوف، التي يفصح عنها بواسطة الرموز. إلا أن المحتوى الخارجيّ، الواعي، أو الواقعي يظل متوازياً مع المحتوى المضمر للكرامة. فالكرامة التي يحققها الصوفيّ وتتجلى في الظاهر، هي نتاج أو تجلي لتجارب " روحيّة " أو أليات (ميكانيزم) نفسيّة. اشتغل عليها الصوفيّ كما بينا في عرضنا السابق. فالصوفيّ الذي يخرج إلى المجتمع ويحل مشكلة أخلاقيّة أو اجتماعيّة للناس أو للمريدين، هو صوفيّ يستمع كما يعتقد هو إلى صوت الضمير ممثلاً هنا بـ ( نداء ملاك، أو نداء الله،)، يأمره لفعل هذا الأمر المعجزة أو ذاك. فالمهم هنا هو أن القطاع اللاواعي الداخليّ عند المتصوف، بحكم موازاته للعالم الواعي، أي كون القطاع الخارجي الفعليّ، بحكم موازاته للعالم الذاتيّ والروحيّ للمتصوف فقد وجدا تعبيرا عنهما بحوادث قابلة لأن تحصل في العيانيّ أو أمام العيان. (20).

وفي الكرامة اتجاهان: الأول يرفض المجتمع والجسد باحتقار، والثانٍي يشكل المرحلة التي يعود فيها هذا الجسد (المطهر) إلى المجتمع مرة ثانية، ولكن بشكل أقوى، ليبني المجتمع الأكمل، والجسد الأكثر انقيادا للقيم النبيلة.

وفي الكرامة اشتياقان أو توقان: توق إلى المطلق واللامحدود والخلود. وتوق إلى نسيان قهر الواقع للإنسان، أو الهروب من الانجراحات ، الخاصة أو الفرديّة ،

وفي الكرامة منهجان: عمليّ يمارس الرياضيات الروحيّة لتخليص الجسد من الرذيلة، وفكريّ يتأمل المطلق والقيم النبيلة. اتجاه يروض البدن، وآخر يصقل النفس من الداخل، أو يعمل على النفسيّ أو الروحيّ. وهنا يندمج المنهجان في مبدأ حياتيّ هو سلوك، وطريقة عيش، وأسلوب تطهر، ودرب للخلاص، وحل مشكلة الإنسان أمام القدر والموت.

وفيها أيضا لغتان: لغة الكلام والمنطق والاقناع والصراحة، وأخرى أقدر على الإثارة، والتوجيه، والتوصيل والأداء، وأقرب إلى الإيحاء والإشارة.

وفيها أيضاً قطاعان: سويّ ومرضيّ ، حاضر وسحيق في قدمه ، متحضر وهمجيّ أو ابتدائيّ.

وفيها نوعان من القلق: قلق تجاه المصير، حيث تحل المشكلة هنا بإخراج الذات المقهورة من خلال إدخال الفردّي في الرمزيّ، والأنا في المطلق. وقلق إزاء المجتمع والسلطة وشتى رموز القمع التي تعمل على محو الذات.(21).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

عبد الجبار الرفاعيمثلما تُعلِنُ العنصريةُ عن حضورها عبر النسب والقبيلة والقومية والمعتقد والجغرافيا والثقافة وغير ذلك، يُعلِنُ الاستهلاكُ المبتذل عن عنصريته عبر الغرابة والشذوذ فيما يستعمله ويتناوله الإنسان. الذي يتناولُ اللحمَ المطلي بالذهب يُعلِنُ أنه الاستثناء في استعلائه على الناس في الأرض، لا يستحقُ هذه المكانةَ غيرُه هو وحده المؤهل للتويج بها. أثار قرفي واشمئزازي خبرٌ نشرته قناةُ العربية يوم 12 ديسمبر 2021 على صفحتها في الانستغرام يتحدث عن: (فندق في فيتنام يقدّم لزواره فرصة شراء قطعة لحم "توماهوك" مغطاة بالذهب، مقابل 1319 دولارًا للقطعة). لفرط دهشتي بعثتُ الخبر إلى ولدي محمد باقر المقيم في استراليا، فبادر هو وأرسل رابطًا لصفحة أحد الطباخين المشهورين على الانستغرام في أحد الدول، يعلن هذا الطباخُ عن أسعار وجباته من اللحوم فيكتب: أن مطعمه يبيع قطعة اللحم المطلية بالذهب، بوزن 680 غراما، بسعر يصل إلى 2000 دولار أمريكي". مقابل ذلك قرأت خبرًا موجعًا على صفحة‏ منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في اليوم ذاته يقول إن: "عددَ الجياع في المنطقة العربية وصل إلى 69 مليون شخص عام 2020، نتيجة للأزمات الممتدة حيث زاد الجوعُ بنسبة 91.1٪ عمّا كان عليه عام 2000".

‏   تذوقُ الإنسانِ للطعام يختلفُ عن تذوق الحيوان للطعام. تذوقُ الإنسانِ حالة تلذّذ أعمق من أن تنحصر بالحواس، إنها أبعدُ مدىً مما هو مادي لأنها تعبّر عن المشاعر والأحاسيس الإنسانية والرؤية الجمالية للعالَم أيضًا. الاستعلاءُ والتباهي والغطرسة والتبختر في الاستهلاك ضربٌ من خيانة الضمير والمرض الذوقي والأخلاقي الذي يهدرُ إنسانيةَ الإنسان، ويبذّرُ حقوقَ الفقراء والجياع في الأرض، بافتعال احتياجات مفارقة لاحتياجات الإنسان الأساسية والثانوية، ويبدّدُ الثرواتِ والمواردَ الطبيعية المشتركة لتأمين احتياجات كلِّ البشر بسفاهة وحمق.

بطرُ الذائقة في الاستهلاك وانحباسُها فيما هو مادي حالةُ تشوّه مرضية سامّة، تفتكُ بأخلاقية الإنسان، وتميتُ غيرتَه وشفقتَه ورحمتَه بأخيه الإنسان. يُنحَر الإنسانُ داخلَ الإنسانِ حين يُختَزل ويُنظر إليه وإلى كلِّ شيء يتصل بوجوده وعقله وروحه ومشاعره كشيءٍ من الأشياء. هذه واحدةٌ من خطايا رأسمالية السوق المتوحشة، وتعاملها مع كلِّ شيء حتى الإنسان كبضاعةٍ تجارية ومنتَجٍ استهلاكي يباع ويشترى.3140 fish

احتياجاتُ الإنسان: للمعنى، للإيمان، للمحبة، للجمال، لسكينة الروح، لطمأنينة القلب، لتقدير الذات، للاعتراف، للعطاء، للتضامن الإنساني، لا ترويها الأشياءُ المادية مهما غرق الإنسانُ في استهلاكها، ومهما كانت قيمتُها السوقية. مَنْ يعجز عن تأمين الاحتياجات الروحية والأخلاقية والإنسانية يعيش خواءً روحيًا وقلقًا وجوديًا يسلبُ سكينتَه الباطنية، ويحجب عنه معاني السعادة.

كثيرٌ من الناس في المجتمعات الغارقة في الاستهلاك، سواء كانت غربيةً أو شرقية، يكابدون الاضطراباتِ النفسية والقلقَ وفقدانَ السكينة والأرقَ والمللَ والضجرَ والاكتئاب. يعيشُ أكثرُ هؤلاء الناس بلا شعورٍ بالأمن والسلام في داخلهم، وإن كان معظمُهم يحاول التنكّرَ لتعاسته ويتظاهر بالسعادة. التظاهرُ بالسعادة تشجّع عليه كتاباتٌ ساذجة تتكتّم على بواعث مواجع الإنسان العميقة، وتلهيه عن البحث عن اكتشاف عللها الكامنة في داخله والسعي لإشباع احتياجاته الطبيعية، كما إن إعلانَ السعادة صار وسيلةً مخادِعة تتيح للإنسان الحضورَ الاجتماعي والتأثيرَ في الناس الذي ينشده.

في المجتمع الاستهلاكي يصير كلُّ شيء سلعةً، حتى الإنسان يُنظر إليه كأنه سلعة، ويجري تقديرُ قيمة كلّ شيء بمعيار الربح والخسارة بالمعنى الاقتصادي، وتقدّر قيمتُه بمقدارِ ما يسهم فيه من إنتاجٍ مادي، وبنوعِ ما يتسوقه ويستهلكه. تحديدُ قيمة الإنسان بنوعِ ما يتسوقه ويستهلكه أحدث تحولاتٍ في منظومة القيم، وخلق مفاهيمَ زائفة للسعادة والرضا وتقدير الذات والاعتراف، ولكلِّ ما يصنع للإنسان حضورًا ومكانة وتأثيرًا في المجتمع.

3141 fishفي المجتمع الاستهلاكي تزدهر حالةُ التباهي، ويتسيّد التبجّحُ والزهو بما يقتنيه الإنسانُ من أشياء مادية، ينظر الناسُ في هذا المجتمع للتسوق والاستهلاك بوصفه وسيلةً للتفوق على الآخرين، يجري استثمارُها في تنمية الرصيد الاجتماعي للفرد، خاصةً وسط الطبقة المُترَفة الغارقة في الأضواء، المتهافتة على إظهار استعلائها على غيرها بشتى الأساليب المبتذلة.    تُسرِف هذه الطبقةُ في شراء السيارات الفخمة، وماركات الملابس باهظة الثمن، والألماس والمجوهرات النادرة، والساعات الفاحشة السعر، وغيرها من المقتنيات التي تقاس قيمتُها بارتفاع ثمنها، وليس بإشباعها المباشر لحاجة حقيقية، بل تستعمل لغرض الظفر بإلفات نظر الغير وطلب المزيد من الإعجاب والاهتمام، لذلك كلّما غلا ثمنُها تضاعف شغفُ المترفين وتهافتهم عليها، بغضّ النظر عن قيمتها الاستعمالية، وما يمكن أن تؤديه من إشباع حاجة أساسية أو ثانوية.

تمادى نمطُ الاستهلاك التفاخري فشغف هؤلاء بأرقام السيارات، وأرقام الهواتف، وأشياء أخرى غريبة، صارت سلعًا تُعرَض في مزادات خاصة. وأضحت وسائلُ التواصل أداةً لتعويض الافتقار للمشاعر الإنسانية الصادقة، وابتُذلت العواطف وتنمّطت وتجمدت، حتى ابتلي الناسُ بالإدمان على الحضور الدائم في وسائل التواصل، واشتدّ التلهفُ والتسابقُ على الفوز بعدد أكبر من المتابعين والمعجبين، كتعويضٍ عن فقدان المشاعر الصادقة الدافئة الحميمة.

في المجتمع الاستهلاكي تُفتعَل احتياجاتٌ هامشيةٌ وحتى عبثية، ويختلّ سُلّمُ الاحتياجات، فيمسي ما هو ضروريٌّ هامشيًا وما هو هامشيٌّ ضروريًا. تُنسى الاحتياجاتُ العميقة، وتحتجب حاجةُ الإنسان للمعنى وللقيم السامية، ويتدجّن الإنسانُ ويُدمِن على النمط الاستهلاكي المادي المُنطفِئة فيه جذوةُ الحياة الأصيلة، فيموت الإنسانُ داخلَ الإنسان. هذا ما يقوله فلاسفةٌ وعلماءُ نفس واجتماع وقفوا على معاناة الإنسان في هذا العصر، وأدركوا مكابدات اغترابه الوجودي، وكيف صار كأنه آلةٌ ميكانيكية.

في هذا المجتمع يكبتُ الإنسانُ احتياجاتِه العميقة، ويفتعل احتياجات يتطلبها حضورُه في المجتمع الذي ينتمي إليه. يتحول الإنسانُ إلى ممثلٍ يستعير شخصيةً غريبة عن طبيعته، وبالتدريج يطمس احتياجاتِه الإنسانية، ويدمن على التلبّس بهذه الشخصية المستعارَة. في المجتمع الغارق في التباهي المتغطرس بالاستهلاك يصبحُ الإنسانُ السوي غريبًا بل كأنه شاذٌ. يصفُ إريك فروم هذا المجتمعَ بقوله: "الناس الأسوياء يبدون مرضى، ومن هم عكسهم يبدون أسوياء، وهذه ليست طرفة. إن الإنسانَ المريض يشعر أن هناك أشياء فيه لم يتم كبتها، فتدخل صراعًا مع ما هو سائد من أنماط ثقافية، لذلك يشعر بالألم. الشعورُ بالألم إشارةٌ الى أن هناك خطأ ما. هو محظوظ لأنه تألم، ذلك يؤشر إلى أن هناك خطأ في مساره. عندما لا يتألم الإنسانُ يعني أنه تأقلم، لدرجة أنه تخلّى عن كلِّ معنى يمتلكه، أصبح منسلخا أشبهَ بالآلات والروبوتات، ولم يعد يشعر بأيِّ صراع. وهذا يعني أن حُبَّه ومشاعرَه مكبوتةٌ إلى حدٍّ كبير، أو ضامرةٌ بنحوٍ يكشف عن صورةٍ لانفصام الشخصية المعتدل المزمن. إن ما يهدف إليه مجتمعُنا هو زيادةُ الإنتاج بغيةَ تأمين متطلبات زيادة الاستهلاك، أي الاقتصاد وتنميته والتكنولوجيا، هذا هو الهدفُ الذي نعيش من أجله، ولا يعيش الإنسانُ من أجل الإنسان. ما ينفع الناسَ لا يحظى باهتمامٍ كبير، ولا حتى ما يؤذي الناس يحظى باهتمام".

التعاطي مع الإنسان كشيء في المجتمع الاستهلاكي جعل البعضَ يوصي بإحراق جثته بعد الموت. رفاتُ الميت صار ضحيةَ المجتمع الاستهلاكي، بوصف الميّت شيئًا لا قيمةَ له في نظر بعضهم، لذلك ينبغي أن تتخلصَ الأرضُ ومَنْ عليها من رفاته، أو يبادر ذووه أحيانًا فيحرقونه، بغيةَ تحويل رماده إلى ألماس أو جواهر نادرة، كي يكتسب هذا الرمادُ قيمةَ الألماس والجواهر المادية. بعد أن خسر الإنسانُ حياتَه صار لا قيمةَ له كما تفرض ذلك معاييرُ السوق. الإنسانُ بوصفه منتَجًا استهلاكيًا لا قيمةَ له خارج جسده المادي، لذلك تعيره الجواهرُ قيمتَها السوقية بعد أن خسر قيمتَه كسلعة بعد موته. لا أعني بذلك أديانًا تمارس حرقَ جثة الميت بوصفه طقسًا دينيًا، وتعتقد بأن حرقَ الميت يعمل على تسامي روحه وخلاصها من وحشة عالم المادة وأدرانها، كي تعود الروحُ إلى أصلها متحرّرةً من ظلمات المادة. النار في اعتقاد هذه الديانات مطهرة كما يطهر الماء في ديانات أخرى.

في ثقافة الاستهلاك كلُّ شيء سلعة، كلُّ شيء معروضٌ للبيع والشراء والتسوق والاستهلاك والربح التجاري والعرض والطلب. الإنسانُ بعد موته يستعمل كسلعة، مادام كلُّ شيء في الحياة سلعةً استهلاكية، لذلك يمكن للورثة التصرّفُ برفاته كيفما يشاؤون، ومعاملتُه كشيء مادي، واستخدامُه على الضدّ من تميّز وفرادة الكينونة الوجودية له، المتعالية على كلِّ مخلوق في الأرض.

مكانةُ الإنسانِ لا يُحدِّدُها نوعُ ما يتسوقه من أشياء مادية ولا نمط ما يستهلكه. الإنسانُ هذا الكائنُ اللغز المدهش المستودَع لأسرار الخلق، هو الوحيد الذي تجلّت فيه أجملُ صورةٍ لله في العالَم. الإنسانُ جوهرُ الخلق، وأجلى مظهر ارتسمت فيه أكملُ صورةٍ لله، لا يمكن أن يضاهيه الألماسُ أو يساويه أيُّ شيء من الجواهر في العالَم، مهما كانت قيمتُها المادية. الإنسانُ محترمٌ مكرّمٌ في حياته محترمٌ مكرّمٌ بعد موته أيضًا، الموتُ ليس فناءً، الموتُ في مفهوم الدين طورٌ جديد لوجود الإنسان، لذلك ينبغي تكريمُ الإنسان بعد موته كما ينبغي تكريمُه في حياته.

عندما ينحطّ الإنسانُ يرى ذاتَه شيئًا ماديًا، وهو لا يدري أنه مهما كانت القيمةُ المادية لهذا الشيء فإنها لا يمكن أن تضاهي المكانةَ الوجودية ‏للإنسان فضلًا عن أن تماثلها. لن يدركَ الحقيقةَ الوجودية للإنسان إلا ذوو البصائر، ولن يتذوقَ صورةَ هذه الحقيقة بوصفها تجليًا للوجود الإلهي إلا مَنْ يعيش تجربةً روحية تشرق بنور إلهي. من هنا لابد من "إعادة تعريف الإنسان" وذلك هو موضوع مقالتنا القادمة.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

امان السيد أرى أن حلاقة رأس شيرين التي غزت الميديا، ووسائل التواصل الاجتماعي قد طغت على العمق الإنساني، مرتكزها الأساسي، في أخذ بالشكل، وحجب للمضمون، كعادة تجار هذا الزمان في التسويق للمظهر لتنهبه العيون، فتجانبه القلوب.

   هناك عبارات تسفرعن كثير من الأسرار، بعضها سقط من شيرين نفسها، وأخرى من نضال الأحمدية، التي يُستشف الإنسان فيها، قبل الصحافي الذي يسابق الخبر في النشر، وتدويل الفضائح، أما ما ذكره والد زوج شيرين عن ابنه من تقاعسه واستغلاله لها، وصمت شيرين مقابلهما، فهو الذي قصم ظهر البعير حقا!.

 المرأة في شيرين التي أراها ضحية من الأضاحي في هذا الموضع لأسباب عديدة، دفعتني للبوح مطولا حول الظلم الذي يلحق بامرأة ذات كيان مستقل الحضور، فكيف حين يُضاف إليه نقاء سريرة، وتعقّل بتمريرها للأمور الكبيرة التي تأتي من زوج يستغلها تحت مظلة واسعة، فلا هي تود أن تنشر غسيل معاناتها على الملأ، ولا هي تسعى إلى الطلاق، وتحت ستار من الأوهام تصبّر نفسها مرددة: لأعطه فرصة، قد يتغير، ويدرك قيمتي..

 وتمر الأيام والسنون ليتعمق الخراب في نفسها بعد أن أهملت معالجة السبب الرئيس الذي أوصلها إلى ما هي فيه!

 كتبت بذرة هذا المقال في الفيس بوك، كما أفعل أحيانا، فوصلتني تعليقات متعددة، منها ما يخطّئ شيرين في صبرها، وقلة خبرتها، وعدم تعلمها من التجارب في زيجاتها السابقة، ومنها من اعتبر أن فضاء أهل الفن ليس جديرا بأن يؤخذ مقياسا لنجاح الزواج أو فشله، ومنها ما صادق على ما كتبته واجدا  العذر لها، إلى ما إلى ذلك، لكني هنا لست بصدد شيرين الفنانة، أنا بشأن امرأة خاصة، وغير خاصة في رضوخها للتعنيف، ولما هو خارج قناعاتها رغم أنه يفترض بما وصلته من الشأن والاستقلال أن تشطب على الفور زواجا مسيئا، ولكن ما يحصل هو العكس..

 يبدو أن الإناث لا يكتفين بارتشاف بياض الحليب من أثداء أمهاتهن فقط، بل يتعداه إلى رضوخ الجدات والتقاليد بحجة صون الأسرة وحمايتها من التفكك، والخوف من الفضيحة، ويغيب عنهن أن السوس يعمل النخر في عظامهن، وعظام أفراد العائلة كلها في جحيم يستشري!  

   ظاهرة لا يسلم منها المجتمع بتنوع مداراته، فكم من غائص سيخرج بسلال من القهر المكبوت، والدموع اللذّاعة التي تردمها النساء باختلافهن يحيلني إلى الحديث عن جانب عرفته، وعايشت انتشاره بقوة في أوساط أرباب من المثقفين ضمن معايير تختل، تغدو شيرين لها المحرض!

 ما الذي يحول امرأة ذات استقلال ورسوخ إلى قطّ خاضع يسكت لزوج يؤذي، ويستغل على كافة الصعد، وما الذي يلجئ رجلا ذا ألق ثقافي واجتماعي إلى الكذب، والزّيف ليتقرّب من امرأة، ثم حين تقترن به، تكتشف مثلا أن البيت الذي وعدها به قد أسكن فيه أخرى تحت حجة وغيرها، وأن أحلاما زينها بالمسؤولية تجاهها، ليست إلا قناعا يسقط في أول يوم يجمعهما، لتراه الكاذب، والكسول، والمتكاسل عن طلب الرزق، بل، وبكل وقاحة يطلب أن تستأجر بيتا ليسكنا فيه، وتدفع أجرته، وتتكفّل به وبنفسها، ويستغل آخر غياب امرأته عن الوعي بتأثير مرض ألمّ بها من شدة الجهد الذي تبذله في العمل لتنفق على البيت في تغيير للقبلة المتعارف عليها، فيسرق مالها، وما يُقدّم إليها من هدايا مادية لتعينها على استكمال علاجها، بل وإنه يرسله إلى زوجته الأولى التي ادعى طلاقها حين تقدم للزواج من الثانية، ويتباهى آخر بكل وقاحة أمام حشود معجبيه في أوساط الثقافة، والفنانين بالمرأة الحساسة التي ابتليت به، والتي تصمت كرها اتقاء أن يلوكها الناس، وتتقّنع بابتسامة دائمة كي لا يشعر أحد بما تكبت من الألم.

مثقفو هذا الزمان، وأستحضر أحدهم وقد اقتحم علي شباك المسنجر طالبا صداقة صفحتي، قبلته لأن صفحته أظهرت اهتمامه بالشأن الثقافي، لا بل هو المثبت نفسه شاعرا بين لفيفهم، ليصلني بعدها منه قذف، وشتائم، لماذا؟ لأنني لم أهتم لرابط أرسله، يبدو أنه عندما لم يلحظ تعليقا مني استبد به الغضب، وعدّها إهانة كبيرة، فكيف تهمله امرأة تكتب، وهو المتفوق في عرفه نوعا وقوامة دينية ومجتمعية؟!

  الرجل مريض بالإيغو المترفعة حدّ الهشاشة، فلم يجرؤ علنا على بث سمه، بل نفثه من شباك المسنجر معتقدا أنه ثأر لمكانته الأدبية التي يتوهمها، فقوبل مني ببساطة بعدم التعليق أيضا!

 يتهيأ لي أن عواءه المغتاظ خلف إسمنت مسنجري قد نهش جدرانه!

  أتخيل ذاك النموذج مع امرأته، وأستذكر الفراغ الذي تعكسه عيناه، وأتعداه إلى آخر سليل الشرذمة التي تعيش ازدواجية الذكورة وألق المناصب، وجوهٌ مجتمعية ذئبيةُ الأوكار والأحابيل، ضحاياهم نسوة مثل شيرين التي تمتلئ حياة ونشاطا، وعطاء وشفافية، وكاتبة كالتي أنصتّ إليها أمس مطولا بكل أحاسيسي، واصطحبتني ليلتها في منامي، وأستحضر أخرى لملمت معها جراح سنوات ثلاث كشفت لي فيها من تلّون ذلك الرجل الذي تزوجت به إلى أن أطلق الله يد رحمته بالخلاص.

 الحديث لا بدّ أن يمتدّ هنا، وبطلاقة عند "البيجاما" التي ارتداها الأخير ليلة زفافه، وقد انفض منها اللون، أكمامها المدلوقة خارج راحتيه بمقاس فاقه طولا، وحجما، والتي لم يستح أمام عروسه من الاعتراف أنها هدية قديمة من صديق اعتاد أن يرفده بالهدايا والمال بين الحين والآخر، أما بقع الصدأ التي كست أطرافها، فيمكن للقارئ تصورها بلا حرج، البيجاما الأسطورة التي رافت حقيبة سفره، واصلت صداقته سنوات أخرى متباخلا عن استبدالها، إلى أن صوّبت فيها الزوجة نيران عداوتها.. لا تظن أن المسكينة لم تشتر له الجديد، بل اشترت، لكنه لشدة بخله كان يتمسك بذات الأكمام المدلوقة!

 أواه على ذلك المثقف وقد قعد بها وسط الدار، يعلن لعروسه إفلاسه في مساء الليلة الأولى التي جمعتهما، ويطالبها بعد أن زجّها في قفص الزوجية أن تتقبل كذباته، وأن تتكفل بمصاريفهما ونفقات البيت، ثم يخرج إلى الملأ متفاخرا بما أنعم الله عليه، زوجة ذات منصب، وحضور مجتمعي، تظهر الاستكانة والخضوع، فقط كي لا ترفع رايتها حمراء أمام خلق الله، فتلوكها الألسن، والأقاويل!

يبدو أن أصناف أولئك المثقفين يثأرون من المرأة التي لا ترضخ لهم برميها بالجهل، كما قال " ألبرتو مورافيا".. أي تجهيل أكثر تدميرا من استغلالها، وقمعها؟!

 ترى لو أن تلك الزوجة، وأمثالها أدركن السر في قول الحقوقي والناشط الأسترالي مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج "في كل مرة نرى الظلم ولا نحرك ساكنا، فنحن نربي أنفسنا على الرضوخ".. هل كانت ستتغير بهن الحال؟!.

 

أمان السيد

 

 

ابراهيم مشارةموقع قنطرة من أجل حوار حضاري

ليس التقارب والرغبة في الفهم من قبل الألمان للعالمين العربي والإسلامي وليدي اليوم ووليدي مستجدات الحياة الاقتصادية بزخمها بل إن ذلك عريق يعود إلى زمن ما قبل غوته صاحب" الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" والذي أطلق فيه مقولته الكبيرة المفارقة للأطروحة الاستشراقية العدائية: (إذا كان الإسلام يعني القنوت فعلى الإسلام نحيا ونموت).

 فالمثقفون الألمان الذين عنوا بمقاربة الثقافة العربية والإسلامية بغية فهمهما انصرفوا أولا إلى القرآن باعتباره دستور الثقافة العربية والإسلامية فأول ترجمة للقرآن إلى اللغة الألمانية تمت عام 1616 عن الإنجليزية، فالقرآن كما أسلفنا هو دستور هذه الثقافة من طنجة إلى جاكرتا ،غير أن الألمان لم يحبذوا الترجمة عن طريق لغة وسيطة أي عبر الإنجليزية أو الفرنسية بل النقل عن لغة القرآن الأولى العربية ، واحتفت هذه الأوساط بصدور أول ترجمة لمعاني القرآن إلى الألمانية عن العربية مباشرة بواسطة ديفيد فريدريش ميجيرلين ولو أنها ترجمة ناقصة ويعتورها سوء الفهم والمقصد كما يوحي العنوان المختار لها  "التوراة التركية أو القرآن"  مع صورة للنبي كتب تحتها  "محمد النبي المدعي" هكذا عنون ميجيرلين ترجمته وهي ترجمة رديئة وصفها غوته بالإنتاج البائس وقد كان غوته نفسه يعتمد في دراسة  القرآن على ترجمة تيودور آرنولد عن الإنجليزية، لكن أحسن ترجمة إلى الألمانية والتي توصف بالشعرية والجيدة هي ترجمة فريدريش روكرت عام 1843 فقد كانت شعرية حقا واقتربت كثيرا من روح القرآن.

غوته الذي اكتشف الثقافة الإسلامية عبر شعر محمد حافظ الشيرازي الذي نقل إلى الألمانية عن الفارسية ديوانه الشعري المستشرق النمساوي هامر برجشتال عام 1814وقد كان الديوان الشرقي للمؤلف الغربي الذي تعد نسخته الأولى جزء من التراث الوثائقي  العالمي لليونسكو محاولة جريئة في طرح الأحكام المسبقة والرغبة الشديدة في الفهم والاعتراف بالآخر وثقافته وفهمها.بل أعلن غوته صراحة: (لا توجد لغة تتجسد فيها الكلمة والروح والكتابة بهذا الشكل الأزلي مثلما هي الحال في اللغة العربية) وكأن الديوان برمته هو رد على فولتير في مسرحيته محمد التي وسمه فيها بالمحتال دون ضمير.

سبق  الحضور الألماني في الشرق والرغبة في الاكتشاف والفهم – وإن كان لبعضهم الحكم المسبق والنظرة العجائبية والولع بالعالم الأسطوري  تحت شمس الشرق الحارة ونسائه المثيرات للرغبة ، الحريم- وقد كانت الرحلة سيبل تعزيز هذه النظرة مثلما هي الحال مع برنهارد فون برايدن الذي زار فلسطين في رحلة الحج إذ انطلق يوم  يوم 25 نيسان عام 1483وهي تدخل ضمن السياحة الدينية وهي تهدف إلى دعم المسيحية على حساب الإسلام فقد كان الرجل قسيسا مع تقديم صورة سيئة برصد اختلالات الواقع وإحالتها على النصوص المؤسسة للثقافة الإسلامية.

وكانت رحلة الحج المتتكرة والمشهورة لهاينريش فون مالتزان( 1826/1847) والتي بدأها بزيارة المغرب والجزائر والحجاز برغبة الاطلاع والاكتشاف تحدوه روح المغامرة مع الولاء للمسيحية والتعصب لها وهي كسابقتها محكومة بالفكر المسبق والرأي المشحون ضد ما هو مختلف بل وتقزيمه  وربطه بالمتخلف والعجائبي والسحري وكتب تقريرا عن رحلة الحج هذه في 750 صفحة وقد كان مالتزان ضمن 12 رجلا أوروبيا الذين رأوا الكعبة إلى  ذلك التاريخ 1860 ونصوصه يطبعها طابع السخرية وسطحية الفهم لكن أهميتها تكمن في أن معرفة الآخر لم تعد سبيله الأولى القراءة بل الرحلة إليه وهذا في حد ذاته إنجاز هام.

وجاءت زيارة الإمبراطور فيلهلم الثاني أوغليوم الثاني كما تسميه المصادر العربية (1859/1941) عام 1898 بدعوة من السلطان عبد الحميد الثاني إلى إسطنبول وبعض ولايات السلطنة كالشام وفلسطين ولبنان  لتوكيد الرغبة في التقارب والفهم العميق والاحترام المتبادل  وقال الإمبراطور عقب عودته :(إن استقبالي في دمشق كان باهرا ومدهشا وتمنيت لو أخذ عن دمشق كيف تستقبل الملوك)  وقد زار قبر الناصر صلاح الدين الأيوبي وأدى عند الضريح آيات التجلة والاحترام بل نزع غطاء الرأس وانحنى إجلالا ووضع إكليلا من البرونز صنع في برلين وللأسف سرق لورنس العرب هذا الإكليل بدعوى أنه غنيمة حرب بل أثر عنه أنه قال: (لو لم يكن لي دين عند وصولي إلى القدس لكنت قد اعتنقت الإسلام حتما) وامتدحه أمير الشعراء شوقي في شهامته وحسه النبيل ومنزعه الحضاري الإنساني:

فهل من مبلغ غليوم عنـــي

مقالا مرضيا ذاك المقامــا

رعاك الله من ملك همــــام

تعهد في الثرى ملكا هماما

وقفت به تذكره ملوكـــــــا

تعود أن يلاقوه قيامـــــــــا

حوار وتقارب ثقافي وعلمي مع العالمين العربي والإسلامي تعمق وترسخ وغدا أكاديميا في طلائع الاستعراب وما قدمه مستعربون ألمان أمثال فلايشر وبروكلمان وشاخت وهونكه وصولا إلى آنا ماريا شمل وتوماس باور وأنجليكا نويفرت والحق أن هذه الدراسات الاستعرابية الألمانية قد أفادت الثقافة العربية الإسلامية بإخراج كنوزها الرابضة في المتاحف العالمية  وفي تحقيق النصوص وصيانتها وقد اتسم منهجهم بالضبط والصرامة والدقة العلمية وإن كان لبعضهم من التحيز والاستعلاء والتعصب ما لا يخفى على الحصيف  من القراء بتعمق وبروح نقدية صارمة.

هكذا يواصل موقع قنطرة رسالة المثقفين الألمان من لدن القرن السابع عشر إلى اليوم في        الحوار والتفاهم والرغبة في الفهم العميق وطرح الأحكام المسبقة واحترام الآخر وثقافته وقد تأسست هذه البوابة بناء على مبادرة من وزارة الخارجية الألمانية من أجل فهم الآخر المختلف وبغرض الحوار البناء الذي يكرس ثقافة السلم والتبادل المعرفي والخبرة العلمية مع العالم العربي والإسلامي ومعرفة ثقافته معرفة صحيحة في تطورها وراهنيتها وامتدادها التاريخي ونبذ كافة الأحكام المسبقة وأشكال الإدانات ونرجسية الذات الغربية المتسلطة وتعاليها ومركزيتها في سبيل الفهم والتواصل ولا أدل على ذلك من العنوان "قنطرة" الذي يحيل على  معنى التواصل ومد الجسور بين التاريخين والفكرين والوجدانين العربي الإسلامي والألماني  من أجل العبور بسلاسة إلى قرن جديد قائم على الاعتراف المتبادل والتعددية والانفتاح على ثقافة الآخر بروح كونية إنسانية لا تقصي الآخر ولا تلغيه إيمانا بمبدأ التعددية والتناغم الحضاري وأن الآخر هو تكملة للأنا وتعزز هذا المنحى بعد هجمات 11 سبتمبر ويتم تشغيل الموقع من قبل الوكالة الفيدرالية الألمانية للتربية المدنية والإذاعة الألمانية دويتشه فيله  والمعهد الألماني للعلاقات الثقافية الخارجية  وشعار الموقع: مكافحة الجهل والتحامل من خلال المعرفة.

تأسس موقع قنطر عام 2003 عقب هجمات 11 سبتمبر وما خلفته تلك الهجمات من عدائية وتحامل من قبل الغرب على الثقافة العربية الإسلامية وكونها داعمة الإرهاب والأصولية وعدوا لدودا لقيم المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والفنون والحداثة ونأى الموقع عن هذه النظرة المتحاملة والمغرضة والمسبقة سالكا مسلك الاعتراف والموضوعية والاحترام والتقصي والفهم والتحليل محررا بلغات ثلاث الألمانية والعربية والإنجليزية  وهو يعرف نفسه بأنه (يعرض وجهات نظر متنوعة نقدية في الشرق والغرب وكل الثقافات والسلوكيات والسياسات التي ترفض الآخر وتنكر الحقوق الأساسية للإنسان وتناقض قيم الديمقراطية).

والحق أنه بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 اتجه العالم الغربي بما فيه أمريكا - ضحية تلك الهجمات- إلى رغبة قوية في التعرف على العالم العربي والإسلامي  فهناك من المقولات الاستشراقية ما يزعم أن الإرهاب من صميم الثقافة الإسلامية وهي مقولات روج لها بعض المستشرقين  منذ القرن الثامن عشر قرن بداية الثورة الصناعية ونمو البورجوازية وبداية عهد الاستعمار  ووجد أولئك المستشرقون مجالا للطعن في القرآن  والزعم أن الإسلام إنما انتشر بالسيف  كما أنه يهين المرأة ويرفض الآخر المختلف بل ويلغيه (كافر) ولا يمكن ابدأ التقارب بين الشرق والغرب فهما كما قال كبلنج: (الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا أبدا).

من منظور معرفة الآخر والتعمق في ثقافته ومحاولة التحلي بروح الموضوعية والتقصي وعمق التحليل والاعتراف بحق الآخر المختلف في الوجود وكذا بثقافته التي كانت الرائد ة في  العصر الوسيط وقنطرة إلى الثقافة الإغريقية  ذاتها اقترب موقع قنطرة بلغاته الثلاث  من العالمين العربي والإسلامي نابذا كل مشاعر الكراهية والتعالي  معليا من شأن الحوار  داعيا إلى التناغم الحضاري وإلى ثقافة السلام ولا يعني هذا أبدا وجود ثقافة يمينية في ألمانيا ذاتها - شأن اليمين في كامل أوروبا-  يتسم بالرفض والعنف أحيانا وإبداء  مشاعر النبذ والكراهية  ولكنها ثقافة تبقى مدانة من قبل الألمان أنفسهم أو على الأقل عند قطاع عريض من مثقفيهم وساستهم ومن عامة الناس فالتعايش السلمي والاحتكام إلى قيم المواطنة والديمقراطية  وحقوق الإنسان والحريات الأساسية للإنسان هي السقف الذي يظلل سماء الوطن وموقع قنطرة يكتب به أكثر من 500 من الكتاب  من المختصين والمستعربين والأكاديميين  وعلماء المستقبليات من الشرق والغرب  بإشراف من أستاذ اللاهوت كارل يوسف كوشل، وعالمة الإسلام حليمة كروزن، وباحثة  الصراع هاينر بيليفيلد وعالم الفيزياء إرنست أولريش فون فايتسكر وحوالي 100 من نخبة الكتاب العرب والمسلمين   كما يقدم الموقع نفسه  إلى المهتم ، وهكذا يتلاقى التحليل والرصد والتقصي من قبل الغرب والشرق معا من أجل الوصول إلى الحقيقة وتكريس التلاقي على قيم العلم .وقد كتب بالموقع أو تم تعريب ونشر مقالات  كبار الكتاب والمفكرين والمستعربين الألمان أمثال يورغن هابرماس غونتر غراس ، آنا ماري شيمل، هارتموت فندريش، مراد هوفمان، شتيفان فايدنر ،أنجليكا نويفرت ،توماس باور وغيرهم وحوارات ودراسات ومقالات من الشرق نفسه بأقلام إلياس خوري، برهان غليون، جورج طرابيشي، سلامة كيلة، صادق جلال العظم، نصر حامد ، علي حرب، محمد شحرور، وحورات حضارية وثقافية عن الثقافة الإسلامية، الحداثة الشعرية، حوار الحضارات ، الحقوق الإنسانية، أزمة المواطنة في الشرق ، التجارب الديمقراطية ، قضايا المرآة والمعاصرة الخ مع أدونيس، إدوارد سعيد، محمد بنيس، ناصيف نصار، محمد أركون، نوال السعداوي، أمين معلوف  وغيرهم.

وهكذا قدم الموقع للمثقفين في العالمين العربي والإسلامي  ملفات على جانب من الأهمية عن الثقافة العربية والإسلامية وحوارات مع مستعربين وعلماء مستقبليات ورحالة مازالوا يواصلون عطاءهم الحضاري والعلمي في حقل الدراسات العربية والإسلامية مثل زابينه شميتكه الباحثة في الدراسات الإسلامية مكتشفة العديد من المخطوطات العتيقة في القاهرة وإسطنبول وبرلين والتي تؤكد دائما على الأثر الإيجابي للتفكير المشترك بين الفلاسفة المسلمين والمسيحيين واليهود حيث كانت اللغة العربية قاسمهم المشترك وقد اهتدت إلى كثير من المخطوطات الضائعة وبعضها يكاد يتلف من أثر القرون والعوامل الجوية أو الإهمال الإنساني وهو  يحتاج إلى إصلاح وهو ما تفعله في ألمانيا مع خليتها البحثية فالعقل الإسلامي عقل يحث على السلام مع نبذ فكرة أن ليس هناك عقلانية في الإسلام  والإسلام دين متخلف وتقليدي بل إن العالم الإسلامي كافح من أجل التعددية وما هيمنة التيارات المتعصبة سوى طارئ له أسبابه السياسية والتاريخية والاجتماعية دون أن ننسى الصدمة الحضارية في التقاء الشرق بالغرب عبر الحروب الصليبية أولا ونشوء الإمبريالية والاستعمار وما خلف ذلك من ردة فعل عند الشرق بالانكفاء على الذات .وفي اليمن لوحده 50ألف مخطوطة جلبها الشيعة معهم إلى هناك بعد تراجع الاعتزال وهي تسلط الضوء على نشأة الفكر الفلسفي والصراعات الفكرية والمذهبية والسياسية في العالمين العربي والإسلامي.

كما عرف القارئ العربي عبر موقع قنطرة المترجمة الألمانية دوريس كيلياس التي نقلت إلى الألمانية حوالي 40 رواية من روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ  وقد رحلت عن دنيانا في 2008 وترجمت كذلك روايات محمد شكري وجمال الغيطاني وميرال طحاوي ، وتعرف الألمان والعرب على السوية بدور النشر التي تهتم بحقل الترجمة إلى الألمانية عن العربية  كدار نشر أونيون في زوريخ التي دأبت كل عام منذ1986 على ترجمة ونشر رواية لنجيب محفوظ  وهي للناشر لوسيان لايتس.

كما يقدم الموقع للعالمين العربي والإسلامي و للمتتبع في العالم برمته عبر اللغات الثلاث وفي محاور تطرح إشكالات المثاقفة والحوار بين الأديان والثقافات وأحوال المجتمع العربي          المعاصر سياسيا وثقافيا واجتماعيا وعبر معرض الصور والملفات الكثيرة الموثقة بالمقالات المتخصصة لكتاب ألمان وعرب وغربيين مما يعطي المتتبع صورة بانورامية للعالم العربي والإسلامي في القرن الجديد بروح أقرب إلى الموضوعية وكشف الحقيقة كما يقدم صورة الجالية المسلمة في ألمانيا اليوم ومشاكلها في الاندماج والعمل واللغة وأزمة الهوية فلم تعد الجالية المسلمة اليوم في ألمانيا هي الجالية التركية فقط بل تشكلت من أفواج طالبي اللجوء من سوريا والعراق وأفغانستان والجمهوريات الإسلامية والمغرب العربي وتسعى السياسة الألمانية إلى احتواء هذه الجاليات عبر تأهيلها مهنيا مع الاعتراف بخصوصيتها الدينية في إطار احترام الدستور الألماني وحقوق الإنسان والحريات وفي نفس الوقت شجب كل التصرفات اليمينية المعادية التي تستهدف هؤلاء المهاجرين وثقافتهم كتجربة اليوم المفتوح على المساجد ، وتجربة رفع الآذان يوم الجمعة منذ سنتين في مدينة كولونيا فمازالت الصعاب قائمة رغم محاولات التقارب والفهم كما يقول الإمام بنيامبن إدريس الذي امتدحته المستشارة ميركل: (فالمجتمع الألماني ليس مستعدا أن يعيش في بلد يمكن فيه سماع أجراس الكنائس في الأماكن العامة كرمز ديني ولكن لا يفهم فيه أيضا صوت الآذان على أنه يشكل تهديدا للقيم المشتركة بها كإثراء وأن يكون قدوة للدول الإسلامية بالظهور في الأماكن العامة.) ومثل هذه الإشكالات يطرحها الموقع بجسارة بقصد الحوار والتفاهم وإيجاد مساحة للعيش المشترك في جو السلام المنشود.

والمتتبع لما يطرحه الموقع من قضايا الساعة في العالم العربي خاصة سياسيا واجتماعيا    وثقافيا لا يلمس روح الإدانة والأحكام المسبقة أو روح التحريض والإثارة بقدر ما يلمس روح التقصي ومقاربة الحقيقة مع احترام سيادة هذه الدول على أراضيها كقضايا الحريات والديمقراطية والتعددية السياسية والانتخابات والحراك الشعبي في البلدان العربية وما اصطلح على تسميته بالربيع العربي ومشاكل الأصوليات والانغلاق الديني وقضايا يشكل طرحها جسارة كبيرة مثل: المثلية الجنسية والعلاقات بين الجنسين خارج الزواج والاغتصاب وزواج المسيار،  الطفولة المشردة ، العمالة، الكحول، المخدرات، الحريات الدينية ، البغاء، سجناء الرأي، التعذيب  وهي قضايا تحرم الأنظمة العربية طرحها وتتابع أصحابها فالعادة أن السياسات العربية تنأى عن مناقشة  مثل هذه المواضيع كونها شاذة وخارجة عن منظومتنا الأخلاقية والدينية ومن آثار التغريب والتخريب وهو عذر أقبح من ذنب فالشمس لا تغطى بالغربال كما يقول المثل العامي فلا يمكن حجب آثار هذه المشاكل في الحياة الاجتماعية خاصة وهي ظاهرة للجميع مراقبين داخليين أو خارجيين ، هذا الطرح الذي يجنح إليه الموقع في مقاربة تستخدم العلوم كالإحصاء وعلم النفس والأنثربولوجيا والاقتصاد والتاريخ  والدراسة الميدانية لمشاكل العالم العربي والإسلامي في صراعه من أجل الحداثة والمواكبة وجملة المشاكل المعترضة تاريخيا وثقافيا وسياسيا وصدمة المواجهة مع الغرب وما ترتب عنها من هزات آثارها مؤثرة إلى اليوم بعيدا عن الطرح المثالي والرومانسي الذي لا يقدم ولا يؤخر عبر ما يكتبه المختصون من الألمان والعرب ويسمح لكل ذي رأي عرض وجهة نظره في إطار احترام حق الرأي المختلف يعيدا عن الإدانة والتحقير والتعالي ومس الكرامة. خاصة فيما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان حيث عرض الموقع تجاوزات هذه الأنظمة مما حدا بمصر مثلا إلى حجب الموقع في 2017.

تجربة رائدة في الحوار والتواصل البناء برغبة الاكتشاف ومقاربة الحقيقة يقوم بها موقع قنطرة بين ألمانيا والعالمين العربي والإسلامي  وهو نموذج للغرب نفسه في السلوك الديمقراطي والروح الموضوعية - ما أمكن- وثقافة الحوار والعيش المشترك والرغبة في الفهم وطرح الكليشيهات الجاهزة والأحكام القبلية الجائرة التي صنعتها قرون من الأحقاد والحروب والاستعمار والأطماع والنرجسية والتعالي والمركزية التي ترى غيرها هامشا وذيلا وتابعا في أحسن الأحوال ولا يعيب ألمانيا أنها تسعى إلى المكاسب الاقتصادية فهذا حقها في عالم يبحث عن التوسع والشراكة الاقتصادية فالوجه التجاري للعولمة لا يخفى على أحد ولكن من أجل عولمة أكثر إنسانية لا تلغي الآخر وثقافته ولا تتنكر للحقوق والحريات الإنسانية ليس في الغرب لوحده ولكن في العالم أجمع وهذا ما يسعى إليه المتنورون من مثقفي ألمانيا استكمالات لمساعي غوته في التقريب بين الشرق والغرب ورسالة غليوم الثاني وجهود الراحل مراد هوفمان.

  

إبراهيم مشارة

 

فارس حامد عبدالكريملا شك ان التعليم ومدى جودة بنيته التحتية قد أخرج دولاً من تحت ركام الجهل والتخلف والبدائية والحروب ...  لتغدوا عملاقاً اقتصاديا ينافس اقتصاديا أقوى الدول في العالم المعاصر ، بينما  كان انحدار مستواه قد اخرج دول من نطاق المنافسة بعد ان شهد بداية قوية وصعود ملحوظ في نظام تربوي ناشئ كما في العراق بعد ان انحدرت به الثوريات المزيفة والتثقيف الحزبي المتحيز الملئ بالغباء شخوصاً ومضموناً الى الحضيض الكلي!!

التجربة الكورية للتعليم؛

هل كانت كوريا الجنوبية افقر دولة في العالم سنة 1960. !!!!!

حسب تقرير التنمية البشرية الذي يصدر عن هيئة الامم المتحدة سنوياً، ان الهيئة أوصت بدراسة وتحليل اقتصايات الدول من حيث الاقتصاد والبنية التحتية ومستوى الفقر ومعدل دخل الفرد السنوي ...

 وجاء تصنيف كوريا الجنوبية لسنة 1960 ضمن الجدول الذي يضم الدول الأفقر على مستوى العالم: (السودان، غانا، موزمبيق، كوريا الجنوبية) ومعدل دخل الفرد كان فيها لا يتجاوز 79 دولاراً في السنة !!ّ

 هل هذه مزحة؟

لا انا جاد جداً في جدي ومزاحي دائماً.

ولكن السؤال كيف تحولت كوريا من افقر دولة في العالم سنة 1960 الى عملاق اسيوي اعتباراً من ثمانينات القرن الماضي اي خلال عشرين سنة فقط لتصنف ضمن:

(مجموعة العشرين لأكبر اقتصادات العالم).

لقد طبقوا نظام التعليم الياباني الدي اخرجها من ركام القنبلة الذرية الى عملاق ينافس بقوة ويوجه اقتصادياً اقوى الضربات لاقتصاديات من قصفه بالذرية ... نظام تعليم متشدد يأخذ فيه كل صاحب حق حقه اما غير المتمكن فيخرج من نطاقه في وقت مبكر الى اعمال ومهن تتلائم مع قدراته بدون (يله خطية نجحوه) دمرتنا هذه ال (خطية) دماراً اجتماعياً شاملاً مادامت تأتي في غير مناسبتها وفي غير مكانها. 

وإذا قلنا إن النظام التعليمي في كوريا الجنوبية هو الأفضل ويصنف بأنه الأول على مستوى العالم إلا هذا لا يمنع أنه الأشد قسوة على الطلاب، فاليوم الدراسي الكوري يستغرق نحو 12 ساعة.

فيبدأ اليوم تقريبًا في الثامنة صباحًا، وتظل المدارس مفتوحة حتى الساعة الثانية عشرة صباحًا. وحتى الساعة الحادية عشرة مساءً ستجد الشوارع مكتظة بالطلاب والآباء.

ينقسم اليوم المدرسي في كوريا إلى: يوم دراسي رئيسي، وصفوف تقوية، اليوم الدراسي الرئيسي يقسم إلى 7 دروس وساعة للغداء، مدة الدرس 50 دقيقة، مع وجود 10 دقائق راحة بين الدروس، بعد مرور 4 دروس يحصل الطلاب على راحة لمدة ساعة للغداء، تُقدم فيها المدرسة وجبات صحية وشهية للطلاب، ثم بعد ذلك يعودون لاستئناف يومهم الدراسي أو ما تبقى منه أي 3 دروس وينتهي في الخامسة.

التجربة العراقية للتعليم

لانريد العودة الى زمن الملك البابلي العظيم حمورابي حيث أسست أول مدرسة نظامية لتعليم الطلاب في التاريخ.

ولكن في بدايات تشكيل الدولة العراق في مطلع القرن العشرين أُسس نظام تعليمي يقوم على بنى تحتية ذات جودة عالية، ابنية مدرسية غطت اجزاء واسعة من مدن وأرياف العراق، وتم إعداد معلمين ومدرسين  على قدر عال من التأهيل العلمي والتربوي فضلاً عن الثقافة الشخصية المعتبرة، يقودها نظام اداري هرمي حديث ووزارة للمعارف، فضلاً عن نظام مراقبة وتفتيش فعال يراقب تطبيق معايير الجودة والأسس الحديثة للتربية، وكانت هناك دوماً رغبة وطنية صادقة  لجميع أعضاء الهيئات التعليمية لتطوير التعليم وزيادة جودة الطلاب..

نحن الآن في مشكلة عويصة اومجموعة مشاكل عويصة في مجالات متنوعة من أوجه الحياة المعاصرة كانت حلولها قد وضعت قبل قرن من الزمان ولكنها ضاعت او تم تَضيعها عن عمد وعن إهمال .... نعود ونقول ان  الفاسدين قد أضاعوا علينا اكثر من 18 سنة من فرص التعليم والتطور (والله حرامات) ..

 

 

فارس حامد عبد الكريم

 

عبد الخالق الفلاحكانت الرسالة التي حملها الرسول محمد ( ص) رسالة حق وعقل ومنطق، حملها حكيم تميزبها فلهذا كُتب لها النجاح في العالمين لأنها اعتمد الركائز الاساسية التي كانت أساسا لتثبيتها ثم لانتشارها لتكون في النهاية (رحمة للعالم أجمعين)، ولاشك ان ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ 157الاعراف ، لانهم وجدوا فيه كل صفات الحكيم وحمله البارئ القادرعز وجل الامانة والله هو (من أحاط بكل شيء علماً وأحصى كل شيء عدداً، وخلق كل شيء فقدره تقديراً ودبر شؤون ملكه تدبيراً لا يعتريه خلل ولا تفاوت وحكم بين عباده بالعدل المطلق وهو يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل بالحكمة الباهرة والحجة الظاهرة والسلطان القاهر، ويقضي قضاء لا يقبل الرد ولا التعقيب. وهو الذي يعلم من شاء من عباده الحكمة وحسن المنطق، واحكام التدبير والتقدير وتحري الصواب في الأقوال والأفعال) ومن الناس من هو الذي يضع الأمور في موضعها أو الذي يصيب في أقواله وأفعاله بقدر طاقته البشرية، أو هو الذي ينطق بالحكمة، والحكمة: هي القول السديد والعمل الرشيد والتدبير الأمثل. وهي أيضاً: حبس النفس عن الزيغ والانحراف عن الحق والميل مع الهوى الجامح والتيار المنحرف. والحكمة أيضاً هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم.

لقد كانت كلمات الله سبحانه وتعالى الي نبيه في أول ما أنزل عليه قرآنا فصيحا ببلاغته ومنطقة بدأ من: (اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) العلق الآيات من 1 الى 5، وكانت لحكمة الرسول الكريم وحواره العقلي في عشيرته الأقربين أي: أنذرهم وإن لم يسمعوا قولك أو لم يقبلوا نصحك لكونهم أزهد الناس، فإن ذلك ليس عذراً مسقطا للتبليغ عنك"، الاية"، وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ" 214 الشعراء ، ثم الناس أجمعين .

ان العقل ليس كائناً أو موجوداً مادياً، إنما هو فعلٌ وعملٌ فكري ونفسي وروحي غير مادّي، ترتبط به الأعمال الفكرية غير المادية، التي تظهر في الأوامر والنواهي، والخيارات والمفاضلات، وأعمال الإرادة واتخاذ القرارات، والإبداعات الفنية والأدبية... وإن كانت هذه الأعمال الفكرية تُترجم إلى أفعال مادية وتتجسّد فيها تستمد وجوده من نبع المنطق الصافي ليكون حجة لمن يحتج به.

لقد تعلمنا من أن الدماغ والأجهزة العصبية التابعة له، هو مركز الإدراك، والفهم، والتجريد، والتحليل، والتركيب والاستنتاج والاستنباط؛ يعني باختصار و بين العقل والقلب جامع مشترك في اللغة، هو اللبّ، الذي يعني العقل كما يعني القلب، من هنا تأتي الإشارة إلى القلوب بمعنى العقول في القرآن الكريم، رمزاً واصطلاحاً، كونها تعني الألباب. بالألباب تعني القلوب، وهي تعني العقول في الوقت عينه، حيث وُصف الإنسان العاقل والذكيّ الفطن اللبيب.

أن الدماغ هو مركز الذي يسير العقل والتعقّل، بدليل وجود مراكز دماغية متعدّدة، وكل مركز منها مسؤول عن نوع من أنواع السلوك والتصرفات، إذ يوجد مراكز للحركة الإرادية وغير الإرادية، ومراكز استقبال المعلومات الواردة من الحواس، ومراكز للإحساس بالجوع والعطش وتنظيم عمل الغدد، كذلك مراكز للمشاعر والعواطف والانفعالات، والقدرات المتنوعة، "اللغوية والحسابية والرياضية " وغيرها من أعمال الإدراك والتحليل والتفكّر والتذكّر. وهذه المراكز تغطّي وتدير جميع أنواع السلوك والتصرّفات، والحالات الإنسانية المختلفة، النفسية والعقلية والفكرية والاجتماعية. والمعلوم ان لا يكون الإنسان حكيمًا إذا لم يعرف الحدود الفاصلة بين ما يعلمه، وبين ما يجهله و المعرفة ضرورية جدًا لتجلي الحكمة في حياة الإنسان و من خلال المعرفة نستطيع التوقف عن الكلام والجدال والإعلان باننا لا تعرف أكثر مما تقول، أو الإعلان بأن الكلام لم يعد مفيدًا؛ لأنه صار عبارة عن مراء، يُظهر أمراض النفوس أكثر مما يُظهر.

يقول بعض العلماء ان "الوعي هو ادراك عقلي حدسي كونه غير موضوع يدركه العقل، ولا يستمد الوعي قدرته الادراكية من غير تعالقه بالذهن والذاكرة والمخيلة والجهاز العصبي الناقل لتفكير ومخارج العقل، وأخيرا يأتي تعبير الفكر واللغة في خلاصة تعبير العقل عن الاشياء وكل حلقة خارج هذه المنظومة العقلية لا معنى لها بغير دلالة العقل لها أدراكا حسيا في انتظامها الإدراكي وليس إدراكا حسّيا منفصلا كونها حلقات معرفية استدلالية مجردة مهمتها نقل تعبيرات وافصاحات العقل ولا تشكل موضوعات إدراكية متعينة مادية للعقل.. عليه يكون كل موجود معرفي مدرك وغير معرفي لا مدرك هو حالة قلقة في فرضية امتلاكه معرفة قبلية مدخّرة مستقلة عن بعدية الإدراك العقلي لها.. وقبلية المعرفة المستقلة ذاتيا يجعل العقل منها معرفة بعدية لذا لا تمر الانطباعات العقلية بالذهن الا من خلال المرور عبر حاجز الادراك العقلي الذي يكون مصفاة لما يمكن إدراكه من عدمه بما يستقبله من أحاسيس داخلية وإحساسات خارجية".

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

عصمت نصارإنّ المتابع لكتاباتنا عن المشروع الفلسفي في مصر، وخطابات الاتجاهات المختلفة عن مشروع النهضة العربية، في إمكانه مراجعة جهود "إسماعيل مظهر" ودعوته لنشر المعارف الفلسفية وإدراجها ضمن المناهج التعليمية؛ سوف يتبيّن له أن معظم آرائه تنضوي تحت راية المجددين الليبراليين العلمانيين، وأن وجهته تجمع بين الفكر الحداثي الذي يُعلي من قدر الفلسفة والعلم ويؤيد في الوقت نفسه نقد الفكر الموروث لتخليصه من البدع والخرافات والتعصب. أي أن "مظهر" يشكل حجر الزاوية في بناء مشروع النهضة.

وقد أسهبنا في تبيان موقفه من الفلسفة من قبل. والطريف أن "محمد فريد وجدي" هو أيضاً وقف نفس الموقف وشغل عين الموضع. فبات مجدداً بين المحافظين حيث جمع في آرائه بين الحفاظ على التراث وتقويمه وتجديده والدفاع عن العقيدة ضد المجترئين والمتشيعين للغرب. في حين نجده مناصراً للعلم والفلسفة، ومناهضاً لكل أشكال الجمود والتخلف والاجتراء والإلحاد، وكأن لسان حال الرجلين ينطق بأن فلسفتنا دين بلا كهانة أو تعصب، وعلم بلا اجتراء أو جحود؛ الأمر الذي يثبت أن مشروع النهضة العربية قد تأسس وتطور في كنف الاتجاه المحافظ المستنير.

وقد أنضوت كل الأقلام الساعية لإعادة تشكيل العقل العربي مع تباينها تحت عبائته. ويبرر كذلك حرص وجدي على مشاركة أساتذة كلية الآداب بالجامعة المصرية وقادة الرأي من أعلام الاتجاه المحافظ المستنير في احتفالهم بإدراج الفلسفة في البرنامج الدراسي للتعليم الثانوي.

ولعله أراد من ذلك التأكيد على أن المؤسسة الأزهرية التي يرفع رايتها والاتجاه المحافظ المعتدل لا يعارض في إحياء التفلسف في برامجنا الثقافية والتعليميّة، وتوضيح أن الدين الإسلامي كان دائماً وأبداً مناهضاً لكل أشكال الجنوح والطعن في الدين، والتشكيك في قداسة الوحي وليس للفلسفة أو التفكير العقلي؛ بل مشجعاً لفتح باب الاجتهاد في الرأي للوقوف على المقصد الشرعي من ثوابت العقيدة، ومحافظاً على الجهاد بالحجة والعلم والبرهان في مناظرة ومجادلة ومصاولة أعداء الدين؛ الأمر الذي لا يتحقق بمنآي عن تعلم النهوج الفلسفية ومباحثها المنطقية.

وقد بيّن ذلك في مقاله المعنون (نظرة في الفلسفة) على صفحات السياسة الأسبوعية التي مازلنا نعيد قراءة ما بها من مقالات ورسائل موجهة للرأي العام. فقد أراد "محمد فريد وجدي" التأكيد على منهجه الإصلاحي القائم على التوفيق بين المنقول والمعقول؛ مُبيناً أن من يتوهم وجود خصومه بين الإيمان بوجود الباري وشرعته وما جاء به أنبياءه، والفلسفة أو تعارض مع المنهج العقلي في التأمل والتفكير الناقد الباحث عن الحقيقة؛ لا ينبغي عليه ادعاء انتسابه للفلسفة التي تعبر عن الحكمة المجردة عن أي تعصب أو هوى يلقي بها إلى جحود ما لا تسعى إليه أو ترمي إلى تحقيقه. كما أنه من أشنع الاتهامات التي وجهت للفلسفة وهي تهمة المروق والكفر التي لا دليل على ثبوتها؛ فلا نجد في تاريخ الفلسفة من ينكر وجود الله إلا حفنة لم تُحسن قراءة الحقائق الكونية بداية من وجود العالم ومروراً بحدوث موجوداته والروح وأسرارها ونهاية بالقدر والإرادة الإلهية التي لا مَردَّ لها واللطف الرباني الذي لا يجحده إلى من حالت قلوبهم وبصائرهم عن إدراك نعمة وجود الباري.

ولعل ما صرح به "وجدي" يُعرب عن سعادته بإدراج الفلسفة ضمن المعارف والمواد الدراسية التي يجب على شبيبة المجتمع العربي الإسلامي التزود بها حتى لا يُفتنوا بتقاليد ومعتقدات أبعد ما تكون عن حقيقة الدين والعقل معاً.

فالفلسفة هي الآلية التي تمكن الأذهان من الفصل بين الأضداد، والتمييز بين المتناقضات مع ملاحظة البون بين المتشابهات، وفضح الأكاذيب والدّس والمغالطات التي تحول بين منهجية التفكير والوصول إلى الحقائق، لذا نجد "وجدي" يُبادر بمخاطبة الرأي العام باعتباره أحد قادة الرأي وأكثر من اضطلعوا عن الزود في الإسلام ضد هجمات الماديين وجحود المجترئين، مُعلناً أن الفلسفة ليست خطراً على الإسلام؛ بل كانت قديماً وسوف تظل حصناً لحماية الدين والزود عنه ضد منكري الإيمان. ويقول عن ضرورة وجود الفلسفة (إنه يسهل عليك أن تنتزع من إنسان اعترافات صريحة بأنه خلو من كل علم، ومجرد من كل صناعة، ولكنك لا تستطيع أن تنتزع منه اعترافاً واحداً بأنه محروم من كل نظر في الأمور). وتدبر لما يصادفه من قضايا ومشكلات (أنه في إمكاننا تخيل أقوام لا يعرفون شيء عن العلوم والفنون ولكن لا يمكننا تخيل وجود مجموعة من الناس لا تسمع فيهم ترويجاً للفلسفة حتى من متسولة الأزقة)، ويعني ذلك أن لكل صاحب عقل معتقد مكتسب فبعضه صواب وصالح والبعض الأخر خطأ وفاسد، ومن ثمّ يحتاج ذلك العقل المقلد إلى غُربال لانتخاب ما يصلح له ويفيده. وكيف لا (والفلسفة هي محبة العقل، والجهاد لإدراك الحقائق، وتنوّر أسرار الخليقة، وتعرّف مصائر الشئون، والعمل على مقتضى الحكمة، فقد امتازت من بين جميع مظاهر الروح بأنها الشغل الشاغل لجميع الخلق، والمثل الأعلى لمحاولات الإدراك الإنساني؛ فما من نفس بشرية تخلو من الهيام بها، والجنوح إليها، على درجات شتى وأقدار متفاوتة).

ونجد مفكرنا يُوَحّد بين الدين والفلسفة، وكأنه يسير على نفس الضرب الذي سلكه "ابن رشد" في مقولته الشهيرة عن وصف الفلسفة بأنها من الشريعة مثل الأخت الرضيعة «ما قيل من مخالفة الحكمة أو الفلسفة للشرع دعوى باطلة… فالحكمة هي صاحبة الشريعة وأختها الرضيعة». وذلك في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال).

ويريد "وجدي" في هذا السياق توجيه أنظار شبيبة المثقفين إلى أننا يجب النظر إلى الوحي الإلهي باعتباره الحكمة العاقلة التي أنتجها علم الله وأرسلها إلى أنبياءه لتبليغ البشر بدستوره الذي يقيهم كل الشرور ويحميهم من شتى الآلام، ويهديهم في الوقت نفسه لكل اللذائذ التي تسعدهم في الدنيا والآخرة؛ فالفارق الوحيد بين الحكمة الفلسفية البشرية والفلسفة الربانيّة هي محدودية الأولى وقصر مدركاتها عن أن تصل إلى الحقيقة الشاملة التي خصها الله بعلمه وتدبيره.

ولمّا كان الوحي قبساً من ذلك العلم، فيجب أن تحاكيه الفلسفة بعد استيعابه وفهم حقيقته، وتسترشد به لتُعصم من الذلل والتطرف والانحراف ثم السقوط  ويقول مفكرنا في ذلك (هل الدين إلا فلسفة للحياة والوجود وما يتعلق بهما؛ وفيما يؤول إليه الإنسان بعد أن يخلع هذا الجسد الفاني؛ ويلتحق بعالم وراء هذا العالم؟ وإذا كان الدين فلسفة والآخذون بها يبيعون أرواحهم في سبيلها رخيصة؛ حتى أنهم ليضحون بأفلاذ أكبادهم وبأنفسهم...؛ فهل تصادف مظهراً من مظاهر العقل يقدسه الإنسان هذا التقديس؛ ويفديه بماله وولده ونفسه، غير الفلسفة متى اعُتبرت ذات مصدر إلهي).

ولا يريد مفكرنا ممّا سبق سوى حث شبيبة المثقفين بخاصة والمعنيين بدراسة الشريعة على وجه الخصوص على إعمال العقل في الحكمة الإلهية؛ فالتفكير عنده فريضة إسلامية واجبة على كل عاقل للوصول إلى المقصد الشرعي لما عساه يقدس ويعتنق ويضحي من أجله؛ الأمر الذي يجعل من دراسة الفلسفة ومناهجها أفضل تدريب للوصول إلى الحقيقة شأن كل الفلاسفة الذين أنفقوا عمرهم بحثاً عن لحظة الوصال وبوابة الأنس والاتصال.

وينتقل وجدي إلى الحديث عن مكانة الفيلسوف في الثقافات الراقية والمجتمعات المتحضرة وقدر الإكبار والاحترام الذي يحظى به جزاءً مستحقاً لسعة علمه، ورجاحة عقله، وصواب آرائه، ونفع مشورته.

وما أحوج مجتمعاتنا إلى الفلاسفة ليعلمونا فن المفاضلة بين السُبل للوصول إلى الغايات التي أرشدونا إليها بعد إقناعنا بصلاحها. ويقول عن تلك المجتمعات (ولا غرو فليس في عرفهم بعد النبوة درجة فوق الفلسفة حتى أنهم متى أرادوا أن يصفوا إنساناً بأنه بلغ أكبر قسط من الثقافة والمعرفة قالوا أنه فيلسوف وكفى. هذا الشعور العام من الناس خاصّتهم وعامتهم عن الفلسفة؛ يعرب عن مكانتها الممتازة في النفوس، وعن قيمتها الحقيقية من بناء الثقافة العامة؛ ولست أجد برهاناً فوق هذا البرهان على أنها عنصر رئيسي من عناصر التربية الاجتماعية). (أن دراسة الفلسفة ليست بحلية عقلية، أو أدبية؛ ولكنها حاجة من حاجات الثقافة العملية لا تتم سلسلتها إلا بها). ويضيف "وجدي" أن للفلسفة لذائذ ذوقية وعقلية لا تتحقق من خلال العلاقات المادية التي تشغل العلماء الطبيعيين، فالإنسان ليس بدن فحسب؛ بل روح أيضاً تهوى الجمال والجلال والكمال، وترنو إلى العشق والحب والألفة، وتتذوق الفنون وتتأمل المجردات والمعاني والدلالات؛ التي يعبر بها الإنسان عن مشاعره ومكنوناته التي تخرج عن نطاق مدركات العلم ومعامله وفحوصاته المادية. أضف إلى ذلك أن تلك العلوم لا تتطور وأن الإبداع والاختراع لا يتحقق إلا بممارسة التأمل الفلسفي والرياضات الحدسية العقلية، أمّا القيم والأخلاق والإيمان بالمعتقد فهو لا يُثبت كذلك إلا بقناعات وأدلة يصطنعها العقل؛ فيبني منها حصناً تقيه من الشرور والشهوات المنحطة والجرائم والعنف).

ثم إن الفلسفة في ذاتها ليست دراسة تجريدية محضة، فإن من أهم أركانها، وأخص خصائصها دراسة النفس والأخلاق والمنطق والدستور العلمي، وهذه المواضيع ذات خطر عظيم لا تستقيم ثقافة علمية إلا بها. ويختتم مفكرنا حديثه بالتأكيد على أن الفلسفة من أعرق المعارف الإنسانية وأكثرها أصالة، وأنه من الجهل الاعتقاد بأن مباحثها من اختراع أمة بعينها؛ بل يمكننا التسليم بأن مصطلح (الفلسفة) قد لفظته لغة وثقافة عرقية ما. أمّا حب الحكمة والبحث عن الحقيقة وتأملات الروح وهمسات الإلهام وقد وجدت جميعها مع وجود الإنسان وتطوره تبعاً للبيئة التي يعيش فيها.

ويمكننا أن نتسأل هل هناك مجالاً للتشكيك في أصالة الاتجاه المحافظ المستنير وبراعة رواده في توظيف الفلسفة لتربية الرأي العام وحمل راية الحرية والوعي والتنوير والإصلاح؟

(وللحديث بقيّة عن قراءات في مجلة السياسة الأسبوعيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

 

عبد الجبار العبيديأكبر جريمة تاريخية ارتكبت من قبل فقهاء الاسلام: هي تحالف مؤسسة الدين مع السلطة الحاكمة.. لتدمير اسلامية المعرفة.. في المجتمع الاسلامي .. ولا زالت..

يقول القرآن الكريم: (أفنجعلُ المسلمينَ كالمجرمينَ، مالكم كيف تحكمون، القلم 35-36) . يقول الناشر لهذا الكتاب القَيم مع التصرف:

هناك دين واحد عندالله هو الاسلام، بدأ بنوح (ع)، وتنامى متطوراً متراكماً على يد النذر والنبوات والرسالات، الى أن خُتم َ متكاملاً بمحمد"ص". رسول المسلمين: يقول الحق: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا المائدة 3، ".. أي صدقا في الاخبار المنزلة، وعدلاً في الأوامر والنواهي"فلسفة العدل المطلق " .فالأسلام هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهو منظومة القيم والمثل العليا، وهو العروة الوثقى، وهو الصراط المستقيم.. كما جاء في الوصايا العشر، الأنعام151-153 فأين الفقهاء والحكام من هذه الاوامر والنواهي اليوم.. بعد ان عتموا عليها.. وهم يحكمون بأسم الدين؟

جاء هذا الدينٍُ للناس جميعا وليس لمؤسسة الدين المُنحرفة عن الصراط المستقيم التي استغلت السلطة الحاكمة لمصالحها دون الناس منذ البداية، وما درت انها دفنت نفسها بسياسة التضليل فأنفصلت عن الجماهير .. فكأن التفاضل عندها معدوم.. أي لا طاعة لمنظومة القيم .. وهكذا فالحاكم العربي المسلم هم أول من خرق المبادىء المعلنة لهذا الدين في السلطة حين ضرب الشورى في حكم الدولة من أجل السلطة والمال تؤيده مؤسسة الدين .. وهو يتصارع على الحكم.. " كما بين المهاجرين والأنصار وأختراع نظرية منا أمير ومنكم أمير.. ولازالت السلطة المنحرفة الى اليوم هي العقيدة عند المسلمين .. وخاصة من اصحاب سلطة الدين ..

وحين حاصرهم الخطأ ألتجئوا الى الفتوحات لأمتصاص غضب المسلم الجديد، فاغتصبوا الشعوب نهباً وقتلاً وأعتداءً على الحرمات خروجا عن قيَم ومبادىء الدين.. وعلى نظرية "لكم دينكم ولي دين".. ومنه استقوا اليوم محاربة المعارضين .. وفي ظل وحدة الدين أنقسموا تحت راية المذهبية المفرقة لعقيدة الدين وهي بدعة لا أصل لها في أحكام النص المقدس لتحصين حكمهم تجاه المعارضين .. فجاءت الحكومات تحكم باسم المذهبية الباطلة، لا قيم النص الديني الحقيقية فضاع مفهوم الدولة والحقوق وأصول الدين .. فاسلامنا اليوم هو اسلام الفقهاء المخترع منهم .. لا اسلام القرآن الكريم.. أليس من حقنا ان نعترض..؟

مخالفات لا حد لها ولاحصر في التطبيق.. فهل من خالف المبادىء والقانون والعدالة يحق له التفرد بحكم الناس والأدعاء بتطبيق القانون.. كما نراهم اليوم؟.اذن النظام الاسلامي السياسي محرف منذ البداية والى اليوم، لذا عمدوا على تركيز الخطأ في الرؤوس فأصبح نزعهُ منها صعب او قل مستحيل.. فماذا لو كنا بلادين ..؟ أما كان الأفضل لنا ان نتعايش مع فقهاء لا يعترفون بأنسانية الانسان في الدين.؟ حين لم يستطيعوا ان يلملموا الجراح والألتحام مع التراث الأصيل للدين دون تحريف.. لان الدين يشكل ضميرا مراقبا للقوانين التي يستخدمها الناس.. لكنهم لايعتقدون .

يقول مؤلف كتاب الاسلام والايمان: الاسلام فطرة .. والأيمان تكليف، الأسلام يتقدم على الأيمان، أذ لا أيمان بدون أسلام يسبقه ويأتي قبله..المسلمون هم معظم أهل الأرض، أما المؤمنون فهم أتباع محمد(ص).فأبراهيم (ع) أبو المسلمين، ومحمد (ص) ابو المؤمنين.. يقول الحق: " ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.. أعد الله لهم مغفرةً وأجراً عظيماً، الأحزاب 35 . اذن لا فرق بين الأثنين معاً.. كما تعتقد خطئاً مؤسسة الدين اليوم في الأزهر والنجف وقُم والزيتونة .. التي فرقت بين الناس خلافا لما اراده الله لهم بقصد أنانية السلطة لا الدين.. التي اوصلت المبادىء الى حد الابتذال في العالم.. والمرجعيات الدينية اليوم ومن يتبعها نموذجا..

ولكن لا ندري أي ايمان يطبقون جماعة المؤمنين اليوم.. أنظروا اليهم كيف يتصرفون مع النص والعقيدة؟ بغباء واصرار عنيد وغبي.. لذا لم يعالجوا الاشكاليات بتجفيف المصائب السياسية من جذورها بل من ثمارها المرة..حتى وصلنا الى فكر مثقل بالانحرافات والخُرافات، ونفوس محبطة بالاغلال، ومجتمعات تنوء بالفردية المقيتة، وتفرقة مرفوضة في غياب القانون.. فأي اسلام هذه الذي يريدوننا ان نؤمن به..؟أسلام محمد أم اسلام الفقهاء..؟

من هذه الأسس ينطلق المؤلف في هذا الكتاب، لفهم الفرق بين تعاليم الاسلام وتكاليف الأيمان بدلالة الفرق بين النص القرآني المقدس، والفريضة، والموعظة، وما ترتب عليه من قوانين الأرث وأنصبته.. وأحكام الزواج والطلاق، والحقوق، وظلم المرأة في التطبيق.. مجتمع ادخلوه في نفق التخلف لن يخرج منه بسهولة بعد ان حولوا الخطأ الى عقيدة .. لذا هان عليهم قتل المطالبن بالحقوق دون ضمير كما في ثوار تشرين، فكيف نتقدم..؟ ففاقد الشيء لن يعطيه.

ومن القواعد النصية، نلمس دلالة الفرق بين العباد والعبيد، حتى ينتهي المؤلف الى أن التنزيل الحكيم لم يعترف بالرق ولم يُجزه، ولم يلغيهِ، وأن كان قد ذكره ذاماً لظروفه المعقدة يومذاك . وأن ملك اليمين لا يعني الرق البتة، وأنما يعني أسرى الحروب المقهورة، لكن الدولة عجزت عن وضع قانون انساني يحميهم لولوغ القائمين عليه بالجنس وأستغلاله لصالحهم في اسواق العبيد.. والخمر لم يحرمه القرآن لكنه قال: مضاره اكبر من نفعها فحذر منه، البقرة" 219" فلم يعالجوا النص المكين معالجة فكرية .. فبقيت المشكلة سلبية دون ايجاب ولا زالوا يستغلونه اصحاب متعة الجنس المبتذل في الدين... الرافعين ليافطات الدعارة الدينية في متعة النساء التي انتهى زمانها اليوم دون خجل من اخلاق دين.. فأين العدل الانساني في عقيدة الدين.. كما يدعون ..؟

يقول المؤلف: ان العلاقة بين الله والناس علاقة عبادية وليست علاقة عبودية أستبدادية، لم يفهمها الفقهاء ولم يضعوا لها قواعد سلوكية ثابتة، فظلت عائمة الى اليوم تحقيقا لمصالحهم الخاصة .. لا بل تستطيع ان تقول ان غالبية المؤمنين اليوم هم جهلة دين ومن الخارجين عليه .. ويعتقد الكاتب ان العبادات تتحلى في كل حقول الحياة وليس بعضها، لكنها لم تدرك ولم يؤسس لها قانون ملزم للمسلمين والمؤمنين معاً .. أي كنظرية أستقامة وحقوق لا مكان لها في التطبيق.. ناسين أو متناسين أن قوة العقيدة تتمثل في مدى الألتزام بمبادئها وتطبيقها فهي أمر.. لا أختيار.. ولكن أين هم من هذا الأمران كانوا مؤمنين؟ بعد ان تجاوزوا على حقوق .. الانسان والدين .اذن لا حق لهم ان يطالبوا الأخرين بتطبيق عقيدة .. الدين .. فالدين مبادىء واخلاق وليس رغبات الحاكمين.. وهم الذين يحمون أوكار الدعارة .. ويعاقبون الأخرين على أغنية تفرح الجماهير..

من هذا المنطلق نقول ان تعريف الكفر والشرك والأجرام والألحاد بحاجة الى دراسة وتعريف من جديد بعد أن فقد الفقهاء السيطرة على تعريف محتواها ومقاصدها قصداً لا جهلاً بها لمصلحة السلطة ..لا الدين.. كما فقدوا التفسير فجاء منقصة للنص لا تضمين .

ويختم المؤلف رأيه في الاسلام والسياسة، فيبين ان الاسلام، من حيث هو توحيد ومثل عليا انسانية، غير قابل للتسييس، وأن محاولة تسييس الاسلام، ومحاولة البعض الأخر أسلمة السياسة، أضاعت السياسة والأسلام معاً.. لذا لم يتقدم قادة الاسلام قيد أنملة لصالح الحقوق في التغيير .. ولم يستيطعوا توظيف النص في التطور المجتمعي والتغيير.. ولن يستطيعوا.. ماداموا هم من الناكرين لمعنى النص في التطبيق. حتى اصبح عالمنا اليوم يقف في مؤخرة المتخلفين..

ونحن نقول: ان مراكز الدراسات الاسلامية والسياسية والجامعات الاسلامية في الوطن العربي والاسلامي الحالية التي ينخرها الفساد بحاجة ماسة جداً الى اعادة النظر في المناهج الدراسية للخلل الكبير الذي رافقها منذ النشأة الأولى للدولة الاسلامية نتيجة خطأ تفسير النص الديني من قبل مفسري الفِرق الاسلامية المختلفة والمتخالفة في الاعتقاد والتطبيق .. فهي بحاجة الى تصحيح بعد ان اضاعوا النص والدين معاً .. لذا قامت قائمتهم عندما أعلنت المعتزلة ضرورة مراجعة النص وفق التأويل لا التفسيروبأعتبار النص مخلوق لا قديم . لذا هم بحاجة الى اعادة نظر في العديد من المنطلقات الفكرية السائدة اليوم والتي أخذت شكل تيارات ثقافية حديثة كل منها يدافع عن نفسه ليبرهن انه الافضل ومنها:

التيار الذي يدعم سيطرة الثقافة الغربية و يعتقد انها الثقافة النهائية التي يتمحور حولها سير التاريخ.والتيار السلفي الاسلامي المنغلق على نفسه الذي يتناقض معها في الاعتقاد والتطبيق .. والذي اخذ من المرجعيات الدينية وسيلة للتزييف.. بعد ان جعلوا الحروب وتصفية المعارضين حلاً لمشكلة الفشل .. وما دروا انهم وقعوا في الفشل والتدمير.. بعد فقدانهم نظريات العدل في التطبيق .

لعل اقسى ضربة حلت بالنظام السياسي الاسلامي هي نقل الرئاسة من قضية فروع الى قضية عقيدة .. فاصبح الملك العضوض هو البديل..

 فالسلفية الاسلامية والسلفية الاصولية .. الحكم الأموي والعباسي فيها هو الاساس .. اليوم"داعش والقاعدة وحزب الله والولي الفقيه هم من يمثلون الفكر الجديد .لكن الذي يهمنا هو تيار السلف الأسلامي في الوطن العربي الذي ظل متقوقعاً متشبثاً بالتراث فهواشبه بالميت دون حراك.. كما في نظريات الوهم عند فرقة معينة المتمثلة بالتقاليد البالية للمعتقدات الأجتماعية كالبكاء على الأضرحة واللطم والزنجيل والتعري امام المواطنين .. ونظرية المهدي المنتظر مستحيلة التحقيق حتى حولوا هذا الاعتقاد الوهمي الى ما يشبه عبدة اصنام قريش -ياليتهم مثلهم في الاعتقاد والتطبيق -.. والغريب ان هؤلاء لوكانوا يؤمنون بالمهدي حقا وحقيقة لطبقوا مبادئه وهم اليوم يحكمون.. كذابون منافقون.. ظالمون.. خارجون عن عقيدة التطبيق.. لم يشهد الوطن العراقي مثلهم ظلما وانحرافا على مدى تاريخه عبر السنين .. لابل هم أسوء من هولاكو المغوليين..؟ وهكذا هي حياة الظالمين.

اما مشاريع الحداثة التي طرحت في الوطن العربي متمثلة بجمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا كانت بداية لانطلاقة جديدة لكنها مع الاسف انطلقت من مسلمات وردت في التراث الديني فوقفت عاجزة عن التحرك الحضاري المطلوب.. فسقطت وتلاشت ولم يبقَ منها الا الكلمات ..

لقد التقى اصحاب التيار السلفي وتيارالحداثة في أستبعاد الاخلاق والقانون من مشاريع التجديد والتحديث لديهم، حين أستبعدوا الاحسان والعمل الصالح من أركان الاسلام واركان الأيمان التي تم تأسيسها على أيديهم.. حتى حولوها الى شهادة وصوم وصلاة ونسوا الحقوق .. وهي مسلمات مدركة لا تحتاج الى قوانين .. والا كيف اصبحوا أصحاب العقيدة الدينية خائني وطن. وسراق مال، ومزوري شهادات علمية، ومغتصبي سلطة، وناكري عدالة .. وهم راضون ..؟ وكلها وردت بآيات حدية في الوصايا العشر للتوراة والأنجيل والقرآن.. لا يجوزأختراقها بالمطلق..

هنا لم تتحقق اهداف الاسلام المطروحة . بعد ان فسروا النص الديني والسيرة النبوية المتعددة التوجهات "بخمس سير في الاسلام للرسول لدينا " أبن أسحاق، وأبن هشام، وابن سعد، وموسى بن عقبة، وعبدالله الانصاري لاندري ايهما نعتمد؟ طبقوها على هواهم، واعتقدوا بأنهم يملكون الحقيقة المطلقة فهما ًوتطبيقاً.ولكنهم مادروا أنهم أختزلوا التاريخ والجغرافيا وسكان العالم الأسلامي ومشاكله في أرائهم وحولوها الى عقيدة دون تعليل.. والحقيقة التاريخية تقول: "الحجة بالدليل" هذه الاختزالات عكسها الامام الشافعي (ت 204 للهجرة) في كتابه (الرسالة) الذي حدد فيه اصول الفقه الاسلامي وأعتبرها القانون الذي يجب ان لا يُخرق، وما زالت هي المعتمدة الى اليوم.والتي ارتبطت بتقديس النص التراثي الذي اصبح منهجا في مدارسنا بَلدَ فكر الأجيال العربية جيلا بعد جيل.. وحوله الى عبدة أصنام..

ثم جاء استبعاد العمل الصالح وعدم تحديد من هم مستحقي الخمس والزكاة فكونوا لهم موردا ماليا في سرقة موارد العتبات المقدسة و بيت مال المسلمين .. وجزءوا الاوقاف الى وقف سني وأخر شيعي وثالث للديانات الاخرى .. فسرقوا كل اموال الميتين ومزقوا وحدة المسلمين .. حين وضعوا القانون الاخلاقي في المرتبة الثانية من سلم الاولويات، وهنا تكمن المآساة.وها ترى مدارسنا اليوم بعد ان سيطر عليها الفكر الديني المتعصب معزولة عن الانفتاح الفكري تماما ولا يرجى منها التحديث.. فمالم تتغير المناهج المدرسية لصالح التطور ويقرها الدستور المؤيد من الشعب لن يكون لنا من أمل في التطور والتغيير.. ولكن كيف تتغيرالأمور والسلطة بيد المتخلفين المنغلقين من اصحاب المصالح الخاصة والسلاح القاتل المنفلت الذين يملكون سلطة السياسة والتصفيات دون رقيب او حسيب.. لا العامة ولا اخلاقية الدين..؟

نرجو ممن يطلع على الكتاب، عليه ان يقرأ بعمق مشكلة المعرفة والاخلاق والحرية والحداثة، حتى نكون على الاقل، مالكين للوعي المعرفي والاجتماعي والسياسي وعيًا افضل من السابقين، وعسى ان نكون قد أدركنا جزءً من مشكلة حركة التغيير..

نعم نحن نمر اليوم في أزمة العقل العلمي .. اخلاقياً وتشريعياً منذ ان حسمت المعركة بين المعتزلة والفقهاء لصالح الفقهاء في بداية القرن الثالث الهجري على يد المتوكل العباسي (ت232 للهجرة) حتى ضاع الفرق بين النبوة والرسالة، وبين الكتاب والقرآن.. ولا زال النقاش دائراً اليوم بين القرآن والمصحف .. هذا يقول مصحف عثمان، وذاك يقول مصحف فاطمة الزهراء .. والأذان .. فهذا يقول "علي ولي الله، والاخر يقول الصلاة خير من النوم" ولا ندري من اباح لهم التفريق ..؟ فبقيت عقيدة القرآن مجرد شعارات ترفع من قبل مؤسسة الدين للاتباع وتحكمهم في مجتمع نشروا فيه عقيدة التخريف لا الدين الصحيح.. والحل هو ألغاء هذا التوجه .. في الخطأ الكبير.. لمنع قوة المتغلبين.. والغاء القيادة الفردية لأحلال أهل الأهلية والكفاءة في حكم الدولة دون المغتصبين..

وأخيرا نقول " التشريع الاسلامي قائم على البينات المادية، وأجماع الأكثرية، وان حرية التعبير عن الرأي، وحرية الأختيار.. هما اساس الحياة الانسانية في التطبيق.. فأين نحن منهما اليوم.. بعد ان اصبح العقل والمنطق عملة صعبة بيد الجهلة.. والمغتصبين؟

 

عرض بتصرف: د.عبد الجبار العبيدي

.............................

أنظر: كتاب: الاسلام والأيمان، تأليف الاستاذ الدكتور محمد شحرور.

 

 

في المثقف اليوم