عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

ما يشبه القراءة لكتاب إيه سي غرايلينغ

(نحتاج الى الفلسفة كي نستطيع رؤية الأشياء التي نعيشها كل يوم في حياتنا).. جان جاك روسو

أحيانًا لا تحتاج الفلسفة إلى غرفة دراسة، ولا إلى مكتبة، ولا إلى كتاب من كتب أفلاطون أو كانط أو هايدغر كي تبدأ. قد تنقدح في مكان أكثر تواضعًا بكثير: في كابينة تبديل الملابس داخل مسبح مغلق، حين يكتشف المرء فجأة أنه نسي الشيء الوحيد الذي لا يستطيع الاستغناء عنه لكي يمارس الفعل الذي جاء من أجله!

وهذا هو الذي حدث معي ذات أحد. أغلقت كابينة التبديل، ووضعت حقيبتي على العارض الخشبي، وخلعت ملابسي الخارجية والداخلية، ثم فتحت الحقيبة لأرتدي سروال السباحة «المايوه» كما أفعل كل يوم أحد. كانت الحقيبة ممتلئة بالأشياء التي اعتدت حملها معي: المظلة، وقنينة الماء، وسترة المرور، والمنشفة، والصابون، وبدلة المطر، وكوفية شتوية، وشال الرقبة الواقي من الرياح، وبعض الفاكهة وأشياء أخرى كثيرة. فتشت بين هذه الأشياء جميعًا بحثًا عن شورت السباحة الكحلي، فلم أجده!

فكرت في أي حيلة فلم أجد وسيلة تمكنني من دخول المسبح فما كان مني إلى ارتداء ملابس على مضض مع لعن كثير للشيطان الرجيم طبعا الذي كان سهّاني عن وضع الشورت في الحقيبة بسبب العجلة فتذكرت المثل الشعبي الذي كان يردده أبي رحمة الله عليه : «في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة»، وتذكرت أيضًا أمي الحبيبة، رحمها الله، وهي تقول لي: «العجلة من الشيطان يا بني» فما قيمة الأشياء التي نحملها إذا غاب الشيء الضروري الذي يجعلها ذات قيمة ومعنى؟ وبدون العقل لا قيمة ولا معنى للجسد المنتصب القامة. وبدون الصحة والعافية يصعب على الكائن القيام بإعماله وبدون تأمين الخبز والحرية تفقد السياسة معناها وبدون قدرة العريس على القيامة بوظيفته الزوجية لا معنى ولا قيمتى لكل الاشياء والاحتفالات الصاخبة وبدون إن يفهم التلاميذ الحروف الابجدية والأرقام الحسابية فلا قيمة ولا معنى للمدراس والمدرسين والكتب والأقلام والحقائب والملابس المدرسية. وبدون تلبية الحاجات الأساسية للحياة كما وضعها ماسلو في هرمه الشهير فلا قيمة ومعنى للحياة الاجتماعية الجديرة بالعيش وتلك هي المسألة التي ناقشها كتاب «معنى الأشياء» للفيلسوف الإنجليزي إيه سي غرايلينغ ترجمه إلى العربية أحمد الزناتي عن دار منشورات الحياة ، القاهرة 2021م

الكتاب يبدأ من هذه النقطة تحديدًا: الإنسان يعيش وسط أشياء وأفعال وقيم تبدو مألوفة إلى درجة أنها تفقد قدرتها على إثارة السؤال. نحن نحب، ونكره، ونخاف، ونكذب، ونتسامح، وننتقم، ونحزن، ونأمل، ونموت، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل: ما الذي نعنيه حين نقول الحب؟ وما الذي يجعل الانتقام مختلفًا عن العدالة؟ وهل الخوف دائمًا علامة على الضعف؟ وهل السعادة غاية مستقلة أم نتيجة لطريقة معينة في الحياة

إن الشيء لا يأخذ قيمته فقط من وجوده، وإنما من موقعه داخل منظومة من العلاقات والغايات. فالمنشفة مهمة في المسبح، لكنها ليست أهم من الشورت بالنسبة إلى إمكانية السباحة. والكتاب مهم في المدرسة، لكنه ليس أهم من قدرة الطالب على القراءة والفهم. والدستور مهم للدولة، لكنه لا يساوي شيئًا إذا لم تتحول مواده إلى ممارسة سياسية واجتماعية.

وهذا يقودنا إلى التمييز بين الوسائل والغايات.

مشكلتنا العالم العربي أننا أصبحنا بارعين جدًا في إنتاج الوسائل، لكننا أقل براعة في تحديد الغايات. نملك التكنولوجيا، ولكننا لا نعرف دائمًا ماذا نريد أن نفعل بها. نملك الجامعات، لكننا لا نتفق دائمًا على نوع الإنسان الذي نريد أن تنتجه. نملك وسائل الاتصال، لكننا نعاني من سوء التواصل. نملك كميات هائلة من المعلومات، لكننا نفتقر أحيانًا إلى المعرفة والحكمة.

كتاب معنى الأشياء لا يريد أن يجعل الفلسفة لعبة أكاديمية منفصلة عن الحياة المعيشية للناس، بل أعادها إلى الأسئلة التي نعيشها كل يوم. والحياة اليومية، في الحقيقة، ليست شيئًا عاديًا كما نظن؛ إنها المختبر الأول للفلسفة.

وتكل هي وظيفة الفلسفة بحسب تعبير المنور الفرنسي، جان جاك روسو إذ كتب: ( أننا بحاجة الى الفلسفة كي نستطيع رؤية الأشياء التي نعيشها كل يوم) فالخير والشر والحب، والخوف، والموت، والسعادة، والعدالة والحرية ، والتسامح، والكراهية، والتعليم، والسياسة، والدين، كلها أشياء نعيشها قبل أن نفكر فيها. ووظيفة الفلسفة أن تجعلنا نتوقف قليلًا أمام ما اعتدنا عليه، وأن نسأل: لماذا؟ وما المعنى؟ وما القيمة؟ وهل الوسيلة التي نستخدمها تحقق الغاية التي نريدها؟ فما قيمة الحرية إذا لم يجد المرء ما يسد رمقه؟

واليكم خلاصة مأزق العدالة والحرية كما جاءت في كتاب فيلسوف الحرية 1959.حيث تتحدث عن شاب فرنسي اسمه "برنار" عاطل عن العمل منذ ستة اشهر.. اصبحت ثيابه مهلهلة، فلم يعد يجرؤ على الخروج من منزله، هل اتفق لاحدكم ان بقي اياما طويلة في سريره وهو يشعر بانه لم يبق له وجه انسان في عالم يرفض ذراعكم؟ لقد كان برنار يسمع قرقعة مواعين أمه في الجانب الأخرمن الحاجز وانه يعيش على نفقة امه، وقد خرج مرة اخرى الى السوق ورفضه المشرفون على العمل لانه شديد الضعف فليس بمقدوره ان يكون عاملا منتجا وفي المكتب نظر رئيس الدائرة الى حذائيه المثقوبين وقال ساخرا: "لا عمل" ةفي الغداة الساعة السابعة صباحا تسلل الى مترو "سان لازار" ساعة استئناف العمل، وكان الجميع مرتبطين بساعة الجدار منهمكين في اعمالهم اما هو، فانه حر انه حر يستطيع ان يفكر في فيزياء "انشتاين" او في "الحمل بلا دنس" وفي تلك اللحظة شعر خاصة بانه حر في ان يختار بين صنبور الغاز وسكة حديد المترو!.الساعة السابعة صباحا، بدأ نهار انسان حر لقد دُهس انسان في خط المترو ان برنار انسان حر بين اناس احرار وقد سحقته هذه الحرية !.ويعلق الباحث على مفهوم الحرية المنطقية قائلا: ان العاطل عن العمل حر لانه غير مرغم على الرضوخ لاوقات العمل.. لكنه عبد لانه خاضع لقسر البؤس.. هو حر في ان يبحث عن العمل يستطيع اصحاب العمل حجبه عنه وهم احرار، هذه هي حرية الشعوب المسماة "حرة".اجل ان لبرنار حرية في ان يذهب اين يشاء، وان يفكر كما يريد، فان شيئا في الظاهر لم يكن يحد من حريته، لكن ما نفع هذه الحرية المنافقة السدى؟ ما نفع هذه الحرية الصورية السيكولوجية التي لا تشبع ولا تغني من جوع؟ أن الأمر المهم هو الذي يعوزه ليتمتع بها، العمل وتأمين القوت اليومي والطمأنينة على الغد.. انه لا يستطيع سوى اجترار بؤسه وخجله، بدلا من العناية يالخيرات الثقافية التي تقدمها له الدولة الرأسمالية، من حدائق ومتاحف عظيمة وجميلة ومكتبات عامه، وصحف ومجلات ومختلف وسائل المتعة والاستمتاع باوقات الفراغ أن جاهزيته التامة تخفي عدم جاهزية تامة.. وما حريته سوى سراب، وعلى هذا فان "ظاهر الحرية التامة التي تقدمها الليبرالية الاقتصادية واوقات الفراغ غير المحدودة ووسائل الرفاه انما تخفي اقصى العبودية" هذا النص يكثف مشكلة الحرية الصورية التي انتقدها ماركس انذاك، هذه الحرية التي لا تكتسب معناها الا بوجود العدالة الاجتماعية، العدالة في توزيع الخيرات المادية في المجتمع، الخيرات الضرورية الاولية لاستمرار الحياة البيولوجية، كي يستطيع الانسان ان يحس بمعنى الحرية وقيمتها ويستمتع بها في حياته اليومية.أعطني العداله الاجتماعية وخذ كل الحريات في العالم. فالعدالة تشمل الحرية والتمتع بها. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم أن الحرية هي انعدام القسر وتوافر البدائل لتختار الإرادة بينهما أي القدرة على عدم الإجابة على وضع معين إجابة واحدة ووحيدة يمكن التنبؤ بها من الناحية الثيولوجية اللاهوتية أو العلمية السيكولوجية.ان الانسان هو اولا وقبل كل شيء حرية، حرية تتطلب ان تحقق تتطلب ان يعترف بها، ان يكون لها وجودها الشرعي في وسط هذا العالم ضمن الشروط الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية.ان الشروط التاريخية الاقتصادية ينبغي ان تهيئ الجو الضروري للمزيد من التحرر والخلق والابداع، لا ان تكبل حرية الانسان بقيود سياسية واقتصادية غير انسانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

 في هذا السياق يشير مصطلح "لغة الدين" إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

ينبغي التمييز بين "لغة الدين" و"اللغة الدينية" بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. "لغة الدين" هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية الداخلية والتأويل المنفتح. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على الرمز والإشارة والمجاز والكناية والاستعارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

 أما "اللغة الدينية" فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

 اللغة الدينية صناعة بشرية، ينتجها الإنسان في سياق قراءته لنصوص الكتاب المؤسس، فهي ثمرة تفسيره وتأويله وتفاعله مع النص، لا انعكاسًا مباشرًا لخطاب متعالٍ في نقائه الأول. تتشكّل هذه اللغة عبر الزمان، وتتلوّن بسياقات التاريخ والثقافة والمؤسسات، وصراعات الاستحواذ على المعنى بغية الاستحواذ على السلطة والثروة، فتعبّر عن المعنى الديني بحدود ما ينكشف في آفاق ذهن القارئ وحدود وعيه، لذلك تظل نسبية متحركة، قابلة للمراجعة والتحديث، بقدر تحديث وعي الإنسان واتساع خبرته. تعمل اللغة الدينية على حفظ الدين المؤسسي وحمايته، فيتقدم فيها القانون على الروح، وتنطفئ جذوة الإيمان، ويخبو ذلك الوهج الذي يمنح الإيمان طاقته الملهمة، ويتحول الدين إلى منظومة اعتقاد مغلقة.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

 أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، وتمثلات القيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، وآثارها في حياة الفرد والمجتمع، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

 باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، لا تُختزل لغة الدين التي تتحدث عن الغيب في الوظيفة التقريرية، بل تبعث فيها الحياة الروحية بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود. لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

 في هذا الكتاب حاولت تناول لغة الدين بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه أولًا عن أسئلتي، كما هي عادتي في كل كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة مازالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، إنما سعيت إلى افتتاح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عمّا تختزنه من طبقات للمعنى، وما تفتحه من إمكانات للتأويل والفهم.كما حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت بهذه الموضوعات، وسعيت إلى إعادة التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف فيه وجود الإنسان في العالم. لذلك رأيت أن الحديث عن هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضرورة لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان المواقف المتنوعة في النظر إليها وتأويلها.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب "الآجرومية" لابن آجروم، إلى "قطر الندى وبل الصدى" لابن هشام، ثم "شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك"، و"شرح ابن الناظم"، كما درستُ كتاب "مختصر المعاني" للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

يعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة "قضايا إسلامية معاصرة" خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من "موسوعة فلسفة الدين" للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت.  وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب والمقدس، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

 المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

...................

مقدمة كتاب: "اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية"، د. عبد الجبار الرفاعي، عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

 

بول كولينز يلتقي بنائل حنون نظرياً: السومريون ليسوا شعباً بل لغة

صدر كتاب "السومريون - الحضارات المفقودة" للباحث البريطاني بول كولينز بلغته الأصلية في آذار 2022، وصدرت ترجمته العربية ببغداد في العام الماضي من قبل المترجم د. جمعة الطلبي. أي إنَّ ترجمة الكتاب ما تزال طازجة، في بادرة نأمل أن تتكرر ليكون للمكتبة العراقية مترجموها المتمكنون في اللغات الحية والقديمة المهمة والعارفون بتراث بلادهم. ومع أن المترجم يتحفظ على التوجه العام للكتاب، ويتبنى المفاهيم القديمة السائدة بخصوص السومريين، وهذا من حقه تماماً، ولكن ترجمته جاءت سلسة ومحكمة لغةً واصطلاحاً. هذه مقاربة للكتاب ومقارنة مضمونه له بكتاب نائل حنون الذي كنا قد توقفنا عنده في قراءة نقدية قبل ثلاثة أعوام تقريباً[1]. (1)

منطلقات مختلفة ونتائج متطابقة

مؤلف الكتاب، بول كولينز باحث معروف، وهو رئيس المعهد البريطاني لدراسات العراق القديم، وأمين عام قسم دراسات الشرق الأدنى القديم في متحف أشموليان. في هذا الكتاب يناقش كولينز نقدياً مقولات ما سميَّ الهوية القومية السومرية ويفندها من خلال طرحه لرؤية نقدية خاصة. تحاول هذه الرؤية أن توضح كيف جرى تجميع وإعادة اختراع مفهوم ومصطلح "الشعب السومري"، بناءً على الانحيازات والأفكار القومية الحديثة لعلماء الآثار الأوروبيين في القرن التاسع عشر وبدايات العشرين.

عبر قراءة صبورة ومتعمقة في الأدلة والسياقات والآليات يحاول المؤلف تأكيد أن الهوية السومرية التي جرى تخيُّلها وإنتاجها كانت مندغمة بالأفكار الأوروبية الصاعدة عن القوميات في غضون القرنين الماضيين لدى الباحثين الأوروبيين المعنيين. وإنَّ تلك الرؤية المتشحة بالفكر القومي السائد في الثقافة الأوروبية آنذاك لا تنطبق على السياق المجتمعي والإنساني في الشرق ومنه العراق القديم قبل أكثر من خمسة آلاف سنة لأنه لم يشهد تلك التجربة العرقية القومية التي شهدتها أوروبا الخارجة من ظلام القرون الوسطى الإقطاعية.

يأتي كتاب كولينز بعد 14 عاما على صدور كتاب مشابه له في المضامين والتوجهات والنتائج للباحث العراقي د. نائل حنون هو "حقيقة السومريين ودراسات أخرى"، صدرت طبعته الأولى عن دار الزمان بدمشق عام 2007. وفيه فتح حنون ملف الهوية السومرية مجدداً مستعيناً بخبرته كمنقب آثار ذي إنجازات كبيرة، وكلغوي يجيد التحدث والقراءة والكتابة باللغتين السومرية والأكدية وألَّف فيهما معجما، ليُدَعِّم فرضيته التي تقول إنَّ السومريين ليسوا شعباً أو هوية قومية بل لغةَ كتابةٍ معقدة بالدرجة الأولى وجدت قبل العهد الأكدي بعدة قرون.

في كتابه هذا يذكِّر كولينز بالفرضيتين الخاصتين بالسومريين؛ الأولى القائلة بأنهم شعب ذو هوية قومية ولغة خاصة به، وقال بهذه النظرية عدد من الباحثين من أشهرهم يوليوس أوبيرت، أدورد هنكس، ليونارد ولي، صموئيل نوح كريمر. الفرضية الثانية هي الذاهبة إلى إنهم ليسوا شعباً مستقلاً ذا هوية قومية بل هي مجرد لغة كتابة ابتكرها الأكاديون وقال بهذه الفرضية قلة من الباحثين أشهرهم الفرنسي جوزيف هاليفي (1827 - 1917). وكنت قد توقفت عند هذا الموضوع في مقالة سابقة كما أسلفت، ولكنني أعود إليها اليوم بمناسبة صور ترجمة كتاب كولينز حول الموضوع ذاته ومن منطلقات بحثية مختلفة وبأدلة جديدة.

كريمر ومحاولة تهويد السومريين

من المجموعة الأولى انفرد كريمر (1897 - 1990) بفرضية خارقة تذهب إلى أن العبرانيين هم امتداد عبقري سامي للسومريين. حيث قال "من الجائز جداً أن يكون هناك دم سومري جدير بالاعتبار في أسلاف إبراهيم الذين عاشوا لعدة أجيال في أور ومدن سومرية أخرى. أمّا بالنسبة للحضارة والمدنية السومريتين فإنه لا يوجد سبب للشك بأن العبرانيين الأوائل قد تشربوا واستوعبوا الشيء الكثير من أساليب الحياة السومرية العبرانية، وربما كان للقانون العبراني الوارد في (يوشع 202) جذور غير قليلة تمتد تحت تربة بلاد سومر"[2] (2). وهذا كلام، بالرغم من تطعيمه بكلمات احتمالية لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجَدِّ من الناحية العلمية. فاليهود (اليهوذاويون، إن شئنا الدِّقة) لم يعيشوا في أور السومرية التي سمَّتها التوراة "أور كسديم"، وترجمت لا ندري كيف إلى "أور الكلدانيين"، بل في بابل الكلدانية. وبين أور السومرية التي نشأت 3800 ق.م والدولة الكلدانية وعاصمتها بابل التي نشأت عام 626 ق.م، وحدوث ما سمي السبي البابلي لسكان دويلة يهوذا سنة 586 ق.م، أقول؛ إنَّ بينهما أكثر من ألفي عام. أي إنَّ السومريين، إذا افترضنا جدلاً أنهم وجدوا كشعب مستقل، يكونون قد انقرضوا أو ذابوا في الشعوب الرافدانية الأخرى خلال الألفي عام التالية. فكيف تسربت الدماء السومرية إلى اليهود المهجَّرين إلى بابل!

أما الفرضيات القائلة بالأصل الآري للسومريين التي يُعَد لورونس واديل، وهو من دعاة التفوق العرقي الآري، من أهم ممثليها فقد اعتمدت على مقارنات لغوية وجماجمية سطحية لم تخلُ من التزوير. فقد تبيّن للعلماء أن واديل كان يحرف نطق الرموز المسمارية السومرية قسراً، لكي يتشابه تلفظها الصوتي مع تلفظ أسماء الملوك والآلهة في الملاحم الهندية (الفيدية). فنُبذت أطروحاته في الأوساط الأكاديمية وعُزلت وصُنفت بوصفها "علماً زائفاً وتاريخاً وهمياً".

أما الحجج المتعلقة بدراسة أشكال جماجم وهياكل عظمية جلبت من جنوب العراق، فقد أثبت السير آرثر كيث، عالم الأنثروبولوجيا البريطاني الشهير الذي عاصر واديل ودخل معه في سجال حامٍ، أن الأدلة الجسدية وبقايا الهياكل العظمية التي عُثر عليها في المقبرة الملكية بأور لا تطابق الخصائص التشريحية للجماعات الآرية. والجديد في هذا الباب أن علم التشريحي والمورثات الجينية الحديث أثبت أن الجماجم والهياكل والرمز الجيني لمن عُدّوا سومريين لا تختلف في شيء عن جينات سائر سكان جنوب العراق القدماء والعرب المعاصرين كما أكد ذلك عالم الجينات الروسي الأميركي أناتولي كليوسوف[3] (3).

وهناك حجج صريحة في عنصريتها فلا تخفي دهشتها من فخامة المعابد "الزقورات" والتماثيل وعلوم الفلك والرياضيات فيصعُب على أصحابها من الباحثين الأوروبيين أن يصدقوا أن مبدعيها شرقيون، فيبادرون إلى تصنيفهم عرقياً كآريين، فالآريون وفق تفكيرهم هم وحدهم القادرون على إبداع هذه الإنجازات المعمارية والفنية الضخمة وليس أبناء المنطقة المحليين في العراق القديم، تبقى هذه الحجج لا قيمة علمية لها ولا تستحق التوقف عندها نقديا!

سلب ونهب استعماري لآثار العراق

خلال استعراضه لأعمال الحفر والتنقيب في عراق العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، يسلط كولينز في كتابه ضوءاً غامراً على الممارسات غير النزيهة للبعثات التنقيبية الأوروبية والأميركية في مواقع الآثار العراقية.

آنذاك، كان العراق الخارج لتوِّه من قرون الاحتلال العثماني الثقيلة، يخطو خطواته الأولى في بناء دولته الفتية التي أُريد لها أن تدور في الفلك الاستعماري البريطاني. وكانت الوزارات العراقية تقاد فعلياً من قبل مستشارين بريطانيين. كانت الآنسة جرترود لوثيان بيل (1868 - 1926) سكرتيرة المندوب السامي بيرسي كوكس، هي الحاكم الفعلي الملقبة بالملكة غير المتوجة للعراق. وهي امرأة متواضعة الإمكانات العلمية، لم تكن جميلة جمالاً باهراً ولكنها كانت كما وصفها بعض معاصريها ذات ملامح جذابة وأنيقة تميزت بشعر أحمر وعيون خضراء وملامح دقيقة وذات حضور طاغٍ وشخصية قوية ومؤثرة. وكانت متقدمة في ميدان اللغات فهي تجيد إلى جانب الإنكليزية العربية، الفارسية، الألمانية، الفرنسية، والإيطالية.  كانت تشرف على استخراج الآثار وتقسيمها بين البعثات الآثارية الغربية. بادرت إلى تأسيس متحف بغداد وسيكون نواة للمتحف الوطني العراقي الذي سيسلب منه الاحتلال الأميركي والسلطات العراقية الحليفة له كلمة "الوطني" ليكون اليوم "المتحف العراقي"!

من الأشياء اللافتة في هذا المجال ما نشره كولينز في كتابه مقاطع من رسالة شخصية من الآنسة بيل إلى والدها مؤرخة في 24 آذار / مارس 1924 تخبره فيها ببعض تفاصيل الفوضى اللذين كانا سائدين في مواقع التنقيب. وكيف إنها وجدت المنقبين والباحثين بالبريطانيين والأميركيين مكتئبين ومهمومين لأنهم سيضطرون إلى توزيع القطع الآثارية التي عثروا عليها على طلابهم ولن يبقى لديهم الكثير. فتقرر أن تترك كل شيء للمنقبين يتوزع عليهم بالقرعة. وها هي تكتب:

"فشرحت لهم وأنا أتناول فتات الغداء، ومن دون أن أدري أن هدفي هو ترك الألواح لهم فقد وجدوا مكتبة. ومن ناحية أخرى سوف يضطرون إلى التعويض عن ذلك بالتخلي عن بعض الأشياء الثمينة الأخرى. فقال لي الأستاذ: "ومن يقرر إذا اختلفنا؟"، فقلت له " أنا أفعل". وحينها انفجر ضاحكاً وقال: "هل هذا هو القانون؟". ثم تذهب الآنسة بيل مع ذلك الأستاذ إلى خيمته وتكشف عن جميع الألواح وتتركها كلها له وتأخذ منها قطعة واحدة يرجح أن عليها "أقدم مخطوطة بشرية معروفة". وتضيف: "ثم ذهبنا إلى غرفة صغيرة أخرى. وبدأنا بالخرز والجواهر المستخرجة ثم ذهبنا إلى القلائد. ودحرجنا عملة معدنية وقمنا بالقرعة (الطرة والكتبة). ففاز بها من فاز، تحولنا وتحولنا وهكذا دواليك مع بقية الأشياء"[4] (4). ويُفْهَم من رسالة بيل أنها وزعت قطع الآثار كغنائم على المنقبين بطريقة القرعة وسْط دهشتهم جميعاً. اللافت أن كولينز حين يروي لنا هذه التفاصيل في كتابه فهو يفعل ذلك دونما انفعال أو تعجب، أو إدانة وكأن ما يرويه شيء طبيعي لا يستحق التعجب!

إنَّ طريقة تقسيم الغنائم بين البعثات التنقيبية العلمية بالقرعة على طريقة رعاة البقر (الكاوبوي) لم تكن حالة نادرة أو شاذة. ويخبرنا كولينز أن الآنسة بيل، وتحت ضغط الموظفين العراقيين كما يبدو، اضطرت فيما بعد لتكون أقل كرماً مع المنقبين الأجانب. فوضعت قانوناً مرتجلاً لتوزيع الغنائم الآثارية، ينص على أن تَنقل كلُّ بعثة أجنبية الآثار التي تعثر عليها إلى متحف بغداد الذي تديره هي نفسها، وهناك تقسم "الغنائم" مناصفة بين العراق والبعثة! ويبدو أن هذا القانون ظل يطبق بشكل فضفاض ومتساهل جدا مع البعثات حتى حدث ما سميت بفضيحة الأربجية سنة 1931 أي بعد وفاة بيل سنة 1926.

وخلاصتها إنَّ عالم الآثار الألماني توماس جوردان أو البريطاني ليونارد ولي - كما يصحح لنا المترجم العراقي- حاول أن يشحن ما عثر عليه من لُقى أثرية في تل الأربجية الأثري إلى بلده مباشرة من دون مراعاة القانون العراقي الجديد. كان هذا القانون يعطي مَن يعثر على قطع أثرية نسخ طبق الأصل منها فقط، أما النسخ الأصلية فيجب أن تبقى في العراق. فاحتجت السلطات العراقية على هذه المحاولة لتهريب الآثار ومنعت تصدير الشحنة. وهنا استشاط البريطاني ليونارد ولي غضباً وقرر المغادرة العراق بلا عودة احتجاجاً، لا سيما وأن القانون العراقي الجديد يوجب أيضاً على البعثات الأجنبية وجود مفتش آثاري عراقي في أي موقع آثاري يعمل فيه أجانب!

فضيحة الأربجية 1931

عن طريقة تقسيم الغنائم بين البعثات التنقيبية العلمية، يخبرنا كولينز أن الآنسة بيل، وتحت ضغط الموظفين العراقيين كما يبدو، اضطرت إلى أن تكون أقل كرماً مع المنقبين الأجانب. فوضعت قانوناً مرتجلاً لتوزيع الغنائم الآثارية، ينص على أن تنقل كل بعثة أجنبية الآثار التي تعثر عليها إلى متحف بغداد الذي تديره هي، وهناك تُقَسَّم "الغنائم" مناصفة بين العراق والبعثة! ويبدو أن هذا القانون ظل يطبق بشكل فضفاض ومتساهل جدا مع البعثات حتى حدث ما سميت بفضيحة الأربجية سنة 1931 أي بعد وفاة بيل سنة 1926.

خلاصتها؛ أن عالم الآثار الألماني توماس جوردان أو - كما يصحح لنا المترجم العراقي - البريطاني ليونارد ولي حاول أن يشحن ما عثر عليه من لُقى أثرية في تل الأربجية الأثري في سهل نينوى إلى بلده مباشرة من دون مراعاة القانون العراقي الجديد الذي يعطي لمن يعثر على قطعة أثرية نسخة طبق الأصل منها فقط، أما النسخة الأصلية فيجب أن تبقى في العراق. فاحتجت السلطات العراقية على هذه المحاولة لتهريب الآثار ومنعت تصدير الشحنة. وهنا استشاط البريطاني ليونارد ولي غضباً وقرر المغادرة العراق بلا عودة احتجاجا، لا سيما وأن القانون العراقي الجديد يوجب أيضاً على البعثات الأجنبية وجود مفتش آثاري عراقي في أي موقع آثاري يعمل فيه أجانب! وكانت حوادث تهريب الآثار أو الاستيلاء عليها بشكل غير مشروع قد حدثت في أيام الآنسة بيل فصادرت المواد الآثارية المسروقة ولكنها أعادتها إلى مَن سرقوها في اليوم التالي كما ينقل لنا كولينز في موضع آخر من كتابه.

الانقطاع الثقافي والمركزية الأوروبية

بالرغم من الاتفاق الفكري اللافت بين الباحثين حنون وكولينز حول موضوع طبيعة السومرية والسومريين، والتشابه الشديد في الاستنتاجات والنتائج التي انتهيا إليها، لا سيما وأن الباحث العراقي سبق البريطاني إلى هذه الفرضية بأربعة عشر عاما، وكان الفرنسي هاليفي قد سبقهما كليهما بأكثر من قرن، ولكن كولينز لم يذكر زميله العراقي في نصوص كتابه أو هوامشه أو قائمة مراجعه.

ربما يعود السبب في ذلك إلى الانقطاع الثقافي بين الشرق والغرب وانعدام التواصل بين ما ينشر باللغة العربية ويصدر عن دور نشر محلية وإقليمية في المشرق العربي وبين ما يحدث في دول المتروبول الغربي على الرغم من كل التطور التكنولوجي الحديث. إضافة إلى رسوخ التوجهات المركزية الأوروبية الهيمنية السائدة في المشهد الثقافي والعلمي العالمي والنظرة الأوروبية الاستعلائية إلى ما ينتجه ما تبقى من العالم.

مع وجود هذا التوافق في المضامين والاستنتاجات والنتائج، بين الباحثَين، فإنَّ الاختلاف يبقى كبيرا في منطلقات البحث لكليهما؛ فالباحث العراقي، نائل حنون ينطلق من مدرسة فقه اللغة التاريخي وعلم المسماريات المقارن. وقد ركز في أبحاثه على تفكيك الألواح والمعاجم المسمارية لإثبات أن السومرية كانت لغة تدوين داخل مجتمع أكدي موحد. أما الباحث البريطاني بول كولينز فقد انطلق من مدرسة النقد التاريخي الثقافي؛ وركز في كتابه موضوع الحديث على دراسة تاريخ علم الآثار نفسه في القرن التاسع عشر، وحلل سياقياً كيف قام المنقبون الأوروبيون بإسقاط مفاهيمهم الأوروبية الحديثة حول "القومية" و"النقاء العرقي" على مكتشفات بلاد الرافدين ليخترعوا من ثَمَّ فكرة "الشعب السومري" مكتمل الصفات والهوية.

وعلى هذا، يمكن أن نحسب هذا التوافق في الاستنتاجات والأفكار بين الباحثين على ما يمكن تسميته وحدة استذهان البشري، أو بكلمات أخرى على "توارد الأفكار وتلاقي المناهج" حيث قادت القرائنُ التاريخيةُ القوية والأدلة الملموسة الباحثَين إلى النتيجة نفسها تقريباً بالرغم من اختلاف لغتيهما ومكان أبحاثهما والفارق الزمني بينهما.

بعد أن يستعرض كولينز أفكار وفرضيات هؤلاء العلماء (جوزيف هاليفي، يوليوس أوبيرت، أدورد هنكس، ليونارد ولي، نوح كريمر" يتوصل كولينز إلى نتيجة تتطابق مع ما ذهب إليه الدكتور نائل حنون وخلاصته القائلة إن السومريين كشعب ذوي هوية عرقية وقومية مستقلة ومغلقة لم يكن لهم وجود حقيقي في العراق القديم، بل هم مفهوم مختلط وإسقاطي تمت صياغته وتجميعه داخل الدوائر البحثية (أروقة المتاحف والجامعات) الأوروبية في القرن التاسع عشر بناءً على تفسيرات وفرضيات لغوية وعرقية خاطئة.

من بين هؤلاء الأربعة ظل هاليفي يتبنى فرضية يقول إن "السومرية هي لغة وليست هوية قومية لشعب". في هذا الكتاب قدم كولينز تأريخ "هذا الصراع العلمي. بين الفريقين وبيّن أن علماء القرن التاسع عشر (مثل أوبيرت وراولنسون وهينكس) انتصروا في فرض مصطلح "الشعب السومري"، ليس لأن أدلتهم الأثرية واللغوية كانت حاسمة، بل لأن المناخ الفكري القومي والعرقي الصاعد في أوروبا آنذاك كان يبحث بلهفة عن "عرق غير سامي" ينسب إليه فضل تأسيس الحضارة الأولى والكتابة.

لذلك، فَسّرَ كولينز انتصار جبهة (أوبيرت وراولنسون) على جبهة (هايليفي) بكونه انتصاراً أيديولوجياً بعيداً عن مقاربة الحقيقة وهو الذي صاغ كتب التاريخ التي تدرس اليوم وتسود أفكارها. مع ذلك، فإن القرائن والأدلة الآثارية والثقافية الجديدة المعاصرة تعيد الاعتبار جزئياً لشكوك هاليفي ومن بعده حنون وكولينز وتفتح هذا الملف مرة أخرى في مقاربة حثيثة للحقيقة.

شبعاد أشهر ملكة سومرية هي الأكدية بو آبي

من الاكتشافات المهمة التي توقف عندها كولينز لتدعيم فكرته المركزية أن أشهر ملكة سومرية سماها المكتشفون شبعاد ثم تم تصحيح قراءة اسمها في الرموز الثلاث على ختمها الملكي الأسطواني، فكان الرمز الأول ولم يترجمه كولينز ولكن مصدر آخر قال إنه يعني في الأكدية "أمر/ كلمة" والثاني أبي أو آبوم وهي كلمة أكدية أيضاً وتعني الأب. والرمز الثالث (أيريش) وهي أكدية وتعني ملكة. فالعبارة تعني (الملكة بأمر أبيها) أو بعبارة شائعة في ثقافتنا الشعبية قد تعني (الملكة بنت أبيها)!

المفاجأة ليست هنا، بل في أن الترجمة السابقة للرموز الثلاثة التي قدمها الأب إريك بوروز (وهو رجل دين توراتي ومترجم فريق ليونارد ولي) ونصها: شوب آد نين وتعني الملكة شوب آد نين وصُحِّف في العربية فيما بعد إلى "شبعاد"، ظهر أنها خاطئة ولا علاقة لها بالرموز الثلاثة وإن شخصية شبعاد ليست إلا وهماً وتلاشى!

أما الخلاصة التي يخرج بها بول كولينز في كتابه "السومريون –الحضارات المفقودة" هو "إن أشهر ملكة سومرية هي أكدية"[5] (5).

ملوك وشعراء سومريون بأسماء أكدية

مثال آخر في هذا السياق هو أنَّ اسم أول ملك سومري تأكد وجوده عبر نقوش أثرية معاصرة له هو الملك إنميباراجيسي (Enmebaragesi)، ملك مدينة كيش السومرية (حوالي 2600 قبل الميلاد). والمفاجأة التاريخية هنا أن اسم هذا الملك مشتق من اللغة الأكدية وليس من اللغة السومرية.

يوثق كولينز مصدر هذه المعلومة بأنه نقش على شظايا مزهرية مرمرية (Vase fragments) عُثر عليها في مدينة نيبور "نُفَّر" الأثرية جنوب العراق. يحمل هذا الكشف أهمية قصوى في علم الآثار التاريخية.

وإلى جانب هذا الاسم نجد أمساء أكدية أخرى قوائم الملوك السومريين في سلالة كيش الأولى منهم مثلا:

- مَعْشَو (Maš) وتعني الملك التوأم أو الملك فحل الماعز في الأكدية.

- غالُمُ" (Galumu) وتعني العجل في الأكادية

- زوقاقيب" (Zuqaqip) وتعني العقرب باللغة الأكادية[6] (6)

من هذا القبيل أيضا يأتينا اسم الكاهنة العليا لإله القمر سين، وأول شاعرة عرفت في التاريخ أبنة الملك سرجون الأكدي المسماة أنخيدوانا (زينة السماء)، التي عُدَّت شاعرة سومرية. فكيف تكون سومرية وتكتب أشعارها وترانيمها الدينية باللغة السومرية ويكون أبوها ملكاً أكدياً "سامياً"؟ أليس في هذا المثال حجة داعمة للقائلين بأن السومرية لغة كتابة دينية "قلم" وليست هوية قومية لشعب؟ هنا، في هذا المثال يلتقي كولينز وحنون حرفيا!

لنختم وقفتنا هذه بالتعرف على الرأي الشخصي المنصف لكولينز بالتماثيل التي اصطلح على تسميتها بالسومرية فيكتب: "بالنسبة لي، يُصنَّف النحت السومري مع النحت اليوناني القديم والنحت الإتروسكاني (الإيطالي) والنحت المكسيكي القديم ونحت الأسرتين الرابعة والثانية عشرة المصرية بوصفه أعظم نحت في العالم... ففي الفن السومري، إلى جانب القيمة المجردة للشكل والتصميم، التي لا يمكن فصلها عنه، هناك عنصر إنساني عميق"[7] (7).

الكتاب: السومريون ...الحضارات المفقودة

المؤلف: بول كولينز

المترجم: د. جمعة الطلبي

دار: بيت الكتاب السومري- بغداد -2025

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

...................

المصادر

[1] - الأخبار البيروتية عدد 14 نيسان 2023.

2 - كريمر صموئيل نوع -السومريون تاريخهم وحضارتهم - ترجمة د. فيصل الوائلي - ص 427.

3 - أناتولي كليوسوف هو أحد مؤسسي علم الجينولوجيا، الذي استشهدنا بكلامه في أكثر من مناسبة حول وجود مجموعة الجين «ج1» الفردانية الذي يسمى أحياناً من قبل التوراتيين الجين الكوهيني أو السامي، وقال كليوسوف إن هذا الجين كان موجوداً لدى العرب قبل أربعين ألف سنة منه لدى العبرانيين -برنامج «رحلة في الذاكرة»- قناة «روسيا اليوم» بتاريخ 5 أيلول 2018.

4 -كولينز بول – السومريون .. الحضارات المفقودة –ترجمة د. جمعة الطلبي – ص 103 – دار بيت الكتاب السومري – بغداد –ط1 -2025.

5 - كولينز –مصدر سابق - ص 96.

6 - جاكوبسن ثوركيلد - هذه الأسماء أوردها وترجمها العالم الألماني-الأمريكي ثوركيلد جاكوبسن في كتابه المرجعي " قائمة ملوك السومريين" ونشر كمبحث في مجلة (دراسات علم الآشوريات - العدد 11).

7 - كولينز – مصدر سابق - ص123

الهوامش

[1] - الأخبار البيروتية عدد 14 نيسان 2023.

[2] -كريمر صموئيل نوع -السومريون تاريخهم وحضارتهم - ترجمة د. فيصل الوائلي - ص 427.

[3] - أناتولي كليوسوف هو أحد مؤسسي علم الجينولوجيا، الذي استشهدنا بكلامه في أكثر من مناسبة حول وجود مجموعة الجين «ج1» الفردانية الذي يسمى أحياناً من قبل التوراتيين الجين الكوهيني أو السامي، وقال كليوسوف إن هذا الجين كان موجوداً لدى العرب قبل أربعين ألف سنة منه لدى العبرانيين -برنامج «رحلة في الذاكرة»- قناة «روسيا اليوم» بتاريخ 5 أيلول 2018.

[4] -كولينز بول – السومريون .. الحضارات المفقودة –ترجمة د. جمعة الطلبي – ص 103 – دار بيت الكتاب السومري – بغداد –ط1 -2025.

[5] -كولينز –مصدر سابق - ص 96.

[6] - جاكوبسن ثوركيلد - هذه الأسماء أوردها وترجمها العالم الألماني-الأمريكي ثوركيلد جاكوبسن في كتابه المرجعي " قائمة ملوك السومريين" ونشر كمبحث في مجلة (دراسات علم الآشوريات - العدد 11).

[7] -كولينز – مصدر سابق - ص123

مفتتح: كان للقائي الأول بأنطونيو داماسيو (Antonio Damasio)، سنة 2014، عبر كتابه البديع والمزلزل في آن، «خطأ ديكارت» (L’Erreur de Descartes، 1995، عن منشورات أوديل جاكوب Odile Jacob)، أثرٌ يتجاوز أثر القراءة العابرة، لا لشيء سوى لأن الكتاب ليس مجرّد مراجعة علمية لمسألة العلاقة بين الدماغ والسلوك، ولا مجرد نقد متأخر لثنائية ديكارت بين النفس والجسد؛ لقد بدا لي، منذ صفحاته الأولى، جدلًا هادئًا وتفكيكًا حاسمًا لتصور كامل عن الإنسان، صاغته الحداثة الفلسفية طيلة قرون.

لعل كل منا يدرك انه تعلّم، في ظلّ التقليد العقلي الكلاسيكي، أن العقل يعلو على الجسد، وأن التفكير لا يبلغ كماله إلا حين يتحرر من الانفعال، وعلى أن العاطفة صنوان الاضطراب ومنبع الخطأ.

لكن داماسيو هندس انقلابًا منهجيًا لهذا التصور، مفاده الإنسان لا يفكر رغم جسده، بل يفكر بجسده؛ ولا يبلغ العقل فعاليته عبر تسقيط العاطفة، وإنما عبر الاستناد إلى ما توحيه العاطفة من إشارات وتقديرات واتجاهات.

ما ظننته في البداية، اعتراضًا على ديكارت، انكشف لاحقًا، مع التعمق في قراءة أعمال داماسيو، أنها أعمال تمثل مشروعًا متكاملًا لإعادة وصل ما قطعه الفكر الحديث بين الحياة والوعي، وبين الشعور والعقل، وبين الجسد والرمز.

واتضح لي بعد سنوات من القراءة المتأنية والمتكررة انني أمام معالم مشروع فكري عابر للتخصصات، صاحبه أنطونيو داماسيو، ليس طبيب أعصاب بارز فحسب، بل هو أحد أبرز المفكرين الذين أعادوا فتح الأسئلة الفلسفية الكبرى من داخل علوم الدماغ والحياة، وُلِد في لشبونة سنة 1944م، واشتغل سنوات طويلة في مجالات علم الأعصاب والسلوك والوعي، لديه خبرة سريرية معمقة في دراسة إصابات الدماغ وآثارها في الذاكرة، والانفعال، واتخاذ القرار، والشعور بالذات.

والجدير بالإشارة هنا أن خصوصية مشروعه تتحدد من كونه لا يكتفي بوصف الآليات العصبية، بل يسأل عن دلالتها الإنسانية والفلسفية، كيف يصبح الكائن الحي ذاتًا؟ كيف تتحول تغيرات الجسد إلى مشاعر؟ كيف تنبثق خبرة الذات من حياة أعضاء جسد لا يتوقف عن تنظيم توازنه الداخلي؟ وكيف يمكن للوعي أن يتمثل عبر المادة الحية دون أن يفهم عبر سلسلة من التفاعلات الميكانيكية الجوهرية؟

هكذا عند داماسيو، لا يصبح الدماغ آلةً مستقلة تعمل في معزل، ولا يكون الجسد وعاءً سلبيًا للعقل، إنهما قطبا ذات حية واحدة: الدماغ يرسم خرائط لحالات الجسد والعالم، والجسد يمدّ الدماغ بإشارات لا تنقطع عن الخطر والحاجة والراحة والألم والرغبة والاختلال. عبر هذا الحوار المتصل بين الداخل والخارج تتكوّن الذات، ويتدرج الوعي، وتتخذ الحياة الإنسانية معناها.

من «خطأ ديكارت» إلى نقد العقل المجرد

صدر كتاب «خطأ ديكارت» (L’Erreur de Descartes) بالفرنسية سنة 1995 عن دار Odile Jacob، بعد صدور نسخته الإنجليزية الأصلية سنة 1994 بعنوان Descartes’ Error. وقد أصبح هذا الكتاب منعطفًا حاسمًا في النقاش المعاصر حول العقل والعاطفة، لما قدّمه من نقد علمي وفلسفي للصورة التقليدية التي تجعل من الانفعال نقيضًا للحكم السليم.

داماسيو انطلق من حالات سريرية لأشخاص احتفظوا بقدراتهم المنطقية واللغوية الأساسية بعد إصابات محددة في الدماغ، لكنهم فقدوا، مع ذلك، قدرتهم العملية على اتخاذ القرارات السليمة، قادرين على التحليل، والمقارنة، وتعداد البدائل؛ غير أنهم أصبحوا عاجزين عن الحسم، وكأن التفكير، حين يفقد صلته بالإحساس بالقيمة والأولوية والخطر، يتحول إلى دوران عقلي بلا بوصلة.

وعليه بلور داماسيو فكرته الشهيرة عن الدلالات الجسدية*، حيث التجارب السابقة تترك في الجسد والدماغ آثارًا انفعالية تساعدنا على تمييز ما ينبغي تجنبه وما يستحق الإقبال عليه، ليست هذه الدلالات (أو الإشارات) بديلًا عن التفكير، لكنها تمثل أرضيته العملية؛ إذ تختصر على العقل مسالك طويلة من الحساب، وتوجهه داخل عالم مزدحم بالاحتمالات، بمعنى ليست العاطفة عدوة العقل، بل إحدى صور ذكائه العميق.

لقد كان الأثر الفلسفي لهذا التصور بالغًا، حيث لا يدعو إلى تمجيد الانفعال أو إسقاط قيمة البرهان، بل يحرر العقل من وهم الاكتفاء الذاتي، بمعنى ٱخر العقل الإنساني ليس عقلًا ملائكيًا معلقًا فوق الجسد، بل عقلٌ مجسد، يشتغل من داخل كائن حيّ، هشّ، راغب، متأثر بذكرياته، ومنخرط في بيئته الاجتماعية والتاريخية.

الذات ليست معطى ثابت

إذا كان L’Erreur de Descartes قد أعاد العاطفة إلى صميم العقل، فإن كتاب «الشعور بما يحدث» (Le Sentiment même de soi. Corps, émotions, conscience)، الصادر بالفرنسية سنة 2002 عن دار Odile Jacob، نقل المسألة إلى مستوى أعمق: كيف يتكوّن الشعور بالذات؟

في هذا الكتاب، يرفض داماسيو أن تكون الذات معطًى أوليًا ثابتًا، أو جوهرًا مكتملًا يقيم في أعماق الإنسان، كما انها ليست شيئًا جاهزًا نعثر عليه داخلنا، بل بناء متحرك يتشكل بقدر ما يستطيع الكائن الحي أن يرصد تحولاته الداخلية وأن يربطها بما يطرأ عليه من الطبيعة.

أي أن الإنسان لا يملك وعيًا بمعزل عن جسده، لأن الوعي نفسه يقوم على إدراك متواصل لحالة الجسد وهو يتأثر ويخاف ويطمئن ويتألم ويرغب.

لهذا كله، يميز داماسيو بين مستويات متعددة للذات، هناك ذات أولية، مرتبطة بالحفاظ على توازن الحياة في أبسط صورها؛ ثم ذات مركزية تنشأ في لحظة التفاعل مع الأشياء والأشخاص؛ ثم ذات السيرة تتشكل من الذاكرة واللغة والتاريخ الشخصي. هذا لا يعني أن الذات تنقسم إلى جزر منفصلة، بل إنها تتدرج من الإحساس العضوي المباشر إلى السرد الذي يقوله الإنسان عن نفسه.

إن هذا التحليل يحررنا من التصور الجامد للهوية، فالإنسان في منظور داماسيو، ليس مركزًا مغلقًا ومكتفيًا بذاته، بل كائن يعيد إنتاج ذاته في كل لحظة، ويظل توازنه النفسي والجسدي عرضة للتبدل.

الذات، إذن، ليست بناءًا داخليًا، بل عملية حية؛ ليست حجرًا صلدًا، بل نهرًا تتداخل فيه الذاكرة والإحساس مع التوقع واللغة.

من الانفعال إلى الشعور

إحدى أدق مساهمات داماسيو، تكمن في تمييزه بين العاطفة والشعور.

فالعاطفة، في معناها البيولوجي، هي سلسلة من التحولات الجسدية والعصبية التي تحدث استجابةً لموقف أو مثير أو ذكرى، أما الشعور فهو إدراك تلك التحولات حين تصبح حاضرة في التجربة الذاتية، العاطفة تقع في الجسد والدماغ؛ والشعور هو أن يعرف الإنسان، على نحو ما، أنه يمر بتلك العاطفة.

ولا ينبغي فهم هذا التمييز على أنه فصلٌ حاد بين الجسم والعقل، فالشعور ليس إضافة غامضة ترد من خارج الحياة الجسدية، بل هو الطريقة التي تصير بها حالة الجسد معطىً معيشًا، فعندما نشعر بالخوف، لا نمتلك مجرد فكرة ذهنية عن الخوف؛ إننا نختبر تسارع النبض، وانقباض الجسد، وتوتر الانتباه، واستعداد بكلنا للمواجهة أو الفرار، الشعور هو الوجه الداخلي لهذا التغير الحيوي.

بالتالي، لا يعود الوعي مجرد قدرة على تسمية الأشياء أو ترتيبها في مفاهيم، إنه أيضًا، وربما قبل كل شيء، المقدرة على أن يشعر الكائن بتأثره بما حوله. إنه معرفةٌ بالحياة وهي تجري في الداخل، وإدراكٌ للذات وهي تتغير تحت تأثير ما يحيط بها.

الوعي بوصفه يقظة الذات

في كتابه «الشعور والمعرفة» (Sentir et savoir. Une nouvelle théorie de la conscience)، الصادر بالفرنسية سنة 2021 عن دار Odile Jacob، قدّم داماسيو صياغة مكثفة ومراجعة ناضجة لنظريته في الوعي، وهو من أبرز كتبه المتأخرة المخصصة تحديدا لمسألة الوعي، وفيه يعود إلى سؤال ظل يرافقه في مجمل مشروعه: كيف يظهر الشعور الذاتي من داخل العمليات الحيوية؟

يبدأ داماسيو من فكرة مركزية مؤداها أن الكائن الحي لا يكتفي بالتفاعل الآلي مع محيطه، حيث الحياة تحمل في ذاتها، منذ مستوياتها الأولى، جهدًا دائمًا للمحافظة على التوازن والاستمرار، وهذا ما يسميه، في امتداد لتراث سبينوزا، الاستتباب أو تنظيم الحياة لذاتها، فالكائن الحي يراقب نقصه، ويستجيب لاضطرابه، ويبحث عن شروط بقائه، والوعي، في طبقاته العليا، يتصل بهذه القدرة الأساسية على الإحساس بالحالة الداخلية وتعديل العلاقة بالمحيط.

لهذا داماسيو لا يقرأ الوعي بوصفه حادثة خارقة وقعت فجأة داخل الدماغ، ولا باعتباره لغزًا ميتافيزيقيًا لا صلة له بتاريخ الحياة، الوعي، عند داماسيو، امتداد معقد لجهود الحياة في صون ذاتها. إنه لحظة تصبح فيها الانسان قادرًا، بدرجات متفاوتة، على أن يختبر حالته لا أن يستجيب لها فحسب؛ أن يشعر بأنها موجود، لا أن يعيش فقط.

الوعي هنا ليس مرآة ساكنة تعكس العالم الخارجي، بل فعل يقظة، بمثابة قدرة على الحراسة الداخلية، وعلى ملاحظة التحولات التي تهدد توازن الإنسان أو تعززه. وبهذا المعنى، يمكن أن يوصف الوعي بأنه يقظة الحياة على الذات، لا لأنه ينسحب من الحياة إلى باطن مغلق، بل لأنه يجعل الإنسان أكثر حضورًا في العالم، وأكثر قدرة على تنظيم علاقته به.

«الترتيب الغريب للأشياء»

تتسع رؤية داماسيو في كتاب «الترتيب الغريب للأشياء» (L’Ordre étrange des choses. La vie, les sentiments et la fabrique des cultures)، الصادر بالفرنسية سنة 2019 عن دار Odile Jacob، لتشمل نشوء الثقافة والأخلاق والفنون والمؤسسات الإنسانية. ففي هذا العمل، لا يعامل الثقافة باعتبارها قطيعة مطلقة مع البيولوجيا، ولا بوصفها نتيجة آلية لها، بل باعتبارها امتدادًا مبدعًا لجهد الكائن الإنساني في البحث عن الاستقرار والتعاون وتقليل المعاناة.

إن المشاعر، في هذا التصور، لم تؤدِّ دورًا في حياة الفرد فقط، بل أسهمت في التاريخ الطويل للجماعات البشرية، فمن البحث عن الأمان، ومن الألم والخوف والتعاطف والرجاء، نشأت أشكال التنظيم الاجتماعي، وتبلورت القوانين والأعراف، وظهرت الفنون والطقوس وأنماط التضامن، أي أن الثقافة، ليست زينةً إضافية فوق الحياة؛ إنها أحد الأشكال التي ابتكرتها الحياة البشرية لتدبير هشاشتها ولإعطاء وجودها معنى.

وهنا تتجلى قوة داماسيو في تجاوزه الحدود الضيقة للتفسير العصبي، إنه لا يختزل الفن إلى نشاط دماغي، ولا الأخلاق إلى منعكسات بيولوجية، بل يبيّن أن الفكر الثقافي نفسه لا ينفصل عن جذوره الشعورية. فكل حضارة، مهما بلغت من تعقيد رمزي، تظل مشدودة إلى أسئلة الحياة الأساسية: كيف نستمر؟ كيف نتعايش؟ كيف نخفف الألم؟ وكيف نجعل وجودنا جديرًا بالعيش؟

سبينوزا في أفق علم الأعصاب

لفهم داماسيو هناك عنوان اساسي، يتمثل في علاقته الفكرية العميقة بباروخ سبينوزا، ففي كتابه «البحث عن سبينوزا، او سبينوزا كان محقًا» (Spinoza avait raison. Joie et tristesse, le cerveau des émotions)، الصادر بالفرنسية سنة 2003 عن دار Odile Jacob، يستعيد داماسيو الفيلسوف الهولندي لا بوصفه أثرًا من آثار تاريخ الفلسفة، بل بوصفه مفكرًا استبق، بحدسه الفلسفي، كثيرًا من أسئلة علم الأعصاب الحديث.

لقد أدرك سبينوزا، في نظر داماسيو، أن النفس والجسد ليسا جوهرين متقابلين، بل تعبيران عن واقع واحد؛ وأن الفرح والحزن ليسا شؤونًا هامشية، بل تغيرات تمس قدرة الإنسان على الفعل والوجود، عبر هذه الرؤية يجد داماسيو أساسًا فلسفيًا لإعادة فهم الانفعال والوعي، ويقيم بينها وبين أبحاثه العلمية حوارًا خصبًا.

غير أن داماسيو لا يحوّل سبينوزا إلى عالم أعصاب قبل أوانه، ولا يستعمل العلم لتبرير الفلسفة بأثر رجعي، المهم في هذا الكتاب أنه يكتشف في الفكر السبينوزي تصورًا وحدويًا للإنسان، يجعل من الجسد والعقل وجهين متلازمين للحياة ذاتها، ولهذا كان سبينوزا، في مشروع داماسيو، أكثر من كونها مرجع، بل رفيقًا نظريًا في معركة تجاوز الثنائية التي جعلت الفكر الغربي يعامل الجسد بوصفه أدنى من العقل، والعاطفة بوصفها أدنى من البرهان.

ضد الإنسان الحسابي

أفكار داماسيو اليوم اكتسبت أهمية بالغة في زمن تتصاعد فيه النزعة إلى تصوير الذكاء باعتباره قدرة حسابية محضة عبر الخوارزميات. في ظل اتساع حضور النماذج الرقمية والأنظمة الذكية، صار من السهل الخلط بين معالجة المعلومات وبين التجربة الحية، غير أن مشروع داماسيو يذكّرنا بأن التفكير البشري لا يُختزل في الحساب، لأن الإنسان لا يتعامل مع العالم كجهاز يعالج رموزًا فقط، بل ككائن يتأثر ويقلق ويأمل ويخاف ويتذكر.

الوعي الإنساني لا يتميز بإمتلاك المعلومات، بل عيشها من داخل جسد. وليس الفرق بين الإنسان والآلة مجرد فرق في مقدار السرعة أو حجم الذاكرة، بل في نمط الوجود نفسه، الإنسان يحمل تاريخًا جسديًا، ويعيش الألم واللذة، ويتخذ قراراته تحت ضغط الحاجة والخسارة والرغبة والرجاء، وهذه الأبعاد ليست هوامش يمكن إهمالها في تعريف العقل، بل هي الشروط التي تجعل العقل تجربة بشرية.

إن قراءة داماسيو تضعنا أمام سؤال حاسم: هل يمكن بناء فهم للذكاء من دون فهم للحياة؟ إن جوابه الضمني واضح: لا يمكن للذكاء أن يُفهم فهمًا كاملًا إذا فُصل عن الجسد، ولا يمكن للوعي أن يُفسَّر إذا جُرّد من الشعور.

متى يشعر الإنسان بأنه كائن حي؟

كتاب L’Erreur de Descartes، الذي قرأته سنة 2014، لم يكن بوابةً إلى علم الأعصاب فحسب؛ بل كان بوابة إلى إعادة التفكير في الإنسان، فمن خلاله بدأت سلسلة قراءات في أعمال أنطونيو داماسيو، بدت لي في كل محطة أكثر اتساقًا وعمقًا: من نقد الفصل بين العقل والعاطفة، إلى تحليل تشكل الذات، إلى تفسير الشعور والوعي، ثم إلى استكشاف الصلات العميقة بين الحياة والثقافة.

إن إبداع داماسيو وبراعته لا تكمن في أنه يقدّم جوابًا نهائيًا عن لغز الوعي؛ فالوعي يظل واحدًا من أعقد أسئلة الفكر الإنساني، لكن أهمية مشروعه تتمثل في أنه نقل السؤال إلى أرض أكثر خصوبة: أرض الجسد الحي، والعاطفة، والتوازن الحيوي، والذاكرة، والعلاقة بالطبيعة والبيئة. لقد أعاد للوعي جذوره في الحياة، من دون أن يسلبه تعقيده أو فرادته.

إن الإنسان، في ضوء هذا المشروع، ليس عقلًا بلا جسد، ولا جسدًا بلا معنى، ببساطة، إنه كائن حي يتطور إلى أن يشعر بنفسه، ويصبح قادرًا على تحويل ذلك الشعور إلى ذاكرة ولغة وفكر وثقافة.

هكذا، إذن، الوعي، ليس امتيازًا مفارقًا للحياة الإنسانية؛ إنه أحد أسمى تجلياتها: أن تبلغ من التعقيد حدًّا يجعلها تصغي إلى ذاتها، وتدرك هشاشتها، وتبحث، رغم كل شيء، عن معنى وجودها.

***

مراد غريبي

....................

(*) تسمى بالبيولوجيا، الواسمات الحيوية-Marqueurs biologiques- (أو الدلالات الحيوية التشخيصية او العلاجية) هي مواد كيميائية أو بروتينات يفرزها الجسم.

كيف أعاد جون ريندل هاريس وشركاؤه اكتشاف أحد أقدم نصوص الحكمة الشرقية؟

إن كتاب «قصة أحيقار من الروايات الآرامية والسريانية والعربية والأرمنية والإثيوبية والتركية القديمة واليونانية والسلافية»

 واحدًا من أهم الأعمال التي أسهمت في إعادة تقديم حكيم الشرق القديم أحيقار إلى الدراسات الحديثة. وأهمية هذا الكتاب لا تقتصر على نشر نص من نصوص الحكمة السريانية، ولكن تتجاوز ذلك إلى جمع معظم الشواهد المعروفة للقصة في اللغات الشرقية والغربية، ومقارنتها ضمن إطار نقدي سعى إلى تتبع تاريخ النص وتحولاته وانتقاله بين الثقافات.

صدرت الطبعة الأولى من الكتاب سنة 1898، ثم ظهرت الطبعة الثانية المنقحة والموسعة سنة 1913 عن مطبعة جامعة كامبريدج. وقد أشرف على المشروع الباحث البريطاني جون ريندل هاريس، بمشاركة المستشرق الأرمني البريطاني فريدريك كورنيواليس كونيبير، والباحثة البريطانية المتخصصة في المخطوطات السريانية أغنيس سميث لويس، كما استعان هاريس بالعالم روبرت كينيت في مراجعة النص السرياني.

ويشير المؤلف في مقدمته إلى أن طبيعة هذا العمل لا تسمح لباحث واحد بالإحاطة بجميع جوانبه، لأن القصة وصلت إلينا عبر تقاليد لغوية وثقافية متعددة، وهذا تطلب تعاون عدد من المتخصصين في اللغات الشرقية القديمة. كما أوضح أن اكتشاف برديات أحيقار الآرامية في جزيرة الفيل في أسوان، العائدة إلى القرن الخامس قبل الميلاد، إلى جانب العثور على رواية تركية قديمة، دفعه إلى إعداد طبعة جديدة أكثر اكتمالًا ودقة من سابقتها.

ولم ينظر هاريس إلى أحيقار كمجرد بطل لحكاية شعبية انتقلت إلى «ألف ليلة وليلة»، بل اعده أثرًا أدبيًا بالغ القدم يقف على تخوم الأدب الكتابي والأدب السامي القديم.

ولهذا جاءت مقدمة الكتاب دراسة واسعة تبحث في تاريخ النص، وعلاقته بسفر طوبيا، وصلاته بالأمثال التوراتية، وتأثيره في التراث السرياني واليهودي والمسيحي، مع محاولة إعادة بناء الصورة الأولى للقصة قبل ما أصابها من إضافات وتعديلات عبر اقرون كثيرة. ومن هنا يصبح هذا الكتاب تحقيقًا في تاريخ الأدب السامي أكثر من كونه ترجمة لرواية قديمة.

ويضم الكتاب أكثر من أربعمائة صفحة، تبدأ بدراسة نقدية مطولة، ثم تتبعها الترجمات والنصوص الأصلية للروايات السلافية والأرمنية والتركية القديمة والسريانية والإثيوبية والعربية واليونانية والآرامية، إضافة إلى مجموعة من حكم أحيقار وشروح خاصة بالروايات الأرمنية والتركية. وبهذا الترتيب لم يكتفي المحررون بعرض النصوص، فلقد فتحوا للقارئ والباحث مقارنة الروايات المختلفة، ورصد ما طرأ عليها من حذف وزيادة وتغيير في البنية السردية واللغة والحكمة.

وتكشف هذه الطبعة أن قصة أحيقار تمثل نموذجًا فريدًا للأدب الذي جمع بين الرواية والأمثال الأخلاقية والحكمة السياسية. فهي تبدأ بسيرة رجل بلغ أعلى مراتب الدولة في عهد سنحاريب وأسرحدون، ثم تواجهه مأساة انعدام الوريث، فيتبنى ابن أخته نادان ويغدق عليه العلم والنعمة، قبل أن يتحول هذا الابن إلى سبب سقوطه.

 ومن هذه المأساة تنفتح القصة على رحلة طويلة تمزج بين السياسة والدهاء والمناظرات والألغاز والحكمة، حتى تنتهي بانتصار العدالة وانهيار الخيانة، لتظل الوصايا التي وجهها أحيقار إلى نادان هي الجزء الأكثر تأثيرًا واستمرارًا في الذاكرة الأدبية، حتى غدت من أشهر نصوص الحكمة في تراث الشرق القديم.

1. الطبعة الأولى فتحت باب الدراسات الحديثة

تمثل طبعة سنة 1898 البداية الحقيقية للدراسة العلمية الحديثة لقصة أحيقار. فقد كانت أول عمل يجمع الروايات السريانية والعربية والأرمنية والإثيوبية واليونانية والسلافية في إصدار واحد يخضع للمقابلة والتحقيق. ولم يكن الباحثون يومئذ قد عرفوا النص الآرامي القديم، لذلك أصبحت هذه الطبعة المرجع الرئيس لكل من أراد دراسة أحيقار، وظلت كذلك حتى اكتشاف برديات جزيرة الفيل في مطلع القرن العشرين، وهذا يمنحها قيمة تاريخية لا تقل عن قيمتها النصية.

2. مشروع علمي جماعي سبق عصره

لم يكن الكتاب ثمرة جهد فردي، كان مشروعًا علميًا تعاون فيه جون ريندل هاريس مع فريدريك كورنيواليس كونيبير وأغنيس سميث لويس، ثم استعان في الطبعة الثانية بروبرت كينيت لمراجعة النص السرياني. ويكشف هذا التعاون إدراك المحررين أن قصة أحيقار تجاوز حدود لغة واحدة، وأن تحقيقها يحتاج إلى خبرات متعددة في السريانية والآرامية والعربية والأرمنية واليونانية وغيرها، وهو منهج ظل أساسًا للدراسات المقارنة حتى اليوم.

3. الطبعة الثانية لم تلغ الأولى بل أكملتها

عندما ظهرت الطبعة الثانية سنة 1913 وكان ذلك بعد اكتشاف برديات الفيل، لم يسع هاريس إلى إلغاء عمله السابق، ولكن أعاد بناء الكتاب في ضوء المعطيات الجديدة. وأضاف النصوص التي ظهرت حديثًا، ووسع المقدمة، كما ناقش أثر الاكتشافات على فهم تاريخ الرواية، مع الإبقاء على قيمة الطبعة الأولى لأنها كانت أول جمع علمي متكامل للروايات المعروفة آنذاك. وهكذا أصبحت الطبعتان معًا تمثلان مرحلتين أساسيتين في تاريخ البحث.

4. برديات الفيل (الفنتين) غيرت تاريخ القصة

كان اكتشاف البرديات الآرامية في جزيرة الفيل بمصر من أهم الأحداث في تاريخ دراسة أحيقار، لأنه أثبت أن القصة معروفة منذ القرن الخامس قبل الميلاد، أي قبل أقدم المخطوطات السريانية بقرون طويلة. وقد أدى هذا الاكتشاف إلى انتقال أحيقار من دائرة الأدب السرياني الوسيط إلى فضاء الأدب الآرامي القديم، وأعاد النظر في كثير من الفرضيات التي بنيت قبل العثور على هذا الشاهد المبكر.

5. أحيقار بين التاريخ والأسطورة

لم يتعامل المحررون مع أحيقار كشخصية تاريخية مثبتة، ولم يعتبره شخصية خيالية خالصة، تركوا الباب مفتوحًا بين الاحتمالين. فوجود اسمه في البرديات القديمة منح الشخصية جذورًا تاريخية محتملة، بينما تكشف عناصر الرواية، وخاصة رحلته إلى مصر والألغاز الخارقة والنجاة العجيبة، عن ملامح أدب الحكمة والأسطورة الشعبية، وها التوازن في الرؤية حافظ عليه المحققون دون إصدار أحكام قاطعة.

6. صلات وثيقة بالكتاب المقدس

تولي مقدمة الكتاب اهتمامًا كبيرًا للعلاقة بين قصة أحيقار والكتاب المقدس، وخاصة سفر طوبيا، حيث يظهر أحيقار شخصية معروفة في البلاط الآشوري وصديقًا لطوبيا. كما يناقش المحررون أوجه الشبه بين حكم أحيقار وسفر الأمثال وبعض نصوص الحكمة العبرية، ولم يذهبوا إلى القول بوجود اقتباس مباشر، وسنجد أنهم فضلوا الحديث عن بيئة ثقافية مشتركة نشأت فيها تقاليد الحكمة في الشرق الأدنى القديم.

7. هل كان أحيقار أحد الأنبياء؟

تتوقف المقدمة عند محاولات بعض المؤلفين في العصور اللاحقة ربط أحيقار بشخصيات دينية أو نبوية، إلا أننا لا نلمس تأييد من المحررين تؤكد هذه الفرضيات. فلا يوجد في المصادر القديمة ما يجعله نبيًا، ولكن يظهر دائمًا حكيمًا وكاتبًا ومستشارًا ملكيًا. ولذلك فإن من مميزات هذا الكتاب عناصر الوضوح بين الأدب الشعبي الذي يضفي على الشخصيات صفات استثنائية، والبحث التاريخي الذي يلتزم حدود الأدلة المتوافرة.

8. احترام النص أكثر من فرض النظريات

من أبرز مزايا هاريس أنه لم يحاول إخضاع الرواية لنظرية مسبقة، ولم يسع إلى إعادة صياغتها بما يوافق الذوق الأوروبي. فقد حافظ على ترتيبها، ونقل اختلافات المخطوطات في الهوامش، وترك للقارئ فرصة متابعة السرد كما وصل إليه. وهذا المنهج منح النص استقلاله الأدبي، وجعل دور المحقق أنه يخدم الرواية ولا يعيد تأليفها من جديد.

9. النص السرياني في مركز المشروع

رغم اتساع الكتاب فقد شمل روايات عديدة، ظل النص السرياني يحتل مكانته المركزية، لأنه كان أكمل الروايات المعروفة قبل اكتشاف الأصل الآرامي. وقد بذل المحققون جهدًا في ضبط قراءاته ومقابلتها بالمخطوطات، وحافظوا على خصائصه اللغوية والأسلوبية، وكل هذه المميزات جعلت من الطبعة مرجعًا أساسيًا لكل من يدرس الأدب السرياني حتى بعد ظهور شواهد أقدم.

10. انتقال الرواية بين الحضارات

تكشف النصوص التي جمعها الكتاب أن أحيقار لم يبق حبيس البيئة الآشورية أو السريانية، فلقد انتقل إلى العربية والأرمنية والإثيوبية واليونانية والسلافية والتركية، وفي كل مرة اكتسب ملامح جديدة مع احتفاظه ببنيته الأساسية. ويعد هذا الانتشار الواسع شاهدًا على قدرة أدب الحكمة على تجاوز الحدود الدينية واللغوية، وعلى المكانة التي احتلتها فنون السرد والقصص في ثقافات متباعدة.

11. الحكمة أهم من الحدث

إن قيمة الرواية لم تعتمد على حبكتها وحدها، ولكننا سنلمس وجود مجموعة وصايا وحكم أحيقار والتي أصبجت تحتل مكانة عظيمة وجعلت صفته الحكيم الشرقي النموذجي. فالأحداث ليست إلا إطار سمح بتمرير رؤية أخلاقية وسياسية عن العدل والصبر والوفاء وضبط اللسان واختيار الأصحاب. ولهذا بقيت الحكم أكثر أجزاء الرواية تداولًا، وانتقلت منفصلة عن القصة في كثير من التقاليد اللاحقة ودخلت في الشعر والأمثال الشعبية.

12. أثر الطبعة في الدراسات السريانية

أصبحت طبعة هاريس أساسًا اعتمدت عليه أجيال من الباحثين في دراسة النص السرياني، واستندت إليها أعمال نقدية كثيرة ناقشت قراءاتها وترجماتها واختياراتها النصية. وحتى بعد ظهور تحقيقات أحدث، بقيت هذه الطبعة تحضر في الببليوغرافيات والدراسات بكونها كانت نقطة الانطلاق التي أعادت أحيقار إلى الاهتمام الأكاديمي العالمي.

13. عقلية علمية تقبل المراجعة

تكشف مقدمة الطبعة الثانية جانبًا مهمًا من شخصية هاريس العلمية، حيث أنه لم يتمسك بنتائج الطبعة الأولى، وأعلن صراحة أن الاكتشافات الجديدة فرضت مراجعات كثير من الآراء السابقة. وهذه الروح النقدية جعلت من الكتاب مثالًا مبكرًا للبحث العلمي الذي يجعل المعرفة مشروعًا مفتوحًا يتطور مع ظهور الأدلة وليست أحكامًا نهائية لا تقبل النقاش.

14. بين الأدب والتاريخ

تكشف الرواية أن الحدود بين الأدب والتاريخ لم تكن حادة في الشرق القديم. فهي تستند إلى أسماء ملوك حقيقيين مثل سنحاريب وأسرحدون، لكنها تمزج الوقائع بعناصر روائية وأمثال وحكم ومناظرات خيالية. ولهذا ينظر إليها الباحثون اليوم بوصفها أثرًا أدبيًا ذا خلفية تاريخية، لا سجلًا تاريخيًا بالمعنى الدقيق.

15. لماذا لا تزال هذه الطبعة ضرورية؟

رغم مرور أكثر من قرن على صدورها، ورغم ظهور نصوص وتحقيقات أحدث، ما تزال طبعتا 1898 و1913 تحتفظان بقيمتهما العلمية. فالأولى تمثل نقطة الانطلاق التي أسست لدراسة أحيقار في العصر الحديث، والثانية وثقت أثر اكتشاف البرديات الآرامية وأعادت صياغة المشروع في ضوء الأدلة الجديدة. ومن ثم لا يمكن كتابة تاريخ البحث في أدب أحيقار أو الحكمة السريانية من دون العودة إلى هاتين الطبعتين، لأنهما تكشفان كيف تطورت المعرفة العلمية خطوة بعد أخرى، وكيف انتقل أحيقار من حكاية موروثة إلى واحد من أهم نصوص الأدب السامي القديم.

خاتمة

تكشف هذه الجهود أن جون ريندل هاريس وشريكيه لم يكونوا يسعون إلى نشر قصة قديمة فحسب، لكنهم إعادوا بناء تاريخ نص أدبي ظل قرونًا متناثرًا بين لغات وثقافات متعددة. فقد خرجوا باستنتاج جوهري مؤداه أن أحيقار ليس حكاية سريانية معزولة، وإنما أثر أدبي عابر للحدود، انتقل بين الآرامية والسريانية والعربية والأرمنية والإثيوبية واليونانية والسلافية، محتفظًا بجوهره الحكمي رغم ما طرأ عليه من تعديلات وصياغات محلية. كما أولوا عناية خاصة للعلاقة بين القصة وسفر طوبيا، وأدب الحكمة في العهد القديم، دون الجزم بوجود اقتباس مباشر، ورأوا أن هذه النصوص تنتمي إلى بيئة فكرية وثقافية واحدة ازدهرت في الشرق الأدنى القديم.

ولا يقل منهج المحررين أهمية عن نتائجهم. فالكتاب لا يمكن تصنيفه ترجمةً فحسب، ولا تحقيقًا لغويًا مجردًا، ولا دراسة نقدية مستقلة، يمكن القول أنه عمل جمع هذه الأنواع جميعًا. فهو بدأ بدراسة تاريخية ونقدية واسعة، ثم انتقل إلى تحقيق النصوص ومقابلة الروايات المختلفة، وقدم ترجمات دقيقة، مع تعليقات مقتضبة خدمت النص ولم تطغى عليه. ولهذا يمكن اعتبار هذا العمل الضخم من أوائل النماذج الحديثة في النقد النصي المقارن، فهنا، يصبح التحقيق وسيلة لفهم تاريخ الأدب، ولم يظل محصورًا في تصحيح ألفاظ المخطوطات.

ومن أكثر ما يلفت الانتباه في أسلوب هاريس وشريكيه أنهم لم يحاولوا فرض نظرية واحدة على المادة، ولم يعيدوا صياغة القصة وفق الذوق الأوروبي السائد آنذاك، ونلمس أنهم حافظوا على استقلال النص، وتركوا الروايات تتحدث بنفسها، مكتفين بالإشارة إلى مواضع الاختلاف والتطور. وكل هذا المنهج منح الكتاب قيمة علمية طويلة الأمد، وماتزالالطبعة الأولى مرجعًا رئيسًا أيضًا حتى بعد اكتشاف البرديات الآرامية في الفنتين، ثم تم ستيعاب تلك الاكتشافات في امطبعتة الثانية ولم يتنكر الفريق لعملهم الأول.

أما جون ريندل هاريس (1852–1941)، فكان أحد أبرز علماء المخطوطات واللغات الشرقية في بريطانيا، واشتهر باهتمامه بالأدب السرياني والأبوكريفا وتاريخ النصوص المسيحية القديمة. وشاركه في هذا المشروع المستشرق فريدريك كورنيواليس كونيبير (1856–1924)، المتخصص في الدراسات الأرمنية والمقارنة، والباحثة أغنيس سميث لويس (1843–1926)، تُعد من أعظم مكتشفي المخطوطات السريانية في العصر الحديث، وأسهمت إسهامًا حاسمًا في إحياء كثير من النصوص الشرقية. و هذا التنوع العلمي أضفى على الكتاب عمقًا يصعب أن يبلغه باحث واحد.

وتبدو الطبعة الثانية الصادرة سنة 1913 أكثر نضجًا واتساعًا من سابقتها؛ حيث أنها أعادت قراءة القصة في ضوء برديات الفيل، وأضافت مواد جديدة، ووسعت دائرة المقارنة بين الروايات. ومع ذلك، فإن هذا الجهد الكبير، على أهميته وأصالته، لم يحظَى – فيما يظهر – بترجمة عربية كاملة، كما أننا لا نجد عنه مراجعات معمقة في الدراسات العربية ولا ما يستحقه من اهتمام، وهذه الجهود مثلت مرحلة حيوية انتقلت فيها دراسة أحيقار من الاعتماد على الرواية السريانية وحدها إلى الاستفادة من الشاهد الآرامي الأقدم.

ولم تكن علاقة هاريس بأحيقار عابرة أو مرتبطة بإصدار كتاب واحد؛ فقد واصل متابعة الاكتشافات الجديدة، وعدّل عمله كلما ظهرت أدلة إضافية، وهذا يعكس بوضوح روحًا علمية ترى أن المعرفة تنمو بالمراجعة المستمرة لا بالتشبث بالنتائج الأولى.

إذن فإن قيمة أبحاثه لا تكمن في أنها قدمت الأحكام النهائية، الأكثر قوة أنها أرست الأساس الذي انطلقت منه معظم الدراسات اللاحقة.

ولعل أهم ما قدمه هذا المشروع أنه أعاد تعريف أحيقار أمام القارئ الحديث. وأصبح نموذجًا لأدب الحكمة في الشرق الأدنى القديم، ونصًا يكشف تفاعل الحضارات السامية عبر قرون طويلة. ومن هنا تبقى طبعتا هاريس، الأولى والثانية، من المحطات المؤسسة في تاريخ الدراسات السريانية والآرامية، ولا يزال الرجوع إليهما ضرورة لكل باحث يريد أن يفهم كيف تشكلت صورة أحيقار في الوعي العلمي الحديث.

***

حميد عقبي

.......................

The Story of Ahikar: From the Aramaic, Syriac, Arabic, Armenian, Ethiopic, Old Turkish, Greek and Slavonic Versions

Edited by James Rendel Harris, F. C. Conybeare, and Agnes Smith Lewis.

* رابط مراجعة نقدية

https://youtu.be/pkeFmzC1zv4?si=YJOzy_Ehr0xrNsnl

الشيوعي المسيحي جورج متحولاً إلى إمام يعلّم المسلمين القرآن!

الكتاب (غيمري- كدت أن أصبح إماما) من إصدارات دار المدى – بغداد 2025. سيرة شخصية للصديق الكاتب (جورج منصور). أراد بها استعادة سبع سنوات من عمره، قضاها طالباً في موسكو سبعينيات القرن المنصرم.

من أشد أجناس الكتابة إرباكاً وصعوبة، كتابة السيرة الشخصية، لأنك ستطل على ماضيك من علو، كنت تراه وتعايشه بزاوية وبنمط أفكار مختلفة تماماً عن زاوية ونمط أفكارك الحالية.. ثم يبدأ الإرباك في الخيار الذي ستتخذه، وأي سؤال ستجيب عنه أهو سؤال (ماذا) أم (كيف)؟

كان الكاتب منتبهاً ومنذ البداية لهذا الفخ. يكتب في مدخل الكتاب (أحياناً الذكريات تتآكل، تختلط الوجوه، وتذوب الأصوات في ضجيج السنين. وما كان حقيقياً يغدو وهماً، وما كان حلماً يُكتب كأنه واقع.. لم أثق تماماً بعدالة ذاكرتي.. فما كنت أراه عادياً في ذلك الزمن، قد يبدو صادماً، أو غير مقبول.. لهذا ترددت: هل أكتب كما عشت، أم كما يفترض أن يُكتب الآن؟ أنه الصراع بين الأمانة والملاءمة)، ثم يكتب بعد سطور قليلة (الرحلة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي مسار داخلي يعيد تشكيل الروح ويفتح أبواباً جديدة للفهم والتأمل..)

إذن الكتابة هي رحلة إنما بمسار عكسي وبإنارة جديدة. ماذا بوسع شاب شيوعي عراقي في عشرينات عمره أن يكتب في ذلك الزمن عن موسكو والاتحاد السوفييتي، وهو القادم إليها بمنحة لدراسة فرع من فروع الهندسة من خلال حزبه الشيوعي؟ تبدأ اندهاشاته بالتجربة الشيوعية وهو في الطائرة التي تهبط على مدرج المطار، ينظر من النافذة مأخوذاً للراية الحمراء بالمطرقة والمنجل ترفرف، الراية التي هي حلمه الذي نذر لأجله حياته. لكن السؤال الآخر: ماذا بوسعه هو نفسه أن يكتب الان بعد أن تناوش السبعين من عمره، في زمن لم يعد فيه الاتحاد السوفييتي برايته الحمراء ذلك النبراس الأيديولوجي المبهر سوى ذكرى باهتة تنأى بعيداً في الذاكرة، كما أن الشيوعية نفسها لم تعد بوهجها القديم؟ كيف له أن يتعامل مع هذا وهو بوعي وحمولة من الثقل والتنوع، عاد من دراسته واشترك في كفاح الشيوعيين المسلح ثمانينات القرن المنصرم ضد نظام صدام حسين، ثم جرّب على جسده عذابات سجن (ايفين) الإيراني- الإسلامي، ثم رحلة المنافي قبل استقراره في كندا، ثم عودته إلى العراق بعد سقوط النظام أثر الاحتلال الأمريكي وتسنمه منصباً حكومياً في حكومة الاحتلال الأولى، حكومة (بريمر)، كان أول مدير لشبكة الإعلام العراقي، ثم استيزاره وزيراً في إحدى حكومات كوردستان.. وهو ما زال شيوعياً! أظن هو وأنا وكثيرين غيرنا من الشيوعيين الذين تركوا الحزب، ما زلنا نقول لأنفسنا أننا شيوعيون، كلٌّ بطريقته! ربما لأن البدائل الفكرية المطروحة الديني منها وغير الديني  هي من البشاعة والقسوة والظلم بحق الإنسان ما يجعلها واحدة تبز الأخرى بقبحها.

لم تنقص الكاتب ملكة اللغة، يكتب بلغة عربية متينة تنحى في كثير من مفاصلها إلى السرد الروائي أكثر منه السيرية. صياغاته تأخذ القارئ بعيداً لكثافتها وإطلالها على عوالم متعددة غير عالمه الشخصي. لن يمل القارئ ويواصل القراءة. استقطع واحدة من الصياغات الجميلة التي جلبت انتباهي في الوصف وهو يتحدث عن غربته (الغربة، ليست الصقيع الداخلي، وليست المكان فحسب، بل الزمن أيضاً. كنت أحسّ أن في صوتي، حين أتحدث، رنيناً بعيداً، كأن الكلمات تأتي من زمن آخر)!

مر الكتاب على الكثير من المحطات داخل وخارج موسكو، مثل أي طالب يتعلم اللغة ومن ثم يدخل في التخصص. لم ينس أن يخربش خربشات قليلة على سطح التجربة السوفيتية، كما أعتقد من وعيه الجديد وليس الوعي الذي دخل فيه، بإظهار تناقضاتها البنيوية، امتعاض المواطن السوفييتي من القيود الكثيرة المفروضة عليه، افتقار الحياة للألوان والتنوع، قسوة البيروقراطية الحزبية قبل الحكومية على المواطن، كتابة التقارير الكيدية على بعضهم لأقل هفوة من أحدهم خارج السرب وإن كانت رقصة لفتاة على أنغام غربية..! أو شيوعي عراقي يصرّف ورقة خمسين دولاًراً في السوق الموازي..! أو أحدهم يزهو ببنطال جينز وصله هدية من صديق أجنبي.. خلو رفوف دكاكين البقالة الحكومية إلا من بعض الحاجات غير الضرورية والكثير من الغبار، على عكس ما يتوفر في محلات تسمى (البريوزكا) اشبه بالسوق الحرة، متجر كذلك تديره الدولة السوفيتية لبيع  البضائع النادرة مقابل العملات الأجنبية، مثل الشوكولاته، الكافيار، أنواع المشروبات والسجائر الأجنبية، أنواع الهدايا.. أوشحة حريرية.. بناطيل الجينز..إلخ وكان يُسمح بالتبضع منه فقط لحاملي الجوازات الأجنبية والدبلوماسية. في بلد متوسط الدخل فيه للمواطن يتراوح بين 120- 130 روبلاً، وهذا مبلغ بدون كوبونات التموين لا يسد حاجة، في بلد كان يغزو الفضاء ويخوض سباق تسلح جنوني بكل أنواع الأسلحة!

غيمري

قرية صغيرة في منطقة نائية من جمهورية داغستان، إحدى جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، تبعد عن العاصمة (محج قلعة) 250 كم، يسكنها بحدود 1500 نسمة، يدينون جميعاً بالدين الإسلامي. القرية والطريق إليها نموذج للإهمال الحكومي. طرق غير مزفتة، عجلات النقل بمثابة خردة، وبعد ستين سنة من البناء الاشتراكي ما زال الناس منشدين إلى ماضيهم أكثر من حاضرهم. ما زال سكانها يحتفلون برجل دين مقاوم من القرن التاسع عشر، ويتداولون صوره كالأيقونات، الإمام شامل الداغستاني، الذي حارب روسيا القيصرية على مدى ثلاثين سنة قبل استسلامه أخيراً. لا اثر للدولة إلا في مرفقين، مركز شرطة ومقر الحزب الشيوعي.

كان جورج يعيش في نفس الغرفة مع طالب داغستاني اسمه مالك من قرية غيمري. متزوج في القرية وله ابنة صغيرة، وله كذلك صديقة في موسكو يعيش معها في بيتها، لذا هو معظم الأيام غير متواجد في الغرفة، وهذا ما يجعل جورج يشعر باستقلالية بعيداً عن تكدس الطلاب في الغرف، في كل غرفة من القسم الداخلي يكدسون فيها من ثلاثة إلى ستة طلاب.  وعلى عادة طلبة الجمهوريات في العطل المدرسية، يعودون إلى ديارهم. وفي عطلة شتوية طرح على جورج إمكانية أن يأتي معه إلى قريته ويتعرف على عائلته. استقبل جورج العراقي الاقتراح بفرح، هو المحروم من العودة إلى بلده، وبحاجته إلى دفء أحضان عائلة. وكان هناك خبر قد أخفاه مالك عن صديقه في البدء، ولم يصارحه به إلا وهما في القطار المتوجه إلى مدينة (محج قلعة)، أن القرية وعائلته متلهفون لزيارته. يستغرب جورج، ويسأل: لماذا؟ أجابه: لأنك ستقرأ لهم القرآن وتترجم آياته إلى اللغة الروسية! ليرد عليه جورج بغضب وعتاب:

- يا رجل أنا حتى لست مسلماً، بل مسيحياً. رافقتك للتعرف على عائلتك ومشاهدة القرية لا أكثر.

- لكن أبي أخبر المختار وهذا اخبر القرية كلها وهم متلهفون لوصولك. لن تخسر شيئاً شاهدت عندك قرآن وكنت تقرأ فيه.

الواضح بالنسبة إلى مالك وربما كل قريته أن كل عربي هو مسلم بالضرورة. يوضح جورج وهو يريد الضحك:

- الذي عندي ليس قرآن، بل كتاب (نهج البلاغة) للإمام علي بن أبي طالب، اقرأ فيه أحياناً.

 - ارجوك لا تحرجني أمام قريتي، لقد اخبرتهم، ثم الناس بسطاء وسيفرحون بذلك كثيراً، ومن جانبي لن أخبر أحداً أنك لست مسلماً.

هذا برغم أن في القرية مسجد وفيه إمام اسمه زاهر احمدوف. جورج بين المصدق وغير المصدق، أخذ على عاتقه المهمة التي ورطه بها صديقه. تعرف على عائلته وكان سعيداً برعايتهم ولطفهم واهتمامهم بشؤونه. كل يوم بعد الفطور صباحاً يعج بيت تيمور أبو مالك بالمؤمنين قادمين من بيوت القرية المتفرقة، إلى المضافة المتحولة إلى مسجد. ولكثرتهم جرى تقسيمهم إلى وجبات، واحدة تدخل الدرس والأخرى تنتظر في باحة الحوش..

ينصتون بكل حواسهم للفظ العربي لمفردات القرآن ولترجمة الآيات إلى اللغة الروسية، ثم يجيب على اسئلتهم حول معاني مفردات القرآن. كان بعضهم يحفظ بعض السور القرآنية القصار عن ظهر قلب، لكنه لم يكن يعرف معانيها. وكلما يأتي  على آية ويشرح معناها، ينفعلون ويسلطون لعناتهم على ملا القرية الإمام زاهر أحمدوف. يقولون أن قراءاته وخطاباته ونصائحه تشعرهم بالضجر والملل.

حتى جاء اليوم الذي بدا مسار (المزحة) يسير باتجاه الجد. جاءه وفد رسمي من كبار شيوخ القرية على رأسهم المختار((جئنا لنشكرك اولاً ولنطلب منك شيئاً ونرجوك أن لا ترفض طلبنا، نحن بحاجة إلى إمام جديد شاب ومتعلم ويتقن اللغة العربية، ونريدك أن تبقى معنا في القرية وسوف نرشحكم لدى مجلس شورى المسلمين ومقره في العاصمة محج قلعة، ولدى موافقة المجلس سوف نرسلكم إلى دورة تأهيلية قصيرة لتتولوا المهمة، وسيتم تكليفكم بإمامة المسجد ونعدكم أننا سننفذ كل طلباتك وأن أهالي غيمري يتطلعون بشوق إلى مجيئكم إلى القرية في المرة القادمة للمكوث فترات أطول..))، ليعقب هذا التطور المحرج تهديد يصل إلى بيت تيمور من الإمام زاهر بضرورة أن يغادر الملا الجديد وإلا... كادت تقع مشكلة داخل القرية قبل أن يصل وقت الإجازة إلى نهايته ويغادر الثنائي إلى موسكو ملحوقين بلعنات الملا زاهر أحمدوف ومحملين بما لذ وطاب من خيرات القرية..

***

كريم كطافة

 

هكذا افتتحت الأستاذة الفاضلة نصيرة القيسي مذكراتها الموسومة بـ "ذكريات من زمن الفجيعة"، ثم أردفت قائلة:

"لست أزعم أني حكيمة أو أكتب بطريقة أبوية، وإنما أقدم تجربتي أمام الآخرين ليختاروا هم أفضل طريق يجنبهم أخطاءً ورّطت آخرين من قبلهم".

ثم تقول في موضع آخر:"أحاول أن أتخلص من عزلتي تلك عبر هذه المذكرات".

جعلتني هذه الكلمات القليلة أمعن النظر طويلًا، في صمتٍ عميق، وأتأمل كم للكتابة من فضل في انتشالنا من مرارة العزلة. فالكتابة تمنحنا حياة أخرى، معها ننسج آلامنا، ونطرّز جراحنا، ونحاول أن نوقف نزيف أرواحنا. هي رفيقة وفية وجميلة، لا تتضجر من بوحنا الكبير، ولا تملّ من تنقيبنا في ما حملناه من كتلة ألم تراكمت ونمت فينا بالفقد والحزن والدموع.

والكتابة ليست فقط أداة نعبر بها عن أفراحنا وأتراحنا، بل غدت وسيلة لصناعة أثر طيب وكريم، يحمل عطر تفاصيلنا ومواقفنا وشواهد الأيام التي عشناها. قد نرحل نحن، لكن تبقى هذه الرفيقة تخبر الآخرين أننا مررنا من هنا، وأننا عشنا هذه الرحلة، وأن لنا فيها أثرًا وشواهد.

أبهرني وصف الكاتبة لبيت طفولتها، تلك الباحة الواسعة التي تلتف حولها غرف البيت والإيوان. رحلت مع هذه النصوص إلى طفولتي، وسافرت بعيدًا إلى هناك، إلى نشأتي الأولى، إلى بيتٍ يشبه بيتها في تفاصيله ودفئه وذاكرته.

وبكيت وأنا أغوص بهدوء بين أسطر ما كتبته الأستاذة نصيرة، وهي تصف بصدقٍ وجع فقد الأم، وقبلها الجدة الطيبة، وغياب الأخ واستشهاده، وفصلها من الوظيفة، وتروي ما عاشته من قسوة الواقع، مستحضرةً قول الجواهري:

"إن الحياة سريعة وجريئة لا تُغلب… وتدوس من لا يستطيع اللحاق بها وتؤدبه".

وحلّقت معها في تفاصيل بغداد، وشعرت أنني أمشي في درابينها وشوارعها وعقودها، منبهرةً وممتلئةً وأنا أقرأ وصفها لبغداد ذلك الزمن، وكأن المدينة خرجت من بين صفحات الكتاب لتقف أمامي بكل تفاصيلها وذاكرتها. ولكم أبهرتني هذه الذكريات وألهمتني، حتى إنني حدثت بناتي عنها، فطلبن مني أن أرسلها إليهن ليقرأنها.

لقد جسدت هذه السيدة بطولة فائقة النظير، وهي تتنقل من بلد إلى آخر هربًا من ملاحقة النظام الذي أعدم والدها وغيّب أخاها، حتى إنها اضطرت إلى ترك ابنتها وهي لم تكمل عامها الأول، مهاجرةً ومتسلحةً بإيمان عميق بانتمائها وقيمها ومبادئها.

ومن بين صفحات سيرتها، توقفت عند مجموعة من العبارات التي تبدو كأنها خلاصة عمر وتجربة طويلة:

"إذا قابلت الشر بالشر، فمتى ينتهي الشر؟

الطريق الأسرع إلى الهدف هو الطريق المستقيم.

ما يجعلك سعيدًا في الحياة هو أن تكون مفيدًا للآخرين.

أعظم ما اتكأت عليه في محنتي هو شعوري بالسلام الداخلي.

أسهل شيء في الحياة أن نخطئ.

لكي أفهم الحياة، عليّ أن أتواصل معها.

كل شر ينبعث من الأنا.

أفضل من علّمني الحياة هي التجربة.

أكثر شيء خفت منه هو أن أخاف.

أجمل شيء في الحياة هو المحبة.

أسوأ شيء في الحياة هو الحسد.

أكبر سر في الحياة هو الموت."

ثم تأتي تلك الكلمات التي شعرتُ أنها تختصر وجع امرأة حملت في قلبها وطنًا من الذكريات:

"إن ثمة خفافيش تترصد مهاجع الطيبين، فترد عليه: اصبري… ولكن أي صبر؟! أنا اليوم.. بعد أن توزعت عائلتي المنافي قسرًا لا رغبةً، يؤلمني أن أزمنة المحبة ولّت، وبقيت وحدي، امرأةً يستوطن قلبها الجليد وبعضٌ من ذكريات. أعرف أنها تثير وجعي، فأعذروني أحبتي إن أنا انتميت لمدن اليباب، والتحفت رماد العمر".

ثم تصرخ من أعماق الفقد:

"آخ… يا أبي! أبكيك دومًا، لأن ليس ثمة شاهد يشير إلى قبرك، يُذكّر العابرين من أمامه، وهم يسألون: لمن هذا اللحد؟ ولكن يحف به صمت من لا يتكلمون". عند هذه الكلمات شعرت أن هذه السيرة تقرؤني أنا أيضًا. شعرت أن بيني وبين كاتبتها خيطًا خفيًا من الألم، نلتقي في النفي، والسجون، وفقد الأحبة، وفي ذلك الوجع الذي يبدو كأنه خرج من جذر واحد، ثم تفرع في حياتنا بمسارات متشابهة.

ورغم هذا التشابه في الوجع، فإن هذه السيرة العميقة لم تزدني ألمًا، بل منحتني شعورًا بالقوة. شعرت بقوة الحروف، وبصمود بطلتها الأستاذة نصيرة، وبصبرها وجلادتها أمام محن الزمان.

لقد أخذت نصيبها من الألم والحزن والهجرة، واختبرت سنوات من السجون المتوالية التي طالت والدها، ذلك الطبيب المثقف، الطيب والدافئ، كما وصفته. كان رجلًا آمن في زمنه بأفكار وشعارات ومبادئ الحزب اليساري الشيوعي، فانجذب شيئًا فشيئًا بعيدًا عن عالمه وأسرته وعيادته، إلى عالم السجون والزنزانات، حتى انتهى به الأمر إلى الإعدام.

   ولامس قلبي، بل التقى مع قناعتي، ما خلصت إليه الكاتبة بعد رحلة طويلة من الانتماء والملاحقة والسجون، حين أدركت أن كثيرًا من الأحزاب التي رفعت شعارات المعارضة والنضال لم تكن، في نهاية المطاف، معنيةً بالإنسان والشعوب بقدر ما كانت تتطلع إلى السلطة ومكاسبها. وكان هذا الاكتشاف، بعد سنوات طويلة من الإيمان بالمبادئ والانتماء إليها، واحدًا من أكثر دروس تجربتها مرارةً وصدقًا، إذ أدركت أن الشعارات مهما علت، تفقد معناها حين تتحول السلطة إلى غاية، ويصبح الإنسان مجرد وسيلة في طريق الوصول إليها.

وتقول:

"إن الطريق الذي سلكه والدي في حياته السياسية، سواء في العهد الملكي أو في العهود الجمهورية، أدى به لأن يكون زائرًا مزمنًا لسجون تلك الأنظمة، واتضح أن جميع الأحزاب المعارضة تطمح للسلطة ومكاسبها، وليس لخدمة الجماهير. وقد أفسدت هذه الأحزاب بتنافرها الحياة السياسية، ونتج عنها اضطراب اجتماعي تحملت نتائجه الكثير من العوائل العراقية البريئة".

  وفي الصفحة السابعة والتسعين من هذه السيرة التي تمتد على مئة وثمانين صفحة، تستحضر الكاتبة الشاعر والكاتب جبران خليل جبران، فتقول: استلهمت جبران خليل جبران، شاعر المهجر، في وصيته الأخيرة وهو يحتضر.. فيقول: " لا تحملوني الى الجبانة، لأن الزحام يزعج حالتي، والجماجم تسلب سكينةَ رقادي، إحملوني الى السرو، وأحفروا لي قبراً في تلك البقعة، حيث ينبت البنفسج بجوار النرجس، وإغمروني بالتراب الناعم، وألقوا مع كل حفنه من بذور السوسن والياسمين، فتنبت على قبري، ممتصه كل عناصر جسدي، ولتنمو في محفور من الصخور بذور البنفسج، بجوار الشقيق، ناثرةً في الهواء نحيب قلبي ".

وقد توقفت طويلًا عند هذا الاستحضار، فحتى في حديثها عن الموت، كانت الأستاذة نصيرة القيسي تبحث عن صورة أخرى للحياة، عن مكان أكثر رحمة، عن قبر تحيط به الطبيعة، وينبت فيه البنفسج والنرجس والسوسن والياسمين، وكأنها تريد أن يتحول الموت نفسه إلى امتداد للجمال، لا إلى نهاية للوجود.

وأنا أختم قولي، أجدني أعود إلى البداية…

لقد تعرفت إلى السيدة الفاضلة نصيرة القيسي في أحد النوادي الاجتماعية في بغداد، ومنذ الوهلة الأولى شعرت بودّ كبير نحوها، وبشيء ما في شخصيتها العذبة لامس روحي، فحملت لها في قلبي مكانةً خاصة، واحترامًا وتقديرًا كبيرين.

واليوم، بعد أن قرأت سيرتها، أشعر أنني تعرفت إليها من جديد، ليس فقط بوصفها السيدة التي التقيتها في أحد نوادي بغداد، وإنما بوصفها امرأةً حملت تاريخًا من الفجيعة، وعبرت محنًا كثيرة، وظلت رغم كل شيء قادرة على أن تكتب، وتتذكر، وتمنح تجربتها للآخرين.

لقد أدركت من مذكراتها أن الكتابة ليست ترفًا، ولا حقًا شخصيًا فحسب، بل قد تكون فعل نجاة، وشهادة على زمن، وحفظًا للذاكرة، وطريقًا لصناعة أثر يبقى بعد الرحيل. وهذه السيرة، بالنسبة لي، لم تكن مجرد ذكريات من زمن الفجيعة، بل كانت نافذةً رأيت من خلالها وجع الإنسان، وذاكرة الوطن، وقوة المرأة، وقدرة الروح على أن تنهض من تحت ركام الفقد.

خرجت من صفحاتها وأنا أشعر أن الحياة، مهما أثقلتنا، يمكن أن تمنحنا فرصة أخرى، فرصة لأن نعيد كتابة ما تبقى منها، وأن نصنع من الألم معنى، ومن الذكريات نورًا، ومن التجربة طريقًا نحو حياة جديدة.

شكرًا للأستاذة نصيرة القيسي، لأنها لم تكتب مذكراتها لتروي لنا ما حدث لها فحسب، بل تركت لنا فيها جزءًا من روحها، وشهادةً على زمنٍ لا ينبغي أن يُنسى، وإلهامًا لنا كي نصنع، رغم كل ما مررنا به، حياةً جديرة بالحياة.

***

د. حميدة القحطاني

 

قَدْ لاْ نَعثرُ بينَ طيَّاتِ الكتَابِ الذي ننفقُ عليه وقتلاً طويلاً فِي القراءة على ما يروِّي فُضولَنا المعرفيّ فَنُصَابُ بخيبةِ الأملِ، وقدْ تنقلنا عبارةٌ ما أو كلمةٌ ليستْ من المتنِ العلميّ، فتشرعُ لنا نافذةً جميلةً نطلُّ بها على فكرةٍ نستوحيها نحنُ، مما يشكّلُ لنا سلوةً ويحثّنا على قراءة الكتاب حتى نهايته، وهذا نادراً ما يحصل.

كتابُ (اللُّغة والثَّقافة) للكاتبة (كلير كرامش) أستاذة اللُّغات الالمانيَّة بجامعة كاليفورنيا هو من هذا النَّوع. هذا الكتاب الذي ترجمه أحمد الشّيميّ وراجعه عبد الودود العمرانيّ بطبعته الأولى 2010 بقطر من نشر وزارة الثَّقافة والفنون والتُّراث، وهو كتابٌ يتناولُ علاقة اللُّغة بالثَّقافة، ويكادُ أنْ يضمَ الكتابُ أهمَ مسائل علاقة اللُّغة بالثَّقافة والمجتمع ويضم مفاهيم كسياق الحال ومفهوم المعنى والعلامة اللسانيَّة والنَّظريَّة النّسبيَّة اللُّغويَّة للعالم (وورف) وعلاقة اللُّغة بالهويَّة والتَّعدد اللُّغويّ ومباحثَ دلاليَّةً وتداوليَّةً كثيرةً.

الكتابُ يشكّل مقدّمةً تمهيديَّةً مُيسَّرةً يُنصحُ بمطالعتها ــ في ظني المتواضع ــ للقارئ غير المختص بعلوم اللغة أو للمبتدئ الذي يريد أن يَشُقَّ طريقه بالتخصص بحقل العلوم اللسانيَّة. وصحيحٌ أنَّ الكتابَ لا يأتي على جديدٍ مما هو شائعٌ في مضان الدّراسات اللُّغويَّة العربيَّة المعاصرة؛ فهناك ما هو أكثرُ غزارةً في التَّفصيل وعرض كبرى القضايا المتعلقة باللُّغة والثَّقافة بطريقةٍ جدليةٍ لا بطريقةٍ مدرسيةٍ تقريريةٍ كما صنعت الكاتبةُ لأغراض تعليميةٍ، ولكن يُحسبُ للكتابةِ أنَّها سردتْ أمثلةً لغويَّةً متنوعةً في الموازنة بين اللُّغات في كيفية تصنيفها وتسميتها للأشياء ونُظُمِ تمثيلها. لتؤكد ذلك التَّصور اللُّغويّ الذي ما برحتْ تؤكّدُهُ الأدبياتُ الفلسفيَّةُ واللُّغويَّة من أنَّ لكلِ لغةٍ نظاماً بنيوياً يُصنّفُ الأشياءَ ويقسّمها تبعاً لذلك العقل النَّاطق بتلك اللُّغة، فاللُّغة تمارسُ سُلطةً قهريةً على المتحدث بها، فهي تملي عليه الإطارَ التَّصوريّ الذي يتمثَّل الأشياءَ الخارجية من خلاله، فهي ليستْ وسيطاً حيادياً شفَّافاً يعكسُ الأشياءَ بطريقةٍ موضوعيةٍ حياديةٍ كما تعكسُ المرآةُ الصّورةَ المنعكسةَ بها، فالشَّخصان المتحدثان بلغتين مختلفتين لنْ يُفكّرا بطريقةٍ واحدةٍ في الموضوع الواحد، فلكلٍ لُغتُهُ الخصيصة به، فهي تشكّل هويته وطريقة تفكيره. وعلى الرّغم من خلو الكتاب منْ أي تناولٍ جديدٍ فيْ شأنِ اللُّغة والثَّقافة، ولكني أَكْبرتُ الكاتبةَ والكتابَ بسبب مقدمته وتحديداً بسببِ الإهداء الذيْ اشتملتْ عليه مقدمتُهُ، فقد أزجتِ الشّكرَ لكثيرين تُدينُ لهم بالفضل لتختم مقدمة كتابها بسطرين قَائِلةً : ((كما أهدي هذا الكتاب إلى أوّل أحفادي الذي ولد في بيت تتلاقى فيه سبعُ لغاتٍ وسبعُ ثقافاتٍ)).

عبارة مدهشة حقاً ! وللخيال أن يُفسّرَ هذه العبارة بكون الوالدين للحفيد يتحدثان بلغتين مختلفتين، والجد للأب لغته، والجدة للأم لغتها المختلفة، والجدة للأم هي الأخرى لها لغتها الخصيصة بها، وربما الأصهار لهم لغتهم المختلفة، ولمربية الطفل لغتها أيضاً.

وهذا يعني أنَّ قومياتٍ شتى وعروقاً شتى ودماءً وأمشاجاً كثيرة وثقافات متنوعة وطرق تفكير مختلفة تتلاقحُ وتلتقي وتتواءمُ بجو أسريّ حميمٍ.

فإذا كانَ الشَّتاتُ اليهوديّ بعد السّبي البابليّ مسؤولاً عن إنتاج الكثير من أساطير العهد القديم معبراً عن محنتهم وتشرذمهم، فإنَّ واحدةً من تلك الأساطير التي يرويها سفرُ التَّكوين هي أسطورةُ نشأة اللُّغات، فالعقابُ الإلهيّ حَلَّ بأرض (شنعار) التي عُرفتْ فيما بعد بـ (بابل) بعد أن تحدى أهلُها إرادةَ الرَّب ببنائهم لذلك الصَّرح العظيم، فما كان من الرَّب إلا أنْ يُنزلَ العقابَ بهم، فتشتت شملُهم وتفرقوا في البلاد وتبلبلت ألسنتُهم بعد أنْ كانوا يتحدثون لغةً واحدةً. فهذه الأسطورة لم تعدْ حلماً جماعياً في الذَّاكرة الأوربيَّة يُعبّر عن مخاوف مكبوتة، فثمة تحولات فيْ مفهوم الهويَّة، فلم تعدْ الهويَّةُ هويةً دينيةً تخلع صفة المقدس على لسانها وتتوجس من الأغيار، ولم تعدْ الهويةُ هويَّةً قوميَّةً تنتشي بغرور تفوقها العرقيّ وتزدري لسانَ الآخر وثقافته.

على حين في واقعنا العربيّ المعاصر وفي لغتنا العربيَّة الواحدة يمثل التَّنوع اللهجيّ (المناطقيّ) في إطار مفرداتٍ يُبدَلُ بعض أصواتها نقول يمثل التَّنوع اللهجيّ تمايزاً يشكّل مسافةً نفسيةً بين أبناء الوطن الواحد، فكلٌ يبقى عالقاً بتلك الحدود النفسية ولا يبرحُها، فيرسمُ ذلك التنوعُ اللهجيّ الطفيفُ محظوراتٍ أمامَ البوحِ والإفصاح ويضعُ كوابحَ أمام النّقاش، فتشكلُ لهجةُ الآخرِ سياجَ تحفظه إذا كان يلتزمُ سمتُ الذَّوق والأدب في الحوار، أو تغري نزقه وطيشه في إغاضة الآخر إذا تخلى عن مبدأ الأدب في الحوار. لابل اتَّخذ ذلك التَّنوع مساراً تأويليّاً عند الجماعات الإرهابيَّة في تحديد هويَّة النَّاطق ومرجعيته الدينيَّة والمناطقيَّة حين كان القتلُ على الهويَّة مشرعاً فِيْ كثيرٍ من البلدان العربيَّة فيْ أحداث العنف والحروب الأهليَّة مما يُؤسفُ لَهُ.

إنَّ مجتمعاً كمجتمع مؤلفة كتاب(اللُّغة والثَّقافة) يتقن فَنَّ التَّعايش وقبولَ الآخرِ لن يبقي أمامنا معضلةً في تفسير سرّ تفوقهم في حقل (الانثروبولوجيا) والمعارف اللغويَّة والثَّقافيَّة التي تنصهر في الحقل الذي استوردناه منهم واسميناهُ بـ (اللسانيَّات الاجتماعيَّة) وتخلفنا نحنُ حتى فيْ مجالِ الدّراسَاتِ اللُّغويَّة، فبتنا مستهلكيْنَ آخذيْنَ لا منتجِيْنَ فَاعَلِيْنَ.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

 

"العبودية هي عبودية ولا يمكن تجميلها".. العالم السوداني يوسف فضل حسن

تُعرّف المنظمة الدولية لمكافحة العبودية أشكال العبودية الحديثة أو الاستغلال المفرط بأنها الاتجار بالبشر، والعمل القسري، وعبودية الفرق الدينية، وعبودية الأطفال، والزواج القسري، وخاصة زواج الأطفال، والعبودية الجنسية، والعبودية الوراثية، والعبودية المنزلية، أو العبودية في المزارع والحقول وأيضا في المعامل. كما أن نظام الكفالة، الذي يقوم بموجبه أصحاب العمل  ومكاتب العمل حجز تأشيرات العمال المهاجرين وجوازاتهم، غالبًا ما يؤدي هذا إلى شكل من أشكال العبودية أيضا.

لكن ماذا عن العبودية في عالمنا الإسلامي؟

بعد النجاح الذي حققه كتابه الموسوم "بغداد: مدينة السلام، مدينة الدماء" (2014) الحائز على جائزة أونداتجي من الجمعية الملكية للأدب (RSL) عام 2015، وكتاب "الامبراطوريات الإسلامية: 15 مدينة تعرّف الحضارة" (2020)، صدر للمؤرخ، والصحفي الإنجليزي، جاستين ماروتسي، عام 2025، كتاب جديد، بعنوان "الأسرى والصحابة: تاريخ العبودية وتجارة الرقيق في العالم الإسلامي"، عن دار النشر أومنيبوك، يقع الكتاب في 624 صفحة. لقد اطلعت على ترجمته الحديثة إلى اللغة الهولندية من قبل بريندا مودا ومارتن فان دير فِرف تحت عنوان "عبد".

في هذا الكتاب، يستكشف ماروتسي الرق في العالم الإسلامي. بدءاً من العمل الزراعي والمنزلي وصولاً إلى نظام السرائر، وحراسة الأماكن المقدسة، والقيادة السياسية، والقيادة العسكرية وثورة الزنج وغيرها.

حث الإسلام على عتق الرقبة

تناول ماروتسي في الفصل الأول المعنون (ص44 - 62)؛ "أربعة عبيد: بداية الإسلام" ؛ لقد كانوا عبيدا وأصبحت لهم مكانة رفيعة آنذاك؛ بالأخص بلال وزيد بن حارثة. وتابع بأن المسلمين لم يخترعوا العبودية في الشرق الأوسط، تمامًا كما لم تكن العبودية عبر المحيط الأطلسي اختراعًا مسيحيًا. فمن الخطأ تسميتها بتجارة الرقيق الإسلامية. لقد كان العرب المسلمون محاطين بمجتمعات عبودية عريقة - البيزنطية والفارسية، ورثوا تقاليدهم الخاصة بالرق من أسلافهم العرب الوثنيين، وقاموا بتكييفها مع السياق الإسلامي (ص 40).

وذكر أن أبلغ مثال على تحرر المستعبَد؛ عنتر بن شداد (525 - 608 م)، الذي توفي قبل فترة انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية. لقد استطاع أن يرتقي من (عبدٍ عربي أفريقي إلى فارسٍ نبيل، وشاعرٍ رومانسيٍّ مُفعمٍ بالحيوية، ومحاربٍ شرس، ومثالٍ يُحتذى به في الرجولة.

تُقدّم قصة عنتر مدخلًا إلى كلٍّ من الأحكام المسبقة العربية التقليدية ضد الأفارقة ذوي البشرة الداكنة، وضد ذوي الأصول العربية الأفريقية، وإلى القوة التي تحدّى بها عنترة هذه الأحكام برفضها، غالبًا في أبيات شعرية. كما أن إحدى قصائده الملحمية حظيت بشرفٍ عظيمٍ بإدراجها في المعلقات، وهي "القصائد المعلقة" السبع التي يُقال أنها عُلقت في الكعبة بمكة، قلب الإسلام.

يقول ماروتسي، بأن العبودية لم تقتصر على الولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل على العكس، كانت ظاهرة شبه عالمية. فقد وُجدت العبودية في الصين خلال عهد أسرة شانغ (القرنين السادس عشر والحادي عشر قبل الميلاد)، وفي مصر القديمة، والهند، وأفريقيا، وأوروبا، والأمريكيتين. كانت واقعًا يوميًا في العديد من المجتمعات؛ وكانت الناس تُستعبد في كل من روما القديمة واليونان القديمة. كما انخرط الفايكنج الإسكندنافيون في تجارة الرقيق على نطاق واسع، لدرجة أن الاختطاف والبيع والعمل القسري كانت سمات بارزة في ثقافتهم. ولنأخذ مثالًا من فترة لاحقة؛ ففي عام 1841م، قدّرت الإدارة الاستعمارية البريطانية عدد العبيد في الهند بما يتراوح بين ثمانية وتسعة ملايين (ص 34).

لم تكن العبودية في العالم الإسلامي ظاهرة ثابتة، بل كانت مؤسسة اجتماعية ديناميكية، تتغير بمرور الزمن وقد تتخذ أشكالًا مختلفة تمامًا في فترات مختلفة. حدثت هذه التغيرات نتيجة لتغير الظروف، مثل التنمية الاقتصادية، وتغير الاحتياجات داخل الأسرة والجيش والزراعة، والظروف الدولية وغيرها. كما أن تجارة الرقيق لم تكن قضية دينية بقدر ما كانت تجارية (ص36).

فخلال الخمسة عشر قرنا هذه، سادت العبودية وتجارة الرقيق بأشكال مختلفة داخل المجتمعات الإسلامية. كما اضطرت أفريقيا لتلبية معظم الطلب على العمل القسري، حيث تم أخذ ملايين الناس إلى الأسر سيرا على الأقدام عبر الصحراء الكبرى. وعلى عكس تجارة الرقيق عبر الأطلسي، حيث انتهى المطاف بمعظم الرقيق في مزارع أمريكية، كان الرقيق في العالم الإسلامي يؤدون أدوارا مختلفة.

ويضيف، لا يمكن لأي شخص يرغب في الكتابة عن العبودية في هذا العالم أن يتجاهل القرآن. ففيه تُناقش العبودية في مواضع عديدة. وهذا ليس بالأمر المستغرب، إذ نشأ الدين في بيئة كانت العبودية منتشرة فيها. لكن النص القرآني يحث أيضًا المسلم الملتزم على السعي لتحرير عبيده. وهناك أيضًا باحثون يجادلون بأن التراث الإسلامي لم يُحرّم الرق أو لم يُشرّعه قط (ص94).

العبودية في الدول الأفريقية الإسلامية

على مدى عقود، زوّدت تجارة الرقيق القارات، وإن كان ذلك على نطاق أضيق بكثير، بنقل الرجال والنساء والأطفال المستعبَدين إلى مختلف المناطق "المتحضرة"، من الهند والأمريكيتين. وبين عامي 1076 و1600م، قُدّر أن ثلث سكان ما يُعرف اليوم بغانا الإسلامية كانوا مستعبَدين، ويُفترض أن النسبة نفسها تقريبًا كانت في الفترة ما بين 1300 و1900م في منطقة السنغال وغامبيا (السنغال وغامبيا وغينيا بيساو حاليًا، مع أجزاء من موريتانيا وغينيا ومالي). أما بين عامي 1750 و1900م، فإن نسبة الرقيق تراوحت بين ثلث وثلثي سكان ولايات الفولاني الجهادية في غرب ووسط السودان (ص37).

والجدير بالذكر، أن نظام الرق كان موجودا في السودان قبل وصول العثمانيين بزمن طويل، بل وقبل ظهور الإسلام بألف عام. يعود أحد أقدم الإشارات إلى الرقيق، إلى القرن الخامس قبل الميلاد، حيث يصف هيرودوت غزو الملك الفارسي قمبيز لمصر عام 552 قبل الميلاد، مشيرًا إلى أن الجزية التي كانت تُدفع كل سنتين لمملكة كوش (التي كانت تضم تقريبًا شمال السودان وجنوب مصر) كانت تشمل، من بين أمور أخرى، خمسة عبيد إثيوبيين صغار. وفي عام 652م، أبرم الفاتحون المسلمون أول معاهدة سلام لهم في المنطقة. ووفقًا للمؤرخ المصري تقي الدين المقريزي (1364-1442م)، فرض العرب جزية سنوية قدرها 360 عبدًا على مملكة النوبة المسيحية بموجب معاهدة البقط (651م) . لقد تم أسر آلاف الصبية والنساء والرجال من شرق أفريقيا، ثم أرسلوا كرقيق إلى الشمال، ولا سيما القاهرة وإسطنبول وشبه الجزيرة العربية. وفي عام 1877م، عندما أفادت التقارير بوجود أكثر من ستة آلاف تاجر رقيق نشطين في المنطقة، قدّرت الحكومة البريطانية، في تقرير للسلطات المصرية، أن حوالي ثلاثين ألفًا من الرقيق ينقلون، سنويا، من شرق أفريقيا، إلى شبه الجزيرة العربية وحدها (ص362).

الدولة العثمانية وحكم العبيد

استمرت العبودية في العالم الإسلامي طوال القرن التاسع عشر، وكانت شبه منتشرة في كل مكان تقريبًا، من ساحل المحيط الأطلسي وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل وأجزاء كبيرة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى بلاد الشام والأناضول وإيران، ومن شبه الجزيرة العربية إلى إندونيسيا وماليزيا وجنوب الفلبين إلى شبه القارة الهندية. ظلت العبودية جزءًا من الحياة اليومية، حيث لم يطرأ عليها تغيير يُذكر، ولم تحظَ، منذ عهد الإمبراطورية العثمانية، باهتمام يُذكر، إلا عندما بلغ الطلب على العمالة المنتجة ذروته. كان فترة مضطربة، تزامنت فيها ذروة الرق مع ذروة حركة مناهضة له (ص362).

يبدو أن تجارة الرقيق في العالم الإسلامي لا تزال أقل بحثًا من تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي ونظام الرق في المزارع الأمريكية. حتى في مطلع القرن الحادي والعشرين، كان بإمكان إيهود توليدانو، الخبير في شؤون الرق في الإمبراطورية العثمانية، أن يؤكد أن البحث الأكاديمي، حول تاريخ الرق في المجتمع العثماني والعالم الإسلامي عمومًا، يتسم بـ"نسيان جماعي". وفي ذلك الوقت تقريبًا، لاحظ المؤرخ التركي يوسف هاكان إردم "نسيانًا جماعيًا" شبه تام فيما يتعلق بالرق في الدولة العثمانية. وقبل ذلك بقليل، اعتقد المؤرخ الأنجلو-أمريكي الراحل برنارد لويس بأن تركيز المؤرخ الشاب على الرق في الدول الإسلامية يُعد "مخاطرة مهنية"؛ إذ كان يُنظر إلى هذا النوع من البحث غالبًا على أنه "علامة على سوء النية". وقد لاحظ أن قائمة المراجع حول الرق في اليونان القديمة أو روما أو الأمريكيتين قد تصل بسهولة إلى آلاف الصفحات، بينما تكفي صفحة واحدة لدراسة الرق في قلب العالم الإسلام (ص39).

المطالبة بإلغاء العبودية

هناك شكل آخر من العبودية شبه غير مرئية. إنه نظام الكفالة، المُطبق في العديد من دول الشرق الأوسط، حيث تُلزم العمالة الوافدة بوجود كفيل من الدولة المضيفة. وقد طُرح هذا النظام في سياق اكتشاف النفط وما تلاه من تنمية في المنطقة. ويجعل هذا النظام العامل الوافد مُعتمدًا على الكفيل، هذا ما ذكرته أسماء أزهري في دراستها، بين عامي 2016 - 2017، المنشورة في مجلة SOAS لأبحاث الدراسات العليا، بعنوان "نظام الكفالة في المملكة العربية السعودية: تحليل نقدي من منظور حقوق الإنسان الدولية والقانون الإسلامي" (ص38).

ومن المهم أيضا أن نذكر أن جيلا جديدا من المؤرخين من المغرب وتونس والجزائر، وخاصة من تركيا، أحرزوا تقدماً كبيراً في هذا الاتجاه. كما انخرط هؤلاء المؤرخون في النقاش الدائر حول الرق وتجارة الرقيق وإلغائه، على الرغم من أن جزءاً كبيراً من العالم العربي لا يزال يتجاهل الأمر. وفي الغرب أيضاً، لم يعد هذا الموضوع خافيا تماماً، كما ادعى موراي غوردون في كتابه "الرق في العالم العربي (1987)"(ص39). ومع ذلك، يبقى هذا الجزء المحوري من تاريخ الرق مهملاً مقارنةً بتاريخ الرق في أمريكا وأماكن أخرى من العالم.

لقد تراجعت العبودية المؤسسية بشكل حاد على مر القرون الماضية، لكنها لم تختفِ تمامًا. ومن بين آخر الدول التي ألغت العبودية رسميًا، إيران (1928م) واليمن (1962م) والمملكة العربية السعودية (1962م)، وتركيا (1964م) وعُمان (1970م) وموريتانيا (1981م). لكن العبودية لا تزال موجودة.

في عهد أحمد باي الذي حكم من 1837 إلى 1855م، اتخذت تونس الخطوات الأولى نحو إلغاء الرق. كما أنها حظرت تجارة الرقيق في عام 1842م. وفي عام 1846م، حُظر الرق نفسه. وبهذا، سبقت تونس فرنسا بعامين، والولايات المتحدة بتسعة عشر عامًا. كما أن الأمور كانت تسير في الاتجاه الصحيح أيضًا في مصر.

أما ملك المغرب مولاي عبد الرحمن، حامل لواء السلالة العلوية الملكية، والتي تحكم المغرب منذ عام 1631 إلى يومنا هذا، فكان له رأي آخر:

"أما بالنسبة لتجارة الرقيق، فهي مُجازة في كتابنا [القرآن]، وكذلك في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فضلاً عن أنه لا خلاف بين العلماء في هذا الشأن، ولا يجوز لأحد أن يُجيز ما هو مُحرَّم أو يُحرِّم ما هو مشروع" (ص  410).

لقد بقي المغرب صعب المراس إلى جانب جارته موريتانيا، التي تُعدّ حالةً شاذةً في العالم الإسلامي حيث لا يزال نظام الرق العنصري الموروث قائماً حتى يومنا هذا. لكن عندما تولى الملك محمد السادس العرش عام 1999م، ألغى العبودية أو بالأحرى عتق العبيد الذين يخدمون في القصور الملكية.

ومن الجدير بالذكر إلقاء الضوء على موقف بعض العلماء البارزين؛ مثل الفقيه والباحث جعفر بن محمد الصادق (توفي عام 765م)، وحمدان قرمط، مؤسس الحركة القرمطية الإسماعيلية في العراق في القرن التاسع الميلادي، والحاكم بن عبد العزيز آل سعود، والمصلح التونسي محمد بيرم خميس (توفي عام 1889م)، والمؤرخ المغربي أحمد الناصري (توفي عام 1897م)، والفيلسوف والمصلح الهندي السير سيد أحمد خان (توفي عام 1898م)، ومحمد عبده، مفتي مصر (توفي عام 1905م)، والإسلامي المُناهض للغرب رشيد رضا (توفي عام 1935م). فهؤلاء جميعهم، قدّموا حججاً أخلاقية لموقفهم المؤيد لإلغاء الرق، مستندين في كثير من الأحيان إلى القرآن. كما أن بعض المؤلفين المسلمين، ومن بينهم الفقيه والمؤرخ الهندي سيد أمير علي (توفي عام 1928م) والكاتب والسياسي المصري أحمد شفيق (توفي عام 1940م)، مؤلف كتاب "العبودية من وجهة نظر مسلم"، طرحوا فكرة أن المسلمين الأوائل كانوا ينوون دائمًا إلغاء الرق، لكن انتشاره كان متجذرًا بعمق في المجتمع العربي في القرن السابع الميلادي لدرجة أنه كان سيحكم عليه بالفشل منذ البداية. وتتشابه هذه الحجة، القائمة على رسالة النبي في نشر الدين، مع إجابات دعاة إلغاء الرق البريطانيين والأمريكيين على سؤال: لماذا لم يُدن يسوع المسيح الرق أو يحرِّمه (ص94)؟

أصوات متطرفة محافظة

إن العبودية لا تزال تحظى بدعم أيديولوجي من بعض الجماعات الصغيرة ذات النفوذ التي تعتقد أنها جائزة في الإسلام. ففي عام 2003، كشف الكاتب السعودي علي الأحمد أن رجل الدين السعودي الشيخ صالح الفوزان دافع بشدة وبلا تحفظ عن هذه المؤسسة في محاضرة مسجلة سرًا. صرّح الشيخ: "العبودية جزء من الإسلام. العبودية جزء من الجهاد، وسيستمر الجهاد ما دام الإسلام موجودًا". ورفض الادعاءات بأن الإسلام قد سعى بالفعل إلى إلغائها. "إنهم جهلة، ليسوا علماء، بل كتّاب. كل من يقول مثل هذا الكلام كافر" (ص435).

لا أحد يدّعي أن الآراء المؤيدة للرق منتشرة على نطاق واسع أو سائدة في العالم الإسلامي. فعندما تظهر، تكون دائمًا في أقصى درجات التطرف أو المحافظة، في محاضرات أو خطب يلقيها رجال دين، سواء كانت مسجلة أو تُبث علنًا في المساجد أو عبر الإنترنت.

وبعيدًا عن عدسات الكاميرات الدولية، تستمر العبودية بلا هوادة في العديد من الدول ذات الأغلبية المسلمة، مثل مالي وموريتانيا. ففي هذه الأخيرة، جرِّمت فيها العبودية لأول مرة عام 2008، ثم مرة أخرى عام 2015، وكان ذلك بمثابة تنازلٍ ضمنيٍّ ومترددٍ من حكومةٍ لطالما أنكرت وجود العبودية، واستمرت في ممارستها عمليًا دون عقاب. مع هذا يواصل النشطاء والمدافعون المحليون الشجعان جهودهم الدؤوبة، ويخوضون معركة شرسة، بدعم من منظمات حقوق الإنسان الدولية ومنظمات مكافحة العبودية.

الغيرية في العالم الإسلامي

لقد خصّص ماروتسي فصلًا للّغة القوية التي عبّر بها الشعراء والمفكرون المسلمون عن أفكارهم حول السود. كما استشهد ببعض الكتاب العرب المرموقين الذين تناولوا الرق. فاعتمد كتابات وتأويلات المؤرخ الأنجلو-أمريكي الراحل برنارد لويس في قول الكاتب والعالم الجاحظ (776-868 م) أن: "الزنوج هم غربان بين البشر، فهم أدنى الناس وأحطهم خلقًا وطبعًا" (ص 364). لكننا نعلم، بحسب رأيي، أن هذه العبارة بالرغم من تداولها، لم ترد بهذا الشكل في كتابات الجاحظ. وبعد خمسة قرون، تناول ابن خلدون (1332-1406م)، عميد العلماء العرب وأحد أعظم فلاسفة العصور الوسطى نفس الثيمة. ذكر ماروتسي بأن الأمم الأفريقية، مستشهدا بابن خلدون، "عادةً ما تخضع للعبودية بسهولة لأن [السود] يفتقرون إلى الصفات الإنسانية الأساسية، ويمتلكون صفات تشبه صفات الحيوانات البليدة" (ص 89). لكنني اكتشفت أن لابن خلدون رايا أخر حول "أثر الهواء في أخلاق البشر"؛ فبحسبه: "قد رأينا من خُلق السودان على عموم الخفة والطيش وكثرة الطرب ...موصوفين بالحمق في كل قطر". ولفهم خفة دم السودان وطيشهم، "نقل المسعودي عن جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكندي بأن ذلك لضعف أدمغتهم..."، أما ابن خلدون فيرى "أن هذا الكلام لا مُحصّل (قيمة) له، ولا برهان فيه" (مقدمة ابن خلدون، ص83-84).

ففي منتصف القرن العاشر، نقرأ في كتابات ابن المقفع القبطي (915- 987م)، أسقف مدينة الأشمونين، عن مسلمين ينهبون ويتاجرون بالرقيق، ويبيعون أسراهم في الأسواق المصرية. كما نجد هذا الاتهام أيضًا عند ناصر خُسرو (1004-1088م)، الرحالة والشاعر والفيلسوف الفارسي، الذي كتب أن الأطفال كانوا يُختطفون من منطقة البجا، التي امتدت من جنوب شرق مصر وشرق السودان إلى شمال غرب إريتريا، ويُباعون في مدن وأسواق العالم الإسلامي. وكان المسلمون أيضًا من بين تجار الرقيق. أما الدول الإسلامية التي تأسست على طول النيل الأوسط وبجوار الدول السودانية منذ القرن السادس عشر، فقد استولت على السلطة من أسلافها الوثنيين والمسيحيين، ونظمت غارات على الرقيق عبر الحدود (ص363).

بالنسبة للناطقين بالعربية في وادي النيل، كانت كلمتا "نوبي" و"سوداني"، وكلاهما يعني "أسود"، مرادفتين لكلمة "عبد". كما كانت بلاد السودان، التي تعني حرفيًا "أرض السود"، تُطلق على المنطقة بأكملها جنوب الصحراء الكبرى (وقد استمدت دولة السودان الحديثة اسمها منها). ومن المفارقات المؤلمة ذات العواقب الوخيمة أن العرب السودانيين في شمال هذه "الأرض السوداء" لا يعتبرون أنفسهم سودًا. فهم يُطلقون هذا الوصف المُهين على مواطنيهم ذوي البشرة الداكنة (من جنوب السودان)، وكذلك على الأفارقة من مناطق أبعد، الذين استعبدوهم لقرون (ص364).

شكّل طريق التجارة العريق بين مصر والسودان شريانًا لنظام الرق، حيث كانت مصر وجهة للرقيق، والسودان مصدرهم. عُرف هذا الطريق لدى العرب باسم "درب الأربعين" أي طريق الأربعين يوما. وكان أقصى طريق تجاري رئيسي شرقًا عبر الصحراء الكبرى، بطول 1800 كيلومتر، من كوبي في دارفور إلى أسيوط في صعيد مصر. كان "الطريق" يمر عبر سلسلة من الواحات، لذا لم يكن المسافرون يبعدون عن الماء أكثر من يومين أو ثلاثة. ومثل العبودية نفسها، كان درب الأربعين موجودًا قبل العرب المسلمين بزمن طويل.  فقد استخدمه الفراعنة المصريون، ومهندسو المعابد الفرس، والغزاة المقدونيون، والرومان بُناة الحصون، ولاحقًا استخدمه التجار العثمانيون أيضًا. كان طريقًا للقوافل؛ الجِمال المحملة بأحمال ثقيلة تسير جنبًا إلى جنب مع صفوف من الرقيق، الأفارقة المقيدين بالسلاسل في الغالب، بالإضافة إلى بعض الحيوانات الغريبة "النادرة" المتجهة إلى بلاط الملك. كانوا يتبعون الطريق إلى مصر ويعودون جنوبًا محملين بالمنسوجات والمعادن والماء (ص363).

تتجلى الغيرية في المغرب، حسب المؤرخ شوقي الهامل، في أن المغاربة ذوي البشرة الفاتحة كانوا يحملون تحيزات عنصرية ضد مواطنيهم ذوي البشرة الداكنة وضد الأفارقة عمومًا. ووفقًا لكثيرين، ما زالوا يحملونها. ويضيف: "لقد تم تهميش السود في المغرب لقرون". ويقول في كتابه الموسوم Black” Morocco" (2014): "وُصِفوا، من بين أمور أخرى، بالعبيد، والحرّاتين (السود المُحرَّرين)، والسودانيين (الأفارقة السود)، والكَنَاوة (الأفارقة السود من غرب أفريقيا)، والصحراويين (من منطقة الصحراء الكبرى)". ويتحدث الهامل عن "ثقافة الصمت" في المغرب، ورَفْض الخوض في نقاش حول العبودية، والمواقف العنصرية، وقضايا النوع الاجتماعي. ويفسر البروفيسور السوداني عبدو البدوي هذه الغيرية بولع العرب بكل ما هو أبيض واحتقارهم للون الأسود (ص89).

العبودية المعاصرة

ففي الفصل الثالث العشر والأخير المعنون "العبودية المعاصرة" (ص 423-441). تطرق الكاتب إلى مؤشر العبودية العالمي لعام 2023، الذي يدّعي تقديم الصورة الأكثر شمولاً؛ يلاحظ أن العمل القسري يحدث بشكل متكرر في الدول العربية؛ (4.8) لكل 1000 نسمة. وتأتي منطقة آسيا والمحيط الهادئ في المرتبة الثانية (3.3)، وأفريقيا في المرتبة الثالثة (2.4). وفيما يتعلق بالعبودية المعاصرة، يُشير التقرير إلى أن العمل القسري يحدث بشكل أكثر تكرارًا في الدول العربية، وفقًا للمعايير نفسها، متقدمةً على أوروبا وآسيا الوسطى (4.4)، ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأمريكا الشمالية والجنوبية (3.5) لكل منهما) بنسبة (5.3) لكل 1000 نسمة. وإذا جمعنا هاتين الفئتين، نجد أن الدول العربية تضم أعلى نسبة من السكان الذين يعيشون في ظل العبودية المعاصرة؛ 10.1  لكل 1000 نسمة، وهي نسبة أعلى بكثير من آسيا والمحيط الهادئ (6.8)، وأوروبا وآسيا الوسطى 6.6، وأفريقيا  (5.2)، والأمريكيتين (5.0).

وبحسب التقرير نفسه، قُدّر عدد ضحايا العبودية الحديثة في العالم العربي بنحو 1.7 مليون شخص عام 2023. ومن هذا العدد، تُشكّل السعودية (740 ألفًا)، والعراق (221 ألفًا)، واليمن (180 ألفًا)، وسوريا (153 ألفًا)، والإمارات العربية المتحدة (132 ألفًا). وتجدر الإشارة إلى أن العبودية الحديثة مشكلة دولية منتشرة في العديد من الدول، بما فيها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ويُشير مؤشر العبودية العالمي إلى وجود 1.1 مليون شخص في الولايات المتحدة و122 ألفًا في المملكة المتحدة. أما في هولندا، فيُقدّر عدد الأشخاص الذين يعيشون في عبودية حديثة بنحو عشرة آلاف شخص.

ولا ننسى طبعا، ما تعرضت له اليزيديات في عامي 2014 و2015، من قبل منظمة داعش الإرهابية التي كانت ترحل النساء، وخاصة من الأقلية الدينية اليزيدية، على نطاق واسع وتخضعهن للزواج القسري وبيعهن كسبايا للجنس في الأراضي المحتلة في العراق وسوريا؛ مستندة على آيات قرآنية. وقد فعلت جماعة بوكو حرام الإرهابية، المتمركزة في شمال نيجيريا، الشيء نفسه عندما استعبدت 276 فتاة، أغلبهن مسيحيات، عام 2014، وتعرض العديد منهن للاغتصاب لاحقًا (ص438).

أهمية التوثيق لخدمة المعرفة

ففي الكتاب المذكور أعلاه، الموجه بالأخص للقارئ العام في الغرب، يسعى ماروتسي لشرح تجارة الرقيق أكثر بكثير مما يعرف من خلال الكتب والأفلام؛ ففي تركيا وأفريقيا والشرق الأوسط بشكل خاص، كانت أشكال مختلفة من العبودية جزءا مقبولا من الحياة منذ العصور القديمة (ما قبل الإسلام)، حتى عام 1981، عندما أصبحت موريتانيا آخر دولة تحظر ليس فقط تجارة الرقيق، بل أيضا مؤسسة العبودية.

يُقدّم الكتاب توليفة رائعة بين التاريخ وروايات معاصرة مباشرة عن هذا الإرث في القرن الحادي والعشرين، بما في ذلك نهب داعش واستمرار العبودية المتوارثة في مالي وموريتانيا والأحداث الأخيرة في السودان. كما يُبيّن الكاتب كيف عانت أفريقيا من الطلب على عمالة الرقيق في القرن التاسع عشر. فقد جابت، آنذاك، تجارة الرقيق سواحل أفريقيا، ونهب التجار المناطق الداخلية بحثًا عن البشر كبضائع.

وليقدم سردا قابلا للقراءة، واضحا، مفيدا ومثيرا للاهتمام، استخدم الكاتب، لإثراء النص، توثيقا محكما من خلال مجموعة من المصادر، على شكل أرشيفات وتواريخ وسير ذاتية وأشعار ومذكرات رحلات ورسائل وخرائط وصور فوتوغرافية. وتتخلل هذه السجلات المكتوبة مقابلات مع انطباعات حية وشخصية عن أشخاص وأماكن. يسلط الضوء على أصوات المستعبَدين أنفسهم، وتجاربِهم وذكرياتِهم من منظورهم الشخصي.

إن ماروتسي، المتحدث بطلاقة للعربية، والمرشح، أيضا، لجائزة بيلي جيفورد للكتابة غير الروائية لعام 2025، قضى جزءا كبيرا من مسيرته المهنية كصحفي ومؤلف، في الدول العربية والإسلامية، يحاول فهم الشرق الأوسط من خلال عدسة تاريخية. ويعود عمله جزئيًا إلى فهمه العميق وحبه للشعوب والأماكن التي يكتب عنها.

***

نجاة تميم

«الحضارة السريانية حضارة عالمية: دور السريان في النهضة العربية الأولى» للباحث اللبناني موسى مخّول

يُعدّ كتاب «الحضارة السريانية حضارة عالمية: دور السريان في النهضة العربية الأولى» للباحث موسى مخّول من المحاولات الجادة لإعادة قراءة تاريخ النهضة الفكرية في المشرق، من خلال إبراز الدور المحوري الذي لعبه السريان في نقل المعرفة وبناء الجسر الحضاري بين العالم اليوناني والحضارة العربية الإسلامية.

ينطلق هذا الكتاب من أطروحة مركزية واضحة مفادها أن السريان لم يكونوا مجرد وسطاء تقنيين في عملية الترجمة، بل كانوا فاعلين ثقافيين أساسيين وشاركوا بفعالية وإبداع في حفظ التراث القديم، وتأويله، وإعادة إنتاجه داخل سياقات ثقافية جديدة.

يستعرض المؤلف في البداية نشأة الحضارة السريانية بكونها امتداداً للثقافة الآرامية، ويُبرز انتشار اللغة السريانية كلغة ثقافة وعلم في الشرق الأدنى لعدة قرون. يوؤكد بأن هذه اللغة لم تكن مجرد أداة دينية، لكنها تحولت إلى لغة معرفية استوعبت الفلسفة اليونانية والعلوم الطبيعية، وأسهمت في تشكيل بيئة فكرية خصبة. ومن هنا يبيّن الكتاب أن فهم دور اللغة السريانية هو مفتاح لفهم حركة انتقال المعرفة عبر العصور.

ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى تحليل دور المدارس السريانية، مثل الرها ونصيبين وجنديسابور، يعتبرهما مؤسسات علمية لعبت دوراً حاسماً في إعداد النخب المثقفة. في هذه المدارس، تشكّل العلماء الذين أتقنوا اليونانية والسريانية، ثم العربية لاحقاً، مما جعلهم مؤهلين للقيام بعملية الترجمة المعقدة. ويُظهر هذا التحليل أن النهضة العباسية لم تنشأ فجأة، بل كانت امتداداً لتراكم معرفي طويل بدأ في هذه المراكز.

يركّز الكتاب بشكل خاص على حركة الترجمة، كظاهرة إبداعية حضارية كبرى، وليست فقط نشاط لغوي كما يصوره البعض. فقد تمت ترجمة النصوص اليونانية أولاً إلى السريانية، ثم إلى العربية، وهو ما يعني أن السريان كانوا حلقة أساسية في هذه السلسلة.

كما أن المؤلف يشير إلى أن الترجمة لم تكن حرفية، وانما إبداعية واضافة ثقافية كونها تضمنت شرحاً وتأويلاً وإعادة صياغة للمفاهيم، وهو ما أسهم في تكييف الفكر اليوناني مع البيئة العربية الإسلامية.

ومن هنا نفهم دور العلماء السريان في بغداد خلال العصر العباسي، خاصة في بيت الحكمة، حيث شاركوا في ترجمة مئات الكتب في الطب والفلسفة والرياضيات. وقد كان لهؤلاء العلماء دور مزدوج: نقل المعرفة وتطويرها. ويؤكد الكتاب أن الطب كان من أبرز المجالات التي تأثر بها الفكر العربي بالسريان، نظراً لخبرتهم الطويلة في هذا المجال.

كما يناقش الكتاب طبيعة العلاقة بين السريان والعرب، مؤكداً أنها لم تكن علاقة صراع، بل علاقة تفاعل وتكامل. فقد شارك المسيحيون السريان في الحياة العلمية في الدولة الإسلامية، وأسهموا في بناء تقاليد معرفية مشتركة.

وهنا يطرح المؤلف فكرة أن الحضارة العربية الإسلامية كانت حضارة متعددة الثقافات، وليست نتاجاً أحادياً.

ومن أهم القضايا التي يعالجها الكتاب أيضاً إشكالية “الحلقة المفقودة” في تاريخ الحضارة، حيث يرى أن كثيراً من الدراسات أغفلت الدور السرياني، وركّزت فقط على اليونان والعرب. لذلك يدعو إلى إعادة كتابة هذا التاريخ بشكل أكثر توازناً، يعترف بجميع الأطراف التي ساهمت في صنعه.

من حيث المنهجية، يعتمد موسى مخّول على منهج تاريخي تحليلي، حاول الجمع بين عرض الوقائع التاريخية وتحليلها ضمن سياقها الحضاري. كما استند إلى عدد كبير من المصادر العربية والغربية، واستفاد من بعض الدراسات الحديثة حول الترجمة وتاريخ العلوم. غير أن منهجه يميل أحياناً إلى الطابع التفسيري حيث سعى إلى إبراز دور السريان بشكل واضح، وربما هذا قد يعطي بعضنا انطباعاً بتركيز خاص على هذا العنصر على حساب عناصر أخرى، وهو أمر مفهوم في إطار هدف الكتاب.

وتقودنا هذه القراءة إلى مجموعة من الاستنتاجات الأساسية:

1 ـ السريان لم يكونوا مجرد مترجمين:

يكشف الكتاب أن اختزال الدور السرياني في الترجمة يظلم تجربتهم؛ فقد سبق النقلَ نشاطٌ طويل في التعليم والشرح والتأليف وحفظ المخطوطات. لذلك كانوا منتجين للمعرفة ووسطاء ثقافيين، ولم يكونوا مجرد قناة عبرت خلالها المؤلفات اليونانية إلى العربية.

2 ـ النهضة العباسية لها جذور أقدم

لا تبدأ قصة النهضة العلمية مع بغداد وبيت الحكمة وحدهما. يعيد الكتاب جذورها إلى قرون من النشاط العلمي في المشرق، وإلى مدارس ومراكز سريانية كوّنت تقاليد في الطب والفلسفة والمنطق واللغات، استفادت منها المرحلة العربية الإسلامية اللاحقة.

3 ـ اللغة السريانية كانت لغة معرفة

من أهم ما يصححه الكتاب الصورة التي تحصر السريانية في الكنيسة والطقوس. فقد كانت لغة أدب وفكر وتعليم وترجمة وعلوم، واستطاعت استيعاب مصطلحات فلسفية وطبية معقدة، وأصبحت إحدى اللغات الأساسية التي حملت المعرفة في المشرق لقرون.

4 ـ الترجمة عملية إبداع وليست نسخاً

تظهر حركة الترجمة في الكتاب بكونها فعلاً معرفياً مركباً. فالمترجم يحتاج إلى فهم النص والمصطلح والسياق، وقد يشرح ويقارن ويعيد بناء المفهوم في لغة أخرى. ومن هنا شاركت الترجمة السريانية في صناعة المعرفة وساهمت في نهضة عدة حضارات.

5 ـ الحضارة العربية الإسلامية نتاج تفاعل

يقودنا هذا الكتاب إلى تجاوز فكرة الحضارة المنغلقة على هوية واحدة. فالنهضة العربية الإسلامية استفادت من عرب وسريان وفرس ويونان وغيرهم. وأصبحت بغداد، وفق هذه الرؤية، نقطة التقاء لتقاليد معرفية متعددة أكثر من كونها بداية منفصلة عن تاريخ المشرق السابق.

6 ـ المدارس أهم من الأفراد وحدهم

رغم حضور أسماء العلماء والمترجمين، يلفت الكتاب الانتباه إلى البنية التي أنتجتهم: المدارس والأديرة والمكتبات ومراكز النسخ والتعليم. وهذا مهم لأن النهضة العلمية لا يصنعها العباقرة منفردين، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحفظ المعرفة وتنقلها بين الأجيال.

7 ـ الطب نموذج واضح للتبادل الحضاري

يقدم الطب مثالاً قوياً على عمق الحضور السرياني؛ فالأطباء لم ينقلوا مؤلفات أبقراط وجالينوس فحسب، وإنما مارسوا الطب ودرّسوه وخدم بعضهم في بلاطات الخلفاء. وهكذا انتقلت الخبرة العملية بالتوازي مع انتقال الكتاب والمصطلح والنظرية الطبية.

8 ـ الدين لم يمنع الشراكة المعرفية

تكشف التجربة التي يعرضها الكتاب أن الاختلاف الديني لم يمنع التعاون العلمي. فقد عمل علماء مسيحيون سريان داخل فضاء سياسي وثقافي إسلامي، وتعامل معهم الخلفاء والعلماء بوصفهم أصحاب معرفة. ويذكرنا هذا بصفحة تاريخية مهمة لفهم إمكان التعايش والإنتاج الثقافي المشترك.

9 ـ تاريخ المعرفة سلسلة طويلة وليست قفزات مفاجئة

من أعمق رسائل الكتاب أن المعرفة لم تنتقل بقفزة مباشرة من أثينا إلى بغداد ثم أوروبا. بين هذه المراحل حلقات ولغات ومؤسسات ومترجمون وشراح. وإعادة السريان إلى هذه السلسلة تجعل تصورنا لتاريخ العلوم أكثر دقة وأقل خضوعاً للسرديات المبسطة.

10 ـ إعادة الاعتبار للسريان تصحيح لا استبدال

القيمة الحقيقية للكتاب ليست في استبدال مركزية عربية بمركزية سريانية، ولكن في توسيع الصورة. فالتاريخ الثقافي للمشرق نتاج مساهمات متشابكة. وتصبح أهمية السريان أكثر وضوحاً عندما نفهمهم شريكاً مؤثراً داخل شبكة حضارية واسعة، لا حضارة تعمل منفردة.

خاتمة

تكمن أهمية كتاب موسى مخّول في أنه يفتح أمام القارئ باباً واسعاً يتجاوز كثيراً من الكتب الشعبية العربية التي تتناول الآراميين والسريان من خلال سرديات عامة أو هوياتية لا تستند دائماً إلى تحقيق تاريخي كافٍ. والكتاب نفسه ليس نهاية البحث،ويمكن أن نعتبره مدخلاً إلى حقل أكاديمي ضخم؛ فهناك مئات الكتب والدراسات والمقالات المتخصصة في الآرامية واللغة والأدب السريانيين والمخطوطات والمدارس وحركات الترجمة، إلى جانب عشرات الجامعات والمراكز والجمعيات البحثية في الشرق وأوروبا وأميركا التي تعمل في هذه المجالات. المشكلة أن جانباً محدوداً جداً من هذا الإنتاج يصل مترجماً إلى القارئ العربي أو يحظى بعرض نقدي منتظم. وفي المقابل، تتسع اليوم مساحة البرامج والقنوات والبودكاست التي تقدم الادعاء التاريخي كمعرفة ثقافية ولغوية وحضارية، لكن أغلبها بلا مصادر واضحة. لذلك تظل قيمة هذا الكتاب في أنه يدفع القارئ من الجدل الشعبي حول الهوية إلى البحث والمصدر والمخطوط والدراسة المقارنة.

أما عن المؤلف موسى مخّول، فهو باحث مهتم بتاريخ الحضارة السريانية ودورها في الثقافة العربية، وله عدة دراسات في هذا المجال، منها أعمال تتناول يوحنا الدمشقي ودور السريان في نقل الحضارات. ويبدو من خلال كتاباته أنه يسعى إلى إعادة الاعتبار لهذا التراث، وإبراز إسهامه في تشكيل الفكر العربي.

و يمكن القول إن هذا الكتاب يقدّم قراءة مهمة في تاريخ الثقافة، ويعيد تسليط الضوء على دور مهم غالباً ما يتم تجاهله. والأكثر أهمية أنه لم يكتف بسرد التاريخ، وهو يؤكد و يدعو إلى إعادة التفكير في كيفية كتابة تاريخ الحضارات، على أساس التفاعل والتكامل.

***

حميد عقبي

.....................

* رابط لمشاهدة وسماع مداخلة نقدية موسعة عن الكتاب

https://youtu.be/xJfrgcuBbVs?si=PVb_kAOFXS20gJLY

صدر عن دار الفرجاني بالقاهرة كتابٌ جديد بعنوان «ذاكرة مذيع... حكايات وراء المايك» للإعلامي والكاتب الدكتور فؤاد عبد الرازق. يقع الكتاب في أربعة أبواب؛ يضم الباب الأول تسعة فصول، والثاني سبعة، والثالث خمسة، بينما يشتمل الباب الرابع والأخير على فصلين.

يصنف عبد الرازق كتابه ضمن السيرة الذاتية، غير أنه يتجاوز هذا الإطار إلى أدب الرحلات وكواليس العمل الإعلامي، بما يزخر به من حوارات أدبية وفنية وسياسية، فضلًا عن مواقف طريفة وأخرى مثيرة رصدها بعين الصحفي المتمرس، القادر على التقاط التفاصيل التي قد تغيب عن غيره. ويؤكد المؤلف في مقدمته أهمية العناية باللغة، قائلًا: «كن أنيقًا في اللغة كما تتأنق في ملبسك»، ثم يوجز فلسفته بعبارة لافتة: «الأناقة هي البلاغة».

ويستحضر هذا التصنيف تعريف الناقد السويسري جان ستاروبنسكي للسيرة الذاتية بأنها «سيرة شخص يرويها بنفسه»، كما يستأنس بتعريف فيليب لوجون لها بأنها «حكي استعادي نثري يقوم به شخص حقيقي عن وجوده الخاص، مركزًا على حياته الفردية، ولا سيما تاريخ شخصيته»، مع اشتراطه وحدة المؤلف والراوي والشخصية الرئيسة.

يفتتح عبد الرازق  سيرته بالحديث عن أسرته، ولا سيما والده الذي عمل في هيأة البريد المصرية، حتى غدت الأسرة تُعرف بـ«عائلة البوسطجية». ويكشف هذا الفصل أن تفوق المؤلف لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة بيئة أسرية شجعته على الاجتهاد والطموح؛ فالأب والأم والأخ الأكبر كانوا جميعًا مصدرًا للتحفيز والثقة بالنفس. كما ورث عن والده، إلى جانب بعض الملامح، شغفه بالإذاعة والأخبار وحسّه الإعلامي المبكر.

وتغطي السيرة مسيرة زمنية تمتد من مولده في حي المطرية بالقاهرة عام 1955 حتى إغلاق إذاعة BBC العربية في لندن عام 2023، متتبعةً مراحل الدراسة والعمل والتنقل بين البلدان، ومبرزةً في الوقت نفسه جوانب من اهتماماته الشخصية، مثل شغفه بكرة القدم، وتشجيعه نادي الزمالك، وإعجابه بعدد من نجوم الكرة المصرية.3065 fouad

التفوّق الدراسي وهاجس التنوير

يفرد عبد الرازق  مساحة واسعة لمرحلة الدراسة والتكوين العلمي، فيبدأ بكلية الألسن التي آثر الالتحاق بها على كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، رغم ما كانت تتمتع به الأخيرة من مكانة مرموقة بوصفها بوابةً إلى السلك الدبلوماسي. وفي الألسن يواصل تفوقه الأكاديمي، حتى يطلق عليه أستاذه الدكتور محمد العشيري لقب «رفاعة العصر»، في إشارة إلى رفاعة رافع الطهطاوي، رائد النهضة المصرية ومؤسس كلية الألسن. تخرج المؤلف عام 1978 بتقدير جيد جدًا، وكان الأول على دفعته، ثم عُيّن معيدًا في الكلية، لينتقل سريعًا من مقاعد الدراسة إلى هيأة التدريس.

ولم تتوقف رحلته العلمية عند هذا الحد، فقد واصل دراسته في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث نال درجة الماجستير في الترجمة الفورية والتحريرية، الأمر الذي عمّق معارفه باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وفتح أمامه آفاقًا ثقافية وفكرية جديدة. ومع ذلك ظل يشعر بانتماء خاص إلى كلية الألسن، التي بقيت الأقرب إلى وجدانه، رغم ما تتمتع به الجامعة الأمريكية من مكانة أكاديمية وثقافية.

ويغدو السفر أحد المحاور الرئيسة في هذه السيرة؛ إذ يتنقل المؤلف بين عدد من البلدان العربية والأجنبية، ويبدأ رحلته العملية في جامعة الملك فيصل بمدينة الخُبَر في المملكة العربية السعودية. ويستعيد في هذا السياق بدايات تكوين أسرته الصغيرة، متوقفًا عند زوجته وولديه سامر وأحمد، كما يرصد بعض التحولات الاجتماعية التي شهدتها المملكة خلال العقود الأخيرة، فيربط بين تجربته الشخصية والتغيرات التي طرأت على المجتمع السعودي.

ثم ينتقل إلى إثيوبيا، حيث عمل مترجمًا في منظمة الوحدة الأفريقية بأديس أبابا، مستعيدًا ذكريات عامين زاخرين بالتجارب الإنسانية والمهنية. ولا يكتفي بوصف طبيعة عمله، بل يقترب من المجتمع الإثيوبي، فيتحدث عن عادات أهله، ومطبخهم، وطرائف الحياة اليومية، كاشفًا عن قدرة لافتة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تمنح المكان روحه الخاصة.

وتبلغ الإثارة ذروتها عندما يستعيد حادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، وهي واقعة عايش أجواءها عن قرب، فيسرد ملابساتها وما أثارته من تداعيات سياسية، مضفيًا على السيرة بعدًا توثيقيًا يتجاوز حدود التجربة الشخصية.

كواليس العمل الإذاعي

تصل السيرة إلى محورها الأبرز حين ينتقل عبد الرازق  إلى تجربة العمل في إذاعة BBC العربية، تلك المؤسسة التي ارتبط اسمها بتاريخ الإعلام العالمي، وكانت بالنسبة إليه أكثر من مجرد مكان للعمل؛ فقد أصبحت فضاءً مهنيًا وثقافيًا التقى فيه بأجيال من الإعلاميين العرب الذين تركوا بصماتهم في ذاكرة المستمعين.

بعد اجتيازه اختبار القبول في القاهرة، ينتقل عبد الرازق  إلى لندن، حيث يبدأ رحلته في مؤسسة الإذاعة البريطانية، متنقلًا بين أقسام الترجمة والتحرير والأخبار، قبل أن يقف خلف الميكروفون مذيعًا. ويكشف هذا الجزء من السيرة عن كواليس العمل الإذاعي، وطبيعة المهنة التي تجمع بين الدقة اللغوية والقدرة على التواصل مع الجمهور، كما يرصد المؤلف شخصيات إعلامية بارزة زاملها في BBC، من أمثال حسام أحمد شبلاق، ومديحة رشيد المدفعي، وسلوى الجراح، ورشاد رمضان، وأفتيم قريطم، وغيرهم من الأسماء التي شكّلت جزءًا من تاريخ الإذاعة العربية.

ويقدم عبد الرازق  صورة توثيقية لمؤسسة BBC، مستعيدًا مراحل تطورها وفلسفتها الإعلامية القائمة على الشعار الشهير: «الإعلام يُعلّم ويُثقّف ويُرفّه». كما يتوقف عند بعض القضايا اللغوية والمهنية التي أثارت النقاش داخل المؤسسة، موضحًا حرصها على اختيار المصطلحات والتعابير بدقة، بما ينسجم مع مسؤولية الإعلام تجاه اللغة والجمهور.

ومن خلال هذه التجربة الطويلة، لا يظهر عبد الرازق  بوصفه مذيعًا ناقلًا للأخبار فحسب، بل بوصفه شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ الإعلام العربي. فقد قدّم عددًا من البرامج التي تركت أثرًا لدى المستمعين، ومن أبرزها برنامج «ذاكرة إذاعة» الذي استعاد فيه وجوهًا وأصواتًا ومحطات من تاريخ العمل الإذاعي.

ويختتم المؤلف رحلته باستعادة ذكريات عدد من الشخصيات الأدبية والإعلامية، وفي مقدمتهم الروائي الطيب صالح، إضافة إلى رموز إذاعية أخرى كرّس لها حلقات خاصة، مؤكدًا بذلك وفاءه للأصوات التي صنعت مجد BBC العربية. وهكذا تتحول «ذاكرة مذيع... حكايات وراء المايك» من مجرد سيرة شخصية إلى وثيقة إنسانية ومهنية تحفظ جانبًا مهمًا من تاريخ الإذاعة العربية، وتقدم شهادة صادقة عن زمن كانت فيه الكلمة المسموعة تحمل مسؤولية ثقافية وحضارية كبيرة.3066 fouad

صبر المذيع المُحترف وآلية الترويض

يمكن القول إنَّ الباب الثاني، بفصوله السبعة، يُعدّ باب اللقاءات المهمة؛ إذ أجرى الراوي خلاله حوارات متعددة استهلّها بلقائه مع الأخ العقيد معمّر القذافي، الذي أطاح بالنظام الملكي في الأول من سبتمبر عام 1969، وبقي في سدة الحكم اثنين وأربعين عامًا كاملة، اتسمت تصريحاته خلالها بإثارة الجدل، إلى أن نصّب نفسه «ملك ملوك أفريقيا».

في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، لم يكن اللقاء مع العقيد مألوفًا كغيره من اللقاءات؛ فعندما دخل عبد الرازق  الغرفة وجده واقفًا يتطلع إلى السقف من دون أن يلتفت إليه. وقد جرى الحوار وهو واقف، إذ لم يجرؤ المحاوِر على طلب جلوس العقيد أمام الميكروفون خشية من ردود أفعاله غير المتوقعة. ومع ذلك، أجاب القذافي عن الأسئلة المطروحة، وانتهت المقابلة بسلام. وقد اتسمت إجاباته باستخدام مفردات ساخرة وعبارات مرتجلة، من بينها اقتراح تسمية دولة «أسراطين» التي تجمع بين اسمي إسرائيل وفلسطين.

أما اللقاء مع الزعيم ياسر عرفات، الذي جرت وقائعه في العاصمة النيجيرية أبوجا، فقد اتخذ طابعًا طبيعيًا؛ إذ أجاب الختيار عن أسئلة المحاور بكل صراحة ووضوح. وفي السياق ذاته، زار الراوي إسرائيل، وهي الدولة التي يرى أنها تجعل مغادرتها أكثر صعوبة من دخولها؛ إذ يتعرض الزائر فيها لوابل من الأسئلة المتكررة، بل قد يُسأل عن تفاصيل شخصية فيما إذا دخل في علاقة عاطفية حميمة أم لا في أثناء وجوده في إسرائيل؟

ولا يجد الراوي حرجًا في التعبير عن حقيقة يراها دامغة، مفادها أن بعض رجال السلطة الفلسطينية كانوا يرتادون مطاعم غزة وغيرها من المدن الفلسطينية لتناول سمك البربوني، ثم ينصرفون مؤجلين دفع الحساب إلى وقت لاحق، إن كان هناك دفع أصلًا. وهي طريقة يرى أنها تشبه ما قد يصادفه القارئ في بعض البلدان التي تحكمها أنظمة شمولية وقمعية.

توفي الرئيس ياسر عرفات في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، ونُقل جثمانه من باريس إلى القاهرة، ثم نُقل على متن مروحية عسكرية إلى الضفة الغربية، حيث استقر في رام الله، وليس في القدس التي لم يُكتب له أن يدخلها لا حيًّا ولا ميتًا.

ومن اللافت في لقاء كونداليزا رايس، الذي جرى في فندق تشرشل وسط لندن، حضور كلب الحراسة الضخم المرافق لها، والذي أثار الخوف والرهبة في نفس المحاور. وقد صرّحت رايس خلال اللقاء بأن الولايات المتحدة تتمسك بمشروع الشرق الأوسط الكبير، وأنها تدعم إجراء تغييرات سياسية واسعة في المنطقة، كما أشارت إلى تبنّي بلادها لنظرية «الفوضى الخلّاقة».

وفي الفصل الثالث عشر، يحاور الراوي شخصيتين سياسيتين بارزتين هما بطرس غالي وعمرو موسى، اللذان يمثلان بدورهما نموذجًا للتعايش السلمي بين المسلمين والأقباط في مصر عبر العصور.

كما لم يجد الراوي حرجًا في محاورة الأمير السعودي الراحل طلال بن عبدالعزيز في أواخر تسعينيات القرن الماضي؛ وهو الأمير الذي أسس، في أواخر عام 1958، بالتعاون مع أربعة من إخوته، «حركة الأمراء الأحرار»، التي عُرفت بتوجهاتها الليبرالية ودعوتها إلى إقامة ملكية دستورية في السعودية، وتحقيق المساواة بين الرجال والنساء، وإبعاد الأسرة المالكة في الرياض عن ممارسة الحكم.

واللافت أن اسم الحركة لم يكن من ابتكار الأمراء الخمسة، بل أطلقته وسائل الإعلام المصرية خلال فترة الجفاء التي شهدتها العلاقات بين القاهرة والرياض. ولم تستمر الأزمة داخل البلاط الملكي السعودي طويلًا؛ إذ عاد الأمراء إلى وطنهم بعد أن تنازلوا طواعية عن ألقابهم الأميرية، وحصلوا على عفو أعادهم إلى صفوف المواطنين العاديين، باستثناء الأمير فواز الذي تولى إمارة منطقة مكة المكرمة بين عامي 1970 و1980.3067 fouad

جمالية الحوارات الأدبية والفنية

تبدو الحوارات مع الشخصيات الأدبية والفنية والفكرية أكثر جذبًا وإثارة من الحوارات السياسية التي غالبًا ما تتسم بالتوتر أو البرود؛ فاللقاء المفاجئ مع سندريلا الشاشة العربية كان أكثر دفئًا وحميمية. فقد حضرت سعاد حسني إلى استوديو هيأة الإذاعة البريطانية (BBC) لتسجيل قصائد صلاح جاهين بصوتها، إذ كانت تعدّه الأب الروحي لها. وعلى مدى ستة أشهر، كان عبد الرازق  يرافقها إلى استوديو يعمل بنظام التشغيل الذاتي، حتى أنهت تسجيل القصائد التي رغبت فيها، ثم اختفت فجأة كما ظهرت فجأة.

ومن الجدير بالذكر أن سندريلا الشاشة العربية سعاد حسني توفيت في 21 يونيو/حزيران عام 2001، عن عمر ناهز الثامنة والخمسين عامًا، ويستبعد الراوي أن تكون هذه الفنانة الرقيقة قد أقدمت على الانتحار.

ويعترف عبد الرازق  بأنه، شأنه شأن بقية الزملاء العاملين في هيأة الإذاعة البريطانية، بأنه لم يتمكن من إجراء حوار مع الأديب نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1988، وذلك بعد الاعتداء الغادر الذي تعرّض له عام 1994 ومحاولة اغتياله. كما لم ينجح في محاورة «موسيقار الأجيال» محمد عبدالوهاب؛ إذ طلب الأخير أن يجري الحوار معه الإعلامي رشاد رمضان شخصيًا.

ويضم الفصل الأخير من هذا الباب عددًا من اللقاءات المهمة، من أبرزها الحوار مع الشاعر عبدالوهاب البياتي، الذي أكد أن «الشعراء ليسوا خيول سباق يتسابقون لنيل المغانم». أما الشاعرة الكويتية سعاد الصباح، فقد سألها الراوي عن مدى تأثرها بالشاعر نزار قباني، فأقرّت بأنها تلميذة وفية للمدرسة النزارية، وأنها تأثرت كذلك بالمتنبي وشعراء المهجر، لكنها نفت أن يكون قباني هو من يكتب لها قصائدها، رغم وجود تشابه واضح في الأجواء الرومانسية وبعض السمات الأسلوبية بين تجربتيهما الشعريتين.

كما حاور الراوي الأديب الليبي محمد مصطفى المصراتي، والتقى الشاعرة الموريتانية مباركة بنت البراء، والشاعر الموريتاني محمد الحافظ، ضمن سلسلة اللقاءات التي عكست تنوع المشهد الأدبي والفكري العربي.

حفلات الطلاق في بلاد شنقيط

يتناول هذا الباب مجموعة جديدة من اللقاءات التي أجراها الصحفي فؤاد عبد الرازق  مع عدد من الشعراء والمثقفين العرب، من بينهم الشاعر السوداني محمد الفيتوري، والروائي المصري فتحي غانم، والعلّامة العراقي محمد بهجة الأثري. كما يرصد الكاتب ملامح الحياة في العراق في ظل نظام سلطوي شديد القبضة، ويتوقف عند بعض الأخطاء التي يقع فيها المترجمون العراقيون ممن يفتقرون إلى إتقان الترجمة الفورية.

ويُعد الفصل التاسع عشر، الموسوم بـ«في بلد حفلات الطلاق والدراعة»، من أكثر فصول الكتاب إثارة وطرافة؛ لما يزخر به من مشاهد اجتماعية وثقافية غير مألوفة. ففيه يطلق بعض الموريتانيين على الراوي، على سبيل الدعابة، لقب «فاتح بلاد شنقيط». كما يُجري في يوم واحد لقاءين بارزين؛ الأول مع الرئيس الموريتاني إعلي ولد محمد فال، والثاني مع سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، الذي أصبح أول رئيس مدني يُنتخب انتخابًا شعبيًا في بلد المليون شاعر.

ويتوقف الراوي عند عدد من الظواهر الثقافية والاجتماعية في موريتانيا، ومن أبرزها «التبراع»، وهو لون شعري نسائي تعبِّر المرأة من خلاله عن مشاعرها في الغزل أو المدح أو الهجاء، في صياغة قصيرة مكثفة تشبه الومضة الشعرية. كما يشير إلى المكانة التي حظيت بها المرأة الموريتانية، إذ كانت الناهة بنت مكناس أول امرأة تتولى حقيبة وزارة الخارجية في دولة عربية، كما انتُخبت المغنية والكاتبة معلومة بنت الميداح عضوًا في مجلس الشيوخ.

السُمنة بوصفها معيارًا للأنوثة والجمال

ويعرض الكاتب كذلك بعض الظواهر الاجتماعية المثيرة للانتباه، مثل شيوع حفلات الطلاق والنظرة الإيجابية إلى المرأة المطلقة، فضلًا عن ظاهرة «التبلاح»، وهي عملية تسمين قسري للفتيات منذ الصغر؛ إذ يُنظر إلى السمنة بوصفها معيارًا من معايير الجمال وزيادة فرص الزواج في بعض البيئات الموريتانية.

ثم ينتقل عبد الرازق  إلى تونس، حيث يلتقي عددًا من الشخصيات الدينية والسياسية والثقافية، من بينهم الشيخ هشام بن محمود، إمام جامع الزيتونة، والوزير والدبلوماسي والملاكم السابق محمد صالح دمبري، والصحفي والشاعر الجزائري عزالدين ميهوبي، قبل أن يختتم لقاءاته في المغرب بمحاورة عبدالرحمن اليوسفي، رئيس الحكومة المغربية، الذي ارتبط اسمه بمرحلة الانفتاح السياسي وتهدئة العلاقة مع قوى المعارضة.

ويخصص الراوي فصلًا كاملًا لسلطنة عُمان، يبرز فيه الدور الذي اضطلع به السلطان قابوس بن سعيد في رسم ملامح الدولة الحديثة على مدى خمسة عقود، مشيرًا إلى اهتمامه بالموسيقى الكلاسيكية، الأمر الذي أسهم في إنشاء أول دار أوبرا في منطقة الخليج العربي. كما يتناول انتقال السلطة بسلاسة إلى السلطان هيثم بن طارق، وإقراره نظام ولاية العهد بإسنادها إلى نجله يزن بن هيثم.

ويقتصر الفصل الأخير على لقاء الراوي بيوسف ديدات، الذي أسهم في نشر ترجمة معاني القرآن الكريم بلغة الزولو، إحدى اللغات واسعة الانتشار في جنوب أفريقيا. كما يختتم الراوي هذا الباب بالإشارة إلى رحلاته في عدد من البلدان الأفريقية، من بينها مدينة كيب تاون، ثم زيمبابوي وزامبيا، بمساعدة الصحفي اللبناني الراحل يوسف حازم.

يقتصر الباب الرابع والأخير على فصلين، يخصص الراوي أولهما للحديث عن ترجمته السيرة الذاتية التي كتبها باللغة الأنجليزية أفتيم قريطم، أحد أبرز مذيعي البرامج الرياضية في هيأة الإذاعة البريطانية، والصادرة عام 2016 بعنوان «أفتيم وأنا والعمّة». والمقصود بـ«العمّة» في العنوان هو هيأة الإذاعة البريطانية (BBC)، وهو اللقب الذي ارتبط بها لما عُرفت به من رصانة ومهنية وتقاليد إعلامية راسخة، وقد أمضى قريطم في العمل بها ما يقارب أربعة عقود.

الإشادة بدقة المُترجم وبراعة أسلوبه

ويلفت الراوي إلى ما حظيت به هذه الترجمة من إشادة عدد من الكتّاب والصحفيين، من بينهم علي أسعد، وقاسم مزرعاني، وهشام البسيوني، الذي رأى أن المترجم صاغ النص «بطريقة أقرب إلى الأدب»، وأنه نقل السيرة «بأسلوب أدبي بديع على طريقة الحكّائين الكبار»، وهو ما يعكس نجاح عبد الرازق  في الجمع بين دقة الترجمة وجمال الأسلوب.

ويختتم الدكتور فؤاد عبد الرازق  سيرته الذاتية باستذكار لحظة إغلاق القسم العربي في هيأة الإذاعة البريطانية، في السابع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2023، وهو حدث ترك أثرًا بالغًا في نفوس العاملين فيه، فاستحضَر بيتًا معبرًا لأمير الشعراء أحمد شوقي، يقول فيه:

قد يهونُ العمرُ إلا ساعةً

وتهونُ الأرضُ إلا موضعًا

وبهذا الختام يضفي المؤلف على سيرته مسحة وجدانية مؤثرة، إذ يجعل من نهاية مسيرته المهنية خاتمةً لرحلة إعلامية طويلة حافلة بالتجارب والإنجازات.

على هامش السيرة الذاتية

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ السيدة إيمان الفزّاني وبرعاية من مكتبة (الفرجاني) بلندن قد نظّمت أمسية ثقافية وحفل توقيع لكتابيْ "ذاكرة مُذيع.. حكايات وراء المايك" ونسخته المُترجمة إلى الإنگليزية التي تحمل عنوان "المايك مفتوح.. والعالم مُغلق"  للصحفي المتفرّد والمذيع الناجح د. فؤاد عبد الرازق  بمشاركة الناقد الأدبي عدنان حسين أحمد فيما تولّت إدارة الأمسية الباحثة والإعلامية المعروفة نوران سلّام التي قرأت هذه السيرة الذاتية قراءة مُعقمة وطرحت العديد من الأسئلة على صاحب السيرة وناقدها اللذَين قدّما إجابات شافية ووافية أثرتْ الأمسية ورسّختها في ذاكرة الحاضرين. ثم وقّع المؤلف نسخًا من سيرته الذاتية التي اعتبرها غالبية الحضور سيرة "من نسيج وحدها" لما تتمتع به من "أناقة لغوية" وأسلوب جذّاب، وعين خبيرة  ترى ما لا يراه الآخرون.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

ثمة كتب تُقرأ لتزداد معرفة، وثمة كتب تُقرأ لتراجع ما كنت تظنه معرفة. والفارق بينهما هو الفارق بين الكتاب الذي يضيف معلومة إلى ذاكرتك، والكتاب الذي يوقظ سؤالًا في عقلك. فالأسئلة الكبرى هي التي تصنع المعرفة، أما الأجوبة الجاهزة فلا تصنع سوى الاطمئنان المؤقت. لذلك ليست قيمة الأعمال الفكرية الرصينة في أنها تمنحنا يقينًا نهائيًا، بل في أنها تزعزع يقيننا الساذج، وتدفعنا إلى إعادة التفكير في المسلمات التي ألفناها.

بهذا المعنى خرجت من قراءة كتاب الباحث الفطين أمين اليافعي عن «الحركة الحوثية كفاعل تكيفي: إرث الإمامة، والبنية القبلية، وحدود نموذج الوكيل». لم أخرج حاملًا أجوبة نهائية، بل خرجت محملًا بأسئلة أعمق عن التاريخ، والدولة، والقبيلة، والشرعية، وكيف تتشكل السلطة في اليمن. على مدى سبعة أيام امضيتها في قراءة هذا فالكتاب المهم بوصفه انضج تفسير لجماعة الحوثي، وفهم آلية إنتاج السلطة في اليمن من خلال التقاء التاريخ بالبنية الاجتماعية والجغرافيا السياسية.

درجت أغلب الكتابات السياسية حول الحوثيين على الوقوع في أحد اختزالين؛ فإما أن ترد الظاهرة كلها إلى التدخل الإيراني، وإما أن تجعلها مجرد امتداد ميكانيكي للإمامة الزيدية. وفي الحالتين يضيع الواقع بين التبسيط الأيديولوجي والموقف السياسي المسبق. أما الدكتور أمين اليافعي فيختار طريقًا أكثر وعورة وأكثر علمية، إذ يحاول بناء نموذج تفسيري متعدد المستويات يربط بين الإرث التاريخي، والبنية القبلية، وفشل الدولة، والتحولات الإيديولوجية، والدعم الخارجي، والموقع الجيوسياسي، بوصفها عناصر متداخلة لا يمكن فهم الظاهرة من خلال أحدها بمعزل عن الآخر. وهذه في تقديري إحدى أهم مزايا الكتاب وأكثرها أصالة.

إذ لم يعتمد الباحث على مرجع واحد أو مدرسة فكرية واحدة، بل نسج رؤيته من شبكة واسعة من المصادر التاريخية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية والسياسية، العربية والأجنبية. وقد استند في تحليله إلى أعمال باحثين مرجعيين في دراسة اليمن، مثل بول دريش في تحليله للعلاقة المركبة بين القبيلة والدولة، وبرنارد هايكل في تفسيره للفكر السياسي الزيدي ومفهوم الإمامة، كما استفاد من دراسات فضل علي أحمد أبو غانم حول البنية القبلية وتحولاتها، ومن أطروحات عبد العزيز قائد المسعودي عن تعثر بناء الدولة الحديثة في اليمن، فضلًا عن القراءة الفلسفية والاجتماعية العميقة التي قدمها المفكر اليمني الراحل أبو بكر السقاف للعلاقة بين الإمامة والقبيلة ومبدأ «الخروج»

وهذا التنوع المرجعي منح الكتاب توازنًا منهجيًا واضحًا، وجعل استنتاجاته ثمرة حوار منهجي نقدي تركيبي بالمعنى الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي ادغار موران.

ولا تكمن أهمية هذا المنهج في تعدد عوامله فحسب، بل في أنه يعيد الاعتبار إلى التاريخ بوصفه قوة حية، لا مجرد سجل للأحداث الماضية. فالتاريخ هنا لا يمضي، بل يبقى كامنًا داخل الحاضر، يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة كلما تهيأت له الظروف المناسبة. ولذلك لا يرى المؤلف في الإمامة أثرًا انقضى، وإنما بنية ثقافية وسياسية واجتماعية ظلت تتحول وتتكيف عبر الزمن حتى وجدت في اللحظة الراهنة صيغة جديدة للتعبير عن نفسها.

وهنا تتجلى براعة المؤلف في تتبع العلاقة المركبة بين الإمامة والقبيلة وبين العقيدة والعصبية، بعيدًا عن الصور النمطية التي تصور القبيلة مجرد أداة في يد الإمام، أو الإمام مجرد سلطة مطلقة فوق القبيلة فالعلاقة بينهما كانت علاقة شد وجذب، وتحالف وصراع، وتوازن قوى مضطرب بين شرعية دينية لا تستطيع احتكار القوة، وقوة اجتماعية لا تستطيع احتكار الشرعية. ومن هذا التفاعل الطويل تشكلت إحدى أكثر البنى السياسية تعقيدًا في التاريخ اليمني إذ لم تكن الإمامة الزيدية الطائفية مجرد نظام حكم، بل كانت آلية تاريخية لإدارة مجتمع قبلي راسخ الجذور بحسب بول دريش فالقبيلة، لم تكن مجرد تجمع اجتماعي، بل كانت مؤسسة سياسية تمتلك قدرتها الخاصة على إنتاج السلطة ومقاومتها في الوقت نفسه عبر ما تم تشريعه بمبدأ «الخروج» في الفكر الزيدي، لا بوصفه حكمًا فقهيًا مجردًا، بل باعتباره تعبيرًا عن طبيعة البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها، حيث لا وجود لسلطة نهائية تحتكر الشرعية بصورة مطلقة، بل تتعدد مراكز القوة، وتتبدل التحالفات، ويظل الصراع جزءًا من آلية إنتاج النظام نفسه. وهنا يستحضر المؤلف، بذكاء، قراءة المفكر اليمني الراحل أبو بكر السقاف، التي تربط هذا المبدأ بطبيعة البنية القبلية أكثر من ربطه بالتجريدات الفقهية، وهي قراءة تضيف للنقاش بعدًا سوسيولوجيًا عميقًا وذلك من خلال النظر إلى احفاد الطائفة الزيدية ليس باعتبارهم بقايا الماضي، بل بوصفهم (جماعة طائفية فاعلة) فاعلًا تكيفيًا استطاعت أن تعيد توظيف الماضي في اللحظة الحاضرة. وتلك فكرة مهمة؛ لأنها تنقلنا من سؤال: «من أين جاء الحوثيون؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف استطاعوا البقاء والتكيف وإعادة إنتاج أنفسهم بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 وقيام الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الوحدة اليمنية الموؤدة بعقود من الزمن؟

ومع ذلك، فإن كل تفسير كبير يحمل في داخله حدودًا لا تقل أهمية عن نقاط قوته. فحين ينجح التاريخ في تفسير جانب واسع من الحاضر، ينشأ إغراء معرفي يتمثل في الاعتقاد بأن الماضي يمتلك مفتاح كل شيء. وهنا يبدأ السؤال الفلسفي الذي ظل يرافقني طوال القراءة: هل يكفي التاريخ وحده لتفسير ما يجري اليوم؟

لا ريب إن أي تفسير يستند إلى التاريخ وحده، مهما بلغ من العمق، يظل معرضًا لخطر تحويل الماضي إلى قدر محتوم، بينما يعلمنا التاريخ نفسه أن المجتمعات ليست سجينة ماضيها، بل قادرة على تجاوزه وإعادة تشكيله. فالحاضر لا يولد من رحم الماضي وحده، وإنما يولد أيضًا من صراعات الحاضر وقواه الحية ومن هنا، فإن القيمة الكبرى لهذا الكتاب لا تكمن في أنه أغلق ملف الحوثيين، بل في أنه فتحه على أسئلة جديدة. لقد نجح في زحزحة كثير من المسلمات، وأعاد الاعتبار للعوامل البنيوية التي أهملتها التفسيرات السياسية السريعة، لكنه، في الوقت نفسه، يدفع قارئه إلى التفكير فيما لم يقله، بقدر ما يدفعه إلى التأمل فيما قاله والتساؤل عما إذا كانت القبيلة والإمامة وحدهما تكفيان لفهم ظاهرة معقدة (الحوثية) تشكلت بفعل تداخل عوامل كثيرة منها: الفساد والاقتصاد، والحرب، والإقليم، والاضطرابات الاجتماعية المتعددة التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة.

لا أخفيكم أن الباحث الذكي أمين اليافعي أقنعني، إلى حد بعيد، بأن الإمامة والقبيلة ليستا مجرد ماضٍ انتهى، بل بنيتان تاريخيتان ظلتا تتكيفان مع تغير الظروف حتى وجدتا في الحركة الحوثية أحد أشكال التعبير الجديدة عنهما. غير أن السؤال الذي ظل يرافقني طوال القراءة هو: هل يكفي التاريخ وحده لتفسير الحاضر السياسي؟ إذ إن أي ظاهرة سياسية معاصرة لا يمكن أن تكون مجرد استعادة للماضي، مهما كان هذا الماضي مؤثرًا ومن ابن خلدون تعلمنا أن العصبية تؤسس الدولة، لكنها وحدها لا تحفظها. وتعلمنا من ماكس فيبر أن الشرعية لا تقوم على النسب وحده، بل على القدرة على إنتاج الطاعة. كما تعلمنا من ميشيل فوكو أن السلطة ليست شيئًا يمتلكه الحاكم، بل شبكة معقدة من العلاقات والمؤسسات والخطابات. ولو جمعنا هذه الرؤى معًا لأدركنا أن الحركة الحوثية ليست مجرد امتداد للإمامة، ولا مجرد تمرد قبلي، بل هي تركيب تاريخي جديد ولد في لحظة انهيار الدولة الوطنية الجامعة بعد اخفاق مشروع الوحدة اليمنية بسبب حرب اجتياح القوى التقليدية لدولة الجنوب الحديثة وتدمير ونهب كل مقدراتها في فضاء إقليمي مضطرب، واستثمر الدين والقبيلة والحرب والإعلام والاقتصاد في آن واحد وربما كان من المفيد توسيع النموذج الذي يقترحه المؤلف ليشمل ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحرب». فمنذ سنوات لم تعد الحرب في اليمن مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبحت، بالنسبة لكثير من الفاعلين، نظامًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. فالحرب تنتج سلطات جديدة، وأسواقًا جديدة، ومصالح يصعب التخلي عنها. وفي مثل هذا السياق لا يعود استمرار الصراع مرتبطًا بالأيديولوجيا وحدها، بل أيضًا بالشبكات الاقتصادية التي نشأت في ظله والنخب الفاسدة وقيمها الثقافية الفاسدة إذ كنت أتمنى لو منح الكتاب مساحة أوسع للتحولات الثقافية التي شهدها المجتمع اليمني خلال العقود الأخيرة. فالأفكار لا تتحرك في الفراغ، بل داخل بيئات اجتماعية ونفسية تتغير باستمرار. والحوثية، شأنها شأن غيرها من الحركات، لم تنجح بالسلاح وحده، بل نجحت أيضًا في بناء خطاب تعبوي وهوية جمعية استطاعت أن تمنح أتباعها معنى للانتماء في زمن التفكك. وهذه مسألة ثقافية بقدر ما هي سياسية.

والسؤال الذي يضع نفسه الآن وهنا: ليس: كيف نشأت الحركة الحوثية؟ وإنما: إلى أين يمكن أن تمضي؟

لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال بيقين، لكن التاريخ يعلمنا أن جميع الحركات التي تنجح في الوصول إلى السلطة تواجه امتحانًا أشد صعوبة من امتحان الوصول إليها. فالمعارضة تستطيع أن تعيش على الشعارات، أما الدولة فلا تعيش إلا بالمؤسسات. والحرب تستطيع أن تعبئ الناس زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تبني مجتمعًا إلى الأبد.

وربما استطاع الباحث تفسير قدرة الجماعة الحوثية على التكيف في مختلف الظروف والأحوال وفي هذا تكمن خطورتها فالجماعة، كما يبين الكتاب، ليست كيانًا جامدًا يعيش على إرث الإمامة وحده، ولا مجرد أداة في يد القوى الإقليمية، بل فاعل سياسي أعاد تشكيل نفسه كلما تبدلت موازين القوى، مستفيدًا من التاريخ، والقبيلة، والدين، والدولة الضعيفة، والجغرافيا السياسية في آن واحد. غير أن التاريخ نفسه يعلمنا أن قدرة الحركات على التكيف ليست بلا حدود؛ فكلما اقتربت من التحول إلى سلطة مستقرة، انتقلت من مواجهة تحديات البقاء إلى مواجهة تحديات الحكم. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الحركة الحوثية أن تتحول من تنظيم نجح في إدارة الصراع إلى دولة تنجح في إدارة السلام؟ إن مستقبلها لن يتحدد فقط بقدرتها على كسب المعارك، بل بقدرتها على بناء شرعية سياسية تتجاوز شرعية السلاح، وتؤسس لعقد وطني يتسع لجميع اليمنيين. فالتاريخ لا يخلّد الجماعات لأنها انتصرت في الحرب، وإنما لأنه يقيس قدرتها على صناعة الدولة، وتحقيق العدالة، وبناء المستقبل.

إن مستقبل الحوثيين، في تقديري، لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، ولا بحجم الدعم الخارجي، بل بقدرتهم على الإجابة عن سؤال الدولة الحديثة: هل يمكن لحركة نشأت في زمن الحرب أن تؤسس سلامًا دائمًا؟ وهل تستطيع شرعية دينية طائفية أن تتحول إلى شرعية مواطنة؟ وهل يمكن للدولة أن تُدار بمنطق الجماعة، أم أن منطق الدولة يفرض على الجميع، في النهاية، أن يتغيروا؟

هذه ليست أسئلة تخص الحوثيين وحدهم، بل تخص اليمن كله، وربما تخص العالم العربي بأسره؛ لأن مأزق الدولة الوطنية لم يعد مأزقًا يمنيًا، بل أصبح أحد أكبر أسئلة العصر العربي الحديث.

ختاما

لا أعتقد أن كتاب الدكتور أمين اليافعي يقدم الكلمة الأخيرة في تفسير الظاهرة الحوثية، ولا أظنه يدعي ذلك. لكنه، في المقابل، يقدم واحدًا من أكثر النماذج التفسيرية رصانة وتماسكًا في المكتبة اليمنية المعاصرة. إنه كتاب يحرر النقاش من الأحكام الانفعالية، ويعيده إلى فضاء البحث العلمي، ويذكرنا بأن فهم الحاضر يبدأ دائمًا بإعادة قراءة الماضي، لكنه لا ينتهي عنده.

وأحسب أن قيمة هذا العمل تكمن في أنه لا يدعونا إلى الاتفاق معه بقدر ما يدعونا إلى التفكير معه. وهذه، في نهاية المطاف، هي العلامة الفارقة لكل كتاب يستحق أن يبقى حاضرًا في الذاكرة.

ولعل اليمن، وهو يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، لا يحتاج إلى مزيد من اليقينيات المغلقة، بقدر حاجته إلى هذا النوع من التفكير النقدي الهادئ، الذي يرى في التاريخ معلمًا لا سجنًا، وفي السياسة فنًا لإدارة الحاضر وبناء المستقبل لا تدمير ممكناتهما.

والتاريخ هو الذي يكسرّ رؤوس البشر ولا يتكسر رأسه أبدا. ولسنا في بدايته ولا في نهايته بل في خضمه.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تفكيك البنية السردية لكتاب "دهاليز الموت" للكاتب صباح كنجي

يتجاوز كتاب "دهاليز الموت، رحلة في أعماق المعتقلات العراقية" للكاتب صباح كنجي التوصيف التقليدي للوثيقة التاريخية، متساميًا صوب مصاف الشهادات الانسانية الوجودية الدامغة التي تعيد قراءة الجسد البشري في اللحظة التي يقرر فيها الاستبداد تحويله إلى ركام من العذاب.

هذا العمل الفادح يتخطى السرد التوثيقي، هابطًا بالقارئ نحو السراديب المعتمة من التجربة الآدمية، حيث تلتقي السادية المؤدلجة والمنظمة برغبة الإنسان الفطرية في البقاء، وتغدو الكرامة البشرية هدفًا ممنهجًا للإبادة النفسية والجسدية. في مرحلة من أكثر المراحل قتامة وعنف في تاريخ العراق المعاصر.

صرخة الافتتاح وسلطة الأمانة الروحية

يتحول الإهداء الصادم الذي يفتتح به كنجي كتابه من مجرد عتبة نصية إلى صرخة وجودية تنبثق من أتون المحرقة، حاملةً أوجاع جيل طحنته تروس القمع بغير هوادة. يتبدى التوضيح اللاحق للمؤلف كإعلان صريح بأن هذا المنجز تخلى عن رفاهية التخطيط الأدبي المسبق، مستمدًا شرعيته من كونه أمانة ثقيلة حملها المعتقلون في صدورهم، وعهدًا مبرمًا لحماية أصواتهم وعذاباتهم من غواية النسيان التي يتقنها الطغاة.

يندرج الكتاب ضمن تيار أدب السجون العالمي، ذلك الفضاء المعرفي الذي يدرس المعتقل بوصفه مختبرًا سلطويًا لإعادة هندسة الإنسان عبر الترويع. وفيما اغتنت المكتبة العربية بنصوص روائية فارقة تفكك هذا الفضاء كما في تجارب عبد الرحمن منيف، وصنع الله إبراهيم، ومصطفى خليفة في روايته القوقعة، يأتي منجز صباح كنجي ليضفي بعدًا توثيقيًا خالصًا، يشرّح الزنزانة العراقية كمصنع للرعب السياسي، حيث تلتحم البيروقراطية بالسادية، ويصبح الألم والتعذيب الممنهج أداة معتمدة لإدارة الدولة والمجتمع.

واقعية الفجيعة وبلاغة الحدث العاري

يتسم الأسلوب التعبيري لصباح كنجي بملامح أدب الشهادة الواقعي، فهو يزهد في الزخرفة اللفظية والمحسنات البديعية المصطنعة، متخذًا من بساطة التعبير جسرًا لنقل هول الواقعة. العبارة هنا تكتسب جزالتها وتأثيرها من فظاعة الحدث ذاته لا من اختيار الالفاظ او العناية بصياغة جملها، ويتجلى هذا العمق الراعف حتى الموت حين ينقل الكاتب شهادة المعتقل (أبو سلوان)، مستعرضاً تلك اللحظة التي وُضع فيها طفله الصغير، المحموم، المستباح بالتعذيب في حضنه تحت تهديد السكين. النص يتجاوز في هذه النقطة حدود الحكاية ليرتقي إلى مصاف التراجيديات الإنسانية الكبرى، مواجهًا فيها الكائن البشري مصيره الأعزل دون تفريط في جوهر كرامته.

وإذا عرجنا على أدبيات المعتقلات العالمية، نجد في التجربة التي دونها المفكر الماركسي الإيطالي "أنطونيو غرامشي" في أوراقه ورسائله الشهيرة من السجن التي بعث بها إلى عائلته وأمه من خلف القضبان، أن الكتابة في مواجهة الجلاد تفقد حاجتها للصناعة اللفظية وتستمد قوتها من حرارة التجربة، حرارة الدم المسفوك على الورق، فتتحول الى حاجة والى انيس يومي لا يمكن الاستغناء عنه. فالألم البشري في هذا الحال يملك لغته الخاصة التي تجبر القارئ على المتابعة والإنصات.

تشريح البنية النفسية للاستبداد واعتيادية الشر

تكمن براعة المؤلف في قدرته الفذة على تفكيك البنية النفسية الاستبدادية للمنظومة الشمولية، فهو لا يختزل الجلادين في خانة الأفراد المنحرفين سلوكيًا، بقدر ما يسلط الضوء على آليات الأنظمة التسلطية التي تحول المؤسسات الرسمية إلى محاضن لإنتاج القسوة، مبينًا سهولة تجرد الإنسان العادي من وازعه الأخلاقي فور انخراطه في الآلة البيروقراطية للقمع. يتبدى الرعب الحقيقي في هذا العمل من خلال مفهوم "اعتيادية الشر ثم ادمانه"، حيث يغدو العنف ممارسة مكتبية يومية تُدار ببرود تام وخلف طاولات منمقة.

إن القصد الأسمى الثاوي بين السطور يتجاوز استدرار الشفقة أو تدوير الأحزان، إنه فعل مقاومة بالذاكرة ضد التزييف والتناسي.

يحرص كنجي على تثبيت الأسماء والتواريخ والوقائع بدقة متناهية، إيمانًا منه بأن المجتمعات التي تتهرب من مواجهة ماضيها بشجاعة، تظل محكومة بإعادة إنتاج كوابيسها القديمة وتكرارها ذات يوم.

مفارقات النص ورسائله الضمنية

يؤثث الكاتب نصه بثلاث رسائل جوهرية تعيد صياغة الوعي الجمعي:

أولًا: إن التدمير الذي يمارسه الطغيان يتجاوز تصفية الأجساد ليعصف بالمنظومة الأخلاقية للمجتمع عبر خلخلة الروابط الأسرية من خلال اتباع سياسة ممنهجة تهدف لتشويها.

ثانيًا: إن دائرة الضحايا تتسع لتشمل الأجيال اللاحقة التي تنشأ تحت مفاهيم التوجس والقهر.

ثالثًا: إن الروح الآدمية حتى في أقسى الظروف وأشدها ضراوة، تبقى تمتلك قدرة استثنائية على صون جوهرها الإنساني، ويتجسد ذلك في مشاهد التضامن النبيل التي سجلها الكتاب، كموقف السجين المصري (فاروق مارس) وغيره من المحتجزين الذين اجترحوا مآثر من النبل في قلب الجحيم.

يتأسس النص على مفارقة حادة تلعب دور المحرك الفني للعمل، وتظهر بوضوح في فصل "بغداد في الليل"، حيث يتناقض صوت المذيعة التي تبث الطمأنينة وعود الاستقرار عبر الأثير، مع مشاهد المداهمات الليلية العنيفة والاعتقالات التعسفية التي تدور خلف الأبواب المغلقة. تكشف هذه الثنائية الفجوة السحيقة بين الهيكل الدعائي للسلطة والواقع المرير الذي يكابده المواطن.

أفق الكتاب الفكري والحضاري

يمثل كتاب "دهاليز الموت" وثيقة بحثية رفيعة المستوى لدارسي علم الاجتماع السياسي، وحقوق الإنسان، والذاكرة الجماعية، لكونه يمنحنا مادة خامًا لفهم كيفية اشتغال الديكتاتوريات والآثار العميقة التي تتركها في الوجدان الفردي والجمعي العام.

يأتي هذا المنجز الأدبي كمرثية كبرى للإنسان المسحوق تحت وطأة العسف، ونشيدًا خافتًا في آنٍ معًا للكرامة البشرية التي ترفض الانصياع. إنه نص يرسخ حقيقة كون الحرية قيمة وجودية كبرى لا تستقيم كينونة الإنسان من دونها، مبعِدًا إياها عن قوالب الشعارات الحزبية الضيقة. وفي عالمنا المعاصر، حيث يعيد العنف والتعصب إنتاج نفسيهما بأقنعة شتى، يغدو هذا الكتاب حصنًا معرفيًا للأجيال الجديدة، وتذكرة أخلاقية تلح على أن الدفاع عن الإنسان هو الواجب الحضاري الأسمى، وصوت أولئك الذين عبروا المضيق كي لا يضطر سواهم لعشية عبور جديدة.

***

سعاد الراعي

..........................

* "دهاليز الموت.. رحلة في أعماق المعتقلات العراقية"،  تأليف الكاتب صباح كنجي، الطبعة الثانية، مطبعة مَهْدَرْ ألِمانيا، آذار/مارس 2016.

يقدّم هذا الكتاب ربورتاجاً صحفياً مطولاً يمتد على نحو مئتي صفحة، يوثق شهادة معتقل وسجين سياسي محكوم بالإعدام، يسرد فيها، بمرارة لاذعة وسخرية موجعة، تفاصيل ما شهده في المعتقلات والسجون العراقية منذ لحظة اعتقاله وحتى الإفراج عنه، كاشفاً ما تعرّض له المعتقلون من أهوال وانتهاكات عبر سلسلة من الأحداث والتجارب الإنسانية القاسية.

طبعته الأولى صدرت في دمشق عام 1996، إلا أن المخابرات السورية صادرتها من المطبعة قبل توزيعها. ورغم ذلك، نُشرت مقتطفات واسعة منه في الصحف والمجلات العراقية خلال فترات متعاقبة، قبل سقوط الدكتاتورية وبعدها، ليبقى الكتاب شهادة حية على واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي إيلاماً.

قراءة في كتاب موت التأويل من الجذور إلى الخوارزميات

كتاب "موت التأويل من الجذور إلى الخوارزميات " للأستاذ علي لفتة سعيد الصادر عن دار اسكرايب للنشر والتوزيع بمصر، يحاول أن يجيب عن التساؤل: هل يموت التأويل؟ والذي صار يرهق الكتاب والنقاد معا في ظل التحولات التكنولوجية وانحسار القيم الثقافية وخلخلة كل معيارية ثابتة.

قدم للكتاب الأستاذ سلمان كاصد والذي لم يكن في تقديمه ما يوضح خصوصية هذا الكتاب وإضافاته، إذ لم يركز على ما جاء فيه، وإنما قدم نظرته حول التأويل ليشير إلى فكرة الكتاب بشكل عابر.

تحت عنوان التأويل كفعل وجودي يبين الناقد أن العملية التأويلية إنما تتم من خلال الجمع بين ثلاثة أمور: الرؤية، التمحيص، القراءات، كما أنه نتاج فهم المتلقي وهو ما يجعله متحررا من المعنى الأحادي ملتبسا بهوية الاختلاف والتعدد، لذلك حينما يفك شفرة النص يخلق عالما موازيا منفتحا على المغايرة مجاوزا سلطة المرجعيات، يقول الأستاذ علي: "إن التأويل ليس مجرد عملية فكرية، بل هو رحلة وجودية. رحلة يعبر فيها المتلقي من ضفة "ما قيل" إلى ضفة "ما يمكن أن يقال"، حاملا معه أمتعته الشخصية، ثقافته، ذاكرته، مخاوفه، وأحلامه".

إن الناقد ينكر أن يكون التأويل علما، لأنه خاضع لمزاج وثقافة ووعي المتلقي، ومن هنا تتدخل الإيديولوجيا في تشكيل القراءة، ويعترف الناقد أن المنحى العام لهذا الكتاب يختلف عن سابقيه لأنه لا يخوض في معنى التأويل وحدوده وآلياته، إذ يقول: "هذا الكتاب ليس دفاعا عن النسبية المطلقة، ولا تبجيلا لسلطة النص. ولا البحث عن التأويل وتعريفه، لكنه يحاول الإجابة على سؤال، بعد طغيان التقنيات المختلفة والمتسارعة والقافزة والجاهزة والمتمرد ة والقاتلة للتفكير، هل مات التأويل؟ أو بصورة أصح، هل سيموت التأويل؟".

يعتبر الناقد التأويل ولادة مستمرة، يحتفي بالتعدد، وخوفا من طرح سؤال: هل سيموت التأويل، يحرص على طرح سؤال جوهري وهو: كيف يعيد كل عصر صياغة النصوص في زمن التقانة والذكاء الاصطناعي؟.

جاء الفصل الأول تحت عنوان "الإطار النظري للتأويل" تطرق فيه الأستاذ علي إلى مفهوم التأويل وجذوره اللغوية في العربية واليونانية، وقد بين أن التأويل العربي ركز على الإرجاع إلى الأصل والمآل، بينما التأويل اليوناني ركز على النقل والشرح والوساطة، وهو ما يعكس حسب قوله وجود خلفيتين فكريتين: دينية /نصية عند العرب، فلسفية/ منطقية عند اليونان .انتقل الناقد إلى رصد الفروق الجوهرية بين التفسير والتأويل والتدبر، لينتهي إلى أن التفسير "يعتني بالظاهر ويكشفه، والتأويل ينفتح على الباطن ويمنحه معاني إضافية، بينما التدبر يتجاوز الفهم ليصل إلى الغاية العملية من النص وهي العبرة والعمل".

يرصد الأستاذ علي لفتة سعيد حركة التأويل في التراث الفكري، حيث بين أنه ارتبط عند اليونان بالأسطورة، قبل تحوله إلى مصطلح فلسفي، إذ كانت مهمة هرمس رسول الآلهة إيصال الرسائل الغامضة إلى البشر وتفسيرها لهم، ومن هنا ارتبط فعل التأويل بالشرح والتفسير والوساطة، لينعكس ذلك فيما بعد على الفلسفة اليونانية، "إذ رأى أفلاطون أن النصوص الشعرية والفكرية تحمل معاني خفية لا تكشف ذاتها للوهلة الأولى، وأن الفيلسوف هو القادر على النفاذ إلى جوهرها وإبراز المعنى الأصيل الكامن وراء الرموز. أما أرسطو فقد أعطى للتأويل طابعا أكثر دقة ومنهجية، وخصص كتابا بعنوان في التأويل ليبين فيه أن عملية التأويل هي إخراج ما في النفس من فكر إلى صياغة لغوية يمكن إدراكها"، فاللغة إذن تلعب دور الواسطة بين الواقع والفكر، فتصبح مهمة التأويل تحويل المعنى الكامن إلى صيغة مفهومة، أو تحويل ما هو داخلي إلى ما هو مشترك بين الناس.

أما التأويل في الفلسفة الإسلامية فانتقل مفهومه عبر الترجمة في العصر العباسي، "لكنه سرعان ما اكتسب خصائص جديدة نابعة من طبيعة النص القرآني ومكانته. فقد أصبح التأويل من أهم أدوات التعامل مع النصوص، خاصة في حال وجود تعارض بين ظاهر النصوص ومتطلبات العقل أو بين دلالاتها المختلفة"، وتحت هذا العنوان أشار الأستاذ علي إلى رؤية كل من الإمام الغزالي وابن رشد وابن عربي في هذه القضية.

وعن التأويل في الفكر الغربي الحديث بين الناقد كيف تحول إلى علم قائم بذاته، أي ما سمي بالهرمنيوطيقا الذي يذهب معناه إلى علم فهم النصوص، ووضح كيف اختلف المفكرون في تحديد طبيعته ووظيفته، معرجا على أسماء فكرية كشلاير ماخر وهايدغر وغادمير وبول ريكور، ليخلص إلى أن التأويل عبر التاريخ "لم يكن مجرد أداة لشرح النصوص، بل تحول إلى آلية لفهم الوجود نفسه، يتسع معناه باختلاف الحقول: "من الوساطة بين اللغة والفكر عند اليونان، إلى التوفيق بين النص والعقل أو التجربة الروحية في الإسلام، وصولا إلى كونه أفقا فلسفيا لفهم الإنسان والعالم في الفكر الغربي الحديث". هذا وينهي الناقد هذا الفصل بالحديث عن أنواع التأويل والتي وزعها بين تأويل ديني، وأدبي، وقانوني، ليحدد خصائص كل نوع ووظائفه بشكل عام.

أما الفصل الثاني فورد بعنوان "سلطة الذات المؤولة: جدل الحقيقة والوهم"، حيث انبنى على إشكالية هامة، تتمثل في الحدود الفاصلة بين التأويل كفعل عقلاني يستجيب إلى شروط النص، والتأويل الوهمي أو المشوه والذي تبنيه الذات من خلال تحميل النص مالا يحتمله من دلالات، لتبعده عن معناه الحقيقي وتقوله مالم يقله، وتقوم بمصادرته، وإجابة على هذه الإشكالية عرض الناقد آراء مجموعة من الفلاسفة الغربيين كهوسرل وغادمير وجاك دريدا..

هذا واعتبر أن فكرة الذات المؤولة المجردة التي تصل إلى المعنى الموضوعي من خلال تجردها من تحيزاتها الإيديولوجية وسياقاتها وظروفها لا يمكن الاعتداد بها، فكل نص يتم تلقيه وفقا لظرفيات محددة، ليتدخل وعي القارئ/المتلقي وثقافته وتجاربه ومرجعياته في تحديد معناه، وفي إعادة إنتاجه كذلك، وهنا يتحول القارئ إلى شريك، يتجاوز سلطة المعنى الأحادي نحو تعددية تأويلية، وأما عن التفكيك ونقد وهم المعنى الثابت، فيبين وجهة نظر دريدا التي تعتبر أنه لا يوجد معنى نهائي، و"أنه لا يوجد "خارج" موضوعي ومستقل، بل يتشكل دائما داخل شبكة العلاقات الدلالية للنص، وفي ضوء خبرة المتلقي وثقافته. وبذلك يصبح كل تأويل عملية لا نهائية من إعادة البناء، حيث يتكشف المعنى في حركية مستمرة لا تعرف الثبات. وهذه الشبكة تقود إلى فهم الذاتية الموضوعية في عملية التأويل التي قد تكون سهلة لكنها مخادعة أيضا إذا كان المتلقي له أسباب مخالفة مسبقا".

لا توجد إذن ذات محايدة وقراءة محايدة، فكل قراءة هي إعادة إنتاج للنصوص ضمن ظروف ثقافية وسياسية واجتماعية ..معينة، وكل قراءة تضمر إيديولوجيا محددة، وتخدم مصالح، وهو ما يجعل الحديث عن الموضوعية والمعنى الثابت وهما ورأيا متطرفا، ولا أدل على ذلك من قراءة المستشرقين للتراث الشرقي، والتي أبانت عن تحيزات ثقافية وسياسية، تخدم المصالح الاستعمارية بالدرجة الأولى.

إن ما يدعو إليه الناقد أن تكون القراءة متوازنة، تجمع بين الذاتية والموضوعية، فالتأويل حسب قوله "عملية مزدوجة تجمع بين الذاتية والموضوعية. فهي ذاتية لأنها مشروطة بوعي القارئ

وسياقه وتجربته الخاصة، لكنها موضوعية لأنها لا تتم خارج النص، بل في ضوء إشاراته وبنيته. وكل قراءة جديدة للنص هي إضافة إلى تاريخه التأويلي، مما يجعل النص فضاء مفتوحا

لتعدد الدلالات ".

والنصوص الكبرى حسب رأيه هي التي تكون لديها القابلية للتعدد التأويلي، إذ تظل حية بفضل شراكة قائمة بين القارئ والكاتب في إنتاج المعنى وتجديده.

الفصل الثالث وسمه الناقد بـ"أمزجة المتلقين ..كيف تنتج المعنى؟"

يؤكد الناقد أن فك شفرات النص تتدخل فيها العاطفة في تداخل مع العقلانية، والموضوعية مع الذاتية، ما يجعل المزاج عاملا حاسما في تحديد المعنى وتشكيله، والمزاج يتدخل فيه الموروث الثقافي مع التوقعات المسبقة والانحيازات الشخصية، يقول: "إن النص الواحد قد يتحول إلى نصوص متعددة بقدر عدد قرائه، أو حتى بقدر عدد قراءات القارئ الواحد في لحظات مزاجية مختلفة"، هذا ويعرض الناقد الآليات التي تحول المزاج الذاتي إلى عامل منتج للمعنى فيحصرها في: البعد النفسي /المزاج الفردي، إذ تتغير القراءات بتغير الحالات النفسية للمتلقين، وحسب تقلباتهم العاطفية ..، البعد الثقافي والمعرفي، حيث تختلف القراءات تبعا للمرجعيات الثقافية والمعرفية، البعد الاجتماعي والسياسي، حيث يتم استقبال النصوص ضمن منظومة معقدة من الانتماءات السياسية، والتجارب الحياتية والانتماءات الطبقية، ما يؤكد أن التأويل على حد قوله: " ليس فعلا فرديا محضا، بل هو سيرورة جماعية تتأثر بالبنى السلطوية والقيم السائدة في المجتمع، وهو ما يجعل المعنى دائم الحركة، متغيرا بقدر تغير أوضاع الناس وتحولاتهم".

البعد الروحي والديني وفيه فرق بين تأويل السلفية وتأويل المتصوفة وتأويل المفكرين الحداثيين والتأويل المعتمد على الاقتباس الموسوعي ..، هذا ويضع الناقد ضوابطا للتأويل تحميه من التطرف أو التحيز أو العشوائية من خلال إفراغه من معناه الأصلي وتوجيهه نحو معان تخرج به عن قصديته، ومنها: احترام أفق النص، الحفاظ على التماسك الداخلي للنص، وضع حدود للمعنى المفتوح، التفاعل الواعي ومرجعيات المتلقي، التوازن واحترام حرية التأويل.

ورد الفصل الرابع بعنوان "سيكولوجيا التأويل: اللاوعي الفردي كمحرك خفي، وضح فيه الناقد أن العملية التأويلية لا تنفصل عن السيكولوجية القرائية، والمتلقي لا يقرأ النص بعقله الواعي فقط، بل بلا وعيه الذي تتدخل في تشكيله الرغبات المكبوتة، والذكريات الشخصية والخيبات، والإسقاطات النفسية..فالمتلقي حسب قوله "لا يتعامل مع النص بوصفه سطحا لغويا فقط، وإنما يدخل إليه وهو محمل بخبراته الشخصية، وصراعاته الباطنة، ورغباته المكبوتة التي تتحول إلى مرشحات لا واعية تؤثر في عملية الفهم ".

ناهيك عن تدخل المكبوتات والرغبات واللاوعي الجمعي والمزاج الثقافي في تحديد المعنى أو تأويل النصوص، ليؤكد الناقد بعدها البعد العلاجي للتأويل، حيث بين أنه "ليس مجرد تلق سلبي بل هي فعل علاجي يعيد تشكيل العلاقة بين القارئ وعالمه الداخلي والخارجي. فالنص الذي يلمس الجرح قد يفتح بابا للدمع، لكنه قد يكون أيضا مفتاحا للتعافي" .

أما الفصل الخامس فورد بعنوان "حدود التأويل ..أين يبدأ وأين ينتهي"

وحاول فيه الناقد ضبط حدود المسؤولية التأويلية، حيث وضح أن التأويل المشروع "هو ذلك الذي يقرأ من داخل النص، منسجما مع إشاراته وسياقه، دون أن يسقط عليه أيديولوجيا خارجية. أما التأويل المنحرف، فهو ما يفرض على النص معنى غريبا عنه، أو يستغله لتبرير العنف أو التسلط السياسي أوالفكري"119.

يحذر الناقد من إساءة استعمال التأويل الذي يفضي إلى شرعنة العنف والاستبداد السياسي والعنصرية ..، أو ما يسميه هو باغتراب التأويل الذي يشوه النص أو ينسفه، ومن هنا يؤكد على أن التأويل مسؤولية أخلاقية وثقافية لأن تأثيره يمتد إلى المجتمع، لذا لابد من الحذر في استعماله، وعدم توجيهه لخدمة إيديولوجيا معينة من خلال تحريف المعنى، يرفض الناقد إذن بعض التأويلات التي تبتعد عن منطق العقل مثل: التأويل الموجه إيديولوجيا، التأويل المبتور، سلطة المؤول المزيفة والتي تتعلق بمن يمارس وصاية فكرية على الآخرين، التشويه التأويلي الذي ينتج عنه انقسام المجتمع وتغذية العنف الرمزي أو الإيديولوجي، التأويل الفاسد، التأويل العشوائي..

أورد الناقد الفصل السادس بعنوان "اتساع العلم وزيادة الاختلاف"

وضح فيه التحولات التي شهدها العالم اليوم بعد الثورة المعلوماتية وانفجار المعرفة، وبين أن المنصات الرقمية أعادت إنتاج المعرفة في استجابة واضحة إلى ميول المستخدمين، حيث تم تكريس سياسة القطيع الثقافي، ما أدى إلى ذوبان الفرد وضمور الحس النقدي وسقوط الفهم والتأويل في هوة التسيب والفوضى، يقول الناقد: "لقد أصبحت القدرة على فرز المعلومات ومعالجتها نقديا أهم من مجرد جمعها، إذ لم يعد التحدي يكمن في الوصول إلى المعلومة، بل في تمييز الصحيح من الزائف، والعلمي من الشعبوي، والموثوق من المضلل ".

بين الناقد أن تضخم المحتوى الرقمي ساهم في ظهور ما يسمى بالوعي الزائف بالمعرفة، إذ يتوهم القارئ موسوعيته وإلمامه بالكثير من القضايا والإشكاليات بعد أن يقرأ عناوين وملخصات فقط حولها، لكن هذا الإلمام واهم لأن السوشيال ميديا لا تقدم معرفة حقيقية، وكتاباتها تفتقد العمق والتحليل النقدي والمنهجي، لقد تآكل المعنى حسب رأي الناقد وشاعت ثقافة الصورة وتضخمت المعلومة وهو ما أدى إلى غياب القراءة التأملية الفاعلة .

في الفصل السابع والموسوم ب"المستقبل الرقمي وتحولات التأويل"يطرح الناقد تساؤلا: هل يظل التأويل ملكا للإنسان حينما يتكلم الذكاء الاصطناعي بلغتنا؟، وهل سيساعد الذكاء الاصطناعي في تأويل النصوص أم أنه سيقوم بإنتاجها؟ وما مدى قابلية النص للتأويل؟ وهل سيكون التأويل ملكا للعقل البشري أم أنه يختزل حسابيا في استنتاج المعنى بدل تذوقه؟.

يحاول الناقد الإجابة عن هذه التساؤلات فيقول: "لقد دخلنا مرحلة معرفية غير مسبوقة، لم يعد فيها الإنسان هو المتلقي الوحيد للنص، بل أصبح النص ذاته قادرا على التفاعل مع المتلقي عبر وسائط ذكية تعيد إنتاج المعنى لحظيا. في هذا العالم الرقمي، تغير مفهوم القراءة من فعل تأملي بطيء إلى عملية تفاعلية تشاركية، تتداخل فيها البرمجة بالوعي، والآلة بالذهن."

لقد تغيرت علاقة الإنسان بالآلة، بعد هيمنة الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية والخوارزمية التنبؤية، وهو ما أوقع التأويل في أزمة، إذ تحول النص إلى مادة رقمية يمكن تعديلها فوريا، ما يجعل النص سائلا متحولا، ليضيع أصله فيما بعد، وهذه الاحتمالية تدخل التأويل في مرحلة ما بعد المعنى، أو ما بعد التأويل، هذا وظهر القارئ الرقمي الذي يتحرك سريعا بين الشاشات، ليقطع قراءته من أجل التصفح وقراءة الإشعارات والتحديثات المستمرة، ومع انزياح مفهوم القراءة من كونها تجربة فكرية وجودية إلى الاستهلاك المعلوماتي أو القراءة من الخارج، تراجعت وظيفة التأويل، فالقارئ لم يعد يهمه الوصول إلى المعنى الممكن، وإنما صار همه الحصول على المعلومة الفورية، وكما يقول الناقد: "هنا، يصبح النص مسطحا، مفرغا من طبقاته الدلالية، لأن التلقي لم يعد يمر عبر التأمل، بل عبر الانفعال الآني والتصفح السّريع".

هذا وعرض الناقد تحول مؤول النص بتأثير الذكاء الاصطناعي، من الفاعل البشري إلى الفاعل الخوارزمي الذي يقدم استجابات لغوية فقط وليس تأويلا عميقا يحوي رؤيته للعالم، وقد حلل مزايا المؤول البشري مع إحصاء سلبيات المؤول الآلي، لكنه افترض إمكانية الإفادة من الذكاء الاصطناعي دون محو للجهد البشري، حيث يصبح خادما للتأويل وليس سيدا عليه، كاستخدامه في التحليل الإحصائي ورسم الخرائط الدلالية، وكشف التناصات الخفية، ومن هنا يصبح التأويل تشاركيا وليس بشريا صرفا، ولو أن الناقد لا يرسم صورة قاتمة للذكاء الاصطناعي، حيث يقول: "يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لاستعادة العمق التأويلي المفقود في زمن السّعة،

عبر تمكين الناقد من قراءة آلاف النصوص ومقارنتها، واستخراج أنماط خفية تساعده على بناء رؤية أكثر شمولا دون الوقوع في التشتت الرقمي" .

ويبقى الإنسان حسب رأيه المرجع الأخير في التأويل وإنتاج المعنى، لأن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يقرأ، لكنه عاجز عن الإدهاش، اعتبارا من ذلك لا يمكن الاعتداد بمقولة موت التأويل، حيث أنه سيبقى لكن سيتغير شكله فقط، وستتغير أدواته لكن يظل جوهره.

يمكن أن نعد الكتاب دفاعا عن التأويل بوصفه عملية مجهدة تحاول الغوص عميقا في مكونات النص من أجل الكشف عن أسراره، وبقدر ما يحمل عنوانه من حسرة ومخاوف ورؤية مستقبلية متشائمة، فإن فصله الأخير يحسم الأمر ويجيب عن التساؤل حول موت التأويل، من خلال الدعوة إلى تأويلية حذرة تستفيد من بعض خدمات الذكاء الاصطناعي، ولا تلغي سلطة الإنسان المؤول، حيث تتكاثف الجهود من أجل خلق نصيات مبدعة عميقة تفلح في قراءة المضمر أو ما خلف السطور.

***

غزلان هاشمي

للكاتب السرياني السوري جوزيف أسمر ملكي

يمكن النظر إلى كتاب «النبراس في أسماء الناس» للباحث السرياني السوري جوزيف أسمر ملكي باعتباره محاولة ثقافية شعبية تنطلق من محبة الكاتب الشخصية والواضحة للغة السريانية والرغبة في إحياء أسمائها وتشجيع أبناء المجتمعات السريانية على استخدامها. ومن هذه الزاوية، يحمل الكتاب قيمة لا ينبغي إنكارها؛ فهو يلفت الانتباه إلى الاسم بوصفه جزءًا من الذاكرة والهوية، ويحاول جمع عدد كبير من أسماء الأشخاص والشعوب والأماكن والكلمات التي يرى المؤلف أنها تصلح أسماء للأطفال.

لكن المشكلة تبدأ عندما ننتقل من تقدير هذه النية الثقافية إلى تقييم الكتاب بوصفه عملًا معرفيًا. هنا يصعب وصف «النبراس في أسماء الناس» بأنه بحث أكاديمي أو دراسة معجمية بالمعنى العلمي. فالكتاب لم يقدم منهجًا محددًا يمكن للقارئ أن يتابعه، ولا يضع قواعد واضحة لاختيار الأسماء أو تحديد أصولها، كما لا يشرح الأدوات التي اعتمد عليها للوصول إلى عدد من الاستنتاجات اللغوية والتاريخية.

وهذه المسألة أساسية؛ لأن البحث في أصول الأسماء ليس لعبة تقوم على تشابه الأصوات. عندما نجد اسم مدينة أو شعب يشبه كلمة في السريانية، لا يمكن أن نستنتج مباشرة أن الاسم سرياني وأن معناه هو معنى تلك الكلمة. يجب أولًا معرفة أقدم ظهور موثق للاسم، وصورته في النقوش والمخطوطات، واللغة التي ظهر فيها، ثم دراسة تحولاته الصوتية عبر الزمن ومقارنته باللغات المجاورة.

مشكلة الاشتقاق بالتشابه

من أكثر الملاحظات التي يثيرها الكتاب ميله في مواضع متعددة إلى تفسير الأسماء من خلال مفردات سريانية قريبة منها في الصوت. هذه الطريقة قد تنتج أحيانًا تفسيرًا صحيحًا بالمصادفة، لكنها لا تصلح منهجًا عامًا.

فالشرق الأدنى عرف خلال آلاف السنين لغات وحضارات متداخلة: السومرية والأكادية والآرامية ولهجاتها المختلفة والعبرية والفينيقية والعربية الجنوبية القديمة والعربية والفارسية واليونانية وغيرها. وبعض أسماء المدن والبلدان والشعوب أقدم من السريانية الأدبية نفسها. لذلك فإن رد اسم قديم إلى كلمة سريانية حديثة نسبيًا يحتاج إلى برهان تاريخي ولغوي، وليس مجرد وجود تشابه في حرفين أو ثلاثة يجعل أصل أي اسم سرياني .

كان من الضروري أن يميز المؤلف في كل حالة بين «التفسير المؤكد» و«التفسير المرجح» و«الاحتمال» و«الاشتقاق الشعبي»ورأيه الخاص. لكن الكتاب يقدم في أحيان كثيرة المعنى بصورة مباشرة، بما قد يجعل القارئ غير المتخصص يعتقد أنه أمام حقيقة لغوية محسومة.3025 ALNBRASS

 الاسم السرياني والاسم الذي استعمله السريان

هناك مشكلة أخرى تتعلق بالخلط بين (الأصل اللغوي للاسم) و(استعمال الاسم داخل الثقافة السريانية). فقد استعمل السريان عبر تاريخهم أسماء ذات أصول يونانية وعبرية وفارسية وعربية وغيرها، وأخضعوها أحيانًا لنظام النطق والكتابة السريانيين.

لكن انتقال الاسم إلى السريانية لا يجعل أصله سريانيًا. وهذه قاعدة بسيطة لكنها شديدة الأهمية. فهناك فرق بين أن نقول: «هذا اسم سرياني الأصل»، وأن نقول: «هذه هي الصيغة السريانية لهذا الاسم»، أو «هذا اسم شاع استعماله بين السريان». عدم الفصل بين هذه المستويات يؤدي إلى بناء تاريخ لغوي غير دقيق.

وكان من الممكن للكتاب أن يكون أكثر فائدة لو صنف مواده إلى: أسماء سريانية موثقة، وأسماء آرامية أقدم، وأسماء كتابية عبرية، وأسماء يونانية أو فارسية انتقلت إلى السريانية، ثم أسماء حديثة مستحدثة أو مقترحة.

 «قاموس الأسماء السريانية للأطفال»

يشغل هذا القسم مساحة مهمة من النصف الثاني للكتاب، وربما يمثل المشروع الذي كان المؤلف أكثر حماسة له. غير أن تسميته «قاموسًا» تثير توقعات علمية لا تحققها مادته بصورة كافية.

الجداول مزدحمة، ولا يقدم الكتاب مفتاحًا منهجيًا واضحًا يساعد القارئ على فهم وظيفة كل خانة. نجد اللفظ الشرقي والغربي، وصيغًا للتصغير والجمع أو صيغًا أخرى، لكن العلاقات بينها ليست مشروحة بما يكفي. كما أن النقل إلى الحروف العربية لا يستطيع وحده التعبير بدقة عن جميع الفروق الصوتية بين تقاليد النطق السرياني.

والأكثر أهمية أن القارئ لا يستطيع دائمًا معرفة ما إذا كان أمام (اسم شخص موثق تاريخيًا) أم (كلمة سريانية اختارها المؤلف لأنها جميلة وتصلح، في رأيه، لتسمية طفل).

هناك فرق كبير بين الحالتين. فكلمات مثل «قمر» أو «وردة» أو «نسر» أو «حكمة» قد توجد في لغة ما، لكن وجود الكلمة لا يعني بالضرورة أنها كانت اسم علم مستعملًا تاريخيًا. ولو أعلن المؤلف أن مشروعه يتضمن «مفردات سريانية مقترحة لتسمية الأطفال»، لكان الأمر أكثر وضوحًا ودقة.

 أين المعاجم الكبرى؟

السؤال الذي يفرض نفسه أثناء قراءة الكتاب هو: أين التراث المعجمي الضخم للغة السريانية؟

لقد أُنجزت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وقبل ذلك وبعده، أعمال معجمية بالغة الأهمية. يأتي في مقدمتها «كنز السريانية» لروبرت باين سميث، وهو موسوعة معجمية ضخمة تستند إلى مادة نصية واسعة. وهناك «المعجم السرياني المختصر» لجيسي باين سميث، الذي أصبح من أكثر الأدوات العملية انتشارًا بين دارسي السريانية.

كما يمثل المعجم السرياني اللاتيني لكارل بروكلمان مرجعًا مهمًا في الدراسات السامية المقارنة، إلى جانب معجم توما أودو الذي يتمتع بأهمية خاصة في التقليد السرياني الشرقي، وأعمال لويس كوستاز التعليمية والمعجمية. وفي الدراسات الآرامية الحديثة تبرز معاجم مايكل سوكولوف التي تستفيد من التطور الكبير في دراسة اللهجات الآرامية والنصوص المنشورة حديثًا.

هذه المعاجم ليست مجرد قوائم تضع كلمة أمام معناها؛ فأفضلها يحيلنا إلى الشواهد والنصوص والسياقات، ويساعد الباحث على معرفة تاريخ الاستعمال والفروق الدلالية. ومع التطور الرقمي أصبحت موارد معجمية ونصية كثيرة متاحة إلكترونيًا، وأصبح الوصول إلى جانب مهم من التراث السرياني أسهل بكثير مما كان عليه قبل عقود.

لذلك فإن كتابة كتاب عن الأسماء السريانية من دون حوار عميق مع هذا التراث المعجمي تجعل العمل محدودًا وضعيفًا للغاية مهما كانت نيات صاحبه طيبة وجيدة وبحسب حديث الباحث فقد كانت الطبعة الأوى في عام 1999 ثم الثانية في 2024 ولكنه لم يٌحدث تطويرات هامة وظل الكتاب أقل من مئة صفحة ولم يستفد الكاتب من اقامته في السويد وإمكانيات البحث المتوفرة .

 مشكلة عربية أوسع من هذا الكتاب

ربما من غير المنصف تحميل جوزيف أسمر ملكي وحده مسؤولية ظاهرة أوسع بكثير. فالكتاب يكشف مشكلة ثقافية نراها في عدد من البيئات العربية والسريانية: نكتب أحيانًا بمعزل عن حركة البحث العلمي العالمية ون مكانها وزمانها، نكتب بعقلية قديمة، ثم نشتكي من ندرة المراجع.

الحقيقة أن الدراسات السريانية والآرامية والسامية ليست مجالًا ميتًا. هناك أقسام جامعية ومراكز ومشروعات بحثية منتشرة في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، وتصدر سنويًا كتب ودراسات ومقالات وتحقيقات للنصوص والمخطوطات. وتعمل جامعات ومراكز متخصصة في الدراسات الشرقية والمسيحية الشرقية واللغات السامية والآرامية والآشوريات وتاريخ الشرق الأدنى والإسلام واليهودية.

توجد عشرات المراكز والأقسام والمشروعات البحثية حول العالم أمر واقعي. والمشكلة ليست دائمًا غياب المعرفة، ولكن في تكاسلنا وعدم المتابعة والوصول إليها، ورغم توفر تقنيات حديثة أضعفت الحاجز اللغوي ويمكن أن نستعين بوسائل كيرة للفهم والترجمة إلى العربية.

نحن نحتاج إلى مراجعة علاقتنا بالمراجع. فليس من المعقول أن نعثر على كتيب عربي محدود المصادر، ثم نتعامل معه باعتباره المرجع النهائي لموضوع دُرس عالميًا طوال قرنين. احترام الباحث العربي أو السرياني لا يعني تضخيم قيمة عمله، بل وضعه في مكانه الصحيح داخل تاريخ البحث.

والأخطر أن الاعتماد المتكرر على الكتب الشعبية غير المحققة يؤدي إلى دائرة مغلقة: ينقل كاتب معلومة ضعيفة، ثم ينقلها عنه كاتب آخر، وبعد سنوات يصبح تكرارها دليلًا مزعومًا على صحتها. وهكذا لا ننتج معرفة جديدة، بل نعيد تدوير الأخطاء.

 استنتاجات هامة

 أولًا: يمتلك كتاب «النبراس في أسماء الناس» قيمة ثقافية شعبية واضحة؛ فهو يعبر عن رغبة طيبة في حماية الذاكرة السريانية وإعادة الأسماء إلى التداول، وهذه قيمة تستحق الاحترام.

 ثانيًا: يصعب تصنيف الكتاب بوصفه بحثًا أكاديميًا متخصصًا؛ لأنه لم يمتلك منهجًا لغويًا واضحًا، ولم يقدم جهازًا توثيقيًا كافيًا، ولم يبني استنتاجاته دائمًا على شواهد تاريخية قابلة للتحقق.

 ثالثًا: يمثل الاعتماد على التشابه الصوتي إحدى نقاط الضعف الأساسية. فالتأثيل يحتاج إلى قوانين صوتية وشواهد تاريخية ومقارنة بين اللغات، ولا يكفي العثور على كلمة سريانية تشبه اسم مدينة أو شعب.

 رابعًا: يحتاج الكتاب إلى تمييز حاسم بين الاسم السرياني الأصل، والاسم الذي استعمله السريان، والصيغة السريانية لاسم أجنبي، والمفردة السريانية الحديثة المقترحة لتصبح اسمًا.

 خامسًا: «قاموس الأسماء السريانية للأطفال» يحمل فكرة ثقافية جميلة، لكنه يحتاج إلى إعادة بناء معجمية كاملة، مع شرح الأعمدة والصيغ والنطق، وتوثيق الأسماء تاريخيًا، والفصل بين الأسماء الموروثة والأسماء المقترحة.

 سادسًا: تكشف قراءة الكتاب مشكلة أوسع في ثقافتنا البحثية، تتمثل في ضعف متابعة الإنتاج الأكاديمي العالمي. لدينا عشرات المعاجم والدراسات والمشروعات الرقمية والمراكز المتخصصة، لكننا قد نتجاهلها ثم نعلن أن المراجع قليلة أو معدومة.

 خاتمة

لا ينبغي أن تكون القراءة النقدية لكتاب «النبراس في أسماء الناس» هجومًا على مؤلفه أو تقليلًا من محبته للثقافة السريانية. الأفضل أن نضع الكتاب في حجمه الطبيعي: كعمل ثقافي شعبي يحمل حماسة واضحة لإحياء الأسماء السريانية، لكنه لا يمتلك المقومات الكافية ليكون مرجعًا أكاديميًا في علم الأسماء والتأثيل التاريخي .

وتكمن فائدته ربما في الأسئلة التي يثيرها أكثر من الإجابات التي يقدمها. يمكن العودة إلى أسمائه وفحصها واحدًا واحدًا في ضوء «كنز السريانية» لباين سميث، ومختصر جيسي باين سميث، وبروكلمان، وتوما أودو، وكوستاز، وسوكولوف، ثم مقارنتها بالنقوش والمصادر الأكادية والآرامية والعبرية والعربية واليونانية بحسب تاريخ كل اسم. إن خدمة التراث السرياني لا يمكن أن تتحقق بالمبالغة في نسبة كل شيء إليه، بل بالدقة في معرفة ما هو سرياني فعلًا، وما ورثته السريانية من لغات أقدم، وما استعارته من ثقافات أخرى، وما منحته بدورها للغات والشعوب المجاورة. وحين نضع الحماسة الثقافية إلى جانب المنهج العلمي، يصبح دفاعنا عن هذا التراث أكثر قوة ومصداقية. أما الاكتفاء بتكرار كتيبات محدودة، مع تجاهل المكتبات والمعاجم والأبحاث العالمية المتراكمة، فلا يحفظ التراث؛ بل قد يحول الجهل القديم إلى «مرجع» جديد.

***

حميد عقبي

........................

رابط مراجعة نقدية للكتاب

https://youtu.be/I5gsF8Y9qM4?si=SHH6E2Z68IsL3QTL

 

للباحثة الهولندية هيلين موريه- فان دن بيرغ

تأتي دراسة «الهوية السريانية في العصر الحديث» للباحثة الهولندية هيلين موريه ـ فان دن بيرغ بكونها محاولة مكثفة لقراءة التحولات التي مرت بها الجماعات السريانية في الشرق الأوسط والشتات منذ بدايات العصر العثماني وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين. نُشرت الدراسة سنة 2018 ـ الفصل الثامن والثلاثين من الكتاب الأكاديمي الجماعي «العالم السرياني» الذي حرره الباحث دانيال كينغ، وصدرت ضمن الصفحات 770–782. وتتناول الباحثة مفهوم «السرياني» بحذر منذ البداية، مؤكدة أنه لا توجد تسمية واحدة متفق عليها بين الباحثين أو داخل الجماعات نفسها، كونها تتقاطع تسميات السرياني والآشوري والكلداني والآرامي، بينما تختار هي «سرياني» بوصفه مصطلحًا واسعًا يجمع الكنائس والجماعات المرتبطة بدرجات مختلفة باللغة السريانية الكلاسيكية وتراثها الديني والأدبي.

محاور الدراسة

تتحرك الدراسة تاريخيًا من القرن السادس عشر، فتتابع انقسام الكنائس السريانية إلى فروع تقليدية وكاثوليكية، والعلاقات مع روما، وتأثير البعثات الكاثوليكية ثم البروتستانتية، وظهور التعليم الحديث والمطابع والصحافة. وتعطي مساحة خاصة لأورمية في القرن التاسع عشر ولنشاط المبشرين الأمريكيين، وترى أن هذه البيئة ساعدت على توسيع الوعي بتاريخ الكنائس السريانية وعلى ظهور تعبير «الأمة السريانية» ميللات سوريايا قبل شيوع المصطلح القومي «الآشوري» في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. ثم تنتقل إلى مذابح 1915 والتهجير والحرب العالمية الأولى، وأحداث سميل في العراق سنة 1933، وتحولات المسيحيين السريان داخل الدول الحديثة في العراق وسوريا وتركيا ولبنان وفلسطين. وتتابع أخيرًا موجات الهجرة إلى أوروبا والأمريكيتين وأستراليا، وما فرضه الشتات من أسئلة جديدة حول اللغة والكنيسة والاندماج والهوية القومية. وتنتهي الدراسة إلى أن الهوية السريانية الحديثة لم تتشكل من عنصر واحد، بل من تفاعل الكنيسة واللغة والذاكرة المشتركة والاضطهاد والهجرة والحداثة، مع استمرار التنافس بين الهويات السريانية والآشورية والآرامية والكلدانية، وبقاء الانتماء الكنسي والعائلي في كثير من الأحيان أقوى من مشاريع الوحدة القومية الحديثة.

تتمحور الدراسة حول سلسلة من التحولات المصيرية التي أعادت تشكيل الجماعات السريانية أكثر من مرة، وتعرضها الباحثة بوصفها تاريخًا متحركًا لا يمكن اختزاله في هوية ثابتة أو تسمية واحدة. تبدأ هذه التحولات بانقسام الكنائس السريانية منذ القرن السادس عشر إلى فروع تقليدية وكاثوليكية، ثم ظهور الإرساليات البروتستانتية في القرن التاسع عشر وما رافقها من مدارس ومطابع وترجمات وصحافة. وتولي الباحثة أهمية خاصة لأورمية، حيث ترى أن الطباعة والتعليم وترجمة الكتاب المقدس إلى الآرامية المحكية، إلى جانب إعادة قراءة التاريخ السرياني القديم، ساعدت في الانتقال من الانتماء الكنسي الضيق إلى تصور أوسع للجماعة، حتى بدأ تعبير «الأمة السريانية» يظهر قبل شيوع مصطلح «الآشوري». ثم تتابع الدراسة التحول من الهوية الدينية إلى خطاب قومي يستحضر التاريخ السابق للمسيحية، فتدخل تسميات الآشوري والآرامي والكلداني في منافسة مستمرة مع السرياني. وتأتي الحرب العالمية الأولى ومذابح 1915 بوصفها نقطة انهيار كبرى؛ إذ تحولت مجتمعات مستقرة إلى جماعات نازحة ولاجئة، وتكونت ذاكرة مشتركة من القتل والتهجير والخوف. ثم تظهر أحداث سميل سنة 1933 في العراق بوصفها محطة أخرى رسخت الإحساس الآشوري بالمظلومية والانفصال عن الدولة الجديدة. وبعد ذلك تنتقل الباحثة إلى مرحلة الاندماج النسبي في سوريا والعراق ولبنان، قبل أن تبدأ موجات الهجرة الكبرى منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، فيصبح الشتات نفسه قوة جديدة تعيد تعريف اللغة والكنيسة والقومية والذاكرة. وتخلص الدراسة إلى أن الهوية السريانية الحديثة نتاج تفاعل طويل بين الكنيسة واللغة والمذابح والهجرة والقومية والاندماج، وأن التسمية الجامعة لم تستطع إلغاء قوة الانتماأت الكنسية والعائلية والمحلية.

لكن إحدى أكثر نقاط الدراسة إثارة للنقاش هي المساحة الكبيرة التي تمنحها للإرساليات الغربية في تفسير «الصحوة» الحديثة. فالمبشرون الكاثوليك ثم البروتستانت يظهرون في السرد بوصفهم حاملي التعليم الحديث والمطبعة والبحث التاريخي وإعادة اكتشاف التراث، حتى يكاد القارئ يشعر أن المجتمعات السريانية كانت تنتظر العامل الخارجي كي تستعيد ذاكرتها وتدخل الحداثة. صحيح أن المدارس والمطابع والإرساليات أحدثت أثرًا مهمًا لا يمكن إنكاره، لكن الدراسة لا تمنح الوزن نفسه للمؤسسات المحلية والأديرة والعلماء والكتبة وشبكات تداول المخطوطات والتقاليد التعليمية التي سبقت الوجود التبشيري بقرون. والأكثر إشكالًا أن الحضور الأوروبي والاستعماري يُذكر غالبًا بلغة هادئة تركز على الحماية الدبلوماسية والتعليم والفرص الجديدة، بينما لا يُفرد للاستعمار نفسه تحليل مماثل بوصفه منظومة قوة أعادت ترتيب المجتمعات وعمقت الانقسامات الدينية والإثنية وربطت بعض الأقليات بالقوى الأجنبية في نظر جيرانها. فالاستعمار لم يكن مجرد مظلة حماية للمسيحيين، بل قوة فرضت مصالحها على المسلمين والمسيحيين معًا، وأسهمت، إلى جانب عوامل محلية كثيرة، في خلخلة توازنات قديمة وإنتاج حساسيات جديدة. ومن هنا تبدو صورة «النهضة التبشيرية» في الدراسة بحاجة إلى قدر أكبر من التوازن بين إسهام الغرب الحقيقي وبين دور السريان أنفسهم، وبين التعليم والحماية من جهة، وبين علاقات القوة والاستعمار وآثارها العميقة من جهة أخرى.

عشرة استنتاجات من عمق الدراسة

1. الهوية السريانية الحديثة ليست امتدادًا بسيطًا لهوية قديمة ثابتة

تكشف الدراسة أن الحديث عن «هوية سريانية» واحدة ممتدة بلا تغير من العصور القديمة إلى الحاضر يختصر تاريخًا أكثر تعقيدًا. فالانتماء الكنسي والعائلي والمحلي كان طويلًا أكثر حضورًا من المفهوم القومي الحديث. أما الهوية الجامعة فقد تشكلت تدريجيًا، وأُعيد تعريفها مرارًا بحسب الظروف السياسية والثقافية والهجرات والتحولات الاجتماعية.

2. كلمة «سرياني» نفسها ليست مجرد اسم إثني محسوم

من أهم ما تكشفه الباحثة أن اختيارها مصطلح «صيرياچ» هو خيار منهجي وليس إعلانًا عن حسم الخلاف التاريخي حول أصل الجماعات. فهي تستخدمه مظلة للكنائس المرتبطة بالتراث واللغة السريانية، بينما تعترف بأن السرياني والآشوري والآرامي والكلداني تسميات متنافسة. وهذا يجعل من الخطأ تحويل اختيار الباحث الأكاديمي للمصطلح إلى دليل لإثبات هوية قومية بعينها.

3. اللغة تمثل مساحة مشتركة أوسع من الانقسام الكنسي

على الرغم من الانقسامات بين كنيسة المشرق والسريان الأرثوذكس والكلدان والسريان الكاثوليك والبروتستانت، بقيت السريانية الكلاسيكية وتراثها الأدبي والطقسي عاملًا يسمح بالحديث عن فضاء ثقافي مشترك. ومن هنا تكتسب اللغة أهمية تتجاوز التواصل اليومي؛ فهي خزان للذاكرة ووسيلة تربط جماعات اختلفت في العقيدة والسياسة والتسمية والانتماء القومي.

4. مفهوم «الأمة السريانية» سبق انتشار القومية الآشورية الحديثة

تقدم الدراسة ملاحظة تاريخية مهمة عندما تشير إلى استعمال تعبير ميللات سوريايا، «الأمة السريانية» قبل شيوع تسمية «آشوري» في الصحافة السريانية الشرقية في أواخر القرن التاسع عشر. وهذا لا ينفي التاريخ الآشوري القديم، لكنه يفرض التمييز بين آشور التاريخية القديمة وبين تشكل الخطاب القومي الآشوري الحديث ومفرداته ومؤسساته السياسية والثقافية.

5. استعادة آشور وآرام وكلدان كانت جزءًا من البحث الحديث عن هوية علمانية

مع الحداثة لم تعد الكنيسة وحدها قادرة على تقديم جميع أجوبة الهوية، لذلك بدأ استحضار التاريخ السابق للمسيحية. فأصبح الماضي الآشوري أو الآرامي أو الكلداني وسيلة لبناء انتماء قومي يتجاوز العقيدة الكنسية. وهكذا لم تختفِ الهوية المسيحية، بل أضيفت إليها طبقة تاريخية جديدة تحاول نقل الجماعة من مفهوم الطائفة الدينية إلى مفهوم الشعب أو الأمة.

6. المأساة صنعت قدرًا من الوحدة لم تستطع السياسة تحقيقه بالكامل

المفارقة المؤلمة التي تظهر منذ مقدمة الدراسة أن جماعات تختلف في تسمياتها تستطيع أن تتعرف إلى نفسها داخل ذاكرة مشتركة للقتل والتهجير. فالسيفو والحرب العالمية الأولى وسميل والنزوح المتكرر أصبحت عناصر تتجاوز بعض الحدود المذهبية. ولذلك تشكلت أجزاء مهمة من الوعي السرياني الحديث حول ذاكرة الخسارة بقدر ما تشكلت حول اللغة والأدب والكنيسة.

7. الدولة القومية الحديثة لم تحل مشكلة الهوية بل أعادت صياغتها

انهيار الإمبراطوريات لم يؤد تلقائيًا إلى تحرير الجماعات الصغيرة. فقد وجد السريان والآشوريون والكلدان أنفسهم داخل تركيا والعراق وسوريا وغيرها أمام دول تطلب ولاءً قوميًّا جديدًا. وأصبح السؤال: هل يكون الفرد عربيًا أو تركيًا أو عراقيًا أولًا، أم سريانيًا أو آشوريًا أو كلدانيًا؟ ومن هنا انتقلت أزمة الهوية من المجال الكنسي إلى فضاء المواطنة والسياسة.

8. الشتات لم يحفظ الهوية فقط، بل أعاد تصنيعها

الهجرة إلى أوروبا والأمريكيتين وأستراليا لم تكن مجرد انتقال جغرافي. ففي الشتات ظهرت الجمعيات والأحزاب والأبرشيات والمدارس ومشروعات تعليم السريانية، وأصبح ممكنا إعادة التفكير في الهوية بعيدًا عن ضغوط دول المنشأ. لكن الحرية الجديدة أنتجت مفارقة أخرى: كلما ازدادت المؤسسات التي تعمل لحماية الهوية، ازداد أيضًا الخوف من الاندماج والذوبان في المجتمعات الغربية.

9. مشروع الوحدة القومية يصطدم بقوة الكنيسة والعائلة والذاكرة المحلية

بعد أكثر من قرن من الدعوات إلى هوية آشورية أو سريانية أو آرامية جامعة، ترى الباحثة أن الكنيسة ما تزال بالنسبة إلى معظم الناس المجال الأول الذي تتكون داخله العلاقات والذاكرة والطقوس والزواج والأسرة. ولهذا لا تستطيع الشعارات القومية بسهولة إزالة الحدود بين الكنائس؛ فالهوية التي تُعاش يوميًا قد تكون أقوى من الهوية التي تصوغها الأحزاب والنخب الثقافية.

10. التاريخ السرياني الحديث لا يمكن تفسيره من داخل الكنيسة وحدها ولا من خلال الغرب وحده

ربما يكون هذا أهم استنتاج يمكن أن نضيفه نقديًا إلى الدراسة. فالتاريخ الذي نقرأه نتج من تفاعل عوامل داخلية وخارجية: الكنائس والأديرة والعلماء واللغة والمخطوطات والعائلات من جهة، والإرساليات والاستشراق والاستعمار والحفريات والمدرسة الحديثة والدولة القومية من جهة أخرى. لذلك فإن نسب «النهضة» إلى المبشرين وحدهم يعيد إنتاج رؤية مركزية غربية، مثلما أن تجاهل أثرهم سيكون تبسيطًا معاكسًا. القراءة الأكثر توازنًا ترى السريان فاعلين في تاريخهم، يتلقون المؤثرات ويقاومون بعضها ويعيدون توظيف بعضها الآخر، وليسوا جماعة ساكنة جاء الغرب ليوقظها.

بين البحث العلمي وفوضى الهويات الجاهزة

تعيدنا هذه الدراسة في النهاية إلى السؤال الذي بدأنا منه: ماذا نعني عندما نقول «السريان» أو «الأمة السريانية»، وكيف يمكن الحديث عن الآراميين والسريان والآشوريين والكلدان من دون إسقاط مفاهيم حديثة على عصور قديمة؟ تكمن المشكلة في أن جزءًا من الخطاب العربي المتداول، وخصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي وبعض البرامج والبودكاست، يتعامل مع هذه القضايا المعقدة من خلال عبارات حاسمة وسريعة: هذا يقول إن «السريان علّموا العرب الكتابة»، وآخر يقول إن «المسيح كان سريانيًا»، وثالث يتعامل مع الآرامية والسريانية وكأنهما اسمان متطابقان تمامًا في كل الأزمنة، ثم يأتي من يخلط بين الآراميين والأموريين أو بين اللغة والهوية والدولة والحضارة.

المسألة أكثر تعقيدًا من هذه الشعارات. فالآرامية أقدم بكثير من استعمال مصطلح «السريانية» للدلالة على الصيغة الأدبية والثقافية التي نسميها اليوم السريانية الكلاسيكية. وترجع بدايات الآراميين واللغات الآرامية إلى أواخر الألف الثاني قبل الميلاد، بينما يظهر حضورهم التاريخي بصورة أوضح منذ القرون الأولى من الألف الأول قبل الميلاد. أما السريانية الكلاسيكية فتبلورت انطلاقًا من لهجة آرامية شرقية مرتبطة بالرها وما حولها، ثم ازدهرت أدبيًا في القرون الميلادية الأولى. ولهذا لا يجوز أن نأخذ كلمة «سرياني» بمعناها الحديث ثم نسافر بها ثلاثة ألف سنة إلى الوراء ونضعها على كل ناطق بالآرامية.

والأمر نفسه ينطبق على مفهوم «الأمة». فقد انتشرت الآرامية على مساحة هائلة وأصبحت، بأشكال مختلفة، لغة للتجارة والإدارة والتواصل بين شعوب متعددة، ثم اكتسبت مكانة استثنائية في الإمبراطوريات الكبرى، ولا سيما في العصر الأخميني. لكن انتشار اللغة لا يعني بالضرورة وجود إمبراطورية آرامية واحدة حكمت هذه المساحة. عرف التاريخ ممالك آرامية متعددة ومراكز سياسية وثقافية مهمة، لكن لم تظهر دولة آرامية استعمارية كبرى توحد كل الناطقين بالآرامية على غرار الإمبراطوريات الآشورية أو البابلية أو الأخمينية.

وهنا يصبح التمييز ضروريًا بين انتشار اللغة، وامتداد الثقافة، ووجود جماعات بشرية، وقيام دولة أو إمبراطورية .

وتساعدنا دراسة هيلين موريه ـ فان دن بيرغ تحديدًا على فهم خطورة إسقاط المفاهيم الحديثة على الماضي. فحتى تعبير «الأمة السريانية» بمعناه القومي الحديث لم يكن حقيقة ثابتة عبر العصور، لكنه مر بمراحل طويلة من التشكل، وتداخل مع الانتماء الكنسي والمحلي والعائلي والاستعمار، ثم دخل في حوار وصراع مع التسميات الآشورية والآرامية والكلدانية. وهذا وحده يكفي لجعلنا أكثر حذرًا أمام الروايات الشعبية التي تقدم تاريخ آلاف السنين في جملة واحدة.

ربما تأتي بعض هذه الفوضى من الاكتفاء بما يتكرر في المقاطع القصيرة والبرامج الشعبية بدل العودة إلى الدراسات المتخصصة.

والمفارقة أن الإنتاج العلمي حول الآراميين والسريان والآشوريين والكلدان واللغات السامية والمسيحية الشرقية شديد الكثافة والنشاط. فهناك جامعات ومراكز بحثية ومجلات وموسوعات ومؤتمرات دولية تنشر باستمرار دراسات جديدة، كما يكشف كتاب «العالم السرياني» نفسه، وهو عمل جماعي ضخم شارك فيه متخصصون في مجالات متعددة، وكانت الدراسة التي ناقشناها مجرد فصل واحد منه.

ولا يعني ذلك أن كل دراسة غربية صحيحة أو مكتملة أو فوق النقد. لقد وجدنا في هذه الدراسة نفسها نقاطًا تستحق المناقشة، وفي مقدمتها المساحة الكبيرة التي منحتها الباحثة للإرساليات الغربية في تفسير النهضة الحديثة، مقابل حضور أقل لتحليل الاستعمار بكونه قوة سياسية أعادت تشكيل المنطقة وعلاقات جماعاتها. لكن هذه الملاحظات لا تلغي قيمة الدراسة؛ حيث إن القدرة على مناقشتها هي جزء من قيمتها.

فالباحث لا يكتب كي يجد من يصفق له، وإنما يطرح فرضيات ونتائج وينتظر من يختبرها ويناقش مصادرها ويكشف ما أغفلته، وربما يقدم تفسيرًا مختلفًا. ومن دراسة جيدة قد تولد دراسة تعارضها، ومن سؤال صغير قد ينشأ مشروع بحث كامل. هكذا تتقدم المعرفة في الجامعات والمراكز البحثية الحية: بالتراكم والمراجعة والاختلاف، لا بتحويل الباحث أو الكتاب إلى سلطة مقدسة.

وما نفتقده عربيًا في كثير من الأحيان ليس غياب المصادر، بل ضعف الوصول إليها وكسل في ترجمتها وعرضها ومناقشتها خارج الدوائر الأكاديمية الضيقة. لذلك نسمع أحيانًا بثقة كبيرة الكثير من الادعاء عن «السريان» و«الآراميين» و«الآشوريين» و«الكلدان»، بينما توجد خلف هذه الكلمات مكتبة دولية ضخمة ومتجددة لا تكاد تدخل النقاش الثقافي العربي العام.

والأجدى بدل البحث عن جملة تمنح هذه الجماعة أو تلك مجدًا مطلقًا أن نعود إلى التاريخ كما تكشفه النصوص واللغات والآثار والدراسات المقارنة. فالتاريخ السرياني والآرامي لا يحتاج إلى المبالغة كي يكون عظيمًا؛ إنه أكثر ثراءً وإثارة عندما نراه بتعقيداته الحقيقية. وما تزال الدراسات المتعلقة بالسريان والآراميين والآشوريين والكلدان وغيرهم نشطة بصورة مدهشة، وكلما قرأنا منها أكثر اكتشفنا أن الأسئلة المفتوحة أكبر بكثير من الإجابات السهلة التي تقدمها لنا وسائل التواصل الاجتماعي.

***

حميد عقبي

..................

نبذة عن الباحثة هيلين موريه-فان دن بيرغ

(Heleen Murre-van den Berg)

باحثة هولندية متخصصة في المسيحية الشرقية والدراسات

السريانية وتاريخ كنيسة المشرق والمجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط. اهتمت في أبحاثها بتاريخ اللغة السريانية والآرامية الحديثة، والإرساليات الغربية، وتحولات الهوية السريانية والآشورية، والهجرة والشتات. ولها عدد من الكتب والدراسات المتخصصة التي تجعلها من الأسماء المعروفة في حقل الدراسات السريانية والمسيحية الشرقية المعاصرة.

نُشرت دراستها «الهوية السريانية في العصر الحديث» سنة 2018 ضمن الكتاب الجماعي The Syriac World

«العالم السرياني»، بتحرير دانيال كينغ، في الصفحات 770–782. وصدر الكتاب عن دار روتليدج الأكاديمية في لندن ونيويورك، ضمن مشروع موسوعي واسع شارك فيه عدد كبير من الباحثين المتخصصين في التاريخ واللغة والأدب والكنائس والتراث السرياني.

* رابط سماع مداخلة نقدية عن الكتاب

https://youtu.be/je_ib63f6z0?si=9kBpO9eO-ebtn8br

قراءة اولية في شذرات د. صائب عبد الحميد

مدخل: في زمنٍ تتكاثف فيه الأسئلة أكثر مما تتكاثف الأجوبة، ويغدو فيه العقل العربي والاسلامي بين ضغط الموروث وإكراهات الحداثة، يبرز التفكير النقدي لا بوصفه ترفاً معرفياً أو مهارةً خطابية، بل باعتباره شرطاً من شروط تجديد الوعي لصفائه الداخلي وقدرته على الفهم.

من هذا الأفق تأتي أهمية قراءة أحد المشاريع الخاصة والمعمقة، لا لأنه يضيف صوتاً جديداً إلى سجالٍ مألوف حول النقد، بل لأنه ينقل هذا السجال من مستوى الموقف إلى مستوى التجدد، ومن مجرد مساءلة الأفكار إلى مساءلة البنية الذهنية التي تنتجها، حيث النقد ليس هدمًا لما استقر، بل فتحاً لمسالك أعمق نحو الحقيقة، والعقل النقدي ليس اعتراضاً عابراً، بل أفقاً لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعنى، وبين المعرفة ومسؤوليتها، وبين السؤال وما يطرحه من إمكانات،  من هنا جاءت هذه القراءة بوصفها محاولةً أولية للاقتراب من ذلك الجهد الهادئ والعميق الذي يجعل من التفكير النقدي طريقاً إلى تجديد الوعي، لا إلى تشتيته.

هكذا يتبدّى مشروع الدكتور صائب عبد الحميد، من خلال كتابه " النقد والعقل النقدي: شذرات تطبيقية" - الصادر حديثا ضمن سلسلة "" نقد "" التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية- بوصفه محاولة جادة لإعادة الاعتبار إلى فعل النقد  كشرط من شروط تجديد الوعي، لا مجرد أداة لمجابهة الأفكار أو تصنيفها، فالنقد، في هذا الأفق، لا يعود موقفاً طارئاً أو ردّ فعل عابراً، بل يصبح طريقة في النظر، وأسلوباً في بناء العلاقة بين العقل والعالم، وبين المفهوم وسياقه، وبين الفكرة وقدرتها على الصمود أمام الفحص.

ولعل أول ما يلفت النظر في هذا الكتاب أن المؤلف لا يتعامل مع النقد بوصفه شعاراً ثقافياً، بل بوصفه ممارسة معرفية تحتاج إلى عقل متأهب، ملتزم، ومتدرّب على المراجعة والتمحيص.

بين النقد وعقله

هذا الإصدار الجديد للمفكر الدكتور صائب عبد الحميد أقرب إلى محاولة فكرية هادئة، لكنها عميقة الأثر، لإعادة الاعتبار إلى النقد بوصفه فعلاً مؤسِّساً للوعي لا مجرد وسيلة في الجدل أو الاعتراض. فالنقد عبر هذا الأفق لا ينهض بوصفه موقفاً طارئاً من الأفكار، بل بوصفه شرطاً داخلياً في تكوين العقل نفسه وتجديد حيويته، إذ لا يكتمل الفهم إلا حين يتعلم الذهن كيف يسائل ما يظنه بديهياً، وكيف يراجع ما استقر في الوعي من مسلمات، وكيف يميز بين ما يبدو صحيحاً وما يثبت صوابه بعد الامتحان.

من خلال ذلك تبرز أهمية الجمع بين مفهومي "النقد" و"العقل النقدي" في العنوان نفسه، فالنقد وحده قد يُفهم على أنه عملية جزئية تتعلق بقضية معينة أو نص محدد أو سلوك فكري بعينه، أما العقل النقدي فهو البنية الأعمق التي تجعل تلك العملية ممكنة، وتمنحها معناها وفعاليتها، ثم ينتقل المؤلف الدكتور صائب عبد الحميد من مجرد الحديث عن النقد إلى مساءلة الشروط التي تجعل النقد فعلاً معرفياً منتجاً، لا مجرد انفعال ثقافي أو اعتراض لفظي، وهذا الانتقال بالغ الدلالة، لأنه يكشف عن أن اهتمامه ليس منصباً على النتائج بقدر ما هو منصب على تأسيس الملكة التي تنتج النتائج.

هذه النقطة تحديداً تكشف خصوصية هذا المشروع، حيث المؤلف لا يتعامل مع النقد باعتباره عنواناً نظرياً عاماً، بل يحوله إلى أفق معرفي كامل، تتداخل فيه التربية الفكرية مع الصرامة المنهجية، ويتجاور فيه النظر مع الممارسة، أي أننا بإزاء انتقال من الاعتراض كحركة عابرة إلى التفكير كطريقة في بناء الوعي.

والأهم أن المؤلف يصف مادته بأنها "شذرات تطبيقية"، وهي عبارة ليست بريئة من حيث الدلالة المنهجية، فهي توحي بأن المشروع ليس نسقاً مغلقاً يدّعي الإحاطة النهائية بالموضوع، بل هو أقرب إلى مختبر فكري يختبر الأفكار في جزئياتها، ويعيد النظر في مسلّماتها عبر أمثلة ومقاطع ومقاربات متعددة، وهذا ما يشير إلى حس إبستمولوجي مهم: المعرفة لا تولد من التكرار، بل من الاحتكاك، ولا تتكوّن من التسليم، بل من الفحص، ولا تنضج إلا حين تتعرض لما يكشف حدودها ويبيّن مواطن قوتها وضعفها، لذلك فإن البناء الشذري هنا ليس ضعفاً في التماسك، بل اختياراً ينسجم مع طبيعة الموضوع نفسه، لأن النقد لا يعيش في القوالب المغلقة، بل في المسافات التي تتيح للعقل أن يسائل ما ألفه.

ولهذا فإن القيمة المركزية في هذا الكتاب لا تكمن في كثرة الأحكام، بل في نوعية الوعي الذي يصدر تلك الأحكام، فالعقل النقدي ليس عقلاً مشاكساً، وإنما عقل متأهب، يعرف أن الحقيقة لا تُقتنص بالاندفاع، بل تُطلب بالصبر، وبفحص الفرضيات، وبالتحرر من سطوة المألوف، كما ان النقد ليس نقيض المعنى، بل طريقه إلى الصفاء؛ وليس إلغاءً للتراث أو الهوية أو المرجعية، بل تحرير لها من التلقي الكسول ومن التكرار الذي يفقدها طاقتها الحيوية.

وإذا كان ثمة ما يميز هذا المشروع، فهو أنه يتعامل مع العقل النقدي بوصفه قيمة ثقافية وأخلاقية في آن واحد، فالعقل النقدي ليس مجرد قدرة على الجدل أو ميل إلى الاعتراض، بل هو استعداد داخلي للإنصات إلى التعقيد، وتفكيك البداهات، وعدم الارتهان إلى الجاهز من الأحكام، ومن ثم فإن المؤلف الدكتور صائب عبد الحميد لا يدافع عن النقد لذاته، بل يدافع عن الوعي الذي لا يكتمل إلا بالنقد، حيث الوعي الذي لا يسائل نفسه يبقى عرضة للتصلب والضمور، والذهن الذي لا يراجع أدواته يتحول بمرور الوقت إلى أداة لإعادة إنتاج الوهم والأساطير بدل إنتاج المعرفة.

الصلة العميقة بين النقد والتربية الفكرية

الأستاذ الدكتور صائب عبد الحميد لا يفصل بين تكوين العقل وبين تعليمه كيف يفكر، ولا بين المعرفة وبين تهذيب أدواتها الداخلية، وهذا ما يمنح فكرة كتابه بعداً أخلاقياً لا يقل أهمية عن بعده المنهجي، حيث العقل النقدي، في هذا السياق، ليس مجرد تقنية تحليل، بل ملكة مسؤولية؛ مسؤولية تجاه المفهوم، وتجاه النص، وتجاه الواقع، وتجاه الذات نفسها، لأن أكبر الأوهام الفكرية تبدأ حين يظن العقل أنه قد امتلك الحقيقة امتلاكاً نهائياً، فيتحول من باحث عنها إلى حارس لها، ومن سائل لها إلى مكرر لها.

ومما يثير النباهة في هذا الكتاب أيضاً، أنه لا يقدّم النقد بوصفه استنساخاً لنماذج معرفية جاهزة، بل بوصفه جهداً في بناء وعي مستقل، قادر على محاورة التراث والحداثة معاً من دون أن يقع أسيراً لأي منهما، وهذا بالضبط ما يمنحه طبيعته الإبستمولوجية الخاصة: فهو لا يطلب من العقل أن يقطع صلته بجذوره، ولا أن يذوب في المناهج المستوردة، بل يدعوه إلى أن يكون قادراً على الفهم من داخل تجربته، وعلى النقد من داخل مسؤوليته، وعلى الاجتهاد من داخل حاجته إلى الحقيقة. هنا تتجاوز المسألة حدود المنهج لتصل إلى سؤال أعمق: كيف يمكن للعقل العربي المعاصر أن يتحرر من التبعية المعرفية من غير أن يسقط في انغلاق ثقافوي؟ وكيف يمكن له أن يكون نقدياً من غير أن يفقد صلته بالقيم والمعنى؟

وفي هذا السياق، تبدو قيمة الكتاب في أنه لا يفصل بين المعرفة والتربية، فالعقل النقدي، كما يفهم من هذا الكتاب، ليس ملكة طبيعية محضة، بل هو تكوين طويل يحتاج إلى تهذيب ومران وممارسة.، كما ان النقد هنا يكتسب بعداً تربوياً واضحاً؛ إذ لا يتعلق بتقويض الأفكار بقدر ما يتعلق بتأهيل الذات لتكون قادرة على التمييز بين مستويات الفهم، وبين ما هو راسخ حقاً وما هو متوارث على سبيل العادة، أي أن الكتاب يندرج في صميم تفكيك الأسئلة الكبرى التي تشغل الفكر العربي المعاصر: كيف نتحرر من أسر التلقي السلبي؟ وكيف نصنع عقلاً قادراً على الفهم دون أن يفقد حسّه بالقيمة والمعنى؟

تجديد الوعي

من اللافت أن هذا التصور لا يقدّم نفسه باعتباره استنساخاً لنماذج نقدية وافدة، بل يوحي برغبة في بناء وعي نقدي من داخل التجربة الفكرية ذاتها، وفي صوغ علاقة أكثر نضجاً بين الموروث والراهن، فالقضية ليست في استيراد مناهج النقد كما هي، ولا في معاداة الحداثة بوصفها حداثة، بل في اكتساب القدرة على التعامل مع الأفكار بوصفها موضوعات للفحص لا موضوعات للانقياد والتبني. ومن ثم فإن الإبستمولوجيا التي تلوح هنا ليست إبستمولوجيا وصفية فحسب، بل إبستمولوجيا معيارية أيضاً، لأنها تسأل عن الشروط التي تجعل الحكم معقولاً، والفهم منضبطاً، والتقويم ممكناً.

 ما يقترحه الدكتور صائب عبد الحميد، في الجوهر، هو نوع من تجديد للوعي. حيث المعرفة لا تبدأ من تراكم المعلومات، بل من تغير زاوية النظر؛ ولا تنشأ من كثرة الشروح، بل من إصابة السؤال لموضعه الصحيح، في هذا السياق، النقد يصبح فعلاً كاشفاً ومؤسساً في آن واحد: يكشف ما استتر تحت بداهة العادة، ويؤسس لعقل أكثر قدرة على الفهم، وأشد تحرراً من الأوهام والكهوف.

الكتاب يكتسب أهميته من كونه لا يضيف مجرد ملاحظات نقدية إلى مكتبة الفكر العربي، بل ينهض بمحاولة أعمق: أن يجعل من التفكير النقدي مجددا للبنية الداخلية للوعي، لا مجرد مهارة إضافية في هامشه.

بعبارة أخرى أهم ما في شذرات المفكر الدكتور صائب عبد الحميد هو أنها تستعيد للنقد معناه الإيجابي،لأن النقد، في التداول الشائع، كثيراً ما يُختزل إلى التجريح أو الاعتراض أو كشف الأخطاء، بينما في هذا الأفق فإنه يتحول إلى فعل تجديدي، غايته تحرير العقل من الاستغراق في الموروث غير المفحوص، ومن الخضوع للمسلّمات التي تتسلل إلى الوعي بوصفها حقائق نهائية، وهنا تنبثق القيمة الفلسفية العميقة للكتاب: إنه يدعو إلى عقل لا يعبد الراهن ولا يقدّس الماضي، بل يختبر كليهما بميزان الفهم والمسؤولية والتطلع المتفتح على الحقيقة.

وعليه فإن قراءة كتاب "شذرات تطبيقية في النقد والعقل النقدي" تقودنا إلى أن المفكر الدكتور صائب عبد الحميد لا ينشغل فقط بتقديم ملاحظات نقدية متفرقة، بل يسعى إلى ترسيخ مناخ ثقافي جديد، يكون فيه النقد علامة على الصحة الفكرية لا على التمرد المجرد، وعلى النضج لا على الفوضى، وهذه نقطة جوهرية، لأنها تجعل من العقل النقدي أفقاً لتجديد الوعي، لا مجرد تقنية لمخاطبة التراث أو معارضة الأفكار السائدة.

وإذا كان الفكر العربي والاسلامي المعاصر يحتاج إلى ما يعيد إليه توازنه، فإن هذا الكتاب يذكّره بأن النقد لا يزدهر إلا حين يقترن بالبصيرة، وأن البصيرة لا تنمو إلا حين تتربى في حضن السؤال، حيث العقل الذي لا يسأل يتلاشى، والعقل الذي لا يراجع ينكص، والعقل الذي لا يتعلم التمييز يفقد قدرته على العبور من الظن إلى الفهم، هنا تتجلى القيمة الأعمق لهذا الكتاب: إنه لا يدعونا إلى أن نكون ناقدين فحسب، بل إلى أن نصير جديرين بالنقد؛ أي أن نؤسس في ذواتنا ذلك الاستعداد الرفيع الذي يجعل من التفكير مسؤولية، ومن المسؤولية طريقاً إلى النضج، ومن النضج أفقاً مفتوحاً لفعالية الوعي ومصداقيته.

 القيمة الكبرى في هذا الكتاب تتحدد، في تقديري، في أنه يربط بين الفهم والصرامة، وبين الحس المعرفي والوعي الأخلاقي، وبين النقد بوصفه مساءلة والنقد بوصفه بناء. وهذا الربط هو ما يمنحه حيويته وقدرته على الاستمرار،لأن التجارب تفصح على أن المشروع النقدي الذي لا يفضي إلى تربية العقل يظل ناقصاً، كما أن العقل الذي لا يتدرب على النقد يبقى معرّضاً للجمود والتخلف. ومن هنا يمكن القول إن المفكر صائب عبد الحميد قدم، عبر كتابه هذا، إشارة مهمة إلى أن تجديد الوعي لا يبدأ من كثرة المعلومات، بل من كيفية النظر إليها، ومن نوع السؤال الذي نوجهه إليها، ومن الشجاعة المعرفية التي تسمح لنا ألا نكتفي بما استقر، بل نبحث عما يصحّ أن يستقر.

مستخلص

 وفق هذه القراءة الأولية، فإن الكتاب لا يمثل مجرد مساهمة في نقد الأفكار، بل مساهمة في إعادة تشكيل الأفق الذي تُنتج فيه الأفكار الحية، وهذه، في النهاية، هي العلامة الفارقة لكل تفكير نقدي جاد وأصيل، هكذا يظهر أن الدكتور صائب عبد الحميد لا يشتغل على النقد بوصفه موضوعاً عابراً، بل بوصفه مدخلاً إلى تحرير العقل من الجمود، وإلى اكتشاف المعاني بوصفها ثمار للسؤال المثير لدفائن العقول، لا للانفعال العابر...

***

مراد غريبي

هناك سير تُكتب لتروي حكاية، وأخرى تُكتب لتوثّق مرحلة من التاريخ، لكن السيرة الروائية "الخيار الآخر" لمازن الحسوني، الصادرة عام 2024 عن دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع، تنتمي إلى نوع ثالث؛ فهي تجعل من التجربة الشخصية نافذةً لقراءة تاريخ جيلٍ كامل، عاش الحلم الثوري، واختبر المنفى، وواجه الهزيمة، ثم اكتشف أن الإنسان يستطيع أن ينتصر بطريقة أخرى، أكثر هدوءاً وأشد أثراً.

تستند السيرة الروائية إلى وقائع عاشها الكاتب، لكنها لا تقع في فخ السيرة الذاتية المباشرة. فالواقع فيها يتحول إلى مادة روائية، والذاكرة تصبح فضاءً فنياً يعيد ترتيب الأحداث ويمنحها بعداً إنسانياً يتجاوز حدود الزمان والمكان. لذلك لا يقرأ القارئ حكاية مازن الحسوني وحده، بل يقرأ أيضاً سيرة آلاف العراقيين الذين غادرتهم أوطانهم قبل أن يغادروها هم.

منذ الصفحات الأولى، يضع الكاتب بطله "باسم" في مواجهة سؤال الحرية. فالبصرة، حيث تبدأ الحكاية، ليست مجرد مدينة، بل نقطة الانطلاق نحو رحلة طويلة من المطاردة والاختفاء والعمل السري. ومع الانتقال إلى جبال كردستان، ثم إلى المثلث الحدودي بين العراق وتركيا وسوريا، تتشكل جغرافيا الرواية بوصفها جغرافيا للمقاومة، حيث تصبح الكهوف بيوتاً، والجبال وطناً مؤقتاً، والاسم الحقيقي عبئاً ينبغي التخلي عنه حفاظاً على الحياة.

غير أن الكاتب لا يجعل النضال السياسي محور السيرة الوحيد، بل يكشف الوجه الإنساني المختبئ خلف صورة المقاتل. ففي القامشلي، حيث البيوت السرية التي كانت تستقبل الأنصار وتؤمّن احتياجاتهم، تنشأ قصة حب بين باسم وليلى، الفتاة الكردية التي تتحول تدريجياً إلى شريكة حياة، وإلى رمز لوحدة الإنسان بعيداً عن الانتماءات الضيقة.

ولعل أجمل ما في هذه السيرة الروائية أنها لا تتعامل مع الحب بوصفه استراحة بين معركتين، بل بوصفه شكلاً آخر من أشكال المقاومة. فحين يرفض والد ليلى زواجها من النصير العراقي، لا يكون الصراع بين شخصين، بل بين رؤيتين للحياة؛ رؤية تؤمن بحق الإنسان في اختيار مصيره، وأخرى تمنح السلطة الاجتماعية حق تقرير مستقبل الأفراد. وهكذا تتحول القصة العاطفية إلى سؤال اجتماعي وثقافي يتجاوز حدود الشخصيات.

لكن القوة الحقيقية للسيرة الروائية تتجلى في انتقالها من الخاص إلى العام، ومن التجربة الفردية إلى مراجعة المشروع الثوري نفسه. فجيل الأنصار الذي حمل السلاح أملاً في بناء وطن أكثر عدالة، يجد نفسه بعد سنوات أمام انهيارات متتالية، تبدأ بمآسي الأنفال ولا تنتهي عند سقوط النظام.

ولا تُقدَّم هذه السيرة بلغة الشعارات أو الأحكام القطعية، بل عبر تأملات هادئة ينسجها من خلال تجربة البطل، الذي يكتشف أن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تغيير المجتمع، وأن الثورة السياسية قد تفشل إذا لم تواكبها ثورة أخلاقية وإنسانية.

وهنا تبلغ السيرة الروائية ذروة تحولها الفكري والوجداني. فبعد أن كان باسم يحلم بتغيير العالم، يصبح همه إنقاذ حياة طفل واحد. وقد يبدو هذا الحلم أصغر من سابقه، لكنه في الحقيقة أكثر واقعية، وربما أكثر عمقاً. فقرار التبني لا يُقدَّم بوصفه تعويضاً عن الحرمان من الإنجاب، بل بوصفه إعلاناً عن فلسفة جديدة للحياة؛ فلسفة ترى أن الأبوة ليست فعلاً بيولوجياً، وإنما مسؤولية أخلاقية، وأن الأسرة تُبنى بالمحبة والرعاية قبل أن تُبنى بالوراثة.

فبعد أن خسرت ليلى طفلتها الوحيدة في موسكو، إذ أنتهى الحمل في شهره السابع بولادة جنين ميت، و" بعد أن أصبحت إمكانية الحمل الطبيعي مستحيلة، لجأنا إلى وسيلة مراوغة القدر، للحصول على ذلك الشيء الذي يكمل وجودنا" ص21.

ولا يكتفي الكاتب بطرح هذه الفكرة على مستوى التأمل، بل يمنحها حضوراً حياً داخل مسار الأحداث. فالتبني ليس خاتمة سعيدة تُضاف إلى السيرة الروائية، وإنما امتداد طبيعي لرحلة البطل، ودليل على أن الإنسان قادر على إعادة بناء حياته حتى بعد أن تتهاوى أحلامه الكبرى.

بدأت التجربة عام 2003، عندما احتضن الزوجان طفلاً عراقياً حديث الولادة من أحد مستشفيات الناصرية، وأطلقا عليه اسم رامي. وبعد أن بلغ عامه الثاني، انضمت إليه طفلة وُلدت في ستوكهولم وتُركت، وهي في أيامها الأولى، في أحد مساجد المدينة، فأسمياها رونيا.

ومنذ تلك اللحظة، لا يعود هناك طفل جاء من العراق وآخر وُلد في المهجر، بل أخ وأخته يجمعهما بيت واحد، واسم واحد، ومستقبل واحد.

ويتابع الكاتب هذه التجربة بتفاصيلها اليومية الهادئة؛ فيكبر الطفلان معاً، يتقاسمان اللعب والدراسة، ويختلفان ثم يتصالحان كما يفعل أي أخ وأخته، حتى تصبح رابطة الحياة المشتركة أقوى من أي رابطة أخرى. وفي الوقت نفسه، تحرص الأسرة على أن يبقيا على صلة بجذورهما العراقية، فيتعلمان العربية، ويتعرفان إلى تاريخ العراق وثقافته، بينما يندمجان بصورة طبيعية في مجتمع نشأتهما الأوروبي. وهكذا تغدو الهوية في السيرة الروائية مساحةً للاتساع لا للانقسام، ويصبح الانتماء المزدوج مصدر غنى لا سبباً للاغتراب.

ومن خلال هذه التجربة يؤكد الكاتب أن الأسرة ليست رابطة دم فحسب، وإنما مشروع محبة ومسؤولية والتزام، وأن الأبوة والأمومة تُقاسان بما يمنحه الإنسان من رعاية وأمان، لا بما يرثه الأبناء من جينات.

ومن الناحية الرمزية، تبدو رحلة التبني امتداداً لرحلات البطل السابقة. ففي الماضي كان يعبر الحدود حاملاً السلاح والحلم الثوري، أما اليوم فهو يعبرها حاملاً طفلة تبحث عن مستقبل. بقيت الحدود كما هي، وبقيت المخاطر والبيروقراطية والمهربون وتعقيدات الدول، لكن الهدف تغيّر؛ من محاولة تحرير وطن إلى إنقاذ إنسان.

وتكمن هنا إحدى أعمق دلالات السيرة الروائية؛ فهي توحي بأن بناء مجتمع أفضل قد يبدأ أحياناً من بناء أسرة أفضل، وأن إنقاذ طفل واحد قد يكون أكثر أثراً من آلاف الشعارات التي بقيت عاجزة عن تغيير الواقع.

ولعل أجمل ما يميز هذا العمل هو رفضه الاستسلام لليأس. فبرغم الحروب والمنفى والخسارات، لا يغرق الكاتب في السوداوية، بل يمنح شخصياته القدرة على النهوض مرة بعد أخرى، مؤكداً أن الإنسان لا يُقاس بعدد هزائمه، بل بعدد المرات التي ينهض فيها ليواصل الطريق.

أما فنياً، فيتميز الكتاب ببنية تعتمد على تداخل الأزمنة، حيث تتحرك الذاكرة بحرية بين البصرة والقامشلي ودمشق وستوكهولم، دون أن يفقد السرد تماسكه. كما ينجح الكاتب في المزج بين الواقعية التسجيلية والنبرة الوجدانية، فيمنح الأحداث صدقيتها التاريخية، ويمنح الشخصيات عمقها النفسي في آن واحد.

وتحضر السخرية العراقية في أكثر من موضع بوصفها وسيلة لمقاومة القسوة، لا للتخفيف منها فحسب. فهي سخرية تنبع من خبرة طويلة مع الحروب والهزائم، وتجعل القارئ يبتسم في اللحظة التي كان يتوقع فيها البكاء، فيكتشف أن الضحك قد يكون، هو الآخر، شكلاً من أشكال النجاة.

وفي المحصلة، لا يقدم "الخيار الآخر" إجابات جاهزة بقدر ما يطرح سؤالاً وجودياً بالغ الأهمية: ماذا يفعل الإنسان عندما تتهاوى الأحلام التي كرّس لها عمره؟ ويأتي الجواب هادئاً وعميقاً؛ يبدأ من جديد، ولكن على أرض أكثر صلابة، ويبحث عن معنى آخر للحياة، ويصنع انتصاره الخاص، ولو كان بحجم طفل وجد أخيراً من يمنحه اسماً، وعائلة، ومستقبلاً.

إن القيمة الحقيقية لـ"الخيار الآخر" لا تكمن في أنها تؤرخ لتجربة سياسية أو شخصية فحسب، بل في أنها تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية النهائية لكل نضال. فالثورات قد تنجح أو تخفق، والأنظمة قد تسقط أو تستبدل بغيرها، لكن الرحمة والمحبة والقدرة على منح الآخرين فرصة لحياة جديدة تبقى الانتصار الوحيد الذي لا تهزمه الأيام. ومن هنا تبدو هذه السيرة الروائية أكثر من استعادة للماضي؛ إنها دعوة هادئة إلى إعادة تعريف معنى النجاح، والانتصار، والوطن، والأسرة، وإلى الإيمان بأن الطريق إلى عالم أفضل قد يبدأ من قلب إنسان اختار أن يمنح إنساناً آخر بيتاً واسماً ومستقبلاً.

***

جورج منصور

 

كتب: ديلان ايفانز*

ترجمة: علي حمدان

***

يُعدّ كتاب تيموثي ميتشل "ذريعة رأس المال" (فيرسو، 2026) من الكتب النادرة التي تُعيد صياغة مفهوم مألوف بشكلٍ جذريّ، بحيث يصعب رؤيته في صورته القديمة. فكرته الأساسية بسيطةٌ بشكلٍ مُذهل: رأس المال ليس ثروةً مُتراكمةً من الماضي، بل هو القدرة على استخلاص القيمة من المستقبل. ما نسميه النمو الاقتصادي ليس مُحرك هذه العملية، بل ذريعتها. هذه الصياغة بارعةٌ ومُثيرةٌ للتفكير في آنٍ واحد. فهي لا تُزعزع الاقتصاد الكلاسيكي الجديد فحسب، بل تُزعزع أيضًا بعض العادات الراسخة في الفكر الماركسي. والنتيجة كتابٌ جديرٌ بالقراءة بتأنٍّ، والنقاش الجاد، ووضعه جنبًا إلى جنب مع أهمّ الأعمال الحديثة حول الرأسمالية والمناخ.

راس المال كمطالبة على المستقبل

تتلخص رؤية ميتشل الأساسية في أن الرأسمالية الحديثة لا تقتصر على تنظيم الإنتاج فحسب، بل تنظم الزمن أيضاً. فمن خلال الشركات، والديون، والرهون العقارية، والبنية التحتية، والأسواق المالية، والأنظمة التكنولوجية، تبني آليات لاقتناص الدخل المستقبلي في الحاضر. وتعمل شركات المساهمة، والدين الوطني، وتمويل الإسكان، واحتكارات المنصات، جميعها كأدوات لتحويل تدفقات الإيرادات المتوقعة إلى أصول قابلة للتداول اليوم. ويرى ميتشل أن الرسملة هي العملية المحورية. إذ يتم خصم دفعة مستقبلية، وتجميعها، وتثبيتها بالقانون والبنية التحتية، ثم بيعها مقدماً. ويتراكم الربح الآن، ويأتي السداد لاحقاً.

تكمن روعة هذه الحجة في إعادة توجيهها للانتباه. فبدلاً من التساؤل عن مصدر رأس المال، يتساءل ميتشل عن كيفية تحويل حياة المستقبل إلى أصل. وبدلاً من التركيز على التراكم المكاني - كالتوسع الاستعماري والعولمة - يُشدد على الاستخراج عبر الزمن. ولا يقتصر ضحايا هذه العملية على الشعوب المستعمرة أو العمال المستغلين فحسب، بل يشملون أيضاً الأجيال القادمة التي رُهنت أعمالها وضرائبها وإيجاراتها وإرثها البيئي بالفعل.

يُظهر ميتشل براعةً خاصة في كشف السرديتان المتناقضتان اللتان تخفيان هذه الديناميكية. أولهما التكنولوجيا. يُقال لنا إن الثروة تنبع من الابتكار، وأن الأجهزة الجديدة تُولّد قيمة جديدة. لكن ميتشل يُبين أن العديد من "الابتكارات" المُحتفى بها، مثل شركات المنصات، تعتمد بشكلٍ كبير على البنى التحتية المُمولة من القطاع العام، وتحقق الربحية من خلال احتكار السوق ونقل التكاليف بدلاً من تحقيق اختراقات تقنية حقيقية. تُصبح التكنولوجيا بذلك سرديةً تُصوّر الاستخراج وكأنه تقدم.

أما الحجة الثانية فهي النمو. يسجل الناتج المحلي الإجمالي سداد الديون، واستغلال الريع، وتوسع الرسوم كمؤشرات على الازدهار. ويظهر الدخل المستقبلي، بعد خصمه وتسجيله اليوم، كـ"توسع اقتصادي" عند سداده بتكلفته الكاملة. وبالتالي، لا يقيس النمو، وفقًا لهذا الحساب، الازدهار الجماعي، بل يقيس سداد عوائد مستقبلية مستغلة سابقًا. إنه سوء فهم منهجي متأصل في الأعراف المحاسبية نفسها.

التعميق الزمني

من أبرز نقاط قوة الكتاب نطاقه التاريخي الواسع. يربط ميتشل صعود الرأسمالية بالبنية التحتية الإمبراطورية، وهندسة الأنهار، وأنظمة الوقود الأحفوري، وبناء السكك الحديدية، وأسواق العقارات الحضرية. لم تكن المشاريع الاستعمارية مجرد مغامرات جيوسياسية، بل كانت أدوات لإعادة تنظيم سبل العيش وتحويلها إلى مصادر دخل مضمونة. لم يكن التدمير البيئي مجرد أثر جانبي مؤسف للتنمية، بل جزءًا من الجهاز التكنوسياسي الذي جعل التنبؤ بالمستقبل ممكنًا، وبالتالي قابلًا للتحويل إلى نقد. ظهر علم الاقتصاد الحديث جنبًا إلى جنب مع هذه المشاريع، مقدمًا لغةً يمكن من خلالها تصوير استغلال الوقت على أنه تقدم عقلاني.

في ظل هذا الإطار، تتضح أزمة المناخ بشكل جديد. فهي ليست مجرد نتيجة للنمو المفرط، بل هي نتاج نظام مصمم لاستهلاك المستقبل. إذ تفرض بنى الوقود الأحفوري والمؤسسات المالية تكاليف باهظة على الغد، بينما تُدرّ ثروات طائلة اليوم. إن انهيار المناخ ليس فشلاً في السوق، بل هو نجاحٌ للرأسمالية. هذه الصياغة حادة بقدر ما هي مقلقة.

في أفضل حالاته، يُقرأ كتاب "ذريعة رأس المال" كتعميق زمني لأكثر رؤى ماركس تشاؤمًا. في الفصل الثامن من كتاب رأس المال، يصف ماركس كيف يتصرف رأس المال وكأن الخراب طويل الأمد للطبقة العاملة غير ذي صلة. "بعدي الطوفان" هو الشعار السائد. يُقصّر رأس المال الأعمار لأنه محكوم بمتطلبات التقييم الفورية. يعمم ميتشل هذا المنطق ليتجاوز العمل إلى الزمن الكوكبي. إذا كان ماركس يُبين أن رأس المال يُنهك العمال أسرع من إمكانية استبدالهم، فإن ميتشل يُبين أن رأس المال يُنهك المستقبل أسرع من حلوله. كلاهما يُشخص لامبالاة هيكلية تجاه الخراب، لا فشلًا أخلاقيًا للرأسماليين الأفراد، بل هو نتيجة إكراه مؤسسي.

راس المال الثابت كعمل مجسد

لكن هنا تحديدًا يبرز التوتر. إن ادعاء ميتشل بأن رأس المال ليس ثروة متراكمة من الماضي، بل القدرة على استخلاص القيمة من المستقبل، له قوة بلاغية هائلة. فهو يقطع بشكل حاسم مع أسطورة الادخار والتوفير في الاقتصاد الكلاسيكي الجديد. مع ذلك، إذا أُخذ هذا الادعاء بشكل سطحي، فإنه يُخاطر بتسطيح بُعد هام من تحليل ماركس: رأس المال الثابت باعتباره عملاً مُجسداً.

يرى ماركس أن الآلات والبنية التحتية هي عملٌ ميت، مُخزَّن ومحفوظ. إنها تعاون اجتماعي مُتبلور، وجهد بشري مُتجمِّد مُجسَّد في شكل مادي. خط السكة الحديد يُجسِّد التعدين، وعلم المعادن، والهندسة، والمعرفة المُتراكمة عبر الأجيال. وبهذا المعنى، فهو بالفعل ثروة مُتراكمة من الماضي. إن إنكار هذا تمامًا من شأنه أن يُخفي الجمود المادي للمجال التقني والإنجازات التقنية الحقيقية للعمل الجماعي.

لا يتجاهل ميتشل البنية التحتية؛ بل إنها تلعب دورًا محوريًا في قصته. لكن تركيزه يتحول من طبيعتها التي تنظر إلى الماضي إلى وظيفتها التي تتطلع إلى المستقبل. فالسكك الحديدية تجسد العمل الذي بُذل في الماضي، ومع ذلك فهي تُسهم في استقرار تدفقات الشحن، وإعادة تنظيم المناطق، وضمان إصدار السندات. ويجعل استدامتها تدفقات الإيرادات المستقبلية قابلة للحساب، وبالتالي قابلة للاستثمار. في القرن التاسع عشر، مُوِّل بناء السكك الحديدية من خلال شركات مساهمة، تحديدًا لأن البنية التحتية جعلت الأرباح المتوقعة قابلة للتنبؤ. وهكذا، تُعدّ السكك الحديدية تجسيدًا للعمل وأداة لاستعمار المستقبل.

قد لا يكون التناقض الظاهر بين ماركس وميتشل تناقضًا بقدر ما هو اختلاف في وجهات النظر. لرأس المال الثابت بُعدان زمنيان: ماديًا، يُرسي العمل السابق؛ واجتماعيًا، لا يُعتبر رأس مال إلا بقدر ما يُنظّم استخراج الفائض المستقبلي. فالآلة الخاملة ليست رأس مال، وإنما تُصبح كذلك عندما تدخل في دورة الإنتاج (العمل - الاستهلاك - الإنتاج) وتُسيطر على العمل الحي. يُركّز ميتشل على البُعد الثاني لأن الرأسمالية المعاصرة قد كثّفته بشكلٍ كبير، إذ باتت الأدوات المالية تتغلغل في الحياة اليومية بطرقٍ لم يتوقعها ماركس إلا جزئيًا.

كيف تشكل المحاسبة الانطباعات

السؤال الأعمق هو ما إذا كان ميتشل ينتقل من نظرية قيمة العمل إلى ما يمكن تسميته بنظرية قوة الزمن. يتساءل ماركس عن منشأ القيمة ويجيب: في زمن العمل الضروري اجتماعيًا. يهتم ميتشل بشكل أقل بمنشأ القيمة من اهتمامه بالآلية التي تُثبَّت بها المطالبات المتعلقة بالحياة المستقبلية وتُباع. ينتقل تحليله من الاستغلال داخل الإنتاج إلى الرسملة عبر الزمن. يصبح رأس المال القدرة المؤسسية على خصم المدفوعات المستقبلية وتأجيلها وتجميعها وفرضها. هذا يجعله أقرب إلى فيبر وفيبلين وفوكو منه إلى نظرية قيمة العمل الصارمة

مع ذلك، لا يستلزم هذا التحول بالضرورة التخلي. فتدفق الإيرادات المخفّض يفترض أن هناك من سيعمل، ومن سيدفع، ومن سيستخرج الموارد، ومن سيحرق الوقود. إن المستقبل الذي يُستثمر فيه هو دائمًا عمل المستقبل بالإضافة إلى طبيعة المستقبل. لذا، قد يكون ميتشل يعيد وصف استخراج الفائض على نطاق زمني مختلف بدلًا من استبدال أنطولوجيا ماركس بشكل كامل. إن استغلال زمن المستقبل يعتمد في نهاية المطاف على توقع عمل المستقبل.

يُوسّع ميتشل فكر ماركس بشكلٍ حقيقي في تناوله لمستقبلات ما بعد العمل. فبينما حلّل ماركس استنزاف التربة والفجوة الأيضية، لم يُنظّر لرسملة الزمن الجوي، أو الاستقرار الجيولوجي، أو العتبات الكوكبية. يُبيّن ميتشل كيف تُحوّل نماذج المناخ، وتمويل البنية التحتية، وأنظمة الدين العام، مستقبلات البيئة إلى موضوعات للحساب والتكهن. لم يعد رأس المال يستعمر يوم العمل فحسب، بل المحيط الحيوي أيضاً. وهذا تطورٌ حاسم لأي نظرية جادة للرأسمالية في عصر الأنثروبوسين.

يكمن الإنجاز المفاهيمي العظيم للكتاب في كشفه كيف تُشكّل الأساليب المحاسبية الإدراك. فالاقتصاد ليس كيانًا طبيعيًا، بل أداة سياسية لإدارة الوقت. يُجمّع الناتج المحلي الإجمالي التزامات السداد ويُطلق على النتيجة اسم النمو. من خلال التركيز على الأعراف الحسابية، يُحوّل ميتشل النقاش من الوجود إلى الآلية. رأس المال ليس مجرد مادة، بل هو مجموعة من الأدوات التي تجعل المستقبل يبدو كإيرادات. وبذلك، يكشف كيف أن فهمنا الشائع للرخاء مُتأثر بشدة بتقنيات المحاسبة.

الزمن باعتباره المجال الحيوي للاقتصاد السياسي

إن كان ثمة نقطة ضعف، فهي تكمن في خطر المبالغة في التصحيح الخطابي. ففي معرض معارضته للخرافة القائلة بأن رأس المال هو مدخرات متراكمة، يُقلل ميتشل أحيانًا من شأن أهمية العمل المتجسد والإنتاج الصناعي. إن استدامة المجال التقني، التي يُشدد عليها بحق، تعتمد على تراكم التعاون الاجتماعي السابق. ومن شأن دمج هذا البُعد بشكل أكثر وضوحًا أن يُعزز التركيبة التي يُشير إليها.

لكن هذا تحفظ بسيط في سياق كتاب يُعيد تشكيل فهمنا للرأسمالية بقوة. لا يُقدّم كتاب "ذريعة رأس المال" وصفات سياسية أو برنامجًا للإصلاح، بل يُقدّم ما هو أعمق: إعادة صياغة مفهوم الزمن نفسه باعتباره المحور الأساسي للاقتصاد السياسي. من خلال توضيح كيف يعمل النمو والتكنولوجيا والاقتصاد كذريعة للاستيلاء على المستقبل، يُزوّدنا ميتشل بأدوات مفاهيمية تتناسب مع حجم الأزمة البيئية.

في النهاية، قد تكون الصياغة الأكثر إقناعًا هي التالية: رأس المال هو تراكمٌ للعمل السابق، ولا يصبح رأس مال إلا بقدر ما يضمن السيطرة على العمل والحياة في المستقبل. العمل الميت يجسد الماضي، بينما تتحكم الرأسمالية في المستقبل، ويصبح الحاضر هو الرابط بينهما. وقد أوضح ميتشل النصف الثاني من هذه البنية بوضوحٍ لافت، ولهذا السبب وحده، سيظل كتابه مرجعًا لا غنى عنه.

***

.........................

*Dylan Evans

Medium, 3 March,2026

صاحب الضويري.. دراسات في حياته وشعره

لمناسبة الذكرى الأربعين على رحيل الشاعر الشعبي العراقي (صاحب الضويري 1947 ــ 1985) صدر عن دار لندن للطباعة والنشر كتاب الباحث والمحقق " صادق جعفر الروازق " الموسوم (محنة في قطار الزمن) الذي تناول فيه التجربة الحياتية والابداعية للشاعر المذكور وقد ضم الكتاب مجموعته الشعرية (كتابات على جدار الزمن) اضافة الى دراسات وأراء نقدية في حياته وشعره بأقلام أكثر من ثلاثين باحثا وناقدا وشاعرا وصديقا.

يستهل المؤلف كتابه بمقدمة بقلمه عنونها " عمق العزف على أوتار الضويري " يشير فيها الى قصور الكتابات التي تناولت منجز الضويري، ويصفها بالكتابات السطحية التي لم تسبر اغوار عالمه الخاص وهو رأي فيه بعض التجني اذ ان هناك عددا من الكتابات والمقالات التي انصفت الشاعر ودخلت الى أعماق تجربته الشعرية والدليل على ذلك الكم الكبير من الدراسات والمقالات التي أسهمت في تحرير هذا الكتاب، ثم يعرج في مقدمته على نشأة الشاعر والبيئة الفقيرة التي ترعرع فيها وهي " محلة الجديدة " احدى اقدم المحلات الشعبية في مدينة الديوانية حيث عاش الشاعر فيها ظروف الفقر والحرمان الأمر الذي حال دون مواصلة دراسته بعد تخرجه من الإعدادية الفرع الأدبي ليلتحق بكلية الشرطة ويتخرج فيها برتبة ملازم أول عام 1969 وفي هذا العام بدأت موهبته الشعرية بالظهور متمثلة بقصيدة " متعوب " التي تعد من بواكير شعره، ويلمّح المؤلف أيضا الى ان الشاعر كان يعيش انكسارا داخليا اذا كان ( يرى في حياته اضطرابا من زحمة وصراع فكري وجودي أتعبه كثيرا ص 21)، كما يرصد شيوع المفردة الخليجية في اشعار الضويري وذلك بحكم اقامته في مدينة البصرة فترة من الزمن وعلاقاته بأدبائها وفنانيها واحتكاكه بأبناء الخليج المقيمين فيها، كذلك يشير الى مصادر ثقافة الشاعر ومنها الشعر العباسي اذ كان متأثرا بالشاعر المعري الذي شاركه فكرة العزوف عن الزواج، اذ كان يرى ان الانجاب في هذه الحياة نوع من الجناية على المولود، ويمثّل هذا التحليل رؤية المؤلف.

ويشهد الكاتب زهير كاظم عبود على تمكن الضويري في الكتابة بأجناس شعرية متعددة فيقول (كانت مقدرته الشعرية متميزة بحق، قادرا على خوض الدارمي والأبوذية والزهيري والموال، سجل العديد منها بصوته، يمتلك قدرة سحرية في تطويع كلمات القصيدة ص117)، كما يورد المؤلف شهادة صديق الشاعر، المهندس كريم هاتف، التي يكشف فيها عن ظروف ولادة القصيدة عند الضويري ومراحل اكتمالها فيقول (سألته في احد الأيام.. كيف تكتب قصائدك ؟.. قال: يستحضرني مطلع القصيدة نتيجة موقف حياتي معين او فكرة تقدح في عقلي وأذهب الى الفراش، اكمل المطلع واردده عشرات المرات وتتوارد بعده المقاطع وانا اغطي رأسي وانجز المقطع الأول واردده حتى احفظه ويأتي الثاني والثالث وهكذا انهض من الفراش وقد أنجزت قصيدة بأربع او خمس مقاطع ص 119).

وعن لغة القصيدة عند الضويري يذكر الباحث الأديب محمد علي محي الدين انها (لغة بسيطة في ظاهرها لكنها مشحونة بالايحاء والرمز، فالضويري يستخدم مفردات الحياة اليومية في لهجة الجنوب العراقي، واذا كان القدر قد اختطف الضويري مبكراً فان الشعر أبقاه حياً ص127)، "كما يرى المهندس باسم محمد نزال أن ثمة اغتراباً في شعر الشاعر، يتجلى في إحساسه الدائم بالوحدة والقلق والبحث عن عالم أكثر إنسانية وذلك من خلال تحليل مبسط لبعض نصوصه الشعرية، وتقف الباحثة والصحفية نوال جويد عند محطات في شعر الضويري تقول فيها (تعد تجربة الضويري قاسية.. وحزنه يوازي شغفه، عشق بكل خلايا جسده ولم يبلغ مراده ص 134)، كما يدلوا الشاعر قاسم شاتي بدلوه في تحليل خصائص قصيدة الضويري واسلوبه الشعري فيصفهما بالقول (يشكل الاغتراب العاطفي أحد أبرز المحاور الجوهرية في تجربة الشاعر صاحب الضويري، اذ ينبع من أعماق ذاته الجريحة ليغدو سمة فنية وجدانية تهيمن على شعره ص 140)، وعن حضور الضويري في الساحة الشعرية يرى د. نصير جابر ان مايميز تجربة الضويري هي الظاهرة الايقاعية فهو (يتصيد القافية الفخمة التي تعطي للقصيدة هيبة ايقاعية وتخصّب قصائده بموسيقى صاخبة تتناغم مع مواضيع النصوص ص 154)،، كما يصفه الباحث كاظم السيد علي بأنه (قيثارة حزن وسمفونية عذاب ص 159)، ويجد الأديب الناقد ريسان الخزعلي في الشاعر الضويري انه كان (متمترسا بذاته وبخصوصية املتها عليه ظروف حياتية / اجتماعية متشاغلا بفكرة الحياة والموت ص 163)، ويرى الأديب سعد صاحب في مقاله " شاعر مضطرب العواطف " ان (الضويري شاعر يوثّق الفواجع وغدر الدنيا والزمان وكأنه يتحدث على لسان الفلاسفة والمفكرين والأولياء وأهلا الالباب ص 167)، وتصف الأديبة انتظار الوردي ان الضويري رسم بنفسه نهايته المأساوية فهو (سعى الى ازهاق روحه تمردا على حياة لم تكن تليق به تاركاً قصائده التي خلدته في الذاكرة على الرغم من مر السنين ص173)، ومن طرائف الوصف للضويري جاء في عنوان مقالة الأديب ذياب مهدي ال غلام " شاعر سمفونية الوجع على إيقاع الهجع " التي جاء فيها ان قصائد الضويري (اتسمت برداء شفيف من الحزن كعاشق صوفي، وبناء متين صلد متزن، ليس تعبيرها عن همه الخاص لكنه دائما نجده في شعره وشاعريته توحي قصائده بالهم العام، فقصيدته طائر مذبوح ويرقص الهجع ص175)، ويشارك الاحتفاء بالضويري صديقه الشاعر منهل البحاثي من خلال الذكريات التي جمعته به ومنها مطلع القصيدة التي وصلته من الضويري بسبب جفوة حدثت بينهما (وين الرفاكة اللي بدراهم نمت.. والوادم يكولون نايم رغد) التي انتهت باعتذار الضويري له. وفي مقاله " محنة العمر عند الشاعر الضويري " يرصد الكاتب ثامر الحاج امين ظاهرة موت المبدعين بأعمار قصيرة ومن بينهم الضويري فيقول فيها (يأخذنا الشاعر في رحلة عذاباته التي ابرز ما جاء فيها فقدان الإحساس بجدوى الحياة وهي ظاهرة سلوكية تجعل الانسان محبطا وتدفعه الى النفور من الحياة والتفكير بالخلاص وللأسف هذا الإحساس لازم الضويري ص187)، ويشارك الأمين هذه الظاهرة د. زهير هداد السعداوي الذي يرى الشاعر انه عاش اليأس ولم يجد سوى الموت حلا (حتى صارت روحه اليائسة مثل كرة الغزل المتشابكة الخيوط لا يعلم اين رأسها ص196)، ويرصد الشاعر عماد المطاريحي زهد الضويري بالشهرة والامتيازات التي كان يحظى بها الشعراء المتكسبين من الشعر ويقول عنه (شاعر صاغ حزنه بلهجة الناس وبساطة الوجدان، ولم يكن من شعراء المنابر بل من شعراء التجربة الحقيقية، فقصائده لم تكتب لتصفق لها الجماهير بل لتقال في ساعة حزن، والضويري لم يكن باحثا عن المجد بل عن الخلاص ص 198)، وتأتي شهادة الشاعر رحيم الغالبي عن مكانة الضويري في قلوب الشعراء ليقول (الشاعر المبدع والمتفرد بالشكل والمضمون باشعاره، الذي قال عنه عريان السيد خلف يوما رداً على سؤال: لمن تحب ان تقرأ.. أجاب : لصاحب الضويري ص200)، كما اعتبر الكاتب نبيل عبد الأمير الربيعي الشاعر الضويري ايقونة الشعر الشعبي الفراتي واصفا تجربته (قاسية والصورة الشعرية لديه ليست طلسما بل هي وهج شعري منساب ص 209)، ويرصد د. لطيف حاتم الزاملي موضوع الحزن في شعر الضويري قائلا (عندما راجعت قصائد صاحب الضويري التي جمعها الناقد الأستاذ ثامر الحاج امين تحت عنوان " كتابات على جدار الزمن " أدركت ان الهم والحزن يشغلان حياة الشاعر لأنهما يتشابهان ويتوحدان في الظروف المتشابهة ص 211)، أما الشاعر والناقد د. رحمن غركان فله وقفة مع اللهجة البدوية في شعر الضويري ويرى (كلما انفعل الشاعر وجدانيا بالخلوص العاطفي للمرأة الحبيبة لجأ الى اللهجة البدوية بشكل خاص مد صوتي لافت يستوعب الهم الوجداني وينفس عنه ص 217)، ويصف القاص نعيم شريف الشاعر الضويري في مقاله " كشهاب مر مضيئا وغاب " وانه (شاعر محمل بالقيم البدوية التي تحث على الإباء والكرم والشجاعة واحتقار الغدر والخيانه ص 225)، ويتوقف الباحث سليم جواد الفهد عند محاولة انتحار الشاعر الضويري ويبررها بقوله (انه كان يعاني من علة جسدية لا علاج لها قضّت مضجعه وحطمت روحه وألقته في حضيض اللاجدوى ص 230)، كما يشارك في مقالات الكتاب الأديب الخطاط هاتف العذاري ليصف عالم الشاعر (صاحب كان وترا نصغي له كيوم جديد يسبح الموجوعون والعاشقون على ضفاف ابجدياته المخضرة التي تحاكي قدر ناسه ص234)، ويخوض د. علي المرهج في موضوع البكاء عند الرجال، اذ يعتبر البكاء تعبير طبيعي عن وجودنا ويختار عددا من الأبيات الشعرية للضويري التي تشير الى بكائه ويصفها (رغم ما في شعر الضويري من طلاوة وترافة الا ان الطلاوة والترافة محفوفتان بالحزن والألم ص 239)، وتساؤل اخر يطلقه الأستاذ صاحب رويح حبيب في عنوان مقاله " صاحب الضويري أم صاحب المحن " بسبب ان الشاعر (عاش الكثير من المحن والأزمات وكانت اغلبها مع ذاته وبقي مأزوما محبطا مهزوما أمام ما مر به ص 241)، ويختار مؤلف الكتاب شهادة الشاعر كزار حنتوش بحق الشاعر الضويري (اننا نستطيع ان نصنع مئة مقاول وألف غجري وثلاثين ألف كذاب ومليون داعر لكننا نعجز عن صنع شاعر حقيقي ص 248)، وتمنح ذكريات الروائي سلام إبراهيم عن الشاعر صاحب الضويري الكتابَ قيمةً توثيقيةً وإنسانيةً إضافية، يقول في واحدة منها (أسمعني ابياتا من قصائده ذات البحر الواحد المبنية على فكرة الحسجة الفراتية في مرموزاتها الشدبدة المحلية، كان نبهاً شديد الذكاء يتفرس في وجهي وانفعالاته اثناء الانشاد ص 271)، كما يستذكر الشاعر الحلي صلاح اللبان ذكرياته مع الضويري ويقول في شعره (جمل الضويري الشعرية ولوحاته باذخة في التعبير المتسامق في الصياغة ومكللة بوحدة الموضوع ص 290)، ويستذكر الأستاذ جواد كاظم الرازقي ــ ابن خالة الشاعر ــ بعضا من ذكرياته عن الضويري ويقول عنه (شاعر القصيدة الموجعة، ويكتب القصيدة بنزيف دمه ويمفردات مشحونة بالحزن ص305)، ويصفه الأستاذ سعد نجم عبود السقا بأنه قلب الديوانية الحزين ويشهد له بأنه (لم يكن شاعرا طارئا على الشعر كباقي من اعرفهم من الشعراء الذين خدمهم الاعلام الحكومي او الاعلام المعارض، كان صاحب شاعرا معجون بالمحنة الغارقة بالمآسي والاحزان ص 306) وللفنان عايد نجم الهلالي حصته من الشهادات بحق الضويري فيقول عنه (شاعر لم يقلد أحد، كان متحصنا من تأثيرات شعرية في تلك المرحلة وقد أدهشني وصدمني بيت شعري في احدى قصائده مازلت اتذكره حتى هذه اللحظة يقول فيه " كبرنه ومادرينه هدومنه ازغار.. وعله كد الردن كصينه ادينه ص 308)، ويشير صديقه الشاعر شعلان حاجم الى مفارقة يتصف بها شعر الضويري بقوله (مع روعة نظرته للحياة لم يخضع للصلابة والخشونة التي يتطلبها عمله، بل كان طيبا سمحا، بل كان شديدا مع المجرمين والقتلة لإعتقاده ان هؤلاء هم أعداء الحياة والجمال والعشق ص 310) كما يضمن المؤلف كتابه قصائد رثاء الضويري بأقلام الشعراء، مرتضى السعيدي، قاسم شاتي، صفاء الشلاه، سالم الشباني، الشيخ تكليف رحم الصكبان، حسين الغبان، منهل البحاثي، ياسر العفلوكي، فليح أبو ماجد، حسن سوري، كما يضمنه ملحق بالصور تجسد محطات من حياة الشاعر.

لقد قدم المؤلف صادق جعفر الروزاق جهدا طيبا في توثيق سيرة شاعر أشعل شمعة في ساحة الشعر الشعبي العراقي ظلت مضيئة ولم تنطفيء.

***

ثامر الحاج أمين

"أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل"

في عالمٍ تتسارع فيه المعرفة كما لو كانت تياراً كهربائياً يعبر القارات في لحظة، ويعيد تشكيل مصائر الأمم، يجيء كتاب "أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل" ليضع إصبعه على الجرح الذي طالما تجاهلناه، أو ربما اعتدنا وجوده حتى لم نعد نشعر بألمه. هذا الكتاب ليس مجرد دراسة أكاديمية، بل هو صوتٌ فكريٌّ يخرج من عمق الوعي العربي، يصرخ في وجه التراخي، ويذكّر بأن الأمم لا تُبنى بالشعارات، بل بالعلم، ولا تنهض بالأمنيات، بل بالبحث والمعرفة والإبداع.

يقدّم المؤلف—وهو باحث عربي مشغول بقضايا التعليم والتنمية، وصاحب تجربة طويلة في متابعة واقع الجامعات العربية ومؤسسات البحث العلمي—عملاً فكرياً يزاوج بين التحليل الرصين واللغة الأدبية الرفيعة. فهو لا يكتب من برجٍ عاجي، ولا من موقع المراقب البعيد، بل من قلب التجربة، ومن تماس مباشر مع الأسئلة التي تشغل كل مثقف عربي يتساءل عن موقع أمته في عالمٍ يتغيّر بسرعة مذهلة. ولعل هذا ما يمنح الكتاب صدقه وحرارته، ويجعله أقرب إلى بيانٍ فكريٍّ منه إلى دراسة جامدة.

منذ الصفحات الأولى، يضع المؤلف القارئ أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن أزمة البحث العلمي العربي ليست أزمة قطاعٍ واحد، بل أزمة مشروع حضاري كامل. فهي أزمة تعليمٍ لا ينتج معرفة، وجامعاتٍ لا تمارس البحث، ومؤسساتٍ لا ترى في العلم أولوية، وثقافةٍ مجتمعية لا تزال تنظر إلى الباحث بوصفه كائناً هامشياً، لا صانعاً للمستقبل. هذه الرؤية الشاملة تمنح الكتاب قوةً في الطرح، إذ لا يكتفي بتشخيص مظاهر الأزمة، بل يعود إلى جذورها التاريخية، ويتتبع مسار تشكّلها عبر عقودٍ من الإهمال وسوء التخطيط وغياب الإرادة السياسية.

ويمضي المؤلف في سرديته ليكشف أن البحث العلمي في العالم العربي يعيش حالة من الانفصال: انفصال الجامعات عن المجتمع، وانفصال السياسات عن المستقبل، وانفصال التعليم عن الإبداع. فالمؤسسات التعليمية—كما يراها المؤلف—تحوّلت إلى مصانع للشهادات، لا مصانع للأفكار. والباحث العربي، مهما امتلك من شغف، يجد نفسه محاصراً بضعف التمويل، وغياب البيئة البحثية، وانعدام الحوافز، وكأن البحث العلمي فعلٌ بطوليٌّ فردي، لا مشروعٌ وطنيٌّ جماعي.

لكن الكتاب لا يقف عند حدود النقد، بل يقدّم رؤية إصلاحية متكاملة، تُعيد للعلم مكانته الطبيعية في مشروع النهضة. يدعو المؤلف إلى إعادة هيكلة الجامعات لتصبح مؤسسات بحثية حقيقية، وإلى رفع الإنفاق على البحث العلمي إلى مستويات عالمية، وإلى بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص، وإلى تطوير التشريعات التي تحمي الابتكار وتدعم الباحث، وإلى ربط البحث العلمي بحاجات المجتمع والاقتصاد، بحيث يصبح العلم جزءاً من الحياة اليومية، لا نشاطاً معزولاً داخل المختبرات.

ويستوقف القارئ ذلك البعد المقارن الذي يقدّمه المؤلف حين يعرض تجارب دولٍ مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة والصين وماليزيا، وكيف استطاعت هذه الدول أن تنتقل من الهامش إلى الريادة عبر بوابة العلم. ليست هذه المقارنات مجرد سردٍ لنماذج ناجحة، بل هي محاولة لاستخلاص الدروس القابلة للتطبيق عربياً، مع إدراكٍ واعٍ للخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية. وهنا يبرز المؤلف بوصفه باحثاً يمتلك رؤية عالمية، لا محلية فحسب، ويستطيع أن يضع التجربة العربية في سياقٍ أوسع، يضيء نقاط ضعفها ويكشف إمكانات قوتها.

لغة الكتاب تحمل مزيجاً نادراً من الرصانة العلمية والدفء الأدبي، مما يجعل قراءته ممتعة ومفيدة في آن واحد. فهو لا يغرق في المصطلحات الأكاديمية، ولا يكتفي بالخطاب الإنشائي، بل يوازن بين التحليل العميق والطرح الواضح، وبين النقد الصريح والأمل الممكن. وهذا ما يجعل الكتاب مناسباً للباحثين وصنّاع القرار والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، بل وللقارئ العادي الذي يبحث عن فهمٍ أعمق لواقع أمته ومستقبلها.

أما المؤلف نفسه، فهو نموذج للمثقف العربي الذي يرى في العلم طريقاً للنهضة، وفي المعرفة شرطاً للوجود الحضاري. كتاباته السابقة تشهد على اهتمامه العميق بقضايا التعليم والبحث العلمي، وعلى سعيه الدائم إلى بناء خطابٍ إصلاحيٍّ يربط بين الفكر والممارسة، وبين الرؤية والواقع. وفي هذا الكتاب، يبلغ هذا الاهتمام ذروته، إذ يقدّم عملاً يمكن اعتباره وثيقة فكرية تدعو إلى إعادة بناء المشروع العربي على أسس العلم والمعرفة.

إن كتاب "أزمة البحث العلمي العربي.. كيف يستعيد العرب صناعة المستقبل" ليس مجرد إضافة معرفية، بل هو نداءٌ حضاريٌّ موجّه إلى كل عربيٍّ يؤمن بأن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع. إنه دعوة لإعادة الاعتبار للباحث، وللجامعة، وللمؤسسة العلمية، وللثقافة التي ترى في العلم طريقاً للنهضة لا ترفاً فكرياً. إنه كتاب يوقظ الأسئلة، ويحفّز التفكير، ويضع أمام القارئ رؤية واضحة لما يجب أن يكون عليه مشروع النهضة العربي في القرن الحادي والعشرين.

كتاب يستحق أن يُقرأ، وأن يُناقش، وأن يُدرّس، وأن يكون جزءاً من النقاش العام حول مستقبل العلم والتعليم والتنمية في الوطن العربي. فهو ليس مجرد كتاب، بل هو صرخة وعيٍ عربيٍّ جديد، يذكّرنا بأن الطريق إلى المستقبل يبدأ من المختبرات وقاعات البحث، لا من الخطابات والشعارات.

مع الود والتقدير.

***

بقلم الدكتور عبد الجليل البدري

‏10‏/07‏/2026

عند المفكر المغربي محمد عابد الجابري

السُنّة الإسلامية الشاملة مصطلح نحته محمد أركون ليكون بديلا لمصطلح التراث

إن غياب العقل والعقلانية (عند التراثيين) في تفكيرنا وممارساتنا كأفراد ومجتمعات عربية وعدم قدرتنا على تشخيص المشكلات الحقيقية نتج عنه بالضرورة تفكير غير عقلاني وممارسات غير عقلانية عمّقت التخلّف ومظاهره في مفتصل المجتمعات العربية ، جعلتنا نتعامل مع الواقع بالأمنيات والرغبات وليس بالعقل، وكأننا نعيش في عالم خيالي أو سحري، هذت م قاله الدكتور قادة جليد وهو أكاديمي وباحث جزائري استاذ الفلسفة بجامعة وهرات وعضو مخبر الأبعاد الفكرية للتحولات الفكرية والسياسية بالجزائر مدير وحدة بحث تحليل الأزمات له العديد من المؤلفات​

انطلاقا من هذه العبارات التي وردت في كتابه المذكور في العنوان يقارن الدكتور قادة جليد باحث أستاذ الفلسفة بجامعة وهران (متقاعد) يؤكد قادة جليد أن الجابري صاحب نظرية في قراءة التراث وأنه مهّد لمشروعه الضخم “ نقد العقل العربي” بمساهمات وأبحاث نظرية تناولت قضايا المنهج والرؤية، ومن القليلين الذين يؤشكلون ويؤفهمون في نفس الوقت، بمنعى أنه يطرح التساؤلات واشكالات النظرية وينجز على ضوئها تطبيقات على نماذج من تراثنا العربي ألإسلامي ولا يكتفي فقط بعرص البيانات النظرية  والمفاهيم المجردة، غايته إقناع القارئ وليس إبهاره، ولذا يمكن القول ان الجابري ارتقى بإشكالية التراث والحداثة من مستوى الإشكالية النظرية  المأزومة إلى مستوى النظرية المطبقة، نظرية تبقى مفتوحة ولست مغلقة ، مفتوحة دائما على النظر واستئناف النظر، كما يقارن الدكتور قادة جليد في كتابه بين فكر الدكتور زكي نجيب محمود والدكتور محمد عابد الجابري في كتابه : نظرية  قراءة التراث عند محمد عابد الجابري (المنهج والرؤية) حلّل فيه أزمة التعامل مع التراث ومع الآخر في نفس الوقت، كان هذا التساؤل الذي طرحه زكي نجيب محمود وأجاب عليه الجابري، السؤال الذي طرحه زكي نجيب محمود كيف السبيل إلى ثقافة موحدة يعبشها مثقف حيُّ في عصرنا هذا؟ بحيث يندفع المنقول والأصيل في نظرة واحدة، إلا أن الجابري يرى أن الطريقة التي تعامل بها زكي نجيب محمود مع التراث براغماتية ساذجة وقد سمّاها بالطريقة المزيّفة لأنه جعل من التراث إرثٌ مادّيٌّ يمكننا أن نأخذ منه ما نشاء أو نتنازل عن جزء منه أو كله وهي بالتالي طريقة غير تاريخية، لأنها لا تصنع وعيا جديدا على صعيد الوعي من أجل فهم الواقع وتغييره وبالتالي تحقيق النهضة المأمولة،.​

يقول الدكتور قادة جليد إن المشكل المطروح والذي يجب أن يُطرحَ بجِدٍّ هو ليس ماذا نأخذ؟،و ماذا نترك؟، بل كيف ينبغي أن نفهم ومن أين يجب أن نبدأ من أجل التغيير ومن أجل النهوض، فهذه المعضلة حسبه جعلت الفكر على صعيد الواقع يعيش الغربة والإغتراب ، فإمّا هو فكرٌ يجترُّ ما كتبه الأوّلون بدون نقد أو تمحيص، أو فكر ارتمى في أحضان الثقافة الغربية بدون حِسٍّ معرفيٍّ أو تاريخي وبالتالي خلوّ الساحة الثقافية المعاصرة من الثقافة العقلانية الواعية التي تربط الفكر بمشاكل الحاضر وتعمل بوعي على فهم تناقضاته وفكِّ رموزه والسّعي فيما بعد إلى تغييره، كان هذا كلام الدكتور قاد جليد وتحليله قريب جدا من المنطق، فهو يعالج الإشكاليات أو المعضلات الفكرية من جذورها دون تعصّب للفكر أو الرأي، إذ يرى أن التعامل مع التراث إمّا يكون باجتراره وإمّا يكون برفضه باسم الثقافة العالمية الكونية التي هي نتاج بيئتها وتاريخها الحضاري، فالقيم كالأخلاق والأنسنة والتسامح، والمفاهيم كالعقل والعقلانية والمواطنة والحرية والإبداع وحقوق الإنسان في منظور قادة جليد قيم مرغوبة فيها ومطلوبة في فكرنا العربي المعاصر، لأن الإستعمار كان ولا يزال يعيقنا على تحقيق شخصيتنا التاريخية المستقلة وتشييد نهضتنا كما نريدها نحن2994 aljia

فمفهوم التراث في الفكر العربي المعاصر اصبح يخضع لإستراتيجية القارئ أو الباحث وفق منظوره الخاص وغذته المنهجية ورؤيته الإبستمولوجية والإيديولوجية التي يتبناها ويستثمرها الباحث في قراءته للتراث، ومن هنا تعددت المفاهيم التي تعطي للتراث بتعدد الباحثين اختلاف مناهجهم ومواقعهم في الحاضر، فالتراث كمفهوم مرب في نظر قادة جليد وصل إلينا من الماضي في سياقات تعبيرية مختلفة تجمع بين التعريف المادي والروحي ، فهو من جهة ليس إلا مخزونا للموروثات من العادات والتقاليد ونظم الإجتماعي، يقدم قادة جليد في كتابه آراء المتكلمين في التراث (ص 102) وكيف تعاملوا مع التراث من ناحية الفهم والإستثمار فيه، فلا يمكن النظر إليه على أنه بضاعة تم إنتاجها خارج التراث بل هو جزء منه، هو حركة الفكر وتطلعاته من خلال مراحل معينة من التطور ، مشيرا إلى موقف المفكر السوري طيب تيزيني حين فرق بين التراث والموروث وقال أن التراث اشمل من الموروث، فالتراث له حضوره في لماضي أما الموروث له حضوره في الحاضر.

فما هو مفهوم التراث عند الجابري إذن؟

وماهو إطاره المرجعي في الثقافة العربية الإسلامية وفي الفكر العربي الإسلامي؟، وهل يمكن أن نقدم تعريفا منهجيا إجرائيا للتراث بحيث يكون شاملا ومقبولا من طرف الجميع، على اختلاف مناهجهم ومواقفهم وإيديولوجياتهم، وكما جاء في الصفحة 103 ، ينطلق الجابري من قاعدة فكرية مستخلصة من الواقع والتاريخ معا، لأنه يصعب ترجمته إلى أية لغة أخرى، يقول الجابري في كتابه التراث والحداثة “ إن الإشباع الذي يتميز به التراث في خطابنا العربي المعاصر يجعله غير قابل للنقل بكل شحناته الوجدانية ومضامينه الإيديولوجيى إلى أيّة لغة أخرى معاصرة” ، ثمّ أن مصطلح تراث لم يكن واردا في خطابات الكندي وابن رشد، يشرح الجابري مصدر مفهوم التراث ومشتقاته وخاصة في المجال التداولي أو الحقل الدلالي، بعد أن بحث عن أصله ومضمونه في سياق الثقافة الغربية ومعجمها الفلسفي والديني والأدبي والفني، بدليل أن كلمتي heritage وpatrimoine كما يضيف لا تحملان المضامين نفسها التي نحملها نحن اليوم لكلمة تراث لأن كلمة heritage، بالفرنسية استعملت في معنى مجازي للدلالة على المعتقدات الخاصة بحضارة ما، يشير الجابري إلى مفكرين خاضوا في هذه المسالة مقدما المفكر محمد أركون كنموذج، عندما قام بنحت مصطلح جديد وتأصيله داخل الثقافة العربية الإسلاميىة كبديل عن مصطلح تراث، وهو “ السُنّة الإسلامية الشاملة” la trdition islamique exhaurstive فهذا المصطلح كما يقول الدكتور قادة جليد قام محمد أركون بتاصيله من الاخطاب القرآني ، لأن القرآن يدعو القارئ إلى النظر في سنن الأولين الذين سبقونا بوجودهم في التاريخ، وبهذا فإن السنة الاسلامية الشاملة عند أركون تعني كل مسيرة نظيرة كانت أو عملة وصلت إلينا من الأولين وتعني “ التراث” كما وصل إلينا في كليته، الحقيقة أن كتاب قادة جليد ثري بالأفكار حيث اعطى للمصطلحات قيمتها ، بحيث وضع الفكر الجابري تحت المجهر مقدما قراءاته لمفهوم التراث، وهي عديدة وبشرح مفصل، يحتاج إلى ورقة مسنفردة، وكل قرارة تحتاج إلى كتاب، منها القراءة (السلفية للتراث والقراءة الإستشراقية واليسارية والقراءة التشخيصية والقراءة المعاصرة ، مع تقييم هذه القراءات مركزا على إشكالية القراءة والتأويل والربط بين القارئ والمقروء.

***

عجلية عيش

بجهدٍ بحثي دؤوب، يواصل الصديق الباحث نبيل الربيعي مسيرته البحثية بإصدار كتابه الجديد (نوري جعفر 1914–1991 جدل الفكر والإنسان)، وهو الكتاب السادس والأربعون في سلسلة إصداراته التي تناولت موضوعات معرفية وتاريخية متنوعة، شملت تاريخ القوميات والأقليات والأديان والمذاهب والأحزاب في العراق، إلى جانب دراسات في الظواهر الاجتماعية، مثل الفرهود والانتفاضات الشعبية، فضلاً عن سير عدد من الشخصيات السياسية والفكرية والثقافية.

ويأتي هذا الإصدار ضمن سلسلة «أعلام الفكر والثقافة»، ليضيء تجربة واحد من أبرز المفكرين العراقيين، هو الدكتور نوري جعفر، الذي يُعد من الرواد الأوائل في طرح موضوعي الذكاء الاصطناعي ومدارس الموهوبين، كما أسهمت بحوثه ودراساته في ترسيخ حضوره الريادي في المشهد الثقافي العراقي والعربي، والذي يصفه الباحث الربيعي في مقدمة كتابه بأنه (نموذج فريد للباحث الموسوعي الذي استطاع أن يمزج بين صرامة العلم وعمق التراث وجمال الأسلوب الأدبي)، وهي شهادة تنصف مشروعه الفكري الذي جمع بين علم النفس والتراث، فلم يكن مجرد باحث، بل صاحب مشروع معرفي متكامل.

يقع الكتاب في تسعة فصول، يرافقها ملحق مصور يوثق مراحل من حياة العلامة نوري جعفر ومنجزاته. ويستهل المؤلف الفصل الأول بسيرة وافية تبدأ من ولادته في مدينة القرنة شمال البصرة، وكيف استطاع أن يجعل من بيئته الريفية نقطة انطلاق نحو عالم المعرفة. وبرغم تفوقه الدراسي الذي كان يؤهله لدراسة الطب، فإن ضيق الحال حال دون ذلك، فالتحق بدار المعلمين العالية، ليتحول الحلم المهني إلى رسالة فكرية أسهمت في تشكيل أحد أبرز العقول في الفكر التربوي والنفسي العراقي.

أما الفصل الثاني، الموسوم «العلم والحياة»، فيصفه الربيعي بأنه (يعكس مسار العقل الإنساني في انتقاله من التفسيرات البسيطة إلى الفهم العلمي المعقد ص77). ويتناول فيه الدكتور جعفر نشأة علم التنجيم بوصفه محاولة مبكرة لتفسير ما يتجاوز الإدراك المباشر، مستعرضاً نماذج تاريخية لرعاية الحكام والملوك للمنجمين، كما يقدم رؤية لافتة تعيد الاعتبار للقدم بوصفها عنصراً حيوياً في بنية الجسد، له دلالات تتجاوز وظيفته الحركية. ويعرض كذلك دراسته لتطور الدماغ في المرحلة الجنينية الأولى، حيث يقول الربيعي: (ظل الدكتور جعفر يقترب من أعقد الموضوعات العلمية بعقل تحليلي هادئ ورؤية تسعى إلى فهم الإنسان من جذوره البيولوجية الأولى ص105).

ويتناول الفصل الثالث موضوع علم النفس، فيقدم مدخلاً لهذا العلم بوصفه دراسة للسلوك الإنساني، ثم ينتقل إلى الذكاء الاصطناعي والفيزياء المعرفية، ويبرز اهتمام الدكتور جعفر بقضايا الذكاء والإبداع، وتأملاته في القدرات العقلية للإنسان، بما يكشف عن وعي نقدي متقدم، ولا سيما في مناقشته لبعض أطروحات الدكتور علي الوردي، وخاصة كتابه "خوارق اللاشعور " .

وفي الفصل الرابع، المخصص للأدب، يناقش المؤلف نشأة اللغة، بوصفها ليست مجرد وعاء للفكر، بل شريكاً في تكوينه، قائلا: (الفكر يتشكل داخل اللغة، واللغة تتطور عبر الفكر ص209)، ويرى الدكتور جعفر أن اللغة تمثل نقطة التحول الكبرى التي نقلت الإنسان من الوجود البيولوجي إلى الوجود الثقافي الواعي، أي من (الإدراك الحسي المباشر إلى التفكير الرمزي المجرد ص212)، كما يتناول أدب الخيال العلمي، الذي يعده شكلاً متقدماً من أشكال التفكير الإنساني القائم على العلم في استشراف المستقبل.

ويخصص الفصل الخامس لموضوع الغذاء والصحة، حيث يرى المؤلف (أن الغذاء لم يكن مجرد حاجة بيولوجية، بل كان عاملاً مؤثراً في تشكيل التاريخ والحضارة ص347)، ويستعرض الدكتور جعفر دور التغذية في تطور الإنسان تاريخياً، رابطاً بين النظام الغذائي والتحولات البيولوجية والتطور الحضاري، كما يتناول مفهوم الرشاقة من منظور طبي، مؤكداً أهمية التوازن بين الطول والوزن، ومحذراً من أخطار السمنة.

أما الفصل السادس، «التربية والمجتمع»، فيسلط الضوء على اهتمام الدكتور جعفر بالشباب، وعدّهم مصدر العطاء الفكري والاجتماعي. ويستشهد بشخصيات علمية مثل نيوتن، وآينشتاين، ونيلز بور، بوصفها نماذج لإنجازات تحققت في مرحلة الشباب، كما يستعرض أحداثاً تاريخية كبرى، مثل الثورة الفرنسية وثورة أكتوبر، ليؤكد الدور المحوري للشباب في صناعة التغيير. ويقدم في هذا الفصل رؤية تربوية شاملة تدعو إلى التكامل بين العلوم الطبيعية والإنسانية في بناء شخصية الفرد ودفع المجتمع نحو التقدم.

وفي الفصل السابع، «العلم والفن»، يؤكد (أن منزلة الفن في بناء شخصية الإنسان لا تقل أهمية عن منزلة العلم، بل إن كليهما يشكلان الأساس في تكوين الإنسان المتوازن ص411). فالفن، بمختلف أشكاله الأدبية والتشكيلية والموسيقية، ليس ترفاً ثقافياً، وإنما عنصر بنيوي في تكوين الشخصية. وفي الوقت نفسه، يميز بين طبيعة العلم القائمة على الموضوعية والقوانين العامة، وطبيعة الفن القائمة على الإبداع والوجدان، مستشهداً بما يُروى عن آينشتاين من أنه استفاد من أعمال ديستويفسكي أكثر مما تعلمه من كثير من علماء الطبيعة والرياضيات.

ويتناول الفصل الثامن قدرات الطفل العقلية، مؤكداً ضرورة توفير بيئة غنية بالمثيرات المعرفية، تمنح الطفل فرصاً تتناسب مع مرحلته العمرية، بعيداً عن فرض إيقاعات لا تنسجم مع نموه، كما يشدد على أن التعامل مع الطفل ينبغي أن يستند إلى معرفة علمية بخصائصه النمائية، لا إلى الانفعال أو الاجتهادات العفوية.

ويختتم الربيعي كتابه بالفصل التاسع، الذي يضم مجموعة من الحوارات والمقابلات التي أجرتها صحف ودور نشر وشخصيات مختلفة مع الدكتور نوري جعفر، وهي حوارات تكشف جوانب مهمة من سيرته العلمية والفكرية، وتلقي الضوء على رؤيته لمختلف القضايا التي شغلته.

وفي المحصلة، يُعد كتاب الباحث نبيل الربيعي جهداً علمياً رصيناً، ووفاءً مستحقاً لعطاء واحد من أبرز المفكرين العراقيين، الذين سعوا إلى بناء مشروع معرفي يجمع بين الفلسفة وعلم النفس والتربية وسائر العلوم الإنسانية، مع اهتمام خاص بفهم الإنسان في سياق تطوره البيولوجي والاجتماعي. ويضاف هذا الإصدار إلى سلسلة الكتب التي تؤرخ للأعلام العراقيين، وتسهم في حفظ منجزهم الفكري وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة علمية رصينة ورؤية نقدية متوازنة.

***

د. عالية ابراهيم

قراءة نقدية

صدر حديثًا عن دار ماشكي، وبدعم من جمعية التشكيليين العراقيين في بغداد، كتاب «الفضاء التشكيلي: الانزياح الجمالي في التشكيل العراقي المعاصر، قراءة في تجاربه وتحولاته» للكاتب والناقد مروان ياسين الدليمي، بوصفه دراسة نقدية تتناول التجربة التشكيلية العراقية ضمن أفق معرفي وجمالي، يرى إلى اللوحة باعتبارها بنية تفكير بصري تتقاطع فيها الذاكرة مع الرؤية، ويتحوّل فيها اللون من عنصر تمثيلي إلى طاقة لإنتاج المعنى، ومن مادة حسية إلى أداة لإدراك العالم وإعادة تشكيله.

ينطلق الكتاب من مساءلة مفهوم الفضاء التشكيلي بوصفه بنية إدراكية متحولة. فاللوحة تتشكل داخل شبكة من العلاقات بين اللون والكتلة والفراغ والضوء والإيقاع، وتنتج دلالتها داخل حركة التلقي نفسها، حيث يتداخل فعل النظر مع فعل الإدراك، وتتغير الصورة وفق ديناميكية القراءة البصرية.

ويكتسب هذا التصور أهميته من كونه يعيد تعريف وظيفة الصورة في الفن المعاصر، حيث تتحول اللوحة إلى مجال للتفكير البصري، وتصبح العلاقات الداخلية فيها مصدرًا للمعنى. وتنعكس هذه الرؤية على طبيعة التحولات التي شهدها التشكيل العراقي المعاصر، إذ يتجه الاشتغال الفني نحو كيفية بناء الصورة من الداخل، وإعادة تنظيم المرئي داخل وعي المتلقي.

في هذا السياق، يحتل الفراغ موقعًا بنيويًا داخل التكوين التشكيلي. فالفراغ يعمل كقوة تنظيمية تعيد توزيع العناصر داخل اللوحة، وتوجه الإيقاع البصري، وتساهم في إنتاج التوازن بين الكتلة واللون. ويغدو عنصرًا مساويًا للعناصر المادية الأخرى في بناء الدلالة، ويشارك في صياغة خطاب الصورة بدل أن يظل مساحة صامتة بينها. وتتقاطع هذه الرؤية مع تحولات الفن، حيث أعيد التفكير في العلاقة بين الامتلاء والغياب باعتبارها علاقة إنتاج دلالي. التجارب الحداثية أعادت تعريف الفضاء التشكيلي بوصفه مجالًا مفتوحًا، تتداخل فيه العناصر وتتشكل فيه المعاني عبر التوتر البصري، لا عبر الاكتمال الشكلي.

ويؤسس الكتاب مفهوم الانزياح الجمالي بوصفه آلية مركزية لفهم التحولات داخل التجربة التشكيلية. فالانزياح يتجلى في إعادة تنظيم العلاقات البصرية داخل اللوحة، وانتقال العمل الفني من الاستقرار التمثيلي إلى دينامية داخلية تنتج المعنى عبر التحول. ويتشكل المعنى هنا داخل البنية نفسها، من خلال حركة العناصر وتغير مواقعها البصرية والدلالية.

ويستند الدليمي في مقاربته إلى رؤية تعتبر الفن تجربة إدراكية تتجاوز الوظيفة الجمالية التقليدية. العمل الفني يتحول إلى طريقة في التفكير بالعالم، وإلى صياغة جديدة للعلاقة بين الإنسان والواقع عبر الوسائط البصرية. ويصبح النقد امتدادًا لهذه العملية، من خلال تفكيك البنية الداخلية للصورة وإعادة بناء أسئلتها.

ويشتبك الكتاب مع مجموعة أسئلة مركزية في التجربة التشكيلية العراقية: كيفية تحول اللون إلى حامل للوعي، وكيفية إنتاج الفضاء للمعنى، وآليات التوازن بين التجريب الفني وخصوصية الهوية البصرية، وطبيعة العلاقة بين الذاكرة الفردية والجمعية داخل العمل التشكيلي.

ويقدم الكتاب قراءة تحليلية لتجارب ثلاثة وعشرين فنانًا عراقيًا، من بينهم: ضياء العزاوي، مؤيد محسن، رشيد عباس، خليف محمود، حسن حداد، شاهين علي، لوثر إيشو، فلاح العاني، حازم صالح، ديلان عابدين، سبهان الغبشة، نادية أوسي، نسرين الملا، كرار ستار، محمد المندلاوي، طلال غانم، أحمد خليل الربيعي، حكم الكاتب، وجدان الماجد، عماد منصور، علي رشيد، علي نعمة، وضياء ربيع.

وتتوزع هذه التجارب ضمن مشهد بصري متعدد الاتجاهات يعكس تنوع التشكيل العراقي المعاصر، حيث تتجاور الأساليب والتقنيات والرؤى، ويتداخل البحث عن الهوية مع التجريب، وتتحرك الذاكرة البصرية داخل صيغ تشكيلية متغيرة. ويظهر هذا التعدد بوصفه علامة على حيوية المشهد التشكيلي وقدرته على إنتاج أشكال جديدة من التعبير.

ولا يقتصر الكتاب على توصيف هذه التجارب، بل يتجه إلى تحليل بنياتها الداخلية، وكشف آليات اشتغالها البصري، وربطها بالسياق العام للتحولات الجمالية في الفن المعاصر. وبهذا تتحول القراءة النقدية إلى تفكيك للبنية التشكيلية من الداخل، وإلى محاولة لفهم منطق الصورة بدل الاكتفاء بوصفها.

ويتميز هذا العمل النقدي بدعمه التحليل النظري بنماذج من الأعمال التشكيلية لكل فنان، حيث تُستحضر اللوحات بوصفها شواهد بصرية مباشرة تسند القراءة النقدية، وتمنحها حضورًا ملموسًا. وتتحول العلاقة بين النص والصورة إلى حوار مفتوح، يتداخل فيه المفهوم مع المثال التشكيلي في إنتاج الدلالة.

ويحتل مفهوم الانزياح الجمالي موقعًا مركزيًا في منهج الكتاب، إذ يُفهم بوصفه فعلًا إبداعيًا يعيد تشكيل العلاقات داخل اللوحة، ويمنح عناصرها إمكانات تعبيرية جديدة. وتتحرك لغة المؤلف بين التحليل التشكيلي والتأمل الفلسفي، بما يجعل القراءة امتدادًا للعمل الفني، وإعادة اشتغال له داخل اللغة النقدية.

وتنبع أهمية «الفضاء التشكيلي» من كونه يضع الأعمال الفنية ضمن سياق تاريخي وثقافي أوسع، ويربط بين التجارب الفردية ومسارات الفن الحديث، مع الحفاظ على خصوصية التجربة العراقية بما تحمله من ذاكرة مكانية وتجربة إنسانية متراكمة.

وفي المحصلة النهائية، يقدم الكتاب مقاربة نقدية ترى في الفن فعلًا معرفيًا، وفي اللوحة مساحة للتفكير، وفي الفضاء التشكيلي بنية لإنتاج المعنى، وفي الانزياح الجمالي شرطًا لولادة الرؤية، حيث يتحول العمل الفني إلى طريقة في إدراك العالم وإعادة تشكيله عبر الصورة واللون والفراغ.

***

بولص آدم

ربما يتجاوز هاجس السفر إلى خارج الأوطان تلك الدوافع الخفية التي تستعر في النفوس كتوق التغيير، والإنعتاق من طوق الرتابة في الحياة اليومية، إلى أبعد من الذات في محاولة لتعميق المعرفة لما في حولنا من خلال الاطلاع على أحوال وثقافات الشعوب والتعرف على معالم اوطانها وتأريخها وحياتها الإجتماعية. بل وقد يكون سحر الجغرافية الغامضة كما كان في السابق باعثاً للفضول المتأصل في نفوس الرحالة والمستكشفين، وعامل جذب آسر يبرر مجابهة التحديات والمخاطر مثلما فعل الأولون من أمثال ابن بطوطة وماركو بولو وماجلان وكريستوفر كولومبس وهيرودوت وغيرهم.

واليوم يتقاطرالمسافرون من مختلف الأعمار عبر المطارات ومحطات السكك والوسائط البرية والبحرية للسفر سواء للإطلاع أوالترفيه أو البحث عن فرص العيش الكريم أو التخلص من تداعيات النزاعات أو ظلم السلطات الحاكمة، وهذه الرحلات ستضيف بلا شك الكثير من التجارب والمعارف والخبرات إلى مخزون المسافر، ويأتي كتاب (رحلات) لمؤلفه المصور الفوتوغرافي والأديب رضوان رضا شيخلر من منشورات الزمن في كركوك والمطبوع في مطابع طهران في سياق تعميق المعرفة والإطلاع الميداني المباشر على أحوال الناس وعاداتهم وثقافاتهم وطبائع مجتمعاتهم والمقارنة بينها وبين السائد في مجتمعنا.

بدأ المؤلف رحلاته منطلقاً من كركوك الى عدد من بلدان أوروبا وكذلك الى تركيا بشطريها الأوروبي والآسيوي، وإلى جنوب شرق آسيا (تايلاند) وإيران، ثم من سوريا الى السعودية معتمراً إلى بيت الله الحرام، ليعود إلى سوريا. وخلال رحلاته تلك كتب وصوّر ووثق عشرات المحادثات والمشاهدات والإنطباعات بل وألحق بكتابه ملفاً للصور الفوتوغرافية المميزة التي التقطها والتي اسهمت في تعزيز محتوى الكتاب عبر تسليط الضوء على طبيعة الواقع الحضاري والإنساني للمجتمعات التي زارها.

يستهل شيخلر رحلاته بواحدة من أجرأها إذ بادر الى السفر الى ميونخ في المانيا في العام 1978م وهو لايزال طالبا في المعهد الزراعي الفني في (أبو غريب) وقد جمع ثلثمائة دولار من عمله في الاستديو الذي أسسه للتصوير الفوتوغرافي في المعهد مع نفحة ابوية بمقدار مائة وخمسون دولارا دفع منها اربعون الف دينار عن قيمة تذكرة السفر على طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية وهناك استقر في شقة صديق عراقي ليشرع بجولاته فوجدها (مدينة كبيرة وشوارعها عريضة وبناياتها مزخرفة، وفي كل شارع مكان مريح للجلوس إزاء نافورات مائية وعلى جانبيه مطاعم وكازينوهات واماكن ترفيهية تضفي على المدينة الحيوية). وصدم في زيارته لمتحف ميونخ إذ وجد ترحيبا بالغا به من قبل العاملين فيه بعدما علموا انه من العراق وذلك لإن إحدى قاعاته كانت تضم الاثار البابلية القديمة فشعر بالحزن لأن الغرب يحتفظ بكل تلك النفائس المهربة. كما ولاحظ بحزن مدى التزام الشباب بالنظام والهدوء والاحترام عند حضوره لحفلة موسيقية بالمقارنة مع حفلات الشباب العراقيين التي (تبدأ غالباً بالهرج والمرج وتنتهي بالمشاكل) بعدها شد الرحال الى تركيا مرورا بهنغاريا وبلغاريا. وعلى متن قطار بدأت رحلة العودة الى حيث أقام في اسطنبول فترة سجل خلالها العديد من الحوادث والانطباعات ليعود الى بغداد بحافلة كان سعر بطاقتها آنذاك عشرة دنانير !

رحلته الثانية الى تركيا في العام 2006 م وكان في العقد الخامس من عمره آنذاك وكان بقصد الاطلاع على احدث ماكنات التصوير وشراء مستلزمات معمله ومختبره للتصوير في كركوك وهناك صادف تجارا يجيدون التعامل مع العملاء إذ كانوا يقومون بتوفير وسائل النقل له للانتقال بين المحتبرات والمعامل بل ورافقه احد اصحاب المعامل بالطائرة الى محافظة سيواس في وسط تركيا ليتجول معه في معامله هناك وحجز له فندقا فاخرا ووفر له سائقا يرافقه مع علمه أنه لن يشتري من معمله لعدم توافق المواد المصنعة مع احتياجاته في العراق.

في رحلته الى تايلند اقنعه صديق بالسفر مع مجموعة سياحية استقلت طائرة تضم 550 مسافرا ابتداءً من اربيل ثم البحرين وانتهاءً بمطار بانكوك ولاحظ بأن المجتمع التايلندي نسائي بإمتياز سواء في الشارع أو المطاعم أو المجمعات الترفيهية أو المسارح وحتى سائقات سيارات الأجرة الفارهة والحديثة فسأل عن الظاهرة فأجيب أن طوال القامة من الرجال يخدمون في الجيش الامريكي فيما يهاجر البقية الى بلدان اخرى للعمل. وفي خضم المباني الشاهقة تناول عشائه مع مئات العوائل في برج في ارقى مناطق بانكوك حيث يحتل المطعم طابقه الخامس والتسعون من المبنى وكلفة الوجبة الفاخرة فيه حوالى 15 الف دينار عراقي فقط لكنه وهو في طريق عودته الى الوطن علق في ذهنه قول سائحة أمريكية مسنة إلتقاها بالصدفة في مدينة بتايا السياحية إذ قالت له (عليكم أن تتعلموا وتفكروا بمستقبل بلدكم العراق فلديكم الحرية بعد زوال الدكتاتور لكن تنقصكم ثقافة الديمقراطية وتفهم الآخر برحابة صدر !)

في إيران استقطبت الأسواق والحدائق العامة وبساطة الناس إهتمام المؤلف في سفرة له مع وفد من كركوك ضم عددا من الشخصيات الاكاديمية والأدبية الى مدينة تبريز تلقوا دعوة رسمية لحضور المعرض الدولي التاسع عشر للكتاب وكانت مكتبة تبريز واحدة من المعالم المهمة فيها فهي في الواقع صرح معماري بارز يتألف من عدد كبير من المباني والقاعات والاجنحة الادارية بحيث يجد الباحث والدارس فيها مبتغاه من المصادر والكتب الحديثة والنشرات وفق التقنيات المعلوماتية الحديثة والمدهش ما صرح به مديرها وهو دكتور في اختصاصه إن مكتبات تبريز تستقبل اكثر من 660 الف قارئ ! كما ان المكتبة تضم قاعة مغلقة بنظام القاصة (لا تفتح الا بتوقيع رسمي لما تحويه من إرث ثقافي من الكتب التي تعود الى مئات السنين وفيها ايضا عدد من نسخ القران الكريم القديمة مكتوبة بخط اليد). اما متحف جامعة تبريز فهو الآخر معلم حضاري وحديث يحتوي على منحوتات تماثيل كبار شعراء وادباء تبريز في دلالة واضحة لتقدير عطائهم وإبداعهم الانساني.

وقد لا يكون من الضروري الاشارة الى سفرتيه الى سوريا كونها صادفتا قبل التغييرفي أواخر العام 2024 م، فالفقر والتضخم وانهيار العملة بل وحتى الخوف في التنقل عبر المدن فضلا عن تداعيات سوء الوضع الأمني كانت سماتهما الا أن صبر الناس ومحاولة التكيف مع الوضع كانت السمة الابرز. لقد دون خلال تناوله الغداء في أحد المطاعم العراقية الراقية في العاصمة دمشق العدد اللافت من عاملات الخدمة السوريات اللواتي تعمل الواحدة منهن بأجر شهري يعادل 12 دولارا فيما قيمة وجبة الكباب بلغت ستة دولارات اي ما يعادل اجر نصف شهر العاملة كما كان الأجر الشهري لرئيس الطباخين ما يعادل 20 دولارا ! ولكن بالرغم من الظروف المعاشية الصعبة وندرة البنزين فقد لاحظ المؤلف (الاعداد الكبيرة من السيارات كما وجد معظم الشوارع والممرات مشجرة ومرتبة ونظيفة كما ان المقرات العسكرية كانت تشغل المباني التأريخية القديمة وفي مواقع مهمة من العاصمة).

وفي زيارة للمؤلف يصف سوق الحميدية بأنه (كبيرومدهش حقا ويعتبر من اشهر اسواق دمشق وربما الشرق على الاطلاق وذلك حسب رأي المؤرخين، والسوق فسيح رائع البناء وهو بمثابة مدينة تجارية وصناعية في قلب دمشق، وحسب وصف الباحثين فإنه درّة الأسواق وأجملها ومغطى بالكامل بسقف حديدي مليء بالثقوب الصغيرة التي تنفذ منها أشعة الشمس اثناء النهار وأرضيته مبلطة بالحجر. ويحتوي الكثير من المعروضات المدهشة القديمة والحديثة وعندما تدخل السوق وتتجول في أرجائه تحس نفسك انك تعيش في القرون السابقة.ويتوفر في هذا السوق كل ما يحتاجه الزبون الدمشقي والسائح والزائر من ألبسة وإحتياجات البيت المختلفة والهدايا الكثيرة والعطور ومن مناشئ مختلفة).

رحلات.. كتاب حافل بالمشاهدات والانطباعات والوقائع والتعريف بثقافات الشعوب التي شملها السفر وهو يحتل بلا شك مكانته بإقتدار في أدب الرحلات إلا أن على المؤلف أن يعتني في الطبعة القادمة بالمراجعة اللغوية، وتغيير سمك الحرف المطبوع، وإضافة التواريخ الى الرحلات لكي تتم الفائدة المتوخاة منه.

***

محمد حسين الداغستاني

أنقرة

في مطلع كل عامٍ هجري، وإبّان الدخول في أيام الحزن المرتبطة بعاشوراء الإمام الحسين (ع)، يعود البعض منّا الى الاشارة، صراحةً أو تلميحاً، إلى كتاب "الشهيد الخالد" للشيخ نعمة الله صالحي مجف آبادي (1923-2006م)، والذي يعد من أشهر علماء الدين الايرانيين المعاصرين ضمن الحيز التجديدي، وقد عُرف عنه بجرأته في نقد العديد من الثوابت والمسلمّات الدينية على المستوى العقدي أو المستوى التأريخي أو غيرهما، وتأتي هذه الإشارة من قبل هؤلاء البعض كدلالة على الموافقة والتأييد لما طرحه المؤلف في قراءة تأريخية ذات سياق اجتماعي-سياسي صرف لمجريات الطف ومتلازماتها.

وقد أصدر الشيخ نجف آبادي كتابه ذائع الصيت "شهيد جاويد/الشهيد الخالد" في اواخر ستينات القرن الماضي متناولاً قضية الإمام الحسين (ع) من زاوية تحليلية مغايرة لما هو معهود في الأدبيات الشيعية على المستويين النخبوي والشعبي، إذ خالف المؤلفُ التفسيرَ التقليدي السائد الذي يرى أن الإمام الحسين (ع) كان مدركاً لطبيعة المآلات التي يتجه صوبها في مشروعه الاصلاحي، ومن أكثف دلالات هذا الادراك قوله عليه السلام (وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء)، وكذلك قوله لمن أراد ثنيه عن الخروج: (شاء الله أن يراني قتيلاً، وأن يراهن سبايا)، وغيرها من الدلالات الكاشفة عن علم حسيني بالمآلات، وأن له منزلة خاصة لن ينالها إلا بالشهادة.

وفي خضم كثافة الدلالات الشيعية لعلم الإمام (ع) بما سيجري له، يأتي الشيخ نجف آبادي ليغير البوصلة عبر الاشارة الى ان الامام لم يكن كذلك، وأنه أراد أن يقيم حكومة اسلامية عادلة، وإصلاح الاوضاع الدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السيئة التي اجترحت الامة الاسلامية جرّاء توالي الشخوص غير المناسبين على حكم المسلمين، والإمام هنا ينطلق في حركته من معطيات سياسية واقعية، وخاصة الرسائل التي وردت اليه من أهل الكوفة، ولم يكن القتل أو الاستشهاد هو المنطلق الاول للتحرك الحسيني، بل أن خيار الانتصار هو الخيار الراجح والدافع لهذا التحرك، إلا أن تحول مجريات الأمور، وتبدلات المواقف، وتغيرات ميزان القوى قاد الى حصول واقعة الطف الاليمة بهذا الشكل الذي حصل، وانتهى باستشهاد الامام (ع) ومن معه، وسبي النساء والاطفال في واقعة إكتنزت كل معاني التضحية والبسالة والمآساة في آن واحد.

وقد أثار كتابُ الشهيد الخالد العديدَ من النقود والردود، ومن أبرز من ردّ عليه الشيخ مرتضى المطهري (1919-1979م)، وكذلك الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (ولد عام 1924م)، وغيرهما، وما زال الكتاب يلقى الصدى في بعض الاوساط بالشكل الذي يجعل الاشارة اليه تحضر في كل محرم عند البعض.

وما أهدف اليه في هذه السطور ليس الرد على الشيخ نجف آبادي، إذ قام الكثيرون بذلك، وفنّدوا المرتكزات والدعامات الفكرية والتأريخية التي استند اليها، بل أن هدفي هو الاشارة الى مسالة في غاية الاهمية، افترض ان أغلب المشيرين الى الكتاب، والمشيدين به في الوقت ذاته، غير ملتفتين إليها، ألا وهي أن ما توصّل اليه الشيخ في كتابه من نتائج لها ارتدادات عقدية وروائية وغيرها ينبغي عدم تجاهلها إبّان التعاطي، سلباً أو ايجاباً مع الكتاب، فالقول بأن الإمام (ع) لم يكن عالماً بمآلات الأمور، ولا مدركاً لمصائره هو ومن معه، يعني أن ذلك له علاقة بمباحث عقدية عدة، منها مبحث العصمة، ومبحث علم الإمام، وغيرها، كما أن ذلك له علاقة بالموقف الروائي فيما يتعلق بالتعامل مع الرجال حرجاً وتعديلاً، ومع الروايات والأخبار إثباتاً ونفياً، ومن ثم يمكن القول بلغة أستعير فيها المنطق الماركسي: أن ما طرحه الشيخ نجف آبادي في كتاب الشهيد الخالد عبارة عن بنية فوقية ترتكز على بنية تحتية، وأن الاخيرة هي التي تفسح له المجال للوصول الى هكذا نتائج خطيرة، ولذلك عندما نقرأ أو نسمع للذين يشيرون للكتاب ويشيدون به، ولكنهم في الوقت ذاته غير مؤمنين بالبنية التحتية التي أنتجت الكتاب، نكون أمام خلل معرفي كبير، فكيف يمكن أن تؤمن بعصمة الإمام، وبعلم الإمام بالمآلات، وفي الوقت ذاته تؤيد كتاباً يتعارض مع هذه الثوابت؟ أو كيف تتوافق مع نتائج تحليلية لمعطيات تأريخية تتعارض مع المنهج الذي تؤمن به أنت، أو من تتبعه، في حين هي تصب في صميم الموقف العقدي والروائي الذي يتبناه الشيخ صالحي نجف آبادي؟

إن هذه المسالة التي أريد لفت الانتباه إتجاهها مسألة مهمة جداً، وتغيب، غالباً إن لكن دائماً، عنّا في عملية تقييم الأفكار والنظريات والنتائج، فالإيمان بالنتيجة دون الاخذ بأسبابها غير صحيح منطقياً، إلا أن يكون لدينا أسباب أخرى تقود الى هذه النتيجة التي نؤمن بها، أما عملية التقييم القائمة على الترغيبات النفسية، والاستذواقات المزاجية فهي لا تغني ولا تسمن من جوع في هذا المقام، وعلينا أن نلتفت خلال مساعي الاشارة والإشادة بأي فكرة الى منطلقاتها ونتائجها وملازماتها إذا ما أردنا أن نسير في خطى معرفية وازنة وراكزة.

***

د. محمد هاشم البطاط

هل تستطيع الأديان المشاركة في الفضاء الديمقراطي الذي صار سمة العالم الجديد من دون أن تتخلى عن ثوابتها في الدعوة الى الدين الحق، وإنقاذ الناس من الظلام إلى النور؟.. تحاول هذه الدراسة الفريدة التي أنجزناها في مركز دراسات الإخاء الإنساني أن تجيب على ذلك. ومع أن الحوار بين الأديان ليس جديداً في الوسط الأكاديمي، ولكنه يكاد يقتصر على الديانات الإبراهيمية، ولم يتقدم باتجاه ديانات الشرق، خاصة الديانة السيخية الكريمة.

يبلغ السيخ نحو خمسين مليون إنسان حول العالم، وهم يحملون ثقافة العمل والخدمة، وينتشرون بشكل واضح في الخليج العربي، ولكن ظلت أفكارهم وعقائدهم لغزاً مغلقاً، ولم يتعامل الفقه الإسلامي مع السيخ إلا على أنهم ديانة مارقة، ولا شك أن الأمر في الجانب الآخر لا يختلف كثيراً، وتبادل الطرفان خلال التاريخ التهم والريب، ووقعت حروب البنجاب الدامية خاصة في فترة حكم المغول للهند، وتالياً في قترة الدولة السيخية في البنجاب 1599-1649

ويمكن اعتبار المبادرة الجديدة التي قادها مركز دراسات الإخاء الإنساني في الشارقة توجهاً جديداً نحو عالم جديد قائم على تجاوز الماضي والتفاؤل بالمستقبل، والبناء على المشترك الإنساني والأخلاقي، وبالفعل فقد تم لأول مرة في التاريخ إنجاز عمل مشترك ضخم يكتب فيه فقهاء مسلمون وفقهاء سيخ في المشترك بين الديانتين.

لقد كتب كل فقيهين في محور واحد من زاوية إسلامية ومن زاوية سيخية، واستوفى كل فقيه ما في تراثه الديني في المحور المخصص، بمعزل عما كتبه الآخر، وبعد استيفاء البحوث قمنا بعرض النتائج على الذكاء الصناعي الذي قام باستخراج المشترك بين هذه المحاور وبالفعل كانت النتائج مدهشة، حيث ظهر تماماً أن الديانات ليست في جوهرها إلا تجلياً لإرادة الله الواحد، وأن الأهداف التي سعى لها الأنبياء والحكماء الذين نالوا قبول الملايين في التاريخ إنما تخرج من مشكاة واحدة، وتعمل في الجوهر لصالح الخير الإنساني وسعادة الناس.

وقد توجهنا إلى أربعة محاور نعتقد أنها على رأس مقاصد الرسالة الإسلامية والسيخية:

الأول: التوحيد، حيث تؤمن الديانتان إيماناً راسخاً بالله الواحد خالق كل شيء لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحداً، وأنه ليس كمثله شيء وأنه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

وتكاد السيخية تتفق مع أصول التوحيد المقررة في الإسلام في باب الصفات الواجبة لله تعالى، وانه المتصف بالصفات السبعة الواجبة عقلاً لله تعالى وهي الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والقدرة والقيام بالنفس والمنزه عن مشابهة الخلق.

وكلا الديانتين تؤكدان على وحدانية الله، وإن اختلفت الصياغة اللاهوتية:

- الإسلام: الله واحد لا شريك له.

- السيخية: "إك أونكار" — الإله واحد، غير مجسّد، سرمدي.

الثاني: التسامح: ومن القيم المشتركة في الديانتين قيمة التسامح التي تزدهر في الإسلام كما تزدهر في الثقافة السيخية، وقد أردنا إحياء هذا الجانب تحديداً وذلك للتأكيد على روح التسامح التي نشأت بين المسلمين وبين السيخ في فترة تأسيس الديانة وبشكل خاص أيام السلطان المغولي أكبر، الذي تخصص في إخاء الأديان وكرامة الإنسان، ونجح في بناء أوثق الجسور بين المسلمين وبين السيخ، كما أننا قصدنا إلى معالجة الانحرافات التي ذهبت إليها العصبية الدينية بين مجموعات إسلامية وسيخية في مراحل مظلمة من تاريخ الهند.

لقد أردنا في هذا الفصل أن نؤكد أن الإسلام والسيخ يحملان قيماً مشتركة في التسامح، ولكل منهما أسلوبه ووسائله وادواته.

الثالث: الطهارة: كما يظهر اهتمام كبير وواضح في عنوان الطهارة في الديانتين، حيث اعتبرت الطهارة في الإسلام شرطاً لصحة العبادة والنسك، وفريضة دينية في أحوال متعددة، وجزءاً من نسك الصلاة والحج، وقد تطور مفهوم الطهارة بدءاً من تعزيز قيم طهارة الجسد والثوب، وكذلك طهارة البيئة، وصولاً إلى طهارة الروح.

الرابع: خدمة الناس: وكذلك فإن كلاً من الديانتين أكدت على قيمة العمل الصالح وخدمة الناس، واعتبر الإسلام أن خدمة الناس شرط للقبول عند الله، وقال النبي الأكرم: الخلق كلهم عيال الله وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله

وقد تولى الكتابة في موضوع خدمة الناس في الإسلام الكاتب الأكاديمي الأستاذ مأمون ديوب، ومن الجدير بالذكر أن الدكتور ديوب هو أحد أبناء الطائفة الإسماعيلية الآغاخانية المسلمة الكريمة التي تزدهر في باكستان، وتجاور الإخوة من السيخ، وقد حقق الآغاخانيون تفوقاً واضحاً في جانب خدمة الناس وأطلقوا أكبر شبكة تنمية إنسانية في العالم وهي شبكة الأغا خان للتنمية التي تشارك في مشاريع تنموية وعمرانية وهندسية في كل انحاء العالم وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل في العالم.

ومن المؤكد أن هذه الجوانب الأربعة ليست هي كل القيم التي تتشاركها الديانتان، بل هناك قيم أخرى جديرة بالدراسة والبحث والتأمل ولعلنا نصدرها في دراسات خاصة، ومنها اتفاق الديانتين على رفض الوساطة الكهنوتية، حيث يرفض الإسلام وجود طبقة كهنوتية، ويؤكد أن العلاقة المباشرة للمؤمن مع الله، وأنه لا وسيط بين العبد والرب في صلاته، ولا كهانة في الإسلام، فيما تؤكد السيخية الشـيء ذاته وترفض نظام البراهمة وتؤكد العلاقة المباشرة مع الله.

كما تتفق الديانتان بشكل كبير في القيم الأخلاقية المشتركة من الصدق والأمانة والعدل والإحسان وخدمة المجتمع، وتكاد تتطابق توجيهات الإسلام والسيخية في الإحسان عبر تتطابق الدلالة في مصطلح: (Sewa) مقابل (Sadaqa / Ihsan)

ويمكن أن تقوم دراسات متخصصة للبحث في المشترك بين الديانتين أعلاماً وأفكاراً في حقل التصوف خاصة، حيث قام التصوف بدور رائد في التقريب وبناء المحبة، وعلينا أن نشير أن المحاولة الأولى للإشراق كانت طريقة صوفية ظهرت على يد ثنائية مهمة هي غورو ناناك والصوفي بهائي ماردانا، وهي ثنائية تشبه إلى حد بعيد ثنائية مولانا جلال الدين الرومي وصاحبه شمس الدين تبريز عليهما رضوان الله.

كما أننا نحتاج إلى قيام دراسات متخصصة أيضاً في فهم التأثير الأدبي المشترك للديانتين وبشكل خاص في قصائد الشعر الصوفية والربانية التي كانت تعزف في المجتمع السيخي والمجتمع الإسلامي ولا تزال إلى اليوم إرثاً مشتركاً بين الطرق الصوفية في السند وشمال الهند من إسلامية وسيخية على السواء، حيث يتبادلها الطرفان باللغة الأوردية والشعر الفارسي حتى الآن.

وفي النهاية أعود للتأكيد ان هذه الدراسات لا تهدف أبداً إلى حوار عقائدي تبشيري لتحديد حق وباطل، ولا تهدف أيضاً إلى خلط أوراق الأديان وإنتاج دين جديد منها، بل هي دراسات موضوعية محايدة، تنطلق في البحث عن المشترك ضمن حدود قاعدة: لكم دينكم ولي دين، ولا تدعو لمناسك مشتركة ولا معابد مشتركة، بل تهدف إلى تعزيز الحياة المشتركة في الحب والتعايش، مع اتفاق شبه تام بين الطرفين على ان الهدى والضلال هو شأن الله تعالى، وهو وحده من يحكم بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

لقد شارك في إضاءة الجانب الإسلامي على هذه المحاور الأربعة نخبة من الفقهاء الأكاديميين المتخصصين:

- د. تيسير أبو خشريف الرئيس الأسبق لجامعة بلاد الشام الإسلامية

- د. محمد ماهر قدسي نائب عميد كلية الشريعة في جامعة حلب

- الشيخ الملا محمد رشيد غرزاني رئيس كلية الإسلام الديمقراطي

- الدكتور مأمون ديوب عضو المجلس الإسماعيلي الإسلامي

كما كتب أربعة أكاديميين متخصصين في الجانب السيخي:

- الدكتور سيمار سينغ المؤرخ الهندي المتميز

- الدكتور جاجديب سينغ نائب رئيس الموسوعة السيخية

- الدكتور برافير سينغ الباحث في الموسوعة السيخية

- الدكتورة بابليس كانداهاري الكاتبة والشاعرة ونائب رئيس معبد غورو دربار في دبي

- البروفسور بهاي صاحب رئيس جماعة غورو ناناك نيشكام سيواك جاثا في بريطانيا

كما قام المفكر الإنساني الرائد سيرندر كاندهاري  Surender Kandhari  رئيس معبد غورو دربار في دبي بدور أساسي في المبادرة، استكمالاً لما سبق في كتبه التي أصدرها حول المشترك بين القيم الدينية ودوره الذي يتعاظم كل يوم في نشر ثقافة التسامح والمحبة، كما قدمها للجمهور في كتابه الجميل: منارة التسامح التي تحدث فيها عن تجربة الإمارات العربية المتحدة الرائدة في رعاية المحبة والسلام.

إننا في مركز دراسات الإخاء الإنساني في الشارقة الذي أتشـرف برئاسته سعداء بان نقدم هذه المبادرة الكريمة لجمهورنا في الإسلام والسيخية، وكذلك للهيئات الدينية الرسمية والمعتبرة في العالم الإسلامي وفي المجتمع السيخي، وكذلك في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث العلمي والدراسات، وكذلك المنظمات الدولية المعنية بالإخاء بين الحضارات والديانات، لتعزيز ثقافة المشترك الإنساني والمحبة بين أتباع الأديان في الأرض.

إنني أكرر هنا شعارنا الذي اخترناه لمركز دراسات الإخاء الإنساني:

- الله واحد، ولكن أسماءه كثيرة

- الحقيقة واحدة، ولكن الطرق إليها كثرة

- الإشراق واحد، ولكن الأديان كثيرة

- الإنسانية واحدة، ولكن الناس كثير

- الحب واحد، ولكن القلوب كثيرة.

إنها حقيقة شرحتها بدقة آية قرآنية كريمة:

ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم.

***

د. محمد حبش

صدر في الشهر الماضي كتاب مقالات في الفلسفة (1) احتوى على ملخص و 44 مقالا توزعت على مختلف الموضوعات والأفكار الفلسفية. هذه المقالات سبق وان نُشرت في فترات سابقة، وربما في إعادة نشرها يتمكن القارئ الإحاطة ببعض الأفكار الفلسفية بسهولة ودون عناء. انها ليست حبا في التكرار، بل أخذنا بالاعتبار أي تعديلات او إضافات لاحقة. بالطبع لا يمكن ايجاز كل المقالات هنا بل سنعرض لقسم منها ونترك المتبقي للقارئ الكريم.

ماهي الفلسفة ولماذا؟

في صفحة رقم 5 نبدأ بمقال بعنوان ما هي الفلسفة ولماذا؟ حيث جرى الحديث عن الفلسفة كطريقة في التفكير حول موضوعات معينة، هي ليست فقط طرح أسئلة وانما هي فهم للاسئلة ذاتها. الفلسفة وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (حب الحكمة) عبارة عن دراسة منهجية للاسئلة العامة والاساسية المتعلقة بموضوعات مثل الوجود، المعرفة، الذهن، المنطق، اللغة، القيمة. هي تحقيق عقلاني ونقدي في طرق الفلسفة وافتراضاتها. تاريخيا، العديد من العلوم مثل الفيزياء وعلم النفس كانت جزءا من الفلسفة لكنها انفصلت لاحقا واعتُبرت كحقول أكاديمية خاصة. الفروع الرئيسية للفلسفة هي الايبستيمولوجي، الاخلاق، المنطق، الميتافيزيقا.

الايبستيمولوجيا يدرس ما هي المعرفة وكيف يتم اكتسابها. الاخلاق تحقق في المبادئ الأخلاقية وما الذي يشكل السلوك الصحيح. المنطق هو دراسة الاستدلال الصحيح وكيفية التمييز بين الحجج الجيدة و السيئة. اما الميتافيزيقا فهي تفحص السمات العامة للواقع، الوجود، الأشياء، والصفات. وهناك حقول فرعية أخرى مثل الجماليات، فلسفة اللغة، فلسفة الذهن، فلسفة الرياضيات، فلسفة العلوم، فلسفة الدين، فلسفة التاريخ، والفلسفة السياسية. ضمن كل فرع هناك مدارس متنافسة للفلسفة تهتم بمختلف المبادئ والنظريات و الطرق.

يستخدم الفلاسفة مختلف الطرق للوصول الى معرفة فلسفية: تحليل مفاهيمي، الوثوق بالحس العام او البديهة، استعمال تجربة فكرية، تحليل اللغة العادية، وصف التجربة، واسئلة نقدية.

هل الجمال ذاتي ام موضوعي؟

في صفحة 51 نأتي الى موضوع الجمال، حيث نجد ان مفهوم الجمال شغل أذهان الفلاسفة والانثربولوجيين وعلماء الأعصاب و نقاد الفن بالإضافة الى الناس العاديين. ارتبطت كلمة "جمال" عادة بالتجربة الجمالية للفرد وهي تشير بالاساس الى الصفات الجوهرية لشيء ما والتي تثير نوع من رد الفعل في سلوك الناظر، مثل الهدوء او المتعة او الفرح. يُنسب الجمال الى شكل من الظواهر الطبيعية (منظر الغروب او الجبال) وكذلك الى الأشياء الجميلة التي يصنعها الانسان مثل اللوحات الفنية او السمفونيات الموسيقية. يمكن النظر الى الجمال بطريقتين:

1- اما يعود الى "سمات أساسية " في الظاهرة الطبيعية او في الاعمال الفنية.

2- او انه يُعرف كليا تبعا لتجربة الانسان الجمالية.

الاتجاه الأول ينظر الى الجمال موضوعيا، كشيء جوهري يوجد بحد ذاته في شيء ما او شيء فني وبشكل مستقل عن تجربة الناظر له.

الاتجاه الثاني (الجمال هو ما يبدو في عين الناظر)، ينظر الى الجمال باعتباره امرا ذاتيا، شيء ما يحدث في ذهن الفرد الذي يتصور الجمال.

الآراء الموضوعية:

 حسب افلاطون، الجمال يقيم في عالم الأشكال، الجمال امر موضوعي ولا يتعلق بتجربة الناظر. ارسطو أيضا اعتقد بالرؤية الموضوعية للجمال لكنه عرّف الجمال بخصائص الشيء الفني مثل التناسق والنظام والتوازن والتناسب. هذا المعيار يظل قائما سواء كان الشيء طبيعيا ام من صنع الانسان. مع ان كلا الفيلسوفين يؤمنان بتصورات مختلفة للجمال لكنهما يتفقان على ان الجمال هو خاصية لشيء وليس شيء ما في ذهن الناظر.

الآراء الذاتية للجمال:

ديفد هيوم جادل بان الجمال لا يكمن في "الأشياء" وانما هو ذاتي تماما، انه مسألة مشاعر وعواطف. الجمال هو في ذهن الفرد الناظر للشيء وان ما يبدو جميلا للمراقب قد لا يبدو كذلك للاخر. هناك تعقيدات تبرز في اعتماد الرؤية الذاتية الخالصة للجمال، لأن فكرة الجمال تصبح بلا معنى لو اضحى كل شيء مجرد مسألة ذوق او تفضيل شخصي. اذا كان الجمال خالصا في عين الناظر فان فكرة الجمال لم تعد لها قيمة بالمقارنة مع أشياء مثل الحقيقة والخير.

آراء العلماء

هؤلاء يقولون ان الجمال هو ما يبدو في عين الناظر ولكن هل ان الفكرة لدى الناظر هي نتاج لجينات الفرد ام للبيئة؟ هذه كانت محل نقاش بين العلماء منذ وقت طويل. بعض البحوث ترى ان صفات جسدية معينة مثل الطول او قوة العضلات ربما كانت مشفرة في جيناتنا، لكن دراسة أخرى وجدت ان تجربة حياتنا الفردية هي التي تقود لإكتشاف ان وجها معينا اكثر جاذبية من الآخر.

مشكلة الأبدية.. ماذا لو كان الكون بلا بداية؟

في صفحة 23 نعرض لمشكلة الأبدية، حيث توجد هناك ثلاث خيارات حول طبيعة الكون الذي نحن فيه، اما ان يكون أزليا وموجودا منذ البداية، او ان هناك من أوجده، ام انه هو خلق نفسه. الفيلسوف اليوناني هيرقليطس كان اول المؤمنين بأبدية الكون، وهي النظرية التي سلكت طريقها الى الثيولوجيا المسيحية رغم ان الانجيل نقل قصة مختلفة. العقيدة الحالية المهيمنة هي ان الكون ظهر فجاة قل 13.8 مليار سنة بعد الانفجار العظيم. التحول من الايمان بان الكون كان ابديا الى كون له عمر محدد كان نقلة نوعية. هيرقليطس كان المسؤول الأول عن فكرة الكون الابدي، فهو أعلن عن ذلك صراحة: "هذا العالم الذي هو ذاته دائما، لم يصنعه احد من الالهة او الناس. انه كان دائما، وهو كائن وسوف يكون: نارا حامية ابدية، منها ما يشتعل ومنها ما ينطفئ".

بالتأكيد لا تُعرف الأسباب التي جعلت اليونانيين القدماء يؤمنون بأبدية الكون. يُحتمل هناك سببان لهذا، أولا ان قدرة آلهة الاغريق كانت محدودة جدا، هم ليسوا اكثر من رجال اسطوريين، هم غير قادرين على اصدار أوامر الخلق، وثانيا اليونانيون القدماء ومن خلال دراستهم للكيفية التي يعمل بها العالم من حولهم، لم يستطيعوا رؤية اية إمكانية بان العالم خلق نفسه. اذا لم يوجد هناك من خلق الكون والكون لم يخلق نفسه، فان الامكانية الوحيدة هي ان الكون يجب ان يكون موجودا دائما.

حجة ارسطو: جادل ارسطو في كتابه الفيزياء بان العالم يجب ان يكون وُجد من أبدية. هو جادل بان كل شيء يأتي الى الوجود من خلال طبقة تحتية substratum. لذلك اذا كانت المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود، فهي جاءت من طبقة تحتية، وبالنتيجة فان المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود فقط من مادة موجودة سلفا تشبه ذاتها بالضبط، وهذا جعل ارسطو يجادل بان المادة يجب ان تكون ابدية. وفي جداله عن الحركة يؤكد اننا اذا افترضنا بداية مطلقة للحركة، فان الشيء الذي يباشر اول حركة يجب ان يكون اما:

1- جاء الى الوجود وبدأ الحركة.

2- او وُجد بحالة أبدية من السكون قبل ان يبدأ الحركة.

الخيار الأول هو متناقض ذاتيا لأن الشيء لا يمكن ان يتحرك قبل ان يأتي الى الوجود، وان عملية المجيء الى الوجود هي ذاتها "حركة"، لذلك فان الحركة الأولى تتطلب حركة قبلها، أي، عملية المجيء الى الوجود. الخيار الثاني أيضا غير مقنع لسببين:

1- اذا كان العالم بدا في حالة من السكون، فان ظهور تلك الحالة من السكون سيكون في حد ذاته حركة.

2- اذا كان العالم تغير من حالة السكون الى حالة الحركة فان سبب ذلك التغيير للحركة سيكون هو ذاته حركة. ولذلك استنتج ارسطو ان الحركة أبدية بالضرورة.هو رأى ان "الفراغ" الذي هو (مكان لا مادة فيه) مستحيل. لأن الأشياء المادية يمكنها ان تأتي الى الوجود فقط في مكان،أي، تشغل مكانا. لو كان الشيء يأتي من العدم، ذلك يعني ان "المكان الذي يُشغل بما يأتي الى الوجود سيكون سلفا مشغولا بفراغ، بسبب عدم وجود شيء فيه". لكن هذا الفراغ مستحيل، والمادة يجب ان تكون أبدية.

هل هناك غاية للكون؟

وفي صفحة 38 تطرقنا الى مسألة الغائية في الكون. معظم الناس أخذوا فكرة غائية الكون من الدين. ما يحدث في هذا الكون، كما تذكر القصة هو بالتأكيد تعبير عن رغبة الله. ومع تطور العلم جرى استبدال فكرة الكون المنظم من الله بفكرة الكون المنظم بقوانين الفيزياء اللاواعية. تلك القوانين كونها غير واعية فهي فارغة من الهدف. القوانين الفيزيائية ليست "قبلية ولا هي تراقب المادة لتتأكد من عدم خروجها عن الخط". الاحداث ببساطة هي نماذج او عادات للعالم الطبيعي المنكشف غير مسترشدة بغرض كوني.

غير ان بعض المفكرين يرون ان إمكانية الغرض الكوني انتعشت من جديد بواسطة العلم الذي بدا كأنه قتلها. هذا الانبعاث يتجذر في الاكتشاف بان قوانين الفيزياء يجب ان تكون مضبوطة بدقة لدرجة غير متخيلة لأنه يجب ان يكون هناك كون يمكن ان يولّد ويديم الحياة (وحتى التعقيدية الكيميائية التي سبقت الحياة). مدى الدقة في ضبط الكون تتضح بكمية الطاقة المظلمة في الفضاء الفارغ – او ما يسمى يالثابت الكوني او "طاقة الفراغ" – يجب ان تكون اكبر من صفر ولكن ليس اكثر من 10 مرفوعة الى -122 وحدة. هذا يُعد ضروريا لكي لا ينهار الكون على ذاته او يتحطم الى أشلاء قبل ان يتكتل على شكل كواكب قابلة للحياة. الفيزيائيون وجدوا ان تغييرا بسيطا في القوانين الأساسية للطبيعة ستجعل إمكانية وجود الحياة مستحيلة.

المعارضون لفكرة الغاية من الكون:

 لسوء الحظ فكرة الكون المضبوط لا تبدو مقنعة كليا. الأكثرية العظمى مما يوجد في الكون هو ليس فقط كون غير مسكون وانما أساسا غير صالح للسكن، وبالتالي فارغ من الغرض كما يُفهم عادة. ان التقدم الحديث في الفيزياء أشار الى ان الكون وبشكل مدهش مرن في خصائصه الأساسية وانه ليس المكان الأفضل تماما لظهور الحياة. ربما لم يضعنا الكون في ذهنه ابدا ونحن لسنا مساهمين بدون قصد في تحقيق غرضه.

ان هدف الكائنات الفردية في سعيها لأغراض غير متصلة يتصادم مع تلك الكائنات الأخرى اما كمنافسة لها او مجرد العيش جنبا الى جنب. من الصعب رؤية الفريسة والمفترس يشتركان بهدف مشترك. كذلك، التمييز بين الكائنات الحية وبيئاتها يحصر الغرض في الأولى وليس في الأخيرة وهو يتعارض مع فكرة التوزيع العادل للغرض في جميع الكون. في المسار من الذرات الى المعادن، ومن هذه الى أولى خيوط الحياة، نجد آلية العشوائية وآلية اللاوعي هما أكثر وضوحا من الغرض.

 لازال في الكتاب عدد كبير من المقالات الهامة مثل مأزق الانسان بين الحتمية والإرادة الحرة، لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء، لماذا هاجم روسو التنوير، الاختلاف بين ديفد هيوم وعمانوئيل كانط حول السببية، ولماذا يحتاج المعلم الى رؤية فلسفية، هل يمكن اثبات صلاحية المبدأ الأخلاقي؟ وأين تكمن قيمة الفلسفة، وأربعة أجوبة فلسفية لمعنى الحياة، هل العدالة غاية بذاتها؟ وكذلك أوجه التشابه بين الروح والمدينة في جمهورية افلاطون.

***

حاتم حميد محسن

..........................

(1) كتاب مقالات في الفلسفة للكاتب حاتم حميد محسن، صدر في مايو 2026 عن دار اديان للطبع والنشر والتوزيع في 218 صفحة.

بقدر حاجتنا إلى مراجَعات ذاتية، نحن نحتاج إلى مراجِعين قادمين من "أقصى المدينة"، ملمّين بلساننا، وعلى دراية بأحوالنا، لقراءة نثرنا وشعرنا. وتلك مهمّة اضطلع بها باقتدار الإيطالي سيموني سيبيليو، المنتمي إلى جيل المستعربين الجدد، في تناول المنتوج الشعري العربي، في كتاب صادر بالإيطالية هو عبارة عن فهرس مفصّل. جاء الكتاب بعنوان: "الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر" (معهد الشرق بروما)، وعماد صاحبه في ذلك، التحليل النقدي من منظور غربي وبأدوات غربية، وذلك على مستوى شمولي في النظر والتقييم، وعلى مستوى انتقاء العيّنات.

حرص المؤلف في عمله على الإحاطة بخارطة الشعر العربي الواسعة والمتشعّبة، مبرِّرا اختياره بما يرنو إلى تقديمه للقارئ الإيطالي من قراءة ضافية. وذلك من خلال عرض خلاصة تحليلية ميسّرة للشعر العربي في الفترتين الحديثة والمعاصرة. وضمن هذا الهدف الرئيس يستحضر المؤلف الجدل الدائر حول الشعر وفي الشعر، وما طرأ على القصيدة العربية عامة من أحوال وأطوار. ويشير إلى أنّ الحاجة إلى مصنّف من هذا النوع، جاءت أيضا جراء غياب خلاصة جامعة في الإيطالية، وإن توفّرت النصوص والدواوين المترجَمة لشعراء فرادى. ويشير المؤلف إلى أنّ ثمة نقصًا في وجود مصنّف "عضوي" يجمع بين الفترتين -الحديثة والمعاصرة- ويربط بينهما، ولذا جاء الكتاب مسعى لتجاوز ذلك النقص.

استعاد المنهج التحليلي المعتمَد أهمّ الثيمات التي حضرت في الشعر العربي. ليغرق الكاتب أحيانا، ودون وعي، في تقسيم غربي، يتوزع بين الكلاسيكي والحديث، والحال أن الكلاسيكي بمدلوله العربي هو النهضوي. ولكن هذا لا يقلّل من أهمية الكتاب في ما يثيره من قضايا حول تحولات الشعر العربي، وأنّ الشاعر العربي ما عاد لسان الجمهور، بل غدت اللغة مأواه الحصين. مفسّرا ذلك بأن الخيبات السياسية والاجتماعية والحضارية، قد أعادت الشاعر العربي إلى تعريف دوره وتحديد مهمّته. ففي مرحلة أولى تماهى الشاعر مع عمقه الحضاري، وذهب إلى جذور الأشياء بالعودة إلى التراث الفينيقي والكنعاني والفرعوني، لتتراجع تلك المغامرة ويقنع الشاعر باللّغة وطنًا وهاجسًا له.

ولو تمعّنا فحوى الكتاب، نلحظ أن القسم الأول (71 صفحة) قد حام تحديدًا حول عرض مضامين الشعر ومفاهيمه الكبرى، مع توضيح مساراته على مدى القرن. حاول فيها المؤلف تتبّعَ خصوصيات "الحديث" و"المعاصر" في الشأن. وفي خضمّ ذلك يشير سيبيليو إلى أن مسألة التحقيب في الشعر العربي خلال الفترة المدروسة، تأتي لديه بمنأى عن المنظور الغربي وتقسيماته المعهودة للحديث والمعاصر. يحاول الباحث سيبيليو أن يستمدّ التحقيب المعتمَد في الكتاب من داخل الانشغالات الشعرية العربية، متتبّعًا تحولات القصيدة، بما انطبعت فيها من خاصيات "الحديث" و"التجديدي" و"المعاصر" و"الحداثي" إلى مصاف بلوغ "ما بعد الحداثي"، وهي نعوت ومعايير وتحقيبات سائلة ومائعة، على حدّ قوله.

إذ يرتئي المؤلف أنّ الحدود بين الحديث والمعاصر مضلّلة، وإن أطلّت ملامح الشعر العربي الحديث منذ عصر النهضة. وفي هذا المسار المتداخل سعى الباحث سيبيليو إلى رسم خارطة توضّح تلك المراحل بقصد بيان ذلك التداخل. فمع انطلاق دعوات التجديد وظهور تيارات النقد المبكرة، بدأت تتشكّل ملامح الشعر الحديث إلى أن طغت. لتلي ذلك فترة تحول فاصلة بين السابق واللاحق، سادت بين الأربعينيات والخمسينيات من القرن الفائت، بدت في عمومها مسكونة بالهاجسين الرمزي والسريالي. أسهمت تلك المرحلة الوسطى، وفق الكاتب، في إنضاج ملامح الشعر المعاصر الذي ترافق مع ظهور الشعر الحرّ. وبحسب ما اتّضح له، وبعيدا عن مركزية التحقيب الغربي، فإنّ المعاصر ينطلق مع عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، نظرا إلى دخول ملامح مستحدَثة على القصيدة العربية غير معهودة.

وبعد أن تركّز الانشغال في القسم الأول على متابعة المفاهيم، أو لنقل المواضيع الرئيسة، التي راودت الشاعر العربي، هذا من جانب، وعلى الإنتاجات التي أُنتجت إبان فترة "النهضة"، بالمفهوم العربي، وانعكاساتها على حركة الشعر، من جانب آخر. انشغل القسم الثاني من الكتاب بالتجليات الشعرية، وبالنصوص، وبالخاصيات التي رافقت القصيدة العربية في مختلف حللها ومساراتها. مستندا الباحث إلى تجارب عدّة برزت كأصوات تجديدية، أو لنقل جارّة وراءها جحافل متنوعة من الشعراء، وذلك مع النصف الأول من القرن العشرين، من الكلاسيكية الجديدة، مرورًا بالرومنطيقية، وإلى غاية الرمزية. في الأثناء يُبرز سيبيليو الانتقال السلس الحاصل من الحديث إلى المعاصر، وإن استعرضَ الجدل الذي رافق هذا التطور. وهو ما انشغل به الفصل الرابع من القسم الثاني من الكتاب. مرتئيا الكاتب أن هذا التحول قد أتى بمثابة القطيعة الواعية داخل حركة الشعر العربي، عبر ما عُرف بثورة الشعر الحرّ، وهو ما طفحت به مجلتا "الآداب" و "شعر".

يُعتبَر الكتاب في اللغة الإيطالية متفرّدا في موضوعه وفي شموله. صحيح لم تخل المكتبة الإيطالية من مؤلفات تناولت الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر، ولكنها جاءت في معظمها مقتصرة على شاعر أو شاعرة، أو مخصَّصة لجهة محدّدة بمعالجة قضية من قضايا الشعر، على غرار مؤلف وسيم دهمش "المغرب.. الشعر العربي اليوم"، روما (2002)، وكتاب فتحي مقبول "الإنتاج الشعري في الأردن"، راغوزا (1992). لكن كتاب سيبيليو، في الأوساط الثقافية الإيطالية، يبقى محاولة متميزة لِما فيه من توسّع في دراسة المنتوج الشعري العربي، ولما تلوح من فحواه من معالجة رصينة في تناول قضايا أدبية بعيدا عن التحيز الغربي. فما يُلحّ عليه الباحث، في تناول الشعر العربي، وبخلاف دراسات غربية أخرى في الشأن، هو رفض القول بالتأثر، أو النقل، أو التقليد للتجارب الشعرية الغربية، وإنما يطرح الباحث المسألة ضمن معطى التفاعل والتثاقف بين التجارب.

العنصر المهمّ في كتاب سيبيليو وهو الإلمام الجيد بخارطة الشعر العربي المعاصر؛ مع هذا ثمة ملاحظة بشأن غياب أسماء لامعة من هذه الخارطة، بشكل يدعو للتساؤل، وهو ما لا يقلّل من قيمة الكتاب.

وفي ملمح لافت بين زملائه من المهتمّين بدراسات العالم العربي، يتميز مؤلّف "الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر" بإلمام متين بالعربية، وهو ما خوّل له الاطلاع المباشر على النصوص التي اشتغل عليها في كتابه. وكما يلوح من المصادر والمراجع المعتمَدة، ثمة استعادة موفّقة ومتابَعة جيدة من قِبل المؤلف للإنتاجات العربية. ليس الاطلاع على تلك المؤلفات عابرًا أو خاطفا، بل يكشف عن قدرة على سبر أغوارها وإدراك فحواها، وهو ما يُحسَب للمؤلف. فمنذ ما يزيد عن العقدين درّستُ سيموني سيبيليو في جامعة "الأورينتالي" في نابولي، وقد لمست لديه، منذ ذلك العهد، تميزا عن أقرانه في الشغف بالعربية وبالدراسات العربية. لم يخب ظني فيه وأنا أطالع كتابه القيّم، وهذه من النِّعم السارة التي تثلج الصدر في المهجر.

ما يميز الكاتب سيموني سيبيليو وهو الإلمام المزدوج بالفضاءين الشعريين، العربي والغربي، وهو ما خوّل له الكتابة بأريحية في الموضوع، ناهيك عن درايته بالمصطلح الموظَّف في عمله. ثمة قدرة لدى الكاتب في إغراء القارئ غير المولع بالشعر للاطلاع على كتابه، وهو ما يمكن أن نطلق عليه مصالَحة من لا يعنيهم الشعر مع الشعر، عبْر ما يثيره من قضايا سياسية وفكرية وتاريخية متنوعة على صلة بالشعر.

الشعر العربي بوجهيه الحديث والمعاصر

المؤلف: سيموني سيبيليو

الناشر: معهد الشرق كارلو ألفونسو نللينو، روما

عدد الصفحات: 325 ص.

***

د. عز الدين عناية

أستاذ تونسي في جامعة روما- إيطاليا

أسعدَ اللهُ أوقاتَك أيُّها القارئُ القادمُ من جهاتِ القلبِ كافَّة، أيُّها العابرُ إلينا محمولًا على شغفِ الحروفِ ودهشةِ المعنى. تعالَ واجلسْ قليلًا في ظلالِ الكلمات، فبين يديَّ اليومَ كتابٌ يستعاد من عتمةِ الجبِّ بعد طولِ انتظار.

سأقرأُ لك نصًّا يشبهُ العودةَ إلى الذاتِ بعد اغترابٍ طويل، فأهلًا بك في فضاءِ حروفي، إذْ تتقاطعُ الحكاياتُ مع الأسئلة، وتصافحُ الذِّكرياتُ ما تبقَّى من أرواحِنا.

تحيَّةٌ فلسطينيَّةٌ خالصةٌ لقرَّائي الأعزَّاءِ، تحيَّةٌ تنبضُ برائحةِ الزَّعترِ البريِّ، وبأغنياتِ الجدَّاتِ اللواتي حفظنَ الوطنَ في صدورِهنَّ عندما ضاقتِ الخرائطُ واتَّسعَ الحنين.

ومن بينِ هذه التحيَّاتِ تتقدَّمُكم قامةٌ أدبيَّةٌ عرفناها عاشقةً للكلمةِ التي تُزهِرُ، وللمكانِ الذي يتكلَّمُ، وللإنسانِ عندما ينكسرُ ويعاودُ النهوض.

إنَّه العرَّابُ ابنُ عرَّابةَ الذي حملَ بلدتهُ في قلبهِ كما يحملُ الشاعرُ قصيدتَه الأولى، هو صاحبُ "عرَّابِ الرِّيح" و"شيءٌ يُذكِّرُني بي"، الأديبُ المبدعُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ.

وإذا كانتِ الكتبُ في الغالبِ تحكي عن العالم، فإنَّ العطَّاريَّ يكتبُ العالمَ من داخلِ الإنسان، إنه يفتِّشُ في طبقاتِ الرُّوحِ، ويُنصتُ إلى ذلك الصوتِ الخافتِ الذي كثيرًا ما نُسكِتُه بضجيجِ الحياة.

يكتبُ عنَّا ونحنُ نظنُّ أنَّه يكتبُ عن شخصٍ آخر، ويُعيدُ إلينا ملامحَنا التي بعثرها التعبُ على أرصفةِ الأيَّام.

وتحيَّةٌ تمتدُّ من عرَّابةَ إلى البِروةِ فعكَّا، تحيَّةٌ تعبرُ الجغرافيا لتستقرَّ في ذاكرةِ فلسطينَ الثقافيَّة، فهناكَ ما يزالُ محمودُ درويشٍ يُعلِّمُ اللغةَ كيف تُقاومُ الغيابَ بالقصيدة، وكيف تُحوِّلُ الخسارةَ إلى غناءٍ أبديٍّ.

وهناكَ ما يزالُ غسَّانُ كنفاني يُعلِّمُ الذاكرةَ كيف تصبحُ بيتًا للمنفيِّين، وكيف تتحوَّلُ الكلمةُ إلى شكلٍ من أشكالِ المقاومةِ والبقاء.

ولعلَّ أجملَ ما يجمعُ العطَّاريَّ بدرويشٍ وكنفاني ليس تشابهَ الموضوعاتِ ولا تقاطعَ الأمكنة، إنّه يا سادة الحروف ذلك الانشغالُ الوجوديُّ العميقُ بسؤالِ الإنسانِ الأوَّل المتمثّل في: ما الذي يبقى منَّا عندما يتسرَّبُ الزَّمنُ من بينِ أصابعِنا؟ وما الذي ينجو من العابرِ فينا؟ أهي الذِّكرياتُ؟ أم الكلماتُ؟ أم تلك الندوبُ الخفيَّةُ التي تتركُها الحياةُ في أرواحِنا ثم تمضي؟

ومن هنا تبدأُ رحلتُنا مع هذا الكتاب بصفحاته التي تبدو مرآةً قديمةً ننظرُ فيها إلى وجوهِنا، ونكتشفُ أنَّ ما كنَّا نبحثُ عنه بين السطورِ لم يكن سوى أنفسِنا.

فهلمُّوا معي إلى هذا النَّصِّ الذي يروي الحكاية ويجعلُنا جزءًا منها، وإلى هذا الكتابِ الذي يُذكِّرُنا بأنفسِنا كما كنَّا، وكما صرنا، وكما نأملُ أنْ نكون.

كان محمود درويش يبحثُ عن الوطنِ في اللغة، فيرمِّمُ بالكلماتِ ما هدمته المنافي، ويمنحُ الأرضَ عمرًا إضافيًّا كلَّما ضاقت بها الجغرافيا.

وكان غسَّان كنفاني يبحثُ عن الوطنِ في الحكاية، في وجوه اللاجئين، وفي تفاصيل الرحيل التي تتحوَّل على يديه إلى شهادةٍ على الوجود والحقِّ والذاكرة.

أمَّا عبد السلام العطَّاري، فيبدو أنَّه يمضي في دربٍ أكثر خفاءً وأشدِّ مراوغة؛ إنَّه يبحث عن الوطن والإنسان معًا في الشيء.

ومن هنا ندخلُ إلى العتبة الأولى لهذا الكتاب اللافت: "شيءٌ يذكِّرني بي".

وما إنْ تقع العين على العنوان حتَّى يتسلَّل سؤالٌ خفيٌّ إلى الذهن: فما هذا الشيء؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى شيءٍ يذكِّره بنفسه؟ أليست الذاتُ أقربَ الأشياء إليه؟

غير أنَّ العنوان في جوهره، لا يقدِّم إجابةً بقدر ما يفتح أبوابًا واسعةً من الأسئلة، فهو عنوانٌ يراوغ قارئه منذ اللحظة الأولى، إذْ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنَّه يخبِّئ في طبقاته العميقة شبكةً من التأويلات النفسية والفلسفية والوجودية.

فالكاتب لا يقول: شيءٌ يذكِّرني بأمِّي، ولا بقريتي، ولا بطفولتي، ولا بأصدقائي الذين عبروا حياتي وتركوا فيها ظلالهم.

إنَّه يتجاوز كلَّ ذلك إلى مركز الدائرة، إلى النقطة التي تتفرَّع منها جميع الطرق وتعود إليها جميع الحكايات ليقول: "بي"، وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى.

ويكأنَّ العطَّاري يهمس من وراء العنوان: لقد توزَّعتُ على الأمكنة حتى صرتُ جزءًا منها، وتبعثرتُ في الوجوه حتى حمل كلُّ وجهٍ شيئًا من ملامحي، وتسرَّبتُ إلى الأزمنة حتى غدوتُ ذكرى في ذاكرة أيامي، ولأنَّ الإنسان لا يخرج من هذه الرحلة كما دخلها، فقد صرتُ أحتاج إلى علامةٍ صغيرة، إلى أثرٍ عابر، إلى شيءٍ ما يعيدني إليَّ، ويقودني إلى النسخة الأولى من نفسي التي أضاعتها الحياة بين محطَّاتها الكثيرة.

والشيء هنا هو مفهومٌ مفتوحٌ على اتساع التجربة الإنسانية كلِّها، إنَّه كلمةٌ تتسع لكلِّ ما لا تستطيع اللغة أن تحيط به دفعةً واحدة.

قد يكون رمَّانةً تتدلَّى من غصنٍ بعيد فتفتح بوابةً كاملةً من الطفولة، وقد يكون حاكورةً قديمةً ما زالت تحتفظ بخطوات الأب وهو يعبرها عند الفجر، وقد يكون صوتَ أمٍّ ينادي من آخر العمر فيوقظ في القلب سنواتٍ ظننَّاها غابت إلى الأبد، وقد يكون حجرًا في حارةٍ عتيقة، أو خرُّوبةً عجوزًا شهدت مواسم الفرح والحزن، أو بائعًا متجوِّلًا مرَّ ذات صيفٍ ثم اختفى وبقي صوته معلَّقًا في الذاكرة أكثر مما بقيت صورته.

إنَّه ذلك التفصيل الصغير الذي لا يلتفت إليه أحد، لكنَّه يمتلك قدرةً عجيبةً على استدعاء عوالم كاملة من الأعماق.

فما إنْ نلامسه حتى تنهض الذاكرة من سباتها، وتبدأ الأبواب المغلقة بالانفتاح واحدًا تلو الآخر.

ومن هنا تتشكَّل البنية العميقة للكتاب كلِّه؛ فهي علاقةٌ ثلاثية الأطراف، متشابكة الخيوط، دقيقة البناء، فالشيء يستدعي الذاكرة، والذاكرة تستدعي الذات، والذات تعيد تشكيل العالم بالكلمات.

وهكذا لا يعود الشيء شيئًا إنما يتحوَّل إلى وعاءٍ للمعنى، ومستودعٍ للزمن، وخزَّانٍ للهويَّة ليغدو قطعةً صغيرةً من العالم تحمل في داخلها عمرًا كاملًا من التجارب والانفعالات والحنين.

وعندما نقتحم نصوص العطَّاري من هذا الباب نكتشف أنَّنا أمام كاتبٍ لا يصف الأشياء بقدر ما ينصت إليها، فهو يمنح الجمادات لسانًا، ويوقظ في التفاصيل روحًا خفيَّة، ويجعل من أبسط الموجودات مفاتيحَ لفهم الإنسان نفسه.

فالرمان هو ذاكرةُ ميلادٍ ونضجٍ وانتظار، والأم أصلُ الحكاية كلِّها، والحارة أرشيفٌ حيٌّ للعلاقات الإنسانية التي صنعت ملامح الروح، والبيادر طفولةٌ ما تزال تمشي حافيةً في القلب، وتلوِّح من بعيد كلَّما ظننَّا أنَّ العمر قد أخذنا بعيدًا عنها.

ولذلك فإنَّ قارئ "شيءٌ يذكِّرني بي" يقرأ كتابًا عن الإنسان وهو يفتِّش عن نفسه بين الأشياء، وكلَّما تقدَّم في الصفحات اكتشف أنَّ الكاتب لا يدلُّه على العالم الخارجي بقدر ما يقوده إلى أعماقه هو، وإلى تلك المناطق المنسيَّة من الروح التي تختبئ فيها النسخ القديمة منَّا منتظرةً شيئًا واحدًا فقط... شيئًا يذكِّرها بها.

لهذا كلِّهِ فإنَّ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ يكتبُ سيرةَ الأشياءِ التي صنعتِ الذَّاتَ بعيدًا عن المعنى التَّقليديِّ، فيُعيدُ الاعتبارَ لكلِّ ما ظننَّاه عابرًا: للرَّوائحِ، وللأسماءِ، وللوجوهِ المنسيَّةِ، وللطُّرقاتِ الضيِّقةِ، وللأمَّهاتِ اللَّواتي غادرنَ وبقي دفؤُهُنَّ يسكنُ اللُّغةَ.

وفي تقديري، فإنَّ "شيئًا يُذكِّرني بي" ينفتح على سؤال الهويَّة من أكثر أبوابها إنسانيَّةً ووجعًا: فمَن أكون بعدما غاب الذين كانوا يعرفونني؟

ذلك أنَّ الإنسان لا يعيش في ذاته وحدها، وإنَّما يتوزَّع على قلوب الآخرين وذاكراتهم. فثمَّة نسخةٌ منَّا تسكن في عين الأمِّ، وأخرى في صوت الأب، وثالثة في صداقات العمر، ورابعة في الأمكنة التي شهدت خطواتنا الأولى.

وفي الوقت الذي يأخذ فيه الغياب هؤلاء جميعًا معه، يترك وراءه فراغًا في العالم، وفي تعريفنا لأنفسنا أيضًا.

من هذه المنطقة الشفيفة بين الذَّاكرة والفقد تتدفَّق نصوص العطَّاري، حاملةً قلق الإنسان وهو يتلمَّس آثاره القديمة خشية أنْ تضيع ملامحه في زحام السنين.

فكلُّ نصٍّ يبدو كأنَّه محاولةٌ لالتقاط صورةٍ آخذةٍ في الابتعاد، أو نداءٌ موجَّهٌ إلى الذات من مسافةٍ بعيدة، أو مصباحٌ صغيرٌ يُضاء في عتمة النسيان.

ولذلك لا تبدو الأشياء التي يعبرها الكاتب تفاصيلَ عابرةً في المشهد، فهي علاماتُ طريقٍ تقوده إلى نفسه.

فما الرمانةُ إلا بابًا إلى زمنٍ كامل، وما الحاكورةُ إلا جغرافيا للروح، وما صوتُ الأمِّ إلا مفتاحٌ لخزائن العمر الأولى.

ومن خلال هذه التفاصيل يستعيد الإنسان خرائطه الداخليَّة، ويعيد رسم ملامحه التي كادت الأيام تمحو أطرافها.

هكذا يتحوَّل الكتاب إلى رحلةٍ في طبقات الذات أكثر ممَّا هو رحلةٌ في طبقات الذكرى، رحلةٍ يحاول فيها الكاتب أنْ يجيب عن السؤال الذي يرافق الإنسان كلَّما تقدَّم به العمر، فإذا كانت الأمكنة تتغيَّر، والوجوه ترحل، والأصوات تخفت، فما الذي يبقى منَّا في نهاية المطاف؟

وربَّما لهذا السبب يلامس هذا الكتاب قارئه بهذه الحميميَّة النادرة؛ لأنَّ سؤال العطَّاري ليس سؤاله وحده، وإنَّما سؤال كلِّ إنسانٍ استدار يومًا نحو ماضيه باحثًا عن أثرٍ صغيرٍ يؤكِّد له أنَّ ذلك الطفل الذي كانه ما يزال يقيم في مكانٍ ما من روحه، ينتظر شيئًا واحدًا فقط... شيئًا يذكِّره بنفسه.

وهنا يلتقي العطَّاريُّ مع درويشٍ وكنفاني؛ يلتقي مع درويشٍ في استعادةِ الذَّاتِ عبرَ اللُّغةِ، ويلتقي مع كنفاني في مقاومةِ الفقدِ عبرَ الذَّاكِرَةِ، لكنَّه يذهبُ إلى مسارِهِ الخاصِّ، إذْ تُصبحُ الأشياءُ الصَّغيرةُ بطلةَ الحكايةِ الكبرى، أمّا أنا فأنشدتُ على بحر الرّمَل فقلت:

فِي فَضَاءِ الشَّيءِ تَسْتَجْلِي دَمِي

كُلَّمَا غَابَتْ مَرَايَا الِانْكِسَارْ

فَإِذَا بِي بَيْنَ ذِكْرَى وَانْطِوَاءٍ

أَتَصَلَّى نُورَ نَفْسِي في الحِوَارْ

اعذروني أيُّها الأصدقاءُ إنْ بدا حديثي اليوم أقلَّ من حجمِ هذا الأثرِ الأدبيِّ، فواللهِ إنَّني أجدُ صعوبةً في الإيفاءِ بقراءةِ نصٍّ واحدٍ من نصوصِ العرَّابِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ في قراءة واحدةٍ، فكيفَ بكتابٍ يمتدُّ على مئةٍ وأربعٍ وخمسينَ صفحةً، ويضمُّ بين دفَّتَيْهِ أربعًا وعشرينَ محطَّةً وعنوانًا، يحملُ كلُّ عنوانٍ منها عالمًا كاملًا من الحكاياتِ والذِّكرياتِ والدَّلالاتِ؟

إنَّنا أيُّها الرَّائعونَ أمامَ نسيجٍ واحدٍ مُحكَمٍ، تتعانقُ فيه الذَّاكِرَةُ بالمكانِ، والإنسانُ بالزَّمنِ، والطُّفولةُ بالحَنينِ، في سردٍ عملاقٍ مُشوِّقٍ يمتلكُ القُدرةَ على اصطحابِ قارئِهِ من الصَّفحةِ الأُولى إلى الأخيرةِ دونَ أن يفقدَ دهشتَهُ أو شغفَهُ.

وكلَّما ظننتُ أنّني فرغتُ من نصٍّ، اكتشفتُ أنّهُ يفتحُ بابًا إلى نصٍّ آخرَ، وأنَّ كلَّ حكايةٍ تقودُ إلى حكايةٍ، وكلَّ صورةٍ تستدعي صورةً، حتّى يغدوَ الكتابُ بأكملِهِ نهرًا من الذَّاكِرَةِ المتدفِّقةِ، لا يمكنُ القبضُ على مائِهِ كلِّهِ في غرفةٍ واحدةٍ، ولا في أُمسيةٍ واحدةٍ، ولا حتّى في قراءةٍ واحدةٍ.

لذلكَ فإنَّ ما أُقدِّمُهُ لقرائي هو محاولةُ محبَّةٍ للاقترابِ من عالمِهِ، والإنصاتِ إلى نبضِهِ، والوقوفِ عندَ بعضِ إشراقاتِهِ، أمَّا الكتابُ فما يزالُ أوسعَ من القراءةِ، وأرحبَ من الإحاطةِ، وأغنى من أن تختزلَهُ جلسةٌ واحدةٌ أو ورقةٌ نقديَّةٌ عابرةٌ.

القارىء الرَّائعُ، إذا كانَ العنوانُ "شيءٌ يُذكِّرُني بي" هو المفتاحُ التَّأويليُّ للكتابِ كلِّهِ، فإنَّ نصوصَ "فراشة" و"حبيبةٌ لي" و"صورة" في الصَّفحاتِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ، ومئةٍ وسبعٍ وثلاثينَ، ومئةٍ وثمانٍ وثلاثينَ، تُمثِّلُ التجلِّيَ الأكثرَ صفاءً لهذا المفتاحِ، لأنَّها تكشفُ كيفَ تتحوَّلُ الأشياءُ الصَّغيرةُ والعابرةُ إلى خزائنَ للذَّاكِرَةِ، وكيفَ تُصبحُ الذَّاتُ موزَّعةً في الموجوداتِ من حولِها، فلا تعودُ قادرةً على التعرُّفِ إلى نفسِها إلَّا عبرَها.

أبدأُ بنصِّ "فراشة"، إذْ يقولُ العرَّابُ:

"عنِ الفراشاتِ، كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ، حينَ عبرنَ الصَّباحَ، ولاحَ الوردُ بيدِ الفتى، والرَّصيفُ شهوةُ الانتظارِ الطَّويلِ، فابتسمتِ الَّتي طارتْ، والرَّحيقُ شهدُ الشَّقائقِ كان.

حينَ عبرنَ زقاقَ العمرِ، كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ، وكانت حدائقُ المقابرِ بالشَّقائقِ مُزنَّرةً؛ فلا صوتَ هناكَ غيرُ أسماءَ على الشَّواهدِ، والحزنُ صار

ضَحِكَةَ المكلومِ، حينَ مَرَّقَ من بينِ عينِهِ ابتسامتُها، وصوتُ السَّمنِ شهقةُ نايٍ، والقَطا يُوقِظُ سُباتَ الميِّتينَ العميقَ".

منذُ الجملةِ الأولى يُقدِّمُ العطَّاريُّ الفراشةَ على أنَّها حالةٌ شعوريَّةٌ: "كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ".

فالفراشةُ هنا صورةٌ للفرحِ الخاطفِ، وللجمالِ الذي يمرُّ سريعًا ولا يُمسَكُ.

لكنَّ العرَّابَ لا يُبقيها في فضاءِ الطَّبيعةِ، إنَّما يدفعُها إلى فضاءِ الزَّمنِ: "كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ".

وهنا تتحوَّلُ الفراشةُ إلى استعارةٍ كبرى للعمرِ الإنسانيِّ، فالفراشةُ قصيرةُ العمرِ، والإنسانُ كذلكَ، والفراشةُ تطيرُ نحوَ الوردِ، والإنسانُ يمضي نحوَ أحلامِهِ وذكرياتِهِ.

لكنَّ الإدهاشَ الحقيقيَّ في النَّصِّ يكمنُ في الجمعِ بينَ الفراشةِ، والحقولِ، والمقابرِ في مشهدٍ واحدٍ.

فالمقابرُ حديقةٌ مُزيَّنةٌ بالشَّقائقِ، وكلُّ ما يُريدُهُ العطَّاريُّ هو أن يقولَ إنَّ الجمالَ يستمرُّ حتَّى في مواجهةِ الفناءِ.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟

الشَّيءُ هنا هو الفراشةُ؛ لكنَّها ليست فراشةً حقيقيَّةً، إنَّها طفولةٌ عابرةٌ، وعمرٌ مضى، وفرحٌ خاطفٌ، وذِكرى لا تزالُ تُرفرفُ في القلبِ، فعندما يرى الشَّاعرُ الفراشةَ يتذكَّرُ نفسَهُ، ويتذكَّرُ العمرَ الذي عبرَ كما عبرتْ هي؛ لذلكَ تُصبحُ الفراشةُ أحدَ أهمِّ تجلِّيَاتِ "الشَّيءِ" في الكتابِ.

وعن نصِّ "حبيبةٌ لي" يقولُ العرَّابُ:

"لي حبيبةٌ تَجيءُ مع الغيمِ، تُمطِرُ كلَّما تَشَقَّقَ القلبُ وطَفَحَ صدري بالظَّمأِ، فتُزهِرُ أوردتي حدائقَ للعشَّاقِ والسَّابلةِ، وتصيرُ الوردةُ زهرةَ الميلادِ، وتصيرُ النَّجمةُ ضوءَ المكانِ، والسَّماءُ تُعبِّئُ أنفاسَها بالشُّروقِ، والضُّحى ضحكتُها.

لي حبيبةٌ تَجيءُ كلَّ مساءٍ، فيصيرُ الليلُ وشاحًا للأيكةِ، ويصيرُ حُلْمُ العصافيرِ اسمَها، وتصيرُ الفراشاتُ نشيدَ الحقولِ، وتصيرُ الأغاني رصيفَ الفقراءِ كلَّ صباحٍ، وبائعُ الصُّحفِ يرمي "أخبارًا بايتةً"، ويعودُ الموجزُ اسمَها كلَّ نهارٍ".

يقومُ النَّصُّ كلُّه على تكرارِ جملةِ: "لي حبيبةٌ"، وهذا التَّكرارُ هو إعلانٌ عن وجودِ معنى، فالحبيبةُ قوَّةٌ تمنحُ العالمَ حيويَّتَهُ.

فبمجيئِها يزهرُ الدَّمُ، وتُشرِقُ السَّماءُ، وتتفتَّحُ الوردةُ، ويغدو الليلُ وشاحًا.

إنَّها أشبهُ بما يُسمِّيه المتصوِّفةُ "سرَّ الحياةِ"، ولهذا لا يصفُ الشَّاعرُ ملامحَها أبدًا، لا لونَ عينيها، ولا وجهَها، ولا اسمَها، لأنَّ المقصودَ أثرُها لا جسدُها.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟

الشَّيءُ هنا هو الحبيبةُ المتمثّلةُ في الحبِّ، والأملِ، والمعنى، والقدرةِ على الاستمرارِ.

إنَّها -لا أذهبَ اللهُ السَّعادةَ من قلوبِكم- المرآةُ التي يرى الشَّاعرُ فيها نفسَهُ الأجملَ، ولهذا فعندما يحضرُ اسمُها يحضرُ هو أيضًا، وعندما تغيبُ يتَّسعُ الفراغُ.

أمَّا نصُّ "صورةٍ" فيقولُ فيه:

"تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني لبياضِ عمرِنا غيرَ غيابِ اللَّونِ الذي كان. لا شيء من بياضِ القلبِ سوى الشَّيبِ الذي صار. هو العمرُ في أزقَّتِهِ المعتمةِ، نتحسَّسُ خشونةَ مشوارِنا عليه، وعقاربُ الوقتِ مُسرعةٌ، نلمسُ قرارةَ الذَّاكرةِ في صدفةِ الليلِ كلَّما انتصفت

دقَّاتُها، والنَّهارُ اتِّساعُ خُطوةِ مِنسأةٍ نتوكَّأُ عليها، نمشي ونمشي وما زِلْنا من جُدرانِ الزُّقاقِ نتنشَّقُ الفرحَ الذي كان".

أيُّها الأصدقاءُ، إنَّ هذا النَّصَّ من أكثرِ نصوصِ الكتابِ كثافةً وتأمُّلًا.

فالصُّورةُ هي الزَّمنُ الذي تجمَّدَ، ولهذا يبدأُ النَّصُّ بمفارقةٍ رائعةٍ: "تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني بياضَ عمرِنا"، فالصُّورةُ القديمةُ بالأبيضِ والأسودِ تستدعي العمرَ كلَّهُ.

ثمَّ يتحوَّلُ النَّصُّ إلى رحلةٍ داخلَ الزَّمنِ من الأزقَّةِ إلى الجدرانِ، فالمشوارِ، فالشَّيبِ، وصولًا إلى عقاربِ الوقتِ، وكلُّها عناصرُ تؤكِّدُ أنَّ الصُّورةَ شيئًا نسكنُهُ.

فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟ إذا كانتِ الفراشةُ رمزًا للعمرِ، والحبيبةُ رمزًا للمعنى،

فإنَّ الصُّورةَ هي الخزَّانُ الأكبرُ للذَّاكِرةِ، إنَّها الشَّيءُ الذي يُعيدُ للشَّاعرِ ملامحَهُ الأولى، وأزقَّتَهُ الأولى، وفرحَهُ الأوَّلَ.

فالصُّورةُ تُذكِّرُهُ بنفسِهِ التي كانت هناك.

في هذه النُّصوصِ الثَّلاثةِ تتجسَّدُ فلسفةُ الكتابِ كلُّها، فالفراشةُ شيءٌ يُذكِّرُني بعمري، والحبيبةُ شيءٌ يُذكِّرُني بقلبي، والصُّورةُ شيءٌ يُذكِّرُني بذاكرتي.

وبعدَ هذه الرِّحلةِ بينَ الفراشةِ والحبيبةِ والصُّورةِ، أجدُني أعودُ إلى السُّؤالِ الأوَّلِ الذي وضعَهُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ على عتبةِ كتابِهِ: "شيءٌ يُذكِّرُني بي".

لقد بحثتُ عن هذا الشَّيءِ في الفراشةِ فوجدتُهُ عمرًا يُرفرفُ بينَ الحقولِ، وبحثتُ عنهُ في الحبيبةِ فوجدتُهُ قلبًا ما زالَ يؤمنُ بالضَّوءِ، وبحثتُ عنهُ في الصُّورةِ فوجدتُهُ زمنًا يحتمي من النِّسيانِ.

لكنْ كلَّما توغَّلنا في النُّصوصِ اكتشفنا أنَّ الأشياءَ ليست سوى دوائرَ صغيرةٍ تدورُ حولَ دائرةٍ أكبرَ، وأنَّ الذِّكرياتِ ليست إلَّا خيوطًا تقودُ إلى ذاكرةٍ واحدةٍ، أمَّا الذَّاتُ التي يبحثُ عنها الكاتبُ فهي ذاتٌ مُشتبكةٌ بمكانِها وتاريخِها وحكايتِها الأولى.

وفي الوقتِ الذي نُغلِقُ فيه الصَّفحةَ الأخيرةَ من هذا الكتابِ، نُدركُ أنَّ الشَّيءَ الذي كان يُذكِّرُ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ بنفسِهِ لم يكن فراشةً، ولا حبيبةً، ولا صورةً ، إنَّما كان فلسطينَ.

فلسطينُ التي تظهرُ أحيانًا باسمِ الأمِّ، وأحيانًا باسمِ القريةِ، وأحيانًا في زُقاقٍ قديمٍ، أو شجرةِ رُمَّانٍ، أو حقلِ شقائقَ، أو ضحكةِ طفلٍ، أو ظلِّ شهيدٍ.

فلسطينُ التي تحضرُ في هذا الكتابِ نبضًا يسري في أوصالِهِ كلِّها.

لذلكَ يبقى السُّؤالُ مُعلَّقًا بعدَ انتهاءِ القراءةِ إلى كلِّ واحدٍ منَّا: ما الشَّيءُ الذي ما زال يُذكِّرُنا بنا، وما الشَّيءُ الذي ما زالت فلسطينُ تُذكِّرُنا به كلَّما ابتعدنا عنها واقتربنا منها في آنٍ؟

وقبلَ أنْ أضعَ آخرَ كلمةٍ في هذه القراءةِ، لا يسعُني إلَّا أنْ أتوجَّهَ إليكم جميعًا يا قرائي الأعزاء بخالصِ الشُّكرِ والامتنانِ لأرواحِكم التي شاركتِ النَّصَّ نبضَهُ، وشاركتِ الذَّاكرةَ سفرَها الطَّويلَ بينَ الحقولِ والأزقَّةِ والصُّورِ والفراشاتِ.

والشُّكرُ موصولٌ للعرَّابِ، ابنِ عَرَّابَةَ الجميلةِ، الأديبِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ، الذي كتبَ مرايا نتأمَّلُ فيها وجوهَنا وأعمارَنا وأمكنتَنا الأولى، فتحسَّسَ مواطنَ ذواتِنا الخفيَّةِ، ودفاترَ عمرِنا، ومنحَنا فرصةً نادرةً لأنْ نُصغيَ إلى أصواتِنا القديمةِ، وأنْ نعودَ، ولو لبرهةٍ قصيرةٍ، إلى أنفسِنا التي ظلَّت تنتظرُنا بينَ سطورِ الذَّاكرةِ لتهمسَ لكلِّ واحدٍ منَّا: هذا أنتَ، فسلامي والوردُ لكم يا مَن تمرّون على قراءاتي فتنفثون سحر أرواحكم.

***

غدير حميدان الزبون

 

في المثقف اليوم