عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

ثمة كتب تُقرأ لتزداد معرفة، وثمة كتب تُقرأ لتراجع ما كنت تظنه معرفة. والفارق بينهما هو الفارق بين الكتاب الذي يضيف معلومة إلى ذاكرتك، والكتاب الذي يوقظ سؤالًا في عقلك. فالأسئلة الكبرى هي التي تصنع المعرفة، أما الأجوبة الجاهزة فلا تصنع سوى الاطمئنان المؤقت. لذلك ليست قيمة الأعمال الفكرية الرصينة في أنها تمنحنا يقينًا نهائيًا، بل في أنها تزعزع يقيننا الساذج، وتدفعنا إلى إعادة التفكير في المسلمات التي ألفناها.

بهذا المعنى خرجت من قراءة كتاب الباحث الفطين أمين اليافعي عن «الحركة الحوثية كفاعل تكيفي: إرث الإمامة، والبنية القبلية، وحدود نموذج الوكيل». لم أخرج حاملًا أجوبة نهائية، بل خرجت محملًا بأسئلة أعمق عن التاريخ، والدولة، والقبيلة، والشرعية، وكيف تتشكل السلطة في اليمن. على مدى سبعة أيام امضيتها في قراءة هذا فالكتاب المهم بوصفه انضج تفسير لجماعة الحوثي، وفهم آلية إنتاج السلطة في اليمن من خلال التقاء التاريخ بالبنية الاجتماعية والجغرافيا السياسية.

درجت أغلب الكتابات السياسية حول الحوثيين على الوقوع في أحد اختزالين؛ فإما أن ترد الظاهرة كلها إلى التدخل الإيراني، وإما أن تجعلها مجرد امتداد ميكانيكي للإمامة الزيدية. وفي الحالتين يضيع الواقع بين التبسيط الأيديولوجي والموقف السياسي المسبق. أما الدكتور أمين اليافعي فيختار طريقًا أكثر وعورة وأكثر علمية، إذ يحاول بناء نموذج تفسيري متعدد المستويات يربط بين الإرث التاريخي، والبنية القبلية، وفشل الدولة، والتحولات الإيديولوجية، والدعم الخارجي، والموقع الجيوسياسي، بوصفها عناصر متداخلة لا يمكن فهم الظاهرة من خلال أحدها بمعزل عن الآخر. وهذه في تقديري إحدى أهم مزايا الكتاب وأكثرها أصالة.

إذ لم يعتمد الباحث على مرجع واحد أو مدرسة فكرية واحدة، بل نسج رؤيته من شبكة واسعة من المصادر التاريخية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية والسياسية، العربية والأجنبية. وقد استند في تحليله إلى أعمال باحثين مرجعيين في دراسة اليمن، مثل بول دريش في تحليله للعلاقة المركبة بين القبيلة والدولة، وبرنارد هايكل في تفسيره للفكر السياسي الزيدي ومفهوم الإمامة، كما استفاد من دراسات فضل علي أحمد أبو غانم حول البنية القبلية وتحولاتها، ومن أطروحات عبد العزيز قائد المسعودي عن تعثر بناء الدولة الحديثة في اليمن، فضلًا عن القراءة الفلسفية والاجتماعية العميقة التي قدمها المفكر اليمني الراحل أبو بكر السقاف للعلاقة بين الإمامة والقبيلة ومبدأ «الخروج»

وهذا التنوع المرجعي منح الكتاب توازنًا منهجيًا واضحًا، وجعل استنتاجاته ثمرة حوار منهجي نقدي تركيبي بالمعنى الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي ادغار موران.

ولا تكمن أهمية هذا المنهج في تعدد عوامله فحسب، بل في أنه يعيد الاعتبار إلى التاريخ بوصفه قوة حية، لا مجرد سجل للأحداث الماضية. فالتاريخ هنا لا يمضي، بل يبقى كامنًا داخل الحاضر، يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة كلما تهيأت له الظروف المناسبة. ولذلك لا يرى المؤلف في الإمامة أثرًا انقضى، وإنما بنية ثقافية وسياسية واجتماعية ظلت تتحول وتتكيف عبر الزمن حتى وجدت في اللحظة الراهنة صيغة جديدة للتعبير عن نفسها.

وهنا تتجلى براعة المؤلف في تتبع العلاقة المركبة بين الإمامة والقبيلة وبين العقيدة والعصبية، بعيدًا عن الصور النمطية التي تصور القبيلة مجرد أداة في يد الإمام، أو الإمام مجرد سلطة مطلقة فوق القبيلة فالعلاقة بينهما كانت علاقة شد وجذب، وتحالف وصراع، وتوازن قوى مضطرب بين شرعية دينية لا تستطيع احتكار القوة، وقوة اجتماعية لا تستطيع احتكار الشرعية. ومن هذا التفاعل الطويل تشكلت إحدى أكثر البنى السياسية تعقيدًا في التاريخ اليمني إذ لم تكن الإمامة الزيدية الطائفية مجرد نظام حكم، بل كانت آلية تاريخية لإدارة مجتمع قبلي راسخ الجذور بحسب بول دريش فالقبيلة، لم تكن مجرد تجمع اجتماعي، بل كانت مؤسسة سياسية تمتلك قدرتها الخاصة على إنتاج السلطة ومقاومتها في الوقت نفسه عبر ما تم تشريعه بمبدأ «الخروج» في الفكر الزيدي، لا بوصفه حكمًا فقهيًا مجردًا، بل باعتباره تعبيرًا عن طبيعة البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها، حيث لا وجود لسلطة نهائية تحتكر الشرعية بصورة مطلقة، بل تتعدد مراكز القوة، وتتبدل التحالفات، ويظل الصراع جزءًا من آلية إنتاج النظام نفسه. وهنا يستحضر المؤلف، بذكاء، قراءة المفكر اليمني الراحل أبو بكر السقاف، التي تربط هذا المبدأ بطبيعة البنية القبلية أكثر من ربطه بالتجريدات الفقهية، وهي قراءة تضيف للنقاش بعدًا سوسيولوجيًا عميقًا وذلك من خلال النظر إلى احفاد الطائفة الزيدية ليس باعتبارهم بقايا الماضي، بل بوصفهم (جماعة طائفية فاعلة) فاعلًا تكيفيًا استطاعت أن تعيد توظيف الماضي في اللحظة الحاضرة. وتلك فكرة مهمة؛ لأنها تنقلنا من سؤال: «من أين جاء الحوثيون؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف استطاعوا البقاء والتكيف وإعادة إنتاج أنفسهم بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 وقيام الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الوحدة اليمنية الموؤدة بعقود من الزمن؟

ومع ذلك، فإن كل تفسير كبير يحمل في داخله حدودًا لا تقل أهمية عن نقاط قوته. فحين ينجح التاريخ في تفسير جانب واسع من الحاضر، ينشأ إغراء معرفي يتمثل في الاعتقاد بأن الماضي يمتلك مفتاح كل شيء. وهنا يبدأ السؤال الفلسفي الذي ظل يرافقني طوال القراءة: هل يكفي التاريخ وحده لتفسير ما يجري اليوم؟

لا ريب إن أي تفسير يستند إلى التاريخ وحده، مهما بلغ من العمق، يظل معرضًا لخطر تحويل الماضي إلى قدر محتوم، بينما يعلمنا التاريخ نفسه أن المجتمعات ليست سجينة ماضيها، بل قادرة على تجاوزه وإعادة تشكيله. فالحاضر لا يولد من رحم الماضي وحده، وإنما يولد أيضًا من صراعات الحاضر وقواه الحية ومن هنا، فإن القيمة الكبرى لهذا الكتاب لا تكمن في أنه أغلق ملف الحوثيين، بل في أنه فتحه على أسئلة جديدة. لقد نجح في زحزحة كثير من المسلمات، وأعاد الاعتبار للعوامل البنيوية التي أهملتها التفسيرات السياسية السريعة، لكنه، في الوقت نفسه، يدفع قارئه إلى التفكير فيما لم يقله، بقدر ما يدفعه إلى التأمل فيما قاله والتساؤل عما إذا كانت القبيلة والإمامة وحدهما تكفيان لفهم ظاهرة معقدة (الحوثية) تشكلت بفعل تداخل عوامل كثيرة منها: الفساد والاقتصاد، والحرب، والإقليم، والاضطرابات الاجتماعية المتعددة التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة.

لا أخفيكم أن الباحث الذكي أمين اليافعي أقنعني، إلى حد بعيد، بأن الإمامة والقبيلة ليستا مجرد ماضٍ انتهى، بل بنيتان تاريخيتان ظلتا تتكيفان مع تغير الظروف حتى وجدتا في الحركة الحوثية أحد أشكال التعبير الجديدة عنهما. غير أن السؤال الذي ظل يرافقني طوال القراءة هو: هل يكفي التاريخ وحده لتفسير الحاضر السياسي؟ إذ إن أي ظاهرة سياسية معاصرة لا يمكن أن تكون مجرد استعادة للماضي، مهما كان هذا الماضي مؤثرًا ومن ابن خلدون تعلمنا أن العصبية تؤسس الدولة، لكنها وحدها لا تحفظها. وتعلمنا من ماكس فيبر أن الشرعية لا تقوم على النسب وحده، بل على القدرة على إنتاج الطاعة. كما تعلمنا من ميشيل فوكو أن السلطة ليست شيئًا يمتلكه الحاكم، بل شبكة معقدة من العلاقات والمؤسسات والخطابات. ولو جمعنا هذه الرؤى معًا لأدركنا أن الحركة الحوثية ليست مجرد امتداد للإمامة، ولا مجرد تمرد قبلي، بل هي تركيب تاريخي جديد ولد في لحظة انهيار الدولة الوطنية الجامعة بعد اخفاق مشروع الوحدة اليمنية بسبب حرب اجتياح القوى التقليدية لدولة الجنوب الحديثة وتدمير ونهب كل مقدراتها في فضاء إقليمي مضطرب، واستثمر الدين والقبيلة والحرب والإعلام والاقتصاد في آن واحد وربما كان من المفيد توسيع النموذج الذي يقترحه المؤلف ليشمل ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحرب». فمنذ سنوات لم تعد الحرب في اليمن مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبحت، بالنسبة لكثير من الفاعلين، نظامًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. فالحرب تنتج سلطات جديدة، وأسواقًا جديدة، ومصالح يصعب التخلي عنها. وفي مثل هذا السياق لا يعود استمرار الصراع مرتبطًا بالأيديولوجيا وحدها، بل أيضًا بالشبكات الاقتصادية التي نشأت في ظله والنخب الفاسدة وقيمها الثقافية الفاسدة إذ كنت أتمنى لو منح الكتاب مساحة أوسع للتحولات الثقافية التي شهدها المجتمع اليمني خلال العقود الأخيرة. فالأفكار لا تتحرك في الفراغ، بل داخل بيئات اجتماعية ونفسية تتغير باستمرار. والحوثية، شأنها شأن غيرها من الحركات، لم تنجح بالسلاح وحده، بل نجحت أيضًا في بناء خطاب تعبوي وهوية جمعية استطاعت أن تمنح أتباعها معنى للانتماء في زمن التفكك. وهذه مسألة ثقافية بقدر ما هي سياسية.

والسؤال الذي يضع نفسه الآن وهنا: ليس: كيف نشأت الحركة الحوثية؟ وإنما: إلى أين يمكن أن تمضي؟

لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال بيقين، لكن التاريخ يعلمنا أن جميع الحركات التي تنجح في الوصول إلى السلطة تواجه امتحانًا أشد صعوبة من امتحان الوصول إليها. فالمعارضة تستطيع أن تعيش على الشعارات، أما الدولة فلا تعيش إلا بالمؤسسات. والحرب تستطيع أن تعبئ الناس زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تبني مجتمعًا إلى الأبد.

وربما استطاع الباحث تفسير قدرة الجماعة الحوثية على التكيف في مختلف الظروف والأحوال وفي هذا تكمن خطورتها فالجماعة، كما يبين الكتاب، ليست كيانًا جامدًا يعيش على إرث الإمامة وحده، ولا مجرد أداة في يد القوى الإقليمية، بل فاعل سياسي أعاد تشكيل نفسه كلما تبدلت موازين القوى، مستفيدًا من التاريخ، والقبيلة، والدين، والدولة الضعيفة، والجغرافيا السياسية في آن واحد. غير أن التاريخ نفسه يعلمنا أن قدرة الحركات على التكيف ليست بلا حدود؛ فكلما اقتربت من التحول إلى سلطة مستقرة، انتقلت من مواجهة تحديات البقاء إلى مواجهة تحديات الحكم. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الحركة الحوثية أن تتحول من تنظيم نجح في إدارة الصراع إلى دولة تنجح في إدارة السلام؟ إن مستقبلها لن يتحدد فقط بقدرتها على كسب المعارك، بل بقدرتها على بناء شرعية سياسية تتجاوز شرعية السلاح، وتؤسس لعقد وطني يتسع لجميع اليمنيين. فالتاريخ لا يخلّد الجماعات لأنها انتصرت في الحرب، وإنما لأنه يقيس قدرتها على صناعة الدولة، وتحقيق العدالة، وبناء المستقبل.

إن مستقبل الحوثيين، في تقديري، لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، ولا بحجم الدعم الخارجي، بل بقدرتهم على الإجابة عن سؤال الدولة الحديثة: هل يمكن لحركة نشأت في زمن الحرب أن تؤسس سلامًا دائمًا؟ وهل تستطيع شرعية دينية طائفية أن تتحول إلى شرعية مواطنة؟ وهل يمكن للدولة أن تُدار بمنطق الجماعة، أم أن منطق الدولة يفرض على الجميع، في النهاية، أن يتغيروا؟

هذه ليست أسئلة تخص الحوثيين وحدهم، بل تخص اليمن كله، وربما تخص العالم العربي بأسره؛ لأن مأزق الدولة الوطنية لم يعد مأزقًا يمنيًا، بل أصبح أحد أكبر أسئلة العصر العربي الحديث.

ختاما

لا أعتقد أن كتاب الدكتور أمين اليافعي يقدم الكلمة الأخيرة في تفسير الظاهرة الحوثية، ولا أظنه يدعي ذلك. لكنه، في المقابل، يقدم واحدًا من أكثر النماذج التفسيرية رصانة وتماسكًا في المكتبة اليمنية المعاصرة. إنه كتاب يحرر النقاش من الأحكام الانفعالية، ويعيده إلى فضاء البحث العلمي، ويذكرنا بأن فهم الحاضر يبدأ دائمًا بإعادة قراءة الماضي، لكنه لا ينتهي عنده.

وأحسب أن قيمة هذا العمل تكمن في أنه لا يدعونا إلى الاتفاق معه بقدر ما يدعونا إلى التفكير معه. وهذه، في نهاية المطاف، هي العلامة الفارقة لكل كتاب يستحق أن يبقى حاضرًا في الذاكرة.

ولعل اليمن، وهو يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، لا يحتاج إلى مزيد من اليقينيات المغلقة، بقدر حاجته إلى هذا النوع من التفكير النقدي الهادئ، الذي يرى في التاريخ معلمًا لا سجنًا، وفي السياسة فنًا لإدارة الحاضر وبناء المستقبل لا تدمير ممكناتهما.

والتاريخ هو الذي يكسرّ رؤوس البشر ولا يتكسر رأسه أبدا. ولسنا في بدايته ولا في نهايته بل في خضمه.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تفكيك البنية السردية لكتاب "دهاليز الموت" للكاتب صباح كنجي

يتجاوز كتاب "دهاليز الموت، رحلة في أعماق المعتقلات العراقية" للكاتب صباح كنجي التوصيف التقليدي للوثيقة التاريخية، متساميًا صوب مصاف الشهادات الانسانية الوجودية الدامغة التي تعيد قراءة الجسد البشري في اللحظة التي يقرر فيها الاستبداد تحويله إلى ركام من العذاب.

هذا العمل الفادح يتخطى السرد التوثيقي، هابطًا بالقارئ نحو السراديب المعتمة من التجربة الآدمية، حيث تلتقي السادية المؤدلجة والمنظمة برغبة الإنسان الفطرية في البقاء، وتغدو الكرامة البشرية هدفًا ممنهجًا للإبادة النفسية والجسدية. في مرحلة من أكثر المراحل قتامة وعنف في تاريخ العراق المعاصر.

صرخة الافتتاح وسلطة الأمانة الروحية

يتحول الإهداء الصادم الذي يفتتح به كنجي كتابه من مجرد عتبة نصية إلى صرخة وجودية تنبثق من أتون المحرقة، حاملةً أوجاع جيل طحنته تروس القمع بغير هوادة. يتبدى التوضيح اللاحق للمؤلف كإعلان صريح بأن هذا المنجز تخلى عن رفاهية التخطيط الأدبي المسبق، مستمدًا شرعيته من كونه أمانة ثقيلة حملها المعتقلون في صدورهم، وعهدًا مبرمًا لحماية أصواتهم وعذاباتهم من غواية النسيان التي يتقنها الطغاة.

يندرج الكتاب ضمن تيار أدب السجون العالمي، ذلك الفضاء المعرفي الذي يدرس المعتقل بوصفه مختبرًا سلطويًا لإعادة هندسة الإنسان عبر الترويع. وفيما اغتنت المكتبة العربية بنصوص روائية فارقة تفكك هذا الفضاء كما في تجارب عبد الرحمن منيف، وصنع الله إبراهيم، ومصطفى خليفة في روايته القوقعة، يأتي منجز صباح كنجي ليضفي بعدًا توثيقيًا خالصًا، يشرّح الزنزانة العراقية كمصنع للرعب السياسي، حيث تلتحم البيروقراطية بالسادية، ويصبح الألم والتعذيب الممنهج أداة معتمدة لإدارة الدولة والمجتمع.

واقعية الفجيعة وبلاغة الحدث العاري

يتسم الأسلوب التعبيري لصباح كنجي بملامح أدب الشهادة الواقعي، فهو يزهد في الزخرفة اللفظية والمحسنات البديعية المصطنعة، متخذًا من بساطة التعبير جسرًا لنقل هول الواقعة. العبارة هنا تكتسب جزالتها وتأثيرها من فظاعة الحدث ذاته لا من اختيار الالفاظ او العناية بصياغة جملها، ويتجلى هذا العمق الراعف حتى الموت حين ينقل الكاتب شهادة المعتقل (أبو سلوان)، مستعرضاً تلك اللحظة التي وُضع فيها طفله الصغير، المحموم، المستباح بالتعذيب في حضنه تحت تهديد السكين. النص يتجاوز في هذه النقطة حدود الحكاية ليرتقي إلى مصاف التراجيديات الإنسانية الكبرى، مواجهًا فيها الكائن البشري مصيره الأعزل دون تفريط في جوهر كرامته.

وإذا عرجنا على أدبيات المعتقلات العالمية، نجد في التجربة التي دونها المفكر الماركسي الإيطالي "أنطونيو غرامشي" في أوراقه ورسائله الشهيرة من السجن التي بعث بها إلى عائلته وأمه من خلف القضبان، أن الكتابة في مواجهة الجلاد تفقد حاجتها للصناعة اللفظية وتستمد قوتها من حرارة التجربة، حرارة الدم المسفوك على الورق، فتتحول الى حاجة والى انيس يومي لا يمكن الاستغناء عنه. فالألم البشري في هذا الحال يملك لغته الخاصة التي تجبر القارئ على المتابعة والإنصات.

تشريح البنية النفسية للاستبداد واعتيادية الشر

تكمن براعة المؤلف في قدرته الفذة على تفكيك البنية النفسية الاستبدادية للمنظومة الشمولية، فهو لا يختزل الجلادين في خانة الأفراد المنحرفين سلوكيًا، بقدر ما يسلط الضوء على آليات الأنظمة التسلطية التي تحول المؤسسات الرسمية إلى محاضن لإنتاج القسوة، مبينًا سهولة تجرد الإنسان العادي من وازعه الأخلاقي فور انخراطه في الآلة البيروقراطية للقمع. يتبدى الرعب الحقيقي في هذا العمل من خلال مفهوم "اعتيادية الشر ثم ادمانه"، حيث يغدو العنف ممارسة مكتبية يومية تُدار ببرود تام وخلف طاولات منمقة.

إن القصد الأسمى الثاوي بين السطور يتجاوز استدرار الشفقة أو تدوير الأحزان، إنه فعل مقاومة بالذاكرة ضد التزييف والتناسي.

يحرص كنجي على تثبيت الأسماء والتواريخ والوقائع بدقة متناهية، إيمانًا منه بأن المجتمعات التي تتهرب من مواجهة ماضيها بشجاعة، تظل محكومة بإعادة إنتاج كوابيسها القديمة وتكرارها ذات يوم.

مفارقات النص ورسائله الضمنية

يؤثث الكاتب نصه بثلاث رسائل جوهرية تعيد صياغة الوعي الجمعي:

أولًا: إن التدمير الذي يمارسه الطغيان يتجاوز تصفية الأجساد ليعصف بالمنظومة الأخلاقية للمجتمع عبر خلخلة الروابط الأسرية من خلال اتباع سياسة ممنهجة تهدف لتشويها.

ثانيًا: إن دائرة الضحايا تتسع لتشمل الأجيال اللاحقة التي تنشأ تحت مفاهيم التوجس والقهر.

ثالثًا: إن الروح الآدمية حتى في أقسى الظروف وأشدها ضراوة، تبقى تمتلك قدرة استثنائية على صون جوهرها الإنساني، ويتجسد ذلك في مشاهد التضامن النبيل التي سجلها الكتاب، كموقف السجين المصري (فاروق مارس) وغيره من المحتجزين الذين اجترحوا مآثر من النبل في قلب الجحيم.

يتأسس النص على مفارقة حادة تلعب دور المحرك الفني للعمل، وتظهر بوضوح في فصل "بغداد في الليل"، حيث يتناقض صوت المذيعة التي تبث الطمأنينة وعود الاستقرار عبر الأثير، مع مشاهد المداهمات الليلية العنيفة والاعتقالات التعسفية التي تدور خلف الأبواب المغلقة. تكشف هذه الثنائية الفجوة السحيقة بين الهيكل الدعائي للسلطة والواقع المرير الذي يكابده المواطن.

أفق الكتاب الفكري والحضاري

يمثل كتاب "دهاليز الموت" وثيقة بحثية رفيعة المستوى لدارسي علم الاجتماع السياسي، وحقوق الإنسان، والذاكرة الجماعية، لكونه يمنحنا مادة خامًا لفهم كيفية اشتغال الديكتاتوريات والآثار العميقة التي تتركها في الوجدان الفردي والجمعي العام.

يأتي هذا المنجز الأدبي كمرثية كبرى للإنسان المسحوق تحت وطأة العسف، ونشيدًا خافتًا في آنٍ معًا للكرامة البشرية التي ترفض الانصياع. إنه نص يرسخ حقيقة كون الحرية قيمة وجودية كبرى لا تستقيم كينونة الإنسان من دونها، مبعِدًا إياها عن قوالب الشعارات الحزبية الضيقة. وفي عالمنا المعاصر، حيث يعيد العنف والتعصب إنتاج نفسيهما بأقنعة شتى، يغدو هذا الكتاب حصنًا معرفيًا للأجيال الجديدة، وتذكرة أخلاقية تلح على أن الدفاع عن الإنسان هو الواجب الحضاري الأسمى، وصوت أولئك الذين عبروا المضيق كي لا يضطر سواهم لعشية عبور جديدة.

***

سعاد الراعي

..........................

* "دهاليز الموت.. رحلة في أعماق المعتقلات العراقية"،  تأليف الكاتب صباح كنجي، الطبعة الثانية، مطبعة مَهْدَرْ ألِمانيا، آذار/مارس 2016.

يقدّم هذا الكتاب ربورتاجاً صحفياً مطولاً يمتد على نحو مئتي صفحة، يوثق شهادة معتقل وسجين سياسي محكوم بالإعدام، يسرد فيها، بمرارة لاذعة وسخرية موجعة، تفاصيل ما شهده في المعتقلات والسجون العراقية منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، كاشفاً ما تعرّض له المعتقلون من أهوال وانتهاكات عبر سلسلة من الأحداث والتجارب الإنسانية القاسية.

طبعته الأولى صدرت في دمشق عام 1996، إلا أن المخابرات السورية صادرتها من المطبعة قبل توزيعها. ورغم ذلك، نُشرت مقتطفات واسعة منه في الصحف والمجلات العراقية خلال فترات متعاقبة، قبل سقوط الدكتاتورية وبعدها، ليبقى الكتاب شهادة حية على واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي إيلاماً.

قراءة في كتاب موت التأويل من الجذور إلى الخوارزميات

كتاب "موت التأويل من الجذور إلى الخوارزميات " للأستاذ علي لفتة سعيد الصادر عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع بمصر، يحاول أن يجيب عن التساؤل: هل يموت التأويل؟ والذي صار يرهق الكتاب والنقاد معا في ظل التحولات التكنولوجية وانحسار القيم الثقافية وخلخلة كل معيارية ثابتة.

قدم للكتاب الأستاذ سلمان كاصد والذي لم يكن في تقديمه ما يوضح خصوصية هذا الكتاب وإضافاته، إذ لم يركز على ما جاء فيه، وإنما قدم نظرته حول التأويل ليشير إلى فكرة الكتاب بشكل عابر.

تحت عنوان التأويل كفعل وجودي يبين الناقد أن العملية التأويلية إنما تتم من خلال الجمع بين ثلاثة أمور: الرؤية، التمحيص، القراءات، كما أنه نتاج فهم المتلقي وهو ما يجعله متحررا من المعنى الأحادي ملتبسا بهوية الاختلاف والتعدد، لذلك حينما يفك شفرة النص يخلق عالما موازيا منفتحا على المغايرة مجاوزا سلطة المرجعيات، يقول الأستاذ علي: "إن التأويل ليس مجرد عملية فكرية، بل هو رحلة وجودية. رحلة يعبر فيها المتلقي من ضفة "ما قيل" إلى ضفة "ما يمكن أن يقال"، حاملا معه أمتعته الشخصية، ثقافته، ذاكرته، مخاوفه، وأحلامه".

إن الناقد ينكر أن يكون التأويل علما، لأنه خاضع لمزاج وثقافة ووعي المتلقي، ومن هنا تتدخل الإيديولوجيا في تشكيل القراءة، ويعترف الناقد أن المنحى العام لهذا الكتاب يختلف عن سابقيه لأنه لا يخوض في معنى التأويل وحدوده وآلياته، إذ يقول: "هذا الكتاب ليس دفاعا عن النسبية المطلقة، ولا تبجيلا لسلطة النص. ولا البحث عن التأويل وتعريفه، لكنه يحاول الإجابة على سؤال، بعد طغيان التقنيات المختلفة والمتسارعة والقافزة والجاهزة والمتمرد ة والقاتلة للتفكير، هل مات التأويل؟ أو بصورة أصح، هل سيموت التأويل؟".

يعتبر الناقد التأويل ولادة مستمرة، يحتفي بالتعدد، وخوفا من طرح سؤال: هل سيموت التأويل، يحرص على طرح سؤال جوهري وهو: كيف يعيد كل عصر صياغة النصوص في زمن التقانة والذكاء الاصطناعي؟.

جاء الفصل الأول تحت عنوان "الإطار النظري للتأويل" تطرق فيه الأستاذ علي إلى مفهوم التأويل وجذوره اللغوية في العربية واليونانية، وقد بين أن التأويل العربي ركز على الإرجاع إلى الأصل والمآل، بينما التأويل اليوناني ركز على النقل والشرح والوساطة، وهو ما يعكس حسب قوله وجود خلفيتين فكريتين: دينية /نصية عند العرب، فلسفية/ منطقية عند اليونان .انتقل الناقد إلى رصد الفروق الجوهرية بين التفسير والتأويل والتدبر، لينتهي إلى أن التفسير "يعتني بالظاهر ويكشفه، والتأويل ينفتح على الباطن ويمنحه معاني إضافية، بينما التدبر يتجاوز الفهم ليصل إلى الغاية العملية من النص وهي العبرة والعمل".

يرصد الأستاذ علي لفتة سعيد حركة التأويل في التراث الفكري، حيث بين أنه ارتبط عند اليونان بالأسطورة، قبل تحوله إلى مصطلح فلسفي، إذ كانت مهمة هرمس رسول الآلهة إيصال الرسائل الغامضة إلى البشر وتفسيرها لهم، ومن هنا ارتبط فعل التأويل بالشرح والتفسير والوساطة، لينعكس ذلك فيما بعد على الفلسفة اليونانية، "إذ رأى أفلاطون أن النصوص الشعرية والفكرية تحمل معاني خفية لا تكشف ذاتها للوهلة الأولى، وأن الفيلسوف هو القادر على النفاذ إلى جوهرها وإبراز المعنى الأصيل الكامن وراء الرموز. أما أرسطو فقد أعطى للتأويل طابعا أكثر دقة ومنهجية، وخصص كتابا بعنوان في التأويل ليبين فيه أن عملية التأويل هي إخراج ما في النفس من فكر إلى صياغة لغوية يمكن إدراكها"، فاللغة إذن تلعب دور الواسطة بين الواقع والفكر، فتصبح مهمة التأويل تحويل المعنى الكامن إلى صيغة مفهومة، أو تحويل ما هو داخلي إلى ما هو مشترك بين الناس.

أما التأويل في الفلسفة الإسلامية فانتقل مفهومه عبر الترجمة في العصر العباسي، "لكنه سرعان ما اكتسب خصائص جديدة نابعة من طبيعة النص القرآني ومكانته. فقد أصبح التأويل من أهم أدوات التعامل مع النصوص، خاصة في حال وجود تعارض بين ظاهر النصوص ومتطلبات العقل أو بين دلالاتها المختلفة"، وتحت هذا العنوان أشار الأستاذ علي إلى رؤية كل من الإمام الغزالي وابن رشد وابن عربي في هذه القضية.

وعن التأويل في الفكر الغربي الحديث بين الناقد كيف تحول إلى علم قائم بذاته، أي ما سمي بالهرمنيوطيقا الذي يذهب معناه إلى علم فهم النصوص، ووضح كيف اختلف المفكرون في تحديد طبيعته ووظيفته، معرجا على أسماء فكرية كشلاير ماخر وهايدغر وغادمير وبول ريكور، ليخلص إلى أن التأويل عبر التاريخ "لم يكن مجرد أداة لشرح النصوص، بل تحول إلى آلية لفهم الوجود نفسه، يتسع معناه باختلاف الحقول: "من الوساطة بين اللغة والفكر عند اليونان، إلى التوفيق بين النص والعقل أو التجربة الروحية في الإسلام، وصولا إلى كونه أفقا فلسفيا لفهم الإنسان والعالم في الفكر الغربي الحديث". هذا وينهي الناقد هذا الفصل بالحديث عن أنواع التأويل والتي وزعها بين تأويل ديني، وأدبي، وقانوني، ليحدد خصائص كل نوع ووظائفه بشكل عام.

أما الفصل الثاني فورد بعنوان "سلطة الذات المؤولة: جدل الحقيقة والوهم"، حيث انبنى على إشكالية هامة، تتمثل في الحدود الفاصلة بين التأويل كفعل عقلاني يستجيب إلى شروط النص، والتأويل الوهمي أو المشوه والذي تبنيه الذات من خلال تحميل النص مالا يحتمله من دلالات، لتبعده عن معناه الحقيقي وتقوله مالم يقله، وتقوم بمصادرته، وإجابة على هذه الإشكالية عرض الناقد آراء مجموعة من الفلاسفة الغربيين كهوسرل وغادمير وجاك دريدا..

هذا واعتبر أن فكرة الذات المؤولة المجردة التي تصل إلى المعنى الموضوعي من خلال تجردها من تحيزاتها الإيديولوجية وسياقاتها وظروفها لا يمكن الاعتداد بها، فكل نص يتم تلقيه وفقا لظرفيات محددة، ليتدخل وعي القارئ/المتلقي وثقافته وتجاربه ومرجعياته في تحديد معناه، وفي إعادة إنتاجه كذلك، وهنا يتحول القارئ إلى شريك، يتجاوز سلطة المعنى الأحادي نحو تعددية تأويلية، وأما عن التفكيك ونقد وهم المعنى الثابت، فيبين وجهة نظر دريدا التي تعتبر أنه لا يوجد معنى نهائي، و"أنه لا يوجد "خارج" موضوعي ومستقل، بل يتشكل دائما داخل شبكة العلاقات الدلالية للنص، وفي ضوء خبرة المتلقي وثقافته. وبذلك يصبح كل تأويل عملية لا نهائية من إعادة البناء، حيث يتكشف المعنى في حركية مستمرة لا تعرف الثبات. وهذه الشبكة تقود إلى فهم الذاتية الموضوعية في عملية التأويل التي قد تكون سهلة لكنها مخادعة أيضا إذا كان المتلقي له أسباب مخالفة مسبقا".

لا توجد إذن ذات محايدة وقراءة محايدة، فكل قراءة هي إعادة إنتاج للنصوص ضمن ظروف ثقافية وسياسية واجتماعية ..معينة، وكل قراءة تضمر إيديولوجيا محددة، وتخدم مصالح، وهو ما يجعل الحديث عن الموضوعية والمعنى الثابت وهما ورأيا متطرفا، ولا أدل على ذلك من قراءة المستشرقين للتراث الشرقي، والتي أبانت عن تحيزات ثقافية وسياسية، تخدم المصالح الاستعمارية بالدرجة الأولى.

إن ما يدعو إليه الناقد أن تكون القراءة متوازنة، تجمع بين الذاتية والموضوعية، فالتأويل حسب قوله "عملية مزدوجة تجمع بين الذاتية والموضوعية. فهي ذاتية لأنها مشروطة بوعي القارئ

وسياقه وتجربته الخاصة، لكنها موضوعية لأنها لا تتم خارج النص، بل في ضوء إشاراته وبنيته. وكل قراءة جديدة للنص هي إضافة إلى تاريخه التأويلي، مما يجعل النص فضاء مفتوحا

لتعدد الدلالات ".

والنصوص الكبرى حسب رأيه هي التي تكون لديها القابلية للتعدد التأويلي، إذ تظل حية بفضل شراكة قائمة بين القارئ والكاتب في إنتاج المعنى وتجديده.

الفصل الثالث وسمه الناقد بـ"أمزجة المتلقين ..كيف تنتج المعنى؟"

يؤكد الناقد أن فك شفرات النص تتدخل فيها العاطفة في تداخل مع العقلانية، والموضوعية مع الذاتية، ما يجعل المزاج عاملا حاسما في تحديد المعنى وتشكيله، والمزاج يتدخل فيه الموروث الثقافي مع التوقعات المسبقة والانحيازات الشخصية، يقول: "إن النص الواحد قد يتحول إلى نصوص متعددة بقدر عدد قرائه، أو حتى بقدر عدد قراءات القارئ الواحد في لحظات مزاجية مختلفة"، هذا ويعرض الناقد الآليات التي تحول المزاج الذاتي إلى عامل منتج للمعنى فيحصرها في: البعد النفسي /المزاج الفردي، إذ تتغير القراءات بتغير الحالات النفسية للمتلقين، وحسب تقلباتهم العاطفية ..، البعد الثقافي والمعرفي، حيث تختلف القراءات تبعا للمرجعيات الثقافية والمعرفية، البعد الاجتماعي والسياسي، حيث يتم استقبال النصوص ضمن منظومة معقدة من الانتماءات السياسية، والتجارب الحياتية والانتماءات الطبقية، ما يؤكد أن التأويل على حد قوله: " ليس فعلا فرديا محضا، بل هو سيرورة جماعية تتأثر بالبنى السلطوية والقيم السائدة في المجتمع، وهو ما يجعل المعنى دائم الحركة، متغيرا بقدر تغير أوضاع الناس وتحولاتهم".

البعد الروحي والديني وفيه فرق بين تأويل السلفية وتأويل المتصوفة وتأويل المفكرين الحداثيين والتأويل المعتمد على الاقتباس الموسوعي ..، هذا ويضع الناقد ضوابطا للتأويل تحميه من التطرف أو التحيز أو العشوائية من خلال إفراغه من معناه الأصلي وتوجيهه نحو معان تخرج به عن قصديته، ومنها: احترام أفق النص، الحفاظ على التماسك الداخلي للنص، وضع حدود للمعنى المفتوح، التفاعل الواعي ومرجعيات المتلقي، التوازن واحترام حرية التأويل.

ورد الفصل الرابع بعنوان "سيكولوجيا التأويل: اللاوعي الفردي كمحرك خفي، وضح فيه الناقد أن العملية التأويلية لا تنفصل عن السيكولوجية القرائية، والمتلقي لا يقرأ النص بعقله الواعي فقط، بل بلا وعيه الذي تتدخل في تشكيله الرغبات المكبوتة، والذكريات الشخصية والخيبات، والإسقاطات النفسية..فالمتلقي حسب قوله "لا يتعامل مع النص بوصفه سطحا لغويا فقط، وإنما يدخل إليه وهو محمل بخبراته الشخصية، وصراعاته الباطنة، ورغباته المكبوتة التي تتحول إلى مرشحات لا واعية تؤثر في عملية الفهم ".

ناهيك عن تدخل المكبوتات والرغبات واللاوعي الجمعي والمزاج الثقافي في تحديد المعنى أو تأويل النصوص، ليؤكد الناقد بعدها البعد العلاجي للتأويل، حيث بين أنه "ليس مجرد تلق سلبي بل هي فعل علاجي يعيد تشكيل العلاقة بين القارئ وعالمه الداخلي والخارجي. فالنص الذي يلمس الجرح قد يفتح بابا للدمع، لكنه قد يكون أيضا مفتاحا للتعافي" .

أما الفصل الخامس فورد بعنوان "حدود التأويل ..أين يبدأ وأين ينتهي"

وحاول فيه الناقد ضبط حدود المسؤولية التأويلية، حيث وضح أن التأويل المشروع "هو ذلك الذي يقرأ من داخل النص، منسجما مع إشاراته وسياقه، دون أن يسقط عليه أيديولوجيا خارجية. أما التأويل المنحرف، فهو ما يفرض على النص معنى غريبا عنه، أو يستغله لتبرير العنف أو التسلط السياسي أوالفكري"119.

يحذر الناقد من إساءة استعمال التأويل الذي يفضي إلى شرعنة العنف والاستبداد السياسي والعنصرية ..، أو ما يسميه هو باغتراب التأويل الذي يشوه النص أو ينسفه، ومن هنا يؤكد على أن التأويل مسؤولية أخلاقية وثقافية لأن تأثيره يمتد إلى المجتمع، لذا لابد من الحذر في استعماله، وعدم توجيهه لخدمة إيديولوجيا معينة من خلال تحريف المعنى، يرفض الناقد إذن بعض التأويلات التي تبتعد عن منطق العقل مثل: التأويل الموجه إيديولوجيا، التأويل المبتور، سلطة المؤول المزيفة والتي تتعلق بمن يمارس وصاية فكرية على الآخرين، التشويه التأويلي الذي ينتج عنه انقسام المجتمع وتغذية العنف الرمزي أو الإيديولوجي، التأويل الفاسد، التأويل العشوائي..

أورد الناقد الفصل السادس بعنوان "اتساع العلم وزيادة الاختلاف"

وضح فيه التحولات التي شهدها العالم اليوم بعد الثورة المعلوماتية وانفجار المعرفة، وبين أن المنصات الرقمية أعادت إنتاج المعرفة في استجابة واضحة إلى ميول المستخدمين، حيث تم تكريس سياسة القطيع الثقافي، ما أدى إلى ذوبان الفرد وضمور الحس النقدي وسقوط الفهم والتأويل في هوة التسيب والفوضى، يقول الناقد: "لقد أصبحت القدرة على فرز المعلومات ومعالجتها نقديا أهم من مجرد جمعها، إذ لم يعد التحدي يكمن في الوصول إلى المعلومة، بل في تمييز الصحيح من الزائف، والعلمي من الشعبوي، والموثوق من المضلل ".

بين الناقد أن تضخم المحتوى الرقمي ساهم في ظهور ما يسمى بالوعي الزائف بالمعرفة، إذ يتوهم القارئ موسوعيته وإلمامه بالكثير من القضايا والإشكاليات بعد أن يقرأ عناوين وملخصات فقط حولها، لكن هذا الإلمام واهم لأن السوشيال ميديا لا تقدم معرفة حقيقية، وكتاباتها تفتقد العمق والتحليل النقدي والمنهجي، لقد تآكل المعنى حسب رأي الناقد وشاعت ثقافة الصورة وتضخمت المعلومة وهو ما أدى إلى غياب القراءة التأملية الفاعلة .

في الفصل السابع والموسوم ب"المستقبل الرقمي وتحولات التأويل"يطرح الناقد تساؤلا: هل يظل التأويل ملكا للإنسان حينما يتكلم الذكاء الاصطناعي بلغتنا؟، وهل سيساعد الذكاء الاصطناعي في تأويل النصوص أم أنه سيقوم بإنتاجها؟ وما مدى قابلية النص للتأويل؟ وهل سيكون التأويل ملكا للعقل البشري أم أنه يختزل حسابيا في استنتاج المعنى بدل تذوقه؟.

يحاول الناقد الإجابة عن هذه التساؤلات فيقول: "لقد دخلنا مرحلة معرفية غير مسبوقة، لم يعد فيها الإنسان هو المتلقي الوحيد للنص، بل أصبح النص ذاته قادرا على التفاعل مع المتلقي عبر وسائط ذكية تعيد إنتاج المعنى لحظيا. في هذا العالم الرقمي، تغير مفهوم القراءة من فعل تأملي بطيء إلى عملية تفاعلية تشاركية، تتداخل فيها البرمجة بالوعي، والآلة بالذهن."

لقد تغيرت علاقة الإنسان بالآلة، بعد هيمنة الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية والخوارزمية التنبؤية، وهو ما أوقع التأويل في أزمة، إذ تحول النص إلى مادة رقمية يمكن تعديلها فوريا، ما يجعل النص سائلا متحولا، ليضيع أصله فيما بعد، وهذه الاحتمالية تدخل التأويل في مرحلة ما بعد المعنى، أو ما بعد التأويل، هذا وظهر القارئ الرقمي الذي يتحرك سريعا بين الشاشات، ليقطع قراءته من أجل التصفح وقراءة الإشعارات والتحديثات المستمرة، ومع انزياح مفهوم القراءة من كونها تجربة فكرية وجودية إلى الاستهلاك المعلوماتي أو القراءة من الخارج، تراجعت وظيفة التأويل، فالقارئ لم يعد يهمه الوصول إلى المعنى الممكن، وإنما صار همه الحصول على المعلومة الفورية، وكما يقول الناقد: "هنا، يصبح النص مسطحا، مفرغا من طبقاته الدلالية، لأن التلقي لم يعد يمر عبر التأمل، بل عبر الانفعال الآني والتصفح السّريع".

هذا وعرض الناقد تحول مؤول النص بتأثير الذكاء الاصطناعي، من الفاعل البشري إلى الفاعل الخوارزمي الذي يقدم استجابات لغوية فقط وليس تأويلا عميقا يحوي رؤيته للعالم، وقد حلل مزايا المؤول البشري مع إحصاء سلبيات المؤول الآلي، لكنه افترض إمكانية الإفادة من الذكاء الاصطناعي دون محو للجهد البشري، حيث يصبح خادما للتأويل وليس سيدا عليه، كاستخدامه في التحليل الإحصائي ورسم الخرائط الدلالية، وكشف التناصات الخفية، ومن هنا يصبح التأويل تشاركيا وليس بشريا صرفا، ولو أن الناقد لا يرسم صورة قاتمة للذكاء الاصطناعي، حيث يقول: "يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لاستعادة العمق التأويلي المفقود في زمن السّعة،

عبر تمكين الناقد من قراءة آلاف النصوص ومقارنتها، واستخراج أنماط خفية تساعده على بناء رؤية أكثر شمولا دون الوقوع في التشتت الرقمي" .

ويبقى الإنسان حسب رأيه المرجع الأخير في التأويل وإنتاج المعنى، لأن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يقرأ، لكنه عاجز عن الإدهاش، اعتبارا من ذلك لا يمكن الاعتداد بمقولة موت التأويل، حيث أنه سيبقى لكن سيتغير شكله فقط، وستتغير أدواته لكن يظل جوهره.

يمكن أن نعد الكتاب دفاعا عن التأويل بوصفه عملية مجهدة تحاول الغوص عميقا في مكونات النص من أجل الكشف عن أسراره، وبقدر ما يحمل عنوانه من حسرة ومخاوف ورؤية مستقبلية متشائمة، فإن فصله الأخير يحسم الأمر ويجيب عن التساؤل حول موت التأويل، من خلال الدعوة إلى تأويلية حذرة تستفيد من بعض خدمات الذكاء الاصطناعي، ولا تلغي سلطة الإنسان المؤول، حيث تتكاثف الجهود من أجل خلق نصيات مبدعة عميقة تفلح في قراءة المضمر أو ما خلف السطور.

***

غزلان هاشمي

للكاتب السرياني السوري جوزيف أسمر ملكي

يمكن النظر إلى كتاب «النبراس في أسماء الناس» للباحث السرياني السوري جوزيف أسمر ملكي باعتباره محاولة ثقافية شعبية تنطلق من محبة الكاتب الشخصية والواضحة للغة السريانية والرغبة في إحياء أسمائها وتشجيع أبناء المجتمعات السريانية على استخدامها. ومن هذه الزاوية، يحمل الكتاب قيمة لا ينبغي إنكارها؛ فهو يلفت الانتباه إلى الاسم بوصفه جزءًا من الذاكرة والهوية، ويحاول جمع عدد كبير من أسماء الأشخاص والشعوب والأماكن والكلمات التي يرى المؤلف أنها تصلح أسماء للأطفال.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من تقدير هذه النية الثقافية إلى تقييم الكتاب بوصفه عملًا معرفيًا. هنا يصعب وصف «النبراس في أسماء الناس» بأنه بحث أكاديمي أو دراسة معجمية بالمعنى العلمي. فالكتاب لم يقدم منهجًا محددًا يمكن للقارئ أن يتابعه، ولا يضع قواعد واضحة لاختيار الأسماء أو تحديد أصولها، كما لا يشرح الأدوات التي اعتمد عليها للوصول إلى عدد من الاستنتاجات اللغوية والتاريخية.

وهذه المسألة أساسية؛ لأن البحث في أصول الأسماء ليس لعبة تقوم على تشابه الأصوات. عندما نجد اسم مدينة أو شعب يشبه كلمة في السريانية، لا يمكن أن نستنتج مباشرة أن الاسم سرياني وأن معناه هو معنى تلك الكلمة. يجب أولًا معرفة أقدم ظهور موثق للاسم، وصورته في النقوش والمخطوطات، واللغة التي ظهر فيها، ثم دراسة تحولاته الصوتية عبر الزمن ومقارنته باللغات المجاورة.

مشكلة الاشتقاق بالتشابه

من أكثر الملاحظات التي يثيرها الكتاب ميله في مواضع متعددة إلى تفسير الأسماء من خلال مفردات سريانية قريبة منها في الصوت. هذه الطريقة قد تنتج أحيانًا تفسيرًا صحيحًا بالمصادفة، لكنها لا تصلح منهجًا عامًا.

فالشرق الأدنى عرف خلال آلاف السنين لغات وحضارات متداخلة: السومرية والأكادية والآرامية ولهجاتها المختلفة والعبرية والفينيقية والعربية الجنوبية القديمة والعربية والفارسية واليونانية وغيرها. وبعض أسماء المدن والبلدان والشعوب أقدم من السريانية الأدبية نفسها. لذلك فإن رد اسم قديم إلى كلمة سريانية حديثة نسبيًا يحتاج إلى برهان تاريخي ولغوي، وليس مجرد وجود تشابه في حرفين أو ثلاثة يجعل أصل أي اسم سرياني .

كان من الضروري أن يميز المؤلف في كل حالة بين «التفسير المؤكد» و«التفسير المرجح» و«الاحتمال» و«الاشتقاق الشعبي»ورأيه الخاص. لكن الكتاب يقدم في أحيان كثيرة المعنى بصورة مباشرة، بما قد يجعل القارئ غير المتخصص يعتقد أنه أمام حقيقة لغوية محسومة.3025 ALNBRASS

 الاسم السرياني والاسم الذي استعمله السريان

هناك مشكلة أخرى تتعلق بالخلط بين (الأصل اللغوي للاسم) و(استعمال الاسم داخل الثقافة السريانية). فقد استعمل السريان عبر تاريخهم أسماء ذات أصول يونانية وعبرية وفارسية وعربية وغيرها، وأخضعوها أحيانًا لنظام النطق والكتابة السريانيين.

لكن انتقال الاسم إلى السريانية لا يجعل أصله سريانيًا. وهذه قاعدة بسيطة لكنها شديدة الأهمية. فهناك فرق بين أن نقول: «هذا اسم سرياني الأصل»، وأن نقول: «هذه هي الصيغة السريانية لهذا الاسم»، أو «هذا اسم شاع استعماله بين السريان». عدم الفصل بين هذه المستويات يؤدي إلى بناء تاريخ لغوي غير دقيق.

وكان من الممكن للكتاب أن يكون أكثر فائدة لو صنف مواده إلى: أسماء سريانية موثقة، وأسماء آرامية أقدم، وأسماء كتابية عبرية، وأسماء يونانية أو فارسية انتقلت إلى السريانية، ثم أسماء حديثة مستحدثة أو مقترحة.

 «قاموس الأسماء السريانية للأطفال»

يشغل هذا القسم مساحة مهمة من النصف الثاني للكتاب، وربما يمثل المشروع الذي كان المؤلف أكثر حماسة له. غير أن تسميته «قاموسًا» تثير توقعات علمية لا تحققها مادته بصورة كافية.

الجداول مزدحمة، ولا يقدم الكتاب مفتاحًا منهجيًا واضحًا يساعد القارئ على فهم وظيفة كل خانة. نجد اللفظ الشرقي والغربي، وصيغًا للتصغير والجمع أو صيغًا أخرى، لكن العلاقات بينها ليست مشروحة بما يكفي. كما أن النقل إلى الحروف العربية لا يستطيع وحده التعبير بدقة عن جميع الفروق الصوتية بين تقاليد النطق السرياني.

والأكثر أهمية أن القارئ لا يستطيع دائمًا معرفة ما إذا كان أمام (اسم شخص موثق تاريخيًا) أم (كلمة سريانية اختارها المؤلف لأنها جميلة وتصلح، في رأيه، لتسمية طفل).

هناك فرق كبير بين الحالتين. فكلمات مثل «قمر» أو «وردة» أو «نسر» أو «حكمة» قد توجد في لغة ما، لكن وجود الكلمة لا يعني بالضرورة أنها كانت اسم علم مستعملًا تاريخيًا. ولو أعلن المؤلف أن مشروعه يتضمن «مفردات سريانية مقترحة لتسمية الأطفال»، لكان الأمر أكثر وضوحًا ودقة.

 أين المعاجم الكبرى؟

السؤال الذي يفرض نفسه أثناء قراءة الكتاب هو: أين التراث المعجمي الضخم للغة السريانية؟

لقد أُنجزت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وقبل ذلك وبعده، أعمال معجمية بالغة الأهمية. يأتي في مقدمتها «كنز السريانية» لروبرت باين سميث، وهو موسوعة معجمية ضخمة تستند إلى مادة نصية واسعة. وهناك «المعجم السرياني المختصر» لجيسي باين سميث، الذي أصبح من أكثر الأدوات العملية انتشارًا بين دارسي السريانية.

كما يمثل المعجم السرياني اللاتيني لكارل بروكلمان مرجعًا مهمًا في الدراسات السامية المقارنة، إلى جانب معجم توما أودو الذي يتمتع بأهمية خاصة في التقليد السرياني الشرقي، وأعمال لويس كوستاز التعليمية والمعجمية. وفي الدراسات الآرامية الحديثة تبرز معاجم مايكل سوكولوف التي تستفيد من التطور الكبير في دراسة اللهجات الآرامية والنصوص المنشورة حديثًا.

هذه المعاجم ليست مجرد قوائم تضع كلمة أمام معناها؛ فأفضلها يحيلنا إلى الشواهد والنصوص والسياقات، ويساعد الباحث على معرفة تاريخ الاستعمال والفروق الدلالية. ومع التطور الرقمي أصبحت موارد معجمية ونصية كثيرة متاحة إلكترونيًا، وأصبح الوصول إلى جانب مهم من التراث السرياني أسهل بكثير مما كان عليه قبل عقود.

لذلك فإن كتابة كتاب عن الأسماء السريانية من دون حوار عميق مع هذا التراث المعجمي تجعل العمل محدودًا وضعيفًا للغاية مهما كانت نيات صاحبه طيبة وجيدة وبحسب حديث الباحث فقد كانت الطبعة الأوى في عام 1999 ثم الثانية في 2024 ولكنه لم يٌحدث تطويرات هامة وظل الكتاب أقل من مئة صفحة ولم يستفد الكاتب من اقامته في السويد وإمكانيات البحث المتوفرة .

 مشكلة عربية أوسع من هذا الكتاب

ربما من غير المنصف تحميل جوزيف أسمر ملكي وحده مسؤولية ظاهرة أوسع بكثير. فالكتاب يكشف مشكلة ثقافية نراها في عدد من البيئات العربية والسريانية: نكتب أحيانًا بمعزل عن حركة البحث العلمي العالمية ون مكانها وزمانها، نكتب بعقلية قديمة، ثم نشتكي من ندرة المراجع.

الحقيقة أن الدراسات السريانية والآرامية والسامية ليست مجالًا ميتًا. هناك أقسام جامعية ومراكز ومشروعات بحثية منتشرة في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، وتصدر سنويًا كتب ودراسات ومقالات وتحقيقات للنصوص والمخطوطات. وتعمل جامعات ومراكز متخصصة في الدراسات الشرقية والمسيحية الشرقية واللغات السامية والآرامية والآشوريات وتاريخ الشرق الأدنى والإسلام واليهودية.

توجد عشرات المراكز والأقسام والمشروعات البحثية حول العالم أمر واقعي. والمشكلة ليست دائمًا غياب المعرفة، ولكن في تكاسلنا وعدم المتابعة والوصول إليها، ورغم توفر تقنيات حديثة أضعفت الحاجز اللغوي ويمكن أن نستعين بوسائل كيرة للفهم والترجمة إلى العربية.

نحن نحتاج إلى مراجعة علاقتنا بالمراجع. فليس من المعقول أن نعثر على كتيب عربي محدود المصادر، ثم نتعامل معه باعتباره المرجع النهائي لموضوع دُرس عالميًا طوال قرنين. احترام الباحث العربي أو السرياني لا يعني تضخيم قيمة عمله، بل وضعه في مكانه الصحيح داخل تاريخ البحث.

والأخطر أن الاعتماد المتكرر على الكتب الشعبية غير المحققة يؤدي إلى دائرة مغلقة: ينقل كاتب معلومة ضعيفة، ثم ينقلها عنه كاتب آخر، وبعد سنوات يصبح تكرارها دليلًا مزعومًا على صحتها. وهكذا لا ننتج معرفة جديدة، بل نعيد تدوير الأخطاء.

 استنتاجات هامة

 أولًا: يمتلك كتاب «النبراس في أسماء الناس» قيمة ثقافية شعبية واضحة؛ فهو يعبر عن رغبة طيبة في حماية الذاكرة السريانية وإعادة الأسماء إلى التداول، وهذه قيمة تستحق الاحترام.

 ثانيًا: يصعب تصنيف الكتاب بوصفه بحثًا أكاديميًا متخصصًا؛ لأنه لم يمتلك منهجًا لغويًا واضحًا، ولم يقدم جهازًا توثيقيًا كافيًا، ولم يبني استنتاجاته دائمًا على شواهد تاريخية قابلة للتحقق.

 ثالثًا: يمثل الاعتماد على التشابه الصوتي إحدى نقاط الضعف الأساسية. فالتأثيل يحتاج إلى قوانين صوتية وشواهد تاريخية ومقارنة بين اللغات، ولا يكفي العثور على كلمة سريانية تشبه اسم مدينة أو شعب.

 رابعًا: يحتاج الكتاب إلى تمييز حاسم بين الاسم السرياني الأصل، والاسم الذي استعمله السريان، والصيغة السريانية لاسم أجنبي، والمفردة السريانية الحديثة المقترحة لتصبح اسمًا.

 خامسًا: «قاموس الأسماء السريانية للأطفال» يحمل فكرة ثقافية جميلة، لكنه يحتاج إلى إعادة بناء معجمية كاملة، مع شرح الأعمدة والصيغ والنطق، وتوثيق الأسماء تاريخيًا، والفصل بين الأسماء الموروثة والأسماء المقترحة.

 سادسًا: تكشف قراءة الكتاب مشكلة أوسع في ثقافتنا البحثية، تتمثل في ضعف متابعة الإنتاج الأكاديمي العالمي. لدينا عشرات المعاجم والدراسات والمشروعات الرقمية والمراكز المتخصصة، لكننا قد نتجاهلها ثم نعلن أن المراجع قليلة أو معدومة.

 خاتمة

لا ينبغي أن تكون القراءة النقدية لكتاب «النبراس في أسماء الناس» هجومًا على مؤلفه أو تقليلًا من محبته للثقافة السريانية. الأفضل أن نضع الكتاب في حجمه الطبيعي: كعمل ثقافي شعبي يحمل حماسة واضحة لإحياء الأسماء السريانية، لكنه لا يمتلك المقومات الكافية ليكون مرجعًا أكاديميًا في علم الأسماء والتأثيل التاريخي .

وتكمن فائدته ربما في الأسئلة التي يثيرها أكثر من الإجابات التي يقدمها. يمكن العودة إلى أسمائه وفحصها واحدًا واحدًا في ضوء «كنز السريانية» لباين سميث، ومختصر جيسي باين سميث، وبروكلمان، وتوما أودو، وكوستاز، وسوكولوف، ثم مقارنتها بالنقوش والمصادر الأكادية والآرامية والعبرية والعربية واليونانية بحسب تاريخ كل اسم. إن خدمة التراث السرياني لا يمكن أن تتحقق بالمبالغة في نسبة كل شيء إليه، بل بالدقة في معرفة ما هو سرياني فعلًا، وما ورثته السريانية من لغات أقدم، وما استعارته من ثقافات أخرى، وما منحته بدورها للغات والشعوب المجاورة. وحين نضع الحماسة الثقافية إلى جانب المنهج العلمي، يصبح دفاعنا عن هذا التراث أكثر قوة ومصداقية. أما الاكتفاء بتكرار كتيبات محدودة، مع تجاهل المكتبات والمعاجم والأبحاث العالمية المتراكمة، فلا يحفظ التراث؛ بل قد يحول الجهل القديم إلى «مرجع» جديد.

***

حميد عقبي

........................

رابط مراجعة نقدية للكتاب

https://youtu.be/I5gsF8Y9qM4?si=SHH6E2Z68IsL3QTL

 

قراءة اولية في شذرات د. صائب عبد الحميد

مدخل: في زمنٍ تتكاثف فيه الأسئلة أكثر مما تتكاثف الأجوبة، ويغدو فيه العقل العربي والاسلامي بين ضغط الموروث وإكراهات الحداثة، يبرز التفكير النقدي لا بوصفه ترفاً معرفياً أو مهارةً خطابية، بل باعتباره شرطاً من شروط تجديد الوعي لصفائه الداخلي وقدرته على الفهم.

من هذا الأفق تأتي أهمية قراءة أحد المشاريع الخاصة والمعمقة، لا لأنه يضيف صوتاً جديداً إلى سجالٍ مألوف حول النقد، بل لأنه ينقل هذا السجال من مستوى الموقف إلى مستوى التجدد، ومن مجرد مساءلة الأفكار إلى مساءلة البنية الذهنية التي تنتجها، حيث النقد ليس هدمًا لما استقر، بل فتحاً لمسالك أعمق نحو الحقيقة، والعقل النقدي ليس اعتراضاً عابراً، بل أفقاً لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعنى، وبين المعرفة ومسؤوليتها، وبين السؤال وما يطرحه من إمكانات،  من هنا جاءت هذه القراءة بوصفها محاولةً أولية للاقتراب من ذلك الجهد الهادئ والعميق الذي يجعل من التفكير النقدي طريقاً إلى تجديد الوعي، لا إلى تشتيته.

هكذا يتبدّى مشروع الدكتور صائب عبد الحميد، من خلال كتابه " النقد والعقل النقدي: شذرات تطبيقية" - الصادر حديثا ضمن سلسلة "" نقد "" التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية- بوصفه محاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى فعل النقد  كشرط من شروط تجديد الوعي، لا مجرد أداة لمجابهة الأفكار أو تصنيفها، فالنقد، في هذا الأفق، لا يعود موقفاً طارئاً أو ردّ فعل عابراً، بل يصبح طريقة في النظر، وأسلوباً في بناء العلاقة بين العقل والعالم، وبين المفهوم وسياقه، وبين الفكرة وقدرتها على الصمود أمام الفحص.

ولعل أول ما يلفت النظر في هذا الكتاب أن المؤلف لا يتعامل مع النقد بوصفه شعاراً ثقافياً، بل بوصفه ممارسة معرفية تحتاج إلى عقل متأهب، ملتزم، ومتدرّب على المراجعة والتمحيص.

بين النقد وعقله

هذا الإصدار الجديد للمفكر الدكتور صائب عبد الحميد أقرب إلى محاولة فكرية هادئة، لكنها عميقة الأثر، لإعادة الاعتبار إلى النقد بوصفه فعلاً مؤسِّساً للوعي لا مجرد وسيلة في الجدل أو الاعتراض. فالنقد عبر هذا الأفق لا ينهض بوصفه موقفاً طارئاً من الأفكار، بل بوصفه شرطاً داخلياً في تكوين العقل نفسه وتجديد حيويته، إذ لا يكتمل الفهم إلا حين يتعلم الذهن كيف يسائل ما يظنه بديهياً، وكيف يراجع ما استقر في الوعي من مسلمات، وكيف يميز بين ما يبدو صحيحاً وما يثبت صوابه بعد الامتحان.

من خلال ذلك تبرز أهمية الجمع بين مفهومي "النقد" و"العقل النقدي" في العنوان نفسه، فالنقد وحده قد يُفهم على أنه عملية جزئية تتعلق بقضية معينة أو نص محدد أو سلوك فكري بعينه، أما العقل النقدي فهو البنية الأعمق التي تجعل تلك العملية ممكنة، وتمنحها معناها وفعاليتها، ثم ينتقل المؤلف الدكتور صائب عبد الحميد من مجرد الحديث عن النقد إلى مساءلة الشروط التي تجعل النقد فعلاً معرفياً منتجاً، لا مجرد انفعال ثقافي أو اعتراض لفظي، وهذا الانتقال بالغ الدلالة، لأنه يكشف عن أن اهتمامه ليس منصباً على النتائج بقدر ما هو منصب على تأسيس الملكة التي تنتج النتائج.

هذه النقطة تحديداً تكشف خصوصية هذا المشروع، حيث المؤلف لا يتعامل مع النقد باعتباره عنواناً نظرياً عاماً، بل يحوله إلى أفق معرفي كامل، تتداخل فيه التربية الفكرية مع الصرامة المنهجية، ويتجاور فيه النظر مع الممارسة، أي أننا بإزاء انتقال من الاعتراض كحركة عابرة إلى التفكير كطريقة في بناء الوعي.

والأهم أن المؤلف يصف مادته بأنها "شذرات تطبيقية"، وهي عبارة ليست بريئة من حيث الدلالة المنهجية، فهي توحي بأن المشروع ليس نسقاً مغلقاً يدّعي الإحاطة النهائية بالموضوع، بل هو أقرب إلى مختبر فكري يختبر الأفكار في جزئياتها، ويعيد النظر في مسلّماتها عبر أمثلة ومقاطع ومقاربات متعددة، وهذا ما يشير إلى حس إبستمولوجي مهم: المعرفة لا تولد من التكرار، بل من الاحتكاك، ولا تتكوّن من التسليم، بل من الفحص، ولا تنضج إلا حين تتعرض لما يكشف حدودها ويبيّن مواطن قوتها وضعفها، لذلك فإن البناء الشذري هنا ليس ضعفاً في التماسك، بل اختياراً ينسجم مع طبيعة الموضوع نفسه، لأن النقد لا يعيش في القوالب المغلقة، بل في المسافات التي تتيح للعقل أن يسائل ما ألفه.

ولهذا فإن القيمة المركزية في هذا الكتاب لا تكمن في كثرة الأحكام، بل في نوعية الوعي الذي يصدر تلك الأحكام، فالعقل النقدي ليس عقلاً مشاكساً، وإنما عقل متأهب، يعرف أن الحقيقة لا تُقتنص بالاندفاع، بل تُطلب بالصبر، وبفحص الفرضيات، وبالتحرر من سطوة المألوف، كما ان النقد ليس نقيض المعنى، بل طريقه إلى الصفاء؛ وليس إلغاءً للتراث أو الهوية أو المرجعية، بل تحرير لها من التلقي الكسول ومن التكرار الذي يفقدها طاقتها الحيوية.

وإذا كان ثمة ما يميز هذا المشروع، فهو أنه يتعامل مع العقل النقدي بوصفه قيمة ثقافية وأخلاقية في آن واحد، فالعقل النقدي ليس مجرد قدرة على الجدل أو ميل إلى الاعتراض، بل هو استعداد داخلي للإنصات إلى التعقيد، وتفكيك البداهات، وعدم الارتهان إلى الجاهز من الأحكام، ومن ثم فإن المؤلف الدكتور صائب عبد الحميد لا يدافع عن النقد لذاته، بل يدافع عن الوعي الذي لا يكتمل إلا بالنقد، حيث الوعي الذي لا يسائل نفسه يبقى عرضة للتصلب والضمور، والذهن الذي لا يراجع أدواته يتحول بمرور الوقت إلى أداة لإعادة إنتاج الوهم والأساطير بدل إنتاج المعرفة.

الصلة العميقة بين النقد والتربية الفكرية

الأستاذ الدكتور صائب عبد الحميد لا يفصل بين تكوين العقل وبين تعليمه كيف يفكر، ولا بين المعرفة وبين تهذيب أدواتها الداخلية، وهذا ما يمنح فكرة كتابه بعداً أخلاقياً لا يقل أهمية عن بعده المنهجي، حيث العقل النقدي، في هذا السياق، ليس مجرد تقنية تحليل، بل ملكة مسؤولية؛ مسؤولية تجاه المفهوم، وتجاه النص، وتجاه الواقع، وتجاه الذات نفسها، لأن أكبر الأوهام الفكرية تبدأ حين يظن العقل أنه قد امتلك الحقيقة امتلاكاً نهائياً، فيتحول من باحث عنها إلى حارس لها، ومن سائل لها إلى مكرر لها.

ومما يثير النباهة في هذا الكتاب أيضاً، أنه لا يقدّم النقد بوصفه استنساخاً لنماذج معرفية جاهزة، بل بوصفه جهداً في بناء وعي مستقل، قادر على محاورة التراث والحداثة معاً من دون أن يقع أسيراً لأي منهما، وهذا بالضبط ما يمنحه طبيعته الإبستمولوجية الخاصة: فهو لا يطلب من العقل أن يقطع صلته بجذوره، ولا أن يذوب في المناهج المستوردة، بل يدعوه إلى أن يكون قادراً على الفهم من داخل تجربته، وعلى النقد من داخل مسؤوليته، وعلى الاجتهاد من داخل حاجته إلى الحقيقة. هنا تتجاوز المسألة حدود المنهج لتصل إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للعقل العربي المعاصر أن يتحرر من التبعية المعرفية من غير أن يسقط في انغلاق ثقافوي؟ وكيف يمكن له أن يكون نقدياً من غير أن يفقد صلته بالقيم والمعنى؟

وفي هذا السياق، تبدو قيمة الكتاب في أنه لا يفصل بين المعرفة والتربية، فالعقل النقدي، كما يفهم من هذا الكتاب، ليس ملكة طبيعية محضة، بل هو تكوين طويل يحتاج إلى تهذيب ومران وممارسة.، كما ان النقد هنا يكتسب بعداً تربوياً واضحاً؛ إذ لا يتعلق بتقويض الأفكار بقدر ما يتعلق بتأهيل الذات لتكون قادرة على التمييز بين مستويات الفهم، وبين ما هو راسخ حقاً وما هو متوارث على سبيل العادة، أي أن الكتاب يندرج في صميم تفكيك الأسئلة الكبرى التي تشغل الفكر العربي المعاصر: كيف نتحرر من أسر التلقي السلبي؟ وكيف نصنع عقلاً قادراً على الفهم دون أن يفقد حسّه بالقيمة والمعنى؟

تجديد الوعي

من اللافت أن هذا التصور لا يقدّم نفسه باعتباره استنساخاً لنماذج نقدية وافدة، بل يوحي برغبة في بناء وعي نقدي من داخل التجربة الفكرية ذاتها، وفي صوغ علاقة أكثر نضجاً بين الموروث والراهن، فالقضية ليست في استيراد مناهج النقد كما هي، ولا في معاداة الحداثة بوصفها حداثة، بل في اكتساب القدرة على التعامل مع الأفكار بوصفها موضوعات للفحص لا موضوعات للانقياد والتبني. ومن ثم فإن الإبستمولوجيا التي تلوح هنا ليست إبستمولوجيا وصفية فحسب، بل إبستمولوجيا معيارية أيضاً، لأنها تسأل عن الشروط التي تجعل الحكم معقولاً، والفهم منضبطاً، والتقويم ممكناً.

 ما يقترحه الدكتور صائب عبد الحميد، في الجوهر، هو نوع من تجديد للوعي. حيث المعرفة لا تبدأ من تراكم المعلومات، بل من تغير زاوية النظر؛ ولا تنشأ من كثرة الشروح، بل من إصابة السؤال لموضعه الصحيح، في هذا السياق، النقد يصبح فعلاً كاشفاً ومؤسساً في آن واحد: يكشف ما استتر تحت بداهة العادة، ويؤسس لعقل أكثر قدرة على الفهم، وأشد تحرراً من الأوهام والكهوف.

الكتاب يكتسب أهميته من كونه لا يضيف مجرد ملاحظات نقدية إلى مكتبة الفكر العربي، بل ينهض بمحاولة أعمق: أن يجعل من التفكير النقدي مجددا للبنية الداخلية للوعي، لا مجرد مهارة إضافية في هامشه.

بعبارة أخرى أهم ما في شذرات المفكر الدكتور صائب عبد الحميد هو أنها تستعيد للنقد معناه الإيجابي،لأن النقد، في التداول الشائع، كثيراً ما يُختزل إلى التجريح أو الاعتراض أو كشف الأخطاء، بينما في هذا الأفق فإنه يتحول إلى فعل تجديدي، غايته تحرير العقل من الاستغراق في الموروث غير المفحوص، ومن الخضوع للمسلّمات التي تتسلل إلى الوعي بوصفها حقائق نهائية، وهنا تنبثق القيمة الفلسفية العميقة للكتاب: إنه يدعو إلى عقل لا يعبد الراهن ولا يقدّس الماضي، بل يختبر كليهما بميزان الفهم والمسؤولية والتطلع المتفتح على الحقيقة.

وعليه فإن قراءة كتاب "شذرات تطبيقية في النقد والعقل النقدي" تقودنا إلى أن المفكر الدكتور صائب عبد الحميد لا ينشغل فقط بتقديم ملاحظات نقدية متفرقة، بل يسعى إلى ترسيخ مناخ ثقافي جديد، يكون فيه النقد علامة على الصحة الفكرية لا على التمرد المجرد، وعلى النضج لا على الفوضى، وهذه نقطة جوهرية، لأنها تجعل من العقل النقدي أفقاً لتجديد الوعي، لا مجرد تقنية لمخاطبة التراث أو معارضة الأفكار السائدة.

وإذا كان الفكر العربي والاسلامي المعاصر يحتاج إلى ما يعيد إليه توازنه، فإن هذا الكتاب يذكّره بأن النقد لا يزدهر إلا حين يقترن بالبصيرة، وأن البصيرة لا تنمو إلا حين تتربى في حضن السؤال، حيث العقل الذي لا يسأل يتلاشى، والعقل الذي لا يراجع ينكص، والعقل الذي لا يتعلم التمييز يفقد قدرته على العبور من الظن إلى الفهم، هنا تتجلى القيمة الأعمق لهذا الكتاب: إنه لا يدعونا إلى أن نكون ناقدين فحسب، بل إلى أن نصير جديرين بالنقد؛ أي أن نؤسس في ذواتنا ذلك الاستعداد الرفيع الذي يجعل من التفكير مسؤولية، ومن المسؤولية طريقاً إلى النضج، ومن النضج أفقاً مفتوحاً لفعالية الوعي ومصداقيته.

 القيمة الكبرى في هذا الكتاب تتحدد، في تقديري، في أنه يربط بين الفهم والصرامة، وبين الحس المعرفي والوعي الأخلاقي، وبين النقد بوصفه مساءلة والنقد بوصفه بناء. وهذا الربط هو ما يمنحه حيويته وقدرته على الاستمرار،لأن التجارب تفصح على أن المشروع النقدي الذي لا يفضي إلى تربية العقل يظل ناقصاً، كما أن العقل الذي لا يتدرب على النقد يبقى معرّضاً للجمود والتخلف. ومن هنا يمكن القول إن المفكر صائب عبد الحميد قدم، عبر كتابه هذا، إشارة مهمة إلى أن تجديد الوعي لا يبدأ من كثرة المعلومات، بل من كيفية النظر إليها، ومن نوع السؤال الذي نوجهه إليها، ومن الشجاعة المعرفية التي تسمح لنا ألا نكتفي بما استقر، بل نبحث عما يصحّ أن يستقر.

مستخلص

 وفق هذه القراءة الأولية، فإن الكتاب لا يمثل مجرد مساهمة في نقد الأفكار، بل مساهمة في إعادة تشكيل الأفق الذي تُنتج فيه الأفكار الحية، وهذه، في النهاية، هي العلامة الفارقة لكل تفكير نقدي جاد وأصيل، هكذا يظهر أن الدكتور صائب عبد الحميد لا يشتغل على النقد بوصفه موضوعاً عابراً، بل بوصفه مدخلاً إلى تحرير العقل من الجمود، وإلى اكتشاف المعاني بوصفها ثمار للسؤال المثير لدفائن العقول، لا للانفعال العابر...

***

مراد غريبي

هناك سير تُكتب لتروي حكاية، وأخرى تُكتب لتوثّق مرحلة من التاريخ، لكن السيرة الروائية "الخيار الآخر" لمازن الحسوني، الصادرة عام 2024 عن دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، تنتمي إلى نوع ثالث؛ فهي تجعل من التجربة الشخصية نافذةً لقراءة تاريخ جيلٍ كامل، عاش الحلم الثوري، واختبر المنفى، وواجه الهزيمة، ثم اكتشف أن الإنسان يستطيع أن ينتصر بطريقة أخرى، أكثر هدوءاً وأشد أثراً.

تستند السيرة الروائية إلى وقائع عاشها الكاتب، لكنها لا تقع في فخ السيرة الذاتية المباشرة. فالواقع فيها يتحول إلى مادة روائية، والذاكرة تصبح فضاءً فنياً يعيد ترتيب الأحداث ويمنحها بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الزمان والمكان. لذلك لا يقرأ القارئ حكاية مازن الحسوني وحده، بل يقرأ أيضاً سيرة آلاف العراقيين الذين غادرتهم أوطانهم قبل أن يغادروها هم.

منذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب بطله "باسم" في مواجهة سؤال الحرية. فالبصرة، حيث تبدأ الحكاية، ليست مجرد مدينة، بل نقطة الانطلاق نحو رحلة طويلة من المطاردة والاختفاء والعمل السري. ومع الانتقال إلى جبال كردستان، ثم إلى المثلث الحدودي بين العراق وتركيا وسوريا، تتشكل جغرافيا الرواية بوصفها جغرافيا للمقاومة، حيث تصبح الكهوف بيوتاً، والجبال وطناً مؤقتاً، والاسم الحقيقي عبئاً ينبغي التخلي عنه حفاظاً على الحياة.

غير أن الكاتب لا يجعل النضال السياسي محور السيرة الوحيد، بل يكشف الوجه الإنساني المختبئ خلف صورة المقاتل. ففي القامشلي، حيث البيوت السرية التي كانت تستقبل الأنصار وتؤمّن احتياجاتهم، تنشأ قصة حب بين باسم وليلى، الفتاة الكردية التي تتحول تدريجياً إلى شريكة حياة، وإلى رمز لوحدة الإنسان بعيداً عن الانتماءات الضيقة.

ولعل أجمل ما في هذه السيرة الروائية أنها لا تتعامل مع الحب بوصفه استراحة بين معركتين، بل بوصفه شكلاً آخر من أشكال المقاومة. فحين يرفض والد ليلى زواجها من النصير العراقي، لا يكون الصراع بين شخصين، بل بين رؤيتين للحياة؛ رؤية تؤمن بحق الإنسان في اختيار مصيره، وأخرى تمنح السلطة الاجتماعية حق تقرير مستقبل الأفراد. وهكذا تتحول القصة العاطفية إلى سؤال اجتماعي وثقافي يتجاوز حدود الشخصيات.

لكن القوة الحقيقية للسيرة الروائية تتجلى في انتقالها من الخاص إلى العام، ومن التجربة الفردية إلى مراجعة المشروع الثوري نفسه. فجيل الأنصار الذي حمل السلاح أملاً في بناء وطن أكثر عدالة، يجد نفسه بعد سنوات أمام انهيارات متتالية، تبدأ بمآسي الأنفال ولا تنتهي عند سقوط النظام.

ولا تُقدَّم هذه السيرة بلغة الشعارات أو الأحكام القطعية، بل عبر تأملات هادئة ينسجها من خلال تجربة البطل، الذي يكتشف أن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تغيير المجتمع، وأن الثورة السياسية قد تفشل إذا لم تواكبها ثورة أخلاقية وإنسانية.

وهنا تبلغ السيرة الروائية ذروة تحولها الفكري والوجداني. فبعد أن كان باسم يحلم بتغيير العالم، يصبح همه إنقاذ حياة طفل واحد. وقد يبدو هذا الحلم أصغر من سابقه، لكنه في الحقيقة أكثر واقعية، وربما أكثر عمقاً. فقرار التبني لا يُقدَّم بوصفه تعويضاً عن الحرمان من الإنجاب، بل بوصفه إعلاناً عن فلسفة جديدة للحياة؛ فلسفة ترى أن الأبوة ليست فعلاً بيولوجياً، وإنما مسؤولية أخلاقية، وأن الأسرة تُبنى بالمحبة والرعاية قبل أن تُبنى بالوراثة.

فبعد أن خسرت ليلى طفلتها الوحيدة في موسكو، إذ أنتهى الحمل في شهره السابع بولادة جنين ميت، و" بعد أن أصبحت إمكانية الحمل الطبيعي مستحيلة، لجأنا إلى وسيلة مراوغة القدر، للحصول على ذلك الشيء الذي يكمل وجودنا" ص21.

ولا يكتفي الكاتب بطرح هذه الفكرة على مستوى التأمل، بل يمنحها حضوراً حياً داخل مسار الأحداث. فالتبني ليس خاتمة سعيدة تُضاف إلى السيرة الروائية، وإنما امتداد طبيعي لرحلة البطل، ودليل على أن الإنسان قادر على إعادة بناء حياته حتى بعد أن تتهاوى أحلامه الكبرى.

بدأت التجربة عام 2003، عندما احتضن الزوجان طفلاً عراقياً حديث الولادة من أحد مستشفيات الناصرية، وأطلقا عليه اسم رامي. وبعد أن بلغ عامه الثاني، انضمت إليه طفلة وُلدت في ستوكهولم وتُركت، وهي في أيامها الأولى، في أحد مساجد المدينة، فأسمياها رونيا.

ومنذ تلك اللحظة، لا يعود هناك طفل جاء من العراق وآخر وُلد في المهجر، بل أخ وأخته يجمعهما بيت واحد، واسم واحد، ومستقبل واحد.

ويتابع الكاتب هذه التجربة بتفاصيلها اليومية الهادئة؛ فيكبر الطفلان معاً، يتقاسمان اللعب والدراسة، ويختلفان ثم يتصالحان كما يفعل أي أخ وأخته، حتى تصبح رابطة الحياة المشتركة أقوى من أي رابطة أخرى. وفي الوقت نفسه، تحرص الأسرة على أن يبقيا على صلة بجذورهما العراقية، فيتعلمان العربية، ويتعرفان إلى تاريخ العراق وثقافته، بينما يندمجان بصورة طبيعية في مجتمع نشأتهما الأوروبي. وهكذا تغدو الهوية في السيرة الروائية مساحةً للاتساع لا للانقسام، ويصبح الانتماء المزدوج مصدر غنى لا سبباً للاغتراب.

ومن خلال هذه التجربة يؤكد الكاتب أن الأسرة ليست رابطة دم فحسب، وإنما مشروع محبة ومسؤولية والتزام، وأن الأبوة والأمومة تُقاسان بما يمنحه الإنسان من رعاية وأمان، لا بما يرثه الأبناء من جينات.

ومن الناحية الرمزية، تبدو رحلة التبني امتداداً لرحلات البطل السابقة. ففي الماضي كان يعبر الحدود حاملاً السلاح والحلم الثوري، أما اليوم فهو يعبرها حاملاً طفلة تبحث عن مستقبل. بقيت الحدود كما هي، وبقيت المخاطر والبيروقراطية والمهربون وتعقيدات الدول، لكن الهدف تغيّر؛ من محاولة تحرير وطن إلى إنقاذ إنسان.

وتكمن هنا إحدى أعمق دلالات السيرة الروائية؛ فهي توحي بأن بناء مجتمع أفضل قد يبدأ أحياناً من بناء أسرة أفضل، وأن إنقاذ طفل واحد قد يكون أكثر أثراً من آلاف الشعارات التي بقيت عاجزة عن تغيير الواقع.

ولعل أجمل ما يميز هذا العمل هو رفضه الاستسلام لليأس. فبرغم الحروب والمنفى والخسارات، لا يغرق الكاتب في السوداوية، بل يمنح شخصياته القدرة على النهوض مرة بعد أخرى، مؤكداً أن الإنسان لا يُقاس بعدد هزائمه، بل بعدد المرات التي ينهض فيها ليواصل الطريق.

أما فنياً، فيتميز الكتاب ببنية تعتمد على تداخل الأزمنة، حيث تتحرك الذاكرة بحرية بين البصرة والقامشلي ودمشق وستوكهولم، دون أن يفقد السرد تماسكه. كما ينجح الكاتب في المزج بين الواقعية التسجيلية والنبرة الوجدانية، فيمنح الأحداث صدقيتها التاريخية، ويمنح الشخصيات عمقها النفسي في آن واحد.

وتحضر السخرية العراقية في أكثر من موضع بوصفها وسيلة لمقاومة القسوة، لا للتخفيف منها فحسب. فهي سخرية تنبع من خبرة طويلة مع الحروب والهزائم، وتجعل القارئ يبتسم في اللحظة التي كان يتوقع فيها البكاء، فيكتشف أن الضحك قد يكون، هو الآخر، شكلاً من أشكال النجاة.

وفي المحصلة، لا يقدم "الخيار الآخر" إجابات جاهزة بقدر ما يطرح سؤالاً وجودياً بالغ الأهمية: ماذا يفعل الإنسان عندما تتهاوى الأحلام التي كرّس لها عمره؟ ويأتي الجواب هادئاً وعميقاً؛ يبدأ من جديد، ولكن على أرض أكثر صلابة، ويبحث عن معنى آخر للحياة، ويصنع انتصاره الخاص، ولو كان بحجم طفل وجد أخيراً من يمنحه اسماً، وعائلة، ومستقبلاً.

إن القيمة الحقيقية لـ"الخيار الآخر" لا تكمن في أنها تؤرخ لتجربة سياسية أو شخصية فحسب، بل في أنها تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية النهائية لكل نضال. فالثورات قد تنجح أو تخفق، والأنظمة قد تسقط أو تستبدل بغيرها، لكن الرحمة والمحبة والقدرة على منح الآخرين فرصة لحياة جديدة تبقى الانتصار الوحيد الذي لا تهزمه الأيام. ومن هنا تبدو هذه السيرة الروائية أكثر من استعادة للماضي؛ إنها دعوة هادئة إلى إعادة تعريف معنى النجاح، والانتصار، والوطن، والأسرة، وإلى الإيمان بأن الطريق إلى عالم أفضل قد يبدأ من قلب إنسان اختار أن يمنح إنساناً آخر بيتاً واسماً ومستقبلاً.

***

جورج منصور

 

كتب: ديلان ايفانز*

ترجمة: علي حمدان

***

يُعدّ كتاب تيموثي ميتشل "ذريعة رأس المال" (فيرسو، 2026) من الكتب النادرة التي تُعيد صياغة مفهوم مألوف بشكلٍ جذريّ، بحيث يصعب رؤيته في صورته القديمة. فكرته الأساسية بسيطةٌ بشكلٍ مُذهل: رأس المال ليس ثروةً مُتراكمةً من الماضي، بل هو القدرة على استخلاص القيمة من المستقبل. ما نسميه النمو الاقتصادي ليس مُحرك هذه العملية، بل ذريعتها. هذه الصياغة بارعةٌ ومُثيرةٌ للتفكير في آنٍ واحد. فهي لا تُزعزع الاقتصاد الكلاسيكي الجديد فحسب، بل تُزعزع أيضًا بعض العادات الراسخة في الفكر الماركسي. والنتيجة كتابٌ جديرٌ بالقراءة بتأنٍّ، والنقاش الجاد، ووضعه جنبًا إلى جنب مع أهمّ الأعمال الحديثة حول الرأسمالية والمناخ.

راس المال كمطالبة على المستقبل

تتلخص رؤية ميتشل الأساسية في أن الرأسمالية الحديثة لا تقتصر على تنظيم الإنتاج فحسب، بل تنظم الزمن أيضاً. فمن خلال الشركات، والديون، والرهون العقارية، والبنية التحتية، والأسواق المالية، والأنظمة التكنولوجية، تبني آليات لاقتناص الدخل المستقبلي في الحاضر. وتعمل شركات المساهمة، والدين الوطني، وتمويل الإسكان، واحتكارات المنصات، جميعها كأدوات لتحويل تدفقات الإيرادات المتوقعة إلى أصول قابلة للتداول اليوم. ويرى ميتشل أن الرسملة هي العملية المحورية. إذ يتم خصم دفعة مستقبلية، وتجميعها، وتثبيتها بالقانون والبنية التحتية، ثم بيعها مقدماً. ويتراكم الربح الآن، ويأتي السداد لاحقاً.

تكمن روعة هذه الحجة في إعادة توجيهها للانتباه. فبدلاً من التساؤل عن مصدر رأس المال، يتساءل ميتشل عن كيفية تحويل حياة المستقبل إلى أصل. وبدلاً من التركيز على التراكم المكاني - كالتوسع الاستعماري والعولمة - يُشدد على الاستخراج عبر الزمن. ولا يقتصر ضحايا هذه العملية على الشعوب المستعمرة أو العمال المستغلين فحسب، بل يشملون أيضاً الأجيال القادمة التي رُهنت أعمالها وضرائبها وإيجاراتها وإرثها البيئي بالفعل.

يُظهر ميتشل براعةً خاصة في كشف السرديتان المتناقضتان اللتان تخفيان هذه الديناميكية. أولهما التكنولوجيا. يُقال لنا إن الثروة تنبع من الابتكار، وأن الأجهزة الجديدة تُولّد قيمة جديدة. لكن ميتشل يُبين أن العديد من "الابتكارات" المُحتفى بها، مثل شركات المنصات، تعتمد بشكلٍ كبير على البنى التحتية المُمولة من القطاع العام، وتحقق الربحية من خلال احتكار السوق ونقل التكاليف بدلاً من تحقيق اختراقات تقنية حقيقية. تُصبح التكنولوجيا بذلك سرديةً تُصوّر الاستخراج وكأنه تقدم.

أما الحجة الثانية فهي النمو. يسجل الناتج المحلي الإجمالي سداد الديون، واستغلال الريع، وتوسع الرسوم كمؤشرات على الازدهار. ويظهر الدخل المستقبلي، بعد خصمه وتسجيله اليوم، كـ"توسع اقتصادي" عند سداده بتكلفته الكاملة. وبالتالي، لا يقيس النمو، وفقًا لهذا الحساب، الازدهار الجماعي، بل يقيس سداد عوائد مستقبلية مستغلة سابقًا. إنه سوء فهم منهجي متأصل في الأعراف المحاسبية نفسها.

التعميق الزمني

من أبرز نقاط قوة الكتاب نطاقه التاريخي الواسع. يربط ميتشل صعود الرأسمالية بالبنية التحتية الإمبراطورية، وهندسة الأنهار، وأنظمة الوقود الأحفوري، وبناء السكك الحديدية، وأسواق العقارات الحضرية. لم تكن المشاريع الاستعمارية مجرد مغامرات جيوسياسية، بل كانت أدوات لإعادة تنظيم سبل العيش وتحويلها إلى مصادر دخل مضمونة. لم يكن التدمير البيئي مجرد أثر جانبي مؤسف للتنمية، بل جزءًا من الجهاز التكنوسياسي الذي جعل التنبؤ بالمستقبل ممكنًا، وبالتالي قابلًا للتحويل إلى نقد. ظهر علم الاقتصاد الحديث جنبًا إلى جنب مع هذه المشاريع، مقدمًا لغةً يمكن من خلالها تصوير استغلال الوقت على أنه تقدم عقلاني.

في ظل هذا الإطار، تتضح أزمة المناخ بشكل جديد. فهي ليست مجرد نتيجة للنمو المفرط، بل هي نتاج نظام مصمم لاستهلاك المستقبل. إذ تفرض بنى الوقود الأحفوري والمؤسسات المالية تكاليف باهظة على الغد، بينما تُدرّ ثروات طائلة اليوم. إن انهيار المناخ ليس فشلاً في السوق، بل هو نجاحٌ للرأسمالية. هذه الصياغة حادة بقدر ما هي مقلقة.

في أفضل حالاته، يُقرأ كتاب "ذريعة رأس المال" كتعميق زمني لأكثر رؤى ماركس تشاؤمًا. في الفصل الثامن من كتاب رأس المال، يصف ماركس كيف يتصرف رأس المال وكأن الخراب طويل الأمد للطبقة العاملة غير ذي صلة. "بعدي الطوفان" هو الشعار السائد. يُقصّر رأس المال الأعمار لأنه محكوم بمتطلبات التقييم الفورية. يعمم ميتشل هذا المنطق ليتجاوز العمل إلى الزمن الكوكبي. إذا كان ماركس يُبين أن رأس المال يُنهك العمال أسرع من إمكانية استبدالهم، فإن ميتشل يُبين أن رأس المال يُنهك المستقبل أسرع من حلوله. كلاهما يُشخص لامبالاة هيكلية تجاه الخراب، لا فشلًا أخلاقيًا للرأسماليين الأفراد، بل هو نتيجة إكراه مؤسسي.

راس المال الثابت كعمل مجسد

لكن هنا تحديدًا يبرز التوتر. إن ادعاء ميتشل بأن رأس المال ليس ثروة متراكمة من الماضي، بل القدرة على استخلاص القيمة من المستقبل، له قوة بلاغية هائلة. فهو يقطع بشكل حاسم مع أسطورة الادخار والتوفير في الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. مع ذلك، إذا أُخذ هذا الادعاء بشكل سطحي، فإنه يُخاطر بتسطيح بُعد هام من تحليل ماركس: رأس المال الثابت باعتباره عملاً مُجسداً.

يرى ماركس أن الآلات والبنية التحتية هي عملٌ ميت، مُخزَّن ومحفوظ. إنها تعاون اجتماعي مُتبلور، وجهد بشري مُتجمِّد مُجسَّد في شكل مادي. خط السكة الحديد يُجسِّد التعدين، وعلم المعادن، والهندسة، والمعرفة المُتراكمة عبر الأجيال. وبهذا المعنى، فهو بالفعل ثروة مُتراكمة من الماضي. إن إنكار هذا تمامًا من شأنه أن يُخفي الجمود المادي للمجال التقني والإنجازات التقنية الحقيقية للعمل الجماعي.

لا يتجاهل ميتشل البنية التحتية؛ بل إنها تلعب دورًا محوريًا في قصته. لكن تركيزه يتحول من طبيعتها التي تنظر إلى الماضي إلى وظيفتها التي تتطلع إلى المستقبل. فالسكك الحديدية تجسد العمل الذي بُذل في الماضي، ومع ذلك فهي تُسهم في استقرار تدفقات الشحن، وإعادة تنظيم المناطق، وضمان إصدار السندات. ويجعل استدامتها تدفقات الإيرادات المستقبلية قابلة للحساب، وبالتالي قابلة للاستثمار. في القرن التاسع عشر، مُوِّل بناء السكك الحديدية من خلال شركات مساهمة، تحديدًا لأن البنية التحتية جعلت الأرباح المتوقعة قابلة للتنبؤ. وهكذا، تُعدّ السكك الحديدية تجسيدًا للعمل وأداة لاستعمار المستقبل.

قد لا يكون التناقض الظاهر بين ماركس وميتشل تناقضًا بقدر ما هو اختلاف في وجهات النظر. لرأس المال الثابت بُعدان زمنيان: ماديًا، يُرسي العمل السابق؛ واجتماعيًا، لا يُعتبر رأس مال إلا بقدر ما يُنظّم استخراج الفائض المستقبلي. فالآلة الخاملة ليست رأس مال، وإنما تُصبح كذلك عندما تدخل في دورة الإنتاج (العمل - الاستهلاك - الإنتاج) وتُسيطر على العمل الحي. يُركّز ميتشل على البُعد الثاني لأن الرأسمالية المعاصرة قد كثّفته بشكلٍ كبير، إذ باتت الأدوات المالية تتغلغل في الحياة اليومية بطرقٍ لم يتوقعها ماركس إلا جزئيًا.

كيف تشكل المحاسبة الانطباعات

السؤال الأعمق هو ما إذا كان ميتشل ينتقل من نظرية قيمة العمل إلى ما يمكن تسميته بنظرية قوة الزمن. يتساءل ماركس عن منشأ القيمة ويجيب: في زمن العمل الضروري اجتماعيًا. يهتم ميتشل بشكل أقل بمنشأ القيمة من اهتمامه بالآلية التي تُثبَّت بها المطالبات المتعلقة بالحياة المستقبلية وتُباع. ينتقل تحليله من الاستغلال داخل الإنتاج إلى الرسملة عبر الزمن. يصبح رأس المال القدرة المؤسسية على خصم المدفوعات المستقبلية وتأجيلها وتجميعها وفرضها. هذا يجعله أقرب إلى فيبر وفيبلين وفوكو منه إلى نظرية قيمة العمل الصارمة

مع ذلك، لا يستلزم هذا التحول بالضرورة التخلي. فتدفق الإيرادات المخفّض يفترض أن هناك من سيعمل، ومن سيدفع، ومن سيستخرج الموارد، ومن سيحرق الوقود. إن المستقبل الذي يُستثمر فيه هو دائمًا عمل المستقبل بالإضافة إلى طبيعة المستقبل. لذا، قد يكون ميتشل يعيد وصف استخراج الفائض على نطاق زمني مختلف بدلًا من استبدال أنطولوجيا ماركس بشكل كامل. إن استغلال زمن المستقبل يعتمد في نهاية المطاف على توقع عمل المستقبل.

يُوسّع ميتشل فكر ماركس بشكلٍ حقيقي في تناوله لمستقبلات ما بعد العمل. فبينما حلّل ماركس استنزاف التربة والفجوة الأيضية، لم يُنظّر لرسملة الزمن الجوي، أو الاستقرار الجيولوجي، أو العتبات الكوكبية. يُبيّن ميتشل كيف تُحوّل نماذج المناخ، وتمويل البنية التحتية، وأنظمة الدين العام، مستقبلات البيئة إلى موضوعات للحساب والتكهن. لم يعد رأس المال يستعمر يوم العمل فحسب، بل المحيط الحيوي أيضاً. وهذا تطورٌ حاسم لأي نظرية جادة للرأسمالية في عصر الأنثروبوسين.

يكمن الإنجاز المفاهيمي العظيم للكتاب في كشفه كيف تُشكّل الأساليب المحاسبية الإدراك. فالاقتصاد ليس كيانًا طبيعيًا، بل أداة سياسية لإدارة الوقت. يُجمّع الناتج المحلي الإجمالي التزامات السداد ويُطلق على النتيجة اسم النمو. من خلال التركيز على الأعراف الحسابية، يُحوّل ميتشل النقاش من الوجود إلى الآلية. رأس المال ليس مجرد مادة، بل هو مجموعة من الأدوات التي تجعل المستقبل يبدو كإيرادات. وبذلك، يكشف كيف أن فهمنا الشائع للرخاء مُتأثر بشدة بتقنيات المحاسبة.

الزمن باعتباره المجال الحيوي للاقتصاد السياسي

إن كان ثمة نقطة ضعف، فهي تكمن في خطر المبالغة في التصحيح الخطابي. ففي معرض معارضته للخرافة القائلة بأن رأس المال هو مدخرات متراكمة، يُقلل ميتشل أحيانًا من شأن أهمية العمل المتجسد والإنتاج الصناعي. إن استدامة المجال التقني، التي يُشدد عليها بحق، تعتمد على تراكم التعاون الاجتماعي السابق. ومن شأن دمج هذا البُعد بشكل أكثر وضوحًا أن يُعزز التركيبة التي يُشير إليها.

لكن هذا تحفظ بسيط في سياق كتاب يُعيد تشكيل فهمنا للرأسمالية بقوة. لا يُقدّم كتاب "ذريعة رأس المال" وصفات سياسية أو برنامجًا للإصلاح، بل يُقدّم ما هو أعمق: إعادة صياغة مفهوم الزمن نفسه باعتباره المحور الأساسي للاقتصاد السياسي. من خلال توضيح كيف يعمل النمو والتكنولوجيا والاقتصاد كذريعة للاستيلاء على المستقبل، يُزوّدنا ميتشل بأدوات مفاهيمية تتناسب مع حجم الأزمة البيئية.

في النهاية، قد تكون الصياغة الأكثر إقناعًا هي التالية: رأس المال هو تراكمٌ للعمل السابق، ولا يصبح رأس مال إلا بقدر ما يضمن السيطرة على العمل والحياة في المستقبل. العمل الميت يجسد الماضي، بينما تتحكم الرأسمالية في المستقبل، ويصبح الحاضر هو الرابط بينهما. وقد أوضح ميتشل النصف الثاني من هذه البنية بوضوحٍ لافت، ولهذا السبب وحده، سيظل كتابه مرجعًا لا غنى عنه.

***

.........................

*Dylan Evans

Medium, 3 March,2026

صاحب الضويري.. دراسات في حياته وشعره

لمناسبة الذكرى الأربعين على رحيل الشاعر الشعبي العراقي (صاحب الضويري 1947 ــ 1985) صدر عن دار لندن للطباعة والنشر كتاب الباحث والمحقق " صادق جعفر الروازق " الموسوم (محنة في قطار الزمن) الذي تناول فيه التجربة الحياتية والابداعية للشاعر المذكور وقد ضم الكتاب مجموعته الشعرية (كتابات على جدار الزمن) اضافة الى دراسات وأراء نقدية في حياته وشعره بأقلام أكثر من ثلاثين باحثا وناقدا وشاعرا وصديقا.

يستهل المؤلف كتابه بمقدمة بقلمه عنونها " عمق العزف على أوتار الضويري " يشير فيها الى قصور الكتابات التي تناولت منجز الضويري، ويصفها بالكتابات السطحية التي لم تسبر اغوار عالمه الخاص وهو رأي فيه بعض التجني اذ ان هناك عددا من الكتابات والمقالات التي انصفت الشاعر ودخلت الى أعماق تجربته الشعرية والدليل على ذلك الكم الكبير من الدراسات والمقالات التي أسهمت في تحرير هذا الكتاب، ثم يعرج في مقدمته على نشأة الشاعر والبيئة الفقيرة التي ترعرع فيها وهي " محلة الجديدة " احدى اقدم المحلات الشعبية في مدينة الديوانية حيث عاش الشاعر فيها ظروف الفقر والحرمان الأمر الذي حال دون مواصلة دراسته بعد تخرجه من الإعدادية الفرع الأدبي ليلتحق بكلية الشرطة ويتخرج فيها برتبة ملازم أول عام 1969 وفي هذا العام بدأت موهبته الشعرية بالظهور متمثلة بقصيدة " متعوب " التي تعد من بواكير شعره، ويلمّح المؤلف أيضا الى ان الشاعر كان يعيش انكسارا داخليا اذا كان ( يرى في حياته اضطرابا من زحمة وصراع فكري وجودي أتعبه كثيرا ص 21)، كما يرصد شيوع المفردة الخليجية في اشعار الضويري وذلك بحكم اقامته في مدينة البصرة فترة من الزمن وعلاقاته بأدبائها وفنانيها واحتكاكه بأبناء الخليج المقيمين فيها، كذلك يشير الى مصادر ثقافة الشاعر ومنها الشعر العباسي اذ كان متأثرا بالشاعر المعري الذي شاركه فكرة العزوف عن الزواج، اذ كان يرى ان الانجاب في هذه الحياة نوع من الجناية على المولود، ويمثّل هذا التحليل رؤية المؤلف.

ويشهد الكاتب زهير كاظم عبود على تمكن الضويري في الكتابة بأجناس شعرية متعددة فيقول (كانت مقدرته الشعرية متميزة بحق، قادرا على خوض الدارمي والأبوذية والزهيري والموال، سجل العديد منها بصوته، يمتلك قدرة سحرية في تطويع كلمات القصيدة ص117)، كما يورد المؤلف شهادة صديق الشاعر، المهندس كريم هاتف، التي يكشف فيها عن ظروف ولادة القصيدة عند الضويري ومراحل اكتمالها فيقول (سألته في احد الأيام.. كيف تكتب قصائدك ؟.. قال: يستحضرني مطلع القصيدة نتيجة موقف حياتي معين او فكرة تقدح في عقلي وأذهب الى الفراش، اكمل المطلع واردده عشرات المرات وتتوارد بعده المقاطع وانا اغطي رأسي وانجز المقطع الأول واردده حتى احفظه ويأتي الثاني والثالث وهكذا انهض من الفراش وقد أنجزت قصيدة بأربع او خمس مقاطع ص 119).

وعن لغة القصيدة عند الضويري يذكر الباحث الأديب محمد علي محي الدين انها (لغة بسيطة في ظاهرها لكنها مشحونة بالايحاء والرمز، فالضويري يستخدم مفردات الحياة اليومية في لهجة الجنوب العراقي، واذا كان القدر قد اختطف الضويري مبكراً فان الشعر أبقاه حياً ص127)، "كما يرى المهندس باسم محمد نزال أن ثمة اغتراباً في شعر الشاعر، يتجلى في إحساسه الدائم بالوحدة والقلق والبحث عن عالم أكثر إنسانية وذلك من خلال تحليل مبسط لبعض نصوصه الشعرية، وتقف الباحثة والصحفية نوال جويد عند محطات في شعر الضويري تقول فيها (تعد تجربة الضويري قاسية.. وحزنه يوازي شغفه، عشق بكل خلايا جسده ولم يبلغ مراده ص 134)، كما يدلوا الشاعر قاسم شاتي بدلوه في تحليل خصائص قصيدة الضويري واسلوبه الشعري فيصفهما بالقول (يشكل الاغتراب العاطفي أحد أبرز المحاور الجوهرية في تجربة الشاعر صاحب الضويري، اذ ينبع من أعماق ذاته الجريحة ليغدو سمة فنية وجدانية تهيمن على شعره ص 140)، وعن حضور الضويري في الساحة الشعرية يرى د. نصير جابر ان مايميز تجربة الضويري هي الظاهرة الايقاعية فهو (يتصيد القافية الفخمة التي تعطي للقصيدة هيبة ايقاعية وتخصّب قصائده بموسيقى صاخبة تتناغم مع مواضيع النصوص ص 154)،، كما يصفه الباحث كاظم السيد علي بأنه (قيثارة حزن وسمفونية عذاب ص 159)، ويجد الأديب الناقد ريسان الخزعلي في الشاعر الضويري انه كان (متمترسا بذاته وبخصوصية املتها عليه ظروف حياتية / اجتماعية متشاغلا بفكرة الحياة والموت ص 163)، ويرى الأديب سعد صاحب في مقاله " شاعر مضطرب العواطف " ان (الضويري شاعر يوثّق الفواجع وغدر الدنيا والزمان وكأنه يتحدث على لسان الفلاسفة والمفكرين والأولياء وأهلا الالباب ص 167)، وتصف الأديبة انتظار الوردي ان الضويري رسم بنفسه نهايته المأساوية فهو (سعى الى ازهاق روحه تمردا على حياة لم تكن تليق به تاركاً قصائده التي خلدته في الذاكرة على الرغم من مر السنين ص173)، ومن طرائف الوصف للضويري جاء في عنوان مقالة الأديب ذياب مهدي ال غلام " شاعر سمفونية الوجع على إيقاع الهجع " التي جاء فيها ان قصائد الضويري (اتسمت برداء شفيف من الحزن كعاشق صوفي، وبناء متين صلد متزن، ليس تعبيرها عن همه الخاص لكنه دائما نجده في شعره وشاعريته توحي قصائده بالهم العام، فقصيدته طائر مذبوح ويرقص الهجع ص175)، ويشارك الاحتفاء بالضويري صديقه الشاعر منهل البحاثي من خلال الذكريات التي جمعته به ومنها مطلع القصيدة التي وصلته من الضويري بسبب جفوة حدثت بينهما (وين الرفاكة اللي بدراهم نمت.. والوادم يكولون نايم رغد) التي انتهت باعتذار الضويري له. وفي مقاله " محنة العمر عند الشاعر الضويري " يرصد الكاتب ثامر الحاج امين ظاهرة موت المبدعين بأعمار قصيرة ومن بينهم الضويري فيقول فيها (يأخذنا الشاعر في رحلة عذاباته التي ابرز ما جاء فيها فقدان الإحساس بجدوى الحياة وهي ظاهرة سلوكية تجعل الانسان محبطا وتدفعه الى النفور من الحياة والتفكير بالخلاص وللأسف هذا الإحساس لازم الضويري ص187)، ويشارك الأمين هذه الظاهرة د. زهير هداد السعداوي الذي يرى الشاعر انه عاش اليأس ولم يجد سوى الموت حلا (حتى صارت روحه اليائسة مثل كرة الغزل المتشابكة الخيوط لا يعلم اين رأسها ص196)، ويرصد الشاعر عماد المطاريحي زهد الضويري بالشهرة والامتيازات التي كان يحظى بها الشعراء المتكسبين من الشعر ويقول عنه (شاعر صاغ حزنه بلهجة الناس وبساطة الوجدان، ولم يكن من شعراء المنابر بل من شعراء التجربة الحقيقية، فقصائده لم تكتب لتصفق لها الجماهير بل لتقال في ساعة حزن، والضويري لم يكن باحثا عن المجد بل عن الخلاص ص 198)، وتأتي شهادة الشاعر رحيم الغالبي عن مكانة الضويري في قلوب الشعراء ليقول (الشاعر المبدع والمتفرد بالشكل والمضمون باشعاره، الذي قال عنه عريان السيد خلف يوما رداً على سؤال: لمن تحب ان تقرأ.. أجاب : لصاحب الضويري ص200)، كما اعتبر الكاتب نبيل عبد الأمير الربيعي الشاعر الضويري ايقونة الشعر الشعبي الفراتي واصفا تجربته (قاسية والصورة الشعرية لديه ليست طلسما بل هي وهج شعري منساب ص 209)، ويرصد د. لطيف حاتم الزاملي موضوع الحزن في شعر الضويري قائلا (عندما راجعت قصائد صاحب الضويري التي جمعها الناقد الأستاذ ثامر الحاج امين تحت عنوان " كتابات على جدار الزمن " أدركت ان الهم والحزن يشغلان حياة الشاعر لأنهما يتشابهان ويتوحدان في الظروف المتشابهة ص 211)، أما الشاعر والناقد د. رحمن غركان فله وقفة مع اللهجة البدوية في شعر الضويري ويرى (كلما انفعل الشاعر وجدانيا بالخلوص العاطفي للمرأة الحبيبة لجأ الى اللهجة البدوية بشكل خاص مد صوتي لافت يستوعب الهم الوجداني وينفس عنه ص 217)، ويصف القاص نعيم شريف الشاعر الضويري في مقاله " كشهاب مر مضيئا وغاب " وانه (شاعر محمل بالقيم البدوية التي تحث على الإباء والكرم والشجاعة واحتقار الغدر والخيانه ص 225)، ويتوقف الباحث سليم جواد الفهد عند محاولة انتحار الشاعر الضويري ويبررها بقوله (انه كان يعاني من علة جسدية لا علاج لها قضّت مضجعه وحطمت روحه وألقته في حضيض اللاجدوى ص 230)، كما يشارك في مقالات الكتاب الأديب الخطاط هاتف العذاري ليصف عالم الشاعر (صاحب كان وترا نصغي له كيوم جديد يسبح الموجوعون والعاشقون على ضفاف ابجدياته المخضرة التي تحاكي قدر ناسه ص234)، ويخوض د. علي المرهج في موضوع البكاء عند الرجال، اذ يعتبر البكاء تعبير طبيعي عن وجودنا ويختار عددا من الأبيات الشعرية للضويري التي تشير الى بكائه ويصفها (رغم ما في شعر الضويري من طلاوة وترافة الا ان الطلاوة والترافة محفوفتان بالحزن والألم ص 239)، وتساؤل اخر يطلقه الأستاذ صاحب رويح حبيب في عنوان مقاله " صاحب الضويري أم صاحب المحن " بسبب ان الشاعر (عاش الكثير من المحن والأزمات وكانت اغلبها مع ذاته وبقي مأزوما محبطا مهزوما أمام ما مر به ص 241)، ويختار مؤلف الكتاب شهادة الشاعر كزار حنتوش بحق الشاعر الضويري (اننا نستطيع ان نصنع مئة مقاول وألف غجري وثلاثين ألف كذاب ومليون داعر لكننا نعجز عن صنع شاعر حقيقي ص 248)، وتمنح ذكريات الروائي سلام إبراهيم عن الشاعر صاحب الضويري الكتابَ قيمةً توثيقيةً وإنسانيةً إضافية، يقول في واحدة منها (أسمعني ابياتا من قصائده ذات البحر الواحد المبنية على فكرة الحسجة الفراتية في مرموزاتها الشدبدة المحلية، كان نبهاً شديد الذكاء يتفرس في وجهي وانفعالاته اثناء الانشاد ص 271)، كما يستذكر الشاعر الحلي صلاح اللبان ذكرياته مع الضويري ويقول في شعره (جمل الضويري الشعرية ولوحاته باذخة في التعبير المتسامق في الصياغة ومكللة بوحدة الموضوع ص 290)، ويستذكر الأستاذ جواد كاظم الرازقي ــ ابن خالة الشاعر ــ بعضا من ذكرياته عن الضويري ويقول عنه (شاعر القصيدة الموجعة، ويكتب القصيدة بنزيف دمه ويمفردات مشحونة بالحزن ص305)، ويصفه الأستاذ سعد نجم عبود السقا بأنه قلب الديوانية الحزين ويشهد له بأنه (لم يكن شاعرا طارئا على الشعر كباقي من اعرفهم من الشعراء الذين خدمهم الاعلام الحكومي او الاعلام المعارض، كان صاحب شاعرا معجون بالمحنة الغارقة بالمآسي والاحزان ص 306) وللفنان عايد نجم الهلالي حصته من الشهادات بحق الضويري فيقول عنه (شاعر لم يقلد أحد، كان متحصنا من تأثيرات شعرية في تلك المرحلة وقد أدهشني وصدمني بيت شعري في احدى قصائده مازلت اتذكره حتى هذه اللحظة يقول فيه " كبرنه ومادرينه هدومنه ازغار.. وعله كد الردن كصينه ادينه ص 308)، ويشير صديقه الشاعر شعلان حاجم الى مفارقة يتصف بها شعر الضويري بقوله (مع روعة نظرته للحياة لم يخضع للصلابة والخشونة التي يتطلبها عمله، بل كان طيبا سمحا، بل كان شديدا مع المجرمين والقتلة لإعتقاده ان هؤلاء هم أعداء الحياة والجمال والعشق ص 310) كما يضمن المؤلف كتابه قصائد رثاء الضويري بأقلام الشعراء، مرتضى السعيدي، قاسم شاتي، صفاء الشلاه، سالم الشباني، الشيخ تكليف رحم الصكبان، حسين الغبان، منهل البحاثي، ياسر العفلوكي، فليح أبو ماجد، حسن سوري، كما يضمنه ملحق بالصور تجسد محطات من حياة الشاعر.

لقد قدم المؤلف صادق جعفر الروزاق جهدا طيبا في توثيق سيرة شاعر أشعل شمعة في ساحة الشعر الشعبي العراقي ظلت مضيئة ولم تنطفيء.

***

ثامر الحاج أمين

"أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل"

في عالمٍ تتسارع فيه المعرفة كما لو كانت تياراً كهربائياً يعبر القارات في لحظة، ويعيد تشكيل مصائر الأمم، يجيء كتاب "أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل" ليضع إصبعه على الجرح الذي طالما تجاهلناه، أو ربما اعتدنا وجوده حتى لم نعد نشعر بألمه. هذا الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو صوتٌ فكريٌّ يخرج من عمق الوعي العربي، يصرخ في وجه التراخي، ويذكّر بأن الأمم لا تُبنى بالشعارات، بل بالعلم، ولا تنهض بالأمنيات، بل بالبحث والمعرفة والإبداع.

يقدّم المؤلف—وهو باحث عربي مشغول بقضايا التعليم والتنمية، وصاحب تجربة طويلة في متابعة واقع الجامعات العربية ومؤسسات البحث العلمي—عملاً فكرياً يزاوج بين التحليل الرصين واللغة الأدبية الرفيعة. فهو لا يكتب من برجٍ عاجي، ولا من موقع المراقب البعيد، بل من قلب التجربة، ومن تماس مباشر مع الأسئلة التي تشغل كل مثقف عربي يتساءل عن موقع أمته في عالمٍ يتغيّر بسرعة مذهلة. ولعل هذا ما يمنح الكتاب صدقه وحرارته، ويجعله أقرب إلى بيانٍ فكريٍّ منه إلى دراسة جامدة.

منذ الصفحات الأولى، يضع المؤلف القارئ أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن أزمة البحث العلمي العربي ليست أزمة قطاعٍ واحد، بل أزمة مشروع حضاري كامل. فهي أزمة تعليمٍ لا ينتج معرفة، وجامعاتٍ لا تمارس البحث، ومؤسساتٍ لا ترى في العلم أولوية، وثقافةٍ مجتمعية لا تزال تنظر إلى الباحث بوصفه كائناً هامشياً، لا صانعاً للمستقبل. هذه الرؤية الشاملة تمنح الكتاب قوةً في الطرح، إذ لا يكتفي بتشخيص مظاهر الأزمة، بل يعود إلى جذورها التاريخية، ويتتبع مسار تشكّلها عبر عقودٍ من الإهمال وسوء التخطيط وغياب الإرادة السياسية.

ويمضي المؤلف في سرديته ليكشف أن البحث العلمي في العالم العربي يعيش حالة من الانفصال: انفصال الجامعات عن المجتمع، وانفصال السياسات عن المستقبل، وانفصال التعليم عن الإبداع. فالمؤسسات التعليمية—كما يراها المؤلف—تحوّلت إلى مصانع للشهادات، لا مصانع للأفكار. والباحث العربي، مهما امتلك من شغف، يجد نفسه محاصراً بضعف التمويل، وغياب البيئة البحثية، وانعدام الحوافز، وكأن البحث العلمي فعلٌ بطوليٌّ فردي، لا مشروعٌ وطنيٌّ جماعي.

لكن الكتاب لا يقف عند حدود النقد، بل يقدّم رؤية إصلاحية متكاملة، تُعيد للعلم مكانته الطبيعية في مشروع النهضة. يدعو المؤلف إلى إعادة هيكلة الجامعات لتصبح مؤسسات بحثية حقيقية، وإلى رفع الإنفاق على البحث العلمي إلى مستويات عالمية، وإلى بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص، وإلى تطوير التشريعات التي تحمي الابتكار وتدعم الباحث، وإلى ربط البحث العلمي بحاجات المجتمع والاقتصاد، بحيث يصبح العلم جزءاً من الحياة اليومية، لا نشاطاً معزولاً داخل المختبرات.

ويستوقف القارئ ذلك البعد المقارن الذي يقدّمه المؤلف حين يعرض تجارب دولٍ مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين وماليزيا، وكيف استطاعت هذه الدول أن تنتقل من الهامش إلى الريادة عبر بوابة العلم. ليست هذه المقارنات مجرد سردٍ لنماذج ناجحة، بل هي محاولة لاستخلاص الدروس القابلة للتطبيق عربياً، مع إدراكٍ واعٍ للخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية. وهنا يبرز المؤلف بوصفه باحثاً يمتلك رؤية عالمية، لا محلية فحسب، ويستطيع أن يضع التجربة العربية في سياقٍ أوسع، يضيء نقاط ضعفها ويكشف إمكانات قوتها.

لغة الكتاب تحمل مزيجاً نادراً من الرصانة العلمية والدفء الأدبي، مما يجعل قراءته ممتعة ومفيدة في آن واحد. فهو لا يغرق في المصطلحات الأكاديمية، ولا يكتفي بالخطاب الإنشائي، بل يوازن بين التحليل العميق والطرح الواضح، وبين النقد الصريح والأمل الممكن. وهذا ما يجعل الكتاب مناسباً للباحثين وصنّاع القرار والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، بل وللقارئ العادي الذي يبحث عن فهمٍ أعمق لواقع أمته ومستقبلها.

أما المؤلف نفسه، فهو نموذج للمثقف العربي الذي يرى في العلم طريقاً للنهضة، وفي المعرفة شرطاً للوجود الحضاري. كتاباته السابقة تشهد على اهتمامه العميق بقضايا التعليم والبحث العلمي، وعلى سعيه الدائم إلى بناء خطابٍ إصلاحيٍّ يربط بين الفكر والممارسة، وبين الرؤية والواقع. وفي هذا الكتاب، يبلغ هذا الاهتمام ذروته، إذ يقدّم عملاً يمكن اعتباره وثيقة فكرية تدعو إلى إعادة بناء المشروع العربي على أسس العلم والمعرفة.

إن كتاب "أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل" ليس مجرد إضافة معرفية، بل هو نداءٌ حضاريٌّ موجّه إلى كل عربيٍّ يؤمن بأن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع. إنه دعوة لإعادة الاعتبار للباحث، وللجامعة، وللمؤسسة العلمية، وللثقافة التي ترى في العلم طريقاً للنهضة لا ترفاً فكرياً. إنه كتاب يوقظ الأسئلة، ويحفّز التفكير، ويضع أمام القارئ رؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه مشروع النهضة العربي في القرن الحادي والعشرين.

كتاب يستحق أن يُقرأ، وأن يُناقش، وأن يُدرّس، وأن يكون جزءاً من النقاش العام حول مستقبل العلم والتعليم والتنمية في الوطن العربي. فهو ليس مجرد كتاب، بل هو صرخة وعيٍ عربيٍّ جديد، يذكّرنا بأن الطريق إلى المستقبل يبدأ من المختبرات وقاعات البحث، لا من الخطابات والشعارات.

مع الود والتقدير.

***

بقلم الدكتور عبد الجليل البدري

‏10‏/07‏/2026

عند المفكر المغربي محمد عابد الجابري

السُنّة الإسلامية الشاملة مصطلح نحته محمد أركون ليكون بديلا لمصطلح التراث

إن غياب العقل والعقلانية (عند التراثيين) في تفكيرنا وممارساتنا كأفراد ومجتمعات عربية وعدم قدرتنا على تشخيص المشكلات الحقيقية نتج عنه بالضرورة تفكير غير عقلاني وممارسات غير عقلانية عمّقت التخلّف ومظاهره في مفتصل المجتمعات العربية ، جعلتنا نتعامل مع الواقع بالأمنيات والرغبات وليس بالعقل، وكأننا نعيش في عالم خيالي أو سحري، هذت م قاله الدكتور قادة جليد وهو أكاديمي وباحث جزائري استاذ الفلسفة بجامعة وهرات وعضو مخبر الأبعاد الفكرية للتحولات الفكرية والسياسية بالجزائر مدير وحدة بحث تحليل الأزمات له العديد من المؤلفات​

انطلاقا من هذه العبارات التي وردت في كتابه المذكور في العنوان يقارن الدكتور قادة جليد باحث أستاذ الفلسفة بجامعة وهران (متقاعد) يؤكد قادة جليد أن الجابري صاحب نظرية في قراءة التراث وأنه مهّد لمشروعه الضخم “ نقد العقل العربي” بمساهمات وأبحاث نظرية تناولت قضايا المنهج والرؤية، ومن القليلين الذين يؤشكلون ويؤفهمون في نفس الوقت، بمنعى أنه يطرح التساؤلات واشكالات النظرية وينجز على ضوئها تطبيقات على نماذج من تراثنا العربي ألإسلامي ولا يكتفي فقط بعرص البيانات النظرية  والمفاهيم المجردة، غايته إقناع القارئ وليس إبهاره، ولذا يمكن القول ان الجابري ارتقى بإشكالية التراث والحداثة من مستوى الإشكالية النظرية  المأزومة إلى مستوى النظرية المطبقة، نظرية تبقى مفتوحة ولست مغلقة ، مفتوحة دائما على النظر واستئناف النظر، كما يقارن الدكتور قادة جليد في كتابه بين فكر الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور محمد عابد الجابري في كتابه : نظرية  قراءة التراث عند محمد عابد الجابري (المنهج والرؤية) حلّل فيه أزمة التعامل مع التراث ومع الآخر في نفس الوقت، كان هذا التساؤل الذي طرحه زكي نجيب محمود وأجاب عليه الجابري، السؤال الذي طرحه زكي نجيب محمود كيف السبيل إلى ثقافة موحدة يعبشها مثقف حيُّ في عصرنا هذا؟ بحيث يندفع المنقول والأصيل في نظرة واحدة، إلا أن الجابري يرى أن الطريقة التي تعامل بها زكي نجيب محمود مع التراث براغماتية ساذجة وقد سمّاها بالطريقة المزيّفة لأنه جعل من التراث إرثٌ مادّيٌّ يمكننا أن نأخذ منه ما نشاء أو نتنازل عن جزء منه أو كله وهي بالتالي طريقة غير تاريخية، لأنها لا تصنع وعيا جديدا على صعيد الوعي من أجل فهم الواقع وتغييره وبالتالي تحقيق النهضة المأمولة،.​

يقول الدكتور قادة جليد إن المشكل المطروح والذي يجب أن يُطرحَ بجِدٍّ هو ليس ماذا نأخذ؟،و ماذا نترك؟، بل كيف ينبغي أن نفهم ومن أين يجب أن نبدأ من أجل التغيير ومن أجل النهوض، فهذه المعضلة حسبه جعلت الفكر على صعيد الواقع يعيش الغربة والإغتراب ، فإمّا هو فكرٌ يجترُّ ما كتبه الأوّلون بدون نقد أو تمحيص، أو فكر ارتمى في أحضان الثقافة الغربية بدون حِسٍّ معرفيٍّ أو تاريخي وبالتالي خلوّ الساحة الثقافية المعاصرة من الثقافة العقلانية الواعية التي تربط الفكر بمشاكل الحاضر وتعمل بوعي على فهم تناقضاته وفكِّ رموزه والسّعي فيما بعد إلى تغييره، كان هذا كلام الدكتور قاد جليد وتحليله قريب جدا من المنطق، فهو يعالج الإشكاليات أو المعضلات الفكرية من جذورها دون تعصّب للفكر أو الرأي، إذ يرى أن التعامل مع التراث إمّا يكون باجتراره وإمّا يكون برفضه باسم الثقافة العالمية الكونية التي هي نتاج بيئتها وتاريخها الحضاري، فالقيم كالأخلاق والأنسنة والتسامح، والمفاهيم كالعقل والعقلانية والمواطنة والحرية والإبداع وحقوق الإنسان في منظور قادة جليد قيم مرغوبة فيها ومطلوبة في فكرنا العربي المعاصر، لأن الإستعمار كان ولا يزال يعيقنا على تحقيق شخصيتنا التاريخية المستقلة وتشييد نهضتنا كما نريدها نحن2994 aljia

فمفهوم التراث في الفكر العربي المعاصر اصبح يخضع لإستراتيجية القارئ أو الباحث وفق منظوره الخاص وغذته المنهجية ورؤيته الإبستمولوجية والإيديولوجية التي يتبناها ويستثمرها الباحث في قراءته للتراث، ومن هنا تعددت المفاهيم التي تعطي للتراث بتعدد الباحثين اختلاف مناهجهم ومواقعهم في الحاضر، فالتراث كمفهوم مرب في نظر قادة جليد وصل إلينا من الماضي في سياقات تعبيرية مختلفة تجمع بين التعريف المادي والروحي ، فهو من جهة ليس إلا مخزونا للموروثات من العادات والتقاليد ونظم الإجتماعي، يقدم قادة جليد في كتابه آراء المتكلمين في التراث (ص 102) وكيف تعاملوا مع التراث من ناحية الفهم والإستثمار فيه، فلا يمكن النظر إليه على أنه بضاعة تم إنتاجها خارج التراث بل هو جزء منه، هو حركة الفكر وتطلعاته من خلال مراحل معينة من التطور ، مشيرا إلى موقف المفكر السوري طيب تيزيني حين فرق بين التراث والموروث وقال أن التراث اشمل من الموروث، فالتراث له حضوره في لماضي أما الموروث له حضوره في الحاضر.

فما هو مفهوم التراث عند الجابري إذن؟

وماهو إطاره المرجعي في الثقافة العربية الإسلامية وفي الفكر العربي الإسلامي؟، وهل يمكن أن نقدم تعريفا منهجيا إجرائيا للتراث بحيث يكون شاملا ومقبولا من طرف الجميع، على اختلاف مناهجهم ومواقفهم وإيديولوجياتهم، وكما جاء في الصفحة 103 ، ينطلق الجابري من قاعدة فكرية مستخلصة من الواقع والتاريخ معا، لأنه يصعب ترجمته إلى أية لغة أخرى، يقول الجابري في كتابه التراث والحداثة “ إن الإشباع الذي يتميز به التراث في خطابنا العربي المعاصر يجعله غير قابل للنقل بكل شحناته الوجدانية ومضامينه الإيديولوجيى إلى أيّة لغة أخرى معاصرة” ، ثمّ أن مصطلح تراث لم يكن واردا في خطابات الكندي وابن رشد، يشرح الجابري مصدر مفهوم التراث ومشتقاته وخاصة في المجال التداولي أو الحقل الدلالي، بعد أن بحث عن أصله ومضمونه في سياق الثقافة الغربية ومعجمها الفلسفي والديني والأدبي والفني، بدليل أن كلمتي heritage وpatrimoine كما يضيف لا تحملان المضامين نفسها التي نحملها نحن اليوم لكلمة تراث لأن كلمة heritage، بالفرنسية استعملت في معنى مجازي للدلالة على المعتقدات الخاصة بحضارة ما، يشير الجابري إلى مفكرين خاضوا في هذه المسالة مقدما المفكر محمد أركون كنموذج، عندما قام بنحت مصطلح جديد وتأصيله داخل الثقافة العربية الإسلاميىة كبديل عن مصطلح تراث، وهو “ السُنّة الإسلامية الشاملة” la trdition islamique exhaurstive فهذا المصطلح كما يقول الدكتور قادة جليد قام محمد أركون بتاصيله من الاخطاب القرآني ، لأن القرآن يدعو القارئ إلى النظر في سنن الأولين الذين سبقونا بوجودهم في التاريخ، وبهذا فإن السنة الاسلامية الشاملة عند أركون تعني كل مسيرة نظيرة كانت أو عملة وصلت إلينا من الأولين وتعني “ التراث” كما وصل إلينا في كليته، الحقيقة أن كتاب قادة جليد ثري بالأفكار حيث اعطى للمصطلحات قيمتها ، بحيث وضع الفكر الجابري تحت المجهر مقدما قراءاته لمفهوم التراث، وهي عديدة وبشرح مفصل، يحتاج إلى ورقة مسنفردة، وكل قرارة تحتاج إلى كتاب، منها القراءة (السلفية للتراث والقراءة الإستشراقية واليسارية والقراءة التشخيصية والقراءة المعاصرة ، مع تقييم هذه القراءات مركزا على إشكالية القراءة والتأويل والربط بين القارئ والمقروء.

***

عجلية عيش

بجهدٍ بحثي دؤوب، يواصل الصديق الباحث نبيل الربيعي مسيرته البحثية بإصدار كتابه الجديد (نوري جعفر 1914–1991 جدل الفكر والإنسان)، وهو الكتاب السادس والأربعون في سلسلة إصداراته التي تناولت موضوعات معرفية وتاريخية متنوعة، شملت تاريخ القوميات والأقليات والأديان والمذاهب والأحزاب في العراق، إلى جانب دراسات في الظواهر الاجتماعية، مثل الفرهود والانتفاضات الشعبية، فضلاً عن سير عدد من الشخصيات السياسية والفكرية والثقافية.

ويأتي هذا الإصدار ضمن سلسلة «أعلام الفكر والثقافة»، ليضيء تجربة واحد من أبرز المفكرين العراقيين، هو الدكتور نوري جعفر، الذي يُعد من الرواد الأوائل في طرح موضوعي الذكاء الاصطناعي ومدارس الموهوبين، كما أسهمت بحوثه ودراساته في ترسيخ حضوره الريادي في المشهد الثقافي العراقي والعربي، والذي يصفه الباحث الربيعي في مقدمة كتابه بأنه (نموذج فريد للباحث الموسوعي الذي استطاع أن يمزج بين صرامة العلم وعمق التراث وجمال الأسلوب الأدبي)، وهي شهادة تنصف مشروعه الفكري الذي جمع بين علم النفس والتراث، فلم يكن مجرد باحث، بل صاحب مشروع معرفي متكامل.

يقع الكتاب في تسعة فصول، يرافقها ملحق مصور يوثق مراحل من حياة العلامة نوري جعفر ومنجزاته. ويستهل المؤلف الفصل الأول بسيرة وافية تبدأ من ولادته في مدينة القرنة شمال البصرة، وكيف استطاع أن يجعل من بيئته الريفية نقطة انطلاق نحو عالم المعرفة. وبرغم تفوقه الدراسي الذي كان يؤهله لدراسة الطب، فإن ضيق الحال حال دون ذلك، فالتحق بدار المعلمين العالية، ليتحول الحلم المهني إلى رسالة فكرية أسهمت في تشكيل أحد أبرز العقول في الفكر التربوي والنفسي العراقي.

أما الفصل الثاني، الموسوم «العلم والحياة»، فيصفه الربيعي بأنه (يعكس مسار العقل الإنساني في انتقاله من التفسيرات البسيطة إلى الفهم العلمي المعقد ص77). ويتناول فيه الدكتور جعفر نشأة علم التنجيم بوصفه محاولة مبكرة لتفسير ما يتجاوز الإدراك المباشر، مستعرضاً نماذج تاريخية لرعاية الحكام والملوك للمنجمين، كما يقدم رؤية لافتة تعيد الاعتبار للقدم بوصفها عنصراً حيوياً في بنية الجسد، له دلالات تتجاوز وظيفته الحركية. ويعرض كذلك دراسته لتطور الدماغ في المرحلة الجنينية الأولى، حيث يقول الربيعي: (ظل الدكتور جعفر يقترب من أعقد الموضوعات العلمية بعقل تحليلي هادئ ورؤية تسعى إلى فهم الإنسان من جذوره البيولوجية الأولى ص105).

ويتناول الفصل الثالث موضوع علم النفس، فيقدم مدخلاً لهذا العلم بوصفه دراسة للسلوك الإنساني، ثم ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي والفيزياء المعرفية، ويبرز اهتمام الدكتور جعفر بقضايا الذكاء والإبداع، وتأملاته في القدرات العقلية للإنسان، بما يكشف عن وعي نقدي متقدم، ولا سيما في مناقشته لبعض أطروحات الدكتور علي الوردي، وخاصة كتابه "خوارق اللاشعور " .

وفي الفصل الرابع، المخصص للأدب، يناقش المؤلف نشأة اللغة، بوصفها ليست مجرد وعاء للفكر، بل شريكاً في تكوينه، قائلا: (الفكر يتشكل داخل اللغة، واللغة تتطور عبر الفكر ص209)، ويرى الدكتور جعفر أن اللغة تمثل نقطة التحول الكبرى التي نقلت الإنسان من الوجود البيولوجي إلى الوجود الثقافي الواعي، أي من (الإدراك الحسي المباشر إلى التفكير الرمزي المجرد ص212)، كما يتناول أدب الخيال العلمي، الذي يعده شكلاً متقدماً من أشكال التفكير الإنساني القائم على العلم في استشراف المستقبل.

ويخصص الفصل الخامس لموضوع الغذاء والصحة، حيث يرى المؤلف (أن الغذاء لم يكن مجرد حاجة بيولوجية، بل كان عاملاً مؤثراً في تشكيل التاريخ والحضارة ص347)، ويستعرض الدكتور جعفر دور التغذية في تطور الإنسان تاريخياً، رابطاً بين النظام الغذائي والتحولات البيولوجية والتطور الحضاري، كما يتناول مفهوم الرشاقة من منظور طبي، مؤكداً أهمية التوازن بين الطول والوزن، ومحذراً من أخطار السمنة.

أما الفصل السادس، «التربية والمجتمع»، فيسلط الضوء على اهتمام الدكتور جعفر بالشباب، وعدّهم مصدر العطاء الفكري والاجتماعي. ويستشهد بشخصيات علمية مثل نيوتن، وآينشتاين، ونيلز بور، بوصفها نماذج لإنجازات تحققت في مرحلة الشباب، كما يستعرض أحداثاً تاريخية كبرى، مثل الثورة الفرنسية وثورة أكتوبر، ليؤكد الدور المحوري للشباب في صناعة التغيير. ويقدم في هذا الفصل رؤية تربوية شاملة تدعو إلى التكامل بين العلوم الطبيعية والإنسانية في بناء شخصية الفرد ودفع المجتمع نحو التقدم.

وفي الفصل السابع، «العلم والفن»، يؤكد (أن منزلة الفن في بناء شخصية الإنسان لا تقل أهمية عن منزلة العلم، بل إن كليهما يشكلان الأساس في تكوين الإنسان المتوازن ص411). فالفن، بمختلف أشكاله الأدبية والتشكيلية والموسيقية، ليس ترفاً ثقافياً، وإنما عنصر بنيوي في تكوين الشخصية. وفي الوقت نفسه، يميز بين طبيعة العلم القائمة على الموضوعية والقوانين العامة، وطبيعة الفن القائمة على الإبداع والوجدان، مستشهداً بما يُروى عن آينشتاين من أنه استفاد من أعمال ديستويفسكي أكثر مما تعلمه من كثير من علماء الطبيعة والرياضيات.

ويتناول الفصل الثامن قدرات الطفل العقلية، مؤكداً ضرورة توفير بيئة غنية بالمثيرات المعرفية، تمنح الطفل فرصاً تتناسب مع مرحلته العمرية، بعيداً عن فرض إيقاعات لا تنسجم مع نموه، كما يشدد على أن التعامل مع الطفل ينبغي أن يستند إلى معرفة علمية بخصائصه النمائية، لا إلى الانفعال أو الاجتهادات العفوية.

ويختتم الربيعي كتابه بالفصل التاسع، الذي يضم مجموعة من الحوارات والمقابلات التي أجرتها صحف ودور نشر وشخصيات مختلفة مع الدكتور نوري جعفر، وهي حوارات تكشف جوانب مهمة من سيرته العلمية والفكرية، وتلقي الضوء على رؤيته لمختلف القضايا التي شغلته.

وفي المحصلة، يُعد كتاب الباحث نبيل الربيعي جهداً علمياً رصيناً، ووفاءً مستحقاً لعطاء واحد من أبرز المفكرين العراقيين، الذين سعوا إلى بناء مشروع معرفي يجمع بين الفلسفة وعلم النفس والتربية وسائر العلوم الإنسانية، مع اهتمام خاص بفهم الإنسان في سياق تطوره البيولوجي والاجتماعي. ويضاف هذا الإصدار إلى سلسلة الكتب التي تؤرخ للأعلام العراقيين، وتسهم في حفظ منجزهم الفكري وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة علمية رصينة ورؤية نقدية متوازنة.

***

د. عالية ابراهيم

قراءة نقدية

صدر حديثًا عن دار ماشكي، وبدعم من جمعية التشكيليين العراقيين في بغداد، كتاب «الفضاء التشكيلي: الانزياح الجمالي في التشكيل العراقي المعاصر، قراءة في تجاربه وتحولاته» للكاتب والناقد مروان ياسين الدليمي، بوصفه دراسة نقدية تتناول التجربة التشكيلية العراقية ضمن أفق معرفي وجمالي، يرى إلى اللوحة باعتبارها بنية تفكير بصري تتقاطع فيها الذاكرة مع الرؤية، ويتحوّل فيها اللون من عنصر تمثيلي إلى طاقة لإنتاج المعنى، ومن مادة حسية إلى أداة لإدراك العالم وإعادة تشكيله.

ينطلق الكتاب من مساءلة مفهوم الفضاء التشكيلي بوصفه بنية إدراكية متحولة. فاللوحة تتشكل داخل شبكة من العلاقات بين اللون والكتلة والفراغ والضوء والإيقاع، وتنتج دلالتها داخل حركة التلقي نفسها، حيث يتداخل فعل النظر مع فعل الإدراك، وتتغير الصورة وفق ديناميكية القراءة البصرية.

ويكتسب هذا التصور أهميته من كونه يعيد تعريف وظيفة الصورة في الفن المعاصر، حيث تتحول اللوحة إلى مجال للتفكير البصري، وتصبح العلاقات الداخلية فيها مصدرًا للمعنى. وتنعكس هذه الرؤية على طبيعة التحولات التي شهدها التشكيل العراقي المعاصر، إذ يتجه الاشتغال الفني نحو كيفية بناء الصورة من الداخل، وإعادة تنظيم المرئي داخل وعي المتلقي.

في هذا السياق، يحتل الفراغ موقعًا بنيويًا داخل التكوين التشكيلي. فالفراغ يعمل كقوة تنظيمية تعيد توزيع العناصر داخل اللوحة، وتوجه الإيقاع البصري، وتساهم في إنتاج التوازن بين الكتلة واللون. ويغدو عنصرًا مساويًا للعناصر المادية الأخرى في بناء الدلالة، ويشارك في صياغة خطاب الصورة بدل أن يظل مساحة صامتة بينها. وتتقاطع هذه الرؤية مع تحولات الفن، حيث أعيد التفكير في العلاقة بين الامتلاء والغياب باعتبارها علاقة إنتاج دلالي. التجارب الحداثية أعادت تعريف الفضاء التشكيلي بوصفه مجالًا مفتوحًا، تتداخل فيه العناصر وتتشكل فيه المعاني عبر التوتر البصري، لا عبر الاكتمال الشكلي.

ويؤسس الكتاب مفهوم الانزياح الجمالي بوصفه آلية مركزية لفهم التحولات داخل التجربة التشكيلية. فالانزياح يتجلى في إعادة تنظيم العلاقات البصرية داخل اللوحة، وانتقال العمل الفني من الاستقرار التمثيلي إلى دينامية داخلية تنتج المعنى عبر التحول. ويتشكل المعنى هنا داخل البنية نفسها، من خلال حركة العناصر وتغير مواقعها البصرية والدلالية.

ويستند الدليمي في مقاربته إلى رؤية تعتبر الفن تجربة إدراكية تتجاوز الوظيفة الجمالية التقليدية. العمل الفني يتحول إلى طريقة في التفكير بالعالم، وإلى صياغة جديدة للعلاقة بين الإنسان والواقع عبر الوسائط البصرية. ويصبح النقد امتدادًا لهذه العملية، من خلال تفكيك البنية الداخلية للصورة وإعادة بناء أسئلتها.

ويشتبك الكتاب مع مجموعة أسئلة مركزية في التجربة التشكيلية العراقية: كيفية تحول اللون إلى حامل للوعي، وكيفية إنتاج الفضاء للمعنى، وآليات التوازن بين التجريب الفني وخصوصية الهوية البصرية، وطبيعة العلاقة بين الذاكرة الفردية والجمعية داخل العمل التشكيلي.

ويقدم الكتاب قراءة تحليلية لتجارب ثلاثة وعشرين فنانًا عراقيًا، من بينهم: ضياء العزاوي، مؤيد محسن، رشيد عباس، خليف محمود، حسن حداد، شاهين علي، لوثر إيشو، فلاح العاني، حازم صالح، ديلان عابدين، سبهان الغبشة، نادية أوسي، نسرين الملا، كرار ستار، محمد المندلاوي، طلال غانم، أحمد خليل الربيعي، حكم الكاتب، وجدان الماجد، عماد منصور، علي رشيد، علي نعمة، وضياء ربيع.

وتتوزع هذه التجارب ضمن مشهد بصري متعدد الاتجاهات يعكس تنوع التشكيل العراقي المعاصر، حيث تتجاور الأساليب والتقنيات والرؤى، ويتداخل البحث عن الهوية مع التجريب، وتتحرك الذاكرة البصرية داخل صيغ تشكيلية متغيرة. ويظهر هذا التعدد بوصفه علامة على حيوية المشهد التشكيلي وقدرته على إنتاج أشكال جديدة من التعبير.

ولا يقتصر الكتاب على توصيف هذه التجارب، بل يتجه إلى تحليل بنياتها الداخلية، وكشف آليات اشتغالها البصري، وربطها بالسياق العام للتحولات الجمالية في الفن المعاصر. وبهذا تتحول القراءة النقدية إلى تفكيك للبنية التشكيلية من الداخل، وإلى محاولة لفهم منطق الصورة بدل الاكتفاء بوصفها.

ويتميز هذا العمل النقدي بدعمه التحليل النظري بنماذج من الأعمال التشكيلية لكل فنان، حيث تُستحضر اللوحات بوصفها شواهد بصرية مباشرة تسند القراءة النقدية، وتمنحها حضورًا ملموسًا. وتتحول العلاقة بين النص والصورة إلى حوار مفتوح، يتداخل فيه المفهوم مع المثال التشكيلي في إنتاج الدلالة.

ويحتل مفهوم الانزياح الجمالي موقعًا مركزيًا في منهج الكتاب، إذ يُفهم بوصفه فعلًا إبداعيًا يعيد تشكيل العلاقات داخل اللوحة، ويمنح عناصرها إمكانات تعبيرية جديدة. وتتحرك لغة المؤلف بين التحليل التشكيلي والتأمل الفلسفي، بما يجعل القراءة امتدادًا للعمل الفني، وإعادة اشتغال له داخل اللغة النقدية.

وتنبع أهمية «الفضاء التشكيلي» من كونه يضع الأعمال الفنية ضمن سياق تاريخي وثقافي أوسع، ويربط بين التجارب الفردية ومسارات الفن الحديث، مع الحفاظ على خصوصية التجربة العراقية بما تحمله من ذاكرة مكانية وتجربة إنسانية متراكمة.

وفي المحصلة النهائية، يقدم الكتاب مقاربة نقدية ترى في الفن فعلًا معرفيًا، وفي اللوحة مساحة للتفكير، وفي الفضاء التشكيلي بنية لإنتاج المعنى، وفي الانزياح الجمالي شرطًا لولادة الرؤية، حيث يتحول العمل الفني إلى طريقة في إدراك العالم وإعادة تشكيله عبر الصورة واللون والفراغ.

***

بولص آدم

ربما يتجاوز هاجس السفر إلى خارج الأوطان تلك الدوافع الخفية التي تستعر في النفوس كتوق التغيير، والإنعتاق من طوق الرتابة في الحياة اليومية، إلى أبعد من الذات في محاولة لتعميق المعرفة لما في حولنا من خلال الاطلاع على أحوال وثقافات الشعوب والتعرف على معالم اوطانها وتأريخها وحياتها الإجتماعية. بل وقد يكون سحر الجغرافية الغامضة كما كان في السابق باعثاً للفضول المتأصل في نفوس الرحالة والمستكشفين، وعامل جذب آسر يبرر مجابهة التحديات والمخاطر مثلما فعل الأولون من أمثال ابن بطوطة وماركو بولو وماجلان وكريستوفر كولومبس وهيرودوت وغيرهم.

واليوم يتقاطرالمسافرون من مختلف الأعمار عبر المطارات ومحطات السكك والوسائط البرية والبحرية للسفر سواء للإطلاع أوالترفيه أو البحث عن فرص العيش الكريم أو التخلص من تداعيات النزاعات أو ظلم السلطات الحاكمة، وهذه الرحلات ستضيف بلا شك الكثير من التجارب والمعارف والخبرات إلى مخزون المسافر، ويأتي كتاب (رحلات) لمؤلفه المصور الفوتوغرافي والأديب رضوان رضا شيخلر من منشورات الزمن في كركوك والمطبوع في مطابع طهران في سياق تعميق المعرفة والإطلاع الميداني المباشر على أحوال الناس وعاداتهم وثقافاتهم وطبائع مجتمعاتهم والمقارنة بينها وبين السائد في مجتمعنا.

بدأ المؤلف رحلاته منطلقاً من كركوك الى عدد من بلدان أوروبا وكذلك الى تركيا بشطريها الأوروبي والآسيوي، وإلى جنوب شرق آسيا (تايلاند) وإيران، ثم من سوريا الى السعودية معتمراً إلى بيت الله الحرام، ليعود إلى سوريا. وخلال رحلاته تلك كتب وصوّر ووثق عشرات المحادثات والمشاهدات والإنطباعات بل وألحق بكتابه ملفاً للصور الفوتوغرافية المميزة التي التقطها والتي اسهمت في تعزيز محتوى الكتاب عبر تسليط الضوء على طبيعة الواقع الحضاري والإنساني للمجتمعات التي زارها.

يستهل شيخلر رحلاته بواحدة من أجرأها إذ بادر الى السفر الى ميونخ في المانيا في العام 1978م وهو لايزال طالبا في المعهد الزراعي الفني في (أبو غريب) وقد جمع ثلثمائة دولار من عمله في الاستديو الذي أسسه للتصوير الفوتوغرافي في المعهد مع نفحة ابوية بمقدار مائة وخمسون دولارا دفع منها اربعون الف دينار عن قيمة تذكرة السفر على طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية وهناك استقر في شقة صديق عراقي ليشرع بجولاته فوجدها (مدينة كبيرة وشوارعها عريضة وبناياتها مزخرفة، وفي كل شارع مكان مريح للجلوس إزاء نافورات مائية وعلى جانبيه مطاعم وكازينوهات واماكن ترفيهية تضفي على المدينة الحيوية). وصدم في زيارته لمتحف ميونخ إذ وجد ترحيبا بالغا به من قبل العاملين فيه بعدما علموا انه من العراق وذلك لإن إحدى قاعاته كانت تضم الاثار البابلية القديمة فشعر بالحزن لأن الغرب يحتفظ بكل تلك النفائس المهربة. كما ولاحظ بحزن مدى التزام الشباب بالنظام والهدوء والاحترام عند حضوره لحفلة موسيقية بالمقارنة مع حفلات الشباب العراقيين التي (تبدأ غالباً بالهرج والمرج وتنتهي بالمشاكل) بعدها شد الرحال الى تركيا مرورا بهنغاريا وبلغاريا. وعلى متن قطار بدأت رحلة العودة الى حيث أقام في اسطنبول فترة سجل خلالها العديد من الحوادث والانطباعات ليعود الى بغداد بحافلة كان سعر بطاقتها آنذاك عشرة دنانير !

رحلته الثانية الى تركيا في العام 2006 م وكان في العقد الخامس من عمره آنذاك وكان بقصد الاطلاع على احدث ماكنات التصوير وشراء مستلزمات معمله ومختبره للتصوير في كركوك وهناك صادف تجارا يجيدون التعامل مع العملاء إذ كانوا يقومون بتوفير وسائل النقل له للانتقال بين المحتبرات والمعامل بل ورافقه احد اصحاب المعامل بالطائرة الى محافظة سيواس في وسط تركيا ليتجول معه في معامله هناك وحجز له فندقا فاخرا ووفر له سائقا يرافقه مع علمه أنه لن يشتري من معمله لعدم توافق المواد المصنعة مع احتياجاته في العراق.

في رحلته الى تايلند اقنعه صديق بالسفر مع مجموعة سياحية استقلت طائرة تضم 550 مسافرا ابتداءً من اربيل ثم البحرين وانتهاءً بمطار بانكوك ولاحظ بأن المجتمع التايلندي نسائي بإمتياز سواء في الشارع أو المطاعم أو المجمعات الترفيهية أو المسارح وحتى سائقات سيارات الأجرة الفارهة والحديثة فسأل عن الظاهرة فأجيب أن طوال القامة من الرجال يخدمون في الجيش الامريكي فيما يهاجر البقية الى بلدان اخرى للعمل. وفي خضم المباني الشاهقة تناول عشائه مع مئات العوائل في برج في ارقى مناطق بانكوك حيث يحتل المطعم طابقه الخامس والتسعون من المبنى وكلفة الوجبة الفاخرة فيه حوالى 15 الف دينار عراقي فقط لكنه وهو في طريق عودته الى الوطن علق في ذهنه قول سائحة أمريكية مسنة إلتقاها بالصدفة في مدينة بتايا السياحية إذ قالت له (عليكم أن تتعلموا وتفكروا بمستقبل بلدكم العراق فلديكم الحرية بعد زوال الدكتاتور لكن تنقصكم ثقافة الديمقراطية وتفهم الآخر برحابة صدر !)

في إيران استقطبت الأسواق والحدائق العامة وبساطة الناس إهتمام المؤلف في سفرة له مع وفد من كركوك ضم عددا من الشخصيات الاكاديمية والأدبية الى مدينة تبريز تلقوا دعوة رسمية لحضور المعرض الدولي التاسع عشر للكتاب وكانت مكتبة تبريز واحدة من المعالم المهمة فيها فهي في الواقع صرح معماري بارز يتألف من عدد كبير من المباني والقاعات والاجنحة الادارية بحيث يجد الباحث والدارس فيها مبتغاه من المصادر والكتب الحديثة والنشرات وفق التقنيات المعلوماتية الحديثة والمدهش ما صرح به مديرها وهو دكتور في اختصاصه إن مكتبات تبريز تستقبل اكثر من 660 الف قارئ ! كما ان المكتبة تضم قاعة مغلقة بنظام القاصة (لا تفتح الا بتوقيع رسمي لما تحويه من إرث ثقافي من الكتب التي تعود الى مئات السنين وفيها ايضا عدد من نسخ القران الكريم القديمة مكتوبة بخط اليد). اما متحف جامعة تبريز فهو الآخر معلم حضاري وحديث يحتوي على منحوتات تماثيل كبار شعراء وادباء تبريز في دلالة واضحة لتقدير عطائهم وإبداعهم الانساني.

وقد لا يكون من الضروري الاشارة الى سفرتيه الى سوريا كونها صادفتا قبل التغييرفي أواخر العام 2024 م، فالفقر والتضخم وانهيار العملة بل وحتى الخوف في التنقل عبر المدن فضلا عن تداعيات سوء الوضع الأمني كانت سماتهما الا أن صبر الناس ومحاولة التكيف مع الوضع كانت السمة الابرز. لقد دون خلال تناوله الغداء في أحد المطاعم العراقية الراقية في العاصمة دمشق العدد اللافت من عاملات الخدمة السوريات اللواتي تعمل الواحدة منهن بأجر شهري يعادل 12 دولارا فيما قيمة وجبة الكباب بلغت ستة دولارات اي ما يعادل اجر نصف شهر العاملة كما كان الأجر الشهري لرئيس الطباخين ما يعادل 20 دولارا ! ولكن بالرغم من الظروف المعاشية الصعبة وندرة البنزين فقد لاحظ المؤلف (الاعداد الكبيرة من السيارات كما وجد معظم الشوارع والممرات مشجرة ومرتبة ونظيفة كما ان المقرات العسكرية كانت تشغل المباني التأريخية القديمة وفي مواقع مهمة من العاصمة).

وفي زيارة للمؤلف يصف سوق الحميدية بأنه (كبيرومدهش حقا ويعتبر من اشهر اسواق دمشق وربما الشرق على الاطلاق وذلك حسب رأي المؤرخين، والسوق فسيح رائع البناء وهو بمثابة مدينة تجارية وصناعية في قلب دمشق، وحسب وصف الباحثين فإنه درّة الأسواق وأجملها ومغطى بالكامل بسقف حديدي مليء بالثقوب الصغيرة التي تنفذ منها أشعة الشمس اثناء النهار وأرضيته مبلطة بالحجر. ويحتوي الكثير من المعروضات المدهشة القديمة والحديثة وعندما تدخل السوق وتتجول في أرجائه تحس نفسك انك تعيش في القرون السابقة.ويتوفر في هذا السوق كل ما يحتاجه الزبون الدمشقي والسائح والزائر من ألبسة وإحتياجات البيت المختلفة والهدايا الكثيرة والعطور ومن مناشئ مختلفة).

رحلات.. كتاب حافل بالمشاهدات والانطباعات والوقائع والتعريف بثقافات الشعوب التي شملها السفر وهو يحتل بلا شك مكانته بإقتدار في أدب الرحلات إلا أن على المؤلف أن يعتني في الطبعة القادمة بالمراجعة اللغوية، وتغيير سمك الحرف المطبوع، وإضافة التواريخ الى الرحلات لكي تتم الفائدة المتوخاة منه.

***

محمد حسين الداغستاني

أنقرة

في مطلع كل عامٍ هجري، وإبّان الدخول في أيام الحزن المرتبطة بعاشوراء الإمام الحسين (ع)، يعود البعض منّا الى الاشارة، صراحةً أو تلميحاً، إلى كتاب "الشهيد الخالد" للشيخ نعمة الله صالحي مجف آبادي (1923-2006م)، والذي يعد من أشهر علماء الدين الايرانيين المعاصرين ضمن الحيز التجديدي، وقد عُرف عنه بجرأته في نقد العديد من الثوابت والمسلمّات الدينية على المستوى العقدي أو المستوى التأريخي أو غيرهما، وتأتي هذه الإشارة من قبل هؤلاء البعض كدلالة على الموافقة والتأييد لما طرحه المؤلف في قراءة تأريخية ذات سياق اجتماعي-سياسي صرف لمجريات الطف ومتلازماتها.

وقد أصدر الشيخ نجف آبادي كتابه ذائع الصيت "شهيد جاويد/الشهيد الخالد" في اواخر ستينات القرن الماضي متناولاً قضية الإمام الحسين (ع) من زاوية تحليلية مغايرة لما هو معهود في الأدبيات الشيعية على المستويين النخبوي والشعبي، إذ خالف المؤلفُ التفسيرَ التقليدي السائد الذي يرى أن الإمام الحسين (ع) كان مدركاً لطبيعة المآلات التي يتجه صوبها في مشروعه الاصلاحي، ومن أكثف دلالات هذا الادراك قوله عليه السلام (وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء)، وكذلك قوله لمن أراد ثنيه عن الخروج: (شاء الله أن يراني قتيلاً، وأن يراهن سبايا)، وغيرها من الدلالات الكاشفة عن علم حسيني بالمآلات، وأن له منزلة خاصة لن ينالها إلا بالشهادة.

وفي خضم كثافة الدلالات الشيعية لعلم الإمام (ع) بما سيجري له، يأتي الشيخ نجف آبادي ليغير البوصلة عبر الاشارة الى ان الامام لم يكن كذلك، وأنه أراد أن يقيم حكومة اسلامية عادلة، وإصلاح الاوضاع الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السيئة التي اجترحت الامة الاسلامية جرّاء توالي الشخوص غير المناسبين على حكم المسلمين، والإمام هنا ينطلق في حركته من معطيات سياسية واقعية، وخاصة الرسائل التي وردت اليه من أهل الكوفة، ولم يكن القتل أو الاستشهاد هو المنطلق الاول للتحرك الحسيني، بل أن خيار الانتصار هو الخيار الراجح والدافع لهذا التحرك، إلا أن تحول مجريات الأمور، وتبدلات المواقف، وتغيرات ميزان القوى قاد الى حصول واقعة الطف الاليمة بهذا الشكل الذي حصل، وانتهى باستشهاد الامام (ع) ومن معه، وسبي النساء والاطفال في واقعة إكتنزت كل معاني التضحية والبسالة والمآساة في آن واحد.

وقد أثار كتابُ الشهيد الخالد العديدَ من النقود والردود، ومن أبرز من ردّ عليه الشيخ مرتضى المطهري (1919-1979م)، وكذلك الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (ولد عام 1924م)، وغيرهما، وما زال الكتاب يلقى الصدى في بعض الاوساط بالشكل الذي يجعل الاشارة اليه تحضر في كل محرم عند البعض.

وما أهدف اليه في هذه السطور ليس الرد على الشيخ نجف آبادي، إذ قام الكثيرون بذلك، وفنّدوا المرتكزات والدعامات الفكرية والتأريخية التي استند اليها، بل أن هدفي هو الاشارة الى مسالة في غاية الاهمية، افترض ان أغلب المشيرين الى الكتاب، والمشيدين به في الوقت ذاته، غير ملتفتين إليها، ألا وهي أن ما توصّل اليه الشيخ في كتابه من نتائج لها ارتدادات عقدية وروائية وغيرها ينبغي عدم تجاهلها إبّان التعاطي، سلباً أو ايجاباً مع الكتاب، فالقول بأن الإمام (ع) لم يكن عالماً بمآلات الأمور، ولا مدركاً لمصائره هو ومن معه، يعني أن ذلك له علاقة بمباحث عقدية عدة، منها مبحث العصمة، ومبحث علم الإمام، وغيرها، كما أن ذلك له علاقة بالموقف الروائي فيما يتعلق بالتعامل مع الرجال حرجاً وتعديلاً، ومع الروايات والأخبار إثباتاً ونفياً، ومن ثم يمكن القول بلغة أستعير فيها المنطق الماركسي: أن ما طرحه الشيخ نجف آبادي في كتاب الشهيد الخالد عبارة عن بنية فوقية ترتكز على بنية تحتية، وأن الاخيرة هي التي تفسح له المجال للوصول الى هكذا نتائج خطيرة، ولذلك عندما نقرأ أو نسمع للذين يشيرون للكتاب ويشيدون به، ولكنهم في الوقت ذاته غير مؤمنين بالبنية التحتية التي أنتجت الكتاب، نكون أمام خلل معرفي كبير، فكيف يمكن أن تؤمن بعصمة الإمام، وبعلم الإمام بالمآلات، وفي الوقت ذاته تؤيد كتاباً يتعارض مع هذه الثوابت؟ أو كيف تتوافق مع نتائج تحليلية لمعطيات تأريخية تتعارض مع المنهج الذي تؤمن به أنت، أو من تتبعه، في حين هي تصب في صميم الموقف العقدي والروائي الذي يتبناه الشيخ صالحي نجف آبادي؟

إن هذه المسالة التي أريد لفت الانتباه إتجاهها مسألة مهمة جداً، وتغيب، غالباً إن لكن دائماً، عنّا في عملية تقييم الأفكار والنظريات والنتائج، فالإيمان بالنتيجة دون الاخذ بأسبابها غير صحيح منطقياً، إلا أن يكون لدينا أسباب أخرى تقود الى هذه النتيجة التي نؤمن بها، أما عملية التقييم القائمة على الترغيبات النفسية، والاستذواقات المزاجية فهي لا تغني ولا تسمن من جوع في هذا المقام، وعلينا أن نلتفت خلال مساعي الاشارة والإشادة بأي فكرة الى منطلقاتها ونتائجها وملازماتها إذا ما أردنا أن نسير في خطى معرفية وازنة وراكزة.

***

د. محمد هاشم البطاط

هل تستطيع الأديان المشاركة في الفضاء الديمقراطي الذي صار سمة العالم الجديد من دون أن تتخلى عن ثوابتها في الدعوة الى الدين الحق، وإنقاذ الناس من الظلام إلى النور؟.. تحاول هذه الدراسة الفريدة التي أنجزناها في مركز دراسات الإخاء الإنساني أن تجيب على ذلك. ومع أن الحوار بين الأديان ليس جديداً في الوسط الأكاديمي، ولكنه يكاد يقتصر على الديانات الإبراهيمية، ولم يتقدم باتجاه ديانات الشرق، خاصة الديانة السيخية الكريمة.

يبلغ السيخ نحو خمسين مليون إنسان حول العالم، وهم يحملون ثقافة العمل والخدمة، وينتشرون بشكل واضح في الخليج العربي، ولكن ظلت أفكارهم وعقائدهم لغزاً مغلقاً، ولم يتعامل الفقه الإسلامي مع السيخ إلا على أنهم ديانة مارقة، ولا شك أن الأمر في الجانب الآخر لا يختلف كثيراً، وتبادل الطرفان خلال التاريخ التهم والريب، ووقعت حروب البنجاب الدامية خاصة في فترة حكم المغول للهند، وتالياً في قترة الدولة السيخية في البنجاب 1599-1649

ويمكن اعتبار المبادرة الجديدة التي قادها مركز دراسات الإخاء الإنساني في الشارقة توجهاً جديداً نحو عالم جديد قائم على تجاوز الماضي والتفاؤل بالمستقبل، والبناء على المشترك الإنساني والأخلاقي، وبالفعل فقد تم لأول مرة في التاريخ إنجاز عمل مشترك ضخم يكتب فيه فقهاء مسلمون وفقهاء سيخ في المشترك بين الديانتين.

لقد كتب كل فقيهين في محور واحد من زاوية إسلامية ومن زاوية سيخية، واستوفى كل فقيه ما في تراثه الديني في المحور المخصص، بمعزل عما كتبه الآخر، وبعد استيفاء البحوث قمنا بعرض النتائج على الذكاء الصناعي الذي قام باستخراج المشترك بين هذه المحاور وبالفعل كانت النتائج مدهشة، حيث ظهر تماماً أن الديانات ليست في جوهرها إلا تجلياً لإرادة الله الواحد، وأن الأهداف التي سعى لها الأنبياء والحكماء الذين نالوا قبول الملايين في التاريخ إنما تخرج من مشكاة واحدة، وتعمل في الجوهر لصالح الخير الإنساني وسعادة الناس.

وقد توجهنا إلى أربعة محاور نعتقد أنها على رأس مقاصد الرسالة الإسلامية والسيخية:

الأول: التوحيد، حيث تؤمن الديانتان إيماناً راسخاً بالله الواحد خالق كل شيء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحداً، وأنه ليس كمثله شيء وأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

وتكاد السيخية تتفق مع أصول التوحيد المقررة في الإسلام في باب الصفات الواجبة لله تعالى، وانه المتصف بالصفات السبعة الواجبة عقلاً لله تعالى وهي الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والقدرة والقيام بالنفس والمنزه عن مشابهة الخلق.

وكلا الديانتين تؤكدان على وحدانية الله، وإن اختلفت الصياغة اللاهوتية:

- الإسلام: الله واحد لا شريك له.

- السيخية: "إك أونكار" — الإله واحد، غير مجسّد، سرمدي.

الثاني: التسامح: ومن القيم المشتركة في الديانتين قيمة التسامح التي تزدهر في الإسلام كما تزدهر في الثقافة السيخية، وقد أردنا إحياء هذا الجانب تحديداً وذلك للتأكيد على روح التسامح التي نشأت بين المسلمين وبين السيخ في فترة تأسيس الديانة وبشكل خاص أيام السلطان المغولي أكبر، الذي تخصص في إخاء الأديان وكرامة الإنسان، ونجح في بناء أوثق الجسور بين المسلمين وبين السيخ، كما أننا قصدنا إلى معالجة الانحرافات التي ذهبت إليها العصبية الدينية بين مجموعات إسلامية وسيخية في مراحل مظلمة من تاريخ الهند.

لقد أردنا في هذا الفصل أن نؤكد أن الإسلام والسيخ يحملان قيماً مشتركة في التسامح، ولكل منهما أسلوبه ووسائله وادواته.

الثالث: الطهارة: كما يظهر اهتمام كبير وواضح في عنوان الطهارة في الديانتين، حيث اعتبرت الطهارة في الإسلام شرطاً لصحة العبادة والنسك، وفريضة دينية في أحوال متعددة، وجزءاً من نسك الصلاة والحج، وقد تطور مفهوم الطهارة بدءاً من تعزيز قيم طهارة الجسد والثوب، وكذلك طهارة البيئة، وصولاً إلى طهارة الروح.

الرابع: خدمة الناس: وكذلك فإن كلاً من الديانتين أكدت على قيمة العمل الصالح وخدمة الناس، واعتبر الإسلام أن خدمة الناس شرط للقبول عند الله، وقال النبي الأكرم: الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله

وقد تولى الكتابة في موضوع خدمة الناس في الإسلام الكاتب الأكاديمي الأستاذ مأمون ديوب، ومن الجدير بالذكر أن الدكتور ديوب هو أحد أبناء الطائفة الإسماعيلية الآغاخانية المسلمة الكريمة التي تزدهر في باكستان، وتجاور الإخوة من السيخ، وقد حقق الآغاخانيون تفوقاً واضحاً في جانب خدمة الناس وأطلقوا أكبر شبكة تنمية إنسانية في العالم وهي شبكة الأغا خان للتنمية التي تشارك في مشاريع تنموية وعمرانية وهندسية في كل انحاء العالم وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل في العالم.

ومن المؤكد أن هذه الجوانب الأربعة ليست هي كل القيم التي تتشاركها الديانتان، بل هناك قيم أخرى جديرة بالدراسة والبحث والتأمل ولعلنا نصدرها في دراسات خاصة، ومنها اتفاق الديانتين على رفض الوساطة الكهنوتية، حيث يرفض الإسلام وجود طبقة كهنوتية، ويؤكد أن العلاقة المباشرة للمؤمن مع الله، وأنه لا وسيط بين العبد والرب في صلاته، ولا كهانة في الإسلام، فيما تؤكد السيخية الشـيء ذاته وترفض نظام البراهمة وتؤكد العلاقة المباشرة مع الله.

كما تتفق الديانتان بشكل كبير في القيم الأخلاقية المشتركة من الصدق والأمانة والعدل والإحسان وخدمة المجتمع، وتكاد تتطابق توجيهات الإسلام والسيخية في الإحسان عبر تتطابق الدلالة في مصطلح: (Sewa) مقابل (Sadaqa / Ihsan)

ويمكن أن تقوم دراسات متخصصة للبحث في المشترك بين الديانتين أعلاماً وأفكاراً في حقل التصوف خاصة، حيث قام التصوف بدور رائد في التقريب وبناء المحبة، وعلينا أن نشير أن المحاولة الأولى للإشراق كانت طريقة صوفية ظهرت على يد ثنائية مهمة هي غورو ناناك والصوفي بهائي ماردانا، وهي ثنائية تشبه إلى حد بعيد ثنائية مولانا جلال الدين الرومي وصاحبه شمس الدين تبريز عليهما رضوان الله.

كما أننا نحتاج إلى قيام دراسات متخصصة أيضاً في فهم التأثير الأدبي المشترك للديانتين وبشكل خاص في قصائد الشعر الصوفية والربانية التي كانت تعزف في المجتمع السيخي والمجتمع الإسلامي ولا تزال إلى اليوم إرثاً مشتركاً بين الطرق الصوفية في السند وشمال الهند من إسلامية وسيخية على السواء، حيث يتبادلها الطرفان باللغة الأوردية والشعر الفارسي حتى الآن.

وفي النهاية أعود للتأكيد ان هذه الدراسات لا تهدف أبداً إلى حوار عقائدي تبشيري لتحديد حق وباطل، ولا تهدف أيضاً إلى خلط أوراق الأديان وإنتاج دين جديد منها، بل هي دراسات موضوعية محايدة، تنطلق في البحث عن المشترك ضمن حدود قاعدة: لكم دينكم ولي دين، ولا تدعو لمناسك مشتركة ولا معابد مشتركة، بل تهدف إلى تعزيز الحياة المشتركة في الحب والتعايش، مع اتفاق شبه تام بين الطرفين على ان الهدى والضلال هو شأن الله تعالى، وهو وحده من يحكم بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

لقد شارك في إضاءة الجانب الإسلامي على هذه المحاور الأربعة نخبة من الفقهاء الأكاديميين المتخصصين:

- د. تيسير أبو خشريف الرئيس الأسبق لجامعة بلاد الشام الإسلامية

- د. محمد ماهر قدسي نائب عميد كلية الشريعة في جامعة حلب

- الشيخ الملا محمد رشيد غرزاني رئيس كلية الإسلام الديمقراطي

- الدكتور مأمون ديوب عضو المجلس الإسماعيلي الإسلامي

كما كتب أربعة أكاديميين متخصصين في الجانب السيخي:

- الدكتور سيمار سينغ المؤرخ الهندي المتميز

- الدكتور جاجديب سينغ نائب رئيس الموسوعة السيخية

- الدكتور برافير سينغ الباحث في الموسوعة السيخية

- الدكتورة بابليس كانداهاري الكاتبة والشاعرة ونائب رئيس معبد غورو دربار في دبي

- البروفسور بهاي صاحب رئيس جماعة غورو ناناك نيشكام سيواك جاثا في بريطانيا

كما قام المفكر الإنساني الرائد سيرندر كاندهاري  Surender Kandhari  رئيس معبد غورو دربار في دبي بدور أساسي في المبادرة، استكمالاً لما سبق في كتبه التي أصدرها حول المشترك بين القيم الدينية ودوره الذي يتعاظم كل يوم في نشر ثقافة التسامح والمحبة، كما قدمها للجمهور في كتابه الجميل: منارة التسامح التي تحدث فيها عن تجربة الإمارات العربية المتحدة الرائدة في رعاية المحبة والسلام.

إننا في مركز دراسات الإخاء الإنساني في الشارقة الذي أتشـرف برئاسته سعداء بان نقدم هذه المبادرة الكريمة لجمهورنا في الإسلام والسيخية، وكذلك للهيئات الدينية الرسمية والمعتبرة في العالم الإسلامي وفي المجتمع السيخي، وكذلك في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي والدراسات، وكذلك المنظمات الدولية المعنية بالإخاء بين الحضارات والديانات، لتعزيز ثقافة المشترك الإنساني والمحبة بين أتباع الأديان في الأرض.

إنني أكرر هنا شعارنا الذي اخترناه لمركز دراسات الإخاء الإنساني:

- الله واحد، ولكن أسماءه كثيرة

- الحقيقة واحدة، ولكن الطرق إليها كثرة

- الإشراق واحد، ولكن الأديان كثيرة

- الإنسانية واحدة، ولكن الناس كثير

- الحب واحد، ولكن القلوب كثيرة.

إنها حقيقة شرحتها بدقة آية قرآنية كريمة:

ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم.

***

د. محمد حبش

صدر في الشهر الماضي كتاب مقالات في الفلسفة (1) احتوى على ملخص و 44 مقالا توزعت على مختلف الموضوعات والأفكار الفلسفية. هذه المقالات سبق وان نُشرت في فترات سابقة، وربما في إعادة نشرها يتمكن القارئ الإحاطة ببعض الأفكار الفلسفية بسهولة ودون عناء. انها ليست حبا في التكرار، بل أخذنا بالاعتبار أي تعديلات او إضافات لاحقة. بالطبع لا يمكن ايجاز كل المقالات هنا بل سنعرض لقسم منها ونترك المتبقي للقارئ الكريم.

ماهي الفلسفة ولماذا؟

في صفحة رقم 5 نبدأ بمقال بعنوان ما هي الفلسفة ولماذا؟ حيث جرى الحديث عن الفلسفة كطريقة في التفكير حول موضوعات معينة، هي ليست فقط طرح أسئلة وانما هي فهم للاسئلة ذاتها. الفلسفة وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (حب الحكمة) عبارة عن دراسة منهجية للاسئلة العامة والاساسية المتعلقة بموضوعات مثل الوجود، المعرفة، الذهن، المنطق، اللغة، القيمة. هي تحقيق عقلاني ونقدي في طرق الفلسفة وافتراضاتها. تاريخيا، العديد من العلوم مثل الفيزياء وعلم النفس كانت جزءا من الفلسفة لكنها انفصلت لاحقا واعتُبرت كحقول أكاديمية خاصة. الفروع الرئيسية للفلسفة هي الايبستيمولوجي، الاخلاق، المنطق، الميتافيزيقا.

الايبستيمولوجيا يدرس ما هي المعرفة وكيف يتم اكتسابها. الاخلاق تحقق في المبادئ الأخلاقية وما الذي يشكل السلوك الصحيح. المنطق هو دراسة الاستدلال الصحيح وكيفية التمييز بين الحجج الجيدة و السيئة. اما الميتافيزيقا فهي تفحص السمات العامة للواقع، الوجود، الأشياء، والصفات. وهناك حقول فرعية أخرى مثل الجماليات، فلسفة اللغة، فلسفة الذهن، فلسفة الرياضيات، فلسفة العلوم، فلسفة الدين، فلسفة التاريخ، والفلسفة السياسية. ضمن كل فرع هناك مدارس متنافسة للفلسفة تهتم بمختلف المبادئ والنظريات و الطرق.

يستخدم الفلاسفة مختلف الطرق للوصول الى معرفة فلسفية: تحليل مفاهيمي، الوثوق بالحس العام او البديهة، استعمال تجربة فكرية، تحليل اللغة العادية، وصف التجربة، واسئلة نقدية.

هل الجمال ذاتي ام موضوعي؟

في صفحة 51 نأتي الى موضوع الجمال، حيث نجد ان مفهوم الجمال شغل أذهان الفلاسفة والانثربولوجيين وعلماء الأعصاب و نقاد الفن بالإضافة الى الناس العاديين. ارتبطت كلمة "جمال" عادة بالتجربة الجمالية للفرد وهي تشير بالاساس الى الصفات الجوهرية لشيء ما والتي تثير نوع من رد الفعل في سلوك الناظر، مثل الهدوء او المتعة او الفرح. يُنسب الجمال الى شكل من الظواهر الطبيعية (منظر الغروب او الجبال) وكذلك الى الأشياء الجميلة التي يصنعها الانسان مثل اللوحات الفنية او السمفونيات الموسيقية. يمكن النظر الى الجمال بطريقتين:

1- اما يعود الى "سمات أساسية " في الظاهرة الطبيعية او في الاعمال الفنية.

2- او انه يُعرف كليا تبعا لتجربة الانسان الجمالية.

الاتجاه الأول ينظر الى الجمال موضوعيا، كشيء جوهري يوجد بحد ذاته في شيء ما او شيء فني وبشكل مستقل عن تجربة الناظر له.

الاتجاه الثاني (الجمال هو ما يبدو في عين الناظر)، ينظر الى الجمال باعتباره امرا ذاتيا، شيء ما يحدث في ذهن الفرد الذي يتصور الجمال.

الآراء الموضوعية:

 حسب افلاطون، الجمال يقيم في عالم الأشكال، الجمال امر موضوعي ولا يتعلق بتجربة الناظر. ارسطو أيضا اعتقد بالرؤية الموضوعية للجمال لكنه عرّف الجمال بخصائص الشيء الفني مثل التناسق والنظام والتوازن والتناسب. هذا المعيار يظل قائما سواء كان الشيء طبيعيا ام من صنع الانسان. مع ان كلا الفيلسوفين يؤمنان بتصورات مختلفة للجمال لكنهما يتفقان على ان الجمال هو خاصية لشيء وليس شيء ما في ذهن الناظر.

الآراء الذاتية للجمال:

ديفد هيوم جادل بان الجمال لا يكمن في "الأشياء" وانما هو ذاتي تماما، انه مسألة مشاعر وعواطف. الجمال هو في ذهن الفرد الناظر للشيء وان ما يبدو جميلا للمراقب قد لا يبدو كذلك للاخر. هناك تعقيدات تبرز في اعتماد الرؤية الذاتية الخالصة للجمال، لأن فكرة الجمال تصبح بلا معنى لو اضحى كل شيء مجرد مسألة ذوق او تفضيل شخصي. اذا كان الجمال خالصا في عين الناظر فان فكرة الجمال لم تعد لها قيمة بالمقارنة مع أشياء مثل الحقيقة والخير.

آراء العلماء

هؤلاء يقولون ان الجمال هو ما يبدو في عين الناظر ولكن هل ان الفكرة لدى الناظر هي نتاج لجينات الفرد ام للبيئة؟ هذه كانت محل نقاش بين العلماء منذ وقت طويل. بعض البحوث ترى ان صفات جسدية معينة مثل الطول او قوة العضلات ربما كانت مشفرة في جيناتنا، لكن دراسة أخرى وجدت ان تجربة حياتنا الفردية هي التي تقود لإكتشاف ان وجها معينا اكثر جاذبية من الآخر.

مشكلة الأبدية.. ماذا لو كان الكون بلا بداية؟

في صفحة 23 نعرض لمشكلة الأبدية، حيث توجد هناك ثلاث خيارات حول طبيعة الكون الذي نحن فيه، اما ان يكون أزليا وموجودا منذ البداية، او ان هناك من أوجده، ام انه هو خلق نفسه. الفيلسوف اليوناني هيرقليطس كان اول المؤمنين بأبدية الكون، وهي النظرية التي سلكت طريقها الى الثيولوجيا المسيحية رغم ان الانجيل نقل قصة مختلفة. العقيدة الحالية المهيمنة هي ان الكون ظهر فجاة قل 13.8 مليار سنة بعد الانفجار العظيم. التحول من الايمان بان الكون كان ابديا الى كون له عمر محدد كان نقلة نوعية. هيرقليطس كان المسؤول الأول عن فكرة الكون الابدي، فهو أعلن عن ذلك صراحة: "هذا العالم الذي هو ذاته دائما، لم يصنعه احد من الالهة او الناس. انه كان دائما، وهو كائن وسوف يكون: نارا حامية ابدية، منها ما يشتعل ومنها ما ينطفئ".

بالتأكيد لا تُعرف الأسباب التي جعلت اليونانيين القدماء يؤمنون بأبدية الكون. يُحتمل هناك سببان لهذا، أولا ان قدرة آلهة الاغريق كانت محدودة جدا، هم ليسوا اكثر من رجال اسطوريين، هم غير قادرين على اصدار أوامر الخلق، وثانيا اليونانيون القدماء ومن خلال دراستهم للكيفية التي يعمل بها العالم من حولهم، لم يستطيعوا رؤية اية إمكانية بان العالم خلق نفسه. اذا لم يوجد هناك من خلق الكون والكون لم يخلق نفسه، فان الامكانية الوحيدة هي ان الكون يجب ان يكون موجودا دائما.

حجة ارسطو: جادل ارسطو في كتابه الفيزياء بان العالم يجب ان يكون وُجد من أبدية. هو جادل بان كل شيء يأتي الى الوجود من خلال طبقة تحتية substratum. لذلك اذا كانت المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود، فهي جاءت من طبقة تحتية، وبالنتيجة فان المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود فقط من مادة موجودة سلفا تشبه ذاتها بالضبط، وهذا جعل ارسطو يجادل بان المادة يجب ان تكون ابدية. وفي جداله عن الحركة يؤكد اننا اذا افترضنا بداية مطلقة للحركة، فان الشيء الذي يباشر اول حركة يجب ان يكون اما:

1- جاء الى الوجود وبدأ الحركة.

2- او وُجد بحالة أبدية من السكون قبل ان يبدأ الحركة.

الخيار الأول هو متناقض ذاتيا لأن الشيء لا يمكن ان يتحرك قبل ان يأتي الى الوجود، وان عملية المجيء الى الوجود هي ذاتها "حركة"، لذلك فان الحركة الأولى تتطلب حركة قبلها، أي، عملية المجيء الى الوجود. الخيار الثاني أيضا غير مقنع لسببين:

1- اذا كان العالم بدا في حالة من السكون، فان ظهور تلك الحالة من السكون سيكون في حد ذاته حركة.

2- اذا كان العالم تغير من حالة السكون الى حالة الحركة فان سبب ذلك التغيير للحركة سيكون هو ذاته حركة. ولذلك استنتج ارسطو ان الحركة أبدية بالضرورة.هو رأى ان "الفراغ" الذي هو (مكان لا مادة فيه) مستحيل. لأن الأشياء المادية يمكنها ان تأتي الى الوجود فقط في مكان،أي، تشغل مكانا. لو كان الشيء يأتي من العدم، ذلك يعني ان "المكان الذي يُشغل بما يأتي الى الوجود سيكون سلفا مشغولا بفراغ، بسبب عدم وجود شيء فيه". لكن هذا الفراغ مستحيل، والمادة يجب ان تكون أبدية.

هل هناك غاية للكون؟

وفي صفحة 38 تطرقنا الى مسألة الغائية في الكون. معظم الناس أخذوا فكرة غائية الكون من الدين. ما يحدث في هذا الكون، كما تذكر القصة هو بالتأكيد تعبير عن رغبة الله. ومع تطور العلم جرى استبدال فكرة الكون المنظم من الله بفكرة الكون المنظم بقوانين الفيزياء اللاواعية. تلك القوانين كونها غير واعية فهي فارغة من الهدف. القوانين الفيزيائية ليست "قبلية ولا هي تراقب المادة لتتأكد من عدم خروجها عن الخط". الاحداث ببساطة هي نماذج او عادات للعالم الطبيعي المنكشف غير مسترشدة بغرض كوني.

غير ان بعض المفكرين يرون ان إمكانية الغرض الكوني انتعشت من جديد بواسطة العلم الذي بدا كأنه قتلها. هذا الانبعاث يتجذر في الاكتشاف بان قوانين الفيزياء يجب ان تكون مضبوطة بدقة لدرجة غير متخيلة لأنه يجب ان يكون هناك كون يمكن ان يولّد ويديم الحياة (وحتى التعقيدية الكيميائية التي سبقت الحياة). مدى الدقة في ضبط الكون تتضح بكمية الطاقة المظلمة في الفضاء الفارغ – او ما يسمى يالثابت الكوني او "طاقة الفراغ" – يجب ان تكون اكبر من صفر ولكن ليس اكثر من 10 مرفوعة الى -122 وحدة. هذا يُعد ضروريا لكي لا ينهار الكون على ذاته او يتحطم الى أشلاء قبل ان يتكتل على شكل كواكب قابلة للحياة. الفيزيائيون وجدوا ان تغييرا بسيطا في القوانين الأساسية للطبيعة ستجعل إمكانية وجود الحياة مستحيلة.

المعارضون لفكرة الغاية من الكون:

 لسوء الحظ فكرة الكون المضبوط لا تبدو مقنعة كليا. الأكثرية العظمى مما يوجد في الكون هو ليس فقط كون غير مسكون وانما أساسا غير صالح للسكن، وبالتالي فارغ من الغرض كما يُفهم عادة. ان التقدم الحديث في الفيزياء أشار الى ان الكون وبشكل مدهش مرن في خصائصه الأساسية وانه ليس المكان الأفضل تماما لظهور الحياة. ربما لم يضعنا الكون في ذهنه ابدا ونحن لسنا مساهمين بدون قصد في تحقيق غرضه.

ان هدف الكائنات الفردية في سعيها لأغراض غير متصلة يتصادم مع تلك الكائنات الأخرى اما كمنافسة لها او مجرد العيش جنبا الى جنب. من الصعب رؤية الفريسة والمفترس يشتركان بهدف مشترك. كذلك، التمييز بين الكائنات الحية وبيئاتها يحصر الغرض في الأولى وليس في الأخيرة وهو يتعارض مع فكرة التوزيع العادل للغرض في جميع الكون. في المسار من الذرات الى المعادن، ومن هذه الى أولى خيوط الحياة، نجد آلية العشوائية وآلية اللاوعي هما أكثر وضوحا من الغرض.

 لازال في الكتاب عدد كبير من المقالات الهامة مثل مأزق الانسان بين الحتمية والإرادة الحرة، لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء، لماذا هاجم روسو التنوير، الاختلاف بين ديفد هيوم وعمانوئيل كانط حول السببية، ولماذا يحتاج المعلم الى رؤية فلسفية، هل يمكن اثبات صلاحية المبدأ الأخلاقي؟ وأين تكمن قيمة الفلسفة، وأربعة أجوبة فلسفية لمعنى الحياة، هل العدالة غاية بذاتها؟ وكذلك أوجه التشابه بين الروح والمدينة في جمهورية افلاطون.

***

حاتم حميد محسن

..........................

(1) كتاب مقالات في الفلسفة للكاتب حاتم حميد محسن، صدر في مايو 2026 عن دار اديان للطبع والنشر والتوزيع في 218 صفحة.

بقدر حاجتنا إلى مراجَعات ذاتية، نحن نحتاج إلى مراجِعين قادمين من "أقصى المدينة"، ملمّين بلساننا، وعلى دراية بأحوالنا، لقراءة نثرنا وشعرنا. وتلك مهمّة اضطلع بها باقتدار الإيطالي سيموني سيبيليو، المنتمي إلى جيل المستعربين الجدد، في تناول المنتوج الشعري العربي، في كتاب صادر بالإيطالية هو عبارة عن فهرس مفصّل. جاء الكتاب بعنوان: "الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر" (معهد الشرق بروما)، وعماد صاحبه في ذلك، التحليل النقدي من منظور غربي وبأدوات غربية، وذلك على مستوى شمولي في النظر والتقييم، وعلى مستوى انتقاء العيّنات.

حرص المؤلف في عمله على الإحاطة بخارطة الشعر العربي الواسعة والمتشعّبة، مبرِّرا اختياره بما يرنو إلى تقديمه للقارئ الإيطالي من قراءة ضافية. وذلك من خلال عرض خلاصة تحليلية ميسّرة للشعر العربي في الفترتين الحديثة والمعاصرة. وضمن هذا الهدف الرئيس يستحضر المؤلف الجدل الدائر حول الشعر وفي الشعر، وما طرأ على القصيدة العربية عامة من أحوال وأطوار. ويشير إلى أنّ الحاجة إلى مصنّف من هذا النوع، جاءت أيضا جراء غياب خلاصة جامعة في الإيطالية، وإن توفّرت النصوص والدواوين المترجَمة لشعراء فرادى. ويشير المؤلف إلى أنّ ثمة نقصًا في وجود مصنّف "عضوي" يجمع بين الفترتين -الحديثة والمعاصرة- ويربط بينهما، ولذا جاء الكتاب مسعى لتجاوز ذلك النقص.

استعاد المنهج التحليلي المعتمَد أهمّ الثيمات التي حضرت في الشعر العربي. ليغرق الكاتب أحيانا، ودون وعي، في تقسيم غربي، يتوزع بين الكلاسيكي والحديث، والحال أن الكلاسيكي بمدلوله العربي هو النهضوي. ولكن هذا لا يقلّل من أهمية الكتاب في ما يثيره من قضايا حول تحولات الشعر العربي، وأنّ الشاعر العربي ما عاد لسان الجمهور، بل غدت اللغة مأواه الحصين. مفسّرا ذلك بأن الخيبات السياسية والاجتماعية والحضارية، قد أعادت الشاعر العربي إلى تعريف دوره وتحديد مهمّته. ففي مرحلة أولى تماهى الشاعر مع عمقه الحضاري، وذهب إلى جذور الأشياء بالعودة إلى التراث الفينيقي والكنعاني والفرعوني، لتتراجع تلك المغامرة ويقنع الشاعر باللّغة وطنًا وهاجسًا له.

ولو تمعّنا فحوى الكتاب، نلحظ أن القسم الأول (71 صفحة) قد حام تحديدًا حول عرض مضامين الشعر ومفاهيمه الكبرى، مع توضيح مساراته على مدى القرن. حاول فيها المؤلف تتبّعَ خصوصيات "الحديث" و"المعاصر" في الشأن. وفي خضمّ ذلك يشير سيبيليو إلى أن مسألة التحقيب في الشعر العربي خلال الفترة المدروسة، تأتي لديه بمنأى عن المنظور الغربي وتقسيماته المعهودة للحديث والمعاصر. يحاول الباحث سيبيليو أن يستمدّ التحقيب المعتمَد في الكتاب من داخل الانشغالات الشعرية العربية، متتبّعًا تحولات القصيدة، بما انطبعت فيها من خاصيات "الحديث" و"التجديدي" و"المعاصر" و"الحداثي" إلى مصاف بلوغ "ما بعد الحداثي"، وهي نعوت ومعايير وتحقيبات سائلة ومائعة، على حدّ قوله.

إذ يرتئي المؤلف أنّ الحدود بين الحديث والمعاصر مضلّلة، وإن أطلّت ملامح الشعر العربي الحديث منذ عصر النهضة. وفي هذا المسار المتداخل سعى الباحث سيبيليو إلى رسم خارطة توضّح تلك المراحل بقصد بيان ذلك التداخل. فمع انطلاق دعوات التجديد وظهور تيارات النقد المبكرة، بدأت تتشكّل ملامح الشعر الحديث إلى أن طغت. لتلي ذلك فترة تحول فاصلة بين السابق واللاحق، سادت بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن الفائت، بدت في عمومها مسكونة بالهاجسين الرمزي والسريالي. أسهمت تلك المرحلة الوسطى، وفق الكاتب، في إنضاج ملامح الشعر المعاصر الذي ترافق مع ظهور الشعر الحرّ. وبحسب ما اتّضح له، وبعيدا عن مركزية التحقيب الغربي، فإنّ المعاصر ينطلق مع عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، نظرا إلى دخول ملامح مستحدَثة على القصيدة العربية غير معهودة.

وبعد أن تركّز الانشغال في القسم الأول على متابعة المفاهيم، أو لنقل المواضيع الرئيسة، التي راودت الشاعر العربي، هذا من جانب، وعلى الإنتاجات التي أُنتجت إبان فترة "النهضة"، بالمفهوم العربي، وانعكاساتها على حركة الشعر، من جانب آخر. انشغل القسم الثاني من الكتاب بالتجليات الشعرية، وبالنصوص، وبالخاصيات التي رافقت القصيدة العربية في مختلف حللها ومساراتها. مستندا الباحث إلى تجارب عدّة برزت كأصوات تجديدية، أو لنقل جارّة وراءها جحافل متنوعة من الشعراء، وذلك مع النصف الأول من القرن العشرين، من الكلاسيكية الجديدة، مرورًا بالرومنطيقية، وإلى غاية الرمزية. في الأثناء يُبرز سيبيليو الانتقال السلس الحاصل من الحديث إلى المعاصر، وإن استعرضَ الجدل الذي رافق هذا التطور. وهو ما انشغل به الفصل الرابع من القسم الثاني من الكتاب. مرتئيا الكاتب أن هذا التحول قد أتى بمثابة القطيعة الواعية داخل حركة الشعر العربي، عبر ما عُرف بثورة الشعر الحرّ، وهو ما طفحت به مجلتا "الآداب" و "شعر".

يُعتبَر الكتاب في اللغة الإيطالية متفرّدا في موضوعه وفي شموله. صحيح لم تخل المكتبة الإيطالية من مؤلفات تناولت الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر، ولكنها جاءت في معظمها مقتصرة على شاعر أو شاعرة، أو مخصَّصة لجهة محدّدة بمعالجة قضية من قضايا الشعر، على غرار مؤلف وسيم دهمش "المغرب.. الشعر العربي اليوم"، روما (2002)، وكتاب فتحي مقبول "الإنتاج الشعري في الأردن"، راغوزا (1992). لكن كتاب سيبيليو، في الأوساط الثقافية الإيطالية، يبقى محاولة متميزة لِما فيه من توسّع في دراسة المنتوج الشعري العربي، ولما تلوح من فحواه من معالجة رصينة في تناول قضايا أدبية بعيدا عن التحيز الغربي. فما يُلحّ عليه الباحث، في تناول الشعر العربي، وبخلاف دراسات غربية أخرى في الشأن، هو رفض القول بالتأثر، أو النقل، أو التقليد للتجارب الشعرية الغربية، وإنما يطرح الباحث المسألة ضمن معطى التفاعل والتثاقف بين التجارب.

العنصر المهمّ في كتاب سيبيليو وهو الإلمام الجيد بخارطة الشعر العربي المعاصر؛ مع هذا ثمة ملاحظة بشأن غياب أسماء لامعة من هذه الخارطة، بشكل يدعو للتساؤل، وهو ما لا يقلّل من قيمة الكتاب.

وفي ملمح لافت بين زملائه من المهتمّين بدراسات العالم العربي، يتميز مؤلّف "الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر" بإلمام متين بالعربية، وهو ما خوّل له الاطلاع المباشر على النصوص التي اشتغل عليها في كتابه. وكما يلوح من المصادر والمراجع المعتمَدة، ثمة استعادة موفّقة ومتابَعة جيدة من قِبل المؤلف للإنتاجات العربية. ليس الاطلاع على تلك المؤلفات عابرًا أو خاطفا، بل يكشف عن قدرة على سبر أغوارها وإدراك فحواها، وهو ما يُحسَب للمؤلف. فمنذ ما يزيد عن العقدين درّستُ سيموني سيبيليو في جامعة "الأورينتالي" في نابولي، وقد لمست لديه، منذ ذلك العهد، تميزا عن أقرانه في الشغف بالعربية وبالدراسات العربية. لم يخب ظني فيه وأنا أطالع كتابه القيّم، وهذه من النِّعم السارة التي تثلج الصدر في المهجر.

ما يميز الكاتب سيموني سيبيليو وهو الإلمام المزدوج بالفضاءين الشعريين، العربي والغربي، وهو ما خوّل له الكتابة بأريحية في الموضوع، ناهيك عن درايته بالمصطلح الموظَّف في عمله. ثمة قدرة لدى الكاتب في إغراء القارئ غير المولع بالشعر للاطلاع على كتابه، وهو ما يمكن أن نطلق عليه مصالَحة من لا يعنيهم الشعر مع الشعر، عبْر ما يثيره من قضايا سياسية وفكرية وتاريخية متنوعة على صلة بالشعر.

الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر

المؤلف: سيموني سيبيليو

الناشر: معهد الشرق كارلو ألفونسو نللينو، روما

عدد الصفحات: 325 ص.

***

د. عز الدين عناية

أستاذ تونسي في جامعة روما- إيطاليا

أسعدَ اللهُ أوقاتَك أيُّها القارئُ القادمُ من جهاتِ القلبِ كافَّة، أيُّها العابرُ إلينا محمولًا على شغفِ الحروفِ ودهشةِ المعنى. تعالَ واجلسْ قليلًا في ظلالِ الكلمات، فبين يديَّ اليومَ كتابٌ يستعاد من عتمةِ الجبِّ بعد طولِ انتظار.

سأقرأُ لك نصًّا يشبهُ العودةَ إلى الذاتِ بعد اغترابٍ طويل، فأهلًا بك في فضاءِ حروفي، إذْ تتقاطعُ الحكاياتُ مع الأسئلة، وتصافحُ الذِّكرياتُ ما تبقَّى من أرواحِنا.

تحيَّةٌ فلسطينيَّةٌ خالصةٌ لقرَّائي الأعزَّاءِ، تحيَّةٌ تنبضُ برائحةِ الزَّعترِ البريِّ، وبأغنياتِ الجدَّاتِ اللواتي حفظنَ الوطنَ في صدورِهنَّ عندما ضاقتِ الخرائطُ واتَّسعَ الحنين.

ومن بينِ هذه التحيَّاتِ تتقدَّمُكم قامةٌ أدبيَّةٌ عرفناها عاشقةً للكلمةِ التي تُزهِرُ، وللمكانِ الذي يتكلَّمُ، وللإنسانِ عندما ينكسرُ ويعاودُ النهوض.

إنَّه العرَّابُ ابنُ عرَّابةَ الذي حملَ بلدتهُ في قلبهِ كما يحملُ الشاعرُ قصيدتَه الأولى، هو صاحبُ "عرَّابِ الرِّيح" و"شيءٌ يُذكِّرُني بي"، الأديبُ المبدعُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ.

وإذا كانتِ الكتبُ في الغالبِ تحكي عن العالم، فإنَّ العطَّاريَّ يكتبُ العالمَ من داخلِ الإنسان، إنه يفتِّشُ في طبقاتِ الرُّوحِ، ويُنصتُ إلى ذلك الصوتِ الخافتِ الذي كثيرًا ما نُسكِتُه بضجيجِ الحياة.

يكتبُ عنَّا ونحنُ نظنُّ أنَّه يكتبُ عن شخصٍ آخر، ويُعيدُ إلينا ملامحَنا التي بعثرها التعبُ على أرصفةِ الأيَّام.

وتحيَّةٌ تمتدُّ من عرَّابةَ إلى البِروةِ فعكَّا، تحيَّةٌ تعبرُ الجغرافيا لتستقرَّ في ذاكرةِ فلسطينَ الثقافيَّة، فهناكَ ما يزالُ محمودُ درويشٍ يُعلِّمُ اللغةَ كيف تُقاومُ الغيابَ بالقصيدة، وكيف تُحوِّلُ الخسارةَ إلى غناءٍ أبديٍّ.

وهناكَ ما يزالُ غسَّانُ كنفاني يُعلِّمُ الذاكرةَ كيف تصبحُ بيتًا للمنفيِّين، وكيف تتحوَّلُ الكلمةُ إلى شكلٍ من أشكالِ المقاومةِ والبقاء.

ولعلَّ أجملَ ما يجمعُ العطَّاريَّ بدرويشٍ وكنفاني ليس تشابهَ الموضوعاتِ ولا تقاطعَ الأمكنة، إنّه يا سادة الحروف ذلك الانشغالُ الوجوديُّ العميقُ بسؤالِ الإنسانِ الأوَّل المتمثّل في: ما الذي يبقى منَّا عندما يتسرَّبُ الزَّمنُ من بينِ أصابعِنا؟ وما الذي ينجو من العابرِ فينا؟ أهي الذِّكرياتُ؟ أم الكلماتُ؟ أم تلك الندوبُ الخفيَّةُ التي تتركُها الحياةُ في أرواحِنا ثم تمضي؟

ومن هنا تبدأُ رحلتُنا مع هذا الكتاب بصفحاته التي تبدو مرآةً قديمةً ننظرُ فيها إلى وجوهِنا، ونكتشفُ أنَّ ما كنَّا نبحثُ عنه بين السطورِ لم يكن سوى أنفسِنا.

فهلمُّوا معي إلى هذا النَّصِّ الذي يروي الحكاية ويجعلُنا جزءًا منها، وإلى هذا الكتابِ الذي يُذكِّرُنا بأنفسِنا كما كنَّا، وكما صرنا، وكما نأملُ أنْ نكون.

كان محمود درويش يبحثُ عن الوطنِ في اللغة، فيرمِّمُ بالكلماتِ ما هدمته المنافي، ويمنحُ الأرضَ عمرًا إضافيًّا كلَّما ضاقت بها الجغرافيا.

وكان غسَّان كنفاني يبحثُ عن الوطنِ في الحكاية، في وجوه اللاجئين، وفي تفاصيل الرحيل التي تتحوَّل على يديه إلى شهادةٍ على الوجود والحقِّ والذاكرة.

أمَّا عبد السلام العطَّاري، فيبدو أنَّه يمضي في دربٍ أكثر خفاءً وأشدِّ مراوغة؛ إنَّه يبحث عن الوطن والإنسان معًا في الشيء.

ومن هنا ندخلُ إلى العتبة الأولى لهذا الكتاب اللافت: "شيءٌ يذكِّرني بي".

وما إنْ تقع العين على العنوان حتَّى يتسلَّل سؤالٌ خفيٌّ إلى الذهن: فما هذا الشيء؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى شيءٍ يذكِّره بنفسه؟ أليست الذاتُ أقربَ الأشياء إليه؟

غير أنَّ العنوان في جوهره، لا يقدِّم إجابةً بقدر ما يفتح أبوابًا واسعةً من الأسئلة، فهو عنوانٌ يراوغ قارئه منذ اللحظة الأولى، إذْ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنَّه يخبِّئ في طبقاته العميقة شبكةً من التأويلات النفسية والفلسفية والوجودية.

فالكاتب لا يقول: شيءٌ يذكِّرني بأمِّي، ولا بقريتي، ولا بطفولتي، ولا بأصدقائي الذين عبروا حياتي وتركوا فيها ظلالهم.

إنَّه يتجاوز كلَّ ذلك إلى مركز الدائرة، إلى النقطة التي تتفرَّع منها جميع الطرق وتعود إليها جميع الحكايات ليقول: "بي"، وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى.

ويكأنَّ العطَّاري يهمس من وراء العنوان: لقد توزَّعتُ على الأمكنة حتى صرتُ جزءًا منها، وتبعثرتُ في الوجوه حتى حمل كلُّ وجهٍ شيئًا من ملامحي، وتسرَّبتُ إلى الأزمنة حتى غدوتُ ذكرى في ذاكرة أيامي، ولأنَّ الإنسان لا يخرج من هذه الرحلة كما دخلها، فقد صرتُ أحتاج إلى علامةٍ صغيرة، إلى أثرٍ عابر، إلى شيءٍ ما يعيدني إليَّ، ويقودني إلى النسخة الأولى من نفسي التي أضاعتها الحياة بين محطَّاتها الكثيرة.

والشيء هنا هو مفهومٌ مفتوحٌ على اتساع التجربة الإنسانية كلِّها، إنَّه كلمةٌ تتسع لكلِّ ما لا تستطيع اللغة أن تحيط به دفعةً واحدة.

قد يكون رمَّانةً تتدلَّى من غصنٍ بعيد فتفتح بوابةً كاملةً من الطفولة، وقد يكون حاكورةً قديمةً ما زالت تحتفظ بخطوات الأب وهو يعبرها عند الفجر، وقد يكون صوتَ أمٍّ ينادي من آخر العمر فيوقظ في القلب سنواتٍ ظننَّاها غابت إلى الأبد، وقد يكون حجرًا في حارةٍ عتيقة، أو خرُّوبةً عجوزًا شهدت مواسم الفرح والحزن، أو بائعًا متجوِّلًا مرَّ ذات صيفٍ ثم اختفى وبقي صوته معلَّقًا في الذاكرة أكثر مما بقيت صورته.

إنَّه ذلك التفصيل الصغير الذي لا يلتفت إليه أحد، لكنَّه يمتلك قدرةً عجيبةً على استدعاء عوالم كاملة من الأعماق.

فما إنْ نلامسه حتى تنهض الذاكرة من سباتها، وتبدأ الأبواب المغلقة بالانفتاح واحدًا تلو الآخر.

ومن هنا تتشكَّل البنية العميقة للكتاب كلِّه؛ فهي علاقةٌ ثلاثية الأطراف، متشابكة الخيوط، دقيقة البناء، فالشيء يستدعي الذاكرة، والذاكرة تستدعي الذات، والذات تعيد تشكيل العالم بالكلمات.

وهكذا لا يعود الشيء شيئًا إنما يتحوَّل إلى وعاءٍ للمعنى، ومستودعٍ للزمن، وخزَّانٍ للهويَّة ليغدو قطعةً صغيرةً من العالم تحمل في داخلها عمرًا كاملًا من التجارب والانفعالات والحنين.

وعندما نقتحم نصوص العطَّاري من هذا الباب نكتشف أنَّنا أمام كاتبٍ لا يصف الأشياء بقدر ما ينصت إليها، فهو يمنح الجمادات لسانًا، ويوقظ في التفاصيل روحًا خفيَّة، ويجعل من أبسط الموجودات مفاتيحَ لفهم الإنسان نفسه.

فالرمان هو ذاكرةُ ميلادٍ ونضجٍ وانتظار، والأم أصلُ الحكاية كلِّها، والحارة أرشيفٌ حيٌّ للعلاقات الإنسانية التي صنعت ملامح الروح، والبيادر طفولةٌ ما تزال تمشي حافيةً في القلب، وتلوِّح من بعيد كلَّما ظننَّا أنَّ العمر قد أخذنا بعيدًا عنها.

ولذلك فإنَّ قارئ "شيءٌ يذكِّرني بي" يقرأ كتابًا عن الإنسان وهو يفتِّش عن نفسه بين الأشياء، وكلَّما تقدَّم في الصفحات اكتشف أنَّ الكاتب لا يدلُّه على العالم الخارجي بقدر ما يقوده إلى أعماقه هو، وإلى تلك المناطق المنسيَّة من الروح التي تختبئ فيها النسخ القديمة منَّا منتظرةً شيئًا واحدًا فقط... شيئًا يذكِّرها بها.

لهذا كلِّهِ فإنَّ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ يكتبُ سيرةَ الأشياءِ التي صنعتِ الذَّاتَ بعيدًا عن المعنى التَّقليديِّ، فيُعيدُ الاعتبارَ لكلِّ ما ظننَّاه عابرًا: للرَّوائحِ، وللأسماءِ، وللوجوهِ المنسيَّةِ، وللطُّرقاتِ الضيِّقةِ، وللأمَّهاتِ اللَّواتي غادرنَ وبقي دفؤُهُنَّ يسكنُ اللُّغةَ.

وفي تقديري، فإنَّ "شيئًا يُذكِّرني بي" ينفتح على سؤال الهويَّة من أكثر أبوابها إنسانيَّةً ووجعًا: فمَن أكون بعدما غاب الذين كانوا يعرفونني؟

ذلك أنَّ الإنسان لا يعيش في ذاته وحدها، وإنَّما يتوزَّع على قلوب الآخرين وذاكراتهم. فثمَّة نسخةٌ منَّا تسكن في عين الأمِّ، وأخرى في صوت الأب، وثالثة في صداقات العمر، ورابعة في الأمكنة التي شهدت خطواتنا الأولى.

وفي الوقت الذي يأخذ فيه الغياب هؤلاء جميعًا معه، يترك وراءه فراغًا في العالم، وفي تعريفنا لأنفسنا أيضًا.

من هذه المنطقة الشفيفة بين الذَّاكرة والفقد تتدفَّق نصوص العطَّاري، حاملةً قلق الإنسان وهو يتلمَّس آثاره القديمة خشية أنْ تضيع ملامحه في زحام السنين.

فكلُّ نصٍّ يبدو كأنَّه محاولةٌ لالتقاط صورةٍ آخذةٍ في الابتعاد، أو نداءٌ موجَّهٌ إلى الذات من مسافةٍ بعيدة، أو مصباحٌ صغيرٌ يُضاء في عتمة النسيان.

ولذلك لا تبدو الأشياء التي يعبرها الكاتب تفاصيلَ عابرةً في المشهد، فهي علاماتُ طريقٍ تقوده إلى نفسه.

فما الرمانةُ إلا بابًا إلى زمنٍ كامل، وما الحاكورةُ إلا جغرافيا للروح، وما صوتُ الأمِّ إلا مفتاحٌ لخزائن العمر الأولى.

ومن خلال هذه التفاصيل يستعيد الإنسان خرائطه الداخليَّة، ويعيد رسم ملامحه التي كادت الأيام تمحو أطرافها.

هكذا يتحوَّل الكتاب إلى رحلةٍ في طبقات الذات أكثر ممَّا هو رحلةٌ في طبقات الذكرى، رحلةٍ يحاول فيها الكاتب أنْ يجيب عن السؤال الذي يرافق الإنسان كلَّما تقدَّم به العمر، فإذا كانت الأمكنة تتغيَّر، والوجوه ترحل، والأصوات تخفت، فما الذي يبقى منَّا في نهاية المطاف؟

وربَّما لهذا السبب يلامس هذا الكتاب قارئه بهذه الحميميَّة النادرة؛ لأنَّ سؤال العطَّاري ليس سؤاله وحده، وإنَّما سؤال كلِّ إنسانٍ استدار يومًا نحو ماضيه باحثًا عن أثرٍ صغيرٍ يؤكِّد له أنَّ ذلك الطفل الذي كانه ما يزال يقيم في مكانٍ ما من روحه، ينتظر شيئًا واحدًا فقط... شيئًا يذكِّره بنفسه.

وهنا يلتقي العطَّاريُّ مع درويشٍ وكنفاني؛ يلتقي مع درويشٍ في استعادةِ الذَّاتِ عبرَ اللُّغةِ، ويلتقي مع كنفاني في مقاومةِ الفقدِ عبرَ الذَّاكِرَةِ، لكنَّه يذهبُ إلى مسارِهِ الخاصِّ، إذْ تُصبحُ الأشياءُ الصَّغيرةُ بطلةَ الحكايةِ الكبرى، أمّا أنا فأنشدتُ على بحر الرّمَل فقلت:

فِي فَضَاءِ الشَّيءِ تَسْتَجْلِي دَمِي

كُلَّمَا غَابَتْ مَرَايَا الِانْكِسَارْ

فَإِذَا بِي بَيْنَ ذِكْرَى وَانْطِوَاءٍ

أَتَصَلَّى نُورَ نَفْسِي في الحِوَارْ

اعذروني أيُّها الأصدقاءُ إنْ بدا حديثي اليوم أقلَّ من حجمِ هذا الأثرِ الأدبيِّ، فواللهِ إنَّني أجدُ صعوبةً في الإيفاءِ بقراءةِ نصٍّ واحدٍ من نصوصِ العرَّابِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ في قراءة واحدةٍ، فكيفَ بكتابٍ يمتدُّ على مئةٍ وأربعٍ وخمسينَ صفحةً، ويضمُّ بين دفَّتَيْهِ أربعًا وعشرينَ محطَّةً وعنوانًا، يحملُ كلُّ عنوانٍ منها عالمًا كاملًا من الحكاياتِ والذِّكرياتِ والدَّلالاتِ؟

إنَّنا أيُّها الرَّائعونَ أمامَ نسيجٍ واحدٍ مُحكَمٍ، تتعانقُ فيه الذَّاكِرَةُ بالمكانِ، والإنسانُ بالزَّمنِ، والطُّفولةُ بالحَنينِ، في سردٍ عملاقٍ مُشوِّقٍ يمتلكُ القُدرةَ على اصطحابِ قارئِهِ من الصَّفحةِ الأُولى إلى الأخيرةِ دونَ أن يفقدَ دهشتَهُ أو شغفَهُ.

وكلَّما ظننتُ أنّني فرغتُ من نصٍّ، اكتشفتُ أنّهُ يفتحُ بابًا إلى نصٍّ آخرَ، وأنَّ كلَّ حكايةٍ تقودُ إلى حكايةٍ، وكلَّ صورةٍ تستدعي صورةً، حتّى يغدوَ الكتابُ بأكملِهِ نهرًا من الذَّاكِرَةِ المتدفِّقةِ، لا يمكنُ القبضُ على مائِهِ كلِّهِ في غرفةٍ واحدةٍ، ولا في أُمسيةٍ واحدةٍ، ولا حتّى في قراءةٍ واحدةٍ.

لذلكَ فإنَّ ما أُقدِّمُهُ لقرائي هو محاولةُ محبَّةٍ للاقترابِ من عالمِهِ، والإنصاتِ إلى نبضِهِ، والوقوفِ عندَ بعضِ إشراقاتِهِ، أمَّا الكتابُ فما يزالُ أوسعَ من القراءةِ، وأرحبَ من الإحاطةِ، وأغنى من أن تختزلَهُ جلسةٌ واحدةٌ أو ورقةٌ نقديَّةٌ عابرةٌ.

القارىء الرَّائعُ، إذا كانَ العنوانُ "شيءٌ يُذكِّرُني بي" هو المفتاحُ التَّأويليُّ للكتابِ كلِّهِ، فإنَّ نصوصَ "فراشة" و"حبيبةٌ لي" و"صورة" في الصَّفحاتِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ، ومئةٍ وسبعٍ وثلاثينَ، ومئةٍ وثمانٍ وثلاثينَ، تُمثِّلُ التجلِّيَ الأكثرَ صفاءً لهذا المفتاحِ، لأنَّها تكشفُ كيفَ تتحوَّلُ الأشياءُ الصَّغيرةُ والعابرةُ إلى خزائنَ للذَّاكِرَةِ، وكيفَ تُصبحُ الذَّاتُ موزَّعةً في الموجوداتِ من حولِها، فلا تعودُ قادرةً على التعرُّفِ إلى نفسِها إلَّا عبرَها.

أبدأُ بنصِّ "فراشة"، إذْ يقولُ العرَّابُ:

"عنِ الفراشاتِ، كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ، حينَ عبرنَ الصَّباحَ، ولاحَ الوردُ بيدِ الفتى، والرَّصيفُ شهوةُ الانتظارِ الطَّويلِ، فابتسمتِ الَّتي طارتْ، والرَّحيقُ شهدُ الشَّقائقِ كان.

حينَ عبرنَ زقاقَ العمرِ، كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ، وكانت حدائقُ المقابرِ بالشَّقائقِ مُزنَّرةً؛ فلا صوتَ هناكَ غيرُ أسماءَ على الشَّواهدِ، والحزنُ صار

ضَحِكَةَ المكلومِ، حينَ مَرَّقَ من بينِ عينِهِ ابتسامتُها، وصوتُ السَّمنِ شهقةُ نايٍ، والقَطا يُوقِظُ سُباتَ الميِّتينَ العميقَ".

منذُ الجملةِ الأولى يُقدِّمُ العطَّاريُّ الفراشةَ على أنَّها حالةٌ شعوريَّةٌ: "كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ".

فالفراشةُ هنا صورةٌ للفرحِ الخاطفِ، وللجمالِ الذي يمرُّ سريعًا ولا يُمسَكُ.

لكنَّ العرَّابَ لا يُبقيها في فضاءِ الطَّبيعةِ، إنَّما يدفعُها إلى فضاءِ الزَّمنِ: "كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ".

وهنا تتحوَّلُ الفراشةُ إلى استعارةٍ كبرى للعمرِ الإنسانيِّ، فالفراشةُ قصيرةُ العمرِ، والإنسانُ كذلكَ، والفراشةُ تطيرُ نحوَ الوردِ، والإنسانُ يمضي نحوَ أحلامِهِ وذكرياتِهِ.

لكنَّ الإدهاشَ الحقيقيَّ في النَّصِّ يكمنُ في الجمعِ بينَ الفراشةِ، والحقولِ، والمقابرِ في مشهدٍ واحدٍ.

فالمقابرُ حديقةٌ مُزيَّنةٌ بالشَّقائقِ، وكلُّ ما يُريدُهُ العطَّاريُّ هو أن يقولَ إنَّ الجمالَ يستمرُّ حتَّى في مواجهةِ الفناءِ.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟

الشَّيءُ هنا هو الفراشةُ؛ لكنَّها ليست فراشةً حقيقيَّةً، إنَّها طفولةٌ عابرةٌ، وعمرٌ مضى، وفرحٌ خاطفٌ، وذِكرى لا تزالُ تُرفرفُ في القلبِ، فعندما يرى الشَّاعرُ الفراشةَ يتذكَّرُ نفسَهُ، ويتذكَّرُ العمرَ الذي عبرَ كما عبرتْ هي؛ لذلكَ تُصبحُ الفراشةُ أحدَ أهمِّ تجلِّيَاتِ "الشَّيءِ" في الكتابِ.

وعن نصِّ "حبيبةٌ لي" يقولُ العرَّابُ:

"لي حبيبةٌ تَجيءُ مع الغيمِ، تُمطِرُ كلَّما تَشَقَّقَ القلبُ وطَفَحَ صدري بالظَّمأِ، فتُزهِرُ أوردتي حدائقَ للعشَّاقِ والسَّابلةِ، وتصيرُ الوردةُ زهرةَ الميلادِ، وتصيرُ النَّجمةُ ضوءَ المكانِ، والسَّماءُ تُعبِّئُ أنفاسَها بالشُّروقِ، والضُّحى ضحكتُها.

لي حبيبةٌ تَجيءُ كلَّ مساءٍ، فيصيرُ الليلُ وشاحًا للأيكةِ، ويصيرُ حُلْمُ العصافيرِ اسمَها، وتصيرُ الفراشاتُ نشيدَ الحقولِ، وتصيرُ الأغاني رصيفَ الفقراءِ كلَّ صباحٍ، وبائعُ الصُّحفِ يرمي "أخبارًا بايتةً"، ويعودُ الموجزُ اسمَها كلَّ نهارٍ".

يقومُ النَّصُّ كلُّه على تكرارِ جملةِ: "لي حبيبةٌ"، وهذا التَّكرارُ هو إعلانٌ عن وجودِ معنى، فالحبيبةُ قوَّةٌ تمنحُ العالمَ حيويَّتَهُ.

فبمجيئِها يزهرُ الدَّمُ، وتُشرِقُ السَّماءُ، وتتفتَّحُ الوردةُ، ويغدو الليلُ وشاحًا.

إنَّها أشبهُ بما يُسمِّيه المتصوِّفةُ "سرَّ الحياةِ"، ولهذا لا يصفُ الشَّاعرُ ملامحَها أبدًا، لا لونَ عينيها، ولا وجهَها، ولا اسمَها، لأنَّ المقصودَ أثرُها لا جسدُها.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟

الشَّيءُ هنا هو الحبيبةُ المتمثّلةُ في الحبِّ، والأملِ، والمعنى، والقدرةِ على الاستمرارِ.

إنَّها -لا أذهبَ اللهُ السَّعادةَ من قلوبِكم- المرآةُ التي يرى الشَّاعرُ فيها نفسَهُ الأجملَ، ولهذا فعندما يحضرُ اسمُها يحضرُ هو أيضًا، وعندما تغيبُ يتَّسعُ الفراغُ.

أمَّا نصُّ "صورةٍ" فيقولُ فيه:

"تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني لبياضِ عمرِنا غيرَ غيابِ اللَّونِ الذي كان. لا شيء من بياضِ القلبِ سوى الشَّيبِ الذي صار. هو العمرُ في أزقَّتِهِ المعتمةِ، نتحسَّسُ خشونةَ مشوارِنا عليه، وعقاربُ الوقتِ مُسرعةٌ، نلمسُ قرارةَ الذَّاكرةِ في صدفةِ الليلِ كلَّما انتصفت

دقَّاتُها، والنَّهارُ اتِّساعُ خُطوةِ مِنسأةٍ نتوكَّأُ عليها، نمشي ونمشي وما زِلْنا من جُدرانِ الزُّقاقِ نتنشَّقُ الفرحَ الذي كان".

أيُّها الأصدقاءُ، إنَّ هذا النَّصَّ من أكثرِ نصوصِ الكتابِ كثافةً وتأمُّلًا.

فالصُّورةُ هي الزَّمنُ الذي تجمَّدَ، ولهذا يبدأُ النَّصُّ بمفارقةٍ رائعةٍ: "تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني بياضَ عمرِنا"، فالصُّورةُ القديمةُ بالأبيضِ والأسودِ تستدعي العمرَ كلَّهُ.

ثمَّ يتحوَّلُ النَّصُّ إلى رحلةٍ داخلَ الزَّمنِ من الأزقَّةِ إلى الجدرانِ، فالمشوارِ، فالشَّيبِ، وصولًا إلى عقاربِ الوقتِ، وكلُّها عناصرُ تؤكِّدُ أنَّ الصُّورةَ شيئًا نسكنُهُ.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟ إذا كانتِ الفراشةُ رمزًا للعمرِ، والحبيبةُ رمزًا للمعنى،

فإنَّ الصُّورةَ هي الخزَّانُ الأكبرُ للذَّاكِرةِ، إنَّها الشَّيءُ الذي يُعيدُ للشَّاعرِ ملامحَهُ الأولى، وأزقَّتَهُ الأولى، وفرحَهُ الأوَّلَ.

فالصُّورةُ تُذكِّرُهُ بنفسِهِ التي كانت هناك.

في هذه النُّصوصِ الثَّلاثةِ تتجسَّدُ فلسفةُ الكتابِ كلُّها، فالفراشةُ شيءٌ يُذكِّرُني بعمري، والحبيبةُ شيءٌ يُذكِّرُني بقلبي، والصُّورةُ شيءٌ يُذكِّرُني بذاكرتي.

وبعدَ هذه الرِّحلةِ بينَ الفراشةِ والحبيبةِ والصُّورةِ، أجدُني أعودُ إلى السُّؤالِ الأوَّلِ الذي وضعَهُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ على عتبةِ كتابِهِ: "شيءٌ يُذكِّرُني بي".

لقد بحثتُ عن هذا الشَّيءِ في الفراشةِ فوجدتُهُ عمرًا يُرفرفُ بينَ الحقولِ، وبحثتُ عنهُ في الحبيبةِ فوجدتُهُ قلبًا ما زالَ يؤمنُ بالضَّوءِ، وبحثتُ عنهُ في الصُّورةِ فوجدتُهُ زمنًا يحتمي من النِّسيانِ.

لكنْ كلَّما توغَّلنا في النُّصوصِ اكتشفنا أنَّ الأشياءَ ليست سوى دوائرَ صغيرةٍ تدورُ حولَ دائرةٍ أكبرَ، وأنَّ الذِّكرياتِ ليست إلَّا خيوطًا تقودُ إلى ذاكرةٍ واحدةٍ، أمَّا الذَّاتُ التي يبحثُ عنها الكاتبُ فهي ذاتٌ مُشتبكةٌ بمكانِها وتاريخِها وحكايتِها الأولى.

وفي الوقتِ الذي نُغلِقُ فيه الصَّفحةَ الأخيرةَ من هذا الكتابِ، نُدركُ أنَّ الشَّيءَ الذي كان يُذكِّرُ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ بنفسِهِ لم يكن فراشةً، ولا حبيبةً، ولا صورةً ، إنَّما كان فلسطينَ.

فلسطينُ التي تظهرُ أحيانًا باسمِ الأمِّ، وأحيانًا باسمِ القريةِ، وأحيانًا في زُقاقٍ قديمٍ، أو شجرةِ رُمَّانٍ، أو حقلِ شقائقَ، أو ضحكةِ طفلٍ، أو ظلِّ شهيدٍ.

فلسطينُ التي تحضرُ في هذا الكتابِ نبضًا يسري في أوصالِهِ كلِّها.

لذلكَ يبقى السُّؤالُ مُعلَّقًا بعدَ انتهاءِ القراءةِ إلى كلِّ واحدٍ منَّا: ما الشَّيءُ الذي ما زال يُذكِّرُنا بنا، وما الشَّيءُ الذي ما زالت فلسطينُ تُذكِّرُنا به كلَّما ابتعدنا عنها واقتربنا منها في آنٍ؟

وقبلَ أنْ أضعَ آخرَ كلمةٍ في هذه القراءةِ، لا يسعُني إلَّا أنْ أتوجَّهَ إليكم جميعًا يا قرائي الأعزاء بخالصِ الشُّكرِ والامتنانِ لأرواحِكم التي شاركتِ النَّصَّ نبضَهُ، وشاركتِ الذَّاكرةَ سفرَها الطَّويلَ بينَ الحقولِ والأزقَّةِ والصُّورِ والفراشاتِ.

والشُّكرُ موصولٌ للعرَّابِ، ابنِ عَرَّابَةَ الجميلةِ، الأديبِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ، الذي كتبَ مرايا نتأمَّلُ فيها وجوهَنا وأعمارَنا وأمكنتَنا الأولى، فتحسَّسَ مواطنَ ذواتِنا الخفيَّةِ، ودفاترَ عمرِنا، ومنحَنا فرصةً نادرةً لأنْ نُصغيَ إلى أصواتِنا القديمةِ، وأنْ نعودَ، ولو لبرهةٍ قصيرةٍ، إلى أنفسِنا التي ظلَّت تنتظرُنا بينَ سطورِ الذَّاكرةِ لتهمسَ لكلِّ واحدٍ منَّا: هذا أنتَ، فسلامي والوردُ لكم يا مَن تمرّون على قراءاتي فتنفثون سحر أرواحكم.

***

غدير حميدان الزبون

 

إن الفن السابع يُعبِّرُ عن الماضي والمُستقبل، ويكشف النقاب عن آلام الماضي وأفراحه، ويُميط اللثام عنه بحلوه ومره وخيره وشره؛ فقد غدا لسان حال العديد من الأمم والشعوب والمُجتمعات، ولذلك يراهُ البعض مرآة لما يُعاش من تجارب، ويُنبه البعض لما قد يشوبه من تزييف وتحريف، وقد انطلق الحديث منذ عدة سنوات عن سينما نوعية لا تقتصر على الحكي التاريخي، وتصوير الحياة الواقعية، أو السعي إلى خلق الخيال الغرائبي في سينما المُستقبل؛ فإذا بنا نُشاهد لدى العديد من الأمم والمُجتمعات سينما تبحث في دواخل المرء، وتُضيء على أبعاد شخصيته، وهواجسه وأفكاره، ومشاعره في مجتمعات همين عليها الجانب المادي، وخفت الجانب الروحي.

وكل من يقرأ كتاب: «السينما الجزائرية: ميلاد ومسار» للباحث والأديب أحمد حمدي فإن ذاكرته ستنتعش؛ فالذاكرة تُوصف بأنها كنز إنساني دفين، كونها تحتفظ بالتجارب السابقة، وتُخزنها ثم تستدعيها مرة أخرى، حيث تتحفّز أطرافها الأخطبوطيّة العائمة دائماً باتجاهين يتسمان بالتناقض؛ فالاتجاه الأوّل هو الغياب في حضرة النسيان، الذي يوصف بأنه غياب المعلومات التي كانت مخزنة سابقاً في الذاكرة؛ سواء كانت طويلة المدى أو قصيرة الأمد، والاتجاه الثاني هو الحضور الحميميّ في قلب اللحظة المُناسبة عن طريق آلة الاسترجاع المشحوذة دائماً بقوّة تتسم بالغموض. (ينظر: محمد صابر عبيد: أسنان الذاكرة البيضاء، منشورات دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، 2017م، ص:7).

فكتاب الأستاذ والباحث الأكاديمي الدكتور أحمد حمدي يُميط اللثام عن مُحاولات الخروج من عباءات ضيّقة إلى فضاءات رحبة ومساحات واسعة، ومن يُطالع كتابه يستحضر ذكريات رافقنا فيها الأمل والحلم، والزمن الجميل الذي يعرضه في كتابه القيم يؤلم ويُعلّم وينسج الأمنيات؛ ويُضيء مساحات معتمة من خلالها نفهم عوالم ميلاد ومسارات السينما الجزائرية.

في تصديره للكتاب يذكر الأستاذ أحمد حمدي أن هذا الكتاب كان عبارة عن ملف يتصل بواقع السينما الجزائرية، وتاريخها الحافل بالأمجاد، والأعمال الخالدة؛ ونظراً لأهمية المعلومات التي يحتويها، والطابع التوثيقي الذي يرصد راهن النشاط الثقافي الجزائري في السبعينيات من القرن المنصرم، وحاجة المكتبة الجزائرية إلى هذا النوع من الأبحاث والأعمال؛ فقد ارتأى إعادة نشره ككتاب بعد مراجعته وإثرائه وتنقيحه، وإضافة بعض المقالات عن السينما الجزائرية، وما يتعلق بصناعتها وتوزيعها وانتشارها، وقد نبّه المؤلف إلى أن مضامينه بنيت في جانب منها على التدوين والسرد التاريخي، وبعض الجوانب من محتوياته جاءت لعرض وتقديم بعض الأفلام التي تعد نماذج تطبيقية؛ لما تمّ سرده في كتابه في الجانب النظري.

في مقدمة الكتاب يذكر الباحث الأكاديمي أحمد حمدي أن السينما أصبحت رغم عمرها القصير من أهم وسائل الاتصال؛ في القرن العشرين، وتنبع أهميتها من كونها تُخاطب قطاعاً عريضاً من مختلف الفئات الاجتماعية، وقد وجدت السينما طريقها إلى الجمهور الجزائري المُتعطش للعلم والمعرفة، ولكن السلطات الاستعمارية الغاشمة سرعان ما أدركت خطورة السينما عليها، ومن ثمة راحت تُحاول بكل جهدها تزييف مهام ودور السينما؛ وهكذا برزت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبالذات بعد مجازر 8ماي1945م خطة لتزييف دور ومهام السينما؛ فأنشأت سطات الاحتلال الفرنسي مصلحة للفوتوغرافية عام: 1946م لتُلحقها بالسينما عام: 1947م، بيد أن انفجار ثورة نوفمبر الخالدة عام: 1954م، وانتقال المجتمع الجزائري من حالة الكمون إلى حالة التوثب، ومن حالة الدفاع السلبي إلى حالة الهجوم الكاسح ضد قوى الاستعمار؛ أوجد ظروفاً جديدة ستترك تأثيرها على الأجهزة الثقافية، ويذهب المؤلف إلى أن السينما الجزائرية ليس لها إلا أن تكون ضمن النوع الثوري من السينما المناضلة، وذلك لعدة أسباب وظروف؛ منها الاستعمار الفرنسي لمدة132 سنة، والتي اتسمت بالقمع والإرهاب، ومحاولة محو الشخصية الوطنية، وتزييف الثقافة الوطنية؛ بينما تميّز الجانب الجزائري بالمقاومة والثورات الدائمة والمستمرة، والتي لم تتوقف، ولم تكل، وقد أشار الباحث أحمد حمدي إلى أن السينما في الجزائر المستعمرة، كانت موجودة من خلال تصوير المناظر والمناطق الجزائرية المتنوعة؛ كمشاهد خلفية لعدد من الأفلام الشهيرة، وسبب ذلك الانتقاء من قبل عدد من المخرجين هو الطابع السحري، والحالة الذي تتميّز به الطبيعة الجزائرية، وقد كانت نشوة الاحتفال بمرور مائة سنة على احتلال الجزائر فرصة لعدد من المُخرجين لتقديم أطباق فاخرة لمشاهديهم دون مقابل، وكان هدفهم تعريفهم على شمس الجزائر الدافئة ورمالها الذهبية وصحاريها الممتدة الأطراف، وجبالها الشامخة، وأنا سها الذين كانوا يعيشون حياة البدو في الأكواخ، وفي كهوف الجبال، والخيام المهددة بالرياح العاتية، وهكذا شاهدت الجزائر أفلام (البلاد) لجان رينوار، و(صليب الجنوب) لأندريه هيغون، و(طريق الشمس) لموريس كلينر؛ وهي أفلام تتغنى ببطولة وعظمة جيش الاحتلال الفرنسي؛ الذي تمكن من احتلال البلاد وقهر المتمردين والمتوحشين الأهالي، ويحتل البلاد عبر عدد كبير من المجازر المتلاحقة، وقد كان لسحر الشرق وقعه المفضل وجاذبيته عند عدد كبير من المخرجين الإيطاليين والأمريكيين؛ بحيث تدفقت على الجزائر كاميرات السينما الأمريكية، ومن خلفها المخرجون والممثلون؛ بل وحتى الخيول، والديكورات القادمة من أميركا لتصوير بعض أفلام رعاة البقر الأمريكية الشهيرة، بعدما لفتت الطبيعة الجزائرية نظر المُخرجين الأمريكيين.

وقد تطرق المؤلف إلى موضوع تطور السينما وإنتاجها في الجزائر؛ ومن بين ما ذكره في القسم الخاص بالتطور أن المركز الوطني للسينما قد باشر عمله منذ إنشائه عام 1964 وذلك من خلال فيلم (السلم الوليد) لجاك شاربي الذي أحرز على الجائزة الاولى للسينما الفتية في مهرجان موسكو عام: 1965م، ويليه فيلم (فجر المعذبين) لأحمد راشدي الذي يتحدث عن تحرير إفريقيا من الاستعمار الذي هيمن لمدة طويلة على بلدان العالم الثالث، وقد أحرز هذا الفيلم أيضا على جائزة المؤتمر الدولي للسلم في مهرجان لايبزيغ الدولي عام 1965.

ثم يلي ذلك مجموعة من الافلام الجزائرية الناجحة، والتي نالت تقدير ورضا النقاد ورجالات السينما الدوليين مثل فيلم (معركة الجزائر) من اخراج جيلو بونتكورفو الذي نال جائزة فينيسيا و(الليل يخاف من الشمس) لمصطفى بديع ثم (ريح الأوراس) من انتاج ديوان الاحداث الجزائرية من اخراج محمد الاخضر حامينا الذي أحرز على جوائز: أول عمل سينمائي بمهرجان كان 1966 وجائزة أحسن سيناريو بمهرجان موسكو 1967، وفيلم (الطريق) من انتاج الديوان الوطني للتجارة والصناعة السينمائية، واخراج محمد سليم رياض (جائزة السينما الفتية في مهرجان طشقند الدولي 1968) و(حسان الطيرو) للاخضر حامينا و(الجحيم في سن العاشرة "خمسة أفلام :

- البحر للغوثي بن ددوش

- اللقاء لسيد علي مازيف

- السمان لبوقرموح

- شهود الأمس لعمار العسكري

- عندما كانت جانيت ليوسف حكيكة

و(الخارجون على القانون) لتوفيق فارس، و(قصص من ثورة التحرير) و(الأفيون والعصا) لأحمد راشدي، و(تحيا يا ديدو) لمحمد زينات، و(لكي تحيا الجزائر) لمحمد عزيزي، و(اللي فات مات) لمصطفى كاتب، و(الفحام) لمحمد بوعماري الذي نال اعجاب كثير من المهتمين بالفن السينمائي الجزائري، واعتبر اعلانا عن ميلاد اتجاه جديد صار يعرف بــ "سينما جديد" وقد أحرز هذا الفيلم على التانيت الفضي لمهرجان قرطاج 1972، و(ولأسر الطيبة) لجعفر دامرجي و(عرق أسود) لسيد علي مازيف و(دورية نيو الشرق) لعمار لعسكري، و(منطقة محرمة) لأحمد لاعلام و(عطلة المفتش الطاهر) لموسى حداد، و(الارث) وهو ثاني أعمال محمد بوعماري الطويلة (هروب حسان الطيرو) لمصطفى بديع و(وقائع سنين الجمر) للأخضر حامينا، وهو أضخم إنتاج سينمائي جزائري بحيث تجاوزت تكاليف إنجازه المليار دينار ونصف، بيد أن حصول الفيلم على جائزة سعفة مهرجان "كان" الدولي أهلته لأن يعيد تكاليفه تلك، وهناك أفلام مرزاق علواش الناجحة، مثل (عمر قاتلاتو) الذي نال جائزة مهرجان قرطاج، و(مغامرات بطل) و(حواجز) لأحمد لاعلام، و(نوة) لعبد العزيز طلبي، و(المصب) لمحمد شويخ و(الغاصبون) للأمين مرباح، و(الطرفة) للهاشمي الشريف، و(يوميات عامل شاب) لمحمد افتيسان، و(سنعود) لمحمد سليم رياض .. وهناك عدد من الأفلام القصيرة والمتوسطة والطويلة لم نأت على ذكرها، ولن ما يهمنا أن نلاحظه هو ميلاد الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية، ابتداء من سنة: 1972.

في قسم مُستقل من الكتاب تحدث الباحث أحمد حمدي عن الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية، لقد انكبت السينما الجزائرية-كما عرفنا-على دراسة الثورة، وقدمت أفلاما تسجيلية؛ نذكر من ضمنها:

* فجر المعذبين

* الجحيم في سن العاشرة

* معركة الجزائر

كما قدمت أفلاما ذات أبعاد ملحمية؛ مثل:

* ريح الأوراس

* الطريق

* الخارجون على القانون

غير أن التطلع نحو الماضي وحده أصبح مثار نقد؛ كما عرفنا، ومن ثمة برزت الاتجاهات الجديدة في السينما الجزائرية؛ مع العلم أن هذه الأخيرة لا يمكن حصرها حاليا لحداثة عهدها.

إلا أن ملامح السينما الجديدة ظهرت مع التغيرات الاجتماعية من منظور تقدمي واضح .

يقول المخرج محمد بوعماري:

(لا نستطيع أن نرسم واقع الشعب كما نراه بل يجب أن يكون عملنا أكثر عمقا، وأبعد أثرا، يجب على السينما الجزائرية أن تكون مدرسة سياسية واجتماعية وملتزمة بالأساس مع عدم اغفال العنصر الفني).

إن هذا التحديد يعني أن السينما الجزائرية تتميز بالتالي:

- عنصر الالتزام؛ الذي يضفي على المضمون الأبعاد الثورية.

- عنصر الأسلوب؛ وخاصة منه ما يتعلق بالشكل الفني حيث تبرز بساطة الاخراج، ومرونة الحركة أي (الابتعاد عن التعقيد والمبالغة، والنزوع نحو التقاط الصور من الواقع بعيدا عن الإستيديوهات، وشعبية الممثلين).

وقد حصر المؤلف الاتجاه الأول في سينما الثورة، حيث جعل فليم معركة الجزائر أنموذجاً، وذهب إلى أن التأثيرات الاجتماعية للفيلم تتمثل؛ فيما يلي:

1-  تركيز الانتباه على أهمية ما قامت به القوات الفرنسية من إنجازات عدوانية على السكان.

2-  شحذ الهمم، والمشاعر؛ لإثارة الاعجاب بقوات الاستعمار الفرنسي.

3-  العمل على التقليل من كراهية الجزائريين للاستعمار.

ومن هنا كان لبعض نقاد الفيلم؛ وجهة نظر مختلفة، ومهاجمة شديدة، وكي نرى بوضوح ؛ كيف يمكن تقدير التأثيرات الناجمة عن الفيلم تقديرا علميا صحيحا؛ علينا أن نتبع الخطوات التالية:

1-  فهم عملية التنميط؛ أي كيف يترجم الفيلم حقائق الموقف الاجتماعي الى صور في نسق معين .

2-  أن نبين موضوعيا كيف تعمل المضامين الاجتماعية للفيلم على تشويه الحقائق؛ والمقصود، بالمضامين الاجتماعية هي تلك المصور في الفيلم، وليست تلك المضامين التي يمكن أن نستخرجها منه؛ أو الموجودة أصلا في ذهن المتفرج.

أما الاتجاه الثاني فقد حصره في سينما الواقع، واتخذ فيلم الفحام نموذجا، ومن بين الاتجاهات الأخرى التي سلط عليها المؤلف الضوء السينما المناضلة، حيث تحدث عن فيلم : فرقة خاصة، وأشار لدى حديثه عن هذا الفيلم أن "غوستا غافراس" يعد من أكثر المخرجين العالميين شهرة بفضل أفلامه السياسية الهادفة؛ التي جعلت من الكاميرا معادلا موضوعيا للبندقية، كما جعلت منها منشورا سياسيا ضد الفاشية، وكل أعمال القمع والإرهاب. وغوستا غافراس يوناني الأصل أخرج عددا من الأفلام السياسية الناجحة؛ لقيت اهتماما متزايدا من كبار النقاد العالميين، ونال عنها عدة جوائز عالمية آخرها فيلم (فرقة خاصة) الذي نال في مهرجان "كان" في (22/10/1972) بالمناصفة مع المخرج الكندي "ميشال برولت" عن فيلمه (الأوامر) جائزة أحسن إخراج.

ولا ريب في أن هذا الكتاب يُمثل إضافة مهمة للدراسات السينمائية؛ التي أضحت تخصصاً أكاديمياً ينهض بمُعالجة شتى المناهج النظرية والتاريخية والنقدية للأفلام، وهو عمل توثيقي رصين بذل فيه المؤلف جهوداً كبيرة خدمة للسينما الجزائرية، وللمهتمين بعوالمها، ولعامة المثقفين والمتخصصين في الدراسات السينمائية.

***

الدكتور محمد سيف الإسلام بوفـلاقــــة

كلية الآداب واللغات، جامعة عنابة، الجزائر

وعطش الكينونة عند تولستوي وهِرمان هِسّه وساراماغو

ابتداء اسمح لنفسي بصياغة مكثفة لمفهوم الظمأ الانطولوجي عند المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي ويمكنني القول: إن الظمأ الأنطولوجي هو شعور الإنسان الدائم بالنقص الوجودي الذي يدفعه إلى البحث عن المعنى والحقيقة والسكينة الروحية، بوصفه حاجةً أصيلةً في الكينونة الإنسانية لا تقل أهمية عن حاجاته البيولوجية. يرى الرفاعي أن الدين في جوهره التاريخي والروحي نشأ، استجابةً لهذا الظمأ، أي بوصفه محاولةً لإرواء عطش الإنسان إلى المعنى، لا مجرد منظومة من الأحكام والطقوس.

 وانطلاقًا مما تقدم، وولوجًا إلى مقاربة رباعية يحضر فيها ليو تولستوي وجوزيه ساراماغو وهرمان هِسّه، فضلًا عن الرفاعي، يمكن أن ننتهي إلى تعريف مكثف "للظمأ الأنطولوجي" بأنه "صرخة الروح للاستيقاظ"، أو أنه "عطش الروح إلى المطلق، ذلك العطش الذي لا ترويه مباهج الدنيا، وإنما يرويه المعنى حين يستقر في أعماق الكينونة". فليس الجوع إلى الخبز وحده ما يحرك الإنسان، ولا العطش إلى الماء وحده ما يدفعه إلى البحث، ففي أعماق الكائن البشري عطش آخر أشد خفاءً وأكثر إلحاحًا، عطش لا ترويه الثروة ولا السلطة ولا الألقاب الزائفة ولا أوهام العظمة والشهرة، ولا لذة التعرف إلى تضاريس الحياة وتجاربها المتنوعة. إنه ما يسميه الرفاعي "الظمأ الأنطولوجي"، هو ذلك الشوق العميق إلى المعنى، والشعور بالحاجة إلى ما يمنح الوجود قيمة تتجاوز حدود اليومي والعابر. يرى الرفاعي أن الإنسان، فضلًا عن كونه كائنًا بيولوجيًا واجتماعيًا، هو أيضًا كائن معنوي وروحي يعيش قلقًا وجوديًا دائمًا، يمكن وصفه بالقلق النبيل، لأن في داخله فراغًا لا تستطيع المادة وما يترشح عنها أن تملأه. الظمأ الأنطولوجي عنده هو الحاجة الأصيلة إلى المعنى الخلاق، وإلى اكتشاف أسرار ما وراء الحياة والموت والألم والحب والمصير. إنه سؤال البدايات، والغوص بحثًا عن الجذور.

 وعندما ننتقل إلى الروسي ليو تولستوي، الكاتب والمفكر والروائي المتوفى سنة 1910، نجد أنفسنا أمام تجربة مشابهة، وإن اختلفت اللغة والمصطلحات. فقد بلغ تولستوي قمة المجد الأدبي والاجتماعي، ثم وجد نفسه فجأة أمام سؤال مرعب: لماذا أعيش؟ وما جدوى هذا النجاح كله إذا كان الموت ينتظر الجميع؟ في كتابه "اعتراف" يصف تلك الأزمة الوجودية التي كادت تدفعه إلى الانتحار. لم يكن ينقصه شيء من متاع الدنيا، غير أن روحه كانت تصرخ طلبًا للمعنى. هنا يتجلى الظمأ الأنطولوجي في صورته الحادة؛ المشكلة ليست في فقدان الأشياء، وإنما في فقدان دلالتها.

 أما هرمان هِسّه، الروائي الألماني السويسري وأحد أبرز كتّاب القرن العشرين، فقد عبّر عن هذا الظمأ بلغة أكثر شاعرية وروحانية، ففي "سدهارتا" و"دميان" و"ذئب البراري" تتكرر صورة الإنسان الذي يشعر بالغربة عن ذاته والعالم، فينطلق في رحلة داخلية بحثًا عن الحقيقة. والأزمة الوجودية عند هِسّه ليست لعنة، وإنما بداية تحول روحي؛ الروح لا تستيقظ إلا عندما تشعر بعدم كفاية الأجوبة الجاهزة، وتدرك أن الامتلاء الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما من رحلة اكتشاف الذات.

أما جوزيه ساراماغو، الروائي والكاتب والصحفي البرتغالي المتوفى سنة 2010، والحائز جائزة نوبل للآداب سنة 1998، فيقارب المسألة من زاوية مختلفة. ففي أعماله الروائية تتجلى هشاشة المعنى عندما تفقد المؤسسات قدرتها على إقناع الإنسان، ويجد الفرد نفسه وحيدًا أمام أسئلة المصير والحرية والمسؤولية. تبدو شخصياته وكأنها تعيش في عالم فقد يقينياته الكبرى، لكنها لا تتوقف عن البحث. إن الظمأ عند ساراماغو ليس بحثًا عن أجوبة نهائية، بقدر ما هو مقاومة للفراغ وإصرار على أن الإنسان لا يكتمل إلا بالسؤال، فهو كائن خُلق ليسأل.

وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الفكرية لهؤلاء الأربعة، فإن ثمة خيطًا عميقًا يجمع بينهم. الظمأ الأنطولوجي عند الرفاعي، وأزمة المعنى عند تولستوي، والرحلة الروحية عند هِسّه، والبحث القلق عند ساراماغو، كلها تعبر عن حقيقة واحدة مفادها أن الإنسان أكبر من حاجاته المادية، ففي داخله توق دائم إلى ما يتجاوز الواقع المباشر، وإلى ما يمنحه إحساسًا بأن حياته ليست حادثة عابرة في كون صامت.

 غير أن الاختلاف يتجلى في مآلات هذا الظمأ؛ فتولستوي انتهى إلى الإيمان بوصفه جوابًا عن سؤال المعنى، ورأى هِسّه أن الطريق يمر عبر التجربة الروحية الفردية واكتشاف الذات، أما ساراماغو فظل أقرب إلى أفق السؤال المفتوح، حيث لا توجد إجابات نهائية بقدر ما توجد مسؤولية إنسانية مستمرة في مواجهة العبث. في حين يحاول الرفاعي أن يؤسس لرؤية ترى في الدين مجالًا لإرواء العطش الوجودي، كما يعرفه بوصفه: "حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية"، شريطة أن يتحرر من الجمود والتوظيف الأيديولوجي، وأن يستعيد بعده الروحي والأخلاقي والإنساني.

***

د. ناجي الفتلاوي – كاتب عراقي

صدر في الشهر الماضي كتاب مقالات في الاقتصاد (1) احتوى على 38 مقالا اقتصاديا تتركز حول مختلف جوانب الاقتصاد. هذه المقالات، سبق وان نُشرت في السنوات السابقة الى جانب عدد كبير من المقالات الاخرى في مواقع وصحف ورقية والكترونية من بينها صحيفة المثقف الغراء، وقد اختيرت لغرض اطلاع القارئ الكريم على جوانب مختلفة في حقل الاقتصاد بحيث تعطي للقارئ صورة مكتملة بدلا من التركيز على جانب واحد للموضوع.

هل الاقتصاد علم؟

 اعتُبر الاقتصاد كعلم اجتماعي يركز على العلاقة بين الفرد والمجتمع. لكن بعض النقاد يجادلون ان الاقتصاد لا يرقى الى تعريف العلم وذلك لعدة أسباب من بينها عدم وجود فرضيات قابلة للإختبار، وعدم توفر إجماع بين الاقتصاديين. الاقتصاديون لا يستطيعون القيام بتجارب يمكن التحكم بها بالمختبر كما في الكيمياء مثلا.

 العلاقة بين الاقتصاد والسياسة

 اذا كان علم الاقتصاد يهتم بدراسة الاقتصاد ومحاولة التأثير فيه، فان السياسة تسعى نظريا وعمليا للتأثير على الناس عبر ممارسة السلطة من خلال الحكومة والانتخابات او الأحزاب السياسية. نظريا، يُعتبر الاقتصاد غير سياسي، الاقتصادي المثالي يجب ان يرفض أي انحياز سياسي او محاباة لكي يعطي معلومات محايدة وتوصيات غير منحازة حول كيفية تحسين الأداء الاقتصادي للبلد. السياسيون المنتخبون يقومون لاحقا بتقييم هذه المعلومات الاقتصادية واتخاذ القرارات على ضوئها. اما في مجال التطبيق فهناك علاقة قوية بين الاقتصاد والسياسة لأن الأداء الاقتصادي هو الميدان الرئيسي للمعركة السياسية. العديد من القضايا الاقتصادية هي بطبيعتها سياسية لأنها ذاتها تتأطر بمختلف الآراء السياسية.

ان العديد من القضايا الاقتصادية يُنظر اليها من زاوية المعتقدات السياسية، فمثلا، بعض الناس يميلون للشك بتدخلات الحكومة . لذلك هم يفضلون السياسات الاقتصادية التي تسعى للتخفيف من تدخلات الحكومة في مجال الاقتصاد مثل اللامركزية والخصخصة وخفض الضرائب. ومن جهة أخرى قد يفضل الاقتصاديون تعزيز اكبر قدر ممكن من المساواة في المجتمع ولديهم رغبة اكبر في تشجيع التدخل الحكومي لتحقيق هذا الهدف. سنعثر دائما على دليل يدعم فوائد خفض الضرائب. وكذلك نجد دليلا يدعم فوائد الضرائب العالية، بينما نجد بعض الاقتصاديين محايدين وليس لديهم ميول سياسية.

 أوجه التداخل بين الفلسفة والاقتصاد

في ص 146 يشير المقال الى التداخل بين التفكير الاقتصادي والإعتبارات الفلسفية. المفكرون الاقتصاديون الأوائل منذ ارسطو وحتى آدم سمث وجون ستيوارت مل كانوا أيضا من أبرز الفلاسفة. ورغم ظهور الاقتصاد الكلاسيكي الجديد في نهاية القرن التاسع عشر وسعيه في بناء الاقتصاد كعلم منفصل بعيد عن التفاعل مع الفلسفة، لكن العديد من اقتصاديي القرن العشرين الكبار كان لهم أيضا اهتمام بالمسائل الفلسفية. الاقتصاديون كنز وهايك وسين هم أمثلة لإقتصاديين متميزين لهم مساهمات في مختلف مجالات الفلسفة ويتم إبلاغ أعمالهم الاقتصادية برؤى فلسفية.

هناك العديد من المساهمات التي تمزج بين التحليلات الاقتصادية والتفكير الفلسفي في القضايا السوسيواقتصادية الحالية مثل الاحتباس الحراري واللامساواة الاقتصادية والفقر والشيخوخة وقضايا الصحة. العديد من المجلات البحثية العالمية تتخصص حاليا في نشر أعمال تقع في نقاط الالتقاء بين الاقتصاد والفلسفة.

 الرؤية الثورية للاقتصاد الكنزي

 اكتسب الاقتصاد الكنزي اسمه من الاقتصادي البريطاني جون مايرند كنز(1883-1946) الذي اعتُبر مؤسس الاقتصاد الكلي. يرى كنز ان عدم كفاية الطلب الكلي يقود الى فترات طويلة من البطالة العالية. مخرجات الاقتصاد من السلع والخدمات هي عبارة عن مجموع أربعة عناصر: الاستهلاك والاستثمار ومشتريات الحكومة وصافي الصادرات. أي زيادة في الطلب يجب ان تأتي من أحد هذه العناصر الأربعة. لكن أثناء الركود تبرز قوى كبيرة تضغط على الطلب فيهبط نتيجة لهبوط الانفاق. فمثلا اثناء الانحدار الاقتصادي تؤدي حالة عدم التأكد الى تآكل ثقة المستهلك، حيث تدفع المستهلكين الى تقليل انفاقهم خاصة على السلع المعمرة مثل البيوت والسيارات. هذا الانخفاض في الإنفاق يؤدي الى القليل من الانفاق الاستثماري من جانب الشركات التي بدورها تقلل الانفاق بسبب قلة الطلب على منتجاتها. هذا سيضع مهمة زيادة المخرجات بالدرجة الأولى على أكتاف الحكومة. تدخّل الدولة ضروري لتخفيف التقلبات الاقتصادية والتي تُعرف بالدورة الاقتصادية.

المعارضون لتدخّل الدولة

اما المعارضون لتدخل الدولة في الاقتصاد والمؤمنون بحرية السوق Laissez faire فهم يعتقدون أساسا ان ترك الأسواق الحرة للعرض والطلب الطبيعيين هي الطريقة الأكثر فاعلية في خلق الثروة والازدهار. وهذا يعود للاسباب التالية:

1- فاعلية السوق وآلية الأسعار : الاقتصاديان فردريك هايك وملتن فريدمن يجادلان ان الأسعار تنقل إشارات ومعلومات حيوية عن العرض والطلب والندرة. تدخّل الحكومة مثل (وضع سقف سعري او حد ادنى للأسعار) يشوّه هذه الإشارات واحيانا يخلق نقصا او فائضا اصطناعيين.

2- نقص الحوافز: في القطاع العام، يؤدي نقص حافز الربح الى اللافاعلية وزيادة الموظفين وهدر بيروقراطي. المشاريع المملوكة للدولة تفتقر الى الانضباط التنافسي الضروري لخفض التكاليف وللابتكار مقارنة بالقطاع الخاص.

3- المأزق الأخلاقي والإعانات: مدفوعات الحكومة والإعانات ستحمي الشركات الفاشلة وغير الكفوءة. هذا يخلق مأزقا أخلاقيا حيث تتبنّى الشركات والمؤسسات مخاطر كبيرة ومفرطة لأنها تتوقع حماية الدولة لها من الإفلاس.

أوهام التوازن الاقتصادي

الاقتصادي ايرفينغ فيتشر الذي اخترع نظرية التوازن Equilibrium theory خلق اطارا حديثا في الاقتصاد، ففي عام 1907 نشر فيتشر اقتصاد التوازن، وهو الفكرة بان الأسواق بطبيعتها تتحرك نحو توازن مستقر. في 15 أكتوبر عام 1929 صرح فيتشر ان الأسهم تبقى دائما ذات قيمة عالية. نظريته أخبرته ان السوق عقلاني. وبعد أيام من ذلك التصريح حدثت كارثة الثلاثاء الأسود في أسواق الأسهم الامريكية فخسر كل شيء. ذلك الدمار أجبره على مواجهة الخطأ، في عام 1933 نشر نظرية جديدة ترفض التوازن كليا. كتب فيتشر: "من السخف افتراض التوازن الاقتصادي كما هو الحال في افتراض ان المحيط الأطلسي يخلو من الأمواج". لكن الاقتصاديين الكلاسيك الجدد استمروا في عام 2025 يدرّسون نظرية فيتشر المهملة. هم أخطأوا فهم الكساد الكبير ثم اعادوا بناء نفس الاطار واخطأوا فهم أزمة عام 2008، وحتى الان لازالوا ينصحون الطلاب بتجاهل الانتقادات ضد التوازن.

ما المقصود بفكرة التوازن؟

يصف الاقتصاديون حالة التوازن بالموقف الذي يتساوى فيه الطلب مع العرض. الطلب بشكل عام يتناقص عندما ترتفع الأسعار، بينما يميل المزيد من المجهزين للدخول الى السوق عندما يرتفع السعر. التوازن السعري يُفترض ان يكون عند السعر الذي يتطابق فيه العرض تماما مع الطلب. الناس يستعملون أفكار التوازن لإشتقاق معادلات تسعى لوصف الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد. ان المشكلة هي ان فكرة التوازن ليست اكثر من تجريد نظري خالص ولن يحدث ابدا في الاقتصادات الواقعية. الاقتصاد الواقعي يتميز بالحركة. لا وجود لأي نقطة عندها يتساوى الطلب مع العرض. الطلب يتغير من لحظة الى أخرى وكذلك العرض. هناك أعداد لا متناهية من الأفعال الاقتصادية تحدث في كل لحظة لأن المستهلكين يغيرون مواقفهم حول سلعة معينة في السوق، والمنتجون أيضا يقررون ان رغبوا بطرح المزيد من السلع في السوق. لا توجد أية نقطة يتوقف عندها الاقتصاد ويسمح لإختبار نفسه. دراسة الاقتصاد في لحظة ساكنة  تشبه محاولة دراسة جسم الانسان بلا حركة. الجسم يتحرك باستمرار، يأخذ الهواء ويدفعه نحو الخارج. الدم يتدفق في الاوردة والشرايين ويغذي الخلايا العصبية. دراسة الجسم وهو ساكن تسيء فهم جوهر الموضوع وهي حركته. عندما يكون الجسم مستقرا هو لايزال يمارس الحركة لأن المعلومات تنتقل بين خلايا الدماغ. الاقتصاد يتصف بتغير مستمر لأنه يستجيب لمدخلات من عدد لا يحصى من الافراد. الناس لا يستجيبون لتوازن اقتصادي مجرد، هم يستجيبون للتغيرات التي تحدث فعلا أمامهم  في الاقتصاد الواقعي، وان سلوكهم لا يمكن تجريده ودراسته كما لو كان استجابة لظروف ثابتة.

حقيقة اليد "اللامنظورة" لآدم سمث

من الأسرار التي جرى التكتم عليها في الاقتصاد هي ان لا وجود لليد اللامنظورة. بعد اكثر من قرن في محاولة اثبات العكس، حقق المنظرون الاقتصاديون في المسألة واستنتجوا في السبعينات من القرن الماضي ان لا سبب للاعتقاد بان الأسواق تقودها يد لا مرئية الى حالة مثلى من التوازن او أي توازن كان. بالطبع، التاريخ المضطرب والديناميكي للرأسمالية يكذّب وجود أي يد لامرئية. الازمة المالية لعام 2008 وأزمة الديون اللتان هددتا اوربا هما فقط دليل آخر على ذلك.

آدم سمث اقترح فكرة اليد اللامرئية في كتابه (تحقيق في طبيعة وأسباب ثروة الأمم،1776). هو ذكر ذلك فقط مرة واحدة في الكتاب، بينما هو لاحظ مرارا مواقف لا تعمل فيها "الحرية الطبيعية". في نقده لفكرة اليد اللامرئية يذكر جوزيف ستجلز الحائز على جائزة نوبل "ان اليد اللامنظورة لا منظورة لأنها غير موجودة" ويضيف ان ادم سمث اعتبر الشركات في سعيها للربح كأنها تُقاد بيد لا مرئية لتحقيق الأفضل للعالم. ولكن سمث كان مدركا لعوائق ونواقص الأسواق الحرة، حيث ان البحوث اثبتت ان الأسواق الحرة لا تقود الى الأفضل. يقول ستجلز ان لا وجود هناك لليد اللامرئية. متى ما حصلت هناك مؤثرات خارجية (حين لا يتحمل صاحب الشركة جميع تكاليف الإنتاج كما في حالة التلوث التي يتركها صاحب المصنع خلفه) فان الأسواق لن تعمل بنجاح وهنا تكون الحكومة مسؤولة عن تمويل البحوث العلمية الهامة وتلعب دورا في إنجاح عمل المصارف وإجراءات السلامة، فلابد من فرض العقود وحقوق الملكية لكي تعمل الأسواق بفاعلية.

ختاما: لابد من الإشارة الى انه لا يمكن في مقال صغير الإحاطة بجميع محتويات الكتاب، فلاتزال هناك مقالات تتعلق بالمنافسة وتأثيرها على الاخلاق، ولماذا يحتاج الاقتصاديون لدراسة التاريخ الاقتصادي، وكيف يقود الاقتصاد الإعلام الواسع، الفرق بين النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، والتبريرات الماركسية لإعتبار العمل مصدر القيمة، والمنطلقات الماركسية في نقد الاقتصاد السياسي، والاتجاه الديالكتيكي في المدرسة الاقتصادية النمساوية، وكذلك عن فشل سياسات البنك الدولي وموضوعات أخرى.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) كتاب مقالات في الاقتصاد للكاتب حاتم حميد محسن صدر عام 2026 في مدينة السماوة/العراق عن دار أديان للطباعة والنشر والتوزيع في 254 صفحة. في السابق صدرت للكاتب تأليفا وترجمة ستة كتب أخرى في دمشق بين عامي 2008 و2010 في قضايا الاقتصاد، والاقتصاد والتنمية، وتناقضات العولمة، وأصل الأزمات المالية وكتب أخرى. سنعرض لاحقا قراءة لكتابنا الجديد (مقالات في الفلسفة) الذي صدر عن نفس الدار أعلاه.

يتناول كتاب «فاشية التخلف» الفاشية بوصفها أثراً من آثار القرن العشرين، ولا يعاملها كظاهرة أوروبية أُغلقت ملفاتها مع نهاية الحرب العالمية الثانية، بل يعيد وضعها في سياقها الأوسع: بوصفها حالة كامنة في المجتمعات التي أخفقت في بناء الدولة الحديثة، وتعطّل فيها العقل السياسي، واختُزلت السياسة إلى سلطة تعارض الحريات السياسية والنقابية والفردية. يذهب حسين الهنداوي في كتابه الجديد «فاشية التخلف.. البعث العربي نموذجاً» الصادر عن دار المدى عام 2026، إلى ما هو أبعد من الإدانة الأخلاقية، أو السرد الوصفي، ليقدم قراءة تحليلية للجذور الفكرية والسياسية، التي جعلت من البعث في العراق وسوريا نموذجاً مكتمل الأركان للفاشية في العالم الثالث. إذ تتجاور الأيديولوجيا مع الخوف، وتتماهى السلطة مع العنف، ويُعاد تعريف الوطن بوصفه ساحة إعدام لا مجالًا للاختلاف. من هنا تأتي أهمية الكتاب، لا من حيث جرأته الموضوعية فحسب، بل من إصراره على قراءة الفاشية خارج حدودها التعريفية الجاهزة. ينطلق المؤلف من فرضية أساسية مفادها أن الفاشية ليست نظام حكم فحسب، بل نمط تفكير، ومنظومة قيم، وسلوك اجتماعي يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.2874 hendawi

هي لحظة قصوى من لحظات التهميش، حين تفشل الدولة في إنتاج الشرعية، فيجري تعويض القانون بالقوة، والمؤسسة بالفرد الديكتاتور، والمواطنة بالطاعة. بهذا المعنى، لا تعود الفاشية استثناءً تاريخياً، بل بنية ذهنية، ونتيجة منطقية لمسار طويل من الإقصاء، وتراكم الخوف، وانسداد الأفق السياسي. إنها تظهر حين يُجرَّد المجتمع من أدوات النقد، ويُختزل العقل في شعارات، تتقدم فيها العقيدة ـ أكانت قومية أم دينية ـ بوصفها حقيقة نهائية لا تقبل المساءلة. في واحدة من أهم مقولات الكتاب، يُعاد تعريف التخلف، لا بوصفه تأخراً اقتصادياً، أو ضعفاً في التنمية، بل بوصفه حالة ذهنية وسياسية، تقوم على رفض الحداثة السياسية، والخشية من التعدد، والنفور من فكرة التعاقد الاجتماعي. في مثل هذه البيئات، تصبح الفاشية ممكنة، بل ومغرية، لأنها تقدّم إجابات بسيطة عن أسئلة معقدة، وتمنح الخوف لغة، والعنف شرعية، والزعيم هالة خلاص. هنا لا تُفرض الفاشية بالقوة وحدها، بل يتقبلها البعض أحياناً بوصفها حلاً، أو قدراً، أو حتى ضرورة تاريخية. يتوقف الكتاب طويلا عند انتقال الفاشية من سياقها الأوروبي إلى فضاءات أخرى، ولاسيما في العالم العربي. غير أن هذا الانتقال لم يكن محاكاة دقيقة، بل استنساخا مشوها: جرى فيه اقتباس أدوات القمع، وتقديس القائد، وتوحيد الخطاب، من دون أن تُنقل ـ أو تُفهم ـ السياقات التي أفرزت الفاشية في أوروبا منذ العقد الثاني من القرن العشرين بنزعة قومية عنصرية تمجّد الدولة إلى حد التقديس، وترفض نموذج الدولة القائم على الليبرالية التقليدية، والديمقراطية البرلمانية التعددية التي سادت أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر.

والنتيجة كانت أنظمة أكثر دموية، وأشد التصاقاً بالعنف، لأنها لم تواجه مجتمعات مدنية فاعلة، ولا تقاليد سياسية راسخة، بل وجدت في الهشاشة الاجتماعية أرضاً خصبة للتمدد.

إن خطورة الفاشية تكمن في قدرتها على (التفريخ)، إذ شهدت أوروبا ظهور (فاشيات) أخرى في إسبانيا، واليونان بين عامي 1963ـ 1941، وكذلك في البرتغال في عهد سالازار، وفي البلدان العربية (سوريا والعراق). تتحد جميع هذه النماذج في طابعها العنصري، الاستبدادي الرافض للديمقراطية والتعددية. يقدّم الكتاب قراءة معمّقة لتجربة البعث، حين تنقلب الفكرة على ذاتها لا بوصفها تجربة سياسية فحسب، بل كنموذج لتحوّل الفكرة إلى نقيضها. فمن خطاب وحدوي مشبع بالأحلام، انتقلت التجربة إلى نظام شمولي يحتكر الحقيقة، ويصادر السياسة، ويعيد إنتاج الدولة بوصفها جهازاً أمنياً قمعياً. في هذه التجربة، تتجلى الفاشية لا في الشعارات وحدها، بل في تحويل الحزب إلى دولة، والدولة إلى أداة قمع، والمجتمع إلى موضوع مراقبة، هنا لا يعود العنف وسيلة طارئة، بل منهج حكم، تُدار به السياسة، ويُعاد عبره تشكيل الوعي. تجدر الإشارة هنا إلى العديد من مذكرات قادة البعث، والبحوث والدراسات الكثيرة في تاريخ الحزب، كشفت لنا الكثير من الحقائق الخفية، في أسلوب الحكم، والصراعات الدموية على السلطة.

أشير هنا إلى كتاب حسن العلوي «العراق دولة المنظمة السرية»، ومذكرات قياديي حزب البعث محسن الشيخ راضي، هاني الفكيكي، خالد علي الصالح، نزار حمدون، ياسين الحافظ، صلاح عمر العلي، جواد هاشم، فخري قدوري، عبد الستار الدوري. تكاد تجمع هذه المذكرات على مسؤولية البعث عن الأحداث المأساوية التي وقعت في سوريا والعراق، واعترافات القادة بالأخطاء الفادحة التي ارتكبها البعث منذ عام 63 في تكريس سلطة القمع والديكتاتورية، ومصادرة الحريات بأبشع الأساليب وبنهج فاشي عنيف. ولعل مذكرات الشيخ راضي هي الأكثر جرأة وشجاعة وصراحة مطلقة في الكشف عن الجرائم البشعة التي ارتكبها البعث في حقبتين من تاريخ العراق المعاصر، وفي سوريا لغاية عام 2024.

يلفت الهنداوي الانتباه إلى مفارقة لافتة تتعلق بالحداثة بوصفها قناعاً عند الكثير من الأنظمة الفاشية في العالم الثالث التي رفعت شعارات التحديث والتنمية، لكنها في العمق أنتجت حداثة شكلية، لا تمسّ جوهر السلطة. فالدولة قد تبني الطرق والسدود، لكنها في الوقت ذاته تهدم الإنسان، وتجرّده من حقه في الحرية وطرح الأسئلة، أو المشاركة في الأفكار. بهذا المعنى، تصبح الحداثة أداة تزيين، لا مشروع تحوّل، وتتحول التنمية إلى خطاب يُستخدم لتبرير القمع، لا لتفكيكه. لا يكتفي الكتاب بتشخيص الفاشية كنظام سياسي، بل تتحول إلى ثقافة يومية، يتعقّب حضورها في: المدرسة، الإعلام، الخطاب الديني، وفي العلاقات الاجتماعية. حين يُدجّن الفرد على الطاعة، ويشعر بخطورة الاختلاف، يصبح مهيأً لتقبّل الفاشية، بل والدفاع عنها. هنا تكمن أخطر وجوه الظاهرة: إذ لا تعود مفروضة من الأعلى فقط، بل مستبطنة في الوعي الجمعي، ومحمية بالخوف، ومبرَّرة بالخطاب الأخلاقي. يجمع الهنداوي بين التحليل والتوثيق، وهو ما يمنحه سعة معرفية واضحة، وكثافة الأمثلة التاريخية، لصالح تعميق الإطار النظري. بناءً على ذلك، لا يصنف «فاشية التخلف» ضمن كتب التاريخ السياسي، بقدر ما هو كتاب تحذير. تحذير من أن الاستبداد لا يولد فجأة، بل يتشكّل ببطء، ينمو على الخوف، ويترسّخ حين يُصادر العقل النقدي. تكمن أهمية الكتاب أنه يذكّرنا بأن الفاشية لا تموت، بل تغيّر أقنعتها، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تتخفّى خلف شعارات الخلاص، فيما تمارس أقصى درجات الإقصاء والتدمير.

***

د. جمال العتابي

تبرز في واقعنا الثقافي الراهن ظاهرة تلفت النظر وتستحق الوقوف عندها، ألا وهي ندرة النصوص النقدية التي تجرؤ على طرح أسئلة منهجية موضوعية طازجة، مقابل استسلام الغالبية الساحقة من الخطاب الثقافي السائد لسلطة الإجابات الجاهزة والمسبوكة سلفاً. إن المرء ليعجب، وهو يتأمل هذا المشهد، كيف أننا أصبحنا نمتلك إجابات عن كل شيء، بينما فقدنا تدريجياً القدرة على صياغة السؤال الصحيح، السؤال الذي يفتح أبواب المعرفة بدل أن يغلقها.

في هذا السياق تحديداً، يأتي كتاب الدكتور محمد بدوي "مملكة الله"، الصادر عن دار العين، ليس بوصفه كتاباً آخر يضاف إلى رفوف المكتبة العربية فحسب، لكن باعتباره حدثاً ثقافياً يستحق منا وقفة تحليلية هادئة، بعيداً عن لغة التبجيل التي لا تفيد، أو لغة الهجوم غير المبرر التي لا تسمن ولا تغني من جوع. سأحاول، في هذه المقالة، ممارسة ما يمكن تسميته "نقد النقد"، أي أن أنقل السؤال من مضمون الكتاب ذاته إلى طبيعة الممارسة النقدية التي يمثلها، وإلى المشكلات المنهجية التي تثيرها الندوة التي ناقشته. وسأفعل ذلك انطلاقاً من قناعة أساسية مؤداها أن النقد، لكي يكون فاعلاً ومؤثراً، لا بد أن يكون واعياً بذاته، أي أن يكون تفكيراً في الفكر، وممارسة تتأمل شروط إمكانها، وليس مجرد إصدار للأحكام.

أول ما يسترعي الانتباه في مشروع الدكتور محمد بدوي هو دعوته الصريحة إلى ما يسميه القراءة الأولى. وهذا المفهوم، في ظاهر الأمر، يبدو بسيطاً وربما بديهياً، لكنه في جوهره يخفي إشكالية منهجية بالغة التعقيد، إشكالية تتصل بطبيعة الفعل القرائي نفسه وبالعلاقة الجدلية بين النص وقارئه. ذلك أن الدعوة إلى نسيان القراءات السابقة للنص ليست مجرد دعوة سيكولوجية إلى صفاء الذهن، إنها موقف معرفي له ما يبرره وله ما يعترض عليه، وهو موقف يستدعي منا أن نضعه تحت مجهر التحليل.

من جهة، يبدو هذا الموقف مشروعاً تماماً إذا فهمناه بوصفه رد فعل ضرورياً على ظاهرة التراكم الكمي للشروح والتفسيرات التي تحجب النص الأصلي عن القارئ. لقد أصبحت رواية "أولاد حارتنا" للكاتب العالمي نجيب محفوظ، بفعل هذا التراكم، أقرب إلى أسطورة منها إلى نص أدبي. وصارت القراءات محملة بأحكام مسبقة، بعضها أيديولوجي وبعضها سياسي وبعضها ديني، إلى درجة أن القارئ الجديد يكاد لا يجد متنفساً للقاء النص وجهاً لوجه، لقاء مباشراً لا تحجبه غيوم التفسيرات الجاهزة. من هذه الزاوية، فإن دعوة الدكتور محمد بدوي إلى تنقية أفق التوقع، كما يعبر عن ذلك نقاد مدرسة جماليات التلقي، هي محاولة مشروعة لتحرير النص من سجن التفسيرات الجاهزة وإعادة اكتشاف إمكاناته الدلالية المفتوحة، تلك الإمكانات التي حجبتها طبقات التأويل المتراكمة.

لكن، من جهة أخرى، ينبغي ألا نغفل عن أن النسيان المنهجي الكامل ليس ممكناً إلا بوصفه فكرة تنظيمية، أي بوصفه مثلاً أعلى نسعى إليه دون أن نبلغه أبداً. ذلك أن القارئ لا يمكنه أن ينفصل انفصالاً تاماً عن سياقه الثقافي والتاريخي، ولا عن المعرفة التي تراكمت لديه عبر قراءاته السابقة، ولا عن الأطر الإيديولوجية التي تشكل وعيه وطريقة رؤيته للعالم. فالوعي الإنساني ليس صفحة بيضاء يمكن محوها متى شئنا، إنما هو حصيلة تفاعلات معقدة بين الذات والموضوع، بين الفرد والتاريخ. ولذلك، فإني أفضل الحديث عن ( قراءة نقدية واعية) بدلاً من [قراءة أولى]، أي قراءة تعي سياقها النقدي الثقافي، وتتعامل معه بحذر جدلي، وتسعى إلى اختباره وتفكيكه، لا أن تتجاهله وكأنه غير موجود.

وهذا، في رأيي، هو ما يمارسه محمد بدوي فعلاً في كتابه، فهو لا ينسى ما قيل عن نجيب محفوظ، غير أنه بحذق أكاديمي يعيد النظر فيه، ويناقشه، ويتجاوزه، في حركة جدلية لا تلغي السابق بقدر ما تستوعبه وتتجاوزه في آن.

أما الندوة ذاتها، فقد قدمت نموذجاً يستحق التحليل على مستويين: مستوى المضمون ومستوى الشكل. على مستوى المضمون، كان واضحاً أن كلاً من الدكتور طارق النعمان والناقد إيهاب الملاح قد مارسا ما يمكن تسميته بـ"القراءة المنتجة"، أي أنهما لم يكتفيا باستقبال مادة الكتاب استقبالاً سلبياً، فقد أعادا إنتاجها في سياق جديد، وطرحا عليها أسئلة جديدة. وهذا هو الجوهر المفيد للنقد أن يكون حواراً بين أفق النص وأفق القارئ، ينتج عنه معنى جديد لم يكن موجوداً من قبل، معنى يتجاوز قصد المؤلف وقصد النص في آن.

ولعل أبرز ما ميز مداخلاتهما هو السؤال الذي طرحه الدكتور طارق النعمان حول طبيعة "المملكة" التي يتحدث عنها الكتاب هل هي فضاء إيماني أم فضاء جمالي؟ إن صياغة السؤال بهذه الطريقة تنم عن وعي عميق بإشكالية الحدود الفاصلة بين أنواع الخطاب، وبالعلاقة الملتبسة بين الإيديولوجي والجمالي في النص الأدبي. فالكتاب، كما بدا من النقاش، لا ينتمي إلى حقل النقد الأدبي المحض، ولا إلى حقل الدراسات الدينية المحضة، بل هو، في تقديري، يحاول إقامة جسر بين الحقلين، جسر يعبر فوق الهوة التي خلقتها التقسيمات الأكاديمية الصارمة. وهذه المحاولة، في حد ذاتها، جديرة بالاهتمام، لأنها تعكس حاجة موضوعية إلى تجاوز التقسيمات الأكاديمية التي كثيراً ما تعيق الفهم بدلاً من أن تسهله، تلك التقسيمات التي تفصل بين ما هو متصل في الواقع الحي.

لكن، على مستوى الشكل، تبرز إشكالية لا يمكن تجاهلها، وهي إشكالية النخبوية التي تتسم بها مثل هذه الندوات. وأنا أستخدم كلمة "نخبوية" هنا لا بمعناها الاتهامي المباشر، لكن بوصفها وصفاً موضوعياً لظاهرة تستحق التقصي والتحليل. فالمصطلحات المستخدمة في النقاش - مثل "السردية القرآنية" و"التفكيك الرمزي" و"البنية السردية العميقة" – تفترض وجود جمهور متخصص يشارك النقاد أدواتهم المنهجية ومرجعياتهم النظرية. وهذا الافتراض، في ذاته، ليس خطأ، فالتخصص ضرورة من ضرورات التقدم العلمي في أي مجال.

ولكن الخطر يكمن في أن يتحول التخصص تدريجياً إلى عزلة، وأن يصبح الخطاب النقدي محصوراً في دائرة ضيقة من المثقفين الذين يخاطب بعضهم بعضاً، فيما يظل الجمهور الأوسع خارج هذه الدائرة تماماً، وكأن الثقافة قد انقسمت إلى عالمين لا يلتقيان: عالم النخبة المغلقة وعالم الجمهور المهمش ثقافياً. إن السؤال الذي ينبغي أن نوجهه لأنفسنا، كمهتمين بالشأن الثقافي، هو كيف ننقل هذه الأفكار العميقة إلى قطاع أوسع من القراء، دون أن نفرط في الدقة المنهجية، أو أن ننزلق إلى التبسيط المخل؟ هذا، في تقديري، هو أحد أكبر التحديات التي تواجه المثقف العربي في المرحلة الراهنة، وهو تحد يتطلب حلاً جدلياً لا يضحي بالعمق من أجل الانتشار ولا بالانتشار من أجل العمق.

أما التفسير الاجتماعي للظاهرة الثقافية، فينبغي لنا، ونحن نحلل ظاهرة مثل كتاب "مملكة الله"، ألا ننظر إليها بمعزل عن سياقها الاجتماعي الأكبر، سياق مجتمع يعيش تحولات عميقة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. ذلك أن ظهور كتاب جاد في زمن تسود فيه ثقافة الاستهلاك السريع، ونشرته دار تحرص على النوعية لا على الكم، ونوقش في فضاء ثقافي يحاول أن يستعيد للتعبير الرمزي مكانته – كل هذه المؤشرات تستدعي تفسيراً يتجاوز المستوى الفردي إلى المستوى البنيوي، تفسيراً يرى في الظاهرة الثقافية تعبيراً عن تناقضات المجتمع وقواه الفاعلة.

يمكننا، من منظور سوسيولوجيا الثقافة، أن ننظر إلى هذا الكتاب وإلى الندوة التي ناقشته بوصفهما فعلاً من أفعال المقاومة الثقافية. لا أعني بالمقاومة هنا موقفاً سياسياً مباشراً، إنما أعني بها ذلك الإصرار – الذي قد يبدو للبعض رومانسياً – على إنتاج خطاب يتجاوز السطح، ويتعمق في الأسئلة الكبرى، ويرفض منطق السوق القائم على العرض والطلب السريعين. إن وجود مثل هذه الممارسات في حقلنا الثقافي هو مؤشر على أن ثمة حاجة إنسانية اجتماعية، لدى قطاع من المثقفين والقراء على حد سواء، إلى تجاوز ثقافة الاستهلاك إلى ثقافة التأمل، حاجة تعبر عن تطلع إلى ما هو أبعد من اليومي والمباشر.

غير أن الفعل الثقافي، مهما كان عميقاً وجاداً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الفعل الاجتماعي المباشر، ولا ينبغي أن يتحول إلى هروب من مواجهة الواقع. وهذا يقودنا إلى سؤال جوهري يطرح نفسه بإلحاح ما هي العلاقة الحقيقية بين ما يحدث في قاعات الندوات وما يحدث في الشارع؟ بين عالم الرمز وعالم الواقع الملموس؟ صحيح أنه لا ينبغي أن نحمل الناقد أو الأديب مسئولية حل المشكلات الاجتماعية، فهذه ليست وظيفته المباشرة. ولكن من حقنا، بل من واجبنا، أن نتساءل عن حدود تأثير الخطاب النقدي، وعن السبل التي يمكن بها أن يتحول الفهم العميق للنصوص إلى وعي يسهم في فهم أعمق للحياة نفسها، فهم يتجاوز النص إلى الواقع ثم يعود إلى النص في حركة جدلية لا تتوقف.

ما الذي نستخلصه من كل ما تقدم؟ أعتقد أن أهم ما تثيره تجربة مثل "مملكة الله" والندوة التي ناقشته هو ضرورة إعادة النظر في مفهوم الممارسة النقدية ذاته، وفي وظيفة النقد في مجتمعنا. النقد، كما أفهمه، ليس غاية في ذاته، إنما هو وسيلة لتطوير الوعي وعي القارئ بالنص، ووعي الناقد بأدواته، ووعي المجتمع بأسئلته الكبرى.

ولهذا، فإنني أدعو إلى ثلاثة أمور أساسية:

الأول: ضرورة الموازنة بين الدقة المنهجية والوضوح اللغوي. إن لغة الناقد ينبغي أن تكون أداة للتواصل، لا حاجزاً بينه وبين القارئ. وهذا لا يعني التخلي عن المصطلحات، بل يعني شرحها، وتوظيفها في سياق يجعل معناها متاحاً، وأن تكون اللغة جسراً للعبور إلى الأفكار لا سداً يحجبها عن الجمهور.

والأمر الثاني تجاوز ثنائية "المثقف النخبوي" و"الجمهور العام". نحن بحاجة إلى مستويات متعددة من الخطاب: خطاب متخصص يخاطب المتخصصين، وخطاب وسيط يخاطب المثقف العام، وخطاب تبسيطي يخاطب القارئ المبتدئ. والمشكلة ليست في وجود الخطاب المتخصص، بل في غياب المستويين الآخرين، مما يخلق قطيعة بين النخبة والجمهور تضعف الثقافة الوطنية في مجملها.

أما الأمر الثالث فهو الربط بين النقد والحياة. النقد الأدبي لا يمكن أن يكون هدفه النهائي هو "فهم النص" فحسب، بل لا بد أن يمتد إلى فهم الإنسان وفهم المجتمع، وإلى الكشف عن القوى الاجتماعية والتناقضات التي تشكل النصوص والتي تكشف عنها النصوص. وهذا ما يجعل النقد فعلاً ثقافياً متصلاً بنسيج الحياة، لا مجرد تمرين أكاديمي معزول في برجه العاجي.

في النهاية، يمكن القول إن كتاب "مملكة الله"، بكل ما أثاره من نقاشات وأسئلة، يمثل إضافة حقيقية إلى حقلنا الثقافي، ليس فقط بما يقدمه من تحليل لرواية "أولاد حارتنا"، وهذا هو الأهم، لكن بما يثيره من أسئلة حول طبيعة الممارسة النقدية ذاتها، وحول علاقتها بالمجتمع، وحول شروط إمكان وجود خطاب ثقافي جاد في زمن يبدو فيه كل شيء متآمراً ضد الجدية.

***

د. عبد السلام فاروق

الأنثروبولوجيا العربية في منظور المعزوز

كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي الدكتور محمد المعزوز يُعد محاولة جادة لتأصيل هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. ينطلق المؤلف من خلفية أكاديمية غنية في الدراسات الأدبية والمسرحية، ليؤسس لرؤية أنثروبولوجية سياسية وثقافية تستند إلى خصوصية التجربة العربية. يتناول الكتاب مسألة توطين الأنثروبولوجيا، أي جعلها أداة لفهم المجتمعات العربية من الداخل، عبر أدوات ومفاهيم تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. يحلل المعزوز أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، باعتبارها محاولات تأسيسية لأنثروبولوجيا عربية ذات جذور محلية. ويطرح سؤالًا محوريًا: هل هذه المؤلفات مجرد انعكاس للمد القومي والجوانية العربية، أم أنها مشروع علمي متكامل بأدوات منهجية رصينة؟ الكتاب يبرز التوتر بين الأنثروبولوجيا الكونية كعلم عالمي، وبين الحاجة إلى أنثروبولوجيا عربية تعكس خصوصيات المجتمعات المحلية. في النهاية، يقدم العزوزي رؤية نقدية تؤكد أن التوطين ليس انغلاقًا، بل هو مساهمة في إثراء الحقل العالمي عبر منظور عربي أصيل.

الدكتور محمد المعزوز باحث وأكاديمي مغربي، جمع بين تكوين أدبي راسخ وتجربة أكاديمية في المسرح والدراسات الثقافية، قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية. حصل على شهادات عليا في الأدب والمسرح، وشارك في مؤتمرات علمية دولية حول الثقافة والهوية. خبرته في المسرح منحته قدرة على قراءة المجتمع من خلال الأداء والتمثيل الرمزي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقارباته الأنثروبولوجية. في مساره الأكاديمي، نشر المعزوز مقالات ودراسات في مجلات علمية محكمة، تناولت قضايا الهوية، الدين، والسلطة في المجتمعات العربية. كما ساهم في مشاريع بحثية جماعية حول الثقافة الشعبية والأنثروبولوجيا المقارنة.

كتابه الأخير "الأنثروبولوجيا العربية" يمثل خلاصة سنوات من البحث، حيث يسعى إلى تأصيل هذا الحقل في السياق العربي، مع إبراز دور رواد الفكر العربي في تأسيسه. يتميز أسلوبه بالجمع بين الدقة الأكاديمية والقدرة على طرح أسئلة نقدية عميقة، ما يجعله أحد الأصوات البارزة في النقاش حول مستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. اليوم يُعتبر المعزوز من الباحثين الذين يسعون إلى بناء جسر بين الأدب والأنثروبولوجيا، وبين المحلي والكوني، في محاولة لإعادة تعريف موقع المعرفة العربية داخل الحقول العلمية العالمية.

يأتي كتاب "الأنثروبولوجيا العربية" للباحث المغربي محمد المعزوز في لحظة فكرية فارقة، حيث تتزايد الحاجة إلى إعادة قراءة المجتمع العربي بأدوات علمية تستجيب لرهانات الهوية والسلطة والدين. المعزوز، الذي راكم تجربة أدبية ومسرحية قبل أن يتجه إلى الأنثروبولوجيا السياسية، يطرح في مؤلفه الجديد مشروعًا طموحًا لتوطين هذا الحقل المعرفي داخل السياق العربي، بعيدًا عن هيمنة النموذج الغربي. الكتاب لا يكتفي بالعرض النظري، بل ينخرط في حوار نقدي مع أعمال رواد بارزين مثل عبد الوهاب بوحديبة، السيد عويس، وعبد الله حمودي، ليكشف عن ملامح أنثروبولوجيا عربية تسعى إلى الجمع بين الخصوصية والانفتاح على الكوني. ومن هنا، يصبح الحوار مع المعزوز ضرورة لفهم خلفيات هذا المشروع وأسئلته الكبرى، خاصة في ظل النقاشات الراهنة حول مستقبل العلوم الإنسانية في العالم العربي.  ولأن الكتاب يثير أسئلة عميقة حول التأصيل، التوطين، والرهانات المعرفية، كان من الضروري أن نفتح معه حوارًا مباشرًا يسلط الضوء على خلفيات اختياراته، ويكشف عن رؤيته لمستقبل الأنثروبولوجيا في العالم العربي. في السطور التالية، نفتح معه نقاشًا حول أبرز القضايا التي أثارها كتابه الأخير.

لماذا تخصصت في الأنثروبولوجيا السياسية بعد أن راكمت تجربة تعيلمية وأكاديمية في الدراسات الأدبية؟

- تخصصت في الأنثروبولوجيا السياسية من مدخل الفلسفة بعد حصولي على الإجازة موازاة مع حصولي على الإجازة في النقد الأدبي. ولمّا كان شغفي بالفلسفة يطغى على اهتماماتي بالنقد الأدبي وهذا ما انكشف في أطروحتي الأولى لنيل شهادة دكتوراه الدّولة في موضوع " علم الجمال في الفكر العربي القديم"، قرّرت الاشتغال في الفلسفة المعاصرة، فتدرّجت مجدّدا في إعادة الدّراسة في سلك التّعليم العالي بالسوربون بباريس.  بعد حصولي على ديبلوم الدراسات المعمّقة ودكتوراه السلك الثالث حول موضوع " القلق والاغتراب في الفلسفة المعاصرة"، انجذبت إلى الأنثروبولوجيا فسجلت مع "جورج بلانديي" دكتوراه الدّولة الثّانيّة في الأنثروبولوجيا السياسية حول موضوع "المضمرات السياسية في المغرب"، وكان يشترط أن يكون الطالب الذي يرغب في التسجيل معه، آنذاك، أن يكون حاصلا على ديبلوم الدّراسات العليا في الفلسفة.

ما الدواعي التي حفزتك- في كتابك الأخير- على البحث في أصول الأنثروبولوجيا العربية؟

- أمّا عن الحوافز التّي حملتني على الاشتغال في الأنثروبولوجيا العربيّة فهي متداخلة، ويمكن أن أجملها في ثلاثة عناصر. أوّلها اعتبرت ما فكّر فيه عبد الله حمودي وهو يدعو إلى أنثروبولوجيا عربيّة في كتابه " المسافة والتّحليل" بخاصة، غير مكتمل. وأن هذه الدعوى تحتاج إلى تطوير من الدّاخل بالرّجوع، قبل كلّ شيء، إلى المصدر المؤسس للأنثروبولوجيا نفسها ممثّلا في الفلسفة. فلا يمكن أن نبلور أنثروبولوجيا عربية بدون الاستناد إلى أصولها، باعتبار مرتكزات الفلسفة القائمة على السؤال والتجريد والحجاج شروطا أصليّة في منح الأنثروبولوجيا قوة الملاحظة ونجاعة التّأويل.

ثانيها، أن مفهوم المسافة يحتاج إلى تطوير مشروط بالمثاقفة. فليس مفهوم المسافة هنا يعني الحذر والحيطة من السقوط في دوائر الأسئلة والنّظريات الغربيّة فقط، وإنّما يعني بالأساس الاستثمار في الأدوات التي تجعل من الوعي بضرورة الاستقالة من هيمنة النّظريات الاجتماعية الغربيّة خلفيّة للمثاقفة وبناء حوار عادل بين المنتوج الأنثروبولوجي العربي وبين ما هو مكرّس في النّظريات الغربية.

ثالثها، أن التطوّرات العميقة التّي تشهدها المجتمعات العربيّة، في سياق الثورات التّكنولوجية والرقميّة ووسائل التواصل، تقتضي فهما مختلفا يتجاوز التصور التقليدي لمعاني الرموز والطقوس التّي ينتجها الإنسان العربيّ. لأن من طبيعة المعاني التحوّل بالرغم من أن أسسها الثقافية العميقة أو الصلبة تظلّ ثابتة في الذّاكرة ولو بتفاوت أو بشكل نسبي. لكن فهم المعاني التي ينتجها الإنسان العربيّ اليوم وكيفية بنائه للرموز إما مطورة من سابقتها أو مبتكرة، يظل ضرورة من أجل الفهم الأشمل للاتّجاه الذي تسير فيه المجتمعات العربيّة وفحص سؤال تغير الهوية أو بقائها على صورتها التقليديّة.

هذه الأسئلة الكبرى مجتمعة، تدعو إلى استنفار تخصّصات العلوم الاجتماعية، ومنها الأنثروبولوجيا. غير أنّه ينبغي أن يكون استنفارا مقيّدا بشرط تأصيل هذه العلوم، أي توطينها سعيا إلى ملاءمة نتائجها مع حقائق المجتمعات العربيّة وطبيعة ما يفكّر فيه الفرد العربي وما ينتجه من رموز ومعان

ما العوائق التي تعترض مسيرة الأنثروبولوجيا العربية؟

- أظنّ أنّه يصعب في الدراسات العربيّة الخاصة بالعلوم الاجتماعية الحديث عن وعي عملي بالفروقات التّي تحمله المكوّنات أو التخصّصات الدّقيقة التّي تحملها هذه العلوم. فهناك داخل الدّرس الأكاديميّ والبحثيّ العربي خلط بين موضوع الأنثروبولوجيا وموضوع علم الاجتماع. بل من داخل الموضوع الأنثروبولوجي هناك خلط بين الأثنوجرافيا والإثنولوجيا. ومن ثمّ، ساد التّذبذب والغموض في الدراسات المنتسبة للعلوم الاجتماعية بعامة وللأنثروبولوجيا بخاصة. أمّا عن التّمايزات أو الفروقات بين الأنثروبولوجيا الثقافيّة والأنثروبولوجيا الاجتماعية، فهي متحقّقة من جهة المنهج والهدف من الدّراسة. ولكنّهما متداخلان من حيث التخصّص والمنظور المعرفي. فإذا كان موضوع الأنثروبولوجيا الثقافية مرتبطا بالإستشكال الثقافي الذّي يحكم الاجتماع البشري عبر الرموز والطّقوس والتمثلات في علاقتها بمعنى الحياة، فإن موضوع الأنثروبولوجيا السياسيّة هو السّلطة في مختلف أبعادها وتجلياتها في الدّولة، والمجتمع، والجماعات المصغّرة والأفراد. غير أن السّلطة بكلّ أشكالها تظل في نهاية التحليل مضبوطة بمنظومات ثقافيّة تمتاح منها شرعيتها وتتقوّى بها في تثبيت سيرورتها وفرض هيمنتها. لذلك، تعتبر الأنثروبولوجيا السياسية في أدبيات العلوم الاجتماعية وليدة الأنثروبولوجيا الثقافية، ومنها استرفدت مفاهيمها في تحليل السلطة السياسيّة. وعليه تعتبر العلاقة بينهما جدليّة تفاعليّة، فكلاهما يتبادلان التأثّر والتّأثير من خلال الرّموز والمعاني التّي تتقوّم بها الحياة الاجتماعية.

كيف يمكن للأنثروبولوجيا العربية أن تسهم في إعادة تعريف الهوية العربية بعيدا عن ثانئية " الذات/ الآخر" التي طبعت الدراسات الكولونيالية؟

- يعتبر سؤال الهويّة من الإشكاليات التّي لم يُحسم أمرها في الدّرس الأنثروبولوجي العربي. لأنّه ظل رهين النظرة الكولونيالية المستعليّة التّي نمذجت المجتمعات العربيّة في قوالب دونيّة أرادت لها أن تكون حقائق مطلقة. والأصل في هذه النّظرة صناعة هيمنة كولونيالية مستمدّة من تصوير مصطنع لتكريس الطّاعة والتّبعيّة وفق منطق تحكمه ثنائيّة "الدّونيّ- العربيّ والمستعليّ- الغرب". وهذا ما تطرّق إليه إدوارد سعيد في نقده للاستشراق باعتباره أطروحة فكرية غربيّة مناورة اتّخذت من المعرفة غطاء لتحقيق طموحاتها في الهيمنة وتثبيتها.

هنا يأتي دور الأنثروبولوجيا العربيّة " المُوَطَّنة" في إعادة صياغة مفهوم مختلف للهويّة العربية يقوم على نقد مزدوج لهذه الثنائية. أولا، تفكيك السّرديّة المتحيّزة إلى الهويّة الجوهرانيّة وهو تحيّز متحجّر، وثانيا تفكيك المركزية الغربية باعتبارها منظومة معرفيّة استعلائية طامسة للحقيقة. وعليه، فالذّي يظلّ منوطا بالأنثروبولوجيا العربيّة نجاحها في التّنظير إلى الهويّة كنسق اجتماعي وثقافي قابل للتحوّل ويتأسّس على التفاعل والتناوب بحسب اختلاف السياقات وضوابطها. من خلال هذا النّقد المزدوج يصبح السّؤال الأصح من داخل الأنثربولوجيا العربيّة المُوَطّنة مصاغا على النحو التّالي: كيف يُعاد بناء معنى العروبة وصوغ مسلكيات معرفية وسلوكية من داخل المعيش الاجتماعي؟ هذا السّؤال المركزيّ يحيل مباشرة إلى تحدّي الاعتراف بالتنوّع الثقافي واللغوي الذّي تزخر به المجتمعات العربيّة، عوض طغيان السرديّة التقليدية التي تعتبر الهوية العربيّة مجسّدة في الوحدة الثقافية واللغوية ضاربة بعرض الحائط معطى ثراء التعدّد الذي تزخر به المجتمعات العربيّة. بهذا النّقد إذن، تصبح ثنائية الذّات والآخر شبكة من العلاقات المتقاطعة لا يستطيع أحد طرفيها أن يكون مستعليا أو منقطعا عن الآخر، وهذا بضغط من ثورة تكنولوجيا الاتصال والذّكاء الاصطناعي التّي ألغت الحدود والفواصل وصعوبة الحصول على المعلومة.

هل ترى أن تأصيل الأنثروبولوجيا العربية هي استجابة لهيمنة النموذج الغربي؟ أيمكن اعتبار الأولى امتداد للثانية أم قطيعة معرفية معها؟

- يعتبر هاجس تأصيل الأنثروبولوجيا العربيّة مركزيا في أفق ترسيخيّ لمعرفة أنثربولوجية قادرة على محاورة الأنثروبولوجيا الغربيّة.  لكنّ الملاحظ أن هذا الوعي ضحل لأسباب كثيرة. إذ لا نجد كتابات نظرية وافرة تخصّ توطين الأنثروبولوجيا العربيّة. بل يظلّ هذا البعض القليل محسوبا على رؤوس الأصابع. وأبرزه ما صاغه عبد الله حمودي في " المسافة والتّحليل" وهو يدعو بصريح العبارة إلى فعل التّوطين استشعارا منه بضرورة فهم المجتمع العربي وفقا لرؤية داخلية مستقلة عن سلطة المؤسسة الأكاديميّة، دون نفيها أو التنكّر لقيمتها الأكاديميّة. لقد سبقته في هذا المسعى محاولات لم يكتب لها التحقق بسبب انقطاع التراكم والخلط بين موضوع السوسيولوجيا وموضوع الأنثروبولوجيا. وهنا نقف عند البدايات المؤسسة التّي لم تُفهم ابعادها العلميّة ولم يُكتب لها التطوير والمواكبة حتّى تستقيم في تصوّر توطيني شامل. ومنها محاولة السيّد عويس وهو يدرس الرّسائل التّي كان يوجّهها عامة النّاس إلى قبر الإمام الشّافعي، وكتابات عبد الوهاب بوحذيبة في دراسته للجسد في علاقته بالدّين، وتنظيرات طلال أسد وغيرهم. ظلت هذه المجهودات محدودة أمام تحدّي التّوطين والاستقلال عن التبعيّة النّظريّة للغرب.

ومادام التّوطين يظلّ حاجة معرفيّة عربيّةّ، فهو يتوخّى علميا أخذ كلّ الحذر أمام التقليعات والفذلكات التّي تدعو إمّا إلى مقاطعة الإرث النظري الأنثروبولوجي الغربي، وإمّا بالعودة الجوهرانيّة إلى التراث، والتمسّك بالأسماء البارزة فيه كابن خلدون وعدد من الرحّالة الذين درج كثير من الدّارسين متونهم في خانة السير الذاتية بالمعنى الأنثروبولوجي. هذا ما حاول عبد الله حمودي التّنبيه إليه في كتابه " المسافة والتحليل" الإجابة عنه، وهو الدّور الذي قمت به في كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين".

إن الوعي بتوطين الأنثروبولوجيا العربيّة، أو بتأصيلها، نابع من الحاجة إلى الانتقال من تفسير المجتمعات العربيّة بعُدَدٍ نظرية ومفهومية مضبوطة بسياق غربي ومشروطة بثقافته، إلى تفسيرها بأدوات داخلية بلوغا لفهم أصوب للبنيات العميقة التّي تتحكّم فيه. ص غير أن هذا لا يعني الوقوع في جوهرانيّة عربيّة تنتصر إلى " العربي" باعتباره تاريخا وهويّة، وإنّما استنصارا إلى العلميّة التي تقوم على الانفتاح والتثاقف والاعتراف بالآخر مع وجود مسافة نظرية ومفهوميّة مستقاة من الواقع العربي نفسه.

ما طرحته في كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة- سؤال التّوطين" وقوفا عند بعض الدّراسات السّابقة، لا يعني اكتمالا لفكرة التّوطين أو الملاءمة نفسها. وإنّما محاولة اجتهاد في وضع الأسس التّي يقوم عليها التّوطين. لأن التوطين يستدعي تراكما في البحث الميداني المقرون باستنباط النظرية والمفاهيم النابعين من الميدان العربي ذاته تجنبا لأي اجترار أو إسقاط لنظريات ومفاهيم مستخلصة من واقع مجتمعات مغايرة. هذا ما ركّزت عليه في سياق حديثي عن معنى " المحلّيّة" العربية ودلالاتها وأبعادها الاثنوجرافية في ارتباطها بالمفهوم الذي حاولت بلوته والذي وسمته بـ" التفصيل الفلسفي". وبالرغم من ذلك، ومما سبق من دراسات، يظلّ رهان التّوطين متعثّرا لأنّه يقتضي كثيرا من الاجتهاد في النّظر وفي إقامة منهج أكثر تطوراً، لأنّ زمن المجتمعات العربيّة اليوم يختلف عن سابقه بتأثير من سرعة الثورات التكنولوجية والرقمية والتواصلية. وهذا يستدعي جهدا مضافا لا يكتفي بالمثاقفة والوعي بالمسافة، وإنّما بالبحث عن إمكانات فكرية ومفهوميّة خلاقة تفاعلا مع هذه الثورات التكنولوجيا المزلزلة.

ما الفرق بين " توطين الأنتربولوجيا" بصفته مسعى معرفيا وبين "الانتربولوجيا الكونية" باعتبارها علما له أدوات ومناهج موحدة؟ هل يمكن الجمع بينهما دون الوقوع في فخ الخصوصية المفرطة أو التبعية المطلقة؟

- لا بدّ من التأكيد على أنّ هناك تفاوتا بين مطلب التّوطين والكونيّة. ولا يعبّر هذا التفاوت عن تباين في المنهج والمنظور، وإنّما له صلة باستشكال ملتبس يخصّ أصل المعرفة نفسها وشرعية التحليل ونفاذية المفاهيم في سياقات ثقافيّة متحوّلة. فإذا كان هدف التّوطين إعادة بناء المفاهيم وأدوات البحث انطلاقا من أسئلة المجتمع نفسه وحاجاته، فإنّ الكونيّة تفترض دراسة القضايا والظواهر رغم تباينها وتناقضها بأدوات ومناهج متقاطعة ومشتركة تمكّن من فضيلة المقارنة واقتناص المشتركات الإنسانيّة.

لا بدّ من التّأكيد على أنّ التقنيات والمناهج التّي تعتمدها الأنثروبولوجيا تظل مشتركة في التفسير العلمي لدى الدّارسين في العالم. فالاشتغال الميداني والملاحظة بالمشاركة والمعايشة والمقابلة وتحليل الرموز والطّقوس، كلّها تقنيات لم تعد حكرا على ثقافة ومعرفة مخصوصتين، بل هي جميعها آليات معرفية ومنهجيّة تحظى بشرعية الإشتغال بها في مختلف المجتمعات.

أظن أن كتابي " الأنثروبولوجيا العربيّة – سؤال التّوطين" يسعى إلى التلاؤم مع التحدّيات الجديدة التّي تحملها تغيرات المجتمعات العربيّة. وذلك انطلاقا من واقع تغير الرموز وتجديد المعاني وتحوّلات الأفراد في علاقاتهم بذواتهم وبالآخر. وهذا أمر ينسحب على كافة مجتمعات العالم، إذ لم تعد المجتمعات الإنسانيّة كما كانت في الماضي القريب. لقد جرفتها سرعة الثورات الرّقميّة وتصاعد إيقاعاتها، مما جعل مفاهيم العلوم الاجتماعية، اليوم، ومنها الأنثروبولوجيا، قاصرة عن فهم الكيفيات التي تحدث بها تغيرات الإنسان والمجتمع. بمعنى أن هذه العلوم تشهد اليوم أزمة عميقة، نظريا ومنهجيا، وينتظر منها أن تتجدّد حتّى تكون مواكبة للعصر وناجعة في تحقيق الأهداف. وتلك فرصة فريدة بالنسبة للأنثروبولوجيا العربية كلّما وعت هذه الأزمة واعتمدت على إمكاناتها في تحقيق التفرّد وبناء أصالتها الخاصة. في هذا الاتّجاه، اقترحت في مسألة التّوطين انطلاقا من مبدإ " المحلّيّة العربيّة" مقتربا ثلاثيّا يقوم على ثلاث قواعد، وهي: التّحليل الفلسفي والتّحليل التّاريخي والتحليل النّفسي. ونظرا لاشتمال هذه القواعد الثلاث على كل الأبعاد التّي تحدّد الفهم والتمثّل والسلوك والإنتاج لدى الأفراد، اعتبرتها في كتابي "الأنثروبولوجيا العربيّة – سؤال التّوطين" مبادئ مؤسسة للتّوطين، وكلّ إخلال بواحد من هذه القواعد يبطل جزءا من الإنسان- الفرد، سواء أ كان عربيا أم غير عربيّ، لأنّها مبادئ دالة على الاشتراك والشّمولية.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

ما إن وطئت أقدام الاحتلال الفرنسي أرض فاس، حتى سارعت أسرة عبد الله كنوّن إلى توديعها، فرارا بدينهم، وتعبيرا عن رفضهم الانصياع للإدارة الفرنسية. كانت الوجهة أرض الشام، غير أن المشيئة الإلهية ألقت برحالهم على أرض طنجة. وهناك سيكون نشاط عبد الله كنوّن العلمي والفكري نواة للتوعية بخطر السيطرة الأجنبية، والإسهام بإعداد الشعب المغربي ليتحرر من رواسب الأمية الفكرية، والبدع والضلالات التي تحجب عنه مكامن قوته وحيويته وانتمائه.

تكشف مؤلفات العلّامة المغربي التي ناهزت المئة، عن فكر واع بالستار الكثيف الذي يسعى النفوذ الأجنبي لإرخائه بين المشرق والمغرب، وتكسير عوامل الوحدة والهوية والانتماء الأصيل للأمة الإسلامية. لذا كان قلمه السيال يمزج بين العلم والسياسة، ويؤسس مشروعا فكريا قائما على ربط المغرب بالمشرق عبر ثلاثة مداخل:

- التمكين للغة العربية وآدابها.

- الإسهام في إحياء التراث وكشف ذخائره.

- التعريف برموز العطاء الفكري والأدبي بالمغرب.

ويمكن اعتبار كتابه (إسلام رائد) بمثابة دليل للحائرين أمام هذه الهجمة الشرسة على الإسلام، في الوقت الذي تُفصح فيه شعوب العالم عن عمق شعورها الديني، عبر كم هائل من التظاهرات والندوات، والإنتاجات الثقافية والفنية بشتى أنواعها.

شهدت الفترة الاستعمارية رواج مذاهب وإيديولوجيات جرى تقديمها كبديل للسياسة الإسلامية. وتضافرت عوامل عدة لإرخاء ستار من الجهل بحقيقة الإسلام كنظام ومنهاج كامل للحياة. وبينما كانت قوى التحرر تسطر ملاحم المقاومة ضد المحتل الأجنبي، وإجلائه من أراضيها، حرصت ترسانته الثقافية على غرس بذور سامة، تشكك في الدين، وتُواصل حربا لا هوادة فيها على قيمه ومبادئه وتشريعاته؛ رغم أن التحولات التي حدثت لاحقا عززت من مقامه في النفوس. وهنا يستوقفنا المؤلف أمام حقيقة أن المعركة ليست ضد الدين:

"إنما هي معركة طائفة من الناس استولوا على مقدرات بلادهم، وأخذوا زمام السلطة فيها إما باستعمال القوة والعنف، أو بطريق المكر والخداع، فاستطاعوا أن ينفذوا مخططاتهم في السياسة والاقتصاد، وأن ينشروا أفكارهم التي تهدم دعائم المجتمع المتدين، لأنه لا يتلاقى ومخططاتهم المبنية على فلسفة مادية إلحادية."

يُفنّد المؤلف دعوى هامشية الدين في الحياة المعاصرة، وتراجعه كعامل سياسي في بناء القوميات والشعوب. وهي الدعوى التي يُكذّبها تفجر الصراع في عدد من مناطق العالم الإسلامي، كفلسطين وجنوب السودان والصومال وقبرص، حيث يكشف العدوان عن تعصب واضح ضد الإسلام تحديدا، قبل أن يكون حرمانا للشعوب من تقرير مصيرها.

في المقابل ترتفع أصوات غربية نزيهة وشجاعة، لتُعرّف بالإسلام كدين يكفل التعايش السلمي، وكتشريع ينتفي فيه النزاع الطبقي والتمييز العنصري. تشهد بذلك حضارته التي احتضنت الأبيض والأسود، وكفلت للجميع حريات عامة، حتى صار بعض كبار موظفي الدولة من غير المسلمين.

دعوى أخرى يرّدها المؤلف وهي المتعلقة بموقف الإسلام من القوميات، حيث يؤكد أن غايته هي بناء المجتمع البشري على أساس من العدالة والحق، دون مساس بالشخصية المميزة للشعوب وكيانها المستقل. وإذا كان الوعي القومي قد تغلغل في نفوس الأفراد والجماعات منذ القرن الثامن عشر، رغم ما تسبب فيه لاحقا من مآس وحروب، إلا أنه لا يتعارض مع المقاصد النبيلة للإسلام التي لخصها القرآن الكريم في كلمة واحدة توزن بالذهب، وهي قوله تعالى في سورة الحجرات: {لتعارفوا} – آية13. وأما مبدأ التفاضل الذي أقرّه فهو التقوى، أي تلك القيمة الخلقية التي لا شأن لها بجنس أو لون.

لم تحقق المذاهب المستوردة ما كانت تطمح إليه الشعوب الإسلامية من ازدهار وتقدم، لأنها لم تمتزج بطبيعتها ولم تندمج مع شعورها الديني. فالديموقراطية على سبيل المثال ابتدأ تطبيقها في دولة الخلافة العثمانية منذ 1908، لكنها لم تمنع الدولة من التفكك، إذ تتابعت الثورات على الخليفة عبد الحميد الثاني، وتحول نظام الحكم إلى ديكتاتورية عسكرية على يد أتاتورك.

إن الديموقراطية خدعة سياسية، يقول المؤلف، والسبب في ذلك يرجع إلى الضعف الذي تنطوي عليه مقولاتها. فاعتبار الشعب مصدرا للسلطات بجميع أنواعها، يتعارض مع ما يقرره الشرع الإسلامي بأن الحكم لله، وأنه المشرّع في جميع الأحوال.

وأما الادعاء بأن الحكم للشعب فهو لا يعني الإجماع الشعبي، وإنما يُقصد به حكم الأغلبية؛ وهي بالمناسبة أغلبية نسبية يحددها التنافس بين التنظيمات الحزبية. بينما يرجح الإسلام خيار الأكثرية النوعية، كما في الإجماع الذي يتحقق باتفاق علماء الأمة ومجتهدي العصر. وشتان بين اتفاق العلماء واتفاق الجهلاء، لاسيما في أمور الحكم والسياسة!

أدى فشل التجربة الديموقراطية إلى تبني خيار الاشتراكية، تحت ضغط الأنظمة الديكتاتورية؛ خاصة بعد الدعاية الواسعة لمظاهر التقدم العلمي الذي أحرزه الاتحاد السوفياتي. إلا أن الواقع كشف عن رغبة عارمة في السيطرة على الشعوب، وتوجيهها نحو الخط الذي رسمه قادتها دون استشارتها، فكان من البديهي أن يحدث تراجع على كل الأصعدة، ورفض حاولت القيادات الالتفاف عليه بالبحث عن جذور الاشتراكية في تعاليم الإسلام ومبادئه.

وأما الرأسمالية التي خاطبت أحلام الشعوب الإسلامية وآمالها بالازدهار، فإن مقولاتها عن الحرية والملكية الفردية لم تكن سوى تهيئة للدفع بالشعوب لقبول نظام اقتصادي يقوم على معاملات مخالفة للشريعة، منها الاحتكار والتعامل بالربا، واستغلال جهود البسطاء من خلال تدويرهم في ماكينة إنتاج، تسهم في تكديس الثورات في يد فئة قليلة، وبالتالي تعميق الفوارق الاجتماعية. بينما يحرص الإسلام على التدخل بصفة قانونية ومنتظمة لصالح الفقراء.

لم تسلم الأمة من تسلل مذاهب فلسفية تهز قناعات الشباب المسلم وتهدد انتماءه. وأخطرها برأي المؤلف هي الوجودية، خاصة التيار الذي يتزعمه جان بول سارتر من حيث مزجه للوجودية بالإلحاد، ونشره للتشاؤم والنزعة العدمية، وتمزيق الكيان الإنساني من الداخل.

إن رفض الإسلام لهذه المذاهب لا يعني أنه دين منغلق على نفسه، وإنما هو دين ومنهج حياة منفتح على الآخر، شريطة عدم المساس بمقوماته الذاتية، وبعقيدته وشريعته التي ارتضاها الله تعالى للعالمين. إن قوته نابعة من أصالته التي أقرّ بها أهل الكتاب السابقون، وهي الأصالة التي استهدفت تصحيح الوضع الديني السائد قبله، وتخليص الناس من تبعات التحريف والكذب والبهتان الذي قيّد حرياتهم وآمالهم.

إلى جانب التسلط على مقدرات الأمة ونهب خيراتها وسلب كرامتها، سعى المحتل الأجنبي لفرض عالم أفكاره ومذاهبه العقلية، والترويج لها بهدف سلخ الأمة عن دينها وهويتها وانتمائها الذي لا تحده الجغرافيا. وقد عاين المفكر المغربي عبد الله كنون شراسة هذا المخطط، وتعرّض في سبيل التحذير منه للأذى والمضايقات، فكان إلى جانب ثلة من علماء الأمة ومثقفيها آنذاك، يستشعر مسؤوليته تجاه أي ثغرة يمكن للمحتل أن ينفذ منها ليهز ثوابت الأمة، فيبادر إلى ردمها. ساعده على ذلك شخصيته الفريدة التي جمعت بين الانتماء لسلفية متصلة باليقظة الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر، وبين الانفتاح على الفكر الحديث ومذاهبه التي لا تتعارض مع جوهر الدين وسماحته، فكان رحمه الله أنموذجا للاعتزاز بقيم الإسلام والعروبة مع التمسك بالانفتاح الرشيد على آفاق المعرفة الإنسانية.

ما يحز في نفس المؤلف هو أن الإسلام بحاجة إلى تأكيد ريادته مجددا في بلاد المسلمين، والتصدي للعوامل الذاتية التي تجعل من انتشار هذه المذاهب نتيجة لا سببا. يقول في مقدمة كتابه، مُبديا أسفه على وضع لا زلنا نتقلب فيه حتى اليوم:

" نلقي بأبنائنا بين أيدي معلمين جهلة بأبسط أحكام الدين، أو من غير ملتنا، أو ملاحدة متمردين على خالقهم ورازقهم، ونشتكي من سوء تربيتهم وضعف إيمانهم.

ونترك جماهيرنا عرضة للأهواء وفريسة للأدعياء، ونتعجب من انحرافهم وغلبة الشر عليهم.

ونولّي أمورنا أناسا تشبعوا بثقافة الغرب وملأ الإعجاب بحضارته المادية نفوسهم وقلوبهم، ونتساءل من أين أتانا الفساد، وغمرت مجتمعاتنا عوامل الانحلال والإلحاد.."

***

حميد بن خيبش

 

ليس من اليسير الحديث عن الدكتور نوري جعفر بوصفه شخصية أكاديمية عابرة في تاريخ الفكر العراقي الحديث، فالرجل تجاوز حدود التخصص الضيقة ليغدو مشروعاً معرفياً متكاملاً جمع بين الفلسفة والتربية وعلم النفس وعلوم الدماغ، وربط بينها جميعاً بخيط إنساني عميق يتمثل بإيمانه الراسخ بقدرة الإنسان على صناعة النهضة وتغيير الواقع. ومن هنا تنبع أهمية كتاب الأستاذ ياسر جاسم قاسم الموسوم (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح)، الصادر عن دار رند للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق سنة 2010، والذي يُعد من أبرز الدراسات التي تناولت حياة هذا المفكر العراقي الكبير ومنجزه العلمي والفكري.

يقع الكتاب في نحو (390) صفحة من القطع المتوسط، ويتوزع على عشرة فصول، تسبقها صفحات إهداء ذات بعد إنساني مؤثر، فضلاً عن تقديم للدكتور عبد الكريم راضي جعفر، وكلمة للسيدة نجود نوري جعفر تناولت فيها جوانب من سيرة والدها العلمية والإنسانية. وقد حرص المؤلف على أن يجعل من كتابه أكثر من مجرد عرض لسيرة شخصية أو قراءة في مؤلفات عالم بارز؛ إذ سعى إلى رسم صورة متكاملة للإنسان والعالم والمصلح الذي ظل حاضراً في الذاكرة الثقافية العراقية والعربية رغم مرور عقود على رحيله.

منذ الصفحات الأولى يلمس القارئ مقدار المحبة والتقدير اللذين يكنهما المؤلف لشخصية نوري جعفر. فالإهداء لا يقتصر على استذكار عالم رحل عن الدنيا، بل يتجه إلى إنسانيته الرفيعة وأخلاقه العالية وروحه المتواضعة التي بقيت ملازمة له رغم ما حققه من إنجازات علمية وفكرية كبيرة. لقد كان نوري جعفر من أولئك العلماء الذين يزدادون تواضعاً كلما اتسعت معارفهم، حتى إنه كان يرفض وصفه بـ(العالم) ويصر على أنه ما يزال طالب علم يتعلم ويبحث ويكتشف. وهذه السُمة ليست تفصيلاً عابراً في شخصيته، بل مفتاحاً أساسياً لفهم منهجه الفكري ورؤيته للمعرفة بوصفها رحلة لا تنتهي.

ويأخذنا الكتاب إلى بدايات حياة نوري جعفر الذي ولد في قضاء القرنة بمحافظة البصرة عام 1914، ونشأ في بيئة عراقية بسيطة، قبل أن يشق طريقه في ميدان التربية والتعليم حتى أصبح واحداً من أبرز الأسماء العراقية والعربية في مجالات علم النفس التربوي وفلسفة التربية. وقد حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الفلسفة من جامعة ولاية أوهايو الأميركية في أواخر أربعينيات القرن الماضي، وعاد إلى العراق محملاً برؤية علمية حديثة وطموح كبير للمساهمة في بناء الإنسان العراقي والعربي على أسس معرفية رصينة.

غير أن مسيرة نوري جعفر لم تكن مفروشة بالورود، فقد واجه خلال حياته محطات من الإقصاء والتهميش والفصل الوظيفي بسبب مواقفه الفكرية والسياسية المستقلة. إلا أن هذه الظروف لم تدفعه إلى التراجع أو الانكفاء، بل زادته إصراراً على التمسك بمبادئه والدفاع عن قناعاته. ويبرز المؤلف هذا الجانب من شخصيته بوصفه دليلاً على شجاعة مدنية نادرة، إذ لم يكن يرى في المثقف مجرد منتج للأفكار، بل شاهداً على عصره ومسؤولاً أخلاقياً تجاه قضايا مجتمعه.

لقد آمن نوري جعفر بأن المعرفة لا تنفصل عن الموقف، وأن العالم الحقيقي لا يكتفي بالبحث داخل المختبر أو قاعة الدرس، بل يشارك في مواجهة التحديات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تعترض طريق مجتمعه. ولهذا لم يتردد في التعبير عن آرائه عبر المقالات والكتابات الصحفية، حتى عندما كان ذلك يكلّفه الكثير من المتاعب والمضايقات.

ومن أبرز الجوانب التي يسلط عليها الكتاب الضوء مشروع نوري جعفر العلمي الذي تميز بطابعه الموسوعي. فهو لم يكن باحثاً تقليدياً في علم النفس أو التربية فحسب، بل كان من أوائل المفكرين العرب الذين سعوا إلى بناء جسور معرفية بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. فقد انشغل بدراسة العلاقة بين النشاط العقلي والوظائف العصبية للدماغ، واهتم بفهم آليات الإبداع والتفكير والذكاء، محاولاً تقديم تفسير علمي متكامل للقدرات الإنسانية.

وكان يرى أن الدماغ يمثل مركز التقاء العلوم المختلفة، وأن فهم الإنسان لا يتحقق من خلال علم واحد، بل عبر تضافر علوم النفس والفسيولوجيا والتربية والاجتماع والفلسفة. ومن هنا جاءت دعوته إلى تجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات، وإقامة حوار معرفي مستمر بينها. وهي رؤية تبدو اليوم أكثر راهنية في ظل الاتجاهات العلمية الحديثة التي تؤكد أهمية الدراسات البينية والتكامل المعرفي.

ومن الأفكار الجوهرية التي توقف عندها المؤلف إيمان نوري جعفر العميق بوحدة المعرفة الإنسانية. فالرجل لم يحصر اهتماماته في الحقول الأكاديمية التي تخصص فيها، بل انفتح على الأدب والشعر والفن والتاريخ والفلسفة. وكان يعتقد أن الإبداع الإنساني وحدة متكاملة لا يمكن تجزئتها إلى جزر منفصلة. ولهذا نجده يدرس شخصيات أدبية وفكرية كبرى مثل أبي الطيب المتنبي والجاحظ والحريري ومكسيم غوركي وغيرهم، محاولاً استكشاف البعد النفسي الكامن وراء إبداعهم.

وقد منح هذا التوجه قراءاته الأدبية خصوصية واضحة، إذ لم يكن يكتفي بتحليل النصوص من الناحية البلاغية أو الجمالية، بل كان يبحث فيها عن الإنسان وتجربته النفسية والوجودية. وكان يرى أن الأدب مرآة للنفس البشرية، وأن الشاعر أو الأديب يمتلك قدرة استثنائية على الكشف عن أعماق الإنسان ربما لا تقل أهمية عن قدرة عالم النفس نفسه.

ولعل المتنبي كان الشخصية الأدبية الأقرب إلى اهتماماته الفكرية، فقد وجد فيه نموذجاً فريداً للعبقرية الإنسانية والطاقة الخلاقة للعقل. ولذلك ظل شعر المتنبي حاضراً في مؤلفاته ومحاضراته واستشهاداته الفكرية، بوصفه تعبيراً عن الإرادة الإنسانية وقدرتها على تجاوز حدود الواقع وصناعة الممكن.

ويتناول الكتاب كذلك رؤية نوري جعفر للتنمية والإصلاح الاجتماعي، وهي رؤية تنطلق من إيمانه بأن النهضة تبدأ من الإنسان قبل أي شيء آخر. فقد كان يؤكد أن بناء المدارس والطرق والمصانع لا يكفي لتحقيق التقدم إذا لم يترافق مع بناء العقل القادر على التفكير النقدي والإبداع. وكان يرى أن التربية هي الثروة الحقيقية للأمم، وأن الاستثمار في الإنسان يسبق الاستثمار في الموارد المادية.

ومن هذا المنطلق أولى أهمية كبيرة لدور الأسرة والمدرسة والجامعة في تشكيل الشخصية الإنسانية. وكان يعتقد أن أي مشروع تنموي يغفل البعد التربوي سيبقى مشروعاً ناقصاً مهما توفرت له الإمكانات الاقتصادية. فالإنسان الواعي والمبدع هو أساس كل نهضة حضارية، وهو القادر على تحويل الموارد إلى منجزات حقيقية.

كما يكشف الكتاب عن جانب مهم من شخصية نوري جعفر يتمثل في نزعته الإصلاحية العملية. فهو لم يكن مفكراً تنظيرياً يعيش في عالم الأفكار المجردة، بل كان يسعى دائماً إلى تحويل المعرفة إلى قوة فاعلة في الواقع. ولهذا جاءت مؤلفاته وأبحاثه محملة بالمقترحات والرؤى التطبيقية التي تستهدف تطوير التعليم والارتقاء بالبحث العلمي وتنمية القدرات العقلية لدى الأفراد.

ومن السمات اللافتة في منهجه العلمي استعداده الدائم لمراجعة أفكاره ونقدها. فقد كان يؤمن بأن المعرفة الحقيقية لا تعرف الجمود، وأن العالم الذي يتوقف عن مراجعة أفكاره يفقد قدرته على التطور. لذلك ظل منفتحاً على المستجدات العلمية، حريصاً على تطوير رؤاه بما ينسجم مع ما يستجد من اكتشافات ومعارف.

ويُحسب للأستاذ ياسر جاسم قاسم أنه لم يقع في فخ التمجيد المطلق لشخصية نوري جعفر، بل سعى إلى تقديم قراءة نقدية متوازنة تجمع بين التقدير العلمي والتحليل الموضوعي. فقد ناقش أفكاره ومشاريعه الفكرية، ووقف عند جوانب القوة فيها، كما أشار إلى بعض المسائل التي يمكن أن تكون موضع نقاش أو مراجعة. وهذه المقاربة منحت الكتاب قيمة علمية إضافية، لأنه تجاوز حدود السيرة التقليدية إلى فضاء الدراسة النقدية الرصينة.

كما تزداد أهمية الكتاب من خلال ما تضمنه من وثائق وصور وشهادات ومعلومات نُشر بعضها للمرة الأولى، الأمر الذي جعله مصدراً توثيقياً مهماً للباحثين والمهتمين بتاريخ الفكر التربوي والنفسي والفلسفي في العراق.

إن كتاب (نوري جعفر: رجل النهضة والإصلاح) لا يقدم لنا سيرة عالم عراقي بارز فحسب، بل يعيد إحياء تجربة فكرية وإنسانية ما زالت تمتلك القدرة على إلهام الأجيال الجديدة. فهو يذكرنا بأن النهضة ليست شعاراً سياسياً أو مشروعاً اقتصادياً فقط، بل هي قبل كل شيء مشروع لبناء الإنسان وتنمية العقل وترسيخ قيم المعرفة والأخلاق.

لقد رحل الدكتور نوري جعفر في ليبيا نهاية عام 1991 بسبب مرض الانفلونزا الحاد، لكن الأفكار الكبرى لا ترحل برحيل أصحابها. فما زالت كتبه حاضرة، وما زالت رؤاه التربوية والفلسفية موضع اهتمام الباحثين والدارسين، وما زال اسمه يمثل أحد أبرز رموز التنوير العراقي الحديث. ولعل القيمة الحقيقية لهذا المفكر تكمن في أنه لم ينظر إلى المعرفة بوصفها وسيلة للوجاهة أو الشهرة، بل بوصفها رسالة إنسانية سامية تهدف إلى تحرير العقل وإصلاح المجتمع وبناء مستقبل أكثر إشراقاً للإنسان.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي أنجزه الأستاذ ياسر جاسم قاسم؛ إذ لا يكتفي بتوثيق سيرة نوري جعفر، بل يدعو القارئ إلى إعادة اكتشاف مشروعه النهضوي والإصلاحي، واستحضار الدروس التي ما زالت صالحة لعصرنا الراهن، في زمن تشتد فيه الحاجة إلى العقل النقدي، والتربية الواعية، والإيمان بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم وأساس كل مشروع حضاري.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي – العراق / حلة

 يوم الأثنين 1 حزيران 2026

حين نتأمل الكتاب الجديد للدكتور محمد الداهي الموسوم بـ "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" (المركز الثقافي للكتاب، 2026)، ندرك منذ الصفحات الأولى أننا أمام حلقة جديدة في مشروع نقدي طويل النفس، انخرط فيه المؤلف منذ عقود، وواصل تعميقه وتوسيعه في السنوات الأخيرة. هذا المشروع لا يُقرأ بمعزل عن مؤلفه السابق "السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع" الذي حاز جائزة الشيخ زايد العالمية في صنف "الفنون والدراسات النقدية" سنة 2021، بل يُعتبر امتدادًا له وتطويرًا لأفقه النظري والتطبيقي.

يُظهر هذا المسار أن محمد الداهي لا يكتفي بالاشتغال على النصوص الأدبية في حدودها الجمالية، بل يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم النقد ذاته، عبر استلهام الأدوات والمفاهيم الحديثة في النقد الغربي، ثم إعادة توطينها في السياق العربي، ليبرهن أن العرب – شأنهم شأن غيرهم من الأمم – قادرون على الإسهام في المسار الكوني للمعرفة الأدبية والفنية. إنّ هذا الانخراط يضعه في مصاف النقاد العرب والمغاربة الذين يطمحون إلى تأسيس نقد جديد، يتجاوز التكرار ويواكب التحولات المعرفية الكبرى.

ويبدو واضحًا أن الداهي في مؤلفاته الأخيرة يواكب التحول من إبدال "الأدبية" الذي ميّز المرحلة البنيوية، حيث كان التركيز منصبًا على طبيعة النص الأدبي وسماته الفنية، إلى إبدال "كتابات التدخل" التي أعادت الاعتبار إلى جدوى الأدب في الحياة اليومية. هذا التحول يفتح النصوص على الذاكرة الجماعية، ويستدعي المحكيات الصغرى، ويعيد كتابة التاريخ من الأسفل، أي من زاوية المهمّشين والضحايا والتابعين الذين طالما ظلّت أصواتهم خارج السرد الرسمي.

إنّ كتاب "جراح السرد" يندرج في هذا الأفق، حيث يُحفّز الضحايا على المكاشفة بسرد محكياتهم الموازية، ويمنحهم إمكانية تضميد جراحهم الرمزية عبر الكتابة. بهذا المعنى، يصبح الأدب أداة علاجية، ووسيلة لإعادة بناء الذات والجماعة، ومجالًا لإعادة التفكير في علاقة الفرد بالآخر، وفي صدمة الغيرية التي تُعيد تشكيل الهوية وتفتحها على أفق إنساني أوسع.

المحتويات العامة

يأتي كتاب "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" للدكتور محمد الداهي امتدادًا طبيعيًا لمسار نقدي طويل، سبق أن دشّنه بعمله "صورة الأنا والآخر في السرد" (2013)، وهو الكتاب الذي نفد سريعًا بعد صدوره وترك أثرًا بالغًا في الذاكرة النقدية العربية، لما حمله من جرأة في مساءلة علاقة الذات بالآخر وتمثيلها سرديًا. غير أن السنوات التي تلت صدور ذلك العمل لم تكن عادية؛ فقد شهد العالم العربي تحولات جيوسياسية عاصفة، واستقواءً متزايدًا للغرب، وتفككًا داخليًا للأمة العربية، فضلًا عن الممارسات الوحشية التي ارتكبتها إسرائيل وحلفاؤها بحق الشعب الفلسطيني، والتي شكّلت صدمة جماعية وإنسانية عميقة. هذه السياقات التاريخية والسياسية لم تكن مجرد خلفية، بل كانت دافعًا مباشرًا للكاتب كي يعيد النظر في موضوعه، ويوسّع أدواته ومصادره، ويستعين بمقاربات جديدة مثل السيميائيات ودراسات الصدمة (Trauma Studies)، ليمنح مشروعه النقدي أفقًا أكثر تركيبًا وشمولًا.

لقد وسّع الداهي المتن المدروس ليشمل أربع عشرة رواية وتسع عشرة سيرة ذاتية، موزعة بين خمسة عشر عملًا عربيًا وثمانية عشر عملًا غربيًا، مما يعكس حرصه على المقارنة بين التجارب السردية في المركز والمحيط، وعلى إبراز كيفية تفاعل الأدب مع الصدمات التاريخية والوجودية عبر ثقافات متعددة. هذا التوسيع لا يقتصر على الكم، بل يفتح المجال أمام مساءلة عميقة للكيفية التي يُعاد بها بناء الهوية عبر السرد، وكيف يُستخدم الأدب كأداة مقاومة أو تضميد لجراح الذاكرة.

قسّم المؤلف كتابه إلى بابين رئيسيين:

في القسم الأول، تناول كيفية تلقي الإنسان العربي "صدمة الإمبراطورية" وتمثّلها فنيًا وأدبيًا، باعتبارها تجربة وجودية تسعى إلى مقاومة القوى التي تدير وتدبّر آليات التحقير والطمس، وتكريس الدونية والاغتراب الثقافي. هنا درس روايات سهيل إدريس، محمد المعزوز، جاسم الرصيف، إلى جانب السير الذاتية لـ فدوى طوقان، عبد الهادي الشرايبي، عبد الله العروي، عبد الغني أبو العزم، ليكشف كيف تحوّل السرد إلى مساحة مواجهة مع الآخر المستعمِر، وإلى وسيلة لإعادة بناء الذات في مواجهة التبعية.

أما القسم الثاني، فقد خصّصه لأعمال أدبية يستخدم أصحابها – سواء من المركز أو من المحيط – لغة الإمبراطورية نفسها، لكن ليس بوصفها أداة هيمنة، بل كوسيلة لإعادة التملك وتوظيفها في خدمة مقاصد الشعوب المستعمَرة سابقًا وتطلعاتها التحررية. بهذا المعنى، يصبح السرد ردًا مضادًا على المزاعم الكولونيالية التي تتجدد بأشكال مختلفة لتكريس العقود المفروضة على التابعين (العقد السردي، العقد الاجتماعي، العقد العرقي). وقد اعتمد الداهي هنا على متون روائية لـ جان-ماري لوكليزيو، موريس لوغلاي، عبد الرزاق قرنح، وعلى متون سير ذاتية لـ إدوارد سعيد وآني إرنو، ليبرهن أن الأدب قادر على قلب المعادلة، وتحويل لغة السلطة إلى لغة مقاومة.

المرجعية المعرفية والنقدية

يستند الدكتور محمد الداهي في كتابه "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" إلى شبكة واسعة من المرجعيات النظرية والمعرفية التي تتقاطع عند سؤال الجراح والصدمة، سواء من خلال الفعل التكلُّمي (Illocutoire) الذي يتيح للذات التعبير عن معاناتها عبر السرد، أو عبر الفعل التَّكْليمي (Perlocutoire) الذي يبرز أثر الكلمات في جرح الآخر وإحداث صدمة في وعيه. غير أن الداهي يراهن بالأساس على الطرح الثاني، أي على قدرة السرد في أن يكون أداةً للكشف والمكاشفة، وأن يتحول إلى فضاء يتيح للضحايا والمهمّشين التعبير عن جراحهم الرمزية ومواجهة آثارها النفسية والاجتماعية.

في هذا السياق، يوظف المؤلف أطاريح عدد من المفكرين والباحثين البارزين مثل تزفيتان تودوروف، بول ريكور، باسكال أوري، ألكسندر جيفن، برونو بتلهايم، وجوديت باتلر وغيرهم، ليستفيد من مقارباتهم في تحليل الجراح من زوايا متعددة: فلسفية، سيميائية، أنثروبولوجية، ونفسية. هذا التعدد المرجعي لا يهدف فقط إلى إثراء الإطار النظري، بل أيضًا إلى إضاءة كيفية تجلي الجراح في المتنين العربي والغربي؛ ففي المتن العربي يبرز كيف تألم العرب من جراح الهيمنة الغربية، بينما في المتن الغربي يتضح كيف تجرأ كتّاب على الرد بالكتابة على ما تُحدثه لغة الغرب من جراح في نفوس المهاجرين أو المواطنين الذين يعانون من الهجنة الهوياتية.

إلى جانب ذلك، يواصل الداهي – على غرار مؤلفاته السابقة – الانفتاح على مرجعيات نقدية حديثة صدرت منذ مطلع الألفية الجديدة، باللغات الأصلية وفي مظانها الغربية، دون أن يغفل المصادر الكلاسيكية التي تساعد على تحديد طبيعة النص الأدبي وأدبيته وفنيته. كما يوازن بين هذه المرجعيات الغربية وبين مصادر عربية أصيلة مثل أعمال عبد الله العروي، عبد الكريم الخطيبي، جورج طرابيشي، إضافة إلى ترجمات عربية لأعمال مفكرين عالميين مثل إدوارد سعيد، بيل أشكروفت، غاريت غريفيث، هيلين تيفن وغيرهم. هذا المزج بين المرجعيات المحلية والعالمية يعكس حرصه على بناء خطاب نقدي مركّب، قادر على استيعاب التحولات المعرفية الكبرى، وفي الوقت نفسه متجذر في السياق الثقافي العربي.

المقاربة الممتدة أفقياً وعمودياً

يُظهر مشروع الدكتور محمد الداهي النقدي حرصًا منهجيًا على المزاوجة بين البعدين الأفقي والعمودي في مقاربته للسرديات، بما يمنح المعرفة النقدية حلة متسقة ومنسجمة، ويجعلها قادرة على استيعاب تعقيدات النصوص والظواهر الثقافية في آن واحد. فهو يتبنى ما يسميه بـ المقاربة العرضانية الممتدة (Transversal approach)، التي تستلهم أدواتها من حقول معرفية متعددة مثل الأدب وعلم الاجتماع وعلم النفس، وتستند إلى مناهج متشابكة كالسيميائيات، ودراسات الصدمة، والدراسات الثقافية، والسرديات الذاتية. هذه المقاربة لا تكتفي بالتحليل النصي، بل تنفتح على البنى الاجتماعية والسياسية والأنثروبولوجية التي تُنتج النصوص وتؤطرها.

أفقياً، يوسع الداهي مجال النظر ليشمل الجراح التي تعاني منها السرديات العربية نتيجة التركة الاستعمارية، حيث درس نماذج من الروايات والسير الذاتية العربية التي تكشف عن أثر الاستعمار في تكريس التبعية والهيمنة، كما في روايات موريس لوغلاي التي تعيد إنتاج خطاب التفريق بين المغاربة وتثبيت دونيتهم. في المقابل، يتوقف عند تجارب كتاب غربيين مثل آني إرنو وجان-ماري لوكليزيو، أو كتاب منفيين مثل إدوارد سعيد وعبد الرزاق قرنح، الذين واجهوا بدورهم جراح الاستعمار والاغتراب، فاختاروا تملك لغة الإمبراطورية نفسها – لغة الخصم والحكم – والرد بها على مزاعم الاستعمار الجديد ومعايير المؤسسة الأدبية المهيمنة. بهذا المعنى، يصبح السرد فضاءً للتفاوض مع السلطة، وأداةً لإعادة تعريف الذات في مواجهة الآخر.

عمودياً، يعتمد الداهي على تفكيك ثلاثة عقود مركزية فرضها الاستعمار على الشعوب المستعمَرة: العقد السردي، العقد الاجتماعي، العقد العرقي. هذه العقود لم تكن مجرد اتفاقيات سياسية أو اقتصادية، بل آليات لإدامة الهيمنة عبر القوة والرصاص أولًا، ثم عبر الطباشير والسبورة لاحقًا، أي عبر التعليم واللغة والمؤسسات الثقافية. فقد راهنت القوى الاستعمارية – منذ مؤتمر برلين عام 1885 – على وضع مبادئ عامة لتوزيع المستعمرات وتبادل المصالح، لكنها في العمق كانت تؤسس لـ "العقد الاستعماري" الذي يشرعن الاستحواذ على الثروات واستعباد السكان تحت ذريعة التمدين والتحديث.

يقترن هذا العقد الاستعماري بـ العقد الاجتماعي الذي صُوِّر وكأنه يعكس الذهنية الغربية وحدها، بينما تُركت الشعوب المستعمَرة في "الحالة الطبيعية"، وكأنها خارج التاريخ. هذا التصور رسّخ في المخيال الغربي أن الديمقراطية والتمدن حكران على الغرب، بينما تُعتبر في المجتمعات الأخرى مجرد ألفاظ طائشة تحتاج إلى قرون لتترسخ. وهنا يبرز ما يسميه الداهي بـ المفارقة الزمنية (Anachronism)، أي وضع المجتمعات المستعمَرة في موقع متأخر زمنيًا، وكأنها تسير دومًا خلف الغرب. هذه المفارقة تستدعي اليوم زحزحة المركزية الغربية، وتبني نماذج بديلة للتنمية والنهضة، والإيمان بدور المثقف التنويري في تسريع الزمن التاريخي وتحقيق الطفرات، كما أشار عبد الله العروي في كتابه "العرب والفكر التاريخي".

أما العقد العرقي، فقد كرس دوام الهيمنة البيضاء والتفوق الأوروبي على أساس العرق والبشرة، بينما عمل العقد السردي على تثبيت سرديات الإمبراطورية وصناعة الشرق وأسطرته، بما يجعل الأدب نفسه أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. هذه العقود الثلاثة تتداخل لتشكل شبكة معقدة من السيطرة، وهو ما يسعى الداهي إلى تفكيكه عبر قراءة معمقة للنصوص التي واجهت هذه العقود أو أعادت إنتاجها، ليكشف كيف يمكن للسرد أن يكون في الوقت نفسه أداة للهيمنة وأداة للمقاومة.

تضميد الجراح الرمزية

إنّ الحديث عن تضميد الجراح الرمزية لا يقتصر على معالجة آثار الماضي، بل يتطلب إعادة النظر في بنية النظام العالمي الجديد برمّته، بما يضمن إقامة ما يمكن تسميته بـ "النسيان المؤسسي" و"السلم المستدام". فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق إلا بإنصاف الشعوب التي عانت من الاستعمار أو ما تزال ترزح تحت أشكاله الجديدة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الذي يتعرض يوميًا لأبشع صور الإبادة الجماعية والتطهير العرقي. إنّ تضميد الجراح هنا يعني إعادة الاعتبار للضحايا، وتفكيك آليات العنف الرمزي والمادي التي كرّست التبعية والهيمنة.

يتطلب هذا المسار أيضًا تنقية اللغة من الألفاظ الجارحة التي تعيد إنتاج صور التحقير، والحد من توظيف الذاكرة بشكل أيديولوجي انتقائي يركّز على أحداث بعينها ويطمس أخرى، بما يحوّلها إلى أداة للهيمنة بدل أن تكون وسيلة للتعلم والعبرة. فالتضميد لا يتحقق إلا عبر إصدار العفو عن معتقلي الرأي، وإنصاف المظلومين الذين زُجّ بهم في السجون دون محاكمة عادلة، ومنحهم الحق في الدفاع عن أنفسهم. كما يقتضي تجاوز كل ما يعيد إحياء المآسي ويثير الخصومات بين البشر، لصالح بناء ذاكرة مشتركة تقوم على الاعتراف المتبادل لا على التناحر.

ليست الغاية من استحضار الجراح إذن مجرد إطراء الذات أو تقريع الآخر، بل استلهام الدروس التي تساعد على إدامة السلم والمحبة والتفاهم بين الناس، وتحفيزهم على نبذ العنف والكراهية. فالأدب والنقد، في هذا السياق، يتحولان إلى أدوات تربوية وإنسانية، تسعى إلى إعادة بناء العلاقات بين الأفراد والجماعات على أسس جديدة من الاحترام والاعتراف.

وفي السياق نفسه، يصبح من الضروري ترسيخ المصالحة التاريخية بين مختلف الأجناس والثقافات، بما يعزز القيم النبيلة التي تؤسس للوئام الإنساني. هذه المصالحة لا تقوم على الانتماءات العرقية أو الدينية أو الجغرافية، بل على مردود المواطن وفاعليته في مجتمعه، وعلى مؤهلاته وقدراته التي ينبغي أن تكون معيارًا وحيدًا للتقدير. بهذا المعنى، يتحول تضميد الجراح الرمزية إلى مشروع حضاري شامل، يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الذات والآخر، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين الماضي والمستقبل، في أفق إنساني يتجاوز الحدود الضيقة نحو بناء عالم أكثر عدلًا وتوازنًا.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

الهوية، الابوية، كتابة الجسد"

إلى روح الصديقة زبيدة الورياغلي.. الكتابة النسوية بوصفها مقاومة للبطرياركية

في زمن تتكاثر فيه الأسئلة المرتبطة بالهوية والحرية وتمثلات السلطة داخل المجتمعات العربية، يبرز كتاب الكاتبة والباحثة المغربية المقيمة في اسكتلندا، فاطمة واياو، باعتباره مشروعاً فكرياً ونقدياً يتجاوز حدود القراءة الأدبية التقليدية نحو مساءلة البنيات الثقافية العميقة التي تؤطر الوعي الجمعي العربي، وفي مقدمتها البنية البطريركية التي ما تزال تتحكم في تمثلات المرأة والجسد والحرية.

لا يقدّم هذا العمل مقاربة عابرة لقضايا المرأة، ولا يكتفي بتوصيف مظاهر الهيمنة الذكورية داخل الخطاب الثقافي العربي، بل ينخرط في تفكيك آليات اشتغال هذا الوعي السلطوي، عبر قراءة دقيقة للخطاب الإبداعي النسائي بوصفه فضاءً للمقاومة الرمزية وإعادة تشكيل الذات. ومن هنا تكمن القيمة المعرفية الأساسية لهذا الكتاب؛ إذ يضع الإبداع النسوي في قلب معركة الوعي، لا باعتباره ممارسة جمالية فقط، وإنما باعتباره فعلاً نقدياً وتحررياً يسعى إلى زحزحة أنظمة الهيمنة وإعادة تعريف موقع المرأة داخل المجتمع والتاريخ واللغة.

تتحرك فاطمة واياو داخل هذا المشروع من موقع الباحثة المنخرطة وجودياً في القضايا التي تدرسها. فهي لا تنظر إلى قضايا المرأة من مسافة نظرية باردة، بل من خلال تجربة فكرية وإنسانية تشكلت عبر سنوات طويلة من الاشتغال الصحافي والمدني والثقافي، ثم تعمقت أكثر مع تجربة الهجرة والإقامة في أوروبا. ولعل هذه التجربة الأخيرة منحت رؤيتها أفقاً مقارناً أكثر اتساعاً، جعلها أكثر حساسية تجاه الفوارق الثقافية وأنماط تمثل الحرية والاختلاف داخل المجتمعات الحديثة.

إن تجربة المنفى، كما يكشف الكتاب، ليست مجرد انتقال جغرافي، بل تحوّل في الوعي ذاته. فمن خلال تماس الذات المهاجرة مع سياقات ثقافية أخرى، تتولد أسئلة جديدة حول الهوية والانتماء والجسد واللغة والحرية. ولهذا تكتسب الكتابة النسوية لدى المرأة العربية المهاجرة بعداً مضاعفاً؛ فهي كتابة تواجه سلطة المجتمع الأصلي من جهة، وتعيش في الآن نفسه قلق الاغتراب والتشظي داخل مجتمع جديد من جهة أخرى. وهنا ينجح الكتاب في إبراز هذا التعقيد الوجودي الذي تعيشه المرأة المهاجرة، باعتبارها ذاتاً معلقة بين ثقافتين، ووعيين، ومنظومتين من القيم والتمثلات.

ومن أبرز ما يميز هذا العمل انفتاحه المنهجي وتحرره من الانغلاق النظري. فالكاتبة لا تجعل نفسها أسيرة مقاربة واحدة، بل تستثمر أدوات متعددة من النقد النسوي والدراسات الثقافية وتحليل الخطاب، في محاولة لتشريح البنية العميقة للعقل البطريركي العربي. وهي بذلك تقدم نموذجاً للبحث النقدي الذي لا يكتفي بتوصيف الظواهر، بل يسعى إلى مساءلة جذورها التاريخية والثقافية والرمزية.

كما يلفت الكتاب الانتباه إلى قضية بالغة الأهمية، تتمثل في العلاقة بين اللغة والسلطة. فاللغة، وفق هذا التصور، ليست أداة محايدة، بل حاملة لآثار الهيمنة الذكورية ومكرسة أحياناً لمنطق الإقصاء والتشييء. لذلك يصبح تحرير اللغة جزءاً من مشروع تحرير الذات النسوية ذاتها. ومن هنا تبرز الكتابة النسوية باعتبارها فعلاً لإعادة امتلاك الصوت والسرد والهوية، ومحاولة لتأسيس أفق جديد للوجود الأنثوي خارج القوالب الجاهزة التي فرضتها الثقافة الأبوية عبر قرون.

إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعه، بل أيضاً في توقيته الثقافي والفكري. فالمجتمعات العربية اليوم في حاجة ماسة إلى مثل هذه الأعمال التي تفتح النقاش حول أزمة الوعي البطريركي، وحول ضرورة إعادة التفكير في العلاقة بين الجنسين، وفي موقع المرأة داخل الفضاء الاجتماعي والثقافي والسياسي. كما أن هذا العمل يكتسب أهمية خاصة لأنه ينطلق من الإبداع بوصفه مرآة دقيقة لتحولات المجتمع وللتوترات العميقة التي تسكنه.

لقد استطاعت فاطمة واياو أن تقدم، عبر هذا المشروع، قراءة نقدية عميقة للخطاب الإبداعي النسائي، وأن تفتح أفقاً معرفياً رحباً لفهم العلاقة المعقدة بين الإبداع والسلطة والهوية. وهو ما يجعل هذا الكتاب إضافة نوعية إلى حقل النقد الثقافي والدراسات النسوية العربية، ومساهمة جادة في معركة الوعي ضد أشكال التكلس الفكري والهيمنة الرمزية.

إنه كتاب لا يكتفي بطرح الأسئلة، بل يدفع القارئ إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات الثقافية الراسخة، ويؤكد أن الكتابة النسوية ليست هامشاً في الثقافة العربية، بل واحدة من أكثر القوى الفكرية قدرة على خلخلة البنى المغلقة وفتح أفق جديد للحرية والمعنى.

***

بقلم د. خالد سليكي

................

* صدر الكتاب عن منشورات سليكي أخوين بطنجة 2026

ينفتح سؤال الذاكرة على مدى متزايد الاتساع من المفاهيم والآفاق؛ فهو لا يقف عند حدود التذكر بوصفه استعادة للماضي، بل يتشابك مع منظومة كاملة من المفاهيم المؤسسة للوجود الإنساني: الهوية، واللغة، والزمن، والمكان، والتاريخ، والسرد، والخيال، والمعرفة، والنسيان، والحنين، والندم، والحضور والغياب. فالذاكرة ليست مخزناً للأحداث فحسب، بل هي الفضاء الذي تتشكل فيه الذات وتعيد عبره إنتاج علاقتها بالعالم وفي عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم تعد الذاكرة مرتبطة بالجسد البشري وحده، بل امتدت إلى الأرشفة الرقمية والبيانات الضخمة وأنظمة الحفظ الذكية. غير أن هذا التحول لا يلغي الوظيفة الوجودية القديمة للذاكرة، بل يعيد طرحها بصورة أكثر تعقيداً. فمنذ أقدم الحضارات سعى الإنسان إلى مقاومة الفناء عبر بناء أشكال مختلفة من الذاكرة. ويمكن النظر إلى تحنيط الجسد في الحضارة المصرية القديمة بوصفه محاولة لإبقاء الذات حاضرة بعد الموت، فالمومياء ليست جسداً ميتاً فحسب، بل مستودعاً للهوية ووعاءً للذاكرة الطقسية والدينية. وكذلك الأهرامات لم تكن مجرد مقابر ملكية، بل تعبيراً مادياً هائلاً عن الرغبة في البقاء الرمزي والانتصار على النسيان.

وعلى الرغم من طابعها الفردي والوجودي إلا إن الذاكرة بوصفها تجربة الذات الفاعلة هي ظاهرة جمعية تخضع لشروط المجتمع والثقافة والسلطة. فلا وجود لذاكرة فردية خالصة؛ إذ يولد الإنسان داخل شبكة من العلاقات واللغات والرموز والتقاليد والسرديات السابقة عليه. نحن لا نأتي إلى العالم فرادى كما تنبت النباتات الشوكية في الصحراء، بل كما تُغرس الشتلات في تربة مهيأة ومعدة سلفاً، تحمل في أعماقها شروط النمو وإمكانات الثمر. ولهذا فإن ما نسميه ذاكرتنا الشخصية ليس سوى طبقة من طبقات أعمق تشكلها ذاكرة العائلة والجماعة والتاريخ.

وبهذا المعنى نفهم ميشيل فوكو حين نظر إلى الذاكرة بوصفها نتاجاً للخطابات والمؤسسات وآليات السلطة التي تقول دون أن تتكلم! . فالسلطة لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تسعى إلى إدارة الماضي أيضاً، فتقرر ما ينبغي تذكره وما ينبغي نسيانه. إنها تصنع أرشيفها الخاص، وتنتج سردياتها الرسمية، وتفرض عبر التعليم والإعلام والمؤسسات أنماطاً معينة من التذكر الجماعي. وهكذا تتحول الذاكرة من مساحة حرة إلى مجال للصراع الرمزي. بل إن الجسد نفسه يصبح، كما يرى فوكو، أرشيفاً للسلطة، تُحفر عليه آثار الانضباط والمراقبة والعقاب، فتغدو الذاكرة جزءاً من آليات الهيمنة وإعادة إنتاج الطاعة.

من الأفق الواسع لفهم الذاكرة يجعلنا نقترب بصورة أعمق من كتاب «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» للدكتور طه جزاع الذي عرفته في جامعة بغداد استاذنا للفلسفة ورئيس قسمها في كلية الآداب بجامعة بغداد، باب المعظم.

ومن محاسن الصدف أن تتاح لي قراءة زخيخة وانا بصدد التحضير لندوة منبر حوار التنوير عن الاستاذ مدني صالح فيلسوف العراق المتميز.

زخيخة ذكرتني بما كنت قد قراته في مقامات مدني صالح عن هيت الفراتية لم تكـن زخيخـة قرية عابرة في سرية الطفولـة، ولا ظاًل خفيفاً من ظالل المراهقـة، ولم تكـن محطة جغرافيـة أقمت فيهـا عاماً دراسـياً ثم غادرتهـا كما تغـادر الأمكنة بال التفات. كانـت، منـذ اللحظـة الأولى، عقـدة زمـن تكاثـف فيهـا العمـر، وموضعـاً اسـتقر في الذاكـرة قبـل أن أعـرف للذاكـرة اسماً ومعنـى. هنـاك، في أعـالي الفرات، وعلى بعد نحو خمسـة وعشريـن كيلومتراً من قضـاء هيـت، باتجـاه ناحية البغـدادي وقضـاء حديثـة، بـدأت أتعلم، مـن دون وعـي صريـح، أن المـكان لا يقـاس بالأميـال، بل بما يزرعه في الداخـل مـن أثـر لا يُمحـى. كانـت الطبيعـة في تلـك القريـة تفتـح في روحـي بابـاً خفيـاً نحـو الجمال، وتوقـظ في نفسي ذلـك الانفعـال العميـق الـذي يهبـط عىل القلـب فجـأة كنعمـة. وكنـت وأنـا في تلك السـن، أتلقـى دهشـتي الأولى من العالم عبر تفاصيل صغرية بدت لي يومهـا كأنهـا سر الوجود كله، صفـاء الماء في السـواقي، صعود النخيل" (ينظر، طه جزاع، زخيخة_الخيال_وذاكرة_المكان، 2026) من هنا يمكن لنا الاطلال على الراحل العظيم الذي حمل مدينته هيت في قلبه وعقله اينما حل وارتحل، رغم أنه ابا أن يلقب بها كما درجت عادات العرب عبر الأزمنة "كان مدني صالح يرفض أن يلقب ب(الهيتي) ويأنف من هذه التسميات والالقاب التي تكرس سياسة التميز وتزيد التفرقة وتثير الضغينة، وفي راي أخر يرى أن رفض الأستاذ مدني صالح للقب الهيتي ليس لأنه يأنف من التسمية والتلقب بمدينته هيت لكنه كان له لقبا عائليا مسجلا في بطاقته الشخصية ودوائر الاحوال المدنية لم يرد أن يلقب به ولم يرد أن يتركه ويلقب بالهيتيلانه لقب عائلته المثبت في السجلات الرسمية، ولقد سئل يوما من أنت؟ فأجاب أني ابن مدينة طلي من قيرها سفينة نوح" (ينظر، ناجح فلاح الهيتي، الفيلسوف مدني صالح ومدينته الفاضلة، موقع إيلاف، 22 يناير2008) عرفت هيت ونواعيها من الأستاذ مدني صالح رغم أنه لم يحدثني كثيرا عنها ولكنني بعد ملازمته والاستماع اليه دفعني الفضول إلى معرفة كل ما يتصل بحياته. في البدء كان الحب وكان الفرات ومن المياه الاولى انبثقت هيت ومن شواطئها السخيةصدرت الموجودات وجرى على أرضها نهر الجنة ومن هيت لا من غيرها حملوا (هٌبل) وسارت به وبالهوى الإبل، ومن هذه المدينة لا غيرها خرج البناة الذين شادوا الاهرامات في مصر والسور العظيم في الصين والبرج البابلي المعلق في العراق وقيل إنها قامت وازدهرت قبل أن يكون أحد من السومريين في الوجود؛ نقلوا منها الطابوق والحجارة والأكار والجص وجذوع النخيل. وأن المعماريين قد سافروا منها الى (اريدو) فتفضلوا على أهلها وعلموهم بناء الزقورات أنها مدينة الحب، لا قاتل ولا مقتول، الا قتيل الهوى في اسفار العشاق الفقراء"( ينظر، هادي نعمان الهيتي، مدني صالح بأقلام مصنفيه، الناقد العراقي، 19/8/2015). وفي ذات السياق يذهبناجح فليح الهيتي إلى أن مدينة هيت هي مدينته الفاضلة التي ذكرها في كثيرمما كتب وأن هيت كانت معه اينما حل واينما رحل وقد كتب مفضلا اياها عن بغداد على لندن وباريس وغيرها من المدن الاخرى، فكتب عن معلميه فيها وسماهم الأعمدة السبعة مع ثامنهم مرشدهم وكتب عن نسائها ورجالها وذكر بساتينها وقراها واستعمل لهجة أهلها والفاظهم في كتاباته حتى في كتبه التي الفها للأطفالوالجدات والحكايات والاساطير.. لقد كانت هيت في قلبه دائما يقضي فيها جميع العطل الدراسية حتى سنة زواجه في 1972 وسفره الى الجزائر منتدبا للتدريس في جامعتها وكان كثير التردد على المدينة بعد رجوعه وقد ابقى السجل المدني له ولعائلته بعد زواجه في هيت ولم ينقله الى بغداد بعد استقراره الدائم فيها، أنها هيت (الرحيق) الذي يغذي قلبه.نفسه،عقله ووجدانه فذاكرته المتقدة دوماً.

وهكذا جاءت زخيخة لتضئ تلك الذكريات وتمنحها تغذية جديدة فالكتاب، وإن بدا للوهلة الأولى سيرة مكانية لقرية صغيرة على ضفاف الفرات، إلا أنه في جوهره تأمل فلسفي وجمالي في معنى الذاكرة ودورها في تشكيل الهوية. إنه لا يكتب قرية بقدر ما يكتب العلاقة المعقدة بين الإنسان ومكانه الأول، بين التجربة الحسية الأولى والصورة التي تظل حية في أعماق الوعي حتى بعد غياب المكان ذاته فزخيخة لا تظهر هنا باعتبارها نقطة جغرافية على الخريطة، بل باعتبارها صورة مكانية مؤسسة للذات. هي المكان الذي سبق اللغة، والذي تشكل فيه الإدراك الأول للعالم، فصار مرجعاً خفياً تقاس عليه الأمكنة اللاحقة جميعها. " الاسـم نفسـه، زخيخـة، ظـل طويلا محتفظـاً بوقعـه الصـوتي قبل معنـاه. ليـس الاسـم هنـا علامـة لغويـة فحسـب، بـل نغمـة. بعـض الأمكنـة تسـكننا بأسمائها قبـل أن نسـكنها بأشـكالها. وحين يسـتعاد الاسـم لاحقـاً، يعود معه الإحسـاس الأول، لا الوصف. كأن الاسـم مفتـاح سري يفتـح بـاب الصـورة دفعـة واحدة"

واذا كان محمود درويش يقول إن الحنين وجع الذاكرة ف الكاتب هنا لا يقع في فخ النوستالجيا الساذجة أو الحنين الرثائي. بل يسعى إلى استعادة الماضي ليعيد فهمه. إنه لا يسعى إلى إعادة بناء القرية كما كانت، وإنما إلى اكتشاف الكيفية التي ظلت بها فاعلة في أعماقه. ولذلك تبدو زخيخة في النص أقل شبهاً بقرية واقعية وأكثر شبهاً ببنية تخييلية تستمر في تشكيل الرؤية إلى العالم " لا أسـتعيد زخيخـة بوصفهـا مكاناً مثاليـاً، ولا أضعهـا في مواجهة

الحـاضر بوصفهـا زمنـاً جمياًل ضائعاً. مـا يعنينـي هو أنها شـكلت، في تلـك السـنة القصرية، بنيـة خياليـة ظلـت تعمـل بصمـت. الصـورة الأولى لا تحتـاج إلى تكـرار كـي تبقى، لأنهـا لا تنتمي إلى الزمـن القابل" ( ينظر ، طه جزاع، زخيخة الخيال وذاكرة المكان ص25)

وتتجلى براعة الكاتب في قدرته على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى صور ذات كثافة شعرية عالية. فالماء، والنخيل، والسواقي، وأسراب الزرازير، والغدير، والمدرسة النظامية، كلها تتحول إلى علامات دالة على تجربة جمالية أولى. إن المكان هنا لا يوصف بوصفه منظراً طبيعياً، بل بوصفه مصدراً للدهشة ومختبراً أولياً للحس الجمالي. ولهذا تكتسب اللغة طابعاً شعرياً واضحاً يجعل النص أقرب إلى التأمل السردي منه إلى الدراسة النقدية أو السيرة التقليدية. في وصفه للمدرسة النظامية التي أسست عام 1944م كتب:

" مـا يميـز المدرسـة عـن البيـت هـو أن البيـت يسـمح لنا أن ننسـى الزمـن، بينما المدرسـة تذكرنـا بـه باسـتمرار. الجـرس، بدايـة الحصة، نهايتهـا، الامتحـان، الانتظـار. الزمـن هنـا ليـس خلفيـة، بـل عنصراً فاعاًل. ومـن هنـا يبـدأ وعـي الطفل بـأن الحيـاة ليسـت مكانـاً فقط، بـل تنظيماً للوقـت داخل المـكان. وحني نغـادر المدرسـة، لا نغادرها حقـاً. تظـل صورتهـا الأولى كامنـة فينـا، وتعـود كلما واجهنـا نظامـاً جديـداً، أو سـلطة جديـدة، أو مكانـاً يطلـب منـا الامتثـال. المدرسـة الأولى تظـل نموذجـاً داخليـاً لكل مدرسـة لاحقة في الحيـاة، الجامعة"

أهمية استدعاء السياق الفلسفي في قراءة «زخيخة» ليس لأن كاتبها فيلسوفا فحسب بل في كونها تبدو تجسيداً حياً لكثير من تلك التصورات النظرية الفلسفية عن المكان والزمان والذاكرة . فالقرية ليست حدثاً في الماضي، بل بنية حية في الحاضر. وهي لا تعود بوصفها وقائع مؤرخة، بل بوصفها صوراً شعورية كثيفة. فالذاكرة هنا ليست أرشيفاً زمنياً، وإنما قوة تخييلية تعيد إنتاج العالم باستمرار. كتب طه جزاع:

" المـكان الأول لا يعلمنـا كيـف نعيـش فيـه فقـط ، بل يعلمنـا كيف ننظـر إلى الأمكنـة الأخـرى لاحقاً. من عـاش مكاناً مفتوحـاً، يصعب عليـه التكيـف مـع الأمكنـة الخانقة. ومـن عرف الأفـق مبكـراً، يبقى حساسـاً تجـاه الجـدران العاليـة. زخيخة، بهـذا المعنى، لم تكـن ذكرى، بـل معيـاراً داخليـاً. كل مـكان عرفتـه بعدهـا كان يُقـاس، مـن دون وعـي، على تلـك الصـورة الأولى.

لا أسـتعيد زخيخـة بوصفهـا مكاناً مثاليـاً، ولا أضعهـا في مواجهة الحـاضر بوصفهـا زمنـاً جميلاً ضائعاً. مـا يعنينـي هو أنها شـكلت، في تلـك السـنة القصرية، بنيـة خياليـة ظلـت تعمـل بصمـت. الصـورة الأولى لا تحتـاج إلى تكـرار كـي تبقى، لأنهـا لا تنتمي إلى الزمـن القابل للتلـف. إنهـا تقيـم في منطقة لا يطالهـا التغيري المباشر.

الطفـل الـذي جـاء إلى زخيخـة لم يكن يعـرف أنه سـيغادرها، ولم يكـن يحتـاج إلى هذا الوعـي. فالمكان، حني يُعاش ببراءة، لا يُشرتط فيـه الـدوام. يكفـي أن يُعـاش بعمـق. بعـض الأمكنـة لا تطلـب منا البقـاء، بـل تطلـب فقـط أن ترتك أثرهـا. وهـذا الأثـر هو مـا يبقى، لا المكان نفسـه"

وكما جعل باشلار من البيت المنزل أو تجارب الكينونة إذ تكمن قوة باشلار في أنه يعيد الاعتبار إلى أشياء ظلت طويلة خارج دائرة التفكير الفلسفي الجاد: البيت، الخزانة، الدرج، الزاوية، العلية، القبو، العش، القوقعة. وهي أشياء قد تبدو هامشية أمام القضايا الكبرى التي شغلت الفلاسفة من قبيل الحقيقة والوجود والمعرفة. غير أن باشلار يقلب هذا الترتيب رأسًا على عقب، ويجعل من هذه التفاصيل الصغيرة مداخل إلى فهم الإنسان نفسه. إنه يذكّرنا بأن الوجود لا يُختبر أولًا في المفاهيم المجردة، بل في تلك الأماكن التي احتضنت طفولتنا وأحلامنا ومخاوفنا الأولى وهكذا وجدنا طه جزاع وهو يبتدي بوصف بيت العائلة "

يقـع البيـت - المضيـف على ضفـة الفـرات، قريبـاً إلى المـاء بالقدر الـذي يسـمح لـه أن يـراه كل يـوم، لا بالقـدر الـذي يغامـر فيـه. هذه المسـافة الدقيقـة بني البيت والنهر ليسـت صدفـة، إنها حكمـة مكانية قديمـة. فالنهـر في الذاكـرة الريفيـة ليـس منظـراً جمالياً فقط، بـل قوة، صديقـاً حني يهـدأ، وعـدواً حني يغضـب. وبيت الجـد، كما يبدو في الصـورة، يعـرف هـذه الحقيقة جيـداً، يقـف قريبـاً من الفـرات، لكن بثبـات مـن لا يثق ثقـة عميـاء بالماء.

الجـدران سـميكة، النوافـذ طويلة، والفتحـات محسـوبة بيتـاً منفتحـاً عىل الخـارج، بل بيـت يحمـي الداخـل. في لغة باشالر، نحـن أمـام بيت يؤكـد وظيفة الحمايـة قبـل أي شيء آخـر. الداخل هنا ليـس مسـاحة هندسـية، بـل مجال أمـان. بيت الجـد لا يسـتقبل الضوء كلـه، ولا يسـمح للريـح أن تعبـث فيـه كما تشـاء. إنـه يختار مـا يدخل إليـه، تمامـاً كما كان الجـد يختار كلماتـه، ومواقفه، ومسـافاته مع الناس" ( ينظر ، طه جزاع، زخيخة الخيال وذاكرة المكان ص29)

وهكذا يتحول البيت من بناء معماري إلى رمز أخلاقي واجتماعي وروحي إذ لا يعود المضيف مكاناً للسكن أو الضيافة فقط، بل يصبح مركزاً للمعنى ومخزناً للقيم ومرآة لشخصية صاحبه. وهنا تتجسد إحدى أهم أفكار باشلار حول البيت بوصفه أول كون يعرفه الإنسان، وأول صورة للطمأنينة والانتماء.

ولا تخفى قدرة الكاتب على الربط بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية من خلال استعادة الوثائق والحكايات الشفوية والأساطير المحلية. فالقرية لا تُبنى بالحجر والطين وحدهما، بل تُبنى أيضاً بالقصص التي يرويها الناس عن أنفسهم. ومن خلال هذه القصص تتشكل هوية المكان وتستمر عبر الأجيال.

وحينما قرأت حادثة الغرق التي كادت تطفئ حياة الطفل طه جزاع في مياه الفرات احسست بالفزع إذ جاء "كنـت بينهم أطفالا لم أتجـاوز العـاشرة. فجأة بـدأت أغرق. كنـت أحاول يائسـاً أن أطلـق صرخـة اسـتغاثة كلما طفا رأسي لحظـة فوق الماء قبـل أن يغطس بينما ظل ثانيـة، كما يفعـل الغريـق عادة، غري أن الميـاه إنغلقـت عليَّ الآخـرون لاهين بضحكهـم وصخبهـم، لا يلتفتـون إلى أن جسـداً صغرياً كان ينسـحب إلى الأعماق بصمـت. لامسـت قـاع النهـر العميـق، حيـث الرمـل والحصى والحجـارة الصغرية، وأحاطنـي ضـوء ضبـابي مـن كل جانـب، كأننـي عدت إلى الرحـم الأول. إلى ذلـك »الداخـل« الـذي تحـدث عنـه باشالر حين يجعـل المـاء ذاكرة ثانيـة، وكوناً سريـاً يحتضننا ثـم يهددنـا في آنٍ واحد.

بـدأت أشـعر بالاختنـاق، واقتربـت مـن لحظـة انطفـاء النفـس، لولا أن يـداً إمتـدت إلّي فجـأة، وانتشـلت جسـدي الصغير بقـوة مـن فـم الغـرق. كانت يد أخي الأوسـط فرحـان . افتقدني، فـراح يضرب الماء بقدميـه يمنـةً ويسرة، حتى تعثـر بجسـدي في عمق النهر، فأمسـك بي ورفعنـي، ثـم ركـض بي إلى الجـرف، يهـزّني بعنف كـي تخـرج المياه من جـوفي، فأعـود شـيئاً فشـيئاً إلى التنفـس والحياة. ومنـذ ذلـك اليـوم لم تعـد الميـاه في مخيلتـي مجـرد مـاء، صـارت ذاكـرة تلاحقنـي، وصـار النهـر يعـود إلّي في جواثيم النوم لسـنوات طويلـة، كأنـه لم يكتـف بمحاولة ابتلاعـي مرة، بـل أراد أن يحتفظ بي في أعماقـه إلى الأبـد"

وربما تكمن القيمة الكبرى للكتاب في أنه يحرر المكان من حدود الجغرافيا ليجعله جزءاً من التكوين الداخلي للإنسان. فزخيخة ليست زخيخة وحدها، بل هي رمز لكل مكان أول يسكننا مهما ابتعدنا عنه. وكل قارئ يستطيع أن يعثر فيها على قريته أو مدينته أو بيته الأول، لأن الكتاب يتجاوز خصوصية التجربة ليصل إلى بعدها الإنساني العام.

في النهاية، يمكن القول إن «زخيخة: الخيال وذاكرة المكان» ليس كتاباً عن قرية عراقية فحسب، بل هو كتاب عن الذاكرة بوصفها مصيراً إنسانياً، وعن المكان بوصفه شكلاً من أشكال الهوية. إنه نص تتجاور فيه الفلسفة مع السرد، والتأمل مع الحكاية، والحنين مع النقد، ليقدم تجربة جمالية ناضجة تؤكد أن الأمكنة لا تغادرنا حين نغادرها، بل تظل تسكننا بصمت، وتواصل تشكيل رؤيتنا إلى العالم حتى آخر العمر.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

كتاب تأسيسي توثيقي

إنه واحد من الكتب التي حظيت بشرف أن تُهدى لي نسخة منها خلال مروري ببغداد خلال الشهر الجاري، ووجدت أن من دواعي الامتنان أن أكتب تعريفاً به. هو كتاب توثيقي بعنوان "شعب الخيام - شهادات من واقع احتجاجات تشرين العراقية"، يحمل اسم الشاب النجفي علي الخطيب كمؤلف أو كمحرر، يعاونه فريق تحرير من ثمانية شبان وشابات مُكلَّف بإجراء التحقيقيات واللقاءات.

تخبرنا فقرة في بداية الكتاب أن هذا الفريق أجرى أكثر من 250 مقابلة مع الضحايا جرحى أو ذويهم أو مع أفراد من عوائل الشهداء. وتمت مقاطعة المعلومات التي جمعت خلال المقابلات بمعلومات مع أشخاص آخرين شاركوا فعليا في الاحتجاجات للتأكد من صحة المعلومات والقصص المُدلى بها. كما تمت مراجعة القصص من قبل خبراء في القانون العراقي.

يكتسب هذا النوع من التأليف التوثيقي أهميته الكبرى والخاصة في ما يتعلق بانتفاضة تشرين 2019 لكون هذه الانتفاضة، وخصوصا في طورها الأول، كانت عفوية تماما وبالتالي استقلالية ووطنية ونقية سياسيا وأمنيا بشهادة حتى أعدائها في الحكم. ومن هؤلاء عادل عبد المهدي الذي تولت حكومته قمع الانتفاضة فقد اعترف بذلك واعتبر القتلى فيها شهداء يجب تمجيدهم وتعويض أسرهم وأن مطالبهم مشروعة ومحقة وواجبة التلبية. وثانيا من كون هذه الانتفاضة بقيت وحيدة معزولة دوليا لا أحد يدافع عنها وخصوصا من دول "النفاق الديموقراطي الغربي" وفي مقدمتها الولايات المتحدة التي كانت ستقلب الدنيا على رؤوس الحكام الذين قتلوا ونكلوا بالمئات من المتظاهرين السلميين لو أن الأمر حدث في دولة أخرى خارج نطاق هيمنتها وسيطرتها المباشرة. وحتى بعد أن استعمل بعض الساسة المستجدين الانتهازيين الانتفاضة سلما للوصل إلى البرلمان أو دواليب الحكم فتعرضت للتشويه والغدر من قبل عديمي الضمير هؤلاء. وتزداد هذه الأهمية التوثيقية لناحية تمجيد شهداء وضحايا الانتفاضة وتوثيق وتسجيل أسمائهم وأفعالهم البطولية ونقل تفاصيل هذه التضحيات بتوقير يليق بها إلى لأجيال القادمة خصوصا وأن هناك سعياً محموماً من الرجعيين في حكم الفساد والتبعية لإطفاء أي ذكر للانتفاضة ودفن بطولات شبابها وجعلها نسيا منسيا بل وبلغت الخسة ببعض مرتزقة أحزاب ومليشيات الفساد الاعتداء على قبور شهداء الانتفاضة وتدنيسها كما فعلوا مع ضريح الشهيد صفاء السراي أحد رموز الانتفاضة الذي يبدو أنه أقض مضاجعهم حتى وهو ميت في قبره.

نقاط ضعف ونقاط قوة:

إنه كتاب مهم، رغم ما قد يقال عن نقاط ضعفه، وهي عديدة لجدة هذه التجربة التأليفية التي لا سابق لها في العراق. وآمل أن يتم تلافي هذه النقاط في طبعة قادمة واسعة ورسمية ومعترف بها فمن الواضح أن الشباب الذين كانوا وراء إصداء الكتاب اعتمدوا على جهودهم الشخصية في تأليفه وطبعه وترويجه وتوزيعه باليد.

إن تركيز الكتاب على ضحايا ونشاطات الانتفاضة في محافظة النجف مع بعض الإضاءات الشحيحة على ساحات الانتفاضة في المحافظات الأخرى وخصوصا التي كانت لها حصة الأسد في التضحيات كمحافظة ذي قار ومركزها مدينة الناصرية أحصن وآخر قلاع الانتفاضة التشرينية، مردّهُ على الأرجح أن المؤلف وفريقه، كلهم من هذه محافظة "النجف" التي أبدى شبابها بطولات نادرة ومشهودة. وعلى ذلك فلا بأس في أن يقتدي بهم شباب المحافظات الأخرى فيقدموا كتباً توثيقية مماثلة عن الشهداء والجرحى والضحايا في ساحات الانتفاضة في محافظاتهم مع وجوب اعتماد أقصى درجات الحذر في التعاطي مع غالبية منظمات المجتمع المدني وخصوصا تلك التي لا تتصف بالشفافية والعلنية في منطلقاتها وتمويلها أو التي تمولها جهات غربية وأخرى مجهولة صراحة وخصوصا في الإقليم. وحين نقول إنَّ غالبية منظمات المجتمع المدني مشبوهة ومشكوك في أمرها وطنيا واستقلاليا فهذا يعني أن هناك أقلية منها نظيفة وتعتمد التمويل الذاتي الشفاف ويقودها شباب وطنيون استقلاليون لا يساومون على مبادئهم.

يقع الكتاب الذي بين أيدينا في 311 صفحة من القطع المتوسط. ويتوزع بعد مقدمة تعريفية على مئات الشهادات المكتوبة بمشاعر إنسانية جياشة مفعمة بالوعي الوطني الاستقلالي غالبا رغم أن الكتاب لم يتطرق بكثير من الإسهاب لحيثيات ودوافع ومسببات ومآلات الحركة الاحتجاجية الشبابية تشرين 2019. وربما كان من المفيد لو أن الكتاب تطرق وبشكل عام ومبسط وأكثر تفصيلا لهذه الأمور ولم يكتف بالإشارة اللماحة إليها في مقدمة الكتاب، ولكن يبدو أن النية كانت منذ البداية موجهة لجعل الكتاب خاصا بتقديم شهادات الضحايا وذويهم وليس بأي شأن فكري أو سياسي آخر.

ومع كل الحذر التأليفي والحرص على ضمان الدقة في المعلومة يسجل المؤلف وفريقه أن " الروايات - على الرغم من قصارى الجهود لضمان دقة المعلومات- قد تعكس وجهات نظر وتفسيرات شخصية تختلف من شخص إلى آخر/ ص9" ويمكن اعتبار هذه الإضاءات من نقاط قوة الكتاب.

عشية تشرين:

بعد مقدمة الكتاب التي تعرض بابتسار دوافع إصدار هذه الشهادات ومنها تسليط الضوء على موضوع "العدالة الانتقالية في العراق ولاسيما شقها الخاص بتخليد الذكرى وجبر الضرر لضحايا احتجاجات تشرين2019 في العراق وذويهم". وفي المقدمة أيضا يتطرق كاتب المقدمة إلى الواقع الاجتماعي المعيش عشية انتفاضة تشرين فيقول: "كل الظروف المحيطة كانت تزيد من نقمة الناس بالضد من النظام السياسي برمته، فالمحاصصة الطائفية التي أُسس لها في كل تفصيلة صغيرة وكبيرة قد قضت أو قننت كل فرص التغيير في العراق، وانعدام العدالة المجتمعية، وغياب دولة القانون والمؤسسات، وتأسيس وتأصيل للهويات الفرعية الأخرى على حساب الهوية الوطنية الجامعة لكل المكونات العراقية المتنوعة/ ص12". ومعلوم لمن يتابع الشأن العراقي أن هذه اللغة الشجاعة التي تسلط الضوء النقدي على موضوع الهويات الفرعية "الطائفية والقبلية والعرقية" وتدافع عن الهوية الوطنية العراقية شبه مهجورة من قبل القوى والأحزاب الفاسدة والانتهازية الفاشلة في الحكم وفي المعارضة الشكلية على حد سواء، وخصوصا تلك القوى والأحزاب التي ساهمت في تأسيس العملية السياسية الطائفية في العراق بغض النظر عن الرايات الأيديولوجية التي ترفعها زوراً.

لا يمكن نكران أن هناك ظاهرة قمعية مدانة تمثلت في الخطف والاغتيال السياسي وقتل المتظاهرين السلميين واضطهادهم قبل وخلال وبعد انتفاضة تشرين 2019 من قبل مجموعات من المسلحين الملثمين والمليشيات الفاشية الفالتة ذات النفوذ ولكن هناك أيضا القمع الرسمي عبر المؤسسات الأمنية والعسكرية الحكومية التي تمثلها عدة أجهزة أمنية قمعية كقوات مكافحة الشغب، وقوات الرد السريع وجهاز مكافحة الإرهاب والشرطة المحلية والشرطة الاتحادية والشرطة المجتمعية وثلاثة أجهزة مخابرات وأخيرا قوات الحرس الرئاسي التي وجهت لها اتهامات قوية وكثيرة بالمشاركة الأقسى في قتل المتظاهرين اغتيالا ببنادق القنص بعيدة المدى. فهذا القمع الحكومي هو الأكثف والأشهر والأكثر قسوة وينبغي التركيز عليه مع عدم إهمال الأطراف المليشياوية الأخرى ومنح الأولية لوجوب التحقيق المستقل والشفاف في عمليات قتل وقمع المتظاهرين السلميين وترك الكلمة الأخيرة لما ينتهي إليه التحقيق القضائي العادل والمستقل في عهد نظام وطني استقلالي مأمول. وأعتقد أن تناول هذا الحيث بدقة وحرص ضروري جدا لكيلا نقع في حبائل المدافعين عن خيار التبعية لسردية الاحتلال الأميركي وأعوانه المحليين.

إن تحقيق العدالة لضحايا القمع الدموي لشهداء وعموم ضحايا الانتفاضة يبقى أولية الأولويات أمام أي نظام حكم وطني استقلالي يقوم على أنقاض حكم المحاصصة الطائفية والتبعية للولايات المتحدة ولكن ينبغي الحذر في التطرق إليه ومن المفيد فصله تماما عن مطالب أخرى مشبوهة كحصر السلاح بيد الدولة التي أصبحت الأغنية الأكثر رواجا في أيامنا - الدولة الممنوعة أميركيا من أن يكون لها جيش حقيقي أو من أن تتسلح حتى برادارات بدائية لحماية أجوائها والتحكم بسيادتها في سماء بلادها - هدفها جعل العراق مجردا من أي صوت وفعل يناهض الاحتلال الأميركي والتهديد الفعلي الإسرائيلي والذي بلغ درجة إقامة قواعد عسكرية سرية في صحراء النجف!

نماذج من الشهادات:

نبدأ سلسلة الشهادات التي يقدمها الكتاب بشهادة عن شهيد تشرين الشاعر الشاب صفاء السراي (26 عاما - بغداد) ودوره خلال الانتفاضة "كمتظاهر عادي ثم لعب أدوارا كبرى، كمدون وفاعل نقل أخبارها على المستوى المحلي والدولي/ ص 15". ونتابع في هذه الشهادة اللحظات التي استشهد فيها صفاء جراء إصابته بقنبلة غازية أطلقها عليه أحد أفراد القوات الأمنية من مسافة قريبة. ويصف لنا كاتب هذه الشهادة ردود فعل المتظاهرين السلميين القوية والغاضبة على استشهاده.

ننتقل بعدها مباشرة إلى حادثة اغتيال الأستاذة الجامعية الشابة رِهام يعقوب (30 عاما -البصرة) التي اغتيلت يوم 19 آب أغسطس 2020 برصاصات كاتم للصوت. وقد اعتقل الجاني واعترف بجريمته ولكن عائلة الشهيدة - كما يخبرنا كاتب الشهادة- "لم يُقْدِموا على رفع دعوى قضائية بحق الجهة المنفذة بسبب طبيعة الظروف الأمنية واكتفوا بأخذ الفصل العشائري من ذوي المتهم/ ص19".

شهادة أخرى عن الشهيد أمجد الدهامات (53 عاما -محافظة ميسان) وكان الشهيد الدهامات معروفا وقتها وقد كتبت عنه في يوم استشهاده بأنه "من أكثر رموز الانتفاضة اعتدالا ودعوة للسلام والتسامح ونبذ التطرف". ولكن مليشيات وأحزاب الفساد كان تتعقبه وتعتبره أخطر من المتشددين فكافأته على اعتداله بعدة رصاصات غادرة مساء يوم 6 تشرين الثاني 2019.

الشهادات كما آنفنا كثيرة، وتشكل مرآة نقية عاكسة لأجواء الانتفاضة السلمية العراقية ولمعاناة المنتفضين وآيات البطولة التي اجترحها الشهداء والجرحى وتمسكهم بقيم السلمية ونبذ العنف المجاني. ولكني واختصارا للوقت سوف أتوقف عند بعضها في الخلاصات التالية:

قصة الثائرَين العاشقَين سارة وحسين:

من القصص المؤثرة قصة الثنائي سارة (22 عاما –البصرة) وحسين (يقاربها في العمر ومن البصرة أيضا) اللذين تعرفا إلى بعضهما في تظاهرات احتجاجية قبل انتفاضة تشرين وذلك خلال تظاهرات سنة 2018 في البصرة المطالبة بالمياه الصالحة للشرب. وقد أحبا بعضهما وتزوجا ورزقا بطفلة وبسبب التهديدات بالتصفية غدرا الى تركيا مؤقتا وحين انطلقت انتفاضة تشرين عادا للمشاركة فيها بنشاط وكانت سارة حاملا بطفلها الثاني ولكن مجرمين ملثمين اقتحما شقتهما وقتلوا حسين بسبع رصاصات وطاردوا سارة ثم قتلوها بثلاث رصاص. يوم 3 تشرين الأول 2019 ولم يجر السلطات الحكومية أي تحقيق في هذه الجريمة ولم يتم كشف القتلة حتى اليوم وهكذا حصل الشهيدان حسين وسارة وجنينها على قبر لهما بعد أن فشلت الدولة العراقية في أن توفر لهما سكنا يليق بهما في حياتهما.

قتلوا الابن بالرصاص فمات الأب بالسكتة القلبية:

ومن الأسماء والقصص المثيرة قصة الشاب عمر فاضل من قضاء الزبير –البصرة. والشاب النجفي من عائلة كادحة حسين فاضل والذي ساهم في إنقاذ ونقل جرحى تظاهرة النجف الأولى قرب مرقد الحكيم، وقد أصيب بجروح خلالها ولكنه رفض الانسحاب حين شاهد مقتل عدد من زملائه برصاص المسلحين وظل في خيمة الاعتصام حتى اقتحمت مجموعة مسلحة الخيمة التي كان فيها وأطلقوا عليه خمس رصاصات فاستشهد على إثرها. الكارثة الأخرى التي حلت بعائلة الشهيد حسين أن والده حين سمع بخبر استشهاده توفي فورا بالسكتة القلبية وكانت ثالثة الأثافي كما يقال أن والدته أصيبت بمرض السكر المفاجئ والدائم بفعل الصدمة وماتزال تعيش عليلة تتنقل بين قبر ولدها وقبر زوجها وبيتها!

الشيخ الشهيد يعيد الاعتبار للمشيخة

الشيخ الشهيد سلام محمد الشمري (49 عاما – ذي قار) كان الشيخ سلام من الشخصيات البارزة في الحركات الاحتجاجية منذ سنة 2011 وفي انتفاضة تشرين تعاظم دوره ومساهمته معطيا المثال والقدوة للشيخ الأصيل الرافض لبيع ضميره للسلطات كما فعل ويفعل شيوخ عشائر آخرون. وخلال مجزرة جسر الزيتون التي ارتكبتها قوات الرد السريع الحكومية بحق الشبان المتظاهرين كانت مساهمة الشيخ سلام الأكبر في تنظيم عمليات جمع التبرع بالدم لجرحى الانتفاضة. وخلال تصدي الشباب للقوات الحكومية قرب بهو الناصرية كان معهم فأصيب برصاصة قناص حكومي في القلب استشهد على إثرها.

*وهناك أيضا قصة السيدة الشهيدة فائزة عبد الغفور (59 بغداد) التي شاركت في فعاليات الانتفاضة في بغداد كمسعفة للجرحى ولكنها أصيبت في الذكرى الأولى للانتفاضة بقنبلة حارقة فجأة والتهب جسدها ونقلت الى مستشفى الكندي ثم إلى مستشفى الكرامة ولكن حالتها ازدادت سوءا فتوفيت شهيدة مظلومة محترقة بقنبلة حكومية!

المتظاهر الحشدي شهيداً:

ونتوقف بمزيد من الاعتزاز عند قصة الشهيد المقاتل في الحشد الشعبي جاسم حسن الغراوي (24 عاما بغداد) وهذا الشاب من عائلة كادحة وهو نفسه عامل كادح تطوع للقتال في الحشد الشعبي ضد عصابات داعش وحين انطلقت الانتفاضة هرع الى المشاركة فيها وفي صباح يوم 23 تشرين الثاني 2019 ترصده قناص من قوات مكافحة الشغب وأصابه برصاصة قاتلة في رأسه جعلته في حالة موت سريري ليستشهد في اليوم التالي في مستشفى الجملة العصبية ببغداد.

شيعوه في التحرير فعاد إلى الحياة في المشرحة:

وثمة أيضا القصة العجيبة للشاب إبراهيم معاد (18 عاما بغداد) الذي كان قد أصيب في مجزرة جسر السنك ببغداد برصاصة قناص في عينه، ونقل إلى مركز صحي للعلاج فشخص الطبيب حالته كحالة وفاة ونقل جثمانه ملفوفا بالعلم العراقي إلى ساحة التحرير ليتم تشيعه ثم إلى مستشفى مدينة الطب ببغداد لتعرض على طبيب التشريح؛ وهنا حدثت المعجزة حيث عاد إبراهيم الى الحياة وبدأ قبله ينبض من جديد ببطء وضعف فتم أخذ الإجراءات الصحية العاجلة لإنعاش قلبه ودورته الدموية فبدأ العودة الى الحياة ببطء. ونجحت عملية انعاشه وأجريت له 12 عملية جراحية لاحقا لإنقاذه من موت محقق!

*القصص كثيرة وأفضل أن أتوقف عند قصة إبراهيم العراقي هذه والتي إنْ كان لها من دلالة عميقة فهي أن انتفاضة تشرين التي توقفت عمليا مع بدء انتشار جائحة كورونا وتفرق شمل ثوارها، ودخل إلى الميدان بعض السماسرة وشذاذ الآفاق السياسيين ليتاجروا بتضحياتها ورفع قمصان ضحاياها فهي ستبقى حية وستنبعث حية ذات يوم ولكن ليس كما ينبعث طائر الفينيق الأسطوري من الرماد بل كما انبعث جسد إبراهيم معاد العراقي وعاد إلى الحياة من الموت الذي أراده له أعداء العراق في حكم الفساد والهويات الفرعية الطائفية والتبعية.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

 

في المثقف اليوم