قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

نافذة في المنفى عنوان كتاب نقدي، لانطولوجيا شعرية، كتبه الناقد ناجح المعموري، والانطولوجيا بعنوان (حلم بلا أعمدة) للشاعر صلاح الحمداني. والكتاب في 190 صفحة من القطع المتوسط، ومن منشورات مؤسسة ابجد للترجمة والنشر، العراق، ومن الصفحة 152 الى نهاية الكتاب تعريف تفصيلي بالناقد والشاعر.

تحت عنوان ناجح المعموري في سطور، (من ص 152)، نشر عنه: قاص، روائي، وباحث في الاسطورة والتوراة، ولد عام 1944/ بابل، اكمل دراسته في الحلة وتخرج بدرجة دبلوم تربية وعين معلما ولأسباب سياسية نقل الى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وتقاعد في 1988/8/31، صدر له ما يقرب من خمسين كتابا، وصدرت عنه عشرة كتب وشارك في الكتابة في كتب نشرت ايضا. وتفاصيل اخرى عن مساهماته وقائمة بالكتّاب الذين نشروا كتابات عن منجزه الثقافي والمعرفي. واضيف له سطرا يعرّفه ناقدا ادبيا وثقافيا معا، متمتعا بقدرة ثقافية وامكانية نقدية في شتى مجالات المعرفة والنصوص الادبية.

ونشر عن الشاعر (من ص 160)، بعنوان: حصاد المنفى، صلاح الحمداني، سيرة مقتضبة والمؤلفات. انه شاعر وكاتب وممثل ومخرج مسرحي فرنسي من أصول عراقية، يكتب بالعربية والفرنسية. كان مناهضا للدكتاتورية وحروبها وهو ضد الحرب الامريكية الانجليزية على العراق، وضد الاحتلال وضد الطائفية.

ولد الحمداني في بغداد، محلة الفضل (العزة)، في الاول من تموز عام 1951، قضى اربعة اعوام في الجيش العراقي في القوات الخاصة (صاعقة مظلي) 1969- 1973. بدأ بكتابة الشعر عندما كان سجينا سياسيا في العراق وهو لم يبلغ من العمر سوى 22 عاما. كان قد ترك العراق لأسباب سياسية، واختار منفاه الفرنسي لتعلقه الكبير بفلسفة وسيرة الفيلسوف والكاتب الفرنسي ألبير كامو، وهو مقيم في فرنسا منذ عام 1975. ويضيف لما سبق عن دراساته وفعالياته وكتاباته، واصداراته لاكثر من سبعين عملا ادبيا موزعة بين الشعر والقصة والسرد، باللغة العربية واخرى مكتوبة باللغة الفرنسية او مترجمة اليها مع الشاعرة ورفيقة حياته إيزابيل لآني.

كتب الشاعر صلاح الحمداني، تقديما للكتاب، الموضوع عنه وعن نصوصه الشعرية، بعنوان: يتيم الثقافة العراقية!، بقلم يتيمها، لخص فيه رأيه في الكتاب والثقافة العراقية و"الاستاذ ناجح المعموري في كتاباته عن انطولوجيا "حلم بلا اعمدة "، الشعرية، التي صدرت لي عن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، عام 2022 في بغداد، اراد، ويريد ان ينبهني الى امر بغاية الأهمية، ليس فقط بالنسبة لي، بل لما ابعد وأكبر مني ومن تراكم مواسمي الطويلة التي عبرتها وحيدا في مسيرتي التعليمية والكتابية منذ نصف قرن ونيّف من الزمن، بل يؤكد المعموري فكريا ونظريا بأنني لم اغادر بغداد يوما، مما يشجعني ان اذهب ابعد من ذلك، واضيف انني لم اعد كما كنت يوما يتيم الثقافة العراقية!".

ابتدأ الناقد المعموري نقده فيما سجله: الاطلاع على ديوان صلاح الحمداني أحد احلامي المحملة بالغصون والتقطت منها الكثير من الثمار التي نعرفها نحن القراء المولعين بالأسطورة اكثر من ولعنا بالشعر. لكني التقطت ما أبحث عنه وانا اصطاد الشعر وافرز ما اريد التنقيب عنه والحفر فيه حتى تتراكم الأساطير التي لا حضور لها في الشعر بشكلٍ واضح ومكشوف، بل هي تتشكل عبر مفردات وملفوظات، تبدو غير مألوفة، بل هي من ابتكارات الحمداني، ويتسع المجاز فيها لحظة تكونات المقاطع المكسوة بالغرابة، وما تثيره من الدهشة والرمزيات التي لا تقوى القراءة على تأطيرها بالمعنى الواحد.

أختصر فيما سبق الشاعر والناقد مضمون الكتاب والاعتراف بقدراتهما في القراءة النقدية وامكانات الابداع لديهما، في الشعر والنقد، وفي سطور الكتاب كشف عنها بما يقدم وما يقرأ بينها. وثمة تماه بين القراءة النقدية والنص الشعري، حتى غلب على عناوين فصول النقد في الكتاب. فتجد فيها عناوين شعرية لنصوص شعرية في تحليل نقدي/ شعري، او موشرات تشي بقدرات الناقد في قراءته الشعرية عبر ما اشار له في غصون الاسطورة وحلمه فيها، وما سطره عنها في صفحات الكتاب، في اطار نصي لنافذة شعرية ولغة منفى.

منذ اول عنوان لاول فصل وضعه الناقد، الأنثى عطر الفردوس ورائحة الطين، قرأ فيه "الاسطورة التي اخترتها عشا لكل ما اختارته الذاكرة واختزنته بكل ما امتلك من طاقة، وتعاملت مع الأسطورة بطريقة مغايرة (ص10)"، متدرجا في ربط النص الشعري الحاضر بخلفية موروث، اسطوري أو متواصل معه. وهو ما وجده الناقد في ما فعله الحمداني، عندما قال: "رأسي مسمر في حائط المنفى/ مثل نافذة تطل على الحلم". وفي دهشة القراءة وغرائبية الاختيار، من العنوان الى تفكيك النص الشعري وتقشير التصاقه بالاسطورة، او بالواقع الموازي لها، سواء في حلم او تشابك المنفى مع كثير من الالتقاطات ذات العلاقة مع التاريخ الذي خزنته ذاكرة صلاح الحمداني.

واصل الناقد في اختياره العناوين الشعرية لتفكيك نصوص الحمداني، واستثمار مفاتيح النص وخلفيته المشبعة بتاريخ اسطوري او مستند الى ذاكرة محملة بالموروثات التي عاشها أو تابعها في منافيه. "فالنافذة ممتلئة بشحنة مكانية ولها معنى سيميائي. كل نوافذ الجسد توميء الى الأنثى بما يشبه التماثل (ص18)". وتتدرج عند الشاعر عتبات النصوص، ودائما يوظفها كرمزية المرآة المعلقة وما ينعكس عليها، او كرمزية النخلة وما تحمله كخزان عقائد وطقوس واحتفاءات، وكذلك الام الكبرى وارتباطات بعدد من الرموز ذات البعد العميق الممتد.

وتحت عنوان: اشتهاء النافذة وفيضان الريح، واصل الناقد تسليط الضوء على مفردة النافذة، كجزء من الامكنة المتعددة في البيت وغيره من أماكن الارتياد، وهي اكثر الامكنة تعددا بالمعنى والدلالات، وما يهم هنا هو علاقة المنفى والنافذة التي جعلها رمزا جماليا وروحيا (ص95). ومن متابعاته كرست النافذة التي لم تنعزل عن الذاكرة، أكثر الرمزيات صحبة مع المنفي الذي وجد فيها اكثر الموجودات تعايشا معه على الرغم من سعة المدن في المنفى. وقارنه مع تجارب الشاعر سعدي يوسف ومقاربته لذات الدلالات في النافذة والمنفى، لكن تظل مفردات الحمداني منقادة ولم يفارق المعروف والملتقط بعناية.

قراءة الناقد المعموري لنصوص الشاعر الحمداني متأنية وباعجاب متقابل بالملفوظات الشعرية، كما يسميها، ومحمولاتها الجامعة بين الاسطورة والتراث الحضاري والتاريخ العام والشخصي، واعادتها الى أسئلة الشاعر وتوظيفه محكيات تغيب اثناء الكتابة الشعرية. وحين يتوقف عند اي نص يتعمق في صياغاته واحساس الشاعر فيه، حيث كتب مثلا في نص اخير، "النص مشبع بمفردات متوترة، غاضبة، لينة، تستحضر الغائب، لا تنساه الذاكرة، والوجع القاسي لان استحالة مكان جديد ان يكون بديلا لمكان قديم، لكن صلاح الحمداني يحاول استرضاء ذاته بالمنفى (ص150).

نقد المعموري لنصوص شعرية للحمداني جهد ثقافي متميز قدم قراءة تحليلية لملفوظات النص، لغته الشعرية، جماليتها الفنية، وتوظيفه الفني لعدد من العتبات الاساسية، رموزا او سرديات، كما كتبها، لاسيما النافذة، والام، والوطن، والمنفى، والحب والمرأة، وغيرها، وصولا الى ان الناقد اشاد في القول عن نجاح الشاعر وقدراته في التقاط ما يريد او يحلم به من صورة تكون لائقة للشعر، عبر بوحه وموهبته، وراصدا امكانات مميزة، معبرة ضمنيا عن كتاب مشترك للنقد والشعر.

***

د. كاظم الموسوي

كثيرون اللذين كتبوا عن حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين في كردستان العراق في الفترة 1979-1985 ولكن في هذا الكتاب يطرح المؤلف تجربته الشخصية في خضم احداث هذه السنوات المريرة والصعبة من بدايتها وحتى نهايتها والتي أصبحت تاريخا يعتز به الرفاق اللذين عايشوها بمرارتها وصعوبتها وحتى حلاوتها إذا سمحنا لأنفسنا أن نطلق هذا التعبير عليها. توخى الكاتب قول الحقيقة كما هي بدون تزويق انطلاقا من الموضوعية الصادقة التي يتمتع بها وإيمانه بمبدأ النقد والنقد الذاتي الذي يبني ولا يهدم.

يأخذنا المؤلف في رحلة للتعرف على زنزانة رقم 3 التي قبع فيها 87 يوما (ص278).

" للذاكرة مساحات تتسع لحجم الحدث وقوته وهناك ثمً بشر ذاقوا طعم المرارة والخيبة في هذا المكان المخيف لكنهم لم يميطوا اللثام عن أفواههم عمًا جرى لهم خوفاً من قسوة النظام وطول لسان المفلسين والمهزومين للكشف ولو عن جزء بسيط من تفاصيله، ولا حتى عن أركان بنائه وشخوصه ومهرجانات الدم والموت فيه." (ص13).

ويستمر الكاتب " وثمً بشر آخرون انجرفوا مع مياه المستنقع نحو مياه نهر دجلة، فضاعوا تحت أمواجه. وضاعت معهم ذكريات المكان وآلام المشهد المرعب... انها الشعبة الخامسة، الاستخبارات العسكرية العامة، وأنا أحد الناجين، بل ممن كتب لهم التاريخ فرصة الإنقاذ بأعجوبة في غفلة تاريخية من الزمن القاتل " (ص13).

بهذه السطور والكلمات والتعابير يصف أبو بيدر في كتابه الموسوم سجين الشعبة الخامسة زنزانة سجنه في الكاظمية ببغداد في الشعبة الخامسة التابعة للاستخبارات العسكرية العراقية. كما يصف جلاديه اللذين عذبوه وطريقة تعذيبهم ومستواهم الأخلاقي وأسلوب انتزاع الاعترافات بالقوة ونزلاء هذا السجن من مختلف الأحزاب السياسية من أجل التعاون معهم، أما الذي يصمد تحت التعذيب فمصيره الموت أو الإعدام شنقا حتى الموت، هذا من جهة وكذلك يصف مدى تفهم ونظرة الرفاق والناس الآخرين للذي يعترف ويتعاون مع سلطة البعث من جهة أخرى.

" كانوا يستخدمون كل الأساليب لإجبارنا على الحبو أو تقليدنا لأصوات الحيوانات كأسلوب لتجريدنا من آدميتنا ولزرع عوامل الخذلان واليأس والإحباط فينا. حتى عندما تنتهي من حاجتك وفي الطريق الى الزنزانة تجدهم في طريقك واقفين ويتحينون الفرصة في توجيه الضربة تلو الأخرى مع سيل من السب والشتائم السوقية " (ص27).

بهذا المنطق والطريقة كان السجانين يتعاملون مع نزلاء سجن الشعبة الخامسة غير آبهين بما ستؤول لهم صحة أبدان المعتقلين حتى ولو استشهدوا تحت التعذيب.

يستعيد الكاتب ذكريات النضال اثناء العمل ضمن مفارز أنصار الحزب الشيوعي العراقي وهو في زنزانته حيث يقول: " وصلت الى قاطع بهدينان الفصيل المستقل الذي يعنى بتنظيمات الداخل وإعداد كوادر متدربة على العمل السياسي (السري) والذي يوجد فيه عشرات الكوادرالحزبية"(ص31). ويستطرد المؤلف في الكتابة حيث يقول: " في قاطع بهدينان كانت كل الطرق سالكة تقريباً بما فيها النزول الى بغداد طبعاً على الرغم من وجود بعض المخاطر الجدية" (ص 32). ومن خلال علاقات الرفاق في محلية الموصل مع القصبات المحيطة بالموصل ودشت الموصل تمكن الرفيق لطيف (الاسم الحركي لمحمد السعدي) من النزول الى بغداد مرتين في العام 1986 من خلال المحطات الحزبية. ويضيف

لطيف: " أود أن أذكر هنا أن صعودي الثاني الى كردستان أخذته على عاتقي الشخصي ربما في حينها كنت مضطراً لظروف طارئة وتطورات ميدانية لم تكن في الحسبان " (ص32). لم يفلح الرفيق لطيف في الوصول الى سلسلة جبال القوش وشيخان بسبب انتشار الربايا والمواقع العسكرية المحيطة بالقرية التي مكث فيها ثلاثة أيام مما اضطر للعودة الى بغداد. حيث تمكن من إيجاد عمل مناسب ومكان آمن بعيداً عن أعين الرقيب في العاصمة بغداد (ص33).

" كان عام 1986 عام حزن وضياع رفاق درب ومناضلين. عام بداية تحطيم تنظيم المنطقة الوسطى وتحديداً في بساتين (جديدة الشط) محافظة ديالى حيث تمكنت مجموعة بطلة من الشيوعيين العراقيين من التسلل من جبال كردستان وبناء قواعد حزبية في ريف ديالى، منطلقين من احدى بساتينها للعمل الحزبي " (ص34).

من المواضيع المهمة التي تناولها الكاتب في خضم الاحداث التي عاشها هي:

-    خروج عدد من قيادة الحزب الشيوعي العراقي في العام 1979 وعلى رأسهم سكرتير الحزب عزيز محمد الى الاتحاد السوفيتي (موسكو) والدول الاشتراكية مثل بلغاريا وهنغاريا وألمانيا. وهنا يتذكر كاتب هذه المقالة يوم دعي مع بقية الرفاق اللذين كانوا يدرسون في المعهد العالي للاقتصاد الوطني في مدينة أوديسا بأوكرانيا الى لقاء مع نائب عميد المعهد لشؤون الطلبة الأجانب الذي أخبرهم بأن عدد من قيادة الحزب الشيوعي العراقي موجودين في موسكو. قمنا وقتذاك بإخباره عن الوضع السياسي في العراق من اعدامات واعتقالات في صفوف الحزب الشيوعي العراقي منذ ربيع العام 1978على الرغم من وجود الجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي تضم حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي العراقي. وسبق وأن سمعت نفس خبر لجوء عدد من قيادة الحزب الشيوعي العراقي الى موسكو من أب زوجتي المرحوم ميخائيل بوغدانوف الذي كان يعمل في مصنع لإنتاج معدات الاتصالات السلكية واللا سلكية في مدينة أوديسا وكان عضوا في لجنة الحزب الشيوعي السوفيتي في المصنع. معنى ذلك أن هذه الاخبار كانت موجودة لدى جميع المنظمات الحزبية في الاتحاد السوفيتي حينذاك.

قامت الأجهزة الأمنية بحملة اعتقالات واسعة للكوادر الوسطية في الحزب الشيوعي العراقي وكان الهدف هو قطع الصلة الحزبية بين الخلايا والهيئات القاعدية والمحلية من جهة والهيئات الحزبية العليا على مستوى اللجان المنطقية والمركزية من جهة أخرى. كانت خطة ذكية ومدروسة لاسيما وأنه تم كشف الكثير من تنظيمات الحزب الشيوعي خلال أيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، ناهيك عن الاندساس من قبل عناصر الامن العراقي داخل الهيئات الحزبية على الرغم من كشف هؤلاء المندسين من قبل رفاق الهيئات الحزبية القاعدية واشعار الهيئات العليا بذلك ولكن دون جدوى وهذه اللأبالية من قبل قيادة الحزب الشيوعي العراقي أدت الى اعتقال الكثير من أعضائه وأصدقائه وتعرضهم الى أقسى العقوبات التي وصلت الى حد الإعدام.

يقول المؤلف في صفحة 174من الكتاب ما يلي: " في تلك السنوات عندما اشتدت الهجمة علينا، فتح النظام حدوده وأجواءه لأفواج من الشيوعيين لترك البلد والانتقال الى الخارج ومازال العديد يعتبرها بطولة حين استطاع الإفلات من قبضتهم غير مدرك أنها كانت واحدة من خطط النظام في إفراغ الشارع من وجودنا، لكن في المقابل أعتقل المئات وتمت تصفيتهم في زنازين الأمن والمخابرات. لو أرادت أجهزة الدولة في ذلك الزمن من سد الحدود والمنافذ أمامنا، لتعذر خروج الآلاف من الشيوعيين، لكن وعلى مدى السنوات اللاحقة كان أسلوب النظام هو الأجدر في محاربتنا وتهميشنا بهذه الطريقة والعديد من الرفاق أدركها متأخرا. وكنا نتساءل وبهمس لماذا هذا الهروب الجماعي؟ وترك الساحة لهم في الاستحواذ على مقدرات شعبنا في العيش والتطلع. وفي الصفحة 175 ورد ما يلي: "رويت واقعة عندما همً عزيز محمد سكرتير الحزب في الخروج من مطار بغداد للهروب، قدًم جوازه باسم آخر منتحل إلى ضابط المطار فقال له أهلا بالرفيق أبو سعود، متى تعود لنا ثانية؟ أجابه لمدة أسابيع، فالسلطات على علم كامل بهروبنا من العراق بل كانت واحدة من أساليبها ضدنا وحققت نجاحات كبيرة بها والمستقبل هو الكفيل بكشف تداعيات هذا الهروب ونتائجه السلبية المستقبلية على آفاق عملنا في مواجهة أساليب النظام".

من المضحك والمبكي في آن واحد أن الرفيق عزيز محمد أبو سعود معروف لسلطات الأمن والمخابرات العراقية منذ يوم خروجه على شاشة تلفزيون بغداد مع أحمد حسن البكر في شهر تموز العام 1972 حينما قام الاثنان بتوقيع ميثاق العمل الوطني والذي بموجبه تم إقامة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية بين حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي العراقي.

- الخطوط المائلة والاندساس من قبل السلطة داخل فصائل الأنصار

قامت قوات الأمن والاستخبارات العراقية بدس أعوانهم داخل فصائل الأنصار مثل أبو طالب وقادر رشيد وأبو بهاء وشهاب ووحيد وراضي أخو وحيد وعلاء سفر وعادل موات وحسين من أهالي بغداد الجديدة. ص183- ص190.

" في العام 1986 تم اعدام الرفيق الحجي أبو جيفارا (محمد وردة) من قبل البعث وحكم على والدته البالغة من العمر 80 عاما بعشرين سنة والتي تولت حينذاك نقل السلاح والبريد من كردستان الى قيادة التنظيم في محافظة ديالى وبغداد في ظروف استثنائية وصعبة، كما حكم على أخيه سردار أيضا من قبل البعث. والذي قام بتسليم الحجي الى مديرية أمن دهوك هو شهاب العميل المزدوج، الذي نفذ طلب الجهات الأمنية في اغتيال الرفاق أعضاء محلية دهوك أبو رؤوف وأبو خالد ونصير آخر" (ص183).  " في واحدة من المرات توجه أبو بهاء الى بغداد عبر تنظيمات الموصل (هذا ما حدثني به الرفيق عامل)، وهم في دشت الموصل قرية دوغات، طلب الرفيق عامل من أبو بهاء التريًث بالنزول وذلك بسبب وجود ورود معلومات تفيد بوجود استنفار أمني وعسكري في المنطقة وسيطرات موزعة، لكن أبو بهاء أصرً على النزول والتوجه الى الداخل، فوقع في أول سيطرة أمنية ولحسن الحظ كان شهاب العميل المزدوج ضمن مفرزتها وشاهد السرعة والصفقة التي تمًت بين أبو بهاء وضابط الأمن في لملمة القضية بلمح بصر، وخوفا من تداعياتها بوصول الأخبار الى تنظيمات الحزب فقد تمً وفي نفس الساعة إخلاء سبيل أبو بهاء بل رتًبت بعناية طريق وصوله بسلام الى مدينة الموصل، مما دعا العميل المزدوج شهاب إلى ابلاغ التنظيم في الساعة واليوم عما جرى مع تحديد ملامحه وملابسه، وبقيت العملية محصورة وسرًية التكهنات في الهمس والعلن، لكن كلً التقديرات تشير إلى شخصية أبو بهاء، لكن أبو بهاء وصل الى بغداد ولم تعد الفرصة سانحة للتحقيق معه وذلك حتًى حلًت جلسة انعقاد المؤتمر الرابع للحزب في كردستان، هذا وقد دعي أبو بهاء ضمن مدعوًي المؤتمر من الداخل وكانت الفرصة مؤاتية لقدومه الى كردستان. وفي الأيام الأولى من وصوله فتح ملف تحقيق معه، لكنه كان يستبعد في حديثه ويتجاهل ما يسمعه بل أحيانا يستهزىء ممًا دعا قيادة التنظيم الى استدعاء العميل الى مناطق العمادية، بعد أن يئسنا في انتزاع أي معلومة تدلنا على ما حدث وذهبوا بحجة مفرزة استطلاعية مع أبو بهاء كلً من الرفاق أبو طالب الذي أعدم أيضاً لقضية مشابهة لارتباطه بأجهزة المخابرات وأبو برافدا والملازم آزاد وذلك بالتنسيق مع محلية دهوك، وعندما حدث اللقاء بساعة الصفر شخص العميل المزدوج شهاب أبو بهاء من بين رفاقه فخارت قواه سريعاً، وأدرك خطورة وأذية مهمته الحقيرة في العمالة، وفي حينها أصبح معتقلا وجرًد من السلاح وجاءوا به معتقلاً الى موقع الفصيل المستقل، وأخذ التحقيق معه مجراً آخراً بيًنته في صفحات أخرى. لكن في اليوم التالي علمت أجهزة الأمن بما جرى بالتفصيل الممل فاعتقلت السلطات العميل شهاب وعائلته وردا للاعتبار طلبت السلطات منه تصفية قادة دهوك وعلى وجه السرعة طلب العميل شهاب باجتماع مع قادة المحلية لأمر مهم وتمكن من اغتيال ثلاثة من الرفاق المذكورين أعلاه واختفى شهاب الى الأبد، هنا السؤال المحير والذي شغل بال الجميع وقتذاك في السرعة الخارقة لوصول الخبر إلى السلطات وسرعة تنفيذ العملية ودقًتها وسريًتها في اغتيال الشهداء الثلاثة " (ص183-184).

كانت توجد خيوط متشابكة تديرها الأجهزة الأمنية ومثال على ذلك التحاق علاء سفر وعادل موات وحسين من أهالي بغداد الجديدة بعد اعترافهم بذلك (ص186). يواصل الكاتب في صفحة 187 كيفية اكتشاف ارتباط وحيد بالأجهزة الأمنية حيث يقول:

" ومما عزز الشبهات حول وضع وحيد الأمني هو التحاق مجموعة تدًعي انًها من تنظيمات بغداد وذلك عن طريق وحيد وذلك بالتنسيق مع مجموعة من معارفه في قاطع بهدينان وتحديداً من الذين كانوا أكثر قرباً للأخ وحيد وهو الدكتور كريم دبش.

وقد كشفت مجريات التحقيق في كردستان مع الرفاق الملتحقين الجدد أن عملية الالتحاق تمت عبر وسطاء مشبوهين في قضاء العمادية، هنا حاول التنظيم التضييق عليً بسبب موقفي الواضح والصادق تجاه الأحداث، لكني دافعت عن قناعاتي وأسلوبي في العمل وطريقة تحركي في العمل الحزبي وعدت ثانية الى العاصمة بغداد بمعنويات أعلى لأني أدري جيداً بما يجري هناك"(ص187).

كان علاء سفر وعادل موات وثالثهم حسين من بغداد الجديدة جميعهم يدرسون في كلية الهندسة بجامعة بغداد ينحدرون من عوائل يسارية وهم شيوعيون سابقون. ونتيجة الاعتقال والتعذيب في العام 1979 جنًدوا في أجهزة الأمن مقابل الحفاظ على حياتهم وسمحت لهم الأجهزة الأمنية بمواصلة نشاطهم الحزبي ولكن تحت اشرافها ورعايتها وينسجم مع خطط هذه الأجهزة في محاربة الشيوعيين والنيل من سمعتهم.

كانت الأجهزة الأمنية تقوم باستنساخ جريدة طريق الشعب بعد حصولها على العدد الجديد وتقارير اللجنة المركزية وبياناتها من الخط الحزبي المصطنع الذي يضم في صفوفه شيوعيين يمارسون نشاطهم الحزبي بصدق وتفاني، ولم ينتبهوا لشبهات هذا الخط الحزبي وارتباطه بالأجهزة الأمنية، وحين تشعر بخطورتهم تقوم باغتيالهم (ص 188). 

كان راضي دبش الطالب في جامعة بغداد أخو وحيد أحد النشطاء في الخط الحزبي الموهوم، التقاه أبو بيدر (لطيف) في العام1987 وبات في بيتهم ليلة واحدة وتمت مفاتحته بمصير رفاقه لكنه لم يصدق بالأمر ودافع عنهم بكل صدق، فلو كان عميلا لقام بتسليمه الى المخابرات العراقية، وهو بذلك أي لطيف يسجل رأيه بكل أمانة وانصافا للتاريخ والضمير، لأنه كان يوجد رفاق داخل هذا الخط الحزبي واصل عمله بكل صدق وأمانة حزبية (ص 188-189).  في حين " وصل علاء ورفاقه عادل وحسين الى كردستان، قاطع بهدينان وحسب اعترافاتهم في التحقيق وتحت التعذيب في فصيل الدوشكا في منطقة زيوة وبعد أن مضت فترة على وجودهم وتًم تسليحهم وتنسيبهم الى الفوج الأول في بهدينان، كشف أمرهم صدفةً من خلال حديثهم حول آفاق عملهم ومستقبل وجودهم القلق وغير الآمن، لكنهم لم يفطنوا إلى أن أحد الرفاق كان متدثرً في فراشه وتحت البطانية في نفس الغرفة التي تمً الحديث بها فتمكن هذا النصير من تلقف جزء مهم من أطراف حديثهم وبلًغ عنهم الجهات المسؤولة وتم اعتقالهم فورا وتعرضوا الى وسائل تعذيب مرفوضة ولا تليق بنا وبمشروعنا السياسي، أجبرتهم على النطق والاعتراف بكل شيء. شملت اعترافاتهم إدانة وحيد وأخيه راضي ونفًذوا بهم الحكم بعد أن أنهوا التحقيق معهم"(ص189).

-    مسافات الحق والباطل، ص 250 -270

يلخص الكاتب في هذه الصفحات العشرين أحداث مهمة جدا عاشها بصعوبة ولكن برباطة جأش ساعدته على تخطي الصعاب والتي أولها ترك مواقع الأنصار (ص 250). كان وقتذاك أمامه خيارين أحدهما العودة الى بغداد أو التوجه الى ايران. اختار الخيار الثاني وتوقع بأنه سوف يتعرض الى حملة تشهير كبيرة، لأن تجارب الآخرين ترن كما يذكر في وجدانه وضميره " وهذا كان ديدن العمل الحزبي الذي كان يضم مجموعة من الضعفاء والمتخاذلين المكلًفين بأداء المهام الصعبة فخير وسيلة للدفاع عن ضعفهم هو شنً الهجوم على المناضلين، لكنها كانت مفضوحة وقصيرة وربما تمكنوا من التستر تحت الرذيلة المسلكية الحزبية التي كانت طاغية على عملنا الحزبي" (ص250).

كان قرار الخروج من كردستان ليس سهلا وكم حاول أبو ناصر أن يثنيني عن قراري هذا ولكن باءت محاولاته بالفشل أمام اصراي على الخروج فقال كلمته الأخيرة: " أتمنى لك الجوع والألم والضياع في ايران " (ص252). تحركت المفرزة في الشهر الأخير من العام 1987 والثلوج قد غطت قمم الجبال وغزارة الأمطار تملأ الوديان وتفيض النهران. تحت هذا المشهد الحزين قام النصير لطيف بتوديع أجمل الرفاق وقام بتسليم سلاحه في اللحظات الأخيرة حيث كان متوجساً من سلوك البعض في المفرزة. كانوا عشرين نصيرا يمشون في الليل وينامون في النهار بسبب حركة قوات السلطة في المنطقة. ولا يحمل لطيف وعلي السلاح حتى للدفاع عن أنفسهم. وصلوا في يوم ممطر الى قرية قزلر وجميع ملابسهم مبلًلة بسبب المشي المتواصل لساعات تحت زخات المطر الكثيف. تم استقبالهم من قبل سكان القرية بكل ترحاب وتعاطفا معهم. شعلوا لهم النار في المسجد للتدفئة وتجفيف الملابس من المطر. بعد تناول العشاء عادوا جميعهم الى المسجد وتناوبوا الحراسة حتى الصباح الباكر. بعد الانتهاء من تناول وجبة الفطور تم تبليغنا بأن مصاحبتنا معهم انتهت وكانت هذه تعليمات قيادة القاطع. تحركت المفرزة وتركونا في قرية قزلر وكنت ورفيقي علي كرادي لا نمتلك أية بوصلة تستدل بواسطتها على الطريق. مشوا لا على التعيين وسط الثلوج والمطر ينهمر حيث كانوا محاطين بالربايا العسكرية العراقية ومقرات حرس خميني وبازار الثورة الايرانية.( ص253).

بعد مسيرة شاقة وسط العواصف الثلجية وصلوا الى مقرات الاتحاد الوطني الكردستاني في قرى (سركلوا- بركلوا) الذين استقبلوهم بودً على الرغم من أنهم كانوا أعداؤهم بالأمس القريب، لكنهم تعاطفوا معهم وتفهموا ما جرى لهما. وخلال تواجدهم في مقرات أوك التحقت مفرزة من ايران تضمً شيوعيين ماركسيين كانوا قد تركوا العمل بين صفوف أنصار الحزب الشيوعي وذلك مرورا وبالتنسيق مع أوك باتجاه كرميان. كانت هذه مجموعة من تنظيمات اتحاد الديمقراطيين بقيادة أبو مجيد. وقد تعرف لطيف على قسم منهم اذ كانوا أنصارا ومقاتلين من الحزب الشيوعي العراقي. المجموعة الثانية التي التقى بها لطيف في مقرات أوك جاءت من بغداد يحملون في جعبتهم مشاريع انقلابية. كانوا ثلاثة شباب أحدهم من بعقوبة الشاعر أحمد المانعي البعثي العبثي الذي حدثه عن وجود تنظيم سرًي في العراق ويعدً العدة للإطاحة بالنظام. جاء الى قيادة أوك للحصول على المساعدات والتنسيق مع قيادة أوك. عاد مع أحد رفاقه محملاً بما جاء من أجله (ص255).

الالتحاق بمجموعة سامي حركات والشهيدان منتصر وأبو أحلام

التحق لطيف ورفاقه فيما بعد بمجموعة سامي حركات التي كان مقرها لا يبعد كثيرا عن مقرات (سركلوا- بركلوا) وبعد العناق واستذكار تجربة الماضي ومرارة التآمر ونذالة التشهير وآلام التعذيب وقتل الشهيد منتصر، قاسموه معاناة حياتهم المرة وجراحهم التي لم تندمل ومازالت تنزف بحبهم للعراق من خلال صدق انتمائهم ومشاريعهم السياسية. ومن خلال معايشتهم لمدة شهور عديدة تعرضوا فيها للموت توصل لطيف الى أنهم شيوعيون عراقيون بحق (ص256). تكون هذا التنظيم من مجموعة من الشباب تمردوا على الواقع السائد آنذاك وشكلوا تنظيماً يهدف الى تصحيح الأساليب والممارسات في مسيرة الأنصار الشيوعيين العراقيين وكان ردا على أحداث بشتآشان في الأول من آيار العام 1983 (ص 257). طلبت منهم قيادة قاطع أربيل للحزب وقيادة الحزب بل وحتى أجبرتهم أن يقوموا بحل تنظيمهم الجديد ووضعه تحت أمرة الحزب وتوزيعهم على مواقع الأنصار وإلصاقهم بتهم تتعلق بتاريخهم السياسي والنضالي. فشلت كل المفاوضات معهم من خلال الرفيق أبو عامل، بل زادت من توتر الوضع باعتقالهم وسوقهم الى السجون في منطقة بارزان والسجن المذكور عبارة عن (مراحيض) قديمة مهجورة في المنطقة التابعة لقرى برزان. كان قرار قيادة القاطع من قبل أبو حكمت (يوسف حنا) الذي كان في ايران والمسئولية الحزبية موكلة الى الرفيق أبو سيروان (الحاج سليمان) والمسؤول العسكري ملازم خضر والإداري أبو ربيع. أدى هذا الأمر الى اعتقال الرفيق سامي حركات (ستار غانم) والشهيد منتصر (مشتاق جابر عبد الله) ومهند وأمين وآخرين. وقد تعرضوا الى تعذيب قاسي جدا. تم تشكيل لجنة تحقيق تألفت من مهند البراك (دكتور صادق مسؤولا) وعضوية مام كاويس وأزهر الكربلائي (حميد) ووليد حميد شلتاغ. أما المسؤولين عن التعذيب هم: سياميد أراربيلي وأبو أحلام الملقب بذي الفك المفترس (ص 259). هذا وقد شملت الإجراءات التعسفية كل من له علاقات رفقة وود مع سامي حركات ورفاقه الأشاوس وكذلك الذين استاءوا من الإجراءات التعسفية بحق مناضلي ورفاق الأمس. وقانت لجنة التحقيق بتقديم معطيات كاذبة وملفًقة تدًعي أن هذه المجموعة كانت على صلة بأجهزة النظام ومخابراته، وقام ضعفاء النفوس والمواقف الضعيفة والمهزومين والانتهازيين بترويج هذه الأخبار والمعطيات. كان الهدف الحقيقي هو لفت الأنظار عما تلقته حركة الأنصار من هزيمة سياسية وعسكرية وأخلاقية في مجزرة بشتآشان. وقاموا باعتقال أحد أصدقاء الرفيق سامي حركات منذ أيام الدراسة الجامعية والمعروف بأبو أحلام وتم إعدامه رميا بالرصاص كما أخبر سامي لطيف. كانت عمليات التعذيب مع سامي ورفاقه تجرى في كهوف جبلية بعيدة عن مواقع الأنصار في مناطق (بارزان)، امتدت أياما وشهور. ساهمت اللجنة التحقيقية في التعذيب واستخدموا أدوات تعذيب مختلفة وقاسية مثل (الكابلات) التي تتكون من أسلاك نحاسية. في يوم 3 آذار 1984 استشهد الرفيق منتصر (مشتاق جابر عبد الله) تحت التعذيب ومازال دمه ينزف ووصمة عار في تاريخنا الشيوعي(ص260).

بعد استشهاد الرفيق منتصر اختفى المجرم (سياميند). كان الرفيق سامي يتتبع أخباره ويعتقد أنه ربما منح زمالة دراسية تكريماً لبراعته في تعذيب الشيوعيين أو قد يكون قد سلًم نفسه الى سلطات البعث حيث لم يعد له أثر يذكر. ونتيجة لحملة الاستنكار الواسعة من قبل بعض الشيوعيين المخلصين والتي تمثلت في كتابة رسائل استنكار وتوضيح الى سكرتير الحزب عزيز محمد ومحاسبة مسببي الجريمة، تم إطلاق سراح الرفيق سامي ورفاقه وتمً إخراجهم من السجن وإبعادهم الى الأراضي الإيرانية مع توصية كما أكًدها للرفيق لطيف الشهيد سامي أنهم عملاء المخابرات العراقية.... واختفت جثة الشهيد منتصر، مضرًجة بالدماء الزكية ولاعنة بتاريخ الدم والاغتيالات وقتل رفاق الأمس (ص261).

ويجب الإشارة الى أن أغلب عناصر حركة الأنصار الشيوعيين العراقيين كانوا من الرفاق الغرب الذي قدموا من الجنوب والوسط حاملين معهم حلم القضاء على الدكتاتورية بعد أن قضوا ردحاً من الزمن في أقبيتها وزنازينها الدامية أو عاشوا سراً بعيدين عن أهاليهم وأحبتهم (ص 261 ).

-    توضيح الى الأخ صباح كنجي في ما يخص رأيه بالدكتور خير الدين حسيب في صفحة 275 الذي ورد ضمن مقالة وردت في ملاحق الكتاب (ص 273- 328) يوضح فيها رأيه بخصوص الكتاب بعنوان: أيام الرصيف... في مذكرات الشيوعي لطيف. من الغريب أن يتكلم صباح كنجي بهذا الشكل عن المرحوم الدكتور خير الدين حسيب، وهنا أود أن أذكر بعض المعلومات عن الدكتور حسيب التي أعرفها جيدا.

1.  أن الدكتور خير الدين حسيب كان قد اعتقل في قصر النهاية في العام 1968 بعد استلام حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في العراق في تموز العام 1968 وبقي هناك لمدة سنة ونصف تحت التعذيب. وبعد اطلاق سراحه اعيد للعمل في الجامعة.

2.  قام المرحوم الدكتور خير الدين حسيب بتدريس مادة "اقتصاديات العراق والوطن العربي " لطلبة السنة الرابعة المنتهية في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد للسنة الدراسية 1971-1972 وكنت من ضمن الطلبة اللذين درسهم بالإضافة الى نعيم عباس خضير الموسوي و شاكر حسون الدجيلي وعصام أدهم الزند وعبد المحسن راضي وحسن عبد الله بدر وعبد الكريم حمد القسام وصالح ياسر (رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة في الوقت الحاضر). كان مجموع عدد الطلبة يفوق 300 طالب وطالبة ومن مختلف مدن وقصبات العراق (عربا وأكرادا وتركمان ومن مختلف الديانات والمذاهب) بالإضافة الى طلبة من جميع الدول العربية، لم نسمع في يوما ما بأن الدكتور خير الدين حسيب كان طائفيا في علاقته مع الطلبة من أي طالب أو طالبة، وإنما على العكس كان أستاذا متمكنا من المادة وعلمنا طريقة البحث العلمي الصحيحة، دمث الأخلاق ومحبوبا من قبل جميع الطلبة. وفي إحدى زيارات زملاؤنا شاكر الدجيلي وعصام الزند وصالح ياسر في ربيع العام 1972 للدكتور حسيب في بيته حدثهم عن أساليب التعذيب الجسدية والنفسية التي تعرض لها المعتقلون في قصر النهاية السيء الصيت.

3.  وفي العام الدراسي 1973-1974 قام المرحوم حسيب بتدريس طلبة الماجستير- تخصص اقتصاد في كلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد. كان من ضمن الطلبة اللذين أعرفهم: شاكر حسون عبد اللطيف الدجيلي وحسن عبد الله بدر وكذلك سناء العمري رئيسة اتحاد نساء العراق التابع للسلطة وهي بعثية من الموصل. لم يسمح خير الدين حسيب للطالبة سناء العمري بتأدية الامتحان النهائي لكثرة غياباتها. تم تشكيل مجلس تحقيقي حول الموضوع من قبل كلية الادارة والاقتصاد- قسم الدراسات العليا وقام المجلس التحقيقي باستدعاء جميع طلبة الماجستير حول القضية اللذين شهدوا لصالح حسيب ومن ضمنهم شاكر الدجيلي وحسن عبد الله بدر. كان بامكان حسيب أن يغض النظر عن غيابات سناء العمري كونها من الموصل وسنية المذهب ويسمح لها بأداء الامتحان ولكنه عمل العكس. تم اعفاء حسيب من التدريس في الدراسات العليا حينما كان في انتداب علمي في شهر شباط العام 1974 لإلقاء محاضرات عن الاقتصاد العراقي في معهد الاستشراق في موسكو آنذاك. وفي رده على هذا القرار قام بإرسال برقية من موسكو الى جامعة بغداد طلب فيها إعفائه من التدريس في الدراسات الأولية- البكالوريوس. وبعد عودة حسيب الى بغداد نقل الى العمل في مركز البحوث الادارية والاقتصادية التابع لجامعة بغداد. أنا أعرف هذه التفاصيل لأني عملت آنذاك معيدا في قسم الاقتصاد بكلية الادارة والاقتصاد بجامعة بغداد قبل سفري الى الاتحاد السوفيتي لتكملة دراستي العليا بزمالة من قبل الحزب الشيوعي العراقي.

4.  آخر دليل على عدم طائفية المرحوم الدكتور خير الدين حسيب هو تنظيمه لندوة مستقبل العراق حينما كان مديرا عاما لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت في 25-28 تموز سنة 2005. وقد شارك في المؤتمر 108 من مختلف الطوائف والمذاهب والاتجاهات السياسية في العراق. ومن ضمن المشاركين: د. عبد الحسين شعبان ود. محمد جواد فارس وباقر ابراهيم أبو خولة وأنا كاتب هذه السطور. مع العلم أني أحتفظ لحد الآن بجميع وثائق المؤتمر.

وفي الختام أود أن أقول بأن كتاب " سجين الشعبة الخامسة " للرفيق محمد السعدي أبو بيدر كتاب مهم وجدير بالقراءة ويستحق الثناء وهو من الكتب التي من الضروري أن توجد في المكتبة العربية حتى يكون في متناول يد الباحث والانسان المتعطش لمعرفة صفحات كثيرة من تاريخ العراق وأحزابه الوطنية.

اسم الكتاب: سجين الشعبة الخامسة.

المؤلف: محمد السعدي

الناشر: دار الرافدين، لبنان - بيروت

الطبعة الرابعة: سبتمبر – أيلول، 2019 (1000 نسخة)

ISBN: 978 -9922-623-28-3

عدد الصفحات 382 صفحة.

***

أ.د. سناء عبد القادر مصطفى

(الطفل الذي لا يلعب ليس طفلا، بل البالغ الذي لا يلعب، فقد إلى الأبد الطفل الذي يعيش فيه، والذي سنفتقده كثيرا. لذلك يتم توجيه الدعوة إليك: لماذا تقتل الطفل بداخلك؟).. بابلو نيرودا

يشير الدكتور سامي عبد العال في كتابه الجدير بالمطالعة من قبل أهل التربية والتعليم والثقافة والفن " العقلانية المرحة" إلى قضية مهمة جدا بقوله: "هناك صورة معبرة تماما عن هكذا أحوال لعالم الفيزياء الفذ ألبرت أينشتين وهو يعبث بآفاق الرؤية أمام مشاهديه، إذ يخرج لسانه في قلب المشهد كالطفل النزق ً تجاه الآخرين. تبدو روحه الطليقة سارية ً إلى المتلقي قصدا كأنه يقول: انظروا إلى هذا الطفل الذي مازال يسكنني حتى اللحظة، رغم الإبداع العلمي الشاق ورغم َّ أن أفكاري جافة تتعامل مع الكون والمجال الموحد والطبيعة والزمن والحركة. وكذلك هناك في صور أخرى متداولة، تداعب أنامل أينشتين أزرار البيانو كطفل يتلهى بالأسرار من وراء والديه. ويتماوج جسمه مع النغمات كما يتراقص الأطفال في نشوة غامرة أثناء اللعب. حتى قال أينشتين عن نفسه إنه مجرد شخص فضولي محب للكشف والإطلاع"1

 في هذه السطور، سنتناول موضوعا، بالنسبة لمجتمع الأداء (La Société de la Performance) الذي نتوهم أننا نعيش فيه اليوم، بينما واقعنا عديم الفائدة وغير منتج وغير جاد للغاية: اللعب. كيف تفهم مجتمعاتنا لعب الطفولة في غزة وجميع زوايا ومدن وقرى وبيوت العالم العربي؟ ما علاقة اللعب بالثقافة؟ ما هو مكان اللعب في الثقافة؟ كيف يمكن أن يكون اللعب جسرا ثقافيا وأفقا حضاريا؟

كما أوضح الفيلسوف الكوري الجنوبي Byung-Chul Han في كتابه "مجتمع التعب"، في عصرنا -الصادر سنة 2014 بالألمانية والمترجم للفرنسية مؤخرا مارس 2024 عن المطبوعات الجامعية الفرنسية La Société de La Fatigue) 2-، يظهر مجتمع أداء جديد يتكون من صالات رياضية وأبراج مكاتب ومختبرات وراثية وبنوك ومراكز تسوق كبيرة. شر عصرنا هو التعب. يولد هذا التعب من الإحساس والإيمان المفروض بالقوة قبل كل شيء: "أستطيع"، أو بالأحرى "يجب علي ..." ينتهي بنا الأمر إلى أن نكون عبيدا، في حالة من العنف الشديد ضد أنفسنا، ضحية لنظام يقودنا إلى استغلال أنفسنا، والمطالبة بالمزيد والمزيد من أنفسنا، ويقودنا إلى استنتاج مفاده أنه لا يوجد شيء كاف على الإطلاق.

لقد عبر Byung-Chul Han عن نقلة نوعية، الانتقال من مجتمع أبوي- بطريكي كما يسميه الراحل هشام شرابي، حيث تتضاعف القيود المفروضة على الفرد - إلى مجتمع الأداء (العمل، الإنتاج اللانهائي)، حيث لم يعد القيد على الفرد يأتي من النظام الاجتماعي بل من الفرد نفسه. فائض العمل والأداء هو مؤشر على استغلال الذات في حد ذاته، أي القابلية لإستعباد الذات.

وبالتالي تصبح الحرية الفردية مقيدة لتعظيم مردود أفعالنا وأنشطتنا. على عكس التسارع والتسرع وفرط النشاط والتشتت الذي يبدو أنه يميز عصرنا، يوضح لنا الفيلسوف الكوري الجنوبي كيف يمكن أن يولد الصفاء والاهتمام والشفاء من التعب.

هكذا تصبح الأولوية هي أن نكون نشطين، وأن نعتني بعدة جبهات في نفس الوقت، وأن نعمل أياما لا نهاية لها لا تتركنا منتجين بما فيه الكفاية وأن نحقق معايير الجودة، التي غالبا ما تكون أعلى بكثير من إمكانياتنا الحقيقية. نحن نعيش بسرعة، ونستجيب لكمية كبيرة من المحفزات دون الخوض في أي منها، ونعزل أنفسنا لأنه لا يوجد وقت لكل شيء، ولا نتوقف للحظة لأن الحقيقة البسيطة المتمثلة في عدم القيام بأي شيء ينظر إليها على أنها سلبية، "يجب أن أكون على مستوى ذلك"، "يجب أن أحصل عليه"، الخ. إنه عصر الإيجابية المفرطة في قبال ما سبقه من سلبية.. !!

 في مجتمع الأداء هذا – الغرب والصين والهند تحديدا والأهالي من العالم الثالث-، يعد اللعب مضيعة للوقت، ولكن من المفارقات أن نفس المجتمع الذي يعلن أنه عديم الفائدة يصنعه ويربح من خلال جعل صناعة الألعاب واحدة من أكبر الاقتصادات: فثقافة الترفيه تصور اللعب كوسيلة للسيطرة والاستهلاك. ومن الأمثلة على ذلك ديزني، نيتفليكس، بيكسار، أمازون، اليانصيب والكازينوهات، كوست بارك، صناعة الألعاب، كرة القدم، ألعاب الفيديو، إلخ.

نماذج تظهر أن الإنسان المعاصر يلعب، لكنه يلعب لينتج ويستهلك دون انقطاع، هناك نهم لعب، أو يلعب بالألعاب التي ينتجها الآخرون، أي أننا نلعب أكثر. اللعب عن طريق طرح جوهر المرح من اللعب، والمتعة، والرضا، والفانتازيا، والخيال، وقيمة فعل اللعب ببساطة من أجل متعة اللعب، والبحث عن عدم اليقين، وهذا يعني أن اللعب يمتصه مجتمع الأداء. اللعب صفقة جيدة وجديدة. وعليه العمل هو الحرمان من أوقات الفراغ، لذلك من خلال التعامل مع المقامرة، فإنك تحرم أوقات الفراغ. الترفيه ليس وقت العمل.

هكذا يصبح اللعب ليس جدية لأن الجدية هي العمل والإنتاج. قد يكون اللعب مرتبطا بالطفولة، ولكن بطفولة تفقد الوقت في اللعب ويجب أن تستعد لتصبح بالغة بسرعة من خلال ترك بعضا من وقتها الطفولي.

يتجنب فكر عصر العولمة مصطلح المرح: فهو يسعى جاهدا لإنشاء بناء متماسك حيث يتم دمج جميع أشكال الخبرة وإعادة بنائها واختزالها من خلال فئاتها الخاصة. لقد بذل جهد هائل لإخفاء الصدفة، غير المتوقعة، المتقطعة، المجانية واللعب، إنها مسألة القضاء على ما يرعب. أعني أنه ليس صحيحا أن الكبار لا يلعبون اليوم، صحيح أنه يتعين علينا أن نرى كيف يستخدمون الناس لمعرفة اللعب التي نتحدث عنه، عندما نتحدث عن الألعاب وقضية اللعب.

مجتمع الأداء على حق عندما يقول أن اللعب مضيعة للوقت لأننا عندما نلعب نضيع الوقت، نفقده، نطرحه، نحرر أنفسنا من الوقت، عندما نلعب نعيش في عصر، كما يقول الإغريق القدماء، يتخلى عن كرونوس، وهو الوقت الذي تتحكم فيه التقاويم، الساعات، الماضي، الحاضر، ليسكن وقتا يسمونه كايروس، وقتا بلا وقت، ألا يحدث ذلك لكل منا عندما نلعب؟ عندما نلعب، ندرك طعم الوقت لأننا نفقده. باختصار، اللعبة الموجودة اليوم لعالم الكبار (هي اللعبة التي تضع القواعد) هي لعبة أدوات واستراتيجيات وسياسات وثورات وحروب ومجاعات وجائحات وتكنولوجيات، لعبة مصفوفات ورموز في خدمة شيء أكثر أهمية من اللعبة نفسها، لعبة للأمم والشعوب والأديان والطوائف والهويات والاختلافات. وهذا يثير التساؤل عما إذا كان ما يجري تنفيذه هو حقا "لعب".

 اللعب بوصفه جسر ثقافي:

اللعب نفسه له خصائص أساسية تزعج مجتمع الأداء، وربما لهذا السبب، فإن وساطة اللعب في الثقافة تصطدم بعقبات في (التمثيل/الامتثال) الاجتماعي الذي تجسده. من حيث المبدأ، نقول أن اللعب له هذه الخصائص: إنه غير مؤكد (ليس له يقين، يحفزه)، إنه إستراحة يومية (إنه في مساحة انتقالية)، إنه خيال وهذيان وإبداع، (ليس الواقع نفسه، يمكن استخدام أي قناع)، إنه غير مطيع (لا يتبع القواعد التي تفرضها النظم الاجتماعية)، إنه طوعي ومجاني (أي يختار اللاعب القيام بذلك أم لا دائما)، يجب أن يكون هناك اتفاق على اللعب، أي يتطلب اختبارات التعايش والحوار.

هذا أمر أساسي في بناء الاجتهاد الذاتي، أي أن وصولنا الأول إلى الرمز كان من خلال اللعب. اللعب هو علامة على صحة الطفل الصغير لأنه طريقته في التفاعل مع العالم واكتشاف الواقع. اللعب هو وسيط للثقافة، وهذا هو السبب في أننا نفهم الألعاب كنماذج، كأنماط اجتماعية وثقافية موجودة مسبقا للأطفال ولكن أيضا للبالغين. هذه المخططات تفضي إلى التمثيل أو الامتثال، لتصب في محتويات رمزية متنوعة للغاية.

يتركز اهتمامنا على فهم المعنى الاجتماعي للألعاب، ونريد أن نفهم المحتوى، وما هي أشكال التنظيم، ونوع العلاقة الاجتماعية، وبناء الفضاءات والمستويات والأهداف، والألعاب المقترحة كمخططات اجتماعية وثقافية وكيف يتم الترويج لممارستها في المجال الاجتماعي، المسموح به أو المحظور على فئات عمرية وجنسية وأوضاع اجتماعية معينة. لا يمكن تفسير ممارسة نوع أو آخر من اللعب من قبل فئات عمرية معينة حصريا فيما يتعلق بالخصائص الجسدية أو النفسية أو الفكرية للأطفال.

ينسى هذا المنظور أن الألعاب هي مواضيع للتفسير الاجتماعي وأن ممارستها منظمة اجتماعيا. وبالتالي، فإن ممارسة الألعاب هي جزء من سياق اجتماعي ثقافي، وكان للألعاب أوضاع مختلفة وأهمية اجتماعية في مجتمعات مختلفة، وكان بعضها ألعابا قديمة أو احتفالات مقدسة للبالغين والبعض الآخر احتفظ دائما بالطابع المرح العفوي والمجاني لها.

وبهذه الطريقة، فقد خضعوا للتنظيم والسيطرة الاجتماعية، وتم إضفاء الشرعية عليهم اجتماعيا بطرق مختلفة فيما يتعلق بالأفكار السائدة. وبالتالي، فإن قصر نطاق تحليل الألعاب على ألعاب الأطفال يعني قصرها على الأنماط المختلفة التي تم تدريسها اجتماعيا والمصرح بها وإضفاء الطابع المؤسسي عليها بشكل مناسب للأطفال.

ابتكر Johan Huizinga، عالم الأنثروبولوجيا الهولندي ومؤلف كتاب "Homo ludens" (إنسان يلعب: بحث عن الوظيفة الاجتماعية للعب) (1938)، إذا جاز التعبير، طريقة جديدة للتعامل مع فهم اللعب، لأنها لم تبدأ من تحليل الأوقات التي سبقتها أو تلتها، ولكن من تجربة اللعب نفسها، لا تسعى إلى الدوافع الطبيعية التي من شأنها أن تحدد اللعب بشكل عام. بل يعتبر اللعب، بأشكاله الملموسة العديدة، بنية اجتماعية. "إنه يحاول فهم اللعب بمعناه الأساسي كما يشعر به اللاعب نفسه. ثم يكون موضوع دراسته هو وضع اللعب نفسه ومن تحليل هذا الفعل يستنتج أصله وأهميته ووظيفته الثقافية.

أين "النكتة" في اللعب؟

فعل " اللعب" في حد ذاته تجربة ممتعة. إنه ينطوي على حالة عاطفية لا تفلت فقط من البحث عن المنفعة، ولكنها عندما تسبقها أو تغزوها، تفقد محتواها ومعناها الأساسيين.

نطاق اللعب هذا هو نقد للرؤية النفعية للعب وهو جزء من نقد عام لخاصية التخطيط والمنطق العقلاني والإنتاجي لهذا العصر. إنه تدرب على الحرية في أسمى تجلياتها التي تنطلق من عالم الطفولة لتعبر نحو عالم الإنسان...

فلسفة المرح: جوهر اللعب

جوهر اللعب هو المرح. واللعب مرح، ولكن ليس كل ما هو مرح هو لعب. اللعب هو بعد من أبعاد روحانية الإنسان. يتكون الإحساس باللعب من الهوية الحرة لوعي الواقع، مع الأفعال التي تلبي رمزيا احتياجات إرادته ومشاعره وعواطفه بحثا عن تجاوز الواقع الموضوعي الذي يحبسه في آنيته ويوفر له السعادة.

 اللعب هو بعد من أبعاد التنمية البشرية النموذجية في جميع الأعمار، واستخدام اللعب كوساطة ثقافية أكثر شمولا من استخدام اللعب. كل لعب يتضمن لعب، ولكن اللعب يختزن أكثر من مجرد كونه لعب. يتضمن اللعب، اللعب والفن والعديد من اللغات التعبيرية الأخرى التي تحتوي عليه، واللعب هو موقف واستعداد ونظرة نحو الواقع. عندما يتم استحضار ودمج حالة المرح في الوساطة الثقافية، يتم دمج الآخر في بعده الإبداعي وكمؤيد للثقافة، وليس فقط كمتفرج. يقدم المرح نظرة غير مكتملة عن الإبداع والفن، لذلك ليس ما يتم إنتاجه، ولكن ما يتم تخطيطه، نظرة لا ينتج فيها الواقع عن طريق الثقافة فحسب، بل هو في نفس الوقت منتجها وبالتالي يمكن للمرء أن يشعر بأنه جزء منها.

من خلال التأمل في اللعب، نخلق البيئة التي ينطلق فيها اللعب، ونصمم الظروف لحدوثه. نضع الآخر على نفس مستوى الفنان، ونتواصل مع الفن والثقافة ونجد البعد الشعري في السياسة الثقافية.

المرح يجعل الثقافة أقرب إلى اليومي، إلى الواقع ويزيل قدسية الفن. ويشمل الضحك، والخطأ، والفكاهة، والجدية في الهزل، والبهجة في البساطة، والمعنى في الهراء، والحقيقة في تعدد التفسيرات، وعرض الإبداع.

يميل تدخل اللعب في الثقافة إلى كسر منطق الوقت الذي نعيش فيه يوميا من أجل تحديد وقت آخر، وقت اللعب. من خلال دمج اللعب في الوساطة الثقافية، فإن الهدف هو توليد ظروف الثقة اللازمة لوجود اللعب. قبل كل شيء، ضمن واقع يضع الآخر كممثل وليس متفرجا على الثقافة والحقيقة الثقافية، السياسات الثقافية والسياسات العامة. دمج اللعب في الثقافة يعني دمج الشعرية في السياسات الثقافية وتأسيس التحدي اللازم لوجود اللعب، ولكن اللعب الجاد، ضمن رهانات الثقافة...

***

ا. مراد غريبي

 .......................

1- العقلانية المرحة، د. سامي عبد العال، ص 23.

2- والذي ألحقه سنة 2017 بكتاب تحت عنوان: مجتمع الشفافية ( Transparenzgesellschaft)

 

في مرحلة معينة من أعمار أبنائنا وبناتنا نكفّ نحن عن أن نكون معلمين لهم، أو أن مساحة ما يمكن أن نقدّمه لهم من معرفة تتضاءل وتضيق، قياساً إلى ما باتوا يملكونه هم من معارف ومهارات وما يتمتعون به من سعة أفق، فتنقلب الأمور، فيغدوا الأبناء والبنات هم من يعلموننا ويمدّوننا بمعلومات ما كنا سنصل إليها بأنفسنا، وعلى مهاراتهم المختلفة سنعتمد في التعامل مع ما هو جديد في دنيا العالم التقني. أعتقد أن هذا ينطبق علينا جميعاً، ولو تحدثت عن تجربتي ككاتب عمود يومي أحتاج إلى فكرة جديدة كل يوم كي أكتب عنها فإني كثيراً ما ألتقط من أحاديث ابني وابنتي، وما ينقلانه من معلومات، أو يريانه من انطباعات عن مشاهداتهما، ما يلهمني في الكتابة.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي أشار إلى الفكرة نفسها، حتى إنه قدم لكتابه الجديد بالعبارة التالية: "تعلمت من أبنائي أكثر من آبائي.. تعلمت من تلامذتي أكثر من أساتذتي". حمل كتاب الرفاعي عنواناً لافتاً وجاذباً هو: "ثناء على الجيل الجديد"، ويأتي العنوان مخالفاً، بل ناقضاً، لاعتقاد سائد خاطئ لدى المخضرمين قائم على نظرة سلبية تجاه الأجيال الجديدة التي توصف بالضائعة والتائهة، الفاقدة للرؤية حول ماذا تريد، وفي المفاضلة بين الآباء والأبناء، يجنح الأولون إلى وصف أنفسهم بأنهم كانوا، وهم في أعمار أبنائهم، أكثر حكمة وجدية ووضوحاً في الرؤية، ويترحمون على زمن ولى ولم يعد، دون أن ينتبهوا إلى أن «الزمن الجميل» مفهوم نسبي وملتبس جداً، والنظرة إليه تختلف باختلاف الأجيال.

يقف الرفاعي عند هذه المسألة بالذات، ملاحظاً أن الجيل الأكبر في نظرته للجيل الجديد بأنه ضائع ولا يعرف ماذا يريد، يخطئ مرتين، الأولى لأن "عقل الشباب اليوم أنضج، ووعيهم بالحياة أعمق منا حين كنا في مرحلته العمرية. عالمهم مركب وعالمنا بسيط. عالمهم متنوع وعالمنا أحادي، عالمهم نسيج معقد تتلاقح فيه الهويات وتتفاعل فيه الثقافات ويتوحد في موكب واحد".

هذا عن الخطأ الأول، أما الخطأ الثاني الذي يقع فيه الجيل الأكبر فيتمثل في اعتقاد هذا الجيل بأنه كان يعرف ماذا يريد، وهنا يتساءل الرفاعي: كيف "يعرف هذا الجيل (الكبير) ماذا يريد وهو لم يكتشف حتى ذاته الفردية؟"، كونه جيلاً ولد في زمن كان المتاح فيه من وسائل المعرفة محدوداً قياساً إلى ما هو متيسر للأجيال الجديدة، والذي ييسر لها ولوج دروب متعددة في الحياة والمعرفة، ويمكّنها من النهل من روافدها المختلفة والمتزايدة يوماً عن يوم، "والتي تسهم في إنتاج أنماط وجوده، وطرائق عيشه، ووسائل تواصله مع ما حوله" حسب الكاتب.

***

د. حسن مدن

تساءلنا في المقال السابق سؤالا مهما فقلنا: ما الاستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة في القرصنة على الدول الغنية؟.

 يقول جون بركنز دعونا نوضح ذلك من خلال نموذج المملكة العربية السعودية، حيث تبدأ القصة منذ السادس من أكتوبر لعام 1973 وهو ذلك اليوم الذي أطلقت من خلاله مصر وسوريا هجومهم المتزامن على إسرائيل في سيناء والجولان من أجل تحرير ما اغتصبته إسرائيل من أراضيهم، وهذه الحرب رغم أنها كانت تمثل حرب إقليمية، إلا أن أثرها غير التاريخ الأوربي والأمريكي كله، حيث كان تأُثيرها العالمي كاسحا وما زال أثرها للآن كما يقول الكاتب .

 ثم يقول جون بركنز بأنه في الوقت الذي كان الجنود المصريين والسوريين ينفذون واحدة من أعقد وأنجح خطط الخداع الاستراتيجي ضد العدو الإسرائيلي، فقد كانت هناك حرب تحدث على نطاق آخر، ولكن بشكل غير عسكري، حيث إن الرئيس المصري "أنور السادات" كان قد طلب من العاهل السعودي آنذاك من " الملك فيصل" مساعدة مصر وسوريا بالرد على الدعم الأمريكي لإسرائيل، وذلك باستخدام ما أطلق عليه السادات "اسم " سلاح البترول" .

 وبالفعل حدث في السادس عشر من أكتور كما يقول جون بركنز أن أعلنت إيران ودول الخليج الخمس بما فيها المملكة العربية السعودية، زيادة سعر البترول بنسبة 70%، وهذ أول أثر عالمي كما يرى جون بركنز، لأن هذه الخطة كانت تمثل نهاية عصر النفط الرخيص والذي كان العالم يأخذه من دول الخليج تقريبا بسعر تكلفة الاستخراج وهامش ربح بسيط منذ سنوات وسنوات .

 وزراء البترول اجتمعوا في الكويت العاصمة وتباحثوا سويا حيث فكروا في قرارات وإجراءات أشد قسوة، ويذكر جون بركنز مستشهدا من التاريخ كما يقول وهو أن المندوب العراقي كان متحمسا جدا في ردع الولايات المتحدة الأمريكية، ودعا ممثلي الدول العربية الأخرى إلى تأميم المؤسسات التجارية في العالم العربي، وفرض حظر كامل على بيع البترول للولايات المتحدة وكل الدول الأخرى الصديقة لإسرائيل، ودعا لإجراء أشد خطورة وهو سحب المدخرات العربية من البنوك الأمريكية، إلا أن الوزراء العرب الآخرين آنذاك لم يوافقوا على تلك الحماسة التي أبداها المندوب العراقي .

 بيد أنه في السابع عشر من أكتوبر كما يقول جون بركنز أخذت دول الخليج خطوة إضافية في فرض المزيد من الحظر المحدود على النفط والذي بدأ بتخفيض الإنتاج من حوالي 5 % كل شهر كنوع من الضغط السياسي، إلا أن بعض الدول الحاضرة كما يذكر جون بركنز قالت أنها ستخفض الإنتاج بنسبة 10 % ومن ضمنهم العراق؛ لأنه كان يوجد اتفاق مبيت على معاقبة الولايات المتحدة عللا دعمها ومساندتها لإسرائيل.

 وفي 19 أكتوبر من عام 1973 طلب الرئيس الأمريكي " ريتشارد نيكسون" من الكونجرس مبلغ 2.10 مليار دولار كمساعدات لإسرائيل، وفي اليوم التالي من هذا القرار كما يقول جون بركنز فرضت الممكلة العربية السعودية وغيرها من الدول العربية المنتجة للنفط حظر كامل على ناقلات البترول المتجهة للولايات المتحدة، وقد انتهى حظر في 18 مارس عام 1974، وقد كانت فترة الحظر كانت حوالي 5 شهور، ولكن تاثيرها كما يقول جون بركنز كان مفزعا، حيث تضاعف سعر البترول للبرميل الواحد حوالي 6 مرات بعد الحظر .

 وهنا يؤكد جون بركنز أن رجال السياسة والاقتصاد الأمريكان أخذوا دراسا لا ينسى، وبناء على هذا الدرس ظهرت مواقف وسياسات جديدة وشديدة الأهمية، وهنا يقول جون بركنز إن إمريكا ذات القوى العظمى لن تتسامح مرة أخرى مع هذا النوع من الحظر، خاصة وان حماية مصادر أمريكا من البترول تمثل مسألة أمن قومي بالنسية لها وذلك منذ اكتشاف النفط في الخليج، ولكن بعد حرب السادس من أكتوبر تحولت حماية البترول إلى مسألة حياة أو موت بالنسبة لأمريكا .

 إن حظر البترول كما يقول جون بركنز قد رفع من مكانة المملكة العربية السعودية سياسيا، حيث حولها إلى لاعب أساسي في عالم السياسة، وواشنطن قد فهمت تلك الأهمية الاستراتيجية الجديدة والتي أضحت تمثلها السعودية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، حيث الكيانات الاقتصادية والبنوك والشركات التجارية العملاقة التي تقود الولايات المتحدة كانت لا تألوا جهدا في تعويض خسارتها، والسعودية في تلك المرحلة كانت لا تزال دولة ناشئة، وتعاني من نقص في الكوادر، وفي الهيكل التنظيمي والإداري .

 نعم إن السعودية كما يقول جون بركنز لديها ثروة ضخمة جدا نتيجة لصادراتها النفطية والتي تضاعف بشكل مذهل، كما صار لها مكانة سياسية قوية أثبتتها أزمة البترول أثناء حرب السادس من أكتوبر، ولكن كما يقول جون بركنز ينقصها أمور كثيرة، وهذا النقص يمثل بالنسبة للإدارة الأمريكية يمثل فرصة واعدة، ولكونها كذلك فقد بدأت واشنطن كما يقول جون بركنز بعد انتهاء الحظر مباشرة في التفاوض مع السعودية، وقد أدت هذه المفاوضات إلى إنشاء اللجنة السعودية – الأمريكية المشتركة للتعاون الاقتصادي .

 وهذا اللجنة كما يقول جون بركنز "قدمت مفهوما جديدا لبرامج المساعدة الأجنبية، حيث استعانت بالشركة التي كنت أعمل فيها لعمل دراسات، وهذه الدراسات كان غرضها هو وضع استراتيجية لتعزيز التعاون مع السعودية مع تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستفادة من خلال الشركات الأمريكية الكبرى ".

 وهنا يقول جون بركنز إن السعودية" هنا تمثل حالة مختلفة وليس من اللائق أن تثقل بالديون كما يحدث في الدول الفقيرة، ولكن المطلوب هو زيادة التشابك بينها وبين الاقتصادي الأمريكي، وهو أنه يتم تحويل السعودية لنموذج في المنطقة العربية للأِسلوب الغربي" .

 وجون بركنز كان يري أنه من الفرص العظيمة تكمن في السعوديين لديهم مشكلة في التخلص من القمامة، وهذه كانت البداية لتحقيق الفوائد المتبادلة من خلال استحضار شركات أمريكية متخصصة لجمع القمامة والتخلص منها بأحدث الطرق التكنولوجية، وهذا سيجعل السعودية فخورة بتلك النقلة التكنولوجية ومن ثم تحقق الشركات الأمريكية أرباحا .

 وهنا يقول جون بركنز بأن رجال الاقتصاد القائمين على منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك، كانوا دائما يؤكدون على حاجة الدول النفطية إلى إنتاج المزيد من المشتقات البترولية، وذلك لتعظيم القيمة المضافة، ويزيدوا من دخلهم المادي بدلا من التصدير فقط لبترول خام، وهذا يمثل تفكير منطقي جدا، إلا أن خطة بهذا الشكل لكي تطبق كما يقول جون بركنز تحتاج إلى شبكة طرق سريعة للنقل والتوزيع، ووخطوط أنابيب للبترول، ومحطات توليد كهرباء ضخمة جدا، وشبكات اتصال، ومطارات ومواني جديدة، ناهيك عن تطوير القديم من كل ذلك، وكذلك لا بد من استقطاب عدد ضخم من العمالة الأجنبية .

 وبمعني أبسط كما يقول جون بركنز فإن الدول النفطية لكي تتحول من دول منتجة للبترول إلى دول مصنعة للبتروكيماويات تحتاج للبنية الأساسية للتحول نحو التصنيع، وهنا يذكر جون بركنز أن الأمريكيين نظروا إلى حصتهم من البنية التحيتية، وما يمكن أن تتحصل عليه الشركات الأمريكية من الاستثمارات الهائلة، وكانت لديهم طموحات كبيرة في أن هذه الخطة تحول السعودية كما يقول جون بركنز إلى أنموذج قياسي لما يجب أن يكون عليه الحال في دول الخليج .

 وهنا يقول جون بركنز إن الأمريكيين توقعوا في أن السعوديين سيطوفون حول العالم وهم يلهجوا بالشكر لهم على دورهم في تحفيز الاقتصاد السعودي، وتخيلوا أن زوار السعودية من الدول الأخرى حين يرون تلك المنجزات الاقتصادية والتي حققها الأمريكيون في السعودية سينبهروا ويطالبوا المساعدة من الأمريكيين ويقدموا خطط مشابهة لبلادهم، وغالبا سيكونون زعماء لدول غير نفطية، أي دول تحتاج لقروض وهؤلاء من الطبيعي سيلجأون للبنك الدولي مباشرة والذين سيرتبوا معا إثقالهم بالديون وذلك لتمويل الخطط وتجعلهم شأنهم شأن المملكة العربية السعودية، وهذا بالتالي سيكون كما يقول جون بركنز في صالح الإمبراطورية الأمريكية العالمية .

 ثمة نقطة أخرى مهمة وجديرة بالإشارة نبرزها هنا وهي أن السعوديين لم يكن لديهم نية في مواطنيهم سيعملون في الأعمال الشاقة كما يقول جون بركنز، سواء العمل في المرافق الصناعية، أو في المقاولات، أو في أي مشروعات أخرى مشابهة، وهذا أمر له علة، وهذه العلة جعلت السعودية تسقطب عدد هائل من الدول العربية والدول الإفريقية والأسيوية لاستقطاب عمالة كبيرة، وهذه العمالة في حاجة إلى تنمية وذلك من خلال بناء مساكن لهؤلاء العمال، ومرافق أخري كبيرة للأسواق والمستشفيات والمطافي وأقسام الشرطة وخطط كبيرة جدا لمعالجة المياة والمجاري والكهرباء، والاتصالات ووسائل النقل، وكل ذلك سيزيد من الإستعانة بالشركات الأمريكية في مجال الهندسة والمعمار.

 ونتيجة هذا الاستيعاب كما يقول جون بركنز ستكون نتيجته تحول الصحراء في السعودية إلى مدن حديثة، وما أن تنشأ المدن الحديثة إلا وتنشأ معها فرص اقتصادية مضاعفة، حيث إن المدن الحديثة كما يقول جون بركنز تحتاج إلى مشروعات ضخمة لتشغيل مرافقها مثل محطات المياه وأنظمة الاتصال والمنشأت الصحية والتعليمية، بل إنها في حاجة إلى إمداد لا يتقطع لمنتجات تكنولوجية وعلى رأسها الكمبيوتر، وعلى أرضية هذه المشروعات تحولت السعودية إلى جنة للعاملين في التخطيط الاقتصادي وفي الإنشاءات الهندسية لأنها كانت عبارة عن مشروع إعمار هو الأكبر في التاريخ .

 ومن وجهة نظرر جون بركنز فإن عملية البناء التي جرت في السعودية كانت تمثل طريقة لاستنساخ الولايات المتحدة نفسها، ولكن على نطاق أصغر، وهو أن الولايات المتحدة كانت تبني ولايات متحدة أخري في الشرق الأوسط على الأقل من الناحية التنموية، كذلك يؤكد جون بركنز أن كل هذه الخطط ستحتاج أيضا لعقود صيانة طويلة الأجل وهذا سيزيد من أرباح الشركات الأمريكية العاملة داخل السعودية خاصة مع استخدام التكنولوجيا المعقدة والتي من المفترض أنها ستكون في حاجة إلى خبراء من شركات أمريكية متخصصة، وهذا يؤدي بلا شك لمكاسب مستديمة أيضا للشركات الأمريكية .

 لكن هناك بعد آخر لا يقل أهمية ينوه إليه جون بركنز وهو تحديث السعودية الغنية سيتبعه مجموعة من الأفعال وردود الأفعال، على سبيل المثال إسرائيل وغيرها من الدول المجاورة سيسشعرون بالتهديد من تنامي القوى السعودية، وهذا سيؤدي بالضرورة إلى نمو صناعة الأمن في منطقة الخليج العربي، والشركات المدنية المتخصصة في الصناعات العسكرية والهيئات والشركات الصناعية التابعة للجيش الأمريكي ستحصل على عقود سخية للمبيعات العسكرية، وبعدها مباشرة عقود أكثر سخاء للصيانة والإدارة طويلة الأجل، وستحدث مرحلة جديدة كما يقول جون بركنز من مشروعات الهندسة والبناء، حيث سيتم احتياج مطارات حربية، قواعد عسكرية، وإدرات للموارد البشرية، وكل مشروعات البنية التحتية المرتبطة ببناء الجيش، وهذا النوع من الشراكة الاقتصادية في الإجمال كان هدفه الأهم من وجهة نظر الحكومة الأمريكية هو محاولة منع السعودية في المستقبل من حظر البترول طالما أن اقتصادها قد تشابك بهذه الدرجة مع الاقتصاد الأمريكي، وفي هذا السياق وافقت السعودية على التعاون مع الولايات المتحدة لتبدأ السعودية حالة التحول لقوة صناعية كبرى .

***

د. محمود محمد علي - كاتب مصري

............................

المراجع:

1- جون بركنز: الاغتيال الاقتصادي للأمم اعترافات قرصان اقتصادي، ترجمة ومراجعة مصطفي الطائي وعاطف معتمد، تقديم د. شريف دلاور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة .

2- إبراهيم الجارجي: الولايات المتحدة والاغتيال الاقتصادي للأمم | كيف تهدم أمريكا اقتصاد بلادك لتبني امبراطوريتها، يوتيوب .

وتداعياتها ـ محل اهتمام علماء السيكولوجيا والمحللين السياسيين والمنظرين الاجتماعيين منذ أمد بعيد. فمنذ ظهورها في وقت مبكر أثناء الحرب الباردة وحتى في العصر الحديث من خلال التكنولوجيا ووسائل الإعلام الجماهيرية، استُخدِم غسيل الأدمغة كأداة قوية للتلاعب بعقول الأفراد والمجتمعات. ويشكل استكشاف دانييل دانيال بيك لهذا الموضوع، وخاصة الحادث الذي وقع في عام 1953 حين اختار 21 أسير حرب أميركي البقاء في الصين بدلاً من العودة إلى الولايات المتحدة، نقطة انطلاق لتشريح التيارات الأعمق للسيطرة النفسية. فقد أثار هذا الحدث، الذي كان من أوائل الأحداث التي استحوذت على اهتمام الغرب حقاً، تساؤلات عميقة حول استقلالية الإنسان والقوى الخفية التي تشكل معتقداته.

عندما انتهت الحرب الكورية في عام 1953، وأطلقت كوريا الشمالية سراح السجناء الأميركيين، صُدم العالم بقرار 21 جندياً أميركياً بالبقاء في كوريا الشمالية، واختاروا بدلاً من ذلك العيش في الصين تحت الحكم الشيوعي. ولم يكن رفضهم العودة إلى الولايات المتحدة مجرد رفض لوطنهم، بل كان تحدياً لمفهوم الحرية ذاته الذي كان راسخاً في النفس الغربية. لماذا اتخذوا هذا الاختيار؟ ما الذي قد يؤثر عليهم إلى هذا الحد حتى يقطعوا طواعية علاقاتهم ببلدهم وأسرهم وغير ذلك؟ أصبح هذا السؤال نقطة محورية للنقاش بين وسائل الإعلام والسياسيين وعلماء الاجتماع والنفس على حد سواء.

إن فحص دانييل دانيال بيك لهذه الحلقة يتطرق إلى حقيقة مروعة: هؤلاء الجنود لم يتخذوا قرارًا مستقلًا فحسب. لقد تم التلاعب بأذهانهم وإكراههم وإخضاعهم لعملية من التحكم في العقول كانت خبيثة لدرجة أنها غيرت تصوراتهم للواقع. وفي حين اكتسب مصطلح "غسيل الأدمغة" اهتمامًا واسع النطاق خلال هذه الفترة، فإن الطبيعة الحقيقية للعملية - أساليبها وتأثيراتها ودوافعها الأساسية - ظلت لغزًا إلى حد كبير بالنسبة لجميع الرأي العام . لقد أخذ الكاتب دانيال بيك القراء إلى عالم الحرب النفسية المظلم، حيث يصبح الخط الفاصل بين القناعة الشخصية والتأثير الخارجي غير واضح بشكل خطير.

إن تحليل دانيال بيك يتعمق أكثر من مجرد أحداث الحرب الباردة الدرامية، ويفحص التطبيقات الماكرة والواسعة لغسيل الأدمغة عبر التاريخ. ويلقي عمله الضوء على الكيفية التي استخدمت بها الحكومات والشركات، وحتى الأنظمة التعليمية، أشكالاً مختلفة من التلاعب لتشكيل العقول، سواء بشكل علني أو خفي. وسواء من خلال الدعاية المباشرة، أو التلقين الخفي، أو الإكراه العاطفي والنفسي، فإن هذه القوى تعمل غالبًا بطرق غير مرئية على الفور، مما يجعل من الصعب على الأفراد التعرف على تعرضهم للتلاعب.

إن أحد أكثر جوانب غسيل الأدمغة غدراً هو أنه يحدث غالباً تحت ستار الحرية أو الاختيار أو التقدم. على سبيل المثال، في العديد من الأنظمة الاستبدادية، يتم إخفاء جهاز السيطرة بغطاء من الدعم الشعبي، مما يجعل من الصعب على الأفراد التمييز بين رغباتهم الخاصة وتلك التي زرعتها قوى خارجية. إن دانيال بيك يقارن هذا بأشكال أكثر لطفا من التأثير مثل الإعلان ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تستخدم الشركات خوارزميات متطورة لاستغلال أعمق لرغباتنا وانعدام الأمن لدينا. في هذه الحالات، يصبح غسيل الأدمغة أقل ارتباطاً بالسيطرة المباشرة وأكثر ارتباطاً بخلق بيئة يشعر فيها الفرد بأنه مجبر على اتخاذ خيارات معينة، غالبًا دون أن يدرك أن قراراته قد تشكلت من قبل قوى خارجة عن سيطرته.

ولعل أحد أكثر التطورات إثارة للقلق في العصر الحديث هو الدور الذي تلعبه التكنولوجيا في غسيل الأدمغة. فالصعود الذي تشهده منصات التواصل الاجتماعي، وانتشار الإعلانات الرقمية في كل مكان، والخوارزميات التي تحكم تفاعلاتنا عبر الإنترنت، كل هذا يساهم في ظهور شكل جديد من أشكال التلاعب النفسي غير المسبوق في نطاقه وفعاليته. ومن خلال الإعلانات الموجهة، وغرف صدى وسائل التواصل الاجتماعي، والمراقبة المستمرة، لا يتعرض الأفراد للمعلومات فحسب، بل يتم توجيههم بمهارة نحو معتقدات ومواقف وسلوكيات محددة. ويعتبر هذا الشكل من غسيل الأدمغة شخصي للغاية، ويتكيف مع الأدمغة والرغبات والتحيزات المحددة لكل فرد.

إن انتقاد دانيال بيك لهذه التقنيات الحديثة مقنع بشكل خاص. فهو يسلط الضوء على الكيفية التي تستغل بها هذه الأساليب من التلاعب نقاط ضعفنا النفسية في كثير من الأحيان، بدءاً من حاجتنا إلى المصادقة الاجتماعية إلى مخاوفنا الفطرية وتحيزاتنا. والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن هذه التقنيات الحديثة، على عكس الأشكال التقليدية لغسيل الأدمغة، أقل شفافية إلى حد كبير وغالباً ما تمر دون أن يلاحظها الأفراد المتأثرون بها. وفي عالم حيث أصبحت البيانات الضخمة هي العملة الجديدة، لم تكن القدرة على تشكيل الرأي العام أكثر قوة أو خطورة من أي وقت مضى.

وهناك مجال آخر حيث تم استخدام تقنيات غسيل الأدمغة بفعالية وهو التعليم. ففي حين يُنظَر إلى التعليم في كثير من الأحيان باعتباره وسيلة للتنوير والنمو الفكري، فإنه قد يعمل أيضاً كوسيلة لنقل إيديولوجيات معينة. ويستكشف دانيال بيك في كتابه كيف تم استخدام أنظمة التعليم على مر التاريخ لتشكيل معتقدات الأجيال القادمة، وتشكيلها إلى مواطنين مطيعين يقبلون بلا أدنى شك القيم التي تفرضها الدولة، سواء كانت هذه القيم سياسية أو دينية أو ثقافية.

منذ الأيام الأولى للتعليم القومي في أوروبا وحتى المناهج الدراسية الحديثة التي تقودها الشركات، تطورت أساليب التلقين الإيديولوجي ولكنها ظلت متجذرة في نفس المبادئ. فالمدارس لا تعلم الحقائق فحسب؛ بل إنها تعلم الطلاب أيضا كيف يفكرون ــ وفي كثير من الأحيان، ماذا يفكرون. وفي بعض الحالات، تكون هذه العملية صارخة، كما هو الحال في الأنظمة الشمولية التي تفرض التوافق والرضا من خلال المناهج الصارمة والرقابة. وفي حالات أخرى، تكون أكثر دقة، كما هو الحال في الطريقة التي تعزز بها أنظمة التعليم بعض الإيديولوجيات الاقتصادية أو السياسية من خلال تأطير الأحداث التاريخية أو اختيار الكتب المدرسية.

وكما يوضح عمل دانيال بيك، فإن غسيل الأدمغة لا يقتصر على فترة أو نظام سياسي واحد. بل إنه خيط ثابت يمتد عبر التاريخ البشري، ويتكيف ويتطور مع الزمن. فمن الحرب الباردة إلى العصر الرقمي، أصبحت أدوات التلاعب النفسي أكثر تعقيدا، وأصعب في الكشف عنها، وأكثر انتشارا. وفي عصر حيث المعلومات هي القوة، لم تكن القدرة على التحكم في العقول من خلال وسائل خفية أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة لأولئك في السلطة.

في جوهره، يمثل غسيل الأدمغة صراعاً للسيطرة - ليس فقط على الأجساد، بل وأيضاً على العقول. يعمل كتاب دانيال بيك بمثابة جرس إنذار، يحث القراء على إدراك القوى الشاملة العاملة في العالم الحديث وأن يصبحوا أكثر يقظة بشأن الطرق التي تتشكل بها معتقداتهم وأفعالهم وقراراتهم. سواء من خلال التلاعب بوسائل الإعلام الجماهيرية، أو صعود قوة الشركات، أو التأثير الخفي للتعليم، تظل آليات غسيل الأدمغة تهديدًا دائمًا. من خلال فهم هذه القوى، يمكننا أن نبدأ في استعادة السيطرة على عقولنا وحماية حرياتنا من سلاسل التلاعب غير المرئية التي تسعى إلى تقييدنا.

***

عبد حقي

.....................

* كتاب "غسيل الأدمغة تاريخ التحكّم في العقول"، دانيال دانيال بيك

هناك كتاب صدر بعنوان " الاغتيال الاقتصادي للأمم اعترافات قرضان اقتصادي لجون بركنز، حيث قام بترجمته ومراجعته كل من مصطفي الطناني وعادل معتمد وقدمه شريف دلاور، الكتاب يقع في حوالي 257 صفحة من القطع الكبير، والكتاب يحاول أن يركز على الوجه الآخر للولايات المتحدة، وهو الوجه لقبيح الذي لا يمكن تجاهله، وهو الوجه الاستعماري لإمبراطورية الشر، فهل يتذكر القارئ حروب الخليج والذي تدخلت فيها الولايات المتحدة والتي أنتهت بمعاقبة العراق على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بعد أن أدعت أمريكا على العراق ادعاءات لا تقنع طفل في السابع من عمره.
في هذا الكتاب يمكن للقاري أن يتعرف على طريقة من الطرق التي تتبعها الولايات المتحدة، وذلك لكي تحقق الهمينة الكاملة على الدول النامية، وهي الطريقة يسميها صاحب الكتاب " القرصنة الاقتصادية"، وهذه الطريقة تتناول قصة المد الأمريكي بطريقة التلاعب باقتصاد الدول وبشهادة مؤلف الكتاب وهو خبير اقتصادي من نخبة الخبراء الذين يعملون في الشركات الاستشارية الاقتصادية الكبرى.
والتفاصيل التي يحاول أن يشرحهها هنا الكاتب جون بركنز تتعلق بدول عربية، ومن أهمهم المملكة العربية السعودية، حيث قال في مطلع كتابه بأن دوره هو والخبراء الاقتصادية الذين معه هو أن يستخدموا المنظمات المالية الدولية مثل "صندوق النقد الدولي"، ووكالات التصنيف الائتماني وغيرها وغيرها في خلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول لهيمنة الدول الأمريكية والتي تدير الحكومة والشركات والبنوك.
والسؤال الآن: ماذا يقصد الكاتب هنا ؟، وهل يمكن أن تكون تقارير المؤسسات الدولية غير دقيقة بحيث تكون موجهة نحو خدمة مصالح على حساب مصالح أخرى ؟
وهنا يجيبنا جون بركنز بالإيجاب، بل ويؤكد أن هذا هو الواقع المرير، حيث أن الخبير الاقتصادي يقوم بعمل الدراسات وبناءا عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والمواني والمطارات والمدن الصناعية، ولكن بشرط هو أن المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأمريكية هي التي عليها أن تقوم بتنفيذ تلك المشروعات، وبهذا تصبح الأموال تظل موجودة في الولايات المتحدة ولا تخرج منها للدول المقترضة، بحيث يتم إعطاء القروض للدول النامية وبعد ذلك يتم استهلال تلك القروض بشركات ومكاتب أمريكية، وتظل الديون جاثمة على الدولة والذي كان من المفترض ان تسدد تلك القروض وما عليها من فوائد.
والمثير للجدل وهو أن جون بركنز في اعترافاته يؤكد بأنه كلما تمكن الخبير من توريط الدولة المقترضة بقرض بشروط تجبرها على التعثر بعد عدة سنوات قادمة يعد خبيرا ناجحا وبامتياز، وهذا هو المعيار لأن الغرض هو السيطرة على الدول وليس اقراضها من أجل التنمية، ولذلك حين تتعثر الدول ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقوم بسداد ديونها، تقوم الولايات الأمريكية بوصفها الجهة المديونة في أن تفرض شروطها آيا كانت ؛ سواء من حيث موافقة على ما في الأمم المتحدة إلى الخضوع لسيطرة الولايات المتحدة نفسها على موارد معينة في البلد المدين، أو أن الدولة المديونة تقبل بوجود عسكري أمريكي على أرضها وبهذا تصبح الدول النامية تظل كما نامية ولا تتحرك قيد أنملة نحو التنمية والاصلاح الاقتصادي، ولكن الدولة الدائة في ظل الهرم الرأسمالي والذي تقف الولايات المتحدة على قمته.
جون بركنز يقول أنه ومجموعة من خبراء اقتصاديين آخرين استغلوا على تجميل استراتيجية النهب الاقتصادي تلك على طريق نحن ألفاظ براقة لا تعبر في الحقيقة عن مضمونها الشرير، وهي ألفاظ ومصطلحات تبدو إيجابية مثل: الحكم الرشيد، والحوكمة، وتحرير التجارة، وحقوق المستهلك... إلخ.
وكل ذلك من الناحية اللغوية مصطلحات إيجابية، ولكن وقعها في التطبيق تمثل نار الله الموقدة لكونها تحمل كوارث، وذلك تلك الألفاظ تتحول بعد ذلك إلى معايير ؛ فمثلا: حين يقال أمامك مصطلح "الحوكمة"، فأنت عزيز القارئ قد تظن ذلك لأن معناه يحمل شيء حسن؛ حيث تظن أن هذا المصطلح الغرض منه هو أنه يحاول أن يفرض القواعد الرشيدة على بلدك، فإذا بك تكتشف من خلال تطبيقات هذا المصطلح عليك أن سياساتك الاقتصادية سواء كانت ناجحة أو فاشلة أصبح يتم تقيمها من خلال الشركات الكبرى.
وهنا كما يقول جون بركنز أن الدولة النامية سوف تحصل على شهادة تحدد ترتيبها ومستواها في الحوكمة وفي الحكم الرشيد وفي حماية المستهلك في تحرير السوق.. وهلم جرا، وأولى الأمر في الدول النامية حين يبتعلون هذه المصطلحات فإنها مباشرة سيكتشفون أن يسيرون نحو تبني فكرة الخصخصة الكاملة لكل قطاعات الدولة من الصحة والتعليم وخدمات المياة والكهرباء والمواضلات، وذلك لكي يكونوا مطابقين للمعايير المتعلقة بالسوق الحرة، ومن ثم يضطرون إلى إلغاء كل أشكال الدعم مع التحرر من كل القيود التجارية التي تحمي الصناعات الوطنية، وهم يدركون جيدا أن هذه استراتيجية السوق الحرة والذي بدونها لن يحصلوا على القروض المطلوبة.
ومن المقارفات الغريبة والتي يقدمها لنا هنا جون بركنز في كتابه أن الولايات المتحدة نفسها تقدم دعم هائل لصناعاتها المحلية وتحميها من الإغراق ؛ بينما الذين يغرقون حقا كما يقول جون بركنز الدول المديونة،وحسب تفسير الكاتب في ذلك هو أن النخبة الأمريكية لا تريد أن تكون الدول المديونة أن تسدد ديونها أصلا وهذا الأمر شبيه بفكرة أن البنك الذي يود ألا تسدد له بطاقة الدفع والصراف الآلي (Credit card) وذلك لكونه سوف يخسر الفوائد الذي يأخذها منك على مدار حياتك، وأنه طالما أن هذه الدولة مديونة فسوف تنفيذ رغما عنها السياسات الاقتصادية والعسكرية والسياسة الأمريكية وهي خاضعة.
من جهة أخري يؤكد جون بركنز أن حريات الولايات المتحدة في طبع النقد الأمريكي وهو الدولار بدون غطاء هو مصدر قوة القرصنة الاقتصداية، لأن الولايات المتحدة تطبع تلك الدولات، وهي تعطي الدول النامية قروض هي تعلم جيدا أن تلك الدول لن تتمكن من سدادها.
وهنا الدولار كما يقول جون بركنز يلعب دور العملة القياسية الدولية، فهو العملة التي تقاس بها العملات الأخرى، وقد استخدم جون بركنز هنا أمثلة دول كثيرة من أمريكا الاتينية وأفريقيا وآسيا في نجاح استراتيجية السوق الحرة.
والسؤال الآن: هذا فيما يخص القرصنة الأمريكية على الدول الفقيرة والنامية، فما هي الاستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة في القرصنة على الدول الغنية ؟... وهذا ما سنجيب عليه في المقال التالي.
***
د. محمود محمد علي
كاتب مصري
***
المراجع: 1- جون بركنز: الاغتيالا الاقتصادي للأمم اعرتفات قرصان اقتصادي، ترجمة ومراجعة مصطفي الطائي وعاطف معتمد، تقديم د.شريف دلاور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.
2-إبراهيم الجارجي: الولايات المتحدة والاغتيال الاقتصادي للأمم | كيف تهدم أمريكا اقتصاد بلادك لتبني امبراطوريتها، يوتيوب

يعتبر مونتسكيو (1689 – 1755) واحدا من أبرز فلاسفة عصر النهضة الأوروبي. هو قاض وأديب وفيلسوف. تخلّى عن ممارسة مهنة المحاماة ليتفرغ للدراسة والبحث والكتابة. حقق نجاحاً باهراً في كتابه المسمى "الرسائل الفارسية" في عام 1720م. في هذا الكتاب، يهدف المؤلف مونتسكيو، إلى تنبيه الناس إلى الفساد الأخلاقي والاجتماعي المستشري في المجتمع الفرنسي (الأوروبي) من خلال رواية خيالية رسمها في خياله تدعو إلى كشف المظاهر السيئة التي اعتاد عليها المجتمع الأوروبي، بأسلوب ممتع ومشوّق. والرواية عبارة عن مجموعة من الرسائل (161 رسالة) كتبها المؤلف من خلال شخصيتين وهميتين، تمثلتا في رجلين من بلاد فارس، أسماهما أوزبك وصديقه ريكا، وكانا قد ارتحلا من بلادهما إلى فرنسا طلباً للمعرفة والتقدم الحضاري، فكتبا انطباعاتهما عن المجتمع الفرنسي ومشاكله وعيوبه من وجهة نظرٍ فارسية، وبأسلوب ادبي ساخر وممتع. وكذلك تتحدث الرسائل عن واقع حال المجتمع الفارسي المسلم، ومظاهر حياتهم الشرقية، حيث يراسل الرجل الفارسي (اوزبك) زوجاته الأربع بشوق وغزل بسبب الفراق، وتراسله زوجاته بنفس الأسلوب، وهو ما يندهش له الأوروبيون كونهم لا يعرفون مثل هذه العادات الاجتماعية، وهي غريبة عن واقعهم الاجتماعي. وأقتَبِس من هذه الرسائل، الرسالة الثلاثون، لِما فيها من مغزى ومعاني واهداف مهمة لمجتمعنا الحالي. هذه الرسالة كتبها (ريكا) إلى صديقه (أبين) في مدينة ازمير ليُخبره عن ردود فعل الباريسيين على الملابس والحلة التي يرتديها باعتبارها تدل على الأعراف الاجتماعية في بلاد المشرق.
يقول في الرسالة الثلاثون:
"أهل باريس في درجة من التَطلّع والفضول تصل إلى حد الافراط، إذ أنه عندما وَصَلت إليها كانت تتطلع إلىَّ الأنظار كأنني هابط من السماء، فالشيوخ والرجال والنساء والأطفال كلهم يحبون أن يروني. وإذا خَرَجت أطلّ الناس جميعاً من النوافذ. وخلاصة القول: إن الأنظار لم تتجه إلى أحد كما اتجهت إلىَّ. وأرى أن الشرف العظيم لا يكون إلاّ بما يبرره، ولا أرى نفسي شيئاً بالغ الغرابة ولا نادر الوجود. ومع أني أحسن الظنَّ بنفسي، لم أتصوّر مطلقاً أنني جدير بأن أقلق راحة مدينة كبيرة لم أُعْرف فيها قط. وقد حملني ذلك على أن أخلع الثياب الفارسية وأرتدي الأوروبية، لأرى هل يبقى في سحنتي شيء مُعجِب. وهذه التجربة عرّفتني قيمتي الحقيقية، إذ أنني لمّا تخلصت من كل حلية أجنبية قُدّرت تقديراً أدق. وكان من حقي أن أتألم من الخياط الذي أفقدني انتباه الجمهور وتقديره في لحظة واحدة، وحرمتني حلته اعتباري، واهتمام الناس بي؛ وكأني لم أكن شيئاً مذكورا، فصرت أحيانا اقضي ساعة في جماعة دون أن يلتفت إلىَّ أحد، أو يتيح لي فرصة أن أفتح فمي؛ لكن إذا حدث عرضاً أن يخبر أحدٌ الجمع أنني فارسيّ سمعت حولي على الفور لغطاً فيقول قائل: وي! وي! هل السيد فارسيّ؟ هذا أمر غريب؟ كيف يمكن أن يكون الإنسان فارسياً! (باريس في 6 من شوال سنة 1712)
***
تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يمثل تجربة حقيقية، حدثت فعلاً على ارض الواقع، واعطت نتائج جيدة ومُرضية، تتمثل في أنَّ القرّاء استوعبوا الأفكار التي طرحها مونتسكيو، والتي تدعو إلى نبذ المظاهر السيئة التي تسود المجتمع الفرنسي. وإنَّ التجربة اعطت ثمارها في بعث نمط جديد من الأفكار التي أرادها المؤلف أن تشحذ عقول الناس، وتوسع آفاق ومدارك الفكر، واستخدام التفكير العقلاني بدلاً من نمط التفكير التلقيني الذي كان سائداً في تلك العصور. إنَّ مثل هذه التجربة الناجحة، والأسلوب الجيد الفعّال في التأثير على طريقة التفكير عند افراد المجتمع حريٌ بها أن ُتدْرس بإمعان وتَرَوّي، لتكون منهجاً يفيدنا في تطوير نمط التفكير السائد عندنا (والذي هو تفكير تلقيني لا عقلاني) لتكون نقطة بداية ومنطلق نحو افق سامي من آفاق النهضة.
يُعبّر مونتسكيو في هذه الرسالة عن رمزية استبدال اللباس التقليدي باللباس الاجنبي، وهي رمزية عامة تشمل عناوين مختلفة وعديدة، مثل التراث أو التاريخ أو اللغة أو الاسم، أو غيرها مما شابهها. وتوضح الرسالة بأسلوب ممتع ومشوًق، شعور ريكا عندما نزع لباسه الأصلي واستبدله بلباس أجنبي مما تسبب في أن يفقد اهتمام الناس به، وخسرانه كل مزاياه في المجتمع الغريب الذي لا ينتمي إليه، حيث أصبح شخصاً اقل من عادي، لا يهتم به أحد، ولا يسمع له أحد ولا يناقشه أحد، وهو المثقف الذي جاء لهذا البلد للتعلم والدرس. وقد انتابه شعور بالإحباط، كونه يعرف قيمة نفسه وشخصه. ومن البديهي أن لبس اللباس التقليدي واستبداله بالأجنبي ليس هو المقصود حصراً، لكن الحبكة الروائية اقتضت أن يكون اللباس رمزاً لما يعتز به المجتمع وافراده. ويلاحظ في مجتمعاتنا مثلاً، بين الحين والآخر، ظهور أصوات تتحدث عن، أو تنادي وتدعو إلى التقليل من شأن وأهمية التراث والتاريخ، بل ويعتبره البعض مشوشاً ومزيّفاً أو مليء بالأكاذيب. وهناك من يثير التساؤل عن أهمية وجدوى بحث ودراسة المخطوطات ومصادر التاريخ القديم الذي مضى عليه أكثر من ألف عام، وتضييع الوقت في دراستها، فهي حقبة قد ولّت وانتهت. وهم في ذلك ينكرون الماضي والتراث القديم، بل ويدعون إلى تركه واهماله كلياً. مثل هذه الأصوات قد تكون جاهلة بأهمية التراث والتاريخ بالنسبة للمجتمعات، بسبب قلة الوعي الثقافي عندهم، أو أن يكونوا عارفين ولكنهم مغرضين يحاولون التنكيل بالمجتمع. والحقيقة، أنهم بفعلهم هذا، إنما يقللون وينتقصون من شأن أنفسهم ومن مجتمعهم وافراد مجتمعهم، مما يجعل المجتمعات الأخرى أن تنظر لهم نظرة دونية، فمن لا يحترم تراثه وعاداته وتاريخه لا يحترمه الناس. إن التخلي عن، أو التقليل مما يمتلكه الفرد من تراث أو ثقافة اجتماعية تجعل الآخرين أن ينظروا له بأقل مما يستحق، إذا كان فعلاً يستحق الاهتمام. وهي رسالة لكل شعوب العالم بالاعتزاز بما لديهم من تراث أو تاريخ أو حضارة. ومثال صارخ آخر من واقع مجتمعنا الحالي، هو تفضيل اللغة الإنكليزية على العربية، وهي اللغة الأم والأصل، على اعتبار أن الإنكليزية لغة تحضّر وتقدم، وإن اللغة العربية لغة متخلّفة كونها صعبة ومعقدة. وهذا بحد ذاته يمثل إهانة وانتقاص لتراث وحضارة المجتمع العربي والإسلامي، كون اللغة هي ركيزة مهمة واساسية في قِيَّم وهوية المجتمعات. ومن النادر أن تجد مجتمعاً متحضراً يفضل اللغة الإنكليزية على لغته الاصلية. فالمجتمع الفرنسي والألماني والإيطالي، على سبيل المثال، يرفض تماماً التكلّم بغير لغتهم الأم، لأنهم يعتزون بها، فهي اساس عزتهم وكرامتهم. إلا اننا نلاحظ، وبكل أسف، انتشار هذه الظاهرة في المجتمعات العربية، فهم يعتقدون أن في هذا مظهر من مظاهر الرقي والتحضّر. وهذا يعني أن الفكر العربي لا يَعي أهمية اللغة من حيث كونها مكوّن أساسي لتراث المجتمع وقيَّمه وقيمته الاجتماعية.
أظهر مونتسكيو، في كتابه هذا، ذكاء وحنكة متميزتين، تمثلت باستخدامه أسلوب الرواية المشوّقة لإيصال أفكاره إلى القارئ، الذي استمتع بقراءتها واستوعبها بشكل سلس وممتع. تجنب مونتسكيو الكتابة الفلسفية بأسلوبها الجاف والممل. ومعلوم أن القراءة بالأسلوب الفلسفي تتميز بالتعقيد وصعوبة الفهم، وغالباً ما تكون هذه الكتابات مملة اثناء القراءة، وبالتالي تتشتت فكرة المقال. لقد اقبل الناس على شراء وقراءة الكتاب بنهم منقطع النظير ونفذت عدة طبعات منه في عام واحد.
والملاحظ ان بعض الكتّاب والمؤلفين يعتمدون في مؤلفاتهم وكتاباتهم الثقافية على الأسلوب الفلسفي الصعب الممل، ويميلون إلى استعمال المصطلحات الفلسفية والكلمات الأجنبية بدلا من مرادفها العربي، ظناً منهم ان استعمال هذا الاسلوب في المؤلفات والكتب والمقالات المنشورة يجعلها بمستوى أرقي مما هي عليه. والحقيقة انها لا تؤدي الغرض المطلوب بسهولة ودقة عالية ولا تكسب المقالة أهمية أكثر مما يستحق. وقد تكون هذه فائدة أخرى تستحق المراجعة.
***
د. صائب المختار

 

"أفكار حول طبيعة الحركات الجماهيرية"

كتاب ألفه المفكر الأمريكي إريك هوفر (1898- 1983)، خرجت طبعته الأصلية إلى النور في العام 1951، في حين صدرت نسخته المترجمة إلى العربية سنة 2010 عن هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، وقد ترجمه إلى العربية عبد الرحمن القصيبي.
يعد هذا الكتاب بحق أهم عمل بحثي عن الحركات الاجتماعية، وتحديدا التنظيمات الشمولية كالنازية والبلشفية بحيث صدر المؤلف في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكن نتائج الدراسة يمكن تعميمها لتغطي سائر الحركات الاجتماعية القديمة والمعاصرة نظرا إلى ما تنطوي عليه من سمات مشتركة من حيث طبيعة أتباعها وعوامل جاذبيتها وسيرورة نشاطها.
أولا: المحبطون
تستمد الحركات الجماهيرية قوتها من رغبة المحبطين في التغيير الجذري حتى إذا كان فشلهم ناتجا عن عوامل ذاتية مرتبطة بعيب في شخصيتهم ولا صلة لها بالواقع الخارجي، وبذلك فهي تتغذى على نزعات الإحباط واليأس والشعور بفقدان المعنى: "إن الإيمان بقضية مقدسة – هو - إلى درجة كبيرة – محاولة للتعويض عن الإيمان الذي فقدناه بأنفسنا".
ثانيا: الفقراء
إن أولئك الذين اعتادوا حياتهم البائسة لا ينضمون في الغالب إلى الحركات الجماهيرية، إذ ينظرون إلى فقرهم المدقع على أنه مصيرهم المحتوم الذي لا يتزعزع، ولا يملكون طموحات وأمان عظيمة، فمجرد الحصول على وجبة دسمة يعد إنجازا كبيرا بالنسبة لهم. وفي هذا الصدد يورد الكاتب: "يبلغ التذمر أعلى درجاته حين يكون البؤس محتملا، أي حين تتحسن الأوضاع على نحو يسمح بالاعتقاد بإمكان تحسنها أكثر فأكثر". فقد لاحظ دي توكيفيل أن العشرين سنة التي سبقت قيام الثورة الفرنسية شهدت زيادة غير مسبوقة في مستويات الرخاء المادي.
ثالثا: متى تزدهر الحركات الاجتماعية؟
تزدهر الحركات الاجتماعية حين تضعف روابط الاجتماع التقليدي (العائلة، القبيلة، العشيرة... إلخ) التي توفر ملاذا آمنا وتعويضا نفسيا للمحبطين والبؤساء عندما تكون قوية ومتآزرة. فحين تتفكك عرى تلك الروابط التقليدية، تقدم الحركة الثورية البديل الذي يُشعر الفرد بعمق الانتماء والمعنى. ومن هنا، فإن سر نجاح الحركة ليس العقيدة أو الوعود الساحرة، بل قوة تنظيمها التي تلم شتات المحبطين وتحولهم إلى مجموعة مترابطة ومتضامنة، ولعل ذلك ما يفسر نجاح التنظيمات الشمولية كالبلشفية والنازية. فقد فككت الثورة الصناعية الروابط التقليدية بحيث أدت إلى هجرة القوى العاملة من الأرياف إلى المدن وابتعاد الفرد عن أسرته ومحيطه الاجتماعي المألوف، الشيء الذي أدى إلى تزايد الشعور بالاغتراب وفقدان الهوية والانتماء.
رابعا: عوامل تشجع على التضحية بالنفس
يذكر المؤلف بأن الإنسان على استعداد للمخاطرة بحياته من أجل الحصول على الأشياء التي لا يمتلكها وليس لها وجود فعلي أكثر من استعداده للتضحية والقتال في سبيل المحافظة على ما يمتلكه فعلا. ومن هنا، فإن نزعة احتقار الحاضر الموجودة لدى الأشخاص المحبطين والفاشلين تعتبر من أهم العوامل المغذية للحركات الجماهيرية. وهكذا، فإن القائد الذي ينجح في استمالة الجماهير الثائرة هو السياسي المثالي الذي يتشدق بوعود غير واقعية ولكنها مغرية، وليس السياسي الواقعي الراضي عن ذاته الذي يرمي إلى المحافظة على الوضع القائم.
خامسا: العمل الجماعي وإلغاء الشعور بالفردية
تجنح الحركات الجماهيرية إلى سحق أي شعور بالفردية والتميز لدى أتباعها، إذ تعمل على إذابة وصهر الذات في الكيان الجماعي المنظم، كما تعد كراهية الآخر عاملا مهما لتوحيد أعضائها وتلاحمهم. هذا ما قصده هتلر حين قال: "لو زال اليهود لكان علينا أن نخترعهم". إن الكراهية تتولد من احتقار النفس والشعور بالعجز والفشل، فهي بمثابة تعويض نفسي عن ذلك الشعور المزعج وعقدة النقص تجاه العدو، إذ لا علاقة لها بالتعرض للظلم والحيف: "إن المحبطين يشعرون بكثير من السعادة عندما يشهدون سقوط المحظوظين وفضائح المثاليين. يرى المحبطون في الانهيار الشامل وسيلة لإقامة الإخاء بين الجميع".
وعطفا على ما سبق، يشدد المؤلف على أن تأثير القمع والعنف في الحركات الجماهيرية يفوق من حيث الفعالية الدور الذي تلعبه الدعاية والإقناع الفكري. وإلى جانب ذلك، تستند الحركات الجماهيرية إلى الشك لترسيخ وحدتها وإلغاء أي إمكانية للمعارضة الفردية، فشعور العضو بأنه يقع تحت المراقبة اللصيقة من لدن المخبرين والجواسيس يعزز ميله إلى الانضباط والطاعة حتى يبدد تلك الشكوك.
سادسا: دور المثقفين
إن المثقفين ورجال الكلمة يلعبون دورا بارزا في إطلاق شرارة الحركات الثورية، خاصة حين لا يتم الاعتراف بوضعهم المميز وعندما يعجز النظام القائم أو لا يرغب في استمالتهم: "ما يثير الانتباه هو أن رجل الكلمة النشيط الذي يتابع النظام القائم ويكشف ضعفه وظلمه كثيرا ما يهيئ المسرح (بدون قصد) لا لمجموعة من الأفراد المستنيرين، بل لحركة شمولية همها الأول والأخير فرض الوحدة ونشر الولاء المطلق".
سابعا: الرجال العمليون ونهاية المرحلة النشطة
بعد تجاوز الحركة للمرحلة النشطة الأولى التي تتسم بقدر كبير من الحماسة والتطرف، يتم الانتقال إلى مرحلة أخرى يتصدر المشهد فيها الأشخاص العمليون الذين ينصرف هاجسهم الأساسي إلى الحفاظ على المؤسسات والتنظيمات الجديدة. ففي هذه المرحلة يجد الأشخاص الطموحون والأنانيون الباحثون عن مناصب ومزايا معينة متنفسا لهم، بينما يقل تأثير الأشخاص المحبطين العاديين الذين كانوا يمثلون وقود الحركة في مراحلها الأولى النشطة، فيحاول النظام القائم الحفاظ على ولائهم عن طريق تقديم وعود براقة تلهب مخيلتهم: "باختصار، الحركة الجماهيرية يخطط لها رجال الكلمة (المثقفون)، ويُظهرها إلى حيز الوجود المتطرفون، ويحافظ على بقائها الرجال العمليون".
خاتمة:
يرى الكاتب أن الحركات الجماهيرية وخاصة في مرحلتها النشطة الأولى تعرف درجة كبيرة من التطرف والتعصب والكراهية، ومن ثم فهي تفتقر إلى التعاطف الإنساني وتقتل الإبداع الفردي، لكن وبرغم مثالبها الكثيرة، يمكن اعتبارها عاملا ضروريا لتحديث المجتمعات وضخ دماء جديدة فيها حين تكون آفاق الإصلاح السلمي والتدريجي مغلقة.
***
بقلم: صلاح الدين ياسين

العالمية تبدأ من عتبة الدار
يبقى النفاذ من الطوق المحلي نحو الفضاء العالمي الواسع هاجساً يخفق في افئدة معظم الكتاب والشعراء والفنانين، أن هذا المقصد يبقى توقاً مشروعاً يصطدم بمصدات واقعية لها صلة بالنسق الادبي والفني المنغلق على الذات، والعاجز عن ملامسة تجليات وهموم وتطلعات الانسان المعاصر حيثما يكون، وطرح مادة تفتقر الى معايير جمالية تستمد روحها من الاصالة والتراث والفخر بالمنجز الحضاري الانساني المحلي العابر للحدود، فضلا عن إيلاء الكثير من النقاد إهتمامهم بمعضلة اللغة والترجمة ومعوقات التوزيع وغيرها، لكن هذه الاشكاليات لم تثن عزائم مبدعين افلحوا في تخطي وتجاوز عزلتهم المحلية ووجدوا لنتاجاتهم قاعدة عريضة من المتابعين حول العالم، ونالوا بها أرفع الجوائز متخذين سمات المحلية جسرا للعبور والإنتشار امثال غابريل ماركيز غارسيا وباولو كويلر وديستويفسكي ونجيب محفوظ ومحمود درويش وشاعر داغستان الكبير رسول حمزاتوف والعشرات غيرهم.
وبإستعراض تجربة رسول حمزاتوف نجد أنه صدرت له مؤلفاته الكاملة خلال سنوات حياته (1923 م – 2003م) في 18 مجلدا ضم فيه اربعين مؤلفا بلغته الأم الآفارية وهي لغة قريته الصغيرة (تسادا) القائمة على جبل عال من جبال داغستان، وثمانية مجلدات باللغة الروسية , بدأها في العام 1994 بديوانه (الحب الحار والكراهية المحرقة) وأختتمها بديوانه الشعري الموسوم (المهد والوجاق) مرورا بدواوينه (قلبي في الجبال) و(نجمة داغستان) و(علي يغادر الجبال) و (أغاني الجبال) و(عند الموقد) وغيرها . لكن هذه اللغة المحلية لم تحول دون تمدده المدهش نحو العالمية حيث تمت ترجمة كتبه الاربعين الى معظم لغات المعمورة ومنها العربية. وكانت مؤلفاته قادرة على الارتقاء به إلى مستوى كبار شعراء العالم ليقف في صف واحد مع ناظم حكمت و نيرودا ولوي أراغون وغيرهم، وحافزة لحصوله على جوائز عديدة منها جائزة الدولة السوفيتية وجائزة لينين عن ديوانه (النجوم العالية) وجائزة بوتيف الدولية وجائزة نهرو كما ونال لقب (شاعر الشعب)، وعندما احتفل العالم بميلاده الستين، منح في روما جائزة (شاعر القرن العشرين) على إبداعاته الشعرية ذات النفس الإنساني وبخاصة على قصيدتيه (هيروشيما) و(صلاة). وازيح الستار عن نصب تذكاري كبير له في وسط العاصمة الروسية موسكو في العام 2013. وكان عضوا في مجلس السوفييت الأعلى ورئيسا لاتحاد كتاب روسيا، لكن كتابه (داغستان بلدي) تفوق على كل المسميات والمؤلفات ليبقى خالدا يزين خزائن و مكتبات الملايين في أرجاء الدنيا.
يتحدث حمزاتوف في كتابه (داغستان بلدي) عن تجربته ويرى بأن اعتزازه بإنتمائه المحلي وحديثه عن سمات هذا الانتماء هو الذي ألهمه الطاقة الروحية ليفجر في داخله روح الانطلاق والابداع بعيداً عن داغستان:
(هل يعرف الناس هناك في البلدان الأخرى، بوجودنا، بأننا نعيش على وجه هذه الأرض؟ وأجيبهم. ومن أين لهم أن يعرفونا إذا كنا نحن لا نعرف أنفسنا كما يجب ! نحن مليون مكدسون في كتلة صخرية من جبال داغستان، مليون إنسان وأربعون لغة مختلفة. أنت تحدث عنا، تحدث إلينا عن ذواتنا وحدث الآخرين الذين يعيشون في كل أرجاء الأرض عنا، وعن تاريخنا المكتوب خلال قرون، الخناجر والسيوف. ترجم إلى لغة الناس هذه الكتابات فإن لم تفعل هذا أنت المولود في قرية تسادا، فلن يفعل ذلك أحد غيرك).
لكن إنطلاقته الأولى نحو ذالك العالم المجهول الغريب محفورة في ذاكرته فيقول: (يوم غادرت لأول مرة في سفر وضعت أمي على النافذة مصباحاً موقداً، كنت أسير وألتفت ثم أسير، لكن ضوء بيتنا كان يتلألأ خلال الضباب والظلام. لقد ظل هذا النور في النافذة الصغيرة يضيء لي سنوات طويلة كنت فيها أجوب العالم. ولما عدت إلى بيت والدي ونظرت من هذه النافذة، من داخل البيت رأيت كل العالم الواسع الذي استطعت أن أجوبه في حياتي !)
ومثلما يحرص المبدع في إيصال رسالته الانسانية الى الأمم والشعوب الأخرى فعليه أن يدرك مدى مسؤوليته في نقل محصلته بعين مفتوحة الى شعبه وناسه وأهله، وهكذا تتلاقح الثقافات وتنمو الحضارات وتغدو اداة لفتح المصاريع على التجارب الانسانية الأخرى. يقول حمزاتوف بهذا الصدد:
(على كل إنسان أن يفهم منذ صباه أنه أتى إلى هذا العالم ليصبح ممثلاً لشعبه، وعليه أن يكون مستعداً لتحمل أعباء هذه المهمة. الإنسان يعطى اسماً وقبلقاً وسلاحاً، ويلقن من المهد أغاني بلده. وحيثما رمتني الأقدار أشعر دائماً أني أمثل تلك الأرض وتلك الجبال وتلك القرية التي تعلمت فيها أن أسرج حصاني. إني أعتبر نفسي حيثما كنت مراسلاً خاصاً لبلدي داغستان. لكنني بالمقابل أعود إلى بلدي داغستان كمراسل خاص للثقافة الإنسانية كلها وكممثل لبلدي كله، حتى للعالم كله).
الخصوصية وفرادة الاداء
ومنطلقا من هذا المفهوم تغدو الخصوصية المحلية الضيقة عامل ارتداد وانكفاء وتراجع يجعل الانسان أسير واقعه بسلبياته وأمراضه الاجتماعية والسايكولوجية، وعلى العكس من ذلك فإن الخصوصية في جانبها المضئ ليس مثلمة بقدر ما هي عامل ايجابي يحفز الانسان على الفرادة في التفكير والأداء والتميز وهذا ما ذهب إليه الكاتب والفيلسوف الفرنسي فولتير في مقولته الشهيرة (كن رجلا ولا تتبع خطواتي) وبذات المعنى قال حمزاتوف:
(يجب أن يكون للإنسان موقده يشعل فيه النار بنفسه. الممتطي جواد غيره سينزل عنه طال الوقت أو قصر وسيسلّمه لصاحبه. لا تسرجوا أفكار الآخرين، بل ابتكروا لأنفسكم أفكاراً خاصة. أجرؤ على تشبيه الأدب بالطنبور، والكتاب بالأوتار المشدودة عليه، لكل وتر منها صوته ورنينه لكنها كلها تؤلف اللحن).
وحالما انطلق رسول حمزاتوف ابن القرية الصغيرة في رحلاته المتتابعة الى الامصار والاقاليم والبلدان أدرك أنه لا يستطيع الفكاك عن داغستانيته ان صح التعبير فالبنايات الشاهقة والشوارع العريضة والنساء والاشجار وعنفوان الحركة والحياة لم تفلح في تغييب وطنه الحبيب عن ذاكرته:
(فلتغفر لي معابد الهند وأهرامات مصر وكاتدرائيات إيطاليا، ولتغفر لي طرقات أميركا العريضة أرصفة باريس وحدائق إنكلترا، وجبال سويسرا، لتغفر لي نساء بولونيا واليابان وروما - لقد نعمت بالنظر إليكن لكن قلبي كان يخفق بهدوء، وإذا كان خفقه قد ازداد، فليس بالقدر الذي يجف فيه فمي ويدور رأسي. وأخذت أبحث عنه في كل مكان..... وفكرت في داغستان وأنا في أفريقيا التي ذكرتني بخنجر لم يشهر إلا ربعه من غمده. وفكرت في داغستان وأنا في بلاد أخرى في كندا، وإنكلترا وإسبانيا ومصر واليابان وكنت أبحث فيها إما عن أوجه الاختلاف وإما عن أوجه الشبه).
ومن جميل المقارنة التي يجريها حمزاتوف بين طرقات مدن العالم الكبيرة ومعالمها المبهرة وبين طرقات قريته (تسادا) الصغيرة بمبانيها ودورها المتواضعة، فيشد القارئ تمسكه بدروب الأخيرة ورجحان كفتها فيتملكه الدهشة والعجب لهذا الانحياز الكلي والتام للبساطة تجاه الملل من الفخامة والرفاهية إن لم يأخذ بالحسبان الأبعاد النفسية للدفق العاطفي القوي الذي يعبر محددات الجغرافيا والزمان ليجرد الاشياء والموجودات من معانيها السطحية وينحاز الى القلب العاشق لتنور الخبز والرجال المسنين الذين يقتعدون كراسي المقهى الواقع على طرف ساحة القرية، واصوات الاجراس المعلقة على رقاب الخراف المنتشية بالعشب الاخضر الممتد على مد البصر:
(أجل أنا أحب التجول في المدن الكبيرة سيراً على الأقدام. ومع هذا، فبعد خمس أو ست جولات طويلة تبدأ المدينة تأخذ شكلاً مألوفاً، وتخبو رغبة التجوال فيها بلا نهاية. وها أنا ذا أسير للمرة الألف في أزقة قريتي ولا أشبع ولا أمل السير فيها ....قريتي العزيزة تسادا، ها أنا ذا قد عدت إليك من ذلك العالم الضخم الذي رأى فيه والدي هذا العدد الكبير من العيوب. لقد جبته، ورأيت فيه الكثير من العجائب. لقد زاغت عيناي من فيض ما فيه من جمال دون أن تعرفا أين تستقران كانتا تنتقلان من معبد رائع إلى آخر ومن وجه إنساني رائع إلى آخر، لكني كنت أعرف أنه مهما كان الذي أراه اليوم رائعاً، فسأرى الغد ما هو أروع منه.. فالعالم، كما ترون، لا نهاية له).
نعم أن العالم كبير ولا نهاية له لكن هذا العالم الشاسع يبدأ من شلال ماء بارد في قريته تسادا ووفق ما يشعر ويحس ويرى حمزاتوف لا يجاريه رشاش الماء في اجمل قصور العالم:
(في كل خطوة ألتقي بنفسي بذاتي بطفولتي، بفصول الربيع التي مرت بي بالأمطار والأزهار وأوراق الخريف المتساقطة. أتعرى وأعرض جسدي للشلال المتلألئ تياره المتدفق من صخرة إلى صخرة يتناثر ثماني مرات ثم يتجمع من جديد ليتكسر أخيراً على كتفي ويدي ورأسي إن الرشاشة في فندق القصر الملكي في باريس لعبة من اللدائن تافهة إذا ما قورنت بشلالي البارد هذا).
يقول د. إبراهيم اسطنبولي في كتابه (رسول حمزاتوف، مختارات شعرية): حين كان العالم يتعطَّش للكلمة الشعرية في الستينات والسبعينات من القرن العشرين، كان الناس يأتون إلى أمسياته الشعرية كما يذهبون اليوم لحضور مباراة بكرة القدم. كانت الصالات الكبيرة والضخمة تكتظُّ بالناس عندما كان يقرأ أشعاره. وهذا بالطبع كان يعود للشعبية غير العادية للكلمة الشعرية عند رسول، تلك الكلمة التي كانت البلاد بحاجة إليها وكانت تنتظرها)
و يقال ان الفلاسفة لا زالوا ينصحون السياسيين الراغبين بتعلم فن إدارة شعوبهم وفق رؤواهم ضرورة وضع نسخة من كتاب (الامير) لميكافيلي تحت مخدات نومهم رغم انه مؤلف منذ العام 1513م، لكن كتاب (داغستان بلدي) الذي طبع منه ملايين النسخ هو الآخر يستحق بإمتياز أن يكون رفيق الادباء والشعراء بل والقراء أينما كانوا وعلى مر السنين ليستلهموا منه قداسة الانسان والوطن، وقدرة بساطة الدار المعجونة بالنبض الحي على لتحليق بتجلياتها بدءً من عتبتها وانتهاءَ بفضاءات الدنيا كلها.
***
محمد حسين الداغستاني
انقرة

لم تكن خاطرة اللقاء التي جمعتنا ذات نقاش، في حضرة شيخ المجاهدين المغاربة الأستاذ مولاي عبد السلام الجبلي، تتلفع إعادة نقش جزء من تاريخ أحداث تتقاطع بين أزمنة متوارية، وأخرى أصابها هزال الفهم وقصر الفهم، دون العبور من بعض آثار الغابرين، من أصحاب الفكر الدؤوب والشُّقَّة إلى تكريس القابلية لما يجري ويدور في عالمنا القميء البئيس، كمثل الذي نستقرأ فهومنا وهي تعيد إثارة أسئلة المفكر والسياسي المغربي الأصيل الدكتور المهدي بنعبود رحمه الله.
قوة دفع كبيرة تلك التي عكستها رغبتنا في الانفلات من قبضة الضيق النفسي والسآمة التي نعيشها، في ظل ما تعيشه القيم من ارتكاس وتشويه وانحراف، لا يوازيه أي تفاؤل أو أمل، مهما استراحت نجود العقل ومآويه، واستبسلت أفق ممكناته وتآويله.
وغدت آثار وقوى الفكر والعقل، التي أحيطت بتجاويف كتب الراحل بنعبود، تصيخ وتداهي بنيران خمودة على جمر المعرفة وصهوات خيولها وأوثارها، كأنها تخاطب في ضمائرنا نُشْبة لا تنفك تخامر مسلكيات وجودنا وتداولنا في الأتون والمواقف والصروف العظام.
ولاقتفاء أسرار هذه الجسارات التي تقحم فضولنا بغير قليل من التجلي والانكشاف والصقل والامتلاء، خضنا بعضا من سوائغ التكثيف واقتناص الخواطر، كما يحب أن يسميها ـ تواضعا وتعففا ـ المفكر بنعبود. وأكثرها ناتج عن صحوة روح ونقاء وجدان، واصطبار غير مسبوق، في العائدات والندوب والتجارب والرحلات العميقة في تلابيب الحياة ودنياها.
سرى ذلك دبيبا في أوصالنا ونحن نستعيد هذه الفضائل المثلى لنموذج بياني ولغوي وعرفاني ملم بالعلوم الاجتماعية والدينية واللسانية والتاريخية وغيرها. فتوقد طريق استحضار جزء من معالم هذا الذكر الحسن، بعد نحو انصرام نحو قرن من الزمان ويزيد.
خواطر بنعبود التي هي قيمة فلسفية وفكرية لا تضاهى في التأويل والعبارة والعمق، كما في تقاطعها مع عديد العلوم والمعارف والرؤى، أضحت ميسما استشرافيا لمستقبل تفكيرنا وامتدادنا. إنها نافذة تحول مهيبة، تستعيد الذاكرة من خلالها، الوجه الحقيقي لعلمائنا ونخبنا التي أثارت خلال مقاماتها السيرورية، صدق نبوغها وارتقائها، وخلاصة جودها وبرائها، وقدرتها السخية في سبر أغوار قضايا الوجود والإنسان، في أقسى الانزالاقات وأعتى التصدعات، كما الوصال المبتوت في معادن الكتب النفيسة لمفكرنا القدير المهدي بنعبود، نذكر منها:
"رصد الخاطر أفكار ونظريات وخواطر (في ثلاثة أجزاء)"، و"خواطر حول أزمة الحضارة المعاصرة والتطلع إلى مستقبل الإنسانية"، و"خواطر حول مسيرة الفكر البشري أو منهاج البحث عن الحقيقة واليقين"، و"التحدي الخلقي".
جلنا بالخاطر إلى ثلمة الخواطر البنعبودية، فارتقبنا نبضها المتجدد، كأنها ابنة اليوم، وعقدنا على ثغورها أبنية الإقامة وتخوم الافتقار إلى المحبة، ومن الشوق والتلهف إلى قضم نواة الجمال فيها:
فهل لي عندكم شوق كشوقي … كأن القلب منه به حريق (المازني)
ومن تلكم التي لا تبلى مع اندحار الزمان وتعاليه، أقوال تكتب بميازيب الذهب والفخر، ومنها:
" إن هناك فرقًا بين الحكام والمحكومين، فإذا كان بأيدي الحكام أسباب القهر لشعوبهم بالحديد والنار كما فعل عبد الناصر، فإن للمحكومين إيمانهم الذي هو أقوى من الخوف والموت {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (النساء: 141)، إلا أن يتخلى المؤمنون عن مسؤولية الإيمان، بالاستسلام للطغيان، وحينئذ يستوي الفريقان في استحقاق العذاب، كما حدث لفرعون وأتباعه الذين قال الله فيهم {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}(الزُّخرف: 54)."
وقوله:
"الإنسان مفطور على حب المعرفة لتكوين نظرة عامة عن الوجود علمًا وعملاً، تربط الذات بالموضع، أي النفس بالكون، وتساعده على مسيرته من المهد إلى اللحد ككائن حر ومكرم، فلابد له من هذه النظرة الصائبة؛ حتى لا يعيش في الخيال والوهم وخداع العناوين، ولا يصير ضحية الفراغ المعنوي المؤلم بعبثه وقلقه وظلمه ودورانه المضطرب في مجال الأشباح الأيديولوجية يمينًا ويسارًا سرعان ما يتنكر لها دعاتها أنفسهم. نظرة كونية على عالم الشهادة وعالم الغيب تفرضها مشاهدة الواقع جمعًا بين الأضداد: حياة مع موت وكون مع فساد، وما إلى ذلك من سلسلة الأضداد الطويلة الغزيرة، والغاية من هذه النظرة هي طلب المعنى من جهة، والنجاة من جهة أخرى؛ حتى لا يضل ولا يشقى بما يسمى اليوم بالضمير الشقي المأساوي".
نختم بهذه الإضاءة الربانية العطرة:
"إن العمر قصير، والمطلوب عظيم، والعلم المحيط مستحيل؛ فلابد من نسق علمي مفتوح ينقذ الضمير من الخوف من المجهول. لا مفر للإنسان إطلاقًا من إظهار الحق ودمغ الباطل وتغلب العدل على الجور والظلم، وانتصار الحرية على الاستعباد وعلى الاستبداد، وتنمية قوة الإرادة العالمة العاملة لما ينفع الناس، على إرادة القوة المتعسفة العمياء المغرورة عند الغاشم الذي يجعل إِلَهَهُ هواه، ويسلك طريق الضلال على علم.
فالفرق شاسع بين قوة الإرادة عند أولي العزم من الأبرار وإرادة القوة عند أهل الطيش والغرور من الأشرار في فلسفات فاسدة ومختلة وقاسية القلب يمشي فيها الإنسان منكبًا على وجهه، ويسخر أو يمكر ويتوعد ويهدد العقل السليم الذي يمشي سويًا على صراط مستقيم".
إنما نذكر ونتذكر، لعلنا نعتبر. فاللهم اهدنا بنورك الذي لا يضام، وأفرغ علينا صبر المعرفة واقتفاء شربتها وصبيبها.
***
د مصـطـــفى غَـــلْمَــان*

(يترجم القلب كلمات الحب بمعنى واحد …)

صدر حديثا للمفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي كتاب: (ثناء على الجيل الجديد)، وهو سياحة ممتعة في عوالم المعرفة وتأملات في الفكر والزمن، في هذا الكتاب نلتقي بكاتب يتحدث عن رحلة شاقة بين التضحيات والتحديات بين الجمال والألم بين الخيبات والنجاحات.
يروي المؤلف قصصًا تشكلت منذ نصف قرن تقريبًا، ويفتح لنا بابًا للتفكير في التحولات الجذرية بين جيله وجيل أبنائه. إنها رحلة في الحياة والفلسفة، حيث يسعى الفيلسوف لاكتشاف التباينات والتداخلات بين الأجيال، محاولًا أن يجد طرقًا للتفاهم في عالم متغير ومتسارع.
نادراً ما نجد من يثني على جيل تالي لجيله، فغالبًا ما تعتد الأجيال بنفسها وثقافتها ورموز جيلها، وتعد الأجيال اللاحقة متمردة وأقل حيوية وأكثر عبثية. لكن الفكرة التي طرحها المفكر الرفاعي ممتازة وواعية وفي غاية الدقة، إذ تتجلى من منظور أبوي لجيل يحمل جذورًا ثقافية متنوعة وأدوات معرفية مدهشة.
إن القفزات العلمية والتكنولوجية الهائلة المتاحة الآن أمام هذه الأجيال تمثل تحديًا كبيرًا وخطيرًا؛ فهل سيتمسكون بما تمسك به اجيال سابقة من تقاليد وأعراف وقيم دينية واجتماعية، أم أنهم سيتخذون على عاتقهم مهمة تحديثها وتطويعها وفق معطيات الزمن المتغير والمتسارع التحديث؟
إنني أرى أن هذا الجيل لديه كم هائل من الخزين التراثي، وأعتقد أنهم لن يقتصروا على ما سبق، بل سيصنعون تاريخًا يحترمه الجيل السابق والأجيال القادمة. قد أكون طموحًا بعض الشيء، لكنني أجد في تجربتي الجامعية وفي طلابي ما يمكن استثماره لعالم أفضل بكثير مما عشنا.
يتحدث المفكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، عن تجربته الشخصية ويبدأ بالتوضيح أنه لا يتحدث نيابةً عن أي أحد؛ يقول: "أحاول في هذه الأوراق تقديم رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق بالكلام نيابة عن أي إنسان في الأرض". فهو يسرد رؤيته بصفته أبًا لأبناء عاشوا في عالم مختلف، مشيرًا إلى أن العائلة تتألف من أم وأب وابنتين وأربعة أبناء، وقد تجاوز جميعهم سن الثلاثين وأكملوا تعليمهم العالي.527 refaieيوضح كيف أنه "لا يفتقر لمعرفة الجيل الجديد، أغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، هم أقرب إلي، يعرفون جيدًا قربي لهم وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد". إنه ينظر بعين حكيمة وخبيرة يراقب التغيرات ويتفهم التحديات التي تواجه أبناءه في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، ولكنه يعترف بأن هذه التغيرات قد فرضت فجوة بين رؤيته التقليدية للعالم ونظرة أبنائه الواقعية.
يشرح فلسفته التربوية بقوله: "التربية السليمة تعتمد الحصانة لا المنع، الأبناء ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذر علينا إرجاع الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا". لم يسعَ إلى منع أبنائه من الانخراط في جيلهم، بل شجعهم على التجربة واكتشاف العالم بأنفسهم، موضحًا: "كنت لا أمنع أولادي من اللعب في الشارع والاندماج بجيلهم، والتعرف على الواقع ميدانيًا… حرصت على أن يكون أولادي كما هم لا كما أنا، كل منهم يشبه ذاته، ما أكرهتهم على محاكاتي، ولم أحثهم يومًا على استنساخ صورتي".
إن اختلاف الأسئلة والقناعات بين الأجيال: "أسئلتهم صعبة تشبه عالمهم، أما أسئلتنا فكانت مبسطة تشبه عالمنا". قناعات أبنائه لا تُبنى بسهولة كما كانت قناعاته، ويميلون إلى التشكيك فيما يُقال ويُكتب، بينما كان جيله يتشبث بالأحلام ويصدق ما يُروى من وعود وأوهام. هذه الفجوة الفلسفية، التي يسميها الأب "بارادايم" معرفي، تعبّر عن التحولات في نظرة الجيلين إلى العالم، حيث يقول: "رؤية الآباء للعالم تقوم على مرتكزات ميتافيزيقية لم تعد تلهم رؤية الأبناء للعالم، وتستقي من روافد نضبت منابعها".
ويتابع الدكتور الرفاعي وبعيون فيلسوفٍ، متأملًا في طبيعة الإنسان وتبدلات عواطفه وتناقضاته، مؤكدًا أن الإنسان "كائن يمكن أن يختلف يومه عن أمسه"، وأن ما يشعر به اليوم قد يتغير مع مرور الزمن. يشير إلى أن الفلسفة تفسر هذا التباين في إطار "الحيثية" حيث "كل زاوية نظر تقودنا إلى نتيجة، ومن مجموع زوايا النظر تتعدد وتتنوع المواقف الفلسفية في المعرفة والوجود والقيم".
يتناول مسألة مهمة وفي غاية الدقة الا وهي التناقضات العاطفية التي قد تنشأ من تداخل "زاوية النظر الواعية لإنسان مع زاوية النظر اللاواعية في باطنه". يوضح ذلك بقوله: "أحيانًا تختلط المحبة بالكراهية فتتناوبان"، ويشير إلى أن هذه التداخلات النفسية قد تجعل الشخص الواحد يحمل مشاعر متناقضة تجاه الآخر، مستشهدًا بحالات حب الرجل للمرأة، حيث "يحدث تناوب للحب والكراهية باضطراد مضجر".
في النهاية، يقدم الكاتب تأملاته كحكاية لجيلين، لكلٍ منهما رؤيته الخاصة للعالم، ويؤكد على أهمية "التربية التي تعتمد على الحصانة لا المنع". الأبناء اليوم يملكون أسئلة تتطلب إجابات أعمق ومعرفة تواكب تحديات عصرهم، بينما جيل الآباء يتأمل بحنين لعصره ومعطياته. هذا الصراع بين الميتافيزيقية والواقعية هو جوهر العلاقة المعقدة بين الأجيال، حيث يتكامل كلٌ منهما مع الآخر، في محاولة لإيجاد "دروب للخلاص لا تكرّر متاهاتنا"، كما وصفها الرفاعي، الذي اختار أن يمنح أبناءه حرية التعبير عن ذواتهم، وحقهم في صناعة حكايتهم في عالمهم.
***
د قحطان الفرج الله
أستاذ جامعي وأديب وناقد عراقي

 

قراءة الكتاب بمثابة السّفر فهي رحلة ممتعة ومفيدة خاصة إذا كان بيراع أديبة تملك ناصية اللغة بمختلف مفرداتها وأساليبها وتضميناتها مثل الأديبة - صفية قم بن عبد الجليل - صاحبة كتاب - بوكاب... خربصات في أدب الرحلة - وهو كتاب في نيّف ومئتي صفحة من الحجم المتوسط وفي طبعة حسنة ويبدو العنوان يثير التساؤل حول كلمتي بوكاب وخربصات ممّا حدا بالكاتبة أن تشرحهما حيث أوردت في الصفحة الأولى من التقديم قائلة إن خربص يخربص خربصة كما أورد القاموس بمعنى ميّز الأشياء بعضها من بعض وخربص المال أخذه وذهب واشتقت كلمة خربصات بعدما صاغتها في جمع المؤنث السالم بدلا عن كلمة خربشات تلك التي لم تجد في نفسها قبولا ولا هوى...
ـ 2 ـ
أما كلمة بوكاب
فينبغي أن نصل بالقراءة إلى الفقرة الأخيرة من الكتاب حيث تصرّح أنها كانت مترددة في اختيار عنوان الكتاب ثم قرّ قرارها على أن يكون - بُوكاب - وذلك من باب دلالة الجزء على الكل فبوكاب ليس إلا حيا من مدينة - كيب تاون - في بلاد جنوب إفريقيا وهو الحي الذي يسكنه المسلمون بنسبة كبيرة وقد وجد بنفس الكاتبة هوى بتميزه عن الأحياء العصرية بهندسته المعمارية الفريدة ببيوته الملونة جدرانها تلوينا بديعا وبكثرة مساجده وبتاريخه ونضال أهله وأظن أن صورة غلاف الكتاب تمثل شارعا من هذا الحي المتميز528 bokab
ـ 3 ـ
تُبارح الأديبة هذا الشارع لتجد نفسها في التاكسي تسير بها برفقة زوجها الحفيّ بها البروفوسور ـ المنصف عبد الجليل ـ الذي دعاها إلى مرافقته في هذه الرحلة إنّه على قدر كبير من المعرفة وصاحب رحلات وأسفار شرقا وغربا في أنحاء عديدة من العالم وهاهو يحدثنا عن ألوان الجدران الزاهية في كثير من المدن التي زارها مثل بعض المدن في البرتغال والمغرب وأمريكا اللاتينية وبينما السيارة تطوي الشارع الكبير طيا تتأمل الكاتبة الجمال الوارف على جانبية فهو أكبر شارع في المدينة ومنه وإليه تتفرع كل الشوارع...إنه شارع نلسن منديلا الرجل العظيم الذي خرت له عروش الطغاة وزلزلت به قواعد العنصرية وظلت تسائل نفسها أين صورته أو أين تمثاله فلم تجد لهما أثرا فكان الجواب لدى المرافق قائلا إن النضال الحق عقيدة راسخة والمناضل الصادق لا يطلب جزاء ولا شكورا وهنا أحست الكاتبة بقرعات على أم رأسها وبسياط تجلد ذاكرتها فتذكرت ما في بلادها وغيرها من البلدان العربية حيث التي يعني النضال فيها الكرسي اللاصق إلى الأبد وتهريب الأموال وتمكين العشيرة وذوي القربى والأبواق المأجورة أن تسبّح بفضلهم آناء الليل و أثناء النهار
ـ 4 ـ
الكتاب مُمتع القراءة بما فيه من وصف دقيق لشتّى الأماكن والأحياء وبما نقلته الأديبة من تفاعلاتها الوجدانية والفكرية خلال زياراتها للمعالم والفضاءات المختلفة فكأنها تنقل لنا عبر الكلميرا مشاهد حية ومباشرة لجولاتها وجلساتها وما كان يدور فيها من حوارات مفيدة فصوّرت مُشاهداتها بدقة مختلف تفاصيل رحلتها باليوم والساعة ومُبدية إعجابها حينا ونقدها حينا آخر وقد تحدثت بإلمام عن الحياة الثقافية والأدبية في تونس بمناسبة محاضرة ألقتها في إحدى الجامعات التي تختلف أجواء الدراسة فيها عن عادات ونظام التدريس لدينا .
كتاب خربصات في أدب الرحلة للأديبة ـ صفية قم بن عبد الجليل ـ يندرج ضمن أدب الرحلة ولا شك ولكنه كتاب سيرة ذاتية من ناحية وهو من ناحية أخرى كتاب يوميات أيضا لأنه تضمن التأريخ وتسجيل الوقائع في كل يوم وفي كل ساعة أحيانا وهو كتاب مقسّم إلى عشر بوايات وكل بوابة تتضمن عددا من المحطات فلا عجب في هذا فالكتاب رحلة ممتعة ومفيدة بما في صفحاته من معلومات متنوعة أوردتها الأديبة بأسلوب على قدر كبير من الإتقان ...هو حقا كتاب أدب في معناه الشامل.
***
سُوف عبيد ـ تونس

 

في رحاب السيرة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي

يواصل نادي أبعاد، بدار الحي، بالبلدة الطيبة (المزار الشريف)، في أكادير بالمغرب، رحلته في القبض على الجمر الفكري، وفي التشبث بالكتاب خير جليس، وبالكتابة تعبيرا وجوديا مؤلما وممتعا. قضينا في هذا النادي أكثر من عشر سنوات (ومازالت الرحلة متواصلة)، متعلمين ومعلمين، محاضرين ومستفيدين، في جلسات مسائية لقراءة الكتب وتدارسها والحوار حولها، مرة في قر الصيف وأخرى في برد الشتاء. يجتمع في جلسات القراءة المعلم والتلميذ، والأستاذ والطالب، والموظف، والتاجر، والفلاح، والمتعلم وغير المتعلم، ننصت للنقاش، مرة بالإعداد، ومرة بالعصف والتعليق والسؤال. ويكون محور النقاش كتاب محدد، تعلن عنه إدارة نادي أبعاد بوقت كاف، وترسل نسخا منه لرواده ولضيوفه. لا تتجاوز الحصة القرائية الجماعية الساعة والنصف، وإذا طالت تكمل الساعتين. قرأت في هذه الحلقات كتبا كثيرة، واستمعت إلى نقاش مستفيض حول أخرى لم أقرأها، ولكن كونت عنها صورة من خلال النقاش، ومن خلال الحاضرين المحضرين والمطلعين، سواء كانت كتبا في الفكر، أو في الدين، أو في التحقيق، أوفي التاريخ، أو كانت روايات، أو سيرا ذاتية...
كانت جلسة هذا السبت2نونبر2024، حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب) للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي. وهو كما يذكر في عنوانه جزء من سيرة ذاتية شاملة لم تصدر بعد. وعبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، متخصص في فلسفة الدين والكلام الجديد، ويقدم أطروحة جديدة في التفكير الديني وفي فلسفة الدين وتجديد الخطاب الديني. اشتهرت خماسيته الفكرية: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، و: الدين والظمأ الأنطولوجي، و: الدين والنزعة الإنسانية، و: الدين والكرامة الإنسانية، و: مقدمة في علم الكلام الجديد. وهو مدير أشهر المجلات الفكرية الإسلامية، وأكثرها انتظاما في الصدور، ومازالت، منذ قرابة ثلاثين سنة، وهي: مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بلغت الآن العدد80، وتصدر عن مركز فلسفة الدين ببغداد.
قدمت في القراءة الجماعية بنادي أبعاد مداخلة حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة)، بعنوان: سوسيولوجيا القراءة وسيكولوجيا الكتابة. واستعملت مصطلحي سوسيولوجيا وسيكولوجيا باعتبار القراءة فعل قادم من الخارج إلى الذات، وأما الكتابة فهي فعل نابع من الذات ومنبثق عنها، ثم إن القراءة سرور ومسرات تبرز ملامحهما علينا، وأما الكتابة فألم ومخاض لايحس بهما إلا الكاتب، لذلك قال بعض الكتاب: أنا لا أكتب ولكن أنكتب، وقال شاعر: أنا لا أقول الشعر ولكن الشعر (يقولني).
يقع الكتاب في 182صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن 24 فصلا، سبعة في القراءة، وستة عشر في الكتابة. يقدم الكتاب خلاصة تجربة الرفاعي ورحلته الطويلة مع القراءة وممارسة الكتابة، من خلال تقنيات: التذكر، والحكي، والسرد، والوصف، والنقد، والسجال. وهو يقر في البداية أن الكتابة تتعلم بالكتابة، ولا يتكون الكاتب بالتوصيات الساذجة والجاهزة، ولا يعرف كاتب عظيم تخرج من مدارس التدريب على الكتابة. الكتابة مسبوقة بالقراءة، لذا فتجربة القراءة، وتجربة العلاقة بالمقروء، والكتاب أبرزه، هي تجربة حياة، لذا مازال الرفاعي يتذكر نصوصه القرائية المبكرة، من خلال قصص: المياسة والمقداد، والسندباد البحري، وعنترة بن شداد... ويذكر أن أول قصة قرأها أشعرته بسحر غريب للقراءة يسري في كيانه، وأغرقت ذهنه برحلة خيالية مدهشة بمعية بطل الحكاية. وهيمنت القراءة على مشاعره منذ تلك الفترة المبكرة. تشكلت مكتبته الأولى من قصص الأطفال ومن الكراسات. كان يحفظها، وكانت قليلة بالمناسبة، ويتقمص شخصية الحكواتي ليحدث بها أفراد أسرته وأصدقاءه. وكانت مدينته (الرفاعي) في الستينيات تفتقر إلى مكان لبيع الكتب. وعندما انتقل في تعلميه الثانوي إلى مدينة (الشطرة، جنوب العراق) بدأت ولادته الثقافية الفعلية الأولى، إذ كانت تتوفر على مكتبة عامة. وكان أول كتاب احتك به مباشرة هو: (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث- ج1) لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي، ولم يكن قد سمع به من قبل، وهو في مستوى الثانوي. ولكن ستتوطد علاقة الرفاعي طوال حياته العلمية بالمتن الفكري لعلي الوردي على أكثر من مستوى، وسيكون من أكثر المفكرين الذين استلهم منهم النقد والانفتاح على العلوم الاجتماعية، والرفاعي ابن المدارس الدينية (الحوزة). وبعد اطلاع الرفاعي على كتاب الوري بسنة سيصطدم بكتاب آخر هو (معالم في الطريق) لسيد قطب، فأخذه، وهو التلميذ، إلى وجهة أخرى ستطبع حياة الرفاعي لسنوات، وستترك آثارا وندوبا عليها، لذلك يقول الرفاعي عن كتاب معالم في الطريق: (أدركت متأخرا أن "معالم في الطريق" كان نفقا مظلما ومتاهة خطيرة. ضعت في تلك المتاهة مدة، وضاعت قبلي وبعدي أجيال في متاهات مخيفة، لم يستطع بعضهم الخروج منها كل حياته ". لذلك كان الرفاعي قاسيا على كتابات سيد قطب، فهي بنظره، مسرفة بالأدلجة، وتغوي بشعاراتها. فنصوص (معالم في الطريق) بارعة في رسم صورة جذابة، للرغبات والمتمنيات والأوهام، تصورها كأنها واقع مجسد في متخيل المراهقين، وتخدعهم بضرورة العمل على استئناف مجتمع الصحابة، ولو بالعنف. (ص115). وانتقد الرفاعي المفهوم التفسيري الذي اشتقه سيد قطب من صلب محنته ومواجهته لديكتاتورية جمال عبد الناصر، وهو (الجيل القرآني الفريد). فهذا المفهوم، بنظر الرفاعي، ليس إلا محصلة متخيل ديني تضخم خارج الزمان والمكان والواقع الذي عاش فيه الصحابة، بوصفهم بشرا اختصموا وتقاتلوا في مرحلة لاحقة. وتشبت قسم من المتدينين بمفهومه سيد قطب هو تشبث بصورة وهمية نحتتها متمنيات فرضها حلم الإنسان الأبدي بصناعة فردوس أرضي. لذلك انغرس المفهوم في ضمير الشباب المتدين، من خلال مقولات اعتقادية مغلقة، أصبح اعتناقها عنده وعندهم شرط الإسلام الصحيح الذي يحلمون به. هذا نوع من النقد الذي يتخلل السيرة الفكرية للرفاعي، في نقد كتاب وقع الرفاعي نفسه في فتنته وغوايته. وفي سيرة الرفاعي أمثلة كثيرة لوقوعه في أسر الكتب، ولكنه أسر إيجابي، لأن وجود الكتاب في حياة الرفاعي، كما يحكي، مازال يشعره بالأمن النفسي، ويؤنسه حين يشعر بوحشة الوجود. (ص22).
ويحكي الرفاعي علاقته الأولى بالكتاب عندما يشتريه أو يهدى إليه، فيقرأ مقدمته ومحتوياته، ويتعرف عليه بالتدريج كما يتعرف على أصدقائه، فإن لم تكن فيه فائدة، يشعر بعبئه في مكتبته كما لو أنه يحمله على أكتافه، ثم يطرده من المكتبه في أول فرصة مواتية. وكم ورط الشغف بالكتب الرفاعي في مواقف محرجة ذكر بعضها في سيرته الفكرية. وحذر من (القراءة العشوائية) لأنها تنتج قارئا عشوائيا، يمضي كل وقته في التهام الكتب بشغف، ويسهر الليالي من أجل ذلك، لكنه يفتقد إلى ناظم فكري أو نموذج معرفي، ولذلك يتحول ذهنه إلى مخزن واسع مكتظ بمعلومات مكدسة، كأنها مطمورات تحت ركام معتم، لا تنتظم بسياق منطقي، ولا ينبثق منها ضوء يبدد عتمتها، بل يتحول القارئ الفوضوي إلى وحش كاسر، فكلما ازداد قراءة ازدادا انغلاقا وتشددا ومعاندة واحتقارا للآخرين. يتمركز حول ما كدسه في ذهنه من معلومات لا رابط بينها، بل يطور كفاءة إماتة بذرة أي سؤال، ويسكت أي صوت غير مألوف في قراءاته، ويغلق النوافذ أمام كل ما يمكن أن يزلزل شيئا من أحكامه النهائية وقناعاته الصارمة. وعندها لا تغير القراءة الواسعة طرق تفكيره، ولا تنقله من طور أدنى إلى طور أعلى في النضج والإبداع، بل تتحول إلى شاهد على البنية اللاواعية لتفكيره، وآفاق انتظاراته ومتمنياته وأحلامه ورغباته، فتنشأ من قراءاته الواسعة هوية مغلقة ومتجذرة في أعماقه، تحصن ذهنه بأسوار منيعة، وبقوة رهيبة قادرة على إجهاض أية محاولة لإيقاظه، أو التصدي لغريب يمكن أن يخترقه، وهو في كل الأحوال يشعر بالأمان في التشبث بكل يقينياته. (ص30-31).
وانتقد الرفاعي ظاهرة الكتبة المتكلمون، أو المثقفون الشفويون، فهم، بنظره، يتحدثون كثيرا بثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، وحين تتراكم تحت أيديهم أموال لم يبذلوا جهدا في اكتسابها، يجندون طلاب العلم المحتاجين إلى قوت يومهم، لينتجوا لهم كتبا من ركام كلامهم الشفوي، فيباغتون القراء بعد سنوات قليلة بعشرات الكتب والمجلدات بأسمائهم، وهم الذين لم يعرفوا كتابا ولا باحثين، ولكن عرفوا وعاظا ومتكلمين. (ص32). كما حذر الرفاعي من كتب النصب الفكري التي تسمى: (التنمية البشرية)، و(تطوير الذات)، و(علم الطاقة النفسية). فأغلب مضامينها أوهام وأساطير ومفاهيم غير علمية، وعبارات مستعجلة، وشعارات مبسطة، وتلاعب بمشاعر الناس، وخاصة المحبطين، والكسالى، والحيارى ...
وقدم الرفاعي وصفا نفيسا لمكتباتنا بما يحيي وعينا بها، وبما يجعلها جزءا من نسيجنا العاطفي والعائلي، وليست عبئا على فضاء البيت. فمكتباتنا أرشيف ذكرياتنا، فكل كتاب يحمل معه قصة، ويؤرخ لمناسبة. ومكتبتنا إحدى مكونات هويتنا الشخصية، وهي أرشيف ذاكرة وذكريات من أنشأها، لا يشعر بقوة حضورها إلا صاحبها. فمن خلال تشبع الكاتب بمناخات مكتبته، ومكوثه الكثير بين كتبه، تحدث صلة عاطفية حية بينه وبينها، وعند موته تكتئب مكتبته ولا تطيق الحياة بدونه، وتلتحق به لفرط صدمتها بفراقه، وقد يكون موتها انتحارا، أو اعتداء من الورثة الذين يتخلصون منها في أول مناسبة، ويبيعونها بثمن بخس دراهم معدودات، لينطفئ شيء كثير من نور البيت، ولكن أكثر الورثة لا يعقلون ولا يعلمون. لذلك نصح الرفاعي الكتّاب بتدبير أمور مكتباتهم قبل موتهم، بتوقيفها أو إهدائها، للجامعات والمؤسسات التعليمية ودور الشباب والخزانات البلدية، قبل أن تسقط في يد ورثة جشعين لا صلة لهم بالعلم والمعرفة ولا جليس لهم إلا الدينار والدرهم. وللرفاعي قصص طريفة مع مكتبته، فقد باع ستة آلاف كتاب منها للحاجة لتغطية مصاريف إصدار مجلة (قضايا إسلامية معاصرة، سنة1997)، وقد حكى لحظة خروج الكتب من بيته، وكيف ودعتها زوجته أم محمد، وهي تجهش بالبكاء، بل اكتأبت بسبب ذلك، وقد قالت عن تلك اللحظة: شعرت كأن روحي انتزعت مني، وهرولت بعيدا عسى أن أدرك المكتبة. كنت أقتر على نفسي بكل شيء غير أساسي، لفرط شغفي حد الهوس بالكتب، كنت أغفل فأقدم شراء الكتاب على تسوق الفاكهة لأولادي. (ص54).
وبرغم هذا الحدث المؤلم، أي الاضطرار إلى بيع المكتبة، وإلى أمثاله، فقد استمر الرفاعي وأهله في شراء الكتب، لتتكون مكتبة أخرى أضخم، فقد باع ستة آلاف، وضاعت منه 800كتاب عند إقامته في الكويت، لكن مكتبته وصلت اليوم إلى أكثر من 30000 كتاب. وكان الرفاعي واعيا بأزمة الكتاب اليوم في زمن الصورة ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ لم تعد الحاجة للكتاب اليوم، كما نتصور، كما كانت من قبل. ولكن ظل الكتاب صديقه الأبدي الذي مكث معه بعد مغادرة أحبته وأصدقاءه إلى الدار الآخرة، أو هاجروا إلى بلاد بعيدة.
الكتابة عند الرفاعي مران متواصل، ابتدأ بالشعر ثم لما لم يتطاوعا افترقا بعنف بعد أن مزق ما نظمه من قصائد. وبقيت، برغم ذلك، روح الشعر ورهافة أحاسيس الشاعر، تظلل كتابات الرفاعي الفكرية والفلسفية، مما لا تخطئه عين المتتبع الحصيف لمتن الرفاعي وللغته. ويحكي الرفاعي أنه تعلم من الكتابة ما تعلمه من القراءة وأكثر. ويحكي عن فعل الكتابة أنه يتهيبه، ويتهرب منه، ويتذرع بمبررات شتى، ويحصل له وجع عند الرغبة في الكتابة. وكان ارنست همنغواي صريحا وقاسيا عندما سأله سائل كيف يتدرب من يريد أن يصبح كاتبا، فقال له: عليه أن يذهب ويشنق نفسه، ثم ينزل عن المشقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية. (ص67).
كتابة الرفاعي منهكة، كما يحكي، تعذبه وتنهكه، وقد تنقله إلى منطقة الخطر. تشكلت لغته بمشقة بعد تمارين متواصلة ومملة. ثم امتزجت بنمط تفكيره. وهي خلاصات مطالعاته من مراحله المبكرة الأولى ومازالت مستمرة. هي علامات على عواصفه الذهنية وتأملاته العقلية، وما ترسب في أعماقه من جراح محطات الحياة المتنوعة. لذلك فالكتابة عنده داء ودواء، يقلق قبل الكتابة، ويهدأ حين يفرغ منها، ويسكن عند النشر. النشر هو الذي ينقذه مما كتب، وإلا فهو ينشغل به ولا يغادره، ويعود إليه بضغط نفسي مالم ينشر، لانه يظل يحلم بكمال يعانده الاكتمال. كما ترهقه اللغة أكثر من الفكرة، لذلك يعيد التحرير أكثر من مرة. وهو ميال إلى الايجاز في التعبير، ويعتبر الكتابة فن الحذف والاختزال. ثم إن الكتابة عند الرفاعي ليست عملا بحثيا، وليست منهجا أكاديميا معقدا ومثقلا بالقيود، قيود الإحالة والتوثيق، وهي في المحصلة ليست عملا فرديا، إنها ممارسة تختزل، بنظر الرفاعي، سلسلة طويلة من قراءة كتب متنوعة، وكل ما تشبع به وتمثله وعي الكاتب، وترسب في لاوعيه. فالكاتب لا يتكون إلا بعد أن يقرأ كل شيء وينسى معظم ما قرأ. فالكتابة، عند الرفاعي، منجز مشترك، تنصهر فيه عناصر مختلفة لأعمال طالعها الكاتب فتولدت منها مادة مركبة تتكلم بلغته، وتعبر عن تمثله لها وتفاعلاته معها، ويتعرف عليها القارئ من صورته الصوتية(ص72). النص الذي يكتبه الكاتب هو طبقات من النصوص يرقد بعضها في أحشاء بعض. وفي كل نص تتكلم نصوص متنوعة تحيل إلى معجم الكاتب اللغوي وإلى مرجعياته وإلى رؤيته للعالم، وتتكشف فيه ثقافته، وما أنتجته قراءاته وتفكيره وتأملاته. في كل نص نستمع لألحان عدة وكأنها نغم واحد، أو ما سمّاه إدوارد سعيد بالقراءة الطباقية للنصوص. ويخلص الرفاعي لمعالجة التنوع والكثرة في الكتابة بالقول إن كل كاتب يكتب، في الحقيقة، كتابا أساسيا، واحدا، ما قبله تمارين وما بعده تنويعات. والكتابة، من منظور سيكولوجي عند الرفاعي، تمارين على وعي الحياة، عبر اكتشاف أسرار الذات، وما يخفيه الإنسان، والهروب من الهوس وصخب الحياة، والغطس في بحر السلام الداخلي للإنسان. لذلك يعتبر الرفاعي الكتابة علمته أكثر من القراءة، ولكنه يحب القراءة أكثر منها، لأن ألم الكتابة أشد على النفس وعلى دواخلها، برغم أنها تجربة وجودية تتحق أطوارها بأفقها وتجيب عن أسئلتها. ومادامت الكتابة ممارسة حالة وجودية فإن الرفاعي لا يتقيد بأية خطة في الكتابة، ولا يقيد طلابه في الماجستير والدكتوراه.
ويتحدث الرفاعي عن الكاتب الصادق، وهو الذي ترتسم سيرته الفكرية والأخلاقية في كتاباته، تختزل إيقاع صوته. ولا تتحقق الكتابة الصادقة إلا بيقظة الضمير الأخلاقي للكاتب، فالكتابة في إحدى مقاصدها هي امتحان للضمير الأخلاقي، وهي مسؤولية أخلاقية تجاه القراء. ولا مكان في هذا السياق الأخلاقي للكاتب المرتزق، والكاتب تحت الطلب، وكاتب السوق، يكتب لمن يدفع أكثر. والكتابة تجربة فريدة، نمارس بها اختلافنا، ولا وجود لكتابة مستنسخة، فكل كاتب عليه أن يشتق لغته وأسلوبه من تجربته الخاصة، وتجربة الكتابة لا تورث ولا توهب ولا تقلد. فالكتابة مطالعة مكثفة وتجربة خاصة مكثفة أيضا ومؤلمة كثيرا. والكتابة بلا قراءة عملية عبثية واجتراح لمستحيل.
حذّر الرفاعي من الكتابة عندما تتحول إلى سلطة وتمنح الشرعية لمن لا يستحقها، سواء باسم السماء أو باسم الأرض. وحذر من التهام الكتابات الأيديولوجية لأنها تقود إلى الاغتراب، وتحكم قبضتها على قراء دراويش في زنازن من الغضب والسخط والاكتئاب الوجودي. إن الكتابة الأيديولوجية تتقن ايقاد مشاعر المعذبين المستضعفين، لكنها تعذبهم في وجودهم وفي حياتهم، وتحرق دواخلهم.
يقدم كتاب الرفاعي: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة) فرصة لكل كاتب أو عازم على الكتابة أو متردد متخوف منها، لاقتحام عالمها من خلال هذا الحكي والسرد والتذاكر والسجال، من خلال تجربة غنية ومؤلمة لكاتب لم يعرف إلا بالقراءة والكتابة، ومنذ صغره وهو يحترق بها وتحرقه، ولكنه يظل ممعنا وعنيدا بالغطس في نارها، بحثا عن قبس من روحه وموجوده، وبحثا عن أجوبة عن أسئتله المحرقة التي لاتنتهي.
***
د. محمد همام - كلية الآداب والعلوم الإنسانية
أكادير – المغرب / المزار الشريف
السبت2نونبر2024.

للكاتبة الأمريكية لورين غوتليب

تلقيتُ صباح يوم الأثنين 14-10-2024 رسالة مقتضبة من صديق مثقف متابع ثقافي جيد يقيم في أمريكا ، طالبا مني: بحلاوة لسان: {الأستاذ الكاتب الكريم راجيا قراءة المنجزالأدبي الجديد في مكتبات أمريكا " كتاب ربما عليك أن تكلم أحداً " للكاتبة والمعالجة النفسية الأمريكية (لورين غوتليب) ترجمة نادين نصرالله بيروت 2024، بأسلوبك الأدبي الشيق والممتع كما تعودنا على مطالعتها في مدوناتك السابقة وخاصة طريقة نقدك لرواية " الشيخ والبحر" لأرنست همنغواي بسيميائية فنية}.

الأشكالية أيها العزيز كيف أجد نسخة من الكتاب؟ فهو والمنشور حديثا وأنا في المملكة السويدية؟

نعم سوف أجدهُ – بعد جهيد مضني- حتما في المكتبات الكبيرة أو المتاجر الألكترونية وقد يكون متاحا بدور النشر في بيروت – ونحن نعيش مواسم الحروب والجنائز - أوعبرمواقع مهرجانات عرض الكتب على الأنترنيت وسوف ألجأ إلى النت بيد أني لاأضمن للمقالة بعضا من التراتيبية المنهجية الموضوعية الواقعية، وإن الكتاب يفرض نفسهُ حتما يكون حضورهُ خيرًمن غيابهِ.

من هي المؤلفة؟ وما هو منهجها الفكري في المعالجة النفسية؟

بصراحة شديدة عندما أطلعتُ على مقتطفات من الكتاب عبرالأنترنيت تشوقتُ جداً لقراءتهِ للنهاية، وجدتُ فيهِ أفكاراً عميقة وأنبعاثاتً جميلة بزخات رذاذ حلوة تداعب الروح بشفافية سيمياء عنوان المنجز الحداثوي " للورين غوتليب " عليك أن تكلم أحداً " فيها من القيم الروحية النبيلة المترعة بالأنسنة والروح الرياضية والفنية وثراء في الرأي وشفافية مرهفة في عرض صور ذهنية متعددة الجوانب، ولجرأة الكاتبة للكشف عن عقدة غريبة غير مسبوقة حين تسرد تجربتها كمعالجة نفسية تخضع (نفسها) للعلاج مع المريض في آنٍ واحد، وأعجبتُ بشجاعة أنثى أقتحامية بغوصها لأعماق الذات ا لبشرية وبدون واقيات أمان لأعتقادها إن الحوار والْمصارحة والمكاشفة بين المعالج والمريض وخصوصا كتمان وسرية الأضطرابات النفسية لتعلقها بالموازين الشخصية وحيثيات المستقبل، لذا لجأتْ المعالجة للكتابة السرية النقدية أشعرتنا إنها من مدرسة (نقد النقد) ببراعة وحنكة الكاتبة المعالجة الملتزمة ب(ثيمة) الأنسنة وهي تستنزف وقتها ومنافعها المادية في متابعة المريض أينما يرحل ويحل وبأصرار وجدية للوصول لخط النهاية

تجربة لورين الشخصية: 

-ولابد من عرض تجربة " لورين " أثناء العلاج إنها كانت تعاني من أزمة عاطفية بعد أنفصالها عن حبيبها مما دفعها عن البحث عن معالج نفسي يدعى (ويندل) الذي كان سببا في شفائها فوجدتْ حينها فرصة أن تخدم الأنسانية بأن تكون معالجة نفسية بالأضافة لكونها موظفة صحية وبنفس الوقت كاتبة بارعة.

- الكاتبة "لورين" وهي الأخرى تعاقر الخمرة بيد إنها ليست مدمنة مع هذا وذاك بدأت أرهاصاتها النفسية بمعافبة نفسها بالجلد الذاتي بتأنيبٍ قاسي مع شيءٍ من الخجل وخاصة عند موعد ألتقائها بالمريضة (شارلوت) ومشاهدتها وجاهة تشرذمها وعزلتها وكآبتها توصلت بالحال إلى العلاج الذي هو (المصالحة الشخصية مع الذات) أولا، ثم توسيع الدائرة الأيجابية السايكولوجية وبنفس الوقت تقليص الدائرة السلبية في التعاملات السوسيولوجية الأجتماعية بالأندماج الجماهيري الشعبي.

يوميات المرضى؟!

-جون: هو كاتب تلفزيوني ناجح بل مبهر بشكلهِ وهندامهِ وأناقتهِ ووسامتهِ، ولكنهُ يعاني من مشاكل في التعامل مع الآخرين، وبفطنة وحنكة وانتباه المعالجة لورين أكتشفتْ: بعبر ثلاثة جلسات علاجية إن جون شخصية متعجرفة تبدو عليه الفوقية بعامل غير أرادي جراء معاناتهِ من جروح نفسية عميقة لعهد الطفولة، وهنا يأتي الدور للمعالجة النفسية لورين التي تكتشف بأنها هي الأخرى تعاني من نفس هلوسة المريض ربما غرورها بمنصبها ومركزها الأجتماعي ورصانة كتاباتها، تقتنع بأنها لوثات شائعة وعادية يمكن الخلاص منها بالأندماج الأجتماعي الطوعي والحصول على (رضا النفس) وأحترام رأي الآخرين بالحوار السلمي.

- شارلوت: هي شابة جميلة ذات حيوية مفعمة بالتأمل الواعد لمستقبلها الجامعي بيد إنها تعاني ألأدمان على الكحول وبمراحلهِ الأولى، شاكية للمعالجة بأنها تعاني صعوبة بالغة في التعامل مع الآخرين بحصولها على علاقات صحية مرضية للجميع، من خلال العلاج تتعلم شارلوت كيفية التعامل مع مشاعرها أولا أي المصالحة مع الذات واللجوء إلى الطاقة الأيجابية والرياضة والأبتعاد عن أصدقاء السوء وتفهم ثقافة مساويء معاقرة الكحول، وحتى تحصل على نسبة عالية من الكاريزما في المقبولية الأجتماعية .

هيكلية الكتاب وحيثياته

يتألف الكتاب من عدة فصول في كل فصل تسرد حكاية مريض معين أو تجربة شخصية للكاتبة ويتنوع السرد في تناصها البحثي النثري الأدبي تظهر فيها التراجيدية المؤلمة أحياناً مؤثرة مبكية ومضحكة أحياناً وهنا تفرض الكاتبة الحذر والحذر بالحفاظ على ما ألتقطتهُ من حدث وحديث شخصي مخبأ في نقطة (الصفر) أعماق الذات الآدمية، ربما تحمل الحكاية من خجل البوح وفوبيا النشر، وهنا بيت القصد في الرواية بتبني المعالجة النفسية مسؤولية الكتمان بأنسنة مرهفة وجادة لكونها مصابة بنفس المطب النفسي بواقعية وليست أفتراضية.

أهمية الكتاب

- يؤكد الكتاب عن أهمية الحديث عن مشكلاتنا النفسية التي تتزايد بتقدم زمن العصرنة الرقمية الحداثُوية، بصخبها وأرهاصاتها ومتاهاتها، وهنا يجب توفر (الثقة) المتبادلة بين المريض والمعالج، والفضفضة عنها يعني تحرير المشاعر المكبوتة التي تتحول إلى تفهم المشكلة بمنظور صديق تأملي ومتعاون.

- الكتاب هو مزيج من المذكرات والعلاجات النفسية حيث يطرح الكتاب العديد من الأفكار العميقة حول الأنسان وعلاقاته مع الآخرين وأكتشاف أسرار مخزونة عمدا في الذات البشرية وهوالأنسان الذي وُصف عبر التأريخ بأنهُ الصندوق المغلق.

- يعدُ الكتاب من الكتب البارزة في مجال العلاج النفسي والنمو الشخصي، وهي تسير بسرديات حكايتها العلاجية في رحلة مشوقة خلف كواليس عالم العلاج النفسي أي خلف الكامرة الخفية لتنفرد في محاكاة الأسرار الخفية في أعماق الذات الآدمية المظلمة بتجارب واقعية حقيقية مرَتْ بها المعالجة مع مرضاها وبنفسها شخصياً.

- مصالحة مع الذات يؤكد الكتاب تفهم المعالجة النفسية في ظروف الزمكنة المتعلقة بصاحب العقدة النفسية وقبولها وما تخزن من صفات ربما تظهر (نسبية) وليس من الضرورة أن تكون (مطلقة) المهم هنا الرضا عن الذات ويتحقق التوافق عند مواجهة المخاوف والمشاعر السلبية.

- التغيير: يتحدث الكتاب بأن التغيير إلى الأفضل بمقبولية مهمة جداً والتي تبدأ أولا من كينونة الذات البشرية ُ ثم الأفصاح عنها بشخصهِ وبكامل قواه العقلية لكونها مشكلة عادية تحدث في كل مكان وزمان.

- يتحدث الكتاب عن أهمية تفهم مشاركة المعالج النفسي للمصاب بالمرض، وهذه الحقيقة أعتبرها الرافعة المركزية للسرد التناصي للكاتبة، وحينها يفتح المعالج تأملات واعدة بمستقبل مفعم بالرفاهية وخالي من الأحاسيس والمشاعر السوداوية بتقزيم ونحجيم المشكلة بأنها عادية تصيب أغلب الناس وحتى المعالج.

- تعزيز النمو الشخصي أي التطور الذاتي في تشجيع الكتاب من خلال مواجهة المشكلة والبحث عنها والتحدث بها أمام الجميع تساعد على بناء شخصية رصينة محصنة ترفض الوهمية في التشخيص تميل كليا للواقعية والحقيقية.

- والكتاب من النوع المفتوح الواعد بالتفاؤل بتحقيق كيان بشري قوي ذاتيا في تحقيق فرصة للنمو الشخصي والتغيير،

أخيراً: لا تغضب إذا أنفجر البالون في وجهك فأنت من نفخهُ وأعطاه أكبر من حجمهِ وكذلك بعض البشر (مارك توين).

***

عبد الجبار نوري - أبورفاه

كاتب وناقد أدب عراقي مغترب

في نوفمبر – تشرين ثاني 2024

الكاتب والباحث الاجتماعي الدكتور علي الوردي كان مثيراً للجدل والإثارة التي تتعايش معها الأجيال تحت طاولة البحث والنقد، وما استجد من ادوات ومناهج علمية مبتكرة في تقييم الأفكار وخاصة أفكار الوردي رحمه الله، سيما أفكار المتابعين المتعددة الفهم.

صدر عن دار لندن للطباعة والنشر عام 2023م الطبعة الثانية للكاتب والباحث صادق جعفر الروازق، كتابه الموسوم (علي الوردي... مقاربات إصلاحية في فهم الدين والذات)، والكتاب من القطع الوزيري الذي احتوى على (292) صفحة، وزين الغلاف بصورة الراحل الوردي.

كُسرَ الكتاب إلى مقدمة للطبعة الأولى والثانية وثلاثة عشر موضوعاً وخاتمة، وقراءات حول الطبعة الأولى من قبل الكُتّاب منهم: (الأديب قاسم شاتي، د. صلاح كاظم جابر، الشيخ عيسى الخاقاني، د. عدنان يوسف، الناقد ثامر أمين).

تناول الروازق في كتابه موضوع (الوردي في دائرة التعريف)، في ص15 تناول سيرته الذاتية والجامعية ونشأته وكتاباته في عقد الثلاثينيات أديباً مثابراً، ثم تخصصه في علم الاجتماع واصداره أول مؤلف عام 1951م تحت عنوان (شخصية الفرد العراقي)، ومن ثم كتابه (خوارق اللاشعور)، و(وعاظ السلاطين)، و(مهزلة العقل البشري)، و(اسطورة الأدب الرفيق)، و(الأحلام بين العلم والعقيدة)، و(منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته)، و(دراسة في طبيعة المجتمع العراقي)، و(لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) بأجزائه الستة.

ويذكر الكاتب في ص16 من الكتاب؛ ما اشار إليه الوردي من اشتغالاته بكتاب تحت عنوان (تاريخ الصراع الطائفي في العراق)، وكتاب آخر (حول طبيعة البشر)، والأخير كان وفق وصف الوردي أنه كتاب العمر الذي وضع فيه حصيلة دراساته وتجاربه. كما أن هناك عنوان مشروع لكتاب الوردي (الحقيقة الضائعة في الإسلام)، يتحدث فيه عن موضوع الخلافة وخلافة الإمام علي خاصةً. إلا أن جميع تلك المؤلفات الثلاثة الأخيرة؛ لم ترَ النور.

في هذا السياق، سنحاول استعرض نظرية الإصلاح الاجتماعي عند عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، باعتباره مفكراً كبيراً ومصلحا متميزاً في الدراسات السوسيولوجية ذات الطابع النقدي، وبالأخص فيما يتعلق بحركة الإصلاح الاجتماعي حول المجتمعات العربية والإسلامية لمعرفة أسباب التخلف والجمود فيها وسُبل الخروج من هذه الحلقة المفرغة.

وقد عرفت مؤلفات الوردي بنقدها الصارخ للفكر الديني وبعض رجالات وعاظ السلاطين، فضلاً عن نقده للعادات والتقاليد الشعبية السائدة والمعروفة في المجتمع العراقي، فكان المعروف عنه وفق ما طرحه الاستاذ الروازق في ص17 إن الوردي في جميع كتاباته، كتابات (مقنعة وترضي كل شرائح المجتمع العراقي... لا سيما نقده الصارخ لأشياء لم يكن نقدها مألوفاً، تكاد تكون بمنزلة الثابت المقدس من قبيل بعض أدبيات الفكر الديني وبعض رجالاته من وعاظ السلاطين).

ومن السمات التي تميزت بها طروحات الدكتور الوردي، يطرح الكاتب الروازق في ص19 وما بعدها خمسة عشر سمة يتمتع بها الوردي منه: (التواضع، الجدلية، الديمقراطية، الوطنية العراقية، تبنيه للتيار الليبرالي، تحديده معالم اعمدة الشخصية العراقية، إيمانه بالموروث الفكري، اعتماده في كتاباته على المصادر التاريخية، نقده للعلل الاجتماعية، اسلوبه الحكواتي في الكتابة، حواره المؤدب ونقده الشجاع، لم يعرف تحامله على الدين، يرى الوردي صعوبة تحرير الدين من الفكر العشائري، لم يكن سياسياً، وأخيراً تمسكه بالقيم الأخلاقية).479 ali alwardy

كما يطالعنا الكاتب في ص22 إلى مصادر مؤلفات الوردي مشيراً إلى (الكتب والمقالات والبحوث والنشرات، ملاحظاته الشخصية)، ثم يدرج الكاتب أهم اعمال من كتب عن الراحل الوردي، وقد تجاوز عددهم الـ(19) كاتباً وباحثاً.

أما الموضوع الآخر من الكتاب فقد تطرق حول موضوع ازدواجية الشخصية في الفرد العراقي، في ص27، سلط الضوء، قائلاً: (حقيقة هذه الظاهرة تكمن في القراءة الخاطئة من خلط المفاهيم، فالدكتور الوردي ومن خلال ادواته البحثية في علم الاجتماع استطاع أن يوضح هذا الخلط من خلال حالة التمييز بين ازدواج الشخصية كمرض وبين ازدواج الشخصية كظاهرة اجتماعية تحصل في اغلب المجتمعات، وحتى المجتمعات الراقية منها).

فالأزدواج يعتبر من الناحية النفسية مرضاً نادراً يعتري بعض الأفراد من جراء عوامل وظروف خاصة بهم. أما ازدواج الشخصية وفق منظور علم الاجتماع فهي لم تكن مرضاً نفسياً وإنما ظاهرة اجتماعية بسبب ثنائية الصراع بين القيّم والصراع الثقافي، لذلك نجد الفرد العراقي من خلال حياته اليومية متقمصاً لشخصيتين مختلفتين.

ويعقب الكاتب في ص34 حول ما تركه الوردي من نظريات وآراء، قائلاً: (العجيب الغريب المحبب في نفس الوقت، أن يترك الوردي نتائج نظرياته وآرائه بأعلى درجات الصراحة والصدق، ولن يأخذ اعتبارات الرد والنقدية لرجال الدين وطبيعة قيم المجتمع العراقي، ولم يخشَ من غضب عوام الناس).

كما طرح الكاتب في ص35 موضوع الدوافع القهرية في الإنسان وفق توجهات الوردي وفق وجه المقارنة بين فرد وآخر، وهي (الحسد، الوسوسة، المشاكسة، دوافع السرقة، دوافع المماطلة، دوافع الحرص، دوافع الإيذاء، دافع الاستهزاء، دافع الكذب، دافع الاغتياب، دافع الكلام، دافع الخصام، دافع العصبية)، وهناك دوافع قهرية أخرى لا يستحسن ذكرها لارتباطها بالجنس. ولا ننسى الأمراض التي اصابت الفرد العراقي من عقدة النقص والجدال البيزنطي والتفرد.

ويعتبر الوردي أحد الكُتّاب الذي كان لهُ موقف من معالجة ازدواج الشخصية العراقية المتأصلة جذورها بسبب التمسك بالمثل العليا وصراعها مع القيم الاجتماعية والدينية والعشائرية، فقد برزت بعض الظواهر الاجتماعية في الفرد العراقي في عهد الدكتاتورية البعثية؛ بين النفاق والوشاية، وهذا بسبب اساليب الترهيب والترغيب الاجباري وقسوة الحروب وأزمنة الحصار. وقد طرح الكاتب في كتابه، من أن الوردي فاته (أن يدرس ظاهرة الغلو عند الفرق الإسلامية، ومدى ارتباطها بظاهرة ازدواج الشخصية عند الفرد العراقي).

أما حول موقف الوردي من موضوع الخلافة، ففي ص55 يطرح الكاتب حول موضوع الخلافة وخطورتها في المجتمع العراقي تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً؛ وفق آراء الوردي في كتبه المتعددة. ويقف الوردي كثيراً من طبيعة النزاع التاريخي بين اصحاب علي واصحاب عمر، وحول ذلك يتساءل (ما هو السبب الذي جعل "علي وعمر" متباعدين بعد موتهما، بينما كانا في حياتهما متقاربين تقارباً واضحاً)، ومن يرغب في التوسع في هذا الموضوع مراجعة كتاب الوردي (مهزلة العقل البشري ص200 وما بعدها). فضلاً عن أن الكثير من الكُتّاب يعتقد إن الإمام علي (ع) لم يكن له ميل كبير لاستلام منصب الخلافة بعد وفاة الرسول (ص)، ومنهم: ابن أبي الحديد في كتاب شرح نهج البلاغة، ج6، ص11-13، والسيد أحمد القبانجي في كتابه (خلافة الإمام على بالنص أم النصب)، أما الشيخ محمد مهدي شمس الدين فيطرح رأيه الاستاذ الروازق وفق ما جاء في مؤتمر الوحدة الإسلامية في لندن، وقد نشرته مجلة الموسم في عددها السابع – المجلد الثاني لعام 1990: (إن الإمامة ليست بالضرورة قيادة سياسية، وإنها بالدرجة الأولى إمامة تشريع وليست حكومة كما استقر مؤخراً في الوعي الشيعي العام، هو أيضاً ممن يقولون بولاية الأمة، إلى غير ذلك من الآراء المهمة والمثيرة للجدل).

أما ما طرحه الوردي كما ورد في ص59 من كتاب الروازق (يقول الوردي: كان علي (ع) يرى أنه أولى بها من غيره، بينما كان عمر يريد الخلافة لأبي بكر يتولاها من بعده... إن هذا الأمر طبيعي لا داعي للعجب منه، فمن حق كل إنسان أن يطمح إلى الرئاسة إذا وجد في نفسه الكفاءة لها، وعلى هذا قام نظام الديمقراطية أو نظام الشورى كما سماه الإسلام)، ومن يرغب بالتوسع والاطلاع مراجعة كتاب الوردي (مهزلة العقل البشري ص200).

لذلك نجد الوردي يأسف على وعاظ السلاطين الذين يأخذون من الدين ظاهرة بعيداً عن الغور في مبادئه ومضامينه، فيفضلون خليفة على آخر. ويؤكد الروازق في ص73 من الكتاب قائلاً: (مما يؤسف له ونحن بصدد بيان منهج علي ودفاعه عن الشيخين صدور مؤلفات عديدة لمؤلفين بعضهم ممن شهد لهم الوسط الشيعي بشيء من العلمية والباع في التحقيق، ورسمت مساراً خلاف منهج أمير المؤمنين تضمنت الكثير من سب وشتم الصحابة).

لذلك نجد الدكتور الوردي قد درس موضوع الخلافة وما ترتب عليها من صراع وتنازع وخلاف بين فقهاء وعلماء الفرق الإسلامية، وكانت الدراسة وفق ادواته البحثية وما يتطلبه منهج علم الاجتماع. ويطرح الروازق رأيه حول الأحتراب والمحاصصة الطائفية في ص79 من الكتاب، قائلاً: (لا شك أن عملية المحاصصة الطائفية هي عملية احتراب يبدأ بها من جنس آخر. وما أحرى بعلماء الطائفتين التحلي بالشجاعة الرافضة لهذه الفرقة وهذا التمزق التاريخي الذي نخر جسد الأمة الإسلامية وجعلها أمة خاوية لا تفقه إلا مسائل الخلاف والتفاضل بين هذا الخليفة وذاك مع ما عندها من ثقافة السب واللعن والإلغاء).

ثم يطرح الكاتب في كتابه عن الديمقراطية والاستبداد في الإسلام ورأي الدكتور الوردي فيها، والتشريع الإسلامي ورأيه في الارتداد وحكم المرتد وفق مفاهيم مشاهير المفكرين امثال: السيد محمد باقر الصدر والسيد ابو القاسم الخوئي والزمخشري والسيد قطب والسيد محمد حسين الطباطبائي والسيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين والدكتور عبد الكريم سروش.

لا ننسى أن طبيعة الإنسان قد يمر بمراحل فكرية وعقائدية عديدة وفق الظروف الموضوعية والاجتماعية والاقتصادية التي يكون لها أثر كبير في تغير معتقده، فمن الصعوبة أن تحكم على الإنسان بجريرة ما أقدم عليه، لكن قد تتغير افكاره وسلوكه وفق اطلاعه على افكار وعقائد الآخرين.

إلا أننا نجد الدكتور الوردي أحد المتتبعين والمنصف للاصلاح الاجتماعي ودعوته إلى العدالة الاجتماعية في كتاباته مع ما طرحته النظرية الماركسية لا كما يطمح له الشيوعيون. والدين لدى الوردي هو ثورة العدالة الاجتماعية ورمز هذه الثورة الامام علي بن أبي طالب وصاحبيه أبي ذر وعمار بن ياسر، والدين الإسلامي يختلف عن دين الشعائر والطقوس، فهو دين العدل والمساواة وتقليص الفوارق الطبقية.

ولهذا لم يكن للوردي موقف سلبي من الدين كما يعتقد البعض، لكن الدين وفق مفهومه وظيفة التغيير النابعة من الإسلام نفسه، حيث هدفه الأسمى الإنسان. ويرى الروازق حول معتقد الوردي في موضوعات الدين كما ورد في ص178، قائلاً: (يعتقد الوردي أن بعض موضوعات الدين ما يجب أن تكون ذات حركة واسعة في المجتمع، والأدق أن في بعضها ما يدفع إلى تعبئة الأمة نحو تغيير واقعها سواء كان عن طريق الثورة أم عن طريق المطالبة السياسية).

أما موضوعة (المرأة في القراءات الإسلامية) فيرى الروازق حول موقف الوردي في هذا الموضوع كما ذكر في ص187، قائلاً: (وما دفاعات الوردي عن المرأة وبعض شطحاته بهذا الخصوص فهي مثلما جاءت أشبه بردود فعل قوية للقراءات والتفسيرات التي اوردها علماء المسلمين).

أما موضوعة الشعائر والطقوس التي وصفها الوردي في دائرة النقد، يذكر الكاتب الروازق في ص209 حول ذلك ما يلي: (الدكتور الوردي يرى في ممارسة بعض الشعائر، دخول الخرافة والأساطير في الدين الإسلامي، وكما عرف عن الوردي أنه ينظر إلى الدين كوسيلة للتحرر من الانعتاق والعبودية. وينظر له على أنه ثورة على كل ما ينافي الإنسانية، والذوق الإنساني وفق ما يتقبله العقل). ويعتمد الروازق على طروحات الوردي وفق مؤلفاته واهمها مهزلة العقل البشري.

أما موضوعة (الغلو عند المذاهب)، فقد اتفق معظم علماء الشيعة على الوقوف ضد الغلو والغلاة ومنهم: الشيخ الصدوق والشيخ المفيد والشيخ محمد الخالصي والدكتور كامل مصطفى الشيبي والدكتور أحمد الوائلي، ويذكر الروازق في كتابه ص229 رأي الدكتور الوردي، معلقاً على كلمات الشيخ محمد جواد مغنية في رد الأخير على الدكتور طه حسين (وإذا كان مذهب التشيع يقوم على اساس الثورة على الظلم والاستبداد فهل نحن شيعة حقاً! وهل نحب علياً وبنيه!)، وكان يطلق الوردي على هذا الرد قائلاً: (إن هذه كلمة رائعة حقاً، يجدر أن توضع في بيت كل مسلم يدعي حب علي بن أبي طالب أو التشيع له). ثم يطرح الكاتب في كتابه ص235 حول الشعر الجاهلي وثورة طه حسين.

ومن خلال هذا الموجز للكتاب نجد الكاتب والباحث الأستاذ صادق جعفر الروازق قد سلط الضوء على مواقف وأفكار الدكتور علي الوردي في مجال الدين والذات وفق قراءة تنويرية لأفكار وآراء الراحل الوردي رحمه الله.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

ميزوبوتاميا... بلادُ ما بين النهرين، أرضُ الرافدين، الماضي العريق والحاضر الملتبس..  هي التي تنسب إليها كل الأشياء، وكل شيء فيها اليوم بحاجة إلى إثبات النسب..

وهي:

"وطن مدَّ على الأفق جناحًا 

 وارتدى مجد الحضارات وشاحًا"

كما وصفها شفيق الكمالي في لحظة تجلٍ وليس في ساعة رثاثةٍ.. تلك التي خاطب فيها صدام قائلًا: لولاكَ ما كان العراقيون معدودين في جنس البشر...!

فالشعراء مثلما الملوك يوم سعد ويوم نحس، لهم أيضًا ساعات سموٍ وساعات رثاثة.

أسماها الإغريق في سالف الأزمان ميزوبوتاميا؛ نسبة إلى وجود نهري دجلة والفرات، لكن الإعجاز ليس في هذا، فوجود الأنهار محض صدفة تنحتها منابع المياه في تضاريس الأرض، وأيضًا ليس الإعجاز في نزول الأنانوكي[1] المزعوم من كويكبات الفضاء البعيدة، فتلك أمور صنعها مخيّال بعض المُحْدَثين ليس إلا، لكن الإعجاز كل الإعجاز في منجزات شعب ميزوبوتاميا العظيم، والتي لم تأتِ إلينا عبر الحكايات والأساطير والتخاريف وروايات "كان أبي", بل من خلال ما خلّفوه لنا من آثار شاخصة، ورُقم طينية، ومسلات حجرية دوّنت عليها العديد من النصوص، إلى جانب مختلف المخلفات الأثرية من منحوتات ورسوم على الفخاريات وأدوات العمل والزينة التي تمّ العثور عليها في ربوع أرض الرافدين الفسيحة وبين شطآنه الفارهة، وتمّ نقل أغلبها للخارج لتفتخر بها اليوم كبريات المتاحف في العالم المعاصر، وهي أدلة يقينية لا يرقى إليها الشك، فقد رأيناها بالعين المجردة، ولمسناها بأصابعنا العارية، وقرأناها مترجمة من قبل طه باقر، وبهنام أبو الصّوف، وعلماء أجانب، ومن خلالها بتنا والعالم المتمدن على يقينٍ بأنَّ الأسلاف من شعب ميزوبوتاميا العظيم هم الذين فتحوا المغاليق كلها للبشرية كلها:

- فَهُم أول مَن أنف حياة الصيد، وجَمْع الطعام كالبهائم منذ مطلع الألف العاشر قبل الميلاد بإقامة التّجمعات السّكانية، التي أفضت إلى قيام المدن التي تشكل أهم إنجازاتهم، فلم تكن هذه الفكرة الشائعة اليوم موجودة قبلهم.

- وأيضًا، هُم أول مَن اخترع العجلة عام 3200 قبل الميلاد.

- واستخدموا الأختام الأسطوانية في كيش، وغيرها من حواضرهم.

- وهُم مَن أوجد أول كتابة عرفتها البشرية قبل عام 3000 ق.م، والتي تعرف بالكتابة المسمارية بلغة اليوم.

-وفي ميزوبوتاميا أُقيمت أول مدرسة في تاريخ البشرية لتنتشر المدارس لاحقًا في مدنها وقصباتها.

- ولم يكن التعليم مقتصرًا على الذكور؛ بل شمل الإناث كذلك.

- وفيها اخترعوا الأدب، وخُطت ملحمة كَلكَامش الشهيرة التي كُتبت نحو 2150-1400 ق.م؛ لتحكي قصة رحلته في البحث عن معنى الحياة مجابهًا الموت المحتوم.

- وفي أوروك بالذات، كانت أول حانة لبيع البيرة بعد أنْ اكتشفوا صناعتها وسموها شراب الآلهة، وجعلوا من الآلهة نينكاسي مسؤولة عن عملية التخمير.

- ومن أور انتشرت الموسيقى والعزف والغناء لتعم بطاح ميزوبوتاميا.

-وفي مجال التشريعات القانونية كانت شريعة لِبْت عشتار أو قانون مملكة أشنونة، وشريعة أوركاجينا، وشريعة أورنمو، وأخيرًا شريعة حمورابي الشهيرة والذائعة الصيت في كل أنحاء العالم اليوم، والتي شكّلت الأساس لشريعة موسى التي استقت منها نصوصها الميّالة للقسوة ومنهج العين بالعين والسن بالسن.

- ومن ميزوبوتاميا نشأت أول إمبراطورية متعددة الأعراق في التاريخ البشري، وهي الإمبراطورية الآكدية التي أسسها سرجون الآكدي "نحو 2334 -2279 ق.م"، والتي امتدت من الخليج العربي حتى جزيرة قبرص، وقد حافظ سرجون على سلامة إمبراطوريته بتعيينه الموظفين المؤتمنين والموظفات المؤتمنات "النزيهين بلغة اليوم"، والذين جاء ذكرهم تحت تسمية "مواطنو آكد" في النصوص البابلية اللاحقة.

وفي ميزوبوتاميا بالذات، بدأت كل الأشياء، ففيها: أول سلطة تشريعية بمجلسين؛ شيوخ وعموم، وأول سابقة قانونية، وأول دستور للأدوية (أقرباذين)، وأول تقويم للفلاح (روزنامة زراعية)، وأول رمزية جنسية، وأول أُمٍّ محزونة، وأول تهويدة للأطفال، وأول مرثية، وأول أغنية حُب، وأول فهرس للمكتبات، وأول نظرية في نشأة الكون، وأول مُثُل عُليا أخلاقية، وأول أقوال وأمثال... وأول.. وأول.. وأول..

لكن منجزات شعب ميزوبوتاميا بوصفها ممارسات بشرية لا تخلو من عيوب أيضًا إذا حاكمناها وفق اشتراطات زماننا وليس زمانهم، وعلى وجه الخصوص في قضيتين اثنتين:

الأولى: أنَّ شريعة حمورابي اعتمدت الطبقية في إيقاعها للعقوبات، فرغم أنَّ قوانين حمورابي قد اتّخذت من قاعدة العين بالعين والسن بالسن نقطة ارتكاز في بنائها، لكنها في الوقت نفسه ميّزت بين الناس في العقوبة تبعًا لهوية الخارق للقانون، وهوية الضحية، فقد نصّت على أنه إذا كسر رجل من طبقة أعلى أسنان رجل من طبقة أدنى تكون العقوبة غرامة فقط، وليس كسر أسنان الفاعل، كما أنَّ الرجل إذا قتل امرأة أَمَه يعاقب بالغرامة المالية، أما لو قتل امرأة حرة تُقتل ابنته كعقاب.

الثانية: أنهم كانوا مجتمعًا ذكوريًا حتى أنَّ إحدى مواد شريعة أوركاجينا نصّت على الآتي: "إذا تكلّمت المرأة إلى رجل من غير احترام، فإنَّ فم تلك المرأة يُسحق بآجرة مفخورة، وتُعرض الآجرةِ المفخورة عند باب المدينة[2]...".

ويقول المثل السومري: "الزوجة المبذرة التي تعيش في بيت هي أسوأ من جميع الأشرار"[3]، وأيضًا كانت المرأة عندهم أَمَة تُعامل كسلعةٍ تجارية، يُمكن بيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها ومقايضتها ورهنها، وحتى وراثتها وإهدائها، ولم يكن لها شخصية تُعرف بها؛ بل كان السومري عندما يريد ذكر عددهن يقول: "5 أو 10 رأس أنثى"، كما لو كنَّ من الماشية والأغنام[4].

المصافحة بالأيدي واختراع الخازوق...!

أمران متناقضان حقًا.. لكنهما في غاية الابتكار والصّنعة، فسكان ميزوبوتاميا الأصليين هم أول مَن اخترع المصافحة بالأيدي في تاريخ البشرية، لتنتشر لاحقًا في معظم دول العالم المتمدن خلافًا لشعوب أخرى في المنطقة والعالم من بينها:

دولة الإمارات، ومعظم دول الخليج العربي، فمصافحتهم تسمى "قُبلة الأنف"، وتكون بحك أرنبة الأنف بنظيرتها عند الآخر، وكلما استمرّ احتكاك أرانب الأنوف ببعضها أكثر كلّما كان التعبير عن المودة أكثر.. أما عن أهل التبت وما حولها، فإنَّ التّحية عندهم تكون بإخراج الشخص لسانه فيرد عليه الآخر بالمثل، في حين أنَّ التّحية في بعض مناطق الهند تكون بقيام الشخص بشد أذن الآخر، وكلّما كان الشّد قويًا كان ذلك تعبيرًا عن المودة والحفاوة بشكل أكثر عمقًا.. وفي جبال الهملايا، فإنَّ التّحية عند الناس تكون بأنْ يحك كل منهما ظهره بظهر الآخر.. أما إذا تقابل صديقان بعد طول غياب عن بعضهما في بعض مناطق الهند فإنهما يتبادلان التّحية بأنْ يقبض كل منهما على لحية الآخر، وكلّما كان الشد أقوى كان ذلك أعمق تعبيرًا عن الود والتقدير..

إلّا في ميزوبوتاميا العريقة المتحضرة، فإنَّ تحيتهم المصافحة بالأيدي، وكما يظهر من رُقيم آثاري يظهر فيه الملك الآشوري شلمنصر الثالث يصافح الملك البابلي مردوخ زاكير في القرن التاسع ق.م بالأيدي، ومنذ ذلك اللقاء فقد باتت المصافحة بالأيدي هي الطريقة المعتادة عندهم لتنتشر على جهات العالم الأربع، وهي اليوم التّحية الرّسمية عند مختلف شعوب الأرض..

ولكن ليت الأمر قد توقف عند هذا، فأجدادك أيُّها الميسوبوتامي العريق قد سبقوا الجميع أيضًا في ابتكار الخازوق..! وليس كما يدعي الأتراك بأنه اختراع لهم وصدّعوا رؤوسنا منذ عقود بأنَّ الخازوق ابتكار عثماني تركي ..!، فقد ظهر في الصّورة الجدارية التي تعود لتلك الحقبة الملك سنحاريب الآشوري، وهو يخوزق أسرى (يهود) من لخيش 701 قبل الميلاد، وذلك عندما تمرّد اليهود على الإمبراطورية الآشورية العظمى.

ووفقًا لبعض التّرجمات، فقد جاءت لفظة خـازوق تحديدًا في الفقرة 152 من قانون حمورابي، حيث نصّت على أنْ لو تسببت امرأة في مقتل زوجها بسبب رجل آخر تُوضع على الخازوق[5].

وتنص المواد في قوانين حمورابي من الرقم 153 – 158، على جملة احتمالات لعقوبة القاتل، والعلاقات الجنسية بين الأب وابنته، والحمو وكنته، والأم وابنها المتبنى، ومن هذه العقوبات النفي والإعدام غرقًا أو حرقًا أو الموت على الخـازوق أو غرامات مالية أيضًا[6].

وقد باتت اليوم مفردة خازوق كلمة شائعة الاستعمال في جميع أنحاء الوطن العربي، فيقال: إنَّ فلانًا "أكل خازوق أو تخوزق"، إذا أصابته مصيبة من جرّاء أفعال النصب والاحتيال، أو إذا سلّم أمره لغيره فوقع في بئر مظلم لا قرار له جرّاء الغفلة والتخلف.

وقبل أنْ أمضي قدمًا، فإنَّه من المستحسن أنْ أصف لكم الخازوق، فهو: عمود أو عصى طويلة يدخلونها من شرج الشخص لتخرج من كتفه من دون أنْ تتلف أعضاءه الأساسية، خصوصًا القلب أو الكبد؛ كي يبقى يعاني لأطول فترة ممكنة، وجرت العادة أنْ يكافئ الجلاد الحاذق على تمكنه من إدامة تعذيب المخوزق/المخوزقين لفترة طويلة، وقد يعاقب عند فشله في تحقيق هذه الغاية.

ولكن أوسع عملية تخوزق أو خوزقة جماعية بالتاريخ هي التي حصلت لكم أنتم أبناء ميزوبوتاميا في زمانكم هذا وفي مكانكم هذا.. ربما لأنَّ أصحاب الابتكار أولى به وبمخرجاته من غيرهم، فقد أعدَّ لكم حكامكم خوازيقَ لا قِبل لكم فيها، أتت على أموالكم فباتت يبابًا، وعلى الضروع فباتت يبوسًا، وعلى ثقافتكم فاستحالت طلاسم، وعلى حاضركم فبات كوميديا مدافةً في تراجيديا، وعلى مستقبلكم فأضحى على كفِ عفريت هائج.

فقد أعدَّ لكم حكامكم خوازيقَ: الفساد والمحاصصة والمكوناتية، الفوضى والتبعية وفشل الأداء، المحسوبية والمنسوبية والحزبوية والعشائرية والمناطقية.. وبتُّم مقيمون دائميون على أجيال من الخوازيق، تتجدد أجيالها بالسرعة اللازمة نفسها لتجدد أجهزة الهاتف النقال، منذ عشرين عامًا ونيّف، وبالتراكم ومن جرّاء تمسككم بالقول الذي اصطنعتموه لأنفسكم واتخذتموه شعارًا ترفعونه بوجه كل مَن حاول النهوض من على خازوقه: "لا حياة لمن تنادي..."، بات كل شيء في ربوع ميزوبوتاميا العليلة بحاجة إلى إثبات النسب..!

الوطنية ودولة المواطنة والولاء، النزاهة والثقافة ومنظومة القيم الأخلاقية، اليوم الوطني والعلم الوطني والنشيد الوطني، الدولة والدستور والمال العام، الجيش والسيادة والدبلوماسية، نظام الحكم والوظيفة الحكومية والقانون، الفيدرالية والكونفدرالية وغير المرتبطة بإقليم، التعليم وسانت ليغو وصناديق الانتخابات، المعتقدات والإعلام والتعليم العالي، أنت وأنا وهو وأنتم وأنتنّ.. كل شيء في ميزوبوتاميانا المغلوبة على أمرها، بات اليوم يلزمه إثبات نسب..!

هذا وغيره هو ما يسعى هذا الكتاب لبحثة واستجلاء أمره لبلوغ غايته في تحريك الماء الراكد في البركة الآسنة، وإثارة السؤال الوجودي والأخلاقي الكبير:

أين كنّا وكيف أمسينا..؟ معذرة ميزوبوتاميا..!

***

د. موسى فرج

مقدمة كتاب تحت الطبع

.........................

[1] تعني السلالة الملكية أو الدم الملكي نسبة الى آنو رب الآلهة، وهم مجموعة من الآلهة ظهرت في الأساطير السومرية والأكدية والآشورية والبالبلية، ورد ذكرهم في  نشر عنهم الكثير في كتابات معاصرة مثل نظريات ديفيد أيك على انهم كائنات غير بشرية جاؤوا من الفضاء وبالتحديد من كوكب اسمه نيبيرو.

2. لدى افتتاحه مطار الناصرية قال وزير النقل العراقي كاظم فنجان الحمامي إن أول مطار في التاريخ أنشئ قبل خمسة آلاف عام قبل الميلاد، وإن مركبات فضائية كانت تقلع منه وأضاف الحمامي في مؤتمر صحفي أن المطار أنشأه السومريون، وتحدث عن مركبات فضائية سومرية كانت تقلع من المطار باتجاه كواكب أخرى، الجزيرة الفضائية 1/ 10/ 2016

3. استند بعض اصحاب تلك النظريات من الأجانب في اعتبار الأنانوكي مخلوقات فضائية الى أطوالهم المبالغ فيها قياساً بأطوال قامات معاصريهم التي تظهر في المنحوتات التي عثر عليها ولكن فاتهم إن من صنع تلك المنحوتات استند في عمله لما يقال وينقل وليس الى ما رآه بنفسه فتلقفها منه وزير ميزوبوتاميا في العصر الراهن.

[2] دور المرأة وحقوقها في بلاد الرافدين، د. لمياء محمد علي كاظم جامعة المثنى – كلية التربية للعلوم الإنسانية  2021

[4] دور المرأة وحقوقها في بلاد الرافدين، د. لمياء محمد علي كاظم جامعة المثنى – كلية التربية للعلوم الإنسانية  2021[5]

شريعة حمورابي واصل التشريع في الشرق القديم / مجموعة من المؤلفين / ترجمة أسامة سراس ص116 / دار علاء الدين دمشق 1993،المصدر : الخازوق عبر التاريخ طريف

[6] حمورابي البابلي وعصره / د هورست كلينكل ترجمة محمد وحيد خياطة ص 225 / طـ دار المنارة للدراسات والترجمة والنشر سوريا 1990.

 

عنوان الكتاب: فوكو في السينما بالنسخة الإنجليزية -  Foucault at the movies .. وميشيل فوكو يذهب إلى السينما -  Michel Foucault va au Cinéma في النسخة الفرنسية.

أما أنا فسأعطيه عنوان فوكو والسينما:  Foucault et le cinéma - Michel Foucault va au Cinéma

باتريس مانيجلير - Patrice Maniglier

دورك زبونيان - Dork Zabunyan

مقدمة المترجم

   ميشيل فوكو وجيل دولوز يذهبان إلى السينما

دراستان حول علاقة مفكري القرن العشرين بالفن السابع. النظرية النقدية للحدث التاريخي لأحدهما، فك التشفير المفاهيمي للصور للآخر. يذهب فوكو إلى السينما، بقلم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، إصدار بايارد، 2011، 170 صفحة، دولوز في السينما لسيرج كاردينال. مطابع جامعة لافال في كيبيك، 2011، 236 صفحة.

الفلسفة، بحسب جورج كانغويلهم، هي نشاط العقل الذي يتغذى على كل ما هو غريب عنه. نريد أن نضيف: بشرط ألا تفقد المعنى بالمفهوم أبدًا. كيف إذن لا نشك في الموضة الحديثة التي، تحت عنوان ضبابي إلى حد ما "الفلسفة السينمائية"، تدعي توضيح القضايا النظرية بمساعدة الصور التي ترقى لهذه المناسبة إلى مرتبة الفلاسفة الجاهزين؟ للعمل؟ من المؤكد أن الفن السينمائي، في المرتبة السابعة على اسمه، يستحق مصيرًا أفضل من مخزون الأفكار المفعمة بالحيوية للمستمعين والمتفرجين المتلهفين للقراءة.

في هذه اللعبة الصغيرة في الوقت الحاضر، لم نكن لنقتصر على فلاسفة مثل ميشيل فوكو وجيل دولوز. تحليل دراستان حديثتان عن فيلسوفين معاصرين وعلاقتهما الفريدة بالسينما. الأول ليس بالمعنى الدقيق للكلمة معروفًا بارتباطه بفن لم يكرس له أي عمل. على الأكثر، لدينا بعض النصوص والمقابلات التي أجراها فوكو حول أفلام تتعلق بعمله كفيلسوف ومؤرخ. يقدم باتريس مانيلييه ودورك زابونيان عينة تتراوح من بيير ريفيير إلى مارغريت دوراس، بما في ذلك آلان رينيه. من خلال السينما، اكتشف فوكو طريقة أخرى لصنع تاريخ المعرفة والتصور المفاهيمي، ومنهجًا للأحداث يفتح باب النقد لبعده الميتافيزيقي التقليدي. رحب فوكو بالسينما على أنها ما يغير مفهومنا عن الجسد البشري والقصص التي يمكن إنتاجها عنه.

مع جيل دولوز، الأمور مختلفة للغاية. يعتبر دولوز متحمسًا للفيلم ومنظراً أكاديميًا وانتقائيًا، وهو مؤلف واحد من أعظم الكلاسيكيات في الأدب الفلسفي عن السينما. نعم، ولكن إليكم الأمر: هذا العمل، الذي يُستشهد به على نطاق واسع ومسهب في كثير من الأحيان، كثيف، مثل كل أعمال مؤلفه. لا يدخل هذه الغابة المفاهيمية من يريد. يجب أن يكون مستعدًا لذلك، وليس فقط من خلال معرفة السينما. لابد أنك قرأت برجسون واستوعبت نصف قرن من النقد السينمائي. للتخفيف من قسوة هذه القراءة الأساسية، يسعدنا أن يكون لدينا الآن أداة من الدرجة الأولى مع عمل سيرج كاردينال. باستعادة أدنى دقة لطريقة دولوز ومقاربته، وفك رموز أذواقه وهواجسه، يجعل الكاردينال في متناول القارئ النقطة المركزية في مقاربة أو نهج دولوز: النقطة التي يكشف فيها الفكر إلى أي مدى يمكن أن تنحرف الصورة، الخيط الإرشادي لكل هذه الدراسة. في المفهوم وحتى تطارده في حركته غير المتوقعة في كل مرة. بعد ذلك تصبح السينما تتحدث حقًا.

أما ميشال فوكو والسينما: فلهذا قصة كاملة:

بين ميشيل فوكو والسينما، كان هناك تاريخ منقط. وكتاب يجمع هذه الأجزاء المتناثرة.

تعتبر الفلسفة السينمائية من المواضيع المألوفة وموضة هذه الحقبة، حتى لو كنا نبحث في كثير من الأحيان عن التوضيح البسيط للأفكار التي تم إنشاؤها بالفعل. إذا كان لقاء ميشيل فوكو مع السينما قد أسيء فهمه، فربما يكون ذلك لأنه لا يسمح بمثل هذا الموقف. لم يؤلف فوكو كتابًا عن السينما أبدًا. لكنه ترك عشرات النصوص والمقابلات مبعثرة في Dits et Ecrits. تم جمع مقتطفات واسعة النطاق هنا لتقدم فكرة أفضل عن لقاء هذا الفيلسوف بالفن السابع. لا يظهر الفيلسوف هناك على أنه صاحب حقيقة متداولة؛ لكنه وجد، في أفلام معينة، طريقة للتعامل مع المشكلات التي يعمل عليها كفيلسوف ومؤرخ. هذا الكتاب هو المحاولة الأولى لتقييم هذه المواجهة غير المعروفة. نرى هناك أن السينما تجعل من الممكن بلورة مفهوم جديد للحدث؛ لاستكشاف جسم خالٍ من عضويته؛ لالتقاط قصة بدون ضحايا أو أبطال، بناءً على الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها بالضرورة والتي مع ذلك تقرر إجراء تغييرات عميقة في الفهم الذي قد يكون لدينا عن أنفسنا. التفكير على نحو مختلف لنرى بشكل مختلف، وننظر بشكل مختلف لنفكر بشكل مختلف.

على عكس دولوز Deleuze أو رانسيير Rancière أو مؤخرًا آلان باديو Alain Badiou، لم ينشر ميشيل فوكو Michel Foucault كتابًا عن السينما. ومع ذلك، فقد عبرت حياته المهنية، بطريقة دقيقة ولكن حاسمة، تاريخ الفن السابع، حيث تتعقبه العديد من النصوص والمقابلات، المنشورة والمبعثرة " أقوال وكتابات Dits et écrits"

من مقابلة أساسية مع مجلة كراسات السينما – كاييه دي سينما Cahiers du Cinema حول "الموضة الرجعية mode rétro» إلى حوار مع هيلين سيكسيوس Hélène Cixous حول مارغريت دوراس Marguerite Duras، مروراً بتحليل مفصل للغاية لفيلم من إخراج Pasolini  بازوليني، تحقيق حول الجنس Enquête sur la sexualité، لم ينقطع فكر فوكو، في الواقع، عن الانغماس في الصالات المظلمة .

مقاربة شاملة لعلاقة الفيلسوف بالسينما:

كان لدى كل من دورك زابونيان Dork Zabunyan وباتريس مانغليه Patrice Maniglier فكرة حكيمة تتمثل في جمع بعض هذه الأجزاء معًا في مجلد واحد. وحتى لو شعر المرء بالأسف لأن يجد في عملهم مجموعة مختارة فقط من النصوص والمقابلات التي كرسها الفيلسوف للسينما، فإن مقالاتهم التمهيدية المفيدة للغاية تجعل من الممكن، لأول مرة، الحصول على مقاربة لعلاقات فوكو مع الصور المتحركة.

وبالتالي، فإن هذه النظرة العامة تكتسح الفكرة التي تم تلقيها والتي بموجبها يمكن تلخيص تاريخ فوكو والسينما في مفترق طرق فريد: إعداد المخرج رينيه أليو René Allio، للسينما في عام 1976، للشهادة التي نشرها المؤلف، قبل ثلاث سنوات، أنا، بيير. ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. Moi, Pierre Rivière, ayant égorgé ma mère, ma soeur et mon frère.. أو، بشكل أكثر تحديدًا، يوفر إمكانية فهم ما كان من الممكن، في فكر فوكو، أن يولد مثل هذا التقاطع والتلاقي: بين انتباه الفيلسوف إلى "الحبوب الصغيرة" من التاريخ grain minuscule de l’histoire  "(الذي وصفه بنفسه بأنه متأثر بطريقة فيلم أنطونيوني " الانفجار Blow up  ") والفن السابع، وكان لا بد من عقد لقاء.

هذا العنوان المبهج والجذاب مضلل. في الواقع، يتساءل اثنان من الفلاسفة على التوالي عن مفهوم "التاريخ العام" فيما يتعلق بالحدث كما ذكر فوكو والطريقة التي يمكن للسينما أن تستخدمه، "تأثير السينما على ميتافيزيقيا" الحدث ". يبدو فيلم رينيه أليو، "أنا، بيير ريفيير ...»، الذي يتناول خبرًا مؤرشفاً حلله فوكو، نموذجيًا تمامًا. استطاع أليو صانع الأفلام الذي يتسم بالرصانة والحنكة، أن يعطي صوتًا لأولئك الذين أسكتتهم قوى التاريخ والمعرفة؛ يعيد العناصر الدقيقة التي تعطي جوهرًا لكتلة الحياة اليومية. يتم اقتباس أعمال سبيربيرغ Syberberg (هتلر، فيلم من ألمانيا)، Resnais (Nuit et Brouillard) وليل وضباب للآن رينيه، وفيريه Féret (حكاية دي بول) وعدد قليل من الأعمال الأخرى في رسوم توضيحية موجزة لسينما تفلت من إغراءات الجماليات. عمليات البطولات المعتادة أو إحياء الذكرى، وتتجاهل "الرجعية" المؤسفة. تختتم بعض نصوص فوكو هذه التأملات، مقتطفات من منشورات أو مقالات أو مقابلات.  الأسلوب، والتكنيك، والمفاهيم، صعبة، لا تشجع على القراءة.

فهناك أولاً حساسية تجاه الفن السابع أكثر مما هي حساسية تجاه نظرية منهجية:

نجد هذا الشغف الدقيق نفسه في الصفحات الثمينة التي يكرسها فوكو للأفلام التي يحبها، وقبل كل شيء في أوصافه الرائعة لـلعبقرية السينمائية cinégénie " لــ " الممثلين. سواء كان ميكائيل لانسدال Michael Lonsdale ("كثيف وضخم مثل ضباب بلا شكل") أو بطلات أفلام شروتر Schroeter ("في موت ماريا ماليبران La Mort de Maria Malibran، الطريقة التي تتبادل بها المرأتان القبل la manière dont les deux femmes s’embrassent, qu’est-ce que c’est ?، أليس كذلك؟ الكثبان Des dunes، قافلة في الصحراء une caravane dans le désert، زهرة شرهة تتقدم une fleur vorace qui s’avance، فك الحشرات des mandibules d’insecte، شق مستوى العشب une anfractuosité au ras de l’herbe  ").

وها هي هنا المفاجأة الرئيسية: إذا ذهب فوكو إلى السينما، فليس لاستخراج أسس نظام نظري أكثر مما هو ممارسة هذه الحساسية الخاصة أولاً وقبل كل شيء للطريقة التي تخترع بها العدسة جسمًا جديدًا. ابلاستيكياً تماماً entièrement plastique   أي تشكيلياً محض "، وكأنه يهرب من نفسه.

تُجمع هنا لأول مرة نصوص ميشيل فوكو عن السينما بفضل Dork Zabunyan و Patrice Maniglier الذين يعرضونها ويحللونها. من المثير للدهشة أن هذا الجانب من عمل ميشيل فوكو لم يكن أبدًا موضوعًا لكتاب حتى الآن، حيث يتم التعليق على أعماله ومناقشتها اليوم. كانعكاس غير مسبوق لعلاقته بالسينما.

التفكير في السينما بشكل مختلف:  Penser autrement le cinéma

استجابت أبحاثه حول السجن والمستشفى والجنس، لرغبته في "التفكير على نحو مختلف" وعلى وجه الخصوص في صنع التاريخ بشكل مختلف، من خلال التركيز على كل هذه الإجراءات الدقيقة التي لا ندركها ولكنها تحدد بعض التغييرات الأكثر عمقًا . عولى وجه التحديد، وهذا ما يوضحه هنا المؤلفان الفيلسوفان دورك زبونيان وباتريس مانيلييه Dork Zabunyan et Patrice Maniglier، السينما مكان يمكن فيه رؤية هذه التغييرات الدقيقة اللاواعية. وبالتالي، فإن علاقة فكر فوكو بالسينما بعيدة كل البعد عن كونها هامشية، مثل مساهمة هذا العمل في استقبال آثاره وأبحاثه ومؤلفاته.

Dork

إصدار كتاب يجادل فكر الفيلسوف في ضوء الفن السابع:

"فوكو يذهب إلى السينما". الفلسفة هي الموضة، في مجال السينما، تم تكييف العديد من المفكرين بالفعل مع صلصة الفن السابعة لمدة عشر سنوات. بالطبع، هذا ليس شيئًا جديدًا أيضًا: بالفعل في السبعينيات، أجرت مجلة مشهورة سلسلة من المقابلات تحت رعاية أحد أعظم النقاد في التاريخ - سيرج داني Serge Daney - مع طلاب مدرسة نورمال سوبريور Normale Sup السابقين، بما في ذلك الفلاسفة المعروفون الآن بكتاباتهم في السينما.

دولوز Deleuze على وجه الخصوص مع الأعمال الشهيرة بعنوان "السينما" والتي تزين معظم مكتبات عشاق السينما. أو حتى جاك دريدا Derrida، مخترع "التفكيك déconstruction «، فقد سلطت مقابلات مختلفة الضوء عليه غنبثقت منها فكرته القوية عن السينما وحول السينما، من بين أمور أخرى، فكرة أو مفهوم "الأشباح على الشاشة fantômes à l’écran ". بالنسبة لفوكو، الذي يثير اهتمام الأكاديميين باتريس مانيلييه ودورك زابونيان، فإن القضية أقل وضوحًا. يعتبر مؤلف كتاب "الكلمات والأشياء Des mots et des choses "، كما نعلم، أحد أشهر الفلاسفة في السبعينيات، والذين لا تزال أعمالهم حول تاريخ الجنون والجنس مستخدمة ومنتشرة على نطاق واسع. يكمن رهان الأكاديميين في المقام الأول في تجميعهما معًا ومحاولة تحليلهما لاستخراج فكرة مشتركة عن الفن السابع. تتكون معظم تصريحات الفيلسوف حول السينما من مقابلات أجريت مع فريق كراسات السينما Cahiers du Cinéma، ولا سيما حول أحد أشهر أعماله، أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي. تم أيضًا نشر معظم النصوص المتعلقة بالسينما في مسيرة فوكو في مختاراته من أقوال وكتابات.

يذهب الكتاب أحيانًا إلى أبعد مدى لفرض فكرة أن الفيلسوف فكر في السينما جيدًا من خلال تجربته كمفكر للفنون، من خلال كثرة جمل الأمثلة، ولكن أيضًا من تحليلات ما كان يمكن أن يكون فكرًا فوكويًا تم تكييفه مع فيلم. كتاب فوكو يذهب إلى السينما مقسم إلى ثلاثة أجزاء. في البداية، يسعى المؤلفان جاهدين لفهم ما يمكن أن يجلبه فكر الالفيلسوف، وخاصة التاريخ، إلى نظرية الفيلم. المحاولة الثانية لتعكس ميتافيزيقيا الفيلسوف على الأعمال التي ميزته، مثل فيلم لويس مال Louis Malle، لاكومب لوسيان Lacombe Lucien، أو فيلم  هتلر، فيلم من ألمانيا Hitler, une film d’Allemagne لسيبربيرغ Syberberg، والذي يتعامل بالنسبة له حقًا مع ما أسماه ضد صيغة الماضي الرجعية "أنتي ريترو l’Anti-Rétro "، وهي قصة في الماضي يمكن تسجيلها في الوقت الحاضر . وأخيرًا، في الجزء الثالث، يجمع المؤلفان كل نصوص فوكو معًا، وبالتالي يعرضونها ببساطة كما على القارئ.

إذا هتفنا بإصدار نصوص هذا الفيلسوف الذي تكون كتاباته معاصرة دائمًا، فلا بد أن نأسف للإفراط في الإضافة sur-ajout المقحمة وضجيج عدد الأفكار. من خلال هذا الانغماس في كتابات المؤلف، يبدو أن الأكاديميين يفقدان تفكيرهما الخاص، وتحليلهما الشخصي للأعمال السينمائية والمكتوبة، ويقدمان فقط ما يسمى بتحليل النصوص المكافئة لتلك التي يمكن إجراؤها في المدارس الثانوية الفرنسية. على وجه الخصوص، أخذ الأمثلة التي لا تتناسب دائمًا مع الموضوع. من المؤسف أن نرى أفكار فوكو تغرق في سيل من الاقتباسات وإعادة الصياغة، حيث يستحق هذا المفكر، على سبيل المثال، مزيدًا من الاهتمام بعمله حول الجسم في السينما.

ميشيل فوكو المفكر بامتياز في الخطابات والسلطات. يمكن حصرها في جملة واحدة، فإن الفيلسوف هو الذي أعاد، في أعقاب نيتشه Nietzsche وفي السياق الثقافي الحيوي للغاية في الستينيات / الثمانينيات في فرنسا، بناء الجوانب المتعددة للتاريخ السياسي لحقائقنا. هل هو مفكر سينمائي؟ لا يبدو هذا الارتباط واضحًا للوهلة الأولى. على عكس الفلاسفة الآخرين في عصره، مثل جيل دولوز، على سبيل المثال، لم يخصص فوكو أبدًا كتابًا أو سلسلة من النصوص العضوية للسينما. يجد المرء في مقابلاته ومقالاته، المنشورة بالفرنسية في أقوال وكتابات Dits et Écrits، عددًا معينًا من المراجع، غير المتجانسة والمشتتة وغير المنتظمة، وغالبًا ما تكون نتاج لقاء مع المخرجين والنقاد والمثقفين الذين يعملون من خلال السينما ومعها . إن كتاب فوكو يذهب إلى السينما أو فوكو في السينما

يفترض الرهان على حوار ممكن ومثمر بين الممارسة السينمائية وفلسفة فوكو. هذا الرهان كبير، لأنه يجب أن يتغلب على عقبتين رئيسيتين: من جهة، كما أشرنا للتو، غياب خطاب منظم من قبل فوكو حول السينما، الطابع العارض والعرضي دائمًا لملاحظاته حول السينما. من ناحية أخرى، فإن المخاطرة التي أكدها المؤلفان في مقدمتهما، تتمثل في جعل هذا اللقاء بين فوكو والسينما مجرد تأثير أزياء، يصلح للدخول في عنوان "فلسفة الفيلم" الرائج اليوم ومن سيقنع نفسه مع البحث في الأفلام عن رسوم توضيحية بسيطة لأطروحات فوكو. ومع ذلك، نجح عمل المؤلفان في تجنب هاتين الخطوتين، ويرجع الفضل في ذلك بشكل خاص إلى العمل الذكي المتمثل في "التحرير" على مستوى كل من المحتوى وشكل النص. يتألف الكتاب بالفعل من مقالتين، كتبها المؤلفان، تعكسان فورًا ثراء وتعدد نهج  ومقاربة للممارسة السينمائية من خلال فوكو: يقترح دورك زبونيان، أستاذ الدراسات السينمائية بجامعة باريس 8، التفكير في "علم الوجود" للفيلم الذي يمكن أن يلهم الحوار مع فوكو، حول الخصائص المحددة لهذه "المعرفة" المحددة، بالمعنى الفوكوي للمصطلح، التي تنتجها وسيلة السينما ؛ باتريس مانيجلييه، محاضر في الفلسفة في جامعة باريس نانتير، يفحص عن كثب التداخل النظري والفلسفي بين العمل السينمائي وكتابات فوكو: ما يمكن للسينما أن تلقي الضوء على "ميتافيزيقيا" فوكو"métaphysique" foucaldienne.

تمت إضافة إلى هاتين المقالتين، في النسخة الفرنسية من العمل، مقاطع من النصوص والمقابلات التي خصصها فوكو للسينما، والتي نُشرت في Dits et writings، ومقتطف من برنامج دورة من الإسقاطات التي عقدت في La Villa Arson في نيس بين فبراير وأبريل 2011، تحت رعاية ECLAT (مكان الخبرات للسينما والآداب والفنون والتقنيات). اقترح هذا الحدث مناقشة سلسلة من الأفلام التي تدخل في حوار مباشر أو غير مباشر مع فلسفة فوكو، كنوع من الرحلة السينمائية في القوة "السياسية المصغرة" للصور والأرشيف السمعي البصري. ومع ذلك، فإن النسخة الإنجليزية من العمل، بفضل العمل المهم للمترجم، تزيد من إثراء هذه الفسيفساء من الخطابات: يتم نشر النسخة الكاملة لنصوص فوكو عن السينما وإتاحتها للجمهور الناطق باللغة الإنجليزية. أضاف المترجم أيضًا المراجع والملاحظات لتوضيح بعض النقاط للقارئ غير الفرنسي، واستخدم العناوين الإنجليزية (عند وجودها) للأعمال والأفلام المذكورة. تشكل الترجمة الإنجليزية لكتاب Maniglier و Zabunyan ain إذا كانت لحظة مهمة لاستقبال فوكو في العالم الناطق باللغة الإنجليزية وفرصة للحوار بين النقد الفوكوي foucaldienne la critique  في فرنسا وداخل الثقافة الأنجلو سكسونية.

يبدأ مؤلفا العمل من الفرضية التي بموجبها يجد المرء في المواجهة بين فوكو والسينما أكثر بكثير من مجرد مصلحة متبادلة أو تقارب سطحي للموضوعات. من الواضح أن الأمر لا يتعلق بالكشف عن نوع من السينما المثالية الفوكوية (الأفلام التي أحبها فوكو)، ولا الاكتفاء بتتبع المناقشات وعمل صانعي الأفلام حول فكر فوكو (حتى لو كان الكتاب يخصص حقًا مكانًا مهمًا للعنوان). المقابلة التي أجراها فوكو مع محرري كراسات السنينما "Cahiers de cinema" في عام 1974، [4] وإلى تصوير فيلم "بيير ريفيير" إخراج رينيه أليو، 5 استنادًا إلى العمل الأرشيفي المهيب الذي نفذه الفيلسوف ومعاونيه في وقت مبكر. السبعينيات). يتمثل التحدي في عمل مانيجلير وزابونيان في إظهار أن الفلسفة والسينما الفوكودية تلتقيان على نفس البعد النظري والعملي: يمكن أن يشكل الاثنان قوة خبرة، بالمعنى الذي أعطاه فوكو لهذا المصطلح، أي ديناميكية قادرة على تغيير من نحن وكيف نرى ونتصرف في العالم. أكد فوكو في عام 1978 في مقابلة شهيرة مع دوتشيو ترومبادوري Duccio Trombadori أن التجربة هي "شيء يخرج منه المرء متحولًا". تعد السينما والفلسفة إذن شكلين، وإن كانا مختلفين، للحركة التجريبية: وهكذا يمكن للسينما أن تواجه، من خلال هذه الوسائل، القوة النقدية في قلب فلسفة فوكو كبادرة ملموسة للفكر، كديناميكية للتحول للذات وللإنسان والآخرين. السينما تجعلنا "ننظر بشكل مختلف" ما تسمح به الفلسفة "بالتفكير على نحو مختلف".

على وجه الخصوص، تجعل السينما من الممكن إعادة التفكير في سؤال يقع في صميم أعمال فوكو: هل يمكننا تخيل طريقة أخرى للتفكير وصنع التاريخ؟ يستكشف الفصل الذي كتبه Dork Zabunyan هذه المشكلة من خلال انعكاس، نظري بالتأكيد ولكنه يعتمد على عدد من الأمثلة الملموسة " هانس يورغن،سبيربيغ،لوي مال،رينيه فيريه،بيير باولو بازوليني،، ويرنر شرويتير ليليان كافاني، ميكائيل لانسدال، (Hans-Jürgen Syberberg، Louis Malle، René Féret، Werner Schroeter، Michael Lonsdale، Liliana Cavani، Pier-Paolo Pasolini، إلخ. .)، المتعلقة بشكل المعرفة الخاصة ببعد الفيلم. عند التساؤل من منظور المشروع الأثري الفوكوي، من الواضح أن السينما لا يمكن أن تقع في جانب الخطاب البحت، مثل رواية أو مخطوطة أرشيفية، ولا في جانب غير الخطابي، مثل الرسم. على سبيل المثال، فهي نفسها رمزية في أعمال فوكو (فقط فكر في تحليل Las Meninas من قبل فيلاسكيز Vélasquez الافتتاحي الكلمات والأشياء). بين الصورة والخطاب، المرئي والقابل للقول، يسمح الفيلم في الواقع على مستوى إعادة البناء التاريخي بينما يشكل شكلاً "الخروج" من أي مفهوم أكاديمي وثابت للتاريخ وكذلك من الذوق "الرجعي" البسيط للماضي. يمكن للفيلم أن يصبح عنصرًا من ممارسات واستراتيجيات "الهجوم المضاد" 8 التي يصفها فوكو، في كتابه عام 1976  إرادة المعرفة La volonté de savoir ، باعتباره الإمكانية الوحيدة للمقاومة الفعالة لأجهزة القوة والجنس التي تشكلنا. يتضح هذا بشكل خاص إذا أخذنا في الاعتبار بُعد الجسد في السينما. فوكو نفسه، بالإشارة إلى أفلام فيرنير شروتير Werner Schroeter أو مارغريت دوراس Marguerite Duras، على سبيل المثال، يعترف بالقوة المناسبة للوسيط السينمائي للعرض على خشبة المسرح لجسد يهرب في تعدده من الإدراك العضوي للسلطة ومن الوضوح الوحيد لسلطة ما. الرغبة الجنسية: 9 "جسد بلا أعضاء"، لاستخدام مفهوم أساسي لأنطونين أرتو Antonin Artaud، والذي يكشف في تجزئه وتشتت القوة (كم مثير للشهوة الجنسية) للتأليف الجسدي الذي يفجر منطق التفرد وتصنيف القوى المعاصرة . عندئذٍ بالضبط، من خلال قدرتها على التفكك والتشتت، يمكن للسينما أن تنضم مجددًا إلى هذا الطابع من الانقطاع الخاص بممارسة فوكو التاريخية. السينما هي "فن الفقر والافتقاد art de la pauvreté "، كما قالت هيلين سيكسوس عن مارغريت دوراس في مقابلة مع فوكو من عام 1975: 10، وهو تمرين يتكرر باستمرار في تجريد أغلال التقاليد والأيديولوجيات ووسائل الراحة. هذا الفقر، علاوة على ذلك، له الكثير ليفعله، كما أشار المؤلف بحق، مع متطلبات "الزهد" و "أسلوب الذات" التي ستكون في صميم فكر فوكو، لا سيما في الثمانينيات - ونحن نأسف أن انعكاسات دورك زابونيانDork Zabunyan تشير إلى هذه النقطة، فإن الفتحات نحو السينما في المرحلة الأخيرة من العمل الفوكوي لم يتم استكشافها كثيرًا. على أي حال، فإن غياب السينما عن الأرشيفات التي استخدمها فوكو في أعماله الكبرى لا ينبغي أن يكون مفاجئًا. ربما يكون الوسيط السينمائي قريبًا جدًا في منطقتنا أن يكون تاريخًا حديثًا حتى يتمكن مؤرخ "الحاضر" من جعله موضوع نظره. لكن هذا لا يعني أنه لا يمثل افتراضيًا مهمًا للتفكير في هذا الحاضر بالتحديد الذي نحن فيه ونعيشه: إنه على العكس من ذلك، وفقًا للمؤلف، مكانًا رئيسيًا للنقاش حول أشكال "المقاومة" .. والتحول الملموس للذات في واقعنا.

يبدأ المقال الثاني في الكتاب، الذي كتبه باتريس مانيغيليه، من ملاحظة أن اللقاء بين فوكو والسينما، مهما كان عرضيًا، ليس بالأمر الهين لأن هناك تقاربًا جوهريًا بين المشكلات المثارة، ومعرفة المجالات المفتوحة لـ التساؤل، عما هو مبهم ومعقد بالنسبة لنا بسبب حقيقة أن هناك شيئًا من النضال الأساسي يحدث هناك: الجنس، القوة، الجنون، علاقتنا بالماضي، بالذاكرة الجماعية، إلخ. مرة أخرى، تكمن المشكلة الرئيسية حيث يلتقي الفيلم والفلسفة ويتصادمان بالنسبة للمؤلف في مسألة التاريخ: لقد أدرك كل من السينما وفوكو انهيار علاقة تقليدية معينة بالزمن والذاكرة ومتطلب إعادة التفكير في معاصرتنا بالطريقة التي نعيشها. التي نبني هويتنا التاريخية. لا يتردد باتريس مانيغلييه في استدعاء العديد من الأمثلة السينمائية لهذه "الثورة" في مقاربة التاريخ، بدءًا من رينيه أليو René Allio إلى آلان رينيه Alain Resnais وإريك رومر Éric Rohmer وكوينتين تارانتينو Quentin Tarantino وروبرتو روسيليني Roberto Rossellini وغيرهم. لكنه يرغب في ترسيخ هذا التأمل في التاريخ في السينما، من خلال فوكو، من خلال تحليل فلسفي مناسب، وميتافيزيقي بشكل أفضل، لبعد يقع في قلب فكر فوكو، وعلى وجه الخصوص مفهومه للتاريخ: مفهوم الحدث. قد يبدو الاستخدام المفترض لمصطلح ميتافيزيقا فيما يتعلق بمفكر مثل فوكو في غير محله. على الرغم من أن المؤلف أوضح أن استخدامه لهذا المفهوم لا يحتفظ بأي شيء من الهدف المتعالي للميتافيزيقا التقليدية، إلا أنه لا يزال هناك شعور بأنها صورة لفوكو في جيل دولوز تظهر في هذه الصفحات. ومع ذلك، فإن عملية مانغلييه Maniglier لا تخلو من الاهتمام: من خلال مسألة الحدث، ينزل إلى القلب النقدي لفلسفة فوكوية philosophie foucaldienne وعلاقتها بالتاريخ. ما هو التاريخ المتقطع إن لم يكن سلسلة من الأحداث مثل التفردات التي تحدث في مساحة فارغة، بعيدًا عن السلسلة التي حددتنا في الأيديولوجيات التقليدية العظيمة والتليولوجيات téléologies للتاريخ؟ ولكن بعد ذلك، كيف نفكر حقًا في ظهور وتسلسل وإنتاج الوضوح والقيم من هذا الوقت الحافل بالأحداث والمتقطع والمشتت؟ ما الذي يجعل التاريخ في هذه الصيرورة بلا زمن؟ كيف يمكن التفكير في أن تصبح بدون مادة، وموضوعات بدون هويات سابقة، وابتسامات بدون قطط، كما في فيلم أليس في بلاد العجائب Alice aux pays des merveilles من إخراج لويس كارول Lewis Carrol (رسم توضيحي للحدث وفقًا لجيل دولوز في الاختلاف والتكرار)؟ 11 هذه أسئلة فلسفية كثيفة، ولكن لا يستطيع فوكو الهروب منها، في بحثه عن فكر نقدي، أي: الذي لا يكشف لنا حقيقة الأشياء ولكنه يسمح لنا دائمًا بالاعتقاد بأن الحقيقة موجودة في مكان آخر، ويمكننا أن نتحول ونصبح آخرين، عن طريق تغيير رؤيتنا للواقع. إجابة فوكو، من وجهة نظرنا، دائمًا ما تكون تاريخية أكثر منها ميتافيزيقية: فبدلاً من أن يسأل نفسه مباشرة "ما هو الحدث؟»، يبحث، على وجه الخصوص من أعمال السبعينيات، عن أمثلة تاريخية تظهر التفرد الزمني يصنع حدثًا، وينتج كسر في الوقت المناسب. بعد قولي هذا، من المثير للاهتمام أن نلاحظ، كما يفعل المؤلف، التقارب حول هذه الأسئلة الخاصة بالفلسفة الفوكوية والسينما، والتي يمكن أن تصبح مكانًا للتفكير أو حتى لإنشاء الأحداث بفضل عملياتها، قوتها في الحركة خارج زمان وفضاء الوجود اليومي. يمثل الفيلم إذن أداة نقدية بالمعنى الفوكوي للمصطلح: لحظة اختراع أشكال جديدة للعلاقة بالزمانية والهوية التاريخية؛ فتح فضاءات جديدة للعمل والفكر.

في الختام، في ثراء الموضوعات والنهج، يشكل كتاب باتريس مانيجلييه ودورك زابونيان قراءة مهمة لتعميق أحد أبعاد العمل الفوكوي (العلاقة بالسينما) التي تم التقليل من شأنها لفترة طويلة أو حتى تجاهلها. من المسلم به أن تأثيرات التفسير المتحيز ممكنة دائمًا، بمجرد أن تكون مسألة إعادة تتبع بأي ثمن خيطًا مشتركًا في الكتابات التي تظل غير متجانسة من حيث تاريخ تكوينها، ومناسبة إنتاجها، والمواضيع التي يتم تناولها. ومع ذلك، يدرك المؤلفان هذا التنوع الأساسي للمواد التي يتعاملون معها، ويقومون بعمل ملف نقطة الشدة، التي يجب أن نلعب عليها من أجل استكشاف ليس تماسك الرؤية في فكر فوكو، بل بالأحرى مكان الإشكالية المتكرر باستمرار: مسألة علاقة الحاضر بتاريخه، من خلال المحفوظات - تلك الخاصة بالتاريخ ونظرية السينما - الوقوف على الحد الفاصل بين أبعاد الخطابي والبصري، بين الكلمات والصور وواقع الأجساد. من خلال قبول العمل بدلاً من ذلك على الحدس المتشتت والنصوص الصغيرة لفوكو (بقدر ما يمكن تطبيق هذه الفكرة على إنتاجه)، تفتح سلسلة جديدة كاملة من الأسئلة واللقاءات المحتملة بين الفكر الفوكوي والسينما، وبشكل أعم لا يزال فوكو والفنون المسرحية بحاجة إلى استكشاف إلى حد كبير: نقد التمثيل والعلاقة بين اللغة والإشارة والواقع ؛ الإدراك بأن مرحلة معينة من تاريخنا قد انتهت نهائيًا، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى تفكيك المفاهيم النقدية وهو في نفس الوقت إعادة ترميز وإعادة كتابة للذات ؛ التفكير في ذاتية الممثل والمشاهد ؛ إشكالية الجسد وإمكانياته في التعبير والتهجين ؛ مطلب سياسي بحت لانتقاد أنظمة السلطة وتسلسلها الهرمي من أجل تخيل وابتكار طريقة مختلفة للوجود.

يبدو أن ما أصبح واضحًا أكثر فأكثر في هذه السنوات الثلاثين الأخيرة من النقد الفوكوي، منذ وفاته في عام 1984، هو أن ميشيل فوكو ليس فقط فيلسوفًا لخطابات علم الآثار، وسلسلة نسب القوى، وأنماط الذاتية، وألعاب حقيقة. وهو أيضًا مفكر استخدم الفنون في كثير من الأحيان كرموز بلاستيكية لنماذج من المعرفة، واستعارات فنية وجمالية لتصميم مساحة عمله الفلسفي - الحياة كـ "عمل فني" ؛ العين الحاسمة "لرسم" الحياة العصرية ؛ "مسارح" الحقائق والأجساد التي تشكل سلاسل الأنساب المتعددة لعلاقات القوة. فتح فوكو خطابه الفلسفي أمام تلوث حقيقي ونشط من خلال تعددية الممارسات الفنية، والتي غالبًا ما يتم إنزالها إلى حدود الفكر التقليدي. الأدب، والمسرح، والسينما، والموسيقى، والتصوير الفوتوغرافي، و "عروض" الكلام: هناك أبعاد عديدة لا تعتبر بالنسبة لفوكو ترفيهًا جماليًا بأي حال من الأحوال، وتوغلات بسيطة في مجالات الممارسة والفكر بعيدة كل البعد عن الخطاب الفلسفي الكلاسيكي، ولكنها تشارك بشكل مباشر من بناء فلسفة فوكوية وتعبئة قوتها النظرية السياسية. ليس من قبيل المصادفة أن السينما، من بين الفنون الأخرى، تواصل اكتشاف فوكو، لتعبئته أو لاستنفاره، ولاستجوابه.

يجب أن ينقلب أفلاطون في قبره: دروس الفلسفة تجري في هذه الكهوف التي هي صالات العرض المظلمة! الغرباء منذ زمن بعيد عن بعضهم البعض، السينما والفلسفة يسيران جنبًا إلى جنب اليوم. حتى أن الكلمة العصرية جدًا تشهد على هذا الاتحاد الجديد: "الفلسفة السينمائية cinéphilosophie ". لكن لماذا وكيف يستحوذ الفلاسفة على السينما؟ في نظر المشكك الأمريكي ستانلي كافيل Stanley Cavell، ليس هناك شك: السينما تعكس علاقتنا بالعالم. الفن السابع هو عالم الظلال. ظاهرة الإسقاط تجعل العالم الغائب يظهر. إنها تعكس الخطوط العريضة بالأبيض والأسود لهذا العالم الموجود وغير الموجود، والذي لن أتمكن من معرفته أبدًا. السينما إذن هي "صورة مؤثرة" للشك، كما عبر عنها المؤلف بلطف. إنه يضعني في قلب "جدلية خيبة الأمل والرغبة"، المعرضة للخطر في كل أفكار كافيل Cavell.

السينما مكان الاخلاق. نتيجة للدورات التي قام الفيلسوف بتدريسها في جامعة هارفارد، والتي تربط بين المفكرين والأفلام، تقدم فلسفة الصالات المظلمة رحلة عبر تاريخ الفلسفة الأخلاقية، من أفلاطون Platon إلى راولز Rawls، عبر نيتشه وإيمرسون Nietzsche et Emerson، بالإضافة إلى توضيح حول الكمالية الاتقائية perfectionnisme (انظر أيضا ص 82). كيف تصبح نفسك؟ كيف تصبح أفضل؟ هذه الأسئلة هي في صميم الأفلام التي جمعها كافيل تحت نوع واحد: كوميديا الزواج. فيلم قلب محاصر Un cœur pris au piège إخراج ستورجس Sturges ؛ سيدة الجمعة La Dame du vendredi لهوكس Hawks. أو حتى فيلم الطيش من إخراج كيكور Indiscrétions de Cukor يعبرها نفس االنابض الدرامي: ينفصل الزوجان للعثور على بعضهما البعض بشكل أفضل. ويعيشان سعادة جديدة ...

بالنسبة إلى ميشيل فوكو Michel Foucault، الذي لم ينجذب كثيرًا إلى نظرات كاثرين هيبورن Katharine Hepburn وكاري غرانت Cary Grant، فإن الاهتمام هو عدم معرفة ما إذا كانت السينما تجعلنا أفضل. إنها مرآة التاريخ التي شاهدها، من جانبه، على الشاشات، وهذا "الارتباط بين السينما وأرشيف العصر"، كما كتب Dork Zabunyan في فوكو يذهب إلى السينما، التي تحتل النصوص القليلة والمقابلات التي كرسها المفكر للفن السابع. إذا كان أحد الفلاسفة النادرين الذين تم تكييفهم للعرض على الشاشة – نصه العظيم " أنا بيير ريفيير بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي" ... الذي أصبح فيلمًا من إخراج أليو -، فإن فوكو، على عكس كافيل أو دولوز، لم يطور أبدًا فكراً شاملاً منظماً في السينما. من خلال أفلام فيريه، أوشرويتير،أو ودوراس، أوبازوليني،Pasolini أو Duras أو Schroeter أو Ferret، يستحضر آثار علاقة بالماضي أو بالسياسة أو بالجنون أو بالجسد أو بالجنس. هل يمكننا، على سبيل المثال، أن نصنع فيلمًا بدون إضفاء الإثارة الجنسية أو البطولات؟ عندما يتحول إلى بطل للفلسفة، لا تتوقف السينما عن إبهاره بجمالها المظلم.

يقدم باتريس مانيغلييه ودورك زابونيان مقالتين طويلتين مجمعتين معًا في كتاب، مصحوبة بمجموعة مختارة من نصوص ميشيل فوكو، دراسة مفتوحة رائعة، لقاء سياسي بين الفيلسوف والسينما. كتاب له اهتمامات متعددة، تحركه حركات فكرية رائعة.

السينما، في نفس الوقت باعتبارها فناً غير نقياً أو صافياً art impur، ربما توجد أيضًا، كما قال غودار Godard، بين التلسكوب والميكروسكوب: أداة علمية مخصصة للمقياس البشري. هذان السببان يمكن أن يفسرا الحماس الفردي لما يسمى بـ "العلوم الإنسانية" للذهاب ومشاهدة جانب السينما، خاصة أنه يبدو بداهة أنه الفن الأقل إثارة للخوف. إن هذه الخاصية الديمقراطية (بكل معاني المصطلح) هي التي تبدد سراب الشرعية أو اللاشرعية في الحديث عنها، وتفتح السينما على أي نوع من الفكر. هذه الفرصة لتكون قادرًا على فهم السينما بعدة طرق هي أيضًا فرصة للسينما نفسها: التفكير فيها بشكل مختلف هو تتابع لصنعها على نحو مغاير ومختلف مختلف.

كان باتريس مانغيلييه قد شارك بالفعل في العمل الرائع عن فيلم ماتريكس (ماتريكس، ماكنة فلسفية Matrix, machine philosophique [1]) الذي قصد التفكير في السينما والفلسفة بشكل مشترك، وفتح فكر كليهما. نادرًا ما لم تأت الفلسفة لتلتقط المصفوفة لترفعها إلى سماء يفترض أنها أكثر نبلاً أو ثراءً؛ على العكس من ذلك: هذه المحاولة (التجريبية) لم تستدعي التوضيح ولا السخرية ولا حتى هذه النية الحسنة لإعادة التأهيل والتي غالبًا ما تنطوي على لهجات متداخلة، حتى من الكراهية المخفية بشكل سيئ للسينما التي لن تكون "سائدة". ". قدمت لنا آلة ماتريكس الفلسفية بسعادة (تركت كل الادعاءات في الخزانة) للتفكير مع ماتريكس، لإرشادنا لتقدير جميع الأحاسيس المسكرة لتجربة المشاعر الفلسفية في نفس الوقت مثل السينما.

إذا سمحت لنا المصفوفة Matrix، وهي آلة فلسفية، أن نشعر بذكاء وإبداع الفيلم بشكل فعال، يذهب فوكو إلى السينما التي يقترحها لدراسة العلاقة بين السينما والتاريخ، مثل أنهما كانا قادرين على الظهور بشكل مشترك مع ميشيل فوكو طوال عمله، وفي السبعينيات من القرن الماضي للنقاد (باسكال بونيتزر Pascal Bonitzer، سيرج داني Serge Daney، سيرج توبيانا Serge Toubiana) وصانعي الأفلام المخرجين(رينيه أليو René Allio وآلان رينيه Alain Resnais). هذه العلاقات بين السينما والتاريخ مدعومة بالسياسة، أو بالأحرى سياسة العرض والتمثيل la représentation.

بعد مقدمة واضحة جدًا حول موضوعهم، موقفهم ("فكرة في العمل" الرغبة في السعي إلى "التفكير بشكل مختلف"، تمامًا مثل فوكو، الذي كان تعبيره، يهدف إلى إيجاد طريقة جديدة لممارسة التاريخ)، ومشروعهم (لمواجهة الممارسات الفلسفية والسينمائية والتأمل في التاريخ)، يتعامل المؤلفان معه من زوايا انطلاق مختلفة تنتهي بالالتقاء في خطوط رحلتهم: إمكانيات فيلم لدورك زابونيان، مفهوم الحدث، لباتريس أكثر ذكاء.

ماذا يمكن أن يفعل الفيلم؟

بهذا السؤال، بالتوازي مع سؤال سبينوزا Spinoza الذي أعاد دولوز قراءته، افتتح دورك زابونيان مقالته. يبدأ المؤلف بتحليل تأثير الفكر الفوكوي la pensée foucaldienne كما عرض في مجلات كراسات السينما Cahiers du Cinéma في منتصف السبعينيات، في خضم موجة نضالية متشددة [2]، ومقابلة "Anti-Retro" الشهيرة (CC رقم 251-252 Juillet - أغسطس 1974) التي أجراها باسكال بونيتزر وسيرج داني وسيرج توبيانا ضد موجة من الأفلام "الرجعية  rétros "، وتحويل الماضي إلى لوحة جدارية زخرفية. باتريس مانيغلييه (انظر أدناه) يكمل تحليل فيلم رينيه أليو (أنا، بيير ريفيير، بعد أن ذبحت والدتي وأختي وأخي ...) بدأ هنا. لكن زبونيان أكثر اهتمامًا هنا بما جذب انتباه فوكو في السينما، أي جمالية الفقر، وغياب اللياقة أو التأثيرات. يمكن للآثار فقط أن تقلل من التأثير السياسي أو تصرف الانتباه عن قضايا التمثيل. "إذا كانت هناك خصوصية إيجابية للسينما في فوكو، [...] فهي مسألة تصور فن سينمائي خالٍ من أي مقاربة جمالية [3]: (" رجعي "أم لا) [...] فن حيث يؤدي الزهد المرئي والصوتي في كل شكل من أشكاله إلى الغوص في التعرجات القاحلة للأرشيف، أو قسوة علاقتنا بالسلطة، أو تحريك الجسد المجهول. (ص 32) يحلل زبونيان العلاقة البعيدة بين الفيلسوف والسينما من خلال المسافة التي يمكن أن يتخذها المؤرشف فيما يتعلق بالحقائق الحديثة جدًا، حيث يظل الوقت المنقضي قريبًا جدًا وغامضًا للغاية.

قضية مشروعة:

على الرغم من أن فوكو عاشق للسينما، إلا أنه لم يؤلف كتابًا عن السينما كما قلنا أعلاه، ولم يعترف بأنه مؤهل للتحدث عن الجماليات السينمائية. مداخلاته مشتتة في عدد قليل من المقالات والمقابلات، والتي يجب أن تفعل بالضبط، في فئة خطابها، مع الواقع والصراعات الملموسة. كما قال باتريس مانيغلييه بلطف، "من الصعب تخيل الميتافيزيقيين في توغاس وهم يتظاهرون مع مجموعة معلومات السجن. من الصعب أن نتخيل المفكر التأملي يقول مع فوكو إنه لا ينبغي للمرء أن يتردد في لكم الشرطة، لأن رجال الشرطة مصممون لذلك، أي لممارسة العنف الجسدي. يمكن لأخصائي المحفوظات و "الناشط" أن يتعايشا، ولكن ربما ليس بالضبط في نفس الوقت. على الرغم من هذا الاحتجاج على اللاشرعية، فقد يكون حدث ما بين فوكو والسينما مثل "علاقة غرامية" (للتلاعب بالكلمات)، تبادل متبادل على شكل استجواب.

بادئ ذي بدء، وهذا هو الجزء الأول من مداخلة باتريس مانيلييه (التي تضيف إلى انعكاسات دورك زابونيان، يرى فوكو في السينما إمكانية غير مسبوقة لعرض قصة "جزيئية". يطور فوكو مفهومًا جديدًا جذريًا للتاريخ، وهو مفهوم سياسي يمكن تلخيصه بالفعل بهذه العبارة من الفيلسوف: "شخص ما يتكلم دون امتلاكه"؛ إما: شخص (مثل بيير ريفيير، ومثل "رجال سيئو السمعة hommes infâmes " الذين أراد فوكو جعل تاريخهم) غير شرعي [4 يأخذ على عاتقه تاريخه الفريد، معارضة القوات الشرعية (الشرطة، الأطباء، المحامون، إلخ). بالنسبة للتاريخ الرسمي البطولي لأي كيان (رجل عظيم، أمة، طبقة) يعارض فوكو الذاكرة الشعبية، "عملية بلا موضوع" (كما عرّفها ألتوسير Althusser). الشعب ليس الفلاحين أو العمال، إنهم ليسوا طبقات، إنهم "خونة: إنهم في التاريخ، لكنهم مثل الفيروس. إنهم يطاردون تاريخنا، لكن تاريخنا ليس تاريخهم. (ص 63) لا تزال ذاكرة هذه الأقلية موجودة في الوقت الحاضر، حتى لو كان عمرها عدة قرون، لأنها مرتبطة بدقة بالحدث (تم شرحها بالتفصيل وبشكل جيد جدًا بواسطة مانغلييهr لاحقًا).

مفاصل أو تمفصلات: Disjonctions

الذاكرة الشعبية هي تاريخ لا يدمج وجهة نظر متدلية (فوق تاريخية)، ولكن أين الحدث، ليقول بسرعة ما يظهر في الفجوة التي أحدثتها الطفرة وتلاقي العديد من القوى التاريخية، المعرفية، يمكن أن يأتي على وجه التحديد للإضاءة من خلال إمكانيات انفصال الوسيط السينمائي: بين الكلام والصوت والصورة، بين اللقطات - تأثير كوليشوف effet Koulechov. بهذا المعنى، فإن فيلم رينيه أليو Moi، بيير ريفيير ... (تم تحليله ببراعة من قبل Maniglier) مانغلييه، يتكيف مع حرف النص الأصلي الذي اكتشفه فوكو، يلعب على مفارقات الكلام لإظهار مجموعة كاملة من القوى الخطابية التي تتعايش وتتعارض، يمكن أن تعارضها مراجعات نصوص مجلة كراسات السينما Cahiers du Cinéma بأسلوب رجعي (حيث يكون فيلم عتال الليل Portier de nuit [5] ولوسيان لاكومب Lacombe Lucien [6] جزءًا، وفي نهاية الثمانينيات ولكن بالمثل، أورانوس Uranus لكلود بيري Claude Berri الذي سينتقده بشدة سيرج داني).

يتدخل مانغلييه بعد ذلك بشكل أعمق في مفاهيم الحدث، المتسلسلة (ربما في قراءة أكثر دولوزية  deleuzienne  لفوكو)، لينتهي به الأمر في نهاية المقال بمجموعة من المقترحات النظرية والتحليلات الفيلمية المبهرة، والتي تكاد تكون مقبولة: رؤى وطرق تصور للتحدث عن الأفلام، ذات قوة كبيرة، أسلوبية ونظرية. دعونا نقتبس، على سبيل المثال، هذا التأكيد والعرض في غاية الجمال: "ليس قطارًا يدخل المحطة، لكن المحطة كلها كما هي تتحقق في قطعة قطار. (ص 87) أو هذا المقطع: "وهكذا، لن تظهر لنا السينما أياديًا متوترة، بل توترات تنشأ في وسط قوى أخرى، وليست عيونًا تثبت شيئًا ما، بل نظرات تشغل وجهًا، وليس خطافات منقولة التي تقطع الحناجر، لكنها قطع الحلق التي تعبر الزمن ... "(ص 102) هذه الصفحات المذهلة وغيرها، والتي ا أستطيع مقاومة إغراء اقتباسها، تذكرنا بمداخلة دولوز في إحدى محاضراته عن الوجه في سينما:

"ما يفعله الوجه شيئان: الوجه يشعر، والوجه يفكر بــ [...] يعود الزوج إلى المنزل في المساء منهكا من عمل طويل. يفتح الباب، يجر رجليه، وتنظر إليه زوجته. فيقول لها عابساً نكد المزاج وعلى نحو عدواني تقريباً، مشاكس ومتذمر: ما رأيك بماذا تفكرين؟ وأجابت: ما خطبك؟ - "فيم تفكر"؟ وهذا يعني: ما هي الجودة التي تنبع من وجهك؟ والإجابات الأخرى "ما بك؟»، ما هذه السلسلة الغريبة والمكثفة التي تخترقك صعودًا وهبوطًا.»

هذه القدرة الرائعة للابتكار، للعرض والتفكير في نفس الوقت، للتوفيق بين الاثنين في جملة واحدة، تشوه من خلال الأسلوب أي محاولة لإفساد الفلسفة في السينما: يوجد هنا أيضًا لقاء حقيقي، شيء رائع تمامًا يحدث، وهو ما يتوازى بشكل مباشر مع محاولات فوكو القليلة للتفكير في السينما كوسيلة للتجربة. والاقتباسات من إبشتاين Epstein، وهو نفسه صاحب نظرية أو منظُر وممارس للسينما، متطابقة (أو ينبغي أن أقول "متسلسلة").

لأن المؤلفين يصرّان على علاقة الجسد المعاد تشكيله بالسينما والسينما نفسها كجسم جزيئي كبير: الطريقة التي يرى بها فوكو في أفلام فيرنر شروتر Werner Schroeter "نشأة الجسد"، أو في أفلام مارغريت دوراس " ضباب بلا شكل (انظر حول هذا الموضوع النصف الثاني من مقالة زبونيان، بالإضافة إلى تحليلاته لتمثيل السلطة). ومع ذلك، فإنه من خلال ممارسة هذه الملكات المشتتة يمكن تطوير كل من سينما التاريخ وفقًا لفوكو، ولكن أيضًا طريقة جديدة لفهم السينما والتعاطي معها بقوة كامنة، في الإمكانات.

لأنه (وهذا بالتحديد الجزء الأخير من مقالة مانغلييهr) يعود الفضل في ذلك إلى ملكة التخوف، هذا النمط من الرؤية الذي يمكن لسينما الذاكرة إعادة الاتصال بالحاضر. إذا كانت كتب فوكو مهتمة بالعصور البعيدة عنا، فإن مقالاته ومقابلاته كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأحداث الجارية، ومع ذلك فإن السينما تقوم بتحديث الذاكرة (وهذه هي نظرية مانغلييه) من خلال التساؤل الدائم عن صوره. الشاشة كقناع (حسب أندريه بازان) تعرض الصورة من الخارج، أي صورة سينمائية غير مكتملة من قبل في تحليل مذهل وعما لا يُصدق في فيلم ليلي وضباب Nuit et Brouillard إخراج ألان رينيه Alain Resnais، يصف مانغلييه قوى الصورة وتمثيل الصيحات، التي تتشكل بين المفارقات (الزمنية، المكانية، الجمالية) التي ينتجها الفيلم. يمكننا أن نرى بوضوح ما تقدمه هذه التحليلات أيضًا للخطاب حول السينما، وطريقته في الحديث عنها، ووصفها، وهي ملكات ملموسة وخيالية في نفس الوقت.

في الختام، يوضح مانغلليهr بالتفصيل عددًا آخر من الأفلام التي قد يكون من المثير للاهتمام دراستها، موضحًا أن هذا الكتاب ليس سوى مثال واحد ممكن لما يمكن أن تجلبه المواجهات بين فوكو والسينما. يقول باتريس مانغلييه، في اندفاع رائع من التواضع ("أنا لست مؤرخًا ولا صانع أفلام ولا ناقدًا سينمائيًا"، ص 53 – هل هو جبن اللاشرعية، مرة أخرى؟)، ينفي تقديم نماذج عملية للسينما. لكن إذا لم يفعل ذلك بشكل مباشر، فإنه يفعل ذلك بطريقته في التعامل مع الأفلام، وما يحدث لنا من خلال الكتابة.

سيكون من المستحيل ومن الحماقة تكرار الرسالة، باستثناء أن تصبح نوعًا من بيير مينارد Pierre Ménard، كل ما يحتويه هذان النصان مثير، ومفتوح بشكل خاص، كإمكانية للدراسات. ما هو مؤثر بشكل خاص، وما يكمن وراء المشروع، هو هذه الرغبة في أن تصبح، هذه الرغبة في شيء جديد، يشبه العالم المجنون أو الساحرة، والتي تتشكل في كل من الرغبة في رؤية "شيء آخر"، ووضعه بطريقة أخرى بطريقة مشتركة في التخصصين. هذا هو السبب في أن قائمة البداية (الخاطئة) التي وضعها المؤلفون في المقدمة (التأثيرات الأربعة التي يقصدها هذا الكتاب: على النقاد، والمنظرين، وصانعي الأفلام، والفلسفة نفسها) يمكن فقط تفريقها وتقسيمها إلى العديد من النقاط الفردية، غير قابلة للتوحيد. ضد توحيد، المسلمات: المتعدد، المفتوح. يسلم المؤلفون إلينا النص: الأمر متروك لنا لتولي المسؤولية منهم، من فوكو أو غيره، للعب السينما بمعرفة أخرى، ولعب دور الكيميائي الصغير أو الساحر، التسرع في زج الوسيط.

***

د. جواد بشارة

 

محمد السعديسيرة ذاتية للصديق والقاضي زهير عبود كاظم عنوان كتابه ”الأرض والسلاح والإنسان ” الصادر عن دار نشر 4D في مدينة النجف الاشرف ” الذي أهدانياه مشكوراً، والذي لفتني عنوانه بتلك المفردات الثلاثة تعبيراً عن الإنسان ومحطات حياته النضالية في حقبة مهمة من تاريخ العمل الفدائي (الفلسطيني) عشية هزيمة ٥ حزيران عام ١٩٦٧ . في مقدمة كتابه، الذي يحوي ١٢٦ صفحة من الحجم الكبير عرض موجز ومكثف عن بدايات إعلان الثورة الفلسطينية وإنطلاق منظمة التحرير ” فتح ” بقيادة ميدانية من رئيسها الراحل ياسر عرفات، وتداعيات الموقف العربي الرسمي والشعبي في الدعم والمساندة المعنوية والمادية والاعلامية والوجستية بإتجاه تحرير الارض الفلسطينية المغتصبة من قبل الكيان الصهيوني ودوائره الامبريالية، فضلا عن هذا الدعم والتأيد الكبيرين للقضية الفلسطينية ومنظمة التحرير ممثلها الشرعي في التمثيل والنضال، لكن تناسلت عنها عدة تنظيمات ومنظمات بداً من الجبهة الشعبية مروراً بالجبهة العربية لتحرير فلسطين الى منظمة حماس بعد أن أصبحت قراراتها ووجودها بيد قرارات وأمزجة الانظمة والدولة التي أحتوتها وبمرور الاعوام تحولت من مشاريع نضال وتحرير وعمليات فدائية الى سياسة تطبيع وإستسلام والتخلي عن شعارات الدولة القيطة والخنجر المغروس في قلب الوطن العربي . كان خطاب الاعلام العربي تأثيره النفسي والوطني بإتجاه تعبئة الشارع العربي نحو تحرير فلسطين فلبى هذا النداء الآف من الشباب العربي باتجاه التطوع في العمل الفدائي من أجل تحرير فلسطين ولم يغب عن بال الآخرين هناك دوافع وعوامل ثانية وثالثة دفعت هؤلاء الشباب بالتضحية بحياتهم ومستقبلهم .

زهير إبراهيم خالد .. من أهالي صفد / منطقة الصفصاف، هذه هي هويته الجديدة من مكتب الجبهة الشعبية القيادة العامة في العاصمة بغداد ليحملها بصفة مقاتل فدائي بين عمان ودمشق لمدة تسعة شهور وتسعة أيام  يسردها بتفاصيل المدن والشخصيات والوقائع والاحداث والمفاجأت وروح التجربة، في بداية حياته بمدينة مسقط رأسه ”الديوانية” أحدى معاقل الشيوعيين في الفرات الأوسط أنتمى الى خلية حزبية ولضنك العيش وصعوبة وضع أهله المعيشي تطوع نائب ضابط في الجيش العراقي، وظل مجاهداً متمسكاً في خليته الحزبية الشيوعية، وفي موجة حملة مداهمات وإعتقلات قبل إنقلاب البعثيين عام ١٩٦٨، أدت الى اعتقاله وطرده من الجيش وراح يبحث عن وعاء جديد يرى به نفسه ويلبي طموحه ويحقق رغباته في النضال والعنفوان فقادته تلك الهمم الى مكتب الجبهة الشعبية / القيادة العامة ”أحمد جبريل في العاصمة بغداد ليسجل نفسه فدائياً عربياً. تجربة غزيرة يرويها القاضي زهير عبود كاظم في إستذكار سيرته الفدائية وتتبع أدق تفاصيل مجرياتها بحرارة ذلك الزمن من المقاومة والنضال ووقعها التاريخي والوطني .

بعد تسعة سنوات وتسعة شهور يرجع الى وطنه العراق عبر بوابة ”دمشق عاصمة الامويين الذي يصف مدنها وأزقتها وشوارعها بالرشاقة والوسامة ونهر ”بردى الذي يضيء تاريخ وجه المدينة وعنفوانها . بغداد .. التي تركها منذ شهور الى العاصمة عمان التي يراها مدينة صغيرة وقديمة وتاريخية ويتوسط شارعها الرئيسي فندقها الوحيد . عاد الى مطرحه الأول مدينته ”الديوانية”وجيبه ممتليء بالافكار والطموحات قد تفوق عمره في ذلك الزمن . ومرة أخرى بين صفوف تنظيمات الحزب الشيوعي في مدينته تحت ظروف معيشية صعبة للغاية، وكان يتطلع كأي شاب بعمره وطموحه الى مستوى دراسي قد يرفع به مستوى عائلته المعيشي والمادي، وكان يأمل أن يمنح زمالة دراسية عن طريق الحزب الشيوعي العراقي الى أحدى الدولة الاشتراكية، لكنه أزداد أحباط وخيبة، عندما شاهد بأم عينيه طريقة منح الزمالات الدراسية الى أولاد القادة الحزبيين وذيولهم، هنا وقفني أمام تجربة شخصية سابقة  أيام الجبل وحرب الانصار، كانوا يأتون لنا شباب من المدن ولا أحد يعرف ربهم ولا ممكن حتى الاختلاط معهم ومعرفة أساسياتهم وطيلة وجودهم في مقراتنا عيونهم تربوا الى الطريق المؤدي الى  إيران ومن هناك الى دول الزمالات والدراسات على حساب رفاق ومناضلين ومقاتلين أشداء ؟.

في ١٥ شباط ١٩٧١ يترك مدينته والعراق مرة ثانية بحزن بعد أن خابت ظنونه وأهتزت قناعاته وسيطرة البعثيين على السلطة ودفة الدولة واللعب بمقدرات الناس فلم يجد أمامه سبيلاً الا العاصمة دمشق حيث هناك النشاط والعمل السياسي (الفدائي)، ليجد نفسه مجدداً مقاتلاً وسط تنظيمات منظمة الصاعقة واسمها الرسمي " طلائع حرب التحرير الشعبية - قوات الصاعقة ", هي منظمة فلسطينية قومية موالية للبعث السوري (على عكس جبهة التحرير العربية الموالية للبعث العراقي . ولخبرته السابقة في العمل الفدائي وفي الجندية العراقية يرحل الى جنوب لبنان مسؤول أحدى الفصائل المسلحة في منطقة (جبيل) الحدودية مع العدو الصهيوني . 

الذي لفتني في كتاب القاضي زهير عبود كاظم (أبو علي)، ذاكرته في ذكر التفاصيل التفاصيل اليومية لكل يوم من خلال تجربته، الاشخاص، المواقع، التعرضات، المفاجأت، الشهداء، القادة، الامكنة، حمدونه، التموين، تفاصيل الطبخ، القرى، السلاح . حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ كانت ومازالت تداعياتها تلقي بظلالها على الشارع العربي والموقف الرسمي للحكومات وتحديداً التي خاضت الحرب أي دول المحور والتصدي العراق، جمهورية مصر، سوريا . وقد خاض المصريون الحرب مع الكيان الصهيوني على أمتداد جبهة واسعة تجاوزت  عبور خط ”بارليف المنيع ” الى قناة السويس .  سوريا وجيشها العربي والفصائل الفدائية لقد تعرضت الى ضغوطات كبيرة، وكان لوقفة الجيش العراقي من خلال مشاركته في الدفاع غير مجرى المعركة بإتجاه آخر . نتيجة الحرب وتداعياته تركت أثارها على الفصائل الجهادية في خطط عمل جديدة وسيناريوهات مختلفة . يذكر القاضي زهير في ختام كتابه بعد تلك الاحداث وجد له كرسياً في جامعة دمشق ليكمل مشواره العلمي والاكاديمي وليتخذ من القلم والقانون وسيلة نضالية في خدمة مشاريع الوطن والانسان . 

 

محمد السعدي

مالمو/كانون الأول ٢٠٢١

 

 

 

محمود محمد عليواهم من يعتقد الأطماع الإسرائيلية بالتوسع والاستعمار تقف عند حدود المسجد الأقصى وفلسطين، فالحلم اليهودي المزعوم يمتد أبعد من ذلك بكثير، إذ ترنو أنظار الإسرائيليين نحو قبلة المسلمين والأرض التي احتضنت تاريخ الرسالة الإسلامية .

وهذا ما يجسده لنا هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو بعنوان "العودة إلى مكّة" والذي ألّفه المؤرخ اليهودي “دنيس آفي ليبكن” Dennis Avi Lipkin، وهذا الكتاب يدور حول فكرة مفادها أن بني إسرائيل استوطنوا قديما في جزيرة العرب، ليبرهن أنه من حق اليهود العودة إلى مكة .. أرض الميعاد، ويعتمد الطرح الدي يقدمه " ليبكن" على بحث تاريخي، يزعم أن بني إسرائيل لما تاهوا لأربعين عاما في البلاد كانوا في منطقة شبه الجزيرة العربية، مضيفا إلى أن جبل الطور الذي كلم الله موسي فيه، إنما هو جبل اللوز في تبوك السعودية، وليس جبل موسي المعروف في سيناء

والكتاب يمثّل تطوّرا لافتا في الأحلام الصّهيونيّة التي تراود صهاينة اليهود ومتديّنيهم، وتغريهم بالاستحواذ على أرض الميعاد التي تحدّثت عنها نصوص التّوراة المحرّفة، ويسمّيها الصّهاينة “مملكة إسرائيل الكبرى” أو “مملكة داود”، وتضمّ بزعمهم فلسطين وأجزاء كبيرة من مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية.

يأتي هذا الكتاب القنبلة في وقت كشف العرب العاربة والمستعربة على حد سواء،عن عوراتهم وأسقطوا حتى ورقة التوت التي كانت تستر عوراتهم، بخصوص العلاقة الخفية بينهم وبين مستدمرة إسرائيل الخزرية، بإعلانهم التحالف الاستراتيجي معها،تحت ستار الخوف من إيران ؛ يقول ليبكن “… أصرّح يا إخواني المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأنّ مكّة المكرّمة حرم الله الآمن يحتلها شرذمة أشدّ من اليهود، لأنّهم في هذا البلد الحرام وفي هذا الشّهر الحرام ذي القعدة الماضي هجموا على التكارنة السّود المسلمين رجالا ونساءً وأطفالا حتى يسفروهم ويخرجوهم عن مكّة المكرّمة”، كما نشرت مجلة الشهيد الإيراني (لسان حال علماء الشيعة في قم بإيران) في عددها 46 الصادر في 16 شوال 1400هـ صورة للكعبة المشرفة وإلى جانبها صورة للمسجد الأقصى المبارك وبينهما يد قابضة على بندقية وتحتها تعليق “سنحرّر القبلتين”!

وأرض الميعاد التي يسميها الصهاينة مملكة إسرائيل أو مملكة داوود،تحدثت عنها التوراة المزيفة،وهذا ما خاض فيه المؤرخ الصهيوني الإنجيلي ليبكين،،وحمل غلافه صورة المسجد النبوي الشريف يتوسطه "التيفلين اليهودي" مكان الكعبة المشرفة،وهو مكعب أسود يشبه الكعبة المشرفة مربوط بخيط أو حزام يضعه متدينو اليهود على جباههم.

هذا الكتاب يرسم حدودًا جديدة للدولة اليهودية وفق “ليبكن”، انطلاقًا من مبدأ “استعادة أرض بني اسرائيل الذين يعتبرون انفسهم السكان الاصليين لجزيرة العرب”، فتصبح بزعمه “العودة إلى مكة، أرض الميعاد”، حقًا لهم.

وأكد " ليبكن " بنبرة تشي بأطماع اليهود: إن السعودية والجزيرة العربية ما هي إلا جزء من الأرض الموعودة لبني اسرائيل”، مستشهداً بما تقوله التوراة المزعومة لدى اليهود:" أن الله يقول أنه سيمدد حدود أراضيكم الموعودة من لبنان إلى أرض العرب ولكن الله لم يقل أرض العرب بل قال الصحراء ومن البحر الأبيض المتوسط إلى الفرات".

والجدير بالذكر أن غلاف كتاب “العودة إلى مكة” تضمن صورة للكعبة المشرفة -قبلة المسلمين- وحولها انشوطتان سوداويتان وعلى جانبها وضع الشمعدان اليهودي، وفي وسطه “التفيلين” اليهوديّ مكان الكعبة المشرّفة، والتّفيلين مكعّب أسود يشبه في شكله الكعبة، مربوط بخيط أو حزام، يضعه متديّنو اليهود على جباههم.

ويدعي مؤلف كتاب العودة إلى مكة أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء،بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة،ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

واللاّفت في أمر هذا الكتاب أنّ مؤلّفه لا يكتفي في مقابلاته الصحفية بزعمه أنّ جبل الطّور الحقيقيّ الذي كلّم الله فيه نبيّه موسى عليه السّلام وأنزل عليه الوصايا العشر هو جبل اللّوز الموجود في محافظة تبوك على الأراضي السّعوديّة مقابل أرض سيناء، وليس هو جبل موسى المعروف في سيناء مصر! وأنّ فيه الكهف الذي استقرّ فيه إيليا (إلياس)، وبدعوته اليهود والنّصارى لأن يتّحدوا لتحريره من المسلمين؛ لا يكتفي هذا الصّهيونيّ بهذا الزّعم، بل يذهب بعيدا ليدّعي أنّ أرض الميعاد تصل إلى مكّة المكرّمة وفق ما فهمه من نصوص التّوراة التي تتحدّث عن صحراء العرب ولا تتحدّث عن أرض العرب فحسب!

وأضاف ليبكن بأن على المسيحيين واليهود أن يتّحدوا ليحرروا جبل اللوز" جبل سيناء"، وينتزعوه من حوزة المسلمين، متابعاً أن "الجوف وتبوك الواردة في اقتباس بن لادن لا تبعد سوى 100 أو 200 كم من إيلات على الحدود الجنوبية لإسرائيل".

وأشار "ليكن" إلى أن أطماع ايران مرتبطة بوقوع مكة في منطقة قريبة جداً من الساحل، ومن يتمكن من السيطرة على مكة سيمتلك زمام الحرب بين الشيعة والسنة"، مستدركاً أن "الأيام القادمة ستشهد مواجهة حاسمة" معرباً عن اعتقاده بأن "الحوثيين والإيرانيين سيقومون باحتلال السعودية من الجنوب والغرب".

وأردف ليبكن أن “السعودية ستطلب العون من مصر وربما من إسرائيل ولكن داعش ستأتيهم من الشمال أيضاً”، مستطرداً أن “حرب السنة والشيعة المستمرة منذ 1400 سنة ستنتهي عندما يسيطر أحد الطرفين على مكة”. وبذلك يدعو “ليبكن”، معتمدًا على نُبوءات “الكتاب المقدس”، المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، التي تعد أرضًا مقدسة للديانتين معًا.

الكاتب "ليبكن" الذي دأب على الظّهور في كثير من الفضائيات الدينية التابعة للمسيحية الصهيونية في أمريكا، داعيا إلى تشكيل حلف مسيحي صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة، يوصي بالاستفادة من الحركة الحوثية التي تستهدف الأراضي السّعوديّة، وتضع عينها على مكّة والمدينة، وإلى توظيف العقائد الشيعيّة التي تغري أتباعها بضرورة استعادة مكّة والمدينة من أهل السنّة، وهو الحلم الذي لا يزال بعض المسلمين يتجاهلونه رغم توارد دلائل كثيرة تشي بأنّ الشّيعة يسعون سعيا حثيثا لتحويله إلى واقع؛ دلائل كثيرة ربّما لن يكون آخرها تصريحات بعض معمّمي الشّيعة وقادة مليشياتهم بأنّ انتصار حلب سيمهّد لتحرير مكّة والمدينة!

ويدعي ليبكن أن الله لم يكلم موسى عليه السلام في جبل طور سيناء، بل تم ذلك في جبل اللوز الواقع بمحافظة تبوك السعودية،ويدعو لتحالف مسيحي – صهيوني لتحريره من المسلمين، كما يدعي أن أرض الميعاد تمتد إلى مكة المكرمة، ويدعو أيضا إلى تشكيل حلف مسيحي- صهيوني لتقسيم السعودية واحتلال الكعبة ومنع المسلمين منها.

يعترف ليبكن ذاته علانية بنية مستدمرة إسرائيل الخزرية احتلال مكة المكرمة،ويؤكد أن الصهيونية ما تزال قائمة على الأساطير التي وضعها حاخامات السبي البابلي، ويعرب عن أمله بأن يصل الربيع العربي إلى السعودية،كي تطلب النجدة من أمريكا وإسرائيل،وبالتالي يصبح احتلال مكة المكرمة تحصيل حاصل، وهذا ما يفسر تزيين الصهاينة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان جرائمه بحق المواطنين السعوديين من ناشطين وعلماء وأثرياء حتى أن أذاه شمل أبناء عمومته الأثرياء والأقوياء.

ويأتي الهدف من هذا التزيين تسريع الإنفجار في السعودية، ليتسنى لأمريكا ومستدمرة إسرائيل إحتلال مكة رسميا وبطلب سعودي،بحجة أن الشيعة يدعون للهيمنة على مكة والمدينة،ويبدو أن المخطط الصهيو-مسيحي"الإنجليي " سينجح بسبب غباء البعض أو إتقانهم لدورهم وتفانيهم في خدمة أصولهم .

ويعتبر “ليبكن” أنّ التحركات المعارضة داخل السعودية تعدّ من الأمور التي على “اسرائيل” استغلالها في سبيل تحقيق هدفها. ويوضّح كلامه في أكثر من مقابلة، إذ يؤكد أن الربيع العربي لا بدّ أن يصل إلى السعودية التي ستطلب الحماية من الولايات المتحدة و”اسرائيل”، ما يقدم لليهود فرصة للسيطرة على مكة. في حين يظهر الكيان نفسه بصورة البطل الذي أنقذ آل سعود.

وفي سياق طرحه يدعو " ليبكن" المسيحيين واليهود للتوحد من أجل استعادة مكة، على اعتبارها أرضا مقدسة للديانتين معا مستشهدا بأقوال من الإنجيل والتوراة، وزاعما أن العهد الجديد حدد مكتن جبل سيناء على اعتباره في جزيرة العرب، وقد أكد ليبكن مرارا خلال مقابلات عدة له أن ما عرف بالربيع العربي لا بد سيصل يوما إلى السعودية، التي ستطلب بدورها الحماية من الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يوفر لليهود فرصة عظيمة للاستيلاء على مكة، بعد تقديم الكيان الغاضب نفسه على أنه المنقذ لآل سعود بعد إشاعة الفوضى، فهل ستنبه قادة العرب والمسلمون إلى هذا المخطط، أم أنهم أكلوا يوم أكل الثور الأبيض

واختتم ليبكن كتابه داعياً إلى اتحاد «المسيحيين واليهود» لاحتلال السعودية والإستيلاء على مكة موظفاً نصوص التوراة والأسفار المحرفة كما في كتبه، وزاعماً أن “نهاية مجد الإسلام باتت قريبة جداً” وهي النغمة النشاز التي دأب الكثير من قساوسة الدين المسيحي وحاخامات اليهود على ترديدها في كل المحافل.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

جاسب المرسومياصدارات تتجدد في طياتها روح التكوين والمدارس الأدبية المفعمة بالانطلاقة والتحرر من قيود الإفراط في النمط المتبع في كل لون أدبي له أساسيات بني عليه ذلك اللون الذي يحاكي الحب والوطن .

في القراءات الجديدة التي أصدرها الشاعر عباس باني في كتابه الأخير  (قراءات في دفتر الجنون) نرى صورة لمجموعة مدارس ربطت بين الحاضر والماضي لنمط شجاع تحرر من قيوده فانطلق نحو مدرسة كان قد وضع لها قداسا جديدا جامع بين الحداثة والقدم .

في جسد الشاعر شخصيتين، الأولى المستقرة اجتماعيا حسب ما يظهر والمتكيفة في ضلال عدم الحاجة، والتي لها القدرة في الوصول الى ما تبغي لكنها لا تنعكس ماديا مترفة على ضلال الأخرى المتعلقة في الجسد ذاته، وهي الشخصية ذات الجوف الدامي والأنا الباكية لجروح ذاكرتها القديمة والعميقة التكوين تلك التي تنزف الكلمات بإيقاعات مبنية على ذاكرة الزمكان المتفاوتان في آنيهما .

(حين تكون الطفولة مازالت عالقة بالحبل السري للزوال

.. المطر يبكي فراقه لعلو الغيوم).

ولم تتمكن الروح في الشخصية الأولى القضاء على القلق الدائم المبيت أرقه في حصارات على شبابيك الأنا المزدوجة والمزدحمة والتي لطالما استسلمت رغم محاولات الانفلات والهروب من غربتها كأنها تعشق ما تكنه الذاكرة المبطنة لتعيدها في منظور يتطور في صوره كلما كثرت كتابات عباس.

(متعلق بغرقي بكف المجهول الذي استطال الى همس الجنون).

وهنا في (قراءات في دفتر الجنون) يبحث عباس عن مخرج لانطلاقة يحاول فيها إدراك كل الكينونات المقيدة في كتاباته المختزلة لتلك الكينونات التي وضعت الإشراط والجزم والتجزر كأنها تشبه حصار أناته الذي ما انفك قائما، محاولا إدراك ذواته تماما في حرية مطلقة وصل فيها الى إرضاء كامل لما حبلت به الذاكرة النشطة للزمكان المنقرضان، والذي ولد جديدا بصياغة حديثة مبنية على قدسية الأنا المنصهرة في بودقة التحديث لعولمة الكاتب والذي يتحدث عن حاضر غائب في ضمير الأنتظار لحلم قد لا يتجاوز جملا على ورق أرادها أن تكون طويلة تعطي كل تصوراته مشبعة في انتظار الغائب .

(كي ارتقي سلالم النور على جسدي الباحث عن حرية الاختيار

ارمي صمتي بزجاج النوافذ لأرسم صورتك بكل الألوان

تضوع روحي بأنفاسك واسقط بين كفيك بريئا في صلاة الأسفار

أعرف انك لن تعودي وبانك ستأتين قبل موعد الانطفاء

سأنتظر ... سأنتظر).

وفي حافات أخرى للنصوص المفعمة بالتأله

(أصادق الأنبياء والمجانين والعشاق والثوار).

فهذه الفئات الأربعة تشكل عند عباس باني رموز إلاهية، هي تلك التي تتصف بكل صفات المنطق الذي لا يشبه الآخر، وهي الحقيقة في واقعها تماما لصناعة الحياة التي وضع هؤلاء أساسياتها في فلسفة الروحانيات والتجدد، وهي الروح التي تلامس ذاته بكل تفاصيلها الثورية، وأنا في الحقيقة أرى أن النصوص التي تصنع الحياة لا تأتي من فم عاقل أو سوي طبيعي لم يتصف بصفة من تلك الصفات الأربعة والتي تلازم نصوصه ومن حدا حدو جنونياته .

في دفتر الجنون حضورا متميزا لجملة مجانين صنعوا للحياة مزارات منها ما عبد ومنها ما استقام على أساسه الفكر فانبثقت منها السونيتات وينابيع العزف الروحاني في سيمفونيات مطولة، حضورا أنيقا لطاغور بفلسفة الحاضر ولجبران بصناعة الوجود المثالي للقصيدة ونيتشه المفعم بالحقيقة والوجود وكأنني أمام عالم من مدرسة لاهوتية تقتحم عالم الحداثة في إبداع عولمي متجدد أو انه يصنع جمهوريته ليطير بها متمردا ينعم بلحن متخصص في قراءات متجددة لإسفار التوراة والإنجيل وبعض من مفردات قرآنية.

(لان الحكماء دائما يصلبون على جذع الضوء الخارج من أرواحهم

لأنهم تعلموا كيف تتجاذب أرواحهم مع المعنى

دون أن يغلق بصيرتهم الضوء الساقط من حافة اللامعقول

لان شريعة المعنى فضيلة الغرباء).

وحين أتنقل بين أوراق القراءات في دفتر الجنون أرى أنني أعيش خاطرة الفلسفة الكونية في أحجية تهمس في أناتي لتوقظ فيها ذاكرة حاولت أن تجعل في إحساسها أسلوبا له ذات الانطلاق في تحضيرات عباس باني،إذ لم تزل الخطوط الأولى التي رسمت كتاباتي تنقش في خط الأسلوب ذاته لكنه تعثر في زحمة الأساليب فأصبح غير مستساغا ولم يرى منه النور سوى بعض مخطوطات صغيرة في كتيب اسمه (صور قيد التظهير) الذي انتهى متعثرا في أروقة الأرق والانتظار .

هنا وضع عباس كل ما حلم به وما أراد أن يوصله للقراء في صورة أدبية شجاعة وما أراد أن يوصله للحبيب المفقود في جنونياته والذي ما انفك منتظرا إياه رغم كونه متأكدا من أنه لن يأتي وضل يقول

(آتيك .. آتيك)

بعد يأس من كلمة

(تعالي .. تعالي)

ولم يزل يبحث عنها في كل قراءاته الى النفس الأخير مترجما أحزانه في البحث عنها لتشكل في قاموسه حياة أبدية وحلما من أجمل ما يكون

(بعد أن غسل النهار جنوني بحد ضياع ولادتي بين كفيك في كل حين

تعالي .. كل روحي اليك مهبطا

تعالي قبل أن تضيع براري الهوس بشرائع خرافة الألم في جبين العصور

تعالي)

هذا الحلم المفقود بنيت عليه تلك القراءات الكبيرة في جسد جنونياتها،، هذا الجنون الطفولي المكتشف في ذاته لذاكرة تدارست، لكنها لم تنقطع أحلامها ولهذا لم تزل تنتظر أملا يأتي وحلم عبر المواسم والأعوام رغم هروبها وهرمها .. هذا التاريخ الكوني الذي كتب في صفحاته المتدثرة بصفائح الروح لامرأة لا تشبهها ثانية، تعني كل أشياءه فهي التأريخ في كل المواسم وهي الفردوس والأسفار والوطن

(عيناها جدولة الكون حين ينهزم التأريخ من أوراقه، عيناها صديقة كل المواسم التي تنثر بساتين روحي بكل أزهار الفردوس، كانت امرأة خارج النساء حين ينبت ضلع الطين على أجسادهن، كانت وطن دون جدران المدن

كانت وكانت

افترقنا دون عنوان الروح بالمسير إلى وطن

دون وطن)

وللأماكن والمسارات التي قطع شوطها من الحزن الم ينشره على تلك الطرقات والقطارات والمطارات ورمل الشواطئ والمدن التي تقاذفته، والمواسم التي مر بها كمسافر دائم الأسفار حقيقة وتصور

(أنا ضيعت وجهي في زحمة المطارات التي ترتقي فوق تنفس الهواء الممزوج بالغيم أبحث عنه

ابحث في مرايا عابري السبيل باتجاه نقطة هوس البحر وقت ازدحامه على صخرة الرب

انتزع وجهي من المرايا وأعبر الشوارع دون انعكاس الضوء على عيون المكان)

وهو يحمل في حقيبة صغيرة بين أضلعه رمزا لحياة رغم كونه يعلم أنها أضحت خسارة وضلت حلما لم تأته حقائقها البتة، سوى أنها تشكل حاضرا بنيت على أساسه خاتمة التصور فأنتجت تلك الفلسفة الصوفية  وهذا العبور إلى مرحلة التيه والتوحد مع الذات التي ما انعس الحاضر ليأخذ أحلام الطفولة كأنه يضع الوجود الحقيقي لجمهورية القلب والروح كحقيقة يتلمس وجودها بين أضلع لم تزل تنظر خارج حدود الزمن.

(أصبح القلب خيط الأمس يمتد باتجاه وجوهنا التي كانت تؤشر الفرح في لقائنا

ما عادت هكذا وذبلنا من أجل لقاء قد لا يأتي أبدا الى دروبنا

وتقطعت علامات الحنين في كوابيس ارقنا

نما فقدان الذاكرة دون إشارة إني عشت أمسنا)

أما أنا فلم أزل أتيه بين الدفاتر الجنونية لعباس باني لعلي أصل الى حقيقة ما يريد رغم كونه أعط بجلية كل تصوراته لكنه لم يعط الحق بتصريح يجاز به القارئ ليصل الى كيفية التوحد بين المفترقات التي تزيح في دائرتها الثورية لعقلية الأديب المتفحص لعلة المنشور، ورغم استخدام كل أجهزتي الحديثة التكوين لكنني لم استطع تشخيص علَاته الكثر، وما زلت اعشق هذا التيه بين سطور هذه الصفحات المجنونة . ورغم ذاك فأنا لم أعط حق ما أعطيته أو يعطيه أي كاتب يقرأ (قراءات في دفتر الجنون) حقها،، فهي عمق كبير وشرخ واسع في ذاكرة الزمان والمكان والحداثة، فانا لم اعد أدرك منها سوى القليل كوني أراني أمام هرم كبير له قداسه وطقوسه .

 

الكاتب: جاسب المرسومي – العراق

 

 

الصفحة 6 من 6

في المثقف اليوم