تناولت في كتابي السابق (فقه التكفير، دار سطور،2018) إشكالية (وعي) الفرقة الناجية والحديث الذي تم إيراده في كثير من المدونات الحديثية، وكيف تم إخضاع الوعي المسلم إلى وجود فرقة واحدة ناجية، ذلك الوعي الذي يعمق تصورا آخر مفاده أن الجميع مصيرهم إلى الهلاك، الا الذات المتبنية لفكرة الفرقة الناجية، إذ كل من يروي الحديث يعتقد بنجاة فرقته.
فما هي الحاجة اليوم إلى ترديد مثل هذا الحديث؟ أليس من الضروري اليوم أن يتم بث الوعي إلى معرفة الطريق والمنهج المنجي من الأفكار المنحرفة والهدامة بدلاً من ادعاء ضمان النجاة من دون واقع مثبت لذلك..؟؟
ويمكن أن نعقد موازنة مع هذا التفكير نحو تفكير آخر يمكن أن يأتي ثماره باتجاه توجيه الوعي نحو المنهج المنجي تحت إطار التفكير العلمي الموضوعي الذي يطلب الحق في مختلف مستوياته العلمية والفكرية ودينية، على غرار قول امير المؤمنين (ع): (إن دين الله لا يعرف بالرجال بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله)، ولقد كان الفضاء الفكري في العهود المبكرة من الإسلام - ولو في بعض مراحله- يقوم على أساس التخطئة والتصويب العلمي -لا الفقهي- وكما قال الشافعي رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب، فالمعيار هنا معيار علمي منهجي يقوم على أساس الخطأ والصواب لا على أساس الكفر والإيمان وهذا ما نحتاجه اليوم من تقبل الاختلاف، وقبول الآخر إنساناً محترما، غير مهدور الكرامة، مع اتاحة فرصة الحوار معه ودعوته بالتي هي أحسن إذا ما اقتضى الأمر لذلك.
الموقف هنا ليس بالضد من حديث مروي -مع غض النظر عن مدى صحته أو ضعفه- بقدر ما هو موقف مرجِّح لأولية البحث عن المنهج المنجي، بدلا من النجاة الموظفة كشعار أيديولوجي مثبط لكل منابع التفكير النافع في مجال العلم والعمل.
وعي المرحلة وظروفها المعرفية وما تمليه علينا من مواقف عملية ضروري جدا باتجاه بناء خطاب ديني معتدل بعيداً عن الخطاب المأزوم والمحتقن بكراهية كل ما حوله، والا فنحن أمام صناعة وعي كاره للدين وللآخر في الوقت ذاته، فالتطرف الديني يصنع أناساً كارهين لكل من يختلف معهم، ويصنع أناساً كارهين - أيضا- لأولئك الذين يحتكرون الحق والنجاة لهم دون غيرهم..
النجاة كلها في تدبر كتاب الله تعالى، والعمل بالصحيح من سنة نبيه وآله الطاهرين، بالاجتهاد واعمال العقل، من دون الاتباع الأعمى، الذي يصيب الأذهان بالكسل والعطل، والذي يطلب الحقيقة لا يمكنه الا أن يسلك أصعب السبل إليها، والامة التي لا تفكر لا ينتظرها التاريخ، بل يتركها في تقهقر دائم.
ومن الضروري ونحن في فضاءات الاختلاف العقدي أن ندرك الفارق بين العقائد التي تمثل الأصول، والعقائد التابعة لها (الفروع)، وانكار الأصل غير إنكار الفرع، من حيث ترتيب آثار الكفر وما دونه من الأحكام الحادة، والاجتهاد فيها راجح، والتقليد الأعمى مذموم.
ورواية الفرقة الناجية من الروايات المتداولة والمثيرة للجدل بسبب مضمونها المحتمل لأوجه متعددة من التأويل بالنحو الذي يجعلها سلاحاً مشتركا بين الفرقاء والخصوم, وفضلا عن الاختلاف الوارد في صحة سنده الرواية فإن متن الرواية لم يسلم من النقد طالما يؤسس إلى ثقافة الإقصاء واحتكار الحقيقة ونبذ الآخر, وربما لا يبدو هذا النقد سببا كافيا في ضعف الرواية لأنها خاضعة إلى وجهات نظر متعددة.
وهنا أمثلة من التوظيف السلفي المتشدد لمتن هذه الرواية وكيفية تأويلها بالنحو الذي يخدم المقاصد التي يؤسس لها الإتجاه السلفي المتشدد.
سئل ابن تيمية عن قوله (صلى الله عليه واله) وسلم : ..تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة.. ما الفرق؟ وما معتقد كل فرقة من هذه الصنوف؟ فأجاب:
(الحمد لله. الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم، .. وفي رواية قالوا يا رسول الله من الفرق الناجية قال : (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم و أصحابي). وفي رواية قال (هي الجماعة يد الله على الجماعة). ولهذا وصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة و هم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم (وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق و البدع و الأهواء. و لا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية فضلا عن أن تكون بقدرها. بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة. وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة... وبهذا يتبين أن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله. وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله وأعظمهم تمييزا بين صحيحها وسقيمها), وهذا اقتباس موجز من حديثه عن دلالة الرواية, ومنه يتضح حصرها للفرقة الناجية في اهل السنة والجماعة وكونها الفرقة الوحيدة التي يمكن ان تمثل السواد الاعظم بين المسلمين.
ويذكر محمد بن عبد الوهاب: (سميت الناجية لأنها نجت من النار، كل هذه الفرق في النار إلا هذه الفرقة، فهي الناجية من النار، وهذه أوصافها:
أولا: أنها الناجية.
ثانيا: أنهم أهل السنة، الذين يأخذون بالسنة، وهي طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم. وهي تعني القرآن وتعني الأحاديث الصحيحة، ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كما قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ، ولم يأخذوا بمذهب الجهمية أو المعتزلة أو الخوارج أو غيرهم من الفرق، إنما أخذوا منهج أهل السنة المتمسكين بالسنة.
ثالثا: «والجماعة» ، سموا بالجماعة؛ لأنهم مجتمعون على الحق، ليس بينهم اختلاف، لا يختلفون في عقيدتهم، إنما عقيدتهم واحدة، وإن كانوا يختلفون في المسائل الفقهية والمسائل الفرعية المستنبطة، فهذا لا يضر، الاختلاف في الفقه لا يضر؛ لأنه ناشئ عن اجتهاد، والاجتهاد يختلف، والناس ليسوا على حد سواء في ملكة الاجتهاد، أما العقيدة فإنها لا تقبل الاجتهاد، بل يجب أن تكون واحدة؛ لأنها توقيفية، قال تعالى: [إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ]، هذه أمة واحدة لا تقبل الاختلاف، تعبد ربا واحدا، وفي الآية الآخرى: [وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ].
فيبين أن أهل السنة والجماعة هم المقصودون في الرواية وبعد ذلك يحدد الاتجاه السلفي الإطار العام لأهل السنة والجماعة بالملتزمين بمنهج السلف. ولا تقتصر المشكلة على القراءة السلفية المتشددة، فالأوساط الأخرى من بقية المذاهب لها قراتها المشابهة من حيث النتيجة التي تمحو بها كل من يخالفها.
***
د. أسعد عبد الرزاق الأسدي



























مبادئ التصوف العرفانيّة:
مثلما تُعلِنُ العنصريةُ عن حضورها عبر النسب والقبيلة والقومية والمعتقد والجغرافيا والثقافة وغير ذلك، يُعلِنُ الاستهلاكُ المبتذل عن عنصريته عبر الغرابة والشذوذ فيما يستعمله ويتناوله الإنسان. الذي يتناولُ اللحمَ المطلي بالذهب يُعلِنُ أنه الاستثناء في استعلائه على الناس في الأرض، لا يستحقُ هذه المكانةَ غيرُه هو وحده المؤهل للتويج بها. أثار قرفي واشمئزازي خبرٌ نشرته قناةُ العربية يوم 12 ديسمبر 2021 على صفحتها في الانستغرام يتحدث عن: (فندق في فيتنام يقدّم لزواره فرصة شراء قطعة لحم "توماهوك" مغطاة بالذهب، مقابل 1319 دولارًا للقطعة). لفرط دهشتي بعثتُ الخبر إلى ولدي محمد باقر المقيم في استراليا، فبادر هو وأرسل رابطًا لصفحة أحد الطباخين المشهورين على الانستغرام في أحد الدول، يعلن هذا الطباخُ عن أسعار وجباته من اللحوم فيكتب: أن مطعمه يبيع قطعة اللحم المطلية بالذهب، بوزن 680 غراما، بسعر يصل إلى 2000 دولار أمريكي". مقابل ذلك قرأت خبرًا موجعًا على صفحة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في اليوم ذاته يقول إن: "عددَ الجياع في المنطقة العربية وصل إلى 69 مليون شخص عام 2020، نتيجة للأزمات الممتدة حيث زاد الجوعُ بنسبة 91.1٪ عمّا كان عليه عام 2000".
في المجتمع الاستهلاكي تزدهر حالةُ التباهي، ويتسيّد التبجّحُ والزهو بما يقتنيه الإنسانُ من أشياء مادية، ينظر الناسُ في هذا المجتمع للتسوق والاستهلاك بوصفه وسيلةً للتفوق على الآخرين، يجري استثمارُها في تنمية الرصيد الاجتماعي للفرد، خاصةً وسط الطبقة المُترَفة الغارقة في الأضواء، المتهافتة على إظهار استعلائها على غيرها بشتى الأساليب المبتذلة. تُسرِف هذه الطبقةُ في شراء السيارات الفخمة، وماركات الملابس باهظة الثمن، والألماس والمجوهرات النادرة، والساعات الفاحشة السعر، وغيرها من المقتنيات التي تقاس قيمتُها بارتفاع ثمنها، وليس بإشباعها المباشر لحاجة حقيقية، بل تستعمل لغرض الظفر بإلفات نظر الغير وطلب المزيد من الإعجاب والاهتمام، لذلك كلّما غلا ثمنُها تضاعف شغفُ المترفين وتهافتهم عليها، بغضّ النظر عن قيمتها الاستعمالية، وما يمكن أن تؤديه من إشباع حاجة أساسية أو ثانوية.
أرى أن حلاقة رأس شيرين التي غزت الميديا، ووسائل التواصل الاجتماعي قد طغت على العمق الإنساني، مرتكزها الأساسي، في أخذ بالشكل، وحجب للمضمون، كعادة تجار هذا الزمان في التسويق للمظهر لتنهبه العيون، فتجانبه القلوب.
موقع قنطرة من أجل حوار حضاري






