عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

ثمّة قطاع واسع في الدراسات الدينيّة، لا يزال التعامل معه في الثقافة العربية ضمن أدوات المفاضَلة، والمناكَفة، والبكائيات، وما شابهها. وهي أدوات مضلِّلة ومشوِّهة لا تمتّ بصلة للدراسات العلمية للأديان. فهي عائدة إلى ضعف التكوين في حقل معرفي يقوم أساسا على فصل ما هو ذاتي عمّا هو موضوعي، وما هو لاهوتي عمّا هو علمي. حتى أنّ كتاباتنا حول اليهودية والمسيحية، على سبيل المثال، لا يُعتدّ بها في المدوَّنة العالمية ولا تلقى حظوة لضعف بنيتها المعرفية وارتباك منهجها. ما يجعلنا في هذه المساحة المتاحة من عرض المؤلفات الغربية نشير إلى الإنجازات المقدَّرة في مجالات الدراسات العلمية للأديان في اللسان الإيطالي. وقد آثرنا في هذه المقالة تناول كتاب على صلة بتاريخ المسيحية الفلسطينية تحديدا.

فبهذه الكلمات تستهلّ الباحثة الإيطالية باولا بيزّو كتابها "الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين" "يبدو الصليب والكوفية رمزين متنافرين، أو لنقل الواحد على نقيض الآخر، في المخيال الغربي، بينما يفصح التاريخ عن تلاحم وثيق وحيّ، بين أرض فلسطين والإيمان المسيحي". فقد سكن المسيحيون العرب فلسطين ومنطقة الهلال الخصيب، منذ عهود المسيحية الأولى بدون انقطاع وإلى اليوم. في هذا المؤلّف تتتبّع الباحثة باولا بيزّو تاريخ أتباع المسيح (ع) في أرض فلسطين، من البدايات إلى وقائع التاريخ المعاصر، في مسعى لصياغة خلاصة جامعة.

توزّعَ البحث على ستّة محاور أساسية، غطّت مختلف أطوار التاريخ الفلسطيني وجاءت معنونَة على النحو الآتي: "بدايات التاريخ الأولى"، وذلك منذ ظهور المسيح (ع) إلى احتضان الإسلام هذا الدين، وانضمام المسيحيين إلى مكوَّن حضاري جامع؛ "المسيحيون والنهضة العربية"، تناول أبرز إسهامات الكتّاب والمفكرين الفلسطينيين في بلورة مشروع النهضة العربية؛ "الهوية الفلسطينية بين الدين والقومية"، وقد تركّز فيه الحديث على الطابع التعدديّ للهوية الفلسطينية وعلى دور المسيحيين إبان الانتداب البريطاني، فضلا عن مظاهر مقاومة المدّ الصهيوني في صفوف المسيحيين؛ "تأجّج أوضاع فلسطين"، تناول أحداث الثلاثينيات في القرن الماضي التي عصفت بفلسطين، حيث تعرّض للنشاط التبشيري الهائل وللهجمة الصهيونية الغاشمة ولمواقف مسيحيّي فلسطين وتجذّرهم في حركة المقاومة؛ "1948.. المسيحيون والنكبة"، ركّز بالأساس على أوضاع المسيحيين قبل النكبة وأثناءها، وأبرز ما حاق بهم من اجتثاث وما لحق بالمتبقّين منهم من تضييق وتنكيل؛ "تحديات المستقبل"، انشغل هذا المحور بما هزّ أوضاع المسيحيين من تحوّلات في الحقبة الراهنة، فضلا عن تعرّضه للنزيف المسيحي في ظلّ أوضاع الاحتلال، ثم عرّج البحث على علاقة المسيحيين بالكيان الإسرائيلي وبالسلطة الفلسطينية.

نشير إلى أنّ باولا بيزّو مؤلّفة الكتاب، هي مستعرِبة إيطالية ومؤرّخة تدرّس التاريخ المعاصر للبلدان الإسلامية في جامعة كييتي بِسْكارا في إيطاليا. وتدور مجمل أبحاثها حول العلاقات المسيحية الإسلامية في الشرق الأوسط. نذكر من بين أعمالها المنشورة "المسيحيون والمسلمون في مصر إزاء الطروحات القومية: 1882-1936" (2003) و"الإسلام في المتوسط.. اللقاء مع أوروبا وتحديات الحداثة" (2010).

تَركّز الاهتمامُ في المحور الأول على إبراز الترابط الوثيق بين المسيحيّ الفلسطيني وأرضه، حيث حاولت الباحثة بيان عمق الصلة بين المسيحي ومعلّمه. فقد وصفَ المسيحُ (ع) صحبَه الأوائل من سكنة فلسطين وما جاورها، أو لنقل بعبارة جغرافية قديمة من أهالي سوريا الكبرى، بقوله: "أنتم ملح الأرض... ونور العالم" (متّى5: 13-14). فقد خلعَ المسيح على شيعته ذلك الوصف قبل أن تتعبّأ الديانات داخل قوميات، وقبل أن تغدو عناوين جامدة وثابتة لشعوب وأقوام وأجناس وأعراق. ولعلّ ذلك هو المعنى الجوهري لرسالة الدين والتديّن المتخفِّف من تلك الحمولة القومية المفرَطة، والوارد في قوله تعالى: "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا" (آل عمران، 67). لنتابع مع الباحثة باولا بيزّو رحلة البحث عمّا تبقى من ذلك الملح في كتاب "الصليب والكوفية" برغم سائر المحن التي ألمّت بأتباع الناصريّ. فالكتاب هو من الكتب الجادة والرصينة في دراسة واقع مسيحيّي فلسطين وتاريخ المنطقة، بعيدا عن نبرة التباكي الطاغية على مجمل كتابات العرب المعاصرين، كلّما تطرّقوا إلى موضوع المسيحيين في الراهن. وقد سبق أن حذّرنا من تداعياتها السلبية على فهم واقع المسيحية العربية وتلمّس حلولها في كتابنا "نحن والمسيحية في العالم العربي وفي العالم" (مجمع الأطرش- تونس، 2022)، لحرصنا على جعل حقل معارف المسيحية العربية مبحثا دراسيا علميا بعيدا عن غثاء القول الذي يحاصر كثيرا من الدراسات.

استطاعت الباحثة الإيطالية أن تقدّم خلاصة موثَّقة رصينة، عن واقع تجمّع ديني بات يتهدّده الذوبان، في ظلّ التحوّلات القاهرة. وترتئي أنّ حشر المسيحية والإسلام ضمن منظور قومي لائكي قد استنفد طاقته، وأنّ البراغماتية تستوجب البحث عن رابطة مواطَنية تقوم على المساواة والكرامة وتستند إلى خطة ديمقراطية للكيانات الهشّة، ودون الوقوع رهن ثنائية الأغلبية والأقلية. إذ أنّ الحديث عن الفلسطينيين المسيحيين بمنطق الأقلية هو أمرٌ غير مقبول وفاقد للصلاحية، من قِبل عموم الفاعلين الفلسطينيين، لِما في ذلك من تهوين وتحقير للدور المسيحيّ. فمنذ فترة العشرينيات من القرن الماضي، حين بدأ العرب يسلكون طريق التحرّر والاستقلال، ظهرت قيادات مسيحية في فلسطين ودول الجوار، تحمّلت الدور التفاوضي والتواصلي مع الغرب.

ومنذ سنوات الانتداب البريطاني الأولى، كانت الحركة الوطنية الفلسطينية منتظمة في جبهة موحَّدة، خلت من الطابع الديني، وذلك ضمن وفاق إسلامي مسيحي نادى بعروبة فلسطين في مواجهة المشروع الصهيوني. بدا ذلك التلاحم جليّا، حتى أنّ عائلة الغوري المقدسية المسيحية، كانت تعقد اجتماعات وجهاء المسيحيين في بيت الأسرة لصياغة النداءات الموجَّهة للمندوب البريطاني التي أعربت له فيها أنّ الجالية المسيحية لا تعترف برجل يتولّى منصب الإفتاء لفلسطين سوى للمرشَّح الحاج أمين الحسيني، وذلك أثناء حملة تنصيبه مفتيا (1921). وتشير الباحثة إلى أنّ عائلة الغوري، قد تَوزّعت نضالاتها الوطنية المبكّرة على عدّة جبهات. فقد وقف إميل الغوري (1907-1984) في وجه عمليات غَرْبنة المسيحية الشرقية من قِبل المبشّرين الأجانب، حتى وإن قَبل الأهالي، على مضض، بالخدمات المتاحة في المجال التعليمي والثقافي والاجتماعي.

وتبرز الباحثة باولا بيزّو أنّ تنبّه الشوام، بمسلميهم ومسيحييهم، إلى حملات التبشير الأولى كان حازما. فخلال العقود الأخيرة من الوجود العثماني في المنطقة الشامية، بات الأهالي يسعون للتعويل على أنفسهم أمام تفاقم الأنشطة التبشيرية. وأُقيمت للغرض جملة من المبادرات في أوساط المسلمين والمسيحيين بقصد صدّ تلك الحملات. ففي بيروت أنشأَ بطرس البستاني "المدرسة الوطنية" (1868)، وبعد عشر سنوات أنشأت "جمعية المقاصد الخيرية" مدارسها. وتمّ في طرابلس فتح "المدرسة الحميدية" (1895)، وفي حيفا أُنشئت "المدرسة الإسلامية" حيث درّس الشهيد عز الدين القسّام، وفي القدس بعثت بطرياركية الإغريق الأرثوذكس المدرسة الثانوية مار متري.

وتبعًا لِما أوردته الباحثة، كانت نظرة المسيحيين أو المسلمين الفلسطينيين لمرامي المبشِّرين الأجانب، في بداية القرن، بمثابة الانتهاك لثقافتهم الوطنية والتهديد لهويتهم الجامعة. وكانت التكتّلات المسيحية في لبنان وفلسطين، وكما هو الحال مع أقباط مصر، تحسّ أنها أقرب إلى شركائها المسلمين في الوطن منه إلى المبشّرين الأجانب الذين يقاسمونهم الإيمان بالمسيح.

لقد مرّ المسيحيون في فلسطين بأطوار ديمغرافية عدّة، تقلّبوا فيها من أوضاع الجماعة الفاعلة إلى أوضاع الأقلية المهجَّرة، لكن ما ميّز الفلسطينيين المسيحيين، منذ مطلع القرن الفائت، أنهم جالية حضرية أَلِفت سكنى المدن، مثل يافا وحيفا والقدس، وشكّلت الغالبية في رام الله وبيت لحم والناصرة. فقد كان 18 بالمئة فقط منهم من المزارعين، وفق إحصاء يعود إلى العام 1931.

وفي محور آخر، تتتبّعُ الباحثة آثار النكبة على المسيحيين الفلسطينيين. وتعود بالمصطلح إلى المؤرِّخ السوري المسيحيّ قسطنطين زريق الذي استخدمه لأوّل مرة، وذلك قبيل أحداث 1948. فعلى إثر حصول تلك الفاجعة وجدَ الفلسطينيون المتبقّون أنفسهم فجأة، بعد عمليات التهجير، بدون نخبة ثقافية، وبدون قيادة سياسية، وبدون وطن. هزّ التهجير الشرائح المدينية الوسطى والميسورة، من المسيحيين والمسلمين، على حدّ سواء. ووفق ما تورد الباحثة ترك فلسطين بين 700.000 و800.000 نفر، ولم يبق في ظلّ السيطرة الإسرائيلية سوى 160.000، مجملهم من الأوساط الريفية والبدو. وبشأن ما حاق بالمسيحيين، تروي الباحثة أنّ بن غوريون اتّخذ قرارات خاصة وحازمة لحماية معالم مدينة الناصرة، خشية ردّة فعل العالم المسيحي، وقال كلمته المحذرة "العالم يراقب أفعالنا!"، في الوقت الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي، بقيادة موشي كرميل، يحاصر الناصرة ويتأهّب لاقتحام المدينة وطرد 16.000 ساكن من ضمنهم 10.000 مسيحيّ.

وما إن هدأت عمليات التهجير حتى شهدت الناصرة تضاعف عدد سكانها بشكل متسارع، بين 1948 و 1949، وتحوّلت إلى شبه ملجأ لعرب الداخل. ففي أواخر الانتداب كانت المدينة تَعدّ 18.000 ساكن ومع أول إحصاء إسرائيلي سنة 1949 بلغ العدد 30.000. وتشير بعض الدراسات التي أجريت خلال أواخر القرن الماضي أنّ عدد سكان المدينة ستون ألفًا، 70 بالمئة منهم مسلمون. وتشير الباحثة إلى أنّ عدد المسيحيين، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، قد ناهز 135.000 على عدد جملي 1.750.000 ساكن، ما يساوي 8.8 بالمئة من المجموع العام. كما تشير الباحثة إلى أنّ 7 بالمئة من لاجئيّ 48 كانوا من المسيحيين. وأنّ قرابة 140.000 من المسيحيين، كانوا يقيمون في فلسطين خلال العام 1948، أُجبر 50.000 منهم على الرحيل القسري، ما يعني الثلث تقريبا. وهو ما جعل عدد المسيحيين بعد النكبة يتراجع من 8 بالمئة إلى 2.8 بالمئة.

وتذهب بعض الدراسات التقديرية التي أجريت خلال الفترة الأخيرة، إلى أنّ أعداد المسيحيين كانت مرشّحة أن تبلغ 600.000، في غياب حصول النكبة، في مقابل ما هو موجود في الوقت الحالي 170.000. فهذا العدد يمثّل 28 بالمئة من المجموع العام للمسيحيين، أي من قرابة 600.000 من مسيحيي الشتات الموزَّعّين في شتى أرجاء العالم.

من جانب آخر تشير الإحصائيات الإسرائيلية التي تعود إلى العام 2019 إلى أنّ عدد عرب فلسطين 1.916.000، ويمثّلون 21 بالمئة من المجموع العام. ويبلغ عدد المسيحيين بين هؤلاء 177.000، أي بما يعادل 2 بالمئة من التعداد العام، وبما يساوي 7.2 بالمئة من تلك العربية مع استثناء الأجانب. هذا وقد سجّلت الكتلة المسيحية تزايدًا بـ 1.5 مقارنة بالعربية 1.7 بالمئة واليهودية 2.2 بالمئة. من جانب آخر ووفق الإحصاء الذي أُجري في أراضي السلطة الفلسطينية، خلال العام 2017، بلغ عدد المسيحيين 46.850 أغلبهم من الكاثوليك. ويقيم السواد الأعظم منهم في الضفة الغربية، وتحوز بيت لحم 23.165، ورام الله 10.255، والقدس 8558، وقطاع غزة ما يزيد عن الألف. نشير إلى أنّ 40 بالمئة من المسيحيين المقيمين في القطاع قد غادروا غزة، منذ العام 2008 وإلى غاية العام 2016.

وبشأن أوضاع كنائس الداخل، تورد الباحثة إنّ إسرائيل تعترف لبعض الجماعات المسيحية التي لها وجود يعود إلى الفترة العثمانية ببعض الحقوق، على غرار الأحكام الخاصة المتعلّقة بالأحوال الشخصية في تسوية أمور الزواج والطلاق والميراث. كما تتمتّع الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية، والكنيسة الأرمينية الأرثوذكسية، والكنيسة السريانية الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، والكنيسة المارونية، والكنيسة الإغريقية الكاثوليكية (الملكانية)، والكنيسة السريانية الكاثوليكية، والكنيسة الأرمينية الكاثوليكية، والكنيسة الكلدانية، والكنيسة الأنغليكانية، ببعض الحقوق. وقد حاولت الكنيسة الإغريقية الأرثوذكسية الحفاظ على الوضع القائم، بما يضمن لها أفضلية أمام الكنائس الأخرى. لذلك حرصت على التعاون الجيد مع السلطات الإسرائيلية، وهو ما تواصل إلى أواسط الثمانينيات. وتشير الباحثة إلى إلحاح أتباع هذه الكنيسة، داخل فلسطين والأردن، على مراجعة أوضاع التسيير في هذه الكنيسة على أساس الانتخابات. كما تبقى الكنيسة الأرمينية المالك العقاري الأهمّ في المدينة القديمة.

تبرز الباحثة أنّ تراجع أعداد المسيحيين الفلسطينيين لا يمثّل تحدّيا للدول العربية وحدها، بل لسياسة التعايش الإسرائيلية أيضا. والمشكلة أنّ الجماعات اليهودية المتطرّفة، ليس المسيحيون فحسب من لا يلقون ترحيبا لديهم، بوصفهم "ضالين"، بل حتى المسلمين "الموحِّدين". وكما تُقدِّر الباحثة إن حلّ المسألة لا يقتصر على الاعتراف بحقوق المسيحي العربي، بل في خلق وفاق اجتماعي ثقافي من شأنه أن يغذّي الرغبة الجماعية في العيش معًا.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

.................

* باولا بيزّو، الصليب والكوفيّة.. تاريخ المسيحيّين العرب في فلسطين، منشورات ساليرنو، (روما).

* Paola Pizzo, La croce e la kefiah: Storia degli arabi cristiani in Palestina, Salerno Editrice, Salerno (Italy).

عندما يكتب الممثل المحترف

أهداني صديقي د. سعد عزيز عبد الصاحب كتاب والده الممثل والأديب عزيز عبد الصاحب الموسوم: (لا ترسم عصفورا ناقصا - من يوميات الممثل وعمله في التمارين) وضعت الكتاب ضمن جدول قراءاتي، ولكن سرعان ما اندفعت إلى قراءته بعد تصفحه، لأن المؤلف شغوف في ميدان الدراما، وكتبه من عمق تجربته الطويلة، وثمة مقاربة حيث المبدأ بين هذا الكتاب وبين الكتب التي تتناول نصائح وتوجيهات في إعداد وتدريب الممثل، تشكل دروسا في فن التمثيل التي تصنع وتطور الممثلين، إلى جانب رؤية في تقييم وتوجيه عمل المخرج مع الممثل، فضلا عن ملاحظات في أسلوب تفاعل المخرج مع نص المؤلف.

وقد أشار د. سعد عزيز في المقدمة التي كتبها إلى أن أهمية الكتاب تكمن في السبق الزمني، إذ يرى أن لهذه اليوميات المنشورة الريادة العراقية والعربية من حيث انها رصد دقيق وتحليل عميق لعمل الممثلين في تجارب عدد من أهم المخرجين.

يضم الكتاب ثمان مقالات/ دروس/ يوميات كتبت بين عام ١٩٧٢وعام ٢٠٠٦.  سيتم التركيز في عرض الكتاب على ما جاء فيه عن الممثل والتمثيل التي أميل إلى تسميتها دروسا يستفيد منها الممثل المبتدئ ويرجع إليها الممثل المحترف.

الدرس الاول: يوميات.. أشياء عن تاج الممثل، وملاحظات أخرى:

يمر العمل الفني -وينطبق الحال على- بناء الشخصية بمرحلة التجميع والتنمية وصولا إلى لحظة التقديم للجمهور، وإذا ما أراد الممثل عدم تكرار نفسه بملامحه الخاصة، توجب عليه يبدأ خلقاً جديدًا للشخصية. ويضع قاعدة رئيسية للانطلاق في الخلق هي: التركيز في لعب الشخصية والابتعاد عن كل ما يشتت الذهن. وأن لا يفرط في بالتمارين المسرحية، لان كل تمرين يعني اضافة واكتشاف جديد للممثل، ذلك "ان الابداع هو سلسلة الإضافات المتقدمة التي يحصل عليها الممثل من التمارين"ص١٥. وهذا يتطلب فهم ودراسة النص المسرحي بصورته العامة، مع التركيز على الشخصية المسندة إلى جانب استيعاب رؤية المخرج. وفي حال لم يكتمل نسج تاج الممثل ببلورة الشخصية وبنائها الدرامي، ستكون النتيجة عدم تقبل الجمهور لما تقدمه، وعدم قبول أي عذر للإخفاق "فحين تكون على المسرح تكون أمام المسؤولية.. إن المتفرج لا يفكر بمثل هذه المعاذير فهو يريدك حيويا.. مقنعا.. ساخنا.. ولن يرحمك" ص١٦. ما ورد أعلاه ناتج عن العمل في الميدان، إذ يسرد الكاتب (عزيز عبد الصاحب) شيء من يوميات عرض مسرحية (قرندل) للمؤلف طه سالم، ومسرحية (حفلة سمر من أجل ٥ حزيران) للكاتب (سعدالله ونوس) والمخرج (جاسم العبودي) كأمثلة حية بدءا من تكوين الشخصية وصولا إلى مواجهة الجمهور.

الدرس الثاني: مسرحية I.P.C من وراء الكواليس:

يتابع مؤلف الكتاب ما جاء في الدرس الاول بمزيد من التوسع والإيضاح من خلال عمله ممثلا في مسرحية I.P.C تأليف معاذ يوسف، اخراج سعدون العبيدي، ويرى ان عمل الممثل لا ينفصل عن عمل المخرج والمؤلف، لان احدهم مصدر إلهام للآخر.

المسرحية تحكي قصة النفط في العراق ووجود شركة I.p.C الاستعمارية، تتضمن (٣١) مشهد، وعشرون شخصية، قدمها المخرج بأسلوب المسرح التسجيلي الذي يعتمد الوثائق الصورية والصوتية والأرشيف إلى جانب براعة الممثل في حبك الأحداث، بأسلوب الإخراج المتقشف (المستلزمات الفنية القليلة وذات الكلفة المادية الضئيلة) وبالمقابل يكون هذا المسرح غني بالإمكانات الفنية الأدائية حيث يؤدي كل ممثل عدد من الشخصيات، وهذا يتطلب تدريبا شاقا ومهارات كبيرة، وهذا ما عمل عليه (مؤلّف الكتاب الفنان عزيز عبد الصاحب) عندما اضطلع بأداء (١٣) شخصية منها: رئيس اللجنة العاملة للبترول في فرنسا- لورد إنكليزي- عامل عراقي- فلاح- متسول.. إذ يقول: "في ذلك فرصة جيدة لاختبار الممثل لمواهبه وقدراته الفنية، فهذا التنوع في الشخوص مفيد بل ضروري لإخراج الممثل من قوقعة الرتابة والنمطية التي تورط فيها الكثير من ممثلينا" ص٢٩.

يوجّه المؤلف نصيحة عالية القيمة إلى الممثلين في هذا الدرس: " باشر أيها الممثل فوراً في العطاء.. استحضر مزاجك وهيئ أدواتك وقف ضدّ نفسك في تأجيل الإبداع.. لا تغادر دورك اعده مع نفسك كثيرا.. سيطر على مخارج الحروف ثم قل كلمتك وامض " ص٣٢. تأتي هذه النصيحة بعد أن يعرض تعثر اداء بعض الممثلين يراوحون مكانهم دون تطور، وعمل بعضهم على المبالغة في الأداء الكوميدي غير المتوافق مع مواقف الشخصية وأحداث المسرحية، واتضح ضعف قدرتهم على تقديم الشخصية المسندة إليهم بصورة مقنعة، مما جعل المخرج (سعدون العبيدي) يختزل الحوار ويعمل على إجراء تغييرات بقصد تكييف المشهد ليتناسب مع إمكانات بعض الممثلين. وفي ختام الدرس ينوه إلى ميزة يتفرد بها المسرح عن الفنون الأخرى وهي أنه يقبل إجراء التغييرات والتعديلات بدء من اول يوم تمرين وحتى آخر ليلة عرض.

الدرس الثالث: المسرح الذي أفكر فيه.. المسرح الذي أدعو إليه:

يغطي هذا المقال جزء من سيرة الكاتب عندما كان في محافظة الناصرية والأعمال التي كتبها وأخرجها ومثل فيها، ثم ينتقل إلى انتقاله إلى العاصمة بغداد وانضمامه إلى الفرقة القومية للتمثيل عام ١٩٦٨، بدعوة من الفنان حقي الشبلي.

وكان جل اهتمامه منصبا على التدريبات الاولى للمسرحية بدءا من جلسات الطاولة واحكام التمارين اكثر من اهتمامه بالعرض.

تتلخص فكرة المسرح الذي يدعو إليه (الفنان عزيز عبد الصاحب) بمحورين: الاول: الممثل الذي يعمل على تطوير فنه (الممثل القائد الذي يتمتع بالنقاء والشجاعة والتواضع) والثاني النص الذي يقدم ما يهم الناس يجسد أحلامهم، ويغير واقعهم ويطوره. اما الاخراج فإنه " يبقى قيمة تشكيلية لا تصل إلى قوة النص وتعبير الممثل الفنان.. ان أغلب المخرجين المبدعين هم ممثلون ناجحون تماما"ص٥١. أنه يدعو إلى عروض مسرحية تقدم في الساحات والأسواق وفي قاعات بسيطة التجهيزات لغرض جعل العرض المسرحي ظاهرة فنية يقبل عليها الناس وتصنع جمهورا مستداما.

الدرس الرابع: لا ترسم عصفورا ناقصا:

يعنى الدرس باستمرار تطوير قدرات الممثل من خلال عرض يوميات مسرحية (سر الكنز) اعداد واخراج (قاسم محمد) الذي أسند شخصية (المعلم راقي) للفنان (عزيز عبد الصاحب) بعد سنتين من الانقطاع عن تمثيل دور مهم. وهي فترة طويلة " إذ لا يمكن لسمكة أن تحيا خارج الماء، وكذلك الممثل.. لا يمكن أن يبتعد عن المسرح كل ذلك الوقت"ص75. يؤكد في هذه اليوميات على توصيات المخرج (قاسم محمد) للممثلين ومنها:

- مراجعة الدور -الحوار والحركة وإطلاق العنان للمخيلة- قبل التمرين.

- الإيمان بما يفعل، واستمرار التدفق وعدم التردد والتوقف.

- مراجعة الأخطاء الدائمة بعد رصدها تشخيصها.

- اهم شيء بعد حفظ الدور هو حضور الروح (التعبير الداخلي للممثل)

- فهم الدور ودراسة الشخصية قبل حفظ الحوار.

- المحافظة على إيقاع العرض وبالوقت نفسه يحافظ على وضوح الكلمات "لا ترسم عصفورا ناقصا، الكلمة عصفور وينبغي أن يتم رسمه كي يطير ويحلق"ص98. ذلك أن الإيقاع هو نبض العرض وانسجام مكوناته.

ثمة تأكيد على اهمية ايام التمارين لانها ايام التجريب وبناء الدور وتكوين الشخصية، وعليه يكتسب العرض أهميته بعده المحصلة النهائية للتمارين الناجحة بفضل عمل الممثل في ضوء معطيات النص، توجيهات المخرج.

الدرس الخامس: مسرحية الغزاة من وراء الكواليس:

يناقش الدرس مجريات ووقائع عرض المسرحية التاريخية (الغزاة) تتناول غزو المغول لبغداد، تأليف علي الشوك وإخراج محسن العزاوي، بدأ من قراءتها من قبل لجنة فحص النصوص وحتى عرضها على خشبة المسرح، وقد تم الشروع بالتدريبات بعد تعديل النص من قبل المؤلف.

أسندت للممثل (عزيز عبد الصاحب) شخصية (صفي الدين الارموي البغدادي) وبنفس الوقت جعل المخرج له بديلا لأداء الشخصية، إلا أن الممثل البديل - رغم أخذه لمساحة كافية من التمارين- لم يواصل.

يتضمن الدرس رسالة مفادها: عندما قيادة العرض المسرحي بيد مخرج مبدع مثل (محسن العزاوي) سيخرج العرض بأبهى صورة حتى إن كان النص ضعيفا وبعض الممثلين غير مبالين، مادام يتبع يخطط قبل التمارين ويضع معالجة واضحة للنص وينفذ رؤيته بدقة.

الدرس السادس: مسرحية (دائرة الفحم البغدادية) من وراء الكواليس:

يتقارب مضمون الدرس مع الدرس السابق في رصد التجربة المسرحية من خلال يوميات التدريبات من داخل العرض من حيث الإعداد والإخراج والتمثيل، وهي مسرحية أعدها (عادل كاظم) باللهجة العراقية وأخرجها (ابراهيم جلال) وعرضت ليوم واحد - ١٥/ ١/ ١٩٧٦- لأن تضمنت إسقاطات سياسية لا تتناسب ورؤية النظام السياسي حينذاك بحسب المسؤولين.

تتلخص حكاية مسرحية (دائرة الطباشير القوقازية) للمؤلف (برتولد بريشت) بالاتي: تنشب حرب، يسقط حاكم جورجيا ويشنق، تهرب زوجته تاركة طفلها، لتنجو بنفسها، تنقذه الطباخة (كروشا) الطفل وتهرب به مجازفة بحياتها، يسقط النظام الجديد، لتعود الاميرة والدة الطفل، تطلب من الطباخة إعادة الطفل إليها، ترفض الطباخة لانها اعتنت بالطفل في أحلك الظروف و غامرت بحياتها واعتنت به وقامت على تربيته، يحال الامر إلى القاضي الذي يأمر برسم دائرة على الأرض، يضع الطفل داخلها، يوقف الاميرة (الام الاصلية) والطباخة (كروشا) متقابلتين على جانبي الدائرة، على ان تمسك كل منهما بالطفل من يده وتشد الطفل إلى خارج الدائرة وتأخذ الطفل لها. ترفض (كروشا) سحب الطفل لأنها تحب الطفل وتخشى إيذاءه. يحكم القاضي بمنح الطفل للطباخة (كروشا) لانها حريصة عليه أكثر من أمه الاصلية.

-  شرح المخرج خطته الإخراجية، وسأل الممثلين عن مقترحاتهم، وآرائهم.

-  التدريبات بقيادة مدير المسرح او مساعد المخرج تفيد الممثل في حفظ الدور وتثبيت الحركة بلا روح بعيدا عن مراقبة المخرج.

-  ركز المخرج على تثبيت أداء الفعل الميكانيكي، الحركة المحسوبة المقننة، وبعد ذلك تأتي الحياة للدور، ويأتي الاسترخاء.

-  في احد الايام تذمر المخرج قائلا: "اين الاكتشاف؟ حين لا يبدأ الممثل في الاكتشاف ينهي نفسه فنيا.. الباحة أعطيت ملاحظاتي فلماذا لا تنفذ؟ اذا بقينا على هذه الحال لن أخرج المسرحية لمدة سنة"ص147.

-  تتلخص إجراءات (ابراهيم جلال) الاخراجية بالاتي -بحسب قوله- " أنا أقرأ المسرحية، استوعبها اولا فيولد التجاوب مع رؤيتي، عندئذ اشخص العملية من خلال هذه الرؤى وأبدأ بالتطبيق، طريقتي، انني ارسم حتى الديكور واتخيل حركة الأشخاص ونماذجهم، وعند اعادة القراءة لتثبيت عملية الإخراج، تبدأ عندي ظواهر الأسس للعملية، أي عندما آتي إلى التمرين، هناك ارضية في ذهني اتحرك بموجبها واحرك الممثل عليها لتكوين الجملة الفنية التي اريد ان اعبر من خلالها.."ص149.

أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الدرس عن التمثيل هو اعتراض أحد الممثلين وعدم حبه للشخصية وتقبله لادائها، وإذا به يبدع في بناء دوره وعبر المؤلف عن ذلك بجملة بليغة : (إنه توطين النفس على ما لا تحب.. متحقق بذلك الانتصار على الدور"ص١٥٥. بمعنى آخر: لا توجد شخصية محبوبة وأخرى غير مرغوب بها، على الممثل ان يقبل ويؤدي اي شخصية تسند اليه، ويعمل على تكييف ادواته ومشاعره معها على وفق رؤية المخرج.

الدرس السابع: دراما الحرب في العراق:

العروض التي تناولت الحرب كثيرة ومتنوعة الاتجاهات، القاسم المشترك بينها هو قلة تكاليف الإنتاج، وسهولة التحرك والعرض داخل وخارج العراق، وأنها لم تتصدى لموضوع الحرب بصيغة مباشرة تسقطها في السطحية، فهي مسرحيات تتحدث بفهم عميق عن واقع الحرب وما تخلفه من دمار للإنسان والأوطان. وقد اعتمدت دراما الحرب على المنهج الواقعي إلى جانب المنهج التعبيري في بناء العرض، ومن أهم العروض التي تناولت الحرب وأثرت بالجمهور وشكلت علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي هي مسرحية (الذي ظل في هذيانه يقظا) اعداد واخراج (غانم حميد) ومسرحية (قصة حب معاصرة) للمؤلف (فلاح شاكر) وإخراج (هاني هاني).

الدرس الثامن (بيلوغرافيا استعادية عن ظاهرة العروض المسرحية 2003 - 2006)

يفند المؤلف فكرة القائلين بسقوط المسرح العراقي بعد حدوث التغيير السياسي عام 2003، وما قاله بعض المغتربين العراقيين بأنهم سيعود المسرح بعودتهم إلى الوطن. يفند هاتين المقولتين بوقائع وشواهد، منها: تقديم عروض نهارية لجمهور قليل نسبيا، مثل عرض (الحسين ثائرا وشهيدا) اخراج جواد الحسب، ومسرحية (مكانك ايها السيد) تأليف مثال غازي، اخراج عماد محمد، ومسرحية (اعتذر استاذي لم اقصد ذلك) تأليف عواطف نعيم، اخراج هيثم عبد الرزاق، تمتعت المسرحيات بحرية واسعة في طروحاتها وتصدت لنقد عسرة المجتمعات، وتعزيز الروح الوطنية. وقد شاركت الكثير من المسرحيات في مهرجانات دولية وحصدت جوائز، وذلك " قبل ان  يشاهدها جمهور بغداد، وربما لم يشاهدها جمهور بغداد اطلاقا وهذا اسوأ ما مارسه المسرح العراقي ازاء جمهوره "ص183. لم تتوقف الحياة المسرحية في بغداد، وتوالت العروض والمهرجانات لتشكل علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي في تلك الفترة.   

كان الفنان (عزيز عبد الصاحب) يصطحب الشخصيات المسندة له معه إلى البيت وفي الشارع وفي كل مكان وكل زمان، ينام معها ويصحو معها ويحلم بها، و بمجريات التمارين، انه يفكر بالمسرح والمسرحية، ويعمل على تطوير كل مفاصل العرض المسرحي، حتى انه وضع صورة وخطة لما ينبغي أن يكون عليه المسرح والية لصناعة الجمهور وجعل الحضور ظاهرة طبيعية ومهمة في حياة الناس.

ختاما لابد من القول.. يشكل كتاب (لا ترسم عصفوراً ناقصا) مصدر تحفيز والهام للعاملين والباحثين في ميدان المسرح، وإثراء المكتبة الدرامية. 

***

ا. د. حبيب ظاهر حبيب

 

فيما يشبه القراءة لكتابين متشابهين في الشكل والمعنى

في المجتمعات التي تخشى السؤال، تتحول الحقيقة إلى يقين مغلق، ويتحوّل الدين من تجربة روحية إلى سلطة تُدين العقل وتخشى الحرية. ولهذا كانت الفلسفة عبر التاريخ هدفاً للتكفير والمطاردة؛ لأنها تُعلّم الإنسان كيف يفكر لا ماذا يفكر. فالعقل النقدي لا ينتج متطرفاً، بل إنساناً أكثر وعياً بنسبية الأفكار وأكثر قدرة على رؤية الآخر بوصفه شريكاً في الإنسانية لا عدواً يجب إلغاؤه. وحين تُقصى الفلسفة من التعليم والثقافة، يفسح المجال للتعصب والطاعة العمياء. لذلك لم تكن الفلسفة ترفاً معرفياً، بل ضرورة حضارية لتحصين العقل من الكراهية والعنف وأوهام الحقيقة المطلقة وفي أزمنة الخوف، لا يبحث الإنسان عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن عزاء. وحين تتصدع اليقينات الكبرى، وتتوحش الحياة، ويصبح العالم أكثر قسوةً وغموضاً، يكتشف الإنسان هشاشته العميقة، فيلتفت إلى الدين أحياناً، وإلى الفن أحياناً أخرى، لكنه في لحظات نادرة يلتفت إلى الفلسفة؛ لا بوصفها ترفاً ذهنياً أو تمريناً لغوياً مجرداً، بل بوصفها محاولة لفهم الألم الإنساني، وترويض الخوف، وإنقاذ العقل من الانهيار أمام عبث العالم.

وبهذا جاء كتاب «عزاءات الفلسفة» للفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون؛ ذلك الكتاب الذي أعاد للفلسفة وجهها الإنساني بعدما طال اختزالها في التعقيد الأكاديمي والنقاشات التقنية الجافة. فدو بوتون لا يقدم الفلاسفة باعتبارهم آلهة فكرية تعيش خارج التاريخ، بل بوصفهم بشراً مجروحين، خائفين، مرتبكين، حاولوا أن يفهموا الحياة كي يستطيعوا احتمالها. ولهذا بدا كتابه أقرب إلى دليل روحي للعقل الحديث منه إلى كتاب في تاريخ الفلسفة.

دو بوتون نسج كتابه على منوال كتاب أقدم وأكثر مأساوية هو كتاب عزاء الفلسفة للفيلسوف الروماني بوئثيوس، ذلك الرجل الذي كتب عمله الخالد وهو سجين ينتظر الإعدام. كان بوئثيوس قد عاش حياة مترفة في بلاط القوط الشرقيين، مثقفاً لامعاً ورجل دولة نافذاً، قبل أن تنقلب السلطة عليه فجأة ويتحول من مستشار للملك إلى خائن ينتظر الموت. وفي زنزانته، حيث تتعرى الأوهام كلها، لم يجد ما يحاوره سوى الفلسفة نفسها، التي ظهرت له في صورة امرأة حكيمة جاءت لتواسيه لا بالخلاص الغيبي، بل بالعقل.

وهنا تكمن عظمة الفلسفة: إنها لا تعد الإنسان بالجنة، ولا تمنحه يقيناً سهلاً، لكنها تعلمه كيف يتحمل الحقيقة. فالعزاء الفلسفي ليس وعداً بإلغاء الألم، بل تدريب على فهمه. ولهذا ظل كتاب بوئثيوس واحداً من أكثر الكتب تداولاً في أوروبا لأكثر من ألف عام، لأنه لامس السؤال الإنساني الأبدي: كيف يستطيع الإنسان أن يظل إنساناً وسط الخراب؟

إن الفلسفة بوصفه محبة الحكمة ليست علماً بارداً، بل مقاومة عميقة للهمجية. وكلما قرأنا تاريخها اكتشفنا أنها كانت دائماً محاولة لتحرير الإنسان من الخوف: الخوف من السلطة، والخوف من المجتمع، والخوف من المصير، بل حتى الخوف من ذاته. ولهذا لم يكن غريباً أن تصبح الفلسفة هدفاً دائماً للسلطات الدينية والسياسية المغلقة؛ لأن الإنسان الذي يتعلم التفكير الحر يصبح أقل قابلية للطاعة العمياء، وأقل استعداداً للتحول إلى أداة في يد الأيديولوجيات المغلقة.

فالمجتمعات التي تُقصي التفكير النقدي من مدارسها وجامعاتها تترك الشباب فريسة سهلة للأيديولوجيات المغلقة. إن العقل الذي لم يتعلم كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يميّز بين الفكرة وصاحبها، وبين المقدس والبشري، يصبح قابلاً للاستلاب باسم أي شعار، سواء كان دينياً أو قومياً أو سياسياً. ولهذا فإن إدخال الفلسفة والعلوم الإنسانية إلى مناهج التعليم ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة حضارية وأمنية وأخلاقية في آن واحد.

أدركت أمم كثيرة هذه الحقيقة مبكراً، فعملت على ترسيخ تعليم الفلسفة منذ المراحل الأولى، فيما يُعرف اليوم بمشاريع “الفلسفة للأطفال”، ليس بهدف تخريج فلاسفة محترفين، بل بهدف تكوين عقل مستقل قادر على الحوار والتفكير والتسامح. فالطفل الذي يتعلم أن يناقش الفكرة بدل أن يكره المختلف، وأن يبحث عن البرهان بدل أن يكتفي بالشعار، يصبح أقل قابلية للوقوع في مستنقعات التعصب والكراهية والتاريخ يشهد بأن أكثر البيئات عداءً للفلسفة كانت أيضاً أكثر البيئات انغلاقاً وتوتراً وعنفاً. فمنذ اللحظة التي انتصر فيها النقل الجامد على العقل النقدي في الثقافة العربية الإسلامية، بدأ العقل الحضاري يفقد قدرته على التجدد. لم يكن الأمر مجرد خلاف فكري بين فلاسفة وفقهاء، بل كان صراعاً بين رؤيتين للإنسان والعالم: رؤية تعتبر العقل أداة لفهم الكون وإعادة بناء الحياة، ورؤية ترى أن الحقيقة اكتملت وانتهى الأمر، وأن مهمة الإنسان ليست التفكير بل الاتباع.

ولهذا بدا سقراط في قراءة دو بوتون نموذجاً للفيلسوف الذي يواسي الإنسان من استبداد الرأي العام. لقد كان يقول للناس إن التصفيق لا يصنع الحقيقة، وإن السخرية الاجتماعية ليست دليلاً على الخطأ ففي محاكمته الشهيرة، لم يتوسل سقراط النجاة، بل دافع عن حقه في ممارسة الفلسفة حتى الموت. كان يدرك أن الإنسان الذي يتخلى عن عقله خوفاً من المجتمع يفقد ذاته قبل أن يفقد حريته. ومن هنا تتحول الفلسفة إلى فعل شجاعة أخلاقية؛ لأنها تدفع الإنسان إلى أن يفكر بنفسه، لا كما يريد له الآخرون أن يفكر.

ثم يأتي سينيكا ليقدم عزاءً آخر أكثر قسوة وواقعية. فالرجل الذي عاش بالقرب من السلطة الرومانية واختبر تقلّباتها الدموية أدرك أن الحياة لا تسير وفق رغباتنا. ولذلك كانت فلسفته الرواقية تدريباً على احتمال العالم لا الهروب منه. كان يرى أن معظم آلام البشر ناتجة عن توقعاتهم المبالغ فيها تجاه الحياة والناس. نحن لا نتألم لأن العالم قاسٍ فقط، بل لأننا نتخيل أنه يجب أن يكون أكثر عدلاً مما هو عليه.

لقد فهم سينيكا أن الإنسان لا ينهار بسبب الأحداث وحدها، بل بسبب تفسيره لها. ولذلك دعا إلى التوازن بين العقل والعاطفة، وإلى عدم تضخيم المصائب في الخيال. كان يقول إننا نعاني في أوهامنا أكثر مما نعاني في الواقع نفسه. ومع أن حياته انتهت بالانتحار القسري بأمر الإمبراطور، إلا أن فلسفته بقيت محاولة نبيلة لتعليم الإنسان كيف يحافظ على اتزانه وسط الفوضى.

أما مونتين فقد منح الفلسفة بعداً أكثر حميمية وإنسانية. لقد كتب عن ضعف الإنسان وعجزه وأخطائه اليومية دون ادعاء البطولة الفكرية. كان يرى أن قبول النقص جزء من الحكمة، وأن الإنسان لا يصبح أكثر إنسانية إلا حين يتصالح مع هشاشته. ولذلك جاءت كتاباته أقرب إلى تأملات شخصية في معنى العيش، لا إلى أنظمة فلسفية مغلقة.

ثم يظهر آرثر شوبنهاور، ذلك المتشائم العظيم الذي رأى العالم محكوماً بالإرادة العمياء والمعاناة المستمرة. ورغم سوداويته، فإن فلسفته كانت نوعاً من التعزية أيضاً؛ لأنها نزعت الأقنعة عن الوهم الرومانسي الذي يصور الحياة باعتبارها طريقاً ممهداً للسعادة. لقد قال للإنسان ببساطة: الألم جزء أصيل من الوجود، وكل محاولة لفهم الحياة يجب أن تبدأ من هذه الحقيقة لا من الأوهام الجميلة.

غير أن فريدريك نيتشه سيقلب هذا التشاؤم إلى احتفاء بالقوة الإنسانية. فنيتشه، الذي بدأ متأثراً بشوبنهاور، انتهى إلى تمجيد المصاعب باعتبارها شرطاً للنمو. لم يرَ في المعاناة لعنة فقط، بل إمكانية للتحول. ومن عباراته العميقة التي يستعيدها دو بوتون: إن كل ما هو جميل ينمو عبر الإخفاق. فالحياة عند نيتشه ليست مكاناً للراحة، بل ساحة لصناعة الذات.

وهنا نعود إلى السؤال الأهم: لماذا تخاف السلطات الدينية المغلقة من الفلسفة؟

الجواب يكمن في أن الفلسفة تسحب البساط من تحت كل يقين مطلق. إنها تعلم الإنسان أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ ومن قال؟ وهذه الأسئلة وحدها كافية لإرباك أي سلطة تقوم على الطاعة لا على الاقتناع. فالفيلسوف لا يكتفي بالإيمان بالحقيقة، بل يريد فهم كيف تشكلت، ومن يملك حق تعريفها، ولماذا تتحول بعض الأفكار إلى مقدسات بينما تُقصى أفكار أخرى والتفكير الحر يهدد البنى التقليدية التي تقوم على احتكار المعنى. فحين يتعلم الإنسان أن يفكر بنفسه يصبح أقل استعداداً للانقياد وراء دعاة التعصب والكراهية. والمتطرف لا يستطيع العيش داخل عقل نقدي؛ لأنه يحتاج دائماً إلى عقل مغلق، مؤمن بحقيقة نهائية، مستعد لإلغاء الآخر باسمها.

ختاما نكرر القول: إن تدريس الفلسفة للأطفال ليس ترفاً تربويا وثقافياً، بل ضرورة حضارية. فالمجتمعات التي تُقصي التفكير النقدي تفتح الطريق أمام التطرف والعنف، لأن الإنسان الذي لم يتعلم الشك يصبح أكثر قابلية للتلاعب. ولذلك لم يكن مصادفة أن معظم الحركات الإرهابية الحديثة خرجت من بيئات فقيرة فلسفياً وإنسانياً، حيث يسود التلقين بدل الحوار، والطاعة بدل التفكير.

الفلسفة لا تمنع الألم، لكنها تمنع الهمجية. إنها تجعل الإنسان أكثر قدرة على فهم ذاته والعالم، وأكثر وعياً بتاريخ الأفكار وحدودها، وأكثر تواضعاً أمام تعقيد الوجود. ولهذا كانت دائماً مرتبطة بالتنوير، لا بمعناه السياسي فقط، بل بمعناه الوجودي العميق: إخراج الإنسان من ظلمات الخوف إلى شجاعة التفكير والفلسفة اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى، لا لأنها تقدم حلولاً نهائية، بل لأنها تمنح الإنسان ما هو أثمن: القدرة على التفكير وسط الضجيج، وعلى الشك وسط اليقينيات القاتلة، وعلى الاحتفاظ بإنسانيته في عالم يتقن صناعة التعصب أكثر مما يتقن صناعة الحكمة.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

كيف فكّك عبد الله جزيلان رواية الثورة والجمهورية من الداخل

يُعد كتاب «التاريخ السري للثورة اليمنية من سنة 1956 إلى سنة 1962» للواء اليمني عبد الله جزيلان واحدًا من الكتب اليمنية المثيرة للقلق والارتباك في الكتابة عن ثورة 26 سبتمبر. فهذا الكتاب لا ينتمي إلى أدبيات الاحتفال الجمهوري التقليدي، ولا إلى الأدبيات الملكية المضادة، لكنه يبدو أقرب إلى شهادة ضابط يشعر أن الثورة التي شارك في صنعها قد سُرقت منه ومن الثوار الحقيقين من جيله، ثم أعيدت صياغتها لاحقًا على يد السلطة والإعلام والخطابة السياسية.

ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، ليس بكونه “الحقيقة النهائية” عن الثورة اليمنية، ولن يمكن أن نصفه بأنه من النصوص التي تفتح الجرح القديم: من الذي صنع ثورة سبتمبر فعلًا؟ ومن الذي استولى على روايتها لاحقًا؟ ولماذا تحوّل بعض المشاركين الحقيقيين إلى أسماء منسية ومهمشة، بينما صعد آخرون إلى واجهة المجد الوطني؟

جزيلان لم يكن مؤرخًا أكاديميًا محترفًا، كان ضابطًا شارك في التكوين العسكري والسياسي للمرحلة، وشغل مناصب مهمة لاحقًا داخل الدولة الجمهورية، بينها نائب رئيس الوزراء ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة. هذه الخلفية تمنح كتابه قيمة خاصة، لكنها تجعله أيضًا نصًا ذاتيًا وانفعاليًا.

فهو لا يكتب من مسافة باردة، هو يكتب منفعلاً من داخل الصراع نفسه. ولذلك فإن الكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، بل صراع على الذاكرة والشرعية والبطولة.

منذ الصفحات الأولى يبدو واضحًا أن جزيلان يحمل غضبًا عميقًا تجاه الطريقة التي كُتب بها تاريخ الثورة اليمنية لاحقًا. فهو يرى أن هناك “حملة أقلام” صنعت رواية مزيفة، ووزعت البطولة بطريقة انتهازية، حتى أصبح بعض الذين لم يشاركوا فعليًا في صناعة الثورة قادة تاريخيين في الوعي العام، بينما أُقصي آخرون أو حُوصروا أو عادوا إلى بيوتهم منسيين.

إذن هنا تظهر فكرته الأساسية: الثورة لم تُسرق سياسيًا فقط، بل سُرقت سرديًا أيضًا.

ولهذا يهاجم جزيلان بوضوح الطريقة التي تحولت بها ذكرى سبتمبر إلى طقس احتفالي فارغ، أشبه بعروض خطابية وشعارات مدرسية وأغانٍ عاطفية، بدل أن تتحول إلى مشروع نقدي لفهم ما حدث فعلاً. وهو حين يشبّه بعض ما كُتب عن الثورة ببرنامج «ساعة لقلبك»، فإنه لا يقصد السخرية المجانية فقط، بل يريد القول إن جزءًا من أدبيات الثورة تحوّل إلى كوميديا وتهريج سياسي، فيها مبالغات، وفشر، وتوزيع بطولات، أكثر من كونها كتابة دقيقة للتاريخ.

هذه النقطة بالذات شديدة الأهمية، لأنها تكشف أزمة الذاكرة اليمنية الحديثة. فشمال اليمن، بخلاف تجارب عربية أخرى، لم ينجح في إنتاج “أدب ثورة” متماسك وعميق. لم تظهر رواية يمنية كبرى عن سبتمبر، ولا أرشيف وطني نقدي شامل، بل ظهرت:

مذكرات متصارعة، وشهادات شخصية، وخطب احتفالية، وروايات عسكرية متناقضة.

ولهذا يظل تاريخ ثورة سبتمبر هشًا ومفتوحًا للتأويل ويحتاج أن نعيد كتابته.2780 yaman

يرى جزيلان أن شخصيات مثل عبد الله السلال تحولت لاحقًا إلى رموز شبه مقدسة في الرواية الرسمية، بينما الواقع – بحسب شهادته – كان أكثر تعقيدًا بكثير. فهو يلمّح إلى أن السلال لم يكن “العقل المؤسس” للثورة كما قُدِّم لاحقًا، بل جرى تتويجه سياسيًا وعسكريًا لاعتبارات تتعلق بالتوازنات والنفوذ والقدرة على الإمساك بمؤسسات القوة.

وهنا يدخل الكتاب في منطقة شديدة الحساسية؛ لأنه لم يهاجم أعداء الثورة، بل حاول أن يفكك الرواية الجمهورية من الداخل. وهذا جعل الكتاب مهمشًا نسبيًا في الذاكرة الثقافية اليمنية. فالجمهورية احتاجت بعد الحرب الأهلية إلى سردية مستقرة ومبسطة:

ثوار أخيار، وإمام مستبد، وقائد جمهوري، وشعب انتصر لتنتهي الحدوتة .

أما جزيلان فيفسد هذه البنية المريحة، لأنه يقول ضمنيًا:

الثورة نفسها كانت ساحة تنازع واختطاف وإقصاء وما فعلوه من تاريخ فهو مزور .

لكن اللافت أن جزيلان لم يكن قريبًا من الحنين الملكي، ولم يدافع عن الإمامة. هو ثوري جمهوري بوضوح، لكنه جمهوري غاضب من الطريقة التي تحولت بها الجمهورية إلى مؤسسة لإعادة توزيع البطولات والمجد والمناصب.

كما أن علاقته بالزبيري تبدو كانت معقدة أيضًا. فهو لا ينكر مكانته، لكنه يوحي أحيانًا بأن بعض الشخصيات الثقافية تحولت بعد الثورة إلى أيقونات أكبر من دورها الفعلي في العمل التنظيمي والعسكري. وهذه نقطة حساسة جدًا، لأن الزبيري عند النخبة الثقافية اليمنية يكاد يكون شخصية فوق النقد.

ومع ذلك لا يمكن اختزال الكتاب ولحكم عليه بأنه “غيرة سياسية” أو “تصفية حسابات”. فكاتب هذا الكتاب يطرح أسئلة حقيقية:

كيف صُنعت الرواية الرسمية؟

من يملك حق تمثيل الثورة؟

ولماذا يظل نسيان بعض الفاعلين؟

وكيف تتحول السلطة لاحقًا إلى ماكينة لإنتاج أبطال من أجل تقاسم السلطة والنفوذ؟

هذه الأسئلة منحت هذا الكتاب قيمة تتجاوز المعلومات العسكرية نفسها أو الصياغة الأدبية.

أما أسلوب جزيلان فهو من أكثر عناصر الكتاب إثارة للاهتمام. فاللغة ليست لغة مؤرخ أكاديمي، بل لغة رجل يتكلم كما لو كان يجلس في مجلس طويل يروي ذكرياته بمرارة وعفوية. الجمل طويلة أحيانًا، والانفعال واضح، والتنقل بين الوقائع والتعليق الأخلاقي يحدث بصورة مفاجئة.

لا يوجد بناء منهجي أو إحالات كثيفة أو تحليل بارد للوثائق.

يوجد شيء أقرب إلى السرد الشفهي المكتوب.

وهذا ربما يجعل القارئ يعيش حالة مزدوجة:

يثق بعاطفة النص وحرارته،

لكنه يرتبك أحيانًا بسبب القفزات والانفعالات والتكرار.

وربما لو مرّ الكتاب عبر محررين محترفين لتحول إلى نص أكثر تماسكًا، لكنه في المقابل كان سيفقد شيئًا من صدقه الخام. لأن الرجل صاحب احساس ولم يكتب “أدبًا سياسيًا” بقدر ما حاول انتزاع حقه من النسيان.

ومن المدهش أيضًا أن كتب جزيلان لم تتحول إلى مادة دراسية أو موضوع مراجعات نقدية واسعة، رغم أهميتها. فهي بقيت على هامش الأدبيات الجمهورية الرسمية، ربما لأنها تزعج الجميع:

تزعج الرواية الرسمية،

وتزعج بعض الضباط،

وتزعج اليساريين والقوميين،

وحتى بعض المثقفين الذين ساهموا في بناء صورة رومانسية عن سبتمبر.

ولهذا بقيت كتب جزيلان أقرب إلى “أرشيف متمرد” داخل الذاكرة الجمهورية.

استنتاجات هامة:

يرى جزيلان أن الرواية الرسمية للثورة تعرضت للتشويه المبكر.

يعتبر أن كثيرًا ممن احتكروا تمثيل الثورة لم يكونوا صناعها الحقيقيين.

يشعر الكاتب بمرارة واضحة من تهميش الضباط الذين شاركوا فعليًا في التنظيم.

يؤمن بأن الثورة تحولت لاحقًا إلى وسيلة للسلطة والجاه.

يرفض اختزال سبتمبر في أسماء محددة مثل السلال وحده.

يرى أن كتابة تاريخ الثورة تمت بصورة انتقائية ومصلحية.

يشير ضمنيًا إلى وجود “طبقة جمهورية” صنعت لنفسها مجدًا سياسيًا بعد الحرب.

يعتقد أن بعض المثقفين والكتاب ساهموا في تزييف الذاكرة العامة.

يؤكد أن الثورة لم تكن كتلة موحدة بل شبكة متناقضة من الضباط والسياسيين.

يظهر أن الصراع داخل الجمهوريين بدأ مبكرًا جدًا.

يرى أن كثيرًا من الثوار الحقيقيين انتهوا مهمشين أو معزولين.

يعتبر أن الاحتفالات الرسمية بسبتمبر تحولت إلى طقس فارغ.

يستخدم لغة أخلاقية حادة في تقسيم الناس بين ثوار وانتهازيين.

يكشف أن معركة الذاكرة لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.

يؤكد أن السرد الرسمي أخفى أسماء وأدوارًا كثيرة.

يرى أن بعض القادة صنعوا هالات إعلامية حول أنفسهم.

يقدم نفسه بوصفه شاهدًا على “الحقيقة المخفية”.

يعتمد على الذاكرة الشخصية أكثر من الوثائق الصارمة.

يكشف الكتاب هشاشة الأدب السياسي اليمني الحديث وضعف التحرير الأكاديمي.

يؤكد ضمنيًا أن الثورة اليمنية لم تنتج حتى اليوم سرديتها الوطنية الناضجة.

عبد الله جزيلان: الضابط الذي كتب ضد الرواية الرسمية

ينتمي عبد الله جزيلان إلى الجيل العسكري الذي تخرّج في لحظة التحولات الكبرى في اليمن. شارك في الجيش، وارتبط بتنظيم الضباط الأحرار، ثم دخل في قلب التحولات التي قادت إلى ثورة سبتمبر. بعد الثورة شغل مناصب عسكرية وسياسية مهمة، لكنه بدا لاحقًا وكأنه يشعر أن الثورة التي ساهم فيها قد صودرت رمزيًا من قبل آخرين.

ولهذا يمكن القول بأن كتاباته مشبعة بالغضب والمرارة والرغبة في إعادة ترتيب المشهد والثورة المسروقة.

وربما لهذا يبدو كتابه أحيانًا مرتبكًا وصادقًا في آن واحد. كوننا لسنا مع نصٍ مصقولٍ بعناية أكاديمية، بل صوت ضابط يمثل شريحة مظلومة ولقد حول من خلال كتبه أن يعود إلى المعركة ليصحح ولو جزء من تاريخ الجمهوية العربية اليمنية المزور.

***

حميد عقبي

.......................

* رابط لمشاهدة وسماع المادة النقدية كاملة حول الكتاب

https://youtu.be/BEzswV3kJHI?si=WMvQq-d6MsdBM5Ni

أو ما يشبه القراءة في كتاب جغرافية الفكر والبحث عن المعنى

كيف يفكر الناس في البيئات الجغرافية المختلفة؟ وهل لجغرافياتهم أثر في أنماط تفكيرهم؟ لطالما حيرتني تلك الفكرة التي موادها؛ إذا كان الواقع المرئي المحسوس الملموس واحدا لجميع سكان العالم فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟

في ندوة العولمة والمجايلة للتاريخية للدكتور سيار الجميل أورد مقارنات ذكية بين الدول العربية وبعض الدول الآسيوية ومنها (ماليزيا وسنغافورة وتايلاند غيرها) التي كانت الدول العربية في زمن مضى افضل منها على مختلف المستويات وما ذلك تبدل الحال وهذا ما دفع الدكتور بن شرقي بن مزيان لصرح السؤال الذي استفزني وجعلني أشاطرهما التفكير في البحث عن ما يفسر هذا الاختلاف بين العرب وغيرهم هل يتصل بالأنثروبولوجيا التكوينية للمجتمعات العربية؟ أم له علاقة بالثقافة وهيمنة المؤسسة الدينية؟ أو يتصل بالبيئة الجغرافية وسياقاتها المختلفة؟ ولا أخفيكم سرا بانني منذ تلك اللحظة وأنا مهموما بالبحث فيما يشبع المعنى وفي اثناء ذلك تذكرت كتاب عالم النفس الأمريكي ريتشارد إي. نيسبت، استاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة ميشيغان، ويُعد رائداً في دراسة تأثير الثقافة على العمليات العقلية والإدراكية ففي كتابه المهم (جغرافية الفكر؛ كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف... ولماذا؟ ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة في الكويت عام 2003 يحاول ريتشارد نيسبت مقاربة السؤال: لماذا يبدو العالم، في عين غربي، مختلفًا عن العالم في عين آسيوي، مع أن الشمس ذاتها تشرق على الجميع، وأن الطبيعة البشرية، في ظاهرها البيولوجي، واحدة بالنسبة للجميع وأصل النوع الإنساني واحد والعقل أعدل الاشياء قسمة بين الناس بحسب ديكارت؟ فضلا عن كون جميع الكائنات الموجودة في هذا العالم تنطبق عليها قوانين الفيزياء ذاتها بما في ذلك الرسل والأنبياء وكل الكائنات في هذا الكون تنطبق عليها قوانين الكيمياء ذاتها بما في ذلك الجمادات والنباتات والحيوانات كما إن الكائنات الحية الأرضية جميعها تنطبق عليها قوانين الحياة ولديها الاعضاء ذاتها ووظائفها الحيوية التي لا تكون حية إلا بها فلا فرق هنا بين كل الاحياء التي يحكمها قانون الفطرة الطبيعية الحفاظ على البقاء ومقاومة الفناء وفي مستوى حاجات الحياة الأساسية لا أحد يمكنه تجاوز هرم إبراهام ماسو بما في ذلك الرسل والأنبياء والحاجات هي:

1- الحاجات الفسيولوجية Physiological needs مثل الجوع، والعطش، وتجنب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء البيولوجي بشكل مباشر.

2- حاجات الأمان Safety needs وتشمل مجموعة من الحاجات المتصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان المادي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن.. والثبات.. والنظام.. والحماية.. والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات. وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدى في شكل مخاوف مثل الخوف من المجهول.. من الغموض… من الفوضى واختلاط الأمور أو الخوف من فقدان التحكم في الظروف المحيطة. وماسلو يرى أن هناك ميلا عاما إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات.. وأن النسبة الغالبة من الناس يبدو أنهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات والدوافع.

3- حاجات الحب والانتماء Love & Belonging needs وتشمل مجموعة من الحاجات ذات التوجه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص آخر الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضوا في جماعة منظمة.. الحاجة إلى بيئة أو إطار اجتماعي يحس فيه الإنسان بالألفة مثل العائلة أو الحي أو الأشكال المختلفة من الأنظمة والنشاطات الاجتماعية.

(أ) المستوى الأدنى أو مستوى الحب الناشئ عن النقصDeficit or D-love وفيه يبحث الإنسان عن صحبة أو علاقة تخلصه من توتر الوحدة وتساهم في إشباع حاجاته الأساسية الأخرى مثل الراحة والأمان والجنس….. الخ.

(ب) المستوى الأعلى أو مستوى الكينونة Being or B-love وفيه يقيم الإنسان علاقة خالصة مع آخر كشخص مستقل… كوجود آخر يحبه لذاته دون رغبة في استعماله أو تغييره لصالح احتياجاته هو.

4 – حاجات التقدير Esteem needs هذا النوع من الحاجات كما يراه ماسلو له جانبان:

(أ) جانب متعلق باحترام النفس.. أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.

(ب) والآخر متعلق بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج… ويشمل الحاجة إلى اكتساب احترام الآخرين.. السمعة الحسنة.. النجاح والوضع الاجتماعي المرموق.. الشهرة.. المجد… الخ. وماسلو يرى أنه بتطور السن والنضج الشخصي يصبح الجانب الأول أكثر قيمة وأهمية للإنسان من الجانب الثاني.

5- حاجات تحقيق الذات Self-actualization والحاجات العليا Metaneeds تحت عنوان تحقيق الذات يصف ماسلو مجموعة من الحاجات أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلا بعد تحقيق إشباع كاف لما يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كل قدراته ومواهبه وتحقيق كل إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يفهم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود.. وإنما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة.. وخلق الجمال.. وتحقيق النظام.. وتأكيد العدل.. الخ.

وهكذا هو حال الكائن الحي الوحيد الذي يمكنه تعريف نفسه ويقول (أنا)

واضح اختلافات انماط التفكير إن السؤال لا يهتم باختلاف الآراء العابرة، بل بالبنية العميقة للإدراك نفسه؛ بالطريقة التي يرى بها الإنسان الأشياء، ويرتبها، ويمنحها المعنى. فالاختلاف هنا ليس بين أشخاص، بل بين أنماط وعي تشكلت تاريخيًا داخل بيئات جغرافية وثقافية وحضارية مختلفة

لقد بدا العالم، مع ثورة الاتصالات والمعلومات، أقرب إلى قرية كونية صغيرة. تقلصت المسافات، وتداخلت الثقافات، وتشابكت المصالح، غير أن هذا التقارب المادي لم يؤدِّ بالضرورة إلى تقارب في الرؤية والفهم والتأويل. بل ربما حدث العكس تمامًا؛ إذ صار الإنسان أكثر احتكاكًا بالاختلافات الفكرية والرمزية والعقدية التي كانت، في الماضي، محجوبة خلف حدود الجغرافيا والتاريخ. وهنا يظهر السؤال الأكثر عمقًا: إذا كان الواقع المرئي نفسه يثير كل هذا الاختلاف في تفسيره وفهمه، فكيف سيكون الحال مع النصوص والمعتقدات والرموز التي تتحدث عن عوالم غير مرئية يستحيل التحقق منها بالحواس المباشرة؟ وكيف تتكون الحقائق في أذهان البشر؟ وهل الحقيقة شيء موجود في الأشياء ذاتها، أم أنها نتاج اتفاقات بشرية طويلة، صنعها التاريخ والثقافة واللغة والسلطة؟

يرى نيسبت أن العقل الغربي، منذ الإغريق، تشكل على نحو تحليلي يميل إلى تفكيك الظواهر إلى عناصر مستقلة، والبحث عن القوانين المجردة التي تحكم الأشياء، بينما تشكل العقل الآسيوي ضمن بيئات زراعية وجماعية جعلته أكثر ميلًا إلى التفكير الكلي والعلاقات والسياقات والانسجام بين العناصر. ولذلك فإن الغربي ينظر إلى الشيء بوصفه وحدة منفصلة يمكن تحليلها وتصنيفها، في حين ينظر الشرقي إلى الشيء بوصفه جزءًا من شبكة علاقات معقدة لا يمكن فهمه خارجها. هذا الاختلاف لا يظهر فقط في الفلسفة أو السياسة، بل حتى في الإدراك البصري واللغة والذاكرة والأخلاق وأنماط الحياة اليومية إذ إن الإنسان لا يعيش وفق الوقائع الظاهرة وحدها، بل وفق ما يعتقد أنه حقيقة. فالمعتقدات، مهما بدت غريبة أو وهمية أو غير قابلة للإثبات، تظل قادرة على توجيه السلوك الإنساني وصناعة التاريخ. من يعتقد أن العالم مسكون بالأرواح الشريرة سوف يعيش حياته تحت وطأة الخوف، ومن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة سينظر إلى الآخرين بوصفهم ضالين أو أعداء أو كفارًا أو تهديدًا وجوديًا. وهكذا تتحول الأفكار إلى قوى مادية فاعلة، لا لأنها صحيحة بالضرورة، بل لأن الناس يؤمنون بها ويعيشون على أساسها.

فالمؤمن بعقدة ايديولوجيا لا يراها احتمالًا بين احتمالات، بل يراها الحقيقة ذاتها. وإذا تشكل ذهن المرء على نحو من أنحاء الاعتقاد المقدس صار من الصعب تغييره! وبهذا يمكن النظر إلى التاريخ الإنساني بوصفه تاريخًا لصراع السرديات الكبرى وأنماط التأويل المختلفة للعالم. فمن عبادة الطواطم البدائية حتى الأيديولوجيات الحديثة، ومن الأساطير القديمة حتى العقائد السياسية المعاصرة، ظل الإنسان يبحث عن معنى شامل يفسر الوجود ويمنحه الشعور باليقين. والمشكلة ليست في وجود المعتقدات ذاتها، فذلك جزء من الطبيعة البشرية، بل في تحولها إلى أنظمة مغلقة ترفض النقد وترى في الاختلاف تهديدًا ينبغي القضاء عليه.

لهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى ما يمكن تسميته بالرؤية الجشطالتية للعالم؛ أي النظر إلى الظواهر ضمن كليتها وترابطها، لا بوصفها أجزاء معزولة. فالعالم المعاصر لم يعد يحتمل الرؤى الاختزالية الضيقة، لأن الاقتصاد والسياسة والدين والتقنية والبيئة والثقافة باتت متداخلة بصورة غير مسبوقة. لم يعد ممكناً فهم الحروب أو الأزمات أو التحولات الكبرى من خلال سبب واحد أو تفسير أحادي. إن كل شيء يتفاعل مع كل شيء داخل شبكة عالمية معقدة، ولذلك فإن أي وعي نقدي حقيقي يجب أن يكون قادرًا على رؤية التشابكات العميقة بين الظواهر بدل الاكتفاء بالمظاهر السطحية إذ أن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له لغته وثقافته ومصالحه وتاريخه أن يراه وهذا هو فحوى كتاب اللغة الصامتة لعالم الأنثروبولوجيا الأمريكي إدوارد تي هول إذ درس الثقافة بوصفها نظامًا لإنتاج المعنى، لا مجرد مجموعة معارف وخبرات ومعتقدات. فكل جماعة بشرية تبني لنفسها تصورًا عن الكون والعالم والتاريخ والزمان والمكان والحقيقة والهوية والخير والشر والحياة والموت، ثم تدافع عنه بوصفه يقينًا نهائيًا. وحين يتحول هذا اليقين إلى تعصب، يصبح الاختلاف مستحيلًا، ويتحول الحوار إلى صراع. فالناس لا يقتتلون عادة حول الحقائق العلمية، بل حول التأويلات والرموز والمقدسات والهويات والسرديات التاريخية.

وهذا هو الفرق بين العلم، والاعتقاد الأيديولوجي؛ العلم لا يطلب الإيمان بل الاختبار. إنه لا يقوم على سلطة النصوص أو قداسة الأسلاف، بل على البرهان والتجربة وقابلية الدحض. حين نقول إن الماء يتكون من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين، أو إن لكل فعل رد فعل مساويًا له في القوة ومضادًا له في الاتجاه، فإن هذه القضايا لا تعتمد على انتماء ثقافي أو ديني أو قومي، بل يمكن التحقق منها في أي مكان من العالم. ولذلك يتميز العلم بطابعه الكوني والموضوعي؛ فالمعادلات الرياضية لا تتغير بتغير الأديان، وقوانين الفيزياء لا تتبدل بتبدل الأنظمة السياسية أما في عالم المعتقدات والأيديولوجيات فترتفع الأصوات، وتحتدم الخطابات، ويتحول النقاش إلى معركة وجودية. وكلما افتقد الإنسان للحجج والبراهين، ازداد ميله إلى الصراخ والتخويف والتعبئة العاطفية. إن عالم الرياضيات أو الفيزياء لا يحتاج إلى المبالغة الخطابية لإثبات صحة نظريته، لأن البرهان يكفي. أما الأيديولوجي، فإنه غالبًا ما يستعيض عن ضعف الحجة بقوة الانفعال. ولذلك يمكن القول إن الصمت هو لغة العلم، بينما الضجيج هو لغة اليقين الأيديولوجي المغلق.

وبذلك ليست هناك إلا طريقتان أساسيتان في التعامل مع الآخرين: إما إكراههم بالقوة والتهديد والوعيد، وإما إقناعهم بالحوار والبرهان. الأولى تصنع الخضوع المؤقت لكنها لا تصنع اقتناعًا حقيقيًا، أما الثانية فتبني وعيًا حرًا قادرًا على إعادة التفكير والنقد. ولهذا فإن الفرق كبير بين السياسي والواعظ والعالم؛ فالأول يسعى إلى تغيير الواقع عبر السلطة والصراع، والثاني يدعو إلى الصبر والخلاص الروحي، أما الثالث فيحاول فهم العالم وتطوير الأدوات العلمية التي تمكن الإنسان من تحسين شروط حياته.

إن وظيفة الفلسفة، منذ بداياتها، لم تكن تقديم يقينيات نهائية بقدر ما كانت ممارسة نقدية لتحطيم أوثان العقل نفسه. فالفلسفة ليست عقيدة جاهزة، بل يقظة دائمة ضد التحجر الفكري. إنها الوعي الذي يراقب ذاته، ويعيد مساءلة مفاهيمه ومسلماته باستمرار. ولهذا كانت الفلسفة، كما قال نيتشه، ضربًا من الشك الخلاق الذي يكشف أن كثيرًا مما نسميه “حقائق” ليس سوى استعارات لغوية استهلكها التكرار حتى بدت بديهية.

ولعل مفهوم “الثورة” يقدم مثالًا واضحًا على تاريخية المعاني وتحولاتها. فالكلمة التي كانت تشير قديمًا إلى الهيجان أو الفوران أو الحركة الفلكية، تحولت في العصر الحديث إلى مفهوم سياسي واجتماعي مرتبط بالحداثة والتغيير الجذري. ومع الزمن صار المفهوم يتسع ليشمل ظواهر متباينة: الثورة الصناعية، الثورة العلمية، الثورة الفرنسية، الثورات التحررية، الثورات الرقمية، وحتى الثورات الرمزية والثقافية. وهكذا يتضح أن المفاهيم ليست كيانات ثابتة، بل تراكمات تاريخية تتغير دلالاتها بحسب السياقات التي تستخدم فيها بحسب حنا أرندت ارتبط مفهوم الثورة، بولادة العالم الحديث، أي بالعالم الذي انتقل من سلطة التقليد إلى سلطة الإنسان والعقل والتاريخ. ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير سياسي، بل انقلابًا عميقًا في رؤية الإنسان لذاته وللعالم. فالثورة الحديثة لم تعنِ فقط إسقاط الأنظمة القديمة، بل إعادة تعريف مفاهيم الحرية والسلطة والشرعية والمعرفة والتقدم.

وهكذا نخلص إلى إن الاختلاف الجوهري ليس بين الشرق والغرب فقط، بل بين نمطين من التعامل مع العالم: نمط يرى الحقيقة شيئًا مغلقًا ومكتملًا ونهائيًا، ونمط يرى الحقيقة عملية مستمرة من البحث والنقد والتجربة. فالحقائق الأيديولوجية تبقى أسيرة الإيمان الجماعي، أما الوقائع العلمية فتظل قابلة للاختبار والتصحيح والتجاوز. ولهذا فإن المعرفة الحقيقية لا تبدأ حين نمتلك الأجوبة، بل حين نتعلم كيف نشك في الأسئلة نفسها، وكيف نعيد النظر في المسلمات التي تشكل وعينا بالعالم. وربما لهذا السبب كتب فريدريك نيتشه أن الحقيقة ليست سوى أوهام نسينا، عبر الاستعمال الطويل لها، أنها كذلك.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تفكيك أطروحة أقدمية القلم الثمودي في بحث د. قصي التركي ود. عيد حمد اليحيى

ينطلق البحث المعنون: «هل القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ؟ دراسة في ضوء النقوش الثمودية المرافقة لحيوانات منقرضة في المملكة العربية السعودية»، والمنشور في مجلة «دراسات تاريخية» العلمية المحكمة، مركز عدن للدراسات التاريخية، العدد 12، 2025، للباحثين:

أ.د. قصي منصور التُركي

د. عيد حمد اليحيى

من أطروحة شديدة الجرأة، مفادها أن القلم الثمودي قد يكون أقدم قلم في التاريخ، وأن تاريخه ينبغي أن يُدفع بعيدًا إلى ما قبل التصورات المعتمدة في الدراسات الغربية والعربية، ربما بعشرات القرون. يعلن البحث، منذ ملخصه وسطوره الأولى، أنه يسعى إلى وضع حد للجدل حول تاريخ الثموديين، وخاصة القلم الذي كتبوا به، مستندًا إلى نقوش ثمودية مرافقة لرسوم حيوانات منقرضة في السعودية.

غير أن المشكلة تبدأ من هنا تحديدًا؛ فالدراسة لا تقدم اكتشافًا مؤرخًا تأريخًا مستقلًا، بل تبني دعوى كونية ضخمة على سلسلة من الافتراضات غير المحكمة. وتبدو الدراسة في بعض مواضعها أقرب إلى خطاب احتفائي يريد تسجيل منجز رمزي كبير، أكثر من كونها بحثًا أثريًا يتحرك بحذر بين الفرضية والدليل. والقارئ للمادة سيلمس مدى ضعف اللغة والصياغة وتواضع التعبير.

الفكرة المركزية في البحث تقوم على الربط بين ثلاثة عناصر: رسومات صخرية لحيوانات يراها الباحثان منقرضة أو غير ملائمة للبيئة الصحراوية الحالية، وكتابات يقرآنها بوصفها ثمودية، ثم تاريخ بيئي قديم للجزيرة العربية خلال فترات الرطوبة والبحيرات. وبناءً على هذا الربط، يستنتج البحث أن الكتابة الثمودية لا بد أن تكون معاصرة لتلك الحيوانات، أي أقدم بكثير من التأريخ الشائع.

لكن هذا الاستدلال ضعيف؛ لأن وجود نقش قرب رسم لا يثبت أنهما من الزمن نفسه. فالواجهات الصخرية تُستعمل عبر أزمنة طويلة، وقد يُضاف نقش متأخر إلى رسم أقدم، أو تُكتب أسماء وعبارات بجوار مشاهد موروثة. القرب المكاني ليس دليلًا زمنيًا.

المعضلة الثانية هي الاعتماد على «العتق» أو درجة التجوية بوصفه قرينة شبه حاسمة. هذه ملاحظة ميدانية قد تكون مفيدة، لكنها لا تصلح وحدها لتأريخ كتابة إلى الألف الخامس أو الثامن قبل الميلاد. لون الصخر وعمق الحفر ودرجة التآكل تتأثر بعوامل كثيرة: نوع الصخر، اتجاه الواجهة، الشمس، الأملاح، الرطوبة، الرياح، وعمق النقش.

لذلك لا يجوز تحويل التشابه البصري بين الرسم والحروف إلى تاريخ مؤكد. البحث نفسه يعترف في الخاتمة بأن «جوهر» المسألة علميًا ومختبريًا هو فحص عينات من الرسوم الصخرية المرفقة بكتابات ثمودية، وأن هذه الفحوص هي التي ستبين زمن الكتابة؛ ثم يعلن في الوقت نفسه قناعة تامة بأن القلم الثمودي هو الأقدم. هذا إعلان للحكم قبل إجراء الاختبار الحاسم.2763 hamed

أما القراءة النقشية فتبدو في مواضع كثيرة محكومة بالرسم المجاور لها. فإذا وُجدت حروف قرب ثور، تُقرأ بوصفها صيغة ملكية: «هذا الثور لفلان»، وإذا وُجدت قرب حيوان آخر تُفسر كإشارة إلى الصيد أو الحيازة. لكن تعدد القراءة نفسه يكشف أن النص غير محسوم، وأن المعنى المفترض يستمد قوته من الصورة، إذ لا يوجد نظام كتابي ثابت وقراءة منشورة خضعت لمراجعة مستقلة. وهنا يصبح الدليل دائريًا: الرسم يساعد على تخمين القراءة، ثم تُستخدم القراءة لإثبات أن الرسم والنقش متعاصران.

تتسع الفوضى المنهجية حين يخلط البحث بين علم النقوش، والفن الصخري، والجغرافيا القديمة، واللغة، والهوية، والمرويات الدينية. فهو يبدأ من القرآن وثمود، ثم ينتقل إلى الثمودية بوصفها تصنيفًا كتابيًا، ثم إلى العربية والهوية الجزيرية، ثم إلى الهجرات والكتابة المسمارية والمصرية. بل يذهب إلى أن القرآن ينبغي أن يكون نقطة انطلاق ومنهج بحث أدق في التعامل مع أخبار الأقوام والرسل، مقارنة بالمصادر المسمارية والتوراتية. هذا خلط بين مقام الإيمان ومقام التأريخ الأثري؛ فالنقش لا يؤرَّخ بالعقيدة، بل بالطبقة، والمادة، والمقارنة، والتحليل المختبري، والسياق الأثري.

الأخطر أن البحث يحوّل فرضيات محلية إلى انقلاب في تاريخ الكتابة. فهو لا يكتفي بالقول إن بعض النقوش الثمودية قد تكون أقدم مما نعرف، بل يقارنها بالكتابة السومرية والمصرية، ثم يميل إلى ترجيح أن القلم العربي القديم/الثمودي هو الأسبق، أي أنه سبق كل الحضارات. بل يربط ظهور القلم الثمودي بفترة الهولوسين الرطبة 8000 ـ 4000 ق.م، ويجعل نقش لخيش ودراسات الأبجدية المبكرة مؤشرات مساعدة، مع أن هذه الشواهد لا تسمح بهذه القفزة. فالأقدمية العالمية لا تُثبت بالمجاورة البصرية، بل بنصوص مؤرخة تأريخًا مستقلًا وبتسلسل تطوري واضح.

خلاصة النقد أن البحث لا يفشل لأنه اهتم بالنقوش الثمودية، بل لأنه حمّلها ما لا تحتمل. النقوش الثمودية مهمة، والفن الصخري في الجزيرة العربية ثري، وتاريخ البيئة القديمة يستحق دراسة واسعة. لكن تحويل هذه العناصر إلى إعلان بأن القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ يحتاج إلى دليل من رتبة مختلفة تمامًا. ما بين الفرضية والادعاء الكوني توجد فجوة كبيرة جدًا، وهذا البحث قفز فوقها بلا جسر علمي كافٍ. وفي الفقرة الأخيرة يطالب البحث الجهات الرسمية بإجراء فحوصات مختبرية، أي إنه يعترف ضمنًا بأن الدليل الحاسم لم يُنجز بعد. وهذا وحده يكفي لإسقاط النتيجة الكبرى، لأن ما لم يُختبر لا يجوز أن يُقدَّم بوصفه انقلابًا في تاريخ الكتابة.

استنتاجات هامة

1 ـ العنوان أكبر من مادة البحث

يُظهر البحث منذ عنوانه مشكلة أساسية، وهي أن السؤال المطروح لا يتناسب مع طبيعة الأدلة المعروضة. عبارة «أقدم قلم في التاريخ»عبارة عن ادعاء عالمي يمس تاريخ الكتابة كله. لذلك كان على الباحثين أن يقدما مادة مؤرخة بدقة، وليس أفكار مفتوحة على التأويل. وهنا العنوان يسبق البرهان، ويضع القارئ أمام نتيجة ضخمة قبل أن يرى الطريق العلمي إليها. وهكذا يبدأ الخلل: فالمادة لا تتقدم تدريجيًا نحو النتيجة، لكن تبدو كأنها صيغت أصلًا للدفاع عن نتيجة مقررة مسبقًا أو مبشرة لمنجز وطني يجب أن نقبله ونصفق له

2 ـ الفرضية لم تُصغ بصيغة قابلة للاختبار

الفرضية العلمية الجيدة يجب أن تكون محددة وقابلة للاختبار والنفي. أما هنا فالفرضية فضفاضة جدًا: القلم الثمودي قد يكون أقدم قلم في التاريخ. هذه صيغة واسعة لا تحدد عينة بعينها، ولا فترة محددة، ولا توجد معاير واضحة للمقارنة.

هل المقصود أقدم نقش ثمودي؟ أم أقدم نظام أبجدي؟ أم أقدم كتابة عربية؟ أم أقدم كتابة بشرية؟ هذا الغموض يجعل البحث يتحرك في أكثر من اتجاه، ويستعمل كل قرينة ممكنة لخدمة الاستنتاج، دون أن يضع معيارًا صارمًا يمكن للقارئ أن يقيس به قوة الفرضية أو ضعفها.

3 ـ لا توجد عينة ممثلة واضحة

الدراسة تتحدث عن آلاف النقوش والرسوم، لكنها لا تمنح القارئ عينة منظمة تمثل هذا الكم الكبير. البحث العلمي لا يكتفي بالقول إن الباحث شاهد آلاف الأمثلة، بل يوضح كيف اختيرت العينة، وما معايير إدخالها أو استبعادها، وما نسبة النقوش المصاحبة للرسوم، وما عدد الحالات التي تحمل العلاقة نفسها. من دون هذا التنظيم تصبح «الآلاف» عبارة بلاغية لا قيمة تحليلية دقيقة لها. كثرة المادة قد تكون قوة عظيمة، لكنها تتحول إلى انطباع عام إذا لم تُرتب في جداول وتصنيفات ودرجات يقين واضحة.

4 ـ الدراسة تخلط بين الملاحظة الميدانية والنتيجة العلمية

الملاحظة الميدانية بداية مهمة، لكنها ليست نهاية البحث. أن يرى الباحث كتابة قرب رسم حيوان منقرض لا يعني أنه أثبت التزامن بينهما. الملاحظة تحتاج إلى اختبار: هل النقش فوق الرسم أم تحته؟ هل القشرة الصخرية واحدة؟ هل اتجاه الحفر متشابه؟ هل توجد آثار أدوات مختلفة؟ هل يمكن تصوير السطح بتقنيات دقيقة؟ البحث يتعامل مع الملاحظة كأنها نتيجة شبه مكتملة، وهذا اختزال واضح. فالعين ترى الجوار، لكنها لا ترى الزمن. الزمن يحتاج إلى أدوات قياس، لا إلى انطباع بصري فقط.

5 ـ غياب التمييز بين الدليل والقرينة

من أخطر مشكلات البحث أنه يعامل القرينة كأنها دليل حاسم. وجود حيوان منقرض في رسم صخري قرينة على قدم الرسم، لا دليلًا على قدم النقش المجاور. تشابه العتق قرينة بصرية، لا تأريخًا علميًا. قراءة كلمة محتملة قرينة لغوية، لم تحمل المادة أي إثباتًا تاريخيًا. هذه المادة حتى وإن قبلنا تسميتها بالبحث فإنها لم تتمكن من جمع هذه القرائن، ثم رفعها إلى مستوى البرهان.كون القرائن، مهما تكاثرت، تظل بحاجة إلى حلقة حاسمة تربطها بالنتيجة. والنتيجة هنا كبرى جدًا، لذلك لا يكفي تراكم الاحتمالات لإعلان أن القلم الثمودي أقدم قلم في التاريخ.

6 ـ النصوص غير المنشورة لا تكفي لقلب تاريخ الكتابة

اعتمد البحث على بعض النقوش التي يقدمها بوصفها جديدة أو غير منشورة. هذا في ذاته ليس عيبًا، فكل اكتشاف يبدأ جديدًا. لكن المشكلة أن النقوش غير المنشورة لا يجوز أن تتحول فورًا إلى أساس لانقلاب معرفي عالمي قبل أن تُعرض على مجتمع الاختصاص. يجب أن تُنشر بصور عالية الدقة، وتُفهرس، وتُقرأ من أكثر من متخصص، وتُقارن بنقوش مماثلة، ثم تُتاح للنقاش. أما أن تُستخدم هكذا مباشرة لإثبات أقدمية عالمية، فهذا يجعل القارئ أمام سلطة الباحثين وليس أمام مادة علمية قابلة للمراجعة.

7 ـ غياب المراجعة المستقلة للقراءات

القراءة النقشية مجال دقيق جدًا، والخطوط العربية الشمالية القديمة تحمل احتمالات لبس كثيرة في اتجاه الكتابة وأشكال الحروف وتداخل العلامات. لذلك لا تكفي قراءة واحدة، خصوصًا حين تكون القراءة جزءًا من إثبات نظرية كبرى. كان ينبغي عرضها على متخصصين مستقلين، وذكر المراجعات البديلة، وبيان أسباب الترجيح. أما حين تُقرأ العلامات بطريقة تخدم صورة الحيوان المجاور، يصبح خطر الإسقاط كبيرًا. القراءة هنا لا تبدو دائمًا نتيجة تحليل داخلي للنص، بل أحيانًا نتيجة رغبة في جعل النص شاهدًا على المشهد.

8 ـ الصورة تقود النص بدل أن يقرأ النص نفسه

في كثير من الأمثلة يبدو أن الرسم الصخري هو الذي يوجه معنى النقش. فإذا ظهر ثور، اتجهت القراءة نحو الملكية أو الصيد أو تسمية الحيوان. وإذا ظهر مشهد حيوان آخر، صار النص تابعًا للصورة. هذا قلب للمنهج. في علم النقوش، يجب أن يقرأ النص أولًا بأدواته الداخلية: الحروف، الصيغة، الاتجاه، البنية، المقارنات. بعد ذلك يمكن أن يساعد الرسم في الفهم. أما أن تبدأ القراءة من الصورة، فهذا يجعل النص مرآة لرغبة الباحث، لا شاهدًا مستقلًا. وهنا تنشأ الدائرة المغلقة التي تضعف البحث.

9 ـ تحديد الحيوان يحتاج إلى اختصاص مستقل

لا يكفي أن يقرر الباحثان أن الحيوان المرسوم هو ثور الأرخُص أو غزال بعينه أو حيوان منقرض محدد. الرسوم الصخرية غالبًا مبسطة، وقد تتداخل فيها الرمزية والأسلوب الفني والتآكل. تحديد النوع الحيواني يحتاج إلى مختصين في علم الحيوان القديم، وإلى مقارنة تشريحية دقيقة، لا إلى انطباع بصري عام. وإذا كان نوع الحيوان غير محسوم، فإن الاستنتاج الزمني المبني عليه يصبح غير مستقر. فالدراسة تبني تاريخ الكتابة على تاريخ الحيوان، لكنها لا تثبت الحيوان نفسه بما يكفي من الضبط العلمي.

10 ـ البيئة القديمة لا تؤرخ الكتابة مباشرة

الاستشهاد بفترات الرطوبة والبحيرات في الجزيرة العربية مهم لفهم الخلفية البيئية، لكنه لا يكفي لتأريخ النقوش. نعم، عرفت الجزيرة العربية مراحل رطبة وبيئات غنية بالحيوانات والمياه، لكن هذا لا يعني أن كل نقش بجوار رسم حيوان كبير يعود إلى تلك الفترة. البيئة تقدم إطارًا عامًا، لا تاريخًا مباشرًا للحروف. البحث يستعمل دراسات المناخ القديم وكأنها تمنح تأريخًا للنقوش، بينما هي في الواقع تتحدث عن شروط الحياة والاستيطان. الفرق كبير بين أن نؤرخ بيئة، وأن نؤرخ كتابة محددة على صخرة محددة.

***

حميد عقبي

...................

* رابط لمشاهدة المادة النقدية

https://youtu.be/-8m0t9_LL6w?si=n3wfgjkoeD6RtkbJ

قراءة في كتاب "الجسد اليقظان" للكاتب نورالدين حنيف أبو شامة

المقدمة: تعتبر الكتابة المعاصرة فضاء خصبا لإعادة التفكير في مفاهيم الذات والوجود، ومن بين هذه المفاهيم يبرز الجسد بوصفه مركزا دلاليا تتقاطع فيه أبعاد فلسفية ونفسية وسيميائية.

وفي هذا السياق، يبرز نص «الجسد اليقظان» للأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة يقدم فيه تصورا مغايرا للجسد، حيث يتحول من كيان مادي إلى نظام من العلامات، وانطلاقا من هذا الطرح، يمكن صياغة الإشكالية التالية:

كيف يتحول الجسد في النص إلى بنية دلالية منتجة للمعنى؟ وإلى أي حد يمكن قراءة هذا التحول في ضوء سيميائيات تشارلز ساندرز بيرس؟

من خلال قراءتي المتواضعة لهذا المتن فهو عبارة عن مجموعة من الأفكار المتسقة، والتصورات التي بنيت عن تجربة طويلة، وهذا ينطبق على الكاتب العبقري الذي يكتب من خلال نطرته للعالم، ويبرز آراءه بأسلوب ذكي، يضع القارئ في صلب الموضوع، بل ويثير في ذهنه عدة تساؤلات.

هو عبارة عن مواقف وأحاسيس صادقة، نابعة من رجل عاش يبحث عن الحقيقة، ساعده في ذلك اطلاعه على ثقافات متعددة، هذه الحقيقة التي تعكسها الكتابات السوسيولوجية والفلسفية وحتى الدينية مثل:

لغة الجسد لــ بيتر كلينتون.

الإشارات لــ بيتر كوليت.

لغة الجسد في القرآن الكريم لــ أسامة جميل ربايعة.

إذن نحن لسنا بصدد رواية خطية، نقدمها من خلال المفاهيم التي جاء بها هيجل أو جورج لوكاتش او باختين.

نحن أمام عمل يتداخل فيه الفلسفي بالواقعي، ويدعونا إلى التأمل في كل حرف وكلمة وجملة وفقرة.

- عتبات المتن:

تحليل عتبات الكتاب وفق المقاربة السيميائية (جيرار جنيت) التي تهتم بـ النص الموازي: العنوان، الغلاف، اسم المؤلف، التصدير، والنوع.

الغلاف:

يتضمن اللون الأخضر الذي يحمل عدة دلالات بحيث يعد أحد الألوان الثابتة، المتوازنة بيئيا، والأكثر سلاما.

ومن ناحية الأذواق في الاختيارات، فيعتبر من الألوان الجميلة، وأحد الألوان الرئيسية التي لا تدل على التقيد في التعامل، هو لون الطبيعة بحيث يشير إلى الخصوبة والطاقة الإيجابية.

العنوان الرئيسي: كتب باللون الأزرق في إشارة للاستقرار والثقة، فعندما يريد رجال الأعمال عرض أفكارهم وصورهم، فإنهم عادة ما يستخدمون اللون الأزرق في صورهم لإعطاء حس الهدوء والثقة عند التسويق والإعلان، يرتبط اللون الأزرق بالإخلاص والروحانية، مما يجعله لونا مفضلا في العديد من الثقافات.

يحمل العنوان تركيبا دلاليا لثنائية الجسد واليقظة، فالجسد يرمز للبعد الحسي البيولوجي، بينما كلمة “اليقظان” التي جاءت على وزن فعلان فهي صفة مشتقة من اليقظة، بمعنى الحضور الذهني الواعي.

الجسد: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

اليقظان: نعت تابع للمنعوت في الرفع.

وإذا أردنا استخراج الفكرة الأساسية من العنوان يمكننا القول بأن الكاتب يحاول أن يظهر للمتلقي بأن الجسد ليس فقط مجرد مادة بل هو شيء واع متحرك ومدرك للعالم، الشيء الذي ينسجم مع العنوان الفرعي ومضمون المتن الذي يربط الجسد بالوعي والحركة في سياق فن الأيكيدو.

الإهداء: قدم الكاتب إهداء “إلى روح مترجي تونسي”، الذي علم الكاتب الأبجديات الأولى في فن الأيكيدو، وهذا يحمل في طياته بعدا عاطفيا وجدانيا، ناهيك عن التقدير المعرفي القيمي، لأن عملية التعليم والتعلم ليست نقلا للمعرفة فقط، بل هي استمرار لأثر ذلك التعلم في حياة الشخص.

إضاءة: أتى الكاتب بمقولة لـ “موريهاي يوشيبا” وهو من أصل ياباني يعود له الفضل في تأسيس فن الأيكيدو ويلقب بـ «أوسينسي” أي” المعلم الكبير”، حيث يقول: “حاول أن تكون على اتصال مع السماء والأرض، وعندما سيسطع العالم بنوره الحقيقي، سيتلاشى الغرور والإعجاب بالنفس، وستتمكن من الاندماج مع أي هجوم”

من خلال المقولة ومن خلال البحث حول هذه الشخصية، نستكشف أن الأيكيدو هو فن حربي، وأن مؤسسه كان له توجه عسكري وكان ينتمي للجيش الياباني، خاض مجموعة من الحروب وقد أسس مجموعة من الفنون الحربية قبل أن يستقر على الأيكيدو، الذي يتكون من ثلاث حروف على اعتبار أن الحرف في اللغة اليابانية يعتبر كلمة، كما أن اللغة اليابانية تتكون من مجموعة قليلة من الكلمات، ولكن كل كلمة عندما توضع في سياق معين تعطي معنى مختلفا، وسوف أعطي مثال في اللغة العربية من خلال المشترك اللفظي وكلمة “عين”، فتغيير السياق يعطي معاني مختلفة للكلمة، فنقول: “عين الإنسان، ونقول نشر الوالي عيونه في المدينة، ونقول في التوكيد عينه أي نفسه” .

بصفة عامة يمكننا القول بأن عتبات كتاب “الجسد اليقظان “ليست عناصر شكلية فقط، بل هي جهاز دلالي متكامل يهيئ القارئ لفهم أن الجسد في هذا العمل ليس موضوعا بيولوجيا، بل كيانا فلسفيا حيا يتحرك بين الوعي والفعل والمعنى.

نعود لكلمة أيكيدو فهي تتكون من ثلاث كلمات وهي تبرز الفلسفة التي ينتهجها هذا الفن:

أي: وتعني الانسجام

كي: تعني الطاقة ويقصد بها الطاقة الداخلية وليست القوة العضلية

دو: تعني la voie بمعنى الطريقة، كقولنا طريقة التدين معينة عند البودشيشية أو التيجانية أو الدرقاوية على سبيل المثال لا الحصر.

بمعنى طريقة البحث عن الانسجام بين الطاقة الداخلية وعقل الإنسان والكون.

وهو كما سلف الذكر، فن حربي لا يعتمد على الهجوم بل يعتمد على استقبال الهجمات وتحويلها بطريقة ليس فيها عنف أو تحطيم للآخر، أي تعتمد على الضبط والسيطرة بدون تسبب للأذى، أي الدفاع دون إيذاء الخصم قدر الإمكان؛ مثل سيطرة الشرطة في إطار احترام تام للقانون خلال القيام بتوقيف مجرم، دون أن يسببوا له الأذى في الدول التي تحترم حقوق الإنسان طبعا، بمعنى” رد الفعل المناسب للفعل ”

وهو يتكون من عدة تقنيات سواء بالأيدي والأرجل، ويمكن للكاتب من خلال مداخلته أن يفصل في هذا الباب.

- تقديم الأستاذ عبد القادر واعلي:

اعتبر أن ممارسة فن الأيكيدو عند الكاتب مختف تماما عن غيره، فالآخر غالبا ما يرغب في شهرة، أو ترويض للعضلات، أو الاستعداد لمدافعة غريم ما، لكن الكاتب اختار هذا الفن النبيل حبا في حكمته، والحكمة في أبسط تعريف فلسفي لها عند ابن رشد “أفلاطون العرب” كما يحلو للبعض أن يلقبه: “الحكمة هي النظر في الأشياء بحسب ما تقتضيه طبيعة البرهان، أي القدرة على فهم الأمور بعمق، واستيعاب جوانبها المختلفة”

إذن فنظرة الكاتب لهذا الفن تتجاوز القوالب التقليدية والنظرة الضيقة، لأن الهدف هو ” الرقي بالذات في مدارج الانتشاء الروحي حيث يعزف الجسد بحركاته المتناغمة والمنسجمة سيمفونية التسامي على اليومي والانفتاح على الغير وتقاسم قيم التسامح والتعايش …وإذا أردنا أن ندقق أكثر “أن يفقه الإنسان العلاقة المتلازمة بين الروح والجسد…”

وفي هذا السياق تذكرت كتابا قرأته منذ فترة طويلة وبقي عالقا بذهني وهو “الروح والجسد” للدكتور مصطفى محمود، الذي يمزج فيه بين الفلسفة والدين والواقع بأسلوب جذاب ومؤثر، فكل كلمة فيه تحمل معنى عميقا يدفعك للتفكر في معنى الحياة بصفة عامة حيث يقول: “الحياة امتحان، والنجاح ليس في الإجابة الصحيحة دائما، بل في القدرة على التعلم منها”، فهو يحاول أن يتجاوز الصراع المادي الروحي، حيث يجعل الروح مركزا لفهم الإنسان، بينما يعتبر الجسد وسيلة للتجربة والوجود في العالم.

إذن فالكاتب هنا إذا أردنا ان نضع مقارنة بسيطة، بحكمته وشاعريته رفع الستار عن عالم غني بالدلالات الفلسفية والتربوية والقيمية.

-  توطئة:

يقول الكاتب: “يحاول هذا الكتاب رصد طبيعة الجسد الحركية الخاصة برياضة الأيكيدو، وإن شئنا التعبير الأدق نقول فن الأيكيدو”.

إذا كانت تيمة الجسد كمفهوم معقد يتداخل مع الفلسفة والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا، ويعكس تجارب الإنسان وهويته عبر التاريخ، فإن الكاتب حاول ملامسة قضايا الجسد داخل مبحث الأيكيدو حيث يقول: “لكنا في هذا الكتاب المتواضع سنحاول ملامسة قضايا الجسد داخل مبحث الأيكيدو أي داخل رياضة تطرح إشكالياتها الخاصة انطلاقا من كونها رياضة وافدة من الشرق الآسيوي الموسوم بثقافته الخاصة تبعا لأصول مرجعياته الفلسفية المتجذرة في التاريخ وفي العتاقة”.

إذن فنحن أمام منطق آسيوي يوصف بأنه منطق متدرج يتجاوز الثنائيات الضدية، فالحديث هنا مركز على ثنائية الجسد بين الكوني المشترك، مقابل النوع الحيواني، والمحلي المشبع بالديني والثقافي، وهذا تأكيد آخر على أن مقاربة مفهوم الجسد من طرف الكاتب في فن الأيكيدو يكون من خلال “التأمل لهذه الرياضة في إطار التجربة فيها وداخل منظومتها” وهي مقاربة تمتح من المقاربة السوسورية التي وضعت قطيعة كوبيرنيكية مع الدراسات المقارنة، من خلال دراسة اللغة في ذاتها ولذاتها.

إذن نحن هنا بصدد دارسة الجسد دراسة محايثة مغلقة في إطار فن الأيكيدو.

ولسبر أغوار هذا المؤلف الماتع استعملت مقاربة سيميولوجية باعتبارها علما للعلامة، ولها علاقة وطيدة بالجسد، وبالضبط السيميولوجية الأمريكية عند بورس التي تهتم بالفلسفة، عكس السيميولوجية الأوروبية عند غريماس التي تهتم بالسرد.

يتضمن الكتاب تسع يقظات:

اليقظة الأولى: سؤال الجسد في فن الأيكيدو.

اليقظة الثانية: إدهاش البداهة في فن الأيكيدو.

اليقظة الثالثة: المحارب الجميل.

اليقظة الرابعة: الحركة في فن الأيكيدو.

اليقظة الخامسة: شاعرية الجسد.

اليقظة السادسة: تأويل الجسد في فن الأيكيدو.

اليقظة السابعة: رسائل الهاكا.

اليقظة الثامنة: سقوط الجسد.

اليقظة التاسعة: الجسد في مقولة الكاتانا.

اعتبر الكاتب أن ميزة الجسد في هذا الفن غير مفروشة بالورود وإنما مغامرة محفوفة بالمطبات والانزلاقات الجانبية خاصة وأنه اعتمد في استقرائه للموضوع على شرطين مختلفين وهما:

التأمل: وهو غير قابل للقياس.

الملاحظة: قابلة للقياس، خصوصا أنه يمارسها ويطبق قواعدها.

إذن؛ كيف يفهم المتلقي وجهات نظر الكاتب، على اعتبار أن مفهوم نظرية التلقي وأصولها ترتبط بما يعرف بـ “مدرسة كونستانس” في ألمانيا، التي يمثلها كل من “هانس روبرت ياوس” و “فولفغانغ إيزر” وقد ركزت هذه المدرسة على القارئ بوصفه عنصرا فاعلا في العملية الأدبية، لا مجرد متلقي سلبي؟

كما أن “رولان بارث ” الناقد والمنظر الفرنسي، تحدث في مقاله النقدي الشهير سنة 1967 عن موت المؤلف la mort de l’auteur، ما يعني انفصال النص عن مؤلفه، وميلاد القارئ من خلال التعامل مع اللغة.

وقد قال الكاتب في هذا الشأن:” نستعين بذائقة المتلقي في تفهم وجهات نظرنا التي قد تبدو في بعض الأحيان مغرقة في التأويل، ولكنها لا تبلغ درجات الشطط والقفز على البداهات في استخراج المخرجات”

وقد طرح الإشكالية التالية:

كيف نعقل هذا الجسد المرن في ثقافة الأيكيدو؟

كيف يرسل إشاراته المشفرة ويحولها إلى معلومات قابلة للقياس، وقابلة للاستثمار في مجال التعلمات؟

هل هذا الجسد معطى جاهز وخاص أم هو جسد عام اكتسب خصوصياته الحركية عبر آليات التعلم المفرد والمتفرد في عالم فنون القتال؟

كيف يرقى هذا الجسد في ثنائية المادة والروح رقيا نوعيا يسير في اتجاه التميز المجاني القاضي بالتمايز فقط، أو القاضي بمقولة المفاضلة في غير معنى؟

يقول الكاتب: ” الجسد في فن الأيكيدو مقولة كائنة مفارقة دالة ووظيفية تتميز بالحضور الدائم لمفهوم اليقظة”

الشاهد على ذلك قوله: ” تتلخص في حلبة الأيكيدو في مواجهة الشريك تأهبا للنزال في مجال التنافس بواسطة الأدوات القتالية وخاصة ما يطلق عليه في هذه الأدبيات باسم الكاتانا katana، وهو سيف مستقيم وفي رأسه تقوس بنسبة قليلة جدا وبحد مضاء واحد، وبطول سبعين سنتمترا…”

- الجسد كعلامة سيميائية:

وفق تصور بورس، تقوم العلامة على ثلاثية (الممثل–الموضوع–المؤول).

1- الممثل: هو الجسد كعلامة.

2- الموضوع: هو الفكرة التي يحاول الكاتب إبرازها.

3 - المؤول: هو القراءة التي تعكس نظرية المتلقي أو القارئ.

وإذا طبقنا ذلك على النص، يمكن القول بأن الجسد بهذا المعنى يتجاوز وظيفته البيولوجية ليصبح:

أيقونة: يجسد التجربة الحسية والوجودية.

مؤشرا: يدل على حالات داخلية (كالقلق أو الرغبة)

رمزا: يعكس مفاهيم مجردة مثل الحرية والهوية.

وبذلك، يتحول الجسد إلى وسيط تأويلي يربط بين الذات والعالم، حيث لا يفهم الواقع إلا عبره.

البنية السردية والزمن: لا يعتمد النص سردا خطيا تقليديا، بل يقوم على:

تشظي الزمن (استرجاع وتأمل)

تداخل اللحظات الشعورية

غلبة البعد التأملي على الحدث

وهذا يجعل الزمن: زمنا نفسيا مرتبطا بإدراك الجسد، لا زمنا كرونولوجيا ثابتا.

اللغة والأسلوب: تتميّز لغة النص بـ:

الكثافة الرمزية

الانزياح البلاغي

الطابع الشعري التأملي

وهذا يمنح النص عمقا دلاليا، لكنه في المقابل يفرض قارئا نشيطا قادرا على التأويل، وقراءة ما بين السطور، بعيدا عن القراءة السطحية المباشرة، فإن كان ممن يمارسون أو لهم دراية بفن الأيكيدو فستكون لهم إضافة نوعية، لأنهم سيجدون فيه الخلفيات الاجتماعية والنفسية والروحية التي تتجاوز كونه مجرد رياضة لتقوية الجسد والتحكم في مفاصله، إلى كونه تجربة عميقة يتفاعل فيها الجسد والروح، وإن كان ممن لا يمارسون هذا الفن، سيكتشفون أن لهذه الرياضة تصورا خاصا للأجساد، وأن لها فهما خاصا للحركات واللباس، وتصورا لدور الآخر ووظيفته، وسيكون مناسبة للفهم والتعمق في علم ما لا يعلون، وكما يقال فوق كل ذي علم عليم.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

تعلم فليس المرء يولد عالما

وليس أخو علم كمن هو جاهل

وإن كبير القوم لا علم عنده

صغير إذا التفت عليه الجحافل

وإن صغير القوم إن كان عالما

كبير إذا ردت إليه المحافل

خلاصة القول فالكاتب اشتغل على تحويل الجسد إلى خطاب يقدم تجربة قراءة قائمة على التأويل لا التلقي المباشر، حيث يصبح المعنى نتيجة تفاعل بين: النص، والقارئ، والسياق الفكري.

يقول الكاتب: “ليس سؤالا سؤال لا يضعنا أمام مرايا الشك”، المقصود هنا الشك الذي يوصلنا إلى الحقيقة، ثم يسترسل القول: ” في هذا المألوف الذي يحبس النظر في الأمداء الممكنة في علاقتنا بذواتنا وعلاقة ذواتنا بما حول”

إنه المنهج الشكي الذي استعمله الأديب طه حسين في “الشعر الجاهلي” حيث استمده من كوجيطو الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، هذا المنهج الذي يعتبر الشك أداة قوية للبحث عن الحقيقة والمعرفة.

فالكاتب كان يدخل الركح “مفصولا عن جسده” يروضه ويخسس وزنه ويشذب ديناميته المبنية داخل أنساق الزقاق لتدخل السينما كعنصر حيث يتماهى الجسد مع أبطال تاريخيين كـ هرقل وسبرتاكوس وعنترة بن شداد أو إظهار قوة الجسد أمام الآخر لسبب أو لأخر.

الحقيقة التي وصل إليها الكاتب هي أن “رقصة (أتاي شباكي) ” هذا الطقس الذي يتكرر في كل حصة تدريبية، حيث يقول: «وفي تكراره تنتفي البداهة والرتابة بحيث تخرج هذه الحركات من مجرد إجراء تمهيدي ….. إلى دينامية تخالط نسغ حياة الممارس لهذا الفن”.

إن المنطق الفلسفي هو منطق السؤال والشك قبل البحث عن الأجوبة، كاتبنا المتواضع المتعدد المواهب الأستاذ نور الدين حنيف أبو شامة؛ الشاعر المتمكن والزجال المتمرس والروائي المبدع، طرح إشكالية اعتبرتها أساسا في التعامل مع الكتاب، واستفزتني في البحث والتنقيب والتمحيص والقيام بعمليتي الهدم والبناء، يقول:

ما هو جسدي؟ وما طبيعته؟ وماذا أريد منه؟ ولم أدخلته في هذا السياق الرياضي والفني والفلسفي؟ وماهي مدخلاته الأساسية؟ وماهي مخرجاته المرجوة؟ وكيف أحاور أجسادا أخرى؟ وكيف أتعالق معها في سياقات إكراهية؟

بصفة عامة يمكننا القول بأن المتلقي الفطن، سيستنتج بأن مقاربة رياضة الأيكيدو من طرف الكاتب، تقدم تصورا خاصا للجسد في حركاته وسكناته ولباسه المميز، الشيء الذي يجعلنا نغير نظرتنا بل وتمثلنا عن الوظيفة التقليدية للجسد، فعندما قال الكاتب: “هكذا يدعونا فن الأيكيدو إلى الاستماع إلى هذا الجسد إلى ملاحظته وهو يتحرك في الفضاءات الممكنة داخل قاعة التدريب، على صفيح الركح المتميز بطقوسه الخاصة والمختلفة”، ثم يتحدث فيما بعد عن رقصات الجسد التي تعتبر أساسا في التحكم في الجسد، رغم النظرة المتحفظة عند البعض، إذن هي سلسلة من الحركات التي تنبني على إيقاعات خاصة، يقول: “تمهد للمارس فكرة التحكم في الجسد انطلاقا من تمهيره على اللف والدوران في افتراض مواجهة الآخر الموصوف بالخصم في رياضات أخرى، والذي تسميه فلسفة الأيكيدو بالمشارك أو الشريك”.

وهذا يندرج من جهة ضمن الفكر الصوفي؛ حيث صورة الجسد عندهم وخلفياته تتجلى في تطويعه من أجل خدمة التجربة بتوجيه طاقاته، وتوظيف جوارحه، لتحقيق درجة من الصفاء تسمح بمعانقة العالم العلوي، وبلوغ الحضرة الإلهية.

ويكون ذلك عبر طقوس الذكر والإنشاد والرقص، ومن جهة أخرى يجعلنا نؤمن بأن الجسد يقودنا إلى ثقافة التسامح المنسجم مع الاختلاف، والقبول بالآخر، ونبذ العنف بكل أشكاله، لأننا نشتغل داخل فضاء مشترك.

وهنا تتجلى القدرة على الفهم العميق لمعنى ثنائية الجسد واليقظة، يوقل الكاتب “إن ممارس فن الأيكيدو محارب جميل”

يضع الكاتب بين أيدينا مادة دسمة وخلخلة لعدة مفاهيم ظلت مبهمة:

اللباس: ليس مجرد قطعة قماش نستتر بها “الهاكاما” سروال يرتديه الممارس، يتم التعامل معه بكل احترام، لأنه يحمل قيم إيجابية، ويعتبر طقسا مميزا روحيا في ارتدائه وفي طيه وأثناء الركوع.

اللون: ليس لونا تمييزيا بل فرضه سياق معين.

السيف: ليس مجرد آلة حربية.

الجسد: أثناء سقوطه، يكون تعبيرا عن مهارة تم سقلها لسنوات، لأن كل حركة للجسد تكون بطريقة متوازنة وسلسة، فالممارس يعي تماما كل تفاصيله حتى يستطيع الحفاظ على سلامته.

يمكن اعتبار المتن محاولة جادة لتجاوز الثنائية التقليدية (جسد/عقل)، حيث: لا يعود الجسد تابعا للعقل، بل يصبح مصدرا للمعرفة والإدراك؛ يوقل الكاتب: “وطيلة هذه الممارسة أو المحاورة بين الممارس والشريك، يظل الخطاب مفتوحا بين الروح والجسد يتكاملان لتأسيس وحدة عضوية طرفاها مختلفان اختلافا جذريا من حيث طبيعة كل منهما ولكنهما منسجمان في التوجيه، وفي بناء منظومة مختلفة لرياضة الأيكيدو”

غير أن هذا الطموح التأويلي يصاحبه نوع من الضعف في البنية الحكائية، وهذا طبيعي لأن النص أقرب إلى كتابة فكرية تأملية منه إلى سرد روائي تقليدي.

خاتمة:

في ضوء ما سبق، يتبيّن أن «الجسد اليقظان» نص سيميائي بامتياز، يعيد الاعتبار للجسد بوصفه نظاما دلاليا حيا، حيث يتشكل المعنى من خلال تفاعل العلامات داخل النص ومن خلال تأويل القارئ.

وبين مقاربة بورس التي تؤكد دينامية المعنى، ومقاربة غريماس التي تكشف بنيته، يقدم النص تجربة فكرية غنية تنفتح على قراءات متعددة.

لا يسعني القول في الأخير، سوى أن الكاتب سرى بنا في متاهات وردهات فن الأيكيدو بكل تواضع، بل وجعلنا نعيش لحظات من هذا الفن النبيل، ونغرف من نهر عطائه حتى الثمالة متأثرين بتجربته المتفردة، وكتابته الرصينة التي جعلتنا نفكر في اقتحام دروبه بكل عزيمة وثبات.

***

بقلم الأستاذ الناقد: محمد التانغمالتي - المغرب

(1963-2026)

كتاب الراحل العراقي شاكر الناصري، "مجرد وقت وسيمضي، يوميات السرطان" بحد ذاته مكرس لموضوعةٍ قاهرةٍ، إنها تجربة حياتية قاسية جدّا يصعب تصوّرها تمر هكذا ببساطةٍ. ويعرف أغلب أصدقاء المؤلف وقرّائه حماسَتَه ككاتب وإنسان عانى ما عاناه في حياته الشخصية كأي مثقف عراقي خاض معترك الحياة بشجاعةٍ، وقام بالأمر ذاته عند تصوير معاناته الصحية والنفسية في أثناء كتابة "اعترافاته اليومية" على جبهة المرض الخبيث منذ اللحظة الأولى حتى نهاية الطريق! 

‏ويكفي هنا الاطلاع على فهرست كتابه المليء بالتجارب الغنيّة والمفاهيم والآراء الثريّة ليشعر المتلقي بقيمة هذه التجربة الإنسانية وصعوبتها. ولا بدّ لنا هنا من نقل بعض العناوين المهمة ليشعر القارئ بشجاعة هذا الكاتب وهو يكتب عن جسامة الحرب مع السرطان ومواجهة آلامه في 164 صفحة من الحجم المتوسط من إصدار دار الرافدين 2025.

يبدأ الكاتب الراحل شاكر الناصري سرديتَه بإهدائها إلى عائلته الكريمة: زوجته وابنتهما وولدهما: "إلى ابتهال وديار وطيف معكم كنتُ قويّاً، ومعكم تجاوزتُ محنة الرعب الأولى، على أمل أن نجتاز معاً محنتنا القادمة" ص 7.

منذ البداية يعبّر الكاتب شاكر الناصري عن محبّته لعائلته وتعلّقه بها، أسرته التي صاحبته أوّلاً باوّل منذ الخطوة الأولى في مسيرته النضالية الصعبة حتى الرمق الأخير، كذلك لا ينسى التعبير عن شكره وامتنانه لأصحابه وزملائه الكتّاب: قحطان جاسم، سليمان جوني، صلاح حسن وعلي حاكم، الذين وقفوا جنباً إلى جنب معه لإنجاز كتابه المكرّس لهذا المرض الخطير منذ بداياته حتى نهايته.2760 shaker alnaseri

 في فصل "رعب الاحتمالات" يعيش في دوامة إثر الأخرى في زحمة الاحتمالات، ومع ذلك يتحدث عن الأمل ويصف السرطان في معدته "لغم في المعدة"!

أقول بكل صراحة: لم يكن من السهل عليّ الاستمرار في قراءة هذه السردية دون توقف واستراحات، وكنت أشعر بين الفينة والأخرى بالمرارة والحاجة الماسّة للتواصل مع المؤلف شاكر الناصري من خلال رسائل نصيّة قصيرة معينة عن نصوصه وحالته النفسية كنوع من الدعم والمساندة، والتنفيس أيضاً عن وضعي والألم الذي كنت أعاني منه شخصيّا رغم أني لم أكن قريباً منه كأصدقائه الآخرين. لا أزال أتذكر استجابة الراحل شاكر الناصري لكتابتي عن رحيل صديقنا الكاتب الراحل عدنان المبارك في الفيس بوك قبل أكثر من عقد بقليل حيث أبدى الاهتمام بالأمر وعرضَ تقديم المساعدة.

يبدأ الكاتب بوصف "اليوم الكيمياوي الأول الثلاثاء 28 تشرين الثاني 2023 وموقف الأصدقاء منه وتعاضدهم وتعاونهم معه وتشجيعهم له ومساندتهم له! نص جميل مليء بتجربته عن الصداقة وانطباعاته عن أهميتها في مثل هذه الأوقات الصعبة وعن اليوم الكيمياوي.

ويعيدنا شاكر الناصري إلى طفولتنا من خلال السخرية أحيانا باستخدام مفردة قد نكون نسيناها، إنها "المحجارة" التي كنّا ننظف أقدامنا بها في الحمّام، هذا ما ذكره للقارئ في فصل "اليوم الكيمياوي الثاني"!

ورغم قساوة الحدث وصعوبته، لكن الكاتب، مع ذلك يعرف كيف يصل إلى أحاسيس القارئ العراقي من خلال استخدام مفردات تثير النوستالجيا: "المحجارة"، "نمره صفر" حيث يتعرض لحلاقة شعره "نمره صفر".

ويأخذنا الكاتب إلى طفولته الجميلة في "قرية فرحان" رغم صعوبات الظروف!  أو يقول ساخراً من الذين يخفون إصابتهم بهذا المرض الخبيث: "... صايره موديل، هوايه ناس تشيل المعدة من أجل الرشاقة والتخلص من متاعب السمنة والكرش|" ص 42

ويناقش الكاتب في فصل "تجارب: كل يوم نعيشه هو بمثابة هدية! تجارب الحياة التي مر بها أثناء علاج "إمبراطور الرعب"، حيث يعيش "حالة الرعب و"الصداع" الذي تعرض له، كذلك "نوبات الصمت"، ويصوّر معاناته في "اليوم الكيمياوي الثالث"، ومع ذلك رغم حالته الإنسانية المرضية القاسية لا يتوانى عن التطرق إلى قضية "فلسطين ومجازر غزة وسرطان الاحتلال".

وأتذكر أننا عندما تحدثنا في مكالمات تليفونية لم ينسَ أن يذكر لي قلقه بسبب القضايا السياسية، رغم محاولة تهدئته، لكنه كان يعاني. ومع ذلك فكرتُ في هذا الأمر المهم جدّا، وحتى بعد إزالة المعدة، بقي يعاني من القلق ليس بسبب المرض فحسب، بل أيضاً الأوضاع السياسية، ويذكر هنا في كتابه الذي نحن بصدده صديقَه الأكاديمي والروائي سنان أنطوان المقيم في أميركا وتعرضه للمشاكل بسبب تضامنه مع الشعب الفلسطيني!

لا يكتفي الراحل شاكر بتجربته مع مرض السرطان الشخصية فحسب، بل وتجارب شخصيات أخرى كبيرة، مثل الشاعر المصري أمل دنقل وأخرين.

ومهم هنا أن تكون قراءتنا لهذا العمل صحيحة لناحية الاعتبارات الفنية، ولا نخرجه عن إطار "نوعه" الأدبي ومقوماته، فهو ليس سيرةَ حياة رغم توفر بعض مقومات السيرة، ولا رواية تقليدية، بل سردية أو يوميات تتوفر فيها مقومات متنوعة. ولم يقصد الكاتب أن يكتبها كرواية رغم وصف حالة "الإنسان الخاص" "البطل المعاني" من الداخل، ولا يُفترض بنا أيضا التعامل معها من الناحية اللغوية من تلك المنطلقات الأدبية الفنية، فعلينا أن نفهم أن الكاتب كان يكتبُ وهو في حاله حزن شديدة، مع ذلك لا أقصد أنا أنه كان محبطاً ويائساً كونه لم ينسَ أيضا التعليق على القضايا السياسية.

وتطرق إلى كتب أخرى مشابهة لكتابه بطريقة فنية متحررة من الأسلوب الأكاديمي، بل متمّمة مع النص واللغة، لا أرى ضرورة لذكرها هنا تاركاً الأمر للقارئ ليطّلع عليها بنفسه.

‏يتميز المرحوم شاكر الناصري بنكران الذات والتضحية، فرغم معاناته من المرض الخطير وأنه يمكن أن يتعرض للوفاة في أي لحظة، لكنه مع ذلك يسافر إلى العراق لزيارة أخته التي تعاني هي أيضاً من المرض الخبيث عينه، وهو ما أشار إليه صديقه الكاتب علي حاكم صالح.

‏ومن المواقف المؤلمة والحساسة، نذكر أن الكاتب يقدم لنا عراقيين مغتربين معه في المحنة ذاتها: شاعر عراقي رائع يذكره باسمه الحقيقي يقاوم المرض بضراوة، وهو صديق شخصي لنا، عراقي أخر مريض بالسرطان، طبيبة عراقية كانت تراقب الرنين المغناطيسي تقدم لهم العون قدر استطاعتها في تدقيق مفصل حسّاس من تطور المرض!

أهم ما يقرب هذه السردية من القصة الصحفية الوثائقية كون الكاتب يذكر أبطالَها بأسمائهم الحقيقية، كلهم يتجمعون في مستشفى أجنبية خارج بلدهم العراق، عراقيون يتحدثون بلغتهم!

يصف السارد حالة زوجته ابتهال، ابنتهما ديار وابنهما طيف، غادر الأب الكاتب تاركاً عائلته كشجرةٍ مثمرةٍ وارفةِ الأغصان في هذا البلد الإسكندنافي، كأننا أمام لوحةٍ كبيرةٍ ترمز إلى وادي الرافدين: العراق!

***

الدكتور زهير ياسين شليبه

تُعدّ ملحمة «إنكي وتنظيم العالم» واحدة من أهم النصوص السومرية التي وصلت إلينا من بلاد الرافدين القديمة، ليس لكونها تروي حكاية دينية عن إلهٍ عظيم فحسب، ولكن هناك أهمية خاصة، لأنها تكشف رؤية حضارية كاملة للعالم، وللعلاقة بين الإنسان والطبيعة والسلطة والاقتصاد والطقوس. النص الذي عُرف حديثًا في الدراسات الغربية بعنوان و «ملحمة إنكي وتنظيم العالم» الذي عمل على تحقيقه ودراسته المستشرق وأحد عالماء السومريات ابروفيسور/ جيرولد س. كوبر، إذن نحن مع نافذة نادرة لفهم الطريقة التي تخيّل بها السومريون نشأة النظام الاجتماعي والكوني في عالمهم.

فالملحمة لم تتعامل مع فكرة الخلق من العدم كما سنجد لاحقًا في بعض النصوص البابلية أو التوراتية، بل تقدّم تصورًا مختلفًا يقوم على إعادة تنظيم الكون بعد مرحلة اضطراب أو خلل. إنكي هنا ليس خالقًا بالمعنى المطلق، هو مهندس كوني، ومُنظّم للحياة، وحارس للتوازن بين الماء والأرض والمدينة والزراعة والتجارة.

الماء، الجغرافيا، وإعادة ترتيب الكون في المخيال السومري

أهم ما يلفت الانتباه في هذه الملحمة هو مركزية الجغرافيا. النص لا يتحرك في فضاء أسطوري غامض، بل داخل عالم يمكن تتبّع حدوده ومعالمه. تبدأ الأحداث من مدينة إريدو، المدينة المقدسة المرتبطة بإله الحكمة والمياه العذبة إنكي، وهي مدينة تقع في أقصى جنوب بلاد الرافدين قرب الأهوار والخليج. هذا الاختيار لم يكن عابرًا، فإريدو في المخيال السومري تعتبر نقطة اتصال بين العالم البشري والعالم الإلهي، ومقرّ «الأبسو»، أي المياه الجوفية العذبة التي اعتُبرت أصل الحياة كلها.

الرحلة الكبرى

ومن هنا تنطلق الرحلة الكبرى التي يقوم بها إنكي عبر الأهوار والأنهار ثم باتجاه الخليج والمناطق البعيدة. الملحمة ترسم خريطة واسعة للعالم المعروف للسومريين: سومر، أور، دلمون، ملوخا، عيلام، ومَرهاشي. هذه ليست أسماء أسطورية بالكامل، لكنها كلها تعكس شبكة حقيقية من العلاقات التجارية والسياسية والثقافية التي عرفتها بلاد الرافدين في الألف الثالث قبل الميلاد. فـ«ملوخا» تشير غالبًا إلى وادي السند والهند القديمة، و«دلمون» ترتبط بمنطقة الخليج، بينما تشير عيلام إلى مناطق إيران الحالية. النص هنا يكشف وعياً جغرافياً مدهشًا؛ إذ تبدو سومر مركز العالم المنظم، بينما تتحول الأطراف إلى مساحات للتجارة أو التهديد أو الموارد النادرة.

لكن الجغرافيا في الملحمة أكثر من مجرد وصف للمكان، هي نظام رمزي أيضًا. فكل منطقة لها وظيفة داخل البناء الكوني. المدن السومرية تمثل النظام والحضارة، الخليج يمثل الانفتاح والتبادل، الأراضي البعيدة تمثل الثروات الغريبة، والمناطق الشرقية المعادية تمثل الفوضى التي يجب ضبطها أو إخضاعها. إنكي لا يكتفي بالسفر، بل يعيد توزيع الأدوار والوظائف على الأماكن والكائنات والآلهة.

إنه منح الأنهار مهامها، وحدد للبحار طبيعتها، ومنح المستنقعات أسماكها، وجعل الزراعة ممكنة عبر تنظيم المياه. ومن هنا يمكن فهم الملحمة باعتبارها نصًا سياسيًا أيضًا؛ فهي تعبّر عن رؤية سومرية ترى أن الاستقرار الحضاري يقوم على السيطرة على الطبيعة وتنظيمها، لا على مواجهتها بالعنف وحده. الماء يجب أن يُضبط، والأرض يجب أن تُقسّم، والحدود يجب أن تُعرّف، والاقتصاد يجب أن يُدار عبر نظام مقدّس. حتى التجارة الخارجية تبدو جزءًا من هذا النظام، إذ تُصوَّر البضائع القادمة من المناطق البعيدة وكأنها تدخل ضمن ترتيب كوني يمنح سومر مركزيتها وهيمنتها الرمزية.

الماء العذب، أو «الأبسو»، هو القلب الحقيقي للملحمة

من الصعب فهم النص من دون إدراك أن حضارة جنوب العراق القديمة كانت حضارة أنهار وأهوار وقنوات ري. الماءكان شرطًا للوجود نفسه. لذلك يظهر إنكي بصفته سيد المياه العذبة والحكمة والخصوبة. الأبسو في النص ليس بحرًا عاديًا، بل عالم سفلي مائي، ومصدرًا خفيًا للحياة. إنّه الخزان الكوني الذي تنبع منه الأنهار والخصوبة والنظام.

ومن المهم أن ننتبه إلى أن الملحمة تقدّم تصورًا معقدًا للماء؛ فهو عنصر طبيعي وروحي في آن واحد. إنه مادة للحياة، لكنه أيضًا قوة مقدسة مرتبطة بالخلق والسلطة والمعرفة. حين يقوم إنكي بتنظيم دجلة والفرات، لا يفعل ذلك بقرار إداري فحسب، بل عبر طقس كوني ذي أبعاد جنسية ورمزية.

النص يصف إنكي وكأنه يخصّب الأنهار بمائه، في صورة تربط بين الماء والسائل الحيوي والقدرة على الإنجاب. هنا تصبح الطبيعة نفسها جسدًا حيًا، وتتحول الأنهار إلى كائنات أنثوية تتلقّى الخصوبة. هذا التصور قد يبدو غريبًا للقارئ الحديث، لكنه يكشف كيف فهم السومريون العلاقة بين الماء والزراعة والحياة. فالماء ليس مجرد وسيلة للري، بل قوة ولادة مستمرة.

وتكشف الملحمة أيضًا عن إدراك عميق لدور شبكات الري والقنوات في بناء الحضارة. إنكي يعيّن آلهة متخصصة للإشراف على الأنهار والمستنقعات والبحار والأمطار والزراعة. كل مجال له مسؤول إلهي، وكأن الكون يدار مثل دولة كبرى لها جهاز إداري معقّد.

هذا الجانب مهم جدًا لأنه يعكس طبيعة الدولة السومرية نفسها، التي اعتمدت على إدارة المياه والقنوات وتنظيم العمل الزراعي. فالحضارة هنا لا تقوم فقط على الإيمان الديني، بل على المعرفة التقنية أيضًا. لذلك يظهر إنكي كإله للحكمة العملية، لا للحكمة التأملية فقط. إنه يعرف كيف يجعل الأرض تنتج، وكيف يجعل الأنهار نافعة، وكيف ينظم العلاقة بين الإنسان والطبيعة. حتى الفيضانات أو المياه غير المنضبطة تبدو ضمنيًا تهديدًا للفوضى. ولهذا يمكن القول إن الملحمة تعبّر عن خوف حضاري عميق من انهيار النظام المائي الذي قامت عليه سومر.

أما الطقوس، فهي البنية الخفية التي تربط كل شيء في النص. الملحمة لا تفصل بين الدين والسياسة والطبيعة والاقتصاد. كل فعل من أفعال إنكي يتم داخل إطار طقسي. رحلته تبدأ بمراسيم وتجهيزات مقدسة، والسفينة التي يستخدمها ليست مجرد وسيلة نقل، بل جزء من الاحتفال الديني. حتى تنظيم البحر أو بناء المعبد أو توزيع الوظائف على الآلهة يتم بلغة قريبة من الطقوس والشعائر.

وهذا يكشف طبيعة الفكر السومري الذي كان يرى أن النظام الكوني لا يمكن أن يستمر من دون شعائر تعيد تثبيته باستمرار.

الطقس أكبر من مجرد عبادة، هو آلية لحفظ العالم من العودة إلى الفوضى. ولذلك ترتبط المعابد في النص بالوفرة الاقتصادية أيضًا؛ فهي أماكن للقرابين والغلال والسمك والجعة والحبوب. الغذاء نفسه يتحول إلى جزء من النظام المقدس.

إنكي حين ينظم الزراعة والمياه لا يفعل ذلك فقط لإطعام البشر، بل أيضًا لضمان استمرار المعابد والطقوس والعلاقة بين البشر والآلهة.

وتتجلّى أهمية الطقس أيضًا في وصف المعابد الداخلية بوصفها أماكن غامضة لا يمكن فهم أسرارها بسهولة. النص يستخدم أوصافًا تشير إلى التعقيد والتشابك، وكأن الداخل المقدّس للمعبد يمثل صورة مصغّرة للكون نفسه. هذه الفكرة مهمة لأنها تكشف أن المعبد في الحضارة السومرية لم يكن مكان عبادة فقط، بل مركزًا للسلطة والمعرفة والإدارة والاقتصاد. ومن هنا يصبح إنكي إلهًا يجمع بين الحكمة الدينية والتنظيم السياسي والقدرة التقنية. إنه ليس إله حرب مثل بعض الآلهة اللاحقة، بل إله بناء وترتيب وإدارة. وحتى عندما تذكر الملحمة أراضي العدو أو المناطق المعادية، فإنها لا تركّز على البطولة العسكرية بقدر تركيزها على إعادة إدخال تلك المناطق ضمن النظام العام الذي تديره الآلهة.

في القسم الأخير من الملحمة تظهر الإلهة إنانا، وهي تمثل عنصر الاضطراب والحركة والرغبة والقوة غير القابلة للسيطرة الكاملة. وجودها مهم جدًا لأن النص لا يقدّم النظام بوصفه حالة ثابتة نهائية. العالم المنظم يظل مهددًا دائمًا بالفوضى والتوتر والتغيير. إنكي يضع القوانين والوظائف، لكن الحياة نفسها تبقى متحركة وغير مستقرة. وهذه نقطة فلسفية عميقة في النص؛ فالحضارة ليست انتصارًا نهائيًا على الفوضى، بل عملية مستمرة من إعادة التنظيم. وربما لهذا السبب بقيت هذه الملحمة حية في الدراسات الحديثة، لأنها تقدم تصورًا معقدًا للعلاقة بين السلطة والطبيعة والمعرفة.

الناحية الأدبية

ومن الناحية الأدبية، تتميز الملحمة بلغة شعرية تجمع بين التكرار والإنشاد والوصف الطقسي. النص يحمل إيقاعًا احتفاليًا واضحًا، ويستخدم تراكيب تتكرر لتأكيد السلطة الإلهية وترسيخ النظام الكوني. كما أن كثرة القوائم والتقسيمات ليست ضعفًا فنيًا كما قد يظن البعض، بل جزء من طبيعة الفكر الإداري السومري نفسه. فالتعداد هنا يعكس رغبة في تصنيف العالم وترتيبه. كل شيء يجب أن يكون له اسم ووظيفة وحدود. وحتى حين يصف النص المستنقعات أو الأسماك أو القنوات، فإنه يفعل ذلك ضمن رؤية كونية ترى أن النظام يبدأ من تسمية الأشياء وتحديد مواقعها.

في النهاية، تكشف «ملحمة إنكي وتنظيم العالم» عن حضارة كانت ترى أن بقاء الإنسان مرتبط بقدرته على إدارة الماء وتنظيم الطبيعة وتحويل الفوضى إلى نظام. أي إنها ملحمة عن الجغرافيا بقدر ما هي عن الآلهة، وعن الاقتصاد بقدر ما هي عن الطقوس.

وتمنحنا هذه الرؤية فهمًا أعمق لبلاد الرافدين القديمة بوصفها حضارة قامت على هندسة الماء والمدينة والرمز. إنكي في هذا النص هو صورة مبكرة لفكرة الحاكم المنظم والعقل الذي يمنع العالم من الانهيار.

وربما لهذا السبب ما تزال هذه الملحمة قادرة حتى اليوم على إثارة التأمل؛ لأنها تذكّرنا بأن الحضارة ليست معطى ثابتًا، بل توازن هشّ بين الطبيعة والمعرفة والسلطة والطقس.

***

حميد عقبي

............................

* رابط فيديو لمشاهد عرض كامل عن الكتاب

https://youtu.be/X7_sS6On1o0?si=8ltcxJ9hBXiZyuDt

صدر حديثاً عن دار كوديا للنشر والتوزيع في بغداد كتابٌ للشاعر العراقي كاظم غيلان بعنوان "يوميات كاتب عرايض"، يقع في 174 صفحة من القطع المتوسط.

هكذا تبدأ حكاية الكاتب:

 " الذي قادني لكتابة العرايض وامتهانها هو عريضة طلبت مني شقيقيتي الكبيرة (نجاة) تنظيمها معنونة إلى وزير الدفاع تشكوه حالها في البحث عن مصير ولدها (حيدر) الذي فقد ابان حرب الخليج، نظمت العريضة وقصدت باب المعظم لطباعتها فذلفت أحد المحلات لذلك، وجدت الشاب الذي جلس خلف الطابعة يعمل ببطء فدفعني فضولي بأن أقوم بطباعتها وعلى الفور فسح لي المجال.

وما أن انتهيت وسلمته أجرة الطباعة حتى سألني:

ماشاء الله سريع.. ليش ما تشتغل عدنه؟".

ومنذ ذلك اليوم، بدأ الشاعر يجلس كل صباح تحت مروحةٍ متعبة في زاويةٍ من بناية قديمة تضم مكاتب للاستنساخ في باب المعظم، خلف طاولة خشبية تآكلت أطرافها من كثرة ما انحنت فوقها أيدي الناس وهم يترجون الكلمات.

على الطاولة بضعة أقلام، وأوراق صفراء، وصورة صغيرة للرئيس موضوعة بحذر؛ لا عن قناعةٍ دائماً، بل لأن الزمن كان يفرض على الجدران والطاولات والقلوب أن تضع صورته في كل مكان.

 كان يعرف في داخله أنّه ليس مجرد كاتب، بل مستودع خوفٍ طويل، يسمع يومياً ما لا تجرؤ الشفاه على قوله بصوتٍ مرتفع.

تأتيه امرأة سوداء العباءة، تحمل صورة ولدها الذي قُتل في الحرب، وتجلس أمامه بصمتٍ ثقيل. تُخرج الصورة من كيسٍ نايلون قديم، كأنها تُخرج قلبها.

تقول له بصوتٍ مرتجف:

"اكتب.. إلى السيد الرئيس.. ابني استشهد في المعارك، وعندي خمس بنات.. أطلب شمولنا برحمة سيادته".

كان يعرف أن العبارة الأخيرة ليست من قلبها، بل من خوفها.

فيكتبها بحبرٍ بطيء، ويختار الكلمات كما يختار المرء خطواته في حقل ألغام.

ثم يأتي شاب نحيل يحمل شهادة جامعية مطوية عشرات المرات. يجلس متوتراً وينظر حوله قبل أن يتكلم:

 “"أستاذ.. أريد تعيين.. أي وظيفة.. حتى لو فراش

فيكتب له عريضة طويلة عن الوطنية وخدمة الوطن والثقة بالحزب والثورة، بينما كان يعرف أن الشاب لم يعد يريد وطناً بقدر ما يريد راتباً يسند به أمه.

وأحياناً يأتي طفل يتيم، تدفعه خالة أو جار، يحمل أوراقاً رسمية أكبر من عمره. يقف بصمت، فيسأله الكاتب:

“شنو تريد يا ولدي؟”

فيجيبه الطفل كأنه يحفظ درساً:

“"أريد مساعدة لأن والدي متوفي

كان الكاتب يشعر عندها أن الورقة أكبر من الطفل، وأن الدولة كلها أكبر من أحلام الناس، وأن الجميع صاروا يكتبون طلبات نجاة لا طلبات حياة.

ورغم ذلك، أحبَّ هذه المهنة.2734 khadoليس لأنها بالكاد تُطعمه، بل لأنها جعلته يرى العراق كله يمر أمام طاولته.

رأى الضابط المتكبر حين يخلع قسوته ليطلب نقل ابنه من الجبهة، ورأى المسؤول الحزبي يرسل خادمه ليكتب عريضة علاج لزوجته. ورأى الفقراء وهم يضعون آخر ما يملكون في جيبه مقابل صفحةٍ قد لا يقرأها أحد.

كان يسمع القصص أكثر مما يسمع الكلمات، وكان يعرف أن كل عريضة تخفي خلفها خوفاً من الجوع، أو السجن، أو الحرب، أو الاختفاء.

وفي بعض الليالي، حين يعود إلى غرفته الصغيرة في الفندق الكئيب، يشعر أن أصابعه لم تعد تكتب بالحبر، بل بآهات الناس.

ومع ذلك، كان يواصل الجلوس كل صباح خلف طاولته الخشبية، تحت المروحة العتيقة، يكتب للناس رسائلهم إلى سلطةٍ بعيدة، بينما هو نفسه لم يكتب يوماً عريضةً واحدة لنفسه.

 كان الشاعر كاظم غيلان يعتقد أن القصائد يمكن أن تطعم القلب على الأقل، لكن بغداد علّمته بسرعة أن القلب نفسه يحتاج إلى خبز، وأن الشاعر الذي لا يملك واسطة ولا راتباً ولا حزباً، يتحول بالتدريج إلى رجل يبحث عن أي مهنة تمنحه حق البقاء.

جاء من محافظة جنوبية بعيدة، من مدينة يغمرها القصب والملح ورائحة الأهوار، يحمل حقيبة صغيرة ودفتر شعر سميكاً. كان يحلم أن تصبح بغداد مدينته الكبرى؛ مدينة المقاهي الثقافية والجرائد والندوات، لكنه اكتشف أن العاصمة لا تسأل القادم إليها عمّا يكتب، بل عمّا يملك.

لم يشعر بالإهانة، لأنه اكتشف مع الوقت أن ما يكتبه ليس بعيداً تماماً عن الشعر. صحيح أنه لم يعد يكتب عن الحب والحرية، بل عن طلبات التقاعد ومعاملات نقل النفوس، وشكاوى الموظفين. لكن العرائض نفسها بدت له نوعاً آخر من الشعر؛ شعراً موجوعاً ومكسوراً، بلا استعارات.

كانت امرأة عجوز تأتيه كل أسبوع تقريباً، تطلب منه أن يكتب رسالة إلى دائرة الشهداء، وتقول له كل مرة:

.“"اكتبها بطريقة تبچيهم يمّه.. خليهم يحسون بابني

فيكتب لها بلغة رسمية، لكنه يهرّب بين السطور شيئاً من قلبه، كأن يصف الابن بأنه "سقط وهو يحلم بوطن كريم".

وكان شاب عاطل يقف أمامه مرتبكاً، يطلب عريضة تعيين، فيسأله:

 شنو اختصاصك؟

فيجيب بخجل:

هندسة.

فيبتسم الشاعر- كاتب العرائض- بمرارة، لأنه هو أيضاً يحمل اختصاصاً لا يطعم أحداً: الشعر.

شيئاً فشيئاً، صار يعرف بغداد من خلال وجوه المنكسرين؛ المدينة التي حلم بها كقصيدة طويلة، ظهرت له ككومة عرائض مختومة بالطوابع الرسمية.

حتى لغته تغيرت؛ اختفت المفردات الحالمة، وحلت محلها كلمات مثل: "راجين التفضل” و”استناداً للتعليمات" و”مع التقدير".

وأحيانًا، حين يخلو المكان عند الظهيرة، كان يقلب مسودة إحدى العرائض ويكتب على ظهرها بيت شعر سريعاً، ثم يمزقه قبل أن يراه أحد، خوفه من عيون المتربصين.

كان يشعر أن مهنته الجديدة منحته ما لم تمنحه القصائد: الاقتراب الحقيقي من البشر.

فالشاعر الذي كان يكتب عن الحزن نظرياً، صار الآن يلمسه بيده؛ في أصابع الأرامل المرتجفة، وفي عيون الآباء الذين يبحثون عن أبنائهم، وفي الموظفين الذين يركضون خلف توقيع صغير قد يغير حياتهم.

في إحدى الليالي الممطرة، عاد إلى غرفته المتعبة، وأخرج دفتراً قديماً من حقيبته. قرأ قصيدة كتبها قبل سنوات عن بغداد، كانت مليئة بالنجوم والمقاهي والنساء الجميلات.

ضحك طويلاً، ثم همس لنفسه:

"بغداد الحقيقية ليست التي كتبتُ عنها.. بغداد الحقيقية تجلس أمامي كل يوم، حافية ومتعبة، وتحمل بيدها عريضة".

وهكذا لا يبدو كتاب "يوميات كاتب عرائض" مجرد سردٍ لمهنةٍ شعبيةٍ عرفتها المدن العراقية في زمن الحروب والخوف، بل شهادة إنسانية مؤلمة عن عراقٍ كامل كان يكتب أوجاعه على أوراق رسمية مختومة بالطوابع والأمل المؤجل. لقد استطاع الشاعر كاظم غيلان أن يحوّل الطاولة الخشبية الصغيرة في باب المعظم إلى مرآةٍ لوطنٍ مثقل بالخسارات، وأن يجعل من كاتب العرائض شاهداً صامتاً على انكسارات الناس وأحلامهم البسيطة في النجاة.

في هذا الكتاب، لا نقرأ عن العرائض وحدها، بل عن بشرٍ سحقهم الانتظار، وعن شاعرٍ اكتشف أن القصيدة قد تختبئ أحياناً في رجفة يد أرملة، أو في توسّل أم، أو في صمت طفل يتيم يحمل أوراقاً أكبر من عمره. لذلك تبقى هذه اليوميات أكثر من مجرد ذكريات شخصية؛ إنها وثيقة أدبية وإنسانية تستعيد زمناً عراقياً ثقيلاً، وتمنح أصوات البسطاء الذين مرّوا خلف تلك الطاولة حقّهم في البقاء داخل الذاكرة.

***

جورج منصور

 

يعتبر كتاب "بعد السماء الأخيرة حيوات فلسطينية" لإدوارد سعيد توثيقا لتفاصيل يومية فلسطينية، إذ يروي حكاية وجع، ويقدم توصيفا لوطن لا يمكن الإمساك به إلا عبر ذاكرة تقاوم الغياب والنسيان، ولربما الكتاب هو محاولة لإخراج الفلسطيني من التنميط الجاهز وتخليصه من الإنجاز الخطابي الذي قد يتهم بالتحيز أو التلفيق، وجعله ظاهرة عيانية تشاهد كما تقرأ، وهو ما انعكس في الجمع بين الصورة والسرد، وقد أثنى سعيد على المصور جان مور فقال: "أسلوب مور شفاف: هو يمكننا من رؤية الفلسطينيين في خضم عملية المحافظة على وجودهم، وربما حتى إعادة تقديم أنفسهم خارج القيود المنهكة لوضعهم الحقيقي بشكل عفوي مدهش في قوته... صور مور هنا هي دليل على بيئة فلسطينية متكاملة لا هي رمزية ولا تمثيلية بطريقة وطنية مبتذلة.. "ص179.

بين مترجم الكتاب"أحمد دياب" في مقدمته سبب تأليفه، حيث وضح أن إدوارد سعيد شارك كمستشار للأمم المتحدة في تحضير مؤتمر يختص موضوعه بالقضية الفلسطينية بعد الاجتياح الإسرائيلي عام 1983، وقتها قدم اقتراحا يقضي بعرض صور قام بالتقاطها المصور السويسري جان مور توثق الحياة اليومية الفلسطينية بتفاصيلها المختلفة، لكن تم الترحيب بالصور و اشترط عرضها دون شرح أو مسميات تظهر أن من فيها فلسطينيون، المفارقة تمثلت في محاولة محو ذكر الفلسطينيين من مؤتمر يناقش مصيرهم، اجتمع سعيد ومور وشفيق الحوت ونوبار هوفسبيان، واتخذوا قرارا بمقاومة هذا التغييب والإقصاء المتعمد، من هنا جاءت فكرة هذا الكتاب الذي يعتبر مقاومة سردية.

وقد انبنى الكتاب على سؤال محوري يحمل مفارقة مقلقة على حد تعبير المترجم: "كيف يحضر الفلسطيني بكثافة في الصور والخطاب، ثم يظل غائبا عن الفهم؟ كيف يحضر الفلسطيني ولكن تغيب روايته لذاته وراء روايات الآخرين عنه؟"ص7.

الكتاب قدم الفلسطيني ليس بوصفه ضحية أو مدانا، ولا بوصفة رمزا جامدا، فقد كان بعيدا عن التنميط، لذا قدمه كإنسان بتجارب متعددة وملامح متباينة، أو كما يقول المترجم "نراه في المنفى كما في الداخل، في الضفة الغربية كما في غزة، حاضرا في تفاصيل حياته، لا في الاستعارات الفنية"ص8.

اختار الكاتب والمصور جنس الكولاج الذي يمزج بين النص والصورة، بعد أن وجد سعيد في تجارب سابقة لمور مع بيرجر تصويرا لحياة المهمشين بطريقة صادقة بعيدا عن المأساوية الرومانسية التي تستدر المشاعر، فقد كان هذا الجنس الهجين حسب رأيه قادرا على مقاومة التاريخ الرسمي وتقديم سردية المسحوقين المضادة لسرديات التقدم، من خلاله يتم تصوير حياة الفلسطينيين في المنافي والتعبير عن تنوع حياتهم وثرائها.  وقد وضح هدفه في آخر الكتاب بقوله "كان هدفي هنا، مع جان مور، أن أنقل إحساسا عن ماهية عدم اكتمالنا الوطني في الوقت الحالي، وهو إحساس اعتقدت أنه لا يمكن تقديمه إلا من الداخل، بقدر كبير من التعاطف والتشارك. غياب الحسم في هذا الكتاب هو غياب حقيقي: إنه ينبع من المنفى.. "ص201.

يذكر سعيد في مقدمة طبعة 1999 لكتابه أنه كتاب منفى، فهو يجسد حياة الفلسطينيين من منظور ذات بعيدة عن فلسطين، حيث عاد بعد 45 عاما لفلسطين ليجد كل شيء تغير، الأماكن التي صارت مراكز إسرائيلية بشكل كامل، وحتى الفلسطينيين الذين صار الكثير منهم يتحدث العبرية في الوقت الذي لم يهتم الإسرائيليون بتعلم العربية.

وقد صدره ببيت شعر لمحمود درويش الذي وجه له شكرا مع مجموعة أسماء ساعدته في هذا الكتاب، يقول فيه:

إلى أين تذهب بعد الحدود الأخيرة،

أين تطير العصافير بعد السماء الأخيرة؟".

عن الصورة التي صورها الغرب وعلى رأسهم أمريكا يتحدث سعيد في مقدمة كتابه عن إساءات التمثيل، وعن ذلك التنميط الجاهز الذي يقدم صورة مضللة ومسيئة للآخر الفلسطيني، فيقول: "الصور المستخدمة لتمثيلنا لا تقوم إلا بتقليص واقعنا أكثر. بالنسبة إلى معظم الناس، يظهر الفلسطينيون بشكل أساسي كمقاتلين وإرهابيين ومنبوذين خارجين عن القانون. قل كلمة إرهاب وسرعان ما يبرز أمام عينيك رجل يرتدي كوفية وقناعا ويحمل كلاشنكوفا. إلى حد ما، تم استبدال صورة اللاجئ العاجز البائس بذلك الذي يبعث على التهديد والوعيد كرمز حقيقي لما تعنيه كلمة فلسطيني"25.

والإشكال هنا أن هذه الصورة النمطية مركبة من قبل الإسرائيليين وحتى بعض العرب كذلك، يقول: "إن كنت تبحث عن إرهابي، وبما أن جميع الفلسطينيين الذين عارضوا إسرائيل في لبنان إرهابيون، فإن أي فلسطيني تجده هو إرهابي، إرهابي خالص"ص93.

يذكر سعيد أن موضوع المناقشة المطروح بين الفلسطينيين اليوم يتمثل في الطريقة السيئة التي يعاملون بها، سواء من قبل العرب أو من قبل الإسرائيليين خاصة في مخيمي صبرا وشتيلا، الكتاب يحاول أن ينفي التمثيلات المسيئة للفلسطينيين، وأن يحيط بواقعهم المعقد، وشكل الكتاب الجامع بين الصورة والنص يوافق حالة المنفيين من خلال استخدام أشكال تعبيرية هجينة ومتشظية لتمثيلهم، وقد كان المصور جان مور موافقا هذه الرؤية التي ذكر في مقدمة الكتاب أنها دفعته لهذه المغامرة بعد أن رأى معاناة الفلسطينيين بعين الرائي غير الخاضع لتحيزات الغرب، أو بعين الرائي المتجرد، المعاين حقيقة لا انصياعا.

تحت عنوان"أحوال" يقدم سعيد قراءة في صورة زفاف فلسطينيين لاجئين في دولة عربية، حيث التقطت صورة خارج المدينة الباهتة، يقول: "مفارقة التنقل وانعدام الأمن. أينما نكن نحن الفلسطينيين فإننا خارج فلسطيننا التي لم تعد موجودة. تسافر العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، ترتحل في أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين وأستراليا وتجد فلسطينيين مثلك.  ومثلك يخضعون لقوانين خاصة وأوضاع قانونية خاصة هي علامات سلطة وعنف من غير أن يكونوا منتمين لها. هم منفيون في الوطن وخارجه"ص34.

والمنفى عنده يتحول إلى سلسلة من الصور الشخصية المبهمة الأسماء، صور صامتة تجردت من سياقها، أو كما يقول: " صور خرساء بلا تفسير وبلا أسماء. أنظر إليها دون معرفة دقيقة بقصصها، ولكن مع ذلك فإن دقتها الواقعية تترك انطباعا أعمق من مجرد ما تفضي عنه من معلومات "ص35.

رصد الكاتب تحولات كثيرة في الوطن العربي، حتى الخلافات التي وقعت بين الدول العربية، وكأن بذاكرة الشتات تصبح قدرا عاما، نفسيا وسياسيا وليس جغرافيا فقط، وهو ما يثقلها بوجع الانفصال الدائم وخطر الاجتثاث واللااستقرار، يقول: "لقد اختفى تماما استقرار الجغرافيا واستمرارية الأرض من حياتي وحياة جميع الفلسطينيين. إذا لم يتم إيقافنا على الحدود، أو اقتيادنا لمخيمات جديدة، أو منعنا من العودة والإقامة، أو منعنا من السفر من مكان إلى آخر، فإنه يتم الاستيلاء على المزيد من أرضنا، والتدخل في حياتنا بشكل تعسفي، ومنع بعض أصواتنا من الوصول إلى بعضها الآخر، وتقييد هويتنا بجزر صغيرة خائفة في بيئة غير مضيافة تطغى عليها القوة العسكرية المتفوقة.. "43.

يذكر سعيد بكثير من الأسى أن الرؤية التي تعتبر الفلسطينيين مشتتين مقطعين بينما سكان إسرائيل مهيمنين يلتزم بها عدد من الدول العربية والدول الأخرى التي تتواجد بها تجمعات فلسطينية كبيرة، من هنا يغدو أي مكان مهجور أو هيكل متروك أو أنقاض الحرب ساحة للعب الأطفال، فالتاريخ الفلسطيني محظور وهو ما يجعل السرديات نادرة، مغيبة، تختفي منها قصص الأصول والبيت والأمة لتصبح سرية محكومة بالاحتجاب، تاريخ فلسطين إذن عندما يظهر ـ حسب قوله ـ"فإنه يظهر مبتورا، غالبا في أقصى درجات التعرج والجموح، مشفرا على الدوام، عادة في أشكال صارخة ـ ملاحم تهكمية، هجائيات، أمثال ساخرة، طقوس عبثية ـ لا يفهمها الغرباء إلا لماما. وهكذا فإن الحياة الفلسطينية مبعثرة ومتقطعة، علاماتها الفارقة هي الترتيبات المصطنعة والمفروضة التي تخلق مساحات محصورة ومشرذمة، وهي الانخلاعات والإيقاعات الناشزة للزمن المضطرب.. كل إقامة هي منفى.. "ص44، 45.

تحت عنوان"دواخل"يشرح سعيد القصد بلفظة "الداخل" وكيف تغير من سياق زمني لآخر فيقول: "إنها تشير، أولا، إلى مناطق داخل إسرائيل، وإلى أناس وأراض لا تزال فلسطينية على الرغم من محظورات الوجود الإسرائيلي. لذلك، وحتى عام 1967، كانت تعني الفلسطينيين الذين يعيشون داخل إسرائيل، بعد 1967 توسعت العبارة لتشمل سكان الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان، ومنذ عام 1982 صارت تعني أيضا الفلسطينيين واللبنانيين في جنوب لبنان"ص77، لقد تغيرت قيمة دلالة هذه اللفظة، ففي أوائل السبعينات تم النظر إلى الفلسطينيون الإسرائيليون على أنهم من سلالة خاصة من البشر، إذ كانوا محل شك وريبة من قبل فلسطينيي الشتات أو اللاجئين الذين أقاموا خارج إسرائيل، فختم الكيان على جوازات سفرهم وكذا إتقانهم للعبرية، واعترافهم بإسرائيل وإشارتهم لها كدولة وليس ككيان صهيوني، غيرهم وجعلهم مختلفين عن العرب داخل الوطن العربي المسكونين بهاجس الانتصارات القومية وكل مآسيها، يقول: "كنا نحيا حياة مستقلة عن الإمبريالية والصهيونية. كانوا مختلفين عنا بما يعني الاختلاف من ازدراء للآخر. هم الآن مازالوا مختلفين، لكنهم أصحاب امتياز. يحتفى بأهل الداخل باعتبارهم فلسطينيين موجودين على الأرض بالفعل.. "ص77.

هذا ما يخلق اختلافا في الرؤى وحتى في مفهوم العودة، إذ تتحول من سعي سياسي من أجل تقرير المصير لدى الفلسطينيين إلى دلالة تنبني على التغاير، فتنحو عند البعض منحى آخرا، ليصبح معناها العودة إلى دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، بينما تعني للبعض الآخر العودة إلى فلسطين كلها"79.

تحت عنوان "انبثاق"تحدث عن كيفية تأسيس دولة لليهود من قبل هذا الكيان اللقيط، وكيف تم النظر إلى الصهاينة كرواد أوائل أو كآباء مؤسسين، وعن محاولات صهينة فلسطين، ثم ختمه ختمه بطرح أسئلة جوهرية حول حقيقة الذات ووجودها دون شعارات قومية أو نماذج ثورية غيرية، فيقول: "يجب أن ننظر إلى شبابنا، الذين لأنهم ولدوا بعد عام 1948 من دون بلد، لا يجسدون مصيرا فلسطينيا بسيطا، وإنما يقفون عادة عند نقطة التقاء، مهما كانت غريبة، بين القديم والجديد، العربي وغير العربي، التقليدي وغير المألوف. عندها تصبح الأسئلة الكبرى: أي أجزاء من هويتنا وتاريخنا ينبغي الحفاظ عليها، وأي أجزاء ينبغي التخلي عنها، في سبيل تحقيق جدلية بين الذات والآخرين تكون أكثر قابلية للتطبيق؟ وهل يمكن لهذه المعرفة أن تربط ماضينا ومستقبلنا بشكل نشط وخلاق، أم أننا سنسمح بشكل قدري للقوانين الدنيوية والمقدسة بأن تعمل عملها في توجيه تاريخنا؟"ص157.

ضمن عنوان"ماض ومستقبل"بين سعيد أن الفلسطيني شخص في حالة عبور دائم، غير ثابت متأهب للرحيل أينما حل، يحمل حقيبته أو حزمة فقط من مملكاته في يده، كل عائلة إذن تتخلى عن أراضيها لآخرين، وكم يقول: "حتى عند عبور حدود جديدة، وخلق فرص جديدة، وإقامة حقائق جديدة. يمكن للمرء أن يحاجج أننا قابلون للتنقل والتكيف أكثر مما ينبغي"ص163.

وجد سعيد أن هناك ارتباط وثيق بين فكرة إسرائيل وأمريكا من وجهة نظر إلياس صنبر، حيث تتوحد رؤيتهما حول تدمير السكان الأصليين للأرض بعد الادعاء بأنها فارغة وتحتج لمن يعمرها، يقول: "يبدو الأمر كما لو أن فلسطين كانت موقعا جغرافيا مبهما أخلي من سكان أصليين مجهولي الهوية، إلى أن حن عليها الأمريكيون وملؤوها بصهاينة جديرين بها"ص166، وقد سمى المفكر المصري عبد الوهاب المسيري هذا الفعل بالاحتلال الإحلالي، حيث جزم أن فعل الإخلاء بعد الإبادة الكلية من أجل إحلال شعب آخر بدل السكان الأصليين أو الاستيطان قد تم في ثلاثة دول: أمريكا وفلسطين والجزائر إبان الاحتلال الفرنسي.

بين سعيد الأساس المتهاوي لخطاب حقوق الإنسان وتلك الازدواجية والتناقض بين الشعارات والفعل، فوضح كيف تم تهميشهم رغم أن إسرائيل أقيمت بدعوى تعويض اليهود على كل أشكال التهميش والقهر الذي تعرضوا له زمن المحرقة، هذا وعرض الصور النمطية التي تحمل تحيزا إيديولوجيا واضحا من خلال تركيب صورة مزدوجة عن الفلسطينيين الإرهابيين والإسرائيليين الخيرين، يقول: "عندما نسمع الإرهاب يناقش كظاهرة عالمية، كما هي الحال كل يوم، فإنه يحق لي أن أظن أن التلميح إلى تورط الفلسطينيين هو كامن دائما بين السطور، وأن إسرائيل تتخذ مكانها إلى جانب الخير"ص172.

لقد انشغل سعيد بصورة الأنا التي ركبها الآخر الغربي، وكيف تضمر تحيزا كبيرا لإسرائيل، هي صورة يتقصد من خلاله تسويغ الاستيطان، حيث يتم شيطنة الفلسطينيين واتهامهم بعرقلة كل محاولات السلام، ومن خلال هذا التنميط يصبحون الطرف الأضعف داخل الصراع العربي الإسرائيلي، بل "الجانب المتصلب والمبالغ في مطالبه. وبما أننا ضعفاء، تطلب منا مقدما أكبر التنازلات.. نحن ضحايا عملية تدمير لمجتمعنا لما تتوقف منذ أن بدأت، ونحن أهداف متكررة لنوايا إبادة جماعية، ويتوقعون منا ألا نقاوم وأن نصغر خانعين، بالإضافة إلى ذلك، يلقون علينا المواعظ حول الحاجة إلى نبذ العنف، والحاجة إلى التوقف عن الإصرار على اختيار ممثلينا بأنفسنا، والحاجة إلى التخلي عن رغبتنا في إقامة دولة مستقلة خاصة بنا، والحاجة إلى الاستجابة للمطالب الأمريكية من أجل السلام. وفي الوقت نفسه، تزود أمريكا عدونا بكل شيء وترفض إدانة  إجراءات إسرائيل الصارخة في مخالفتها للقوانين ضدنا مثل استخدام الأسلحة الأمريكية..  ”ص196.

هذا ويعتبر أن أفضل طريقة لفهمهم من قبل أنفسهم ومن قبل الغرباء اعتبارهم معادلا رياضيا أو فوتوغرافيا دقيقا لما عايشوه، يقول: "فإن أصدق تجل لحقيقتنا الصرف، في الواقع، هو الطريقة التي نقطع بها المسافة من مكان إلى آخر. نحن مهاجرون وربما نكون مزيجا هجينا في أي موقف نجد أنفسنا فيه، ولكنها ليست هجانة بين المواقف المختلفة. هذه هي أعمق استمرارية لحياتنا كأمة تعيش في المنفى وكأمة دائمة الترحال.. "ص200.

هذا الكتاب هو اختبار للقارئ أيضا حسب رأي سعيد، فالفلسطينيون ليسوا مجرد موضوع للآخرين، بل يمتحنون الآخرين ويحاكمونهم ويقيمونهم، حتى لا يسمحون لأن ينظر إلى الفشل أنه من صنع أيديهم وحدهم وبأنه نصيبهم فقط.

ينهي سعيد الكتاب بملحق عنوانه "سقوط بيروت"، يبين فيه التحولات الحاصلة في لبنان ويصور التعاسات الماثلة داخلها، يقول: "يمكنني بشكل عام أن أغامر بتقديم رد بالنيابة عن المنفيين أمثالي ـ الفلسطينيين الذين وفرت لهم بيروت وطنا بديلا.  مهما أمعنا في الحديث عن الفساد والسطحية والعنف اللبناني، فإننا نشعر الآن خارجها بأننا أصبحنا للأسف في العراء. كانت عبقرية بيروت هي أنها استجابت على الفور لاحتياجاتنا كعرب في عالم عربي صار استبداديا ورتيبا وباهتا بشكل لا يطاق. لبضع سنوات، كان يمكن للمرء، في بيروت، أن يحترق بلهب متوهج متقد كحجر كريم، حتى رذيلة المدينة وفجورها كان لهما تألق لا يمكنك رؤيته في أي مكان آخر. الشيء الوحيد الذي لم تقدمه لنا بيروت المعاصرة هو القدرة على الاستمرارية، أو ما يكفي من مشاعر الاهتمام بالأسس الهشة التي غطت عليها ضيافتها المبهرة. العزاء الرئيسي في هذه الأوقات المظلمة هو الشعور بأنه كما نهضت بيروت ذات مرة من غياهب الغموض، يمكنها أن تظهر مرة أخرى من بين دمارها الكارثي، ومعها مواطنون أكثر حنوا وثباتا.. "ص212.

يمكن أن نعتبر الكتاب صوتا للهامش والمقصي، أو يمكن أن نعده احتجاجا انبني على انفلاتات خطابية، وتعاليا عن التأريخ السطحي، حيث التشظي ليس قدرا للمعنى فقط وإنما لهوية سردية فارقت المألوف، لتعبر عن ثوريتها الخاصة بعيدا عن المركزيات بكل أشكالها: ثقافية وسردية وتاريخية... 

***

د. غزلان هاشمي ـ جامعة سوق أهراس ـ الجزائر

اشتريت قبل أيام كراسة صغيرة الحجم، عظيمة المضمون. عنوانها «الرأسمالية الجديدة... شركات التقنية الكبرى واحتكار الأسواق الرقمية»، لمؤلفها الدكتور عادل عبد الصادق، وهي صادرة ضمن سلسلة «كراسات استراتيجية» عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، التي يرأس تحريرها الدكتور محمد عز العرب.

الواحد منا قد يقرأ العنوان ويظن أنه سيدخل في جدل المصطلحات الدائر الآن في الغرب بين أنصار الليبرالية الجديدة وخصومهم. لكن الحقيقة أن الكراسة تذهب، في رأيي، إلى ما هو أبعد وأخطر. إنها ترسم ملامح نظام عالمي جديد، لا عاصمة له في واشنطن ولا في بكين، لكن مراكزه في وادي السيليكون وتايوان . نظام تتزعمه شركات عملاقة لا تبيع بضاعة، لكنها تنتج السلوك، وتصمم الوعي، وتخلق الاحتكار من العدم، من مجرد كود وخوارزمية وبنية تحتية سحابية لا يراها أحد.

ما نسميه خطأ «اقتصاد المنصات» ليس إلا وجهاً جديداً لرأسمالية لم تعد تكتفي بامتلاك وسائل الإنتاج. صارت هذه الرأسمالية تملك وسائل التنسيق الاجتماعي كلها. عندما تملك جوجل محرك البحث، وتملك ميتا الخريطة الكاملة للعلاقات الإنسانية، وتملك أمازون البنية التحتية السحابية التي تقوم عليها دول، وتملك آبل المتجر الوحيد الذي يمر منه أي تطبيق ليصل إلى جيبك، فعندها نكون أمام شيء يتجاوز فكرة الاحتكار التي عرفها قانون شيرمان الأمريكي قبل 135 سنة. ذلك الاحتكار كان لسلعة في سوق جغرافي محدد، أما احتكار هذا الزمن فهو احتكار المساحة الرقمية بأكملها. إنه احتكار مركب، متعدد الأسواق، يبدأ من بياناتك ولا يتوقف عند البنية التحتية التي تمر منها، مروراً بالذكاء الاصطناعي. إنه احتكار للعقود الاجتماعية غير المكتوبة التي صارت تدير إيقاع حياتنا اليومية، ونحن نائمون.

ما كان يسمى في أدبيات مكافحة الاحتكار القديمة رفاهية المستهلك صار مفهوماً ساذجاً إلى حد التفاهة. لأن جوجل تعطيك البحث مجاناً، وميتا تعطيك شبكتها مجاناً. المستهلك ظاهرياً لا يدفع قرشاً. لكن الحقيقة المرة أنه يدفع أغلى ما يملك يدفع انتباهه، يدفع بياناته، يدفع استقلاله الإدراكي. الثمن ليس مالاً، الثمن سيادة. سيادة الفرد على قراره، وسيادة الدولة على حيزها العام الرقمي.

هنا مربط الفرس. فالرأسمالية الجديدة رأسمالية بنية تحتية. المنصة ليست تاجراً، المنصة دولة ترتدي ثوب شركة. هي من يقرر من يصل صوته إلى الجمهور ومن يخفت، أي كتاب يباع وأي تطبيق يحظر. انتقلنا من زمن اليد الخفية التي تحدث عنها آدم سميث، إلى زمن اليد الخوارزمية. وهي ليست خفية أبداً، بل مبرمجة سلفاً على هدف واحد تعظيم الربح. وليكن الثمن تمزيق النسيج الاجتماعي، أو تآكل أسس الديمقراطية.

المعضلة الكبرى، كما نفهم من كراسة الدكتور عادل عبد الصادق، أن الدولة الوطنية، خصوصاً في عالمنا النامي، تجد نفسها عارية أمام كيانات تتجاوز قدرتها التنظيمية والتشريعية. قوانين حماية البيانات والمنافسة صممت لعالم المصانع ومنافذ البيع القديمة. فكيف تطبقها على كيان لا مقر له في بلدك، ولا أصول ملموسة يمكن مصادرتها، وبيانات مواطنيك عنده مجرد وقود مجاني يحرقه كما يشاء؟ أوروبا حاولت متأخرة بقانون الأسواق الرقمية، والأمريكيون يحاولون اليوم عبر وزارة العدل. لكن ماذا عنا نحن؟ دول كثيرة لا تزال عارية تماماً أمام طوفان المنصات، لا تعرف أين تضع المشرط التنظيمي، ولا تملك أصلاً جراحاً يمسك بالمشرط.

الأخطر من كل ذلك أن هذه الرأسمالية الجديدة لم تعد تنتج التضخم النقدي الذي نعرفه فقط، لكن صارت تنتج ما أسميه التضخم الوجودي. ذاك الشعور الدائم واللزج بأن حياتك مراقبة، مصنفة، مسعرة من قبل خوارزميات لا تعرف عنها شيئاً. المشكلة هنا لم تعد اقتصادية محضة، بل حضارية. المنصة حولت المواطن إلى مستخدم، والمستخدم إلى منتج للبيانات، والبيانات إلى ذهب هذا القرن. لكن الفرق أن الذهب يستخرج بإذن صاحب الأرض، أما البيانات فتستخرج بلا إذن، ثم يعاد بيعها لنا في صورة إعلانات موجهة وخدمات يقولون عنها إنها مجانية. إنه استعمار من نوع جديد، لا يرسل جنوداً.. يرسل أكواداً، ولا يحتل أرضاً .. يحتل وعياً وذاكرة وانتباهاً.

ما نعيشه بالفعل هي لحظة تغير جذرية في طبيعة الرأسمالية نفسها. المدرسة النمساوية في الاقتصاد، وعلى رأسها فريدريش هايك، حذرت من أن المعرفة موزعة بين الأفراد ولا يمكن لسلطة مركزية أن تجمعها. لكن ما حدث أن جوجل وفيسبوك وأمازون جمعت هذه المعرفة فعلاً، واحتكرتها، ليس لسلطة سياسية منتخبة، لكن لسلطة تجارية خاصة لا ينتخبها أحد. صار بوسع خوارزمية تنبؤية في ميتا أن تعرف ميولك السياسية قبل أن تعرفها أنت، وأن تقرر نيابة عنك ما الذي ستقرؤه الليلة، وما الذي ستغضب منه صباح الغد. هذه قوة تتجاوز أي قوة امتلكتها كنيسة أو حزب أو دولة عبر التاريخ. إنها قوة الهندسة السلوكية الجماعية الممنهجة، تمارسها شركات لا تملك تفويضاً من ناخب، ولا شرعية من عقد اجتماعي. هي فقط تملك المال، والكود، والغطرسة.

ويبقى السؤال الذي يوجعني شخصياً أين نحن العرب في هذا المشهد؟ لا أبالغ إذا قلت إننا مستهلكون متخمون في سوق لا ننتج فيه شيئاً من بنيته التحتية. لا نملك محرك بحث، لا نملك شبكة اجتماعية عابرة للحدود، لا نملك سحابة حوسبية تنافس أمازون أو مايكروسوفت، والأدهى أننا لا نملك حتى تشريعات تجعل هذه الكيانات العملاقة تلتزم بشيء اسمه سيادة وطنية. نحن سوق كبيرة، ولحم رخيص للبيانات، ومختبر لسياسات محتوى لم تجرؤ المنصات على تجربتها في بروكسل أو واشنطن، فتأتي لتجربها هنا على أجسادنا وعقولنا. وبينما يدرس الغرب، عبر مراكز أبحاثه كما يفعل مركز الأهرام هنا، كيف يستعيد زمام المبادرة، نكتفي نحن بتغريدات غاضبة كلما حذفت منصة منشوراً أو حجبت حساباً. نستجدي لفتات إنسانية من آلة لم تبرمج أصلاً لتكون إنسانية.

لنكن واقعيين، المخرج ليس سحب البساط من تحت المنصات، فهذا ضرب من الخيال. المخرج، كما تفيد خلاصات هذا النوع من الأبحاث الجادة، له ثلاثة أرجل. الأول سيادي بصناعة بنى تحتية رقمية وطنية وإقليمية مستقلة، تفقد المنصات الكبرى حجة أنها الناقل الوحيد الذي لا بديل عنه. الثاني تشريعي بقوانين لا تكتفي بغرامات هزيلة تضحك عليها الشركات، وتفرض قابلية التشغيل البيني، ونقل البيانات، وفك الارتباط القسري بين مكونات الاحتكار المركب. الثالث وعيي، وهو الأصعب والأشق بإعادة تعريف المواطن الرقمي كصاحب حق لا مجرد مستخدم، وتوعيته بأن المجاني ليس مجانياً على الإطلاق. أنت تقايض على المجاني بأغلى ما تملك هويتك واستقلالك.

في الختام، كراسة الدكتور عادل عبد الصادق تضع الإصبع على الجرح النازف في جسد العولمة الجديدة. الرأسمالية الجديدة ليست عدواً، ولكنها وحش كاسر يلزم ترويضه. وحين يكتب باحث مرموق في مركز الأهرام هذه الكراسة، فاعلم أن السؤال لم يعد أكاديمياً، بل صار سؤال أمن قومي. لأن السيادة اليوم، أي سيادة، لن تكتمل قبل أن نستعيد السيطرة لا على أرضنا وسمائنا فقط، وعلى كودنا وبياناتنا ووعينا، الذي تسلل بهدوء إلى غرف عمليات في كاليفورنيا، لا نعرف عنها شيئاً، ولا تعرف عنا إلا ما أرادت الخوارزمية أن تعرفه. تلك هي المعركة الحقيقية القادمة، ومعركة الوعي هي أم المعارك.

***

عبد السلام فاروق

عندما صدرت مجلة قضايا إسلامية معاصرة قبل ثلاثين عامًّا كانت تنشد تعميق الأسئلة الحائرة حول مأزق الفكر الدينيّ في عالم متغيّر، وتسعى إلى استفتاء الخبراء في الفلسفة والعلوم الإنسانيّة الحديثة عن الإجابات المقترحة لتلك الأسئلة، وعن كيفيّة قراءة النّصوص الدينيّة والتراث في ضوء مناهج هذه العلوم وأدواتها الجديدة. لم تكن "قضايا إسلاميّة معاصرة" تطمح إلى تقليد مجلات إسلاميّة معروفة تصدر عن مؤسسات دينيّة، ذلك ما دعاها إلى رسم خارطة طريقها الخاصّة، والتحرّر من مراكمة الكلام على الكلام، ومن الانشغال بالذود عن شعارات مكرّرة مُثقلة بمعلومات تراثيّة، لكنّها لا تَمنحنا معنى يُضيف شيئًا مُفيدًا.

مَنْ يتصدّى لقولٍ مُختلفٍ ورؤيةٍ لا تحاكي رؤيةً راسخةً مُتسيّدةً، عليه أن يتحمّل ما يُقال عنه من أحكامٍ قاسيةٍ، وكلماتٍ جارحةٍ، واتّهاماتٍ مريرةٍ، خاصّةً حين تصدر عن مؤسّساتٍ دينيّةٍ تدّعي امتلاك مشروعيّة السّماء، ومزوّدةٍ بإمكاناتٍ متنوّعةٍ، وتحظى بحمايةٍ جماهيريّة. الصوت المختلف يستفزّ الخائفين. أصرّت "قضايا إسلاميّة معاصرة" على صوتها المختلف، وصارت تشدّد عليه وترسّخه في كلّ محور جديد تقتحمه. لم تعبأ هذه المجلّة بما كان يصلها من أولئك الذين لا يقرأون النصوص إلاّ في الظّلام، ولم تشغل وقتها بالردود وردود الردود عليهم، لأنّها مُنهمكة بإنجاز وعودها الكبيرة.2664 REFAIE

فوجئت هذه المجلّة بحضورها الفاعل والمؤثّر لدى جيلٍ من الشّباب العراقيين الدارسين لعلوم الدين التراثيّة في تسعينيات القرن الماضي، ممّن تطوّعوا لتبني رسالتها، وتحوّلوا إلى ناطقين بما تنشره من مفاهيم ورؤى جديدة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وأصبحت "قضايا إسلاميّة معاصرة" ناطقةً بأحلامهم وما يتطلّعون إليه من إنتاج فكرٍ دينيٍّ جديدٍ يغادر المأزق المرير للفكر الدينيّ التقليديّ، ويحرّره من مقولات الإسلام السياسيّ المفارقة للواقع، والغارقة في سجون أوهامه الرومانسيّة اللاعقلانيّة.

كما جاء عن السيّد المسيح: "مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ"، إنجيل متّى، الإصحاح 7، الآية 20، فإنّ ما حصدته "قضايا إسلاميّة معاصرة" من ثمار، وما تترقّب أن تحصده غدًا، لم تكن تتوقعه عند صدور أعدادها الأولى. استطاعت هذه المجلّة والكتب الرديفة لها، التي أصدرها "مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد"، في سلاسل متنوّعة بلغ مجموع ما صدر منها خلال ثلاثين عامًّا أكثر من ثلاثمائة كتاب، أن تحضر بكثافة، عبر رؤاها الجديدة في الفكر الدينيّ، وفي الدراسات الفلسفيّة والدينيّة ضمن مقرّرات جامعات عربيّة عديدة اهتمّت بتدريس فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. واتّخذت نُخبة من طلاب الدراسات العليا موضوعاتٍ لرسائلهم في الماجستير والدكتوراه في هذا الحقل، كما برز توجّه لافت لدى بعض مراكز الأبحاث لعقد مؤتمرات وندوات وكتابة أبحاث فيه.

يَعترف مُحرّر هذه المجلّة بمديونيته لطلاّبه الأوفيّاء، ولطلاّب الدراسات العليا والأساتذة في جامعات عديدة، ممّن حملوا رسالة هذه المجلّة وإصداراتها بوعيهم الحرّ وحماستهم، وانخرط أكثرهم في رفدها وإثراء مسيرتها بتنويعات متميّزة من كتاباتهم التي تنفتح على آفاق الوعي الدينيّ الذي أعلنت عنه وسعت إلى ترسيخه.

وكعادتها في فتح باب النّقاش في القضايا المختلَف فيها، تناولت "قضايا إسلاميّة معاصرة" في هذا العدد المزدوج 81–82 قضيّة تتّصل بكيفيّة تشكّل المصحف وتاريخ تدوينه. وهي قضيّة فرغ المسلمون من حسمها في وقت مبكّر يعود إلى عصر الرسالة، بعد تدوين القرآن في مصحف في عصر الخليفة عثمان بن عفّان. ومنذ ذلك التاريخ تلقّى المسلمون، على اختلاف فرقهم، هذا المصحف بالقبول، وتبنّوه مرجعيّةً مركزيّةً في حياتهم الدينيّة، وحتّى في كثير من شؤون حياتهم الدنيويّة.

تبنّى مستشرقون في القرون السابقة الرواية الإسلاميّة واعتمدوها مُسلّمةً في دراساتهم لكيفيّة تشكّل المصحف، على الرغم من اختلافهم في الإيمان بالوحي، فقد وضع المستشرق الألماني تيودور نولدكه (Theodor Nöldeke، 1836 - 1930) الأُسس الأولى لما عُرف في الجامعات الغربيّة بالدراسات القرآنيّة التاريخيّة من خلال كتابه: "تاريخ القرآن" الذي نشره سنة 1860م، ودرس فيه القرآن بوصفه نصًّا تاريخيًا، وبحث في ترتيب سوره ومراحل نزوله، وتاريخ جمعه باعتماد معايير لغويّة وتاريخيّة ومقارنة بالروايات الإسلاميّة التقليديّة. حاز هذا العمل تأثيرًا واسعًا وعدّه الباحثون في أوروبا العمل الأكثر شمولًا في دراسة تاريخ القرآن. ثم واصل تلامذته تطويره، فأعاد فريدريش شفالي (Friedrich Schwally، 1863 - 1919) تحريره ونشر الجزء الثاني سنة 1909م حول جمع القرآن، وتابع غوتلف بيرغشتريسر (Gotthelf Bergsträsser، 1886- 1933) العمل على الجزء الثالث المتعلّق بتاريخ النصّ والقراءات قبل وفاته، ثم استكمله أوتو بريتسل (Otto Pretzl، 1893 - 1941) ونشره سنة 1938م. وخلال عقود طويلة عدّ دارسو القرآن في الغرب هذا الكتاب حجر الأساس في الدراسات القرآنيّة حتى تحوّل إلى نموذج تفسيريّ مهيمن في هذا الحقل.

في حين اقترح بعض الباحثين الغربيين المتأخّرين روايةً مغايرة عمّا استقرّ في مؤلّفات علوم القرآن التراثيّة حول هذا الموضوع، وقد ظهر هذا الاتّجاه منذ سبعينيات القرن العشرين فيما سُمّي في الدراسات الغربيّة بـ"البراديغم الجديد" في دراسة تاريخ القرآن. من أبرز ممثليه الباحث البريطاني جون وانسبرو (John Wansbrough، 1928– 2002) الذي نشر كتابه "الدراسات القرآنيّة" سنة 1977م، ثم كتاب "البيئة الطائفيّة" سنة 1978م، وفيهما قدّم قراءة نقديّة لتاريخ النصّ القرآنيّ وشكّك في كثير من الروايات الإسلاميّة التقليديّة حول نشأته المبكّرة. كما شارك في هذا الاتّجاه الباحثان مايكل كوك (Michael Cook، 1940– ) وباتريشيا كرون (Patricia Crone، 1945 - 2015) في كتابهما المشترك "الهاجريّة: تشكّل العالم الإسلامي" Hagarism: The Making of the Islamic World الذي صدر سنة 1977م، إذ حاولا إعادة كتابة تاريخ الإسلام المبكّر باعتماد مصادر غير إسلاميّة. كما حاول بعض الباحثين استثمار النقوش العربيّة القديمة والمخطوطات المبكّرة لإعادة قراءة تاريخ النصّ القرآني، كما فعل الباحث الألمانيّ غيرد روديغر بوين (Gerd Rüdiger Puin، 1940– ) في دراساته لمخطوطات صنعاء التي اكتُشفت سنة 1972م، وكذلك الباحث الألماني كارل هاينتس أوليغ (Karl-Heinz Ohlig، 1942– ) الذي نشر مع باحثين آخرين كتاب "الأصول الخفيّة للإسلام المبكّر" سنة 2005م. وحاول آخرون تصيُّد بعض الإشارات في نقوشٍ حجريّةٍ قديمةٍ في اليمن والجزيرة العربيّة لتقديم روايةٍ أخرى لتاريخ النصّ القرآنيّ، وهي روايات لا يقبلها المسلمون اليوم، ولن يقبلوها غدًا. وبرأيي أنّ مثل هذه الآراء لن يكون لها أثرٌ عمليٌّ في حياة المسلمين، ولن تدعوهم إلى إعادة النظر في تاريخ تدوين المصحف.

كنتُ أجادل بعض المفكّرين، ممن كتبوا في كيفية تشكّل المصحف، بأنّ التشديد على هذه القضيّة لن يكون له أثرٌ يُذكر في حياة المسلم العمليّة اليوم أو غدًا. ما يمكن أن يكون له أثرٌ كبيرٌ في حياة الفرد والمجتمع هو كيفيّة قراءة النصّ القرآنيّ، باعتماد أدواتٍ جديدةٍ في تأويله، والاستعانة بالفلسفة والعلوم الإنسانيّة وعلوم التأويل. تاريخُ الكتب المقدسّة للأديان يكشف لنا أنّ نصوصها بعد تدوينها وإغلاقها تَكتسب وَضعًا معياريًا لا يسمح بإعادة النظر فيها لاحقًا، حتّى لو لم تُدوّن في حياة مؤسّس الديانة. يظهر ذلك بوضوح في تاريخ تدوين أسفار العهد العتيق والعهد الجديد وغيرهما من الكتب المقدّسة التي تشكّلت نصوصها النهائيّة بعد زمن طويل من نشأة الدين.

يَنسب التقليد اليهوديّ التوراة إلى النّبيّ مُوسى الذي يؤرَّخ حضوره في الدراسات التاريخيّة عادة إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد تقريبًا (نحو 1250 ق.م)، غير أنّ الدراسات النقديّة الحديثة ترى أنّ تكوين أسفار التوراة جرى عبر مراحل طويلة من التحرير والتدوين بين القرنين العاشر والخامس قبل الميلاد، وأنّ صورتها النصيّة المستقرّة تبلورت في مرحلة ما بعد السبيّ البابليّ، لا سيما في القرن الخامس قبل الميلاد في زمن عزرا الكاتب نحو سنة 450 ق.م تقريبًا. أمّا الأناجيل التي تُشكّل القسم السرديّ الرئيس من العهد الجديد فقد كُتبت بعد عقود من حياة النّبيّ عيسى الذي عاش تقريبًا بين 4 ق.م و30 م، ويُرجّح معظم الباحثين أنّ أقدمها وهو إنجيل مرقس كُتب بين سنتي 65 و70 م، في حين كُتب إنجيل متّى وإنجيل لوقا بين سنتي 80 و90 م، في حين يرجَّح أنّ إنجيل يوحنّا كُتب في نهاية القرن الأوّل الميلادي نحو 90–100 م.

أمّا القرآن الكريم فقد دُوِّن في حياة النّبيّ محمّد الذي عاش بين سنتي 570 و632 م، إذ كُتب الوحي فور نزوله على يد عدد من كتّاب الوحي من الصحابة، وتشير المصادر الإسلاميّة المبكّرة إلى أنّ عددهم تجاوز الأربعين كاتبًا، ثم جرى توحيد المصاحف ونسخها في خلافة عثمان بن عفّان نحو سنتي 650–656 م باعتماد ما كُتب في حياة النّبيّ وما حفظه القرّاء من القرآن.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

............................

- كلمة التحرير للعدد 81 – 82، السنة 30، 2026، من مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

فيما يشبه القراءة النقدية في كتاب نظرية الثقافة

الثقافة بوصفها القوة الإبداعية في التاريخ تتكون من ثلاثة عناصر أساسية هي:

 اولا: العلم بكل أشكاله وأنماطه ونظرياته ومناهجه وأدواته ومجالاته الطبيعية والرياضية المنطقية والميتافيزيقية والتاريخية الإنسانية والاجتماعية. فكل ما يتصل بممارسة العلم تعليما وتفكيرا واكتشافا واختراعا وتأملا وتفسيرا وفهما هو نشاط ثقافي بالضرورة.

ثانيا: الأدب بكل أنواعه وأساليبه ومجالاته الشعرية والنثرية الخيالية والسردية الاسطورية والواقعية بما في ذلك الايديولوجيات والمعتقدات والتصوف وكل الخطابات النثرية والشعرية تندرج في البنية الكلية للنشاط الأدبي الإبداعي والإخباري.

ثالثا: الفن بكل حقوله ومظاهره الجمالية البصرية والسمعية الايقاعية والتشكيلة، من الرقص والموسيقى والتصميم والتشكيل والهندسة وكل ما نشاط يشتمل على مواهب وقدرات فنية في الصناعة والعمارة والتعدين والتخشيب والفلاحة والصيد وغيرها. وبهذا تكون الثقافة هي القوة الإبداعية في التاريخ بمعناها الواسع. انها تبدع التاريخ وتعيد تشكله باستمرار ولا تقدم ولا تطور ولا نماء ولا ارتقاء بدون معرفة الطبيعة وفهم ديناميكيتها وتفسير قوانين حركتها المعرفة التي لا تكون الا بالعلوم الطبيعية التجربية الموضوعية القادرة على الاكتشاف والاختراع والتفسير والتنبؤ. وتلك هي وظيفة العلوم البحتة. ولا تقدم ولا تطور ولا نماء ولا ارتقاء الا بفهم حركة المجتمع بالتاريخ وشروط ومقومات نموه وتقدمه وهذا لا يتحقق الا بتطور العلوم الإنسانية والاجتماعية المعنية بدراسة الإنسان وحاجاته ودوافعه ودراسة المجتمع ودينامياته الظاهرة والخفية. ولا تزدهر الحضارة بوصفها القوة التنظيمية في التاريخ سياسة وأخلاقًا وتشريعا معنية بخلق النظام العام الذي يحفظ ويصون حقوق الإنسان الأساسية؛ حق الحياة والعمل والحرية والفكر والاعتقاد والتعبير في إطار القانون سيد الجميع. لا تزدهر الا بازدهار الأدب والفن بوصفهما عنصران اساسيان من عناصر الثقافة المعنية بتنمية الإنسان تنمية ثقافية مستدامة بحسب الذكاءات المتعددة التي يتميز بها الكائن الإنساني (الذكاء الوجداني والذكاء المنطقي الرياضي والذكاء الاجتماعي والذكاء البصري والذكاء الايقاعي الموسيقي والذكاء اللغوي والذكاء العضلي والذكاء الوجودي) ففي ذات كل إنسان طيف واسع من المواهب والقدرات المتعددة التي تستدعي التأهيل والتنمية. وتلك هي وظيفة الثقافة في بوصفها الراسمال الذي يبقى بعد نسيان كل شيءٍ! والراسمال الثقافي هو مجموع المنابت والينابيع والمصادر الثقافية التي ينهل منها الفرد وتتوزع الى العادات والتقاليد والأعراف والسرديات والأساطير والرمز والدين والفنون. كما يفيد جملة المؤهلات الفكرية التي ينتجها المحيط الأسري والنظام التربوي وتشكل أحد أدوات التحكم والتوجيه والتأثير في الفرد ويتم مراكمتها عبر الزمن وتمريرها من شخص الى آخر عن طريق المحاكاة والمشاركة والتقليد ويمكن كذلك نقلها من جيل الى آخر عبر آلية اعادة الانتاج واحترام النفوذ.

بناء على ذلك إن الرأسمال الثقافي يحصل عليه المرء بعد مراكمة للتجارب المتنوعة ومثابرة في العمل ويعطيه نوعا من الامتيازات في المجتمع. وحينما يتكرر السلوك يصير عادة وحينما تترسخ العادة تصير ثقافة. ويتوزع الرأسمال الثقافي بحسب بيير بورديو الى ثلاثة عناصر هي شكل متجسد في الهابيتوس الثقافي وتكمن وظيفته في جعل الانسان كائنا اجتماعيا ومشاركا في الفضاء العام، وشكل مموضع في مستوى ثان يتكون من منافع ثقافية وخيرات رمزية مثل الكتب والآثار الفنية والأدوات الرقمية وتتمثل مهمتها في حزن وحفظ العناصر الثقافية، وشكل مؤسساتي في مقام ثالث ويتمثل في العناوين المدرسية والمتاحف والمكتبات ودور الثقافة والمسرح والسينما وتتمثل مهمته في عرضه للمنتوجات الثقافية للفرجة والتقبل والتداول التوزيع والاستعراض والاستهلاك وبالتالي تتحول هذه المؤسسات الى سوق ثقافي. وهكذا يمكن القول أن الناس هو الذين يشكلون ثقافتهم بما يبدعونه من علم وفن وأدب ثم تقوم هي بتشكيلهم بما تحتويه من معرفة وقيم وعادات وافكار وانماط الحياة فهي كل ما نفكر به أو نمتلكه ونمارسه في المجتمع وتُعدّ الثقافة، وفق تعريف عالم الاجتماع الأمريكي روبرت بيرستد، ذلك الكل المركب الذي يشمل ما يفكر فيه الإنسان وما يقوم به وما يمتلكه بوصفه عضواً في المجتمع. هذا التعريف لا ينظر إلى الثقافة بوصفها مجرد معرفة أو فنون، بل باعتبارها بنية متكاملة تتشكل من تفاعل ثلاث منظومات أساسية: التحيزات الثقافية التي تضم القيم والمعتقدات، والعلاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد، وأنماط الحياة التي تمثل المحصلة الكلية لهذا التفاعل وتلك الأخيرة هي الناتج الكلي المركب من التحيزات الثقافية والعلاقات الاجتماعية وتميز نظرية الثقافة بين خمسة أنماط أساسية للحياة الاجتماعية والثقافية في المجتمعات المعافية هي خمسة أنماط رئيسية للحياة الاجتماعية والثقافية، وهي: النمط التدريجي، والمساواتي، والقدري، والفردي، والانعزالي. ولا تمثل هذه الأنماط تصنيفات جامدة، بل هي نماذج تفسيرية تساعد على فهم السلوك الإنساني داخل المجتمعات، حيث يتعايش أكثر من نمط في المجتمع الواحد، وتتحدد حيويته بمدى التوازن بين هذه الأنماط.

أولاً: النمط التدريجي (الهرمي)

يقوم هذا النمط على فكرة التدرج في السلطة والتنظيم، حيث تُوزع الأدوار وفق تراتبية واضحة، ويُمنح كل فرد موقعاً محدداً داخل البناء الاجتماعي. يؤمن هذا النمط بالقواعد والضبط المؤسسي، ويرى أن الاستقرار يتحقق عبر الالتزام بالنظام والتقاليد.

يمتاز النمط التدريجي بقدرته على تحقيق الاستقرار والتنظيم، لكنه قد يتحول إلى بيروقراطية جامدة إذا بالغ في تقديس السلطة، مما يحدّ من الإبداع والمبادرة الفردية. ومع ذلك، يبقى هذا النمط ضرورياً لضبط إيقاع المجتمع ومنع الفوضى.

ثانياً: النمط المساواتي

يقوم النمط المساواتي على رفض التراتبية الاجتماعية، والدعوة إلى تحقيق العدالة والمساواة بين الأفراد. يركز هذا النمط على القيم الجماعية والتضامن، ويعارض الهيمنة والسلطة المركزية.

في المجتمعات المتجانسة، يمكن للنمط المساواتي أن يعزز التماسك الاجتماعي، غير أن خطورته تظهر بوضوح في المجتمعات الانقسامية، حيث تتعدد الهويات والانتماءات. ففي هذه الحالة، قد تتحول المساواة من قيمة أخلاقية إلى أداة إقصاء، إذ تسعى كل جماعة إلى فرض تصورها الخاص للمساواة باعتباره النموذج الصحيح الوحيد.

إن المساواتية حين تتحول إلى أيديولوجيا مغلقة، تنفي الاختلاف وتُقصي التنوع، فإنها تُنتج نوعاً من “اليوتوبيا القسرية” التي تفرض نمطاً واحداً للحياة. وهذا ما يؤدي إلى صراعات حادة، لأن كل جماعة ترى نفسها ممثلاً حقيقياً للعدالة، فتتنازع مع غيرها على احتكار الحقيقة الأخلاقية.

ثالثاً: النمط القدري

يتسم هذا النمط بالإيمان بالحتمية والعجز عن التغيير، حيث يشعر الأفراد بأن مصائرهم محددة سلفاً ولا قدرة لهم على التأثير فيها. ينتشر هذا النمط غالباً في البيئات التي تعاني من القهر أو انعدام الفرص.

يميل أصحاب هذا النمط إلى الانسحاب من الفعل الاجتماعي، ويغلب عليهم الشعور باللامبالاة، مما يضعف الحيوية المجتمعية. ومع ذلك، يمكن أن يشكل هذا النمط آلية نفسية للتكيف مع الظروف القاسية، لكنه يصبح خطيراً حين يتحول إلى ثقافة عامة تعيق التقدم.

رابعاً: النمط الفردي

يركز النمط الفردي على الحرية الشخصية والمبادرة الذاتية، ويؤمن بأن النجاح يتحقق من خلال الجهد الفردي والمنافسة. يشجع هذا النمط الابتكار والإبداع، ويُعدّ محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية.

غير أن الإفراط في الفردانية قد يؤدي إلى تفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع قيم التضامن، مما يجعل المجتمع عرضة للتفاوت الحاد والصراعات الطبقية. لذلك، يحتاج هذا النمط إلى التوازن مع أنماط أخرى تحافظ على البعد الجماعي.

خامساً: النمط الانعزالي

يمثل هذا النمط انسحاباً شبه كامل من الحياة الاجتماعية، حيث يفضل الأفراد العزلة وتجنب التفاعل مع الآخرين. قد يظهر هذا النمط كرد فعل على الإحباط أو فقدان الثقة في المجتمع.

ورغم أنه يبدو هامشياً، إلا أن انتشاره يشير إلى خلل عميق في البنية الثقافية، إذ يعكس فقدان الانتماء وضعف الاندماج الاجتماعي.

تؤكد نظرية الثقافة أن هذه الأنماط لا يجب أن تُفهم بوصفها متعارضة بشكل مطلق، بل بوصفها عناصر متكاملة داخل منظومة واحدة. فالمجتمع الصحي هو الذي يسمح بتعايش هذه الأنماط في حالة من التوازن، بحيث يحدّ كل نمط من تطرف الآخر.

إن التعددية الثقافية ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية، لأن اختلاف الناس هو ما يتيح إمكانيات متعددة للفهم والاستجابة. فأنصار كل نمط يحتاجون إلى الأنماط الأخرى، سواء للتحالف أو للمنافسة أو حتى لتعريف أنفسهم في مقابلها.

ومن هنا، فإن فرض نمط واحد على المجتمع، مهما بدا مثالياً، يؤدي إلى اختلال خطير. فالمجتمعات التي تقمع التنوع تصبح أقل قدرة على التكيف مع التغيرات، وأكثر عرضة للأزمات.

في المجتمعات العربية المعاصرة، حيث تتعدد الانتماءات الدينية والطائفية والإثنية، تبرز إشكالية المساواتية بشكل حاد. فبدلاً من أن تكون المساواة إطاراً جامعاً، تتحول في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع بين رؤى متنافسة.

تكمن الخطورة في أن الخطاب المساواتي قد يُختزل في شعارات سياسية أيديولوجية، تُستخدم لتبرير الهيمنة بدل تحقيق العدالة. وعندما تتضخم السياسة وتحتكر المجال الثقافي، فإنها تعيد تشكيل كل الخطابات الأخرى وفق منطقها، كما أشار ميشيل فوكو، حيث تسعى السلطة إلى التمدد واحتواء كل أشكال التعبير وفي هذه الحالة، لا تعود الثقافة مجالاً للإبداع والتنوع، بل تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الخطاب السياسي. وهنا تفقد المساواة معناها الحقيقي، لتصبح مجرد قناع لإقصاء المختلف.

لا ريب إن المجتمعات التي تهيم فيها أنماط الثقافة الانقسامية تحتاج إلى إدارة ذكية للتنوع، تقوم على الاعتراف بالاختلاف لا إنكاره، وعلى بناء مؤسسات قادرة على تحقيق التوازن بين الأنماط الثقافية المختلفة. أما فرض المساواة بمعناها التبسيطي، فإنه يؤدي إلى تفجير التناقضات الكامنة بدل حلها.

وبذلك تتضح العلاقة التكاملية بين السياسة الرشيدة والثقافة بوصفة تنمية مستدامة إذ هي ليست مجرد تراكم معرفي، بل هي عملية تهيئة شاملة للإنسان، تشمل تنمية قدراته الفكرية والعاطفية والاجتماعية. كما أنها تمكّن الفرد من استيعاب المعرفة وتحويلها إلى سلوك، وتمنحه القدرة على الربط بين الظواهر المختلفة في إطار رؤية كلية تتيح للفرد القدرة على الفهم العميق، وليس مجرد امتلاك المعلومات. وهي بهذا المعنى تمثل ما يبقى بعد نسيان كل شيء، أي البنية الذهنية التي توجه السلوك.

غير أن هذه الوظائف تتعرض للتآكل عندما تهيمن السياسة الغبية على المجال الثقافي كما حديث في مدينة عدن الساحلية ، وتفرض خطاباً أحادياً يُقصي التنوع. وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها مجالاً مستقلاً، يعزز الحرية والإبداع.

خاتمة

إن فهم الأنماط الثقافية الخمسة يتيح لنا قراءة أعمق للواقع الاجتماعي، ويكشف أن التوازن بين هذه الأنماط هو الشرط الأساسي لاستقرار المجتمعات. فكل نمط يحمل في داخله إمكانات إيجابية وسلبية، ولا يمكن لأي منها أن يدّعي الكمال.

وفي المجتمعات الانقسامية، تبرز الحاجة إلى الحذر من تحويل المساواتية إلى أيديولوجيا مغلقة، لأن ذلك يقود إلى إقصاء التنوع وإشعال الصراعات. إن الحل لا يكمن في فرض نموذج واحد، بل في بناء فضاء ثقافي تعددي يسمح بتعايش الاختلاف.

وبذلك تتعين الوظيفة الاجتماعية للثقافة بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء. والسؤال هو هل يمكن للثقافة بوصفها التطور الدائم المستمر في العلم والفن والأدب أن تزدهر بدون ازدهار الحضارة؟.

***

ا. د. قاسم المحبشي

قراءة نقدية في “مجمل تاريخ المغرب” لـ عبد الله العروي

ملخص الدراسة: تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية  لكتاب مجمل تاريخ المغرب، من خلال تفكيك بنيته المنهجية وتحليل أطروحاته المركزية، مع التركيز على إشكالية القطيعة التاريخية التي تشكل مرتكزًا أساسياً في مشروع المؤرخ المغربي عبد الله العروي. وتنطلق الدراسة من فرضية مضادة مفادها أن التاريخ المغربي لا يُفهم بمنطق الانقطاع، بل بمنطق الاستمرارية والتراكم، وهو ما تؤكده المعطيات التاريخية والدراسات الحديثة.

كما تسعى الدراسة إلى إبراز حدود المقاربة التاريخانية عند العروي، خاصة في ما يتعلق بتهميش المجال الصحراوي، واقتراح بديل إبستمولوجي قائم على مفهوم "الشرعية التاريخية"، بما يسمح بإعادة بناء السرد التاريخي المغربي في أفق أكثر اتساقًا مع الواقع التاريخي والسياسي.

على سبيل الافتتاح:

يمثل التاريخ، في السياق المغربي، أكثر من مجرد مجال للبحث الأكاديمي، إذ يتداخل مع أسئلة الهوية والشرعية والسيادة. ومن هنا، فإن كل محاولة لإعادة كتابة التاريخ المغربي تكتسب أبعادًا تتجاوز المعرفة إلى المجال الاستراتيجي.

في هذا الإطار، يبرز مشروع المؤرخ المعربي عبد الله العروي باعتباره أحد أبرز المشاريع الفكرية التي سعت إلى إعادة بناء الوعي التاريخي وفق منظور حداثي، يقوم على تفكيك السرد التقليدي وإعادة تنظيمه ضمن رؤية تحليلية شاملة (العروي، 1996).

غير أن هذا المشروع، رغم أهميته، يطرح إشكالاً جوهريًا يتعلق بطبيعة التاريخ المغربي نفسه: هل هو تاريخ قطيعة أم تاريخ استمرارية؟ وهل يمكن تطبيق نموذج تاريخاني مستمد من التجربة الأوروبية على حالة مغربية تتميز بخصوصية بنيوية عميقة؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية نقدية مفادها أن العروي، في سعيه إلى تحديث الوعي التاريخي، قد أعاد بناء التاريخ المغربي وفق نموذج القطيعة، وهو ما لا ينسجم كليًا مع واقع الدولة المغربية التي تقوم على التراكم والاستمرارية (Abun-Nasr, 1987).

أولًا: البنية المنهجية للكتاب: من السرد إلى التركيب

يُصرّح المؤرخ المغربي عبد الله العروي بأن غايته ليست "جمع الوقائع، بل تنظيمها ضمن رؤية شاملة" (العروي، 1996، ص. 7)، وهو تصريح يؤسس بوضوح لتحول منهجي عميق في الكتابة التاريخية، ينتقل بها من مستوى الوصف السردي إلى مستوى البناء النظري. فالتاريخ، في منظور العروي، لا يُختزل في تتابع الأحداث، بل يتحول إلى مادة خام تُعاد صياغتها داخل نسق تحليلي يهدف إلى إبراز البنيات العميقة والتحولات الكبرى. ومن هنا، تتأسس مقاربته التركيبية التي تقوم على إعادة تنظيم المادة التاريخية ضمن وحدات تحليلية متماسكة، بدل الارتهان للترتيب الكرونولوجي الصرف الذي يكتفي بتتبع تسلسل الوقائع دون مساءلة دلالاتها (Laroui, 1996). ويتجلى هذا التوجه بشكل واضح في تقسيمه للتاريخ المغربي إلى مراحل كبرى:مرحلة ما قبل الدولة، ونشأة الدولة، والدول الوسيطية، ثم المرحلة الحديثة، حيث يتم التركيز على منطق التحول البنيوي بدل التفاصيل الحدثية الجزئية. ولا شك أن هذا المنهج يجد أصوله في تقاليد المدرسة التاريخية الفرنسية، خاصة مع مارك بلوخ، الذي دعا إلى دراسة “المدى الطويل” (longue durée) باعتباره مدخلًا لفهم استمرارية البنيات عبر الزمن (Bloch, 1949). غير أن هذا التحول من الوصف إلى التركيب، رغم قيمته الإبستمولوجية الكبيرة، لا يخلو من إشكال منهجي دقيق، يتمثل في احتمال إخضاع الوقائع التاريخية لنموذج نظري مسبق، بحيث تصبح المادة التاريخية مجرد وسيط لتأكيد فرضيات جاهزة، بدل أن تكون منطلقًا لتوليد المعرفة. ونتيجة لذلك، قد يُفضي هذا الاختيار إلى تهميش بعض التفاصيل الدقيقة التي تحمل في طياتها دلالات تفسيرية حاسمة، خاصة في القضايا التي تتطلب حساسية تاريخية خاصة، مثل المجال الصحراوي، حيث إن تغييب الجزئي لصالح الكلي قد يؤدي إلى إغفال عناصر أساسية لفهم الامتداد التاريخي والروابط السياسية والاجتماعية التي شكلت بنية الدولة المغربية عبر الزمن.

ثانيًا: مرحلة ما قبل الدولة: بين الاختزال والتعقيد وإشكالية التأسيس:

يعالج عبد الله العروي مرحلة ما قبل قيام الدولة المغربية بوصفها فضاءً قبليًا مفككًا، تهيمن عليه البنيات العصبية، في ظل غياب سلطة مركزية واضحة قادرة على توحيد المجال وضبطه، وهو ما يدفعه إلى اعتبار هذه المرحلة بمثابة تمهيد ضروري لظهور الدولة في صورتها التاريخية المتبلورة (العروي، 1996). ويندرج هذا التصور ضمن أطروحة أوسع تقوم على اعتبار التفكك القبلي لحظة تأسيسية سابقة على نشوء الدولة، حيث يتم الانتقال من  "اللا-دولة" إلى “الدولة” باعتباره تحولًا نوعيًا في بنية السلطة والتنظيم السياسي. غير أن هذا الطرح، رغم ما يوفره من وضوح تحليلي، ينطوي على قدر من الاختزال الذي يُبسّط التعقيد الاجتماعي والسياسي الذي ميّز تلك المرحلة، إذ يُوحي بأن المجال المغربي كان يعيش حالة فراغ سياسي أو فوضى تنظيمية، في حين تُظهر الدراسات التاريخية أن أشكالًا متعددة من التنظيم السياسي كانت قائمة، حتى وإن لم تتخذ شكل الدولة المركزية الحديثة (Abun-Nasr, 1987).

فقد عرفت هذه المرحلة أنماطًا من السلطة المحلية، وشبكات من التحالفات القبلية، وأطرًا للضبط الاجتماعي تستند إلى الأعراف والشرع، فضلًا عن أدوار فاعلة للقيادات الدينية والروحية، وهو ما يدل على وجود “سياسة متعدّدة المستويات” لا يمكن اختزالها في مجرد غياب للدولة. ومن ثم، فإن تقديم هذه المرحلة كفضاء مفكك خالص يُغفل ديناميات التنظيم الداخلي التي مهّدت تدريجيًا لتشكّل السلطة المركزية، لا عبر قطيعة فجائية، بل من خلال سيرورة تراكمية تفاعلت فيها البنيات القبلية مع العوامل الدينية والسياسية.

وعلاوة على ذلك، يُوحي هذا التصور بوجود قطيعة تأسيسية حادة بين مرحلتين متقابلتين: مرحلة “اللا-دولة” ومرحلة “الدولة”، وكأن الانتقال بينهما تم بشكل مفاجئ، وهو ما لا تؤكده الوقائع التاريخية. إذ يكشف التحليل الدقيق أن تشكّل الدولة المغربية كان نتيجة مسار تدريجي معقد، أعادت فيه البنيات السابقة إنتاج نفسها داخل إطار أكثر تنظيماً، مما يعني أن الدولة لم تنشأ من فراغ، بل من داخل بنية اجتماعية وسياسية كانت تحتوي في ذاتها إمكانات التحول. وهنا يتضح أن منطق القطيعة الذي يوظفه العروي لا يعكس بدقة حقيقة التطور التاريخي المغربي، الذي يبدو أقرب إلى منطق الاستمرارية المتحولة، حيث تتداخل عناصر الثبات والتغير ضمن سيرورة تاريخية ممتدة.

ثالثًا: نشأة الدولة: الدين بين الوظيفة والبنية:

يرى عبد الله العروي أن "الدين كان دائمًا عنصرًا حاسمًا في بناء السلطة، لكنه خضع لمنطق السياسة" (العروي، 1996، ص. 88)، وهو تصور يعكس مقاربة وظيفية تُدرج الدين ضمن أدوات تشكّل الشرعية السياسية. ويُعزز هذا المنحى من خلال تحليله لتجربتي الدولتين المرابطية والموحدية، حيث يُبرز كيف اضطلع العامل الديني بدور مركزي في تأسيس السلطة، من خلال توفير إطار رمزي وأيديولوجي يمنحها المشروعية (العروي، 1996).

غير أن هذا التحليل، على وجاهته، يميل إلى اختزال الدين في بعده الأداتي، بوصفه مجرد وسيلة في خدمة السلطة، وهو ما لا يستوعب كليًا خصوصية التجربة المغربية. إذ تكشف هذه الأخيرة أن الدين لم يكن عنصرًا ظرفيًا أو توظيفًا سياسيًا عابرًا، بل شكّل بنية تأسيسية عميقة لاستمرارية الدولة، حيث تداخل مع السياسي في إطار تراكمي أنتج نموذجًا فريدًا للشرعية.

وفي هذا السياق، تبرز مؤسسة البيعة باعتبارها الآلية المركزية التي تجسّد هذا التداخل البنيوي بين الديني والسياسي، إذ لا تمثل مجرد إجراء شكلي لإضفاء الشرعية، بل تُعد عقدًا تاريخيًا متجددًا يربط بين الحاكم والمحكوم، ويؤسس لاستمرارية السلطة عبر الزمن. ومن ثم، فإن إغفال هذا البعد في تحليل العروي يُفضي إلى تقليص فهم الامتداد التاريخي للسلطة في المغرب، حيث إن البيعة لم تكن فقط أداة سياسية، بل شكلت أحد أهم مرتكزات إعادة إنتاج الشرعية وضمان استمرارية الدولة.

وعليه، فإن قراءة نشأة الدولة المغربية تقتضي تجاوز المقاربة الوظيفية الضيقة للدين، نحو استيعاب طبيعته البنيوية، باعتباره عنصرًا مؤسسًا لا فقط مبررًا، وهو ما يتيح فهمًا أعمق لكيفية تداخل الديني والسياسي في بناء نموذج تاريخي قائم على الاستمرارية، لا على القطيعة.

 رابعًا: الدول الوسيطية: الاستمرارية المغفلة:

يعرض عبد الله العروي تعاقب الدول في المغرب الوسيط—من المرابطين إلى الموحدين فالمرينيين ثم السعديين—بوصفه سلسلة من التحولات السياسية التي تعكس طابعًا متغيرًا لبنية الدولة، حيث يؤكد أن “الدولة في المغرب لم تكن معطى ثابتًا، بل بناءً تاريخيًا متغيرًا” (العروي، 1996، ص. 52). غير أن هذا التصور، إذا ما قُرئ في أفق القطيعة، يُفضي إلى إغفال بُعد أساسي يتمثل في الاستمرارية البنيوية التي تنتظم هذه التحولات.

فقراءة دقيقة لهذه المرحلة تكشف أن ما يبدو تغيرًا على مستوى الأشكال السياسية لم يكن في الغالب سوى تحولات سطحية، في حين ظلت البنية العميقة للسلطة قائمة، خاصة في ما يتعلق بأنماط الشرعية وآليات إعادة إنتاجها، وعلى رأسها العلاقة بين السلطان والمجتمع، التي حافظت على قدر كبير من الثبات عبر الزمن (Pennell, 2000). وبهذا المعنى، لا يعكس تعاقب الدول انقطاعات جذرية بقدر ما يجسد سيرورة تاريخية تقوم على إعادة تشكيل السلطة داخل إطار استمراري، تُعاد فيه صياغة الشرعية وفق شروط كل مرحلة دون أن تنقطع جذورها.

إن إغفال هذا البعد يجعل من التاريخ المغربي يبدو وكأنه سلسلة من الانفصالات، في حين أنه، في جوهره، تاريخ لإعادة إنتاج الشرعية واستمرارية الدولة عبر آليات تقليدية متجددة. ومن ثم، فإن فهم هذه المرحلة يقتضي تجاوز منطق التبدل الشكلي نحو تحليل دينامية الاستمرارية التي شكّلت البنية العميقة للتاريخ السياسي المغربي.

خامسًا: المرحلة الحديثة: التحديث بين الداخل والخارج:

يربط عبد الله العروي دخول المغرب إلى الحداثة بما يسميه “الصدمة الاستعمارية”، معتبرًا إياها لحظة حاسمة في مسار التحديث (Laroui, 1977, p. 134)، حيث يرى أن الانتقال إلى الحداثة لا يتم إلا عبر قطيعة مع البنيات التقليدية. ويعكس هذا التصور نزوعًا نحو تفسير التحول التاريخي من خلال العامل الخارجي، بوصفه المحرك الأساسي لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع.

غير أن هذا الطرح، على أهميته التفسيرية، يُضخّم من دور الاستعمار بوصفه فاعلًا حاسمًا، في مقابل تقليله من شأن الدينامية الداخلية التي عرفها المغرب، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث شهدت الدولة المغربية محاولات إصلاحية متعددة شملت الجوانب الإدارية والعسكرية والمالية، وهو ما يدل على أن التحديث لم يكن مجرد استجابة لضغط خارجي، بل أيضًا نتيجة لتطور داخلي واعٍ بتحولات السياق الدولي.

وعليه، فإن فهم المرحلة الحديثة يقتضي تجاوز ثنائية الداخل/الخارج، والنظر إلى التحديث باعتباره سيرورة مركبة، تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية ضمن مسار تاريخي مستمر. فالتحديث، في الحالة المغربية، لم يكن قطيعة مع الماضي، بل شكل امتدادًا تحويليًا لمسار تاريخي قائم، أعادت من خلاله الدولة إنتاج ذاتها في سياق جديد.

كما أن هذا التصور ينسجم مع واقع استمرارية المؤسسة الملكية، التي استطاعت، رغم التحولات العميقة، أن تحافظ على حضورها ووظيفتها، مما يعكس قدرة الدولة المغربية على التكيف دون فقدان بنيتها الأساسية. ومن ثم، فإن المرحلة الحديثة لا تمثل لحظة انقطاع، بل لحظة إعادة تشكيل داخل منطق الاستمرارية، وهو ما يعزز أطروحة الشرعية التاريخية باعتبارها إطارًا تفسيريًا أكثر انسجامًا مع خصوصية التجربة المغربية.

سادسا: الصحراء المغربية: الغياب الدال واشكالية التمثيل:

من أبرز ما يُلاحظ في مجمل تاريخ المغرب هو الحضور المحدود للمجال الصحراوي، سواء من حيث التحليل أو التوثيق.هذا الغياب لا يمكن اعتباره مجرد نقص عرضي، بل يعكس تصورًا ضمنيًا للتاريخ المغربي الذي  يركز على المركز الدولة والمدن، ويُهمّش الأطراف.

كما يعدّ حضور المجال الصحراوي أيضا في الكتابة التاريخية المغربية  عموما حضورًا محدودًا نسبيًا، سواء على مستوى التناول التحليلي أو على مستوى التوثيق المفاهيمي، وهو ما يثير إشكالية منهجية تتجاوز مجرد "نقص في المادة التاريخية" إلى ما يمكن وصفه بـ " الاختيار المعرفي"  الذي حكم بناء السرد التاريخي الوطني. فغياب الصحراء عن مركز الاهتمام في عدد من الدراسات الكلاسيكية لا يبدو غيابًا بريئًا أو عرضيًا، بل يرتبط في جانب منه  بتمركز الرؤية التاريخية حول المجال المخزني والمديني باعتباره مركز إنتاج الشرعية السياسية والمعرفية، مقابل تهميش الأطراف والهامش الجغرافي، بما في ذلك المجال الصحراوي الذي ظل يُنظر إليه بوصفه فضاءً خارج المركز أو أقل اندماجًا في منطق الدولة.

غير أن هذا التصور المركزي للتاريخ يصطدم بمجموعة من المعطيات التاريخية والوثائقية التي تعيد الاعتبار لوحدة المجال المغربي في أبعاده الممتدة. فقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري سنة 1975 وجود روابط قانونية وتاريخية ذات طابع البيعة والولاء بين بعض قبائل الصحراء والسلطة المركزية المغربية، وهو ما يفتح المجال أمام إعادة قراءة العلاقة بين الدولة والمجال الصحراوي خارج ثنائية القطيعة والانفصال، وضمن منطق الاستمرارية التاريخية والتداخل السياسي والاجتماعي (ICJ, 1975). كما أن العديد من الشهادات التاريخية والأنثروبولوجية تشير إلى أن المجال الصحراوي لم يكن فضاءً معزولًا، بل كان جزءًا من شبكات ممتدة من التبادل التجاري والروابط القبلية والارتباط الرمزي بالمؤسسة المخزنية.

وعليه، فإن إعادة إدماج الصحراء المغربية داخل السرد التاريخي الوطني تمثل ضرورة معرفية واستراتيجية.حيث  لا تندرج فقط ضمن عملية تصحيح معرفي أو سدّ فراغ توثيقي، بل تتجاوز ذلك إلى كونها إعادة بناء للمنظور التاريخي نفسه، عبر تفكيك مركزية التمثيل وإعادة توزيع الضوء على مختلف مكونات المجال المغربي. فالمسألة هنا ليست مجرد إضافة جغرافية إلى سرد قائم، بل هي إعادة مساءلة لبنية المعرفة التاريخية ذاتها، بما يسمح بفهم أعمق لدينامية الدولة المغربية بوصفها كيانًا تاريخيًا تشكل عبر تفاعل معقّد بين المركز والأطراف، وليس عبر مركز منفصل عن مجاله الحيوي.

سابعًا: نحو إطار بديل: إبستمولوجيا الشرعية التاريخية:

في مقابل أطروحة القطيعة التي بلورها العروي في قراءته للتاريخ المغربي، تقترح هذه الدراسة تبني إطار تفسيري بديل يقوم على مفهوم "الشرعية التاريخية" كإطار تفسيري بديل، يقوم على اعتبار التاريخ المغربي سيرورة تراكمية مستمرة.

هذا المفهوم يسمح بـ:

فهم استمرارية الدولة

تفسير الامتداد المجالي

تأصيل السيادة المغربية

وهو ما يجعله أكثر انسجامًا مع الواقع التاريخي المغربي (Abun-Nasr, 1987).

هذا التصورً الإبستمولوجي القائم على الشرعية التاريخية وعلى استمرارية الدولة المغربية، يعيد الاعتبار لمسار التراكم التاريخي بدل لحظة الانقطاع. فالتاريخ المغربي، وفق هذا المنظور، لا يُفهم كسلسلة من القطيعات البنيوية الحادة، بل كسيرورة طويلة من الاستمرارية الدينامية التي تتداخل فيها البنى السياسية والاجتماعية والرمزية، بما يسمح بفهم الدولة المغربية بوصفها كيانًا تاريخيًا متجددًا في بنيته، ثابتًا في امتداده العام.

إن اعتماد مفهوم الشرعية التاريخية يتيح إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال على أسس أكثر تركيبًا وعمقًا؛ فهو يساعد على فهم استمرارية الدولة المغربية عبر تحولات متعددة دون فقدان مركزها السيادي، كما يسمح بتفسير الامتداد المجالي للدولة ليس باعتباره نتيجة توسع ظرفي أو طارئ، بل باعتباره امتدادًا لوحدة تاريخية تفاعلت فيها المركزيات السياسية مع الأطراف الجغرافية والقبلية. وضمن هذا الإطار، تصبح السيادة المغربية نتاجًا لمسار تاريخي طويل من التراكم والتكيّف، وليس مجرد معطى قانوني أو سياسي معزول عن جذوره التاريخية (Abun-Nasr, 1987).

ثامنًا: من التحليل التاريخي إلى الرؤية الاستراتيجية:

إن القيمة المعرفية لمفهوم الشرعية التاريخية لا تقتصر على إعادة تنظيم أدوات التحليل التاريخي فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا استراتيجية ذات صلة مباشرة بقراءة الحاضر واستشراف المستقبل، خاصة في ما يتعلق بإشكالية تدبير المجال الصحراوي ومشروع الحكم الذاتي. فحين يتم تفكيك فكرة الاستمرارية التاريخية، يُصبح الأساس الرمزي والمعرفي للسيادة عرضة للتفكك والتجزئة، بينما يؤدي إعادة بنائها ضمن منطق الشرعية التاريخية إلى إعادة تثبيت هذا الأساس داخل سيرورة تاريخية متماسكة.

وعليه، فإن مقترح الحكم الذاتي، في هذا السياق التحليلي، لا يظهر كمجرد حل سياسي ظرفي أو تقنية تدبير إداري، بل يمكن فهمه كامتداد طبيعي لبنية الدولة المغربية التاريخية، التي عرفت دائمًا أشكالًا متعددة من تدبير التنوع المجالي والاجتماعي داخل إطار وحدة سيادية مرنة. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الحلول السياسية الآنية، بل في القدرة على إعادة إدماج هذه الحلول داخل سردية تاريخية متماسكة تُعيد ربط الحاضر بجذوره العميقة.

على سبيل الختام:

يمثل كتاب مجمل تاريخ المغرب مساهمة فكرية رائدة في إعادة بناء الوعي التاريخي المغربي، وإعادة طرح أسئلة جوهرية تتعلق ببنية الدولة ومسارات تشكلها التاريخي. غير أن هذه المساهمة، على أهميتها، تظل محكومة بإطار نظري يميل إلى تبني مقولة القطيعة بوصفها مفتاحًا أساسياً لفهم التحولات التاريخية، وهو ما يجعلها غير قادرة بشكل كافٍ على استيعاب الخصوصية المركبة للتجربة المغربية، التي تتسم بدرجة عالية من الاستمرارية التاريخية والتداخل بين المركز والهامش، وبين السياسي والاجتماعي والمجالي.

وانطلاقًا من ذلك، فإن هذه الدراسة لا تروم نفي القيمة التحليلية لأطروحة القطيعة، بقدر ما تسعى إلى اقتراح أفق تفسيري بديل يقوم على مفهوم “الشرعية التاريخية”، باعتباره إطارًا إبستمولوجيًا يعيد الاعتبار لمنطق التراكم والاستمرارية في بناء الدولة المغربية. فالتاريخ، من هذا المنظور، لا يُفهم كسلسلة من الانفصالات الحادة، بل كسيرورة ممتدة تتشكل عبر تفاعل مستمر بين البنيات السياسية والمجالية والرمزية، بما يسمح بإعادة قراءة الدولة المغربية ككيان تاريخي متجدد الجذور، متحول الأشكال، لكنه متصل البنية.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة إدماج المجال الصحراوي ضمن السرد التاريخي الوطني، ليس باعتباره إضافة جغرافية هامشية، بل كعنصر بنيوي في فهم تشكل المجال المغربي ووحدته التاريخية. فإقصاء هذا البعد أو تهميشه يؤدي إلى اختزال غير دقيق لمسار تشكل الدولة، بينما يسهم إدماجه في تقديم صورة أكثر تركيبًا واتساقًا للتاريخ المغربي بوصفه وحدة مجالية وسياسية ممتدة.

وعليه، فإن الانتقال من منطق القطيعة إلى منطق الاستمرارية لا يندرج فقط ضمن مراجعة أكاديمية أو نقد منهجي، بل يشكل أيضًا إعادة توجيه للمنظور التاريخي نحو أفق أكثر قدرة على ربط المعرفة التاريخية بالوظيفة الاستراتيجية للدولة. ففهم التاريخ بوصفه رافعة للسيادة، وليس مجرد سرد للماضي، يتيح بناء رؤية أكثر تماسكًا لموقع الدولة المغربية في امتدادها التاريخي والجغرافي، ويعزز في الآن ذاته قدرتها على توظيف هذا الإرث في صياغة اختياراتها الاستراتيجية الراهنة والمستقبلية.

***

د. منير محقق: باحث وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

.......................... 

المراجع (APA – موسّعة وقوية)

Abun-Nasr, J. M. (1987). A History of the Maghrib in the Islamic Period. Cambridge University Press.

Bloch, M. (1949). Apologie pour l'histoire ou Métier d'historien. Paris: Armand Colin.

ICJ. (1975). Western Sahara Advisory Opinion. International Court of Justice.

Laroui, A. (1977). The Crisis of the Arab Intellectual. University of California Press.

Laroui, A. (1996). Mujmal Tarikh al-Maghrib. Casablanca: Centre Culturel Arabe.

Pennell, C. R. (2000). Morocco: From Empire to Independence. Oneworld Publications.

عرض كتاب الاستاذة الدكتورة نيفين مصطفى زيور

تعريف مؤلفة الكتاب الاستاذة الدكتورة نيفين مصطفى زيور

استاذة التحليل النفسي في قسم علم النفس – كلية الآداب – جامعة عين شمس بالقاهرة – مصر. دكتوراه في التحليل النفسي وسليلة التحليل النفسي، اشتغلت في قسم علم النفس منذ أكثر من ستة عقود في هذا التخصص.

مقدمة:

عرضت المؤلفة الاستاذة الدكتورة نيفين زيور في هذا المنجز العلمي الأكاديمي لمن يهتم بدراسة التحليل النفسي من سيجموند فرويد إلى جاك لاكان الفرنسي الذي جدد فكر التحليل النفسي، وكذلك للمثقف الذي درس الادب والفنون والقصة والرواية والشعر والمسرح واللغة وبنى على نظريات سيجموند فرويد الأسس التي واكبت العصر الحديث أن يجد في هذا الإنجاز العلمي التحليلي ضالته العلمية المتعمقة فيما يبحث عنه، حيث ضم موضوعات مستمده من عمق فكر التحليل النفسي، ولا نغالي أن نقول كل نظريات فرويد وأسسها في التطور والتحديث، فلم تكن نظريات فرويد، نظريات وقتيه، أو وضعت لزمن عُد بداية القرن العشرين فحسب، بل هي فتح جديد في العلم والمعرفة والطب والعلوم الإنسانية الأخرى فضلا عن علم النفس وعلم الاجتماع وعلم اللغة والفلسفة والسياسة، ويمكننا القول أن التحليل النفسي أحدث انقلابُا في سائر العلوم الإنسانية، وهو بحق فتح علمي جديد، وكل فتح علمي تحتاج أساليبه ورؤاه طريقة تختص به، وهي أدواته وقول استاذ الاجيال ومؤسس التحليل النفسي العربي العلامة مصطفى زيور: إن الحق في إبداء الرأي في مبحث علمي ليس حقًا طبيعيًا وإنما هو حق يكتسب، وأكتساب هذا الرأي بصدد قضايا التحليل النفسي لا يتم إلا بممارسة ما يمارسه المحلل النفسي مُحلَّلّا ثم مُحلَّلا " زيور في النفس ص 401".

ان التحليل النفسي ليس علمًا محدد الاهداف والفرضيات ويحاول الباحث ممن يدرسه أن يُثبت تلك النظريات، أو ينفيها. من يتعلم التحليل النفسي ويدخل عالمه فإنه يبدأ من نفسه أولًا وقول سيجموند فرويد: ففي وسع المرء أن يتعلمه أولا بتطبيقه على نفسه، إذ يقوم بدراسة شخصيته " فرويد، محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، ص 6". وأزاء ذلك فإن ما قدمته الاستاذة الدكتورة نيفين زيور في هذا الكتاب العميق بالرؤى والأفكار هو اضافة نوعية لما كتب في التحليل النفسي من فرويد إلى لاكان.. وبذلك فإن دراسة التحليل النفسي هي دراسة المجتمع وأفراده، وثقافاته، ومواكبته للعلم الحديث والتكنولوجيا، فدراسة التحليل النفسي إذن هو دراسة الإنسان في حضارته المعاصرة، وكل دراسة بالتحليل النفسي إنما هي دراسة المجتمع الإنساني بأسره وفي كل المجتمعات البشرية.

الاستاذ الدكتور أسعد شريف الامارة

علم النفس والتحليل النفسي

ضم المؤلف تسعة فصول زاخرة بالبعد الفكري والتطبيقي الميداني لدى جاك لاكان، ففي الفصل الأول كان بعنوان: مرحلة المرآة بوصفها مشكلة لوظيفة الأنا – المتكلم كما تتكشف في الخبرة التحليلية، حيث عرضت أهمية مرحلة المرآة بوصفها مشكلة لوظيفة الانا المتكلم كما تتكشف في الخبرة التحليلية.

وفي الفصل الثاني عرضت الدكتورة نيفين زيور العدوانية كما دونها جاك لاكان وعَد العدوانية ما هي إلا عدوانية قصديه بوصفها صورة للجسد الممزق ولأنها كذلك تصبح فعالة، حيث طرح "لاكان " سؤالين: الأول ماهو شكل عدائية المريض تجاه المحلل؟ والثاني، على أي نحو تكون تلك العدوانية فاعلة، وكيف يخبر المريض هذه الفاعلية؟ فعدائية المريض تبدو للمُحَللِ بوصفها قصدًا يتبدى في أشكال متعددة في سلوكه، فما معنى القصد هنا؟.

الموت عند لاكان يحمل معنى آخر، ففي حالة وجود شخصين في مكان واحد فإن الصمت بينهما يستثير العدوانية، ومن ثم فإذا تكلم أحدهما سوف يحدث تواصل لغوي ينهي الموضوع الأول.

يوجد تسائل هو: كيف يكون أثر القصد اللاشعوري على الذات العدوانية؟ والاجابة: في سياق الانطباعات imprints التي تطبع البناء النفسي، والتي يمكن وصفها بأنها " صور " من حيث إنها تعطينا انعطافات عابرة وسطحية لما يعرف بالأيماجو Imago " الصورة الذهنية " والتي تشيد الغرائز بما هي كذلك، ولهذا المصطلح أهمية كبيرة في كتابات لاكان قبل العام 1950، حيث يرتبط لديه بمصطلح آخر هو العقدة Complex.

يطرح "لاكان" الفرضية الثالثة وهي تحدد منابع العدائية الأسباب التي تحرك فنيات التحليل النفسي، وتتولى هذه الفرضية مهمة تحديد طبيعة الجشطالت على نحو أكثر دقة، ونجد أن " لاكان " يدور حول مشكلة أساسية هي مصادر العدائية، من خلال مناقشته للفنيات التيي يستخدمها المحلل من أجل رؤية الجشطلت، أي رؤية الأيماجو الأولى الذي تصدر عنه العدائية. هذه الفنيات تتكون أساسًا من اتخاذ المحلل موقفًا يصير من خلاله خاليًا من أي سمات الشخصية، ومن ثم يصبح بلا هوية محددة. الهدف من ذلك هو استثارة عدائية المريض، لأن هذه القصديات تمثل الطرح السلبي الذي يعد العقدة الأساسية في دراما التحليل النفسي، والفكرة الأساسية هنا القصديات العدوانية، اضافة إلى متلازمتها، تعيد تحقيق بعض الأيماجوات البدائية داخل الذات، والتي ظلت على مستوى الحتمية المتعددة الرمزية التي يطلق عليها اللاشعور، ويمكن ملاحظتها بسهولة في حالات الهستيريا، والحصار، والقهر، والفوبيا. أما الأثر المأمول من فنيات التحليل النفسي فهو تجنب منح المريض فكرة عن شخص المحلل يمكنه استخدامها في مناورات دفاعية الأنا للمريض.

أما الفرضية الرابعة وهي العدائية كميل ترابطي لنمط التوحد – التماهي الذي يطلق عليه نرجسي والذي يحدد البناء الاساس للأنا ويحدد نسق الكينونات التي تميز عالمه. وترى " البروفيسورة نيفين زيور" قولها: وأخيرًا يأتي " لاكان " إلى النقطة التي يطرح عندها منابع العدائية لكنه سيتناولها من حيث مصادرها، أعني القصد العدائي، كما سيتناول فنيات البحث عنها، ومن ثم فإن علاج المشكلة كان وصفيًا أكثر منه نظريًا. إن التأمل الآن في المصدر النهائي للقصديات العدائية يعني قفزة من فنمولوجيا الخبرة بمعناها الواسع إلى الميتاسيكولجي. هذا التوحد – التماهي النرجسي بتوحد -تماهي الفرد بصورته المنعكسة في المرآة، وهي الصورة التي تحدد البناء الأساس للأنا، وبعبارة آخرى فإن الأنا هي الآخر. ويؤكد " لاكان " أنه من خلال هذه العلاقة الشبقية التي يثبت الفرد ذاته بها في الصورة، فإنه يغترب عن ذاته، الأمر الذي نراه في التنظيم العاطفي، ذلك التنظيم الذي يُمثل قاعدة الأنا.

وفي الفرضية الخامسة.. هذه الفكرة عن العدائية باعتبارها واحدة من النظائر المتعمدة للأنا الإنسانية، وخصوصًا بالنسبة للمكانية المعاشة، تتيح لنا أن نتصور دورها في العصاب الحديث وفي توعكات الحضارة. وقول " البروفيسورة نيفين زيور " ربما تتمثل أهمية الفرضية النهائية البسيطة في أن " لاكان " شعر بأنه قد أجبر على صياغتها على هذا النحو، كما لو كان يعيد تأكيد أهتمامه بالبعد الاجتماعي للإنسان حتى عند التعامل مع أكثر العمليات الأولية التي يتم من خلالها تأسيس الفرد.

تتناول " الدكتورة نيفين زيور " في الفصل الثالث من كتابها " جاك لاكان وإعادة ابتداع التحليل النفسي " مجال اللغة والكلام في التحليل النفسي حيث تعرض ما قدمه " لاكان " في العام 1953 خطاب روما الذي كان بمثابة (الماجناكارتا أو الميثاق الأعظم) لاعماله التي أنطلقت من رؤيته للعودة إلى " فرويد " والتي عني بها العودة بــ " فرويد " إلى ذاته. هذا وقد تأثر " لاكان " بـ " كلود ليفي شتراوس – عالم الانثروبولوجي " تأثرًا شديدًا وبخاصة حينما أعلن هذا الأخير بأن اللغة بمثابة البناء اللاشعوري للجماعة، وأن بناء اللغة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوانين التي تتحكم في الزواج ونظام القرابة. وهكذا طور " لاكان " مفهومه بأن اللاشعور مبني كاللغة. أننا لابد أن نتعامل مع اللغة على أنها البناء اللاشعوري للجماعة، هذه النظرة إلى اللغة التي ترى أن الأبنية اللغوية ترتبط بالقوانين التي تحكم الجماعة، وهي التي يقتحم بها " شتراوس " أرض " فرويد " هذا وتكشف لنا الخبرة التحليلية النفسية الإكلينيكية في اللاشعور البناء الحقيقي للغة، فالعرض المرضي مبني كاللغة وتكوينه في الأساس قائم على اللغة والكلام، وهكذا فإن التشخيص ينبغي أن يأخذ في الاعتبار أن العرض يبزغ عن اللغة.

وتطرح " نيفين زيور" في موضوع صدى التفسير وزمن الذات في فنيات التحليل النفسي في كتابها جاك لاكان وإعادة ابتداع التحليل النفسي حيث يتناول لاكان زمانية الذات التي يتضمنها التاريخ، وتحققها في الكلمة الممتلئة " full word " ومن ثم تكمن مشكلة الفنيات التحليلية النفسية في كيفية مساعدة المريض على تحقيق الكلام الممتلئ الحقيقي حينما نجده مُعرضًا عن مجال اللغة بجلهِ.

يرى لاكان في مفهوم إنشطار الأنا تفسيرًا مؤداه أن جزءًا من أنا المريض يتخطى الحاجز الذي يفصل بينه وبين المحلل من جانب، ومن جانب الآخر ينشطر هذا الجزء لدى المحلل بدوره يتخطى ذات الحاجز ويستمر تكرار هذه العملية على نحو مقارب، وهذا الحاجز هو حاجز الكلمات الفارغة التي تشيد سدًا لغويًا بين المحلل والذات بحيث تقبع الحقيقة وراء السد. تلك الحقيقة التي يكون على المحلل أن يصل إليها، وعلى ذات النحو يعتقد المريض هو الآخر أنه يعرف مسبقًا الحقيقة، هكذا يميل إلى أن يصبح مستعدًا لأن يتموضع في تفسيرات المحلل. هذا ويى فرويد أن الجوهر الحقيقي لذات الفرد موجود في اللاشعور، وهو بالرغم من كونه الجوهر الحقيقي لذات الفرد، إلا أن الفرد لا يتمركز حوله، بل يظل متمركزًا حول الجانب الذي يعيه من ذاته. وهو بهذا يقودنا إلى وصف " هيجل" بأن الفرد هوية خاصة " أي الشعورية " وأخرى عامة " أي اللاشعورية".

أن فنيات التحليل النفسي تقوم على مبدأ التبادل الديالكتيكي " الجدلي" الذي نصل إليه من خلال الوسيط، أي اللغة المنطوقة بفعل الكلام، وهو ما يعد أمرًا جوهريًا رغم ما يطرحه " لاكان" من استثناءات. ويؤكد " لاكان" مرارًا وتكرارًا في كتاباته على أن اللغة بمثابة نظام رمزي قاصر على الإنسان، وإنه يختلف تمامًا من النظام الإشاري الموجود لدى الحيوان. أما الدال فإن علاقته بالمدلول علاقة عشوائية، ومن ثم علينا استقراء المعنى من شبكة الدوال وعلاقة بعضها بالبعض الآخر.

طور " لاكان " مفهومه بأن اللاشعور مبني كاللغة وفي مقاله " مرحلة المرآة" يتحدث عن فاعلية الأيماجوات التي نراها محتجبة أو متوارية " غير واضحة تمامًا" في سكيما تعكس فاعلية الرمزية.

يقول " لاكان " إننا لابد أن نتعامل مع اللغة على أنها البناء اللاشعوري للجماعة، وهذه النظرة إلى اللغة التي ترى أن الأبنية اللغوية ترتبط بالقوانين التي تحكم الجماعة، هي التي يقتحم بها " شتراوس" أرض مطلق له، هو متخيل.

تتسم مفاهيم " لاكان" عن المتخيل والواقعي بخصوصية عميقة، ويمكننا فهم المتخيل من خلال " مرحلة المرآة " فهو مجال الأيموجوات أو بعد الصور سواء الشعورية أم اللاشعورية" شريدان 1977" حيث يتحد الدال بالمدلول ويعني لاكان بالرمزي التعناصر التي تعمل بوصفها " دوال وترتبط على نحو تعسفي بالمدلول ". أما الواقعي فينتمي إلى الواقع البدائي الفج وإلى الحاجة البيولوجية، ويشير في نطاق الجبر إلى (X) بوصفه المنبع الذي لا ينمحي لكل تمفصل " نطق"، أي أنه يتسم بالثبات (أو الدوام).

وفي الفصل الرابع وكان عنوانه " الشيء الفرويدي معنى العودة إلى فرويد في التحليل النفسي. يمكن أن يعد الفصل الرابع من الفصول المميزة لما طرح فيه من مفاهيم لاكانية مستندًا في ذلك لـ فرويد، ومنها

- مفهوم الشيء Das Ding

- المعاكس The adversary

- الشيء يتحدث عن نفسه

- الاستعراض Parade

- مقاومة المقاومة

- الفصل الإضافي Interlude

- خطاب الآخر

- شغف المتخيل

- العمل التحليلي

- مكان " موضع " الخطاب The Locus of Speech

- الدين الرمزي

- زمانية الذات في فنيات التحليل النفسي

تعرض الدكتورة نيفين زيور في هذا الفصل الأساس لفكرة الشيء التي وضعها فرويد برسالته إلى الألماني " فليس "، وأرتأى اللاكانونيون أنه من الضروري العمل على نظرية فرويد بوضعها " مثل الشيء " وهو التعبير الذي قاله فرويد في رسالته، أما عند لاكان فمعناها الشأن الفرويدي أو العمل الفرويدي، ولا يشير بها هذا إلى التفاعل بين الشخصي الذي تحدثه اللغة وإنما الجانب المادي لها والمكان الذي تتحدث منه، وهنا يجعل لاكان الشيء يتكلم ويتسم بأسلوبه في كتابة هذا المقال بالزخرفة والمسرحة ويجعل الشيء يتحدث عن وسط المسرح ويحول المكتب إلى مكتب يتكلم أيضًا والشخصيات الأسطورية مثل أكيتون. استخدم فرويد مصطلح Das Ding في خطاب ارسله إلى صديقه الألماني فليس وقد أستعمل لاكان هذا المصطلح في أحد أهم نصوص هو عنوانه (الشيء الفرويدي) في اشارة إلى الأثر الذي يتجاوز الفرد والذي تحدثه اللغة.

يقدم لاكان إخراجًا يبدو في شكل ثيما أساسية وكنتاج لاكتشاف " فرويد" جوهر الفرد بعيدًا عما هو متعارف عليه، أي أنه ليس في الأنا الشعوري. أما الأجزاء الأخرى من المقال فيتناول " لاكان " فيها العلاقة بين الحقيقة والدال. وتقول الدكتورة نيفين مصطفى زيور هناك فصل إضافي، وهو أطول الفصول جميعًا، يمثل نقطة تحول يرى فيه أن الانا كما نعرفه يمكن تشبيهه بالمكتب في علاقتها بالخطاب. أما الفصول التي تلت الفصل الاضافي فتتناول التفرقة القاطعة التي أقامها " لاكان " ما بين الأنا والآخر الكبير، ما بين الأنا واللاشعور، أما الجزء الأخير فيتناول فيه عملية تدريب المحلل فيما يتعلق بدور اللغة، ويبدو لنا أن هناك توازنًا واضحًا فيما بين أجزاء المقال رغم صعوبة رؤية ذلك في البداية. جاء لاكان إلى المدينة التي شهدت اكتشافات فرويد وهي فينا كي يعلن العودة إلى فرويد في العام " 1955"، وتضمن هذا الاعلان نفارقات عدة: أدرك لاكان تقاعس الجمعية العالمية للتحليل النفسي في الحفاظ على البيت الذي عاش فيه فرويد. ووجه الهجاء الشديد للتحليل النفسي الأمريكي، فقوله أن الحرب التي أتت على أوروبا دفعت المهاجرين الأوروبيين إلى امريكا ومن ثم حدث طمس للتاريخ الثقافي الأوروبي ومن ثم ثقافة التحليل النفسي الأوروبي.

يؤكد لاكان أن معنى صيحته " العودة إلى فرويد " هي العودة إلى المعنى الحقيقي لفرويد الذي استشكل معنى الحقيقة الخاصة بكل فرد منا. فالحقيقة توجد في اللاشعور.

فالتحليل النفسي إنما يكتشف قوة الحقيقة عندما تختفي الأعراض، كما يكتشف قوة الدفاعات التي تقف حائلًا دون الكشف عن الميول اللاشعورية. أما السلام الذي يخلف التعرف على الحقيقة فيعد إشارة مهمة تلقي بظلال من الشك على اعتبار الأنا ودفاعاتها لاشعورية، كما تطرح تساؤلا حول النظريات التي تجعل من ميكانيزمات الدفاع مترادفات للديناميات اللاشعورية.

أهتم " لاكان " اهتمامًا كبيرًا بفصل العمليات اللاشعورية بعيدًا عن الأنا مؤكدًا في المقابل على أهمية ثنائية الدال والمدلول.

ترى " نيفين زيور " قولها يستجيب لاكان للنقاد الذين يرونه على أنه فيلسوف أيديولوجي يقدم إجابة من داخل الموقف التحليلي تقضي بأن التحليل النفسي هو علم السراب Mirages الذي يظهر داخل هذا المجال " أي التحليل " ويمضي قائلًا إن خبرة التحليل خبرة " فريدة" و " مذلة" لكنها تظل قيمة بالنسبة لأولئك الذين يريدون معرفة معنى جنون الإنسان من حيث إنه يتبدى في سلسلة كاملة من الاضطرابات التي يلقي التحليل النفسي الضوء عليها.

وفي موضوع الشيء الذي يتحدث عن نفسه، فـ " لاكان " بدلا من أن يقدم المحكات التي تصل بنا إلى " الحقيقة " فإنه يحيلنا إلى " خطاب الخطأ " وإلى فكرة " هيجل " مكر المنطق "، إذ تعد الهفوة والحلم والنكتة علامات على الحقيقة، فمسار الحقيقة ليس مسار الفكر، فالحقيقة ليست وظيفة الشعور أو الأنا وإنما تتخلل الأشياء مثل الحلم اللغز فمن خلاله أعبر عن نفسي، استعادة لما قاله فرويد في " تفسير الأحلام " عن أن لغز الحلم هو بمثابة الحقيقة تتكلم، فالحقيقة توجد في الحلم في كل ما يبدو على أنه تافه أو سخيف (الهفوات) والحقيقة تناقض المنطق الشعوري.

وتقول " نيفين زيور " نجد " لاكان يأتنس بقول " هيدجر " إن الحقيقة تكمن في الوجود، ذلك أن الإشارات على الحقيقة تكمن في الإشارات اللغوية، كما تظهر في الحلم وفي كل ما هو تافه أو سخيف، وأخيرًا فإن الحقيقة تناقض المنطق الشعوري.

في موضوع مقاومة المقاومة تعرض الدكتورة نيفين زيور كيف أن اللغة والنظام الرمزي هما اساس التحليل النفسي اللاكاني وبناء عليه فإننا في مناقشة مفهوم المقاومة ينبغي أن نتعامل معه في إطار مقاومة الخطاب ذاته، إذ يقول لاكان إن الخطاب يتكون في البداية من مجرد رأي (الأنا الشعوري) وبهذا لا يتكون من الحقيقة (مؤتنسًا بتفرقة أفلاطون بين الرأي Doxa والمعرفة episteme). وينشأ خطر المقاومة من أن كل تموضع سيكولوجي سوف يدرج في هذا الخطاب. وقد حذر لاكان من خطورة ذلك بقوله إن هناك مفارقة في العلاقة بين اللغة والكلام، ويعني بذلك أن الذات حينما تفقد معناها في هذا التموضع في الخطاب، فإن تفسير المقاومة إنما يؤدي إلى تعضيد تموضع الذات. اما الحفاظ على وضع الفرد كملاحظ (الأنا الملاحظ) فمن شأنه أن يدخلنا في دائرة من الخطأ في الفهم يصعب قطعها. وفوق ذلك فإن المحلل الذي لا يستطيع المضي قدمًا في تموضع الذات – ومع ذلك يتحدث إليها – يقع في المجهلة التي تغلف الفرد (لأنه يستطيع أن يقوم بذلك بنفسه) ملحوظًا.

تعرض الدكتورة نيفين زيور في كتابها القيم " جاك لاكان " وإعادة ابتداع التحليل النفسي فكرة الدَين الرمزي Symbolic Debt حيث يؤكد هذا الجزء على الدَين الذي ندين به إلى اللغة التي تتعرض حقيقتها للكبت في العلاج بالتحليل، لقد نسينا الحقيقة التي أبرزها فرويد في حالة رجل الفئران، ألا وهي أنه بناءًا على القصور وفلتات اللسان والكلمات التلقائية.. تتشكل حجر الزاوية التي نطلق عليها الأعراض كي تقلب Banquet مأدبة الرغبة، ذلك أن خطاب الأبوين الذي يكشف عن الخواء أو اليأس يمكنه أن يؤثر في الطفل بأكثر مما يفعله الحرمان. من خلال الفجوات الخاصة بالنظام الرمزي تنشأ " تتفجر" الأشكال المتوحشة الخاصة بالأنا الأعلى لسببين:

أولهما: أن الطفل يفهم على نحو خاطئ القانون قبل امتلاكه الكلام " قبل أن يتكلم"

وثانيهما: أن ما يقدمه الأبوين على أنه القانون يتسم بكثير من النفاق، الامر الذي يؤدي إلى قطع السلسلة الرمزية مما يفتح الباب لمجال المتخيل ويتوقف العلاج بالتحليل على مجال المتخيل.

أما في زمانية الذات في فنيات التحليل النفسي فتعرض الدكتورة نيفين زيور قولها ينبغي للمريض أن يشعر وكأن الوقت الذي يقضيه في التحليل غير محدد أو لا نهائي، وهذا لأنه لا يوجد طريقة شرعية لتوقع الزمن الذي ينبغي على المريض قضاؤه في التحليل " أي الوقت الذي سيقوم أثناءه بالفهم " وتتبدى أهمية الزمن بوصفه أداة مهمة من أدوات العلاج في التحليل النفسي من عدة وجوه، أولها عدم تحديد الزمن الكلي للعلاج، لأنه لا توجد طريقة يمكن من خلالها حساب وتوقع الوقت الذي يحتاجه المريض للفهم، ولأن وصول الذات في سعيها للحقيقة يفترض ضمنًا وجود هذه الحقيقة بالفعل على نحو ما لدى المحلل. وهو ما يؤكد فكرة الذات عن السراب الأولي " السراب الأولي: اعتقاد المحلل أنه سيد الحقيقة"، والتي تقضي بأن المحلل يمتلك معرفة مطلقة، وأنه يترك الذات في حالة من اغتراب المعرفة. ويرة " لاكان" أن هذا الوهم من قبل المريض ميز حالة رجل الذئاب التي عالجها فرويد " 1918".

وتضيف " د. نيفين" ثمة مستوى آخر تلعب فيه الزمانية دورًا آخر مهمًا في عملية التحليل النفسي، أعني مدة وطول الجلسة العلاجية. ومتى حدد المحلل مقطة النهاية للجلسة فإنه بذلك يكون قد وضع علامات ترقيم Punctuation للخطاب الأمر الذي ينسحب على الجلسة ككل. ولأن إنهاء الجلسة يسهم في ترقيم الخطاب، فعلى المحلل أن يتوخى الحرص (بأن يستخدم إنهاءه للجلسة بحكمة بشكل يؤدي إلى اختلاف في زمن الجلسة باختلاف الجلسة ذاتها)، فإذا كان صحيحًا أن اللاشعور يحتاج بعض الوقت للإفصاح عن ذاته فإن مثل هذا الوقت لا يقاس بالساعة وإنما بأهمية ما يقال.

فالمرونة فيما يتعلق بمدة الجلسة تؤثر على المحلل والمريض في الوقت ذاته، فتخلي المحلل عن الزمن الذي حدده " فرويد" للجلسة يستوجب إخضاع وظيفته كمحلل للمراجعه، هذا من ناحية، ومن ناحية آخرى فالحياد الذي يسمح به زمن الجلسة المحدد يتناقض مع (الجلوس دون حركة) الذي يتخذ قيمة وسواسية تؤدي إلى تستر المريض به لاستخدامه في مقاومته (إذ يستخدم المريض هذا الزمن التقليدي في خدمة المقاومة).

وهكذا فإن الجدل الهيجيل (بين السيد والعبد) يصبح الأنموذج Paradigm للجدل بين المريض والمحلل، ونجدنا هنا أمام انتظار المريض موت المحلل (السيد) لأنه يستخدم ومنًا يمكنه توقعه.

تعرض لاكان لانتقادات عنيفه في الأوساط التحليلية بسبب قصر زمن جلساته، وعلى أية حال فإن إنهاء الجلسة من قبل المحلل اللاكاني يخدم الترقيم " أي وضع نقطة نهاية الخطاب". والترقيم بالنسبة لـ " لاكان" يصحح المعنى وتغييره يقلب المعنى، أما الترقيم الخاطئ فيؤدي إلى نهاية سيئة، ويربط " لاكان" ما بين نهاية الجلسة وغريزة الموت التي قال بها فرويد.

يرى " لاكان" أن أي محلل بالرغم من حذقه أو براعته فإنه قلما يكون سيدًا في الموقف التحليلي، بل يخضع على الدوام لما أشار إليه " فرويد" من استجابة سلبية للعلاج، وهي الفكرة الأساسية التي قادت " فرويد" لتطوير مفهوم غريزة الموت.

تعرض الدكتورة " نيفين زيور" وجهتي النظر الكلاسيكية الفرويدية واللاكانية المحدثة فيما يخص الاستجابة العلاجية قولها تؤدي الاستجابة السلبية للعلاج إلى تفاقم الأعراض المرضية بدلًا من إزالتها، وهي بالنسبة لـ " لاكان " نتيجة للتحليل النفسي التقليدي، إذ يبدو المريض أنه يفضل المعاناة على الشفاء. وقد رأى " فرويد" في هذا الأمر شكلًا من أشكال المازوخية المعنوية التي تبتعد عن المازوخية بوصفها إنحرافًا جنسيًا (حيث يحصل المنحرف على الاشباع الجنسي من خلال الألم والهوان)، أما المازوخية بالمعنى المعنوي فيشار بها إلى ميل الذات بسبب مشاعر الإثم إلى اتخاذ مكان الضحية، لكن " فرويد" عاد في العام 1920 فحول المازوخية إلى غريزة الموت.

وتعد غريزة الموت بالنسبة لـ " لاكان" نوعًا أساسيًا من الغرائز " مهما كانت المفارقة في المفهوم" يدفع بالكائن الحي إلى حالته اللاعضوية البدائية (والتي من المفترض أن غريزة الموت انبثقت عنها) وهكذا فإن ما أشار إليه " فرويد" بوصفه غريزة التدمير لا يفسر المازوخية المعنوية فحسب، وإنما يفسر ايضًا تشبث المريض بالأعراض من خلال إجبار التكرار (فالتثبيت بالأعراض وعدم زوالها بسهولة دليل على إجبار التكرار)، والذي يضع الفرد من خلاله نفسه مرارًا وتكرارًا في مواقف تؤدي به إلى الذل أو الألم، ومن ثم يستعيد بها خبرات قديمة.

وينتقل " لاكان" من حدس " فرويد" فيما يتعلق بغريزة الموت إلى مفهوم الفيلسوف الوجودي " مارتن هيدجر" عن الوجود من أجل الموت.

في حين أن " فرويد" تناول فكرة إجبار التكرار وطبقها على عملية التحليل النفسي بحيث رأى أن التكرار القهري يؤدي بالمريض إلى إحلال عصاب الطرح محل العصاب الإكلينيكي بحيث يمكن علاج عصاب الطرح بوساطة الفنيات التحليلية النفسية، فقد وصف " لاكان" هذه العملية مستخدمًا عباراته الخاصة، يقول – مستخدمًا مفاهيم هايدجر – إن الزمانية هو تأريخ لخبرة الطرح بفعل غريزة الموت.

هذا لأن مفهوم Dasein " الموجود الإنساني – الكائن الإنساني – الوجود هناك: الدازاين مصطلح اساس لدى هايدجر، معناه الأصلي باللغة الألمانية الوجود – هناك لكن الفيلسوف يحول معناه ليصبح دالا على الوجود الإنساني.

عند هايدجر يتسم بالزمانية temporal ومن ثم التاريخية، ويكفينا في هذا الصدد تذكر أن الموت بالنسبة لهايدجر هو الشكل الدرامي الذي ينهي الوجود الإنساني، وهكذا فإننا ككائنات إنسانية موجودة نقع ضمن نطاق يحده الموت باستمرار.

أما " لاكان" فهو يقر ما سبق وأن تناوله " فرويد" ولكنه ينظر إلى مفهوم " فرويد" نظرة تاريخية ضمن إطار نهاية الوجود الذي وضعه هايدجر في مفهومه عن الـ Dasein فبالنسبة لـ " لاكان " فقد تحولت غريزة الموت إلى وجود من أجل الموت Being -unto- death.

تقول الدكتورة "نيفين زيور" يرى "لاكان" أن الحدود " حدود الموت" موجودة في كل لحظة من اللحظات فيما يهدف إليه التاريخ، والتكرار هنا بالمعنى الذي أراده هايدجر من حيث إن Dasein قادر – من خلال القتال من أجل الأصالة – على مراجعة كل ما كان قد جبل عليه في الماضي والبدء من جديد ضمن ما هو فيه من ظروف تاريخية (فالبداية الجديدة هنا لا تعني الثورة أو الانقلاب الكامل الذي يمحو الماضي) لأن الـ Dasein تحكمه الصيرورة في التاريخ لا البيولوجيا (كما هي الحال لدى " فرويد" والذي كان نزوعه الدائم إلى الطبيعة انعكاسًا لمهنته وتمرسه كطبيب). وبذلك ثمة دائمًا إمكانية لعودة الآنية Dasein، فالماضي يتكشف من خلال التكرار المعكوس (في الحاضر) بحيث تقوم الذات بما يطلق عليه هايدجر advancing resolve (الحل بوساطة التقدم)، وتستمر نحو المستقبل الذي يتقدم بفعل الماضي.

وهكذا ضم " لاكان" كلا من " فرويد" وهايدجر داخل نسقه الفكري الخاص، وفي هذا السياق يقول " لاكان" بأنه ما من حاجة لنا للرجوع إلى الفكرة القديمة الخاصة بالمازوخية الأولية في تفسير إجبار التكرار حيث يجمع الفرد فيما بين الهجر (غياب الأم) وميلاد الرمز (لعبة حفيد فرويد).

وفي الألعاب الخاصة بالاختفاء يسيطر الطفل على الهجر، أو ما يطلق عليه " هايدجر" بالألمانية Geworfenheit وبالانكليزية Thrownness وبمعنى آخر فإن الطفل يسيطر على غياب أمه بفعل الكلمات الاستهلالية " الفورنيمات" أي ميلاد الرمز لدى الطفل. أما التكرار فيفسر في إطار الموت أو النهاية كما يخبرها الطفل بوصفها انفصالا عن الأم (نفي الأم) negation.

وتقول " الدكتورة نيفين زيور " وهكذا يولد داخل اللغة، فقد تلقى في الماضي مقاطع لغته من " الخطاب العياني في بيئته ". والأهم هنا هو أن خبرة (الانفصال أي الحدود – الموت) هي أيضًا خبرة (اللحظة) التي تتحول فيها الحاجة إلى رغبة desire ، أي أن تتحول الرغبة إلى رغبة غير إنسانية: فالطفل يستشعر الرغبة في الآخر، أي الأم، كما يستشعر نقصانه في الآن ذاته. وبلغة " هيجل" فالطفل فالطفل يرغب في أن يرغبه الآخر بالمثل، وفي أن يكون موضوعًا لرغبة الأم من حيث إن ميلاده يفض أو يقطع الرباط الذي كان يجمعهما فيما يشبه الهوية quasi identity.

ومن ثم فإن أي غياب للأم فيما بعد يؤدي إلى إحساس الطفل بأنه لا يشبع (لا يهدأ) وبهذا المعنى فإنه يدرك أن له حدود الموت، ورغمها يصبح الطفل قنوات أخرى في متناوله بسبب امتلاكه للرمز، وقوة الكلام تمكنه من السيطرة على الغياب والموت مثلما فعل حفيد فرويد من خلال نطقه للمقطعين (ذهبت وجاءت). وعلى أية حال فإن إحلال الرمز محل الأم يطابق موت الأم بحيث يتبدى الرمز أولا في موت الشيء الذي يرمز له. وهكذا فإن الموت يمثل لدى الذات خلود الرغبة الخاصة بها.

تتناول الدكتورة نيفين زيور في الفصل الخامس الذي هو بعنوان وساطة الخطاب في اللاشعور أو المنطق منذ فرويد وتعرض معنى الخطاب الذي هدف به "لاكان" من عمله هذا هو وظيفة Instance)) الخطاب في تشييد اللاشعور مما يعارض فهم فرويد للاشعور على أنه مخزن الغرائز. ويفهم الخطاب بالمعنى الحرفي بمعنى أن المادة التي تدعم الخطاب العياني تستعار من اللغة وينبغي أن نفهم معنى الخطاب العياني على أنه الكلام أما اللغة فهي البناء العالمي universal الموجود من قبل، ويدخل الفرد فيها وتفهم اللغة على انها بناء structure موجود من قبل ومؤسس للأنماط الاجتماعية كما يؤسس للخطاب التاريخي. وهذا البناء بالنسبة للاكان يمكن رؤيته من خلال مناهج البحث العلمي للغويات التي قدمها لنا فرديناند دي سوسير: اللغة تتكون من إشارات (علامات) signs حيث أن العامل الدال " المنطوق" والمدلول " المفهوم العقلي" يرتبطان ببعضهما البعض على نحو عشوائي. إلا أن الأمر يذهب إلى أبعد من ذلك فإن الخط الذي يفصل بين الدال والمدلول يراه لاكان على أنه فاصل يمنع الدلالة.

وتعرض الدكتورة نيفين زيور في كتابها رؤية لاكان عن المقطع الكلامي الصوتي Phonem حيث يناقش في هذا المقال البناء الخاص بالدال بالمعنى البدائي والمحلي، أما فيما يتعلق بمجموع العناصر تبعًا لقوانين النظام المغلق " قوانين النحو والمفردات" فإنها تعمل على نحو مختلف، فهي ترتبط ببعضها البعض في سلسلة من الدوال. ورغمها فإن الدوال لا تعكس المعنى تبعًا لهذه القوانين. فالدال قد يستبق معنى ما كما يحدث عندما نقول " ولكن But " ولذلك يمكننا القول بأن في سلسلة الدوال يلح المعنى رغم أن أيا من عناصره لا يشيد الدلالة القادر عليها في هذه اللحظة. وهكذا يبين لنا لاكان كيف أن الدال ينزلق على الدوام تحت المدلول " على عكس ما اراده فرديناند دي سوسيير". وهكذا فإن العلاقة بين الدال والمدلول ليست طولية، وإنما في الحقيقة فإن كل دال يرتبط بدال آخرطوليًا وعرضيًا بحيث تتكون مجموعة من الأصوات تحدث تأثيرًا شبيهًا بالحروف الموسيقية التي يمكن أن تنتظم على الدرجات المختلفة للسلم الموسيقي. ويمضي لاكان لبيان كيف أن هذه المجموعات تتجمع في شكل نمط لغوي معروف يطلق عليه metonymy المجاز المرسل – الكناية و الاستعارة metaphor.

وتعرض دكتورة نيفين زيور موضوع الخطاب.. الوجود والآخر قولها حينما نترجم كلمة La Lettre إلى العربية يفقد المصطلح الفرنسي إلى حد كبير معناه وجرسه الذي ينبغي أن نسمعه بدلًا من قراءته. فإن الاستماع إلى هذه الكلمات الثلاث الفرنسية يصل بنا إلى التداخل والارتباط والتتام لما تعنيه الكلمات أو تدل عليه، وبكلمات أخرى فإنها (المصطلحات الثلاثة) تدل على وحدة مركبة من كل ما سبق، فهي تشبه (مثل) السلم الموسيقي من حيث أنها تتضمن كل ما سبق قوله في تناغم داخلي.

أما موضوع الوجود Being قول لاكان إن أي تغيير طفيفًا في العلاقة بين الإنسان والدال يعدل إرساء المرسى للوجود الإنساني. ذلك أن قواعد " قوانين" اللغة بالتالي ترسي الوجود الإنساني: ولذلك فإن اللاشعور الفرويدي يصل إلى جوهر الوجود الإنساني، ومن المؤكد إن هذا المنظور لا يمكن أن يصبح موضوعًا للمعرفة وإنما يمكن أن تكون هناك شواهد عليه من نزواتنا وهفواتنا ورهابنا وفيتشيتنا. ويمضي لاكان قائلا أن فرويد قد أتى إلى دائرة العلم الحدود الفاصلة فيما بين الموضوع والوجود " الذي يضع حدوده الخارجية".

تعرض الدكتورة نيفين زيور موضوع الآخر برؤية " جاك لاكان" وتقول يطرح لاكان سؤالًا حاسمًا مشيرًا إلى المفارقة التي وصفناها أعلى (أفكر حيث لا أوجد) ويمضي متسائلًا فهل الذي يفكر مكاني هو أنا آخر؟ ويجيب على تساؤله هذا بالنفي فإذا كان هذا يعني شخصية منشطرة فمن هو هذا الآخر الذي أرتبط به أكثر من نفسي ويوجد في جوهر صعودي إلى هويتي ويظل هو الذي يحركني؟ فمن الواضح أنه ليس شخصًا آخرًا لا ولا يكتشف من خلال وعي الآخرين. وبالنسبة للآخرين أو الأفراد الآخرين يمكن فهم ذلك على أنهم أفراد من الدرجة الثانية من حيث وضعهم كوسطاء بيني وبين الأفراد الأخرى والأمر كذلك فإنهم المانحون للحقيقة.

تعرض الدكتورة نيفين زيور في الفصل السادس نظرة عامة حول مسألة تمهيدية لأي علاج ممكن للذهان. حيث يتناول جاك لاكان مشكلة الذهان ويتخذ من البرانويا مدخلا لمناقشة مشكلة الذهان ويتخذ من مذكرات دانييل بول شريبر أنموذجًا لحالة بارانويا وتقول الدكتورة " نيفين زيور" إن هذا المقال ما هو إلا محاولة لتفسير مصادر الذهان، أعني البناء اللغوي للاشعور، حيث يفسر لاكان سقوط القيد أو الاغفال الذي يطلق عليه " بناء على نص فرويد" سقوط القيد foreclosure أعني repudiation الرفض يقع على " verwerfung " الدال الأساس.

حينما ظل الباب مفتوحًا في دراسة الذهان بعد حقبة إبداعات فرويد في اكتشاف خبايا النفس البشرية، عاد لاكان بعد نصف قرن لدراسة ما وضع اسسه فرويد عن الذهان، وأضاف له مرلو بونتي عن " التواصل" بأنه تلاحم حقيقي فيما بين الإنسان وما يدركه، ويقول: حينما أفكر في السموات الزرقاء فإنني لا أفرض نفسي عليها بوصفها موضوع كوني، فإنني لا أمتلكها في أفكاري كما أنني لا أضفي عليها اللون الأزرق كي يكشف عن سرها، وإنما أترك نفسي للغوص في أسرارها فهي " تفكر بداخلي".. إن كل مدرك يتخذ مكانًا له في جو من العمومية، ويقدم لنا في شكل مجهول.. ولذلك فإن أردت أن أحدد خبرتي الإدراكية يكون على أن أقول أن هناك من يرى بداخلي، ولا أقول إني أدرك. هذه المشاركة مع الأشياء التي نقابلها في الحياة والتي تسم الذهاني كما تسم الشخص السوي.

تعرض الدكتورة نيفين زيور في الفصل السابع وهو بعنوان اتجاه العلاج ومدى فاعليته تحت موضوع ما موقع التفسير تطرح الدكتورة نيفين زيور قولها نعلم تمامًا أهمية الطرح في العلاج بالتحليل النفسي، ولكن ما موقع التفسير من العملية العلاجية؟ تعتمد الاجابة على كيفية فهم المصطلح، ذلك أن الخلط في فهم المحللين النفسيين المحدثين عند استخدام المصطلح يشير إلى عدم اليسر في التعامل معه. ويتضمن التفسير فكرة التحويل أو التغيير، أعني تحول عنصر إلى آخر لدى المريض بفعل التفسير، الأمر الذي لا يمكن فهمه سوى بالاعتراف بأهمية " الدال" في تحديد مكان الحقيقة التحليلية بالنسبة للمريض.

وفي موضوع ما مضمون الطرح حيث يرجع "لاكان" إلى تناول مفهوم الطرح مرارًا ويبدأ بعمل " دانييل لاجاش " في سعيه لدراسة الفكرة لدى " فرويد"، ووضع عمل لاجاش في الصدارة وبالأخص الذي اصبح عليه فهم الطرح في الاستخدام الدارج له، أي المشاعر الايجابية أو السلبية التي يستشعرها المريض نحو المحلل، الأمر الذي دفعنا إلى مناقشة المفهوم على نحو أعمق يطرح ما سبق من مشكلات دقيقة لم نجد لها حلا، والسبب في ذلك أنه في كل مرة نحاول فيها القيام بمراجعة مفهوم الطرح، نجد أن الاختلافات الفنية وأختلاف وجهات النظر تجعل مثل هذه المراجعة أمرًا ملحًا لم يسمح بالنقد الحقيقي للمفهوم.

وعَد "لاكان" أن هدفه الوحيد في هذا السياق هو تحذير المحللين النفسيين من انهيار فنياتهم العلاجية في حالة ما إذا لم يلتفتوا إلى المكان الحقيقي الذي يحدث فيه الأثر العلاجي. خلص " لاكان" بالاشارة إلى الوجود بوصفه المكان الذي يحدث فيه الفعل action التحليلي هو مجال الآخر الكبير. أعني النظام الرمزي. ويتحدث لاكان عن الوجود – في البداية على الأقل – وكأن وجود المحلل على المحك، ومن ثم نستخلص أن المعنيين لنفس الكلمة الوجود Being مرتبطان، إلا أن العلاقة بينهما غامضة.

يتعرض الدكتورة نيفين زيور تعريف "لاكان" للتخييل بأنه صورة وظيفتها بناء الدوال التي تستمر بوساطتها الذات في البقاء في المستوى نفسه الذي تختفي فيه رغبتها، وهو الاختفاء الذي يعني أن اشباع الطلب يخفي حقيقة الموضوع عنها " عن الذات". والمهم هنا هو هذا التوتر الذي لا يمكن مقاومته للتخييلات اللاشعورية وللطلب المتمفصل واللذان يدفعان بالرغبة إلى التشذر وإلى الإزاحة.

والتخييل في رأي " لاكان " يتخذ دوره في سياق الإمكانات التي يسمح بها اللاشعور بوصفه لغة " أو شبيهًا باللغة" ومن ثم فإنه لا يُختَزل في مجرد " تصور " وإنما وظيفة لعالم عجيب وصفه " فرويد" " بالواقع النفسي" ذلك أن هذا المجال هو ما يطلق عليه "لاكان" " أكتشاف فرويد" ذلك الذي يتسم بأنه واقعي ومؤكد يعيشه الفرد " وحسب تعبير هيجل" بوصفه شيئًا مؤكدًا وواقعيًا. وهكذا فإن الواقعي يتسم بالمنطقية كما أنه قابل للترميز بفضل الأبنية الرمزية للنظام الرمزي، كما أن ما هو منطقي يُعد واقعيًا. " بمعنى أنه يتمتع بمستوى من الوجود بمثل مثل الجوانب الماديه من اللغة، أعني الأحلام والأعراض والتخييلات.. الخ.

وفي الفصل الثامن تعرض الدكتورة نيفين زيور دلالة الفالوس حيث يعرض في مقال له وعده مصطلح للوظائف المتخيلة والرمزية لهذا العضو، ويضيف " لاكان" إن وظيفة الفالوس هي دال الرغبة. ناقش لاكان هذه الثيما فيما بين العام 1957 – 1958 في السيمنار المعنون " تشييد اللاشعور". يعرض لاكان فكرة الفالوس في هذا البناء، فالفالوس بالنسبة لـ " لاكان " لا هو متخيل ولا هو موضوع بنفس القدر الذي لا يعد معه عضوًا تشريحيًا فهو دال فحسب، بل هو " دال كل الدوال" ووظيفته هي تعيين أو تصنيف كل آثار المدلول (وهي الوظيفة التي نفهمها على أنها العملية الشاملة للدلالة) من حيث أن الدال يحددها بمجرد وجوده (أعني وظيفته).

إن الفالوس هو دال الرغبة من حيث إن الرغبة تخضع للكبت ومن ثم تصبح علامة على الدلالة اللاشعورية. فالفالوس دال ذو امتياز، ويعد علامة على دور اللوغوس " أي الدوال، أي النظام الرمزي " الذي يتصل بحلول الرغبة.

تعرض الاستاذة الدكتورة نيفين زيور في الفصل الأخير " التاسع" موضوع تدمير الذات وجدلية الرغبة في اللاشعور الفرويدي حيث يتناول لاكان في مقال عرض في مؤتمر الفلاسفة الذين تجمعوا في سبتمبر في العام 1960 في Roy Aumont وذلك لمناقشة الديالكتيك " الجدلية". عرض " لاكان " مفهوم الديالكتيك لكونه مفهومًا أساسيًا في أعماله من حيث أنه كان جانبًا مهمًا في الكشف الفرويدي وينطبق ذلك على طبيعة اللاشعور. ويعد الديالكتيك بالنسبة للفلاسفة بمثابة حركة تندفع من خلال سلسلة من النفي negation ويتبع كل واحدة منها الإعلاء أو التسامي، وبذلك فإن اللحظة المنفية تتحول إلى تكامل أعلى. ولأن الدينامية الأساسية " لدى لاكان" تنطلق من الرغبة فليس من المستبعد / المستغرب أن يُركز على " ديالكتيك الرغبة " كما أنه لا غرابة في سيادة مفاهيم مثل السلبية أو النفي في مناقشاته.

أطلق " لاكان" الفكرة وهي أن ما نطلق عليه التحليل النفسي كتطبيق عملي يتكون من بناء، فما طبيعة هذا البناء الذي يمكن التحليل من الوجود؟ ونجده يختار " يركز" على بناء الفرد الذي يدمره التحليل النفسي. هذا وان مشكلة التدمير أو الهدم " أعني استبعاد " الفرد الديكارتي " أي افتراض الوجود والهوية على اساس من الذاتية والتفكير على المستوى الشعوري " ذلك أن ثورة فرويد في فهم الإنسان أكثر راديكالية من ثورة كوبرنيكوس وكذلكالثورة التي قدمها داروين. أما فرويد فقد كان فهمه للإنسان أكثر راديكالية. وهذا الاستبعاد قد مضى في طريقه حينما أكتشف فرويد اللاشعور بوصفه سلسلة من الدوال تتواجد في مكان آخر على مسرح آخر أو منظر آخر، وتتكرر الدوال أو تلح " تصر" على التدخل في الفجوات " الشروخ" التي يوفرها " الشعور " الخطاب الشعوري وكذا المعرفة التي يطرحها. وهنا نجدنا أمام مصطلح أساس وهو الدال، هذا المصطلح الذي أحياه لاكان من سياق فن البلاغة (البيان) الخاص بعلم اللغويات الحديث " ولكنه لم يكن لفرويد أن يطلع عليه ". وعلى الرغم فإن الميكانيزمات " الآليات" التي وصفها فرويد تلك التي أطلق عليها العمليات الأولية حيث يتخذ اللاشعور منها دوره، إنما تتطابق تمامًا مع وظائف مدرسة اللغويات أو الألسنية، تلك المدرسة التي تعتقد أن هذه العمليات إنما تحدد أكثر المظاهر أساسية في التأثير على اللغة أعني Metaphore والـ Metonymy.

أهتم لاكان كما ترى الدكتورة نيفين زيور في مقالة " وساطة الخطاب في اللاشعور " بدراسة الذات (S) حيث يراها كما يلي: أن المكان الذي أسكنه بوصفي ذاتًا للدال إنما هو " خارج ذاتي" مقابل المكان الذي أسكنه بوصفي ذاتًا للمدلول. هنا يتعارض " لاكان " برؤيته عن الرؤية في علم النفس، ويعدها فهم سطحي، حيث يرى الذات بوصفها " موحدة " وحدة واحدة ويفترض أن ما هو نفسي يستمد كيانه بوصفه مماثل للكائن الحي (الجسدي).

تتسائل الدكتورة نيفين زيور بقولها ما هو الدال بالنسبة لفرويد؟ هو لا يتطابق مع حالة عقلية أو إحساس نموذجي أو أي إحساس " يفوق الوصف " Ineffable، لا ينطق به لخبرة الذات، وحتى أن هذه الخبرة قد تمنحنا فهمًا ثانويًا للذات. وأن ما يهمنا هنا – حتى في حالات الهستيريا – ليس الظاهرة المرتبطة بالهستيريا وإنما يجرنا لمسألة قد تؤدي إلى الاستقطاب الذي يضرب بجذوره حتى نهاية المقال متى حددنا بناء اللغة في اللاشعور، وكيف يمكننا رؤية الذات بالقياس إليه " بناء اللغة".

يجيب لاكان في المقال الأول عن هذا التساؤل: هذه الاجابة التي ينبغي أن تأخذ في اعتبارها العلاقة بين اللاشعور والأنا المتكلم، ويبدأ لاكان بنوع من المنهجية الصارمة باستدعاء ما يؤكده علماء اللغويات من أن الأنا بوصفها محول، أعني ذات بناء مزدوج يعمل بوصفه دال داخل خطاب غير منطوق " ومن ثم بوصفها الذات المتكلمة، أي بوصفها تلك التي تسم الذات أو ترسم الذات التي تتحدث الآن. وذلك كله أشار إليه Barthes بقوله " الرابطة الوجودية " وبالتالي فإنها ذات التمفصل أو الأنا المتكلم. ويبدو أن الذات المتكلمة قد لا تتمثل في الخطاب المنطوق بفعل الدال أو قد يمكن أن يستدل عليها على نحو دقيق " رهيف " على سبيل المثال في الفوارق الدقيقة أو في كلمات التجديف. إلا أن السؤال الذي نسعى لإجابته هنا هو " من المتكلم؟ لأن الذات اللاشعورية هي محل الدراسة. فاللاشعور نفسه لا يستطيع الإجابة إذا كانت الذات لاشعورية "فهو لا يعرف ما الذي تقوله أو حتى إذا كانت تقول أي شيء (أو تتحدث) هذا الأمرقد علمته لنا الخبرة التحليلية بأسرها.

تناولت الدكتورة نيفين زيور في هذا الفصل موضوع الحقيقة عند ديكارت والتي لا تأتي من مجرد تطابق العارف مع المعروف كتأكيد على معرفة الذات العارفة نفسها " معرفة أنها تعرف". وذلك من أجل الوصول للمعرفة الحقة فإن الأمر يعتمد إلى حد بعيد لا على الموضوعات الخاصة به وإنما يعتمد الأمر على التوكيد على ذاته. وعندما يتحدث هيجل عن المعرفة المطلقة " absolute " على أنها معرفة مطلقة ينبغي أن نفهمها على أنها مطلقة بالمعنى الجوهري radical بالتأكيد.

أما بالنسبة لفرويد فإن العلاقة بين الحقيقة والمعرفة كما نجدها لدى هيجل مقطوعة broken. فهناك بالفعل رغبة لدى فرويد ولكن لابد من فهمها على أنها هي رغبة الآخر الكبير. فإن أردنا تسمية ذلك رغبة في المعرفة فهذا ممكن ولكن على أن نفهم المعرفة بمعنى خاص جدًا، أي لا على ألا نفهمها على أنها المعرفة بالمعنى التقليدي للوحدة المقصودة بين العارف والمعروف، وإنما المعرفة knowing التي تتخذ شكل نقش inscription في خطاب الذات.

أظهرت لنا المعرفة الإنسانية هي أكثر استقلالية عن الكائنات الحية الأخرى وذلك من ناحية سيطرة الرغبة بسبب الجدل الاجتماعي الذي يؤسس المعرفة الإنسانية على نحو برانوي، لكن ما يحد من تلك المعرفة هو الواقع الناقص " الشحيح" الذي يندد به " وبشكل سريالي" سخط الإنسان. وتعرض الدكتورة نيفين زيور بموضوع الأنا المتكلم وكيفية تشييده بقولها إنما يرمز له في الأحلام بمعسكر حصين " أو بحلبة " يقع ضمن نطاقه الممتد من الساحة " أو الحلبة " الداخلية وما يحيطها من أسوار وحتى حدوده الخارجية المكنونة من الحصى والمستنقعات، ميداني قتال يواجه الواحد منهم الآخر، هما الميدانان اللذان ينغز في وحلهما الفرد في سعيه نحو القصر الداخلي الشامخ والبعيد ولهذا القصر صورة تظهر أحيانًا إلى جانب هذا السيناريو وترمز إلى الهو على نحو مدهش. وعلى المستوى النفسي تُشَيد أيضًا حصون تنبثق على أثرها " وبشكل عفوي" الإستعارات والتي تبدو وكأنها تنبع من أعراض الذات نفسها بغية تحديد ميكانيزمات " دفاعية" مثل القلب للضد والعزل والازدواج والالغاء والنقل الخاص بالوسواس القهري.

تختتم الاستاذة الدكتورة نيفين زيور هذا العرض الرائع لأفكار فرويد ولاكان في موضوعات تشكل صلب التحليل النفسي بقولها أن ما يعانيه العصابي أو الذهاني من عذاب إنما يعتبر بالنسبة لنا مدرسة ندرس من خلالها أهواء الروح، بنفس الطريقة التي يعطينا بها ذراع الميزان الخاص بقياسات التحليل النفسي – وذلك من خلال رؤيتنا للكفة التي يميل إليها ميزان الأخطار التي تهد مجتمعاتنا بأكملها – معدل التناقص في إنفعالات المدينة. وعند نقطة الالتقاء فيما بين الطبيعة والثقافة وهذه الأخيرة تدرسها الانثروبولوجيا المعاصرة بدأب "اشارة إلى أعمال كلود ليفي شتراوس" فإن التحليل النفسي وحده هو الذي يعترف بدرس عقدة الخضوع المتخيل " المرأوي" الذي ينبغي على الحب بيانه أو فصمه.

***

عرض الاستاذ الدكتور اسعد شريف الامارة

(قراءة في حركية الجسد في فن الإيكيدو)

أولا: سياق الكتاب

ثانيا: دروس الجسد (نحو إعادة الاعتبار للجسد)

سياقان أساسيان لابد من استحضارهما في دراسة هذا الكتاب:

أولهما السياق الخاص المحيل على المؤلف ذ. نورالدين حنيف أبو شامة المثقف المتعدد: فهو الشاعر المتمكن من صناعة الشعر فصحيه وزجله، وهو التشكيلي الذي يبدع اللوحة الفكرية، و لا يرسم الخطوط أو ينبهر بالألوان، وهو الروائي الذي سيفاجئ الكثيرين بصدور روايته الأولى المتميزة موضوعا وبناء ولغة.

يعكس هذا التعدد طبيعة المؤلف المنفتحة والمتسامية عن التصنيفات الضيقة أو الحسابات المسمومة ؛لأنه لا يميز بين الأنواع والأصناف التي يعيد بناءها وفق ما أسميه الإبداع المركب، مثلما لا يميز بين الناس والمبدعين فيصنفهم على أساس قيمة ما يبدعون ،وليس بناء على طباعهم وتوجهاتهم...علينا، إذن، أن نسجل هذا التعدد المركب، وهذا الانفتاح المؤمن بالتعايش بين الأجناس والأنواع، وتجنب تصنيف المبدعين بناء على الهوى والمزاج، وما يرتبط بهما من منافسة وغيرة وحسد...أقول ذلك استنادا إلى علاقة صداقة شخصية تمتد إلى ما يقارب الأربعين سنة، ومواكبة مستمرة لانشغالاته وكتاباته وإبداعاته الشعرية والتشكيلية و الحكائية، ومواقفه المعلنة والمضمرة، وبوحه الخاص تلك المواقف التي نتداولها معا في لحظات الصداقة النبيلة، و الأخوة الصافية.

أما السياق العام الذي نضع فيه الكتاب فيرتبط بالالتفات الإيجابي، ثقافيا، لقيمة الجسد ودوره في بناء المعارف والأفكار والتصورات والمواقف والأحاسيس والعلاقات، وهو الاهتمام الذي تعكسه كتابات فلسفية واجتماعية نذكر من أهمها كتاب الفلسفة في الجسد لجورج لا يكوف ومارك جونسون، وهو الكتاب الذي ناقش فلسفات كثيرة لم تمنح الجسد قيمته التي يستحق، مما يعني أن الاهتمام به في الثقافات الإنسانية كان ومازال محدودا؛ لذلك يقولان (وكأننا أَفَقْنَا أخيرا وتنبهنا إلى أن أجسادنا هي ما يصلنا بعالمنا وبالآخرين) ص 9. وفي الحقيقة فإن جملتهما هذه تصدق على كتاب ذ. حنيف لأنه يجعلنا ننتبه إلى أن أجسادنا هي ما يصلنا بالعالم وبالآخرين...إذ يعلم المتابعون أن التصورات التي سادت في هذا المجال قامت على منطق الثنائية الحادة للعالم، والتي أساسها: المادة والروح مع اعتبار الجسد موطن الرذيلة والمدنس والشرور(اللذة)، وأن الروح هي صاحبة الطهارة والنقاء والصفاء. وأن الجسد لا يمتلك قصديته الخاصة ونبله الممكن. ورغم أن بعض الاتجاهات اجتهدت في تقديم تصور إيجابي للجسد وفق ما نجده في حديث سبينوزا في كتابه الأخلاق بقوله (من كان جسمه يملك عددا كبيرا من الاستعدادات، كان الجزء الأعظم من نفسه أزليا)، فإن الإطار العام الذي بقي متحكما هو ذاك الذي لا يبوئ الجسد مكانة التميز والصفاء والطهارة؛ إذ هو مجرد وعاء للروح أو النفس، لذلك ما إن تغادره هذه الروح فإنه ينتهي ويتلاشى ويتبخر.

كتاب ذ. حنيف يجيبنا عن أسئلة فلسفية عميقة حتى وهو يتكلم فيه بتواضع العارفين فيصفه بتأملات ذاتية لا تستحضر العمق الفلسفي. تتحدد هذه الأسئلة التي يجيب عنها الكتاب في: هل يمكن لآلية فيزيائية هي الجسد أن تفكر؟ وهل يمكن أن تسند إليها وظائف غير فيزيائية مثل العاطفة والتواصل والحوار والتواصل؟ وهل يمتلك الجسم قصديته الخاصة؟.

يدعونا كتاب تأملات في الجسد (قراءة في حركية الجسد في فن الأيكيدو) إلى الانتباه لمعجمه حيث إن كاتبه لا يصف الأيكيدو بالرياضة فقط، بل يسميه فنا، وهي تسمية تتجاوز حرفية المعجم لتحمل إيحاءات متعددة تذكرنا بما تحدث عنه تولستوي في كتابه: ما الفن؟. وبهذه الصفة يصبح هذا الجسد آليتنا للتفاعل مع العالم وامتلاكه. ورغم أن هذه النتيجة توجد في تصورات أخرى، وفي ثقافتنا العامة، فإن قيمة الكتاب تبرز في كونه بين لنا كيف أن هذا التملك للعالم بواسطة الجسد لا يتم بالقوة، بل بالتفاعل مع الآخر والتعايش معه والتسامح مع وضعه. وهو ما يعني التغيير الكلي لوظائق هذا الجسد.

وظائف أختزلها في ستة دروس هي:

الدرس الأول: رسالة الكتاب إلى قارئين مختلفين

تبدو قيمة هذا الكاتب في مخاطبة قارئين اثنين: هما الشخص الممارس لرياضة(فن) الأيكيدو؛ لأنه سيجد فيه الخلفيات الاجتماعية والنفسية والروحية لممارسته التي تتجاوز كونه مجرد رياضة لتقوية الجسد والتحكم في مفاصله إلى كونه تجربة عميقة يتفاعل فيها الجسد والروح لذلك فإنه ( مجموعة من التقنيات الخاصة بالدفاع وتعتمد على قوة الشريك كي تمارس حضورها كنقيض للفعل الراضي العنيف)ص72 وإنها رياضة تربية على التفاعل مع الآخر، لذلك فهي (غير تنافسية بالمفهوم المرتبط بالمغالبة والغلبة) ص81، وإنها رياضة (مبنية على تبادل الخبرات عبر الدخول السلمي في سديم التفاعل المنسجم)ص83. ها هنا يمكن لهذا القارئ الانتباه إلى التغيير الذي يطول مفاهيم المنافسة الرياضية من قبيل: الصراع والمواجهة والانتصار والهزيمة...والخصوم...أي إن الحقل الدلالي للرياضة يستبدل مفاهيم يأخرى، ومعه يستبدل أحكام قيمة بقيم إيجابية.

سيفهم الممارس لهذه الرياضة دلالات الحركات وأبعادها، ورمزية اللباس ووظيفته؛ مما يجعلها رياضة(فنا) مؤسسة على التربية على ما يسمى في الأدبيات المعرفية الأخلاق الأسيوية التي تحدث عنها أمارتيا سن في كتابه الهوية والعنف، وهي الأخلاق المؤسسة على الجدية والانضباط و التسامح والتعايش والقبول بالآخر، وهذا الفهم مهم للمارس لأنه يسمح له باستيعاب قيمة ما يقوم به، والخروج من قوقعة الممارس إلى دروس التمثل.

القارئ الثاني الذي يمكنه الاستفادة من هذا الكتاب هو القارئ غير الممارس الذي يرى في الأيكيدو مجرد رياضة شأنها شأن باقي الأنواع...سيفهم هذا القارئ أن لهذه الرياضة تصورا خاصا للأجساد، وأن لها فهما خاصا للحركات واللباس، وتصورا لدور الآخر ووظيفته، فكيف يتحقق ذلك؟...هذا ما يقدمه الدرس الثاني الذي أسميه:

الدرس الثاني: أبعاد الجسد

يقدم الكتاب للقارئ التصور المؤطر لمعنى الجسد في هذه الرياضة، وهو التصور الوافد من الشرق الأسيوي والذي يقدم مساحات شاسعة للتصالح بين الجسد والروح بما يعنيه ذلك من تجاوز منطق الثنائيات والهوية المغلقة التي يقود الأخذ بها إلى الصراع والمواجهة.وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن الخلفية الفلسفية لهذا التصور تتأسس على المنطق الاسيوي أو المنطق المتدرج المتجاوز للثنائيات الضدية؛ لأنه يؤمن بأن شبكة العلاقات مؤسسة على التضاد والتناقض وشبه التضاد والتضمن، ويأخد بالتضمن وشبه التضاد حيث يصبح التفاعل بديلا عن التناقض، وبالتالي عن الصراع والمواجهة لتحل محلهما مفاهيم الشراكة والشريك والتفاعل، ويصبح معها التعايش بين الأضداد والنقائض ممكنا، وتصبح ثقافة التسامح موجهة للسلوكات والمواقف.

الجسد وفق هذه الرياضة مرادف لمفهوم اليقظة على نحو ما يقدمه الكاتب بمثال (الكاتانا) وهو سيف مستقيم في رأسه تقوس بنسبة قليلة جدا وبحد مَضاء واحد، وبطول سبعين سنتيمترا...وعند مواجهة الشريك ُيختزل الجسد في حاسة البصر التي ينبغي أن تبقى متيقظة وموجهة إلى الشريك دون تنقيص من قيمته أو التراخي في التعامل معه، ودون رغبة في هزيمته المطلقة المرادفة للموت لأن (فن الأيكيدو لايكرس ثقافة العنف والإقصاء) ص 31. ومعنى ذلك أن هناك تغييرا في وظيفة الجسد الرياضي التي تنحو في الرياضات الأخرى إلى النصر وهزيمة الأغيار وتعنيفهم، حيث إن الشريك هنا محفز، وليس عدوا ينبغي قهره وهزمه شر هزيمة... وهوما يعني أيضا أن فلسفة هذه الرياضة قد حولت الجسد من ماديته الصرفة الى آلية إنسانية.

إضافة إلى ذلك يسمح لنا هذا الفهم للجسد بتعديل بعض تمثلاتنا عن وظائفه، ولعل المثال الدال هنا هو حديث الكتاب عن رقص الجسد؛ ذلك المفهوم الذي يرى فيه الكثيرون فعلا غير إيجابي، بينما هو أساس إيقاعات الأيكيدو لأنها أساس التحكم في الجسد: (هي سلسلة من الحركات المبنية بإيقاعات خاصة تمهد للمارس فكرة التحكم في الجسد انطلاقا من تمهيره على اللف والدوران في افتراض مواجهة الآخر الموصوف بالخصم في رياضات أخرى، والذي تسميه فلسفة الأيكيدو بالمشارك أو الشريك)ص 41. وفي هذا التوصيف ما يدعو إلى التفكير في وظيفة هذه الحركات في الفكر الصوفي وغيابها لدى الفئات الأخرى.

الدرس الثالث: الجسد والآخر

لا يتم توظيف الجسد لقهر الآخرين والتغلب عليهم وطرحهم أرضا ف (الآخر شريك في بناء منظومة التواصل السلمي عبر حركات وتقنيات ومسكات تبدو في أول وهلة ولغير ناظر متفحص أنها من بنات العنف، لكن الرؤية الشاملة لفسيفساء العلاقة بين الممارس والشريك تفيد نقيض ذلك تماما) ص.46 فما الذي يقود إليه هذا الفهم لوجود الآخر في حياتنا؟

إنه يقودنا إلى الإيمان بأن الجسد أداة الاشتغال داخل الفضاء المشترك، وإلى التسامح الذي يمتص أشكال العنف في لغة جسدية انسيابية يؤطرها تنفس عميق ويوجهها إلى غايات نبيلة. ومعنى التسامح هنا ليس ما يفهمه عامة الناس، بل إنه الانسجام في الاختلاف والقبول بالآخر المختلف عنا جسدا واعتقادا. وهنا قوة هذا الفهم العميق لمعنى الجسد ويقظته.

الدرس الرابع: سيميائية العلامات والإشارات

يقدم لنا الكتاب مادة مهمة وتحليلا عميقا للمواد التي يتعامل معها الجسد حيث لا يبقى اللباس مجرد خرقة نستره بها، وليس لونا نميزه به...ها هنا تتغير وظيفة السيف المصاحب للجسد. إنه ليس آلة حربية للمواجهة، بل إن له وللباس رموزا ودلالات.

يحدثنا الكتاب عن الهاكاما؛ أي السروال الذي يرتديه ممارس الأيكيدو، والذي يخرج عن دائرة العلاقة العادية مع الجسد فيعامل معاملة احترام وتبجيل في طريقة طيه وارتدائه، بل إنه يصبح في شكله حاملا للقيم الإيجابية التي يُشحذ بها الممارس الذي يتعامل معه باعتباره طقسا روحيا سواء في الركوع أو في التركيز المرافق لطيه المرتبط بسبع فضائل هي: الكرم والعدالة واللباقة والحكمة والصدق والوفاء والتفاني.

الأمر نفسه ينطبق على قراءة حركة سقوط الجسد لأنها حركة مبنية بطريقة توازنية وانسيابية عارفة بتحولات الجسد ومفاصله كي تحافظ على سلامته برشاقة نزوله أرضا دون تعثر أو إيلام. فيصبح سقوط الجسد مهارة، وهو ما يقدم درسا بليغا عبرت عنه الفلسفة الإيجابية بالقول: ينبغي تحويل الأزمات إلى ديناميات وفرص.

هذه القراءة السيميائية للجسد وما يرتبط به نجدها كذلك في حديث الكاتب عن الكاتانا؛ أي السيف الياباني الطويل النصل والحاد من جهة واحدة، وكيفية تعامل الجسد معه.

الدرس الخامس: الجسد آلية تربوية

يقدم الكتاب تصورات عميقة تفيد المجتمع في فهم الميكانيزمات التي تحكم الجسد، وتقدم له أدوات كفيلة بمساعدته على تجاوز أعطابه المتعددة...أمثلة ذلك كثيرة نمثل لبعضها بالتربية على القيم حيث يرى الكاتب أن التصورات المعتمدة في الأيكيدو قابلة للتكيف والتطويع بحسب خلفيات كل مجتمع، ورغم أن مسالة التكييف هذه ليست بسيطة في ظل مجتمع مشبع بثقافة الثنائيات إلا أن الفكرة تستحق الاهتمام من خلال الجواب عن سؤال: كيف يمكن لمجتمعنا الاستفادة من هذه التصورات لتعديل تمثله للجسد وعلاقتنا به؟ وكيف نستثمر هذا الفن للتربية على العيش المشترك؟

المثال الثاني يبين أن ممارسة الرياضات ليست مقصودة لذاتها، بل إنها مؤسسة على خلفيات فكرية وفلسفية ينبغي الوعي بها كي لا تتحول الأجساد إلى آلات للطحن والقهر والمفاخرة...أما المثال الثالث فهو أن الآخر ليس عدوا، بل شريكا يمكننا دائما إيجاد مساحة مشتركة بيننا وبينه لضمان العيش المشترك

الدرس السادس: مسار التأملات

اختار ذ. حنيف صيغة التأملات في الجسد من خلال ممارسته الشخصية للأيكيدو، وهو إذ يفعل ذلك فإنه يتحدث بتواضع الكبار أولئك الذين قال عنهم المتنبي:

ملأى السنابل تنحني بتواضع

والفارغات رؤوسهن شوامخ

ورغم قساوة معنى البيت، فإن استحضار دلالاته أحيانا يكون مفيدا إنصافا للكبار المتواضعين، وتذكيرا للآخرين غير المتواضعين والعدوانيين أحيانا كثيرة مع الدعاء لهم بالهداية والتواضع.

أقول ذلك وأنا أستحضر قوة ما كتبه ذ. حنيف، قوة مستمدة من تساؤلات واستشهادين. أما التساؤلات فهي: ماذا سيحصل لو أن كل ممارس لرياضة أو مهنة أو مسؤولية كتب لنا تأملاته المعتمدة على ممارسته؟ وما الذي سيجنيه الناس من كل ذلك؟. أما الاستشهادان فأساسهما فيلسوف كبير ومفكر مقدر كتبا لنا تأملاتهما فقدما لنا ما يفيد. الأول هو الفيلسوف الرواقي ماركوس أورليوس الذي كتب كتابه (التأملات) دون فيه تأملاته وهو في ساحة الحرب، فقدم جواهر فكرية لا تضاهى وحكما عميقة. وأما الثاني فهو المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد الذي كتب تأملاته في الجسد الراقص دون أن يحس بالنقص وهو يتحدث عن تحية كاريوكا، ثم كتب لاحقا كتابا عنوانه (الأسلوب الأخير) وهو عبارة عن تأملات في الموسيقى وآلاتها. لذلك أختم بالقول: ما أحوجنا إلى مثل هذه التأملات، وما أحوجنا إلى مثل هذا التأمل لأنه يغير زوايا نظرنا للكثير من الأشياء، ويجعلنا ندلاك أن فهم خلفيات الممارسات والسلوكات ضروري لتقديرها.

***

بقلم: الدكتور جمال بندحمان

قراءة في كتاب "مشكلة الحضارات" لزكي الميلاد

مقدمة: الحضارة الإنسانية واحدة من أعظم الظواهر الإبداعية في تاريخ البشر، إذ تُجسّد التفاعل المتشابك بين الفكر الإنساني والبيئة، والزمن والمكان، في بناء منظومات معرفية وقيمية واجتماعية تتجاوز حدود الفردية نحو التراكم الجمعي للخبرة الإنسانية. وفي خضم التطوُّرات الجيوستراتيجية والتحوُّلات الإبستمولوجية المعاصرة، تشهد دراسة النظريات الحضارية تجدُّدًا مستمرًّا يُحتّم على الباحثين والمفكرين إعادة النظر في الأطر التحليلية، والمنهجيات التفسيرية التي تحكم فهمنا لديناميكيات الحضارات وقوانين تطورها.

لهذا كانت وما تزال الأهمية الاستراتيجية لدراسة نظريات الحضارات وروادها تكمن في كونها تقدِّم مفاتيح تحليلية أساسية لفكِّ الشفرات المعقَّدة للتحوُّلات التاريخية والاجتماعية، من خلال رؤى فكرية متراكمة تمتدُّ من الإسهامات الخلدونية الرائدة في فهم العصبية والدورة الحضارية، وجان باتيستا فيكو في الفكر الغربي المبكر، مرورًا بالنظريات الغربية المعاصرة لأشفيتسر وشبنجلر وتوينبي وهنتنغتون، وصولًا إلى الإسهامات العربية المعاصرة كنظرية مالك بن نبي الحضارية وغيرها. هذا التراكم النظري يُمكّن من بناء أدوات تحليلية متطوِّرة لفهم آليات النهوض والانحطاط الحضاري، والتنبُّؤ بمسارات التطور المستقبلي للمجتمعات الإنسانية.

غير أن تعزيز الدراسات الحضارية المقارنة، يتطلَّب تجاوز النزعات الاختزالية والمقاربات الأحادية التي تُهيمن على كثير من البحوث المعاصرة، والسعي نحو بناء منهجيات تكاملية تُحقِّق التوازن بين الموضوعية النقدية والانفتاح على التنوُّع الحضاري. لاسيما أن هذا التوجُّه المنهجي يُمهّد الطريق أمام تطوير رؤية كونية متوازنة حول تعارف الحضارات وحوار الثقافات، تتجاوز نماذج الصدام والهيمنة نحو نماذج التفاعل الحضاري الخلَّاق والتلاقح الثقافي المثمر. فمن خلال هذه المقاربة التكاملية، تُصبح الدراسات الحضارية جسرًا معرفيًّا يربط بين التراثات الفكرية المختلفة، ويُسهم في بناء عالم أكثر تفاهمًا وتعاونًا، حيث يُصبح التنوُّع الحضاري مصدر إثراء جمعي للخبرة الإنسانية بدلًا من كونه مصدرًا للتنافر والصراع والهيمنة والأحادية الحضارية الاستدمارية.

من هذا المنطلق جاء كتاب «مشكلة الحضارات.. قراءة تحليلية ونقدية لنظريات معاصرة» للأستاذ زكي الميلاد ليُشكِّل إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال دراسات الحضارة المقارنة، حيث يسعى إلى كشف أهم مقولات مفكري الحضارة، وبيان أسباب اختلاف مذاهبهم وتباين مقارباتهم ونقاط تلاقيهم[1]. يتميِّز الكتاب بشموليته في تناول أبرز النظريات الحضارية في القرن العشرين، إذ يجمع تحت مظلَّة واحدة خمس نظريات مهمَّة ومؤثِّرة شكّلت الوعي المعاصر بالمسألة الحضارية.

كما تكمن أهمية هذا العمل في ناحية «جودة العرض، ووضوح الفكرة، وعمق التحليل والنقد»[2]، مما يجعله مرجعًا أساسيًّا لفهم التطورات النظرية في مجال دراسات الحضارة. كما يُظهر الكتاب وعيًا عميقًا بضرورة «تعارف الحضارات»[3]، وهو ما ينعكس في منهجيته المتوازنة التي تجمع بين التراث الفكري الغربي والإسلامي.

إذ يؤسِّس المؤلِّف رؤيته على فهم عميق لمعنى الحضارة كمفهوم جامع يتجاوز الحالات التاريخية المخصوصة إلى دراسة الأنماط الكبرى للتطور البشري. هذا التصوُّر يضع الكتاب في سياق فلسفي واسع، حيث لا تُفهم الحضارة كمجرَّد مجموعة من الإنجازات المادية، بل كنظام متكامل يشمل جوانب روحية وثقافية واجتماعية متعدِّدة.

تُظهر مقدِّمة ناشر الكتاب أن التفكير في الحضارة بات «بابًا للنظر التاريخي الواسع، ومنهجًا لاستنطاق خلاصات التاريخ، والكشف عن الأسباب العميقة وراء حركة الدول والأمم»[4]. هذا المدخل يعكس وعيًا بالطبيعة المعقَّدة للمسألة الحضارية وحاجتها إلى مقاربة شمولية تتجاوز الدراسات الجزئية التجزيئية.

اتَّبع المؤلف منهجًا متوازنًا يقوم على ثلاثة مستويات: العرض والتحليل والنقد. هذه المنهجية تُمكِّن من فهم طبيعة الاختلافات النظرية وأسبابها، وتحديد نقاط القوة والضعف في كل مقاربة حضارية. كما يحرص المؤلف على تقديم نقد متوازن لا يكتفي برصد السلبيات بل يُبرز الإسهامات الإيجابية لكل نظرية.

أولًا: النظرية الأخلاقية للحضارة عند أشفيتسر..

الأسس النظرية والفلسفية

قدَّم المفكر الألماني ألبرت أشفيتسر (1875 - 1965م) رؤية مبتكرة للحضارة تقوم على الربط العضوي بين التقدُّم المادي والرُّقي الأخلاقي. ويرى في كتابه «فلسفة الحضارة» أن «افتقارنا إلى حضارة حقيقية مرجعه إلى افتقارنا إلى نظرية في الكون. وحينما يتهَيَّأ لنا الوصول إلى نظرية قوية ثمينة في الكون، نجد فيها اعتقادًا قوّيًّا ثمينًا، هنالك فقط يكون في وسعنا إيجاد حضارة جديدة»[5].

واعتبر أشفيتسر أن الحضارة الحقيقية لا تكمن في الإنجازات التقنية والمادية فحسب، بل في قدرة الإنسان على تطوير قيمه الأخلاقية وعلاقته المسؤولة مع الكون. هذا التصور يُمثِّل نقدًا جذريًّا للحضارة الغربية المعاصرة التي شهدت تطورًا ماديًّا هائلًا مقترنًا بتراجع في القيم الإنسانية.

تتمحور نظرية أشفيتسر حول مفهوم «أزمة الحضارة الغربية» التي يُعزيها إلى «انفصال التقدُّم التقني عن التطور الأخلاقي، مما أدَّى إلى حضارة قوية ماديًّا لكنها فقيرة روحيًّا، منطلقًا من «إن محاولة التمييز بين الحضارة (kultur) كما يسميها الألمان، وبين المدنية بوصفها مجرَّد التقدُّم المادي، يهدف إلى جعل العالم يألف فكرة نوع من الحضارة لا أخلاقي إلى جانب نوع أخلاقي منها، كما يهدف إلى إلباس النوع الأول بلباس كلمة ذات معنى تاريخي»[6].

هذا التشخيص يكتسب راهنية خاصة في عصرنا الحالي، حيث تتزايد المخاوف من الآثار السلبية للتقدُّم التقني على القيم الإنسانية.

أمام هذه النظرية وبعد تحليل وتشخيص، سجَّل المؤلِّف، عدَّة ملاحظات نقدية أهمها:

1- رأى المؤلِّف أن هذه النظرية «غلب عليها حسُّ المناقشة النظرية الفكرية والفلسفية والأخلاقية، وغاب عنها كلّيًّا حسُّ الإشارة إلى الوقائع والحوادث والمواقف، وإلى الخبرات والمشاهدات التي عايشها أشفيتسر وعاصرها، ومثّلت له منبع إلهام، ومصدر تفكير. بشكل ظهر الكتاب كما لو أنه كتاب نظري يخاطب الطبقة العليا من المثقفين، ويتّجه إلى أهل الاختصاص من الباحثين في حقل الدراسات الأخلاقية والحضارية»[7].

2- لاحظ المؤلِّف أن أشفيتسر «أسهب كثيرًا في الحديث عن الأفكار والنظريات الأخلاقية الأوروبية فحصًا وتحليلًا ونقدًا، بشكل ظهر كتابه كما لو أنه كتاب عن الأخلاق وفلسفة الأخلاق وليس عن الحضارة وفلسفة الحضارة، أو أنه كتاب عن الأخلاق ثم عن الحضارة وليس كتابًا عن الحضارة ثم عن الأخلاق، فقد اختلَّت الموازنة بين الأصل والفرع، فظهر الكتاب وكأن جانب الأصل فيه لموضوع الأخلاق، وجانب الفرع لموضوع الحضارة وليس العكس»[8]. كما انتقد المؤلِّف النزعة المثالية المفرطة في ربط مصير الحضارة بالأخلاق فقط، من دون اعتبار كافٍ للعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

3- لمَّح إلى المؤلِّف أن «مفهوم الأخلاق عند أشفيتسر يتأثَّر بالرؤية المسيحية الغربية ويتجاهل الرؤية الإسلامية، مما يحدُّ من قابليته للتطبيق العالمي»[9].

4- وجد المؤلِّف عدم واقعية أشفيتسر ونزعته المثالية، منتقدًا إياه قائلًا: «لو تحدَّث أشفيتسر بدل هذه النصوص عن التاريخ اللاأخلاقي لأوروبا، لكان أبلغ بيانًا، وأصدق نصًّا، وأنصع أخلاقًا، وأوثق تاريخًا»[10].

رغم هذه الانتقادات، يُقرُّ المؤلِّف بأهمية إسهام أشفيتسر وما قّدمه في كتابه «فلسفة الحضارة» من «مادة فكرية غزيرة حول الأفكار والنظريات الأخلاقية الأوروبية على أقسامها وأزمنتها، مبرزًا إرثًا أخلاقيًّا مهمًّا، كاشفًا عن مدى تراكم هذه الأفكار والنظريات وسعتها وتطوُّرها في ساحة الفكر الأوروبي، وتتابعها وعدم انقطاعها منذ الأزمنة القديمة اليونانية والرومانية، متوقفًا بعناية عند القرون الثلاثة الأخيرة السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر، وصولًا إلى القرن العشرين»[11].

ثانيًا: ثنائية الحضارة والمدنية عند شبنجلر

طرح المفكر الألماني أوزوالد شبنجلر (1880 - 1936م) في كتابه الشهير «تدهور الغرب» رؤية جذرية للتاريخ، تقوم على التمييز الأساسي بين الحضارة (Kultur) والمدنية (Zivilisation)، حيث إن «الحضارة تُمثِّل المرحلة الإبداعية والروحية في حياة الشعوب، بينما المدنية تُمثل مرحلة التحجُّر والانحدار»[12]. هذا التمييز يُشكِّل أساس نظرية شبنجلر في «التقسيم الثلاثي للتاريخ عبر الدورات الحضارية» التي تُشبه دورة الحياة البيولوجية من النشوء إلى النضج فالشيخوخة والموت.

تتميَّز رؤية شبنجلر برفضها للتصوُّر الخطِّي للتقدُّم التاريخي، وتبنِّيها لمفهوم الدورات الحضارية المستقلة والمتوالية، هذا التصوُّر يتحدَّى الرؤية الغربية التقليدية للتاريخ باعتباره مسارًا تقدميًّا يقود نحو اعتبار الحضارة الغربية كذروة للتطوُّر الإنساني.

طوَّر شبنجلر نظرية شاملة عن «تدهور الغرب» تقوم على فكرة أن الحضارة الغربية دخلت مرحلة المدنية، أي مرحلة التحجُّر والانحدار الروحي، «معتبرًا أن المدنية هي نتيجة منطقية جوهرية مفهومة، تمثِّل تحقُّقا مكتملًا، ونهاية لمطاف الحضارة، فلكل حضارة مدنيتها الخاصة، ومن ثَمَّ فإن المدنية هي المصير الحتمي للحضارة»[13]. يبرز هذا التشخيص في مظاهر متعدِّدة، منها تقديمه لتصويرات «تشبيهية من عوالم مختلفة، راجعًا تارة إلى عالم الإنسان، وتارة إلى عالم الطبيعة. من هذه التصويرات اعتبار شبنجلر أن الحضارة تمثِّل الجسد الحي للنفس والمدنية تمثِّل مومياءها، وفي تصوير آخر اعتبر شبنجلر أن الحضارة هي بمثابة نظام عضوي أولدته الأرض الأم، والمدنية أنجبتها الميكانيكية المنطلقة من الصناعة الخشنة»[14].

وناقش شبنجلر ثنائية «الحضارة والمدنية» من عدَّة نواحي (الإنسان، والأخلاق، والتاريخ)، و«على ضوء التأمُّلات والتنقيبات والتحليلات توصَّل شبنجلر إلى خلاصة تعدُّ من أقوى الخلاصات وأنضجها، كاشفًا عن مراحل تطوُّر الشكل الباطني للمدنية في علاقتها بالحضارة، متحدِّدة في ثلاثة مراحل أشار إليها شبنجلر من دون بيان وتفصيل، وكأنه يتحدَّث عن عناوين رئيسة مجملة بلا تبيين، هذه المراحل الثلاث هي: المرحلة الأولى: التحرُّر من الحضارة، المرحلة الثانية: نشوء شكل أصيل للمدنية، المرحلة الثالثة: التيبُّس والتصلُّب النهائيين للمدينة»[15]، بمعنى سيطرة النزعة المادية، وتراجع الإبداع الفني والفكري، وهيمنة التقنية على حساب الروح.

وسَّع شبنجلر نظريته لتشمل «طبيعة الحضارات وبنيتها»، إذ يرى أن «كل حضارة تتميَّز برؤية فريدة للعالم، وأساليب تعبير خاصة بها في الفن والفلسفة والدين»[16]. هذا التصوُّر يُؤكِّد على التنوٌّع الحضاري، ويرفض فكرة الحضارة الواحدة أو النموذج الحضاري الأوحد.

قدَّم الأستاذ زكي الميلاد تحليلًا مقارنًا للنقد الذي وُجِّه إلى نظرية شبنجلر في السياقين الغربي والعربي. من الناحية الغربية، واجهت النظرية «انتقادات بسبب حتميتها المفرطة، ونظرتها التشاؤمية للمستقبل الغربي»[17]. كما انتُقد «منهجها القائم على التشبيه البيولوجي الذي يختزل التعقيدات التاريخية في قوالب جامدة»[18].

أما من المنظور العربي، فقد وجدت النظرية «استقبالًا متباين الآراء، حيث رأى بعض المفكرين فيها تأكيدًا لإمكانية نهضة حضارية عربية إسلامية جديدة، بينما رفضها آخرون بسبب نزعتها الأوروبية المركزية»[19].

وبشأن نقد المؤلف وتقويمه لنظرية شبنجلر حول الحضارة، يمكننا تحديده في النقاط الآتية:

1- رأى المؤلِّف أن نظرية شبنجلر حول الحضارة تميّزت ببنية فلسفية موسوعية، إذ تجاوز فيها المناهج الوضعية التقليدية، معتمدًا مقاربة تركيبية تشمل الجوانب الدينية والفنية والعلمية والسياسية والاقتصادية، ما جعل من عمل شبنجلر يمثِّل علامة فارقة في تاريخ الدراسات الحضارية.

2- لاحظ المؤلِّف أن شبنجلر انطلق من تحليل مسار الحضارة الغربية، مستشرفًا حتمية أفولها استنادًا إلى قانون الدورات الحضارية، ووصف فلسفته بالتشاؤمية التاريخية، رغم أن منهجه يتجاوز حدود هذا التصنيف، ويطرح إشكاليات أعمق حول مصير الحضارة الإنسانية.

3- صوَّر المؤلِّف أن كتاب شبنجلر اتَّسم بالإسهاب والاتِّساع الموضوعي، إذ تناول قضايا متنوِّعة تتعلَّق بفلسفة الدين والفن والرياضيات وغيرها، الأمر الذي يؤدي إلى تشتُّت تركيز القارئ، مع أن بالإمكان اختزال نظريته المركزية في القول بأن الحضارة كائن عضوي والتاريخ هو سجل تطوّرها.

4- سجّل المؤلِّف على كتاب شبنجلر غياب ملحوظ لنقد أو تحليل نظريات الحضارة السابقة عليه، إذ لم يناقش بشكل معمَّق آراء فلاسفة ومؤرخي الحضارة من أمثال جان باتيستا فيكو، رغم اشتمال كتابه على سجالات فكرية واسعة مع العديد من المفكرين.

5- قدَّر المؤلف أن المقارنات العربية والغربية أبرزت توافقًا واضحًا بين أطروحات شبنجلر وابن خلدون حول دورة الحضارة ونهايتها والنزعة التشاؤمية، غير أن شبنجلر تجاهل ذكر ابن خلدون رغم التشابه المنهجي بينهما، ما يُثير علامات استفهام حول دوافع هذا التغاضي.

6- خطَّأ المؤلف شبنجلر حين قدّم الحضارة العربية ضمن ما أسماه الحضارات «المجوسية»، جامعًا الإسلام مع الأديان الأخرى، وهو طرحٌ قوبل باعتراضات فكرية معتبرة، لا سيما من جانب المفكرين المسلمين الذين أكَّدوا خصوصية الحضارة الإسلامية وقطيعتها مع الأطر الدينية السابقة.

ثالثًا: فلسفة التاريخ الحضاري عند توينبي

يعدُّ المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي (1889 - 1975م) من أكثر مؤرخي الحضارة تأثيرًا في القرن العشرين، حيث طوَّر منهجية شاملة لدراسة التاريخ الحضاري تقوم على اعتبار أن «الحضارة وليس الدولة هي الوحدة الدراسية الأساسية للتاريخ»[20]. هذا المنهج يُمكِّن من «فهم أوسع للتطورات التاريخية، والكشف عن الأنماط الكبرى التي تحكم حركة الحضارات»[21].

تميَّز منهج توينبي بشموليته الجغرافية والزمنية، حيث يشمل جميع الحضارات المعروفة عبر التاريخ، وليس الحضارة الغربية فقط. هذا التوسُّع يُقدِّم رؤية متوازنة للتاريخ الإنساني تُنصف الإسهامات الحضارية المختلفة، إذ يذهب توينبي في إجراء مقارنة بين الحضارات مضمِّنًا ذلك كله بعدَّة اعتراضات حدَّدها المؤلِّف في خمس.

تقوم نظرية توينبي في «انبثاق الحضارات» على مفهوم «التحدي والاستجابة»، حيث يرى أن الحضارات تنشأ وتتطوَّر نتيجة استجابتها الإبداعية للتحديات البيئية والإنسانية. هذا المفهوم يُفسِّر «كيف تُحول المجتمعات التحديات الصعبة إلى فرص للنمو والإبداع، بينما تفشل أخرى في مواجهة نفس التحديات». وقد حدَّد المؤلف التنويع الحضاري عند توينبي للحضارات إلى ثلاثة أنماط: (المتطورة، العقيمة، المعطلة).

طبَّق توينبي نظرية التحدي والاستجابة على «انهيار الحضارات» أيضًا، إذ يعزو السقوط إلى «الإخفاق في تقرير المصير، وضعف النخب الحاكمة في الاستجابة الإبداعية للتحديات الجديدة، مما يؤدي إلى تصلُّب المؤسسات وتراجع الحيوية الاجتماعية بعد حرمان الحق في توجيه إرادة المجتمع نحو تحقيق الفعل النافع». وفي جانب آخر عرض المؤلِّف لنقض توينبي خمس نظريات حول انهيار الحضارات.

كما قدَّم توينبي تحليلًا عميقًا لـ«مصائر الحضارة الغربية» اتَّسم بالتوازن بين التفاؤل والحذر. ناظرًا إلى أن الحضارة الغربية تواجه تحديات جديدة تتطلّب استجابة إبداعية، وإن فشلت في ذلك فقد تدخل مرحلة الانحدار. لكنه يُؤكِّد على أن المستقبل مفتوح والتاريخ لا يحكمه قانون حتمي للانهيار.

رغم ما قدَّمه توينبي من اعتراضات ونقض حول تشكُّل الحضارات وتطوُّرها وانهيارها، فقد تعرَّضت نظريته لانتقادات عديدة، أشار المؤلِّف لأهمِّها، ومن هؤلاء النُّقَّاد: بروس براندر، والمؤرخ الهولندي بيتر جيل، وبيترم سروكن عالم الاجتماع الروسي الذي أخذ على توينبي «تطويل دراسته التاريخية بلا مبرِّر، وكان بإمكانه تركيزها من دون أن تفقد شيئًا من روعتها. كما أخذ عليه -أيضا- تفاوت اطِّلاعه على أحوال الحضارات المختلفة التي تناولها في أبحاثه، وانهماكه في تقرير مبادئ كان بعض علماء الاجتماع مثل: كتارد ودركهايم وماكس فيبر قد فرغوا من بحثها قبله، كمبدأ المحاكاة وقوانينه.

واللافت من بين كل هذه الانتقادات، هو النقد اليهودي الذي تجاوز حدود النقد إلى الصراع السياسي التاريخي، وقد حدث ذلك نتيجة أن توينبي أظهر موقفًا مغايرًا تجاه اليهود في التاريخ، وقدَّم موقفًا نقديًّا شديدًا تجاه الاحتلال الإسرائيلي، معتقدًا بحسب قوله: «إن احتلال إسرائيل للأراضي العربية يمثِّل عملًا شريرًا وغير إنساني، مثل احتلال ألمانيا لتشيكوسلوفا وبولندا»[22].

هذا عن النقد الغربي، بينما في مجالنا العربي عرض المؤلِّف لبعض ملاحظات ومقاربات جاءت من الباحثين السوري والعراقي قسطنطين زريق وعماد الدين خليل، والأبرز منها هي تعقيبات المؤرخ العراقي طه باقر، الذي استعرض أهم مطارحات نقاد نظرية توينبي، ثم سجَّل ملاحظة عدَّها منسوبة إليه، رأى فيها حالة من الانتقائية للحوادث التاريخية عند توينبي، معتبرًا أنها تخالف قواعد منهج البحث التاريخي، ملاحظًا عليه أنه في بعض القضايا ينتخب أو ينتقي بعض الحوادث ويُهمل حوادث أخرى لها صلة بالقضية نفسها، بشكل يؤثِّر في استنتاجاته، ويؤدي إلى نوع من الشطط. مستشهدًا على ذلك بمثال من تاريخ إنجلترا طبَّق عليه توينبي نظرية الاعتزال والظهور بالنسبة إلى الأقليات المبدعة، حيث عدَّ انقلاب سنة 1688م عملًا مبدعًا، استطاعت إنجلترا إنجازه بسبب اعتزالها مقابل القارة. وفي نظر طه باقر أن توينبي قد أغفل ذكر حوادث مهمة رأى أنها تناقض استنتاجه[23]، وهذه الملاحظة تقريبًا نفسها نجدها لدى بيتر جيل المؤرخ الهولندي.

أما عن المؤلِّف الأستاذ زكي الميلاد، فقد قدَّم ملاحظات مهمَّة، من أهمها أن توينبي في حديثه عن انحلال الحضارات وانهيارها، قدَّم تحليلًا هو أقرب إلى انهيار الدول وليس الحضارات، وكأنه بإدراك منه أو من دون إدراك أحلَّ فكرة الدولة في هذا الشأن مكان فكرة الحضارة[24]، كما تبنَّى المؤلِّف رؤية مالك بن نبي حين حاول تمييز نظرية توينبي في الحضارة، فقد ميَّزها من ناحية العامل الطبيعي، من دون الإشارة أو الالتفات إلى عامل التحدي البشري، معتبرًا أن توينبي جاء بتفسير ضخم للحضارة يلعب فيه العامل الجغرافي دورًا أساسيًّا، جاعلًا من الطبيعة بالخصوص -أي الجغرافيا- هي التي تقوم بالتحدي، مفسِّرًا به مذهبه في الحضارة، وهذا ما لا يراه بخصوص تفسير تكوين الحضارة الإسلامية[25].

رابعًا: الحضارة والسياسة في نظرية هنتنغتون.. السياق المعاصر والنظرية

تُعدُّ نظرية صمويل هنتنغتون (1927 - 2008م) حول «صدام الحضارات» من أكثر النظريات الحضارية إثارة للجدل في العقود الأخيرة. حيث طوَّر هنتنغتون نظريته في سياق نهاية الحرب الباردة، وفي إطار البحث عن نماذج جديدة لفهم النزاعات الدولية، إذ يرى أن الصراعات المستقبلية ستكون بين الحضارات، وليس بين الدول أو الأيديولوجيات. وتقوم نظريته على فكرة أن «الهوية الحضارية ستصبح المحرِّك الأساسي للسياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين». وهذا التصوُّر يُعيد تعريف مفهوم الأمن الدولي والتحالفات السياسية بناءً على الانتماء الحضاري.

عرَّف هنتنغتون الحضارة بأنها «أوسع مستوى للهوية الثقافية التي تميِّز البشر عن الأنواع الأخرى». وحدَّد سبع أو ثماني حضارات معاصرة هي: «الغربية، والإسلامية، والصينية، واليابانية، والهندوسية، والأرثوذكسية، واللاتينية، وربما الأفريقية». تنبَّأ بـ«اضمحلال الحضارة الغربية» نسبيًّا مع صعود «الحضارات المتحدية» وبخاصة الصينية والإسلامية. وهذا التحوُّل سيُغيِّر موازين القوة العالمية، ويُثير احتمالات الصدام بين القيم والمصالح الحضارية المختلفة.

واجهت نظرية هنتنغتون انتقادات واسعة وذلك لتبسيطها المفرط للتعقيدات الثقافية والسياسية، وتجاهلها للتنوُّع داخل كل حضارة، وهذا ما نجده في كتاب الباحث الألماني دييتر سنغاس المنشور سنة 1998م، بعنوان: (الصدام داخل الحضارات.. التفاهم بشأن الصراعات الثقافية)، دعا فيه إلى الحوار بين الثقافات والتفاهم بشأن الصراعات الثقافية، وقد ضمَّنه نقدًا لنظرية صدام الحضارات، واصفًا حجج هنتنغتون بالضعف والسطحية والسوداوية[26]. كما انتُقدت نظرية هنتنغتون من قِبَل الألماني هارالد موللر، وذلك لنزعتها التي «تُحرِّض على الصدام بدلًا من تعزيز الحوار بين الثقافات»[27].

وفي المجال العربي تعرَّضت نظرية هنتنغتون إلى النقد، ويبرز من في هذا الشأن نقد الدكتور محمد عابد الجابري، وقد عرض له المؤلف الميلاد مفصَّلًا.

ورغم هذه الانتقادات، يُقِرُّ المؤلِّف بأن النظرية أثارت نقاشات مهمَّة حول دور الثقافة في السياسة الدولية، وضرورة فهم التنوُّع الحضاري في عالم متعدِّد الأقطاب، وذهب المؤلِّف إلى أن هنتنغتون يعرف قبل غيره أنه ليس أول القائلين بصدام الحضارات فكرةً ومفهومًا ومصطلحًا، فقد سبقه إليه كتَّاب وباحثون ومؤرّخون، يبرز من هؤلاء ويتقدَّم المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي الذي له محاضرة ترجع إلى سنة 1947م، ألقاها في كليه برين مور بولاية بنسلفانيا الأمريكية، بعنوان: (الصراع بين الحضارات)، نشرتها في السنة نفسها مجلة هاربر الأمريكية، ثم ضمَّها توينبي لاحقًا في كتابه: (الحضارة في الميزان) الصادر سنة 1948م، مقدّمًا فيها نصًّا مهمًّا يدرك الحاجة إليه كل من يؤرّخ لصدام الحضارات فكرة ومفهومًا.

وهنا تساءل الأستاذ الميلاد: لا ندري لماذا تجاهل هنتنغتون هذا النص بما يمثّل من لحظة تاريخية مبّكرة وفارقة، ولماذا تغافل عنه وسكت، ليس جهلًا قطعًا ولا نسيانًا، وليس لأنه نصٌّ لا أهمية له ولا قيمة، أو أن أهميته قد تلاشت أو تراجعت، أو أصبح باليًا وعتيقًا، غطَّى عليه الزمن، وتخطَّته التطوُّرات، فجميع هذه الحالات لا صحة لها ولا أساس. ويبقى السبب الحقيقي مكتومًا عند هنتنغتون، فاتحًا على نفسه بهذا الكتمان بابًا لتأويلات شتَّى!

ما يؤكِّد هذه الملاحظة ويضاعف جدِّيتها، أن توينبي في نصِّه المذكور لم يناقش فكرة الصراع بين الحضارات بالعودة إلى الماضي والتاريخ القديم، واقفًا عندهما، ومنحصرًا عليهما، وإنما كان ناظرًا كذلك إلى المستقبل، مقدِّمًا تنبُّؤات تمتدُّ إلى مدى بعيد، ملتفتًا في تنبُّؤاته بشكل أساسي إلى الحضارة الغربية ومستقبلها. وهي القضية ذاتها التي شغلت هواجس هنتنغتون، ومثَّلت جوهر قضيته ولّبها.

ومن بين أقوال توينبي الدالَّة والجامعة بين فكرة المستقبل من جهة، وفكرة صدام الحضارات من جهة أخرى، وعلاقتهما بالحضارة الغربية، ما أبان عنه قائلًا: «إن مؤرخي المستقبل سيقولون: إن الحادثة الكبرى في القرن العشرين، هي اصطدام الحضارة الغربية بسائر المجتمعات الأخرى القائمة في العالم... وسيقولون عن هذا الصدام: إنه بلغ من القوة والشمول بحيث أدَّى إلى قلب ضحاياه رأسًا على عقب... وأثَّر بشدَّة في سلوكهم وآرائهم ومشاعرهم وعقائدهم رجالًا ونساء وأطفالًا... إنني أعتقد أن هذا ما سيقوله المؤرخون الذين ينظرون خلفهم إلى عصرنا حتى من تلك السَّنة القريبة منا، أَلَا وهي سنة 2047م»[28].

إضافة إلى ذلك ارتبطت فكرة صراع الحضارات بالمستشرق الإنجليزي برنارد لويس، وبالناقد العربي الدكتور المهدي منجرة الذي جاء هنتنغتون على ذكر اسمه في كتابه «صدام الحضارات». واللافت هنا ما أشار إليه الأستاذ الميلاد معتبرًا أن هنتنغتون أسهم «في تجديد الاهتمام بفكرة الحضارة، وتحريك هذه الفكرة في المجال التداولي الإنساني العام، ولفت الانتباه إلى العلاقة بين الحضارات من جهة، والسياسة العالمية من جهة أخرى، ومدى إمكانية الاستناد إلى فكرة الحضارات في تحليل السياسات العالمية واستشرافها، جاعلًا من فكرة الحضارات واحدة من الأفكار الممكنة والمفيدة في هذا المجال، ومقرِّبًا العمل بمنهج التحليل الحضاري في دراسة السياسات والسياسات العالمية»[29].

هذا من جهة، ومن الأخرى حدَّد الأستاذ الميلاد ملاحظة مهمَّة حول رؤية هنتنغتون، مبيِّنًا أن «هنتنغتون بقدر ما لفت الانتباه لفكرة الحضارات وعلاقتها بالدول وبالسياسة العالمية، بقدر ما أضاف تعقيدات لا سابق لها في هذا الشأن، وأثار بعض الإشكاليات والهواجس والمخاوف على مستوى العلاقات الدولية، نتيجة الحديث المتزايد عن حروب حضارية بين الدول، وصراعات حضارية بين الحضارات، والتبشير بحرب حضارية باردة تحل مكان الحرب الباردة السابقة، وتقسيم العالم إلى مناطق ثقافية وحضارية مغلقة ومتصادمة أحيانًا»[30].

وأضاف الأستاذ الميلاد مؤكِّدًا في الوقت ذاته على أننا «نتَّفق بقدرٍ ما مع هنتنغتون على وجود صدام بين الحضارات، ولا ننفي بالمطلق وجود مثل هذا الصدام الذي حدث ويحدث في مختلف أزمنة تاريخ الحضارات، ويعدُّ أحد أنماط العلاقات بين الحضارات، ويتجاور مع أنماط أخرى مثل: التواصل والتفاعل والتعارف وغيرها. بما يعني أن الحرب أو الصدام ليس هما القاعدة أو الأصل في العلاقات بين الحضارات»[31].

وتمَّم الأستاذ الميلاد كلامه ناظرًا إلى أن «ما نختلف فيه مع هنتنغتون ونعترض عليه، أنه قدَّم تصوُّرًا مغاليًا لصدام الحضارات، مبشِّرًا ببقاء الصراعات ودوامها، واشتدادها وارتفاع وتيرتها، ودافعًا الحضارات نحو حروب باردة هي أشد خطورة من الحرب الباردة السابقة ما قبل تسعينيات القرن العشرين، وجاعلًا العالم منقسمًا على نفسه ومتصدِّعًا، ليس كما كان في السابق لأسباب وخلفيات سياسية واقتصادية وأيديولوجية، وإنما لأسباب وخلفيات أشد ترجع إلى الثقافة والحضارة والدين. وتأكيدًا لهذا المنحى الصدامي على مستوى الحضارات، حشد هنتنغتون في كتابه كمية كبيرة من المفاهيم التي تتَّصل بهذا النسق، مثل مفاهيم: الصدام الحضاراتي، الصراع الحضاراتي، الصدع الحضاراتي، الحرب الحضارية. كما وفَّر فيه مادة كبيرة أراد منها توثيق تاريخ الصدامات والصراعات والحروب بين الجماعات والدول والكيانات المتغايرة من جهة الثقافة والحضارة والدين. لذا يمكن القول: إن مفهوم صدام الحضارات عند هنتنغتون هو أشد خطورة من بين جميع القائلين بهذا المفهوم قبلًا وبعدًا»[32].

كما استعرض المؤلِّف أهم النظريات التي انبثقت كردِّ فعل أو تفاعل مع نظرية هنتنغتون ثم تساءل: «لم يكن مفهومًا على الإطلاق لماذا أغفل هنتنغتون أو تغافل الإشارة إلى نظرية حوار الحضارات، ولم يأتِ على ذكرها كلّيًّا في كتابه المستفيض الذي فاقت صفحاته خمسمائة صفحة. ولم يُبْدِ رأيًا واضحًا تجاه هذه النظرية لا توافقًا معها ولا اختلافًا، مع أنها نظرية لها شهرة واسعة في المجال الغربي، وتشترك مع نظرية صدام الحضارات في كونهما نظريتين تتَّصلان بأنماط العلاقات بين الحضارات، واحدة تتَّخذ منحى الحوار، وأخرى تتَّخذ منحى الصدام، ويتفارقان من هذه الجهة»[33].

وهذا الاستغراب نفسه طرحه صاحب كتاب حوار الثقافات الألماني هارلد موللر. أما الملاحظة المهمة جدَّا والتي فصَّلها المؤلِّف تفصيلًا، فقد عبَّر عنها قائلًا: «قدَّم هنتنغتون تصوُّرًا مرعبًا عن الإسلام سيِّئًا ومُشوَّهًا، مُصوِّرًا له بوصفه دينًا داميًا وعنيفًا، مُطلِقًا عليه عبارته الخطيرة قائلًا: «إن للإسلام حدودًا دموية»، مُكرِّسًا هذا الوصف عن الإسلام، ساعيًا لتأكيده وترسيخه، راجعًا تارة إلى وقائع مشوَّهة من التاريخ، وتارة إلى وقائع انتقائية من العصر الحديث، مُذكِّرًا بخطاب المستشرقين المعادين للإسلام دينًا وحضارةً، مقتفيًا أثرهم، مُتَلَبِّسًا روحهم، مُجدِّدًا تصوُّراتهم السيئة والمعادية. في هذا التصور ظهر هنتنغتون وكأنه يريد أن يحمل الإسلام وزر صدام الحضارات، بما في ذلك الصدام مع الغرب وحضارته، ناظرًا إلى تاريخ العلاقات بين الإسلام والمسيحية في الأزمنة القديمة، وبين الإسلام والغرب في الأزمنة الحديثة بوصفه تاريخ صراع مستمر، معتبرًا وبخلاف الكثيرين في الغرب أن مشكلة الغرب ليست مع المتطرِّفين المسلمين وإنما مع الإسلام نفسه، واصفًا العلاقات بين الإسلام والمسيحية سواء الأرثوذكسية أو الغربية أنها كانت عاصفة غالبًا، فكلاهما كان بمثابة الآخر بالنسبة إلى الآخر، مُقدِّرًا أن صراع القرن العشرين بين الديمقراطية الليبرالية والماركسية اللينينية ليس سوى ظاهرة سطحية وزائلة، إذا ما قورن بعلاقة الصراع المستمر والعميق بين الإسلام والمسيحية».[34].

وانتهى المؤلِّف متوقِّفًا عند طبيعة النقد في المجال العربي واصفًا له بالنقد التبسيطي، مُعقِّبًا بالقول: «وهذا النمط من النقد لا يقدِّم معرفة، ولا يفتح أفقًا، ولا يتَّسم بالدِّقَّة والتحقيق والموضوعية. فنظرية صدام الحضارات ليست بهذه البساطة، ولا بهذه الخفَّة والسذاجة، كما أنها -أيضًا- ليست بذلك التعقيد أو الابتكار، لكنها نظرية لها شأن في حقل دراسات الحضارة والحضارات»[35].

خامسًا: الحضارة والدين في فكر مالك بن نبي..

المقاربة الإسلامية للحضارة

اختتم المؤلِّف المفكِّر زكي الميلاد كتابه بدراسة مُعمَّقة لنظرية مالك بن نبي (1905 - 1973م)، المفكِّر الجزائري المسلم الذي قدم مقاربة إسلامية أصيلة للمسألة الحضارية تتجاوز النقل والتقليد إلى الإبداع النظري. إذ تتميَّز نظرية ابن نبي بربطها العضوي بين الدين والحضارة، واعتبار أن الفكرة الدينية هي المحرِّك الأساسي للنهضة الحضارية. وكما هو معروف فقد طوَّر ابن نبي مفهومًا شاملًا للحضارة، يُعرِّفها بأنها محصلة تفاعل ثلاثة عناصر أساسية هي: الإنسان والتراب والوقت، في إطار فكرة دينية موجَّهة. هذا التعريف يُؤكِّد على الطبيعة المتكاملة للعملية الحضارية، ودور الدين كموجِّه ومُحرِّك للطاقات البشرية.

تقوم نظرية ابن نبي على تحليل “دورة الحضارة” التي تمرُّ بثلاث مراحل هي: مرحلة الروح (الصعود)، ومرحلة العقل (الذروة)، ومرحلة الغريزة (الانحدار). هذا التحليل يُفسِّر كيف تنتقل الحضارات من مرحلة الإبداع والحيوية إلى مرحلة التقليد والجمود. كما ركَّز ابن نبي على مفهوم “القابلية للاستعمار” كعامل داخلي في انحدار الحضارة الإسلامية، إذ يرى أن الاستعمار نتيجة وليس سببًا لتراجع الحضارة الإسلامية. وهذا التشخيص يُحمِّل المسلمين مسؤولية نهضتهم بدلًا من إلقاء اللوم على العوامل الخارجية فقط.

إضافة إلى ذلك نبَّه ابن نبي بخصوص عنصر الإنسان، إلى ضرورة أن نضع أمامنا مشكلة الإنسان بأكملها، مع فهم كيف يؤثِّر الإنسان في تركيب التاريخ، وقد وجد أن الفرد يؤثِّر في المجتمع بثلاثة مؤثِّرات، بفكره أولًا، وبعمله ثانيًا، وبماله ثالثًا. وهذا يعني -بحسب تحليل ابن نبي- أن قضية الفرد دوره وفعاليته بحاجة إلى توجيه في ثلاثة أبعاد، هي: توجيه الثقافة، وتوجيه العمل، وتوجيه رأس المال.

نظرية ابن نبي والنقد العربي

في البعد النقدي انطلق المؤلَّف من عرض لبعض النُّقَّاد العرب لنظرية الحضارة عند مالك بن نبي، وتطرَّق إلى نقد غازي التوبة، وعقَّب عليه بخصوص عنصر التراب في معادلة الحضارة لمالك بن نبي، بالقول: إن هذه الملاحظة، هي من نمط الملاحظات التي تهبط بالنقاش حول نظرية ابن نبي، ولا ترتفع به، وتدفع نحو الابتعاد عن حقل الدراسات الحضارية الذي تنتمي إليه هذه النظرية وتنتسب، ولا تقترب منه، ورأى أن هذه الملاحظة تتَّسم بالاختزال والتبسيط في جانب العلاقة بين المسلم والحضارة.

وبحسب هذه الملاحظة، ما كان ينبغي الإشارة إلى عنصر التراب في نظرية ابن نبي بوصفه عنصرًا من عناصر الحضارة، يوازي ويعادل عنصر الإنسان، ويقع في خطِّه وامتداده الأفقي والعمودي؛ لأن قيمة الإنسان هي أعلى من قيمة التراب، ولا يمكن قياس قيمة الإنسان بقيمة التراب، والإنسان هو مقياس الحضارة، فلا حاجة إذًا للحديث عن التراب بهذه الدرجة من الأهمية والقيمة التي أعطاها ابن نبي في نظريته.

لا جدل ولا خلاف في أن قيمة الإنسان هي أعلى من قيمة التراب، وأن قيمة التراب هي من قيمة الإنسان، وابن نبي ليس بحاجة إلى من يذكِّره أو يُنبِّهه بهذا الأمر الواضح والثابت، لكونه من البديهيات التي لا تحتاج إلى استدلال أو برهان، والطريقة التي تحدث بها ابن نبي عن عنصري الإنسان والتراب، تكشف كمًّا ونوعًا عن المفارقة بين هذين العنصرين، وكيف أنه يقدِّم الإنسان على التراب، ويفاضل بينهما بصورة واضحة.

ومع هذه المفارقة والمفاضلة، كان لا بد لابن نبي من الإشارة إلى عنصر التراب في نظريته، العنصر الذي لا تكتمل النظرية من دونه، فلا يمكن قيام وبناء حضارة من دون ثروات وإمكانات زراعية وطبيعية وغيرها، ومن دون الاستثمار الأمثل لهذه الثروات والإمكانات، باعتبار أن الحضارة -في تصوُّر ابن نبي- ليست مجرَّد قيم وأخلاقيات ومُثُل، من دون تمدُّن وعمران وتقدُّم مادي، ومن دون تقنية وصناعة.

وأما القول: إن المعادلة الصحيحة هي إنسان متوازن يساوي حضارة، ولمَّا كان المسلم حتمًا متوازنًا تصبح صورة المعادلة إنسان مسلم يساوي حضارة، ولمَّا كان المسلم هو الإنسان الوحيد الذي يمكنه أن يحقِّق التوازن، لذا تصبح المعادلة هي: الحضارة فقط الإنسان المسلم.

هذا القول في الموازين الحضارية، لا يُمثِّل قولًا حضاريًّا على الإطلاق، ولا يُعبِّر عن مقولة حضارية أبدًا، والقصد من ذلك أنه لا يحتاج إلى نقاش حضاري، ولا يتَّصل بالمجال الحضاري حتى يُناقش من هذه الجهة. فهذا القول يتَّسم -كما أشار المؤلِّف- بالتبسيط والاختزال الشديدين، وأهم ما يعترضه وينقضه هو الحقيقة التاريخية من جهة، وصورة الواقع من جهة أخرى. وبحسب الحقيقة التاريخية، أن هناك حضارات ظهرت وعمرت وازدهرت قبل ظهور ووجود الإنسان المسلم، وهناك حضارات أيضًا ظهرت وعمرت وازدهرت بعد ظهور ووجود الإنسان المسلم. وبحسب صورة الواقع، فإن الإنسان المسلم يعيش اليوم في بيئات ومجتمعات أقل ما يقال عنها: إنها بعيدة كل البعد عن الحضارة[36].

بعدها عرض المؤلِّف ملاحظات الدكتور فهمي جدعان، وعمل على تحليلها بعمق، مشيرًا إلى مسألتي الصريح في نقده وغير الصريح، موضِّحًا ذلك قائلًا: «وعند النظر في ملاحظات الدكتور جدعان ضبطًا وتحديدًا، يمكن القول: إنها احتوت على جانب صريح، وعلى جانب آخر غير صريح. الجانب الصريح تحدَّد في اعتبار جدعان أن ابن نبي قد أسرف في الاعتماد على أفكار ومفاهيم عدد من الغربيين، في تكوين جانب مهم جدًّا من تحليلاته الحضارية. والجانب غير الصريح، تحدَّد في أن جدعان بقصد أو من دون قصد، قد سلب من ابن نبي عامل التجديد والابتكار في تحليلاته الحضارية، وذلك حين وضعه ونظريته وتحليلاته ما بين الاستلهام من الفلاسفة الغربيين، والاستلهام والتتلمذ على ابن خلدون. بشأن الجانب الصريح، لا خلاف في أن ابن نبي قد اعتمد على أفكار ومفاهيم عدد من الغربيين، لكنه في نظري -والكلام للمؤلف- لم يصل إلى حدِّ الإسراف كما صوَّر ذلك الدكتور جدعان، ومن جهته لم يُخفِ ابن نبي اعتماده على أفكار بعض الغربيين، وخاصة المفكر الألماني هرمان دي كسرلنج، مصرِّحًا في كتابه: (شروط النهضة) تارة بالاعتماد على آرائه، وتارة بالاستناد إلى أفكاره. وهذا الاعتماد والاستناد حدث في موضوع محدَّد، تعلَّق بالكشف عن أثر الفكرة الدينية في تكوين الحضارة، وأراد ابن نبي الكشف عن هذا الأثر في الحضارتين الإسلامية والمسيحية، في الحضارة الإسلامية اعتمد واستند إلى آرائه وأفكاره، وفي الحضارة المسيحية اعتمد واستند إلى آراء وأفكار كسرلنج الذي درس دور الفكرة المسيحية في تركيب الحضارة الغربية، فكانت هناك حاجة فعلية للعودة إلى هذه الآراء والأفكار والاستناد إليها، في هذا الموضوع تحديدًا»[37].

ثُمَّ عرض المؤلِّف إلى ملاحظات الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وانتهى الأستاذ الميلاد في تقويمه إلى خلاصة أشار إليها قائلًا: إن «الذي اختلف بين ابن نبي والبوطي يكاد يتحدَّد في الألفاظ والتعابير، مع التطابق أو التشابه أو التوافق في العناصر والكليات، وهذا ما لم يُصرِّح به الدكتور البوطي»[38].

بعدها ناقش الأستاذ الميلاد ملاحظات الدكتور المصري سليمان الخطيب صاحب كتاب “فلسفة الحضارة عند مالك بن نبي” وختمها بالقول: «من دون أن نصادر على الدكتور الخطيب ملاحظاته، وحقَّه في النقد والاختلاف، إلَّا أننا لا نتسالم معه في هذه الملاحظات، التي نرى فيها أنها تُغيِّر مجرى البحث والسياق، وتنقله من الحقل الحضاري إلى الحقل الديني، ومن البحث عن فكرة التقدُّم إلى البحث عن فكرة الهوية، ومن الاشتغال بقضية النهوض والتخلُّص من وضعيات التخلُّف، إلى الاشتغال بقضية ما يجب أن يباعد بيننا وبين الحضارة الغربية. وهذه الطريقة سوف تنتهي بنا إلى الانفصال عن الفكر الحضاري عند ابن نبي، باعتبار أن ابن نبي أقام بنية هذا الفكر، وشيَّده على أساس الجمع بين الخبرتين الحضاريتين الإسلامية والأوروبية»[39].

وبقيت ملاحظات ابن الجزائر الأكاديمي الدكتور عبد القادر بوعرفة، التي عرض لها في ورقة علمية حول “نقد النظرية الحضارية عند مالك بن نبي”، وتركَّزت هذه الملاحظات حول المفارقة المنهجية في التعامل مع الظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية. وفي تقويمه لهذه الملاحظات رأى الأستاذ الميلاد أنها مهمَّة من ناحية العبور نحو الحقل النقدي بدل الاستغراق في الحقل التبجيلي، مُعقِّبًا على ذلك وموضِّحًا أن ابن نبي أراد «من هذه الطريقة، الاستعانة بدليل طبيعي للبرهنة على ظاهرة إنسانية، وليس بقصد التعامل مع ظاهرة إنسانية بمنطق الظاهرة الطبيعية، والتماهي بين الظاهرتين. ولم يكن قاصدًا كذلك تطبيق قوانين الظاهرة الطبيعية على الظاهرة الإنسانية، وإنما أراد إعطاء النظرية صفة اليقين، وهي الصفة الملازمة للظاهرة الطبيعية، والمفقودة في الظاهرة الاجتماعية، ونلمس ذلك من تصوير نظريته على أنها تُمثِّل معادلة نهائية»[40].

وانتهى المطاف بملاحظات المؤلِّف ونقده لنظرية الحضارة عند مالك بن نبي، حيث سجَّل الأستاذ زكي الميلاد عدَّة نقاط قوة في نظرية ابن نبي منها: أصالتها في المقاربة الإسلامية للحضارة، وواقعيتها في تشخيص مشاكل المجتمعات المسلمة المعاصرة، ومُقدِّرًا لابن نبي محاولته تقديم رؤية نهضوية شاملة تجمع بين الأصالة والمعاصرة. ثُمَّ وقف الأستاذ الميلاد عند أربع ملاحظات دقيقة، تُشكِّل رؤية مغايرة لكل الملاحظات السابقة التي جاءت من المفكرين العرب ومن الباحثين والأكاديميين، وهذه الملاحظات هي:

أولًا: وجد المؤلِّف عدم توازن واضح في معالجة ابن نبي للعناصر الثلاثة المكوِّنة للحضارة، إذ جاء حديثه عن عنصر الإنسان موسَّعًا ومتماسكًا ومبدعًا، بينما اقتصر حديثه عن التراب والوقت على توصيفات عامَّة وسطحية من دون تقديم رؤية متكاملة لدورهما في بناء الحضارة. هذا التفاوت في العمق والشمولية يشكِّل نقصًا منهجيًّا في نظرية ابن نبي الحضارية، إذ لا يتناسب مع أهمية مشروع إعادة تكوين الحضارة الذي ظلَّ يسعى إليه.

ثانيًا: استخدم ابن نبي مصطلح “التراب” بدقَّة مقصودة لتجنُّب لبس مفهوم “المادة”، وأضاف بُعدًا حضاريًّا جديدًا لهذا المصطلح في الأدب العربي الحديث، رغم تأييد بعض الباحثين كالخطيب والبوطي لتوسيع دلالته. غير أن المؤلِّف الميلاد رأى أن هذا الاستخدام يفتقر للدقَّة البيانية والمفهومية، خصوصًا في ضوء الاستعمال القرآني الذي استعمل كلمة التراب التي وردت في خمس عشرة آية مرتبطة بخلق الإنسان، مما يجعل الدلالة القرآنية أولى بالاعتبار وفقًا لمقاييس اللغة العربية. وهذا يشير إلى وجود تباين بين التوظيف الحضاري المعاصر والأصل اللغوي القرآني للمصطلح.

ثالثًا: لاحظ المؤلِّف أن نظرية ابن نبي الحضارية اتَّسمت بصفتي الثبات والنهائية، وقد وصف ابن نبي معادلته (حضارة= إنسان + تراب + وقت) بـ”المعادلة النهائية»، واستخدم أساليب التحليل الكيميائي والرياضي لتأكيد ثباتها. وظلَّت هذه النظرية من دون أن تشهد أيَّ تطوير منذ صياغتها في أواخر الأربعينات. هذه الموثوقية الجازمة، رغم شيوعها في كتابات ابن نبي كما ظهر أيضًا في حديثه عن العناصر الأربعة للثقافة، تحوّل النظرية إلى نموذج مغلق وجامد يشبه النظريات الطبيعية، مما يضر بطبيعتها كنظرية اجتماعية تتطلَّب المرونة والتطوُّر المستمر.

رابعًا: رأى المؤلِّف أن نظرية ابن نبي الحضارية منذ خمسينات القرن العشرين وكأنها في حالة من الجمود والسكون، حيث بقيت على صورتها الأولى من دون تحوُّلات كميَّة أو كيفيَّة رغم الاهتمام الواسع بها في النطاق العربي. فقد اقتصر تعامل الباحثين والأكاديميين من تلامذته ومتابعيه على الشرح والتعريف والدفاع عنها، من دون إسهام فعلي في تطويرها أو تجديدها أو إعطائها أبعادًا جديدة. ولم يشهد تاريخ النظرية أيَّ طور تطويري مؤثِّر في مرحلة ما بعد ابن نبي، مما أدَّى إلى فقدانها عناصر الفاعلية والحركة اللازمة لاستمراريتها العلمية. هذه الظاهرة تعكس مشكلة أوسع في المجال الفكري العربي المعاصر، حيث تهيمن حالة التراجع والجمود على النظريات بشكل عام، مما يحرمها من الفرص الحيوية للتطوُّر والتجدُّد المطلوبين لبقائها علميًّا ومعرفيًّا.

سادسًا: من ناحية المنهج

تميَّز كتاب “مشكلة الحضارات” بعدَّة خصائص منهجية مُهمَّة، تجعله يُمثِّل إسهامًا متميِّزًا في مجال دراسات الحضارة. من هذه الخصائص:

أولًا: الشمولية في التناول، حيث جمع الكتاب أبرز النظريات الحضارية المعاصرة تحت مظلَّة واحدة، مما يُتيح للقارئ رؤية بانورامية للتطوُّرات النظرية في هذا المجال.

ثانيًا: التوازن في المقاربة بين الشرق والغرب من خلال إدراج نظرية مالك بن نبي إلى جانب نظريات المفكرين الغربيين، مما يُظهر إمكانية الحوار الحضاري المُثمر.

ثالثًا: الغوص النقدي الذي لا يكتفي بالعرض والوصف، بل يُقدِّم تحليلًا وتقويمًا متوازنًا لكل نظرية، مُبرزًا نقاط القوَّة والضعف وإسهامات النظرية وحدودها.

رابعًا: الوضوح المنهجي في التناول حيث يتمُّ تتبُّع البنية نفسها في دراسة كل نظرية، عرض عن صاحب النظرية والنظرية، ثم التحليل، وأخيرًا النقد والتقويم بشقَّيه الغربي والعربي.

لا مناص أن الكتاب أسهم إسهامًا مُهمًّا يقع في طريق “تعارف الحضارات” من خلال منهجه المُقارن الذي يسعى إلى الفهم بدلًا من إصدار الأحكام المسبقة. هذا المنهج يورث نضجًا فكريًّا في التعامل مع التنوُّع النظري والثقافي، ويُؤسِّس لحوار حضاري بنّاء يُثري الفهم الإنساني للمسألة الحضارية. كما أن مضامينه تبرز الحاجة إلى مقاربات جديدة للمسألة الحضارية تستفيد من إنجازات النظريات السابقة وتتجاوز محدوديتها. هذه المساهمة للمفكِّر السعودي الأستاذ زكي الميلاد تفتح آفاقًا واعدة لتطوير الدراسات الحضارية في السياق العربي والإسلامي المعاصر.

خاتمة: آفاق مستقبلية

يُمكن البناء على هذا العمل القيّم من خلال عدَّة توجُّهات:

أولًا: توسيع دائرة النظريات المدروسة، وكذا نقد كل النظريات الحضارية، لتشمل مدارس ثقافية وحضارية أخرى من آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

ثانيًا: تطوير مقاربات مقارنة أكثر تفصيلًا تُظهر نقاط التلاقي والاختلاف بين النظريات بشكل أعمق.

ثالثًا: ربط الدراسات النظرية بالتطبيقات العملية في فهم قضايا الحاضر والمستقبل.

رابعًا: تطوير نماذج نظرية جديدة تستفيد من التراث الفكري الإنساني المتنوِّع في مقاربة المسألة الحضارية.

هكذا يُمثِّل كتاب “مشكلة الحضارات” نموذجًا للدراسات الأكاديمية الرصينة التي تجمع بين العمق النظري والوضوح المنهجي والتوازن النقدي. هذه الخصائص تجعله مرجعًا أساسيًّا لكل مهتم بفهم التطوُّرات النظرية في مجال دراسات الحضارة. كما أنه يُمثِّل نقطة انطلاق مُهمَّة لتطوير مقاربات جديدة تُلبِّي حاجات العصر وتحدياته الحضارية المعقَّدة.

يبقى أن أقترح على المؤلِّف عنوان “نظريات الحضارة” بدلًا من مشكلات الحضارات والتي توحي بفكرة مشكلات الحضارة والثقافة عند مالك بن نبي، واقتراح نظريات الحضارة أراه أقرب لخريطة الكتاب كونه يُقدِّم بانوراما نظرية حول الحضارة بين الغرب والشرق إلى حدٍّ ما، حيث الموضوع يحتاج إلى توسُّع أكثر ليشمل رؤى وثقافات متعدِّدة يمكن للعالم العربي والإسلامي اكتشافها من خلال عقول مُنظِّريه.

والكتاب عمومًا بحاجة في طبعته القادمة إلى مقاربة منهجية في مقارنة النظريات الخمس من أجل تحديد القواسم المشتركة وأوجه الاختلاف والانفصال، مما يضاعف من القيمة التحليلية والنقدية الشاملة، كون النظريات ارتبطت بخمسة مفاهيم أخرى تعتبر مؤثِّرات جوهرية في الرؤى وهي: (الأخلاق، المدنية، التاريخ، السياسة، الدين)، وبحاجة لضبط مفاهيمي وقراءة فلسفية معمَّقة من شأنها تمتين البُعد المنهجي في الطرح والنقد والتجديد.

في الختام، لا بد للقرَّاء في عالمنا العربي والإسلامي سواء مفكرين أو باحثين أو علماء، الاطِّلاع على هذه الدراسة الغنية بالمراجع والأفكار والنظريات والرؤى والمناهج، وتتبُّعها بالعودة إلى المصادر التي عرضها المؤلّف أو أشار إليها، لأن موضوع الكتاب يرتبط بإستراتيجية التفكير النقدي لدى الأفراد والمجتمعات، إذ إنه فتح آفاقًا متنوِّعة لمقاربة التصوُّرات والتحدِّيات والتطلُّعات، لهذا كلِّه الكتاب جدير بالمطالعة والدرس لأنه يُثير شغف المهتم والباحث والمفكِّر في ماهية الحضارة الإنسانية.

***

مراد غريبي -  كاتب وباحث من الجزائر

.......................

[1] زكي الميلاد، مشكلة الحضارات، ص 10.

[2] زكي الميلاد، المصدر نفسه، ص 10.

[3] المصدر نفسه، ص 14.

[4] المصدر نفسه، ص 9.

[5] المصدر نفسه، ص 36.

[6] ن.م، ص 32.

[7] ن.م، ص 43.

[8] ن.م، ص 46.

[9] ن.م، ص 50.

[10] ن.م، ص 56.

[11] ن.م، ص42.

[12] ن. م، ص 65-68.

[13] المصدر نفسه، ص 66.

[14] ن.م، ص 67.

[15] ن. م، ص 68.

[16] ن. م، ص 71 - 76.

[17] ن. م، ص 81 - 84.

[18] روبن كولنجوود، ص83.

[19] ن. م، ص 84 - 90.

[20] ن.م، ص110.

[21] ن.م، ص104.

[22] ن.م، ص 138.

[23] ن.م، ص 143.

[24] ن.م، ص 145.

[25] ن.م، ص 147.

[26] ن.م، ص 202.

[27] ن.م، ص 206 - 209.

[28] ن.م، ص220.

[29] ن.م، ص221.

[30] ن.م، ص 222.

[31] ن.م، ص 222.

[32] ن.م، ص 223.

[33] ن.م، ص 226.

[34] ن.م، ص 228.

[35] ن.م، ص 231.

[36] انظر: ن. م، ص 266 - 267.

[37] ن.م، ص269.

[38] ن.م، ص 275.

[39] ن.م، ص 277.

[40] ن.م، ص 279.

كتاب نيكولا بيروجيني ونيف غوردون الموسوم بـ"عن حق الإنسان في الهيمنة" والذي ترجمه محمود محمد الحرثاني، وصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عبارة عن تفكيك لخطاب حقوق الإنسان والقانون الدولي، وفضح لتهاويه وتناقضاته، وتقويض للرؤية التي تدعي حيادهما والتزامهما بالعدالة الإنسانية.

وضح الكاتبان أن ما حفزهما على كتابة هذا الكتاب هو أن المعالجة التي ارتكزت على حقوق الإنسان لم تستطع التغلب على عدم تكافؤ القوة المادية والرمزية المؤثرة بين الاستيطان الإسرائيلي وفلسطين المحتلة، رغم توظيف حقوق الإنسان في التعبئة القانونية والسياسية، فحقوق الإنسان فشلت في تعزيز حركة التحرر الفلسطيني، وسمحت باستغلالها من قبل إسرائيل وتطويعها في سبيل تعزيز هيمنتها، ومن هنا لم تغدو سلاحا للضعيف فقط بل للقوي أيضا، الذي يشرعن من خلالها القتل والتشريد.

أخذنا الباحثان في مقدمة الكتاب إلى رحلة في العمق الأفغاني أيام الاحتلال الأمريكي، حيث فضحا ما أضمره من رغبة في السيطرة وتسويغها تحت مسمى حماية حقوق الإنسان ـ النساء خاصة ـ والتدخل الإنساني، وتحت غطاء فرض التقدم..، بل وكشفا عن الوجه الحقيقي للمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان التي قادت حملة ضد قرار أوباما القاضي بسحب القوات العسكرية..، وهو ما يدعو إلى التأمل في حقيقة ماتروج له هذه المؤسسات، ومن هنا يصبح العنف ضرورة لحماية حقوق الإنسان من العنف الذي يقوم بانتهاكها، لقد اختار المؤلفان مصطلح الهيمنة رغم تناقضها الظاهر مع مصطلح حق الإنسان، ليكشفا علاقات القهر التي تطبع علاقة الدول بهذه الحقوق، وما تتضمنه من إكراه وقوة وتسلط، ويسوغان هذا الاختيار بقولهما:"تركيزنا على الهيمنة ذو شقين، إذ لدينا اهتمام بدراسة الممارسات العنيفة المستخدمة ضد الأفراد والجماعات من أجل الهيمنة عليهم .لكننا نريد أيضا دراسة المنطق المستخدم لتبرير هذه الممارسات من خلال علاقات هيمنة مختلفة وفحص كيفية إضفاء الشرعية عليها ومنحها معنى من خلال الاسترشاد بحقوق الإنسان .بعبارة أخرى، ما العلاقة بين حقوق الإنسان والهيمنة"25.

يحاجج المؤلفان على أن العنف ليس دائما مظهرا من مظاهر الهيمنة، إذ التاريخ المناهض للاستعمار يشرعن استخدامه من أجل المقاومة والتحرر من الهيمنة الاستعمارية، من هنا يفضح هذا الكتاب التلاعبات الخطابية وازدواجية المعايير وتطويع حقوق الإنسان خدمة للإنسان الغربي عموما والأمريكي خصوصا، ويكشف كيف تسهم هذه الحقوق في إنتاج رواية معينة من التاريخ، ورغم ذلك لا ينكر الباحثان أنه مفهوم خلافي تتضارب مواقف الناس حوله، وهذا ما ناقشته حنة أرندت في كتابها أصول التوتاليتارية، هذا ويلمح الكتاب إلى ضرورة الفصل بين المنظمات الحقوقية غير الحكومية الليبيرالية التي تتبنى رؤية معتدلة لا تقصي أحدا إزاء القضايا الدولية وتسعى إلى التوصل إلى منظور عالمي، والمنظمات غير الحكومية ذات التوجه الاستيطاني أو المحافظة التي تتبنى رؤية إقصائية، إذ حقوق الإنسان عندهم هي حقوق الإنسان الغربي فقط والصهيوني، وهو ما يؤكد على النبرة العرقية التي تتخذها، يقول الكاتبان:"تصور منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية ذات التوجه الاستيطاني، الفلسطينيين باعتبارهم غزاة، وبالتالي فهم مرتكبو انتهاكات حقوق الإنسان، في حين تصور المستوطنين اليهود باعتبارهم سكانا أصليين وضحايا للاعتداءات .ومن خلال عمليات الترجمة والسرد تشكل حقوق الإنسان حدود الإنسان من طريق تحديد هوية موضوع حقوق الإنسان .وبالنسبة إلى تلك المنظمات غير الحكومية الاستيطانية فإن اليهودي الإسرائيلي هو موضوع حقوق الإنسان، أما الفلسطيني فلا.."ص57، ولو أن المنظمات الأولى تبقى رهينة سياسة الدول كذلك ولا تستطيع التحرر من سطوتها، ما يجعل حياة الفلسطينيين لا قيمة لها وفق رؤيتهم، إذ يقول المؤلفان توضيحا لهذه الرؤية: "منظمات حقوق الإنسان الليبيرالية الإسرائيلية، حين تستخدم القانون الدولي في تحليل الصراع، تحسم أمرها بالتنكير على منظمات مثل حماس وتتهمها بارتكاب جرائم حرب لاستخدام تلك المنظمات أسلحة عشوائية، في حين تبرئ إسرائيل لاستخدامها أسلحة دقيقة من الجو، ولا يهم تلك المنظمات الليبيرالية في كثير ولا قليل حقيقة قتل إسرائيل عددا من المدنيين .فالناس الذين لم تستهدفهم عمدا الدولة التي تستخدم أسلحة دقيقة، يعدون أضرارا جانبية وفقا لمنظمات حقوق الإنسان غير الحكومية الليبيرالية، في حين يعد أولئك الذين قتلتهم الأسلحة العشوائية ضحايا جرائم حرب"59

في الفصل الأول الذي عنونه الكاتبان بـ"تناقضات حقوق الإنسان"، وضع الباحثان تأسيس البيان العالمي لحقوق الإنسان في سياقه التاريخي، حيث بينا أنه ارتبط بمسألة تأسيس الدولة المزعومة /الكيان الطفيلي بدعوى حماية الأقليات اليهودية وتعويضها عن الإبادة التي تعرضت لها من قبل عدد من الدول الأوروبية، وقد أدى ذلك إلى تدمير قرى فلسطينية كثيرة، وإلى الطرد الممنهج للسكان الأصليين من أجل توطين اليهود مكانهم ، فكان التعويض عن انتهاك حقوق الإنسان اليهودي يجري من خلال استعمار استيطاني إحلالي، وهذا يعني استعمال العنف وانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، وهنا مكمن التناقض، حيث التقى خطاب الهيمنة مع خطاب حقوق الإنسان، فتمت شرعنة الاستيطان والهيمنة باستعمال الخطاب الثاني .

في الفصل الثاني المعنون بـ"تهديد حقوق الإنسان"، تحدث فيه الكاتبان عن تقرير غولدستون التابع لهيئة الأمم المتحدة، الذي واجهته إسرائيل بكثير من التهجم لأنه كشف عن حجم الخرق الذي وقع على غزة، من خلال رصد حجم الخسائر البشرية والمادية للطرفين، وإظهار خروقات حقوق الإنسان وكيف كانت أضعافا مضاعفة لدى إسرائيل من نظيرتها حماس، ومن هنا تحولت حقوق الإنسان ومنظماتها إلى خطر على المؤسسة الإسرائيلية وعلى الأمن القومي الإسرائيلي حسب مزاعمهم، بل اتهم أعضاؤها بدعم الإرهاب وأنهم يمثلون الإرهاب القانوني، بعد أن صور التقرير الإسرائيلين بأنهم المعتدون ومنتهكو هذه الحقوق، وليسوا ضحايا كما يوهمون الرأي العام، كما يتحدثان فيه عن الولاية القضائية العالمية التي تسخر القانون الدولي للتعدي على الحدود الإقليمية، من خلال ممارسات غير مشروعة كتطبيق إعدامات دون مرور على القضاء واستهداف المدنيين والتعذيب والخطف والعقاب الجماعي .. ..، يقول الكاتبان:"السؤال الذي نحتاج إلى طرحه هو كيف يمكننا إنتاج أو إعادة إنتاج تهديد حقوق الإنسان؟ بعبارة أخرى، كيف يمكن تحطيم العلاقة بين حقوق الإنسان والهيمنة بحيث تغدو لغة حقوق الإنسان واستراتيجياتها في نهاية المطاف عوامل تقويض وزعـزعة للهيمنة؟ كيف نعيد وصل نضـ/الات حقوق الإنسان المعاصرة بالموروثات التحـررية كحركة مكافحة الاستعمار ومكافحة التفرقة العنصرية ومكافحة العبودية التي منحتها العقيدة الخاصة بأنجزة المجتمع المدني؟".ص256.

في الفصل الثالث الذي ورد بعنوان "حق الإنسان في القتل"، ويعني بها الباحثان استخدام حقوق الإنسان من قبل الدولة ومنظمات حقوق الإنسان الليبيرالية والمحافظة بدعوى تمدين أنواع القتل، وإضفاء مسوغات عقلانية على فعل القتل، مع تدريس حقوق الإنسان للجيش إلزاميا في الجيش الأمريكي، حيث يتم إنتاج أخلاقيات محددة للعنف، والأمر ذاته ينطبق على الجيش الإسرائيلي، ومن هنا تمنح الدولة حماية من اتهام طريقتها في القتل على أنها تنتهك القانون الدولي، وتسوغ فعل الاغتيالات بدعوى محاربة الإرهاب، وهذا ما حصل في أفغانستان والعراق وفلسطين، فمثلا في غزة ادعى الجيش الإسرائيلي أن حماس شوهت وظيفة المنزل و أشكال الحياة فيه من خلال تحريف وظيفته التقليدية وخلق وضع استثنائي، من خلال الاختباء في المنازل وإخفاء الأسلحة لدى المدنيين، وهذا ما يجيز فعل القتل ضدهم، وكل ذلك يتم وفقا لقواعد القانون الدولي المتحيزة، حيث تصبح المنازل في غزة حسب منظورهم ليست مهمتها الإيواء وإنما إخفاء عناصر المقاومة ما يسوغ قصفهم دون تبرير أخلاقي أو قانوني.يقول المؤلفان: "الصمت الحالي في ما يتعلق بالعنف ذي التكنولوجيا الفائقة أمر أساس لفهم خصائص القانون الدولي وطبيعته ودوره في إنتاج العنف الأخلاقي .فالقانون الإنساني مبني كي يعمل لمصلحة المهيمنين، أي أولئك الذين لديهم القدرة على تعريف معايير تطبيقه وتحديدها في سياقات تاريخية وجغرافية معينة"194.

في الفصل الرابع الموسوم بـ"حق الإنسان في أن يستعمر"، يتحدثان عن عملية شرعنة الممارسات الاستعمارية الإسرائيلية من قبل منظمات غير حكومية جديدة تعمل في مجال حقوق الإنسان، اعتبارا من خطابها يتحول المستوطن إلى مواطن أصلي والمواطن الأصلي إلى غاز من خلال سردية تلفيقية، ويتلاشى الفرق بين حق الإنسان في أن يستعمر وحقه في أن يهيمن، من هنا تسهم المنظمات في قلب معنى الاستعمار، حيث يتحول إلى فعل عادل من أجل إضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم.

بناء على ذلك شجعت إسرائيل عملية الاستيطان في الضفة الغربية في الخفاء، بينما كانت تدعي ظاهرا أنها تحاول كبح جماح المستوطنين وتهدم مستوطناتهم الجديدة تزامنا مع هدم البيوت الفلسطينية، وذلك من أجل إظهارهم في موضع الضحية بسبب الهدم، ودعما لهذه السياسة التخريبية تم إنشاء منظمات حقوقية إسرائيلية كمظمة ييشا لحقوق الإنسان من قبل أوريت ستروك من أجل الدفاع عن حقوق المستوطنين في عدم الإجلاء عن مستوطناتهم في فلسطين، والوقوف ضد الممارسات العنيفة المزعومة التي يقوم بها الجيش والشرطة ضدهم، وذلك يعني إعادة تأطير المشروع الاستيطاني بتصوير المستوطن على أنه ضحية ، وتصوير السكان الأصليين الفلسطينيين على أنهم غزاة لصوص أراض لابد من طردهم تحقيقا للعدالة الاستيطانية.

في خاتمة الكتاب التي جعلها الباحثان تحت عنوان "ماذا بقي من حقوق الإنسان؟ "يسلطان الضوء على التلفيق وقلب الحقائق سواء من قبل الحكومة أو من قبل المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، إذ يتم تصوير الساكن الأصلي /الفلسطيني كجلاد، واليهودي كضحية تطهير عرقي وصاحب حق وهذا ما يصور بدقة الحق في الهيمنة المزعوم والذي يضمر إقصاء وظلما وتعتيما على الحقائق وتجريدا من الحقوق، وكل ذلك يجعل التساؤل ملحا: ما الذي تبقى من حقوق الإنسان؟ .

يدعو صاحبا الكتاب إلى تجديد خطاب حقوق الإنسان وإنقاذها من الإفقار، وتحوير دلالتها حتى تتمكن من مجابهة الهيمنة وتفكيكها، مع إعادة تعريفها بطريقة تجعل الناس يكافحون من أجل المشاريع التحررية .

***

د. غزلان هاشمي - جامعة سوق أهراس / الجزائر

تصدى المفكر رسول محمد رسول "رحمه الله" لنقد العقل من جهاته المختلف ومنها "نقد العقل التدميري". ان اثار العنف والتدمير في عصرنا الراهن من الكثافة بحيث نجد من الصعوبة بمكان التخلص منها. يحاصرنا العنف في كل جوانب حياتنا، فيحدث دمارا هائلا. لذا يعتبر نقد العقل الكامن خلف هذه الظاهرة وتفكيكها مهمة ليست باليسيرة. في هذا الكتاب يرشر لخطورة العقل التدميري فيفكك منطقه ويسفه النزعة الفطرية للعنف وبيا ضرورة التأسيس الى عقل تداولي وانسنة الدين من خلال دعوته "هيا الى الانسان".

1. مفهوم "العقل التدميري" يذهب الكاتب الى أن "العنف" اصبح يتلبس شكلا معرفيا "العنف المعقلن" الذي تتكرس فيه المواقف والافكار والرؤى العنفية عبر اجناس التعبير والتداول المختلفة، بين الذات والواقع. واذ نرى ونلمس ان دمارا هائلا يحدث من حولنا مؤسس على منطق عقلي، يكرس مواقف وأفكار ورؤى مُفكًرٌ فيها، ويتخذ شكلا معرفيا، او إيمانيا، وذلك لأننا نعيش عصرا لا يفكر الناس فيه الا بمنطق:- مطيته العقل.- وأداته العقل. (1) فمشكلة العقل البشري ترهقه الأسئلة المفروضة عليه، الموجودة في طبيعته ذاتها، وعدم قدرته على الاجابة عنها، لأنها تتخطى كليا قدرته، انه ابتلاء يحيط بالعقل. فهو مكبل بأسئلة لا فكاك منها. ففي نقد العقل؛ يعود العقل فيقوم بأشق مهامه جميعا، معرفة الذات، معرفتها لنفسها(2).  والنقد لدى المفكر رسول محمد رسول هو اشتغال معرفي تحليلي لمفهوم العقل وليس عملية اصدار حكم قيمي عليه، ولا حتى مجرد التفكيك او التحليل بل هو، فتح لإمكان المعنى، ولمسارات الدلالة فيه، ليس ضمن علاقات فكرية او ذهنية او فكرية فقط، بل وهو الأهم ذلك الأثر الواقعي والملموس احيانا الذي يبتغيه النقد عبر محاولة خلخلة اليقين الأحادي المسار والمعنى(3).

2. تفكيك المنطق التدميري: يدعو الكاتب الى التصدي بالنقد والتحليل لكل مفردات ومفاصل العقل التدميري ولمناطق اشتغاله وتكريساته وتجلياته عندما جماعات العنف سواء أكانت إسلامية ام غير إسلامية. فيذهب الى تفكيك العلاقة بين الفكر والواقع، وكيف يمكن للخطاب المتصلب ان يتجسد بممارسة واقعية شديدة الوطأة على الحياة. لذا كان لابد من نقد لمنطق التدمير، فهو منطق مطلق القيمة لأنه:⁃ يؤسس للعنف كيانه المعرفي.  ⁃ يوجه للعنف مساره التوجيهي.  ⁃ ويبرر للعنف فعله التدميري(4)  فالعقل التدميري عريق وقديم قدم الفعل البشري، مجسد بثقافة تتشكل عبر العنف والصراع والحرب، تتسرب الى مفردات الثقافة وادوات صناعتها، حتى صار الفرد منا محاط بالكم الهائل من الصور والمشاهد في السينما والتلفزيون، والمنشورات، بل وحتى الالعاب لم تسلم من العنف فتغذي مخيلة الاطفال بثقافة العنف والحرب. فهو يصنع ويعد في بيئة مخصوصة تنتج قدرة ذهنية اختزالية، ينظر فيها الى الانسان على نحو جهوي، متغافلا الكينونة الانسانية، ليكتسب بهذا الاختزال قدرته على تدمير الإنسان. فالعنف المعقلن موجه بشكل خاص لنمط معين من البشر، الى الآخر بغية:⁃ تفكيك بنية الافكار لدى الاخر.  ⁃ وتهديم ثمار العمران الإنساني. ⁃ وتمزيق كينونة الفرد. ⁃ وخلخلة أنظمة وسياقات وعلاقات الموجودات(5). هو عقل ينقض على الموجود ليفككه الى عناصره الاولية البدائية والبالية والمعطلة عن اي نشاط وفاعلية. انه توظيف فادح للعقلنة تنهش الحاضر لتجعل المستقبل هشا وخاويا من اي امل مشرق بالعيش الآمن. فبنيته التدميرية تعتمد "البطش والقسوة" وهما على وجه التخصيص النزوع الى التدمير واشتهاء السيطرة المطلقة (العدوان الخبيث)(6).

3. نقد القول بالنزعة الفطرية للعنف: ويخالف رسول محمد رسول الكثير من علماء النفس، الذين يعزون السلوك العدواني للإنسان كما يتجلى في الحروب والجريمة والصراع الشخصي البدني واللفظي والكيدي، وكل انواع السلوك السادي والتدميري بكونه ناجم عن غريزة فطرية مبرمجة حسب تتابع النشوء تسعى إلى الانطلاق وتنتظر الفرصة المناسبة لتعبر عن نفسها.  - فيوجه نقده للفكر الذي يعزو العنف الى غريزة متجذرة في الإنسان مما يعني ان الناس المرعوبين والذين يشعرون بالعجز عن تغيير مجرى حياتهم، يرتاحون عندما يعلمون ان العنف ذا منشأ طبيعي في حيواتنا. ولن يسعوا الى نقده او تغييره.- نقد العنف والعدوان والتدمير يعني تفكيك النظام القائم ومساءلة المقدمات المنطقية للخطاب وممارسته والأيديولوجيا القابعة خلفه.- وينتهي الى نتيجة مهمة تتمثل بلا معقولية النظام الاجتماعي المؤدي الى المنظومة التدميرية، ولا يذهب الى كونها نزعة فطرية تنتظر الوقت المناسب لكي تتفتح. فنقد ظاهرة العنف المنتشرة في بلادنا، يعني نقد القول بالطبيعة العدوانية للعراقيين كما يذهب البعض، وتؤدي الى كشف الكسل المعرفي والتحليلي الذي يتجنب المهام الصعبة الكامنة في تحليل العقل التدميري وتفكيكه. وهو اضافة الى ذلك لا يشغل نفسه فقط في كشف القوى الذاتية ولا الشروط الاجتماعية التي تشكل السلوك التدميري، بل ينتهج المقاربة الاجتماعية والتاريخية لكي يضع هذه النزعة على طاولة التشريح الشامل، يحلل الانسان العنيف المنقاد بتكريس الذات بكل تجلياتها، فللعقل التدميري شأن في فرض سلطته على تمثلات الذات الواقعية المختلفة. ويشمل النقد ايضا لسوء استخدام وسائل التواصل من قبل العقل التدميري. فالذات والواقع في حالة تنافذ اتصالية وتشاركية في الافكار والاشياء، خاصة مع هيمنة الشبكات، بكل انواعها على حياتنا. فهيمنة عصر الشبكات في ابعادها التنافذية والتواصلية والتشاركية، ترتكز بشكل اساسي على (التعارف) المتعدد الابعاد، في الانشاء والتلقي والتمثيل واعادة الاتصال، تستند فيها الى عقل تداولي، يستبطن طاقة تدميرية هائلة، وقدرة تفكيكية عالية (7).

 4. تخليص الاسلام من تهمة العنف: عبر ادخال مفهوم العقل التداولي الذي تنتهجه الجماعات العنفية؟ وهو يذهب الى تبني طروحات كانتية (ضرورة الخروج من قصوره الذي تسبب فيه)، واعتقاده بان المسبقات العقلية السلمية والاصلاحية هو الذي يسكن البشر، مخالفا في ذلك دعوى المفكر الفرنسي جان بوديار الذي يفترض وجود (المتخيل اللاواعي الذي يسكننا جميعا) لينبهنا سريعا الى صناعة الشخص التدميري، ولم يقل الفرد، لان هذه القدرة على التدمير ليست امكانية مركوزة لدى الانسان في طبعه المحض، بل ان العقل البشري لديه قدرة على تلقي واكتساب مبادئ وقضايا وطرق عيش تشكل بنيته العقلية وفاهمته ثم بنية كيانه النفسي وشخصيته، فهو كائن بشري مصنوع ومهيأ ومعد في بيئة مخصوصة ليكتسب القدرة على التدمير، يكتسبها من العالم المحيط به(8). فيذهب الى تعرية وكشف السياق الذي ينخرط به الانسان التدميري. ففي ضوء المعطيات الميدانية تتعامل جماعات العنف مع موجودات الحياة على نحو تداولي وعملي مما توفره الحضارة والعمران لتنقض بهذه الادوات نتاج الحضارة على العمران مسوغة ذلك ببنية مفاهيمية للعقل التدميري وجهازه المصطلحي.  لقد حاول في الفصل المنعقد "حاجتنا للعقل المدني" ان يرجع النزعة التدميرية الى سوسيولوجيا الحرب، فيجعل العقل التدميري هو نتاج العقل العسكري او الحربي، أي ان (الثقافة العسكرية) التي تسربت مفرداتها الى مجمل الصناعات الثقافية بل وحتى الالعاب فصار الفرد المتلقي (ولنتذكر التلقي قدرة عقلية)، {محاط بالكثير من المعلومات والصور المرئية المُرسلة اليه تمارس ضغوطا كثيرة على وعيه وذاكرته وفاهمته وكيانه النفسي"(9)، فانتجت نوعا آخر هي "ثقافة المقاومة"(10)، وهي ثقافة موجه للمعتدي اصلا، لكنه انصرف عنه هدفه الحقيقي. هنا ينبهنا الى مسالة خطرة في كيفية تحويل ثقافة المقاومة المتوجه للمعتدي اصلا الى "فعل المقاومة الزائف"(11)، الذي يأكل اخضر الحياة ويجلد النفس والكيان والأهل والمجتمع، ويدمر موجودات الوطن واستراتيجيات الحاضر والمستقبل معا. ثقافة المقاومة الزائفة تؤدي الى "عسكرة المجتمع"، الذي يتحول الى حق وواجب مقدس للمواطنين كافة ومبرر بعقيدة ما. فنشهد هذه الأيام دعوات لإعادة التجنيد الإجباري. هذه الثقافة تُعلي من ذهنية التمجيد، فتقود الى تمجيد النظام القائم وتحمل لواء المقاومة ضد اي محاولة للإصلاح الديموقراطي او اصلاح مؤسسات الدولة من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذه الذهنية تقوم على:

1. استعلاء أيديولوجي وتعصب عقائدي.

2 . استحواذ سلطوي.

3. مكانة اجتماعية او أدوار سياسية.

4 . نفعية فردية او جماعية. حيث يمثل كل فرد جزءا من هذا النظام، يقوم في جوهره على التبعية ويعتبرها قضية مبدأ وشرف، وحتى ان كان لا يؤيد محتوى هذه التعليمات، ما دامت تساعد في الحفاظ على النظام القائم. فتصطبغ الحياة اليومية بثقافة المقاومة في السلم كما في الحرب. فهو بمشروعه المهم في أنسنة التدين ومركزية الانسان في الفكر الحديث من خلال دعوته " هيا الى الإنسان". يوجه نقده للا معقولية النظام الاجتماعي الممهد الى النزعة التدميرية، فيؤسس لمنهج "نقد التمركز الإستعلائي" الذي يمارسه العقل التدميري.

***

د. سليم جوهر

......................

ملاحظة: الاقتباسات من كتاب (نقد العقل التدميري، رسول محمد رسول).

 

قراءة فكرية في كتاب «مفهوم الدولة» لعبد الله العروي

تمهيد: الدولة كسؤال حضاري في الفكر العربي الحديث

يشكل مفهوم الدولة أحد أعقد الإشكالات التي واجهت الفكر العربي الحديث، ليس فقط بسبب تعدد تعريفاته، بل لأن ظهوره ارتبط بلحظة تاريخية شهدت انتقال المجتمعات غير الأوروبية إلى مواجهة نموذج سياسي مكتمل نشأ خارج سياقها التاريخي. ومن هنا لم يعد سؤال الدولة سؤالاً مؤسساتياً فحسب، بل تحول إلى سؤال حضاري يتعلق بكيفية إدراك المجتمع لذاته السياسية وحدود سلطته وتنظيم علاقته بالفرد.

ينطلق عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة من هذه الإشكالية المركزية، حيث يسعى إلى تفكيك الغموض الذي يحيط بالمفهوم عبر مقاربة تاريخية-فلسفية تجمع بين التحليل المفهومي وتتبع تشكل الدولة في التجربة الغربية ومآلاتها داخل المجال العربي المعاصر. فالكتاب لا يقدم تعريفاً جاهزاً للدولة بقدر ما يحاول الكشف عن الشروط الفكرية والتاريخية التي جعلت الدولة الحديثة ممكنة الوجود.  (العروي، 2006).

ويؤكد العروي أن صعوبة تحديد مفهوم الدولة تعود إلى كونها ظاهرة متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها المقاربات القانونية والاجتماعية والفلسفية والتاريخية، الأمر الذي يجعل كل تعريف جزئياً بالضرورة، لأنه يعكس زاوية نظر محددة دون غيرها.

أولاً: نظرية الدولة الإيجابية.. الدولة كحل للتناقض الإنساني

يرى العروي أن النقاش الفلسفي حول الدولة تأسس تاريخياً على تصورين كبيرين، يعكسان رؤيتين مختلفتين لطبيعة الإنسان والمجتمع. ولتوضيح ذلك يعود إلى التراث الفلسفي منذ أفلاطون وصولاً إلى هيغل، باعتبار هؤلاء شكلوا الأساس النظري للفكر السياسي الحديث.

فالتصور الأفلاطوني للدولة يقوم على فكرة تجاوز التناقض القائم داخل الإنسان بين العقل والشهوة، حيث تُفهم الدولة باعتبارها تنظيماً أخلاقياً يهدف إلى تحقيق الانسجام بين الفضيلة والرغبة داخل الجماعة السياسية . غير أن العروي يرفض اختزال التناقض في العلاقة بين الدولة والمجتمع فقط، مؤكداً أن التوتر الحقيقي يوجد داخل الفرد نفسه، وأن الدولة ليست سوى صيغة تاريخية لمحاولة ضبط هذا التناقض الإنساني الدائم.

ومن هنا تصبح الدولة، في بعدها الإيجابي، إطاراً عقلانياً يسمح بتحويل الصراع الداخلي إلى نظام اجتماعي قابل للاستمرار، لا مجرد جهاز قمعي أو تنظيمي.

ثانياً: هيغل وإعادة تأسيس مفهوم الدولة

يمنح العروي مكانة مركزية للفلسفة الهيغلية، باعتبارها لحظة حاسمة في تطور مفهوم الدولة. فالدولة عند هيغل ليست مؤسسة خارج المجتمع، بل تجسيد للعقل التاريخي ذاته، حيث تتوحد الأخلاق والقانون والتاريخ داخل بنية سياسية واحدة.

ويؤكد هيغل أن الفرد لا يحقق حريته خارج الدولة، بل داخلها، لأن الدولة تمثل الشكل الأعلى لتنظيم الإرادة الجماعية. ولذلك فإن أي تناقض جذري بين الفرد والدولة يعني، في المنظور الهيغلي، خللاً في تحقق الدولة نفسها.

غير أن العروي لا يتبنى هذا التصور دون نقد، بل يبرز كيف أدى التجريد الهيغلي إلى تبرير الواقع السياسي القائم، وهو ما دفع ماركس لاحقاً إلى قلب المعادلة واعتبار الدولة نتاجاً للبنية الاجتماعية والاقتصادية لا تجسيداً مطلقاً للعقل.

ثالثاً: الدولة بين خدمة الفرد والسيطرة عليه

يطرح العروي هنا سؤالاً محورياً:

هل الدولة غاية في ذاتها أم وسيلة لخدمة الإنسان؟

يناقش هذا السؤال عبر ما يسميه «المقالتين» الفلسفيتين:

أولا. المقالة الأولى (الدولة الأخلاقية)

ترى أن الدولة شرعية عندما تخدم الفرد وتساعده على تحقيق غاياته الإنسانية العليا، أما الدولة التي تتجاهل الفرد فتفقد مبرر وجودها الأخلاقي.

ثانيا. المقالة الثانية (الدولة الطبيعية)

تنظر إلى الدولة باعتبارها ظاهرة ناتجة عن الاجتماع الطبيعي، أي نتيجة تطور التعاون الإنساني لتلبية الحاجات المادية والمعرفية للأفراد.

ومن خلال هذا التحليل يصل العروي إلى فكرة أساسية مفادها أن الدولة الصالحة لا تتعارض مع المجتمع، بل تتطابق مع حاجاته، لأن وظيفتها الأساسية هي خدمة الوجود الاجتماعي الطبيعي للفرد.

رابعاً: الدولة الحديثة كأداة عقلنة المجتمع

يعتبر العروي أن الدولة الحديثة ليست مجرد استمرار تاريخي للدول التقليدية، بل قطيعة نوعية معها. فهي تقوم على:

البيروقراطية العقلانية

توحيد القانون

التعليم الحديث

الاقتصاد الإنتاجي

الإدارة المركزية المنظمة

وهي عناصر تشكل مجتمعة أدوات عقلنة المجتمع وتحويله إلى بنية سياسية حديثة قائمة على النظام والفعالية والتجربة.

ولهذا يستعين العروي بنموذج ماكس فيبر القائم على المقارنة بين الدولة الإيجابية والدولة السلبية، حيث يسمح النموذج المثالي بإبراز آثار حضور المؤسسات العقلانية أو غيابها داخل التجربة التاريخية.

خامساً: المفارقة العربية — دولة بلا نظرية

يصل العروي في تحليله إلى خلاصة نقدية عميقة مفادها أن الدولة العربية المعاصرة تعيش مفارقة تاريخية؛ فهي تمتلك جهازاً سلطوياً قوياً، لكنها تفتقد الأساس النظري الذي يمنحها الشرعية التاريخية والفكرية.

فالواقع العربي يجمع بين نمطين متناقضين:

تنظيمات حديثة عقلانية،

وبنية سلطانية تقليدية في الوقت نفسه،

وهو ما أدى إلى انفصال بين الجهاز السياسي والقيمة التاريخية للدولة، وبالتالي غياب نظرية متماسكة للدولة في الفكر العربي الحديث.

خلاصة تركيبية

تكشف قراءة العروي لمفهوم الدولة أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في بناء المؤسسات بقدر ما يكمن في بناء الوعي التاريخي بالدولة. فالدولة ليست جهازاً إدارياً فقط، بل تعبير عن تحول عميق في علاقة الإنسان بالسلطة والعقل والتاريخ. ومن دون هذا التحول تظل الدولة بنية ناقصة، مهما بلغت درجة تنظيمها المؤسسي.

***

بقلم د. منير محقق.

...................

المراجع

العروي، عبد الله. (2006). مفهوم الدولة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

بقلم د. منير محقق. كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ

يمثل العلامة نوري جعفر نموذجاً فريداً للمفكر الموسوعي الذي جمع بين الدقة العلمية والاتساع المعرفي، سعى إلى تفسير الفكر الإنساني من خلال تداخل البيولوجيا والمجتمع والثقافة، تاركاً إرثاً علمياً يستحق المزيد من الدراسة والاهتمام في الفكر العربي المعاصر.

يُعدّ البروفسور الراحل نوري جعفر واحداً من أبرز أعلام الفكر التربوي والنفسي في العالم العربي، من بين العلماء الخمسة الذين أسهموا في وضع مناهج خاصة للأطفال الموهوبين.

وُلد سنة 1914م في إحدى قرى مدينة القرنة التابعة آنذاك للواء البصرة، حيث نشأ في بيئة بسيطة، إلا أنه أظهر تفوقاً مبكراً مكّنه من إكمال دراسته الأولية والإعدادية بامتياز. ألتحق بعدها بـدار المعلمين العالية، وتخرج فيها متفوقاً، ليُرشَّح ضمن بعثات وزارة المعارف إلى الولايات المتحدة.

في الولايات المتحدة، درس في معهد التربية العالي على يد كبار أساتذة التربية، في مقدمتهم جون ديوي، حيث تأثر بأفكاره التربوية الحديثة. واصل مسيرته العلمية حتى نال شهادة الدكتوراه سنة 1949م، ليعود بعدها إلى وطنه بوصفه أحد أبرز المتخصصين في مجالي التربية وعلم النفس.

لم تتوقف مسيرته العلمية عند هذا الحد، بل أفاد في دراساته اللاحقة من أبحاث كبار العلماء، مثل ليف فيغوتسكي، وأليكسي ليونتيف، وألكسندر لوريا، إضافة إلى إيفان بافلوف صاحب نظرية الارتباط الشرطي، هو ما انعكس بوضوح في منهجه الذي جمع بين الفسيولوجيا وعلم النفس والاجتماع.

أثرى نوري جعفر المكتبة العربية بأكثر من 31 مؤلفاً تنوعت بين التربية، وعلم النفس، والتاريخ، وفسيولوجيا الدماغ، والفلسفة، والفكر، والأدب، فضلاً عن عدد من المخطوطات التي لم تُنشر بعد. وقد عملت ابنته نجود نوري جعفر على جمع هذا الإرث العلمي ضمن مشروع موسوعي بعنوان الأنسكلوبيديا.

قد كتب عنه د. رشيد الخيون مشيراً إلى تميّزهُ في الربط بين مختلف مجالات المعرفة وتخصصه الأساس، إذ لم يكن يكتب في موضوع إلا ويعيده إلى جذوره النفسية والاجتماعية. من أبرز الأمثلة على ذلك كتابه الذي جمع فيه بين الجاحظ وجورج برنارد شو في سياق تحليلي فريد، حيث تناول التأثيرات النفسية والاجتماعية لكليهما، وربط بين الأدب والبيئة والثقافة.

وقد أُعدّ هذا العمل أصلًا لبحث كان من المقرر تقديمه في مؤتمر البصرة لألفية الجاحظ سنة 1983م، إلا أن ظروف الحرب آنذاك حالت دون انعقاده. مع ذلك، صدر البحث في كُتيّب صغير ضمن سلسلة "الموسوعة الصغيرة"، لكنه – كما يصفه الخيون – يحمل في مضمونه عمق ثلاثة مجلدات بما احتواه من معلومات وأفكار ومصادر غنية.

رغم هذا العطاء العلمي، وبعد التواصل مع ابنته السيدة نجود لقد اوضحت لي أن سبب وفاة د. نوري جعفر هو (مضاعفات زكام حاد، وكنا معه وحوله أنا وأخوتي لحظة وفاته .. أما قصة مقتله على يد سائق ليبي في طرابلس وهو في طريقه الى المطار، فهي كذبة انتشرت على مواقع الإنترنت وحاولت ولا زلت احاول تصحيح هذه المعلومة للجميع).

الفكر البشري بين البيولوجيا والبيئة

يُعد كتاب "الفِكر: طبيعته وتطوره" أحد أبرز الأعمال العلمية والفلسفية في دراسة طبيعة الفكر البشري وتفسير اختلافاته. استغرق د. نوري جعفر تسع سنوات من البحث والتحليل، ليقدم رؤية شاملة تربط بين الفسيولوجيا البشرية والبيئة الاجتماعية والثقافية في تشكيل الفكر.

يبدأ البحث بتأكيد أن الإنسان يولد متماثلاً في الأسس الفسيولوجية للمخ، التي تشكل القاعدة الحيوية للحياة العقلية. هذه الأسس تشمل العمليات العصبية الأساسية والقدرة على التعلم والتفكير، والتي هي مشتركة بين جميع البشر.

وفق رؤية وعلمية د. نوري جعفر، فإن أي اختلافات عقلية كبيرة أو ملموسة بين الأفراد أو الأمم لا تعود إلى الفسيولوجيا نفسها، بل إلى البيئة الاجتماعية والثقافية التي ينشأ فيها الإنسان، بما في ذلك التعليم، التقاليد، القيم، والخبرات الحياتية.

يؤكد المؤلف أن التخلف أو التفاوت الفكري لا ينبع من ضعف الذكاء الفردي، بل من نقص البيئة الداعمة أو وجود قيود اجتماعية وثقافية تحد من نمو الفكر. إذا استثنينا الأفراد الذين يولدون بنقص فسيولوجي أو يتعرضون له لاحقاً، فإن أي قصور في التفكير يُعزى إلى البيئة المحيطة. من هنا، يصبح البحث في البيئة الاجتماعية أكثر أهمية من تقييم الذكاء الفردي بمعزل عن سياقه، هو ما يمثل نقطة جوهرية في فهم تطور الفكر البشري.

اعتمد د. نوري جعفر على جمع وتحليل البيانات الفسيولوجية والنفسية وربطها بعوامل اجتماعية وثقافية متنوعة. يعتبر المؤلف أنه محاولة أولى تمهداً لأبحاث أعمق. قد أشار الراحل نوري جعفر إلى أن هذا العمل أول من نوعه باللغة العربية من حيث المعطيات الفسيولوجية الدقيقة المتعلقة بالعقل، هو ما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين في علم النفس وعلم الاجتماع العصبي في العالم العربي.

يؤكد د. جعفر في مؤلفه "أن الإنسان يولد بقدرات عقلية متساوية أساسية. لكن لاختلافات الفكرية بين الأفراد والأمم ليست فطرية بحتة، بل نتيجة تفاعل الفرد مع بيئته الاجتماعية والثقافية". فالذكاء وحده لا يفسر اختلاف الأداء الفكري، بل البيئة هي العامل الحاسم في تنمية أو تقييد التفكير. البحث يقدم منظوراً تكاملياً يجمع بين الفسيولوجيا، علم النفس، وعلم الاجتماع لفهم تطور الفكر.

أما أهمية موضوع الكتاب، فهو يفتح الباب أمام دراسات مستقبلية أعمق في علم النفس، الفلسفة، وعلم الاجتماع العصبي. ليقدّم قاعدة علمية لفهم كيف تؤثر الظروف الاجتماعية والثقافية على النمو العقلي، مما يمكن أن يحدث تحولاً في التعليم، التنمية البشرية، والسياسات الاجتماعية.

شكّل الكتاب إسهاماً رائداً في الفكر العربي العلمي، لأنه يربط بين النظرية العلمية الدقيقة والفهم الثقافي والاجتماعي. قدّم الكتاب رؤية شاملة ومتوازنة لطبيعة الفكر البشري وتطوره، مؤكّداً على أن الفكر لا يحكم عليه بمعزل عن بيئته. إن فهم الإنسان لا يكتمل إلا عندما ندرس العلاقة بين الجسد والعقل والمجتمع، هو ما يجعل هذا الموضوع نقطة انطلاق مهمة لأي دراسة مستقبلية عن الفكر البشري في العالم العربي.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

«ظلال طه حسين: خصومة مجهولة في مرايا التأويل» كتاب الدكتور مصطفى سليم، الصادر عن هيئة قصور الثقافة يضيف طبقة جديدة من الرواسب التاريخية إلى ما نعرفه عن تاريخنا الثقافي الحديث، ويفتح أمام القارئ والباحث معاً أبواباً كثيرة كانت موصدة على كنوز منسية، أو على جراح لم تندمل، أو على أصوات كانت تستحق أن تسمعها الأجيال لولا أن السلطة - أي سلطة - تملك دائماً آلياتها في الإقصاء والتهميش والنسيان.

ولسنا هنا، في هذه القراءة، بصدد الحديث عن خصومة أدبية معلنة من ذلك النمط الذي عرفناه جيداً في تاريخنا الثقافي، كتلك التي دارت رحاها بين طه حسين و مصطفى صادق الرافعي أو الشيخ محمد الخضري، فهذه خصومات حضرت في الوعي والوجدان، وملأت الدنيا وشغلت الناس، وكتبت فيها المقالات والكتب، وظلت حاضرة في الذاكرة الثقافية العربية على مر العقود. لكن الدكتور مصطفى سليم يختار لنا طريقاً آخر، يمضي بنا فيه إلى خصومة من نوع آخر، خصومة ظلت مغيبة، كامنة في ثنايا الأرشيف وفي طيات الذاكرة المنسية، تنتظر من يكتشفها وينفض غبار الزمن عنها، ويخرجها إلى النور ليراها القارئ العربي على حقيقتها، بكل ما تحمله من دلالات وإيحاءات وإسقاطات على واقعنا الثقافي الراهن.

يكشف هذا الكتيب الصغير في حجمه، الكبير في مضمونه وأبعاده - الذي يصلح أن يكون نموذجاً يحتذى به في أبحاث التاريخ الثقافي الجادة - عن خصومة من أشد الخصومات غرابة وإثارة للدهشة والتأمل، إنها خصومة الدكتور نجيب البهبيتي مع عميد الأدب العربي طه حسين، وهي خصومة تعود جذورها إلى ثلاثينيات القرن العشرين، ذلك العقد الحافل بالصراعات الفكرية والمعارك الأدبية التي شكلت ملامح حياتنا الثقافية لعقود طويلة تلت. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا ونحن نقف أمام هذه القضية هل تبقى هذه الخصومة مجرد حادثة فردية وحيدة، لا تتعدى كونها خلافاً عابراً بين أستاذ وتلميذه، أو بين شيخ وتابع له؟ أم أنها تتحول في قراءتنا لها إلى مرآة عاكسة تكشف عن طبيعة أعمق، عن علاقات القوى الخفية داخل المؤسسة الثقافية والأكاديمية المصرية والعربية، وتلقي الضوء على آليات تشكل الذاكرة والنسيان، وعلى الطريقة التي تصنع بها الأعمال وتهمش بها الأعمال الأخرى؟ هذا ما سنحاول استكشافه في هذه السطور القليلة، علنا نستخلص منها ما يعيننا على فهم تراثنا النقدي والأدبي فهماً أكثر عمقاً وموضوعية.

المظلومية الأكاديمية!

يدور جوهر الاتهام في هذه القضية - كما يعرضها الكتاب - حول قيام طه حسين، دون أن يسميه الدكتور نجيب البهبيتي صراحة في البداية، بحبس أطروحته للماجستير التي حملت عنوان «أبو تمام الطائي حياته وحياة شعره» لمدة بلغت تسع سنوات كاملة. وهنا، ينبغي لنا أن نقف طويلاً أمام هذه المسألة، وأن نتمعن في دلالاتها المختلفة، وأن نحللها من زوايا متعددة.

أولاً: إن تسع سنوات ليست فترة قصيرة في حياة باحث شاب يخطو خطواته الأولى في مضمار البحث العلمي والكتابة والإبداع. إنها عمر أكاديمي كامل يمكن أن يضيع فيه الشاب حماسه وحيويته الفكرية، بل يمكن أن تنطفئ فيه جذوة الإبداع التي كانت تتقد في نفسه، ويتحول معها من باحث واعد إلى إنسان محبط فقد الثقة في نفسه وفي المؤسسة التي ينتمي إليها. وهذه المسألة ليست هينة ولا يسيرة في حياة أي مفكر أو أديب.

ثانياً: إن حبس أطروحة بهذا الشكل، وإبقائها حبيسة الأدراج طوال هذه المدة الطويلة، ليس مجرد تأخير إداري يمكن تبريره بالروتين أو بالظروف القاهرة أو بكثرة الأعمال. كلا، إنه يتجاوز ذلك بكثير، ليكون فعلاً رمزياً بامتياز، يعبر عن ممارسة للسلطة الأكاديمية بأقسى صورها وأكثرها قسوة وإيلاماً لمن يمارس ضده. إنها سلطة القادر على منح الدرجات العلمية أو حجبها، سلطة الذي يملك مفاتيح التقدم والتأخر، سلطة من بيده الأمر والنهي في مؤسسة علمية عريقة كان لها في ذلك الوقت مكانتها وهيبتها.

ثالثاً: إن عدم تسمية الدكتور نجيب البهبيتي لطه حسين مباشرة في اتهاماته، رغم وضوح القضية في ذهنه ويقينه مما حدث، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة ومتداخلة، كل منها يحمل دلالة خاصة تحتاج منا إلى وقفة متأنية. هل هذا الامتناع عن التسمية ناتج عن خوف من سلطة رمزية كانت لا تزال مهيمنة على الساحة الثقافية والأكاديمية، وخوف من عواقب المواجهة المباشرة مع عميد له مكانته وجاهه وتلاميذه وأنصاره؟ أم هو تعبير عن اللياقة الأكاديمية التي تمنع الاتهام المباشر، وتحترم قواعد الحوار والاختلاف، وتراعي أصول النقد العلمي الرصين؟ أم هو جزء من لعبة التلميح والإشارة والانزياح البلاغي التي تعمق الغموض وتزيد من قوة التلميح، وتجعل القارئ شريكاً في اكتشاف الحقيقة واستنباطها من خلال السطور والإشارات؟

لقد كان طه حسين في تلك الفترة يمثل سلطة ثقافية وأكاديمية مزدوجة، يصعب على أي باحث شاب أن يواجهها أو يتصدى لها. فقد جمع بين المنصب الرسمي المتمثل في عمادة كلية الآداب في جامعة القاهرة، والرمزية الثقافية الواسعة التي حققها من خلال كتبه ومقالاته ومواقفه الفكرية، وفي مقدمتها كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي» الذي أحدث زلزالاً عنيفاً في الأوساط الثقافية والدينية، وكذلك كتابه الجميل «الأيام» الذي بقى علامة فارقة في تاريخ السيرة الذاتية العربية.

وهذا الموقع الفريد، وهذا الجمع بين السلطة الرسمية والسلطة الرمزية، منح طه حسين قدرة هائلة، بل مطلقة أحياناً، على تشكيل المسارات الأكاديمية والعملية للباحثين الشباب، وعلى توجيه دفة الحركة الثقافية برمتها في الاتجاه الذي يراه مناسباً. وكان الدكتور نجيب البهبيتي، الذي قدم الجامعة، حاملاً أحلامه وطموحاته وذكائه الحاد وثقافته الموسوعية، يبحث عن المعرفة والشهرة والمكانة، فإذا به يجد نفسه فجأة في مواجهة عنيفة مع هذه السلطة الصلبة، في صراع غير متكافئ، تبدو نتيجته محسومة سلفاً لصالح الطرف الأقوى.

البحث عن الحقيقة

يتبع الدكتور مصطفى سليم في كتابه هذا منهجية بحثية دقيقة تستحق منا التوقف والإشادة، فهو لا يكتفي بالاعتماد على الوثائق المكتوبة والمصادر المطبوعة، رغم أهميتها البالغة في أي بحث تاريخي، بل يتجاوز ذلك إلى آفاق أرحب وأكثر إنسانية. فقد ذهب الباحث إلى الرباط، عاصمة المملكة المغربية الشقيقة، ليقابل ابن الدكتور نجيب البهبيتي الذي يدعى عمر، والذي أكد بدوره الرواية التي كان الباحث قد توصل إليها من خلال قراءته للوثائق والمقالات.

وهذا الجمع المبدع بين البحث الأرشيفي المتعمق في المصادر القديمة والجديدة، وبين التاريخ الشفوي الذي يعتمد على مقابلة الشهود والرواة والمقربين من أصحاب القضايا، يمثل منهجية متكاملة وحديثة لكتابة التاريخ الثقافي، خاصة في مجتمعاتنا العربية التي طالما عانت وتعاني من ضعف شديد في الأرشيف المؤسسي الموثق، ومن غياب آليات الحفظ والتوثيق التي تضمن بقاء المادة العلمية للأجيال القادمة.

ولا يفوتنا هنا أن ننوه إلى اهتمام الباحث السعودي علي العميم بقضية الدكتور نجيب البهبيتي، كما يتجلى ذلك بوضوح في مقاليه المنشورين بجريدة «الشرق الأوسط» عام 2022، واللذين يحملان عنواني «وثبة البهبيتي المغربية من فوق الهوة اللبنانية البشعة» و «هل أخرج البهبيتي من جامعة القاهرة أم هو تركها؟». فهذا الاهتمام يشير بوضوح إلى أمرين بالغي الأهمية في مسيرتنا الثقافية.

الأول: هو استمرارية الاهتمام بقضايا التاريخ الثقافي العربي وعدم انقطاعها، بل وتوارثها عبر الأجيال المختلفة، فقضية بدأت في ثلاثينيات القرن العشرين لا تزال تثير الجدل والبحث والكتابة حتى يومنا هذا، وهذا دليل على حيويتها وأهميتها وثقلها في الوجدان العربي.

والثاني: هو الدور المهم والحيوي الذي يمكن أن تلعبه الصحافة الثقافية، إذا ما أحسنت القيام بدورها، في كشف الحقائق التاريخية وتقديمها للقارئ العربي، خاصة في تلك الحالات التي تتراجع فيها المؤسسات الأكاديمية والبحثية الرسمية عن أداء هذا الدور المنوط بها، أو تقصر في القيام به على الوجه الأكمل.

اتهامات بالانتحال والسرقة!

يتعدى الكتاب حدود خصومة البهبيتي مع طه حسين، ليلقي الضوء على قضية أخرى أكثر إثارة وتعقيداً، وهي اتهامات البهبيتي للدكتور ناصر الدين الأسد، ذلك العلم الكبير من أعلام الدراسات الأدبية والنقدية في العالم العربي، بانتحال كتابه المعروف والمهم «مصادر الشعر الجاهلي» من كتابين من كتب البهبيتي هما «تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري» و«أبو تمام حياته وحياة شعره». وهذه الاتهامات الخطيرة تفتح أمامنا باباً آخر من أبواب التاريخ الثقافي العربي، وهو باب الاتهامات المتبادلة بالانتحال والسرقة الأدبية بين كبار المثقفين والأدباء والنقاد، وهو باب شديد الحساسية ويحتاج إلى تناوله بحذر شديد وأمانة علمية كاملة.

لقد شهدت الساحة الثقافية العربية عبر تاريخها الطويل العديد من الاتهامات المتبادلة بالانتحال بين عدة أعلام كبار، فمن ذلك ما وجه إلى طه حسين نفسه من اتهامات بسرقة أفكار الكاتب والمفكر اللبناني فرح أنطون، إلى اتهامات أخرى طالت كتاباً ومفكرين كباراً لهم وزنهم وتأثيرهم في الحياة الفكرية العربية. وهذه الظاهرة المتكررة تستحق بلا شك دراسة جادة ومعمقة، ليس بغرض توجيه الاتهامات أو تبرئة الأعلام، ولكن بوصفها تعبيراً واضحاً عن أزمة عميقة في المنهج العلمي والنزاهة الأكاديمية والأمانة الفكرية التي عانى منها الفكر العربي في مرحلة تأسيسية مهمة وحاسمة من تاريخنا الثقافي الحديث، وهي مرحلة المخاض والولادة والتكوين.

وقد تصدى الدكتور إبراهيم حور للرد على اتهامات البهبيتي هذه في دراسة محكمة نشرها تحت عنوان «الشعر الجاهلي ومناهج بحثه بين كتابين»، وجاءت هذه الدراسة ضمن كتاب تذكاري مهم يحمل عنوان «قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدين الأسد». وهذا الرد العلمي الرصين يضعنا وجهاً لوجه أمام معضلة منهجية حقيقية، وكأنها عقدة تحتاج إلى حل كيف يمكننا أن نتحقق من صحة الاتهامات بالانتحال أو ننفيها، في ظل غياب آليات مؤسسية مستقلة ومحايدة للنظر في مثل هذه القضايا الشائكة والحساسة؟ وكيف يمكننا أن نفرق بدقة وموضوعية بين التأثر المشروع الذي لا غنى عنه لأي باحث جاد، والتقليد المبرر الذي قد يكون ضرورياً في مراحل معينة، والسرقة المحضة التي لا تتسق مع الأمانة العلمية والبحثية؟ إنها أسئلة صعبة تحتاج إلى إجابات واضحة.

طه حسين بين النور والظل!

لا يقلل كشف هذه الخصومة المغيبة، ولا ينتقص مطلقا من مكانة طه حسين العظيمة كواحد من أعمدة النهضة الثقافية العربية الحديثة، ومنارة من منارات الفكر والتنوير في عالمنا العربي. فالكبار مثل الجبال الشامخة، لهم ظلالهم الوارفة الممتدة التي يستظل بها الناس، ولهم أيضاً جوانبهم المظلمة التي لا تخلو منها أي شخصية بشرية مهما عظمت. إن النقد الموضوعي لطه حسين، الذي يهدف إلى فهم شخصيته ورؤيته ومنهجه بعمق وتجرد، لا ينفي بأي حال من الأحول إنجازاته الهائلة التي لا يمكن إنكارها في تحديث الدرس الأكاديمي العربي، ودفاعه المستميت عن حرية الفكر والتعبير، وإسهاماته الأدبية والنقدية المتنوعة التي شكلت وعي أجيال متعاقبة من المثقفين والأدباء والقراء في كل مكان.

ولكن هذه الخصومة التي يكشف عنها الكتاب تذكرنا جميعاً، وبقوة، بأن طه حسين كان في النهاية إنساناً له ما للإنسان من فضائل ورغبات وأحلام، وله أيضاً ما للإنسان من نقائص وأخطاء وهفوات، قبل أن يكون رمزاً معلماً ينظر إليه الناس بإجلال وإكبار. وكان أكاديمياً يمارس السلطة بكل أبعادها داخل مؤسسة هرمية صارمة، لها قوانينها وتقاليدها وتوازناتها المعقدة. وقد تكون ممارسته لتلك السلطة - كما تظهر لنا في قضية الدكتور نجيب البهبيتي - تعبيراً صادقاً عن ثقافة أكاديمية سائدة في ذلك الزمان، أكثر مما تكون شذوذاً فردياً أو تصرفاً شخصياً خارجاً على المألوف. إنها ثقافة المؤسسة التي كانت تمارس التوجيه والاحتواء والحجب والإقصاء وفق أعرافها المستقرة.

سلطة وإقصاء!

تكشف قضية الدكتور نجيب البهبيتي، في قراءتها المتعمقة، عن جانب مظلم وحقيقي ومؤلم من تاريخ المؤسسة الأكاديمية العربية، وهو جانب لم نعتد على رؤيته أو مناقشته بصراحة وجرأة. إنه جانب قدرتها الهائلة على الإقصاء والتهميش وإقصاء الأصوات المخالفة أو غير المرغوب فيها. فالباحث الشاب الذي جاء من بهبيت الحجارة بالغرببة ، ليقصد المركز المتألق (القاهرة) التي كانت ولا تزال منارة العلم والفكر في العالم العربي، وجد نفسه فجأة في مواجهة غير متكافئة مع سلطة المركز التي كانت تتجسد في ذلك الوقت في شخصية طه حسين وموقعه وهيبة مؤسسته. وهذه الديناميكية المعقدة، التي يمكن تسميتها بجدلية المركز والأطراف، ما تزال فاعلة ومؤثرة في حياتنا الثقافية العربية حتى يومنا هذا، وإن اختلفت أشكالها وتعددت مظاهرها.

إن حرمان الباحث من أطروحته العلمية لمدة تسع سنوات كاملة هو عملية إقصاء رمزية، بل هي حقيقية بكل المقاييس، قد تؤدي في النهاية إلى تحول مسار حياة الباحث، وقد تحول دون حصوله على المناصب الأكاديمية التي كان يطمح إليها، أو تؤخر إسهاماته العلمية لعقود من الزمن، أو تقوض ثقته بنفسه ومشروعه الفكري وتجعل منه إنساناً محبطاً أو منزوياً أو غاضباً. وفي هذا السياق المركب، يمكننا أن نقرأ قرار الدكتور نجيب البهبيتي بالخروج من جامعة القاهرة، سواء أكان ذلك إخراجاً بقرار من المسئولين، أم كان تركاً طوعياً لبيئة أصبحت غير صالحة للعطاء والإبداع، كجزء لا يتجزأ من هذه الديناميكية الإقصائية التي نتحدث عنها.

انتقائية ونسيان!

يبقى السؤال الأكبر والأهم في هذه القضية كلها: لماذا ظلت هذه الخصومة المهمة مجهولة أو مغيبة أو مطموسة طوال هذه العقود الطويلة؟ لماذا لم تصل إلى وعي الأجيال المتعاقبة من المثقفين والقراء كما وصلتهم خصومات أخرى؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في فهم طبيعة انتقائية الذاكرة الثقافية العربية، التي تميل دائماً إلى تخليد الصراعات المعلنة والمشهورة، والتي دارت فيها المعارك على صفحات الجرائد والمجلات، وترك أصحابها كتابات ومناقشات مطولة، وتغفل في المقابل الصراعات الخفية والخصومات غير المعلنة التي بقيت في الظل. كما أن هيمنة سرديات بعينها على كتابة تاريخنا الثقافي، وسيادة روايات معينة عن أعلامنا الكبار، تجعلنا في الغالب نغفل عن الجوانب الأخرى التي لا تتفق مع الصورة النمطية المثالية التي رسمناها لهؤلاء الأعلام، أو التي تظهرهم في صورة غير التي تعودنا عليها.

لقد غيب الناقد الموسوعي نجيب البهبيتي نفسه تماماً من الذاكرة الثقافية العربية، وطواه النسيان، لصالح أسماء أخرى كثيرة، وذلك رغم إسهاماته المهمة والرائدة في دراسة الشعر العربي القديم وتحقيق نصوصه، وفي معالجة قضايا المنهج التاريخي في دراسة الأدب، وهي إسهامات كان من الممكن أن تضعه في مكانة مرموقة بين كبار الباحثين. وهذا التغييب المقصود أو غير المقصود هو جزء لا يتجزأ من سياسات الذاكرة والنسيان التي تمارسها المجتمعات الإنسانية تجاه ماضيها، وتختار منها ما يتناسب مع رؤيتها للحاضر وأحلامها في المستقبل.

يأتي كتاب «ظلال طه حسين» للدكتور مصطفى سليم إذن، في هذا التوقيت بالذات، ليدفعنا جميعاً بقوة إلى إعادة قراءة تاريخنا الثقافي بعيون نقدية جديدة، تتجاوز التمجيد الأعمى أو القدح المقيت، إلى الفهم العميق والشامل لتعقيدات هذا التاريخ وتناقضاته الصارخة. إن التاريخ الثقافي لأمتنا هو حقل واسع من الصراعات والتناقضات والعلاقات المعقدة بين الأفراد والمؤسسات والأفكار، ولا يمكن اختزاله في قصص بطولة أو مظلومية فقط.

إن كشف مثل هذه الخصومات المجهولة والمغيبة، وإخراجها إلى النور، يساعدنا بلا شك على فهم أعمق وأشمل لكيفية تشكل الحقل الثقافي العربي الحديث، ويدرس بعناية ديناميكيات السلطة المعقدة داخل المؤسسات الأكاديمية، ويكشف عن آليات الإقصاء والتهميش الدقيقة التي مارستها هذه المؤسسات – وما زالت تمارسها حتى يومنا هذا بدرجات متفاوتة – ضد بعض الأصوات والاتجاهات والأفراد.

كما يذكرنا هذا الكتاب المهم بأن وراء كل «عظيم» من عظمائنا في تاريخنا الثقافي، ظلالاً كثيفة من الخصومات والمظالم والصراعات والهفوات والأخطاء، التي شكلت في النهاية السياق التاريخي الذي أنتج عظمته وأضاء نجمه. والفهم الحقيقي المتكامل لهذا التاريخ لا يكتمل إلا بالنظر إلى الظل كما ننظر إلى النور، والنظر إلى الجوانب المظلمة كما ننظر إلى الجوانب المضيئة، والنظر إلى الخصومات الخفية كما ننظر إلى التحالفات المعلنة.

في النهاية، تبقى قضية الدكتور نجيب البهبيتي مع الدكتور طه حسين ومع الدكتور ناصر الدين الأسد، عينة دالة وشاهدة على علاقات القوى المعقدة داخل الحقل الثقافي العربي، وتذكيراً صارخاً بأن كتابة التاريخ الثقافي تتطلب منا شجاعة كبيرة في كشف المستور، ونزاهة علمية عالية في تقصي الحقائق من مصادرها الأصلية، وعمقاً رصيناً في تحليل السياقات المختلفة التي أحاطت بتلك الأحداث. وهذا بالضبط ما يحتاج إليه مشروعنا الثقافي العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى: قراءة نقدية جريئة ومسئولة لماضينا تساعدنا على فهم حاضرنا بشكل أفضل، وتأسيس مستقبل أكثر عدلاً وانفتاحاً وتعددية وقبولاً للآخر.

***

د. عبد السلام فاروق

صدر مؤخرًا عن دار المدى للثقافة والفنون، كتابٌ يحمل عنوان "غيمري.. كدتُ أصبح إمامًا"، للكاتب جورج منصور، وهو عملٌ يتجاوز في بنائه السردي حدود السيرة الذاتية التقليدية ليغدو نصًا إنسانيًا غنيًا بالتجربة والمعايشة، وبالشهادة على زمكان وتحولات كبرى. ففي صفحات هذا الكتاب تتداخل الذاكرة بالحياة، وتنصهر التجربة الشخصية مع التأملات والرؤى العميقة، لتتشكل منهما معًا لوحة سردية متكاملة الأطراف، تمتد من الوطن وبلدته عنكاوا إلى مدينة موسكو المدهشة، مرورًا بعدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بما تحمله تلك الجغرافيا الواسعة من تنوع ثقافي وحضاري وعرقي.

تبدأ الحكاية من قصة صداقة نادرة، مؤلمة ومثيرة للوجدان في آن، عاشها الكاتب وما تزال حية في ضميره رغم الرحيل الأبدي لصديقه الوفي "خالد". إنها صداقة لم تخلُ من لحظات الشك والبرود والعتاب في بعض فصولها، لكنها في جوهرها العميق ظلت علاقة إنسانية استثنائية تفيض بالألم والوفاء والاعتزاز، وتشكل إحدى العتبات الوجدانية الرئيسية التي تنفتح منها صفحات السيرة على مصراعيها. ومن هذا المدخل الإنساني الخالص تبدأ رحلة الكاتب الأولى خارج الوطن، حين يغادر بجواز سفر مزور، مجازفًا بحياته في ظل نظام سياسي قمعي كان يهيمن على البلاد آنذاك، ليصل إلى موسكو ويلتحق بزمالة دراسية هناك.

ومن تلك المدينة الفسيحة تبدأ رحلة متعددة الأوجه والمنعطفات: رحلة دراسية بالدرجة الأولى، لكنها أيضًا رحلة حياتية وإنسانية بامتياز، تتشكل خلالها شخصية الكاتب من جديد عبر ما يعيشه من تجارب وعلاقات وأفكار. تمتد الرحلة من مقاعد الدراسة في قاعات الكلية إلى الحياة اليومية في الأقسام الداخلية، ومن اختلاطه بزملاء أجانب من ثقافات متباينة إلى مواجهة برد المدن السوفياتية القارس وشتائها الطويل الذي لا يرحم.

ومن نوافذ القطارات التي رافقته في أسفاره الطويلة كان الكاتب يطل على عوالم جديدة لم يألفها؛ قطارات سار فيها طويلًا عابرًا سهوبًا شاسعة وغابات ممتدة، ومحطات انتظر فيها بصبر يتأمل حركة الناس وأحوالهم، قبل أن تعبر به تلك القطارات إلى مدن وعواصم متعددة يصفها بدقة وحس تصويري بارع يجعل القارئ شبه حاضر في فضائها، متفاعلًا مع مروجها الخضراء وثلوجها المتراكمة، ومع تراثها وناسها وأزهارها وعطورها.

تتصاعد في هذه السيرة الأحداث والمواقف في نسق درامي مشوق، يكشف من خلاله الكاتب جانبًا من يوميات طالب شرقي في بيئة مختلفة كليًا، عارضًا تفاصيل حياته بواقعية صادقة خالية من الزيف أو الرتوش؛ من اندفاعه العاطفي في علاقاته المتعددة، إلى إقباله على المشروبات الروحية في محاولة للاندماج أو الهرب، وصولًا إلى ضيق موارده المادية التي كانت تدفعه أحيانًا إلى ابتكار حلول غير تقليدية. وفي الوقت ذاته يسلط الضوء على ملامح القسوة في النظام السياسي السوفياتي آنذاك، من خلال رقابة دائمة وتوجيهات حزبية صارمة تحد من حرياته الشخصية والأكاديمية.

غير أن مسار السيرة يشهد منعطفًا دراميًا حادًا حين يضطر الكاتب، بقرار حزبي لا راد له، إلى ترك كل ما بناه هناك: أحلامه الأكاديمية في إكمال الدراسات العليا، وعلاقاته الإنسانية العميقة، وصداقاته الحميمة، وحتى مقاعد الدراسة التي كانت تمثل له ملاذًا معرفيًا، ليغادر موسكو في ظروف دراماتيكية ويلتحق بحركة الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان العراق، حاملًا معه ذاكرة مثقلة بتجارب التكوين الأولى.

كُتبت هذه السيرة بلغة أنيقة عذبة وسلسة تأسر القارئ منذ السطور الأولى، بلغة لا تتكلف الزخارف البلاغية الزائدة، وإنما تنساب انسياب النهر في مجراه الطبيعي. وهي لا تقف عند حدود السيرة التقليدية بوصفها مجرد تسجيل زمني للأحداث، بل تتجاوز ذلك لتلامس أحيانًا أفق القصة القصيرة بحكاياتها المكثفة، وفي مواضع أخرى تقترب من تقنيات الرواية المتطورة من حيث تعدد الشخصيات المرسومة بعناية، والحبكة المحكمة وتشابك الأحداث وتداخلها، ودقة التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية لكنها تحمل دلالات كبرى، وحضور المكان والزمان بوضوح لافت يجعلهما عنصرين فاعلين في السرد وليس مجرد إطار جامد.

ولا يكتفي النص بسرد التجربة الشخصية بمعزل عن سياقها الأوسع، بل يقدم للقارئ أيضًا ثروة من المعلومات التاريخية الدقيقة، والجغرافية المفصلة، والحضارية الثرية، والفنية المتنوعة، فيتحول الكتاب بهذا إلى رحلة معرفية ممتعة تشبه السياحة الفكرية والثقافية في أزمنة وأمكنة متعددة.

 كما يثري الكاتب سرده باقتباسات منتقاة بعناية لعدد من المفكرين والشعراء والعظماء من مختلف الثقافات والحضارات، يوظفها بذكاء في سياق التجربة ليمنحها بعدًا فكريًا وتأمليًا أعمق، وليربط الخاص بالعام، والفردي بالكوني.

وهكذا يغدو كتاب "غيمري... كدتُ أصبح إمامًا" أكثر من مجرد سيرة شخصية؛ إنه شهادة حية على مرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ العراق والمنطقة، وتجربة إنسانية ثرية بتفاصيلها وتحولاتها، ونص أدبي متماسك يجمع بين دفء الذاكرة وجماليات السرد وعمق المعرفة، ويمنح قارئه رحلة نابضة بالصدق والحنين والاكتشاف، لا تكشف فقط عن ملامح حياة كاتبها، بل تعكس أيضًا صورة جيل كامل عاش تحولات كبرى بين الشرق والغرب، بين الأيديولوجيا والحلم، بين الانتماء والاغتراب.

 ومن الجدير بالذكر أن كان قد صدر للكاتب عام 2022 عن دار الرواق في بغداد/ كتاب (ايفين حفر في الذاكرة) وهو من ادب السيرة، يتحدث فيه الكاتب عن سيرته الذاتية ومسيرة حياته وأهم محطاتها بواقعية ومصداقية وشفافية. سيرة وثّق فيها الأحداث والوقائع، واصفًا إياهًا بدقة متناهية مما جعلها تتجسد وتستحضر أمام القارئ وكأنها تحدث اليوم وهو يشاهدها في مشهد تلفزيوني حاضر للعيان مفعم بالإحساس والعفوية. مذكرات وسيرة كتبها بأسلوب أدبي إبداعي، ترتقي فصول منها أحيانا إلى معايير الرواية، وفصول أخرى تميل الى أدب السجون، مذكرات تأخذ القارئ في رحلة حياتية مفعمة بالإنسانية والألم والمعرفة.

***

روند بولص

للمناضل سالم عبيد النعمان

سيرة خالدة: يُعد كتاب "الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد"، للمناضل سالم عبيد النعمان من المؤلفات النادرة التي تناولت تجربة الحزب بالتركيز على مرحلة إعادة التأسيس والدور الفاعل للحزب في مسار الحركة الوطنية، والمساهمات المحورية التي قام بها مؤسسه المعروف بلقب فهد (يوسف سلمان يوسف)، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. صدر الكتاب عام 2007 عن دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق، متضمناً التوثيق السياسي الذي عالج تاريخ بعض الأحزاب العراقية وتجربة بناء الحزب الشيوعي بقيادة مؤسسه فهد الذي تمكن من تحويله إلى قوة سياسية منضبطة ذات قدرة تنظيمية عالية على أسس تنظيمية وفكرية صارمة في ظل أوضاع سياسية معقدة عاشها العراق آنذاك تحت سلطة الحكم الملكي والهيمنة البريطانية.

أفاض المؤلف سالم عبيد النعمان في تقديم قراءة تاريخية تحليلية لمسيرة الحزب منذ نشأته، مع إبراز الظروف السياسية والاجتماعية التي أسهمت في ظهوره وتطوره، مستعرضاً المحطات التي مهدت لنشأته في ثلاثينيات القرن الماضي، وكيف استطاع فهد أن يعيد تنظيم الحزب ويوحد خلاياه السرية، كما سلط الضوء على طبيعة العمل السري، وأساليب النضال السياسي، والعلاقة المتناغمة بين الحزب والطبقة العاملة، إضافة إلى دور المثقفين في دعم الفكر اليساري في العراق.

بعد عودة فهد إلى العراق أواخر ثلاثينيات القرن الماضي بخبرة تنظيمية اكتسبها من احتكاكه بالحركة الشيوعية الدولية، تمكن من توحيد الحلقات الشيوعية المتفرقة وإنشاء جهاز تنظيمي هرمي واضح (لجنة مركزية – خلايا). وأفلح في تنظيم جهاز دعائي وصحفي سري ربط النضال الطبقي بالقضية الوطنية المناهضة للاستعمار. هذا المنجز أكدته الكثير من المصادر التاريخية، وبحثه الكثير من الباحثين، منهم، الباحث حنا بطاطو في كتابه: العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، مؤكداً بأن فهد قد نجح في تحويل الحزب من "حلقة فكرية محدودة" إلى تنظيم جماهيري نسبياً بين العمال والطلبة، أثمر بمأثرة كبرى عززها فهد في اكتمال بناء الحزب تنظيمياً في كونفرسه الأول سنة 1944، ومؤتمره الأول سنة 1945، أي صياغة منهاج الحزب وميثاقه الوطني واسس وقواعد تنظيمه.

خصص الكتاب مساحة واسعة لتحليل شخصية مؤسس الحزب "فهد" بوصفه قائداً استثنائياً بمرحلة حرجة للغاية، عرض المؤلف قدرات فهد وجهوده في إعادة بناء الحزب على أسس تنظيمية أسهمت في نشر الفكر الماركسي بين شرائح غير قليلة من أبناء الشعب من خلال إبراز المواقف الواضحة من القضايا الوطنية ومناهضة الاستعمار، موضحاً أن مرحلة فهد قد شكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية بإطار منهجي. اعتمد فيها الوثائق الرصينة والمشاهدات الحيّة والتحليل السياسي لمجل الأحداث، وذلك بربط مراحل تطور الحزب تنظيمياً وفكرياً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العراق في العقود الأولى من القرن الماضي.

تحولات عميقة في الكثير من مفاصل الحياة، رافقت تشكّل الدولة الحديثة تحت الحكم الملكي الضعيف الذي تأسس سنة (1921)، وتحكمت به سلطة الاستعمار البريطاني المحتمية بمعاهدة سنة 1930 التي فرضت على العراق، البلد العشائري، الاقطاعي الذي طغت عليه النزاعات المختلفة، وتحكمت فيه سلطة زعماء القبائل وفروعها. وفي المقابل، نتيجة التفاوت الطبقي، أخذت الطبقة العاملة تحتل دوراً مهماً في الصراع السياسي والاقتصادي، أدت إلى بروز تيارات أيديولوجية متعددة، كان من أهمها التيار الشيوعي الذي أخذ يتبلور تنظيمياً وفكرياً خلال الثلاثينيات، ليبلغ مرحلة إعادة البناء الحاسمة فيما بعد على يد فهد.

ارتبطت مرحلة الأربعينيات بشخصية فهد الذي نجح بأعاد بناء الحزب على اسس جديدة أشارإليها النعمان في كتابه بأن النجاح لم يكن نتاج خطاب أيديولوجي فحسب، بل ثمرة هندسة تنظيمية دقيقة، قام بها فهد مرتكزاً على مبدأ المركزية الديمقراطية، بوصفها آلية تنظيمية تجمع بين النقاش الداخلي والانضباط الخارجي، والاحتراف الثوري كما صاغه لينين والعمل السري في مواجهة الدولة السلطوية.

تبلور فكر فهد في محاور عديدة، أهمها تبني الماركسية بوصفها أداة تحليل وطني، لم يتعامل فهد مع الماركسية كنسق نظري مجرد، بل سعى إلى توطينها في السياق العراقي، عبر ربطها بمسألة الاستقلال الوطني، ومركزية القيادة التي تجلت في إصراره على الانضباط الحزبي الصارم، ما أضفى طابعاً كاريزمياً على قيادته، حيث كان يرى أن بناء التنظيم الصلب شرط سابق على التوسع الجماهيري، أي الوعي بالتنظيم قبل الجماهيرية، وهو الذي صاغ شعار: "قوّوا تنظيم حزبكم قوّوا الحركة الوطنية".

المناضل سالم عبيد النعمان كان أحد الرفاق الذين عايشوا المرحلة التأسيسية للحزب الشيوعي العراقي من الداخل وعن قرب، وبذلك تمكن من تقديم توثيق داخلي نادر بدرجة عالية من التفاصيل حول الحياة التنظيمية داخل الحزب في مرحلة حاسمة، وهي معلومات يصعب العثور عليها في مصادر أُخرى، شهادة موثقة عن العمل السري تضمنت تفاصيل دقيقة. ورفقته لفهد لم تكن مجرد علاقة زمنية، بل علاقة مشاركة في مشروع سياسي وفكري هدف إلى إعادة صياغة الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق. تعود علاقة النعمان بفهد إلى المرحلة التي أعاد فيها فهد بناء الحزب من أواخر الثلاثينيات، حيث كان الحزب، في تلك الفترة، يمرّ بمرحلة إعادة هيكلة تنظيمية. وفي ظل تصاعد المواجهة مع السلطة الملكية، واتساع النشاط بين العمال والطلبة والمثقفين، انخرط النعمان ضمن الكوادر التي عملت مباشرة مع القيادة المركزية لفهد، مما جعله قريباً من آلية صنع القرار الحزبي.

لم تكن الرفقة بينهما علاقة شخصية فحسب، بل كانت علاقة تنظيمية، نضالية تجسدت في محطات عديدة أبرزها المشاركة في الاجتماعات السرية، وتنفيذ الخطط التنظيمية والتثقيف الحزبي، وتحمّل تبعات الاعتقال والسجن بعد أن عانى قادة الحزب، ومنهم فهد وعدد من رفاقه، من المحاكمات والسجون التي بلغت ذروتها بإعدامه عام 1949.

أوضح النعمان في كتابه بأن تجربة السجن، قد عززت الروابط التنظيمية بين الرفاق في ظل تصاعد النشاط العمالي، وكشفت صلابة فهد الفكرية وقدرته على التأثير حتى في ظروف الأسر، وكرّست صورة الإعجاب بشخصية فهد بوصفه رمزاً نضالياً داخل الذاكرة الشيوعية العراقية. لقد شكّلت فترات الاعتقال محطات مفصلية في العلاقة بين القيادة والكوادر الحزبية، حيث تألق فيها فهد بقدرة المحافظة، حتى وهو في الأسر، على حضوره القيادي وإدارة شؤون الحزب من داخل السجن بروح نضالية عالية.

أظهرت بعض نصوص النعمان نزوعاً إلى ترسيخ صورة فهد والإفراط في بيان إعجابه بموهبته بوصفه المؤسس وصاحب الفضل في تحويل الحزب من تنظيم مشتت إلى قوة سياسية فاعلة. هذه الصورة، وإن استندت إلى وقائع تاريخية، إلا أنها تعكس أيضاً أثر الذاكرة الشخصية والانتماء العقائدي للمؤلف. فمن الناحية المنهجية، تمثل شهادته ويومياته مصدراً وثائقياً مهماً، كالتحيز الإيجابي في تضخيم الدور الفردي لفهد مقابل التقليل من العوامل البنيوية. ولكن رغم خضوعها لاعتبارات نقدية تتداخل فيها الذاكرة بالتاريخ، يبقى الأمر مألوفاً في كتابات المناضلين الذين يؤرخون لتجاربهم، ولا تنتقص من قيمة الكتاب، بل تضعه ضمن فئة المصادر الذاتية التي يمكن مقارنتها بوثائق أخرى تؤكد مصداقيتها.

تبيّن فصول الكتاب مدى فهم المؤلف لطبيعة الوعي النظري للصراع الطبقي، مقرون بفهم لخصوصية المجتمع العراقي الزراعي، شبه الإقطاعي. والنعمان لم يكن مجرد شاهد على مرحلة تأسيس الحزب، بل كان جزءاً من نسيجه التنظيمي والعملي، بحيث أسهمت الذاكرة النضالية في بناء سردية تاريخية أطرت التجربة النضالية ضمن سياق بطولي بكتاب يحفل بتفاصيل دقيقة من داخل التجربة الحزبية.

 وبذلك شكّلت رفقة النعمان لفهد تجربة سياسية وفكرية عميقة، تحوّلت إلى سردية توثيقية اسهمت في فهم صيرورة القيادة والعمل السري في ظل ظروف العراق الملكي، وتحليل هذه العلاقة لم يقتصر على بعدها الشخصي، بل كشف لنا عن طبيعة البناء الحزبي ودور الذاكرة النضالية في صياغة التاريخ السياسي، وأوضح الكتاب بأن العلاقة بين القيادة والكادر الوسيط كانت عنصراً حاسماً في صمود الحزب خلال مرحلة القمع.

برع النعمان في استخدام اسلوب بليغ جمع بين المعطيات التاريخية والتحليل الفكري، مما جعله مصدراً مهماً للباحثين في تاريخ الحركات السياسية العراقية، حيث تكمن أهمية هذا العمل في أنه وثق مرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ العراق السياسي، ومساهمة في فهم تطور التيارات اليسارية في المنطقة، وفتح المجال للنقاش حول دور الأحزاب العقائدية في الحياة السياسية العراقية، وتأثير التحولات الإقليمية والدولية عليه،. بهذا يمكن اعتبار الكتاب مرجعاً ذا قيمة عالية خاصة للمراحل المبكرة من تاريخ الحزب ودور فهد القيادي.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

(إسلام المجددين) لمحمد حمزة هو في الأصل حُزمة مقالات متفرقة، يجمع بينها التعبير عن مجموعة من الرؤى الساعية إلى تجديد الفكر الإسلامي، والتأسيس لمشروع يُحرر المسلم المعاصر من هيمنة القراءة الواحدة، والمؤسسة الدينية الواحدة، والفقيه الواحد!

على امتداد مقدمة وثلاثة فصول، يعرض المؤلف لخصائص ما يسميه بإسلام المجددين، ثم موقف رواد هذا التيار من النص والقيم الحديثة في ضوء مقاربة مغايرة للظاهرة الدينية.

بداية يحدد المؤلف دلالة التجديد المقصود، وبيان الفرق بينه وبين التجديد بمعناه التراثي، والذي عكسته المحاولات المتعددة التي عرفها الفكر الإسلامي في فترات تاريخية متباينة. فمدلول التجديد في تلك المحاولات قائم على التوسل بأنموذج قديم في تراث الأمة لتغيير ما هو سائد اليوم على مستوى الفكر والواقع. في حين أن التجديد الذي يدافع عنه نخبة من المفكرين، أمثال عبد المجيد الشرفي ومحمد الطالبي ومحمد أركون وغيرهم، يؤسس لتفاعل حي وخلاق بين الضمير الإسلامي ومختلف الأوضاع والمقتضيات المعرفية والاجتماعية والثقافية التي أنتجتها الحداثة، عبر مساءلات فلسفية ووجودية عميقة.

ويندرج هذا الطرح ضمن ما اعتبره الأستاذ عبده فيلالي الأنصاري تصورا للإصلاح الديني في السياق الإسلامي، ينهض كبديل للإسلام الأصولي المهيمن. فهو إسلام همه أن يكون أكثر روحانية وأقل تعلقا بالسياسة، أكثر إنسانية وأقل تشددا، أكثر انفتاحا على الآخر وأقل عنفا.

الملاحظ أن أغلب المشاريع والدراسات التي سعت لترسيخ رؤى الإسلام الجديد، صدرت بلغة أجنبية، وعن مكتبات ودور نشر أوروبية وأمريكية. والسبب في ذلك برأي المؤلف سعي المؤلفين إلى تعديل الصورة المروجة في الغرب عن المسلمين، والتي لا يبرز فيها غير الإسلام الجهادي الأصولي، من خلال التأكيد على أن الحداثة الفكرية تخترق الضمير الإسلامي كما في الغرب. ومن جهة ثانية التصدي للاستشراق عبر كشف انحيازه وهوسه بالإساءة للإسلام عن طريق حصره في تداعيات الخطاب الإيديولوجي الجهادي.

في الفصل الأول، وقبل تحديد خصائص الإسلام الجديد، يرصد المؤلف أهم مرتكزات الحداثة الفكرية التي فرضت نفسها على الساحة العربية، وفي مقدمتها تلك الرجة المعرفية التي أسهمت في الانتقال من معرفة تأملية إلى معرفة تقنية قوامها الملاحظة والتجريب، وتحقيق الفعالية والنجاعة. وهي الرَّجة التي حررت الطبيعة من بُعدها السحري، ونزعت عن التاريخ طابعه الأسطوري ليستعيد حضوره باعتباره سيرورة تحددها عوامل ملموسة.

المرتكز الثاني هو مبدأ الذاتية، وإرجاع كل معرفة إلى الذات الإنسانية، ليتحرر الإنسان من حالة الوصاية التي فرضتها حتميات بيولوجية وثقافية وتاريخية، ويستعيد عافيته وفعاليته باعتباره قطب الرحى وصانعَ تاريخه كما يقول عياض بن عاشور.

أما المرتكز الثالث الذي لا يقل أهمية فهو مفهوم الحرية، وسعي الإنسان إلى الانفلات من قيود حاضره لاكتشاف المستقبل. ويرجع هذا التحول الجذري أساسا إلى ما أفرزته الحداثة من نسبية شاملة لم تنحصر في مجال العلوم فحسب، بل شملت أيضا الفنون والأخلاق وحتى العقيدة.

اخترقت الحداثة العالم العربي والإسلامي تحت ضغط الاستعمار أولا، ثم الأنظمة السياسية التي أعقبت الحركات التحررية. ونظرا لما حملته من حقائق حول الإنسان والكون، فقد شهدت المجتمعات العربية انهيار البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية التقليدية، وانقسام التيار الإصلاحي إلى فريقين: الأول انكفأ على نفسه لإيجاد صيغة تعايش بين الماضي المثالي والأزمنة الحديثة، والثاني سعى لمراجعة التقاليد الراسخة في الحقلين الديني والسياسي.

في ظل تلك المتغيرات تبلور الخطاب الإصلاحي التجديدي، كنتاج طبيعي للتعليم الحديث، ولتفسيرات جديدة للعالم لا يهيمن عليها "الديني" إلا لماما. لكنه بقي مشدودا إلى العلاقة المتوترة بين الشرق والغرب، وصورة الآخر عن الذات المسلمة.

أما الخطاب الجديد الذي يعلنه المؤلف تحت مسمى "إسلام المجددين" فقد تبلور في سياق تاريخي مغاير؛ سياق الدول المستقلة التي ترزح تحت الاستبداد. وعاين انتكاسة التجارب القومية والاشتراكية والإسلامية، كما تابع بشكل يومي ومأساوي نفاقَ الغرب الذي عادى الحركة التحررية، ودعَّم الحركات الأصولية التي تخدم أجندته منذ فترة الحرب الباردة.

غير أن النظرة الموضوعية والمنصفة تقتضي الاعتراف بأننا أمام غرب متعدد، مما يقتضي تجاوز الحساسية المفتعلة إزاء نتاجه الفكري والمعرفي، واعتبار مكتسبات العلوم الإنسانية التي تحققت في الغرب مكتسبات كونية يجدر بنا تطبيقها على دراسة التراث الإسلامي.

أما أهم سمات المفكرين المجددين فيمكن إجمالها كالآتي:

- تخطي كل التشكيلات اللاهوتية والتشريعية والسياسية لالتقاط جوهر الإسلام والتفكير بشأنه دون حسيب أو رقيب.

- نقد وتفكيك الذهنية التقليدية، والكشف عن إمكانات الفكر الإسلامي التي حيل بينها وبين الاستجابة لمتطلبات اللحظة التاريخية الراهنة.

- تقديم خطاب بعيد عن الرقابة الذاتية، ومبشر بوضع جديد تسوده الحرية والمسؤولية، وحقوق الإنسان.

- الدفاع عن الحق في الاختلاف وحرية التفكير خارج القوالب المعهودة، لكون الجهد الإنساني يتسم في نهاية المطاف بالنسبية والمحدودية.

إنه مشروع لا يروم التنكر للتراث وإنما بيان عجز أطره ومؤسساته التقليدية عن تفهم وضع المسلم المعاصر، وتيسير أسباب الطمأنينة الروحية له. ولتأكيد مصداقيته فهو حريص على اجتناب أمرين: الانخراط في المشاريع الإيديولوجية، وقراءة نصوص التراث بالوكالة. فهو مشروع لا يسعى للقطيعة مع الدين، بل للقطيعة مع إسلام الفقهاء والمؤسسة الدينية.

 في الفصل الثاني يتناول المؤلف نماذج من القضايا التي تصدى لها مفكرو الإسلام الجديد، وسعوا من خلالها لإرساء معالم مشروع تأويلي، يستعين بمنتجات العقل الإنساني في دراسة الظاهرة الدينية. وجرى التركيز خلال هذا الفصل على ثلاثة أبعاد أساسية: النص، والمعنى، والحقيقة.

يهم البعد الأول مراجعة النظرية التي شيدها الأصوليون حول النص(القرآن)، والمرتبطة بتوسيع مجاله ليشمل نصوص السنة النبوية كذلك، ثم تسييج حدوده بقراءات موجِّهة ومحرِّفة لمقاصده. وفي هذا الصدد انبرى عدد من المجددين لإجراء نقد تاريخي حول كيفية تشكل النص، ومسألة القراءات، وإحياء النصوص الهامشية التي استبعدتها المؤسسة الدينية للإبقاء على المقالة "الرسمية"، والفهم الواحد والوحيد.

أما في البعد الثاني فيتصدى المجددون لواحدية المعنى والتأويل اللذين تتبناهما القراءة التقليدية للنصوص المقدسة. فالقراءة المجددة تؤمن بتنسيب الحقيقة ومرونتها كلما ازدادت درجة وعي الإنسان، وذلك من منطلق أن إنتاج المعنى ومعرفة العالم هما مسؤولية الإنسان وحده.

في حين يهم البعد الثالث تحرير مسألة الحقيقة من طابعها المتعالي الذي دافعت عنه القراءة التقليدية، في مقابل منظور حديث يؤمن بأن الحقيقة لا تستعصي على الإنسان، وأن الدفاع عن تاريخِيَتها يتيح النظر إليها من زوايا متعددة، تمتلك كل منها نصيبا من النفوذ والفاعلية والهيمنة.

وفي الفصل الثالث يعرض المؤلف لموقف المجددين من القيم الحديثة، خاصة تلك المتصلة بحرية التفكير وحرية المعتقد. وهي القيم التي أصبحت اليوم من مكونات الضمير الحديث، واكتست بعدا كونيا نتيجة الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم.

هذه القيم التي اخترقت منظوماتنا التقليدية لم يعد بإمكاننا قبول الدعوة لتبنيها بشكل جزئي ومحتشم، بل نحن بحاجة إلى بحث تشريحي عميق وفاحص، حتى يتيسر انخراط المسلم المعاصر في حداثة حقيقية تتيح له مساءلة ذاته ووجوده، وتنظيم شؤون حياته.

هي إذن رؤية تقطع مع خطاب تبجيل الذات، لتضعنا أمام مسؤولية المخاطر الحديثة للمعرفة العلمية، وسبل مواجهتها بوعي ونضج كافيين، إيمانا بأن المعرفة البشرية ليست معطى جامدا، وإنما هي إبداع مستمر ومتناغم مع حركة التاريخ.

ينتمي محمد حمزة إلى جيل من الأكاديميين التونسيين الذين يعنون بتجديد القراءة الفكرية للتراث الإسلامي وقضاياه. ومن أهم إسهاماته في هذا المجال: السنة النبوية: إشكالية التدوين والتشريع (1996). وأفق التأويل في الفكر الإسلامي (2011). إلى جانب دراسات عديدة أشهرها: فضائل الصحابة بين المتخيل والواقع التاريخي.

***

حميد بن خيبش

تضمن المجلد الثاني (208) من موسوعة الموسم الهولندية كتاب في غاية الأهمية بعنوان: محاضرات في الأديان والمذاهب للدكتور إبراهيم العاتي، تناول فيه الأديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والإسلام) بشكل دقيق ومفصل، وقدم دراسة علمية منهجية للأديان التوحيدية المختلفة والمذاهب الفكرية مسترشداً بنهج العلماء القدامى: (اهتم علماء المسلمين القدامى بدراسة الأديان والمذاهب اهتماماً كبيراً، حتى نشأ علم خاص بهذا الشأن يمكن أن نسميه علم الملل والنحل أو علم مقارنة الأديان)، العاتي: ص312. فدراسة الأديان والمذاهب والتمعن بمقاربات موضوعية فيما بينها يمثل جسراً معرفياً يربط بين الثقافات والتجارب الإنسانية المختلفة، وتسهم في تنمية التفكير النقدي وبناء فهم أعمق للتنوع الفكري والديني، مع الحفاظ على الموضوعية والاحترام المتبادل بين المعتقدات. لذلك تُعدّ دراسة الأديان والمذاهب من المجالات المعرفية المهمة في العلوم الإنسانية لما لها من دور بارز في تعميق الفهم المتبادل بين الثقافات، وإثراء البحث العلمي في قضايا الفكر والاعتقاد.

جعل العاتي بحثاً مفصلاً لكل ديانة، بإطار المنهج العلمي الموضوعي، موضحاً فيه المبادىء الأساسية لكل عقيدة والتشريعات المتعلقة بها. خصص الباب الأول بفصوله الخمسة للديانة اليهودية، وأفاض في تقديم سياحة تاريخية بما تقتضيه الضرورة بالعودة إلى الجذور الأولى في التقاليد العبرانية القديمة، وتتبع تطوّرها عبر المراحل المختلفة التي مرّت بها الجماعة الإسرائيلية، بدءاً من العصور التأسيسية المرتبطة بالآباء الأوائل، مروراً بمرحلة التشكّل الديني والتشريعي، ثم العصور التي شهدت تحولات كبرى نتيجة التفاعلات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة. وقد أسهمت هذه التحولات في صياغة البنية الفكرية والطقسية لليهودية، وفي بلورة نصوصها المقدسة وتقاليدها الدينية.

وفي إطار السرد التاريخي تطرق العاتي إلى عقيدة بني إسرائيل كما صورها القرآن الكريم، لأنها إحدى أبرز الديانات التي تناولها القرآن الكريم بالذكر والتحليل في سياق عرضه لتاريخ الرسالات الإلهية ومسار الهداية الربانية للبشر. فقد ورد الحديث عن بني إسرائيل وأنبيائهم وكتبهم في مواضع متعددة من القرآن، ضمن إطار تاريخي وتربوي يهدف إلى بيان سنن الله في الأمم، وإبراز مسيرة الوحي الإلهي عبر العصور. ومن هذا المنطلق، يكتسب تناول الديانة اليهودية في ضوء القرآن الكريم أهمية خاصة في الدراسات الدينية المقارنة، لما يقدمه النص القرآني من رؤية عقدية وتاريخية تتصل بنشأة هذه الديانة وتطورها. وتطرق العاتي بوضوح إلى الفرق اليهودية العديدة مع الإشارة إلى أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما، مع بيان واضح لكل مصادر الفكر اليهودي.

تناول العاتي الديانة المسيحية في الباب الثاني، كدين إلهي، مبيناً بأن النصرانية هي الاسم الأصلي، والنصارى هم  أُمة المسيح عيسى ابن مريم، وهي إحدى الديانات التوحيدية التي نشأت في سياقٍ تاريخي وثقافي معقّد في القرن الأول الميلادي ضمن البيئة اليهودية في فلسطين. ترتكز هذه الديانة في جوهرها على رسالة يسوع المسيح، الذي يُنظر إليه في العقيدة المسيحية بوصفه المخلّص وابن الله الأزلي، حيث دعا إلى تجديد العلاقة بين الإنسان والله عبر الإيمان والمحبة والرحمة.

تشكّلت البدايات الأولى للديانة المسيحية في إطار الحركة الإصلاحية داخل الديانة اليهودية، بعد أن استحالت إلى ديانة مادية متطرفة بسبب الكهنة، حيث ظهر يسوع المسيح في بيئة دينية وبشّر بتعاليم روحية وأخلاقية ركّزت على نقاء القلب، والغفران، والإخلاص لله. فاجتمع حوله عدد كبير من الأتباع وأخذت شهرته تتسع واستطاع أن ينفذ للقلوب، غير أن دعوته سرعان ما أثارت جدلاً واسعاً بين القيادات الدينية والسياسية في عصره، وانتهت بصلب الذي شُبه به حسب ما جاء به القرآن الكريم، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ...)، سورة النساء: الآية 157.

بعد حادثة الصلب المفصلية، أخذ أتباع المسيح الأوائل بنشر تعاليمه في أرجاء مختلفة من العالم، كان شاؤول بولس له الدور المحوري في نقل الرسالة المسيحية من إطارها اليهودي الضيق إلى فضاءٍ أوسع شمل الشعوب غير اليهودية، مما أسهم في تحوّل المسيحية من حركة دينية محلية إلى ديانة عالمية آخذة في الانتشار(لا نضيف جديداً لو قلنا أن بولس هو المؤسس الحقيقي للديانة المسيحية وقد طور فكرة المسيح من الناحية اللاهوتية والناحية الإنسانية وجعلها تتناسب مع فكرة الانقاذ القديمة) العاتي: ص 402. ومع مرور القرون الأولى، تطوّرت البنية الفكرية واللاهوتية للمسيحية عبر النقاشات العقائدية والمجامع الكنسية، وأخذت تتبلور كمؤسسة دينية وثقافية ذات تأثير عميق في تاريخ الحضارة الإنسانية.

 وأوضح العاتي بأن فرق المسيحية الرئيسية الموجودة حالياً إنما هي متفرعة من جذور قديمة باستثناء حركة الإصلاح التي قادها مارتن لوثر في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. نشأت هذه الفرق بسبب الاختلاف العقائدي، ينقسم المسيحيون في الاعتقاد بطبيعة المسيح إلى أربع طوائف: مذهب النسطوريين، مذهب الكنائس الشرقية (الأرثوذكس)، والكاثوليك، وحركة الإصلاح الديني.

تناول الباب الثالث بفصوله الأربعة الديانة الإسلامية بكل أبعادها باعتبارها إحدى الديانات التوحيدية في تاريخ الإنسانية، التي نشأت في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي مع بعثة النبي محمد بن عبد الله (ص)، الذي يُعدّ في العقيدة الإسلامية خاتم الأنبياء والمرسلين. لقد بُني هذا الدين على منظومة عقدية وتشريعية وأخلاقية، تقوم على مبدأ التوحيد الخالص لله، وعلى جملة من القيم التي تنظّم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع.

أكد العاتي في الفصل الأول حالة الأديان والمجتمعات قبل ظهور الديانة الإسلامية، موضحاً بأن الديانة المسيحية قد اكتست الطابع الدنيوي وابتعدت عن الطابع الروحي الذي بشر به المسيح، فضلاً عن التغيير والتبديل الذي مس جوهر العقيدة المسيحية ونقلها من التوحيد إلى التثليث، بالإضافة إلى ما أصاب الجزيرة العربية من تمزق وتناحر قبلي وغيرها من الأمور التي مهدت لبزوغ فجر الإسلام. وتوسع بالفصل الثاني بمفهوم الإمامة والخلاف الدائر حولها وصولاً إلى خلافة الإمام علي ابن أبي طالب التي لم تستمر طويلاً بسبب الاشكالات التي حصلت مع معاوية بن أبي سفيان والخوارج.

خصص العاتي الفصل الثالث إلى فهم مصطلح التشيع وظروف نشأته، وأهم فرق الشيعة والفرق الأُخرى، كالجبرية والقدرية والمرجئة والمعتزلة. أما الفصل الرابع تناول فيه فرق أهل السنة الفقهية ونشأة المذهب العقائدي السني الذي أصبح المذهب العقائدي الرسمي لكثير من الدول على ضوء ما جاء به الحسن الأشعري الذي يرجع نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري.

أسهم قيام الدولة الإسلامية، وتطور مؤسسات الحكم في العصور اللاحقة مثل الخلافة الأموية والعباسية وما تلاها، في ترسيخ حضور الإسلام بوصفه ديناً وحضارةً في آنٍ واحد. كما شهدت الحضارة الإسلامية ازدهاراً علمياً وفكرياً ملحوظاً في مجالات الفلسفة والطب والرياضيات والفلك والعلوم الإنسانية، ما جعلها إحدى الركائز الأساسية في تشكيل التراث العلمي العالمي.

واليوم يمثل الإسلام ديناً عالمياً يعتنقه ما يزيد على مليار ونصف المليار إنسان موزعين على مختلف القارات والثقافات، أصبح حضوره جزءاً مهماً في عالم النقاشات الفكرية والسياسية والثقافية المعاصرة، سواء فيما يتعلق بقضايا الهوية والتحديث أو بعلاقته بالنظم الاجتماعية والسياسية الحديثة. وفي هذا السياق، تتباين الرؤى حول كيفية فهم النصوص الدينية وتطبيقها في واقع متغير، الأمر الذي أفضى إلى تنوع المدارس الفكرية والاجتهادات داخل العالم الإسلامي. ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم الإسلام لا باعتباره مجرد عقيدة دينية فحسب، بل كإطار حضاري وثقافي أسهم في تشكيل مسارات واسعة من تاريخ الإنسانية.

تنبع أهمية دراسة الأديان الموحدة من كونها تسهم في تحليل البنى الفكرية والنصوص المؤسسة لهذه الديانات، واستجلاء أوجه الاتفاق والاختلاف بينها في قضايا العقيدة والتشريع والأخلاق. كما تساعد المقاربة العلمية الرصينة على تعزيز الحوار بين الأديان. والبحث في الأديان التوحيدية لا يقتصر على البعد المعرفي فحسب، بل يمتد ليؤدي دوراً حضارياً في بناء جسور التواصل الفكري والثقافي بين المجتمعات المختلفة. وبالتالي تسمح بدراسة المفاهيم المشتركة مثل الوحي، والنبوة، والخلاص، والشريعة، كما تتيح تحليل كيفية تشكّل هذه المفاهيم ضمن سياقات تاريخية وثقافية متباينة تُسهم في توسيع آفاق الفهم المتبادل بين التقاليد الدينية المختلفة.

وعليه، فإن المقاربة النقدية بين الأديان التوحيدية لا تهدف إلى التقليل من قيمتها الروحية أو تقويض بنيتها الإيمانية، بقدر ما تسعى إلى فهمها بوصفها تجارب دينية تاريخية. ومن خلال هذا الفهم يمكن إبراز أبعادها المشتركة من جهة، واستجلاء خصوصياتها العقدية والتاريخية من جهة أخرى، بما يفتح المجال أمام قراءة أكثر عمقاً للتجربة الدينية الإنسانية ولإمكانات الحوار الفكري بين التقاليد الدينية المختلفة.

تتجلّى أهمية المقاربة في توسيع الأفق المعرفي وتتيح فرصة الاطلاع على منظومات فكرية وروحية متنوّعة، تسهم في إنتاج معرفة رصينة تقوم على الدقة وتنمية الوعي بتاريخ الأفكار الإنسانية وتطوّرها، وتساعد على إدراك أوجه التشابه والاختلاف بين المعتقدات، وفهم ظروف السياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها. وتعزز الحوار والتفاهم بين المجتمعات من خلال الفهم العميق لمعتقدات الآخرين وتصوراتهم، وتقلل من سوء الفهم والصراعات الفكرية، بل تفتح المجال لحوار حضاري قائم على الاحترام المتبادل

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

 

موقع الدين في المجتمعات ما بعد العلمانية.. قراءة في كتاب يورغن هابرماس "تحديات الديمقراطية ما بين المذهب الطبيعي والدين"

الملخص: يطرح كتاب "تحديات الديمقراطية ما بين المذهب الطبيعي والدين " ليورقن هابرماس، المآزق التي تعاني منها الديمقراطيات الغربية من ذلك عجز الأنظمة الليبرالية عن تحقيق سعادة الإنسان ولذلك دعا هابرماس إلى ضرورة الوعي" بما هو مفقود " هذا الوعي سيحيل حتما، حسب الكاتب، إلى ضرورة الانفتاح على الدين بآعتبار قدرته على توفير هذا المفقود، لأنه ينظر إلى الإنسان في كليته وهو قادر بحكم القيم التي يحملها على تلبية حاجياته الروحية والمادية لذلك يرى الكاتب ضرورة انفتاح الأنظمة الليبرالية العلمانية على الأديان وفتح الفضاء العمومي لها حتى تصبح شركاء في بناء مستقبل مشترك للإنسانية، إلا أنه يشترط أن يكون هذا الانفتاح محكوما بضوابط عقلانية، إن الأمر يقتضي تقديم تنازلات متبادلة من الملحدين ومن المؤمنين حيث يتاح لكل منهما أن يطرح قناعاته دون أن يزعم أنها قناعات معصومة سواء كان مصدرها الإله أو الأغلبية البرلمانية.

المقدمة:

لقد هيمن فلاسفة العدمية واللاعقلانية والفوضوية أو ما كانوا يدعون أيضا بفلاسفة ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية أو فلاسفة التفكيك من أمثال ميشال فوكو ودريدا وجيل دولوز وفرنسوا ليوتار على الساحة الثقافية الفرنسية على اِمتداد أكثر من عقدين من اُلزمن تميّزوا خلالها بنقدهم اللاذع ومهاجمتهم الشرسة لأسس الحضارة الأروبية كالديمقراطية وحقوق الإنسان التي كانوا يرون أنها قد جلبت إلى الإنسانية المصائب والويلات مذكرين بالحربين العالميتين وبالقنبلة الذرية وبالأسلحة الكيمياوية، أما على الصعيد الفلسفي والفكري فقد اِنتقدوا النزعة المركزية الغربية والفلسفة الإنسية لاُحتقارها للحضارات والثقافات الأخرى، كما كانوا يرون في التطور العلمي والتقني نوعا من الهيمنة الاِستبدادية للعقل المفضية إلى فرض السيطرة والِاستغلال اللذين اِرتبطا بالعلم والمعرفة وتوظيفاتهما. لهؤلاء الحق في نقطة واحدة وهي أن التقدم العلمي والتكنولوجي إلى ما لانهاية قد أصبح غاية في حدّ ذاته بدلا من أن يكون وسيلة لخدمة الإنسان وإسعاده

لقد أصبح عبارة عن حركة جهنمية متسارعة لا تستطيع أن تقف عند حدّ بل أصبح الإنسان ذاته مجرّد رقم في مسار العلم والتقدّم والحضارة...لكن لا ينبغي أن يتطرف دعاة ما بعد الحداثة في اِنتقادهم

و يمسحون بجرّة قلم مكتسبات الحداثة والعقلانية. إنّه موقف مراهق ولامسؤول. لمواجهة هذا التيّار العدميّ الذي يستلهم التراث النيتشويّ اِنبرى هابرماس إلى التصدّي له وإلى كشف زيف اِدّعاءاته وفي معقله في "الكوليج دو فرانس" يلقي الفيلسوف الألماني درسا موضوعه "الخطاب الفلسفي للحداثة" شنّ فيه هجوما شديدا على نيتشه أثار حفيظة ميشال فوكو الذي اِعتبر أنّه مستهدف شخصيا1. اِنتصر هابرماس في تلك الفترة للعقلانية التي اِخترقت كلّ قطاعات المجتمع من أقصاها إلى أقصاها ـأي قطاع الإقتصاد والعلاقات الاِجتماعيّة وتأويل التراث وقطاع العلم والتكنولوجيا والتقنية. ففي الوقت الذي كان فيه فوكو ينتقد الحداثة ولا يرى فيها إلاّ الجوانب السّلبيّة راح هابرماس يشدّد على الجوانب الإيجابية ويرى أنّه لا ينبغي أن نخرج من الحداثة بل أن نسير فيها ونكمل مشروعها الذي لم يكتمل إلى حدّ الاُن2 انّ الخلفيّة الفكريّة التي تقود هابرماس في تقييمه لمسار الحداثة والعلمنة تنبني على ضرورة الإستخدام النقدي للعقل فهو بالنسبة إليه أهمّ إنجاز أورثه إيّاه كانط.لأنّ هذا الإستخدام النقديّ هو الذي يحمي العقل من الوقوع في فخّ التصلّب والتشنّج والدوغمائيّة. فالعقل بحسب المفهوم الكانطي يقوم بعودة نقدّية على مساره وعلى منجزاته السّابقة باِستمرار بل يتوجّب عليه فعل ذلك حتّى يصحّح الأخطاء التي تكون قد وقعت أثناء المسار السّابق فعن طريق هذه العودة النقديّة يحصل التقدّم3.

ذاك هوالبراديغم الذي اِعتمده هابرماس في تأليف كتابه " تحديات الديمقراطية ما بين المذهب الطبيعي والدين " وفيه اِستعاد بفكر نقديّ مسار العلمنة والسياسة والديمقراطية في الغرب ورصد المآزق التي بلغها ذلك المسار بالتزامن مع اِنتشار ظواهر جديدة تهدّد علمانية الدولة ونظامها الديمقراطي. ألم يقل فلاسفة الستّينات في فرنسا " إنّ العقل هو السجن " لأنّه إذا ما تجمّد فقد قدرته على التواصل والانفتاح على الآخر وأصبح قيدا رهيبا منغلقا على يقينيّاته. وقد حاول هابرماس مقاربة هذا الموضوع من خلال طرحه لمسألتين هامتّين الأولى " الوعي بما هو مفقود " بآعتبارها المدخل لتحديد أوجه القصورفي مسار العلمنة والثانية إعادة النظر في مكانة الدين في الفضاء العمومي كحلّ لتجاوز مآزق الحداثة والديمقراطية

1- الوعي بما هو مفقود4

يجد مفهوم " الوعي بما هو مفقود ". مشروعيته من خلال رصد هابرماس للعجزالذي بلغه العقل الديمقراطي والمسار الطويل للعلمنة في البلدان الأوروبية والذي امتد على أزيد من قرنين من الزمن، عجزه على توفير الحياة الجيّدة. لقد أخلّت الفلسفة الليبرالية بالإيفاء بآلتزاماتها أمام مواطنيها. وهي التي وعدتهم بتوفير حياة، تقارب الكمال في طموحها، لكلّ فرد دون اٍستثناء. لقد ولّد ضعف المؤسّسات الاِجتماعيّة في الدول الديمقراطية خيبة أمل من ناحية وكرّس حتميّة التكافل الاِجتماعي في الواقع المعيش من ناحية أخرى. مع اِنتشار ظاهرة العولمة وتضخّم دور السوق حتّى أصبح أكبر من الدولة، مخترقا للحدود الجغرافيّة ومنتهكا لسيادة الدول. لقد عملت العولمة على نحت كائنات بشريّة ذوات بُعد واحد على حدّ عبارة المفكر الأمريكي ذي الأصل الألماني هربرت ماركوز ـ1899 ـ1978 "الإنسان ذو البُعد الواحد" ضمن هذه الرؤية تسنّى لآقتصاد السوق أن يشكّل العالم على النمط الذي يرتضيه، نمط الِاستهلاك حيث يستحيل الإنسان كائنا روحه الجوع تطمس كلّ أبعاده ويتمّ الإبقاء على بُعد واحد تنصهر فيه كلّ الأنشطة الاِستهلاكيّة، تنسدّ حينذ كلّ الآفاق ويُستلب الإنسان وتُجهض كلّ نزعة للتسامي وهي النّزعة التي تعمّق التناقض بين المثال والواقع حتّى يُعطى للتاريخ معناه وفي ذلك الشّرخ يجد الكائن مساحة يمتلك فيها حقّه المشروع في نحت كيانه وفق إرادته الحُرّة 5

لم يعد بهرج الليبرالية الجديدة ذات النزعة التبشيريّة بالجنّة الأرضيّة الموعودة يقنع المفكّرين والفلاسفة لأنّها أفضت إلى خراب كونيّ كشف زيف الشعارات التي رُفعت وعمّق اِغتراب الكائن. ويبدو أنّ هابرماس أصبح مقتنعا أنّ العقلانية ليس بمقدورها لوحدها أن تفرز مجموعة من القيم باتت المجتمعات الغربية اليوم في أمسّ الحاجة إليها. من هذه القيم التضامن، الخلاص، الأمل، المواساة، المحظورات الأخلاقية. . . إنّها أزمة الخطاب الفلسفي الحديث الذي يتيح للخطاب الديني أن يطلّ برأسه ويطرح نفسه بديلا جديّا لحداثة مريضة، قد اِهترأت على مرّ العصور. يقول ميكائيل فوسيل " هكذا يزيح الخطاب الديني التجريد الحداثي عن الحياة الجيّدة بآسم غائية أعلى للوجود آضطُرّ الفكر الليبرالي للتخلي عنها، و هابرماس نفسه لا يمكنه التملّص من القاعدة التي أصبح بمقتضاها الدّين، من جديد، رهانا وذلك عندما تعاني الفلسفة من قيودها الخاصة " 6

لم تقتصر العلمانيّة على فصل الدين عن الدولة بل إنّها، و ضمن توجّهها الكلياني، فصلت مجمل حياة الإنسان عن الدين والأخلاق. هذا الانفصال عن القيم عمّق الشعور بالاِستلاب لدى الإنسان المعاصر ممّا دفع بمجموعات اِجتماعيّة إلى التقوقع على ذاتها والاِحتماء بهويّاتها المهدّدة واِجتراح قوانين خاصّة بها تعيش وفقها، هذه المجموعات الدينيّة المختلفة أصبحت تملأ الفضاء الأوروبي وتسعى إلى فرض نفسها في الفضاء العمومي في تحدّ صارخ لقوانين الدولة وتشريعاتها. لذلك توجب البحث عن حلول عاجلة لهذا الخطر الذي يتهدّد النسيج الاِجتماعي لهذه المجتمعات وأولى ملامح الخروج من هذه الأزمة هو الإقرار، وفي إطار العدالة السياسيّة، بأّنّ المعتقدات الدينيّة تحمل البعض من المضامين المعرفيّة، فالمحبّة والِاستقامة الأخلاقيّة والأمل في الخلاص يمكن أن تكون من مستلزمات الحياة المشتركة التي تشكّل عناصر للحوار الديمقراطي. 7

يرى هابرماس أن لا شيء يقف دون اِمتلاك المجتمع الديمقراطي اليقينيات الدينيّة فلطالما ظلّت تلك اليقينيات تعزّز القوى الحافزة للعقل وبالتّالي من حقّها أن تصبح جزءا من العناصر المكوّنة للفضاء العمومي. ففي الحقبة التي ضعُفت فيها الدوافع الاِجتماعية المتّصلة بالتكافل ـ مثل الإحسان ـ يمكن أن يكون اِستخدام المعتقدات الدينية ِاستبدالا مشروعا لها. إنّ هذا اللطف المعلن تجاه الأديان ينبغي أن يُفهم عند هابرماس "بالرغبة في تعبئة العقل الحديث ضدّ الاِنهزاميّة الكامنة فيه".8

لا يجانب هابرماس الصواب عندما يُرجع السبب في فقدان ـ الحياة الجيّدة ـ، و الذي تمّت صياغته في مصطلح " الوعي بما هو مفقود "، إلى التعارض بين الإنسان الاِقتصادي والإنسان الديني. من ناحية وإلى فرضية مشتركة بينهما وهي إنكارهما للسياسي لذلك عمد في تمشّيه لتملّك المحتويات الدلاليّة الدينيّة إلى بناء صيغ للتوافق في مجتمع تسوده تعدّديّة القيم وهو تمشٍّ يتجاوز الإطار الأخلاقي للمسألة ليصبح اِستجابة عقلانيّة لإحدى تحديات الديمقراطية.

2- مكانة الدين في الفضاء العمومي

لم يعُد صاحب نظريّة العقل التواصلي يثق في قدرة العقلانيّة الإجرائيّة والتواصليّة على توفير قاعدة محفّزة كافية لمواجهة الأخطار المختلفة التي تتهدّد الديمقراطية الغربية فقد لاحظ أنّ " الحداثة تنزع نحو الخروج عن مسارها "9 وأنّ " هناك وعيا معياريا بدأ يتلاشى في كلّ المناحي" 10 وأنّ " اِجتياحا للمذهب الطبيعي وعقيدته العمياء بدأ يصيب مجال العلم "11 ولذلك توجّب على هابرماس العمل على تمكين العقل من اِسترجاع زمام المبادرة بيده في البحث عن خيارات أخرى بغرض مواجهة التحديات التي يطرحها اليوم عودة الديني.. ممثّلا في الأصوليّة الدينيّة والتطرّف الديني. في تمشّيه الفلسفي يتوسّل هابرماس بالعلمنة لقدرتها على إصلاح أخطائها بنفسها، لأنّها ليست نصّا مقدّسا وذلك في سعيه لآستعادة التطلّعات السياسيّة والاِجتماعيّة والرمزيّة الحديثة تحت لواء الديمقراطيّة. وهذا يقتضي إعادة ضبط مفهوم العلمنة نفسِه على ضوء المستجدات الحديثة لأنّه صار مطلبا ملحّا وهو ما سيكون له أثره المباشر في مفهوم الديمقراطية نفسها بآعتبار أنّ الديمقراطية هي الوجه السياسي للعلمنة وهي المعبرّة عن الإرادة اشعبيّة، رغم أنّ ربط العلمانية بالديمقراطية ليس صحيحا دائما فألمانيا النازيّة وروسيا البلشفيّة كانا نظامين علمانيين إلّا أنّهما نظامان كلينيان اِرتكبا من المجازر ما جعلاهما وصمة عار في تاريخ الإنسانيّة. فالعلمانية علمانيات ومنها ما هو صنو للديكتاتوريّة. فبسبب ظهور التطرّف الديني من ناحية وهيمنت معايير االسوق على قواعد الحياة الديمقراطية من ناحية أخرى أصبحت الأنظمة الليبراليّة تعاني من نقص في الشرعيّة، لا يستطيع أيُّ شكل من أشكال التمثيل القانوني المعروفة أن يتغلّب عليه. فالقانون الوضعي يعكس فقط تثبيتا ظرفيا لحالة الرأي العام إنّ حالة عدم الاِستقرار هذه يؤكدّها اِستمرار وجود نُظُم تفسير دينية للعالم تستطيع بفضل اِتّساقها الردّ على " المفتقد " الذي تعاني منه الدول الدستوريّة 12. وإذا القانون الليبيرالي يمتنع عن سنّ أحكام تتعلّق بالصراعات الأخلاقيّة أو الدينيّة فإنّ هابرماس يرى أنّه " على الدستور الديمقراطي أن يستوفي عجزالشرعيّة الناتج عن حياد الدولة تجاه وجهات النظر المختلفة للعالم " 13. يطالب هابرماس بتجاوز التوافق الأوروبي حول الديمقراطية المكتسب بعد الحرب العالمية الثانية ويراه قوسا تاريخيا بات اليوم مهدّدا بالانغلاق ويفضّل الاِعتماد على أمثلة ناجحة من الترجمات بين الإيمان والعقل مثل تلك التي تقرّ بوجود " إنسانية على صورة لله، مجسّمة في الكرامة السويّة والاحترام غير المشروط اللذين يستحقّهما جميع البشر " 14. يشعر هابرماس بالحرج الشدّيد حين يرى اليوم اِستمرار الأنظمة الليبراليّة في حمل مواطنيها على الوصول إلى حالة اِنفصام الشخصيّة ـ الشيزوفرينيا ـ حين يُمنعونٍ من الاِعتراف بحقّهم في تقديم قناعاتهم ممّا يضطرّهم إلى العيش مزدوجي الشخصيّة بين ما يظهرونه وما يبطنونه. فأفعال التنديد والسخط على الديمقراطيّة تنبني على أساس الظلم المعاش ولرفع هذا الظلم يتوجب حسب هابرماس رفع الحجر المسلّط على المعتقدات الدينيّة من الوصول إلى ساحة الديمقراطيّة. وإذا كانت الوطنية الدستوريّة تقوم على أساس المعتقدات المتأصلة فإنّها حتما تلتقي مع المعتقدات حول " الحياة الجيّدة " التي شريطة اِعتمادها على مبادئ دولة القانون، تصبح تنتمي إلى التبادل العقلاني المشروع.

إنّ التبادل العقلاني يقتضي أنّ أصوات الملحدين وأصوات المؤمنين يمكن أن تتعايش في فضاء واحد، حيث يتاح لكلّ منهما أن يطرح قناعاته دون أن يزعم أنّها قناعات معصومة سواء كان مصدرها الاِله أو كان مصدرها الأغلبيّة البرلمانيّة. إنّ الأمر يقتضي تقديم تنازلات متبادلة من هذا الجانب أوذاك، لأنّه توجد قيم مشتركة يمكن أن تشكّل أسسا لحوار ديمقراطي شريطة أن لا ترفع هذه العناصر إلى درجة المطلق ضمن هذا المنحى يعتبر هابرماس الكنائس شركاء ديمقراطيين حقيقيين يقول" من مصلحة الدولة الدستوريّة أن تكون متسامحة إزاء المصادر الثّقافيّة المتنوّعة التي تغذّي الوعي المعياري والتضامن المدنيّ " 15. لعلّ ما بين الديمقراطيّة والمعتقدات الدينيّة من وشائج من شأنها أن تكبح غلواء التطرّف الديني المهدّد لإمكانيّة العيش المشترك من ناحية وتروّض توحّش معاييرالسّوق المنفلتة من المسارات السياسيّة المنوطة بها وظائف التعديل في مجال الحياة من ناحية أخرى. إنّ التجربة المعاشة للظلم في ظلّ اِستفحال الفوارق الاِجتماعيّة هي التي تدفع النّاس إلى طرح مسألة العدل. وبما أنّ الأديان، عكس الدول، لم تتخلّ عن خطابها المعياري حول المعنى الكامل للحياة، تبدو أفضل تسلّحا للردّ على اِحتلال الوجود الذاتي من قبل معايير الرأسماليّة الإداريّة التي يقودها عقل اِقتصادي منفلت من قيوده

إنّ التنازلات المتبادلة بين أتباع الديانات وأنصار الديمقراطيّة من شأنها أن تشكّل أرضيّة مشتركة لمواجهة عولمة الإديولوجيات التي تعمل على نشر" نِزاعات بين شموليات متنافسة "16. إنّ هذه الرؤية التي يتبنّاها هابرماس تظلّ محفوفة بمخاطر من شأنها تأجيج نَزعات اُنتروبولجيّة جوهرها تساؤلات حول الماهيّة الإنسانيّة، العلاقة بين المذكر والمؤنّث، الطبيعي والمرضي. . . متأتيّة من مصادر دينيّة وتنتصب في قلب المجتمعات الليبراليّة. إنّ الأمر لا يتعلّق فقط بالإقرار بفشل مشروع العلمنة وإنّما بعودة العقائد الاُنتروبولوجيّة الدوغمائيّة داخل الديمقراطيات. لقد أصبح الفضاء الاِجتماعي يعاني من التجزئة ومن التمايز ممّا وضع شرعيّة النظم محلّ اِختبار وهو ما أتاح تنشيط المجال الديني للاِغتذاء من نقاط فشل الديمقراطيّة. فعدم الاٍستقرار الميداني للمجتمعات المعلمنة جعلها تُجبرعلى اِنفتاح ليست من صنّاعه كما يقول كلود لو فور17. لقد فرضت الأديان نفسها بما تختزنه من قدرة على رتق تلك الفروق الاِجتماعيّة. وبذلك تثبت أنّها أعرق من الديمقراطيّة الحديثة، ليس فقط بالمعنى التاريخي بل لأنّها تعطي الوحدة الِاجتماعيّة مقروئيّة هي غائبة في المجتمعات التعدّديّة.

الخاتمة

تكتسي عبارة هابرماس الوعي بما هو مفقود أهميتها لأنها تلخّص في إيجاز بليغ أزمة سلطة تأسيسية تعاني منها الديمقراطيات وتتجلّى أعراضها في عودة الموضوعات الدينية إلى النقاش العام. ويؤكّد هابرماس هنا على أهمية القانون في تسوية الصراعات. قانون يكون محكوما بفلسفة علمانية منفتحة حيث يمتنع الجمهوريون العلمانيون عن رفع معتقداتهم إلى مرتبة المبادئ المطلقة حتّى يتيحوا للمؤمنين / المتديّنين تنسيب معتقداتهم حسب ما يقتضيه الفضاء العمومي الجديد من تأسيس لديمقراطية تشاركية منفتحة على الجميع قائمة على الإختلاف والتنوّع والإعتراف بالاَخر المغاير.

***

رمضان بن رمضان

.............................

الهوامش والتعليقات:

* - Jurgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’ édition Gallimard , Paris , 2008 , 380 P

1- هاشم صالح، " المعركة بين العقلانيّة واللاعقلانيّة في الفكرالأوروبي"، مجلة دراسات عربيّة، عدد5-6، السنة 34، مارس ـ أفريل 1988، ص 83.

2- Jürgen Habermas , ‘’la modernité un projet inachevé ‘’ , critique , N:413 / 1981

3- هاشم صالح، المعركة بين العقلانيّة. . . . . ص 99.

4- Jürgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’ , op. cit, P141-151

5-آنظر دراستنا " اِنتفاض اللغة على فوضى العالم"، ضمن كتاب، الباب الموارب دراسات في أزهار

ثاني أوكسيد التاريخ، ليوسف رزوقة، تونس، 2004، ط 1، ص 96.

6- ميكائيل فوسيل، " هابرماس والمسألة الديينيّة"، ترجمة محمّد صدّام، موقع الأوان، أفريل 2013.

7- Jürgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’ , op. cit, P166

8-Ibid, P145

9- Ibid. , P14

10-Ibid , P14

11- Ibid , P160

12- ميكائيل فوسيل، " هابرماس والمسألة الديينيّة"، ترجمة محمّد صدّام، موقع الأوان، أفريل 2013

13- Jürgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’, op. cit, P178

14-Ibid, P160

15-Ibid, PP13-14

16- Etienne Balibar , Saeculum , culture , religion , idiologie , Paris , Galilée , 2012 , P42.

17- Claude Lefort , ‘’ Permanence du Théologico-politique ? ‘’ dans Essais sur le politique, paris Le seuil , P262

يحكي هنري دو كاستري، مؤلف كتاب "الإسلام خواطر وسوانح"(1)، كيف كان يجوب صحراء الجزائر يوما، وخلفه ثلاثون فارسا، يتسابق كل منهم لخدمته وإرضائه، بما يتناسب مع جو الانحطاط النفسي الذي رسخه الاحتلال في نفوسهم. غير أنه ما إن حانت صلاة العصر حتى ترجل الفرسان واصطفوا لأداء الصلاة جماعة.

" كنت أود لو انشقت الأرض فابتلعتني- يقول المؤلف- وجعلت أشاهد البرانس العريضة تنثني وتنفرج بحركات المصلين، وأسمعهم يكررون بصوت مرتفع: الله أكبر، الله أكبر..". ولعل ما أثاره تحديدا هو شعور العزة والرفعة الذي استرده أفراد حاشيته، وكيف أن الصلاة جعلتهم أرفع منه مقاما، حتى كاد أن يصيح فيهم: "أنا أيضا أعتقد بالله، وأعرف الصلاة، وكيف أعبد!"

أثار جمال الإسلام وبساطته ووضوحه رغبة المؤلف في تسجيل تأملات وخواطر، هي وليدة صحبة طويلة للمسلمين بحكم وظيفته. غير أنه عكف على كتابتها لا لتمجيد الإسلام فحسب، وإنما لتصحيح الأغلاط التي علقت بأذهان المسيحيين، ورد المزاعم والافتراءات التي روج لها بعض المستشرقين، حرصا منهم على إبقاء شعور البغضاء والنفور من الإسلام ونبيه. وهو عمل شاق، برأيه، لأنه لا يرسخ في الاعتقاد أكثر من خطأ الاعتقاد!

شكلت أقاصيص القرون الوسطى، وأغاني القُوّال ذهنية المسحيين تجاه الإسلام وشخص النبي صلى الله عليه وسلم. وتمحورت بالأساس حول ادعائه للألوهية، وتأليفه للقرآن، بل واتخاذه صنما يعبده المسلمون. وينقل على سبيل المثال فحوى نشيد "بودوان" الذي يحكي خبر الكونتيسة (بونتيو)، لما أرادت اعتناق الإسلام أمام صلاح الدين، أنها قالت: "أريد أن أعبد محمدا فائتوني به. فلما صار-الصنم- بين يديها خرت له ساجدة".

ويبدو أن هذه الأكاذيب قد تركت أثرا ليس فقط لدى عموم الناس، بل حتى لدى المؤرخين الذين ينشدون الحقائق، ويؤمنون بالصرامة العلمية في التعامل مع الوقائع والأحداث.

رسمت أدبيات العصور الوسطى صورة فجة عن الإسلام وشعائره. لكن خلال عصر التنوير، لاسيما مع فولتير وغوته، ستبدأ محاولات لتحديد شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ودراستها بجدية. وسيحظى بصورة إيجابية خاصة مع الرومانسيين أمثال لامارتين وفيكتور هوغو، بل سيوصف في بعض الأعمال الأدبية بأنه شخصية محبوبة.

 يعقد المؤلف الفصل الأول من كتابه للدفاع عن صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وجرد الأدلة التي تؤكد أنه ليس بدعا من الرسل. وفي مقدمتها صفاته الشخصية التي تمتع بها لسنوات عديدة في قومه، كالصدق والأمانة، وسيرته الخالية من نقائص الطبيعة البشرية التي كانت تضج بها مكة آنذاك. وهي سيرة لا تليق إلا بنبي.

أما الدليل الثاني فهو أميته التي لم يشكك فيها أحد من معاصريه، والتي تبطل ادعاء قراءته للكتب المقدسة أو اقتباسه منها. إذ لو قرأ تلك الكتب، يقول إسكندر ديون، لردّها لاحتوائها على مذهب التثليث، وهو مناقض لفطرته، ومخالف لوجدانه منذ خُلق.

وفيما يتعلق بمسألة الوحي فإن الباحث المسيحي لم يهتد إلى حلها حلا مُرضيا، لأن عقله لايزال مشدودا إلى خرافات القرون الوسطى:

(والعقل يحار: كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن رجل أمي، وقد اعترف الشرق قاطبة بأنها آيات، يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظا ومعنى! آيات لما سمعها عتبة بن ربيعة، حار في جمالها. وكفى رفيعُ عباراتها لإقناع عمر بن الخطاب؛ فآمن برب قائلها. وفاضت أعين النجاشي امبراطور الحبشة بالدموع حينما تلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة مريم.) ص42

يتتبع المؤلف في الفصل الثاني خطوات انتشار الإسلام، سواء داخل الجزيرة العربية أو في زمن الفتوحات خارجها. ويعتبر أن ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من معارضة وتأليب من لدن العرب المشركين، ثم تصديه لعداوتهم بالسيف لهو موقف طبيعي، لا يشذ عما لقيه الأنبياء قبله من صنوف التعنت والإيذاء. وبذلك يفكك المؤلف سردية صليبية عمّرت لوقت طويل في كتب المستشرقين، مفادها أن الدعوة الإسلامية قامت بالسيف، وأن العالم المسيحي كان في زمن الفتوحات يئن تحت وطأة الاضطهاد المحمدي:

(إذا انتقلنا من الفتح الأول للإسلام، إلى استقرار حكومته استقرار منظما، رأيناه أكثر محاسنة، وأنعم ملمسا بين مسيحيي الشرق على الإطلاق. فما عارض العرب أبدا شعائر الدين المسيحين بل بقيت روما نفسها حرة في المراسلات مع الأساقفة الذين مازالوا يرعون الأمة الخالية..) ص74

 ومن أمثلة الفتح التي استدل بها المؤلف على سماحة الدين الجديد، ما جرى في بلاد الأندلس من تعايش وسياسة رحيمة، دفعت عقلاء المسيحيين إلى الانحياز إلى المسلمين، والتعلق الشديد بمظاهر التمدن العربي. بينما يسجل نماذج للبغضاء التي حرصت الكنيسة الأندلسية آنذاك على تغذيتها، ومنها على سبيل المثال لجوء قس في قرطبة يدعى" إيلوغوا" إلى تحريض أتباعه على سب النبي صلى الله عليه وسلم، والتعرض لعقوبة الإعدام من لدن قضاة المسلمين، باعتبارها تضحية ينال مرتكبها حب المسيح وخلود ذكره في الكنائس!

وفي الفصل الثالث يعالج المؤلف قضية تعدد الزوجات، ويرد على الأكاذيب التي ألصِقت بنبي الإسلام وشريعته في هذا الصدد. وهو يستغرب كيف أن المؤرخين يقرون بكونها عادة قديمة لدى العرب، وأن من طبائع الأمم الشرقية تعدد الزوجات لما فيهم من قوة الجسم وسلامة الجنس، لكنهم يسارعون إلى الاعتراض على شريعة القرآن التي تبيحه بشروط معلومة، مثلما تحرم الاسترسال مع الشهوات، وتوجب التمسك بقواعد العصمة!

في المقابل يثير المؤلف مسألة الحشمة، وأخلاق العفة التي تشدد عليها نصوص الكتاب والسنة، وكيف أنها شبه مفقودة في الغرب المتمدن:

(إن الناس بالغوا كثيرا في مضار تعدد الزوجات عند المسلمين، إن لم نقل: إن ما نسبوه إليه من ذلك غير صحيح. فما تعدد الزوجات هو الذي ولّد في الشرق تلك الرذائل الفاضحة، بل المعقول أنه من شأنه تلطيفها.) ص91 

 ويمضي المؤلف في جرد بعض المسائل الدينية التي تثير التعقيد والإشكال عند المسيحيين، بينما ترد في غاية الوضوح والانسجام مع فطرة المسلم. وهكذا يخصص الفصل الرابع لمفهوم الحياة الآخرة، حيث يوجه النقد لمجمل التفسيرات الغائمة لمدلول السعادة الأخروية والتي انقسمت برأيه إلى مذهبين متناقضين: أحدهما يعتبرها حالة نفسية مرجعها طهارة القلب، وتحقق المشابهة بين الخالق والمخلوق؛ بينما يزعم الآخر أنها أمر مادي محسوس.

أما الإسلام فقد ضرب للآخرة أمثلة حسية وقريبة المنال، لكنه حرّم في الوقت نفسه تشبيه الخالق بالمخلوق، وبالتالي عطّل الأوهام التي قد تفضي بالعقول إلى تجسيم الإله، عملا بالآية الكريمة (ليس كمثله شيء).

وفي الفصل الخامس يعرض لمبحث القضاء والقدر، والفرق بين القرآن وتفسيرات علماء المسيحية في الجمع بين القدرة الإلهية والحرية الإنسانية. وبينما كانت النصوص والاجتهادات التي تلتها واضحة وبينة لدى المسلمين، فإنها أثارت انشقاقا خطيرا أفضى في النهاية إلى بروز مذهب جديد يقول بتأثير الله واختيار الإنسان معا، غير أن الخلاف العظيم استمر من خلال إيجاد مصطلحات لا تخلو من سفسطة.

ويبدو أن مسألة الفتوحات الإسلامية ظلت تلح على المؤلف، ليعود في فصل سادس إلى بحث أسباب انتشار الدين الجديد، ورد فرية العنف التي رددها جل المستشرقين قبله؛ ليخلص إلى القول بأن سر انجذاب الناس لهذا الدين راجع بالأساس إلى ما أودع فيه من إعلاء شأن النفس، بتصور الذات الإلهية على صفات فوق صفات البشر، تذكرها خمس صلوات في اليوم، وبترفقه بالطبيعة البشرية من حيث إنه أتاح للناس شيئا مما يشتهون.

ولد هنري دو كاستري بفرنسا سنة 1850لعائلة من الطبقة الارستقراطية. وانضم إلى الجيش عام 1870، ثم التحق بالأكاديمية العسكرية، ليتم تعيينه مشرفا على الأراضي الصحراوية المتاخمة للحدود المغربية بعد تخرجه عام 1873؛ حيث كُلّف بتسيير ما سمي آنذاك بالمكاتب العربية، والتي جرى تعميمها بمختلف المناطق الجزائرية لدراسة البيئة الاجتماعية، وتسهيل مخططات الغزو الفكري والثقافي الصليبي.

وفي الجزائر تعلم دو كاستري اللغة العربية، وسلك درب المغامرات مع بدو الصحراء، حيث أبدى اهتماما عميقا بالإسلام، وأثره على شعوب إفريقيا تحديدا. وبعد عودته إلى فرنسا، انصب اهتمامه على الشعر البدوي الذي جمعه خلال رحلاته المتعددة، وترجم عددا من قصائده.

 وبدءا من سنة 1905 شرع في تأليف عمله الأبرز: "مصادر غير منشورة لتاريخ المغرب". ويعد أضخم أرشيف وثائقي يغطي تاريخ المغرب في عهدي السعديين والعلويين، ويضم أزيد من ثلاثين مجلدا يشتمل على وثائق فرنسية وإسبانية وهولندية وإنجليزية، مستخرجة من الخزانات الأوربية.

حظي دو كاستري بمناصب قيادية عديدة أهمها منصب المستشار التاريخي للحكومة الشريفية بالمغرب سنة 1914، حيث عُهد إليه بتأسيس مصلحة المحفوظات، ومواصلة نشاطه في التحقيق والتصنيف، وتنسيق البعثات إلى أن وافته المنية عام 1927.

يعدّ المؤلف نفسه من المستعربين لطول إقامته في الجزائر، ومخالطته لأهلها في معاشهم وتدينهم وسلوكهم الاجتماعي. وبالتالي فهو أقدر من المستشرقين على الكتابة عن الإسلام، وعرض مسائله وموضوعاته، لذا لا يخفي تهكمه من سياسة فرنسا الاستعمارية في إفريقيا، وفشلها في تحويل شعوبها إلى النصرانية:

" أنى لنا في الوصول إلى نقل تلك الأمم من القرآن إلى الإنجيل؟

وكيف يمكن أن يصير الوثنيون عبادا للمسيح بعد اعتناقهم الإسلام، وهو الدين الذي يتمكن من القلوب فلا يفارقها؟

هنا يختلط علينا المقصد الإلهي فلا ندرك مرماه!"

***

  حميد بن خيبش

.........................

1- هنري دو كاستري: الإسلام خواطر وسوانح. ترجمة أحمد فتحي زغلول. دار طيبة للطباعة 2008.  

فصل من سيرة عبد الجبار الرفاعي في القراءة والكتابة

وأنا أعيد قراءة كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب" أدركت مرة أخرى أن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة. فهناك كتب نقرأها وقد لا نكمل قراءتها، فتبقى حبيسة رفوفنا، وهناك كتب تشدنا، نتذوق معانيها، فنعود إليها لأننا نجد فيها أنفسنا. القراءة الحقيقية ليست مجرد استمتاع بما يكتبه الكاتب، ولا مجرد وسيلة لتحسين الرصيد اللغوي، بل هي لحظة يلتقي فيها الإنسان بتجارب الآخرين ليعيد النظر في تجربته هو. في لحظات القراءة العميقة لا نكتشف أفكار الكاتب فقط، بل نكتشف شيئًا من ذواتنا نحن، وكأن النص يتحول إلى مرآة نرى فيها مسارنا الإنساني بوضوح أكبر.

لهذا يكتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي عبارة عميقة تختصر طبيعة التجربة الإنسانية حين يقول: "حياةُ كلّ إنسان قصةٌ، بل سلسلةُ قصصٍ لا تكرّرها حياةُ إنسانٍ آخر. " بهذه الكلمات الوازنة يذكّرنا الرفاعي بأن الإنسان لا يمكن أن يكون نسخة من غيره. قد نتعلم من تجارب الآخرين، ونستلهمها، لكننا لا نستطيع أن ننسخها؛ لأن حياة كل إنسان تتشكل من شبكة معقدة من التجارب والاختيارات والأسئلة واللقاءات التي لا تتكرر بالطريقة نفسها عند شخصين. لهذا لا تكون القراءة الحقيقية استهلاكًا للنصوص، بل حوارًا حيًا مع التجربة الإنسانية. الكتاب الجيد لا يقدّم للقارئ طريقًا جاهزًا للحياة، بل يوقظ فيه القدرة على أن يرى طريقه هو بوضوح أكبر.

غير أن هذا النوع من القراءة لا يتحقق تلقائيًا؛ لأنه يتطلب يقظةً للعقل، واستعدادًا للتأمل الصبور. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التفسيرات الجاهزة التي تعفيه من عناء التفكير. لذلك ينبه الرفاعي إلى هذه الحقيقة حين يقول: "ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله ثم توظيفه في الفهم… العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، فيلجأ بسهولة لاستعارة التفسيرات الجزافية المتداولة." في هذه الكلمات يضع الرفاعي إصبعه على مشكلة معرفية عميقة في الثقافة الإنسانية: كثير من الناس يميلون إلى الأفكار الجاهزة لأنها لا تتطلب جهدًا في التفكير. العقل بطبيعته يبحث أحيانًا عن الطريق الأقصر إلى الفهم، حتى لو كان فهمًا سطحيًا. وهذا الميل يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عصر التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الحصول على الإجابات سريعًا وسهلًا، مما قد يغري الإنسان بالاكتفاء بالنتائج دون خوض مشقة السؤال والتأمل.

غير أن القراءة التي توقظ العقل تفعل العكس تمامًا؛ فهي لا تمنح القارئ راحة الإجابات السريعة، بل تدعوه إلى مراجعة ما اعتاده من تصورات وأحكام. إنها قراءة تزعج الإنسان قليلًا، لأنها تحرّك في داخله أسئلة لم يكن يفكر فيها من قبل، وتدعوه إلى إعادة بناء فهمه للعالم. لهذا تبقى القراءة العميقة فعلًا مقاومًا للكسل الفكري، لأنها تدرب العقل على التفكير البطيء المتأمل، لا على الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. لا تكون القراءة الحقيقية مجرد فعلٍ ذهنيّ عابر، بل هي في جوهرها فعلٌ تربويّ يوقظ الإنسان من سكون العادة. القراءة التي تصنع أثرًا لا تكتفي بملء الذاكرة بالمعلومات، بل تدرب العقل على السؤال، وتعوّد الإنسان على التأمل الصبور، وتدعوه إلى مراجعة المسلمات التي اعتادها دون تمحيص.

من هنا تبدأ المعرفة الحقيقية: حين ينتقل الإنسان من ترديد الأفكار إلى فهمها، ومن استهلاك المعاني الجاهزة إلى إنتاج معنى خاص يتشكل عبر التفكير والتجربة. في هذه اللحظة بالذات يتفتح ما يمكن أن نسميه الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يحاورها، ويفحصها، ويعيد بناءها في ضوء العقل والتجربة. تلتقي القراءة هنا بالفلسفة؛ لأن الفلسفة في جوهرها ليست تكديسًا للمعرفة، بل فنّ السؤال، والقدرة على النظر إلى العالم بعين متسائلة لا تقبل المسلمات بسهولة. ولهذا تصبح القراءة الحية تمرينًا دائمًا على اليقظة الفكرية، وعلى بناء عقلٍ قادرٍ على الفهم لا الاكتفاء بالترديد. "القراءة التي لا توقظ السؤال في العقل، لا تستطيع أن توقظ المعنى في الحياة"، يقول الرفاعي.

غير أن الوعي وحده لا يكفي، ما لم يصحبه ضمير أخلاقي يقظ. المعرفة التي لا يرافقها حس إنساني قد تتحول إلى أداة للهيمنة أو التبرير. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، حين يقول: "ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا."

الكاتب، كما يفهمه الرفاعي، لا يكتب بعقله فقط، بل يكتب بضميره أيضًا. والضمير الأخلاقي لا يكون انتقائيًا، بل إنسانيًا في جوهره؛ لذلك يؤكد: "الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان." بهذا المعنى تصبح القراءة والكتابة جزءًا من مسؤولية الإنسان تجاه العالم. الكلمات ليست مجرد أدوات للتعبير، بل يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن الإنسان وعن كرامته.

غير أن الكتابة التي تحمل معنى لا تقوم على العقل وحده، كما أنها لا تقوم على العاطفة وحدها. الكلمة التي تلامس الإنسان هي تلك التي تنبع من توازن دقيق بين التفكير العميق والحس الإنساني الحي. لهذا يشير الرفاعي إلى أن الكتابة المشبعة بالمعنى ينبغي ألا تهدر مرجعية العقل، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تُفرغ الحياة من بعدها الروحي. في هذا السياق يكتب: "الكتابةُ المشبَعة بالمعنى يجب ألا تهدر مرجعية العقل، مثلما ينبغي أن تملأ الروحَ بالسلام الذي يفتش عنه الإنسان." بهذه العبارة يضع الرفاعي معيارًا دقيقًا للكتابة ذات المعنى:

أن تكون وفية للعقل في بحثه عن الحقيقة، وأن تكون في الوقت نفسه قادرة على أن تمنح الإنسان أفقًا روحيًا يتجاوز ضيق الحياة اليومية. الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، كما لا يعيش بالمادة وحدها. إنه يبحث دائمًا عن معنى أوسع لحياته، معنى يحرره من الاختناق بسطحية العالم المادي، ويفتح أمامه أفقًا أرحب للتأمل والسكينة. من هنا نفهم لماذا وصف الرفاعي الكتابة بأنها مخاض، الكاتب لا يكتب ما يعرفه فقط، بل يكتب ما عاشه وتأمله وتحوّل في أعماقه إلى معنى. الكتابة ليست مجرد مهارة لغوية، بل هي محاولة لترتيب العالم الداخلي في كلمات يمكن أن تصل إلى الآخرين.

مع مرور الزمن تتغير نظرة الإنسان إلى العالم، لأن التجربة نفسها تعيد تشكيل وعيه. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية عميقة حين يقول: "الوعي يتطور، التجارب تعلّم الإنسان، الجروح توقظ الإنسان، العالم يتغيّر، والإنسان يتغيّر." ربما لهذا السبب تحديدًا نعود إلى بعض الكتب مرة أخرى. فالكتاب لا يتغير، لكن القارئ يتغير. ومع كل قراءة جديدة يكتشف الإنسان في النص معنى لم يكن يراه من قبل، وكأن الكتاب نفسه يتسع كلما اتسعت تجربة القارئ. هكذا تتحول القراءة، في معناها العميق، من متابعة صفحات إلى تجربة إنسانية حيّة. فالإنسان حين يقرأ لا يكتفي بمعرفة ما يفكر فيه الآخرون، بل يكتشف شيئًا من ذاته هو. ومع كل كتاب يلتقي بتجربة إنسانية جديدة، ومع كل تجربة يعيد النظر في مسار حياته وأسئلته ومعانيه. ربما لهذا السبب لا تنتهي علاقتنا بالكتب عند قراءة واحدة. فنحن نعود إليها لأننا نعود إلى أنفسنا، ولأن وعينا يتغير مع الزمن، فتتكشف لنا في النصوص معانٍ لم نكن نراها من قبل.

يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية بسيطة لكنها عميقة حين يقول: "لن تموت القراءةُ والكتابة مادام الإنسانُ بحاجة إلى التعلّم واكتساب المعرفة وإنتاج معنى لحياته." الإنسان سيظل دائمًا يبحث عن معنى لحياته، وسيظل يجد في الكتب أحد الطرق الجميلة لهذا البحث.

ولهذا ليست القراءة هروبًا من الحياة، بل طريقة لفهمها بعمق أكبر.

حين نقرأ كتابًا من هذا النوع لا نشعر أننا أمام نص مغلق، بل أمام تجربة إنسانية مفتوحة تدعونا إلى التفكير. وكأن الكاتب لا يقدم لنا أجوبة جاهزة، بل يضع بين أيدينا خيطًا رفيعًا من المعنى، ويدعونا إلى أن ننسج منه قصتنا نحن. هكذا تصبح القراءة، في أعمق معانيها، رحلة لفهم الإنسان، الإنسان الذي يبدأ بفهمه هو دائمًا نفسه.

***

عبد الرحمن مزيان - كاتب مغربي

 

قد تبدو كلمة “المبتسرون” للوهلة الأولى عادية لا تستوقف الانتباه، غير أن أروى صالح تفتحها على اتساع يتجاوز الطب إلى سؤال الوجود نفسه، فتصير الكلمة حفرة في الوعي لا تشبه معناها الأول. هي لا تشير إلى الولادة المبكرة بقدر ما تشير إلى الوعي المبكّر؛ ذلك الوعي الذي يُقذف بصاحبه إلى ساحة المعنى قبل أن تنمو فيه عضلة القراءة أو رئة الشكّ. جيل خرج من زمن مهزوم يبحث عن نصر، ومن زمن منتصر يبحث عن معنى… فوقع بينهما بلا سند.

الكلمة هنا ليست توصيفًا عابرًا؛ هي تشخيص لنوع من الوجود الذي لم يكتمل، لأن الزمن الذي صاغه كان هو نفسه غير مكتمل.

كتاب “المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية” ليس بحثًا في التاريخ ولا دفاعًا عن سيرة شخصية؛ إنه اعتراف جماعي يُكتب بصوت فرد قرّر، على نحو فادح، أن يفضح نفسه ورفاقه في آن.

منذ السطور الأولى، تُلمّح أروى إلى أن ما تكتبه ليس "تاريخ الحركة الطلابية”، بل “خبرة جيل” يرى نفسه الآن من الخارج… كأنها تنظر إلى تلك الفتاة الصغيرة، الدقيقة القامة، التي خرجت من بيت برجوازي لتقود تظاهرات ميدان التحرير، ثم تتابعها وهي ترجع إلى بيتها محمّلة بالهتاف وبالخذلان معًا…

المبتسر هنا ليس جيلًا فقط؛ انها صاحبة هذه الدفاتر نفسها: امرأة تكتشف أنها عاشت عمرها كله داخل سردية نضالية لم تكن لها حاضنة حقيقية، فقرّرت أن تُغلق الحاضنة من الداخل… بالقفز من الطابق العاشر لتنهي حياتها.

أروى لم تقدّم جيل السبعينيات كـ“بطولة ضائعة”، بل قدّمته كجرح مفتوح في جسد الحياة السياسية المصرية؛ جيل بدأ وعيه السياسي في ظل هزيمة ١٩٦٧، وانفجر حلمه في تظاهرات ١٩٧٢ و١٩٧٣، ثم استيقظ في زمن السادات ليجد أن الأرض التي ظنها صلبة كانت أرضًا رخوة تُخفي تحتها مستنقع مصالح، وأن الذين هتفوا باسم الشعب كانوا يهربون من مواجهة أنفسهم، وكانوا — في جانب من جوانبهم — يفاوضون أيضًا على مقاعد مريحة في قلب البرجوازية الجديدة.

أقسى ما في الكتاب أنه ينسف “الميثولوجيا النضالية” التي نشأت حول جيل السبعينيات. في الخطاب العام، ذلك الجيل هو جيل “الطلاب الذين مثّلوا الشعب”، و“أصحاب الهتاف النقي”، و“أبناء الهزيمة الذين حوّلوها إلى طاقة”.

أروى تأتي من قلب هذا الجيل لتقول: لا، لم نكن أنقياء كما نحب أن نتذكّر أنفسنا. لقد “قبضنا ثمن وطنيتنا قبل أن ندفع ثمنها”، تسلّمنا شهادة البطولة قبل أن نخوض معركة حقيقية، وتصرّفنا طويلًا كطليعة لشعب لم نختبر نحن أنفسنا عمق آلامه.

في هذا التفكيك القاسي يتردّد صدًى قريب لكلمات غرامشي عن “المثقّف الذي لا يستطيع أن يربط مصيره الشخصي بمصير الطبقة التي يتحدث باسمها، فيتحوّل إلى معلّق بين السماء والأرض”… وهذه التعليقة هي جوهر المبتسر.

تضع أروى جيلها بين جيلين: الستينيات، حيث الدولة تقمع باسم الشعب، والسبعينيات، حيث الدولة تنقلب تدريجيًا على نفسها وتبيع “الانتصار” في حرب ١٩٧٣ كسلعة سياسية، لتفتح بعدها باب الانفتاح الاقتصادي وتترك أبناء الهزيمة يواجهون فراغ المعنى.

في هذا الفراغ تبدو الحركة الطلابية كطفرة قصوى في “منحنى الحلم”: لحظة اعتقد فيها هؤلاء الشباب أنهم يمثلون الشعب، وأن الهتاف في الجامعة هو نطق التاريخ نفسه، وأن شعار “الحرب الآن” يختصر العدالة كلها. ثم بدأ كل شيء يتراجع إلى الخلف: السلطة تعقد صفقات، القيادات تتوزع على المناصب، والمقهى يتحوّل إلى برلمان اليائسين.

هنا يتشكّل وعي المبتسر: وعي عاش ذروة الحلم قبل أن يملك أدوات تحمّل الفشل.

في فصل “المثقف متشائمًا”، تمارس أروى أكثر عمليات التشريح صفاء وقسوة. المثقف الذي تلتقط صورته ليس بطلًا تراجيديًا؛ هو كائن مهزوم يتلذذ بهزيمته، يتباهى بقدرته على وصف الخراب بينما يعيش داخله في ترف صغير. يرفض “أخلاق كل الطبقات” لكنه لا يملك بديلًا، يسخر من البرجوازية وهو يسكن شققها، يلعن الاستهلاك وهو يطارد فرص الظهور في الصحف والندوات، ويكتب عن “الطبقة العاملة” وهو لم يقترب يومًا من عرقها وجلدها. هذا المثقف متشائم ليس لأن الواقع قاتم؛ فالتشاؤم صار جزءًا من صورته عن نفسه، وجزءًا من الأسطرة السياسية التي يَعرض بها بضاعته في السوق الثقافي.

هنا تحضرني جملة روزا لوكسمبورغ: “الحرية دائمًا هي حرية من يفكّرون بشكل مختلف”. لكن حرية الماركسي الذي تتحدث عنه أروى ليست حرية المختلف؛ بل حرية من يفرض على الجميع أن يتشابهوا مع صورته عن “الثوري الحقيقي”.

في التنظيم يُقمع السؤال باسم “الانضباط”، وفي الشارع تُفرض شعارات جاهزة على جماهير لا يُسمع صوتها إلا حين يوافق ما في رأسه، وفي البيت يعاد إنتاج الأبوية بأشد صورها فجاجة. هذه الفصيلة من المثقفين تُحاكمها أروى لا من موقع الخصومة السياسية، بل من موقع الشاهدة التي عاشت بينهم، وشربت معهم الشاي المر في مقاهي وسط البلد، وصدّقتهم… ثم اكتشفت أن تشاؤمهم لم يكن حكمة؛ كان سترًا لجبن عميق.

وحين تنتقل إلى “المثقف عاشقًا”، تسحب أروى ورقة التوت الأخيرة عن هذا الكائن. هنا يظهر الوجه الأكثر فداحة للمبتسرين: الوجه الذي يخلط بين الجسد والأيديولوجيا، بين الحب والخطاب الثوري، ليخرج من ذلك كله بمعادلة رخيصة كتبتها أروى بلا تجميل: “تحرير المرأة هي أرخص وسيلة للحصول عليها… الحب المتحرر هو الحب الرخيص”.

الجملة ليست شتيمة فقط؛ هي كشف لمسرح كامل: مقهى، كوب شاي، حديث طويل عن الحرية، مديح لعقلية “المناضلة”، ثم طريق ينتهي إلى سرير يُقدَّم بوصفه امتدادًا للتحرر. الجسد الأنثوي يغدو هنا آخر مستعمرة يسيطر عليها اليسار بعد أن خسر معظم معاركه في السياسة.

تفكيك أروى لا يكتفي بفضح النفاق، بل يفتح سؤالًا وجوديًا عن العلاقة بين الأيديولوجيا والجسد. ماذا يحدث حين تُحمَّل علاقة حب هشّة بحمولة خطاب “التحرر” و“المساواة”؟ ماذا يحدث حين يتحول الجسد إلى مسرح يختبر فيه اليساري رجولته و“تقدميته” في آن واحد؟

في هذا المزيج تصبح المرأة قربانًا لصعوده الطبقي، شاهدة صامتة على انتقاله من مقاعد الاتهام إلى موائد السلطة. وحين تحاول أن تتكلم، تُتهم بأنها “برجوازية”، أو “رجعية”، أو بأنها لم تفهم جوهر التحرر بعد. هكذا تكشف أروى أن الهزيمة لم تكن في ميدان السياسة وحده، بل في أدق مفاصل الحياة الخاصة؛ وأن التحرر الذي لم يبدأ من الجسد لن يصل إلى المجتمع، وسيظل شعارًا معلقًا في لافتات حزبية باهتة.

في ثنايا الكتاب تتجاور ثلاث طبقات من الفشل: فشل مشروع التحرر الوطني حين تحول إلى دولة بوليسية؛ فشل الماركسية حين ذاب جزء كبير منها في امتيازات الدولة والاقتصاد؛ وفشل الذوات الفردية التي لم تملك شجاعة مواجهة هذا كله إلا على هيئة نكات سوداء أو انسحاب عدمي.

أروى تكتب من منطقة لا تمنح نفسها فيها حصانة أخلاقية. هي جزء من هذا الفشل، ضحية وجانية في آن. تروي كيف صدّقت البلاغة الثورية المطمئنة، وكيف دفعت ثمنًا باهظًا في علاقتها بنفسها وبالآخرين، ثم قررت أن تنتقم لا بالفضيحة فقط، بل أيضًا بهذا الانسحاب النهائي من العالم.

انتحارها في صيف ١٩٩٧، بعد يوم واحد من ذكرى نكسة ١٩٦٧، يبدو وكأنه تركيب مقصود للتواريخ… كأنها تربط بنفسها بين هزيمتين: هزيمة جيل أمام العدو الخارجي، وهزيمته أمام نفسه.

الموت هنا ليس مأساة فردية فقط، بل فصل أخير في سردية المبتسرين: جيل وُضع في الحاضنة التاريخية بدرجة حرارة خاطئة، فخرج إلى العالم بنصف حياة، نصف رئة، نصف إيمان. كأن الرسالة تقول: لقد جرّبنا كل أشكال الإنكار، من تقديس ناصر إلى تمجيد يناير، من الزيف القومي إلى الزيف الثوري… ولم يبق إلا أن نعترف بأن هشاشتنا هي جوهر الحكاية، لا هامشها.

وكما قال والتر بنيامين: “كل وثيقة حضارة هي في الوقت نفسه وثيقة همجية”. كتاب أروى وثيقة حضارة بالمعنى الأجمل: لغة ثرية، حساسية عالية، قدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة في المقاهي والمظاهرات والعلاقات الحميمة. وفي الوقت نفسه هو وثيقة همجية، لأن ما تصفه من كعوب تدوس على الأحلام وأفواه تتغذى على دمعة الآخرين يكشف مقدار العنف الذي كان مستترًا خلف صور الشهداء واللافتات والقصائد.

“المبتسرون” بهذا المعنى مرآة لسردية يسار عربي أحب أن يرى نفسه ضمير الأمة. غير أن صوته، حين يُجرَّد من زينته الخطابية، يخرج مبحوحًا، مترددًا، ومثقلًا بديون لم تُسدَّد.

مع ذلك، لا يتركنا الكتاب في فراغ كامل. خلف الغضب، خلف الفضح، خلف اللغة التي تشبه أحيانًا ضربات مطرقة على جدار متصدع، هناك إصرار على سؤال يتكرر بإلحاح: كيف يمكن ألا يتكرر المبتسرون؟

كيف يمكن لجيل جديد ألا يُلقى به في هواء التاريخ بلا رئتين؟

أروى لا تقدم جوابًا جاهزًا، لكنها تترك إشارات صغيرة: أن نرى القضية الوطنية بوصفها مشروع عدالة لا تمثالًا لقائد؛ أن نتوقف عن استيراد الماركسية كزينة لغوية؛ وأن نتذكر ما قاله غرامشي عن أن المثقف لا يصبح عضويًا إلا حين يبني مع الناس تنظيمًا للحياة، لا حين يبني لهم أسطورة عن نفسه. وكذلك ضرورة أن تُصاغ علاقات الرجال والنساء خارج الطلاء التحرري الذي يلمع شعاراته من الخارج ويخفي في داخله أشكال العنف القديمة.

المبتسرون ليسوا جيل أروى وحده.

كل مرة نرفع فيها شعارًا أكبر من قدرتنا على تحمّل تبعاته نكون مبتسرين.

كل مرة نعلن ثورة ولا نبني لها مؤسسات نكون مبتسرين.

كل مرة نطالب بالحرية ولا نعترف بحق المختلف نكون مبتسرين.

المبتسر ليس فقط من وُلد قبل أوانه، بل من رفض أن يكبر حين جاء وقته، من آثر البقاء داخل حاضنة الشعارات اللامعة — قومية كانت أو دينية أو يسارية — على أن يتحمل وطأة النضج.

ربما تكون هدية أروى لنا، نحن الذين جئنا بعدها بزمن، أنها نقلت كلمة “المبتسرون” من قاموس الطب إلى قاموس الوعي.

لم تعد تشير إلى طفل يلهث على سرير المستشفى، بل إلى أجيال كاملة تتنفس عبر أجهزة اصطناعية اسمها “الزعيم”، “الحزب”، “القضية”، بينما القلب الحقيقي — قلب العدالة والحرية والكرامة — لا يزال يتعلم كيف ينبض وحده.

أن نقرأ “المبتسرون” اليوم يعني أن ننظر في المرآة دون مكياج،

أن نرى هشاشتنا بلا زينة،

وأن نسأل بهدوء موجع:

هل سنظل نكرر مصائر المبتسرين…

أم سنجرب هذه المرة أن نسمح للحلم بأن ينضج،

حتى لو كلّفنا ذلك مواجهة أطول، وجرحًا أعمق،

ووحدة أقل صخبًا من كل الزخارف الثورية التي أدمنّاها؟

***

إبراهيم برسي

دراسة تحليلية تطبيقية في ضوء التجديد الدلالي

مقدّمة: شهدت الدراسات الأدبية الحديثة تحوّلًا منهجيًا ملحوظًا تمثّل في الانتقال من قراءة النصوص بوصفها بنيات لغوية مغلقة إلى النظر إليها بوصفها فضاءات دلالية مفتوحة تتقاطع فيها الذاكرة بالتاريخ، والتجربة بالهوية، واللغة بالتأويل. وفي هذا السياق يبرز مفهوم الأثر باعتباره مفهومًا إجرائيًا يسمح بفهم الكيفية التي يستمر بها النص في إنتاج المعنى عبر الزمن.

فالأثر، في المنظور التأويلي المعاصر، لا يُختزل في كونه بقايا زمنٍ منقضٍ، بل هو حضورٌ متجدّد يتشكّل عبر فعل القراءة. ومن ثمّ فإن النص الأدبي لا يُقرأ بوصفه شهادةً على الماضي فحسب، بل بوصفه بنيةً دلاليةً حيّة تظل قابلة لإعادة التأويل.

وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى كتاب Al-Ayyam بوصفه نموذجًا تطبيقيًا غنيًا لدراسة العلاقة بين الأثر والمعنى في النص السيري العربي الحديث. فالسيرة التي كتبها طه حسين لا تكتفي بتسجيل وقائع الطفولة، بل تعيد تشكيل تجربة إنسانية وثقافية تتقاطع فيها الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية، والمعاناة الشخصية بالمشروع التنويري.

ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية تطبيقية تكشف عن دينامية إنتاج المعنى في النص من خلال الجمع بين الإطار النظري والزاوية التحليلية والتحليل الأسلوبي والبلاغي.

أولًا: الإطار النظري لمفهوم الأثر والمعنى

1. الأثر في الفلسفة التأويلية

أعاد الفكر التأويلي المعاصر النظر في مفهوم الأثر، فانتقل به من دلالته المادية المرتبطة ببقايا الماضي إلى دلالة معرفية تتصل بإنتاج المعنى.

يرى Paul Ricoeur في كتابه Memory, History, Forgetting أن الذاكرة ليست مجرد استرجاع للأحداث الماضية، بل هي عملية تأويلية يعاد فيها تشكيل الماضي داخل بنية السرد. فالسرد، في نظره، يمنح الزمن الإنساني شكله ومعناه.

ومن ثمّ فإن النص الأدبي يصبح أثرًا سرديًا يعيد تنظيم التجربة الإنسانية داخل خطاب حكائي قابل للتأويل.

2. الأثر في اللسانيات البنيوية

أما في التصور البنيوي للدلالة، فإن المعنى لا يتحدد بذاته بل يتشكل من خلال العلاقات التي تربط العلامات اللغوية داخل النسق.

وقد بيّن Ferdinand de Saussure في كتابه Course in General Linguistics أن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، وأن الدلالة تتولد داخل شبكة العلاقات الاختلافية بين العلامات.

وهذا ما يسمح للنص الأدبي بإعادة إنتاج المعنى عبر إعادة ترتيب النسق الدلالي للكلمات.

3. الأثر في الفلسفة التفكيكية

تعمّق مفهوم الأثر في الفلسفة المعاصرة مع أعمال Jacques Derrida الذي رأى أن النصوص لا تحمل معنى نهائيًا ثابتًا، بل تظل مفتوحة على تعددية القراءة. فالمعنى يتشكل عبر شبكة من الآثار التي تشير إلى حضور وغياب في آن واحد.

وبذلك يصبح الأثر بنية دلالية دينامية تسمح للنص بالاستمرار في إنتاج المعنى.

ثانيًا: الأثر بوصفه ذاكرة حيّة للمعنى في الأيام

تتجلّى طبيعة الأثر في Al-Ayyam منذ الصفحات الأولى للنص، حين يعترف الكاتب بحدود الذاكرة الإنسانية، فيقول:

"لا أذكر لهذه الحياة أولًا، وإنما أذكر منها صورًا وأطيافًا لا أكاد أستطيع لها تحديدًا."

تكشف هذه العبارة عن أن الذاكرة لا تعمل بوصفها سجلًا تاريخيًا دقيقًا، بل بوصفها بنية شعورية تتكوّن من صور وأطياف متقطعة.

فالطفولة في النص لا تُستعاد بوصفها أحداثًا مكتملة، بل بوصفها أثرًا وجدانيًا يعاد تشكيله عبر الكتابة. ومن هنا يغدو النص أثرًا مزدوجًا:

أثر ذاتٍ تستعيد طفولتها.

وأثر مجتمعٍ يعيد تمثيل ذاته داخل السرد.

ثالثًا: الأثر والكتابة – من التجربة إلى التمثّل الثقافي

تمارس الكتابة في الأيام وظيفة تحويلية عميقة؛ إذ تنقل التجربة من حيّز المعاناة الفردية إلى حيّز التمثّل الثقافي.

فقد شكّل العمى أثرًا جسديًا حاسمًا في حياة طه حسين، غير أن النص يحوّل هذا الأثر إلى دلالة رمزية ذات أفق معرفي.

يقول الكاتب:

"كنتُ أجد في الظلمة التي تحيط بي لونًا من ألوان النور."

تكشف هذه المفارقة الدلالية عن عملية إعادة بناء رمزي للتجربة، حيث يتحول العمى من علامة نقص إلى علامة بصيرة معرفية.

وهكذا تتحول التجربة الفردية إلى خطاب إنساني يعيد التفكير في العلاقة بين المعرفة والحواس.

رابعًا: الأثر بوصفه مساءلة ثقافية

لا تقف السيرة في الأيام عند حدود التجربة الشخصية، بل تنفتح على نقد البنية الثقافية للمجتمع المصري في مطلع القرن العشرين.

يقول الكاتب في وصفه للتعليم التقليدي:

"كان الشيخ يقرأ، وكنا نردّد وراءه، لا نفهم إلا قليلًا، ولا نعي إلا بعضًا."

تعكس هذه العبارة نقدًا واضحًا لطرائق التعليم القائمة على الحفظ والتلقين، وهو ما دفع طه حسين لاحقًا إلى الدعوة إلى إصلاح التعليم في كتابه The Future of Culture in Egypt.

ومن هنا يتحول النص إلى خطاب نقدي إصلاحي يتجاوز حدود السيرة الذاتية.

خامسًا: الزاوية التحليلية – مستويات الأثر في النص

يمكن مقاربة النص من زاوية تحليلية تقوم على ثلاث مستويات رئيسة للأثر:

1. الأثر بوصفه تجربة حسية

ويظهر ذلك في تجربة العمى والفقر والحرمان التي عاشها الكاتب في طفولته.

2. الأثر بوصفه ذاكرة سردية

حيث يعيد الراوي بناء أحداث الطفولة في بنية حكائية تمنحها دلالتها.

3. الأثر بوصفه مشروعًا ثقافيًا

إذ يتحول السرد إلى خطاب نقدي يعكس رؤية تنويرية للمجتمع.

سادسًا: التحليل الأسلوبي للنص

1. ضمير الغائب وبناء المسافة السردية

يلجأ طه حسين إلى استعمال ضمير الغائب في الحديث عن نفسه، فيقول مثلًا: "كان الصبي…".

ويؤدي هذا الأسلوب إلى خلق مسافة تأملية بين الراوي والشخصية، تسمح بإعادة قراءة التجربة من منظور نقدي.

2. البنية الزمنية للسرد

يقوم السرد في الأيام على تداخل زمني بين زمن التجربة وزمن الكتابة. فالأحداث الماضية تُروى من منظور الوعي الناضج، مما يمنحها دلالات جديدة لم تكن واضحة في لحظة حدوثها.

3. الاقتصاد اللغوي والتكثيف الدلالي

يمتاز أسلوب النص بلغة واضحة لكنها مشحونة بالإيحاء، حيث تتحول الجمل القصيرة إلى حوامل لمعانٍ رمزية عميقة.

4. تعدد الأصوات في الخطاب السردي

يتجاور في النص صوت الطفل وصوت الراوي البالغ، وهو ما يمنح السرد طابعًا حواريًا.

وقد أشار Mikhail Bakhtin في كتابه The Dialogic Imagination إلى أن تعدد الأصوات داخل النص السردي يؤدي إلى توسيع أفق المعنى وفتح المجال أمام قراءات متعددة.

سابعًا: التحليل البلاغي للنص

إلى جانب خصائصه السردية، يعتمد النص على مجموعة من الآليات البلاغية التي تسهم في تعميق دلالته، ومن أبرزها:

1. المفارقة الدلالية

كما في قول الكاتب:

"كنت أجد في الظلمة التي تحيط بي لونًا من ألوان النور."

حيث تتحول الظلمة إلى مصدر للنور المعرفي.

2. الصورة الرمزية

فالعمى في النص ليس مجرد حالة جسدية، بل رمز للمعاناة التي تتحول إلى معرفة.

3. الاستعارة المعرفية

تتحول مفاهيم مثل النور والظلمة إلى استعارات تشير إلى المعرفة والجهل.

خاتمة

تكشف القراءة التحليلية لكتاب Al-Ayyam أن النص يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليغدو فضاءً دلاليًا غنيًا تتفاعل فيه الذاكرة بالهوية، والتجربة الفردية بالمشروع الثقافي.

لقد استطاع طه حسين أن يحوّل أثر العمى إلى بصيرة معرفية، وأثر الطفولة إلى مشروع تنويري، وأثر المعاناة إلى خطاب ثقافي مؤسس.

ومن ثمّ فإن النص يمثل مثالًا بارزًا على قدرة الأدب على تحويل التجربة الإنسانية إلى معرفة، وعلى جعل الأثر طاقة دلالية متجددة تستمر في إنتاج المعنى عبر الزمن.

***

بقلمي: ربى ربعي – الأردن

..........................

المراجع

- طه حسين، Al-Ayyam، دار المعارف.

 

قراءة في كتاب "منامات الوهراني" للمؤلف محمد بن محمد محرز الوهراني

ليست مسألة انتشار الأدب المشرقي وتراجع حضور الأدب المغاربي دليلا على تفوّق الأول أدبيا بقدر ما هي نتيجة لظروف تاريخية وثقافية. فقد تشكّلت مراكز السلطة والعلم في مدن المشرق مثل بغداد والبصرة، حيث نشأت شبكات العلماء والمدارس التي قامت بنسخ الكتب وتعليمها، فانتشرت أعمال مثل مقامات الحريري انتشارا واسعا. في المقابل ظلّ الأدب المغاربي يُنتج في فضاء أبعد عن المركز الثقافي، رغم ازدهاره في حواضر مثل القيروان وفاس، فكان حضوره أضعف في التداول لا في القيمة. ومع ذلك قدّم أدباء المغرب نصوصا عميقة وجريئة في النقد الاجتماعي، كما يظهر في مقامات الوهراني، مما يدلّ على أن الفارق كان في مركزية الانتشار لا في قوة الإبداع .

"دخلتُ بغدادَ، دارَ الخلافة، ومعدنَ الظرف واللّطافة، ومجمعَ العلم والظرافة، فإذا الأسواقُ تفيضُ بالحرفيين والباعة، وإذا القصورُ تزهو بالعلماء والمحدثين، وإذا الحدائقُ تهتفُ بالزهور والأطيار، وإذا المجالسُ تصفقُ بالخطابة والحِكمة. ورأيتُ العلماءَ في حلقهم، يتناوبون على المباحث، يتبادلون الشعرَ والبلاغة، يتذاكرون الأخبار، فينساب العلمُ كالنهر الجاري، فتروى النفوس وتشرب العقول. وأقمتُ في ظل خليفةٍ عادل، ينشر العدل ويطفئ نار الباطل، فلا يظلم فقيرٌ ولا يستبد غنيٌّ، ويعلو كلامُ الحقِّ فوق صوتِ الفساد. وبها من كل فنٍّ طائفة، ومن كل علمٍ عارفة، فإذا الفقيه في المسجد، وإذا الحكيم في المجلس، وإذا الشاعر في السوق، وإذا التاجر في الدار، وكلٌ منهم يضفي على المدينة لونًا من الحياة. ورأيتُ بعض الأدباء يتباهون بالعلم، ويختلط الحابل بالنابل، فيظن الواحد منهم نفسه علماً قائمًا بذاته، ولا يعلم أن العلوم بحورٌ والغُرور زورق صغير لا يطفو عليها."

هكذا تبدأ المقامة البغدادية للأديب محمد بن محمد محرز الوهراني، الأديب الجزائري الأصل من مدينة وهران في المغرب الإسلامي، الذي عاش في القرن السادس الهجري، أي ما يقابل تقريبا القرن الثاني عشر الميلادي. كان الوهراني من أبرز كتاب المقامات بعد بديع الزمان الهمذاني والحريري، وقد عاش في زمن الدولة الأيوبية وبرزت شهرته أثناء حكم القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، ما أتاح له أن يرى عن كثب الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في المشرق العربي ويصورها بأسلوب أدبي فني بليغ.

المقامات الوهرانية هي نصوص أدبية تجمع بين السرد القصصي والسجع البلاغي والخيال الأدبي والنقد الاجتماعي، مع مدح سياسي وإشارات أدبية متنوعة، وتظهر فيها قدرة الوهراني على المزج بين السخرية والحكمة والبلاغة. تعكس المقامات وصف المدينة وحيواتها من الأسواق والقصور والحدائق والمجالس العلمية، وتصور العلماء والأدباء في حلقات العلم والمجادلات الأدبية، وتجعل من العلم نهرًا يروى النفوس ويشرب العقول، بينما يظهر النقد الاجتماعي في سخرية الوهراني من الأدباء المتباهين بعلمهم وغرورهم، كما في استعارة البحار والزورق الصغيرة.

يشمل كتاب الوهراني مجموعة واسعة من المقامات والرسائل، منها مقامات وصف المدن مثل بغداد وصقلية، ورسائل ساخرة على ألسنة الحيوانات والأشياء كالرقعة على لسان البغلة وخطبة المأذنة ورسالة الطير، بالإضافة إلى رسائل إلى القضاة والوزراء والأمراء، والتي تتناول موضوعات اجتماعية وسياسية وتجمع بين النقد والمديح والفكاهة. ويعكس الكتاب الثقافة الواسعة للوهراني، مع إشارات إلى القرآن، الشعر، الأمثال، والعلوم المتنوعة، ويعد مرجعًا مهمًا لفهم الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في القرن الثاني عشر الميلادي.

من خلال هذا الكتاب، يظهر الوهراني كأديب ساخر وفيلسوف مجازي، يمتاز بجرأته الأدبية، وحسّه الفكاهي، ومهارته البلاغية، ويبرع في خلق صور حيّة للمدينة والمجتمع والطبقات المختلفة، ويثبت مكانته كأحد أعظم كتّاب المقامات في التراث العربي. إن قراءة الكتاب تعطي القارئ تجربة فريدة تجمع بين المتعة الأدبية والفائدة التاريخية والثقافية، وتبرز الوهراني كأحد المبدعين الذين نقلوا فن المقامة إلى آفاق جديدة، مع المحافظة على الروح النقدية والخيال الأدبي العميق.

يعدّ كتاب المقامات الوهرانية مرجعا أدبيا شاملا، يجمع بين وصف المدن، الحياة الثقافية والاجتماعية، النقد الساخر، المدح السياسي، والخيال الأدبي، ليقدّم صورة متكاملة عن المجتمع في العصر الأيوبي، ويبرز براعة الأديب الوهراني في المزج بين البلاغة والفكاهة والحكمة، ويعد نموذجا رائدا للأدب العربي الساخر في القرن الثاني عشر الميلادي.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

أو تشريح الحلم الأميركي من الداخل

في سنة 2025 أصدرت دار Éditions Grasset كتاب «الجزء المتوحّش» للصحافي والناقد الفرنسي مارك ويتزمان، وهو عمل يتخذ من العلاقة التي جمعته بالروائي الأميركي فيليب روث مدخلا لطرح أسئلة تتجاوز حدود السيرة الشخصية إلى تخوم الفلسفة السياسية ونقد الحداثة الأميركية. الكتاب لا يكتفي بإضاءة صداقة امتدت من 1999 إلى 2018، بل يحوّل تلك الصلة إلى مختبر فكري تُفكَّك فيه أساطير الهوية، وسرديات الاندماج، وتوترات الديمقراطية المعاصرة، في سياق بلغ ذروته الرمزية مع صعود دونالد ترامب.

لا يقدّم ويتزمان ذكرياته بوصفها مادة حميمية مستقلة، بل يجعلها أداة معرفية لفهم النص الروائي، حيث الصداقة تتحول إلى موقع تأويلي، وإلى زاوية رؤية تكشف ما يختبئ بين السطور. هذا الاختيار يضع العمل في تماس مع تصور بول ريكور للهوية السردية؛ فالذات تُبنى عبر الحكي، وتتعرّف إلى نفسها من خلال إعادة تركيب خبراتها في صيغة قصة. ويتزمان، وهو يروي روث، يعيد بناء موقعه كقارئ وكمثقف أوروبي يطل على أميركا بعين مزدوجة: عين الإعجاب بعنفوان التجربة الديمقراطية، وعين القلق من تشققاتها.

ومن زاوية أخرى، يتقاطع هذا المسار مع تصورات يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي، حيث يغدو الأدب مجالا يتداول فيه المجتمع أسئلته الأخلاقية والسياسية. روايات روث لا تُقرأ باعتبارها تخييلا محضا، بل باعتبارها مساهمة في النقاش العمومي حول معنى الانتماء، وحدود الحرية، وشرعية السلطة.

في قراءته لرواية «الوصمة البشرية»، يكشف ويتزمان عن عمق المعضلة التي يشتغل عليها روث: الهوية ليست جوهراً مستقراً، بل بناء هشّ يخضع لقوى التصنيف والرقابة الاجتماعية. الشخصية التي تخفي أصولها الأفريقية وتعيش بهوية بيضاء تجسّد ما يمكن تسميته "دراما الأداء الاجتماعي"، حيث يتحول الانتماء إلى مسرح تُفرض فيه أدوار محددة.

هذا التحليل يستدعي أصداء أفكار ميشيل فوكو حول إنتاج الذوات عبر شبكات السلطة، كما يلامس أطروحات ستيوارت هول التي ترى الهوية سيرورة تاريخية متغيرة. قراءة ويتزمان تضيف بعداً جدلياً: المجتمع الأميركي الذي يعلن مساواته القانونية يحمل في بنيته رواسب تصنيفية تظل قابلة للانفجار في كل لحظة.

عند تناوله لرواية «التآمر على أميركا»، يتوقف ويتزمان عند تقنية التاريخ البديل، حيث يُفترض وصول الطيار ليندبيرغ إلى الرئاسة بدل فرانكلين روزفلت. هذا الافتراض لا يُستثمر كحيلة تخييلية فحسب، بل كاختبار لمرونة النظام الديمقراطي. الديمقراطية تُقدَّم هنا ككائن حيّ قابل للانزلاق نحو السلطوية.

نفس المنحى يتقاطع مع تحليلات حنة آرندت حول نشأة الشمولية من داخل المجتمعات الحديثة، ومع دفاع كارل بوبر عن "المجتمع المفتوح" الذي يظل مهدَّداً بأعدائه من الداخل. قراءة ويتزمان تضفي بُعداً راهناً على هذه الإشكالية، إذ يرى في صعود الشعبوية المعاصرة امتداداً لتلك الإمكانية الكامنة في بنية الديمقراطية الأميركية.

في تحليله لرواية «الرعوي الأميركي»، يبرز ويتزمان التصدع القائم بين مثال الاندماج الناجح وتمرد الجيل الجديد. العنف الذي تمارسه الابنة احتجاجاً على حرب فيتنام يكشف عن شقّ داخلي في سردية التقدم. المجتمع الذي يعد بالرخاء والاستقرار يحمل في داخله توترات لا تُحلّ بسهولة.

ويمكن قراءة هذا التوتر في ضوء أفكار سيغموند فرويد حول العنف المكبوت في الحضارة، كما يجد صداه في نقد هربرت ماركوزه للمجتمع الصناعي الذي يُنتج الامتثال بقدر ما يولّد الرغبة في الرفض. "الجزء المتوحش" الذي يتحدث عنه ويتزمان يحيل إلى تلك الطاقة الكامنة التي ترافق مشروع الحداثة الأميركية، وتكشف حدود قدرتها على احتواء تناقضاتها.

ينتهي ويتزمان إلى أن أدب روث التقط إشارات القلق قبل أن تتحول إلى ظواهر سياسية صريحة. الرواية تُقرأ هنا كفضاء استشرافي، يختبر سيناريوهات المستقبل في شكل سردي. هذا التصور ينسجم مع رؤية تيودور أدورنو الذي رأى في الفن معرفة سلبية تكشف ما تعجز اللغة السياسية المباشرة عن قوله.

إن كتاب «الجزء المتوحّش» يفتح بهذا الامتداد الفلسفي، نقاشا يتجاوز العلاقة بين ناقد وكاتب، ليطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن للسرد أن يكون أقدر على تشخيص مصير الديمقراطية من التحليل السياسي؟ وهل تكشف الرواية ما يتوارى في اللاوعي الجمعي قبل أن يتجسد في صناديق الاقتراع؟

إنه عمل يضع الأدب في قلب الجدل حول مستقبل الحداثة الغربية، ويقترح أن ما يُكتب في عزلة الكاتب قد يتحول إلى مرآة دقيقة لاضطرابات التاريخ.

***

د. مصطفى غَلْمان

تأليف: عبد السَّلام عبد الكريموفيتش غوسينوف*

ترجمة: د. علي صغير**

***

تَكْمُنُ مَأْساوِيَّة الوجود الإنسانيِّ، مِنْ وجهة نظر الكاتب والمفكِّر الرُّوسيِّ المرموق ل. ن. تولستوي (1828-1910)، في التَّناقض بين حَتْمِيَّة الموت والشَّغف المُلازم للإنسان بالخُلود المنبثق عن ماهِيَّته العاقلة. ويتجسَّد هذا التَّناقض، بأوضح ما يكون، في السُّؤال عن مَعْنى الحياة - وهو سؤالٌ يصل إليه العقل بسبب عدميَّة الحياة ونكدها. ويمكن صياغة هذا السُّؤال على النَّحو الآتي: "هل يوجد في حياتي ذلك المعنى الَّذِي لا يُدَمِّره موتي المُقْبل حتمًا؟" تولستوي ل. ن. الأعمال الكاملة. المُجلَّد 23. موسكو، 1957. ص 16-17. (ستُذكر جميع الإحالات في ما بعد إلى هذه الطَّبعة- تشير الأرقام قَبْلَ الفاصلة إلى المُجلَّد، وتُشير الأرقام بعد الفاصلة إلى الصَّفَحات). يرى تولستوي أنَّ حياة الإنسان تمتلئ بالمعنى بِقَدْرِ ما يُخْضِعُها لتحقيق إرادة الله. أمَّا إرادة الله فقد مُنِحَتْ لنا كقانون للمَحَبَّة الَّذِي يقف في مواجهة قانون العنف. قانون المَحَبَّة مطبوع في القلب الإنسانيِّ، وقد أدرك كُنْهَهُ مُؤَسِّسو الأديان والفلاسفة البارزون، وتَمَّ توضيحه بأكمل وأدَقِّ ما يكون في وصايا السَّيِّد المسيح. ينبغي للإنسان لكي يُخَلِّص نفسه وروحه من الفساد، ويمنح حياته معنًى لا يبطله الموت أنْ يَكُفَّ عن فِعْل الشَّرِّ وممارسة العُنْف، وأنْ يَكُفَّ عن ذلك مَرَّةً وإلى الأبد، بما في ذلك، وبشكل أساسيٍّ عندما يُصْبِح هُوَ نفسه هدفًا للشَّرِّ والعُنْف. لا تَرُدَّ بالشَّرِّ على الشَّرِّ، ولا تُقاوِم الشَّرَّ بالعُنْف - هذا هو أساس فلسفة حياة ليف نيكولايفيتش تولستوي.

إنَّ إبداع تولستوي كُلَّه بَعْدَ عام 1878 مُخصَّص، بشكل أو بآخر، للدِّين وأخلاقيَّات عدم المُقاوَمَة. يُمكن تقسيم الأعمال ذات الصِّلة (سنذكر فقط أهَمَّها) إلى أربع مجموعات: المجموعة الاعترافيَّة: "الاعْتِراف" (1879-1881)، "فيمَ إيماني؟" (1884)؛ المجموعة النَّظريَّة: "ما الدِّينُ وما جوهره؟" (1884)، "مملكة الله داخِلَكُم" (1890-1893)، "قانون العُنْف وقانون المَحَبَّة" (1908)؛ المجموعة المقاليَّة: "لا تَقْتُلْ" (1900)، "لا أستطيع السُّكوت" (1908)؛ المجموعة الأدبيَّة-الرِّوائيَّة: "موت إيفان إيليتش" (1886)، "السوناتا الكروتزرية" (1887-1889)، "البعث" (1889-1899)، "الأب سيرغيه" (1898).

ولادة تولستوي الثَّانية

تنقسم حياة تولستوي الواعِيَة - إذا ما افترضنا أنَّها بدأت مِنْ سِنِّ الثَّامنة عشرة، عندما غادر الشَّاب تولستوي مقاعد الدِّراسة في السَّنة الجامعيَّة الثَّانية وعندما صار، حسب اعترافه في "الاعتراف"، "لا يُؤْمِن بأيِّ شيء" مِمَّا علَّموه إيَّاه (23، 1) - إلى نصفين مُتَساوِيِيْنِ مُدَّة كُلٍّ منهما اثنان وثلاثون عامًا، يختلف نِصْفُها الثَّاني عن الأوَّلِ اختلاف النَّهار عن اللَّيلِ. يجري الحديث عن التَّحوُّل الَّذِي يشكِّل في الوقت نفسه إشراقًا روحيًّا وتبدُّلًا جذريًّا في الأُسُس الأخلاقيَّة للحياة. وفي هذا الصَّدد يكتب تولستوي في مؤلَّفه "فيمَ إيماني؟": "ما بدا لي من قبل جَيِّدًا، صار سيِّئًا، وما بدا من قبل سيِّئًا، صار جَيِّدًا. حدث لي ما يحدث لإنسان خرج لأمْرٍ ما وفجأةً قرَّر في الطَّريق أنَّه لا يحتاج إلى هذا الأمر على الإطلاق - فأقفل عائدًا إلى بيته. وكُلُّ ما كان على اليَمين أصبح على اليَسار، وكُلُّ ما كان على اليَسار أصبح على اليَمين" (23، 304).

لقد سار النِّصف الأوَّل من حياة ليف تولستوي، طَبْقًا لجميع المعايير السَّائدة، بشكل ناجح وسعيد للغاية. وتلقَّى باعتباره كونتًا بالميلاد تربيةً جيِّدةً وميراثًا كبيرًا. لقد أظهرت الطَّبيعة، وهي تعمل على تكوينه، كَرَمًا سخِيًّا: فاجتمعت في شخصه بنية جسديَّة قويَّة مع عبقريَّة فنِّيَّة وموهبة فلسفيَّة نادرة. كان مسار حياة الكونت تولستوي مليئًا بالشَّهوات الجامحة، والمجد العظيم، والثَّروة المتزايدة، والخِدمة المدنيَّة، والأفراح الأُسَرِيَّة - بِكُلِّ تلك المشاعر الدَّاخليَّة والنَّجاحات الخارجيَّة الَّتِي تُعَدُّ عادةً من أهَمِّ الدَّوافع والمبرِّرات اللَّائقة بالنَّشاط البشريِّ.

لقد دخل الحياة كممثِّل نموذجيٍّ لِنُخْبة النُّبلاء العُلْيا "أرباب الحياة" الَّذِين يَسألُون ولا يُسألُون عمَّا يفعلون ولا يتحمَّلون أيَّ مسؤوليَّة أمام أحدٍ من الخَلْقِ، والَّذِين يَحِقُّ لهم ما لا يَحِقُّ لغيرهم، فكان كُلُّ شيء متاحًا ومباحًا لهم. فقد تمتَّع أديبنا الموهوب في شبابه بحياة صاخبة، وأفرط في مُعاقرة الخَمْر ولَعْبِ القِمار ومُعاشَرة النِّساء وخوض المُبارزات، فذاق تمامًا حلاوة الملذَّات الحسِّيَّة والمشاعر القَوْيَّة. وإلى ذلك، خدم تولستوي في القوقاز بين عامَيْ 1851-1854، وشارك في الدِّفاع عن سيفاستوبول بَيْنَ 1854-1855، حَيْثُ برز كضابط شُجاع. ومع ذلك، كانت الكتابة هي نشاطه الرَّئيس - وهي من بين جميع أشكال الإبداع الفكريِّ الأكثر إجلالًا وتقدُّمًا في روسيا. لقد جلبت لَهُ القِصَص والرِّوايات الأُولى الَّتِي نُشِرَتْ في مجلَّة "سوفريمنِّيك" (المُعاصِر) الشَّهيرة بإشراف الشَّاعر الرُّوسيِّ نيقولاي نيكراسوف شُهْرَةً واسعة في البلاد، وبرواية "الحرب والسَّلام" و"آنَّا كارينينا" نال شُهْرَة عالميَّة. كانت مكانة تولستوي الكاتب في روسيا والعالَم لا جدال فيها، فقد أثْبَتَ جدارته، ورحَّب به الرَّأيُ العامُّ أعظم ترحيب بصفته مُعلِّمًا للحياة. على الرَّغْمِ مِنْ أنَّ الشُّهرة كانت تُسِرُّ كبرياء تولستوي، وأنَّ المُكافآت الكبيرة كانت تُعزِّز ثَرْوَته، فإنَّ إيمانه بدَوْرِ الكاتب بدأ يتزعزع. لقد رأى أنَّ الكتَّاب يؤدُّون دورًا ليس دورهم اللَّائق بهم: إنَّهم يُعلِّمون من دون أنْ يعرفوا ماذا يُعلِّمون، ويتجادلون باستمرار في ما بَيْنَهُم حَوْلَ مَنْ تكون حقيقته هي الأعلى وحُجَّته هي الأقوى؛ إنَّ قُوَّة حضور الدَّوافع الأنانيَّة في نشاطاتهم هي أكبر بكثير مِمَّا هي عليه عند النَّاس العاديّين الَّذِين لا يدَّعون لأنْفُسهم دَوْرَ مُرْشِدي المجتمع. ومِنْ غَيْرِ أنْ يتخلَّى عن الكتابة وكبرياء الكاتب، غادر بيئة الكُتَّاب في رحلة إلى الخارج استمَرَّت نصف عام (1857) انشغل بعدها بالنَّشاط التَّربويِّ بَيْنَ الفلَّاحين (1858-1863). وعَمِلَ خلال عام (1861-1862) وسيطًا محلِّيًّا في النِّزاعات بين الفلَّاحين ومَلَّاكيِّ الأراضي. لم يكن أيُّ شيء يُرضي تولستوي بالكامل ويروي ظمأه الرُّوحيَّ. فقد أصبحت الخيبات الَّتِي رافقت كُلَّ نشاط من أنشطته مصدرًا لاضطرابٍ داخليٍّ متزايد، ولم يَكُن في وسع رحلة جديدة إلى الخارج استمرَّت عَشَرَةَ أشْهْرٍ (1860-1861) أنْ تُنْقِذَه منه، ولا الهروب إلى السُّهوب البشكيريَّة لمُدَّة شهرين ونِصْف "لاستنشاق الهواء، وشُرْب الكوميس، والعَيْش حياة حيوانيَّة" (23، 10). وقد جنَّبه الزَّواج بصوفيا أندرييفنا بيرغي في أيلول/سبتمبر من العام 1862 الأزمة الرُّوحيَّة المتصاعدة. ومنحته الأُسرة إلى جانب أفراحه الخاصَّة حوافز جديدة للإبداع والنَّشاط الاقتصاديِّ.

أمَّا النِّصف الثَّاني من حياة ليف تولستوي الواعية فقد كان نفيًا للأوَّل. لقد وصل إلى قناعة مُفادها أنَّه، مِثْلَ مُعْظم النَّاس، عاش حياة تَخْلو مِنَ المعنى – عاش مِنْ أجْلِ نفسه. كُلُّ ما كان يُقدِّره – الملذَّات والشُّهرة والثَّروة والأولاد – عِرْضَة للزَّوال والنِّسيان. ويتبيَّن أنَّ كُلَّ هذا تافه من منظار لاتناهي العالَم. وفي ذلك يقول تولستوي: "تجدني كأنَّني عِشْتُ وعِشْتُ، وسِرْتُ وسِرْتُ حَتَّى وصَلْتُ إلى حافة هاوية، فأدرَكْتُ بوضوح أنَّ لا شيء يلوح في الأُفُق سِوى الهلاك" (23، 12). ليس الخطأ في خطوات معيَّنة في الحياة، بَلْ في اتِّجاهها نفسه، في ذلك الإيمان، أو بالأحرى عدم الإيمان الَّذِي يقوم عليه. إذن، ما عساه أنْ يكون ما هُوَ ليس كَذِبًا، وما هُوَ ليس عَبَثًا؟ وجد تولستوي الإجابة عن هذا السُّؤال في تعاليم يسوع المسيح. إنَّها تُعَلِّم الإنسان أنْ يخدم مَنْ أرسله إلى هذا العالَم – الله – وفي وصاياه البسيطة يُوَضِّح كيف يفعل ذلك.

استيقظ تولستوي على حياة جديدة، فتبنَّى بقلبه وعقله وإرادته وكُلِّ طبيعته الشَّغوفة البرنامج الأخلاقيَّ-الاجتماعيَّ للمسيح ونذر نفسه بالكامل لِاتِّباعه وتأسيسه والدَّعوة إليه.

في الحقيقة، لا تجد المسألة المتعلِّقة بأسباب هذا التَّغيُّر الجذريِّ الحادِّ في أركان حياة تولستوي، مثل جميع التَّغيرات من هذا النَّوع عُمومًا، تفسيرًا مُرْضِيًا. في الواقع، إذا تغيَّرت أُسُس الحياة بطريقةٍ يصير الإنسان فيها روحيًّا على الضِدِّ تمامًا مِمَّا كان عليه قبلًا، فهذا يعني بالضَّبط أنَّ الحالة الجديدة لا تنبع من القديمة، وليست استمرارًا لها. كان في الإمكان الافتراض أنَّ الحالة القديمة تحدِّد الحالة الجديدة بطريقة سلبيَّة محض، مُلْزِمةً إيّاه بفعل كُلِّ شيء بالعكس. ولكِنْ حَتَّى في هذه الحالة يبقى من غير الواضح من أين ينشأ وَعْيُ الشَّخص بسلبيَّة تجربته ومرارتها. في زمانه، عاش القدِّيس أوغسطينوس المُتخبِّط والحائر روحيًّا انقلابًا مُدْهِشًا حوَّلَه في لحظة من وثنيٍّ إلى مسيحيٍّ. وبعد التَّأمُّل مليًّا في أسباب هذا التَّحوُّل الَّذِي لم يجد له أيَّ أُسُس تفسيريَّة في حياته الخاصَّة، خَلَصَ أوغسطينوس إلى استنتاج مُفاده أنَّ ما حدث له هو مُعجزة تثبت وجود الله. منطق أوغسطينوس لا تشوبه شائبة: لا يمكن للمرء أنْ يطلب تفسيرًا سببيًّا لتَحوُّل شاوول إلى بولس، لأنَّ مثل هذا التَّحوُّل نفسه يُدرَك على أنَّه قَطْعٌ لسلسلة العلاقات بين الأسباب والنَّتائج، كفعل حُرِّيَّة محض. تشهد قدرة الإنسان على التَّغيُّر، وبخاصَّةٍ، التَّحوُّلات المفاجئة، على استقلاليَّة الرُّوح وعلى أنَّ الإنسان أعصى من أنْ يُحصَر في أفعاله الخاصَّة ويحتفظ دائمًا بإمكانيَّة الانفلات من براثن الضَّرورة.

يُعْدُّ التَّجديد الرُّوحيُّ للشَّخصيَّة أحد الموضوعات المركزيَّة في رواية تولستوي الأخيرة "البعث" (1899) الَّتِي كتبها في الفترة الَّتِي صار فيها مسيحيًّا ومقاوِمًا للشَّرِّ باللّاعُنْف تمامًا. يجد البطل الأمير نيخليودوف نفسه محلَّفًا في قضية عاهرة مُتَّهمة بالقتل، يتعرَّف فيها على كاتيوشا ماسلوفا – الخادمة في منزل عمَّاته الَّتِي سبق له أنْ راودها عن نفسها ذات يوم ثُمَّ تخلَّى عنها. وقد قلبت هذه الحقيقة حياة نيخليودوف رأسًا على عَقِب. لقد رأى ذَنْبه الشَّخصيَّ في سقوط كاتيوشا ماسلوفا وذَنْبَ طبقته في سقوط الملايين من أمثال كاتيوشا. فاستيقظ في وعيه الإلهُ الَّذِي عاش فيه، لتنفتح بصيرة نيخليودوف على رؤية مقدار الزَّيف الدَّاخليِّ الَّذِي تنطوي عليه حياته وحياة مَنْ حوله في ضوء الأخلاق المُطْلَقة. شَعَرَ بالاشمئزاز والخجل. قطع نيخليودوف المصدوم صلته بمحيطه وتبع ماسلوفا إلى المنفى الخاصِّ بالعقوبات الشَّاقَّة. بدأ التَّحوُّل المفاجئ لنيخليودوف مِنْ سَيِّدٍ متهوِّر مسرف في حياته إلى مسيحيٍّ مُخْلِصٍ (مسيحيٌّ ليس بالمعنى الكنسيِّ، بَلْ بالمعنى الأخلاقيِّ للكلمة) على المستوى العاطفيِّ-الرُّوحيِّ في صورة توبة عميقة وصحوة ضمير، واكبه عمل عقليٌّ مكثَّف. بالإضافة إلى ذلك، يُميِّز تولستوي في شخصيَّة نيخليودوف على الأقَلِّ عامِلَيْن مُساعِدَيْنِ أسْهَما إيجابا في مثل هذا التّحوُّل – عقل حادٌّ وفضوليٌّ يرصد بدقَّة الكذب والنِّفاق في العلاقات البشريَّة، وكذلك مَيْلٌ واضح للتَّغيُّر. والعامل الثَّاني مُهِمُّ بشكل خاصٍّ: "يحمل كُلُّ إنسان في ذاته بذور جميع الصِّفات البشريَّة، يُظهر بعضها تارةً، وبعضها الآخر تارةً أُخرى، ويحدث غالبًا ما يكون غير مشابه لنفسه على الإطلاق، مع ذلك يبقى واحدًا وهو نفسه. تكون هذه التَّغيُّرات لدى بعض النَّاس حادًّة بشكلٍ خاصٍّ. وإلى هؤلاء النَّاس ينتمي نيخليودوف" (البعث. الجزء الأوَّل. الفصل التَّاسع والخمسون).

إذا ما نقلنا تحليل تولستوي للثَّورة الرُّوحيَّة لنيخليودوف على تولستوي نفسه، فسنرى الكثير من القواسم المُشتركة بَيْنَهُما. كان تولستوي أيضًا مَيَّالًا بدرجة عالية إلى التَّغيُّرات الحادَّة وقابلًا لها؛ لقد امتحن نفسه في مجالات مختلفة. فقد خبر بتجربة حياته الخاصَّة كُلَّ الدَّوافع الرَّئيسة المرتبطة بالتَّصورات الدُّنيويَّة عن السَّعادة، وخَلَصَ إلى استنتاج مُفاده أنَّها لا تورث طُمأنينة النَّفْس. إنَّ إمتلاء التَّجربة هذا الَّذِي لم يترك أيَّ أوهام بأنَّ شيئًا جديدًا من السِّلسلة الدُّنيويَّة يمكن أنْ يمنح الحياة مَعْنًى قائمًا بذاته، أصبح مُقدِّمة مُهمًّة للانقلاب الرُّوحيِّ. امتلك تولستوي حِدَّة ذكاء عالية نادرة؛ كان عقله الفضوليُّ مُوَجَّهًا إلى فَهْمِ سرِّ الإنسان، وكانت حياته الخاصَّة هي الميدان التَّجريبيُّ الأساسيُّ لبحوثه الوجوديَّة والمعرفيَّة. وقد عَبَّرَ الشَّاعر التُّركيّ فَضِيل كُيوسْـنُو داغلارجا عن هذه الحال بألطف مقال في قصيدة موجزة بعنوان "الوجود":

"وُلِدْنَا ذات مَرَّة -

فَنعِيش.

ذات مَرَّةً، لَمَّا بَدَأْنَا نُفَكِّرُ.

وُلِدْنَا من جديد.

لِنَعْرِفَ.

لِمَ وُلِدْنَا المَرَّةَ الأُولَى". (مجلَّة: الأدب الأجنبيُّ، 1972، العدد 3).

ويبدو من السِّيرة الذَّاتيَّة لتولستوي أنَّ الحياة والتَّفكير فيها متشابكان بشدَّة إلى درجة يصحُّ معها القول: لقد عاش ليفكِّر وفكَّر ليعيش. ولِكَيْ يكتسب الاختيار الحياتيُّ مكانةً لائقة، في نظر تولستوي، كان لا بدَّ من أن يُبرِّر نفسه أمام العقل، وأنْ يجتاز بجدارة اختبار الاتِّساق المنطقيِّ. لَمْ تترك هذه اليَقَظَة الدَّائمة للعقل سوى ثغرات قليلة للخداع والخداع الذَّاتيِّ اللَّذَيْنِ يخفيان اللَّاأخلاقيَّة الأصليَّة واللَّاإنسانيَّة المُهينة لِما يُسمّى بأشكال الحياة المُتَحضِّرة. في فضح هذه الأمور، كان تولستوي لا يُحابي ولا يرحم؛ ولئن كان صحيحًا أنَّ تولستوي بادر إلى شنِّ هجومه الجبهويِّ الشَّامل ضِدّ العنف واللَّاإنسانيَّة في الشَّطر الثَّاني من حياته فقط، فإنَّ الرُّوح النَّقديَّة-الاجتماعيَّة كانت مُتأصِّلة فيه دائمًا.

ثَمَّةَ تشابه بين النَّموذج النيخليودوفي ومسار الأزمة الرُّوحيَّة لتولستوي. لقد بدأت هذه الأزمة برُدود فِعْل داخليَّة لاإراديَّة تُشير إلى خلل في نظام حياته؛ وفي إشارةٍ إلى هذه الأزمة يكتب تولستوي: "أصابني شيءٌ غريب جدًّا: أصْبَحَتْ تَنْتابُني لحظات حَيْرَة في البداية، وتوقُّف في الحياة، كما لو أنَّني لا أعرف كيف أعيش وماذا أفعل، تخبَّطتُ في الضَّياع وتملَّكني القُنوط. لكن هذا كان يمُرُّ وأعودُ إلى متابعة حياتي كما مِنْ قَبْل. ثُمَّ أصْبَحَتْ هذه اللَّحظات من الحَيْرَة والتَّشوُّش تتكرَّر أكثر فأكثر وبالصُّورة نفسها دائمًا. كانت هذه التَّوقَّفات في الحياة تعبِّر عن نفسها دائمًا بالأسئلة ذاتها: لماذا؟ ثُمَّ ماذا بعد؟ (10,23).

أصبح هذا الهاجس الَّذِي سرعان ما تحوَّل إلى وسواس قهريٍّ بالانتحار، مصدرًا وموضوعًا لعمل فكريٍّ حثيث. وقد تطلَّب الأمر، قبل كُلِّ شيء، تأمُّل حقيقة أنَّ تسمُّم حياة تولستوي حدث عندما كان لديه كُلُّ ما "يُعَدُّ السَّعادة الكاملة" (23، 12)، وكان في وسعه أنْ يعيش حياة سعيدة ومستقيمة، وأنْ يكون محبوبًا ومحترَمًا من الجميع. اِمْتَدَّ العمل الفكريُّ الدَّؤوب لتولستوي في إعادة تأمُّل أُسُس حياته الخاصَّة سنوات عدَّة، وشمل دراسة الأديان العالَميَّة والحكمة الفلسفيَّة وبحوثًا نظريَّة عميقة حول طبيعة الدِّين والأخلاق والإيمان، ونقدًا منهجيًّا للفكر اللَّاهوتيِّ الدُّوغمائيِّ، الأمر الَّذِي تطلَّب دراسة اللُّغة العِبْريَّة القديمة وتحديث معرفته باللُّغة اليونانيَّة القديمة؛ وفي إطار الجهود الواعِيَة للتَّغلُّب على الدَّاء الرُّوحيِّ الَّذِي أصابه، عاش تولستوي مُدَّة عامٍ حياةَ مسيحيٍّ أُرثوذُكسيٍّ مُلْتَزمًا تعاليم الكنيسة الأُرثوذُكسيَّة بِكُلِّ صَلَواتها وشعائرها.

ولكِنْ، ما هُوَ الدَّافعُ الخارجيُّ لتَحَوُّل تولستوي الرُّوحيّ، وما الَّذِي أدَّى في حالته الدَّور الَّذِي مثَّلته حادثة لقاء نيخليودوف بكاتيوشا ماسلوفا؟ وإنْ كان ثَمَّةَ وجود، عمومًا، لعامل خارجيِّ أثار الأزمة الدَّاخليَّة والتَّمرُّد الرُّوحيَّ لتولستوي، فمن الواضح أنَّه كان عتبة سِنِّ الخمسين من العمر. وفي كُلِّ مكان تقريبًا حَيْثُ يتحدَّث تولستوي عن التَّغيير الَّذِي طرأ عليه، فإنَّه يُشير، بشكل أو بآخر، إلى سِنِّ الخمسين. استمرَّت فترة الأزمة نفسها ما لا يَقِلُّ عن أربع أو خمس سنوات. وفي آذار/ مارس من عام1877، أشارت صوفيا أندرييفنا في مُذَكِّراتها نقلًا عن تولستوي إلى الصِّراع الدِّينيِّ الرَّهيب الَّذِي عصف به في السَّنَتَيْنِ الأخيرَتَيْنِ، ما يعني أنَّ بداية هذا الصِّراع تعود إلى عام 1875. يقول تولستوي في "الاعتراف" إنَّه فكَّر في الانتحار في سِنِّ الخمسين. وتعود بداية "الاعتراف" نفسه - العرض الأوَّل لقناعات تولستوي المُعاد صياغتها - إلى العام 1879. وأخيرًا، يقول تولستوي مِرارًا وتَكرارًا إنَّه اهتدى إلى الصِّراط الجديد في سِنِّ الخمسين: "لقد عِشْتُ في العالَم اثْنَيْنِ وخَمْسينَ عامًا، وقبل عامَيْنِ أصبَحْتُ مسيحيًّا" (49، 8)؛ "لقد عِشْتُ في العالَم خمسةً وخمسينَ عامًا... قَبْلَ خمسِ سنواتٍ آمَنْتُ بتعاليم المسيح" (23، 304). وفي نيسان/ أبريل من عام 1878، قرَّر تولستوي بعد انقطاع دام ثلاثة عشر عامًا استئناف كتابة مُذكِّراته (وهذا ما يفعله نيخليودوف أيضًا في فترة انبجاس صَحْوَتِه).

الخمسون مرحلة عُمْرِيَّة مميَّزة في حياة كُلِّ إنسان، وتذكير بأنَّ للحياة نهاية. وقد ذَكَّرَتْ تولستوي بالأمر نفسه. إذ إنَّ مشكلة الموت كانت تشغل تولستوي مِنْ قبل. في قِصَّة "الميتات الثَّلاث" (1858) ينظر في المواقف المختلفة تُجاهها. فقد كانت مشكلة الموت، وبخاصَّةً، الموت في صورة عمليَّات قتل قانونيَّة، تضع تولستوي دائمًا في مأزَق، وذلك بالرَّغْمِ من كُلِّ ما يمتلكه من قُوَّة حيويَّة فائقة وقدرات تحليليَّة هائلة. في نهاية القِصَّة السِّيفاستوبوليَّة الثَّانية (1855) هناك تأمُّل بروح المسالَمة pacifism المسيحيَّة الدَّافع. وفي عام 1866 لَمْ يُوَفَّق تولستوي في الدِّفاع أمام المحكمة عن جنديٍّ محكوم بالإعدام بتهمة ضرب قائد فَوْج. وقد كان لحادثة إعدام بالمقصلة شهدها في باريس عام 1857 "قَبَّل الإنجيل، ثُمَّ قُتل! أيُّ عَبَثٍ هذا!" (47، 121) أبلغ الأثَر في نفسه. وتَلَتْها لاحقًا فاجعة وفاة أخيه الأكبر المحبوب نيكولاي في عُمْر السَّابعة والثَّلاثين عام 1860 "إنسان ذكيٌّ وطيِّبٌ وجادٌّ، أصابه المرض في ريعان شبابه، عانى لأكثر من عام ومات ميتةً موجعة من دون أدنى فَهْمٍ لماذا عاش، ولماذا يموت" (23، 8).

كان تولستوي قد بدأ يشكُّ منذ وقت طويل في إيديولوجيَّا التَّقدُّم، ويتأمَّل في المعنى العامِّ للحياة، وعلاقة الحياة بالموت. وقد كان هذا في ما مضى موضوعًا جانبيًّا، أمَّا الآن فقد أصبح الموضوع الأساسيَّ؛ أصبح الموت يُدرَك الآن كأُفُقٍ شخصيٍّ، كنهاية قريبة ومحتومة. وبعد أنْ وقف أمام ضرورة تحديد موقفه الشَّخصيِّ من الموت (وهذا يعني بالنِّسبة إلى تولستوي أنْ يبرِّر الموت بشكل عقلانيٍّ، ويُطوِّر موقفًا واعيًا تُجاهه، أيْ أنْ يطوِّر موقفًا يسمح له بِعَيْشِ حياة ذات معنى مع إدراك حتميَّة الموت) — بعد أنْ وقف أمام هذه الضَّرورة، اِكْتَشَفَ تولستوي أنَّ حياته وقِيَمَهُ لا تصمد أمام اختبار الموت. وفي ذلك يقول: "لم أستطع أنْ أُعطي أيَّ معنى عقلانيّ لأيِّ فعل من أفعالي، ولا لحياتي بأكملها. ما أدهشني فقط هو كيف لَمْ أفْهَم هذا مُنْذُ البداية. كُلُّ هذا معروفٌ مُنْذُ زمن طويل للجميع. عاجلًا أو آجلًا ستأتي الأمراض والموت (وقد أتى بالفعل) على الأحِبّاء وعلَىَّ، ولن يبقى شيء سِوى العَفَن والدِّيدان. كُلُّ أعمالي، أيًّا كانت، سوف تُنسى — عاجلًا أو آجلًا، ولن أكون أنا موجودًا. فلماذا إذًا نكدح؟" (23، 13). تُميط هذه الكلمات لتولستوي من "الاعتراف" اللِّثام عن طبيعة عِلَّته الرُّوحيَّة ومصدرها المباشر الَّتِي يمكن وَصْفُها بأنَّها ذُعْرٌ من الموت. فقد أدرَك بوضوح، بصفته إنسانًا صادقًا ومفكِّرًا شجاعًا، أنَّ الحياة الَّتِي يمكن اعتبارها ذات معنى هي فقط تلك القادرة على تأكيد نفسها في وجه الموت المحتوم والَّتِي تتحمَّل اختبار السُّؤال: "لماذا الكَدُّ، لماذا نعيش أساسًا، إذا كان كُلُّ شيء سيبتلعه الموت؟".

قرَّر تولستوي أنْ يربط نفسه بأسلاك تَوَتُّر عالٍ لا يُحتمل ولا يُطاق — الحياة والموت. وكان يجب أنْ يكون ليف نيكولايفتش تولستوي ليتحمَّل القُوَّة الخارقة لهذا التَّفريغ. دخل تولستوي في منازلة مع الموت ووضع أمام نفسه الهدف الأكثر جرأة، وهو في الواقع هدف خارق — أنْ يَجِدَ ما لا يخضع للموت.

ماذا يَكْمُنُ وراء السُّؤال عن معنى الحياة؟

يوجد الإنسان في حالة خلاف وصراع مع ذاته. فالإنسان مُنْشَطِر على نفسه. وكأنَّ هناك شخصين على الأقَلِّ يعيشان في باطنه: الشَّخص الدَّاخليُّ والشَّخص الخارجيُّ، حيث الأوَّل غَيْرُ راضٍ عمَّا يفعله الثَّاني، والثَّاني لا يفعل ما يريده الأوَّل. يمثِّل ذلك دحضًا حيًّا لقانون الهُوِيَّة. يظهر هذا التَّناقض والتَّمزُّق الذَّاتيُّ لدى الأفراد بدرجات متفاوتة من الحِدَّة، لكنَّه مُتأصِّل فيهم جميعًا، وهو سِمَة جوهريَّة للإنسان. ونظرًا إلى كون الإنسان متناقضًا مع ذاته وممزَّقًا بين تطلُّعات متضادَّة، فإنَّه محكوم بالمعاناة وعدم الرِّضا عن نفسه. يسعى الإنسان باستمرار إلى تجاوز ذاته، ليصبح آخرًا، وحَتَّى أنَّ وجوده ذاته إلى زوال.

غَيْرَ أنَّ القول إنَّ الإنسان مَيَّال الى المعاناة وعدم الرِّضا ليس كافيًا بالمقصود. ثَمَّةَ شيء مشابه موجود في كُلِّ كائنٍ حيٍّ؛ فمن المؤكَّد أنَّ الذِّئْب الَّذِي أضاع فريسته يعاني أيضًا بطريقته الخاصَّة ويشعر بعدم الرِّضا، وعلى أيِّ حال هو قادر على تعديل أفعاله لِكَيْلا يُكرِّر في المَرَّة التَّالية أخطاءَه السَّابقة. لكنَّ الإنسان، علاوة على ذلك، يعلم أنَّه يُعاني وغَيْرُ راضٍ عن نفسه؛ فهو لا يتقبَّل معاناته في العالَم على مستوى الوَعْيِ أيضًا. وبذلك يتضاعف عدم رضاه ومعاناته: فإلى المعاناة وعدم الرِّضا ذاتهما يُضاف الوَعْيُ بسوء هذا الوضع، وبالتَّالي، فإنَّ الإنسان صار يعاني الآن من كونه يُعاني، وغَيْرَ راضٍٍ عن كونه غَيْرَ راضٍ.

بَيْدَ أنَّ الإنسان لا يسعى فقط ليصبح آخرًا لتجاوز حدوده الذَّاتيَّة، وللقضاء على كُلِّ ما يُوَلِّدُ المعاناة والشُّعور بعدم الرِّضا؛ إنَّه يسعى ليصبح "آخرًا" مختلفًا لا يسعى بدوره ليصبح "آخرًا"، ولا يحتاج بعدها إلى تجاوُز حدوده الذَّاتيَّة، و"آخرًا" يكون متحرِّرًا بالكامل من المعاناة وما يرتبط بها من أحاسيس غير سارَّة. الإنسان لا يعيش فقط، بَلْ يريد أيضًا أنْ يكون لحياته مَعْنًى.

يربط النَّاس تحقيق تطلُّعاتهم المافوق بشريَّة بالحضارة، وتغيير الأشكال الخارجيَّة للحياة والبيئة الطَّبيعيَّة والاجتماعيَّة. يتجسَّد هذا الاقتناع في فكرة التَّقدُّم. يُفْتَرَض هُنا أنَّ الإنسان يُمكنه التَّحرُّر من تعاسة وضعه المُزري بمساعدة العلوم والفُنون والنُّموِّ الاقتصاديِّ وتطوير التِّكنولوجيا، وخَلْق عيش مريح، وما إلى ذلك. وقد تبنَّى تولستوي هذه الأفكار - المُلازمة بشكل رئيس لشرائح المجتمع المُتعلِّمة وأصحاب الامتيازات - وسار على هُدَاها خلال النِّصف الأوَّل من حياته الواعية. غَيْرَ أنَّ تجربته الشَّخصيَّة وملاحظته لأشخاص من محيطه هُمَا، بالضَّبط، ما أقنعه بأنَّ هذا الطَّريق هو الطَّريق الخطأ . تشهد التَّجرِبة: كُلَّما ازداد الإنسان انشغالًا في أموره الدُّنيويَّة وهواياته، وكُلَّما كانت ملذَّاته أكثر ترفًا، وثرواته أكبر كَمًّا، ومعرفته أعمق، ازداد قلقه النَّفْسيُّ وسُخْطه ومعاناته الَّتِي أراد التَّحرُّر منها عَبْرَ هذه الممارسات. بانتهاجه طريق تعزيز النَّشاط الحياتيِّ، يقع الإنسان، حرفيًّا، في مستنقعٍ زَلِقٍ: فمع كُلِّ حركة يُقْدِم عليها مِنْ أجْلِ الخروج من المستنقع، يزداد فيه غرقًا على غرق. قد يُخَيَّلُ إلى المرء أنَّه إذا كان النَّشاط والتَّقدُّم يضاعفان المعاناة، فإنَّ الخُمول وما يرتبط به حتمًا من تدهور سيسهمان في تقليصها والحدِّ من وطأتها. هذا الافتراض باطل. إنَّ سبب المعاناة ليس التَّقدُّم بحدِّ ذاته، بَلْ التَّوقُّعات المرتبطة به، وذلك الأمل غير المبرَّر بتاتًا بإمكان تحقيق الإنسان ما هو أكثر من التَّحرُّك أسرع والأكل بشكل أفضل عَبْرَ زيادة سرعة القطارات، وزيادة محاصيل الحقول. من وجهة النَّظر هذه، لا فرق كبير بين التَّركيز على النَّشاط والتَّقدُّم والتَّركيز على الخُمول والتَّدهور. يكمن الخطأ في التَّوجُّه نفسه الَّذِي يروم منح الحياة البشريَّة معنًى عَبْرَ تغيير أشكالها وشروطها الخارجيَّة. ينبع هذا التَّوجُّه من اعتقاد مُفاده أنَّ الإنسان الدَّاخليَّ يعتمد على الخارجيِّ، وأنَّ حالة نَفْسِ الإنسان ووعيه هُما نتيجة (نسخة، انعكاس) لوضعه في العالَم وسْط النَّاس. ولكِنْ، لو كان الأمر كذلك، لما نشب بينهما صراع أصلًا.

باختصار، التَّقدُّم الماديُّ والتَّقدُّم الثَّقافيُّ يعنيان فقط ما يعنيان: تقدُّمٌ ماديٌّ وتقدُّمٌ ثقافيٌّ. إنَّهما لا يَمُسَّان معاناة النَّفْسِ.

يرى تولستوي أنَّ الدَّليل القاطع على ذلك هو أنَّ التَّقدُّم يفقد معناه إنْ تأمَّلناه من منظار موت الإنسان. فما فائدة المال والسُّلطة والأبناء والسِّيمفونيَّات، وما شابه، وما فائدة السَّعي والكدح أساسًا لتحقيق شيء ما، إذا كان المآل هو الزَّوال، وكان كُلُّ شيء ينتهي حتمًا بالموت والنِّسيان: "يمكن العيش ما دُمنا سكارى بالحياة؛ لكن حين نصحو، لا يمكن إلَّا أنْ نرى أنَّ كُلَّ هذا مجرَّد خداع، وخداع أحمق!" (23، 13). وخير ما يعبِّر عن مأساة الوجود البشريِّ، في رأي تولستوي، هي الحكاية الشَّرقيَّة (الهنديَّة القديمة) عن المسافر الَّذِي فاجأه وحش مفترس في السَّهب. "هربًا من الوحش، يقفز المسافر إلى بئر جافَّة، لكنَّه يرى في قاع البئر تنِّينًا فاغرًا فاه لالتهامه. فلم يجرؤ المسكين لا على الخروج من البئر خشية أنْ يفترسه الوحش الضَّاري، ولا على القفز إلى قاع البئر خشية أنْ يلتهمه التِّنِّين، فيتعلَّق بغصن شجرة برِّيَّة تنمو في شقوق البئر ويتمسَّك به. تضعف يداه ويشعر أنَّه سيَضطَرُّ قريبًا إلى الاستسلام للهلاك الَّذِي ينتظره من كِلا الجانبين؛ لكن، وبينما هو متمسِّك يتلفَّت حوله فيرى فأرين، أحدهما أسود والآخر أبيض، يدوران باستمرار حول جذع الشَّجرة المتعلِّق بها، ويقضمان الجذع شيئًا فشيئًا. فالشَّجرة على وَشْك أنْ تنكسر ويسقط في فم التِّنِّين. يرى المسافر ذلك ويعلم أنَّه سيهلك لا محالة؛ لكن بينما هو متعلِّق، يبحث حوله فيجد على أوراق الشَّجرة قطرات من العسل، فيمد لسانه إليها ويَلْحَسها (23، 13-14). الفأران الأبيض والأسود، واللَّيل والنَّهار، يقودان الإنسان حتمًا إلى الموت – وليس الإنسان بعامَّة، إنَّمَا هو أنت وأنا وكُلُّ واحد منَّا، وليس في مكان ما أو زمان ما، بَلْ هُنا والآن؛ "وهذه ليست قٍصَّة رمزيَّة، بَلْ هي واقعة حقيقيَّة، لا جدال فيها ومفهومة للجميع" (23، 14). فلا شيء سينقذه من هذا – لا الثَّروات الطَّائلة، ولا الذَّوق الرَّفيع، ولا المعارف والمعلومات الواسعة.

إنَّ الاستنتاج المتعلِّق بمعنى الحياة الَّذِي يبدو أنَّ التَّجرِبة تؤدِّي إليه وتؤيِّده الحكمة الفلسفيَّة هو، من وجهة نظر تولستوي، متناقض منطقيًّا بشكل واضح، وغير مُرَجَّح نفسيًّا بحيث تتعذَّر الموافقة عليه. كيف يمكن للعقل أنْ يسوِّغ عدم معنى الحياة، إذا كان هو نفسه نتاجًا للحياة؟ وفي الواقع، ليس لديه أيُّ أساس لمثل هذا التَّسويغ. لذلك، فإنَّ تأكيد عدم معنى الحياة يحتوي في حدِّ ذاته على دَحْضِه الخاصِّ: الإنسان الَّذِي وصل إلى استنتاج كهذا كان يجب عليه أوَّلًا أنْ يُنهي حسابه مع الحياة، وعندها لن يكون قادرًا على التَّفكير في عدم معناها؛ وإذا كان يتحدَّث عن عدم معنى الحياة ويستمرُّ مع ذلك في العيش بحياةٍ هي أسوأ من الموت، فهذا يعني أنَّها في الواقع ليست بلا معنى وسيِّئة كما يُقال. علاوة على ذلك، فإنَّ الاستنتاج القائل بلامعنى الحياة يعني أنَّ الإنسان قادر على وضع أهداف لا يمكنه تحقيقها، وصياغة أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها. ولكِنْ، أليست هذه الأهداف والأسئلة يضعها الإنسان ذاته؟ وإذا لم تكن لديه القُوَّة لتحقيقها، فَمِنْ أيْنَ جاءته القُوَّة لِوَضْعِها؟ من النَّاحية المبدئيَّة، بما أنَّ الحديث يتَمَحْوَر حَوْلَ الواقع نفسه - الإنسان وحدود عقله، فإنَّ الأهداف تحتوي على إمكانيَّة التَّحقيق، والأسئلة تحتوي على إمكانيَّة الإجابة. ومن المنطقيِّ الافتراض أنَّ مَنْ هَمَّ بضربةٍ، فهو قادر على تنفيذها. إضافة إلى ذلك، لا تَقِلُّ حُجَّة تولستوي النَّفْسِيَّة إقناعًا: إذا كانت الحياة بلا معنى، فكيف ولِمَ عاش ويعيش ملايين وملايين النَّاس وكُلُّ البشريَّة؟ وإذا كان البشر يعيشون الحياة ويفرحون بها ويواصلونها بكدٍّ وجدٍّ، فهذا يعني أنَّهم يجدون فيها معنًى مُهِمًّا ما؟ فما هُوَ؟

مُبْدِيًا امتعاضه من الحلِّ السَّلبيِّ لمسألة معنى الحياة، ولَّى ل.ن. تولستوي وجهه شَطْرَ التَّجرِبة الرُّوحيَّة للنَّاس البسطاء الَّذِين يعيشون مِنْ عمل أيديهم وعرق جبينهم، أيْ تجربة الشَّعب، ما سمح له باختراق أُفُق العبثيَّة الأنانيَّة للطَّبقات العُلْيا. واقترح، في الوقت عينه، تفسيرًا جديدًا للسُّؤال نفسه، ما أتاح إمكانيَّة الكشف عن محدوديَّة الإجابات التَّأمُّليَّة عنه.

فالبسطاء والفلَّاحون (على الرَّغْمِ من أنَّ الأمر لا يتعلَّق بالفلَّاحين بالضَّرورة، فحاملة راية المثل الأعلى لتولستوي "باشينكا" من قِصَّة "الأب سيرغيه" تنحدر من بيئة أصحاب الامتيازات؛ فالسِّمَة الجوهريَّة لا ترتبط بالأصل والفصل وبالحَسَب والنَّسَب، بَلْ بالوضع الاجتماعيِّ الحقيقيِّ - ما إذا كان الإنسان عاملًا أم طُفيليًّا) يعرفون جيِّدًا مسألة معنى الحياة، وهي لا تنطوي على أيِّ صعوبة أو لُغْز بالنِّسبة إليهم. فَهُمْ يعرفون أنَّه يجب العيش وفق قانون الله والعيش على نَحْوٍ لا يُهلِك نُفوسهم. إنَّهم يعرفون ضآلتهم المادِّيَّة، لكن ذلك لا يُخيفهم، لأنَّ النَّفْسَ المرتبطة بالله باقية. إنَّ قِلَّة تعلُّم هؤلاء النَّاس، وافتِقارَهُمْ إلى المعارف الفلسفيَّة والعلميَّة لا يقفان حائلًا أمام فَهْمِ حقيقة الحياة، بَلْ لرُبَّما كان العكس هو الصَّحيح. إذ إنَّ الاعتراف بمعنى الحياة بالنِّسبة إليهم هو حقيقة بديهيَّة تجعل وجودهم الإنسانيَّ نفسه ممكنًا، وهو ليس ثمرة للتَّفكُّر، بَلْ هو مقدِّمته وأساسه. فقد اتَّضح، وعلى نَحْوٍ لا يخلو من الغرابة، أنَّ الفلَّاحين الجهلاء، والسُّذَّج كالأطفال المليئين بالتُّرَّهات، يدركون العمق المأساويَّ الكامل لمسألة معنى الحياة؛ هُمْ يفهمون أنَّ السُّؤال يَتَمَحْوَر حَوْلَ الأهَمِّيَّة الأبديَّة الخالدة لحياتهم وحَوْلَ ما إذا كانوا يخافون من الموت المُقبل. وَهُمْ يقبلون التَّحدِّي الموجود في هذا السُّؤال الأوَّليِّ والأساسيِّ للإنسان حَوْلَ: لماذا نعيش؟ وبإصغائه إلى كلمات البسطاء وتفكُّره في حياتهم، توصَّل تولستوي إلى استنتاج مُفاده أنَّ موقفهم - هو موقف طفل تتحدَّث الحقيقة بلسانه. لقد فهموا سؤال معنى الحياة بشكل أعمق وأدَقّ من كُلِّ سُليمانٍ وشوبنهاور.

إنَّ السُّؤال عن معنى الحياة هو سؤال عن العلاقة بين المتناهي واللّامتناهي فيها، أيْ هل لحياتي الفانية قيمة أبديَّة غير قابلة للفناء؟ وإذا كانت كذلك، فما هي؟ هل هناك شيء خالد فيها؟ لو أنَّ حياة الإنسان المتناهية تحتوي على معناها في ذاتها، لما وُجد هذا السُّؤال أصلًا. لذلك، فإنَّ الفلاسفة الَّذِين يتحدَّثون عن لامعنى الحياة وعبثيَّتها وعذابها، يقعون في حشوٍ لا طائل مِنْهُ؛ إنَّهم لا يجيبون عن السُّؤال، بَلْ يكرِّرونه فقط. لذا، على ما يقول تولستوي: "من أجل حَلِّ هذه المسألة، لا يكفي مساواة المُتناهي باللّامُتناهي، واللّامُتناهي بالمُتناهي" (23، 36)، بَلْ يجب الكشف عن علاقة أحدهما بالآخر. وبالتَّالي، فإنَّ سؤال معنى الحياة يتجاوز نطاق المعرفة المنطقيَّة، ويتطلَّب الخروج عن الإطار الَّذِي يضيئه نور العقل. وإلى هذا المعنى يذهب تولستوي بقوله: "لم يكن في مقدوري البحث عن إجابة لسؤالي في المعرفة العقلانيَّة" (23، 34). فكان لا بدَّ من الاعتراف بأنَّ "للبشريَّة جمعاء معرفة أُخرى غير عقلانيَّة - وهي الإيمان الَّذِي يُمكِّنُها مِنَ العَيْشِ" (23، 35).

لقد توصَّل تولستوي من خلال ملاحظة التَّجرِبة الحياتيَّة للنَّاس البسطاء الَّذِين يتَّسمون بنظرة مدروسة إلى حياتهم وفَهْمٍ واضح لضآلتها، ومن خلال الفَهْمِ الصَّحيح لمنطق مسألة معنى الحياة ذاته، إلى استنتاج واحد بعينه: إنَّ مسألة معنى الحياة هي مسألة إيمان، لا مسألة معرفة مدعومة بحجج عقلانيَّة. ينطوي مفهوم الإيمان، في فلسفة تولستوي، على مضمون خاصٍّ، لا يتطابق مع المفهوم التَّقليديِّ. إنَّه ليس الثِّقة بما يُرْجَى، والإيقان بأُمُور لا تُرَى، كما اعتقد الرَّسول بولس (رسالة بولس الرَّسول إلى العبرانيّين. 1:11). وفي هذاالسِّياق يطرح تولستوي عددًا من التَّعريفات، ومن أبرزها: "الإيمان هو إدراك الإنسان موقِعَه في العالَم، ما يفرض عليه القيام بأفعال مُعيَّنة" (35، 170)؛ و "الإيمان هو معرفة معنى الحياة البشريَّة الَّتِي بسببها لا يدمِّر الإنسان نفسه، بَلْ يحيا. الإيمان هو قُوَّةُ الحياة" (23، 35). ومن خلال هذه التَّعريفات، يصبح من الواضح أنَّ الحياة ذات المعنى والحياة القائمة على الإيمان هُما شيء واحد لدى تولستوي. الحياة ذات المعنى مطابقة للحياة المؤمِنة (أو "المفعمة بالإيمان").

يُشير الإيمان إلى حدود العقل، ولكنَّها حدود يضعها العقل نفسه ولا يمكننا إدراكها إلَّا من هذه الجهة، أيْ من جهة العقل. هذا المفهوم في التَّفسير التُّولستوي غير مرتبط البتَّة بالأسرار الغيبيَّة غير المُدرَكة والتَّحوُّلات الإعجازيَّة غير القابلة للتَّصديق وغيرها من التُّرَّهات. علاوة على ذلك، فهو لا يعني أنَّ المعرفة البشريَّة لديها أيّ أدوات أُخرى غير العقل القائم على التَّجرِبة والخاضع لقوانين المنطق الصَّارمة. وفي وصفه لخصوصيَّة المعرفة الإيمانيَّة، يكتب تولستوي: "لن أبحث عن تفسير لِكُلِّ شيء. أعرف أنَّ تفسير كُلِّ شيء يجب أنْ يكون مَخفيًّا، كنقطة بداية كُلِّ شيء، في اللَّامتناهي. لكنِّي أُريد أنْ أفهم بطريقة تقودني إلى ما لا مناص من عدم تفسيره؛ أُريد أنْ يكون كُلُّ ما هو غير قابل للتَّفسير مثل ما هو عليه ليس لأنَّ متطلَّبات عقلي خاطئة (فهي صحيحة، ومن دونها لا أستطيع فَهْم أيِّ شيء)، بَلْ لأنَّني أرى حدود عقلي. أُريد أنْ أفهم بطريقة تجعل كُلَّ موقف غير قابل للتَّفسير يمثل لي كضرورة للعقل نفسه، وليس كإكراه على الإيمان" (23، 57). كان تولستوي عقلانيًّا بشكل مذهل، لأنَّه لم يعترف بأيِّ معرفة لا تقوم على دليل. ولم يقبل أيَّ شيء بناءً على الإيمان، إلَّا الإيمان نفسه. الإيمان كقُوَّة حياة يتجاوز نطاق اختصاص العقل بقدر ما يسوِّغه العقل نفسه. بهذا المعنى، فإنَّ مفهوم الإيمان هو شهادة على صِدْقِ العقل الَّذِي لا يريد أنْ يتحمَّل أكثر مِمَّا يستطيع.

ينبع مِنْ هذا الفَهْم للإيمان وعلاقته بالعقل أنَّ الشَّكَّ والتَّشوُّش يكمُنان وراء سؤال معنى الحياة. يصبح معنى الحياة سؤالًا عندما تفقد حياة السَّائل معناها. لقد أدرَكتُ، كما نقرأ في "الاعتراف": "أنَّه لكي نفهم معنى الحياة، يجب أوَّلًا ألَّا تكون الحياة بلا معنى وشريرة، وبعد ذلك فقط يأتي العقل لفَهْمِها" (23، 41). ذلك أنَّ الاستفسار الحائر حول سبب العيش هو علامة أكيدة على أنَّ الحياة خاطئة. فمِنَ القِصَّة الشَّرقيَّة، ومِنَ التَّأملات الفلسفيَّة على طريقة بوذا وشوبنهاور، وكذلك مِنْ كُلِّ تجربة للخوف من الموت، كما هي موصوفة جيِّدًا في قِصَّة تولستوي "موت إيفان إيليتش"، ثَمَّةَ استنتاج واحد: لا يمكن أنْ يَكْمُنَ معنى الحياة في ما يموت بموت الإنسان. وهذا يعني أنَّ المعنى لا يمكن أنْ يكون في الحياة من أجْلِ الذَّات، ولا في الحياة من أجْلِ الآخرين، لأنَّهم يموتون أيضًا، ولا في الحياة من أجْلِ الإنسانيَّة، لأنَّها أيضًا ليست أبديَّة. ذلك أنَّ "الحياة من أجْلِ الذَّات لا يمكن أنْ تحمل أيَّ معنًى... لِكَيْ نعيش بعقلانيَّة، يجب أنْ نعيش بِحَيْثُ لا يستطيع الموت تدمير الحياة" (23، 388-389).

الله والحُرِّيَّة والخير

ذلك المبدأ اللّامتناهي الخالد الَّذِي لا تكتسب الحياة معنى إلَّا بالارتباط به، يُدعى الله. ولا يُمكن الجزم بشيء آخر عن الله بيقين. يستطيع العقل أنْ يعرف أنَّ الله موجود، لكنَّه لا يستطيع إدراك ذات الله (ولهذا رفض تولستوي بحزم الأحكام الكنسيَّة عن الله، وعن الثَّالوث الإلهيِّ، وخَلْقِه العالَم في سِتَّة أيّام، وخرافات الملائكة والشَّيطان، وسقوط الإنسان، والحَبَل بِلا دَنَس، وإلخ، مُعتبرًا إيَّاها جميعًا خرافات فجَّة وإيديولوجيا خطيرة جدًّا). فأيُّ قول ذي مضمون عن الله، حَتَّى القول بأنَّ الله واحد يناقض ذاته، لأنَّ مفهوم الله يعني بحكم التَّعريف ما لا يمكن تعريفه.

لقد كان مفهوم الله بالنِّسبة إلى تولستوي مفهومًا إنسانيًّا يجب عليه أنْ يتحمَّل اختبار محكمة التَّجربة والعقل البشريَّيْن، فهو يعبِّر عمَّا يمكننا نحن البشر أنْ نشعر به ونعرفه عن الله، وليس أبدًا عمَّا يفكِّر فيه الله عن النَّاس والعالَم. لَمْ يَكُنْ هناك شيء غامض في هذا المفهوم، كما يعقله تولستوي، سِوى أنَّه يُشير إلى الأساس الغيبيِّ للحياة والمعرفة. اللّٰه هو سبب المعرفة، لكنَّه ليس موضوعها بأيِّ حال: "بما أنَّ مفهوم اللّٰه لا يمكن أنْ يكون سِوى مفهوم مبدأ كُلِّ ما يدركه العقل، فمن الواضح أنَّ اللّٰه، كمبدأ لِكُلِّ شيء، لا يمكن أنْ يكون مُدرَكًا بالعقل. فقط بالسَّيْر على دروب التَّفكير العقلانيِّ، عند أقصى حدود العقل، يمكن العثور على اللّٰه، ولكن عند الوصول إلى هذا المفهوم، يتوقَّف العقل عن الإدراك" (23، 71). يقارن تولستوي معرفة اللّٰه بمعرفة لانهائيَّة الأعْداد. كِلاهُما (ويُضيف تولستوي إلى هذا النَّوع من المعرفة، معرفة النَّفْسِ) مُفترَضٌ قطعًا، لكنَّه لا يقبل التَّعريف: "إلى يقين معرفة العدد اللّامتناهي أصِلُ بالجمع؛ إلى يقين معرفة اللّٰه أصِلُ بسؤال: مِنْ أيْنَ أنا؟" (23، 132).

تفرض فكرة الله كحدٍّ للعقل وامتلاءٍ للحقيقة لا يُدرَك، طريقةً معيَّنة للوجود في العالَم، حين يكون الإنسان متوجِّهًا بوعي نحو هذا الحدِّ وهذا الامتلاء. هذه هي الحُرِّيَّة. الحُرِّيَّة - صفة إنسانيَّة خالصة وتعبير عن وسَطيَّة كينونته: "لن يكون الإنسان حُرًّا إذا كان لا يعرف أيَّ حقيقة، وكذلك لن يكون حُرًّا، بَلْ ولن تكون لديه حَتَّى فكرة عن الحُرِّيَّة، إذا كانت كُلُّ الحقيقة الَّتِي يجب أنْ توجِّهَه في الحياة مكشوفةً له مَرَّة واحدة وإلى الأبد، في كُلِّ نقائها من دون أنْ تشوبها الضَّلالات" (28، 281). فالحُرِّيَّة إنَّمَا تكمن في هذا الحركة مِنَ الظَّلام إلى النُّور، ومِنَ الأدنى إلى الأعلى، "ومِنَ الحقيقة الأكثر اختلاطًا بالضَّلالات إلى الحقيقة الأكثر تحرُّرًا منها" (28، 281). الحُرِّيَّة توجد كتحرير. يمكن تعريفها بأنَّها السَّعْيُ إلى الاقتداء بالحقيقة. الإنسان ليس حُرًّا في إتيان الأفعال، إذا كانت أسبابها معطاة. لنفترض أنَّ شخصًا ما يريد أنْ يصبح قويًّا جسديًّا أو أنْ يعرف كُلَّ شيء عن أتلانتس - مِنْ هذه الرَّغبات تنبع مجموعة محدَّدة تمامًا مِنَ الأفعال الموضوعيَّة البحتة. لكنَّ الإنسان يستطيع أنْ يختار أسباب أفعاله - تلك الحقائق الَّتِي تقوم في أساسها.

إنَّ الحُرَّيَّة ليست رديف التَّعسُّف والقدرة البسيطة على التَّصرُّف وفقًا للهوى والنَّزوة. هي دائمًا مرتبطة بالحقيقة. وَفْقًا لتصنيف تولستوي، هناك ثلاثة أنواع مِنَ الحقائق. أوَّلًا، الحقائق الَّتِي أصبحت بالفعل عادةً وطبيعةً ثانية للإنسان. ثانيًا، الحقائق الغامضة وغير الواضحة بشكلٍ كافٍ. الأُولى لم تعد حقائق تمامًا. الثَّانية ليست بعد حقائق تمامًا. كِلا النَّوعَيْن يُمثِّلان مجال الضَّرورة. وإلى جانبهما هناك صنف ثالث مِنَ الحقائق الَّتِي من ناحية، انكشفت للإنسان بوضوح بحيث لا يستطيع تجاوزها ويجب عليه تحديد علاقته بها، ومِنْ ناحية أُخرى، لم تصبح عنده عادةً آليَّةً ودافعًا لاواعيًا. تُجاه حقائق هذا النَّوع الثَّالث تتجلَّى حُرِّيَّة الإنسان. وهُنا، كِلا الجانبين مُهِمَّان - الحديث عن الحقيقة الواضحة، والحديث عن حقيقة أعلى مقارنةً بتلك الَّتِي تَمَّ استيعابها بالفعل في الممارسة الحياتيَّة. لا شيء يستطيع أنْ يمنع الإنسان من التَّصرُّف وَفْقًا لما يعتقده صحيحًا، لكنَّه لن يَعُدَّ أبدًا ما يتصرَّفه صحيحًا - في هذا تكمن حُرِّيَّته. الحُرِّيَّة هي القُوَّة الَّتِي تُتيح للإنسان السَّيْر في الطَّريق إلى الله، ليصبح "عامِلًا مبتهجًا في العمل الأبديِّ واللَّامتناهي" (28، 281). وأنْ يسير بنفسه من غير أنْ يُقاد، أنْ يسير بعينين مفتوحتين، متصرِّفًا بعقلانيَّة ومسؤوليَّة.

ولكن فيمَ يكمن هذا العمل وهذا الطَّريق، وما هي الواجبات المترتِّبة على الإنسان نتيجة انتمائه إلى الله؟ والحال أنَّ الاعتراف بالله كمبدأ ومصدر للحياة والعقل يضع الإنسان في علاقة محدَّدة تمامًا معه، يُشبِّهها تولستوي بعلاقة الابن بأبيه، والعامل بربِّ العمل. فالابن لا يستطيع الحكم على أبيه وفهم المعنى الكامل لتوجيهاته، بَلْ يجب عليه أنْ يمتثل لإرادة الأب، وكُلَّما ازداد طاعةً لإرادة والده ازداد إدراكًا لما تحمله من مَعانٍ مُفيدة له؛ الابن الصَّالح هو الابن المُحِبُّ، فهو لا يعمل كما يريد هو، بَلْ كما يريد الأب، وفي هذا، في تنفيذ إرادة الأب، يرى رسالته وخيره. وكذلك العامل، فهو عامل، لأنَّه يطيع ربَّ العمل وينفِّذ توجيهاته - إذ إنَّ ربَّ العمل وحده هو الَّذِي يعرف الغاية من عمله؛ فربُّ العمل لا يعطي معنى لجهد العامل فحسب، بَلْ إنَّه يُطعمه أيضًا؛ العامل الصَّالح هو الَّذِي يفهم أنَّ حياته وخيره يعتمدان على ربِّ العمل، ويعامله معاملة مفعمة بمشاعر التَّضحية والحُبِّ. يجب أنْ تكون علاقة الإنسان بالله مُماثِلة: الإنسان لا يعيش من أجْلِ نفسه، بَلْ من أجْلِ الله. هذا الفهم لمعنى الحياة الشَّخصيَّة وحده هو ما يتوافق مع الوضع الفعليِّ للإنسان في العالَم، وينبع من طبيعة ارتباطه بالله. فالعلاقة الطَّبيعيَّة والإنسانيَّة بين الإنسان والله هي علاقة حُبٍّ: "جوهر الحياة البشريَّة وأعلى قانون يجب أنْ يُوَجِّهها هو المَحَبَّة" (37، 166).

ولكن كيف نُحبُّ الله وماذا يعني أنْ نُحبَّ الله، إذا كُنّا لا نعرف ولا يمكننا أنْ نعرف عنه شيئًا سِوى أنَّه موجود؟

نعَم، أنا لا أعرف ما هو الله، ولا أعرف مقصده أو وصاياه. لكنَّني أعرف، أوَّلًا، أنَّ هناك أناسًا آخرين في العلاقة نفسها مع الله مثلي، وثانيًا، أنَّ في داخليِّ أصْلٌ إلهيٌّ، وهو الرُّوح الَّتِي جوهرها هو المَحَبَّة بالضَّبط. وإذا لم تكن هناك فرصة للإنسان للتَّواصل مباشرة مع الله وللنَّظر مباشرة إلى شمس الحياة المبهرة هذه، فيمكنه أنْ يفعل ذلك بشكل غير مباشر، من خلال العلاقة الصَّحيحة مع الآخرين والعلاقة الصَّحيحة مع نفسه.

العلاقة الصَّحيحة مع الآخرين تحدِّدها حقيقة أنَّهم أبناء ذلك الإله نفسه مثلي. إنَّهم إخوتي. ومن هنا تنبع ضرورة محبَّة النَّاس كإخوة وأبناء إنسانيّين، ومحبَّة الجميع من دون أيِّ انتقاص واستثناء، بِغَضِّ النَّظر عن أيِّ اختلافات دنيويَّة بينهم. فالجميع متساوون أمام اللّٰه. ومن منظار لانهائيَّتِه، تَفْقِدُ كُلُّ المسافات البشريَّة بين الغنى والفقر، بين الجمال والقُبح، بين الشَّباب والهرم، بين القُوِّة والضَّعف، وإلخ، معانيها كافَّةً. من الضَّروريِّ تقدير كرامة الأصل الإلهيِّ في كُلِّ إنسان. إنَّ المحبَّة للإنسان المفهومة على هذا النَّحو هي الأساس الوحيد الممكن لوحدة النَّاس. "مملكة الله على الأرض هي سلام جميع النَّاس فيما بينهم" (23، 370)، والحياة السِّلميَّة العقلانيَّة والمتناغمة ممكنة فقط عندما يرتبط النَّاس بفهم واحد لمعنى الحياة وبإيمان واحد. تلك الرَّابطة الأوَّليَّة غير المشروطة، الموجودة قبل وخارج أيِّ اختلافات والَّتِي يمكن أنْ تكون أساسًا لوحدتهم هي الرَّابطة الَّتِي تحدِّدها علاقتهم بالله. "كُلُّ النَّاس يعيشون بالرُّوح نفسها، لكنَّهم جميعًا منفصلون في هذه الحياة بأجسادهم. وإنْ فَهِم النَّاس هذا، فإنَّهم سيسعون إلى الاتِّحاد بعضهم مع بعض بالمَحَبَّـة" (37، 231).

أمَّا العلاقة الصَّحيحة مع الذَّات فيمكن تعريفها باختصار على أنَّها العناية بخلاص النَّفْسِ عَبْرَ السَّعي في طلب الكمال: "لا توجد في نفْسِ الإنسان قواعد معتدلة للعدالة والإحسان، بَلْ مثال الكمال الإلهيِّ الكامل واللَّامُتناهي. وحْدَهُ السَّعي نحو هذا الكمال هو ما يُحَوِّل اتّجاه حياة الإنسان من الحالة الحيوانيَّة إلى الحالة الإلهيَّة بقدر ما هو ممكن في هذه الحياة" (28، 79). ومن هذا المنظار، لا تهُمُّ الحالة الفعليَّة للفرد، لأنَّه وبصرف النَّظر عن مستوى التَّطوُّر الرُّوحيِّ الَّذِي يبلُغُه، يظلُّ هذا المستوى ضحلًا بالمقارنة مع كمال المثال الإلهيِّ المُحال بلوغه. وأيًّا تكن النُّقطة المرجعيَّة الَّتِي نتَّخذها، فإنَّ المسافة منها إلى اللَّاتناهي ستكون غير متناهية. لذلك، فإنَّ مؤشِّر علاقة الإنسان الصَّحيحة مع ذاته هو السَّعْيُ نحو الكمال، وهي الحركة نفسها من الذَّات إلى الله. علاوة على ذلك، "الإنسان الواقف على الدَّرجة الدُّنيا، وهو يتقدَّم نحو الكمال، يعيش حياة أكثر أخلاقيَّة، وأفضل، ويُنفِّذ التَّعاليم أكثر من إنسان واقف على درجة أخلاقيَّة أعلى بكثير، لكنَّه لا يتقدَّم نحو الكمال" (28، 79). بهذا المعنى، يكون الابن الضَّال الَّذِي عاد إلى البيت أعزَّ على الأب من الابن الَّذِي لم يغادره. الوعي بدرجة عدم المطابقة مع الكمال المثاليِّ - هذا هو معيار العلاقة الصَّحيحة مع الذَّات. بما أنَّ هذه الدَّرجة من عدم المُطابقة هي دائمًا لامتناهيَّة في الواقع، فإنَّ الإنسان يكون أكثر أخلاقيَّة كُلَّما أدرَك عدم كماله بشكل تامٍّ.

إذا ما أخذنا هذَيْنِ البُعْدَيْن للعلاقة مع الله - العلاقة مع الآخرين والعلاقة مع الذَّات - فإنَّ العلاقة مع الذَّات، من وجهة نظر تولستوي، هي العلاقة الأساسيَّة والتَّأسيسيَّة. فالعلاقة الأخلاقيَّة مع الذَّات تضمن تلقائيًّا، على وجه التَّقريب، العلاقة الأخلاقيَّة مع الآخرين. فالإنسان الَّذِي يُدرِك كم هو بعيد بلا حدود من المثال، هو الإنسان المتحرِّر من الخرافة الأخطر، وهي الاعتقاد بأنَّه يستطيع ترتيب حياة الآخرين. لذلك، سيسعى دائمًا إلى أنْ تكون علاقته بالآخرين علاقة الخادم، لا السَّيِّد: "لا أستطيع أنْ أُريد، أو أنْ أفكِّر، أو أنْ أؤمِن نيابة عن الآخر. أرفع حياتي، وهذا وحده يمكن أنْ يرفع حياة الآخر، والآخر هو أنا. هكذا، إذا رَفَعْتُ نفسي، أرفع الجميع. "أنا فيهم وهُمْ فِيَّ" (23، 302). إنَّ مضاعفة يقينية المحبَّة الَّتِي يجدها كُلُّ إنسان في نفسه الخاصَّة، إنَّمَا تتمثَّل في التَّوجُّه نحو الكمال الإلهيِّ اللَّامتناهي، وليس نحو النَّجاح الخارجيِّ ومديح النَّاس. بكلمة واحدة، عناية الإنسان بصفاء نفسه الخاصَّة هي أساس ومصدر واجباته الأخلاقيَّة تُجاه الآخرين وتُجاه الأُسرة والدَّولة،،، وإلخ. المَحَبَّة هي الخير.

إنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير الَّتِي تكشف مجتمعة عن معنى الحياة، هي مفاهيم حدوديَّة. إنَّها تربط الوجود البشريَّ المتناهي بلانهائيَّة العالَم. ومن هُنا تأتي مكانتها المعرفيَّة والتَّنظيميَّة المميَّزة.

والحال، على ما يرى تولستوي: "أنَّنا نُخضِع للبحث المنطقيِّ كُلَّ هذه المفاهيم - مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير- الَّتِي يُساوَى فيها المتناهي باللّامتناهي ويُستخلص منها معنى الحياة. وهذه المفاهيم لا تحتمل نقد العقل" (23، 36). إنَّها تذهب بمحتواها إلى بُعْدٍ لا يمكن للعقل سِوى الإشارة إليه، لكنَّه لا يستطيع إدراكه. وهي تُعطَى للفرد بشكل مباشر ("مطبوعة" في قلبه)، والعقل لا يُؤسِّس هذه المفاهيم بقدر ما يُوضِّحها. وحده الإنسان الطَّيِّب يستطيع أنْ يفهم ما هو الخير. لكي يُدرك العقل معنى الحياة، يجب أنْ تكون حياة صاحب العقل ذات معنى. إذا لم يكن الأمر كذلك، أيْ إذا كانت الحياة بلا معنى، فإنَّ العقل لا يملك موضوعًا للنَّظر، وفي أفضل الأحوال، يمكنه الإشارة إلى انتفاء هذا الموضوع.

والحقُّ أنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير لا تمنح الحياة معنًى، بَلْ تُعبِّر عنه. إنَّها أشكال للوعي الوجوديِّ ووعي الحياة؛ وغايتها عمليَّة وأخلاقيَّة. غَيْرَ أنَّ السُّؤال يطرح نفسه: "إذا كان لا يمكن معرفة ما هو اللَّامتناهي، وبالتَّالي، الله والحُرِّيَّة والخير، فكيف يمكن للمرء أنْ يكون لامتناهيًّا وإلهيًّا وحُرًّا وطيِّبًا؟" إذ إنَّ مَهمَّة ربط المتناهي باللَّامتناهي، من النَّاحية العمليَّة كما من النَّاحية النَّظريَّة، لا تملك حلًّا إيجابيًّا. فاللَّامتناهي هو كذلك، لأنَّه لا يمكن تعريفه نظريًّا ولا إعادة إنتاجه عمليًّا. يتحدَّث ل.ن. تولستوي في خاتمة "السوناتا الكرويتزرية" عن أسلوبين للتَّوجيه في الطَّريق: ففي الحالة الأُولَى، يمكن للأشياء الملموسة الَّتِي يجب أنْ تظهر تباعًا في الطَّريق أنْ تكون منارات للاتِّجاه الصَّحيح، أما في الحالة الثَّانية فيتمُّ التَّحقُّق من صِحَّة الطَّريق بواسطة البوصلة. وبالمِثْل، توجد طريقتان مختلفتان للإرشاد الأخلاقيِّ: تتمثَّل الأُولى في تقديم وصف دقيق للأفعال الَّتِي يجب على الإنسان القيام بها أو تجنُّبها (مثل احترام السَّبْت، لا تسرق، وإلخ)، وتتمثَّل الثَّانية في اعتبار كمال المثال الأعلى الَّذِي لا يُدرَك بمكانة المرشد للإنسان الباحث عن الأخلاق. وكما أنَّه لا يمكن بالبوصلة سِوى تحديد درجة الانحراف عن الاتِّجاه، فكذلك لا يمكن للمثال الأعلى أنْ يكون سِوى نقطة مرجعيَّة لعدم كمال الإنسان. ذلك أنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير الَّتِي تكشف المعنى اللَّامتناهي لحياتنا المحدودة، هي نفسها ذلك المثال الأعلى الَّذِي تتمثَّل غايته العمليَّة في أنْ يكون تأنيبًا للإنسان، ينبِّهه إلى ما لا يكونه. فالإنسان الَّذِي يسترشد بالمثال الأخلاقيِّ لا يلاحظ المسار الَّذِي تركه خلفه، لأنَّه ومهما يكن الشَّوط الَّذِي قطعه كبيرًا، فهو يبقى بالمقارنة مع ما ينتظره في الأمام، كمِّيَّة متناهية في الصِّغر. الإنسان الأخلاقيُّ والخيِّرُ مندفع ومتوثِّب كُلِّيًّا إلى الأمام، نحو المثال الأعلى، وفي هذا الاندفاع تكمن أخلاقيَّته وطيبته. وبما أنَّ أمامه ما لانهاية له، فهو لا يستطيع أنْ يُدرِك واجباته الأخلاقيَّة تُجاه هذا اللَّامتناهي إلَّا في صورة سالبة. فليس في وسع الإنسان أنْ يتطابق مع المثال الأعلى، وكُلَّما كان أفضل، قَلَّ توافقه معه. إنَّ عدم التَّطابق مع المثال الأعلى وعدم الكمال – هُما قدر الإنسان.

يعتقد ل.ن. تولستوي أنَّ جوهر المثال الأخلاقيِّ وخصوصيَّة دوره في حياة الإنسان قد تَمَّ التَّعبير عنهما بأكمل صورة في تعاليم يسوع المسيح. وفي هذا السِّياق تجدر الإشارة إلى أنَّ يسوع المسيح، في رأي تولستوي، ليس إلهًا أو ابن إله: "فَمَنْ يُؤْمِن بالله، لا يمكن أنْ يكون المسيح إلهًا بالنِّسبة إليه" (23، 174)؛ بَلْ يَعُدَّه مُصْلِحًا اجتماعيًّا وروحيًّا عظيمًا يُحَطِّم الأُسُس القديمة للحياة ويُرسي أُسُسًا جديدة لها. كما يرى تولستوي فرقًا جوهريًّا بين وجهات نظر يسوع الحقيقيَّة الواردة في الأناجيل وتحريفها في عقائد الكنيسة الأُرثوذُكسيَّة وغيرها من الكنائس المسيحيَّة الأُخرى. فكُلُّ تعاليم يسوع المسيح، في نظر تولستوي، هي ميتافيزيقا المَحَبَّة وأخلاقيَّاتها.

والحقُّ أنَّ تولستوي لم يحصر أخلاقيَّات المَحَبَّة في المسيحيَّة وحدها: "إنَّ الفكرة القائلة بأنَّ المَحَبَّة شرط ضروريٌّ ومفيد للحياة الإنسانيَّة كانت فكرةً معروفة ومُعْتَرَفًا بها في جميع التَّعاليم الدِّينيَّة القديمة. ففي جميع تعاليم حكماء المصريّين والبراهمة والرُّواقيّين والبوذيّين والطَّاويّين وغيرهم، عُدَّت المَوَدَّة والرَّأفة والرَّحمة والإحسان، وباختصار المَحَبَّة، من الفضائل الرَّئيسة" (37، 166). ومع ذلك، فإنَّ المسيح وحده هو الَّذِي رفع المَحَبَّة إلى مستوى القانون الأساسيِّ والأعلى للحياة، وقدَّم لها تسويغًا ميتافيزيقيًا مُناسِبًا، جوهره أنَّ المَحَبَّة هي الَّتِي تكشف عن المبدأ الإلهيِّ في الإنسان: "الله مَحَبَّة، ومن يثبُت في المَحَبَّة يثبُت في اللهِ واللهُ فيه" رسالة يوحنا الأُولى (4: 16).

إنَّ المَحَبَّة باعتبارها القانون الأعلى والأساسيَّ للحياة هي القانون الأخلاقيُّ الوحيد. فقانون المَحَبَّة بالنِّسبة إلى العالَم الأخلاقيِّ إلزامِيٌّ ومُطْلَق، تمامًا كإلزاميَّة قانون الجاذبيَّة للعالَم المادِّيِّ. كِلا القانونين لا يعرفان أيَّ استثناءات. لا يمكننا أنْ نُسْقِط حجرًا من يدنا من دون أنْ يَسْقُط على الأرض، وكذلك لا يمكننا أنْ نحيد عن قانون المَحَبَّة من دون أنْ نَتَرَدَّى في الفساد الأخلاقيِّ. قانون المَحَبَّة ليس وَصِيَّة، بَلْ هو تعبير عن جوهر المسيحيَّة نفسه. إنَّه المثال الأبديُّ الَّذِي سيسعى النَّاس نحوه بلا نهاية. لم يقتصر يسوع المسيح على إعلان المثال الَّذِي، كما ذُكر أعلاه، قد تَمَّت صياغته قبله، لا سِيَّما في العهد القديم. فإلى جانب ذلك، قدَّم وصايا.

في تفسير تولستوي، هناك خمس وصايا من هذا القبيل. وقد تَمَّتْ صياغتها، بحَسَبِ إنجيل مَتّى (5: 21-48)، في ذلك الجزء من الموعظة على الجبل الَّذِي جاء فيه: "قيل لَكُمْ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ"، أيْ أنَّ هناك جدالًا مباشرًا مع القانون القديم (يُحسب المرجعان عن الزِّنا كواحد). بهذه الوصايا يُلغي يسوع قانون موسى ويعلن تعاليمه. وهي كالآتي:

1.  لا تَغْضَبْ: "سمِعْتُمْ أنَّه قيل للقُدَماء: لا تَقْتُلْ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يغضب على أخيه باطلًا يكون مُسْتَوْجِب الحُكم".

2.  لا تترك زوجتك: "سمعتم أنَّه قيل للقُدَماء: لا تَزْنِ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: مَنْ يُطلِّق امرأته إلَّا لعِلَّة الزِّنا يجعلها تزني".

3.  لا تَحْلِفْ أبدًا بأيِّ شيء أو لأيِّ أحد: "سمعتم أنَّه قيل للقُدَماء: لا تحنث بيمينك... أمّا أنا فأقول لَكُمْ: لا تحلِفوا البَتَّةَ".

4.  لا تقاوم الشَّرَّ بالقُوَّةِ: "سمعتم أنَّه قيل: عَيْنٌ بعَيْنٍ وسِنٌّ بسِنٍّ. أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: لا تقاوموا الشَّرَّ".

5.  لا تحسب أبناء الشُّعوب الأُخرى أعداءً لك: "سمعتم أنَّه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوَّك. أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: أحِبُّوا أعداءكم".

وصايا المسيح "كُلُّها ناهية سالبة وتُظهر فقط ما يمكن للنَّاس عند مستوى معيَّن من تطوُّرهم أنْ يكفُّوا عن فِعْلِه. هذه الوصايا هي بمنزلة علامات على الطَّريق اللامتناهيِّ نحو الكمال..." (28، 80).

لا يمكن لهذه الوصايا إلَّا أنْ تكون سالبة، لأنَّ الأمر يتعلَّق بإدراك درجة عدم الكمال. وللسبب نفسه، لا يمكنها أنْ تستنفد جوهر التَّعاليم المتطابق مع قانون المَحَبَّة. إنَّها ليست سِوى درجة وخطوة على طريق الكمال. لكنَّها الدَّرجة التَّالية الَّتِي يجب على الإنسان والبشريَّة الصُّعود إليها، وهي الخطوة القريبة الَّتِي يجب عليهم اتِّخاذها في جهودهم الأخلاقيَّة. تُشَكِّلُ هذه الوصايا مجتمعةً حقائق لا شكَّ في صِحَّتها كحقائق، لكنَّها لم تُستوعب بعد عمليًّا، أيْ أنَّها حقائق تتجلَّى تُجاهها حُرِّيَّة الإنسان المعاصر. بالنِّسبة إلى أزمنة العهد القديم، لم تكن هذه الحقائق قد اتَّضحت بِكُلِّ وضوحها وجلائها بعد، أمَّا بالنِّسبة إلى بشر عصور ما بعد المسيحيَّة المقبلة، فمن المفترض أنْ تصبح سُلوكِيّات معتادة وآليَّة تمامًا. أمَّا بالنِّسبة إلى الإنسان المعاصر، إنسان العصر المسيحيِّ الَّذِي دام ألْفَيْ عام، فقد أصبحت هذه الوصايا حقائق، لكنَّها لم تتحوَّل بَعْدُ إلى عادةٍ يوميَّة. صار الإنسان يجرؤ على التَّفكير بهذه الطَّريقة، لكنَّه لم يصبح بَعْدُ قادرًا على التَّصرُّف وَفْقًا لها. لذلك، فإنَّ هذه الحقائق الَّتِي أعلنها يسوع المسيح تُمَثِّلُ اختبارًا لِحُرِّيَّة الإنسان.

اللَّاعُنْف كَتَجَلٍّ لقانون المَحَبَّة

يرى تولستوي أنَّ وَصِيَّة "لا تقاوموا الشَّرَّ" تحتلُّ مركز الصَّدارة في الموعظة على الجبل، فهي الَّتِي تحظِّر العنف. فإدراكُ جوهر التَّعاليم الإنجيليَّة يَكْمُنُ في هذه الكلمات الثَّلاث البسيطة الَّتِي أعادت إلى تولستوي، ذاتَ يوم، معنى الحياة الَّذِي فقده، وأخْرَجَتْهُ، في الوقت نفسه، من مأزقه الفكريِّ. لقد أجاز القانون القديم- الَّذِي كان يدين الشَّرَّ والعنف بشكل عامٍّ- استخدامهما في حالات معيَّنة من أجل الخير – كقصاص عادل وَفْقًا لصيغة "العَيْن بالعَيْن". لكن يسوع المسيح ينسخ هذا القانون ويُلْغيه. فهو يرى أنَّ العنف لا يمكن أنْ يكون خيرًا أبدًا، ولا في أيِّ ظرف من الظُّروف، ولا يجوز اللُّجوء إلى العنف حَتَّى عندما يُضرب الإنسان ويُهان عملًا بقاعدة: "مَنْ لَطَمَكَ على خدِّك الأيمن فَحَوِّلْ له الآخر أيضًا" (إنجيل مَتّى 5: 39). إنَّ حظر العنف والنَّهي عنه هو حظر مطلق. ليس فقط على الخير أنْ يُجاب بالخير، بَلْ على الشَّرِّ أيضًا أنْ يُجاب بالخير. إنَّ كلمات يسوع المسيح عن اللَّاعنف وعدم مقاومة الشَّرِّ بالقُوَّة، عندما تُفهم بهذا المعنى المباشر والحرفيّ، هي علامة على الاتِّجاه الصَّحيح، وهي العُلُوُّ العظيم الَّذِي يقف أمامه الإنسان المعاصر في طريقه اللّامتناهي إلى الارتقاء الأخلاقيِّ. لماذا اللَّاعُنْف بالذَّات؟

العنف مضادٌّ للمحبَّة. لدى تولستوي، على الأقَلِّ، ثلاثة تعريفات متشابكة فيما بينها للعنف: أوَّلًا: يُعرِّف العنف بأنَّه القتل أو التَّهديد بالقتل. تنشأ الحاجة إلى استخدام الحِراب والسُّجون والمشانق وغيرها من وسائل الإيذاء الجسديِّ عندما تكون المَهمَّة هي إجبار الإنسان على شيء ما من الخارج؛ ثانيًا: يُؤدِّي هذا إلى التَّعريف الثَّاني للعنف بأنَّه تأثير خارجيٌّ. وتظهر الحاجة إلى التَّأثير الخارجيِّ بدورها عندما لا يكون هناك توافق داخليّ بين النَّاس؛ ثالثًا: وهكذا نَصِلُ إلى التَّعريف الثَّالث والأهَمِّ للعنف: "أنْ تُعنِّف يعني أنْ تفعل ما لا يريده الشَّخص الَّذِي يُمارَسُ العنف ضِدّه" (28، 190-191). بهذا الفَهْمِ، يتطابق العنف مع الشَّرِّ، وهو خلاف المَحَبَّة وعكسها تمامًا. أنْ تُحِبَّ يعني أنْ تفعل كما يريد الآخر، أنْ تُخضِع إرادتك لإرادة الآخر. أنْ تُعنِّف يعني أنْ تفعل كما أُريد أنا، أنْ أُخضِع الإرادة الأُخرى لإرادتي. فالمقام المركزيُّ الَّذِي تحتلها وَصِيَّة اللَّاعنف وعدم المقاومة يرتبط بحقيقة أنَّها ترسم حدود مملكة الشَّرِّ والظَّلام، وتُطْبِق الباب على هذه المملكة. بهذا المعنى، فإنَّ وَصِيَّة عدم المقاومة هي الوجه الآخر لقانون المَحَبَّة: "عدم مقاومة الشَّرِّ يعني عدم مقاومة الشَّرِّ أبدًا، أيْ لا تستخدم العنف أبدًا، أيْ لا تَقُمْ بأيِّ فعلٍ يكون دائمًا مضادًّا للمَحَبَّة" (23، 313).

اللَّاعنف أكثر من مُجرَّد رفض لقانون العنف. فهو يحمل أيضًا معنًى أخلاقيًّا إيجابيًّا يتمثَّل في: "اعتبار حياة كُلِّ إنسان مقدَّسة هو الأساس الأوَّل والوحيد لِكُلِّ أخلاق" (28، 246). إنَّ عدم مقاومة الشَّرِّ يعني بالضَّبط الاعتراف بالقدسيَّة الأصليَّة غير المشروطة للحياة البشريَّة. ليست حياة الإنسان مقدَّسة بجسده الفاني، بَلْ بروحه الخالدة. إنَّ رَفْضَ العنف ينقل الصِّراع إلى المجال الوحيد، مجال الرُّوح، حيث يمكنه فقط أنْ يجد حلًّا بنَّاءً – أيْ أنْ يتمَّ تجاوزه بالتَّوافق المتبادل.

عدم المقاومة لا ينقل الصَّراع إلى مجال الرُّوح فحسب، بَلْ وبشكل أضْيَق – إلى أعماق روح الشَّخص الَّذِي يتبنَّى مبدأ عدم المقاومة نفسه. ليس من قبيل المُصادَفة أنْ يحمل العمل الأساسيُّ لتولستوي الَّذِي يُوَضِّح مفهومه للعنف، عنوان "مملكة الله داخِلَكُمْ". من خلال عدم المقاومة، يعترف الإنسان بأنَّ مسائل الحياة والموت تقع خارج نطاق اختصاصه، فهي من شأن السَّيِّد، لا العامل، ويتخلَّى، في الوقت نفسه، تمامًا عن فكرة أنْ يكون حَكَمًا على الآخر. لم يُمنح الإنسان أنْ يَحْكُمَ على إنسان. وليس فقط، لأنَّه ناقص دائمًا، بَلْ لأنَّه ببساطة يفتقر إلى هذه القدرة، تمامًا كما يفتقر إلى القدرة على الطَّيران مثلًا. وفي تلك الحالات الَّتِي يبدو فيها أنَّنا نحكم على الآخرين، ونطلق على بعضهم صِفَة الخير وعلى بعضهم الآخر صِفَة الشَّرِّ، فإنَّنا إمَّا نخدع أنفسنا والآخرين وإمَّا في أفضل الأحوال نكشف عن عدم نُضْجِنا الأخلاقيِّ، كمثل الأطفال الصِّغار الَّذِين يجرون في الغرفة وهم يلوِّحون بأيديهم معتقدين أنَّهم يطيرون في الهواء. النَّفس هي الَّتِي تشرِّع لذاتها. ويعني هذا أنَّ سُلطة الإنسان تقتصر على نفسه فقط: "كُلُّ ما ليس نَفْسَكَ، فليس من شأنك" (23، 303)، على ما يقول تولستوي. إنَّ أخلاقيَّات عدم المقاومة هي، في حقيقتها، المطلب الَّذِي يقضي بأنْ يكون كُلُّ شخص مُلْزَمًا بالاهتمام بخلاص نَفْسِه الخاصَّة. عندما نطلق على شخص ما اسم مُجْرم ونُخْضِعه للعنف، فإنَّنا نسلبه هذا الحقَّ الإنسانيَّ؛ وكأنَّنا نقول له: "أنت غير قادر على الاهتمام بنفسك، نحن سنعتني بها". وبذلك نخدعه ونخدع أنفسنا. يمكن للمرء أنْ يسيطر على جسد الآخر، لكِنْ لا يمكن ولا ينبغي له أنْ يسيطر على روح الآخر. وبامتناعه عن مقاومة الشَّرِّ بالعنف، يعترف الإنسان بهذه الحقيقة؛ إنَّه يرفض أنْ يحكم على الآخر، لأنَّه لا يَعُدُّ نفسه أفضل منه. ليس النَّاس الآخرين هُمُ الَّذِين يجب إصلاحهم، بَلْ الذَّات نفسها. إنَّ عدم المقاومة يحوِّل النَّشاط البشريَّ إلى خُطَّة للتَّطوير الأخلاقيِّ الدَّاخليِّ للذَّات.

يُؤدِّي الإنسان دوره الحقيقيَّ فقط عندما يُحارِب الشَّرَّ في نفسه. أمَّا عندما يضع أمامه مَهمَّة محاربة الشَّرِّ في الآخرين، فإنَّه يقتحم منطقةً لا سلطان له عليها. غالبًا ما يكون العنف مجهولًا: يضع الجلَّادون أقنعة. فالأشخاص الَّذِين يرتكبون العنف عادةً ما يخفون ذلك. وهُمْ يخفونه عن الآخرين وعن أنفسهم. وهذا ينطبق بشكل خاصٍّ على العنف الحكوميِّ الَّذِي يجري تنظيمه بحيث "لا يرى الأشخاص الَّذِين يرتكبون أفظع الأفعال أيَّ مسؤوليَّة عنها... طَلَبَ بعضهم، وقرَّر آخرون، وأكَّد ثالثون، واقترح رابعون، وأبلغ خامسون، وأوصى سادسون، ونفَّذ سابعون" (28، 250-251). ولا أحد مذنب. إنَّ تمييع المسؤوليَّة في مثل هذه الحالات ليس مُجرَّد نتيجة لمحاولة متعمَّدة لإخفاء الأدلَّة. إنَّه يعكس روح المسألة نفسها: فالعنف، موضوعيًّا، هو مجال للسُّلوك اللَّاحُرِّ واللَّامسؤول. فمن خلال نظامٍ معقَّدٍ من الالتزامات الخارجيَّة، يجد النَّاس أنفسهم شركاء في جرائم لم يكن أيُّ منهم ليرتكبها لو أنَّ هذه الجرائم كانت تعتمد فقط على إرادته الفرديَّة: "فلا جِنِرالَ ولا جُنْدِيَّ، من دون انضباط وقَسَمٍ وحربٍ، ليس فقط لن يقتل مئات الأتراك أو الألمان ويُخرِّب قُراهم، بَلْ ولن يجرؤ حَتَّى على إيذاء إنسان واحد. كُلُّ هذا يحدث فقط بفضل تلك الآلة الحكوميَّة والاجتماعيَّة المعقَّدة الَّتِي تتمثَّل مَهمَّتها في تمييع مسؤوليَّة الفظائع المرتكبة بحيث لا يشعر أحد بالطَّابع اللَّاسَوِيِّ لهذه الأفعال" (23، 332). إنَّ ما يميِّز عدم المقاومة من العنف هو أنَّه مجال للسُّلوك الفرديِّ المسؤول. إنَّه عمل إبداعيٌّ بحت يحمل بصمة صاحبه. ومهما كانت محاربة الشَّرِّ في النَّفْسِ صعبة، فإنَّها تعتمد فقط على الإنسان وحده. لا توجد قوى يمكنها أنْ تعيق شخصًا عقد العزم على عدم المقاومة. إنَّ عدم مقاومة الشَّرِّ الَّذِي يتحوَّل إلى اكتمال ذاتيِّ داخليِّ، أو بعبارة أُخرى، إنَّ التَّطوير الدَّاخليَّ للذَّات الَّذِي يتحقَّق في عدم مقاومة الشَّرِّ، هو مِحَكُّ اختبار حُرِّيَّة الإنسان المُعاصِر.

لِكُلِّ قتل، مهما كانت سلسلة أسبابه معقَّدة ومخفيَّة، حلقة أخيرة – يجب على شخص ما أنْ يطلق النَّار ويضغط على الزِّناد، وإلخ. فالإعدام لا يحتاج فقط إلى قوانين مُناسِبة وقضاة،،، وما شابه، إنَّمَا يحتاج أيضًا إلى جلَّادٍ. إنَّ الدَّرب الأكثر ضمانًا وأمنًا وفعاليَّة لإزالة العنف من العلاقات البشريَّة، في رأي تولستوي، هو أنْ نبدأ من هذه الحلقة الأخيرة. إنْ لم يكن هناك جلَّادٌ، فلن يكون هناك إعدام. فليكن هناك دساتير وقضاة وأحكام وكُلُّ شيء آخر، ولكِنْ إذا لم يرغب أحد في أنْ يصبح جلَّادًا، فلن يكون هناك من ينفِّذ حكم الإعدام بصرف النَّظر عن مدى شرعيَّته. هذا المنطق لا يمكن دحضه. بالطَّبع، كان تولستوي يعلم أنَّ هناك دائمًا متطوعين لدور الجلَّاد. لقد وصف حالات تنافَسَ فيها النَّاس للفوز بهذا المنصب المربح بطريقته. لكنَّه عرف أيضًا شيئًا آخر: لا يمكن لأحد أنْ يمنع الإنسان من أنْ يصبح جلَّادًا إلَّا نفسه. إنَّ فكرة عدم المقاومة تكون مضمونة وفعَّالة فقط عندما ينظر الإنسان إليها كتجسيد ملموس لكرامته الأخلاقيَّة والإنسانيَّة، عندما يقول لنفسه: "لن أُصبح جلَّادًا أبدًا وفي أيِّ ظرف. أوثِر أنْ أموت أنا نفسي على أنْ أقتل شخصًا آخر".

يرى الوعي السَّاذج في مماهاة السِّيادة الأخلاقيَّة للشَّخصيَّة بعدم المقاومة موقفًا يتناقض مع سعي البشر إلى تحصيل السَّعادة. يناقش تولستوي بالتَّفصيل الحُجج الشَّائعة ضِدَّ عَدَمِ المُقَاوَمَة. ثلاث منها هي الأكثر انتشارًا:

الحُجَّة الأُولى هي أنَّ تعاليم المسيح رائعة ونبيلة، لكنَّها صعبة التَّنفيذ. ردًّا على ذلك، يسأل تولستوي: هل الاستيلاء على الممتلكات والدِّفاع عنها سهلًا؟ وهل حرث الأرض وتربية الأطفال يخلوان من المشقَّات والصُّعوبات؟ في الواقع، الأمر لا يتعلَّق بصعوبة التَّنفيذ، بَلْ بإيمان زائف مُفاده أنَّ إصلاح الحياة البشريَّة لا يعتمد على النَّاس أنفسهم وعقلهم وضميرهم بقدر ما يعتمد على المسيح الآتي على سَحَابِ السَّماء مصحوبًا بِبُوق عظيم الصَّوْتِ أو على قانون تاريخيٍّ. لكن"من صفات الطَّبيعة الإنسانيَّة فعل ما هو أفضل" (23، 372). لا توجد جبريَّة موضوعيَّة للوجود البشريِّ، بَلْ هناك أُناس يتَّخذون القرارات. لذا، فإنَّ القول عن التَّعاليم الَّتِي تتعلَّق بالاختيار البشريِّ، وتتعلَّق بعزيمة الرُّوح وليس بالقدرات الجسديَّة، بأنَّها جيِّدة للنَّاس، ولكنَّها غير قابلة للتَّطبيق – هو قول يناقض نفسه.

الحُجَّة الثَّانية هي أنَّه "لا يمكن لشخصٍ واحدٍ أنْ يسير ضِدَّ العالَم كُلِّهِ" (23، 385). ماذا لو، على سبيل المثال، كنت أنا الوحيد الوديع الَّذِي يعيش على هُدى التَّعاليم، وأُعطي الخدَّ الآخر، وأرفض أداء اليَمين، وإلخ، بينما يستمرُّ الآخرون في العيش وَفْقًا للقوانين القديمة، عندها سيتمُّ ازدرائي وضربي وقتلي رميًا بالرصاص، وسأهدر حياتي من دون جدوى. تعاليم المسيح هي طريق الخلاص وطريق الحياة المبارَكة لمن يتَّبعها. لذلك، فإنَّ الشَّخص الَّذِي يقول إنَّه سيكون سعيدًا باتِّباع هذه التَّعاليم، لكنَّه يخشى أنْ يهدر حياته، فإنَّه، على الأقَلِّ، لا يفهم ما يجري الحديث عنه. هذا يشبه شخصًا غريقًا رُمِيَ له حَبْل الإنقاذ، فأبى استخدامه متذرِّعًا بالقول إنَّه كان يودُّ استخدام الحَبْل بِكُلِّ سرور، لكنَّه يخشى ألَّا يفعل الآخرون الشَّيء نفسه.

الحُجَّة الثَّالثة هي امتداد للحُجَّتين السَّابقتين، وتشكِّك في إمكانية تطبيق تعاليم المسيح، لأنَّها محفوفة بمعاناة كبيرة. على وجه العموم، لا حياة بشريَّة تعرى في الأصل من معاناة، ولا يمكن أنْ تكون خالية من الآلام. والسُّؤال كُلُّه هو: متى تكون هذه المعاناة أكبر؟ عندما يعيش الإنسان بِاسْمِ الله أم عندما يعيش بِاسْمِ العالَم؟ إجابة تولستوي واضحة لا لَبْسَ فيها: عندما يعيش بِاسْمِ العالَم. إذا ما نظرنا إلى الحياة من منظار الفقر والثَّروة، والمرض والصِّحَّة، وحتميَّة الموت، فإنَّ حياة المسيحيِّ ليست أفضل من حياة الوثنيِّ، لكنَّها تتفوَّق على الأخيرة من جهة كونها لا تُستنفَد بالكامل في الانشغال التَّافه بالتَّأمين الوهميِّ للحياة، وفي السَّعي وراء سراب السُّلطة والثَّروة والصِّحَّة. والحال أنَّ أتباع تعاليم المسيح أقلُّ شقاءً، لسبب بسيط: لأنَّهم متحرِّرون من المعاناة المرتبطة بالحسد وخيبات الأمل من الفشل في الصِّراع والمزاحمة. فالتَّجربة، على ما يقول تولستوي، تؤكِّد أيضًا أنَّ النَّاس يعانون، بصورة رئيسة، ليس بسبب تسامُحِهم المسيحيِّ، بَلْ بسبب أنانيَّتهم الدُّنيويَّة. وقد أشار إلى ذلك بقوله: "في حياتي السَّعيدة جدًّا، بالمعنى الدُّنيويِّ، يمكنني أنْ أجمع من المعاناة الَّتِي كَابَدْتُها بِاسْمِ تعاليم العالَم ما قد يَفُوقُ معاناة شهادةٍ مجيدةٍ بِاسْمِ المسيح" (23، 416). تعاليم المسيح ليست أكثر أخلاقيَّة فحسب، بَلْ هي أيضًا أكثر حكمة وتعقُّلًا. إنَّها تُجنِّب النَّاس ارتكاب الحماقات.

وهكذا، فإنَّ الحُجج السَّاذجة ضِدّ أخلاقيَّات اللَّامُقاوَمَة ليست أكثر من مجرَّد مسبقات وترَّهات. يسعى النَّاس بواسطتها إلى خداع أنفسهم واختلاق تبريرات لنمط حياتهم اللَّاأخلاقيِّ المدمِّر، والتَّهرُّب من المسؤوليَّة الشَّخصيَّة عن كيفيَّة عيشهم.

قد يبدو التَّركيز على خلاص النَّفْسِ الخاصَّة للوهلة الأُولى شكلًا من أشكال الأنانيَّة المنمَّقة. لكِنْ هذا ليس صحيحًا في الواقع. فماهيَّة النَّفس هي المَحَبَّة. وطريق اللّامقاومة هو طريق الإنسان إلى ذاته، ليس بمعنى العزلة عن الآخرين أو اللَّامبالاة بهم. إنَّه الطَّريق إلى ذلك الإلهيِّ الموجود في النَّفْسِ، وبالتَّالي، هو ذلك الطَّريق إلى الذَّات الَّذِي يربط الإنسان بالآخرين، بالأبناء البشريّين مثله تمامًا. فالسُّؤال الَّذِي يُقلق تولستوي هو: "كيف يمكن حلَّ النِّزاعات بين النَّاس، عندما يحسب بعضهم شرًّا ما يراه الآخرون خيرًا، وبالعكس؟" (28، 38). الإجابة المعهودة منذ آلاف السِّنين هي: يجب على الأخيار أنْ يحكموا الأشرار. ولكِنْ، كيف نعرف أنَّ الأخيار هم من يحكمون وليس الأشرار؟ فطبقًا لشروط المسألة، ليس لدينا معيارٌ مُجْمَعٌ عليه ومشترك للشَّرِّ. فالأخيار بصفتهم أخيارًا بالذَّات لا يمكنهم أنْ يحكموا. فقد سبق لقابيل أنْ قتل هابيل. ولم يَكُنْ في الإمكان أنْ يحدُثَ الأمر بشكل مختلف. "قد يكون هناك أشرار بين أولئك الذين يخضعون للسُّلطة، لكِنْ لا يمكن أنْ يتحكَّم أكثر الأخيار طيبةً بأشدِّ النَّاس شرًّا" (28، 191). في مثل هذه الحالة، لا يوجد سِوى حلٍّ واحد – يجب على الإنسان أنْ يلتفت إلى نفسه الخاصَّة، وهذا يعني أنَّه يجب ألَّا يقاوم بالعنف ما يحْسَبه شرًّا.

عدم المقاومة هو القانون

تجمع وَصِيَّة عدم المقاومة تعاليم المسيح في نسق كامل فقط إذا ما فُهِمَتْ على أنَّها ليست مجرَّد قول مأثور، بَلْ بصفتها قانونًا إلزاميًّا لا يعرف الاستثناءات. إذ إنَّ السَّماح باستثناءات من قانون المَحَبَّة يعني الاعتراف بوجود حالات يكون فيها استخدام العنف مبرَّرًا أخلاقيًّا. وهذا محال. إذا سُمح لشخص ما في ظروف معيَّنة، بمقاومة ما يحسبه شرًّا بالعنف، فمن الممكن، عندئذ، لأيِّ شخص آخر أنْ يفعل الشَّيء نفسه. فَكُلُّ خصوصيَّة الوضع الَّذِي تنبع منه فكرة عدم المقاومة تكمن بالضَّبط في عجز النَّاس عن الوصول إلى اتِّفاق حول الخير والشَّرِّ. وإذا ما سمحنا ولو بحالة واحدة من القتل "المبرَّر"، فإنَّنا نفتح الباب على مصراعيه أمام سلسلة لانهاية لها من هذه الحالات.

حاول عالِم الطَّبيعة المعروف إرنست هيكِل، المعاصر لتولستوي وأحد أتباع تشارلز داروين، بالاستناد إلى القوانين الطَّبيعيَّة للصِّراع من أجل البقاء، تسويغ عدالة وفائدة إعدام ما أسماه "المجرمين والأوغاد غير القابِلين للإصلاح". وفي الاعتراض عليه يسأل تولستوي قائلًا: "إذا كان قتل الأشرار مفيدًا، فَمَنِ الَّذِي يقرِّر: من هو المؤذي والضَّار؟ أنا، على سبيل المثال، أعتقد أنَّني لا أعرف أحدًا أسوأ وأضَرَّ مِنَ السَّيِّد هيكِل. أيَحُقُّ لي ولأشخاص يُشاطِرونَني هذه القناعة أنْ نحكم على السَّيِّد هيكِل بالإعدام شنقًا؟" (37، 74). هذه الحُجَّة ضِدّ العنف الَّتِي ظهرت لأوَّل مَرَّة في القِصَّة الإنجيليَّة عن المرأة الَّتِي كانت قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى من التَّعرُّض للرَّجْم، هي في جوهرها، حُجَّة لا يمكن تفنيدها: أين هو ذلك الإنسان المعصوم الَّذِي يمكنه الحكم من دون خطإٍ على الخير والشَّرِّ، ويخبرنا متى ومن يمكن أنْ يُرجَم بالحجارة؟!

كما يرى تولستوي أنَّ المحاججة النَّفعيَّة المؤيِّدة للعنف والمبرِّرة له في الحالات الَّتِي يمنع فيها عنفًا أكبر هي مرافعة باطلة. فعندما نقتل إنسانًا شَهَرَ سكينًا على ضحيَّته، لا يمكننا أبدًا أنْ نعلم عِلْمَ اليَقين المُطْلَق ما إذا كان سيُنَفِّذ نيَّته أم لا، وما إذا كان شيءٌ ما قد يتغيَّر في اللَّحظة الأخيرة في وَعْيِه (اُنظُر 37، 206). وعندما نُعْدِم مجرمًا، فإنَّنا مَرَّة أُخرى لا يمكن أنْ نكون على يقين تامٍّ أنَّ المجرم لن يتغيَّر ولن يندم، وأنْ يبدو إعدامنا له قسوة لا طائل منها (انظُر 28، 29). ولكِنْ، حَتَّى لو افترضنا أنَّ الحديثَ هو حديثٌ عن مجرم ميؤوس مِنْهُ عنيد لم يكن ليغيِّر نفسه أبدًا، فإنَّ الإعدام لا يمكن تبريره براغماتيًّا، لأنَّ عمليَّات الإعدام تؤثِّر في المحيطين، وبخاصَّةٍ، في أقربائه، بشكل يخلق أعداءً مُضاعَفَةً أعدادهم وأكثر شرًّا من أولئك الَّذِين قُتلوا ودُفنوا في الأرض (37، 214). لدى العنف مَيْلٌ للتَّكاثُر على نطاق واسع وبوتيرة مرتفعة. لذلك، فإنَّ فكرة العنف المحدود والحدِّ من العنف بالعنف هي فكرة باطلة. هذه الفكرة بالذَّات هي الَّتِي ألغاها قانون عدم المقاومة. قال المسيح للنَّاس: "أنتم تعتقدون أنَّ قوانينكم العنفيَّة تُصلح الشَّرَّ؛ لكنَّها تزيده فقط. لقد حاولتم على امتداد آلاف السِّنين أنْ تُدمِّروا الشَّرَّ بالشَّرِّ فلم تُدمِّروه، بَلْ زِدْتُموه. افعلوا ما أقوله وما أفعله، وعندها ستعرفون إنْ كان هذا حقًّا" (23، 329).

في الواقع، من السِّهل ارتكاب العنف، وللأسف يَتِمُّ ارتكابه باستمرار. لكن لا يجوز تبريره. لا يمكن للعقل أنْ يسوِّغه كفِعْلٍ إنسانيٍّ وكفِعْلٍ مسيحيٍّ. يتحدَّث تولستوي عمَّا إذا كان يمكن أنْ يوجد حقٌّ بالعنف والقتل. استنتاجه قاطع: لا وجود لمثل هذا الحقِّ. إذا كُنَّا نتبنَّى الأخلاق الإنسانيَّة العامَّة والقيم المسيحيَّة، وإذا كُنَّا نقول إنَّ النَّاس متساوون أمام الله ومتساوون في كرامتهم الأخلاقيَّة، فلا يمكن تبرير عنف الإنسان ضِدّ الإنسان من دون انتهاك فاضح لقوانين العقل والمنطق. كان في إمكان الإنسان الآكِل لِلُحوم البشر، في إطار وعيه، أنْ يُبَرِّر العنف. وكان في إمكان الإنسان الملتزم نواميس العهد القديم، في إطار وعيه الَّذِي يفضِّل شعبه على الشُّعوب الأُخرى ويُميِّز بينه وبينها، أنْ يُبَرِّر العنف أيضًا. لكِنَّ الإنسان المُعاصِر الَّذِي يَدِينُ بدِينِ الحُبِّ ويسترشد بأفكار حُبِّ الإنسان، لا يستطيع فِعْلَ ذلك. لذلك، اعْتَبَرَ تولستوي عقوبة الإعدام شكلًا من أشكال القتل أسوأ بكثير من القتل العاديِّ بدافع الشَّهوة أو لاعتبارات شخصيَّة أُخرى. هي أسوأ بسبب منهجيتها الباردة وادِّعائها الشَّرعيَّة والتَّبرير. يمكن للمرء أنْ يفهم تمامًا ارتكاب إنسان لجريمة قتل في لحظة غضب أو انفعال دفاعًا عن نفسه أو عن شخص عزيز. ويمكن فَهْم مشاركة المرء في القتل الجماعيِّ في الحرب تحت تأثير الإيحاء الجماعيِّ. لكِنْ لا يمكن فَهْم كيف يمكن للنَّاس أنْ يرتكبوا القتل بهدوء وروية وعن سابق إصرار وتصميم، وهُمْ في كامل تمتُّعهم بالصِّفات الإنسانيَّة، وكيف يمكنهم اعتبار القتل ضروريًّا. كان ذلك ليفوق فَهْمَ تولستوي وتَصوُّره. ففي" ذكريات من محاكمة جنديٍّ" يكتب تولستوي:"لقد بقيت عقوبة الإعدام بالنِّسبة إلَيَّ كما كانت عليه واحدة من تلك التَّصرُّفات البشريَّة الَّتِي لا تقوِّض المعطيات عن ارتكابها في الواقع الوعي في داخليِّ باستحالة قيامي بها" (37، 69).

وفي الحقيقة، يقول ل.ن. تولستوي شيئًا بسيطًا جدًّا: العنف لا يتوافق مع الأخلاق والعقل، ولا يجب على كُلِّ من يرغب في العيش وَفْقًا للأخلاق والعقل أنْ يرتكبه أبدًا.

يحكي الأمريكي جورج كينان عن مقابلته مع ل. ن. تولستوي الَّتِي طرح في سياقها عليه سؤالًا مباشرًا: هل كان الكاتب الكبير الكونت ل.ن. تولستوي ليقتل لصًّا يستعد لقتل ضحِيَّة بريئة في حال لم تكن هناك أيُّ وسيلة أُخرى لإنقاذ حياة الأخيرة؟ ردًّا على ذلك أجابه تولستوي: "لو رأيت دُبًّا في الغابة يستعِدُّ لمهاجمة فلاح، لحطَّمت رأسه بالفأس، لكنَّني ما كُنْتُ لأقْتُلَ إنسانًا يستعِدُّ لِفِعْلِ الشَّيء نفسه" (ل. ن. تولستوي في ذكريات المعاصرين: إصدار في مُجَلَّدَيْنِ. موسكو، 1978، المُجَلَّد الأوَّل. ص 369). في هذه الحالة العيانيَّة لَمْ يَقُلْ تولستوي شيئًا سِوى تَكرار الحقيقة الَّتِي تمثِّل في المجتمع قانونًا لا يتزعزع كقانون الجاذبيَّة في الطَّبيعة؛ "عدم مقاومة الشَّرِّ يعني عدم مقاومة الشَّرِّ أبدًا" (23، 313).

لماذا يتشبَّث النَّاس بالقديم؟

"ما أنْ يُؤْمِنَ النَّاس بتعاليم المسيح ويُنَفِّذوها، حَتَّى يَعُمَّ السَّلام على الأرض" (23، 370). لكن أكثر النَّاس لا يُؤْمِنون بتعاليم المسيح ولا يُنَفِّذونها. لماذا؟ يرى ل.ن. تولستوي أنَّ هناك سببين أساسيَّين، على الأقَلِّ، يَحْجُبانِ عن النَّاس حقيقة يسوع المسيح: أوَّلُهُما، قصور الفَهْم السَّابق للحياة؛ وثانيهما، تحريف التَّعاليم المسيحيَّة.

قَبْلَ أنْ يضع يسوع المسيح وَصِيَّة عدم المقاومة، ساد في المجتمع اعتقاد بأنَّ الشَّرَّ يمكن استئصاله بالشَّرِّ. وقد تجسَّد هذا الاعتقاد في نظام معيَّن للحياة البشريَّة، وتغلغل في العادات والأعراف، وأصبح أساسًا لعدم المساواة الاجتماعيَّة. ذلك أنَّ "أُسُس جميع امتيازات الأغنياء على الفقراء لم تنشأ من شيء سِوى الجَلْدِ بالسِّياط والسُّجون والأشغال الشَّاقَّة والقتل" (28، 228) — هذا هو حُكْمُ تولستوي الصَّارم. ناهيك بكون الدَّافعيَّة المهيمنة على السُّلوك الاجتماعيِّ مرتبطة بالعنف أيضًا، ويكمن جوهرها في سعي المرء إلى التَّميُّز وثناء النَّاس عليه وإثبات أفضليَّتة وتفوُّقه على الآخرين. لكن بؤرة العنف الرَّئيسة هي الدَّولة بجيوشها وسياستها المرتبطة بالتَّجنيد الإجباريِّ العامِّ والقَسَم والضَّرائب والمحاكم والسُّجون، وإلخ. باختصار، الحضارة كُلُّها قائمة على قانون العنف، وإنْ كانت، بالطَّبع، لا تُخْتَزَل به. ففي أُسُسها الرُّوحيَّة، تبقى ما قَبْل مسيحيَّة.

كثيرًا ما يُعاب على تولستوي نَزْعَته الأخلاقيَّة المجرَّدة. يزعم بعض نقاده أنَّه، ولاعتبارات أخلاقيَّة خالصة، رَفَضَ كُلَّ عنف وعَدَّ كُلَّ إكراهٍ ماديٍّ عنفًا، وأنَّه لهذا السَّبب أغلق على نفسه طريق فَهْم كُلِّ تعقيدات العلاقات الحياتيَّة وأعماقها. وانطلاقًا من هذا النَّظرة انتقد الفيلسوف الرُّوسيُّ المعروف في القرن العشرين إيفان ألكسندروفيتش إيلين( 1883-1954) في كتابه ذي العنوان البالغ الدَّلالة "حول مقاومة الشَّرِّ بالقُوَّةِ" أفكار ل.ن. تولستوي وأطروحاته. والحقُّ أنَّه لا تجوز الموافقة التَّامَّة على مثل هذا النَّقد. ففي معرض تحليله للعنف، لم يقتصر تولستوي على موقف الإدانة الأخلاقيَّة غير المشروطة. لقد اتَّسم تحليله بِنَفَسٍ تاريخاني، على سبيل المثال، عندما اعترف بجواز العنف الحكوميِّ لزمن معيَّن: "ربَّما كان العنف الحكوميُّ ضروريًّا للحالة السَّابقة للنَّاس، وربَّما ما يزال ضروريًّا حَتَّى الآن" (37، 199). علاوة على ذلك، يتَّصف موقف تولستوي بطابع ملموس تمامًا عندما يميز بين عنف الثُّوار وعنف السُّلطات. في مقالته الشَّهيرة "لا أستطيع السُّكوت"، يقول إنَّ فظائع الثُّوار أكثر قابليَّة للفهم والتَّفسير من الفظائع المضادَّة الَّتِي ترتكبها السُّلطات، لأنَّ الأُولى ترتبط بمخاطر شخصيَّة أكبر، ويرتكبها شباب، ولا تُرتكَب بدم بارد وقسوة شديدة، ولا تُغطَّى بدوافع دينيَّة زائفة (37، 92). ومع ذلك، يرى تولستوي أنَّ كُلَّ هذه الاختلافات التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة تفقد كُلَّ أهمِّيَّتها من منظار المثال المسيحيِّ. ومع ظهور وَصِيَّة عدم المقاومة، يتغيَّر المقام الرُّوحيُّ للعنف جذريًّا، ويفقد مبرِّره الأخلاقيَّ: "لم يعد العنف يُمارس الآن، لأنَّه يُعدُّ ضروريًّا، بَلْ فقط، لأنَّه موجود منذ زمن سحيق، وهو منظَّم من الأشخاص المستفيدين منه، أيْ الحكومات والطَّبقات الحاكمة، بطريقة لا يستطيع الأشخاص الخاضعون لهذه السُّلطة الفكاك منها" (28، 152). علاوة على ذلك، يرى تولستوي في عدم المقاومة نفسه، كما سبق ذكره، إحدى الدَّرجات على الطَّريق اللَّامتناهي إلى الكمال. وهو يفترض تمامًا بأنَّ هذه الحقيقة السَّامِيَة ستصبح مع الوقت عادةً بديهيَّة، وسيخجل النَّاس مِنَ المشاركة في أعمال العنف كما يخجلون الآن من الاحتيال أو الجبن. وإذا كان ممكنًا تسمية مثل هذا الموقف تنظيرًا خُلقيًّا خالصًا، فإنَّه ذلك النَّوع من التَّخلقُن الَّذِي يشكِّل هو نفسه مَهمَّةً تاريخيَّةً.

تمكَّنت تقاليد العنف الَّتِي تمتَدُّ لآلاف السِّنين من الالتفاف على تعاليم يسوع المسيح، بعد أنْ شَوَّهَت جوهرها أوَّلًا.

يعتقد ل.ن. تولستوي أنَّ حقيقة المسيح الَّتِي نجدها في الأناجيل قد شُوِّهت لاحقًا من قِبَلِ الكنائس الَّتِي خلفته. وقد طالت التَّحريفات ثلاث نقاط رئيسة: أوَّلًا: زعمت كُلُّ كنيسة أنَّها الكنيسة الوحيدة الَّتِي تفهم حقيقة تعاليم المسيح وتنفِّذها بشكل صحيح. غير أنَّ ادِّعاءً كهذا يتناقض مع روح التَّعاليم الَّتِي تُوَجِّه مسار الإنسان نحو الكمال، والَّتِي لا يمكن لأيٍّ من الأتباع، أفردًا كان أم مجموعةً، أنْ يدَّعي فَهْمَها بشكل نهائيٍّ؛ ثانيًا: لقد حصرت الكنائس التَّعاليم في شعار الإيمان، وربطت الخلاص بتأدية شعائر وأسرار وصلوات معيَّنة، ونصَّبت نفسها وسيطًا بين النَّاس والله. وبذلك قامت بتحريف المسيحيَّة في تلك النُّقطة الحاسمة الَّتِي تؤكِّد أنَّ إقامة ملكوت الله على الأرض تعتمد أيضًا على الإنسان وعلى أعماله الصَّالحة. وفي ذلك يقول تولستوي: "إمَّا الموعظة على الجبل وإمَّا شعار الإيمان: يستحيل تصديق هذا وذاك" (28، 60)؛ ثالثًا: شَوَّهَت الكنائس معنى الوَصِيَّة الرَّابعة وهي الأهَمُّ، وَصِيَّة عدم مقاومة الشَّرِّ، واضعةً إيَّاها موضع شكٍّ، وهذا ما شَكَّل إلغاءً لقانون المَحَبَّة: "لقد ضُيِّق نطاق عمل مبدأ المَحَبَّة ليقتصر على الحياة الشَّخصيَّة والشُّؤون العائليَّة، أمَّا في ما يتعلَّق بالحياة العامَّة فقد عُدَّ استخدام العنف بكُلِّ أنواعه ضِدّ الأشرار ضروريًّا لخير السَّواد الأعظم من النَّاس: السُّجون والإعدامات والحروب هي أفعال مُضادَّة تمامًا لأضعف شعور بالمَحَبَّة" (37، 263).

كان المعنى العامُّ لجميع التَّأويلات الكنسيَّة لتعاليم المسيح هو نَقْلُها من مجال الواجبات والأفعال الأخلاقيَّة إلى مجال الآمال والأحلام الدَّاخليَّة: "بدلًا من أنْ تقود العالَم في حياته، قامت الكنيسة، إرضاءً للعالَم، بإعادة تأويل التَّعاليم الميتافيزيقيَّة للمسيح بحيث لم ينتج عنها أيُّ مطالب من الحياة، ولم تمنع النَّاس من العيش كما كانوا يعيشون... لقد فعل العالَم كُلَّ ما أراد، تاركًا للكنيسة اللَّحاق بِرَكْبِه، على قدر ما تستطيع، في تفسيراتها لمعنى الحياة. أنشأ العالَم حياته الخاصَّة المعاكسة تمامًا لتعاليم المسيح، بينما اختلقت الكنيسة استعارات ومجازات زيَّنت للنَّاس أنَّهم يعيشون وَفْقًا لقانون المسيح، وذلك رغم عيشهم بشكل مناقض له. وانتهى الأمر بأنْ أصبح العالَم يعيش حياة أسوأ من الحياة الوثنيَّة، وأصبحت الكنيسة لا تبرِّر هذه الحياة فحسب، بَلْ تؤكِّد أنَّ هذه الحياة بالذَّات هي نفسها تعاليم المسيح" (23، 439). نتيجة لذلك، نشأ وضع يُظهِر فيه النَّاس ما لا يضمرون، ويقولون بألسنتهم ما لا يفعلون، ويكرهون نظام الأشياء الَّذِي يدعمونه بأنفسهم. وفي المُحصِّلة يحظى العنف بتتِمَّته وامتداده في النِّفاق والخداع: "فالكَذِب، على ما يقول تولستوي، يدعم قسوة الحياة، وقسوة الحياة تتطلَّب المزيد والمزيد من الكَذِب، ويكبر هذا وذاك ككرة الثَّلج المتدحرجة بشكل لا يمكن إيقافه" (37، 160).

إذن، أين المخرج من هذا الوضع اللَّاسَوِيّ؟ يجيب تولستوي عن هذا السُّؤال بكلمات المسيح من إنجيل مَتّى (مَتّى 24: 3-28) الَّتِي تنبئ بأنَّ نهاية العالَم الوثنيِّ ستأتي عندما تصل مصائب البشر إلى أوج ذروتها، وعندئذ، سيُبشَّر في جميع أنحاء الكون بالبشارة السَّارة لنظام عالميٍّ جديد قائم على اللَّاعنف. وقد بدأ العالَم، في رأي تولستوي، يدخل فعليًّا في مثل هذه المرحلة. فمن ناحية: تزداد أحوال البشر بؤسًا وشقاءً باستمرار، ويصل العنف إلى مستويات غير مسبوقة، ما يقنع النَّاس بشكل واضح بأنَّ هذا الطَّريق مهلك لا محالة. بَلْ إنَّ تولستوي يطرح فكرةً قد يكون مستحيلًا أنْ ينطق بها لسان إنسان أخلاقيٍّ محافظ: إنَّ مشاركة النَّاس ذاتها في العنف هي ما ينفِّرهم منه. ذلك أنَّ "العنف يختار ويجذب إليه أسوأ عناصر المجتمع، فَيَسْبِكُهُم من جديد على نَحْوٍ أحسن وأفضل مما كانوا عليه ثُمَّ يعيدهم إلى المجتمع" (28، 196). ومن ناحية أُخرى: لم يمرَّ ثمانية عشر قرنًا من المسيحيَّة على النَّاس من دون أثر، فقد تبنُّوها، وإنْ كان ذلك بشكلٍ صوريٍّ وسطحيٍّ. علاوة على ذلك، كان اعتناق المسيحيَّة بشكلٍ مُشوَّهٍ شرطًا لنشرها في وعي الجماهير العريضة، لكي تُفهم لاحقًا بمحتواها الحقيقيِّ. مثل البذرة المزروعة الَّتِي يجب أنْ تُغَطَّى بالتُّراب لفترة من الزَّمن قبل أنْ تنبت.

كُلُّ هذا - شروط عامَّة للانتقال إلى أُسُس حياة جديدة، لكنَّها لا تحدِّد وقتًا أو ساعة محدَّدة لهذا التَّحوُّل. من المستحيل، مبدئيًّا، التَّنبؤ بالميعاد الدَّقيق لبدء الحياة الجديدة أو "ملكوت الله" بالمصطلح المسيحيِّ، لأنَّ مجيئه يعتمد على النَّاس أنفسهم. إنَّها ليست مسألة قَدَرٍ إلهيٍّ، بَلْ مسألة اختيارٍ إنسانيٍّ. ملكوت الله موجود في الدَّاخل، وعلى كُلِّ إنسان أنْ يكتشفه في نفسه ويبني ملكوته الخاصَّ، وهكذا فقط يمكن للملكوت العامِّ أنْ يتشكَّل. "فالاتِّحاد يتحقَّق فقط عندما لا يفكِّر النَّاس في الاتِّحاد، بَلْ عندما يفكِّر كُلُّ واحد فقط في تنفيذ قانون الحياة" (37، 211).

ينبغي ألَّا تُفهم فكرة اللَّاعنف والتَّطوير الأخلاقيِّ الدَّاخليِّ للفرد وكأنَّ تولستوي يعارض العمل الجماعيَّ والإجراءات ذات الأهَمِّيَّة المجتمعيَّة والواجبات الأخلاقيَّة المباشرة للإنسان تُجاه الآخرين. على العكس تمامًا. إذ إنَّ عدم المقاومة، في رأي تولستوي، هو تطبيق تعاليم المسيح على الحياة المجتمعيَّة (اُنظُر 28، 149)، وهو الطَّريق الملموس لتحويل علاقات العداء بين النَّاس إلى علاقات تعاون متبادل في ما بينهم.

إنَّ مُجَرَّد عدم المُشارَكة في العنف هو في حدِّ ذاته كفاحٌ ضِدَّه. فالعنف، وقبل كُلِّ شيء العنف الحكوميُّ المنظَّم، يُدار إلى حدٍّ كبير من قِبَلِ أولئك الَّذِين يُمارَس ضِدَّهم. تسعى الحكومات دائمًا إلى توسيع قاعدة عنفها عَبْرَ "جذب أكبر عدد من المواطنين للمُشارَكة إلى أقصى حدٍّ في جميع الجرائم الَّتِي ترتكبها وتحتاجها" (28، 250). ويتحمَّل النَّاس مسؤوليَّة عنف الحكومات بسبب طاعتهم السَّلبيَّة لها وانخراطهم المباشر فيه (عَبْرَ الخدمة العسكريَّة، هيئات المحلَّفين، وإلخ). وَهُمْ مُذْنِبون ومُتََوَرِّطون بالعنف أيضًا عندما يحاولون مقاومته بالوسيلة نفسها (على شكل إرهاب، انتفاضات مُسَلَّحة، وإلخ)، لأنَّهم في هذه الحالة، أوَّلًا، يعترفون بالعنف كطريق شرعيٍّ وعاديٍّ لتحقيق الأهداف البشريَّة، وثانيًا، يضاعفون حجمه وحِدَّته. عندما لا يلقى العنف ردًّا مماثلًا، فإنَّه عادةً ما يلبث أنْ يَخْبُوَ ويَضْعف؛ وعندما يصطدم بعنف مضادٍّ، فإنَّه يزيد كتلته ويصبح أكثر تفاقمًا. لذلك، حَتَّى الموقف السَّلبيّ البحت المتمثِّل في عدم الانخراط في العنف- الَّذِي يبدو، للوهلة الأُولى، معدوم الفعاليَّة- يقلِّل، في الواقع، من قُوَّةِ العنف ودرجة شرعيَّته.

ومن الخطأ التَّشديد في مقولة "عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف" على كلمة "عدم المقاومة". سنفهم فكرة تولستوي بشكل أفضل إذا ما اِنْصَبَّ تركيزنا على كلمة "بالعنف". يمكن وينبغي مقاومة الشَّرِّ، ولكِنْ ليس بالعنف، بَلْ بأساليب أُخرى - لاعنفيَّة. علاوة على ذلك، فإنَّنا نقاوم العنف حقًّا فقط عندما نرفض الرَّدَّ بالمثل: "يحاول دعاة الفهم الاجتماعيّ للحياة، موضوعيًّا، الجمع بين مفهوم السُّلطة، أيْ العنف، ومفهوم التَّأثير الرُّوحيِّ، لكن هذا الجمع مستحيل تمامًا" (28، 131). صحيح أنَّ تولستوي نفسه لم يُطوِّر تكتيكات المقاومة الجماعيَّة اللَّاعنفيَّة، لكِنْ تعاليمه تُتيح مِثْلَ هذه التَّكتيكات. هو يفهم عدم المقاومة كقُوَّة إيجابيَّة للمَحَبَّة والحَقِّ. علاوة على ذلك، فهو يذكر صراحةً أشكالًا للمقاومة مِنْ مِثْل الإقناع والنِّقاش والاحتجاج ومُناشَدة الضَّمير والأصل الرُّوحيِّ في الإنسان تهدف إلى فصل مرتكِب الشَّرِّ عن الشَّرِّ نفسه، وكفِّ يَدِ الشَّرِّ السَّابق عسى أنْ يفتح ذلك آفاقًا رحبة أمام التَّعاون اللَّاحق. وقد نَعَتَ تولستوي نهجه بالنَّهج الثَّوريِّ. إنَّه أكثر ثوريًّة حَتَّى من الثَّورات العاديَّة. فالثَّورات العاديَّة تُحدِث انقلابًا في الوضع الخارجيِّ للنَّاس وفي ما يتعلَّق بالسُّلطة والمِلْكِيَّة. بينما تهدف الثَّورة التُّولستويَّة إلى تغيير جذريٍّ في الأُسُس الرُّوحيَّة للحياة، وتحويل الأعداء إلى أصدقاء.

***

....................

* دكتور علوم في الفلسفة، عضو الأكاديميَّة الرُّوسيَّة للعلوم، أستاذ في كُلِّيَّة الفلسفة التَّابعة لجامعة موسكو الحكوميَّة ورئيس سابق لقسم علم الأخلاق فيها، ومدير معهد الفلسفة التَّابع للأكاديميَّة الرُّوسيَّة للعلوم.

** كاتب وباحث لبناني

يشكّل كتاب أقاليم المبتدأ والخبر للقاصّ كامل الدلفي تجربة سرديّة تُقيم على تخوم اللغة والوجود معًا، إذ لا يتعامل الكاتب مع النحو بوصفه نظامًا تقعيديًّا، بل باعتباره مرآةً للكينونة الإنسانيّة في هشاشتها وتوتّرها وسؤالها المفتوح. ومنذ العتبة الأولى، يعلن العنوان انحيازه إلى لعبة مزدوجة: ظاهرها لغويّ، وباطنها أنطولوجيّ. فـ«المبتدأ» و«الخبر» ليسا هنا ركنين في جملة اسميّة فحسب، بل قطبي علاقة مأزومة بين ذاتٍ تبحث عن تعريفها، وعالمٍ يتولّى صياغة هذا التعريف أحيانًا قسرًا.

العنوان بوصفه هندسةً للمعنى

لا تبدو كلمة «أقاليم» اعتباطيّة، فهي تُخرج الثنائية النحويّة من بعدها المدرسيّ إلى فضاءٍ رمزيّ واسع، حيث تتعدّد الجمل كما تتعدّد الحيوات. إنّها أقاليم للقلق، وأقاليم للذاكرة، وأقاليم للحرب، وأقاليم للصمت. وبهذا المعنى، يغدو كلّ نصّ في المجموعة مساحةً لاختبار العلاقة بين الاسم وما يُسنَد إليه، بين الحضور اللفظيّ والغياب الدلاليّ.

المبتدأ: كينونة في حالة انتظار

في أكثر من قصة، يقدّم الدلفي شخصياته بوصفها ذواتًا ناقصة الاكتمال، معلّقةً في فراغ المعنى. فيرد على لسان السارد: «كان اسمه حاضرًا في السجلات، لكن أحدًا لم يكتب خبره». هذه العبارة المكثّفة تُحيل إلى معادلة رمزية واضحة: الاسم موجود، غير أنّ معناه مؤجَّل. إنّ الشخصية هنا «مبتدأ» مرفوع نحويًّا، لكنّه ساقط وجوديًّا، ينتظر خبرًا يمنحه تحديدًا.

وفي موضع آخر، تقول إحدى الشخصيات: «كلّما حاولتُ أن أعرّف نفسي، انكسرت الجملة قبل أن تكتمل». هذا الانكسار المتكرّر يكشف عن أزمة هوية لا تجد سندًا ثابتًا، وكأنّ الذات تظلّ في حالة رفعٍ بلا إسناد.

الخبر: سلطة التأويل وإعادة التعريف

إذا كان المبتدأ رمز الذات، فإنّ الخبر في هذه البنية يمثّل سلطة التأويل التي تُعيد تشكيل تلك الذات. ففي قصة ذات خلفيّة حربيّة، يرد توصيف لمدينة «تكتب أخبار أهلها بالنيابة عنهم». هنا يتحوّل الخبر إلى خطابٍ خارجيّ: سلطة، تاريخ، حرب، مجتمع. هو الذي يحدّد صفات المبتدأ، ويقيّده أو يعيد تعريفه.

وتتجلّى المفارقة حين تقول شخصية أخرى: «أردتُ أن أكون جملةً بسيطة، لكنهم أضافوا إليّ أخبارًا لا تشبهني». إنّ الفعل الجمعيّ «أضافوا» يُظهر البعد السياسيّ الضمنيّ، فالخبر ليس محايدًا، بل قد يكون أداةً لإعادة صياغة الإنسان خارج إرادته.

اللغة مسرحًا للاغتراب

لا تقف المجموعة عند حدود الرمز، بل تجعل من اللغة نفسها موضوعًا للصراع. ففي إحدى القصص القصيرة المكثّفة، نقرأ: «كانت الكلمات تتساقط من فمي مثل حروفٍ بلا تشكيل». هذا التشبيه يشي بهشاشة الدلالة، فالحرف بلا حركة قابلٌ لاحتمالات عدّة، كما أنّ الذات بلا تعريفٍ محدّد عرضةٌ للتأويل القسريّ.

ويقول السارد في مقطع آخر: «الجملة التي لا تجد خبرها تظلّ واقفةً في منتصف الطريق». هنا تتحوّل البنية النحوية إلى صورةٍ للتيه الوجوديّ، فالحياة نفسها تبدو مشروع جملةٍ معلّقة، لا تكتمل لأنّ معناها مؤجَّل دائمًا.

البنية السرديّة والتشظّي

تميل قصص الدلفي إلى التكثيف والاقتصاد والتشظّي اللغويّ، مع اعتماد مشاهد قصيرة متتابعة بدل الحبكة التقليدية المتصاعدة. هذا التفكّك البنيويّ يحاكي تشظّي الذات. ففي قصةٍ تتناول شخصية موظّف هامشيّ يعيش عزلةً داخل مدينة مثقلة بالخراب، يتوزّع السرد بين لقطات انتظار، واسترجاعات لذاكرة الحرب، وحوار داخليّ مع اللغة ذاتها. لا ذروة دراميّة حادّة، بل تراكُم إحساسٍ بالفراغ، وكأنّ النصّ يتعمّد أن يبقى «جملة ناقصة» ليجسّد فكرته.

الذاكرة والحرب: اختلال الإسناد الجمعيّ

تتسرّب الخلفية العراقية إلى النصوص عبر إشارات مقتضبة: «الشارع الذي نجا من القصف لم ينجُ من الصمت»، «البيوت التي فقدت سقوفها فقدت أخبارها أيضًا». في مثل هذه المقاطع، يصبح الخلل في الإسناد تاريخيًّا لا فرديًّا، فالوطن ذاته مبتدأٌ مثقل بالأسماء، لكن خبره مؤجَّل أو مضطرب. إنّ الذاكرة الجمعية، بعد الصدمات المتكرّرة، تعجز عن صياغة جملةٍ مستقرة تصف ذاتها.

المفارقة بين الظاهر والباطن

يستثمر الكاتب المفارقة بوصفها أداةً جماليّة، فالجملة قد تبدو مكتملة في ظاهرها، لكنها من الداخل مثقوبة بالدلالات الغائبة. تقول إحدى الشخصيات: «قالوا إنّ كلّ شيء على ما يرام، لكنني لم أجد خبرًا يوافق هذا الاطمئنان». المفارقة هنا تكشف التباين بين الخطاب الرسميّ والواقع المعاش، بين «خبر» مُعلن و«مبتدأ» مجروح.

أبعاد القراءة النقديّة

بنيويًّا، يخلق الدلفي توازيًا بين النظام النحويّ والنظام الاجتماعيّ، فكما تحتاج الجملة إلى ركنين، يحتاج المجتمع إلى علاقة متوازنة بين الفرد وسياقه.

وجوديًّا، تتجلّى أزمة المعنى بوصفها أزمة تعريف، الإنسان مشروع جملةٍ لا تنتهي.

سياسيًّا، يتخفّى الخطاب النقديّ خلف استعارة لغوية، فيجعل من «الخبر» تمثيلًا لخطاب السلطة الذي يُعيد تشكيل الذوات.

جماليًّا، يتجلّى الانزياح في تحويل المفاهيم النحويّة إلى صورٍ شعرية كثيفة، حيث يغدو الإعراب مصيرًا، لا مجرّد علامة ضبط.

خاتمة

إنّ أقاليم المبتدأ والخبر ليست مجموعةً عن قواعد اللغة، بل عن الإنسان حين يختلّ إسناده، وحين يتباعد ما هو كائن عمّا يُقال عنه. كلّ شخصيةٍ في نصوص كامل الدلفي تبدأ مبتدأً، وتظلّ تبحث عن خبرٍ يليق بها. غير أنّ الكاتب لا يمنحها هذا الاكتمال النهائيّ، يتركها في المسافة بين الركنين، حيث يولد القلق، ويتشكّل الأدب، وتبقى الجملة مفتوحةً على احتمالاتها… كالحياة تمامًا.

***

مجيدة محمدي

 

والحبّ هو المعلم الأصعب، لكنّه الطريق الوحيد لاكتمال إنسانيتنا.. قراءة في كتاب "الدين والكرامة الانسانية " للمفكّر العراقي " عبد الجبّار الرفاعي"

لا يكاد قارىء أن يفتح كتابا مثل كتاب "الدين والكرامة الإنسانية "، إلاّ ويخرج عن هدوء القارئ التقليدي، بل ويدخل بروح مشاكسة، كأنّه يقول للكاتب:

ـــــ  "أقنعني… لكن لا تحاصرني".

لأنّك لا ترضى بإيمان مُعلّب، ولا بعقيدة تُسلَّم لك كما تُسلَّم الوصايا. إيمانك ليس تمرّدا على الله، بل تمرّدا على الصور الجاهزة عنه. وهنا تحديدا يلتقي قلقك الخلّاق مع مشروع عبد الجبار الرفاعي. لتقتنع أنّك تبحث عن إيمان ذي تجربة حيّة، وأنت تقرأ الكتاب يخيّل إليك بأنّه رسالة موجّهة إلى روح تقول : "أؤمن… لكنّني أرفض أن أُختزل في قوالب ضيقة ". فالكتاب لا يدافع عن دين ضد آخر، ولا عن عقيدة في مواجهة أخرى، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والدين على قاعدة تراتبية أساسها الكرامة، فالدين إن لم يكن حارسا لكرامة الإنسان، يفقد مبرّره الأخلاقي. ومن هنا يبدأ المشروع كلّه بسؤال حاسم: هل يخدم هذا الفهمُ للدين إنسانيةَ الإنسان أم ينتقص منها؟

يرى الرفاعي أن الإيمان ليس منظومة قضايا تُحفظ، بل حالة وجودية تُعاش. هو لا يُختزل في برهان عقلي ولا في تعريف كلامي، بل هو نور يوقظ الروح ويمنح القلب طمأنينته. وبهذا المعنى يغدو الإيمان قفزة وجودية لا نتيجة منطقية، وتُفسّر التجربة الدينية على أنّها خبرة شخصية لا يمكن اختزالها في نسق لاهوتي. الإيمان عند الرفاعي لغة واحدة في عمقه، وإن تعددت العقائد في سطحها، لأن الطمأنينة والخشوع والرجاء خبرات إنسانية مشتركة، بينما تنشأ الصراعات في مستوى المفاهيم والهويات. الإيمان هنا ليس إنكارا للعقيدة، بل رفضٌ لتحوّلها إلى سجن مفاهيمي .

ينتقل الكتاب إلى الطبيعة الإنسانية بوصفها ساحة أضداد. فالإنسان كائنٌ تلتقي في أعماقه الرحمة والقسوة، الفجور والتقوى، النور والظل. غير أن الحسم لا يتم بالقسر بل بالحب، لأنّ الحب هو المعلم الأصعب، لكنّه الطريق الوحيد لاكتمال إنسانيتنا. الحب عند الرفاعي ليس زينة روحية، بل القوة التي تُرجّح كفة الخير في صراع الأضداد، فالدين بلا حب يتحول إلى قسوة، والإيمان الذي لا يُثمر رحمة يبقى ناقصا.

الكرامة هي المفصل المركزي في الكتاب، فهي قيمةٌ أصيلة، حضورها يعني حضور إنسانية الإنسان.  فالكرامة ليست منحة من سلطة، أو منّة من شخص، بل حقيقة وجودية سابقة على كل تشريع، غير أن الرفاعي يمنح هذه الفكرة بعدا روحيا فيجعلها مقصد الدين ذاته. لذلك يصبح كل تفسير ينتقص من كرامة الإنسان تفسيرا متعارضا مع روح الدين، بهذا المعنى، يغدو التأويل مسؤولية أخلاقية، فليس كل ما قيل باسم الدين يعبر عن حقيقته، بل يُختبر بقدر ما يصون حرية الإنسان وكرامته... كأنّها دعوة صريحة من الرفاعي لإعادة النظر في الاجتهاد والفتوى.

ومن هنا ينبع نقده للتديّن حين يتحالف مع السلطة.  المشكلة ليست في الدين كأفق للمعنى، بل في تحوّله إلى أيديولوجيا وهوية مغلقة. يمكن أن نستحضر تحليلات ميشيل فوكو Michel Foucault حول تداخل الخطاب والسلطة، لكن الرفاعي لا ينتهي إلى الشك أو التفكيك العدمي، بل إلى استعادة البعد الرحماني للدين. فالدين، في جوهره، ينبغي أن يكون قوة تحرير لا أداة إخضاع، ومساحة اتساع لا وسيلة تضييق.

التجديد هنا ليس تمرّدا على التراث بل وفاء لروحه. تجديد فهم الدين يتطلب شجاعة نقد التراث دون القطيعة معه، وعيا بأن النصوص نزلت في سياقات، وأن حفظ الكرامة اليوم يقتضي قراءة تاريخية أخلاقية لا تكرارا حرفيا. فالتجديد ضرورة أخلاقية لأنّه يحمي الإنسان من أن يُسحق باسم الماضي. (فالانسان ابن زمانه وبيئته)

يبدو أن الكتاب كلّه يتحرّك في مدار واحد هو "إعادة الدين إلى الإنسان"، لا إلغاء الدين ولا تأليهه على حساب الإنسان. فالإيمان حسبه، نورٌ وجودي يوقظ الروح، والحب طاقته الأخلاقية، والكرامة معياره الأعلى. فإذا تحوّل الدين إلى هوية مغلقة ضاقت القلوب واتسعت الصراعات، وإذا صار تجربة حيّة في القلب اتسعت القلوب وضاقت أسباب العداوة. في هذا الأفق يمكن للإنسان أن يكون مؤمنا بلا ضيق، باحثا بلا خوف، لأن الإيمان الذي يصون كرامته وكرامة غيره هو الإيمان الذي يستحق أن يُعاش. (نهج تصوّفي).

نسلّم في الأخير، بأنّ الكتاب دعوة لإعادة أنسنة الدين، لا لعلمنته ولا تفريغه. كأنه مشروع روحي-أخلاقي، يرى أن مستقبل التديّن يتوقف على قدرته في أن يكون حارسا للكرامة، بقناعة أن لا دين حيثما فقدت السعادة، ولا سعادة بمنأى عن كرامة الإنسان، فالدّين حين يُفهم في أفق المعنى يُثمر حرية ورحمة وكرامة، وحين يُختزل في هوّية مغلقة يُنتج خوفا وصراعا.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

إن سبب تأثر الجماهير بالفكر الشحروري ربما يعود إلى الطريقة التي كان يستخدمها محمد شحرور في التأثير في الآخر، فهو يستخدم تقنية النمذجة ليصنع من الإنسان المفكر النموذج، وهذه التقنية كما يقول المختصون مستمدة من نظرية التعلم الاجتماعي، تستند على افتراض مفاده أن الإنسان قادر على التعلم، فالذين لم يقرأوا محمد شحرور كمفكر حداثي ولم يستمعوا له قد ينجرفون وراء ما يصدره البعض ضده من أحكام مسبقة، فمحمد شحرور يؤكد أنه يريد أن يحدث حراكا فكريا، وقد أكد في رده على سؤال وجه إليه بأنه ليس شيوعيا ولا يميل لمذهب ديني أو حزب سياسي، ولا هو ملحد لمجرد أنه فكك النص القرآني، نحن إذن أمام "صراع المفكرين"، نلمس ذلك في تحليل الدكتور علي حليتيم للظاهرة الشحرورية، لأن محمد شحرور يُحسَبُ على اليسار الإسلامي مثله مثل مفكرين آخرين كحسن حنفي، لا ندري إن كان موقف حليتيم هو دعوة لمحو آثار الفكر الشحروري، لكن يظل الصراع بين التجديد والتقليد جدلية فكرية مستمرة، وعلي حليتيم بصفته مؤسس ومدير مركز الشهاب للبحوث والدراسات مطالب بأن ينظم مناظرة يجمع فيها حداثي بأصولي لإجراء مسح فكري لقضية تفكيك النصّ الدّيني والصراع القائم بين الحداثيين والأصوليين

عُرِفَ المفكر محمد شحرور بكتابه " الكتاب والقرآن" الذي أصدره سنة 1990، ويعتبر محمد شحرور تلميذا لجعفر دك الباب وهو الرجل الذي ذكره الدكتور علي حليتيم في كتابه الباطنية الجديدة، يصف علي حليتيم أسلوب محمد شحرور في الكاتبة بالبسيط، بعيد عن التعقيد، كتابات محمد شحرور من السهل الممتنع، حيث يتميز أسلوبه بالوضوح، إلا أنه يضيف له صفة أخرى هي الدوران حول ذات الأفكار، أي الاجترار، لم يكن محمد شحرور مهتما بالتراث ومنهجيته أو نقده أو حتى التعريف به، بل كان يمارس معه القطيعة كما يقول علي حليتيم، بحجة عدم صلاحيته مع العصر الحالي، فالتراث في الفكر الشحروري مُسَيَّسٌ ومخالف للقرآن، والمسلمون في نظره مازالوا يعيشون في مرحلة الدين العباسي الذي تميز بتنوع الفرق الكلامية كالمعتزلة وظهور التصوف، وكأن هناك تعددية دينية إسلامية الدين العباسي والدين الأموي الذي حوّل أصحابه الخلافة إلى وراثة شرعية واستخدموا المصحف ووظفوه لأغراض سياسية، فمحمد شحرور انتهج المسلك الإستشراقي ومن سبقه من الحداثيين العلمانيين، ومن خلال هذه الصفات التي ذكرها علي حليتيم يمكن أن نقول ان هذا المفكر لا ينتمي إلى جماعة أو أخرى، ويمكن أن يُصَنَّفَ بالمفكر الحُرّ أو التنويري المستقل.

يستخدم محمد شحرور المنهج العقلاني في الحكم على الأشياء وعلي حليتيم في هذه المسالة يركز على بعض الأحكام التي وردت في كتبه مثلما جاء في قصة نوح ليؤكد أن محمد شحرور لا علاقة له بالتراث ولذلك يصعب تصديقه حين قال أنه قرأ التراث في خمس سنوات ثم تبين له أنه لا جدوى من قراءته (ص 174)، نحن طبعا كقراء لا يمكن أن نأتي في كفة أحد منهما، لأن الجدل القائم على الفكر الشحروري انطلق من بعد وفاته، وأصبح مؤيدوه يعيدون قراءة أطروحاته التي كان يقدمها عبر وسائل الإعلام السمعية المرئية (اليوتيوب أو الفيديوهات)، أو الحوارات الصحفية التي أجرتها معه بعض الصحف العربية والقنوات الفضائية، كون كتبه الورقية غير متوفرة في بعض المكتبات العربية كالجزائر، ماعدا في التظاهرات الخاصة بصالون الكتاب الدولي ونجدها مرتفعة الأسعار ولا تكون في متناول الجميع، وهذه القنوات الفضائية هي التي نقلته إلى العالمية واصبح له قراء وجمهور عربي وغربي واسع يناقشون أفكاره وأطروحاته لاسيما قناة روتانا وقناة أبو ظبي.

فهذه الفضاءات الرقمية يقول علي حليتيم ماهي إلا زوائد لا تخدم الفكرة (ص 175)، نقرأ في هذه الصفحة عبارات يمكن القارئ الاستغناء عنها مثل الكثلكة (نسبة للكاثوليكية) وهذه الكلمة تقابلها كلمة الأسلمة، وهذه مفاهيم دخيلة على قواميس اللغة الغربية كالأدلجة والنمذجة، فعلي حليتيم ينطلق من مبدأ "الترادف" الذي تكلم عنه محمد شحرور في كتابه السالف الذكر، فنقرأ في الصفحة 176 أن كتابات محمد شحرور لا تستحق القراءة ولا عناء الرد، وهذا إجحاف في حق الرجل، فحياة التشرذم التي يعيشها المسلمون اليوم جعلتهم منقسمون فهذا على دين العباسيين وذلك على دين الأمويين وبعضهم على دين الوهابية، ومنهم من يقول بالفكر التيمي (نسبة إلى ابن تيمية)، وآخرون متأثرين بالألباني ونسمع منهم من يردد الألباني قال والألباني صحّح وهكذا...، فمن الغرور طبعا أن يقول قائل: لا يمكنني ان أنزل إلى مستوى فلان فأضعف مثل ضعفه أو أتعاطى الترهات مثل تعاطيه مثلما جاء في الصفحة (175)، في هذه الصفحة بالذات يتكلم علي حليتيم عن فكر المُتْعَة .

 وفكر المتعة له مرادف آخر هو في الحقيقة هو بعيد عن المجال الفلسفي، إلا أن علي حليتيم وظفه بشكل مغاير خارج إطاره الفقهي، ففكر المتعة منظور فلسفيٌّ أخلاقيٌّ : hédonisme يراد به الخير الأسمى وهو مذهب يدعو إلى تجنب الألم والمعاناة والشرّ ويهدف إلى الإشباع الحسي أو الفكري أو الأخلاقي لتحقيق السعادة للبشرية، في هذا المنجز اللغوي يعود علي حليتيم للحديث عن الترادف واختلاف اللغويين في تحديده من خلال قصة (الديكُ يبيض)، ويمكن القفز عما جاء عن هذه القصة لأن ما يهم القارئ أكثر هو المنجز العقدي والفقهي، فمحمد شحرور كما جاء في كتاب علي حليتيم ينفي الترادف رغم أنه ضرورة لغوية، فهو يرفع النقاب عن المفاهيم الصعبة فهمها أو التي تتسم بالغموض والإبهام (ص191)، ويعود اهتمام علي حليتيم بالترادف لانقسام اللغويين بين من أقر بوجوده ومن نفاه وذلك من باب إيصال الفكرة إلى القارئ.

ماذا عن الاختلاف بين الكتاب والقرآن؟

لا شك أن هذه المسألة لها ارتباط وثيق بقضية الناسخ والمنسوخ، حيث اختلف المفكرون في تحديدها، وإن كانت قراءتنا لهذه المسألة سطحية، فإن الكتاب هو مجموعة أوراق مرتبة وملصقة ومرقمة وما تحتويه هذه الأوراق من مضامين فهو كلامٌ مكتوب، قد يكون نصا دينيا (قرآن) والقرآن هو الكلام الذي تم توثيقه في هذه الأوراق وأطلق عليه اسم "مصحف" وبالتالي لا يمكن التفريق بين مفهوم الكتاب والقرآن، وبالتالي نقول ان هناك من يمارس التمييع بحجة الترادف، لا يقف مفكرون مع محمد شحرور في قضية إنكاره الترادف، لأنه لا يشكل خطرا بالشكل الذي يتحول إلى تهديد، ولو عدنا إلى قوله سبحانه وتعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) يدرك أن الكتاب المُشار إليه هو القرآن نفسه، وهذا يدل على وجود الترادف عكس ما ذهب إليه محمد شحرور، فالكتاب أو القرآن أو الفرقان مرادف واحد وهو جامع لكل شيء ومفصل كل شيء في الزمان والمكان، لقد دعّم الدكتور علي حليتيم في قراءته لكتاب "الكتاب والقرآن" بآيات من الذكر الحكيم منها قوله تعالى: " وأنزلنا عليك الكتاب والحكمة" (النساء 113)، ما ينبغي ان نفهمه هو أننا بحاجة إلى منظومة لغوية معرفية نكيفها مع الواقع أمام ظهور الذكاء الاصطناعي حتى تكون لنا أرضية معرفية تسمح بقراءة جديدة دون المساس بالمقدسات أو تدنيسها، كما هو الشأن في كلمة التمام والكمال، يلاحظ أن بعض المفردات لها مفاهيم ميتافيزيقية، نقرأ مثلا عبارة "الكمال لله وحده" أي أن الله مطلق وفي مرتبة عليا لا يصلها بشر، وفي الصفحة رقم 200 يوضح علي حليتيم الفرق بين الترادف الجزئي والترادف السياقي وما جاء في كتب مشاهير اللغويين الغربيين وقد ذكر اسماءهم في الصفحة 201، فالنظرية التي جاء بها محمد شحرور في نفي الترادف يقول علي حليتيم فريدة من نوعها، إذ قسم القرآن إلى أجزاء (كتاب، قرآن، فرقان وذِكْرْ) دون أن يذكر التراث الإسلامي، فكيف لشخص يذكر شيئا هو لا يعترف به، فالملحدون لا يذكرون الله على لسانهم، لأنهم لا يؤمنون بوجوده، لكن شحرور رغم أنه ينفي الترادف فهو يذكر الله وكلما يذكر النبي يصلي عليه، يمكن أن نقدم هنا ملاحظة صغيرة تتعلق بالتراث الإسلامي، ماذا يعني بالتراث الإسلامي؟ هل التراث الإسلامي يتوقف عند النص الديني (القرآن) فقط، أم السُنّة النبوية أي الأحاديث وهذه فيها اختلاف كبير بين الحديث الضعيف والصحيح، أو الرواية المباشرة أم التي تتم بواسطة العنعنة إن صَحَّ القول وموقف الأئمة منها، خاصة بعد ظهور الشيخ الألباني وتصحيحه الأحاديث، بما فيها الأحاديث الصحيحة التي رواها الأئمة الأربعة الموثوق فيهم (البخاري، ومسلم والترمذي وأبو هريرة) ربما هذا عائد للغلوّ في الدين، ونتج عن ذلك التنفير، لدرجة أن الذين يسمّون أنفسهم بـ: القرآنيين أنكروا السنّة، كذلك بالنسبة للأناشيد الإسلامية إن كانت ضمن التراث الإسلامي.

من اللا مفكّر فيه إلا ما لا يُقال De L'irréfléchi au le non -dit

و يكتبها البعض بالصيغة التالية: من غير المدروس إلى غير المعلن عنه، وقبل كل شيء نطرح السؤال التالي: هل السُنّة وحيٌ؟ فالغالبية الساحقة يرى أنها ليست وحي، وإنما هي اجتهاد من الرسول (صلعم) ليعمل بها المسلمون في حياتهم اليومية إلى جانب تطبيق القرآن، والقرآنيون لاهم حداثيون ولا هم مستشرقون، لكنهم لا يعترفون بالسنّة، ثم أن عبارة الأصوليين، هي اسم لا يطلق على المسلمين أو الإسلاميين وحدهم، وإنما على اليهود والنصارى، والترادف نجده حتى في كلمة النصارى والمسيحيين والحواريين وكذلك عند اليهود ومنهم الحريديم haredim وهم المجموعات اليهودية المتشددة التي لا تعترف بالحداثة، نحن إذن أمام عقدة لغوية اسمها الترادف، وهذا الترادف تم توظيفه في مكانه الغير المناسب، فمثلا في الصفحة 202، يصف الدكتور علي حليتيم، المستشرقين (تيودور تولدكه) وهو يعدّ شيخ المستشرقين الألمان، و(ج. أغناطيوس) وهو قديس ملقب بالنوراني، يصفهم علي حليتيم بالشيخين، واسم الشيخ اسم إسلامي، تشريفي في الثقافة العربية والإسلامية يطلق عادة على عالم الدين، أو رئيس القبيلة أو الجماعة الدينية، وخاصة الجماعات الإسلامية ابلتي اعدت لزعيمها اسم آخر وهو "الأمير" كما أن الشيخين في الإسلام غالبا هما: الإمام مسلم والبخاري، والاثنان عرفا بكتابهما (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، ولا يراد به كما نقرأه عند الغربيين بـ: le vieux، فالشيخ عند المسلمين يعبر عنه بالمكانة التي يحظى بها رجل الدين في الإسلام فهل نساوي بين علمائنا وبين رجال الدين الغربيين، ليس من باب التكبر طبعا وإنما للتفريق بين دين الإسلام ودين الكفر، ونشير أن مفهوم الترادف أعطي له مفهوم آخر وهو " التماثل ".

ملاحظة نقدمها فقط أن محمد شحرور أراد أن يُسَوِّقَ خطابا إسلاميا تجديديا ديمقراطيا لإحداث التوفيق بين الإسلام الأوروبي والإسلام الليبرالي والإسلام الديمقراطي، وقد أشار إلى هذه الرؤية كثير من الباحثين ومنهم الدكتور بوزيد بومدين في كتابه " الحركات الإسلامية " من الفهم المغلق إلى أفق التجديد، إسلامٌ وخطابٌ يميل بقوة إلى العقلانية، فهناك من يصف التيار التقليدي بالكائن المتوحش الذي يرفض الحداثة أو يخاف منها وبالتالي لا يستطيع الدخول فيها، لا ندري إن كان محمد شحرور يدعو إلى إسلام أوروبي يحارب العنف الفكري ويعطي للعقل الحرية في التفكير والتحليل والتفكيك دون تمييع ويضع حدا لخطاب السيف الذي حوّل الإسلام إلى خطر أو كما يسمى الإسلاموفوبيا islamophobie، وأعطيت للإسلام صورة الشبح القادم وذلك منذ صورة الخميني، ولذلك كانت هناك مخاوف من تمزق المجتمع الأوروبي كما يقول بومدين بوزيد، كما يرى اليمين المتطرف الأوروبي أن عمليات الدمج تكون خطيرة إن كان الانتماء في إطار جماعة في شكل "طائفة" وليس الانتماء للإسلام كفرد، لم نلحظ في كتاب الدكتور علي حليتيم (الباطنية الجديدة) أنه تحدث عن مسالة الدمج وتخوف أوروبا منه وإن كان محمد شحرور تطرق إلى هذه المسألة، في كتبه كلها أم لا.

الحقيقة أن كل ما جاء به الدكتور علي حليتيم في كتابه الباطنية الجديدة والذي أثراه من جوانب عديدة، ومن زوايا مختلفة، يظل فكر محمد شحرور بحاجة إلى إعادة قراءة، لتنوير القارئ، فكتب محمد شحرور غير متوفرة في سوق الكتاب الجزائري، والحصول عليها يكون إما أن ينتقل الباحث عنها خارج البلاد أو بطرق أخرى، وليس كلامنا هذا تشكيكا في كلام الدكتور علي حليتيم، لكن الأمانة العلمية تقتضي ذلك، للتدليل والتثبيت والبيان، أمام ذكره صفحات من كتاب "مذاهب التفسير الإسلامي" لمؤلفه المستشرق إغناطسيون جولدتسيهر، ترجمه الدكتور علي حسن عبد القادر لتأريخ الثقافات الإسلامية، والسؤال الذي يمكن أن يُطْرَحُ هنا هو كالتالي: هل يمكن أن نصنف محمد شحرور بالمفكر العبثي؟ فمن العبث أن يعمل مُفَكِّرٌ على تفكيك نص ديني (مقدسٌ) من باب العبث أو التشويش أو التحريض، سواء أكان قرآنا أو إنجيلا أو توراة، ما نقرأ ما قاله محمد شحرور فضيعٌ طبعا، وكأننا نقرأ لسلمان رشدي وروايته "آيات شيطانية " التي أثارت موجة غضب واسعة بين المسلمين، فقد سخر هو الآخر من نبي المسلمين محمد (صلعم) ومن الدين الإسلامي وذلك بهدف معاداة الإسلام والقرآن والسنة، إلى أن محمد شحرور يختلف عن سلكان رشدي، فمحمد شحرور أراد تجديد الدين وقراءة النص القرآني قراءة معاصرة يراعى فيها الزمن الحاضر والواقع المعاش..

من المنجز اللغوي إلى المنجز العقدي

لننتقل إلى المنجز العقدي فمحمد شحرور كما يقول علي حليتيم يفسر القرآن بشكل خاطئ، عندما جعل الإله في مرتبة البشر، ويُفْهَمُ من ذلك أن محمد شحرور يكاد أن يُنْفِي الذّات الإلهية، لدرجة أنه يدعو الإنسان إلى الشك في وجود الله، فهو لا يميز بين الألوهية والربوبية (217) كما ينكر النبوة ويرى الرسالة النبوية عائقا كبيرا للنهضة، يريد بذلك كما يقول علي حليتيم أن يجرّدها من معناها، كما لا يعترف شحرور بالمعجزات التي جاء بها الأنبياء، فهو يعرفها على أنها ظواهر طبيعية، حسبما جاء في الصفحة 121 أن محمد شحرور فهم آيات القرآن بشكل خاطئ كما هو في سورة الكهف (الآية 110) ليرفع صورة الألوهية على البشر، يقر علي حليتيم في الفقرة الأخيرة من الصفحة 223 أن محمد شحرور ملحدًا بل تجاوز حدود الإلحاد فيقول: (ولقد زاد إلحاد شحرور في مقامات النبوة رسوخا حين زعم أننا الآن في عصر ما بعد الرسالات ..الخ)، فالملحد هو المنكر للدين ولوجود الإله، لكن محمد شحرور في كل مرة يذكر الله يقول سبحانه وتعالى ويصليّ على النبي كلما ذكره، وحتى لو قلنا أن شحرور ملحدا، فلماذا لم تتم محاكمته إذن قبل أن يتوفاه الأجل؟، وهنا نجد علي حليتيم يسير على نهج كثير من المحللين عندما قالوا أن شحرور اعتمد المنهج اللغوي في تحديد معاني الألفاظ، وأنه لا يعترف بالترادف في اللغة، كما أنه فسّر القرآن تفسيرا خاطئا، وهم بذلك يرفضون منهجه، لأن كثيراً من الألفاظ التي تدل لغة على معنى معين أضاف الشرع إليها معاني أخرى.

يمكن أن نقف مليا فيما قاله محمد شحرور (نحن الآن في عصر ما بعد الرسالات) فما نفهمه من هذا الكلام أن محمد شحرور يؤكد أن رسالة النبي محمد كانت آخر رسالة نبوية لأنه هو أخر الأنبياء، وبالتالي لا توجد في الوقت الحاضر رسالة نزلت من السماء عن طريق الوحي، اللهم إن كانت هناك رسالة أخرى تأتي في زمن غير محدد في المستقبل عن طريق المهدي المنتظر، وإلى حين ظهور المهدي المنتظر تظل الرسالات التي جاء بها الأنبياء والرسل، منهجا لا يعمل به سوى المتدينون أو كما يسميهم البعض المُطَبِّقٌون أو المُمَارِسِين les pratiquants (هو في الأصل مفهوم إنجيلي) والمُمَارِس من منظور ديني هو الشخص الذي يلتزم فعليا بشعائر الدين وتعاليمه وعباداته، والإنسان حرٌّ في العمل بها أو التخلي عنها، ربما هي في نظر الحداثيين لم تعد صالحة في الزمن الحاضر، بدليل أن جيل زاد بدأ في التخلي عن كل ما هو تراثي، فلكل جيل أفكاره ولكل جيل له خصوصيته وله خطابه، لا يؤمن بخطاب السيف والعصا؟

محمد شحرور واستخدامه تقنية النمذجة

لم يذكر الدكتور علي حليتيم التقنيات التي كان المفكر محمد شحرور يستخدمها للتأثير في الآخر والتي ربما هي التي مكنته من أن يصنع له جمهورا، ومتابعين ومعجبين ويمكن أن نقول محبّين، حتى بعد أن أصبح في ذمّة الله، يقول الدكتور علي حليتيم في الصفحة 224 ما يلي: بعد هذا العرض لن نستغرب سوء أدب محمد شحرور مع الأنبياء عليهم السلام كقوله عن آدم عليه السلام إنه " نسّاء"، ضعيف، عصى أمر ربّه لمّا أكل من الشجرة، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن نكرانها، وقد ذكر الله هذه الحادثة في سورة طه (وعصى آدم ربه فغوى .. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ..الخ) والشخص النسّاء هو الدّاعي بالمساواة بين الرجل والمرأة والمدافع عن حقوق المرأة وحريتها، وهو بذلك يناهض السلطة الأبوية الذكورية، وبالتالي هو يسعى لتعزيز دور المرأة في المجتمع، أما عن فكرة إنسان ما بعد الرسالات في زمن العولمة والرقمنة يراد بها توفر وسائل الحياة العصرية بعيدا عن حياة الدروشة التي يمارسها بعض المتصوفة المنحرفون الذين يمارسون طقوسا لا صلة لها بالدين كما نراه عند بعض الشيعة الغلاة الذي يعذبون أنفسهم كلما حلت ذكرى مقتل الحسين حفيد رسول الله،، بما يسمى اليوم بـ: التطبير وهذا النوع من تعذيب الذات موجود حتى عند الرهبان المبتدئين الذين يعيشون داخل الدير (الكنيسة) ليشعروا بألم المسيح حين تم صلبه.

إن مشكلتنا إذن هي اننا نفتقر إلى منظومة فكرية قائمة على التحليل العقلاني، ثم أن الأشخاص نوعان، منهم من يؤثر ومنهم من يتأثر، ومحمد شحرور من الصنف الأول أي يؤثر، وعملية التأثر والتأثير كما يقول باركر barker وويزمان wisman تتم من خلال "مُنبّهات" داخلية وأخرى خارجية، الأولى تتعلق بالجانب السيكولوجي للإنسان، أما الخارجية فهي تتعلق بالمحيط الخارجي، والجانب النفسي أهم وأخطر، والدكتور علي حليتيم بحكم اختصاصه كطبيب مختص في الأمراض العقلية فهو أدرى بحالة المريض إن كان يعاني من مرض نفسي أو عضوي، ويراعي البيئة الفكرية التي نشأ فيها مريضه، فكان على علي حليتيم أن يكون الطبيب الذي يشخص الحالة المرضية لا ناقدا، وهو يدرك أكثر من أي شخص أن هذه المنبهات يستقبلها الفرد في شكل نبضات عصبية تنتقل إلى فيرتبها، ثم يقوم الفرد بفك رموزها، وهي تقنيات لا يفهمها إلا أهل الاختصاص وعلي حليتيم واحدا منهم، في كل الأحوال يظل القارئ بحاجة إلى برهان يقدمه الكاتب أو الناقد، أما إن كان أحد الطرفان غادر الحياة فالبرهان يظل ناقصا وتظل الفكرة معلقة، خاصة وأن هناك من يرفض الخوض في النقاش ولا تكون له القابلية لقَبول فكرة هو غير مقتنع بها، وهناك من يستعمل عملية غسيل الأدمغة يراد بها تجريد العقل من كل ما هو مفكر فيه والدعوة إلى اللا مفكر فيه، وإقناع الفرد إما التمسك بالمعتقدات القديمة أو إقناعه لمعتقدات جديدة والتشكيك فيما كان يعتقده أي إفراغ الفرد من أفكاره يسمّيها خالد حبيب الراوي أستاذ الإعلام بجامعة بغداد بـ: الإقناع الخفيّ.

خاتمــــــــــة

و قبل أن نختم قراءة كتاب الباطنية الجديدة نسأل الدكتور علي حليتيم ما صلة جيم جونز بالظاهرة الشحرورية؟ هل الأمر مرتبط بالزعامة فقط؟ لأن محمد شحرور استطاع بأطروحاته أن يجمع حوله ملايين المتابعين حتى لو كانت خاطئة أو فيها تجاوزات على المقدسات، لأن الفلسفة قائمة على الإثارة، نقول إن كان الأمر مرتبط بالزعامة وإن كانت هناك زعامة دينية أو زعامة سياسية فلا زعامة في الفكر، فالإنسان مفكر بالفطرة، فهو يرى الأشياء المحيطة به والتي تتحرك دون أن يكون له القدرة على إيقافها كالرياح، فيدركُ عجزه، ويترك عنها انطباعا، يحلل أسبابها من خلال ما يقع بين يديه من نصوص وآثار سبقه غيره إليها، والدليل أن جل مفكرينا العرب يستدلون بأفكار الغرب، فمنهم من يتأثر بأفكارهم فيقتبسونها، ويضيفون عليها قليلا من أفكارهم ثم يحللونها حسب قناعاتهم دون الأخذ بآراء من يخالفونهم الرأي، وقد يتهمونهم بالإلحاد أو الزندقة ولأن له عقدة النرجسية يرى نفسه زعيما.

شئنا أم أبينا، إن سبب تأثر الجماهير بالفكر الشحروري ربما يعود إلى الطريقة التي كان يستخدمها محمد شحرور في التأثير في الآخر، فمحمد شحرور يستخدم تقنية النمذجة ليصنع من الإنسان المفكر النموذج، وهذه التقنية كما يقول المختصون مستمدة من نظرية التعلم الاجتماعي، وتقنية النموذج تستند على افتراض مفاده أن الإنسان قادر على التعلم عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين، ثم إن جبريل لما ظهر لنبينا محمد (صلعم) قال له : "اقرأ" وهو فعل أمر (اقرأ باسم ربك الذي خلق.. الذي خلق الإنسان من علق، اقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) - صدق الله العظيم- والقلم له قدسية عند الله وقد أقسم به (فيما معناه) كما أقسم بالشمس، والقمر والفجر والليل والنهار والضحى والعصر والتين والزيتون وأقسم بذاته (وربُّكَ)، وهو قَسَمٌ يدل على عزته وجلاله، فمحمد أركون بشر ومحمد شحرور بشر وعلي حليتيم بشر والأنبياء بشر وكلنا بشر أعزّنا الله بنعمة العقل، ونحن مطالبون بأن نقرأ، نقرأ كل ما يقع بين أيدينا من نصوص، وما خطته أنامل الإنسان أكان مسلما أو غير مسلم.

 وهنا يأتي دور الإثارة لشد الانتباه ولفت نظر المشاهد والسامع والقارئ، ونحن هنا بُخَيَّلُ إلينا أن محمد شحرور يقول لعلي حليتيم ما قاله الشيوعيون في كوريا لأحد الأسرى الأمريكيين: " ألا تكون بجانب السلام؟، أنتَ طبعا تريد ذلكَ، إذن ستحارب من أجل السلام "، وكما يقول برهان غليون: لا يمكن فهم استمرار منظومة القيم القديمة وتدهورها في إطار إشكالية عقلانية فلسفية تقوم على التمييز بين الخطأ والصواب والمنطقي واللامنطقي، بل يجب فهم ذلك في إطار العلاقات الاجتماعية (تحدث عنها مالك بن نبي) التي تفسر وحدها استمرار هذا الفكر أو ذاك لأنه شديد الارتباط بالواقع، ما يمكن أن نستنتجه هو أن كتاب الباطنية الجديدة اصدر احكاما قاسية على مفكر ناقش إشكالية بذهن منفتح مبني على العقلانية، كان على الدكتور علي حليتيم أن يقوم بدور الطبيب في تشريح الفكر الشحروري وهو المختص في الأمراض العقلية، وكأنه في عيادة يجري له فحوصات طبية ليعرف ماذا يدور في خلده ثم يضعه على طاولة التشريح، فعلي حليتيم هنا أغلق باب الحوار، كان عليه أن يقرأ محمد شحرور المفكر ويدرس بيئته الفكرية، فنحن أمام ظاهرة فكرية أخذت الكثير من الجدل والنخب الفكرية مطالبة بإعادة النظر في المفاهيم والمصطلحات وتحديد أبعادها الإيديولوجية.

***

قراءة علجية عيش بتصرف

 

للدكتور عدنان عويّد

يأتي كتابي هذا وهو الخامس من إصداراتي تحت عنوان «الأيديولوجيا والوعي المطابق» موقفاً فلسفيّاً وفكرياً من الأيديولوجيا كمفهوم ورؤية وممارسة معاً. حاولت أن أقدم فيه طيفاً من القضايا الهامة التي تشغلُ الفكر العربي المعاصر، رغم أن الكتاب قد يبدو للوهلة الأولى عند المتلقي أنه مغرق في القضايا النظريّة الصرفة.

 إن اختياري لعنوان الكتاب يشير إلى أن مسألة الأيديولوجيا، تعد من المسائل الفكريّة التي لاقت الكثير من التعقيد والتشابك والتشويش والتجزؤ والتفريغ المتعمد أو غير المتعمد، وذلك لارتباطها، - أي الأيديولوجيا - حسبما أرى، بالوعي عموماً وبالسياسة، فضلا عن ارتباطها بالكثير من العلوم بعد التطور الهائل الذي جرى في العلوم النظريّة والتطبيقيّة.

 ورغم ذلك، فأنا أأكد هنا على أن مفهوم الأيديولوجيا سيظل يتضمن في بنيته مجموعة الآراء والأفكار والرؤى السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة والقانونيّة والفنيّة والأدبيّة .. الخ التي تعبر عن واقع أمّة ما أو طبقة ما في مرحلة تاريخيّة محددة.

 ففي هذا السياق المتضمن مفهوم الأيديولوجيا. نجد مثلاً أن لبروز ظاهرة الاشتراكيّة بعد انتصار ثورة 1917 تحت شعارات أيديولوجيّة تدعوا إلى تحالف الطبقة العاملة ضد القوى البرجوازية التي وصلت إلى السلطة في أوربا، كما تدعوا إلى التقسيم العادل للثروة الوطنية وتأميم وسائل الإنتاج وغير ذلك، ثم مع صعود نجم الفاشيّة والنازيّة في أوروبا، كانت الأيديولوجيا تحمل شعارات سوقت لها الفاشيّة والنازيّة بشكل خاص تحت ستار القومية الشوفينية (العنصريّة)، وهذا ما أعطى اهتماماً كبيراً لمسألة الأيديولوجيا في الغرب الليبرالي، والدور الكبير في ازدياد الاهتمام بمسألة الأيديولوجيا وتوجه العقول المفكرة في أوروبا الرأسماليّة للتساؤل عن سر (استعمار ظاهرة الاعتقاد الجماعي) في منظومات فكريّة كاسحة وذات ملامح سياسيّة؟

 كما قمتُ في هذا الكتاب بعد عرضي لمفهوم الأيديولوجيا، باستعراض مفهوم (الوعي المطابق)، الذي جاء طرحه كبديل عن الأيديولوجيا على اعتبار أن كل الآراء المتعلقة بالواقع الاجتماعي هي آراء أيديولوجيّة في المحصلة، وبما أن كل أيديولوجيا هي نوع من الوعي الزائف إذا ما انغلقت على نفسها، لكونها تتضمن قدراً من التحريف والتشويه، فهي اذاً عندي ظاهرة نسبيّة في حقيقتها.

 من هذه القضية المعرقة، انتقلت إلى الغوص في عدد من قضايا التنوير والنهضة، متوقفاً بالنسبة لقضية التنوير على ما أثاره بعض المفكرين من أن مثل ذلك الحديث يتطلب تحديد نوع الظلام الأيديولوجي الذي نواجهه؟

 وبعد أن أشير الى التخلف الذي تعيشه أمتنا العربيّة، أبين أسباب هذا التخلف، وهي التي كانت وراء طرح المشروع النهضوي التنويري العربي في اتجاهيه المادي والفكري معا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 أما المهمة الرئيسة التي شكلت محور الاهتمام النهضوي عندي، فهي التغلب على التخلف الذي خلفته الدولة العثمانيّة الإقطاعيّة في فترة احتلالها لعالمنا العربي، وكسب الاستقلال القومي، ونظراً لغياب جملة الشروط الموضوعيّة والذاتيّة القادرة على تحقيق هذا المشروع، ويأتي في مقدمة هذا الغياب الحامل الاجتماعي، الأمر الذي أعطى دوراً للنخب المثقفة في حمل هذا المشروع وأعبائه. غير أن الخطاب التنويري الذي طرحته هذه النخب المتنورة العربيّة لم يستطع أن يؤسس لقيام ثورة حقيقيّة، أي نهضة عربيّة تتجاوز فيها الامّة كل أشكال الظلام الذي فرضته الدولة العثمانيّة عليها عبر أربعة قرون. وهذا يعود الى عدم توافر الشروط الحقيقيّة الموضوعيّة للثورة/ النهضة، وذلك بسبب حالة الخلل القائم ما بين الفكر التنويري المطروح في صيغته الليبراليّة، والواقع المتخلف في علاقاته شبه الإقطاعيّة.

 وبناءً على ذلك قمت بطرح بعض القضايا التي تدخل في صلب إشكاليّة نهضة الأمّة العربيّة مثل: «الأمة ووعي الذات» ومن خلالها تبين لي أن ما تعانيه أمتنا العربيّة الآن من تخلف وتبعية وتجزئة يدفعنا للتساؤل عن أسباب هذا التردي من جهة، مثلما يدفعنا للتساؤل عن الوضعية التاريخيّة الراهنة لمقومات القوميّة من جهة ثانية، وبالتالي عن درجة وعي الأمّة العربيّة لذاتها من جهة ثالثة، وما هي الآفاق المستقبلية لهذا الوعي في مضمار التحولات العالميّة الجديدة ونظام العولمة؟.. الخ .

وبعد استعراضي لحال العرب في ظل الخلافة الإسلاميّة، وفي ظل الدولة العثمانيّة المليّة، توصلت الى نتيجة أنصفت فيها المتنورين العرب النهضويين في القرن التاسع عشر، معتبرا أن ما قام به هؤلاء من تحريض فكري لتأكيد الذات العربيّة المضطهدة والمستلبة في ظل الدولة العثمانيّة، ثم الاختراق الغربي لاحقاً لدولنا العربيّة بنيويّاً مع كل حالات الحصار الموضوعيّة والذاتيّة التي فرضت على دولنا وشعوبنا العربيّة، إلا أن تلك العمليّة استطاعت أن تدفع الوعي القومي العربي أشواطا بعيدة إلى الأمام.

 وجرياً وراء سؤال النهضة الذي شغل ويشغل الباحثين والمفكرين النهضويين العرب منذ أكثر من قرن، أجد أن الإجابة عن أسئلة النهضة، ليست سهلةً خاصة في ظل الظروف الدوليّة الجديدة التي يمر بها العالم والأمّة العربيّة على السواء، وبخاصة تحت مظلة النظام العالمي الجديد المتوحش. فالأمّة العربيّة تتعرض اليوم في ظل النظام العالمي الجديد الى حالة من الهيكلة بطريقة تتناسب مع حركة رأس المال المالي الاحتكاري العالمي.

 وبناءً على ذلك فإن إعادة الهيكلة للعالم العربي في مضمار النظام العالمي الجديد، تهدف إلى إلغاء مقومات وجود الأمّة العربيّة عبر اختراق قيمها ليس الماديّة فحسب، بل والمعنويّة أيضا مركزة في هذا الاتجاه على قيمها الأخلاقيّة وعاداتها وسلوكياتها لتسييد نمط آخر من القيم والعادات هو نمط المجتمع الاستهلاكي.

 إن النظام العالمي الجديد يريد عمليّا إلغاء مقومات الأمم الأخرى أي إلغاء السمات والخصائص التي تميز عمليّا كل أمّة عن غيرها. وفرض «كوزموبوليتية» جديدة. (أي نظام عالمي جديد)، منطلقاً من أن مسألة (السوق الشرق أوسطيّة) تأتي الآن في مقدمة التدابير العمليّة التي ينتهجها الغرب عموما وأميركا والصهيونيّة على وجه الخصوص، من أجل محو فكرة القوميّة العربيّة في إطارها الجغرافي من ذاكرة الوطن، وترسيخ فكرة جيواقتصاديّة أو جيوسياسيّة بدلاً عنها.

 إن ما تمارسه أميركا والغرب عبر الثورة التكنولوجيّة المعلوماتيّة من تسويق لبرامج ثقافيّة تحمل في مضامينها قيماً وأخلاقاً وسلوكيات تركز على تذرير المجتمع، والحريّة الفرديّة وتسويق فكرة موت القيم.. الخ، ما هي الا تكملة للمشروع «الكوزموبوليتي» الجديد بنموذجه الأميركي الغربي الاستهلاكي. ورغم ذلك، فإن النتيجة التي توصلت إليها، هي ضرورة التسلح بما ذهب اليه ابن خلدون في قوله «تتحدد أحوال الناس بتحديد نحلتهم من المعاش».. وهذه المقولة تفرض علينا تغيير واقعنا لتغير أحوالنا، أي يجب علينا أن لا نستسلم أمام تحديات الواقع المرير الذي نعيشه، بل علينا أن نقوم بمعاندته دائما من أجل أن نتغلب عليه، بيد أن هذه المعاندة لا تعني أن نقوم بليّ عنق التاريخ وقسره بالطريقة (سرير بروكوست)، وإنما المقصود بالمعاندة هنا أن نقوم باكتشاف قوانين الواقع والتسلح بمعرفتها، وبالتالي تسيير التاريخ وفقا لآليته مدفوعاً بإرادة الإنسان وتفكيره.

 وفي السياق العام لبنية الكتاب، قمت بتناول موضوعاً على درجة عالية من الأهميّة وهو بعنوان: «غزو ثقافي أم حوار ثقافات» مبيناً الجدل الذي دار حول هذه القضية منتهيا الى التأكيد على أن الأمر لا يمكن أن يصل الى حد المطالبة بعدم أو إقصاء ثقافتنا بكل ما فيها، أو أن يتم إحلالها بالثقافات الأخرى. وإنما كل ما نريده، هو كيف نستطيع ان نتكئ على الجوانب العقلانيّة في ثقافتنا أولا، ثم كيف نستطيع أن نتفاعل ثقافيّا مع الحضارات الأخرى الأقوى من حضارتنا الآن، دون أن نخسر ذاتنا ثانيا، هذا مع إدراكنا العميق بأنه ليس من الممكن محاكاة حضارة أو مدنيّة في مظاهرها الخارجيّة دون أن يتم التأثير والتأثر في الوقت نفسه بروحها أو جوهرها.

 هذا وقد تطرقت إلى قضية أخرى لها من الأهميّة أيضاً وهي مسألة «الدين بين العقيدة والأيديولوجيا». ففي هذا السياق استعرضت قضية ما يسمى (التفسير الأيديولوجي وحاكميّة النص)، معتبراً أن ما أصفه بالموقف الأيديولوجي، يعمل على عدم السماح بالخلاف في التفسير أو التأويل إلا في الفروع، وفي حدود الترجيح بين أراء القدماء للاختيار منها ما يناسب الحدوث – الجديد الطارئ - على اعتبار أنه لا اجتهاد في موضع النص، وهنا أقر بأن الاجتهاد يكون محكوماً بالضرورة بأطر لا تمت الى الحياة والواقع بصلة رغم تغير الواقع وتبدله باستمرار.

 وفي الأخير أصل الى القول بأن رفض تاريخيّة الواقع، أي حركته وتطوره وتبدله وفق هذا الموقف الايديولوجي، يعني الإقرار بأن مفهوم الخلاص عند القوى الأصوليّة الجموديّة، هو العودة دائما الى الوراء، الى الماضي إن كان كمنطلق نحو الحاضر أو كأصول تمثل برمتها التقدم عندهم.. وهذه هي البيئة الفكريّة التي تنطلق منها الأصوليّة أيديولجياً. وهذا يتطلب منا بالضرورة الالتزام بالموقف العقلاني من الدين، وتأكيد سلطة العقل على النقل، هذه السلطة التي تأسس عليها الوحي ذاته. بيد أن هذا العقل ليس هو العقل بكونه آليّة ذهنيّة صوريّة، بل بما هو فعاليّة اجتماعيّة تاريخيّة متحركة.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

* إصدار دار التكوين دمشق - 2006

صدر الجزء الاول من مذكرات محمد رشاد الشيخ راضي، عضو قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي، (اسمه الرسمي)، وعضو القيادة القومية الاحتياط، ايضا، بعنوان: البعث كما عرفته، وتحته: لا شيء يفقدنا الامل، حررها وقدمها وعلق عليها د. طارق مجيد تقي العقيلي، الطبعة الاولى 2025، عن دار الحكمة- لندن.  والكتاب في 245 صفحة من القطع الكبير، في 25 قسما او فصلا، وملاحق، باسماء شخصيات، كما عرفهم، وصور شخصية مع قيادات سياسية واصدقاء للمؤلف.

ولانها مذكرات شخصية لمسؤول سياسي في حزب وصل الى الحكم في عاصمتين، عربيتين، بغداد ودمشق، وفشل في تحقيق اهدافه التي رفعها لانتشاره ودعواه، في الوحدة والحرية والاشتراكية، وترك صفحات تاريخ مملوءة بالقتلى والدماء واساليب حكم فاشية، اعترف بها اعضاؤه وقياديوه، من ضمن شعبي البلدين، ومما يثبت لضحاياه ما عانوه وعاشوه في السجون والمعتقلات والعلاقات السياسية والوطنية. ولهذا تكون المذكرات مهمة ومحط تقييم واختبار، بالمقارنة مع الواقع والوقائع وشهادة يحكم بها وعليها في تاريخ البلدين والشعوب العربية التي عاشت التجربة المرة وكابدت محنة التناقضات الصارخة بين الافكار والشعارات البراقة وبين ما طوته سجلات التاريخ من معاناة وآلام ومجازر، لا يمكن ان تغتفر او تنسى.

ما اكده المؤلف او ما يهم في المذكرات تسجيل صورة الصراعات والانقسامات واسبابها داخل الحزب في القطرين اللذين وقعا تحت حكم الحزب، وانعكاساتها على الحزب، ليس في العاصمتين فقط وانما في كل عاصمة اخرى تاسس للحزب فرع او انتظم له تنظيم باموال مفتوحة الارقام من بغداد ودمشق. واهميتها كما نشر قبله عدد من القيادات الحزبية التي قدمت شهاداتها عن تجربتها وقناعاتها وما آلت اليه النهايات. ومنها ما نقله المحرر للمذكرات، وقدم به فصول مذكرات المؤلف، من فقرة اساسية ومهمة لقيادي بارز سابق في الحزب، هو الدكتور سامي الجندي، بعد تجربة نضالية خاضها في اتون مسيرته الطويلة في الحزب في سوريا. حيث كتب الجندي: (اصبح البعثيون بلا بعث، والبعث بلا بعثيين: ايديهم مصبوغة بالدم والعار يتسابقون الى القتل والظلم والركوع امام مهماز الجزمة)، واعادها المؤلف في اوراقه الاخيرة، واضاف المحرر له بانه وصف "اقل ما يمكن وصفها بانها تجربة مرة ومحبطة لاماله وتطلعاته القومية في دولة عربية واحدة وشعب عربي واحد، وامة عربية واحدة، وفق منطق حزبه والمنظرين القوميين العرب، وسبب كل ذلك مثلما اعتقد الجندي هو حزب البعث نفسه وقيادة ميشيل عفلق واتباعه، فلم يعد البعث بعثا عربيا بعد تجاربه المدمرة في حكم دولتين، سوريا والعراق" (ص5).

وفي تقديم المؤلف لمذكراته اكد على امور تعكس ما عرفه من البعث، الحزب الذي انقسم الى جناحين، يساري ويميني، وقيادات حاسمة له بين عسكرية ومدنية، ورغم تشابهه في "القطرين"، (كما يكرس كتاب الحزب ومنتسبوه، هذه التسمية في اغلب الادبيات الحزبية)، والانقسام الواضح بين جناحيه الرئيسين، او اجنحته المؤثرة في قيادته وما الت اليه تطورات الحكم او اسس التحزب والدولة، ظل الانقسام عاملا كبيرا في ادارته وتعامله الداخلي في حياة أعضائه ومنتسبيه واندفاع أعضائه لعاصمتي "القطرين"، بشكل يعكس او يعطي انطباعات اخرى لطبيعة الانقسام والتدهور السياسي والفكري للحزب وقياداته ودور مؤسسه، ميشيل عفلق، ومؤلفه (في سبيل البعث) واتباعه، في مجريات ما حدث، حزبيا وادارة حكم. "ولكن، ان بقاء افكار الحزب وفق صيغتها العفوية والتجريبية لفترة من الزمن في ضل (كما في النص وتكرر هذا الخطأ في اكثر من صفحة، والاصح ظل) واقع عربي متغير طبقا لتطورات سياسية اقليمية ودولية، كان سببا خطيرا ومؤثرا انعكس على تجاربنا التاريخية المهمة كفشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 وسقوط تجربة الحزب الاولى في العراق عام 1963" (ص13). كما راى المؤلف ذلك سببا دافعا الى تطور الحزب وتحوله وترسيخ "نظريته العملية والثورية في المؤتمر القومي السادس ومنطلقاته عام 1963 التي صاغها الرفيق ياسين الحافظ بصيغة يسارية ثورية وماركسية عربية"، واصبح هذا التطور علامة مميزة  للحزب، بتعريف حامليه باليسار، بينما وصفت المجموعة او الجناح  الاخر الذي تبع مؤسس الحزب ميشيل عفلق، بصفة اليمين، وعمليا انقسم الحزب الى الجناحين اللذين استمرا في وصفهما، اليسار واليمين، ولا سيما في حكمهما لبلدين عربيين، جارين ولم يتمكنا او فشلا في تطبيق شعارات الحزب واهدافه في الممارسات والعلاقات واساليب الحكم، بل وتجاوز طرف منهما على الاخر حدود الانتماء والخلاف الى العداء والتآمر والارتهان للقوى و"الدوائر الاستعمارية المعروفة" (ص18).

عرض المؤلف في فصول الكتاب الاولى، كالمعتاد في كتب المذكرات، بدايات عمله الحزبي، "خطوات على الطريق" في مدينته النجف الاشرف، واتصالاته التنظيمية ومواجهة التطورات السياسية في العراق، وفي سوريا ايضا. وانتقاله "من حزب الاستقلال الى حزب البعث العربي الاشتراكي"، واعلان انتسابه لحزب البعث عام 1959 بدرجة نصير، وهي ادنى درجة في تنظيم الحزب (ص33). وترديده شعار الحزب،" في العام 1961 امام الرفيق المرحوم صدقي ابو طبيخ"(ص40)، ووصف الاوضاع السياسية في المدينة والبلاد، وابرزها الصراعات بين الاحزاب السياسية المتصدرة للمشهد السياسي، والبحث عن مصدر للعيش، في وظيفة حكومية، وكذلك الاشارة الاهم الى قرارات الحزب الحاكم، البعث، في محاربة البعثيين المنتمين الى البعث اليساري، وهو منهم، و"مطاردتهم" واعتقالهم، وتاكيد الانقسام الحزبي، بين اليسار واليمين، في المشهد السياسي، في العراق وخارجه.

انتقل بعدها بكشف وقائع الانقسام في الحزب، ومسار الاحداث ودور القيادات الحزبية، المدنية والعسكرية في البلدين في كل ما حصل. وفي نشرها سعي للمؤلف ان تكون توثيقا تاريخيا واثباتا بحكم المشاركة او المراقبة عن قرب، على طبيعة تلك الاحداث، وممارسات قيادات الحزب في الحكم والسلطة. فبعد الاطاحة بقيادة ميشيل عفلق وبمؤيديه في القيادة القومية والقيادة القطرية في سوريا، في حركة 23 شباط/ فبراير 1966، والتي عدت انقلابا داخل الحزب، وسببا في انقسام دائم بين فرعي الحزب في العراق وسوريا. "كنا نشعر بان ثمة صراع حاد اخذ يدب في صفوف الحزب، كلما اقترب موعد انعقاد المؤتمر القطري السادس" (ص45). وبعد انعقاد جلسات للمؤتمر، كانت الجلسة الاخيرة بدون جدول اعمال ولم يردد فيها شعار الحزب، ورغم اعادة انتخاب المؤلف ورفاقه في شعبة مدينة الناصرية، "واصبحنا عمليا اعضاء منتدبين للمؤتمر القطري، ولم يكن صدام مرتاحا لنا. على كل حال انفضت هذه الجلسة او اخر اجتماع اذا جاز التعبير قبل اعلان الانشقاق في الحزب بشكل رسمي ويصبح في حزب البعث اتجاهين متناقضين(!) يتصارعان بعنف وشراسة وبدت ملامح اليسار واليمين تتبلور وتتطور مع تطور الاحداث"، (ص 66).

اختصرت عناوين فصول تالية محتوياتها، ابرزها ما اشار له في المقطع المنقول في الصفحة السابقة المذكورة، الصراعات بعنف وشراسة، ومجازر "رفاقية " وتصفيات واغتيالات لقيادات فاعلة في فرعي الحزب، ومن ضمنها الاعتقالات والمحاكمات الشكلية وانعكاساتها على الحزب والحكم والعلاقات الداخلية والارتباطات والارتهانات الخارجية، "وكانت حرب المخابرات السرية والاختراقات بين البعث اليساري والبعث اليميني قائمة بشدة " (ص130)، من بين العناوين، مثلا، الفصل السابع: "اليسار واليمين.. فصل احمد حسن البكر وصدام حسين من حزب البعث"، وعنوان الفصل الثامن، "قيادة قومية مخترقة"، والفصل التاسع: "اعتقالي وسجني في مديرية الامن العامة بعد انقلاب 17- 30 تموز 1968"، والفصل العاشر: "مع شقاوة البعث جبار الكردي في سجن الامن العامة"، والحادي عشر: "مع اليهود في سجن مديرية الامن العامة ومواقف جبار الكردي النبيلة"،  والثاني عشر: "من السجن الى القصر الجمهوري وجها لوجه مع احمد حسن البكر وصدام التكريتي"، وعنوان الفصل السادس عشر: "عندما يرتد البعثي عن خطه اليساري، الرفيق ضرغام عبد الله الدباغ (ياسين احمد)"، وواصل بالمعنى نفسه في الفصل التالي له، عن ارتداد منذر الونداوي، واكد الفصل الثامن عشر على: "الصراع البعثي - البعثي، تكريس التكتل والولاءات داخل الحزب"، وعنوان الفصل الواحد والعشرين: "مسلسل الاغتيالات، المحاولة الاولى لاغتيال الرفيق احمد العزاوي"، وعنوان الفصل الرابع والعشرين: "القاتل يتهرب من جريمته والحق ينتصر، ومثولي امام لجنة تحقيقية حزبية وامنية".

كتب محمد رشاد الشيخ راضي، كقيادي في الحزب، وكشاهد عيان، مطلع على تفاصيل التنظيم الحزبي والعلاقات البينية وما حملته من وقائع وصلت الى جرائم قتل واغتيال ولجان تحقيق مخترقة، داخل الحزب، (فكيف خارجه ومع معارضيه؟!)، في فصول ختامية لمذكراته، كاشفا اسرارها بالاسماء والزمان والمكان، وقد تكون في ابعادها السياسية والاخلاقية مدعاة استفسار ورد ونقاش ممن وردت اسماؤهم الصريحة، ومازالوا احياء، حيث تظل شاهدة وشهادة في صفحات التاريخ، ومن مهمة الذكريات والمذكرات المنشورة اخذها بواقعية ودليل موثق وصلتها مع الحقائق الدامغة التي حاكمها التاريخ ووثقها في ايامه وذاكرة الشعوب.

اضافة الى ما سبق ختم الجزء الاول بملحق عن " شخصيات هكذا عرفتها" مسلطا الضوء على ما وراء المعرفة الشخصية، في الدور الذي مارسه، كل منهم، لا سيما في اعمال سياسية خطيرة، كتشكيل حزب سياسي يساري بدعم اجهزة مخابرات، او العلاقة بعميل موساد، او الانحراف والاسترزاق، كما ورد في العنوان.

ولكن، تبقى صفحات المذكرات لاي سياسي ومن اي حزب مهمة اضافية نضالية لتوثيق حياة واسرار وعلاقات واتصالات ووقائع  لدروس التاريخ وعِبر للاجيال. وقد تكون هذه المذكرات شهادة ناطقة لما وصلت اليه الامور والتجارب، وما انتهت اليه مسيرتها وضرورة كشفها وفضح ما خفي او ما لم يعرف بعد.

***

كاظم الموسوي

الصفحة 1 من 7