عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

قراءة في كتاب

«ظلال طه حسين: خصومة مجهولة في مرايا التأويل» كتاب الدكتور مصطفى سليم، الصادر عن هيئة قصور الثقافة يضيف طبقة جديدة من الرواسب التاريخية إلى ما نعرفه عن تاريخنا الثقافي الحديث، ويفتح أمام القارئ والباحث معاً أبواباً كثيرة كانت موصدة على كنوز منسية، أو على جراح لم تندمل، أو على أصوات كانت تستحق أن تسمعها الأجيال لولا أن السلطة - أي سلطة - تملك دائماً آلياتها في الإقصاء والتهميش والنسيان.

ولسنا هنا، في هذه القراءة، بصدد الحديث عن خصومة أدبية معلنة من ذلك النمط الذي عرفناه جيداً في تاريخنا الثقافي، كتلك التي دارت رحاها بين طه حسين و مصطفى صادق الرافعي أو الشيخ محمد الخضري، فهذه خصومات حضرت في الوعي والوجدان، وملأت الدنيا وشغلت الناس، وكتبت فيها المقالات والكتب، وظلت حاضرة في الذاكرة الثقافية العربية على مر العقود. لكن الدكتور مصطفى سليم يختار لنا طريقاً آخر، يمضي بنا فيه إلى خصومة من نوع آخر، خصومة ظلت مغيبة، كامنة في ثنايا الأرشيف وفي طيات الذاكرة المنسية، تنتظر من يكتشفها وينفض غبار الزمن عنها، ويخرجها إلى النور ليراها القارئ العربي على حقيقتها، بكل ما تحمله من دلالات وإيحاءات وإسقاطات على واقعنا الثقافي الراهن.

يكشف هذا الكتيب الصغير في حجمه، الكبير في مضمونه وأبعاده - الذي يصلح أن يكون نموذجاً يحتذى به في أبحاث التاريخ الثقافي الجادة - عن خصومة من أشد الخصومات غرابة وإثارة للدهشة والتأمل، إنها خصومة الدكتور نجيب البهبيتي مع عميد الأدب العربي طه حسين، وهي خصومة تعود جذورها إلى ثلاثينيات القرن العشرين، ذلك العقد الحافل بالصراعات الفكرية والمعارك الأدبية التي شكلت ملامح حياتنا الثقافية لعقود طويلة تلت. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا ونحن نقف أمام هذه القضية هل تبقى هذه الخصومة مجرد حادثة فردية وحيدة، لا تتعدى كونها خلافاً عابراً بين أستاذ وتلميذه، أو بين شيخ وتابع له؟ أم أنها تتحول في قراءتنا لها إلى مرآة عاكسة تكشف عن طبيعة أعمق، عن علاقات القوى الخفية داخل المؤسسة الثقافية والأكاديمية المصرية والعربية، وتلقي الضوء على آليات تشكل الذاكرة والنسيان، وعلى الطريقة التي تصنع بها الأعمال وتهمش بها الأعمال الأخرى؟ هذا ما سنحاول استكشافه في هذه السطور القليلة، علنا نستخلص منها ما يعيننا على فهم تراثنا النقدي والأدبي فهماً أكثر عمقاً وموضوعية.

المظلومية الأكاديمية!

يدور جوهر الاتهام في هذه القضية - كما يعرضها الكتاب - حول قيام طه حسين، دون أن يسميه الدكتور نجيب البهبيتي صراحة في البداية، بحبس أطروحته للماجستير التي حملت عنوان «أبو تمام الطائي حياته وحياة شعره» لمدة بلغت تسع سنوات كاملة. وهنا، ينبغي لنا أن نقف طويلاً أمام هذه المسألة، وأن نتمعن في دلالاتها المختلفة، وأن نحللها من زوايا متعددة.

أولاً: إن تسع سنوات ليست فترة قصيرة في حياة باحث شاب يخطو خطواته الأولى في مضمار البحث العلمي والكتابة والإبداع. إنها عمر أكاديمي كامل يمكن أن يضيع فيه الشاب حماسه وحيويته الفكرية، بل يمكن أن تنطفئ فيه جذوة الإبداع التي كانت تتقد في نفسه، ويتحول معها من باحث واعد إلى إنسان محبط فقد الثقة في نفسه وفي المؤسسة التي ينتمي إليها. وهذه المسألة ليست هينة ولا يسيرة في حياة أي مفكر أو أديب.

ثانياً: إن حبس أطروحة بهذا الشكل، وإبقائها حبيسة الأدراج طوال هذه المدة الطويلة، ليس مجرد تأخير إداري يمكن تبريره بالروتين أو بالظروف القاهرة أو بكثرة الأعمال. كلا، إنه يتجاوز ذلك بكثير، ليكون فعلاً رمزياً بامتياز، يعبر عن ممارسة للسلطة الأكاديمية بأقسى صورها وأكثرها قسوة وإيلاماً لمن يمارس ضده. إنها سلطة القادر على منح الدرجات العلمية أو حجبها، سلطة الذي يملك مفاتيح التقدم والتأخر، سلطة من بيده الأمر والنهي في مؤسسة علمية عريقة كان لها في ذلك الوقت مكانتها وهيبتها.

ثالثاً: إن عدم تسمية الدكتور نجيب البهبيتي لطه حسين مباشرة في اتهاماته، رغم وضوح القضية في ذهنه ويقينه مما حدث، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة ومتداخلة، كل منها يحمل دلالة خاصة تحتاج منا إلى وقفة متأنية. هل هذا الامتناع عن التسمية ناتج عن خوف من سلطة رمزية كانت لا تزال مهيمنة على الساحة الثقافية والأكاديمية، وخوف من عواقب المواجهة المباشرة مع عميد له مكانته وجاهه وتلاميذه وأنصاره؟ أم هو تعبير عن اللياقة الأكاديمية التي تمنع الاتهام المباشر، وتحترم قواعد الحوار والاختلاف، وتراعي أصول النقد العلمي الرصين؟ أم هو جزء من لعبة التلميح والإشارة والانزياح البلاغي التي تعمق الغموض وتزيد من قوة التلميح، وتجعل القارئ شريكاً في اكتشاف الحقيقة واستنباطها من خلال السطور والإشارات؟

لقد كان طه حسين في تلك الفترة يمثل سلطة ثقافية وأكاديمية مزدوجة، يصعب على أي باحث شاب أن يواجهها أو يتصدى لها. فقد جمع بين المنصب الرسمي المتمثل في عمادة كلية الآداب في جامعة القاهرة، والرمزية الثقافية الواسعة التي حققها من خلال كتبه ومقالاته ومواقفه الفكرية، وفي مقدمتها كتابه الشهير «في الشعر الجاهلي» الذي أحدث زلزالاً عنيفاً في الأوساط الثقافية والدينية، وكذلك كتابه الجميل «الأيام» الذي بقى علامة فارقة في تاريخ السيرة الذاتية العربية.

وهذا الموقع الفريد، وهذا الجمع بين السلطة الرسمية والسلطة الرمزية، منح طه حسين قدرة هائلة، بل مطلقة أحياناً، على تشكيل المسارات الأكاديمية والعملية للباحثين الشباب، وعلى توجيه دفة الحركة الثقافية برمتها في الاتجاه الذي يراه مناسباً. وكان الدكتور نجيب البهبيتي، الذي قدم الجامعة، حاملاً أحلامه وطموحاته وذكائه الحاد وثقافته الموسوعية، يبحث عن المعرفة والشهرة والمكانة، فإذا به يجد نفسه فجأة في مواجهة عنيفة مع هذه السلطة الصلبة، في صراع غير متكافئ، تبدو نتيجته محسومة سلفاً لصالح الطرف الأقوى.

البحث عن الحقيقة

يتبع الدكتور مصطفى سليم في كتابه هذا منهجية بحثية دقيقة تستحق منا التوقف والإشادة، فهو لا يكتفي بالاعتماد على الوثائق المكتوبة والمصادر المطبوعة، رغم أهميتها البالغة في أي بحث تاريخي، بل يتجاوز ذلك إلى آفاق أرحب وأكثر إنسانية. فقد ذهب الباحث إلى الرباط، عاصمة المملكة المغربية الشقيقة، ليقابل ابن الدكتور نجيب البهبيتي الذي يدعى عمر، والذي أكد بدوره الرواية التي كان الباحث قد توصل إليها من خلال قراءته للوثائق والمقالات.

وهذا الجمع المبدع بين البحث الأرشيفي المتعمق في المصادر القديمة والجديدة، وبين التاريخ الشفوي الذي يعتمد على مقابلة الشهود والرواة والمقربين من أصحاب القضايا، يمثل منهجية متكاملة وحديثة لكتابة التاريخ الثقافي، خاصة في مجتمعاتنا العربية التي طالما عانت وتعاني من ضعف شديد في الأرشيف المؤسسي الموثق، ومن غياب آليات الحفظ والتوثيق التي تضمن بقاء المادة العلمية للأجيال القادمة.

ولا يفوتنا هنا أن ننوه إلى اهتمام الباحث السعودي علي العميم بقضية الدكتور نجيب البهبيتي، كما يتجلى ذلك بوضوح في مقاليه المنشورين بجريدة «الشرق الأوسط» عام 2022، واللذين يحملان عنواني «وثبة البهبيتي المغربية من فوق الهوة اللبنانية البشعة» و «هل أخرج البهبيتي من جامعة القاهرة أم هو تركها؟». فهذا الاهتمام يشير بوضوح إلى أمرين بالغي الأهمية في مسيرتنا الثقافية.

الأول: هو استمرارية الاهتمام بقضايا التاريخ الثقافي العربي وعدم انقطاعها، بل وتوارثها عبر الأجيال المختلفة، فقضية بدأت في ثلاثينيات القرن العشرين لا تزال تثير الجدل والبحث والكتابة حتى يومنا هذا، وهذا دليل على حيويتها وأهميتها وثقلها في الوجدان العربي.

والثاني: هو الدور المهم والحيوي الذي يمكن أن تلعبه الصحافة الثقافية، إذا ما أحسنت القيام بدورها، في كشف الحقائق التاريخية وتقديمها للقارئ العربي، خاصة في تلك الحالات التي تتراجع فيها المؤسسات الأكاديمية والبحثية الرسمية عن أداء هذا الدور المنوط بها، أو تقصر في القيام به على الوجه الأكمل.

اتهامات بالانتحال والسرقة!

يتعدى الكتاب حدود خصومة البهبيتي مع طه حسين، ليلقي الضوء على قضية أخرى أكثر إثارة وتعقيداً، وهي اتهامات البهبيتي للدكتور ناصر الدين الأسد، ذلك العلم الكبير من أعلام الدراسات الأدبية والنقدية في العالم العربي، بانتحال كتابه المعروف والمهم «مصادر الشعر الجاهلي» من كتابين من كتب البهبيتي هما «تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري» و«أبو تمام حياته وحياة شعره». وهذه الاتهامات الخطيرة تفتح أمامنا باباً آخر من أبواب التاريخ الثقافي العربي، وهو باب الاتهامات المتبادلة بالانتحال والسرقة الأدبية بين كبار المثقفين والأدباء والنقاد، وهو باب شديد الحساسية ويحتاج إلى تناوله بحذر شديد وأمانة علمية كاملة.

لقد شهدت الساحة الثقافية العربية عبر تاريخها الطويل العديد من الاتهامات المتبادلة بالانتحال بين عدة أعلام كبار، فمن ذلك ما وجه إلى طه حسين نفسه من اتهامات بسرقة أفكار الكاتب والمفكر اللبناني فرح أنطون، إلى اتهامات أخرى طالت كتاباً ومفكرين كباراً لهم وزنهم وتأثيرهم في الحياة الفكرية العربية. وهذه الظاهرة المتكررة تستحق بلا شك دراسة جادة ومعمقة، ليس بغرض توجيه الاتهامات أو تبرئة الأعلام، ولكن بوصفها تعبيراً واضحاً عن أزمة عميقة في المنهج العلمي والنزاهة الأكاديمية والأمانة الفكرية التي عانى منها الفكر العربي في مرحلة تأسيسية مهمة وحاسمة من تاريخنا الثقافي الحديث، وهي مرحلة المخاض والولادة والتكوين.

وقد تصدى الدكتور إبراهيم حور للرد على اتهامات البهبيتي هذه في دراسة محكمة نشرها تحت عنوان «الشعر الجاهلي ومناهج بحثه بين كتابين»، وجاءت هذه الدراسة ضمن كتاب تذكاري مهم يحمل عنوان «قطوف دانية مهداة إلى ناصر الدين الأسد». وهذا الرد العلمي الرصين يضعنا وجهاً لوجه أمام معضلة منهجية حقيقية، وكأنها عقدة تحتاج إلى حل كيف يمكننا أن نتحقق من صحة الاتهامات بالانتحال أو ننفيها، في ظل غياب آليات مؤسسية مستقلة ومحايدة للنظر في مثل هذه القضايا الشائكة والحساسة؟ وكيف يمكننا أن نفرق بدقة وموضوعية بين التأثر المشروع الذي لا غنى عنه لأي باحث جاد، والتقليد المبرر الذي قد يكون ضرورياً في مراحل معينة، والسرقة المحضة التي لا تتسق مع الأمانة العلمية والبحثية؟ إنها أسئلة صعبة تحتاج إلى إجابات واضحة.

طه حسين بين النور والظل!

لا يقلل كشف هذه الخصومة المغيبة، ولا ينتقص مطلقا من مكانة طه حسين العظيمة كواحد من أعمدة النهضة الثقافية العربية الحديثة، ومنارة من منارات الفكر والتنوير في عالمنا العربي. فالكبار مثل الجبال الشامخة، لهم ظلالهم الوارفة الممتدة التي يستظل بها الناس، ولهم أيضاً جوانبهم المظلمة التي لا تخلو منها أي شخصية بشرية مهما عظمت. إن النقد الموضوعي لطه حسين، الذي يهدف إلى فهم شخصيته ورؤيته ومنهجه بعمق وتجرد، لا ينفي بأي حال من الأحول إنجازاته الهائلة التي لا يمكن إنكارها في تحديث الدرس الأكاديمي العربي، ودفاعه المستميت عن حرية الفكر والتعبير، وإسهاماته الأدبية والنقدية المتنوعة التي شكلت وعي أجيال متعاقبة من المثقفين والأدباء والقراء في كل مكان.

ولكن هذه الخصومة التي يكشف عنها الكتاب تذكرنا جميعاً، وبقوة، بأن طه حسين كان في النهاية إنساناً له ما للإنسان من فضائل ورغبات وأحلام، وله أيضاً ما للإنسان من نقائص وأخطاء وهفوات، قبل أن يكون رمزاً معلماً ينظر إليه الناس بإجلال وإكبار. وكان أكاديمياً يمارس السلطة بكل أبعادها داخل مؤسسة هرمية صارمة، لها قوانينها وتقاليدها وتوازناتها المعقدة. وقد تكون ممارسته لتلك السلطة - كما تظهر لنا في قضية الدكتور نجيب البهبيتي - تعبيراً صادقاً عن ثقافة أكاديمية سائدة في ذلك الزمان، أكثر مما تكون شذوذاً فردياً أو تصرفاً شخصياً خارجاً على المألوف. إنها ثقافة المؤسسة التي كانت تمارس التوجيه والاحتواء والحجب والإقصاء وفق أعرافها المستقرة.

سلطة وإقصاء!

تكشف قضية الدكتور نجيب البهبيتي، في قراءتها المتعمقة، عن جانب مظلم وحقيقي ومؤلم من تاريخ المؤسسة الأكاديمية العربية، وهو جانب لم نعتد على رؤيته أو مناقشته بصراحة وجرأة. إنه جانب قدرتها الهائلة على الإقصاء والتهميش وإقصاء الأصوات المخالفة أو غير المرغوب فيها. فالباحث الشاب الذي جاء من بهبيت الحجارة بالغرببة ، ليقصد المركز المتألق (القاهرة) التي كانت ولا تزال منارة العلم والفكر في العالم العربي، وجد نفسه فجأة في مواجهة غير متكافئة مع سلطة المركز التي كانت تتجسد في ذلك الوقت في شخصية طه حسين وموقعه وهيبة مؤسسته. وهذه الديناميكية المعقدة، التي يمكن تسميتها بجدلية المركز والأطراف، ما تزال فاعلة ومؤثرة في حياتنا الثقافية العربية حتى يومنا هذا، وإن اختلفت أشكالها وتعددت مظاهرها.

إن حرمان الباحث من أطروحته العلمية لمدة تسع سنوات كاملة هو عملية إقصاء رمزية، بل هي حقيقية بكل المقاييس، قد تؤدي في النهاية إلى تحول مسار حياة الباحث، وقد تحول دون حصوله على المناصب الأكاديمية التي كان يطمح إليها، أو تؤخر إسهاماته العلمية لعقود من الزمن، أو تقوض ثقته بنفسه ومشروعه الفكري وتجعل منه إنساناً محبطاً أو منزوياً أو غاضباً. وفي هذا السياق المركب، يمكننا أن نقرأ قرار الدكتور نجيب البهبيتي بالخروج من جامعة القاهرة، سواء أكان ذلك إخراجاً بقرار من المسئولين، أم كان تركاً طوعياً لبيئة أصبحت غير صالحة للعطاء والإبداع، كجزء لا يتجزأ من هذه الديناميكية الإقصائية التي نتحدث عنها.

انتقائية ونسيان!

يبقى السؤال الأكبر والأهم في هذه القضية كلها: لماذا ظلت هذه الخصومة المهمة مجهولة أو مغيبة أو مطموسة طوال هذه العقود الطويلة؟ لماذا لم تصل إلى وعي الأجيال المتعاقبة من المثقفين والقراء كما وصلتهم خصومات أخرى؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في فهم طبيعة انتقائية الذاكرة الثقافية العربية، التي تميل دائماً إلى تخليد الصراعات المعلنة والمشهورة، والتي دارت فيها المعارك على صفحات الجرائد والمجلات، وترك أصحابها كتابات ومناقشات مطولة، وتغفل في المقابل الصراعات الخفية والخصومات غير المعلنة التي بقيت في الظل. كما أن هيمنة سرديات بعينها على كتابة تاريخنا الثقافي، وسيادة روايات معينة عن أعلامنا الكبار، تجعلنا في الغالب نغفل عن الجوانب الأخرى التي لا تتفق مع الصورة النمطية المثالية التي رسمناها لهؤلاء الأعلام، أو التي تظهرهم في صورة غير التي تعودنا عليها.

لقد غيب الناقد الموسوعي نجيب البهبيتي نفسه تماماً من الذاكرة الثقافية العربية، وطواه النسيان، لصالح أسماء أخرى كثيرة، وذلك رغم إسهاماته المهمة والرائدة في دراسة الشعر العربي القديم وتحقيق نصوصه، وفي معالجة قضايا المنهج التاريخي في دراسة الأدب، وهي إسهامات كان من الممكن أن تضعه في مكانة مرموقة بين كبار الباحثين. وهذا التغييب المقصود أو غير المقصود هو جزء لا يتجزأ من سياسات الذاكرة والنسيان التي تمارسها المجتمعات الإنسانية تجاه ماضيها، وتختار منها ما يتناسب مع رؤيتها للحاضر وأحلامها في المستقبل.

يأتي كتاب «ظلال طه حسين» للدكتور مصطفى سليم إذن، في هذا التوقيت بالذات، ليدفعنا جميعاً بقوة إلى إعادة قراءة تاريخنا الثقافي بعيون نقدية جديدة، تتجاوز التمجيد الأعمى أو القدح المقيت، إلى الفهم العميق والشامل لتعقيدات هذا التاريخ وتناقضاته الصارخة. إن التاريخ الثقافي لأمتنا هو حقل واسع من الصراعات والتناقضات والعلاقات المعقدة بين الأفراد والمؤسسات والأفكار، ولا يمكن اختزاله في قصص بطولة أو مظلومية فقط.

إن كشف مثل هذه الخصومات المجهولة والمغيبة، وإخراجها إلى النور، يساعدنا بلا شك على فهم أعمق وأشمل لكيفية تشكل الحقل الثقافي العربي الحديث، ويدرس بعناية ديناميكيات السلطة المعقدة داخل المؤسسات الأكاديمية، ويكشف عن آليات الإقصاء والتهميش الدقيقة التي مارستها هذه المؤسسات – وما زالت تمارسها حتى يومنا هذا بدرجات متفاوتة – ضد بعض الأصوات والاتجاهات والأفراد.

كما يذكرنا هذا الكتاب المهم بأن وراء كل «عظيم» من عظمائنا في تاريخنا الثقافي، ظلالاً كثيفة من الخصومات والمظالم والصراعات والهفوات والأخطاء، التي شكلت في النهاية السياق التاريخي الذي أنتج عظمته وأضاء نجمه. والفهم الحقيقي المتكامل لهذا التاريخ لا يكتمل إلا بالنظر إلى الظل كما ننظر إلى النور، والنظر إلى الجوانب المظلمة كما ننظر إلى الجوانب المضيئة، والنظر إلى الخصومات الخفية كما ننظر إلى التحالفات المعلنة.

في النهاية، تبقى قضية الدكتور نجيب البهبيتي مع الدكتور طه حسين ومع الدكتور ناصر الدين الأسد، عينة دالة وشاهدة على علاقات القوى المعقدة داخل الحقل الثقافي العربي، وتذكيراً صارخاً بأن كتابة التاريخ الثقافي تتطلب منا شجاعة كبيرة في كشف المستور، ونزاهة علمية عالية في تقصي الحقائق من مصادرها الأصلية، وعمقاً رصيناً في تحليل السياقات المختلفة التي أحاطت بتلك الأحداث. وهذا بالضبط ما يحتاج إليه مشروعنا الثقافي العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى: قراءة نقدية جريئة ومسئولة لماضينا تساعدنا على فهم حاضرنا بشكل أفضل، وتأسيس مستقبل أكثر عدلاً وانفتاحاً وتعددية وقبولاً للآخر.

***

د. عبد السلام فاروق

صدر مؤخرًا عن دار المدى للثقافة والفنون، كتابٌ يحمل عنوان "غيمري.. كدتُ أصبح إمامًا"، للكاتب جورج منصور، وهو عملٌ يتجاوز في بنائه السردي حدود السيرة الذاتية التقليدية ليغدو نصًا إنسانيًا غنيًا بالتجربة والمعايشة، وبالشهادة على زمكان وتحولات كبرى. ففي صفحات هذا الكتاب تتداخل الذاكرة بالحياة، وتنصهر التجربة الشخصية مع التأملات والرؤى العميقة، لتتشكل منهما معًا لوحة سردية متكاملة الأطراف، تمتد من الوطن وبلدته عنكاوا إلى مدينة موسكو المدهشة، مرورًا بعدد من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، بما تحمله تلك الجغرافيا الواسعة من تنوع ثقافي وحضاري وعرقي.

تبدأ الحكاية من قصة صداقة نادرة، مؤلمة ومثيرة للوجدان في آن، عاشها الكاتب وما تزال حية في ضميره رغم الرحيل الأبدي لصديقه الوفي "خالد". إنها صداقة لم تخلُ من لحظات الشك والبرود والعتاب في بعض فصولها، لكنها في جوهرها العميق ظلت علاقة إنسانية استثنائية تفيض بالألم والوفاء والاعتزاز، وتشكل إحدى العتبات الوجدانية الرئيسية التي تنفتح منها صفحات السيرة على مصراعيها. ومن هذا المدخل الإنساني الخالص تبدأ رحلة الكاتب الأولى خارج الوطن، حين يغادر بجواز سفر مزور، مجازفًا بحياته في ظل نظام سياسي قمعي كان يهيمن على البلاد آنذاك، ليصل إلى موسكو ويلتحق بزمالة دراسية هناك.

ومن تلك المدينة الفسيحة تبدأ رحلة متعددة الأوجه والمنعطفات: رحلة دراسية بالدرجة الأولى، لكنها أيضًا رحلة حياتية وإنسانية بامتياز، تتشكل خلالها شخصية الكاتب من جديد عبر ما يعيشه من تجارب وعلاقات وأفكار. تمتد الرحلة من مقاعد الدراسة في قاعات الكلية إلى الحياة اليومية في الأقسام الداخلية، ومن اختلاطه بزملاء أجانب من ثقافات متباينة إلى مواجهة برد المدن السوفياتية القارس وشتائها الطويل الذي لا يرحم.

ومن نوافذ القطارات التي رافقته في أسفاره الطويلة كان الكاتب يطل على عوالم جديدة لم يألفها؛ قطارات سار فيها طويلًا عابرًا سهوبًا شاسعة وغابات ممتدة، ومحطات انتظر فيها بصبر يتأمل حركة الناس وأحوالهم، قبل أن تعبر به تلك القطارات إلى مدن وعواصم متعددة يصفها بدقة وحس تصويري بارع يجعل القارئ شبه حاضر في فضائها، متفاعلًا مع مروجها الخضراء وثلوجها المتراكمة، ومع تراثها وناسها وأزهارها وعطورها.

تتصاعد في هذه السيرة الأحداث والمواقف في نسق درامي مشوق، يكشف من خلاله الكاتب جانبًا من يوميات طالب شرقي في بيئة مختلفة كليًا، عارضًا تفاصيل حياته بواقعية صادقة خالية من الزيف أو الرتوش؛ من اندفاعه العاطفي في علاقاته المتعددة، إلى إقباله على المشروبات الروحية في محاولة للاندماج أو الهرب، وصولًا إلى ضيق موارده المادية التي كانت تدفعه أحيانًا إلى ابتكار حلول غير تقليدية. وفي الوقت ذاته يسلط الضوء على ملامح القسوة في النظام السياسي السوفياتي آنذاك، من خلال رقابة دائمة وتوجيهات حزبية صارمة تحد من حرياته الشخصية والأكاديمية.

غير أن مسار السيرة يشهد منعطفًا دراميًا حادًا حين يضطر الكاتب، بقرار حزبي لا راد له، إلى ترك كل ما بناه هناك: أحلامه الأكاديمية في إكمال الدراسات العليا، وعلاقاته الإنسانية العميقة، وصداقاته الحميمة، وحتى مقاعد الدراسة التي كانت تمثل له ملاذًا معرفيًا، ليغادر موسكو في ظروف دراماتيكية ويلتحق بحركة الأنصار الشيوعيين في جبال كردستان العراق، حاملًا معه ذاكرة مثقلة بتجارب التكوين الأولى.

كُتبت هذه السيرة بلغة أنيقة عذبة وسلسة تأسر القارئ منذ السطور الأولى، بلغة لا تتكلف الزخارف البلاغية الزائدة، وإنما تنساب انسياب النهر في مجراه الطبيعي. وهي لا تقف عند حدود السيرة التقليدية بوصفها مجرد تسجيل زمني للأحداث، بل تتجاوز ذلك لتلامس أحيانًا أفق القصة القصيرة بحكاياتها المكثفة، وفي مواضع أخرى تقترب من تقنيات الرواية المتطورة من حيث تعدد الشخصيات المرسومة بعناية، والحبكة المحكمة وتشابك الأحداث وتداخلها، ودقة التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية لكنها تحمل دلالات كبرى، وحضور المكان والزمان بوضوح لافت يجعلهما عنصرين فاعلين في السرد وليس مجرد إطار جامد.

ولا يكتفي النص بسرد التجربة الشخصية بمعزل عن سياقها الأوسع، بل يقدم للقارئ أيضًا ثروة من المعلومات التاريخية الدقيقة، والجغرافية المفصلة، والحضارية الثرية، والفنية المتنوعة، فيتحول الكتاب بهذا إلى رحلة معرفية ممتعة تشبه السياحة الفكرية والثقافية في أزمنة وأمكنة متعددة.

 كما يثري الكاتب سرده باقتباسات منتقاة بعناية لعدد من المفكرين والشعراء والعظماء من مختلف الثقافات والحضارات، يوظفها بذكاء في سياق التجربة ليمنحها بعدًا فكريًا وتأمليًا أعمق، وليربط الخاص بالعام، والفردي بالكوني.

وهكذا يغدو كتاب "غيمري... كدتُ أصبح إمامًا" أكثر من مجرد سيرة شخصية؛ إنه شهادة حية على مرحلة تاريخية مفصلية في تاريخ العراق والمنطقة، وتجربة إنسانية ثرية بتفاصيلها وتحولاتها، ونص أدبي متماسك يجمع بين دفء الذاكرة وجماليات السرد وعمق المعرفة، ويمنح قارئه رحلة نابضة بالصدق والحنين والاكتشاف، لا تكشف فقط عن ملامح حياة كاتبها، بل تعكس أيضًا صورة جيل كامل عاش تحولات كبرى بين الشرق والغرب، بين الأيديولوجيا والحلم، بين الانتماء والاغتراب.

 ومن الجدير بالذكر أن كان قد صدر للكاتب عام 2022 عن دار الرواق في بغداد/ كتاب (ايفين حفر في الذاكرة) وهو من ادب السيرة، يتحدث فيه الكاتب عن سيرته الذاتية ومسيرة حياته وأهم محطاتها بواقعية ومصداقية وشفافية. سيرة وثّق فيها الأحداث والوقائع، واصفًا إياهًا بدقة متناهية مما جعلها تتجسد وتستحضر أمام القارئ وكأنها تحدث اليوم وهو يشاهدها في مشهد تلفزيوني حاضر للعيان مفعم بالإحساس والعفوية. مذكرات وسيرة كتبها بأسلوب أدبي إبداعي، ترتقي فصول منها أحيانا إلى معايير الرواية، وفصول أخرى تميل الى أدب السجون، مذكرات تأخذ القارئ في رحلة حياتية مفعمة بالإنسانية والألم والمعرفة.

***

روند بولص

للمناضل سالم عبيد النعمان

سيرة خالدة: يُعد كتاب "الحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد"، للمناضل سالم عبيد النعمان من المؤلفات النادرة التي تناولت تجربة الحزب بالتركيز على مرحلة إعادة التأسيس والدور الفاعل للحزب في مسار الحركة الوطنية، والمساهمات المحورية التي قام بها مؤسسه المعروف بلقب فهد (يوسف سلمان يوسف)، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. صدر الكتاب عام 2007 عن دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق، متضمناً التوثيق السياسي الذي عالج تاريخ بعض الأحزاب العراقية وتجربة بناء الحزب الشيوعي بقيادة مؤسسه فهد الذي تمكن من تحويله إلى قوة سياسية منضبطة ذات قدرة تنظيمية عالية على أسس تنظيمية وفكرية صارمة في ظل أوضاع سياسية معقدة عاشها العراق آنذاك تحت سلطة الحكم الملكي والهيمنة البريطانية.

أفاض المؤلف سالم عبيد النعمان في تقديم قراءة تاريخية تحليلية لمسيرة الحزب منذ نشأته، مع إبراز الظروف السياسية والاجتماعية التي أسهمت في ظهوره وتطوره، مستعرضاً المحطات التي مهدت لنشأته في ثلاثينيات القرن الماضي، وكيف استطاع فهد أن يعيد تنظيم الحزب ويوحد خلاياه السرية، كما سلط الضوء على طبيعة العمل السري، وأساليب النضال السياسي، والعلاقة المتناغمة بين الحزب والطبقة العاملة، إضافة إلى دور المثقفين في دعم الفكر اليساري في العراق.

بعد عودة فهد إلى العراق أواخر ثلاثينيات القرن الماضي بخبرة تنظيمية اكتسبها من احتكاكه بالحركة الشيوعية الدولية، تمكن من توحيد الحلقات الشيوعية المتفرقة وإنشاء جهاز تنظيمي هرمي واضح (لجنة مركزية – خلايا). وأفلح في تنظيم جهاز دعائي وصحفي سري ربط النضال الطبقي بالقضية الوطنية المناهضة للاستعمار. هذا المنجز أكدته الكثير من المصادر التاريخية، وبحثه الكثير من الباحثين، منهم، الباحث حنا بطاطو في كتابه: العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية، مؤكداً بأن فهد قد نجح في تحويل الحزب من "حلقة فكرية محدودة" إلى تنظيم جماهيري نسبياً بين العمال والطلبة، أثمر بمأثرة كبرى عززها فهد في اكتمال بناء الحزب تنظيمياً في كونفرسه الأول سنة 1944، ومؤتمره الأول سنة 1945، أي صياغة منهاج الحزب وميثاقه الوطني واسس وقواعد تنظيمه.

خصص الكتاب مساحة واسعة لتحليل شخصية مؤسس الحزب "فهد" بوصفه قائداً استثنائياً بمرحلة حرجة للغاية، عرض المؤلف قدرات فهد وجهوده في إعادة بناء الحزب على أسس تنظيمية أسهمت في نشر الفكر الماركسي بين شرائح غير قليلة من أبناء الشعب من خلال إبراز المواقف الواضحة من القضايا الوطنية ومناهضة الاستعمار، موضحاً أن مرحلة فهد قد شكّلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية بإطار منهجي. اعتمد فيها الوثائق الرصينة والمشاهدات الحيّة والتحليل السياسي لمجل الأحداث، وذلك بربط مراحل تطور الحزب تنظيمياً وفكرياً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها العراق في العقود الأولى من القرن الماضي.

تحولات عميقة في الكثير من مفاصل الحياة، رافقت تشكّل الدولة الحديثة تحت الحكم الملكي الضعيف الذي تأسس سنة (1921)، وتحكمت به سلطة الاستعمار البريطاني المحتمية بمعاهدة سنة 1930 التي فرضت على العراق، البلد العشائري، الاقطاعي الذي طغت عليه النزاعات المختلفة، وتحكمت فيه سلطة زعماء القبائل وفروعها. وفي المقابل، نتيجة التفاوت الطبقي، أخذت الطبقة العاملة تحتل دوراً مهماً في الصراع السياسي والاقتصادي، أدت إلى بروز تيارات أيديولوجية متعددة، كان من أهمها التيار الشيوعي الذي أخذ يتبلور تنظيمياً وفكرياً خلال الثلاثينيات، ليبلغ مرحلة إعادة البناء الحاسمة فيما بعد على يد فهد.

ارتبطت مرحلة الأربعينيات بشخصية فهد الذي نجح بأعاد بناء الحزب على اسس جديدة أشارإليها النعمان في كتابه بأن النجاح لم يكن نتاج خطاب أيديولوجي فحسب، بل ثمرة هندسة تنظيمية دقيقة، قام بها فهد مرتكزاً على مبدأ المركزية الديمقراطية، بوصفها آلية تنظيمية تجمع بين النقاش الداخلي والانضباط الخارجي، والاحتراف الثوري كما صاغه لينين والعمل السري في مواجهة الدولة السلطوية.

تبلور فكر فهد في محاور عديدة، أهمها تبني الماركسية بوصفها أداة تحليل وطني، لم يتعامل فهد مع الماركسية كنسق نظري مجرد، بل سعى إلى توطينها في السياق العراقي، عبر ربطها بمسألة الاستقلال الوطني، ومركزية القيادة التي تجلت في إصراره على الانضباط الحزبي الصارم، ما أضفى طابعاً كاريزمياً على قيادته، حيث كان يرى أن بناء التنظيم الصلب شرط سابق على التوسع الجماهيري، أي الوعي بالتنظيم قبل الجماهيرية، وهو الذي صاغ شعار: "قوّوا تنظيم حزبكم قوّوا الحركة الوطنية".

المناضل سالم عبيد النعمان كان أحد الرفاق الذين عايشوا المرحلة التأسيسية للحزب الشيوعي العراقي من الداخل وعن قرب، وبذلك تمكن من تقديم توثيق داخلي نادر بدرجة عالية من التفاصيل حول الحياة التنظيمية داخل الحزب في مرحلة حاسمة، وهي معلومات يصعب العثور عليها في مصادر أُخرى، شهادة موثقة عن العمل السري تضمنت تفاصيل دقيقة. ورفقته لفهد لم تكن مجرد علاقة زمنية، بل علاقة مشاركة في مشروع سياسي وفكري هدف إلى إعادة صياغة الوعي الاجتماعي والسياسي في العراق. تعود علاقة النعمان بفهد إلى المرحلة التي أعاد فيها فهد بناء الحزب من أواخر الثلاثينيات، حيث كان الحزب، في تلك الفترة، يمرّ بمرحلة إعادة هيكلة تنظيمية. وفي ظل تصاعد المواجهة مع السلطة الملكية، واتساع النشاط بين العمال والطلبة والمثقفين، انخرط النعمان ضمن الكوادر التي عملت مباشرة مع القيادة المركزية لفهد، مما جعله قريباً من آلية صنع القرار الحزبي.

لم تكن الرفقة بينهما علاقة شخصية فحسب، بل كانت علاقة تنظيمية، نضالية تجسدت في محطات عديدة أبرزها المشاركة في الاجتماعات السرية، وتنفيذ الخطط التنظيمية والتثقيف الحزبي، وتحمّل تبعات الاعتقال والسجن بعد أن عانى قادة الحزب، ومنهم فهد وعدد من رفاقه، من المحاكمات والسجون التي بلغت ذروتها بإعدامه عام 1949.

أوضح النعمان في كتابه بأن تجربة السجن، قد عززت الروابط التنظيمية بين الرفاق في ظل تصاعد النشاط العمالي، وكشفت صلابة فهد الفكرية وقدرته على التأثير حتى في ظروف الأسر، وكرّست صورة الإعجاب بشخصية فهد بوصفه رمزاً نضالياً داخل الذاكرة الشيوعية العراقية. لقد شكّلت فترات الاعتقال محطات مفصلية في العلاقة بين القيادة والكوادر الحزبية، حيث تألق فيها فهد بقدرة المحافظة، حتى وهو في الأسر، على حضوره القيادي وإدارة شؤون الحزب من داخل السجن بروح نضالية عالية.

أظهرت بعض نصوص النعمان نزوعاً إلى ترسيخ صورة فهد والإفراط في بيان إعجابه بموهبته بوصفه المؤسس وصاحب الفضل في تحويل الحزب من تنظيم مشتت إلى قوة سياسية فاعلة. هذه الصورة، وإن استندت إلى وقائع تاريخية، إلا أنها تعكس أيضاً أثر الذاكرة الشخصية والانتماء العقائدي للمؤلف. فمن الناحية المنهجية، تمثل شهادته ويومياته مصدراً وثائقياً مهماً، كالتحيز الإيجابي في تضخيم الدور الفردي لفهد مقابل التقليل من العوامل البنيوية. ولكن رغم خضوعها لاعتبارات نقدية تتداخل فيها الذاكرة بالتاريخ، يبقى الأمر مألوفاً في كتابات المناضلين الذين يؤرخون لتجاربهم، ولا تنتقص من قيمة الكتاب، بل تضعه ضمن فئة المصادر الذاتية التي يمكن مقارنتها بوثائق أخرى تؤكد مصداقيتها.

تبيّن فصول الكتاب مدى فهم المؤلف لطبيعة الوعي النظري للصراع الطبقي، مقرون بفهم لخصوصية المجتمع العراقي الزراعي، شبه الإقطاعي. والنعمان لم يكن مجرد شاهد على مرحلة تأسيس الحزب، بل كان جزءاً من نسيجه التنظيمي والعملي، بحيث أسهمت الذاكرة النضالية في بناء سردية تاريخية أطرت التجربة النضالية ضمن سياق بطولي بكتاب يحفل بتفاصيل دقيقة من داخل التجربة الحزبية.

 وبذلك شكّلت رفقة النعمان لفهد تجربة سياسية وفكرية عميقة، تحوّلت إلى سردية توثيقية اسهمت في فهم صيرورة القيادة والعمل السري في ظل ظروف العراق الملكي، وتحليل هذه العلاقة لم يقتصر على بعدها الشخصي، بل كشف لنا عن طبيعة البناء الحزبي ودور الذاكرة النضالية في صياغة التاريخ السياسي، وأوضح الكتاب بأن العلاقة بين القيادة والكادر الوسيط كانت عنصراً حاسماً في صمود الحزب خلال مرحلة القمع.

برع النعمان في استخدام اسلوب بليغ جمع بين المعطيات التاريخية والتحليل الفكري، مما جعله مصدراً مهماً للباحثين في تاريخ الحركات السياسية العراقية، حيث تكمن أهمية هذا العمل في أنه وثق مرحلة تأسيسية مهمة في تاريخ العراق السياسي، ومساهمة في فهم تطور التيارات اليسارية في المنطقة، وفتح المجال للنقاش حول دور الأحزاب العقائدية في الحياة السياسية العراقية، وتأثير التحولات الإقليمية والدولية عليه،. بهذا يمكن اعتبار الكتاب مرجعاً ذا قيمة عالية خاصة للمراحل المبكرة من تاريخ الحزب ودور فهد القيادي.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

(إسلام المجددين) لمحمد حمزة هو في الأصل حُزمة مقالات متفرقة، يجمع بينها التعبير عن مجموعة من الرؤى الساعية إلى تجديد الفكر الإسلامي، والتأسيس لمشروع يُحرر المسلم المعاصر من هيمنة القراءة الواحدة، والمؤسسة الدينية الواحدة، والفقيه الواحد!

على امتداد مقدمة وثلاثة فصول، يعرض المؤلف لخصائص ما يسميه بإسلام المجددين، ثم موقف رواد هذا التيار من النص والقيم الحديثة في ضوء مقاربة مغايرة للظاهرة الدينية.

بداية يحدد المؤلف دلالة التجديد المقصود، وبيان الفرق بينه وبين التجديد بمعناه التراثي، والذي عكسته المحاولات المتعددة التي عرفها الفكر الإسلامي في فترات تاريخية متباينة. فمدلول التجديد في تلك المحاولات قائم على التوسل بأنموذج قديم في تراث الأمة لتغيير ما هو سائد اليوم على مستوى الفكر والواقع. في حين أن التجديد الذي يدافع عنه نخبة من المفكرين، أمثال عبد المجيد الشرفي ومحمد الطالبي ومحمد أركون وغيرهم، يؤسس لتفاعل حي وخلاق بين الضمير الإسلامي ومختلف الأوضاع والمقتضيات المعرفية والاجتماعية والثقافية التي أنتجتها الحداثة، عبر مساءلات فلسفية ووجودية عميقة.

ويندرج هذا الطرح ضمن ما اعتبره الأستاذ عبده فيلالي الأنصاري تصورا للإصلاح الديني في السياق الإسلامي، ينهض كبديل للإسلام الأصولي المهيمن. فهو إسلام همه أن يكون أكثر روحانية وأقل تعلقا بالسياسة، أكثر إنسانية وأقل تشددا، أكثر انفتاحا على الآخر وأقل عنفا.

الملاحظ أن أغلب المشاريع والدراسات التي سعت لترسيخ رؤى الإسلام الجديد، صدرت بلغة أجنبية، وعن مكتبات ودور نشر أوروبية وأمريكية. والسبب في ذلك برأي المؤلف سعي المؤلفين إلى تعديل الصورة المروجة في الغرب عن المسلمين، والتي لا يبرز فيها غير الإسلام الجهادي الأصولي، من خلال التأكيد على أن الحداثة الفكرية تخترق الضمير الإسلامي كما في الغرب. ومن جهة ثانية التصدي للاستشراق عبر كشف انحيازه وهوسه بالإساءة للإسلام عن طريق حصره في تداعيات الخطاب الإيديولوجي الجهادي.

في الفصل الأول، وقبل تحديد خصائص الإسلام الجديد، يرصد المؤلف أهم مرتكزات الحداثة الفكرية التي فرضت نفسها على الساحة العربية، وفي مقدمتها تلك الرجة المعرفية التي أسهمت في الانتقال من معرفة تأملية إلى معرفة تقنية قوامها الملاحظة والتجريب، وتحقيق الفعالية والنجاعة. وهي الرَّجة التي حررت الطبيعة من بُعدها السحري، ونزعت عن التاريخ طابعه الأسطوري ليستعيد حضوره باعتباره سيرورة تحددها عوامل ملموسة.

المرتكز الثاني هو مبدأ الذاتية، وإرجاع كل معرفة إلى الذات الإنسانية، ليتحرر الإنسان من حالة الوصاية التي فرضتها حتميات بيولوجية وثقافية وتاريخية، ويستعيد عافيته وفعاليته باعتباره قطب الرحى وصانعَ تاريخه كما يقول عياض بن عاشور.

أما المرتكز الثالث الذي لا يقل أهمية فهو مفهوم الحرية، وسعي الإنسان إلى الانفلات من قيود حاضره لاكتشاف المستقبل. ويرجع هذا التحول الجذري أساسا إلى ما أفرزته الحداثة من نسبية شاملة لم تنحصر في مجال العلوم فحسب، بل شملت أيضا الفنون والأخلاق وحتى العقيدة.

اخترقت الحداثة العالم العربي والإسلامي تحت ضغط الاستعمار أولا، ثم الأنظمة السياسية التي أعقبت الحركات التحررية. ونظرا لما حملته من حقائق حول الإنسان والكون، فقد شهدت المجتمعات العربية انهيار البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية التقليدية، وانقسام التيار الإصلاحي إلى فريقين: الأول انكفأ على نفسه لإيجاد صيغة تعايش بين الماضي المثالي والأزمنة الحديثة، والثاني سعى لمراجعة التقاليد الراسخة في الحقلين الديني والسياسي.

في ظل تلك المتغيرات تبلور الخطاب الإصلاحي التجديدي، كنتاج طبيعي للتعليم الحديث، ولتفسيرات جديدة للعالم لا يهيمن عليها "الديني" إلا لماما. لكنه بقي مشدودا إلى العلاقة المتوترة بين الشرق والغرب، وصورة الآخر عن الذات المسلمة.

أما الخطاب الجديد الذي يعلنه المؤلف تحت مسمى "إسلام المجددين" فقد تبلور في سياق تاريخي مغاير؛ سياق الدول المستقلة التي ترزح تحت الاستبداد. وعاين انتكاسة التجارب القومية والاشتراكية والإسلامية، كما تابع بشكل يومي ومأساوي نفاقَ الغرب الذي عادى الحركة التحررية، ودعَّم الحركات الأصولية التي تخدم أجندته منذ فترة الحرب الباردة.

غير أن النظرة الموضوعية والمنصفة تقتضي الاعتراف بأننا أمام غرب متعدد، مما يقتضي تجاوز الحساسية المفتعلة إزاء نتاجه الفكري والمعرفي، واعتبار مكتسبات العلوم الإنسانية التي تحققت في الغرب مكتسبات كونية يجدر بنا تطبيقها على دراسة التراث الإسلامي.

أما أهم سمات المفكرين المجددين فيمكن إجمالها كالآتي:

- تخطي كل التشكيلات اللاهوتية والتشريعية والسياسية لالتقاط جوهر الإسلام والتفكير بشأنه دون حسيب أو رقيب.

- نقد وتفكيك الذهنية التقليدية، والكشف عن إمكانات الفكر الإسلامي التي حيل بينها وبين الاستجابة لمتطلبات اللحظة التاريخية الراهنة.

- تقديم خطاب بعيد عن الرقابة الذاتية، ومبشر بوضع جديد تسوده الحرية والمسؤولية، وحقوق الإنسان.

- الدفاع عن الحق في الاختلاف وحرية التفكير خارج القوالب المعهودة، لكون الجهد الإنساني يتسم في نهاية المطاف بالنسبية والمحدودية.

إنه مشروع لا يروم التنكر للتراث وإنما بيان عجز أطره ومؤسساته التقليدية عن تفهم وضع المسلم المعاصر، وتيسير أسباب الطمأنينة الروحية له. ولتأكيد مصداقيته فهو حريص على اجتناب أمرين: الانخراط في المشاريع الإيديولوجية، وقراءة نصوص التراث بالوكالة. فهو مشروع لا يسعى للقطيعة مع الدين، بل للقطيعة مع إسلام الفقهاء والمؤسسة الدينية.

 في الفصل الثاني يتناول المؤلف نماذج من القضايا التي تصدى لها مفكرو الإسلام الجديد، وسعوا من خلالها لإرساء معالم مشروع تأويلي، يستعين بمنتجات العقل الإنساني في دراسة الظاهرة الدينية. وجرى التركيز خلال هذا الفصل على ثلاثة أبعاد أساسية: النص، والمعنى، والحقيقة.

يهم البعد الأول مراجعة النظرية التي شيدها الأصوليون حول النص(القرآن)، والمرتبطة بتوسيع مجاله ليشمل نصوص السنة النبوية كذلك، ثم تسييج حدوده بقراءات موجِّهة ومحرِّفة لمقاصده. وفي هذا الصدد انبرى عدد من المجددين لإجراء نقد تاريخي حول كيفية تشكل النص، ومسألة القراءات، وإحياء النصوص الهامشية التي استبعدتها المؤسسة الدينية للإبقاء على المقالة "الرسمية"، والفهم الواحد والوحيد.

أما في البعد الثاني فيتصدى المجددون لواحدية المعنى والتأويل اللذين تتبناهما القراءة التقليدية للنصوص المقدسة. فالقراءة المجددة تؤمن بتنسيب الحقيقة ومرونتها كلما ازدادت درجة وعي الإنسان، وذلك من منطلق أن إنتاج المعنى ومعرفة العالم هما مسؤولية الإنسان وحده.

في حين يهم البعد الثالث تحرير مسألة الحقيقة من طابعها المتعالي الذي دافعت عنه القراءة التقليدية، في مقابل منظور حديث يؤمن بأن الحقيقة لا تستعصي على الإنسان، وأن الدفاع عن تاريخِيَتها يتيح النظر إليها من زوايا متعددة، تمتلك كل منها نصيبا من النفوذ والفاعلية والهيمنة.

وفي الفصل الثالث يعرض المؤلف لموقف المجددين من القيم الحديثة، خاصة تلك المتصلة بحرية التفكير وحرية المعتقد. وهي القيم التي أصبحت اليوم من مكونات الضمير الحديث، واكتست بعدا كونيا نتيجة الثورة الاتصالية التي يشهدها العالم.

هذه القيم التي اخترقت منظوماتنا التقليدية لم يعد بإمكاننا قبول الدعوة لتبنيها بشكل جزئي ومحتشم، بل نحن بحاجة إلى بحث تشريحي عميق وفاحص، حتى يتيسر انخراط المسلم المعاصر في حداثة حقيقية تتيح له مساءلة ذاته ووجوده، وتنظيم شؤون حياته.

هي إذن رؤية تقطع مع خطاب تبجيل الذات، لتضعنا أمام مسؤولية المخاطر الحديثة للمعرفة العلمية، وسبل مواجهتها بوعي ونضج كافيين، إيمانا بأن المعرفة البشرية ليست معطى جامدا، وإنما هي إبداع مستمر ومتناغم مع حركة التاريخ.

ينتمي محمد حمزة إلى جيل من الأكاديميين التونسيين الذين يعنون بتجديد القراءة الفكرية للتراث الإسلامي وقضاياه. ومن أهم إسهاماته في هذا المجال: السنة النبوية: إشكالية التدوين والتشريع (1996). وأفق التأويل في الفكر الإسلامي (2011). إلى جانب دراسات عديدة أشهرها: فضائل الصحابة بين المتخيل والواقع التاريخي.

***

حميد بن خيبش

تضمن المجلد الثاني (208) من موسوعة الموسم الهولندية كتاب في غاية الأهمية بعنوان: محاضرات في الأديان والمذاهب للدكتور إبراهيم العاتي، تناول فيه الأديان التوحيدية (اليهودية والمسيحية والإسلام) بشكل دقيق ومفصل، وقدم دراسة علمية منهجية للأديان التوحيدية المختلفة والمذاهب الفكرية مسترشداً بنهج العلماء القدامى: (اهتم علماء المسلمين القدامى بدراسة الأديان والمذاهب اهتماماً كبيراً، حتى نشأ علم خاص بهذا الشأن يمكن أن نسميه علم الملل والنحل أو علم مقارنة الأديان)، العاتي: ص312. فدراسة الأديان والمذاهب والتمعن بمقاربات موضوعية فيما بينها يمثل جسراً معرفياً يربط بين الثقافات والتجارب الإنسانية المختلفة، وتسهم في تنمية التفكير النقدي وبناء فهم أعمق للتنوع الفكري والديني، مع الحفاظ على الموضوعية والاحترام المتبادل بين المعتقدات. لذلك تُعدّ دراسة الأديان والمذاهب من المجالات المعرفية المهمة في العلوم الإنسانية لما لها من دور بارز في تعميق الفهم المتبادل بين الثقافات، وإثراء البحث العلمي في قضايا الفكر والاعتقاد.

جعل العاتي بحثاً مفصلاً لكل ديانة، بإطار المنهج العلمي الموضوعي، موضحاً فيه المبادىء الأساسية لكل عقيدة والتشريعات المتعلقة بها. خصص الباب الأول بفصوله الخمسة للديانة اليهودية، وأفاض في تقديم سياحة تاريخية بما تقتضيه الضرورة بالعودة إلى الجذور الأولى في التقاليد العبرانية القديمة، وتتبع تطوّرها عبر المراحل المختلفة التي مرّت بها الجماعة الإسرائيلية، بدءاً من العصور التأسيسية المرتبطة بالآباء الأوائل، مروراً بمرحلة التشكّل الديني والتشريعي، ثم العصور التي شهدت تحولات كبرى نتيجة التفاعلات السياسية والاجتماعية التي عرفتها المنطقة. وقد أسهمت هذه التحولات في صياغة البنية الفكرية والطقسية لليهودية، وفي بلورة نصوصها المقدسة وتقاليدها الدينية.

وفي إطار السرد التاريخي تطرق العاتي إلى عقيدة بني إسرائيل كما صورها القرآن الكريم، لأنها إحدى أبرز الديانات التي تناولها القرآن الكريم بالذكر والتحليل في سياق عرضه لتاريخ الرسالات الإلهية ومسار الهداية الربانية للبشر. فقد ورد الحديث عن بني إسرائيل وأنبيائهم وكتبهم في مواضع متعددة من القرآن، ضمن إطار تاريخي وتربوي يهدف إلى بيان سنن الله في الأمم، وإبراز مسيرة الوحي الإلهي عبر العصور. ومن هذا المنطلق، يكتسب تناول الديانة اليهودية في ضوء القرآن الكريم أهمية خاصة في الدراسات الدينية المقارنة، لما يقدمه النص القرآني من رؤية عقدية وتاريخية تتصل بنشأة هذه الديانة وتطورها. وتطرق العاتي بوضوح إلى الفرق اليهودية العديدة مع الإشارة إلى أبرز نقاط الاتفاق والاختلاف بينهما، مع بيان واضح لكل مصادر الفكر اليهودي.

تناول العاتي الديانة المسيحية في الباب الثاني، كدين إلهي، مبيناً بأن النصرانية هي الاسم الأصلي، والنصارى هم  أُمة المسيح عيسى ابن مريم، وهي إحدى الديانات التوحيدية التي نشأت في سياقٍ تاريخي وثقافي معقّد في القرن الأول الميلادي ضمن البيئة اليهودية في فلسطين. ترتكز هذه الديانة في جوهرها على رسالة يسوع المسيح، الذي يُنظر إليه في العقيدة المسيحية بوصفه المخلّص وابن الله الأزلي، حيث دعا إلى تجديد العلاقة بين الإنسان والله عبر الإيمان والمحبة والرحمة.

تشكّلت البدايات الأولى للديانة المسيحية في إطار الحركة الإصلاحية داخل الديانة اليهودية، بعد أن استحالت إلى ديانة مادية متطرفة بسبب الكهنة، حيث ظهر يسوع المسيح في بيئة دينية وبشّر بتعاليم روحية وأخلاقية ركّزت على نقاء القلب، والغفران، والإخلاص لله. فاجتمع حوله عدد كبير من الأتباع وأخذت شهرته تتسع واستطاع أن ينفذ للقلوب، غير أن دعوته سرعان ما أثارت جدلاً واسعاً بين القيادات الدينية والسياسية في عصره، وانتهت بصلب الذي شُبه به حسب ما جاء به القرآن الكريم، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ...)، سورة النساء: الآية 157.

بعد حادثة الصلب المفصلية، أخذ أتباع المسيح الأوائل بنشر تعاليمه في أرجاء مختلفة من العالم، كان شاؤول بولس له الدور المحوري في نقل الرسالة المسيحية من إطارها اليهودي الضيق إلى فضاءٍ أوسع شمل الشعوب غير اليهودية، مما أسهم في تحوّل المسيحية من حركة دينية محلية إلى ديانة عالمية آخذة في الانتشار(لا نضيف جديداً لو قلنا أن بولس هو المؤسس الحقيقي للديانة المسيحية وقد طور فكرة المسيح من الناحية اللاهوتية والناحية الإنسانية وجعلها تتناسب مع فكرة الانقاذ القديمة) العاتي: ص 402. ومع مرور القرون الأولى، تطوّرت البنية الفكرية واللاهوتية للمسيحية عبر النقاشات العقائدية والمجامع الكنسية، وأخذت تتبلور كمؤسسة دينية وثقافية ذات تأثير عميق في تاريخ الحضارة الإنسانية.

 وأوضح العاتي بأن فرق المسيحية الرئيسية الموجودة حالياً إنما هي متفرعة من جذور قديمة باستثناء حركة الإصلاح التي قادها مارتن لوثر في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. نشأت هذه الفرق بسبب الاختلاف العقائدي، ينقسم المسيحيون في الاعتقاد بطبيعة المسيح إلى أربع طوائف: مذهب النسطوريين، مذهب الكنائس الشرقية (الأرثوذكس)، والكاثوليك، وحركة الإصلاح الديني.

تناول الباب الثالث بفصوله الأربعة الديانة الإسلامية بكل أبعادها باعتبارها إحدى الديانات التوحيدية في تاريخ الإنسانية، التي نشأت في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي مع بعثة النبي محمد بن عبد الله (ص)، الذي يُعدّ في العقيدة الإسلامية خاتم الأنبياء والمرسلين. لقد بُني هذا الدين على منظومة عقدية وتشريعية وأخلاقية، تقوم على مبدأ التوحيد الخالص لله، وعلى جملة من القيم التي تنظّم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع.

أكد العاتي في الفصل الأول حالة الأديان والمجتمعات قبل ظهور الديانة الإسلامية، موضحاً بأن الديانة المسيحية قد اكتست الطابع الدنيوي وابتعدت عن الطابع الروحي الذي بشر به المسيح، فضلاً عن التغيير والتبديل الذي مس جوهر العقيدة المسيحية ونقلها من التوحيد إلى التثليث، بالإضافة إلى ما أصاب الجزيرة العربية من تمزق وتناحر قبلي وغيرها من الأمور التي مهدت لبزوغ فجر الإسلام. وتوسع بالفصل الثاني بمفهوم الإمامة والخلاف الدائر حولها وصولاً إلى خلافة الإمام علي ابن أبي طالب التي لم تستمر طويلاً بسبب الاشكالات التي حصلت مع معاوية بن أبي سفيان والخوارج.

خصص العاتي الفصل الثالث إلى فهم مصطلح التشيع وظروف نشأته، وأهم فرق الشيعة والفرق الأُخرى، كالجبرية والقدرية والمرجئة والمعتزلة. أما الفصل الرابع تناول فيه فرق أهل السنة الفقهية ونشأة المذهب العقائدي السني الذي أصبح المذهب العقائدي الرسمي لكثير من الدول على ضوء ما جاء به الحسن الأشعري الذي يرجع نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري.

أسهم قيام الدولة الإسلامية، وتطور مؤسسات الحكم في العصور اللاحقة مثل الخلافة الأموية والعباسية وما تلاها، في ترسيخ حضور الإسلام بوصفه ديناً وحضارةً في آنٍ واحد. كما شهدت الحضارة الإسلامية ازدهاراً علمياً وفكرياً ملحوظاً في مجالات الفلسفة والطب والرياضيات والفلك والعلوم الإنسانية، ما جعلها إحدى الركائز الأساسية في تشكيل التراث العلمي العالمي.

واليوم يمثل الإسلام ديناً عالمياً يعتنقه ما يزيد على مليار ونصف المليار إنسان موزعين على مختلف القارات والثقافات، أصبح حضوره جزءاً مهماً في عالم النقاشات الفكرية والسياسية والثقافية المعاصرة، سواء فيما يتعلق بقضايا الهوية والتحديث أو بعلاقته بالنظم الاجتماعية والسياسية الحديثة. وفي هذا السياق، تتباين الرؤى حول كيفية فهم النصوص الدينية وتطبيقها في واقع متغير، الأمر الذي أفضى إلى تنوع المدارس الفكرية والاجتهادات داخل العالم الإسلامي. ومن خلال هذا المنظور يمكن فهم الإسلام لا باعتباره مجرد عقيدة دينية فحسب، بل كإطار حضاري وثقافي أسهم في تشكيل مسارات واسعة من تاريخ الإنسانية.

تنبع أهمية دراسة الأديان الموحدة من كونها تسهم في تحليل البنى الفكرية والنصوص المؤسسة لهذه الديانات، واستجلاء أوجه الاتفاق والاختلاف بينها في قضايا العقيدة والتشريع والأخلاق. كما تساعد المقاربة العلمية الرصينة على تعزيز الحوار بين الأديان. والبحث في الأديان التوحيدية لا يقتصر على البعد المعرفي فحسب، بل يمتد ليؤدي دوراً حضارياً في بناء جسور التواصل الفكري والثقافي بين المجتمعات المختلفة. وبالتالي تسمح بدراسة المفاهيم المشتركة مثل الوحي، والنبوة، والخلاص، والشريعة، كما تتيح تحليل كيفية تشكّل هذه المفاهيم ضمن سياقات تاريخية وثقافية متباينة تُسهم في توسيع آفاق الفهم المتبادل بين التقاليد الدينية المختلفة.

وعليه، فإن المقاربة النقدية بين الأديان التوحيدية لا تهدف إلى التقليل من قيمتها الروحية أو تقويض بنيتها الإيمانية، بقدر ما تسعى إلى فهمها بوصفها تجارب دينية تاريخية. ومن خلال هذا الفهم يمكن إبراز أبعادها المشتركة من جهة، واستجلاء خصوصياتها العقدية والتاريخية من جهة أخرى، بما يفتح المجال أمام قراءة أكثر عمقاً للتجربة الدينية الإنسانية ولإمكانات الحوار الفكري بين التقاليد الدينية المختلفة.

تتجلّى أهمية المقاربة في توسيع الأفق المعرفي وتتيح فرصة الاطلاع على منظومات فكرية وروحية متنوّعة، تسهم في إنتاج معرفة رصينة تقوم على الدقة وتنمية الوعي بتاريخ الأفكار الإنسانية وتطوّرها، وتساعد على إدراك أوجه التشابه والاختلاف بين المعتقدات، وفهم ظروف السياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها. وتعزز الحوار والتفاهم بين المجتمعات من خلال الفهم العميق لمعتقدات الآخرين وتصوراتهم، وتقلل من سوء الفهم والصراعات الفكرية، بل تفتح المجال لحوار حضاري قائم على الاحترام المتبادل

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

 

موقع الدين في المجتمعات ما بعد العلمانية.. قراءة في كتاب يورغن هابرماس "تحديات الديمقراطية ما بين المذهب الطبيعي والدين"

الملخص: يطرح كتاب "تحديات الديمقراطية ما بين المذهب الطبيعي والدين " ليورقن هابرماس، المآزق التي تعاني منها الديمقراطيات الغربية من ذلك عجز الأنظمة الليبرالية عن تحقيق سعادة الإنسان ولذلك دعا هابرماس إلى ضرورة الوعي" بما هو مفقود " هذا الوعي سيحيل حتما، حسب الكاتب، إلى ضرورة الانفتاح على الدين بآعتبار قدرته على توفير هذا المفقود، لأنه ينظر إلى الإنسان في كليته وهو قادر بحكم القيم التي يحملها على تلبية حاجياته الروحية والمادية لذلك يرى الكاتب ضرورة انفتاح الأنظمة الليبرالية العلمانية على الأديان وفتح الفضاء العمومي لها حتى تصبح شركاء في بناء مستقبل مشترك للإنسانية، إلا أنه يشترط أن يكون هذا الانفتاح محكوما بضوابط عقلانية، إن الأمر يقتضي تقديم تنازلات متبادلة من الملحدين ومن المؤمنين حيث يتاح لكل منهما أن يطرح قناعاته دون أن يزعم أنها قناعات معصومة سواء كان مصدرها الإله أو الأغلبية البرلمانية.

المقدمة:

لقد هيمن فلاسفة العدمية واللاعقلانية والفوضوية أو ما كانوا يدعون أيضا بفلاسفة ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية أو فلاسفة التفكيك من أمثال ميشال فوكو ودريدا وجيل دولوز وفرنسوا ليوتار على الساحة الثقافية الفرنسية على اِمتداد أكثر من عقدين من اُلزمن تميّزوا خلالها بنقدهم اللاذع ومهاجمتهم الشرسة لأسس الحضارة الأروبية كالديمقراطية وحقوق الإنسان التي كانوا يرون أنها قد جلبت إلى الإنسانية المصائب والويلات مذكرين بالحربين العالميتين وبالقنبلة الذرية وبالأسلحة الكيمياوية، أما على الصعيد الفلسفي والفكري فقد اِنتقدوا النزعة المركزية الغربية والفلسفة الإنسية لاُحتقارها للحضارات والثقافات الأخرى، كما كانوا يرون في التطور العلمي والتقني نوعا من الهيمنة الاِستبدادية للعقل المفضية إلى فرض السيطرة والِاستغلال اللذين اِرتبطا بالعلم والمعرفة وتوظيفاتهما. لهؤلاء الحق في نقطة واحدة وهي أن التقدم العلمي والتكنولوجي إلى ما لانهاية قد أصبح غاية في حدّ ذاته بدلا من أن يكون وسيلة لخدمة الإنسان وإسعاده

لقد أصبح عبارة عن حركة جهنمية متسارعة لا تستطيع أن تقف عند حدّ بل أصبح الإنسان ذاته مجرّد رقم في مسار العلم والتقدّم والحضارة...لكن لا ينبغي أن يتطرف دعاة ما بعد الحداثة في اِنتقادهم

و يمسحون بجرّة قلم مكتسبات الحداثة والعقلانية. إنّه موقف مراهق ولامسؤول. لمواجهة هذا التيّار العدميّ الذي يستلهم التراث النيتشويّ اِنبرى هابرماس إلى التصدّي له وإلى كشف زيف اِدّعاءاته وفي معقله في "الكوليج دو فرانس" يلقي الفيلسوف الألماني درسا موضوعه "الخطاب الفلسفي للحداثة" شنّ فيه هجوما شديدا على نيتشه أثار حفيظة ميشال فوكو الذي اِعتبر أنّه مستهدف شخصيا1. اِنتصر هابرماس في تلك الفترة للعقلانية التي اِخترقت كلّ قطاعات المجتمع من أقصاها إلى أقصاها ـأي قطاع الإقتصاد والعلاقات الاِجتماعيّة وتأويل التراث وقطاع العلم والتكنولوجيا والتقنية. ففي الوقت الذي كان فيه فوكو ينتقد الحداثة ولا يرى فيها إلاّ الجوانب السّلبيّة راح هابرماس يشدّد على الجوانب الإيجابية ويرى أنّه لا ينبغي أن نخرج من الحداثة بل أن نسير فيها ونكمل مشروعها الذي لم يكتمل إلى حدّ الاُن2 انّ الخلفيّة الفكريّة التي تقود هابرماس في تقييمه لمسار الحداثة والعلمنة تنبني على ضرورة الإستخدام النقدي للعقل فهو بالنسبة إليه أهمّ إنجاز أورثه إيّاه كانط.لأنّ هذا الإستخدام النقديّ هو الذي يحمي العقل من الوقوع في فخّ التصلّب والتشنّج والدوغمائيّة. فالعقل بحسب المفهوم الكانطي يقوم بعودة نقدّية على مساره وعلى منجزاته السّابقة باِستمرار بل يتوجّب عليه فعل ذلك حتّى يصحّح الأخطاء التي تكون قد وقعت أثناء المسار السّابق فعن طريق هذه العودة النقديّة يحصل التقدّم3.

ذاك هوالبراديغم الذي اِعتمده هابرماس في تأليف كتابه " تحديات الديمقراطية ما بين المذهب الطبيعي والدين " وفيه اِستعاد بفكر نقديّ مسار العلمنة والسياسة والديمقراطية في الغرب ورصد المآزق التي بلغها ذلك المسار بالتزامن مع اِنتشار ظواهر جديدة تهدّد علمانية الدولة ونظامها الديمقراطي. ألم يقل فلاسفة الستّينات في فرنسا " إنّ العقل هو السجن " لأنّه إذا ما تجمّد فقد قدرته على التواصل والانفتاح على الآخر وأصبح قيدا رهيبا منغلقا على يقينيّاته. وقد حاول هابرماس مقاربة هذا الموضوع من خلال طرحه لمسألتين هامتّين الأولى " الوعي بما هو مفقود " بآعتبارها المدخل لتحديد أوجه القصورفي مسار العلمنة والثانية إعادة النظر في مكانة الدين في الفضاء العمومي كحلّ لتجاوز مآزق الحداثة والديمقراطية

1- الوعي بما هو مفقود4

يجد مفهوم " الوعي بما هو مفقود ". مشروعيته من خلال رصد هابرماس للعجزالذي بلغه العقل الديمقراطي والمسار الطويل للعلمنة في البلدان الأوروبية والذي امتد على أزيد من قرنين من الزمن، عجزه على توفير الحياة الجيّدة. لقد أخلّت الفلسفة الليبرالية بالإيفاء بآلتزاماتها أمام مواطنيها. وهي التي وعدتهم بتوفير حياة، تقارب الكمال في طموحها، لكلّ فرد دون اٍستثناء. لقد ولّد ضعف المؤسّسات الاِجتماعيّة في الدول الديمقراطية خيبة أمل من ناحية وكرّس حتميّة التكافل الاِجتماعي في الواقع المعيش من ناحية أخرى. مع اِنتشار ظاهرة العولمة وتضخّم دور السوق حتّى أصبح أكبر من الدولة، مخترقا للحدود الجغرافيّة ومنتهكا لسيادة الدول. لقد عملت العولمة على نحت كائنات بشريّة ذوات بُعد واحد على حدّ عبارة المفكر الأمريكي ذي الأصل الألماني هربرت ماركوز ـ1899 ـ1978 "الإنسان ذو البُعد الواحد" ضمن هذه الرؤية تسنّى لآقتصاد السوق أن يشكّل العالم على النمط الذي يرتضيه، نمط الِاستهلاك حيث يستحيل الإنسان كائنا روحه الجوع تطمس كلّ أبعاده ويتمّ الإبقاء على بُعد واحد تنصهر فيه كلّ الأنشطة الاِستهلاكيّة، تنسدّ حينذ كلّ الآفاق ويُستلب الإنسان وتُجهض كلّ نزعة للتسامي وهي النّزعة التي تعمّق التناقض بين المثال والواقع حتّى يُعطى للتاريخ معناه وفي ذلك الشّرخ يجد الكائن مساحة يمتلك فيها حقّه المشروع في نحت كيانه وفق إرادته الحُرّة 5

لم يعد بهرج الليبرالية الجديدة ذات النزعة التبشيريّة بالجنّة الأرضيّة الموعودة يقنع المفكّرين والفلاسفة لأنّها أفضت إلى خراب كونيّ كشف زيف الشعارات التي رُفعت وعمّق اِغتراب الكائن. ويبدو أنّ هابرماس أصبح مقتنعا أنّ العقلانية ليس بمقدورها لوحدها أن تفرز مجموعة من القيم باتت المجتمعات الغربية اليوم في أمسّ الحاجة إليها. من هذه القيم التضامن، الخلاص، الأمل، المواساة، المحظورات الأخلاقية. . . إنّها أزمة الخطاب الفلسفي الحديث الذي يتيح للخطاب الديني أن يطلّ برأسه ويطرح نفسه بديلا جديّا لحداثة مريضة، قد اِهترأت على مرّ العصور. يقول ميكائيل فوسيل " هكذا يزيح الخطاب الديني التجريد الحداثي عن الحياة الجيّدة بآسم غائية أعلى للوجود آضطُرّ الفكر الليبرالي للتخلي عنها، و هابرماس نفسه لا يمكنه التملّص من القاعدة التي أصبح بمقتضاها الدّين، من جديد، رهانا وذلك عندما تعاني الفلسفة من قيودها الخاصة " 6

لم تقتصر العلمانيّة على فصل الدين عن الدولة بل إنّها، و ضمن توجّهها الكلياني، فصلت مجمل حياة الإنسان عن الدين والأخلاق. هذا الانفصال عن القيم عمّق الشعور بالاِستلاب لدى الإنسان المعاصر ممّا دفع بمجموعات اِجتماعيّة إلى التقوقع على ذاتها والاِحتماء بهويّاتها المهدّدة واِجتراح قوانين خاصّة بها تعيش وفقها، هذه المجموعات الدينيّة المختلفة أصبحت تملأ الفضاء الأوروبي وتسعى إلى فرض نفسها في الفضاء العمومي في تحدّ صارخ لقوانين الدولة وتشريعاتها. لذلك توجب البحث عن حلول عاجلة لهذا الخطر الذي يتهدّد النسيج الاِجتماعي لهذه المجتمعات وأولى ملامح الخروج من هذه الأزمة هو الإقرار، وفي إطار العدالة السياسيّة، بأّنّ المعتقدات الدينيّة تحمل البعض من المضامين المعرفيّة، فالمحبّة والِاستقامة الأخلاقيّة والأمل في الخلاص يمكن أن تكون من مستلزمات الحياة المشتركة التي تشكّل عناصر للحوار الديمقراطي. 7

يرى هابرماس أن لا شيء يقف دون اِمتلاك المجتمع الديمقراطي اليقينيات الدينيّة فلطالما ظلّت تلك اليقينيات تعزّز القوى الحافزة للعقل وبالتّالي من حقّها أن تصبح جزءا من العناصر المكوّنة للفضاء العمومي. ففي الحقبة التي ضعُفت فيها الدوافع الاِجتماعية المتّصلة بالتكافل ـ مثل الإحسان ـ يمكن أن يكون اِستخدام المعتقدات الدينية ِاستبدالا مشروعا لها. إنّ هذا اللطف المعلن تجاه الأديان ينبغي أن يُفهم عند هابرماس "بالرغبة في تعبئة العقل الحديث ضدّ الاِنهزاميّة الكامنة فيه".8

لا يجانب هابرماس الصواب عندما يُرجع السبب في فقدان ـ الحياة الجيّدة ـ، و الذي تمّت صياغته في مصطلح " الوعي بما هو مفقود "، إلى التعارض بين الإنسان الاِقتصادي والإنسان الديني. من ناحية وإلى فرضية مشتركة بينهما وهي إنكارهما للسياسي لذلك عمد في تمشّيه لتملّك المحتويات الدلاليّة الدينيّة إلى بناء صيغ للتوافق في مجتمع تسوده تعدّديّة القيم وهو تمشٍّ يتجاوز الإطار الأخلاقي للمسألة ليصبح اِستجابة عقلانيّة لإحدى تحديات الديمقراطية.

2- مكانة الدين في الفضاء العمومي

لم يعُد صاحب نظريّة العقل التواصلي يثق في قدرة العقلانيّة الإجرائيّة والتواصليّة على توفير قاعدة محفّزة كافية لمواجهة الأخطار المختلفة التي تتهدّد الديمقراطية الغربية فقد لاحظ أنّ " الحداثة تنزع نحو الخروج عن مسارها "9 وأنّ " هناك وعيا معياريا بدأ يتلاشى في كلّ المناحي" 10 وأنّ " اِجتياحا للمذهب الطبيعي وعقيدته العمياء بدأ يصيب مجال العلم "11 ولذلك توجّب على هابرماس العمل على تمكين العقل من اِسترجاع زمام المبادرة بيده في البحث عن خيارات أخرى بغرض مواجهة التحديات التي يطرحها اليوم عودة الديني.. ممثّلا في الأصوليّة الدينيّة والتطرّف الديني. في تمشّيه الفلسفي يتوسّل هابرماس بالعلمنة لقدرتها على إصلاح أخطائها بنفسها، لأنّها ليست نصّا مقدّسا وذلك في سعيه لآستعادة التطلّعات السياسيّة والاِجتماعيّة والرمزيّة الحديثة تحت لواء الديمقراطيّة. وهذا يقتضي إعادة ضبط مفهوم العلمنة نفسِه على ضوء المستجدات الحديثة لأنّه صار مطلبا ملحّا وهو ما سيكون له أثره المباشر في مفهوم الديمقراطية نفسها بآعتبار أنّ الديمقراطية هي الوجه السياسي للعلمنة وهي المعبرّة عن الإرادة اشعبيّة، رغم أنّ ربط العلمانية بالديمقراطية ليس صحيحا دائما فألمانيا النازيّة وروسيا البلشفيّة كانا نظامين علمانيين إلّا أنّهما نظامان كلينيان اِرتكبا من المجازر ما جعلاهما وصمة عار في تاريخ الإنسانيّة. فالعلمانية علمانيات ومنها ما هو صنو للديكتاتوريّة. فبسبب ظهور التطرّف الديني من ناحية وهيمنت معايير االسوق على قواعد الحياة الديمقراطية من ناحية أخرى أصبحت الأنظمة الليبراليّة تعاني من نقص في الشرعيّة، لا يستطيع أيُّ شكل من أشكال التمثيل القانوني المعروفة أن يتغلّب عليه. فالقانون الوضعي يعكس فقط تثبيتا ظرفيا لحالة الرأي العام إنّ حالة عدم الاِستقرار هذه يؤكدّها اِستمرار وجود نُظُم تفسير دينية للعالم تستطيع بفضل اِتّساقها الردّ على " المفتقد " الذي تعاني منه الدول الدستوريّة 12. وإذا القانون الليبيرالي يمتنع عن سنّ أحكام تتعلّق بالصراعات الأخلاقيّة أو الدينيّة فإنّ هابرماس يرى أنّه " على الدستور الديمقراطي أن يستوفي عجزالشرعيّة الناتج عن حياد الدولة تجاه وجهات النظر المختلفة للعالم " 13. يطالب هابرماس بتجاوز التوافق الأوروبي حول الديمقراطية المكتسب بعد الحرب العالمية الثانية ويراه قوسا تاريخيا بات اليوم مهدّدا بالانغلاق ويفضّل الاِعتماد على أمثلة ناجحة من الترجمات بين الإيمان والعقل مثل تلك التي تقرّ بوجود " إنسانية على صورة لله، مجسّمة في الكرامة السويّة والاحترام غير المشروط اللذين يستحقّهما جميع البشر " 14. يشعر هابرماس بالحرج الشدّيد حين يرى اليوم اِستمرار الأنظمة الليبراليّة في حمل مواطنيها على الوصول إلى حالة اِنفصام الشخصيّة ـ الشيزوفرينيا ـ حين يُمنعونٍ من الاِعتراف بحقّهم في تقديم قناعاتهم ممّا يضطرّهم إلى العيش مزدوجي الشخصيّة بين ما يظهرونه وما يبطنونه. فأفعال التنديد والسخط على الديمقراطيّة تنبني على أساس الظلم المعاش ولرفع هذا الظلم يتوجب حسب هابرماس رفع الحجر المسلّط على المعتقدات الدينيّة من الوصول إلى ساحة الديمقراطيّة. وإذا كانت الوطنية الدستوريّة تقوم على أساس المعتقدات المتأصلة فإنّها حتما تلتقي مع المعتقدات حول " الحياة الجيّدة " التي شريطة اِعتمادها على مبادئ دولة القانون، تصبح تنتمي إلى التبادل العقلاني المشروع.

إنّ التبادل العقلاني يقتضي أنّ أصوات الملحدين وأصوات المؤمنين يمكن أن تتعايش في فضاء واحد، حيث يتاح لكلّ منهما أن يطرح قناعاته دون أن يزعم أنّها قناعات معصومة سواء كان مصدرها الاِله أو كان مصدرها الأغلبيّة البرلمانيّة. إنّ الأمر يقتضي تقديم تنازلات متبادلة من هذا الجانب أوذاك، لأنّه توجد قيم مشتركة يمكن أن تشكّل أسسا لحوار ديمقراطي شريطة أن لا ترفع هذه العناصر إلى درجة المطلق ضمن هذا المنحى يعتبر هابرماس الكنائس شركاء ديمقراطيين حقيقيين يقول" من مصلحة الدولة الدستوريّة أن تكون متسامحة إزاء المصادر الثّقافيّة المتنوّعة التي تغذّي الوعي المعياري والتضامن المدنيّ " 15. لعلّ ما بين الديمقراطيّة والمعتقدات الدينيّة من وشائج من شأنها أن تكبح غلواء التطرّف الديني المهدّد لإمكانيّة العيش المشترك من ناحية وتروّض توحّش معاييرالسّوق المنفلتة من المسارات السياسيّة المنوطة بها وظائف التعديل في مجال الحياة من ناحية أخرى. إنّ التجربة المعاشة للظلم في ظلّ اِستفحال الفوارق الاِجتماعيّة هي التي تدفع النّاس إلى طرح مسألة العدل. وبما أنّ الأديان، عكس الدول، لم تتخلّ عن خطابها المعياري حول المعنى الكامل للحياة، تبدو أفضل تسلّحا للردّ على اِحتلال الوجود الذاتي من قبل معايير الرأسماليّة الإداريّة التي يقودها عقل اِقتصادي منفلت من قيوده

إنّ التنازلات المتبادلة بين أتباع الديانات وأنصار الديمقراطيّة من شأنها أن تشكّل أرضيّة مشتركة لمواجهة عولمة الإديولوجيات التي تعمل على نشر" نِزاعات بين شموليات متنافسة "16. إنّ هذه الرؤية التي يتبنّاها هابرماس تظلّ محفوفة بمخاطر من شأنها تأجيج نَزعات اُنتروبولجيّة جوهرها تساؤلات حول الماهيّة الإنسانيّة، العلاقة بين المذكر والمؤنّث، الطبيعي والمرضي. . . متأتيّة من مصادر دينيّة وتنتصب في قلب المجتمعات الليبراليّة. إنّ الأمر لا يتعلّق فقط بالإقرار بفشل مشروع العلمنة وإنّما بعودة العقائد الاُنتروبولوجيّة الدوغمائيّة داخل الديمقراطيات. لقد أصبح الفضاء الاِجتماعي يعاني من التجزئة ومن التمايز ممّا وضع شرعيّة النظم محلّ اِختبار وهو ما أتاح تنشيط المجال الديني للاِغتذاء من نقاط فشل الديمقراطيّة. فعدم الاٍستقرار الميداني للمجتمعات المعلمنة جعلها تُجبرعلى اِنفتاح ليست من صنّاعه كما يقول كلود لو فور17. لقد فرضت الأديان نفسها بما تختزنه من قدرة على رتق تلك الفروق الاِجتماعيّة. وبذلك تثبت أنّها أعرق من الديمقراطيّة الحديثة، ليس فقط بالمعنى التاريخي بل لأنّها تعطي الوحدة الِاجتماعيّة مقروئيّة هي غائبة في المجتمعات التعدّديّة.

الخاتمة

تكتسي عبارة هابرماس الوعي بما هو مفقود أهميتها لأنها تلخّص في إيجاز بليغ أزمة سلطة تأسيسية تعاني منها الديمقراطيات وتتجلّى أعراضها في عودة الموضوعات الدينية إلى النقاش العام. ويؤكّد هابرماس هنا على أهمية القانون في تسوية الصراعات. قانون يكون محكوما بفلسفة علمانية منفتحة حيث يمتنع الجمهوريون العلمانيون عن رفع معتقداتهم إلى مرتبة المبادئ المطلقة حتّى يتيحوا للمؤمنين / المتديّنين تنسيب معتقداتهم حسب ما يقتضيه الفضاء العمومي الجديد من تأسيس لديمقراطية تشاركية منفتحة على الجميع قائمة على الإختلاف والتنوّع والإعتراف بالاَخر المغاير.

***

رمضان بن رمضان

.............................

الهوامش والتعليقات:

* - Jurgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’ édition Gallimard , Paris , 2008 , 380 P

1- هاشم صالح، " المعركة بين العقلانيّة واللاعقلانيّة في الفكرالأوروبي"، مجلة دراسات عربيّة، عدد5-6، السنة 34، مارس ـ أفريل 1988، ص 83.

2- Jürgen Habermas , ‘’la modernité un projet inachevé ‘’ , critique , N:413 / 1981

3- هاشم صالح، المعركة بين العقلانيّة. . . . . ص 99.

4- Jürgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’ , op. cit, P141-151

5-آنظر دراستنا " اِنتفاض اللغة على فوضى العالم"، ضمن كتاب، الباب الموارب دراسات في أزهار

ثاني أوكسيد التاريخ، ليوسف رزوقة، تونس، 2004، ط 1، ص 96.

6- ميكائيل فوسيل، " هابرماس والمسألة الديينيّة"، ترجمة محمّد صدّام، موقع الأوان، أفريل 2013.

7- Jürgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’ , op. cit, P166

8-Ibid, P145

9- Ibid. , P14

10-Ibid , P14

11- Ibid , P160

12- ميكائيل فوسيل، " هابرماس والمسألة الديينيّة"، ترجمة محمّد صدّام، موقع الأوان، أفريل 2013

13- Jürgen Habermas، ‘’entre naturalisme et religion، les défis de la démocratie’’, op. cit, P178

14-Ibid, P160

15-Ibid, PP13-14

16- Etienne Balibar , Saeculum , culture , religion , idiologie , Paris , Galilée , 2012 , P42.

17- Claude Lefort , ‘’ Permanence du Théologico-politique ? ‘’ dans Essais sur le politique, paris Le seuil , P262

يحكي هنري دو كاستري، مؤلف كتاب "الإسلام خواطر وسوانح"(1)، كيف كان يجوب صحراء الجزائر يوما، وخلفه ثلاثون فارسا، يتسابق كل منهم لخدمته وإرضائه، بما يتناسب مع جو الانحطاط النفسي الذي رسخه الاحتلال في نفوسهم. غير أنه ما إن حانت صلاة العصر حتى ترجل الفرسان واصطفوا لأداء الصلاة جماعة.

" كنت أود لو انشقت الأرض فابتلعتني- يقول المؤلف- وجعلت أشاهد البرانس العريضة تنثني وتنفرج بحركات المصلين، وأسمعهم يكررون بصوت مرتفع: الله أكبر، الله أكبر..". ولعل ما أثاره تحديدا هو شعور العزة والرفعة الذي استرده أفراد حاشيته، وكيف أن الصلاة جعلتهم أرفع منه مقاما، حتى كاد أن يصيح فيهم: "أنا أيضا أعتقد بالله، وأعرف الصلاة، وكيف أعبد!"

أثار جمال الإسلام وبساطته ووضوحه رغبة المؤلف في تسجيل تأملات وخواطر، هي وليدة صحبة طويلة للمسلمين بحكم وظيفته. غير أنه عكف على كتابتها لا لتمجيد الإسلام فحسب، وإنما لتصحيح الأغلاط التي علقت بأذهان المسيحيين، ورد المزاعم والافتراءات التي روج لها بعض المستشرقين، حرصا منهم على إبقاء شعور البغضاء والنفور من الإسلام ونبيه. وهو عمل شاق، برأيه، لأنه لا يرسخ في الاعتقاد أكثر من خطأ الاعتقاد!

شكلت أقاصيص القرون الوسطى، وأغاني القُوّال ذهنية المسحيين تجاه الإسلام وشخص النبي صلى الله عليه وسلم. وتمحورت بالأساس حول ادعائه للألوهية، وتأليفه للقرآن، بل واتخاذه صنما يعبده المسلمون. وينقل على سبيل المثال فحوى نشيد "بودوان" الذي يحكي خبر الكونتيسة (بونتيو)، لما أرادت اعتناق الإسلام أمام صلاح الدين، أنها قالت: "أريد أن أعبد محمدا فائتوني به. فلما صار-الصنم- بين يديها خرت له ساجدة".

ويبدو أن هذه الأكاذيب قد تركت أثرا ليس فقط لدى عموم الناس، بل حتى لدى المؤرخين الذين ينشدون الحقائق، ويؤمنون بالصرامة العلمية في التعامل مع الوقائع والأحداث.

رسمت أدبيات العصور الوسطى صورة فجة عن الإسلام وشعائره. لكن خلال عصر التنوير، لاسيما مع فولتير وغوته، ستبدأ محاولات لتحديد شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ودراستها بجدية. وسيحظى بصورة إيجابية خاصة مع الرومانسيين أمثال لامارتين وفيكتور هوغو، بل سيوصف في بعض الأعمال الأدبية بأنه شخصية محبوبة.

 يعقد المؤلف الفصل الأول من كتابه للدفاع عن صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وجرد الأدلة التي تؤكد أنه ليس بدعا من الرسل. وفي مقدمتها صفاته الشخصية التي تمتع بها لسنوات عديدة في قومه، كالصدق والأمانة، وسيرته الخالية من نقائص الطبيعة البشرية التي كانت تضج بها مكة آنذاك. وهي سيرة لا تليق إلا بنبي.

أما الدليل الثاني فهو أميته التي لم يشكك فيها أحد من معاصريه، والتي تبطل ادعاء قراءته للكتب المقدسة أو اقتباسه منها. إذ لو قرأ تلك الكتب، يقول إسكندر ديون، لردّها لاحتوائها على مذهب التثليث، وهو مناقض لفطرته، ومخالف لوجدانه منذ خُلق.

وفيما يتعلق بمسألة الوحي فإن الباحث المسيحي لم يهتد إلى حلها حلا مُرضيا، لأن عقله لايزال مشدودا إلى خرافات القرون الوسطى:

(والعقل يحار: كيف يتأتى أن تصدر تلك الآيات عن رجل أمي، وقد اعترف الشرق قاطبة بأنها آيات، يعجز فكر بني الإنسان عن الإتيان بمثلها لفظا ومعنى! آيات لما سمعها عتبة بن ربيعة، حار في جمالها. وكفى رفيعُ عباراتها لإقناع عمر بن الخطاب؛ فآمن برب قائلها. وفاضت أعين النجاشي امبراطور الحبشة بالدموع حينما تلا عليه جعفر بن أبي طالب سورة مريم.) ص42

يتتبع المؤلف في الفصل الثاني خطوات انتشار الإسلام، سواء داخل الجزيرة العربية أو في زمن الفتوحات خارجها. ويعتبر أن ما لقيه النبي صلى الله عليه وسلم من معارضة وتأليب من لدن العرب المشركين، ثم تصديه لعداوتهم بالسيف لهو موقف طبيعي، لا يشذ عما لقيه الأنبياء قبله من صنوف التعنت والإيذاء. وبذلك يفكك المؤلف سردية صليبية عمّرت لوقت طويل في كتب المستشرقين، مفادها أن الدعوة الإسلامية قامت بالسيف، وأن العالم المسيحي كان في زمن الفتوحات يئن تحت وطأة الاضطهاد المحمدي:

(إذا انتقلنا من الفتح الأول للإسلام، إلى استقرار حكومته استقرار منظما، رأيناه أكثر محاسنة، وأنعم ملمسا بين مسيحيي الشرق على الإطلاق. فما عارض العرب أبدا شعائر الدين المسيحين بل بقيت روما نفسها حرة في المراسلات مع الأساقفة الذين مازالوا يرعون الأمة الخالية..) ص74

 ومن أمثلة الفتح التي استدل بها المؤلف على سماحة الدين الجديد، ما جرى في بلاد الأندلس من تعايش وسياسة رحيمة، دفعت عقلاء المسيحيين إلى الانحياز إلى المسلمين، والتعلق الشديد بمظاهر التمدن العربي. بينما يسجل نماذج للبغضاء التي حرصت الكنيسة الأندلسية آنذاك على تغذيتها، ومنها على سبيل المثال لجوء قس في قرطبة يدعى" إيلوغوا" إلى تحريض أتباعه على سب النبي صلى الله عليه وسلم، والتعرض لعقوبة الإعدام من لدن قضاة المسلمين، باعتبارها تضحية ينال مرتكبها حب المسيح وخلود ذكره في الكنائس!

وفي الفصل الثالث يعالج المؤلف قضية تعدد الزوجات، ويرد على الأكاذيب التي ألصِقت بنبي الإسلام وشريعته في هذا الصدد. وهو يستغرب كيف أن المؤرخين يقرون بكونها عادة قديمة لدى العرب، وأن من طبائع الأمم الشرقية تعدد الزوجات لما فيهم من قوة الجسم وسلامة الجنس، لكنهم يسارعون إلى الاعتراض على شريعة القرآن التي تبيحه بشروط معلومة، مثلما تحرم الاسترسال مع الشهوات، وتوجب التمسك بقواعد العصمة!

في المقابل يثير المؤلف مسألة الحشمة، وأخلاق العفة التي تشدد عليها نصوص الكتاب والسنة، وكيف أنها شبه مفقودة في الغرب المتمدن:

(إن الناس بالغوا كثيرا في مضار تعدد الزوجات عند المسلمين، إن لم نقل: إن ما نسبوه إليه من ذلك غير صحيح. فما تعدد الزوجات هو الذي ولّد في الشرق تلك الرذائل الفاضحة، بل المعقول أنه من شأنه تلطيفها.) ص91 

 ويمضي المؤلف في جرد بعض المسائل الدينية التي تثير التعقيد والإشكال عند المسيحيين، بينما ترد في غاية الوضوح والانسجام مع فطرة المسلم. وهكذا يخصص الفصل الرابع لمفهوم الحياة الآخرة، حيث يوجه النقد لمجمل التفسيرات الغائمة لمدلول السعادة الأخروية والتي انقسمت برأيه إلى مذهبين متناقضين: أحدهما يعتبرها حالة نفسية مرجعها طهارة القلب، وتحقق المشابهة بين الخالق والمخلوق؛ بينما يزعم الآخر أنها أمر مادي محسوس.

أما الإسلام فقد ضرب للآخرة أمثلة حسية وقريبة المنال، لكنه حرّم في الوقت نفسه تشبيه الخالق بالمخلوق، وبالتالي عطّل الأوهام التي قد تفضي بالعقول إلى تجسيم الإله، عملا بالآية الكريمة (ليس كمثله شيء).

وفي الفصل الخامس يعرض لمبحث القضاء والقدر، والفرق بين القرآن وتفسيرات علماء المسيحية في الجمع بين القدرة الإلهية والحرية الإنسانية. وبينما كانت النصوص والاجتهادات التي تلتها واضحة وبينة لدى المسلمين، فإنها أثارت انشقاقا خطيرا أفضى في النهاية إلى بروز مذهب جديد يقول بتأثير الله واختيار الإنسان معا، غير أن الخلاف العظيم استمر من خلال إيجاد مصطلحات لا تخلو من سفسطة.

ويبدو أن مسألة الفتوحات الإسلامية ظلت تلح على المؤلف، ليعود في فصل سادس إلى بحث أسباب انتشار الدين الجديد، ورد فرية العنف التي رددها جل المستشرقين قبله؛ ليخلص إلى القول بأن سر انجذاب الناس لهذا الدين راجع بالأساس إلى ما أودع فيه من إعلاء شأن النفس، بتصور الذات الإلهية على صفات فوق صفات البشر، تذكرها خمس صلوات في اليوم، وبترفقه بالطبيعة البشرية من حيث إنه أتاح للناس شيئا مما يشتهون.

ولد هنري دو كاستري بفرنسا سنة 1850لعائلة من الطبقة الارستقراطية. وانضم إلى الجيش عام 1870، ثم التحق بالأكاديمية العسكرية، ليتم تعيينه مشرفا على الأراضي الصحراوية المتاخمة للحدود المغربية بعد تخرجه عام 1873؛ حيث كُلّف بتسيير ما سمي آنذاك بالمكاتب العربية، والتي جرى تعميمها بمختلف المناطق الجزائرية لدراسة البيئة الاجتماعية، وتسهيل مخططات الغزو الفكري والثقافي الصليبي.

وفي الجزائر تعلم دو كاستري اللغة العربية، وسلك درب المغامرات مع بدو الصحراء، حيث أبدى اهتماما عميقا بالإسلام، وأثره على شعوب إفريقيا تحديدا. وبعد عودته إلى فرنسا، انصب اهتمامه على الشعر البدوي الذي جمعه خلال رحلاته المتعددة، وترجم عددا من قصائده.

 وبدءا من سنة 1905 شرع في تأليف عمله الأبرز: "مصادر غير منشورة لتاريخ المغرب". ويعد أضخم أرشيف وثائقي يغطي تاريخ المغرب في عهدي السعديين والعلويين، ويضم أزيد من ثلاثين مجلدا يشتمل على وثائق فرنسية وإسبانية وهولندية وإنجليزية، مستخرجة من الخزانات الأوربية.

حظي دو كاستري بمناصب قيادية عديدة أهمها منصب المستشار التاريخي للحكومة الشريفية بالمغرب سنة 1914، حيث عُهد إليه بتأسيس مصلحة المحفوظات، ومواصلة نشاطه في التحقيق والتصنيف، وتنسيق البعثات إلى أن وافته المنية عام 1927.

يعدّ المؤلف نفسه من المستعربين لطول إقامته في الجزائر، ومخالطته لأهلها في معاشهم وتدينهم وسلوكهم الاجتماعي. وبالتالي فهو أقدر من المستشرقين على الكتابة عن الإسلام، وعرض مسائله وموضوعاته، لذا لا يخفي تهكمه من سياسة فرنسا الاستعمارية في إفريقيا، وفشلها في تحويل شعوبها إلى النصرانية:

" أنى لنا في الوصول إلى نقل تلك الأمم من القرآن إلى الإنجيل؟

وكيف يمكن أن يصير الوثنيون عبادا للمسيح بعد اعتناقهم الإسلام، وهو الدين الذي يتمكن من القلوب فلا يفارقها؟

هنا يختلط علينا المقصد الإلهي فلا ندرك مرماه!"

***

  حميد بن خيبش

.........................

1- هنري دو كاستري: الإسلام خواطر وسوانح. ترجمة أحمد فتحي زغلول. دار طيبة للطباعة 2008.  

فصل من سيرة عبد الجبار الرفاعي في القراءة والكتابة

وأنا أعيد قراءة كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي "مسرّات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب" أدركت مرة أخرى أن بعض الكتب لا تُقرأ مرة واحدة. فهناك كتب نقرأها وقد لا نكمل قراءتها، فتبقى حبيسة رفوفنا، وهناك كتب تشدنا، نتذوق معانيها، فنعود إليها لأننا نجد فيها أنفسنا. القراءة الحقيقية ليست مجرد استمتاع بما يكتبه الكاتب، ولا مجرد وسيلة لتحسين الرصيد اللغوي، بل هي لحظة يلتقي فيها الإنسان بتجارب الآخرين ليعيد النظر في تجربته هو. في لحظات القراءة العميقة لا نكتشف أفكار الكاتب فقط، بل نكتشف شيئًا من ذواتنا نحن، وكأن النص يتحول إلى مرآة نرى فيها مسارنا الإنساني بوضوح أكبر.

لهذا يكتب الدكتور عبد الجبار الرفاعي عبارة عميقة تختصر طبيعة التجربة الإنسانية حين يقول: "حياةُ كلّ إنسان قصةٌ، بل سلسلةُ قصصٍ لا تكرّرها حياةُ إنسانٍ آخر. " بهذه الكلمات الوازنة يذكّرنا الرفاعي بأن الإنسان لا يمكن أن يكون نسخة من غيره. قد نتعلم من تجارب الآخرين، ونستلهمها، لكننا لا نستطيع أن ننسخها؛ لأن حياة كل إنسان تتشكل من شبكة معقدة من التجارب والاختيارات والأسئلة واللقاءات التي لا تتكرر بالطريقة نفسها عند شخصين. لهذا لا تكون القراءة الحقيقية استهلاكًا للنصوص، بل حوارًا حيًا مع التجربة الإنسانية. الكتاب الجيد لا يقدّم للقارئ طريقًا جاهزًا للحياة، بل يوقظ فيه القدرة على أن يرى طريقه هو بوضوح أكبر.

غير أن هذا النوع من القراءة لا يتحقق تلقائيًا؛ لأنه يتطلب يقظةً للعقل، واستعدادًا للتأمل الصبور. فالإنسان بطبيعته يميل إلى التفسيرات الجاهزة التي تعفيه من عناء التفكير. لذلك ينبه الرفاعي إلى هذه الحقيقة حين يقول: "ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله ثم توظيفه في الفهم… العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، فيلجأ بسهولة لاستعارة التفسيرات الجزافية المتداولة." في هذه الكلمات يضع الرفاعي إصبعه على مشكلة معرفية عميقة في الثقافة الإنسانية: كثير من الناس يميلون إلى الأفكار الجاهزة لأنها لا تتطلب جهدًا في التفكير. العقل بطبيعته يبحث أحيانًا عن الطريق الأقصر إلى الفهم، حتى لو كان فهمًا سطحيًا. وهذا الميل يبدو اليوم أكثر وضوحًا في عصر التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الحصول على الإجابات سريعًا وسهلًا، مما قد يغري الإنسان بالاكتفاء بالنتائج دون خوض مشقة السؤال والتأمل.

غير أن القراءة التي توقظ العقل تفعل العكس تمامًا؛ فهي لا تمنح القارئ راحة الإجابات السريعة، بل تدعوه إلى مراجعة ما اعتاده من تصورات وأحكام. إنها قراءة تزعج الإنسان قليلًا، لأنها تحرّك في داخله أسئلة لم يكن يفكر فيها من قبل، وتدعوه إلى إعادة بناء فهمه للعالم. لهذا تبقى القراءة العميقة فعلًا مقاومًا للكسل الفكري، لأنها تدرب العقل على التفكير البطيء المتأمل، لا على الاكتفاء بالأجوبة الجاهزة. لا تكون القراءة الحقيقية مجرد فعلٍ ذهنيّ عابر، بل هي في جوهرها فعلٌ تربويّ يوقظ الإنسان من سكون العادة. القراءة التي تصنع أثرًا لا تكتفي بملء الذاكرة بالمعلومات، بل تدرب العقل على السؤال، وتعوّد الإنسان على التأمل الصبور، وتدعوه إلى مراجعة المسلمات التي اعتادها دون تمحيص.

من هنا تبدأ المعرفة الحقيقية: حين ينتقل الإنسان من ترديد الأفكار إلى فهمها، ومن استهلاك المعاني الجاهزة إلى إنتاج معنى خاص يتشكل عبر التفكير والتجربة. في هذه اللحظة بالذات يتفتح ما يمكن أن نسميه الوعي النقدي؛ ذلك الوعي الذي لا يكتفي بتلقي الأفكار، بل يحاورها، ويفحصها، ويعيد بناءها في ضوء العقل والتجربة. تلتقي القراءة هنا بالفلسفة؛ لأن الفلسفة في جوهرها ليست تكديسًا للمعرفة، بل فنّ السؤال، والقدرة على النظر إلى العالم بعين متسائلة لا تقبل المسلمات بسهولة. ولهذا تصبح القراءة الحية تمرينًا دائمًا على اليقظة الفكرية، وعلى بناء عقلٍ قادرٍ على الفهم لا الاكتفاء بالترديد. "القراءة التي لا توقظ السؤال في العقل، لا تستطيع أن توقظ المعنى في الحياة"، يقول الرفاعي.

غير أن الوعي وحده لا يكفي، ما لم يصحبه ضمير أخلاقي يقظ. المعرفة التي لا يرافقها حس إنساني قد تتحول إلى أداة للهيمنة أو التبرير. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بأن الثقافة الحقيقية لا تنفصل عن الأخلاق، حين يقول: "ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا."

الكاتب، كما يفهمه الرفاعي، لا يكتب بعقله فقط، بل يكتب بضميره أيضًا. والضمير الأخلاقي لا يكون انتقائيًا، بل إنسانيًا في جوهره؛ لذلك يؤكد: "الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان." بهذا المعنى تصبح القراءة والكتابة جزءًا من مسؤولية الإنسان تجاه العالم. الكلمات ليست مجرد أدوات للتعبير، بل يمكن أن تكون وسيلة للدفاع عن الإنسان وعن كرامته.

غير أن الكتابة التي تحمل معنى لا تقوم على العقل وحده، كما أنها لا تقوم على العاطفة وحدها. الكلمة التي تلامس الإنسان هي تلك التي تنبع من توازن دقيق بين التفكير العميق والحس الإنساني الحي. لهذا يشير الرفاعي إلى أن الكتابة المشبعة بالمعنى ينبغي ألا تهدر مرجعية العقل، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تُفرغ الحياة من بعدها الروحي. في هذا السياق يكتب: "الكتابةُ المشبَعة بالمعنى يجب ألا تهدر مرجعية العقل، مثلما ينبغي أن تملأ الروحَ بالسلام الذي يفتش عنه الإنسان." بهذه العبارة يضع الرفاعي معيارًا دقيقًا للكتابة ذات المعنى:

أن تكون وفية للعقل في بحثه عن الحقيقة، وأن تكون في الوقت نفسه قادرة على أن تمنح الإنسان أفقًا روحيًا يتجاوز ضيق الحياة اليومية. الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، كما لا يعيش بالمادة وحدها. إنه يبحث دائمًا عن معنى أوسع لحياته، معنى يحرره من الاختناق بسطحية العالم المادي، ويفتح أمامه أفقًا أرحب للتأمل والسكينة. من هنا نفهم لماذا وصف الرفاعي الكتابة بأنها مخاض، الكاتب لا يكتب ما يعرفه فقط، بل يكتب ما عاشه وتأمله وتحوّل في أعماقه إلى معنى. الكتابة ليست مجرد مهارة لغوية، بل هي محاولة لترتيب العالم الداخلي في كلمات يمكن أن تصل إلى الآخرين.

مع مرور الزمن تتغير نظرة الإنسان إلى العالم، لأن التجربة نفسها تعيد تشكيل وعيه. ولهذا يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية عميقة حين يقول: "الوعي يتطور، التجارب تعلّم الإنسان، الجروح توقظ الإنسان، العالم يتغيّر، والإنسان يتغيّر." ربما لهذا السبب تحديدًا نعود إلى بعض الكتب مرة أخرى. فالكتاب لا يتغير، لكن القارئ يتغير. ومع كل قراءة جديدة يكتشف الإنسان في النص معنى لم يكن يراه من قبل، وكأن الكتاب نفسه يتسع كلما اتسعت تجربة القارئ. هكذا تتحول القراءة، في معناها العميق، من متابعة صفحات إلى تجربة إنسانية حيّة. فالإنسان حين يقرأ لا يكتفي بمعرفة ما يفكر فيه الآخرون، بل يكتشف شيئًا من ذاته هو. ومع كل كتاب يلتقي بتجربة إنسانية جديدة، ومع كل تجربة يعيد النظر في مسار حياته وأسئلته ومعانيه. ربما لهذا السبب لا تنتهي علاقتنا بالكتب عند قراءة واحدة. فنحن نعود إليها لأننا نعود إلى أنفسنا، ولأن وعينا يتغير مع الزمن، فتتكشف لنا في النصوص معانٍ لم نكن نراها من قبل.

يذكّرنا الرفاعي بحقيقة إنسانية بسيطة لكنها عميقة حين يقول: "لن تموت القراءةُ والكتابة مادام الإنسانُ بحاجة إلى التعلّم واكتساب المعرفة وإنتاج معنى لحياته." الإنسان سيظل دائمًا يبحث عن معنى لحياته، وسيظل يجد في الكتب أحد الطرق الجميلة لهذا البحث.

ولهذا ليست القراءة هروبًا من الحياة، بل طريقة لفهمها بعمق أكبر.

حين نقرأ كتابًا من هذا النوع لا نشعر أننا أمام نص مغلق، بل أمام تجربة إنسانية مفتوحة تدعونا إلى التفكير. وكأن الكاتب لا يقدم لنا أجوبة جاهزة، بل يضع بين أيدينا خيطًا رفيعًا من المعنى، ويدعونا إلى أن ننسج منه قصتنا نحن. هكذا تصبح القراءة، في أعمق معانيها، رحلة لفهم الإنسان، الإنسان الذي يبدأ بفهمه هو دائمًا نفسه.

***

عبد الرحمن مزيان - كاتب مغربي

 

قد تبدو كلمة “المبتسرون” للوهلة الأولى عادية لا تستوقف الانتباه، غير أن أروى صالح تفتحها على اتساع يتجاوز الطب إلى سؤال الوجود نفسه، فتصير الكلمة حفرة في الوعي لا تشبه معناها الأول. هي لا تشير إلى الولادة المبكرة بقدر ما تشير إلى الوعي المبكّر؛ ذلك الوعي الذي يُقذف بصاحبه إلى ساحة المعنى قبل أن تنمو فيه عضلة القراءة أو رئة الشكّ. جيل خرج من زمن مهزوم يبحث عن نصر، ومن زمن منتصر يبحث عن معنى… فوقع بينهما بلا سند.

الكلمة هنا ليست توصيفًا عابرًا؛ هي تشخيص لنوع من الوجود الذي لم يكتمل، لأن الزمن الذي صاغه كان هو نفسه غير مكتمل.

كتاب “المبتسرون: دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية” ليس بحثًا في التاريخ ولا دفاعًا عن سيرة شخصية؛ إنه اعتراف جماعي يُكتب بصوت فرد قرّر، على نحو فادح، أن يفضح نفسه ورفاقه في آن.

منذ السطور الأولى، تُلمّح أروى إلى أن ما تكتبه ليس "تاريخ الحركة الطلابية”، بل “خبرة جيل” يرى نفسه الآن من الخارج… كأنها تنظر إلى تلك الفتاة الصغيرة، الدقيقة القامة، التي خرجت من بيت برجوازي لتقود تظاهرات ميدان التحرير، ثم تتابعها وهي ترجع إلى بيتها محمّلة بالهتاف وبالخذلان معًا…

المبتسر هنا ليس جيلًا فقط؛ انها صاحبة هذه الدفاتر نفسها: امرأة تكتشف أنها عاشت عمرها كله داخل سردية نضالية لم تكن لها حاضنة حقيقية، فقرّرت أن تُغلق الحاضنة من الداخل… بالقفز من الطابق العاشر لتنهي حياتها.

أروى لم تقدّم جيل السبعينيات كـ“بطولة ضائعة”، بل قدّمته كجرح مفتوح في جسد الحياة السياسية المصرية؛ جيل بدأ وعيه السياسي في ظل هزيمة ١٩٦٧، وانفجر حلمه في تظاهرات ١٩٧٢ و١٩٧٣، ثم استيقظ في زمن السادات ليجد أن الأرض التي ظنها صلبة كانت أرضًا رخوة تُخفي تحتها مستنقع مصالح، وأن الذين هتفوا باسم الشعب كانوا يهربون من مواجهة أنفسهم، وكانوا — في جانب من جوانبهم — يفاوضون أيضًا على مقاعد مريحة في قلب البرجوازية الجديدة.

أقسى ما في الكتاب أنه ينسف “الميثولوجيا النضالية” التي نشأت حول جيل السبعينيات. في الخطاب العام، ذلك الجيل هو جيل “الطلاب الذين مثّلوا الشعب”، و“أصحاب الهتاف النقي”، و“أبناء الهزيمة الذين حوّلوها إلى طاقة”.

أروى تأتي من قلب هذا الجيل لتقول: لا، لم نكن أنقياء كما نحب أن نتذكّر أنفسنا. لقد “قبضنا ثمن وطنيتنا قبل أن ندفع ثمنها”، تسلّمنا شهادة البطولة قبل أن نخوض معركة حقيقية، وتصرّفنا طويلًا كطليعة لشعب لم نختبر نحن أنفسنا عمق آلامه.

في هذا التفكيك القاسي يتردّد صدًى قريب لكلمات غرامشي عن “المثقّف الذي لا يستطيع أن يربط مصيره الشخصي بمصير الطبقة التي يتحدث باسمها، فيتحوّل إلى معلّق بين السماء والأرض”… وهذه التعليقة هي جوهر المبتسر.

تضع أروى جيلها بين جيلين: الستينيات، حيث الدولة تقمع باسم الشعب، والسبعينيات، حيث الدولة تنقلب تدريجيًا على نفسها وتبيع “الانتصار” في حرب ١٩٧٣ كسلعة سياسية، لتفتح بعدها باب الانفتاح الاقتصادي وتترك أبناء الهزيمة يواجهون فراغ المعنى.

في هذا الفراغ تبدو الحركة الطلابية كطفرة قصوى في “منحنى الحلم”: لحظة اعتقد فيها هؤلاء الشباب أنهم يمثلون الشعب، وأن الهتاف في الجامعة هو نطق التاريخ نفسه، وأن شعار “الحرب الآن” يختصر العدالة كلها. ثم بدأ كل شيء يتراجع إلى الخلف: السلطة تعقد صفقات، القيادات تتوزع على المناصب، والمقهى يتحوّل إلى برلمان اليائسين.

هنا يتشكّل وعي المبتسر: وعي عاش ذروة الحلم قبل أن يملك أدوات تحمّل الفشل.

في فصل “المثقف متشائمًا”، تمارس أروى أكثر عمليات التشريح صفاء وقسوة. المثقف الذي تلتقط صورته ليس بطلًا تراجيديًا؛ هو كائن مهزوم يتلذذ بهزيمته، يتباهى بقدرته على وصف الخراب بينما يعيش داخله في ترف صغير. يرفض “أخلاق كل الطبقات” لكنه لا يملك بديلًا، يسخر من البرجوازية وهو يسكن شققها، يلعن الاستهلاك وهو يطارد فرص الظهور في الصحف والندوات، ويكتب عن “الطبقة العاملة” وهو لم يقترب يومًا من عرقها وجلدها. هذا المثقف متشائم ليس لأن الواقع قاتم؛ فالتشاؤم صار جزءًا من صورته عن نفسه، وجزءًا من الأسطرة السياسية التي يَعرض بها بضاعته في السوق الثقافي.

هنا تحضرني جملة روزا لوكسمبورغ: “الحرية دائمًا هي حرية من يفكّرون بشكل مختلف”. لكن حرية الماركسي الذي تتحدث عنه أروى ليست حرية المختلف؛ بل حرية من يفرض على الجميع أن يتشابهوا مع صورته عن “الثوري الحقيقي”.

في التنظيم يُقمع السؤال باسم “الانضباط”، وفي الشارع تُفرض شعارات جاهزة على جماهير لا يُسمع صوتها إلا حين يوافق ما في رأسه، وفي البيت يعاد إنتاج الأبوية بأشد صورها فجاجة. هذه الفصيلة من المثقفين تُحاكمها أروى لا من موقع الخصومة السياسية، بل من موقع الشاهدة التي عاشت بينهم، وشربت معهم الشاي المر في مقاهي وسط البلد، وصدّقتهم… ثم اكتشفت أن تشاؤمهم لم يكن حكمة؛ كان سترًا لجبن عميق.

وحين تنتقل إلى “المثقف عاشقًا”، تسحب أروى ورقة التوت الأخيرة عن هذا الكائن. هنا يظهر الوجه الأكثر فداحة للمبتسرين: الوجه الذي يخلط بين الجسد والأيديولوجيا، بين الحب والخطاب الثوري، ليخرج من ذلك كله بمعادلة رخيصة كتبتها أروى بلا تجميل: “تحرير المرأة هي أرخص وسيلة للحصول عليها… الحب المتحرر هو الحب الرخيص”.

الجملة ليست شتيمة فقط؛ هي كشف لمسرح كامل: مقهى، كوب شاي، حديث طويل عن الحرية، مديح لعقلية “المناضلة”، ثم طريق ينتهي إلى سرير يُقدَّم بوصفه امتدادًا للتحرر. الجسد الأنثوي يغدو هنا آخر مستعمرة يسيطر عليها اليسار بعد أن خسر معظم معاركه في السياسة.

تفكيك أروى لا يكتفي بفضح النفاق، بل يفتح سؤالًا وجوديًا عن العلاقة بين الأيديولوجيا والجسد. ماذا يحدث حين تُحمَّل علاقة حب هشّة بحمولة خطاب “التحرر” و“المساواة”؟ ماذا يحدث حين يتحول الجسد إلى مسرح يختبر فيه اليساري رجولته و“تقدميته” في آن واحد؟

في هذا المزيج تصبح المرأة قربانًا لصعوده الطبقي، شاهدة صامتة على انتقاله من مقاعد الاتهام إلى موائد السلطة. وحين تحاول أن تتكلم، تُتهم بأنها “برجوازية”، أو “رجعية”، أو بأنها لم تفهم جوهر التحرر بعد. هكذا تكشف أروى أن الهزيمة لم تكن في ميدان السياسة وحده، بل في أدق مفاصل الحياة الخاصة؛ وأن التحرر الذي لم يبدأ من الجسد لن يصل إلى المجتمع، وسيظل شعارًا معلقًا في لافتات حزبية باهتة.

في ثنايا الكتاب تتجاور ثلاث طبقات من الفشل: فشل مشروع التحرر الوطني حين تحول إلى دولة بوليسية؛ فشل الماركسية حين ذاب جزء كبير منها في امتيازات الدولة والاقتصاد؛ وفشل الذوات الفردية التي لم تملك شجاعة مواجهة هذا كله إلا على هيئة نكات سوداء أو انسحاب عدمي.

أروى تكتب من منطقة لا تمنح نفسها فيها حصانة أخلاقية. هي جزء من هذا الفشل، ضحية وجانية في آن. تروي كيف صدّقت البلاغة الثورية المطمئنة، وكيف دفعت ثمنًا باهظًا في علاقتها بنفسها وبالآخرين، ثم قررت أن تنتقم لا بالفضيحة فقط، بل أيضًا بهذا الانسحاب النهائي من العالم.

انتحارها في صيف ١٩٩٧، بعد يوم واحد من ذكرى نكسة ١٩٦٧، يبدو وكأنه تركيب مقصود للتواريخ… كأنها تربط بنفسها بين هزيمتين: هزيمة جيل أمام العدو الخارجي، وهزيمته أمام نفسه.

الموت هنا ليس مأساة فردية فقط، بل فصل أخير في سردية المبتسرين: جيل وُضع في الحاضنة التاريخية بدرجة حرارة خاطئة، فخرج إلى العالم بنصف حياة، نصف رئة، نصف إيمان. كأن الرسالة تقول: لقد جرّبنا كل أشكال الإنكار، من تقديس ناصر إلى تمجيد يناير، من الزيف القومي إلى الزيف الثوري… ولم يبق إلا أن نعترف بأن هشاشتنا هي جوهر الحكاية، لا هامشها.

وكما قال والتر بنيامين: “كل وثيقة حضارة هي في الوقت نفسه وثيقة همجية”. كتاب أروى وثيقة حضارة بالمعنى الأجمل: لغة ثرية، حساسية عالية، قدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة في المقاهي والمظاهرات والعلاقات الحميمة. وفي الوقت نفسه هو وثيقة همجية، لأن ما تصفه من كعوب تدوس على الأحلام وأفواه تتغذى على دمعة الآخرين يكشف مقدار العنف الذي كان مستترًا خلف صور الشهداء واللافتات والقصائد.

“المبتسرون” بهذا المعنى مرآة لسردية يسار عربي أحب أن يرى نفسه ضمير الأمة. غير أن صوته، حين يُجرَّد من زينته الخطابية، يخرج مبحوحًا، مترددًا، ومثقلًا بديون لم تُسدَّد.

مع ذلك، لا يتركنا الكتاب في فراغ كامل. خلف الغضب، خلف الفضح، خلف اللغة التي تشبه أحيانًا ضربات مطرقة على جدار متصدع، هناك إصرار على سؤال يتكرر بإلحاح: كيف يمكن ألا يتكرر المبتسرون؟

كيف يمكن لجيل جديد ألا يُلقى به في هواء التاريخ بلا رئتين؟

أروى لا تقدم جوابًا جاهزًا، لكنها تترك إشارات صغيرة: أن نرى القضية الوطنية بوصفها مشروع عدالة لا تمثالًا لقائد؛ أن نتوقف عن استيراد الماركسية كزينة لغوية؛ وأن نتذكر ما قاله غرامشي عن أن المثقف لا يصبح عضويًا إلا حين يبني مع الناس تنظيمًا للحياة، لا حين يبني لهم أسطورة عن نفسه. وكذلك ضرورة أن تُصاغ علاقات الرجال والنساء خارج الطلاء التحرري الذي يلمع شعاراته من الخارج ويخفي في داخله أشكال العنف القديمة.

المبتسرون ليسوا جيل أروى وحده.

كل مرة نرفع فيها شعارًا أكبر من قدرتنا على تحمّل تبعاته نكون مبتسرين.

كل مرة نعلن ثورة ولا نبني لها مؤسسات نكون مبتسرين.

كل مرة نطالب بالحرية ولا نعترف بحق المختلف نكون مبتسرين.

المبتسر ليس فقط من وُلد قبل أوانه، بل من رفض أن يكبر حين جاء وقته، من آثر البقاء داخل حاضنة الشعارات اللامعة — قومية كانت أو دينية أو يسارية — على أن يتحمل وطأة النضج.

ربما تكون هدية أروى لنا، نحن الذين جئنا بعدها بزمن، أنها نقلت كلمة “المبتسرون” من قاموس الطب إلى قاموس الوعي.

لم تعد تشير إلى طفل يلهث على سرير المستشفى، بل إلى أجيال كاملة تتنفس عبر أجهزة اصطناعية اسمها “الزعيم”، “الحزب”، “القضية”، بينما القلب الحقيقي — قلب العدالة والحرية والكرامة — لا يزال يتعلم كيف ينبض وحده.

أن نقرأ “المبتسرون” اليوم يعني أن ننظر في المرآة دون مكياج،

أن نرى هشاشتنا بلا زينة،

وأن نسأل بهدوء موجع:

هل سنظل نكرر مصائر المبتسرين…

أم سنجرب هذه المرة أن نسمح للحلم بأن ينضج،

حتى لو كلّفنا ذلك مواجهة أطول، وجرحًا أعمق،

ووحدة أقل صخبًا من كل الزخارف الثورية التي أدمنّاها؟

***

إبراهيم برسي

دراسة تحليلية تطبيقية في ضوء التجديد الدلالي

مقدّمة: شهدت الدراسات الأدبية الحديثة تحوّلًا منهجيًا ملحوظًا تمثّل في الانتقال من قراءة النصوص بوصفها بنيات لغوية مغلقة إلى النظر إليها بوصفها فضاءات دلالية مفتوحة تتقاطع فيها الذاكرة بالتاريخ، والتجربة بالهوية، واللغة بالتأويل. وفي هذا السياق يبرز مفهوم الأثر باعتباره مفهومًا إجرائيًا يسمح بفهم الكيفية التي يستمر بها النص في إنتاج المعنى عبر الزمن.

فالأثر، في المنظور التأويلي المعاصر، لا يُختزل في كونه بقايا زمنٍ منقضٍ، بل هو حضورٌ متجدّد يتشكّل عبر فعل القراءة. ومن ثمّ فإن النص الأدبي لا يُقرأ بوصفه شهادةً على الماضي فحسب، بل بوصفه بنيةً دلاليةً حيّة تظل قابلة لإعادة التأويل.

وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى كتاب Al-Ayyam بوصفه نموذجًا تطبيقيًا غنيًا لدراسة العلاقة بين الأثر والمعنى في النص السيري العربي الحديث. فالسيرة التي كتبها طه حسين لا تكتفي بتسجيل وقائع الطفولة، بل تعيد تشكيل تجربة إنسانية وثقافية تتقاطع فيها الذاكرة الفردية بالذاكرة الجماعية، والمعاناة الشخصية بالمشروع التنويري.

ومن هنا تسعى هذه الدراسة إلى تقديم قراءة تحليلية تطبيقية تكشف عن دينامية إنتاج المعنى في النص من خلال الجمع بين الإطار النظري والزاوية التحليلية والتحليل الأسلوبي والبلاغي.

أولًا: الإطار النظري لمفهوم الأثر والمعنى

1. الأثر في الفلسفة التأويلية

أعاد الفكر التأويلي المعاصر النظر في مفهوم الأثر، فانتقل به من دلالته المادية المرتبطة ببقايا الماضي إلى دلالة معرفية تتصل بإنتاج المعنى.

يرى Paul Ricoeur في كتابه Memory, History, Forgetting أن الذاكرة ليست مجرد استرجاع للأحداث الماضية، بل هي عملية تأويلية يعاد فيها تشكيل الماضي داخل بنية السرد. فالسرد، في نظره، يمنح الزمن الإنساني شكله ومعناه.

ومن ثمّ فإن النص الأدبي يصبح أثرًا سرديًا يعيد تنظيم التجربة الإنسانية داخل خطاب حكائي قابل للتأويل.

2. الأثر في اللسانيات البنيوية

أما في التصور البنيوي للدلالة، فإن المعنى لا يتحدد بذاته بل يتشكل من خلال العلاقات التي تربط العلامات اللغوية داخل النسق.

وقد بيّن Ferdinand de Saussure في كتابه Course in General Linguistics أن العلاقة بين الدال والمدلول علاقة اعتباطية، وأن الدلالة تتولد داخل شبكة العلاقات الاختلافية بين العلامات.

وهذا ما يسمح للنص الأدبي بإعادة إنتاج المعنى عبر إعادة ترتيب النسق الدلالي للكلمات.

3. الأثر في الفلسفة التفكيكية

تعمّق مفهوم الأثر في الفلسفة المعاصرة مع أعمال Jacques Derrida الذي رأى أن النصوص لا تحمل معنى نهائيًا ثابتًا، بل تظل مفتوحة على تعددية القراءة. فالمعنى يتشكل عبر شبكة من الآثار التي تشير إلى حضور وغياب في آن واحد.

وبذلك يصبح الأثر بنية دلالية دينامية تسمح للنص بالاستمرار في إنتاج المعنى.

ثانيًا: الأثر بوصفه ذاكرة حيّة للمعنى في الأيام

تتجلّى طبيعة الأثر في Al-Ayyam منذ الصفحات الأولى للنص، حين يعترف الكاتب بحدود الذاكرة الإنسانية، فيقول:

"لا أذكر لهذه الحياة أولًا، وإنما أذكر منها صورًا وأطيافًا لا أكاد أستطيع لها تحديدًا."

تكشف هذه العبارة عن أن الذاكرة لا تعمل بوصفها سجلًا تاريخيًا دقيقًا، بل بوصفها بنية شعورية تتكوّن من صور وأطياف متقطعة.

فالطفولة في النص لا تُستعاد بوصفها أحداثًا مكتملة، بل بوصفها أثرًا وجدانيًا يعاد تشكيله عبر الكتابة. ومن هنا يغدو النص أثرًا مزدوجًا:

أثر ذاتٍ تستعيد طفولتها.

وأثر مجتمعٍ يعيد تمثيل ذاته داخل السرد.

ثالثًا: الأثر والكتابة – من التجربة إلى التمثّل الثقافي

تمارس الكتابة في الأيام وظيفة تحويلية عميقة؛ إذ تنقل التجربة من حيّز المعاناة الفردية إلى حيّز التمثّل الثقافي.

فقد شكّل العمى أثرًا جسديًا حاسمًا في حياة طه حسين، غير أن النص يحوّل هذا الأثر إلى دلالة رمزية ذات أفق معرفي.

يقول الكاتب:

"كنتُ أجد في الظلمة التي تحيط بي لونًا من ألوان النور."

تكشف هذه المفارقة الدلالية عن عملية إعادة بناء رمزي للتجربة، حيث يتحول العمى من علامة نقص إلى علامة بصيرة معرفية.

وهكذا تتحول التجربة الفردية إلى خطاب إنساني يعيد التفكير في العلاقة بين المعرفة والحواس.

رابعًا: الأثر بوصفه مساءلة ثقافية

لا تقف السيرة في الأيام عند حدود التجربة الشخصية، بل تنفتح على نقد البنية الثقافية للمجتمع المصري في مطلع القرن العشرين.

يقول الكاتب في وصفه للتعليم التقليدي:

"كان الشيخ يقرأ، وكنا نردّد وراءه، لا نفهم إلا قليلًا، ولا نعي إلا بعضًا."

تعكس هذه العبارة نقدًا واضحًا لطرائق التعليم القائمة على الحفظ والتلقين، وهو ما دفع طه حسين لاحقًا إلى الدعوة إلى إصلاح التعليم في كتابه The Future of Culture in Egypt.

ومن هنا يتحول النص إلى خطاب نقدي إصلاحي يتجاوز حدود السيرة الذاتية.

خامسًا: الزاوية التحليلية – مستويات الأثر في النص

يمكن مقاربة النص من زاوية تحليلية تقوم على ثلاث مستويات رئيسة للأثر:

1. الأثر بوصفه تجربة حسية

ويظهر ذلك في تجربة العمى والفقر والحرمان التي عاشها الكاتب في طفولته.

2. الأثر بوصفه ذاكرة سردية

حيث يعيد الراوي بناء أحداث الطفولة في بنية حكائية تمنحها دلالتها.

3. الأثر بوصفه مشروعًا ثقافيًا

إذ يتحول السرد إلى خطاب نقدي يعكس رؤية تنويرية للمجتمع.

سادسًا: التحليل الأسلوبي للنص

1. ضمير الغائب وبناء المسافة السردية

يلجأ طه حسين إلى استعمال ضمير الغائب في الحديث عن نفسه، فيقول مثلًا: "كان الصبي…".

ويؤدي هذا الأسلوب إلى خلق مسافة تأملية بين الراوي والشخصية، تسمح بإعادة قراءة التجربة من منظور نقدي.

2. البنية الزمنية للسرد

يقوم السرد في الأيام على تداخل زمني بين زمن التجربة وزمن الكتابة. فالأحداث الماضية تُروى من منظور الوعي الناضج، مما يمنحها دلالات جديدة لم تكن واضحة في لحظة حدوثها.

3. الاقتصاد اللغوي والتكثيف الدلالي

يمتاز أسلوب النص بلغة واضحة لكنها مشحونة بالإيحاء، حيث تتحول الجمل القصيرة إلى حوامل لمعانٍ رمزية عميقة.

4. تعدد الأصوات في الخطاب السردي

يتجاور في النص صوت الطفل وصوت الراوي البالغ، وهو ما يمنح السرد طابعًا حواريًا.

وقد أشار Mikhail Bakhtin في كتابه The Dialogic Imagination إلى أن تعدد الأصوات داخل النص السردي يؤدي إلى توسيع أفق المعنى وفتح المجال أمام قراءات متعددة.

سابعًا: التحليل البلاغي للنص

إلى جانب خصائصه السردية، يعتمد النص على مجموعة من الآليات البلاغية التي تسهم في تعميق دلالته، ومن أبرزها:

1. المفارقة الدلالية

كما في قول الكاتب:

"كنت أجد في الظلمة التي تحيط بي لونًا من ألوان النور."

حيث تتحول الظلمة إلى مصدر للنور المعرفي.

2. الصورة الرمزية

فالعمى في النص ليس مجرد حالة جسدية، بل رمز للمعاناة التي تتحول إلى معرفة.

3. الاستعارة المعرفية

تتحول مفاهيم مثل النور والظلمة إلى استعارات تشير إلى المعرفة والجهل.

خاتمة

تكشف القراءة التحليلية لكتاب Al-Ayyam أن النص يتجاوز حدود السيرة الذاتية ليغدو فضاءً دلاليًا غنيًا تتفاعل فيه الذاكرة بالهوية، والتجربة الفردية بالمشروع الثقافي.

لقد استطاع طه حسين أن يحوّل أثر العمى إلى بصيرة معرفية، وأثر الطفولة إلى مشروع تنويري، وأثر المعاناة إلى خطاب ثقافي مؤسس.

ومن ثمّ فإن النص يمثل مثالًا بارزًا على قدرة الأدب على تحويل التجربة الإنسانية إلى معرفة، وعلى جعل الأثر طاقة دلالية متجددة تستمر في إنتاج المعنى عبر الزمن.

***

بقلمي: ربى ربعي – الأردن

..........................

المراجع

- طه حسين، Al-Ayyam، دار المعارف.

 

قراءة في كتاب "منامات الوهراني" للمؤلف محمد بن محمد محرز الوهراني

ليست مسألة انتشار الأدب المشرقي وتراجع حضور الأدب المغاربي دليلا على تفوّق الأول أدبيا بقدر ما هي نتيجة لظروف تاريخية وثقافية. فقد تشكّلت مراكز السلطة والعلم في مدن المشرق مثل بغداد والبصرة، حيث نشأت شبكات العلماء والمدارس التي قامت بنسخ الكتب وتعليمها، فانتشرت أعمال مثل مقامات الحريري انتشارا واسعا. في المقابل ظلّ الأدب المغاربي يُنتج في فضاء أبعد عن المركز الثقافي، رغم ازدهاره في حواضر مثل القيروان وفاس، فكان حضوره أضعف في التداول لا في القيمة. ومع ذلك قدّم أدباء المغرب نصوصا عميقة وجريئة في النقد الاجتماعي، كما يظهر في مقامات الوهراني، مما يدلّ على أن الفارق كان في مركزية الانتشار لا في قوة الإبداع .

"دخلتُ بغدادَ، دارَ الخلافة، ومعدنَ الظرف واللّطافة، ومجمعَ العلم والظرافة، فإذا الأسواقُ تفيضُ بالحرفيين والباعة، وإذا القصورُ تزهو بالعلماء والمحدثين، وإذا الحدائقُ تهتفُ بالزهور والأطيار، وإذا المجالسُ تصفقُ بالخطابة والحِكمة. ورأيتُ العلماءَ في حلقهم، يتناوبون على المباحث، يتبادلون الشعرَ والبلاغة، يتذاكرون الأخبار، فينساب العلمُ كالنهر الجاري، فتروى النفوس وتشرب العقول. وأقمتُ في ظل خليفةٍ عادل، ينشر العدل ويطفئ نار الباطل، فلا يظلم فقيرٌ ولا يستبد غنيٌّ، ويعلو كلامُ الحقِّ فوق صوتِ الفساد. وبها من كل فنٍّ طائفة، ومن كل علمٍ عارفة، فإذا الفقيه في المسجد، وإذا الحكيم في المجلس، وإذا الشاعر في السوق، وإذا التاجر في الدار، وكلٌ منهم يضفي على المدينة لونًا من الحياة. ورأيتُ بعض الأدباء يتباهون بالعلم، ويختلط الحابل بالنابل، فيظن الواحد منهم نفسه علماً قائمًا بذاته، ولا يعلم أن العلوم بحورٌ والغُرور زورق صغير لا يطفو عليها."

هكذا تبدأ المقامة البغدادية للأديب محمد بن محمد محرز الوهراني، الأديب الجزائري الأصل من مدينة وهران في المغرب الإسلامي، الذي عاش في القرن السادس الهجري، أي ما يقابل تقريبا القرن الثاني عشر الميلادي. كان الوهراني من أبرز كتاب المقامات بعد بديع الزمان الهمذاني والحريري، وقد عاش في زمن الدولة الأيوبية وبرزت شهرته أثناء حكم القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، ما أتاح له أن يرى عن كثب الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في المشرق العربي ويصورها بأسلوب أدبي فني بليغ.

المقامات الوهرانية هي نصوص أدبية تجمع بين السرد القصصي والسجع البلاغي والخيال الأدبي والنقد الاجتماعي، مع مدح سياسي وإشارات أدبية متنوعة، وتظهر فيها قدرة الوهراني على المزج بين السخرية والحكمة والبلاغة. تعكس المقامات وصف المدينة وحيواتها من الأسواق والقصور والحدائق والمجالس العلمية، وتصور العلماء والأدباء في حلقات العلم والمجادلات الأدبية، وتجعل من العلم نهرًا يروى النفوس ويشرب العقول، بينما يظهر النقد الاجتماعي في سخرية الوهراني من الأدباء المتباهين بعلمهم وغرورهم، كما في استعارة البحار والزورق الصغيرة.

يشمل كتاب الوهراني مجموعة واسعة من المقامات والرسائل، منها مقامات وصف المدن مثل بغداد وصقلية، ورسائل ساخرة على ألسنة الحيوانات والأشياء كالرقعة على لسان البغلة وخطبة المأذنة ورسالة الطير، بالإضافة إلى رسائل إلى القضاة والوزراء والأمراء، والتي تتناول موضوعات اجتماعية وسياسية وتجمع بين النقد والمديح والفكاهة. ويعكس الكتاب الثقافة الواسعة للوهراني، مع إشارات إلى القرآن، الشعر، الأمثال، والعلوم المتنوعة، ويعد مرجعًا مهمًا لفهم الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في القرن الثاني عشر الميلادي.

من خلال هذا الكتاب، يظهر الوهراني كأديب ساخر وفيلسوف مجازي، يمتاز بجرأته الأدبية، وحسّه الفكاهي، ومهارته البلاغية، ويبرع في خلق صور حيّة للمدينة والمجتمع والطبقات المختلفة، ويثبت مكانته كأحد أعظم كتّاب المقامات في التراث العربي. إن قراءة الكتاب تعطي القارئ تجربة فريدة تجمع بين المتعة الأدبية والفائدة التاريخية والثقافية، وتبرز الوهراني كأحد المبدعين الذين نقلوا فن المقامة إلى آفاق جديدة، مع المحافظة على الروح النقدية والخيال الأدبي العميق.

يعدّ كتاب المقامات الوهرانية مرجعا أدبيا شاملا، يجمع بين وصف المدن، الحياة الثقافية والاجتماعية، النقد الساخر، المدح السياسي، والخيال الأدبي، ليقدّم صورة متكاملة عن المجتمع في العصر الأيوبي، ويبرز براعة الأديب الوهراني في المزج بين البلاغة والفكاهة والحكمة، ويعد نموذجا رائدا للأدب العربي الساخر في القرن الثاني عشر الميلادي.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

أو تشريح الحلم الأميركي من الداخل

في سنة 2025 أصدرت دار Éditions Grasset كتاب «الجزء المتوحّش» للصحافي والناقد الفرنسي مارك ويتزمان، وهو عمل يتخذ من العلاقة التي جمعته بالروائي الأميركي فيليب روث مدخلا لطرح أسئلة تتجاوز حدود السيرة الشخصية إلى تخوم الفلسفة السياسية ونقد الحداثة الأميركية. الكتاب لا يكتفي بإضاءة صداقة امتدت من 1999 إلى 2018، بل يحوّل تلك الصلة إلى مختبر فكري تُفكَّك فيه أساطير الهوية، وسرديات الاندماج، وتوترات الديمقراطية المعاصرة، في سياق بلغ ذروته الرمزية مع صعود دونالد ترامب.

لا يقدّم ويتزمان ذكرياته بوصفها مادة حميمية مستقلة، بل يجعلها أداة معرفية لفهم النص الروائي، حيث الصداقة تتحول إلى موقع تأويلي، وإلى زاوية رؤية تكشف ما يختبئ بين السطور. هذا الاختيار يضع العمل في تماس مع تصور بول ريكور للهوية السردية؛ فالذات تُبنى عبر الحكي، وتتعرّف إلى نفسها من خلال إعادة تركيب خبراتها في صيغة قصة. ويتزمان، وهو يروي روث، يعيد بناء موقعه كقارئ وكمثقف أوروبي يطل على أميركا بعين مزدوجة: عين الإعجاب بعنفوان التجربة الديمقراطية، وعين القلق من تشققاتها.

ومن زاوية أخرى، يتقاطع هذا المسار مع تصورات يورغن هابرماس حول الفضاء العمومي، حيث يغدو الأدب مجالا يتداول فيه المجتمع أسئلته الأخلاقية والسياسية. روايات روث لا تُقرأ باعتبارها تخييلا محضا، بل باعتبارها مساهمة في النقاش العمومي حول معنى الانتماء، وحدود الحرية، وشرعية السلطة.

في قراءته لرواية «الوصمة البشرية»، يكشف ويتزمان عن عمق المعضلة التي يشتغل عليها روث: الهوية ليست جوهراً مستقراً، بل بناء هشّ يخضع لقوى التصنيف والرقابة الاجتماعية. الشخصية التي تخفي أصولها الأفريقية وتعيش بهوية بيضاء تجسّد ما يمكن تسميته "دراما الأداء الاجتماعي"، حيث يتحول الانتماء إلى مسرح تُفرض فيه أدوار محددة.

هذا التحليل يستدعي أصداء أفكار ميشيل فوكو حول إنتاج الذوات عبر شبكات السلطة، كما يلامس أطروحات ستيوارت هول التي ترى الهوية سيرورة تاريخية متغيرة. قراءة ويتزمان تضيف بعداً جدلياً: المجتمع الأميركي الذي يعلن مساواته القانونية يحمل في بنيته رواسب تصنيفية تظل قابلة للانفجار في كل لحظة.

عند تناوله لرواية «التآمر على أميركا»، يتوقف ويتزمان عند تقنية التاريخ البديل، حيث يُفترض وصول الطيار ليندبيرغ إلى الرئاسة بدل فرانكلين روزفلت. هذا الافتراض لا يُستثمر كحيلة تخييلية فحسب، بل كاختبار لمرونة النظام الديمقراطي. الديمقراطية تُقدَّم هنا ككائن حيّ قابل للانزلاق نحو السلطوية.

نفس المنحى يتقاطع مع تحليلات حنة آرندت حول نشأة الشمولية من داخل المجتمعات الحديثة، ومع دفاع كارل بوبر عن "المجتمع المفتوح" الذي يظل مهدَّداً بأعدائه من الداخل. قراءة ويتزمان تضفي بُعداً راهناً على هذه الإشكالية، إذ يرى في صعود الشعبوية المعاصرة امتداداً لتلك الإمكانية الكامنة في بنية الديمقراطية الأميركية.

في تحليله لرواية «الرعوي الأميركي»، يبرز ويتزمان التصدع القائم بين مثال الاندماج الناجح وتمرد الجيل الجديد. العنف الذي تمارسه الابنة احتجاجاً على حرب فيتنام يكشف عن شقّ داخلي في سردية التقدم. المجتمع الذي يعد بالرخاء والاستقرار يحمل في داخله توترات لا تُحلّ بسهولة.

ويمكن قراءة هذا التوتر في ضوء أفكار سيغموند فرويد حول العنف المكبوت في الحضارة، كما يجد صداه في نقد هربرت ماركوزه للمجتمع الصناعي الذي يُنتج الامتثال بقدر ما يولّد الرغبة في الرفض. "الجزء المتوحش" الذي يتحدث عنه ويتزمان يحيل إلى تلك الطاقة الكامنة التي ترافق مشروع الحداثة الأميركية، وتكشف حدود قدرتها على احتواء تناقضاتها.

ينتهي ويتزمان إلى أن أدب روث التقط إشارات القلق قبل أن تتحول إلى ظواهر سياسية صريحة. الرواية تُقرأ هنا كفضاء استشرافي، يختبر سيناريوهات المستقبل في شكل سردي. هذا التصور ينسجم مع رؤية تيودور أدورنو الذي رأى في الفن معرفة سلبية تكشف ما تعجز اللغة السياسية المباشرة عن قوله.

إن كتاب «الجزء المتوحّش» يفتح بهذا الامتداد الفلسفي، نقاشا يتجاوز العلاقة بين ناقد وكاتب، ليطرح سؤالاً أوسع: هل يمكن للسرد أن يكون أقدر على تشخيص مصير الديمقراطية من التحليل السياسي؟ وهل تكشف الرواية ما يتوارى في اللاوعي الجمعي قبل أن يتجسد في صناديق الاقتراع؟

إنه عمل يضع الأدب في قلب الجدل حول مستقبل الحداثة الغربية، ويقترح أن ما يُكتب في عزلة الكاتب قد يتحول إلى مرآة دقيقة لاضطرابات التاريخ.

***

د. مصطفى غَلْمان

تأليف: عبد السَّلام عبد الكريموفيتش غوسينوف*

ترجمة: د. علي صغير**

***

تَكْمُنُ مَأْساوِيَّة الوجود الإنسانيِّ، مِنْ وجهة نظر الكاتب والمفكِّر الرُّوسيِّ المرموق ل. ن. تولستوي (1828-1910)، في التَّناقض بين حَتْمِيَّة الموت والشَّغف المُلازم للإنسان بالخُلود المنبثق عن ماهِيَّته العاقلة. ويتجسَّد هذا التَّناقض، بأوضح ما يكون، في السُّؤال عن مَعْنى الحياة - وهو سؤالٌ يصل إليه العقل بسبب عدميَّة الحياة ونكدها. ويمكن صياغة هذا السُّؤال على النَّحو الآتي: "هل يوجد في حياتي ذلك المعنى الَّذِي لا يُدَمِّره موتي المُقْبل حتمًا؟" تولستوي ل. ن. الأعمال الكاملة. المُجلَّد 23. موسكو، 1957. ص 16-17. (ستُذكر جميع الإحالات في ما بعد إلى هذه الطَّبعة- تشير الأرقام قَبْلَ الفاصلة إلى المُجلَّد، وتُشير الأرقام بعد الفاصلة إلى الصَّفَحات). يرى تولستوي أنَّ حياة الإنسان تمتلئ بالمعنى بِقَدْرِ ما يُخْضِعُها لتحقيق إرادة الله. أمَّا إرادة الله فقد مُنِحَتْ لنا كقانون للمَحَبَّة الَّذِي يقف في مواجهة قانون العنف. قانون المَحَبَّة مطبوع في القلب الإنسانيِّ، وقد أدرك كُنْهَهُ مُؤَسِّسو الأديان والفلاسفة البارزون، وتَمَّ توضيحه بأكمل وأدَقِّ ما يكون في وصايا السَّيِّد المسيح. ينبغي للإنسان لكي يُخَلِّص نفسه وروحه من الفساد، ويمنح حياته معنًى لا يبطله الموت أنْ يَكُفَّ عن فِعْل الشَّرِّ وممارسة العُنْف، وأنْ يَكُفَّ عن ذلك مَرَّةً وإلى الأبد، بما في ذلك، وبشكل أساسيٍّ عندما يُصْبِح هُوَ نفسه هدفًا للشَّرِّ والعُنْف. لا تَرُدَّ بالشَّرِّ على الشَّرِّ، ولا تُقاوِم الشَّرَّ بالعُنْف - هذا هو أساس فلسفة حياة ليف نيكولايفيتش تولستوي.

إنَّ إبداع تولستوي كُلَّه بَعْدَ عام 1878 مُخصَّص، بشكل أو بآخر، للدِّين وأخلاقيَّات عدم المُقاوَمَة. يُمكن تقسيم الأعمال ذات الصِّلة (سنذكر فقط أهَمَّها) إلى أربع مجموعات: المجموعة الاعترافيَّة: "الاعْتِراف" (1879-1881)، "فيمَ إيماني؟" (1884)؛ المجموعة النَّظريَّة: "ما الدِّينُ وما جوهره؟" (1884)، "مملكة الله داخِلَكُم" (1890-1893)، "قانون العُنْف وقانون المَحَبَّة" (1908)؛ المجموعة المقاليَّة: "لا تَقْتُلْ" (1900)، "لا أستطيع السُّكوت" (1908)؛ المجموعة الأدبيَّة-الرِّوائيَّة: "موت إيفان إيليتش" (1886)، "السوناتا الكروتزرية" (1887-1889)، "البعث" (1889-1899)، "الأب سيرغيه" (1898).

ولادة تولستوي الثَّانية

تنقسم حياة تولستوي الواعِيَة - إذا ما افترضنا أنَّها بدأت مِنْ سِنِّ الثَّامنة عشرة، عندما غادر الشَّاب تولستوي مقاعد الدِّراسة في السَّنة الجامعيَّة الثَّانية وعندما صار، حسب اعترافه في "الاعتراف"، "لا يُؤْمِن بأيِّ شيء" مِمَّا علَّموه إيَّاه (23، 1) - إلى نصفين مُتَساوِيِيْنِ مُدَّة كُلٍّ منهما اثنان وثلاثون عامًا، يختلف نِصْفُها الثَّاني عن الأوَّلِ اختلاف النَّهار عن اللَّيلِ. يجري الحديث عن التَّحوُّل الَّذِي يشكِّل في الوقت نفسه إشراقًا روحيًّا وتبدُّلًا جذريًّا في الأُسُس الأخلاقيَّة للحياة. وفي هذا الصَّدد يكتب تولستوي في مؤلَّفه "فيمَ إيماني؟": "ما بدا لي من قبل جَيِّدًا، صار سيِّئًا، وما بدا من قبل سيِّئًا، صار جَيِّدًا. حدث لي ما يحدث لإنسان خرج لأمْرٍ ما وفجأةً قرَّر في الطَّريق أنَّه لا يحتاج إلى هذا الأمر على الإطلاق - فأقفل عائدًا إلى بيته. وكُلُّ ما كان على اليَمين أصبح على اليَسار، وكُلُّ ما كان على اليَسار أصبح على اليَمين" (23، 304).

لقد سار النِّصف الأوَّل من حياة ليف تولستوي، طَبْقًا لجميع المعايير السَّائدة، بشكل ناجح وسعيد للغاية. وتلقَّى باعتباره كونتًا بالميلاد تربيةً جيِّدةً وميراثًا كبيرًا. لقد أظهرت الطَّبيعة، وهي تعمل على تكوينه، كَرَمًا سخِيًّا: فاجتمعت في شخصه بنية جسديَّة قويَّة مع عبقريَّة فنِّيَّة وموهبة فلسفيَّة نادرة. كان مسار حياة الكونت تولستوي مليئًا بالشَّهوات الجامحة، والمجد العظيم، والثَّروة المتزايدة، والخِدمة المدنيَّة، والأفراح الأُسَرِيَّة - بِكُلِّ تلك المشاعر الدَّاخليَّة والنَّجاحات الخارجيَّة الَّتِي تُعَدُّ عادةً من أهَمِّ الدَّوافع والمبرِّرات اللَّائقة بالنَّشاط البشريِّ.

لقد دخل الحياة كممثِّل نموذجيٍّ لِنُخْبة النُّبلاء العُلْيا "أرباب الحياة" الَّذِين يَسألُون ولا يُسألُون عمَّا يفعلون ولا يتحمَّلون أيَّ مسؤوليَّة أمام أحدٍ من الخَلْقِ، والَّذِين يَحِقُّ لهم ما لا يَحِقُّ لغيرهم، فكان كُلُّ شيء متاحًا ومباحًا لهم. فقد تمتَّع أديبنا الموهوب في شبابه بحياة صاخبة، وأفرط في مُعاقرة الخَمْر ولَعْبِ القِمار ومُعاشَرة النِّساء وخوض المُبارزات، فذاق تمامًا حلاوة الملذَّات الحسِّيَّة والمشاعر القَوْيَّة. وإلى ذلك، خدم تولستوي في القوقاز بين عامَيْ 1851-1854، وشارك في الدِّفاع عن سيفاستوبول بَيْنَ 1854-1855، حَيْثُ برز كضابط شُجاع. ومع ذلك، كانت الكتابة هي نشاطه الرَّئيس - وهي من بين جميع أشكال الإبداع الفكريِّ الأكثر إجلالًا وتقدُّمًا في روسيا. لقد جلبت لَهُ القِصَص والرِّوايات الأُولى الَّتِي نُشِرَتْ في مجلَّة "سوفريمنِّيك" (المُعاصِر) الشَّهيرة بإشراف الشَّاعر الرُّوسيِّ نيقولاي نيكراسوف شُهْرَةً واسعة في البلاد، وبرواية "الحرب والسَّلام" و"آنَّا كارينينا" نال شُهْرَة عالميَّة. كانت مكانة تولستوي الكاتب في روسيا والعالَم لا جدال فيها، فقد أثْبَتَ جدارته، ورحَّب به الرَّأيُ العامُّ أعظم ترحيب بصفته مُعلِّمًا للحياة. على الرَّغْمِ مِنْ أنَّ الشُّهرة كانت تُسِرُّ كبرياء تولستوي، وأنَّ المُكافآت الكبيرة كانت تُعزِّز ثَرْوَته، فإنَّ إيمانه بدَوْرِ الكاتب بدأ يتزعزع. لقد رأى أنَّ الكتَّاب يؤدُّون دورًا ليس دورهم اللَّائق بهم: إنَّهم يُعلِّمون من دون أنْ يعرفوا ماذا يُعلِّمون، ويتجادلون باستمرار في ما بَيْنَهُم حَوْلَ مَنْ تكون حقيقته هي الأعلى وحُجَّته هي الأقوى؛ إنَّ قُوَّة حضور الدَّوافع الأنانيَّة في نشاطاتهم هي أكبر بكثير مِمَّا هي عليه عند النَّاس العاديّين الَّذِين لا يدَّعون لأنْفُسهم دَوْرَ مُرْشِدي المجتمع. ومِنْ غَيْرِ أنْ يتخلَّى عن الكتابة وكبرياء الكاتب، غادر بيئة الكُتَّاب في رحلة إلى الخارج استمَرَّت نصف عام (1857) انشغل بعدها بالنَّشاط التَّربويِّ بَيْنَ الفلَّاحين (1858-1863). وعَمِلَ خلال عام (1861-1862) وسيطًا محلِّيًّا في النِّزاعات بين الفلَّاحين ومَلَّاكيِّ الأراضي. لم يكن أيُّ شيء يُرضي تولستوي بالكامل ويروي ظمأه الرُّوحيَّ. فقد أصبحت الخيبات الَّتِي رافقت كُلَّ نشاط من أنشطته مصدرًا لاضطرابٍ داخليٍّ متزايد، ولم يَكُن في وسع رحلة جديدة إلى الخارج استمرَّت عَشَرَةَ أشْهْرٍ (1860-1861) أنْ تُنْقِذَه منه، ولا الهروب إلى السُّهوب البشكيريَّة لمُدَّة شهرين ونِصْف "لاستنشاق الهواء، وشُرْب الكوميس، والعَيْش حياة حيوانيَّة" (23، 10). وقد جنَّبه الزَّواج بصوفيا أندرييفنا بيرغي في أيلول/سبتمبر من العام 1862 الأزمة الرُّوحيَّة المتصاعدة. ومنحته الأُسرة إلى جانب أفراحه الخاصَّة حوافز جديدة للإبداع والنَّشاط الاقتصاديِّ.

أمَّا النِّصف الثَّاني من حياة ليف تولستوي الواعية فقد كان نفيًا للأوَّل. لقد وصل إلى قناعة مُفادها أنَّه، مِثْلَ مُعْظم النَّاس، عاش حياة تَخْلو مِنَ المعنى – عاش مِنْ أجْلِ نفسه. كُلُّ ما كان يُقدِّره – الملذَّات والشُّهرة والثَّروة والأولاد – عِرْضَة للزَّوال والنِّسيان. ويتبيَّن أنَّ كُلَّ هذا تافه من منظار لاتناهي العالَم. وفي ذلك يقول تولستوي: "تجدني كأنَّني عِشْتُ وعِشْتُ، وسِرْتُ وسِرْتُ حَتَّى وصَلْتُ إلى حافة هاوية، فأدرَكْتُ بوضوح أنَّ لا شيء يلوح في الأُفُق سِوى الهلاك" (23، 12). ليس الخطأ في خطوات معيَّنة في الحياة، بَلْ في اتِّجاهها نفسه، في ذلك الإيمان، أو بالأحرى عدم الإيمان الَّذِي يقوم عليه. إذن، ما عساه أنْ يكون ما هُوَ ليس كَذِبًا، وما هُوَ ليس عَبَثًا؟ وجد تولستوي الإجابة عن هذا السُّؤال في تعاليم يسوع المسيح. إنَّها تُعَلِّم الإنسان أنْ يخدم مَنْ أرسله إلى هذا العالَم – الله – وفي وصاياه البسيطة يُوَضِّح كيف يفعل ذلك.

استيقظ تولستوي على حياة جديدة، فتبنَّى بقلبه وعقله وإرادته وكُلِّ طبيعته الشَّغوفة البرنامج الأخلاقيَّ-الاجتماعيَّ للمسيح ونذر نفسه بالكامل لِاتِّباعه وتأسيسه والدَّعوة إليه.

في الحقيقة، لا تجد المسألة المتعلِّقة بأسباب هذا التَّغيُّر الجذريِّ الحادِّ في أركان حياة تولستوي، مثل جميع التَّغيرات من هذا النَّوع عُمومًا، تفسيرًا مُرْضِيًا. في الواقع، إذا تغيَّرت أُسُس الحياة بطريقةٍ يصير الإنسان فيها روحيًّا على الضِدِّ تمامًا مِمَّا كان عليه قبلًا، فهذا يعني بالضَّبط أنَّ الحالة الجديدة لا تنبع من القديمة، وليست استمرارًا لها. كان في الإمكان الافتراض أنَّ الحالة القديمة تحدِّد الحالة الجديدة بطريقة سلبيَّة محض، مُلْزِمةً إيّاه بفعل كُلِّ شيء بالعكس. ولكِنْ حَتَّى في هذه الحالة يبقى من غير الواضح من أين ينشأ وَعْيُ الشَّخص بسلبيَّة تجربته ومرارتها. في زمانه، عاش القدِّيس أوغسطينوس المُتخبِّط والحائر روحيًّا انقلابًا مُدْهِشًا حوَّلَه في لحظة من وثنيٍّ إلى مسيحيٍّ. وبعد التَّأمُّل مليًّا في أسباب هذا التَّحوُّل الَّذِي لم يجد له أيَّ أُسُس تفسيريَّة في حياته الخاصَّة، خَلَصَ أوغسطينوس إلى استنتاج مُفاده أنَّ ما حدث له هو مُعجزة تثبت وجود الله. منطق أوغسطينوس لا تشوبه شائبة: لا يمكن للمرء أنْ يطلب تفسيرًا سببيًّا لتَحوُّل شاوول إلى بولس، لأنَّ مثل هذا التَّحوُّل نفسه يُدرَك على أنَّه قَطْعٌ لسلسلة العلاقات بين الأسباب والنَّتائج، كفعل حُرِّيَّة محض. تشهد قدرة الإنسان على التَّغيُّر، وبخاصَّةٍ، التَّحوُّلات المفاجئة، على استقلاليَّة الرُّوح وعلى أنَّ الإنسان أعصى من أنْ يُحصَر في أفعاله الخاصَّة ويحتفظ دائمًا بإمكانيَّة الانفلات من براثن الضَّرورة.

يُعْدُّ التَّجديد الرُّوحيُّ للشَّخصيَّة أحد الموضوعات المركزيَّة في رواية تولستوي الأخيرة "البعث" (1899) الَّتِي كتبها في الفترة الَّتِي صار فيها مسيحيًّا ومقاوِمًا للشَّرِّ باللّاعُنْف تمامًا. يجد البطل الأمير نيخليودوف نفسه محلَّفًا في قضية عاهرة مُتَّهمة بالقتل، يتعرَّف فيها على كاتيوشا ماسلوفا – الخادمة في منزل عمَّاته الَّتِي سبق له أنْ راودها عن نفسها ذات يوم ثُمَّ تخلَّى عنها. وقد قلبت هذه الحقيقة حياة نيخليودوف رأسًا على عَقِب. لقد رأى ذَنْبه الشَّخصيَّ في سقوط كاتيوشا ماسلوفا وذَنْبَ طبقته في سقوط الملايين من أمثال كاتيوشا. فاستيقظ في وعيه الإلهُ الَّذِي عاش فيه، لتنفتح بصيرة نيخليودوف على رؤية مقدار الزَّيف الدَّاخليِّ الَّذِي تنطوي عليه حياته وحياة مَنْ حوله في ضوء الأخلاق المُطْلَقة. شَعَرَ بالاشمئزاز والخجل. قطع نيخليودوف المصدوم صلته بمحيطه وتبع ماسلوفا إلى المنفى الخاصِّ بالعقوبات الشَّاقَّة. بدأ التَّحوُّل المفاجئ لنيخليودوف مِنْ سَيِّدٍ متهوِّر مسرف في حياته إلى مسيحيٍّ مُخْلِصٍ (مسيحيٌّ ليس بالمعنى الكنسيِّ، بَلْ بالمعنى الأخلاقيِّ للكلمة) على المستوى العاطفيِّ-الرُّوحيِّ في صورة توبة عميقة وصحوة ضمير، واكبه عمل عقليٌّ مكثَّف. بالإضافة إلى ذلك، يُميِّز تولستوي في شخصيَّة نيخليودوف على الأقَلِّ عامِلَيْن مُساعِدَيْنِ أسْهَما إيجابا في مثل هذا التّحوُّل – عقل حادٌّ وفضوليٌّ يرصد بدقَّة الكذب والنِّفاق في العلاقات البشريَّة، وكذلك مَيْلٌ واضح للتَّغيُّر. والعامل الثَّاني مُهِمُّ بشكل خاصٍّ: "يحمل كُلُّ إنسان في ذاته بذور جميع الصِّفات البشريَّة، يُظهر بعضها تارةً، وبعضها الآخر تارةً أُخرى، ويحدث غالبًا ما يكون غير مشابه لنفسه على الإطلاق، مع ذلك يبقى واحدًا وهو نفسه. تكون هذه التَّغيُّرات لدى بعض النَّاس حادًّة بشكلٍ خاصٍّ. وإلى هؤلاء النَّاس ينتمي نيخليودوف" (البعث. الجزء الأوَّل. الفصل التَّاسع والخمسون).

إذا ما نقلنا تحليل تولستوي للثَّورة الرُّوحيَّة لنيخليودوف على تولستوي نفسه، فسنرى الكثير من القواسم المُشتركة بَيْنَهُما. كان تولستوي أيضًا مَيَّالًا بدرجة عالية إلى التَّغيُّرات الحادَّة وقابلًا لها؛ لقد امتحن نفسه في مجالات مختلفة. فقد خبر بتجربة حياته الخاصَّة كُلَّ الدَّوافع الرَّئيسة المرتبطة بالتَّصورات الدُّنيويَّة عن السَّعادة، وخَلَصَ إلى استنتاج مُفاده أنَّها لا تورث طُمأنينة النَّفْس. إنَّ إمتلاء التَّجربة هذا الَّذِي لم يترك أيَّ أوهام بأنَّ شيئًا جديدًا من السِّلسلة الدُّنيويَّة يمكن أنْ يمنح الحياة مَعْنًى قائمًا بذاته، أصبح مُقدِّمة مُهمًّة للانقلاب الرُّوحيِّ. امتلك تولستوي حِدَّة ذكاء عالية نادرة؛ كان عقله الفضوليُّ مُوَجَّهًا إلى فَهْمِ سرِّ الإنسان، وكانت حياته الخاصَّة هي الميدان التَّجريبيُّ الأساسيُّ لبحوثه الوجوديَّة والمعرفيَّة. وقد عَبَّرَ الشَّاعر التُّركيّ فَضِيل كُيوسْـنُو داغلارجا عن هذه الحال بألطف مقال في قصيدة موجزة بعنوان "الوجود":

"وُلِدْنَا ذات مَرَّة -

فَنعِيش.

ذات مَرَّةً، لَمَّا بَدَأْنَا نُفَكِّرُ.

وُلِدْنَا من جديد.

لِنَعْرِفَ.

لِمَ وُلِدْنَا المَرَّةَ الأُولَى". (مجلَّة: الأدب الأجنبيُّ، 1972، العدد 3).

ويبدو من السِّيرة الذَّاتيَّة لتولستوي أنَّ الحياة والتَّفكير فيها متشابكان بشدَّة إلى درجة يصحُّ معها القول: لقد عاش ليفكِّر وفكَّر ليعيش. ولِكَيْ يكتسب الاختيار الحياتيُّ مكانةً لائقة، في نظر تولستوي، كان لا بدَّ من أن يُبرِّر نفسه أمام العقل، وأنْ يجتاز بجدارة اختبار الاتِّساق المنطقيِّ. لَمْ تترك هذه اليَقَظَة الدَّائمة للعقل سوى ثغرات قليلة للخداع والخداع الذَّاتيِّ اللَّذَيْنِ يخفيان اللَّاأخلاقيَّة الأصليَّة واللَّاإنسانيَّة المُهينة لِما يُسمّى بأشكال الحياة المُتَحضِّرة. في فضح هذه الأمور، كان تولستوي لا يُحابي ولا يرحم؛ ولئن كان صحيحًا أنَّ تولستوي بادر إلى شنِّ هجومه الجبهويِّ الشَّامل ضِدّ العنف واللَّاإنسانيَّة في الشَّطر الثَّاني من حياته فقط، فإنَّ الرُّوح النَّقديَّة-الاجتماعيَّة كانت مُتأصِّلة فيه دائمًا.

ثَمَّةَ تشابه بين النَّموذج النيخليودوفي ومسار الأزمة الرُّوحيَّة لتولستوي. لقد بدأت هذه الأزمة برُدود فِعْل داخليَّة لاإراديَّة تُشير إلى خلل في نظام حياته؛ وفي إشارةٍ إلى هذه الأزمة يكتب تولستوي: "أصابني شيءٌ غريب جدًّا: أصْبَحَتْ تَنْتابُني لحظات حَيْرَة في البداية، وتوقُّف في الحياة، كما لو أنَّني لا أعرف كيف أعيش وماذا أفعل، تخبَّطتُ في الضَّياع وتملَّكني القُنوط. لكن هذا كان يمُرُّ وأعودُ إلى متابعة حياتي كما مِنْ قَبْل. ثُمَّ أصْبَحَتْ هذه اللَّحظات من الحَيْرَة والتَّشوُّش تتكرَّر أكثر فأكثر وبالصُّورة نفسها دائمًا. كانت هذه التَّوقَّفات في الحياة تعبِّر عن نفسها دائمًا بالأسئلة ذاتها: لماذا؟ ثُمَّ ماذا بعد؟ (10,23).

أصبح هذا الهاجس الَّذِي سرعان ما تحوَّل إلى وسواس قهريٍّ بالانتحار، مصدرًا وموضوعًا لعمل فكريٍّ حثيث. وقد تطلَّب الأمر، قبل كُلِّ شيء، تأمُّل حقيقة أنَّ تسمُّم حياة تولستوي حدث عندما كان لديه كُلُّ ما "يُعَدُّ السَّعادة الكاملة" (23، 12)، وكان في وسعه أنْ يعيش حياة سعيدة ومستقيمة، وأنْ يكون محبوبًا ومحترَمًا من الجميع. اِمْتَدَّ العمل الفكريُّ الدَّؤوب لتولستوي في إعادة تأمُّل أُسُس حياته الخاصَّة سنوات عدَّة، وشمل دراسة الأديان العالَميَّة والحكمة الفلسفيَّة وبحوثًا نظريَّة عميقة حول طبيعة الدِّين والأخلاق والإيمان، ونقدًا منهجيًّا للفكر اللَّاهوتيِّ الدُّوغمائيِّ، الأمر الَّذِي تطلَّب دراسة اللُّغة العِبْريَّة القديمة وتحديث معرفته باللُّغة اليونانيَّة القديمة؛ وفي إطار الجهود الواعِيَة للتَّغلُّب على الدَّاء الرُّوحيِّ الَّذِي أصابه، عاش تولستوي مُدَّة عامٍ حياةَ مسيحيٍّ أُرثوذُكسيٍّ مُلْتَزمًا تعاليم الكنيسة الأُرثوذُكسيَّة بِكُلِّ صَلَواتها وشعائرها.

ولكِنْ، ما هُوَ الدَّافعُ الخارجيُّ لتَحَوُّل تولستوي الرُّوحيّ، وما الَّذِي أدَّى في حالته الدَّور الَّذِي مثَّلته حادثة لقاء نيخليودوف بكاتيوشا ماسلوفا؟ وإنْ كان ثَمَّةَ وجود، عمومًا، لعامل خارجيِّ أثار الأزمة الدَّاخليَّة والتَّمرُّد الرُّوحيَّ لتولستوي، فمن الواضح أنَّه كان عتبة سِنِّ الخمسين من العمر. وفي كُلِّ مكان تقريبًا حَيْثُ يتحدَّث تولستوي عن التَّغيير الَّذِي طرأ عليه، فإنَّه يُشير، بشكل أو بآخر، إلى سِنِّ الخمسين. استمرَّت فترة الأزمة نفسها ما لا يَقِلُّ عن أربع أو خمس سنوات. وفي آذار/ مارس من عام1877، أشارت صوفيا أندرييفنا في مُذَكِّراتها نقلًا عن تولستوي إلى الصِّراع الدِّينيِّ الرَّهيب الَّذِي عصف به في السَّنَتَيْنِ الأخيرَتَيْنِ، ما يعني أنَّ بداية هذا الصِّراع تعود إلى عام 1875. يقول تولستوي في "الاعتراف" إنَّه فكَّر في الانتحار في سِنِّ الخمسين. وتعود بداية "الاعتراف" نفسه - العرض الأوَّل لقناعات تولستوي المُعاد صياغتها - إلى العام 1879. وأخيرًا، يقول تولستوي مِرارًا وتَكرارًا إنَّه اهتدى إلى الصِّراط الجديد في سِنِّ الخمسين: "لقد عِشْتُ في العالَم اثْنَيْنِ وخَمْسينَ عامًا، وقبل عامَيْنِ أصبَحْتُ مسيحيًّا" (49، 8)؛ "لقد عِشْتُ في العالَم خمسةً وخمسينَ عامًا... قَبْلَ خمسِ سنواتٍ آمَنْتُ بتعاليم المسيح" (23، 304). وفي نيسان/ أبريل من عام 1878، قرَّر تولستوي بعد انقطاع دام ثلاثة عشر عامًا استئناف كتابة مُذكِّراته (وهذا ما يفعله نيخليودوف أيضًا في فترة انبجاس صَحْوَتِه).

الخمسون مرحلة عُمْرِيَّة مميَّزة في حياة كُلِّ إنسان، وتذكير بأنَّ للحياة نهاية. وقد ذَكَّرَتْ تولستوي بالأمر نفسه. إذ إنَّ مشكلة الموت كانت تشغل تولستوي مِنْ قبل. في قِصَّة "الميتات الثَّلاث" (1858) ينظر في المواقف المختلفة تُجاهها. فقد كانت مشكلة الموت، وبخاصَّةً، الموت في صورة عمليَّات قتل قانونيَّة، تضع تولستوي دائمًا في مأزَق، وذلك بالرَّغْمِ من كُلِّ ما يمتلكه من قُوَّة حيويَّة فائقة وقدرات تحليليَّة هائلة. في نهاية القِصَّة السِّيفاستوبوليَّة الثَّانية (1855) هناك تأمُّل بروح المسالَمة pacifism المسيحيَّة الدَّافع. وفي عام 1866 لَمْ يُوَفَّق تولستوي في الدِّفاع أمام المحكمة عن جنديٍّ محكوم بالإعدام بتهمة ضرب قائد فَوْج. وقد كان لحادثة إعدام بالمقصلة شهدها في باريس عام 1857 "قَبَّل الإنجيل، ثُمَّ قُتل! أيُّ عَبَثٍ هذا!" (47، 121) أبلغ الأثَر في نفسه. وتَلَتْها لاحقًا فاجعة وفاة أخيه الأكبر المحبوب نيكولاي في عُمْر السَّابعة والثَّلاثين عام 1860 "إنسان ذكيٌّ وطيِّبٌ وجادٌّ، أصابه المرض في ريعان شبابه، عانى لأكثر من عام ومات ميتةً موجعة من دون أدنى فَهْمٍ لماذا عاش، ولماذا يموت" (23، 8).

كان تولستوي قد بدأ يشكُّ منذ وقت طويل في إيديولوجيَّا التَّقدُّم، ويتأمَّل في المعنى العامِّ للحياة، وعلاقة الحياة بالموت. وقد كان هذا في ما مضى موضوعًا جانبيًّا، أمَّا الآن فقد أصبح الموضوع الأساسيَّ؛ أصبح الموت يُدرَك الآن كأُفُقٍ شخصيٍّ، كنهاية قريبة ومحتومة. وبعد أنْ وقف أمام ضرورة تحديد موقفه الشَّخصيِّ من الموت (وهذا يعني بالنِّسبة إلى تولستوي أنْ يبرِّر الموت بشكل عقلانيٍّ، ويُطوِّر موقفًا واعيًا تُجاهه، أيْ أنْ يطوِّر موقفًا يسمح له بِعَيْشِ حياة ذات معنى مع إدراك حتميَّة الموت) — بعد أنْ وقف أمام هذه الضَّرورة، اِكْتَشَفَ تولستوي أنَّ حياته وقِيَمَهُ لا تصمد أمام اختبار الموت. وفي ذلك يقول: "لم أستطع أنْ أُعطي أيَّ معنى عقلانيّ لأيِّ فعل من أفعالي، ولا لحياتي بأكملها. ما أدهشني فقط هو كيف لَمْ أفْهَم هذا مُنْذُ البداية. كُلُّ هذا معروفٌ مُنْذُ زمن طويل للجميع. عاجلًا أو آجلًا ستأتي الأمراض والموت (وقد أتى بالفعل) على الأحِبّاء وعلَىَّ، ولن يبقى شيء سِوى العَفَن والدِّيدان. كُلُّ أعمالي، أيًّا كانت، سوف تُنسى — عاجلًا أو آجلًا، ولن أكون أنا موجودًا. فلماذا إذًا نكدح؟" (23، 13). تُميط هذه الكلمات لتولستوي من "الاعتراف" اللِّثام عن طبيعة عِلَّته الرُّوحيَّة ومصدرها المباشر الَّتِي يمكن وَصْفُها بأنَّها ذُعْرٌ من الموت. فقد أدرَك بوضوح، بصفته إنسانًا صادقًا ومفكِّرًا شجاعًا، أنَّ الحياة الَّتِي يمكن اعتبارها ذات معنى هي فقط تلك القادرة على تأكيد نفسها في وجه الموت المحتوم والَّتِي تتحمَّل اختبار السُّؤال: "لماذا الكَدُّ، لماذا نعيش أساسًا، إذا كان كُلُّ شيء سيبتلعه الموت؟".

قرَّر تولستوي أنْ يربط نفسه بأسلاك تَوَتُّر عالٍ لا يُحتمل ولا يُطاق — الحياة والموت. وكان يجب أنْ يكون ليف نيكولايفتش تولستوي ليتحمَّل القُوَّة الخارقة لهذا التَّفريغ. دخل تولستوي في منازلة مع الموت ووضع أمام نفسه الهدف الأكثر جرأة، وهو في الواقع هدف خارق — أنْ يَجِدَ ما لا يخضع للموت.

ماذا يَكْمُنُ وراء السُّؤال عن معنى الحياة؟

يوجد الإنسان في حالة خلاف وصراع مع ذاته. فالإنسان مُنْشَطِر على نفسه. وكأنَّ هناك شخصين على الأقَلِّ يعيشان في باطنه: الشَّخص الدَّاخليُّ والشَّخص الخارجيُّ، حيث الأوَّل غَيْرُ راضٍ عمَّا يفعله الثَّاني، والثَّاني لا يفعل ما يريده الأوَّل. يمثِّل ذلك دحضًا حيًّا لقانون الهُوِيَّة. يظهر هذا التَّناقض والتَّمزُّق الذَّاتيُّ لدى الأفراد بدرجات متفاوتة من الحِدَّة، لكنَّه مُتأصِّل فيهم جميعًا، وهو سِمَة جوهريَّة للإنسان. ونظرًا إلى كون الإنسان متناقضًا مع ذاته وممزَّقًا بين تطلُّعات متضادَّة، فإنَّه محكوم بالمعاناة وعدم الرِّضا عن نفسه. يسعى الإنسان باستمرار إلى تجاوز ذاته، ليصبح آخرًا، وحَتَّى أنَّ وجوده ذاته إلى زوال.

غَيْرَ أنَّ القول إنَّ الإنسان مَيَّال الى المعاناة وعدم الرِّضا ليس كافيًا بالمقصود. ثَمَّةَ شيء مشابه موجود في كُلِّ كائنٍ حيٍّ؛ فمن المؤكَّد أنَّ الذِّئْب الَّذِي أضاع فريسته يعاني أيضًا بطريقته الخاصَّة ويشعر بعدم الرِّضا، وعلى أيِّ حال هو قادر على تعديل أفعاله لِكَيْلا يُكرِّر في المَرَّة التَّالية أخطاءَه السَّابقة. لكنَّ الإنسان، علاوة على ذلك، يعلم أنَّه يُعاني وغَيْرُ راضٍ عن نفسه؛ فهو لا يتقبَّل معاناته في العالَم على مستوى الوَعْيِ أيضًا. وبذلك يتضاعف عدم رضاه ومعاناته: فإلى المعاناة وعدم الرِّضا ذاتهما يُضاف الوَعْيُ بسوء هذا الوضع، وبالتَّالي، فإنَّ الإنسان صار يعاني الآن من كونه يُعاني، وغَيْرَ راضٍٍ عن كونه غَيْرَ راضٍ.

بَيْدَ أنَّ الإنسان لا يسعى فقط ليصبح آخرًا لتجاوز حدوده الذَّاتيَّة، وللقضاء على كُلِّ ما يُوَلِّدُ المعاناة والشُّعور بعدم الرِّضا؛ إنَّه يسعى ليصبح "آخرًا" مختلفًا لا يسعى بدوره ليصبح "آخرًا"، ولا يحتاج بعدها إلى تجاوُز حدوده الذَّاتيَّة، و"آخرًا" يكون متحرِّرًا بالكامل من المعاناة وما يرتبط بها من أحاسيس غير سارَّة. الإنسان لا يعيش فقط، بَلْ يريد أيضًا أنْ يكون لحياته مَعْنًى.

يربط النَّاس تحقيق تطلُّعاتهم المافوق بشريَّة بالحضارة، وتغيير الأشكال الخارجيَّة للحياة والبيئة الطَّبيعيَّة والاجتماعيَّة. يتجسَّد هذا الاقتناع في فكرة التَّقدُّم. يُفْتَرَض هُنا أنَّ الإنسان يُمكنه التَّحرُّر من تعاسة وضعه المُزري بمساعدة العلوم والفُنون والنُّموِّ الاقتصاديِّ وتطوير التِّكنولوجيا، وخَلْق عيش مريح، وما إلى ذلك. وقد تبنَّى تولستوي هذه الأفكار - المُلازمة بشكل رئيس لشرائح المجتمع المُتعلِّمة وأصحاب الامتيازات - وسار على هُدَاها خلال النِّصف الأوَّل من حياته الواعية. غَيْرَ أنَّ تجربته الشَّخصيَّة وملاحظته لأشخاص من محيطه هُمَا، بالضَّبط، ما أقنعه بأنَّ هذا الطَّريق هو الطَّريق الخطأ . تشهد التَّجرِبة: كُلَّما ازداد الإنسان انشغالًا في أموره الدُّنيويَّة وهواياته، وكُلَّما كانت ملذَّاته أكثر ترفًا، وثرواته أكبر كَمًّا، ومعرفته أعمق، ازداد قلقه النَّفْسيُّ وسُخْطه ومعاناته الَّتِي أراد التَّحرُّر منها عَبْرَ هذه الممارسات. بانتهاجه طريق تعزيز النَّشاط الحياتيِّ، يقع الإنسان، حرفيًّا، في مستنقعٍ زَلِقٍ: فمع كُلِّ حركة يُقْدِم عليها مِنْ أجْلِ الخروج من المستنقع، يزداد فيه غرقًا على غرق. قد يُخَيَّلُ إلى المرء أنَّه إذا كان النَّشاط والتَّقدُّم يضاعفان المعاناة، فإنَّ الخُمول وما يرتبط به حتمًا من تدهور سيسهمان في تقليصها والحدِّ من وطأتها. هذا الافتراض باطل. إنَّ سبب المعاناة ليس التَّقدُّم بحدِّ ذاته، بَلْ التَّوقُّعات المرتبطة به، وذلك الأمل غير المبرَّر بتاتًا بإمكان تحقيق الإنسان ما هو أكثر من التَّحرُّك أسرع والأكل بشكل أفضل عَبْرَ زيادة سرعة القطارات، وزيادة محاصيل الحقول. من وجهة النَّظر هذه، لا فرق كبير بين التَّركيز على النَّشاط والتَّقدُّم والتَّركيز على الخُمول والتَّدهور. يكمن الخطأ في التَّوجُّه نفسه الَّذِي يروم منح الحياة البشريَّة معنًى عَبْرَ تغيير أشكالها وشروطها الخارجيَّة. ينبع هذا التَّوجُّه من اعتقاد مُفاده أنَّ الإنسان الدَّاخليَّ يعتمد على الخارجيِّ، وأنَّ حالة نَفْسِ الإنسان ووعيه هُما نتيجة (نسخة، انعكاس) لوضعه في العالَم وسْط النَّاس. ولكِنْ، لو كان الأمر كذلك، لما نشب بينهما صراع أصلًا.

باختصار، التَّقدُّم الماديُّ والتَّقدُّم الثَّقافيُّ يعنيان فقط ما يعنيان: تقدُّمٌ ماديٌّ وتقدُّمٌ ثقافيٌّ. إنَّهما لا يَمُسَّان معاناة النَّفْسِ.

يرى تولستوي أنَّ الدَّليل القاطع على ذلك هو أنَّ التَّقدُّم يفقد معناه إنْ تأمَّلناه من منظار موت الإنسان. فما فائدة المال والسُّلطة والأبناء والسِّيمفونيَّات، وما شابه، وما فائدة السَّعي والكدح أساسًا لتحقيق شيء ما، إذا كان المآل هو الزَّوال، وكان كُلُّ شيء ينتهي حتمًا بالموت والنِّسيان: "يمكن العيش ما دُمنا سكارى بالحياة؛ لكن حين نصحو، لا يمكن إلَّا أنْ نرى أنَّ كُلَّ هذا مجرَّد خداع، وخداع أحمق!" (23، 13). وخير ما يعبِّر عن مأساة الوجود البشريِّ، في رأي تولستوي، هي الحكاية الشَّرقيَّة (الهنديَّة القديمة) عن المسافر الَّذِي فاجأه وحش مفترس في السَّهب. "هربًا من الوحش، يقفز المسافر إلى بئر جافَّة، لكنَّه يرى في قاع البئر تنِّينًا فاغرًا فاه لالتهامه. فلم يجرؤ المسكين لا على الخروج من البئر خشية أنْ يفترسه الوحش الضَّاري، ولا على القفز إلى قاع البئر خشية أنْ يلتهمه التِّنِّين، فيتعلَّق بغصن شجرة برِّيَّة تنمو في شقوق البئر ويتمسَّك به. تضعف يداه ويشعر أنَّه سيَضطَرُّ قريبًا إلى الاستسلام للهلاك الَّذِي ينتظره من كِلا الجانبين؛ لكن، وبينما هو متمسِّك يتلفَّت حوله فيرى فأرين، أحدهما أسود والآخر أبيض، يدوران باستمرار حول جذع الشَّجرة المتعلِّق بها، ويقضمان الجذع شيئًا فشيئًا. فالشَّجرة على وَشْك أنْ تنكسر ويسقط في فم التِّنِّين. يرى المسافر ذلك ويعلم أنَّه سيهلك لا محالة؛ لكن بينما هو متعلِّق، يبحث حوله فيجد على أوراق الشَّجرة قطرات من العسل، فيمد لسانه إليها ويَلْحَسها (23، 13-14). الفأران الأبيض والأسود، واللَّيل والنَّهار، يقودان الإنسان حتمًا إلى الموت – وليس الإنسان بعامَّة، إنَّمَا هو أنت وأنا وكُلُّ واحد منَّا، وليس في مكان ما أو زمان ما، بَلْ هُنا والآن؛ "وهذه ليست قٍصَّة رمزيَّة، بَلْ هي واقعة حقيقيَّة، لا جدال فيها ومفهومة للجميع" (23، 14). فلا شيء سينقذه من هذا – لا الثَّروات الطَّائلة، ولا الذَّوق الرَّفيع، ولا المعارف والمعلومات الواسعة.

إنَّ الاستنتاج المتعلِّق بمعنى الحياة الَّذِي يبدو أنَّ التَّجرِبة تؤدِّي إليه وتؤيِّده الحكمة الفلسفيَّة هو، من وجهة نظر تولستوي، متناقض منطقيًّا بشكل واضح، وغير مُرَجَّح نفسيًّا بحيث تتعذَّر الموافقة عليه. كيف يمكن للعقل أنْ يسوِّغ عدم معنى الحياة، إذا كان هو نفسه نتاجًا للحياة؟ وفي الواقع، ليس لديه أيُّ أساس لمثل هذا التَّسويغ. لذلك، فإنَّ تأكيد عدم معنى الحياة يحتوي في حدِّ ذاته على دَحْضِه الخاصِّ: الإنسان الَّذِي وصل إلى استنتاج كهذا كان يجب عليه أوَّلًا أنْ يُنهي حسابه مع الحياة، وعندها لن يكون قادرًا على التَّفكير في عدم معناها؛ وإذا كان يتحدَّث عن عدم معنى الحياة ويستمرُّ مع ذلك في العيش بحياةٍ هي أسوأ من الموت، فهذا يعني أنَّها في الواقع ليست بلا معنى وسيِّئة كما يُقال. علاوة على ذلك، فإنَّ الاستنتاج القائل بلامعنى الحياة يعني أنَّ الإنسان قادر على وضع أهداف لا يمكنه تحقيقها، وصياغة أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها. ولكِنْ، أليست هذه الأهداف والأسئلة يضعها الإنسان ذاته؟ وإذا لم تكن لديه القُوَّة لتحقيقها، فَمِنْ أيْنَ جاءته القُوَّة لِوَضْعِها؟ من النَّاحية المبدئيَّة، بما أنَّ الحديث يتَمَحْوَر حَوْلَ الواقع نفسه - الإنسان وحدود عقله، فإنَّ الأهداف تحتوي على إمكانيَّة التَّحقيق، والأسئلة تحتوي على إمكانيَّة الإجابة. ومن المنطقيِّ الافتراض أنَّ مَنْ هَمَّ بضربةٍ، فهو قادر على تنفيذها. إضافة إلى ذلك، لا تَقِلُّ حُجَّة تولستوي النَّفْسِيَّة إقناعًا: إذا كانت الحياة بلا معنى، فكيف ولِمَ عاش ويعيش ملايين وملايين النَّاس وكُلُّ البشريَّة؟ وإذا كان البشر يعيشون الحياة ويفرحون بها ويواصلونها بكدٍّ وجدٍّ، فهذا يعني أنَّهم يجدون فيها معنًى مُهِمًّا ما؟ فما هُوَ؟

مُبْدِيًا امتعاضه من الحلِّ السَّلبيِّ لمسألة معنى الحياة، ولَّى ل.ن. تولستوي وجهه شَطْرَ التَّجرِبة الرُّوحيَّة للنَّاس البسطاء الَّذِين يعيشون مِنْ عمل أيديهم وعرق جبينهم، أيْ تجربة الشَّعب، ما سمح له باختراق أُفُق العبثيَّة الأنانيَّة للطَّبقات العُلْيا. واقترح، في الوقت عينه، تفسيرًا جديدًا للسُّؤال نفسه، ما أتاح إمكانيَّة الكشف عن محدوديَّة الإجابات التَّأمُّليَّة عنه.

فالبسطاء والفلَّاحون (على الرَّغْمِ من أنَّ الأمر لا يتعلَّق بالفلَّاحين بالضَّرورة، فحاملة راية المثل الأعلى لتولستوي "باشينكا" من قِصَّة "الأب سيرغيه" تنحدر من بيئة أصحاب الامتيازات؛ فالسِّمَة الجوهريَّة لا ترتبط بالأصل والفصل وبالحَسَب والنَّسَب، بَلْ بالوضع الاجتماعيِّ الحقيقيِّ - ما إذا كان الإنسان عاملًا أم طُفيليًّا) يعرفون جيِّدًا مسألة معنى الحياة، وهي لا تنطوي على أيِّ صعوبة أو لُغْز بالنِّسبة إليهم. فَهُمْ يعرفون أنَّه يجب العيش وفق قانون الله والعيش على نَحْوٍ لا يُهلِك نُفوسهم. إنَّهم يعرفون ضآلتهم المادِّيَّة، لكن ذلك لا يُخيفهم، لأنَّ النَّفْسَ المرتبطة بالله باقية. إنَّ قِلَّة تعلُّم هؤلاء النَّاس، وافتِقارَهُمْ إلى المعارف الفلسفيَّة والعلميَّة لا يقفان حائلًا أمام فَهْمِ حقيقة الحياة، بَلْ لرُبَّما كان العكس هو الصَّحيح. إذ إنَّ الاعتراف بمعنى الحياة بالنِّسبة إليهم هو حقيقة بديهيَّة تجعل وجودهم الإنسانيَّ نفسه ممكنًا، وهو ليس ثمرة للتَّفكُّر، بَلْ هو مقدِّمته وأساسه. فقد اتَّضح، وعلى نَحْوٍ لا يخلو من الغرابة، أنَّ الفلَّاحين الجهلاء، والسُّذَّج كالأطفال المليئين بالتُّرَّهات، يدركون العمق المأساويَّ الكامل لمسألة معنى الحياة؛ هُمْ يفهمون أنَّ السُّؤال يَتَمَحْوَر حَوْلَ الأهَمِّيَّة الأبديَّة الخالدة لحياتهم وحَوْلَ ما إذا كانوا يخافون من الموت المُقبل. وَهُمْ يقبلون التَّحدِّي الموجود في هذا السُّؤال الأوَّليِّ والأساسيِّ للإنسان حَوْلَ: لماذا نعيش؟ وبإصغائه إلى كلمات البسطاء وتفكُّره في حياتهم، توصَّل تولستوي إلى استنتاج مُفاده أنَّ موقفهم - هو موقف طفل تتحدَّث الحقيقة بلسانه. لقد فهموا سؤال معنى الحياة بشكل أعمق وأدَقّ من كُلِّ سُليمانٍ وشوبنهاور.

إنَّ السُّؤال عن معنى الحياة هو سؤال عن العلاقة بين المتناهي واللّامتناهي فيها، أيْ هل لحياتي الفانية قيمة أبديَّة غير قابلة للفناء؟ وإذا كانت كذلك، فما هي؟ هل هناك شيء خالد فيها؟ لو أنَّ حياة الإنسان المتناهية تحتوي على معناها في ذاتها، لما وُجد هذا السُّؤال أصلًا. لذلك، فإنَّ الفلاسفة الَّذِين يتحدَّثون عن لامعنى الحياة وعبثيَّتها وعذابها، يقعون في حشوٍ لا طائل مِنْهُ؛ إنَّهم لا يجيبون عن السُّؤال، بَلْ يكرِّرونه فقط. لذا، على ما يقول تولستوي: "من أجل حَلِّ هذه المسألة، لا يكفي مساواة المُتناهي باللّامُتناهي، واللّامُتناهي بالمُتناهي" (23، 36)، بَلْ يجب الكشف عن علاقة أحدهما بالآخر. وبالتَّالي، فإنَّ سؤال معنى الحياة يتجاوز نطاق المعرفة المنطقيَّة، ويتطلَّب الخروج عن الإطار الَّذِي يضيئه نور العقل. وإلى هذا المعنى يذهب تولستوي بقوله: "لم يكن في مقدوري البحث عن إجابة لسؤالي في المعرفة العقلانيَّة" (23، 34). فكان لا بدَّ من الاعتراف بأنَّ "للبشريَّة جمعاء معرفة أُخرى غير عقلانيَّة - وهي الإيمان الَّذِي يُمكِّنُها مِنَ العَيْشِ" (23، 35).

لقد توصَّل تولستوي من خلال ملاحظة التَّجرِبة الحياتيَّة للنَّاس البسطاء الَّذِين يتَّسمون بنظرة مدروسة إلى حياتهم وفَهْمٍ واضح لضآلتها، ومن خلال الفَهْمِ الصَّحيح لمنطق مسألة معنى الحياة ذاته، إلى استنتاج واحد بعينه: إنَّ مسألة معنى الحياة هي مسألة إيمان، لا مسألة معرفة مدعومة بحجج عقلانيَّة. ينطوي مفهوم الإيمان، في فلسفة تولستوي، على مضمون خاصٍّ، لا يتطابق مع المفهوم التَّقليديِّ. إنَّه ليس الثِّقة بما يُرْجَى، والإيقان بأُمُور لا تُرَى، كما اعتقد الرَّسول بولس (رسالة بولس الرَّسول إلى العبرانيّين. 1:11). وفي هذاالسِّياق يطرح تولستوي عددًا من التَّعريفات، ومن أبرزها: "الإيمان هو إدراك الإنسان موقِعَه في العالَم، ما يفرض عليه القيام بأفعال مُعيَّنة" (35، 170)؛ و "الإيمان هو معرفة معنى الحياة البشريَّة الَّتِي بسببها لا يدمِّر الإنسان نفسه، بَلْ يحيا. الإيمان هو قُوَّةُ الحياة" (23، 35). ومن خلال هذه التَّعريفات، يصبح من الواضح أنَّ الحياة ذات المعنى والحياة القائمة على الإيمان هُما شيء واحد لدى تولستوي. الحياة ذات المعنى مطابقة للحياة المؤمِنة (أو "المفعمة بالإيمان").

يُشير الإيمان إلى حدود العقل، ولكنَّها حدود يضعها العقل نفسه ولا يمكننا إدراكها إلَّا من هذه الجهة، أيْ من جهة العقل. هذا المفهوم في التَّفسير التُّولستوي غير مرتبط البتَّة بالأسرار الغيبيَّة غير المُدرَكة والتَّحوُّلات الإعجازيَّة غير القابلة للتَّصديق وغيرها من التُّرَّهات. علاوة على ذلك، فهو لا يعني أنَّ المعرفة البشريَّة لديها أيّ أدوات أُخرى غير العقل القائم على التَّجرِبة والخاضع لقوانين المنطق الصَّارمة. وفي وصفه لخصوصيَّة المعرفة الإيمانيَّة، يكتب تولستوي: "لن أبحث عن تفسير لِكُلِّ شيء. أعرف أنَّ تفسير كُلِّ شيء يجب أنْ يكون مَخفيًّا، كنقطة بداية كُلِّ شيء، في اللَّامتناهي. لكنِّي أُريد أنْ أفهم بطريقة تقودني إلى ما لا مناص من عدم تفسيره؛ أُريد أنْ يكون كُلُّ ما هو غير قابل للتَّفسير مثل ما هو عليه ليس لأنَّ متطلَّبات عقلي خاطئة (فهي صحيحة، ومن دونها لا أستطيع فَهْم أيِّ شيء)، بَلْ لأنَّني أرى حدود عقلي. أُريد أنْ أفهم بطريقة تجعل كُلَّ موقف غير قابل للتَّفسير يمثل لي كضرورة للعقل نفسه، وليس كإكراه على الإيمان" (23، 57). كان تولستوي عقلانيًّا بشكل مذهل، لأنَّه لم يعترف بأيِّ معرفة لا تقوم على دليل. ولم يقبل أيَّ شيء بناءً على الإيمان، إلَّا الإيمان نفسه. الإيمان كقُوَّة حياة يتجاوز نطاق اختصاص العقل بقدر ما يسوِّغه العقل نفسه. بهذا المعنى، فإنَّ مفهوم الإيمان هو شهادة على صِدْقِ العقل الَّذِي لا يريد أنْ يتحمَّل أكثر مِمَّا يستطيع.

ينبع مِنْ هذا الفَهْم للإيمان وعلاقته بالعقل أنَّ الشَّكَّ والتَّشوُّش يكمُنان وراء سؤال معنى الحياة. يصبح معنى الحياة سؤالًا عندما تفقد حياة السَّائل معناها. لقد أدرَكتُ، كما نقرأ في "الاعتراف": "أنَّه لكي نفهم معنى الحياة، يجب أوَّلًا ألَّا تكون الحياة بلا معنى وشريرة، وبعد ذلك فقط يأتي العقل لفَهْمِها" (23، 41). ذلك أنَّ الاستفسار الحائر حول سبب العيش هو علامة أكيدة على أنَّ الحياة خاطئة. فمِنَ القِصَّة الشَّرقيَّة، ومِنَ التَّأملات الفلسفيَّة على طريقة بوذا وشوبنهاور، وكذلك مِنْ كُلِّ تجربة للخوف من الموت، كما هي موصوفة جيِّدًا في قِصَّة تولستوي "موت إيفان إيليتش"، ثَمَّةَ استنتاج واحد: لا يمكن أنْ يَكْمُنَ معنى الحياة في ما يموت بموت الإنسان. وهذا يعني أنَّ المعنى لا يمكن أنْ يكون في الحياة من أجْلِ الذَّات، ولا في الحياة من أجْلِ الآخرين، لأنَّهم يموتون أيضًا، ولا في الحياة من أجْلِ الإنسانيَّة، لأنَّها أيضًا ليست أبديَّة. ذلك أنَّ "الحياة من أجْلِ الذَّات لا يمكن أنْ تحمل أيَّ معنًى... لِكَيْ نعيش بعقلانيَّة، يجب أنْ نعيش بِحَيْثُ لا يستطيع الموت تدمير الحياة" (23، 388-389).

الله والحُرِّيَّة والخير

ذلك المبدأ اللّامتناهي الخالد الَّذِي لا تكتسب الحياة معنى إلَّا بالارتباط به، يُدعى الله. ولا يُمكن الجزم بشيء آخر عن الله بيقين. يستطيع العقل أنْ يعرف أنَّ الله موجود، لكنَّه لا يستطيع إدراك ذات الله (ولهذا رفض تولستوي بحزم الأحكام الكنسيَّة عن الله، وعن الثَّالوث الإلهيِّ، وخَلْقِه العالَم في سِتَّة أيّام، وخرافات الملائكة والشَّيطان، وسقوط الإنسان، والحَبَل بِلا دَنَس، وإلخ، مُعتبرًا إيَّاها جميعًا خرافات فجَّة وإيديولوجيا خطيرة جدًّا). فأيُّ قول ذي مضمون عن الله، حَتَّى القول بأنَّ الله واحد يناقض ذاته، لأنَّ مفهوم الله يعني بحكم التَّعريف ما لا يمكن تعريفه.

لقد كان مفهوم الله بالنِّسبة إلى تولستوي مفهومًا إنسانيًّا يجب عليه أنْ يتحمَّل اختبار محكمة التَّجربة والعقل البشريَّيْن، فهو يعبِّر عمَّا يمكننا نحن البشر أنْ نشعر به ونعرفه عن الله، وليس أبدًا عمَّا يفكِّر فيه الله عن النَّاس والعالَم. لَمْ يَكُنْ هناك شيء غامض في هذا المفهوم، كما يعقله تولستوي، سِوى أنَّه يُشير إلى الأساس الغيبيِّ للحياة والمعرفة. اللّٰه هو سبب المعرفة، لكنَّه ليس موضوعها بأيِّ حال: "بما أنَّ مفهوم اللّٰه لا يمكن أنْ يكون سِوى مفهوم مبدأ كُلِّ ما يدركه العقل، فمن الواضح أنَّ اللّٰه، كمبدأ لِكُلِّ شيء، لا يمكن أنْ يكون مُدرَكًا بالعقل. فقط بالسَّيْر على دروب التَّفكير العقلانيِّ، عند أقصى حدود العقل، يمكن العثور على اللّٰه، ولكن عند الوصول إلى هذا المفهوم، يتوقَّف العقل عن الإدراك" (23، 71). يقارن تولستوي معرفة اللّٰه بمعرفة لانهائيَّة الأعْداد. كِلاهُما (ويُضيف تولستوي إلى هذا النَّوع من المعرفة، معرفة النَّفْسِ) مُفترَضٌ قطعًا، لكنَّه لا يقبل التَّعريف: "إلى يقين معرفة العدد اللّامتناهي أصِلُ بالجمع؛ إلى يقين معرفة اللّٰه أصِلُ بسؤال: مِنْ أيْنَ أنا؟" (23، 132).

تفرض فكرة الله كحدٍّ للعقل وامتلاءٍ للحقيقة لا يُدرَك، طريقةً معيَّنة للوجود في العالَم، حين يكون الإنسان متوجِّهًا بوعي نحو هذا الحدِّ وهذا الامتلاء. هذه هي الحُرِّيَّة. الحُرِّيَّة - صفة إنسانيَّة خالصة وتعبير عن وسَطيَّة كينونته: "لن يكون الإنسان حُرًّا إذا كان لا يعرف أيَّ حقيقة، وكذلك لن يكون حُرًّا، بَلْ ولن تكون لديه حَتَّى فكرة عن الحُرِّيَّة، إذا كانت كُلُّ الحقيقة الَّتِي يجب أنْ توجِّهَه في الحياة مكشوفةً له مَرَّة واحدة وإلى الأبد، في كُلِّ نقائها من دون أنْ تشوبها الضَّلالات" (28، 281). فالحُرِّيَّة إنَّمَا تكمن في هذا الحركة مِنَ الظَّلام إلى النُّور، ومِنَ الأدنى إلى الأعلى، "ومِنَ الحقيقة الأكثر اختلاطًا بالضَّلالات إلى الحقيقة الأكثر تحرُّرًا منها" (28، 281). الحُرِّيَّة توجد كتحرير. يمكن تعريفها بأنَّها السَّعْيُ إلى الاقتداء بالحقيقة. الإنسان ليس حُرًّا في إتيان الأفعال، إذا كانت أسبابها معطاة. لنفترض أنَّ شخصًا ما يريد أنْ يصبح قويًّا جسديًّا أو أنْ يعرف كُلَّ شيء عن أتلانتس - مِنْ هذه الرَّغبات تنبع مجموعة محدَّدة تمامًا مِنَ الأفعال الموضوعيَّة البحتة. لكنَّ الإنسان يستطيع أنْ يختار أسباب أفعاله - تلك الحقائق الَّتِي تقوم في أساسها.

إنَّ الحُرَّيَّة ليست رديف التَّعسُّف والقدرة البسيطة على التَّصرُّف وفقًا للهوى والنَّزوة. هي دائمًا مرتبطة بالحقيقة. وَفْقًا لتصنيف تولستوي، هناك ثلاثة أنواع مِنَ الحقائق. أوَّلًا، الحقائق الَّتِي أصبحت بالفعل عادةً وطبيعةً ثانية للإنسان. ثانيًا، الحقائق الغامضة وغير الواضحة بشكلٍ كافٍ. الأُولى لم تعد حقائق تمامًا. الثَّانية ليست بعد حقائق تمامًا. كِلا النَّوعَيْن يُمثِّلان مجال الضَّرورة. وإلى جانبهما هناك صنف ثالث مِنَ الحقائق الَّتِي من ناحية، انكشفت للإنسان بوضوح بحيث لا يستطيع تجاوزها ويجب عليه تحديد علاقته بها، ومِنْ ناحية أُخرى، لم تصبح عنده عادةً آليَّةً ودافعًا لاواعيًا. تُجاه حقائق هذا النَّوع الثَّالث تتجلَّى حُرِّيَّة الإنسان. وهُنا، كِلا الجانبين مُهِمَّان - الحديث عن الحقيقة الواضحة، والحديث عن حقيقة أعلى مقارنةً بتلك الَّتِي تَمَّ استيعابها بالفعل في الممارسة الحياتيَّة. لا شيء يستطيع أنْ يمنع الإنسان من التَّصرُّف وَفْقًا لما يعتقده صحيحًا، لكنَّه لن يَعُدَّ أبدًا ما يتصرَّفه صحيحًا - في هذا تكمن حُرِّيَّته. الحُرِّيَّة هي القُوَّة الَّتِي تُتيح للإنسان السَّيْر في الطَّريق إلى الله، ليصبح "عامِلًا مبتهجًا في العمل الأبديِّ واللَّامتناهي" (28، 281). وأنْ يسير بنفسه من غير أنْ يُقاد، أنْ يسير بعينين مفتوحتين، متصرِّفًا بعقلانيَّة ومسؤوليَّة.

ولكن فيمَ يكمن هذا العمل وهذا الطَّريق، وما هي الواجبات المترتِّبة على الإنسان نتيجة انتمائه إلى الله؟ والحال أنَّ الاعتراف بالله كمبدأ ومصدر للحياة والعقل يضع الإنسان في علاقة محدَّدة تمامًا معه، يُشبِّهها تولستوي بعلاقة الابن بأبيه، والعامل بربِّ العمل. فالابن لا يستطيع الحكم على أبيه وفهم المعنى الكامل لتوجيهاته، بَلْ يجب عليه أنْ يمتثل لإرادة الأب، وكُلَّما ازداد طاعةً لإرادة والده ازداد إدراكًا لما تحمله من مَعانٍ مُفيدة له؛ الابن الصَّالح هو الابن المُحِبُّ، فهو لا يعمل كما يريد هو، بَلْ كما يريد الأب، وفي هذا، في تنفيذ إرادة الأب، يرى رسالته وخيره. وكذلك العامل، فهو عامل، لأنَّه يطيع ربَّ العمل وينفِّذ توجيهاته - إذ إنَّ ربَّ العمل وحده هو الَّذِي يعرف الغاية من عمله؛ فربُّ العمل لا يعطي معنى لجهد العامل فحسب، بَلْ إنَّه يُطعمه أيضًا؛ العامل الصَّالح هو الَّذِي يفهم أنَّ حياته وخيره يعتمدان على ربِّ العمل، ويعامله معاملة مفعمة بمشاعر التَّضحية والحُبِّ. يجب أنْ تكون علاقة الإنسان بالله مُماثِلة: الإنسان لا يعيش من أجْلِ نفسه، بَلْ من أجْلِ الله. هذا الفهم لمعنى الحياة الشَّخصيَّة وحده هو ما يتوافق مع الوضع الفعليِّ للإنسان في العالَم، وينبع من طبيعة ارتباطه بالله. فالعلاقة الطَّبيعيَّة والإنسانيَّة بين الإنسان والله هي علاقة حُبٍّ: "جوهر الحياة البشريَّة وأعلى قانون يجب أنْ يُوَجِّهها هو المَحَبَّة" (37، 166).

ولكن كيف نُحبُّ الله وماذا يعني أنْ نُحبَّ الله، إذا كُنّا لا نعرف ولا يمكننا أنْ نعرف عنه شيئًا سِوى أنَّه موجود؟

نعَم، أنا لا أعرف ما هو الله، ولا أعرف مقصده أو وصاياه. لكنَّني أعرف، أوَّلًا، أنَّ هناك أناسًا آخرين في العلاقة نفسها مع الله مثلي، وثانيًا، أنَّ في داخليِّ أصْلٌ إلهيٌّ، وهو الرُّوح الَّتِي جوهرها هو المَحَبَّة بالضَّبط. وإذا لم تكن هناك فرصة للإنسان للتَّواصل مباشرة مع الله وللنَّظر مباشرة إلى شمس الحياة المبهرة هذه، فيمكنه أنْ يفعل ذلك بشكل غير مباشر، من خلال العلاقة الصَّحيحة مع الآخرين والعلاقة الصَّحيحة مع نفسه.

العلاقة الصَّحيحة مع الآخرين تحدِّدها حقيقة أنَّهم أبناء ذلك الإله نفسه مثلي. إنَّهم إخوتي. ومن هنا تنبع ضرورة محبَّة النَّاس كإخوة وأبناء إنسانيّين، ومحبَّة الجميع من دون أيِّ انتقاص واستثناء، بِغَضِّ النَّظر عن أيِّ اختلافات دنيويَّة بينهم. فالجميع متساوون أمام اللّٰه. ومن منظار لانهائيَّتِه، تَفْقِدُ كُلُّ المسافات البشريَّة بين الغنى والفقر، بين الجمال والقُبح، بين الشَّباب والهرم، بين القُوِّة والضَّعف، وإلخ، معانيها كافَّةً. من الضَّروريِّ تقدير كرامة الأصل الإلهيِّ في كُلِّ إنسان. إنَّ المحبَّة للإنسان المفهومة على هذا النَّحو هي الأساس الوحيد الممكن لوحدة النَّاس. "مملكة الله على الأرض هي سلام جميع النَّاس فيما بينهم" (23، 370)، والحياة السِّلميَّة العقلانيَّة والمتناغمة ممكنة فقط عندما يرتبط النَّاس بفهم واحد لمعنى الحياة وبإيمان واحد. تلك الرَّابطة الأوَّليَّة غير المشروطة، الموجودة قبل وخارج أيِّ اختلافات والَّتِي يمكن أنْ تكون أساسًا لوحدتهم هي الرَّابطة الَّتِي تحدِّدها علاقتهم بالله. "كُلُّ النَّاس يعيشون بالرُّوح نفسها، لكنَّهم جميعًا منفصلون في هذه الحياة بأجسادهم. وإنْ فَهِم النَّاس هذا، فإنَّهم سيسعون إلى الاتِّحاد بعضهم مع بعض بالمَحَبَّـة" (37، 231).

أمَّا العلاقة الصَّحيحة مع الذَّات فيمكن تعريفها باختصار على أنَّها العناية بخلاص النَّفْسِ عَبْرَ السَّعي في طلب الكمال: "لا توجد في نفْسِ الإنسان قواعد معتدلة للعدالة والإحسان، بَلْ مثال الكمال الإلهيِّ الكامل واللَّامُتناهي. وحْدَهُ السَّعي نحو هذا الكمال هو ما يُحَوِّل اتّجاه حياة الإنسان من الحالة الحيوانيَّة إلى الحالة الإلهيَّة بقدر ما هو ممكن في هذه الحياة" (28، 79). ومن هذا المنظار، لا تهُمُّ الحالة الفعليَّة للفرد، لأنَّه وبصرف النَّظر عن مستوى التَّطوُّر الرُّوحيِّ الَّذِي يبلُغُه، يظلُّ هذا المستوى ضحلًا بالمقارنة مع كمال المثال الإلهيِّ المُحال بلوغه. وأيًّا تكن النُّقطة المرجعيَّة الَّتِي نتَّخذها، فإنَّ المسافة منها إلى اللَّاتناهي ستكون غير متناهية. لذلك، فإنَّ مؤشِّر علاقة الإنسان الصَّحيحة مع ذاته هو السَّعْيُ نحو الكمال، وهي الحركة نفسها من الذَّات إلى الله. علاوة على ذلك، "الإنسان الواقف على الدَّرجة الدُّنيا، وهو يتقدَّم نحو الكمال، يعيش حياة أكثر أخلاقيَّة، وأفضل، ويُنفِّذ التَّعاليم أكثر من إنسان واقف على درجة أخلاقيَّة أعلى بكثير، لكنَّه لا يتقدَّم نحو الكمال" (28، 79). بهذا المعنى، يكون الابن الضَّال الَّذِي عاد إلى البيت أعزَّ على الأب من الابن الَّذِي لم يغادره. الوعي بدرجة عدم المطابقة مع الكمال المثاليِّ - هذا هو معيار العلاقة الصَّحيحة مع الذَّات. بما أنَّ هذه الدَّرجة من عدم المُطابقة هي دائمًا لامتناهيَّة في الواقع، فإنَّ الإنسان يكون أكثر أخلاقيَّة كُلَّما أدرَك عدم كماله بشكل تامٍّ.

إذا ما أخذنا هذَيْنِ البُعْدَيْن للعلاقة مع الله - العلاقة مع الآخرين والعلاقة مع الذَّات - فإنَّ العلاقة مع الذَّات، من وجهة نظر تولستوي، هي العلاقة الأساسيَّة والتَّأسيسيَّة. فالعلاقة الأخلاقيَّة مع الذَّات تضمن تلقائيًّا، على وجه التَّقريب، العلاقة الأخلاقيَّة مع الآخرين. فالإنسان الَّذِي يُدرِك كم هو بعيد بلا حدود من المثال، هو الإنسان المتحرِّر من الخرافة الأخطر، وهي الاعتقاد بأنَّه يستطيع ترتيب حياة الآخرين. لذلك، سيسعى دائمًا إلى أنْ تكون علاقته بالآخرين علاقة الخادم، لا السَّيِّد: "لا أستطيع أنْ أُريد، أو أنْ أفكِّر، أو أنْ أؤمِن نيابة عن الآخر. أرفع حياتي، وهذا وحده يمكن أنْ يرفع حياة الآخر، والآخر هو أنا. هكذا، إذا رَفَعْتُ نفسي، أرفع الجميع. "أنا فيهم وهُمْ فِيَّ" (23، 302). إنَّ مضاعفة يقينية المحبَّة الَّتِي يجدها كُلُّ إنسان في نفسه الخاصَّة، إنَّمَا تتمثَّل في التَّوجُّه نحو الكمال الإلهيِّ اللَّامتناهي، وليس نحو النَّجاح الخارجيِّ ومديح النَّاس. بكلمة واحدة، عناية الإنسان بصفاء نفسه الخاصَّة هي أساس ومصدر واجباته الأخلاقيَّة تُجاه الآخرين وتُجاه الأُسرة والدَّولة،،، وإلخ. المَحَبَّة هي الخير.

إنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير الَّتِي تكشف مجتمعة عن معنى الحياة، هي مفاهيم حدوديَّة. إنَّها تربط الوجود البشريَّ المتناهي بلانهائيَّة العالَم. ومن هُنا تأتي مكانتها المعرفيَّة والتَّنظيميَّة المميَّزة.

والحال، على ما يرى تولستوي: "أنَّنا نُخضِع للبحث المنطقيِّ كُلَّ هذه المفاهيم - مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير- الَّتِي يُساوَى فيها المتناهي باللّامتناهي ويُستخلص منها معنى الحياة. وهذه المفاهيم لا تحتمل نقد العقل" (23، 36). إنَّها تذهب بمحتواها إلى بُعْدٍ لا يمكن للعقل سِوى الإشارة إليه، لكنَّه لا يستطيع إدراكه. وهي تُعطَى للفرد بشكل مباشر ("مطبوعة" في قلبه)، والعقل لا يُؤسِّس هذه المفاهيم بقدر ما يُوضِّحها. وحده الإنسان الطَّيِّب يستطيع أنْ يفهم ما هو الخير. لكي يُدرك العقل معنى الحياة، يجب أنْ تكون حياة صاحب العقل ذات معنى. إذا لم يكن الأمر كذلك، أيْ إذا كانت الحياة بلا معنى، فإنَّ العقل لا يملك موضوعًا للنَّظر، وفي أفضل الأحوال، يمكنه الإشارة إلى انتفاء هذا الموضوع.

والحقُّ أنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير لا تمنح الحياة معنًى، بَلْ تُعبِّر عنه. إنَّها أشكال للوعي الوجوديِّ ووعي الحياة؛ وغايتها عمليَّة وأخلاقيَّة. غَيْرَ أنَّ السُّؤال يطرح نفسه: "إذا كان لا يمكن معرفة ما هو اللَّامتناهي، وبالتَّالي، الله والحُرِّيَّة والخير، فكيف يمكن للمرء أنْ يكون لامتناهيًّا وإلهيًّا وحُرًّا وطيِّبًا؟" إذ إنَّ مَهمَّة ربط المتناهي باللَّامتناهي، من النَّاحية العمليَّة كما من النَّاحية النَّظريَّة، لا تملك حلًّا إيجابيًّا. فاللَّامتناهي هو كذلك، لأنَّه لا يمكن تعريفه نظريًّا ولا إعادة إنتاجه عمليًّا. يتحدَّث ل.ن. تولستوي في خاتمة "السوناتا الكرويتزرية" عن أسلوبين للتَّوجيه في الطَّريق: ففي الحالة الأُولَى، يمكن للأشياء الملموسة الَّتِي يجب أنْ تظهر تباعًا في الطَّريق أنْ تكون منارات للاتِّجاه الصَّحيح، أما في الحالة الثَّانية فيتمُّ التَّحقُّق من صِحَّة الطَّريق بواسطة البوصلة. وبالمِثْل، توجد طريقتان مختلفتان للإرشاد الأخلاقيِّ: تتمثَّل الأُولى في تقديم وصف دقيق للأفعال الَّتِي يجب على الإنسان القيام بها أو تجنُّبها (مثل احترام السَّبْت، لا تسرق، وإلخ)، وتتمثَّل الثَّانية في اعتبار كمال المثال الأعلى الَّذِي لا يُدرَك بمكانة المرشد للإنسان الباحث عن الأخلاق. وكما أنَّه لا يمكن بالبوصلة سِوى تحديد درجة الانحراف عن الاتِّجاه، فكذلك لا يمكن للمثال الأعلى أنْ يكون سِوى نقطة مرجعيَّة لعدم كمال الإنسان. ذلك أنَّ مفاهيم الله والحُرِّيَّة والخير الَّتِي تكشف المعنى اللَّامتناهي لحياتنا المحدودة، هي نفسها ذلك المثال الأعلى الَّذِي تتمثَّل غايته العمليَّة في أنْ يكون تأنيبًا للإنسان، ينبِّهه إلى ما لا يكونه. فالإنسان الَّذِي يسترشد بالمثال الأخلاقيِّ لا يلاحظ المسار الَّذِي تركه خلفه، لأنَّه ومهما يكن الشَّوط الَّذِي قطعه كبيرًا، فهو يبقى بالمقارنة مع ما ينتظره في الأمام، كمِّيَّة متناهية في الصِّغر. الإنسان الأخلاقيُّ والخيِّرُ مندفع ومتوثِّب كُلِّيًّا إلى الأمام، نحو المثال الأعلى، وفي هذا الاندفاع تكمن أخلاقيَّته وطيبته. وبما أنَّ أمامه ما لانهاية له، فهو لا يستطيع أنْ يُدرِك واجباته الأخلاقيَّة تُجاه هذا اللَّامتناهي إلَّا في صورة سالبة. فليس في وسع الإنسان أنْ يتطابق مع المثال الأعلى، وكُلَّما كان أفضل، قَلَّ توافقه معه. إنَّ عدم التَّطابق مع المثال الأعلى وعدم الكمال – هُما قدر الإنسان.

يعتقد ل.ن. تولستوي أنَّ جوهر المثال الأخلاقيِّ وخصوصيَّة دوره في حياة الإنسان قد تَمَّ التَّعبير عنهما بأكمل صورة في تعاليم يسوع المسيح. وفي هذا السِّياق تجدر الإشارة إلى أنَّ يسوع المسيح، في رأي تولستوي، ليس إلهًا أو ابن إله: "فَمَنْ يُؤْمِن بالله، لا يمكن أنْ يكون المسيح إلهًا بالنِّسبة إليه" (23، 174)؛ بَلْ يَعُدَّه مُصْلِحًا اجتماعيًّا وروحيًّا عظيمًا يُحَطِّم الأُسُس القديمة للحياة ويُرسي أُسُسًا جديدة لها. كما يرى تولستوي فرقًا جوهريًّا بين وجهات نظر يسوع الحقيقيَّة الواردة في الأناجيل وتحريفها في عقائد الكنيسة الأُرثوذُكسيَّة وغيرها من الكنائس المسيحيَّة الأُخرى. فكُلُّ تعاليم يسوع المسيح، في نظر تولستوي، هي ميتافيزيقا المَحَبَّة وأخلاقيَّاتها.

والحقُّ أنَّ تولستوي لم يحصر أخلاقيَّات المَحَبَّة في المسيحيَّة وحدها: "إنَّ الفكرة القائلة بأنَّ المَحَبَّة شرط ضروريٌّ ومفيد للحياة الإنسانيَّة كانت فكرةً معروفة ومُعْتَرَفًا بها في جميع التَّعاليم الدِّينيَّة القديمة. ففي جميع تعاليم حكماء المصريّين والبراهمة والرُّواقيّين والبوذيّين والطَّاويّين وغيرهم، عُدَّت المَوَدَّة والرَّأفة والرَّحمة والإحسان، وباختصار المَحَبَّة، من الفضائل الرَّئيسة" (37، 166). ومع ذلك، فإنَّ المسيح وحده هو الَّذِي رفع المَحَبَّة إلى مستوى القانون الأساسيِّ والأعلى للحياة، وقدَّم لها تسويغًا ميتافيزيقيًا مُناسِبًا، جوهره أنَّ المَحَبَّة هي الَّتِي تكشف عن المبدأ الإلهيِّ في الإنسان: "الله مَحَبَّة، ومن يثبُت في المَحَبَّة يثبُت في اللهِ واللهُ فيه" رسالة يوحنا الأُولى (4: 16).

إنَّ المَحَبَّة باعتبارها القانون الأعلى والأساسيَّ للحياة هي القانون الأخلاقيُّ الوحيد. فقانون المَحَبَّة بالنِّسبة إلى العالَم الأخلاقيِّ إلزامِيٌّ ومُطْلَق، تمامًا كإلزاميَّة قانون الجاذبيَّة للعالَم المادِّيِّ. كِلا القانونين لا يعرفان أيَّ استثناءات. لا يمكننا أنْ نُسْقِط حجرًا من يدنا من دون أنْ يَسْقُط على الأرض، وكذلك لا يمكننا أنْ نحيد عن قانون المَحَبَّة من دون أنْ نَتَرَدَّى في الفساد الأخلاقيِّ. قانون المَحَبَّة ليس وَصِيَّة، بَلْ هو تعبير عن جوهر المسيحيَّة نفسه. إنَّه المثال الأبديُّ الَّذِي سيسعى النَّاس نحوه بلا نهاية. لم يقتصر يسوع المسيح على إعلان المثال الَّذِي، كما ذُكر أعلاه، قد تَمَّت صياغته قبله، لا سِيَّما في العهد القديم. فإلى جانب ذلك، قدَّم وصايا.

في تفسير تولستوي، هناك خمس وصايا من هذا القبيل. وقد تَمَّتْ صياغتها، بحَسَبِ إنجيل مَتّى (5: 21-48)، في ذلك الجزء من الموعظة على الجبل الَّذِي جاء فيه: "قيل لَكُمْ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ"، أيْ أنَّ هناك جدالًا مباشرًا مع القانون القديم (يُحسب المرجعان عن الزِّنا كواحد). بهذه الوصايا يُلغي يسوع قانون موسى ويعلن تعاليمه. وهي كالآتي:

1.  لا تَغْضَبْ: "سمِعْتُمْ أنَّه قيل للقُدَماء: لا تَقْتُلْ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: كُلُّ مَنْ يغضب على أخيه باطلًا يكون مُسْتَوْجِب الحُكم".

2.  لا تترك زوجتك: "سمعتم أنَّه قيل للقُدَماء: لا تَزْنِ... أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: مَنْ يُطلِّق امرأته إلَّا لعِلَّة الزِّنا يجعلها تزني".

3.  لا تَحْلِفْ أبدًا بأيِّ شيء أو لأيِّ أحد: "سمعتم أنَّه قيل للقُدَماء: لا تحنث بيمينك... أمّا أنا فأقول لَكُمْ: لا تحلِفوا البَتَّةَ".

4.  لا تقاوم الشَّرَّ بالقُوَّةِ: "سمعتم أنَّه قيل: عَيْنٌ بعَيْنٍ وسِنٌّ بسِنٍّ. أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: لا تقاوموا الشَّرَّ".

5.  لا تحسب أبناء الشُّعوب الأُخرى أعداءً لك: "سمعتم أنَّه قيل: أحبب قريبك وأبغض عدوَّك. أمَّا أنا فأقول لَكُمْ: أحِبُّوا أعداءكم".

وصايا المسيح "كُلُّها ناهية سالبة وتُظهر فقط ما يمكن للنَّاس عند مستوى معيَّن من تطوُّرهم أنْ يكفُّوا عن فِعْلِه. هذه الوصايا هي بمنزلة علامات على الطَّريق اللامتناهيِّ نحو الكمال..." (28، 80).

لا يمكن لهذه الوصايا إلَّا أنْ تكون سالبة، لأنَّ الأمر يتعلَّق بإدراك درجة عدم الكمال. وللسبب نفسه، لا يمكنها أنْ تستنفد جوهر التَّعاليم المتطابق مع قانون المَحَبَّة. إنَّها ليست سِوى درجة وخطوة على طريق الكمال. لكنَّها الدَّرجة التَّالية الَّتِي يجب على الإنسان والبشريَّة الصُّعود إليها، وهي الخطوة القريبة الَّتِي يجب عليهم اتِّخاذها في جهودهم الأخلاقيَّة. تُشَكِّلُ هذه الوصايا مجتمعةً حقائق لا شكَّ في صِحَّتها كحقائق، لكنَّها لم تُستوعب بعد عمليًّا، أيْ أنَّها حقائق تتجلَّى تُجاهها حُرِّيَّة الإنسان المعاصر. بالنِّسبة إلى أزمنة العهد القديم، لم تكن هذه الحقائق قد اتَّضحت بِكُلِّ وضوحها وجلائها بعد، أمَّا بالنِّسبة إلى بشر عصور ما بعد المسيحيَّة المقبلة، فمن المفترض أنْ تصبح سُلوكِيّات معتادة وآليَّة تمامًا. أمَّا بالنِّسبة إلى الإنسان المعاصر، إنسان العصر المسيحيِّ الَّذِي دام ألْفَيْ عام، فقد أصبحت هذه الوصايا حقائق، لكنَّها لم تتحوَّل بَعْدُ إلى عادةٍ يوميَّة. صار الإنسان يجرؤ على التَّفكير بهذه الطَّريقة، لكنَّه لم يصبح بَعْدُ قادرًا على التَّصرُّف وَفْقًا لها. لذلك، فإنَّ هذه الحقائق الَّتِي أعلنها يسوع المسيح تُمَثِّلُ اختبارًا لِحُرِّيَّة الإنسان.

اللَّاعُنْف كَتَجَلٍّ لقانون المَحَبَّة

يرى تولستوي أنَّ وَصِيَّة "لا تقاوموا الشَّرَّ" تحتلُّ مركز الصَّدارة في الموعظة على الجبل، فهي الَّتِي تحظِّر العنف. فإدراكُ جوهر التَّعاليم الإنجيليَّة يَكْمُنُ في هذه الكلمات الثَّلاث البسيطة الَّتِي أعادت إلى تولستوي، ذاتَ يوم، معنى الحياة الَّذِي فقده، وأخْرَجَتْهُ، في الوقت نفسه، من مأزقه الفكريِّ. لقد أجاز القانون القديم- الَّذِي كان يدين الشَّرَّ والعنف بشكل عامٍّ- استخدامهما في حالات معيَّنة من أجل الخير – كقصاص عادل وَفْقًا لصيغة "العَيْن بالعَيْن". لكن يسوع المسيح ينسخ هذا القانون ويُلْغيه. فهو يرى أنَّ العنف لا يمكن أنْ يكون خيرًا أبدًا، ولا في أيِّ ظرف من الظُّروف، ولا يجوز اللُّجوء إلى العنف حَتَّى عندما يُضرب الإنسان ويُهان عملًا بقاعدة: "مَنْ لَطَمَكَ على خدِّك الأيمن فَحَوِّلْ له الآخر أيضًا" (إنجيل مَتّى 5: 39). إنَّ حظر العنف والنَّهي عنه هو حظر مطلق. ليس فقط على الخير أنْ يُجاب بالخير، بَلْ على الشَّرِّ أيضًا أنْ يُجاب بالخير. إنَّ كلمات يسوع المسيح عن اللَّاعنف وعدم مقاومة الشَّرِّ بالقُوَّة، عندما تُفهم بهذا المعنى المباشر والحرفيّ، هي علامة على الاتِّجاه الصَّحيح، وهي العُلُوُّ العظيم الَّذِي يقف أمامه الإنسان المعاصر في طريقه اللّامتناهي إلى الارتقاء الأخلاقيِّ. لماذا اللَّاعُنْف بالذَّات؟

العنف مضادٌّ للمحبَّة. لدى تولستوي، على الأقَلِّ، ثلاثة تعريفات متشابكة فيما بينها للعنف: أوَّلًا: يُعرِّف العنف بأنَّه القتل أو التَّهديد بالقتل. تنشأ الحاجة إلى استخدام الحِراب والسُّجون والمشانق وغيرها من وسائل الإيذاء الجسديِّ عندما تكون المَهمَّة هي إجبار الإنسان على شيء ما من الخارج؛ ثانيًا: يُؤدِّي هذا إلى التَّعريف الثَّاني للعنف بأنَّه تأثير خارجيٌّ. وتظهر الحاجة إلى التَّأثير الخارجيِّ بدورها عندما لا يكون هناك توافق داخليّ بين النَّاس؛ ثالثًا: وهكذا نَصِلُ إلى التَّعريف الثَّالث والأهَمِّ للعنف: "أنْ تُعنِّف يعني أنْ تفعل ما لا يريده الشَّخص الَّذِي يُمارَسُ العنف ضِدّه" (28، 190-191). بهذا الفَهْمِ، يتطابق العنف مع الشَّرِّ، وهو خلاف المَحَبَّة وعكسها تمامًا. أنْ تُحِبَّ يعني أنْ تفعل كما يريد الآخر، أنْ تُخضِع إرادتك لإرادة الآخر. أنْ تُعنِّف يعني أنْ تفعل كما أُريد أنا، أنْ أُخضِع الإرادة الأُخرى لإرادتي. فالمقام المركزيُّ الَّذِي تحتلها وَصِيَّة اللَّاعنف وعدم المقاومة يرتبط بحقيقة أنَّها ترسم حدود مملكة الشَّرِّ والظَّلام، وتُطْبِق الباب على هذه المملكة. بهذا المعنى، فإنَّ وَصِيَّة عدم المقاومة هي الوجه الآخر لقانون المَحَبَّة: "عدم مقاومة الشَّرِّ يعني عدم مقاومة الشَّرِّ أبدًا، أيْ لا تستخدم العنف أبدًا، أيْ لا تَقُمْ بأيِّ فعلٍ يكون دائمًا مضادًّا للمَحَبَّة" (23، 313).

اللَّاعنف أكثر من مُجرَّد رفض لقانون العنف. فهو يحمل أيضًا معنًى أخلاقيًّا إيجابيًّا يتمثَّل في: "اعتبار حياة كُلِّ إنسان مقدَّسة هو الأساس الأوَّل والوحيد لِكُلِّ أخلاق" (28، 246). إنَّ عدم مقاومة الشَّرِّ يعني بالضَّبط الاعتراف بالقدسيَّة الأصليَّة غير المشروطة للحياة البشريَّة. ليست حياة الإنسان مقدَّسة بجسده الفاني، بَلْ بروحه الخالدة. إنَّ رَفْضَ العنف ينقل الصِّراع إلى المجال الوحيد، مجال الرُّوح، حيث يمكنه فقط أنْ يجد حلًّا بنَّاءً – أيْ أنْ يتمَّ تجاوزه بالتَّوافق المتبادل.

عدم المقاومة لا ينقل الصَّراع إلى مجال الرُّوح فحسب، بَلْ وبشكل أضْيَق – إلى أعماق روح الشَّخص الَّذِي يتبنَّى مبدأ عدم المقاومة نفسه. ليس من قبيل المُصادَفة أنْ يحمل العمل الأساسيُّ لتولستوي الَّذِي يُوَضِّح مفهومه للعنف، عنوان "مملكة الله داخِلَكُمْ". من خلال عدم المقاومة، يعترف الإنسان بأنَّ مسائل الحياة والموت تقع خارج نطاق اختصاصه، فهي من شأن السَّيِّد، لا العامل، ويتخلَّى، في الوقت نفسه، تمامًا عن فكرة أنْ يكون حَكَمًا على الآخر. لم يُمنح الإنسان أنْ يَحْكُمَ على إنسان. وليس فقط، لأنَّه ناقص دائمًا، بَلْ لأنَّه ببساطة يفتقر إلى هذه القدرة، تمامًا كما يفتقر إلى القدرة على الطَّيران مثلًا. وفي تلك الحالات الَّتِي يبدو فيها أنَّنا نحكم على الآخرين، ونطلق على بعضهم صِفَة الخير وعلى بعضهم الآخر صِفَة الشَّرِّ، فإنَّنا إمَّا نخدع أنفسنا والآخرين وإمَّا في أفضل الأحوال نكشف عن عدم نُضْجِنا الأخلاقيِّ، كمثل الأطفال الصِّغار الَّذِين يجرون في الغرفة وهم يلوِّحون بأيديهم معتقدين أنَّهم يطيرون في الهواء. النَّفس هي الَّتِي تشرِّع لذاتها. ويعني هذا أنَّ سُلطة الإنسان تقتصر على نفسه فقط: "كُلُّ ما ليس نَفْسَكَ، فليس من شأنك" (23، 303)، على ما يقول تولستوي. إنَّ أخلاقيَّات عدم المقاومة هي، في حقيقتها، المطلب الَّذِي يقضي بأنْ يكون كُلُّ شخص مُلْزَمًا بالاهتمام بخلاص نَفْسِه الخاصَّة. عندما نطلق على شخص ما اسم مُجْرم ونُخْضِعه للعنف، فإنَّنا نسلبه هذا الحقَّ الإنسانيَّ؛ وكأنَّنا نقول له: "أنت غير قادر على الاهتمام بنفسك، نحن سنعتني بها". وبذلك نخدعه ونخدع أنفسنا. يمكن للمرء أنْ يسيطر على جسد الآخر، لكِنْ لا يمكن ولا ينبغي له أنْ يسيطر على روح الآخر. وبامتناعه عن مقاومة الشَّرِّ بالعنف، يعترف الإنسان بهذه الحقيقة؛ إنَّه يرفض أنْ يحكم على الآخر، لأنَّه لا يَعُدُّ نفسه أفضل منه. ليس النَّاس الآخرين هُمُ الَّذِين يجب إصلاحهم، بَلْ الذَّات نفسها. إنَّ عدم المقاومة يحوِّل النَّشاط البشريَّ إلى خُطَّة للتَّطوير الأخلاقيِّ الدَّاخليِّ للذَّات.

يُؤدِّي الإنسان دوره الحقيقيَّ فقط عندما يُحارِب الشَّرَّ في نفسه. أمَّا عندما يضع أمامه مَهمَّة محاربة الشَّرِّ في الآخرين، فإنَّه يقتحم منطقةً لا سلطان له عليها. غالبًا ما يكون العنف مجهولًا: يضع الجلَّادون أقنعة. فالأشخاص الَّذِين يرتكبون العنف عادةً ما يخفون ذلك. وهُمْ يخفونه عن الآخرين وعن أنفسهم. وهذا ينطبق بشكل خاصٍّ على العنف الحكوميِّ الَّذِي يجري تنظيمه بحيث "لا يرى الأشخاص الَّذِين يرتكبون أفظع الأفعال أيَّ مسؤوليَّة عنها... طَلَبَ بعضهم، وقرَّر آخرون، وأكَّد ثالثون، واقترح رابعون، وأبلغ خامسون، وأوصى سادسون، ونفَّذ سابعون" (28، 250-251). ولا أحد مذنب. إنَّ تمييع المسؤوليَّة في مثل هذه الحالات ليس مُجرَّد نتيجة لمحاولة متعمَّدة لإخفاء الأدلَّة. إنَّه يعكس روح المسألة نفسها: فالعنف، موضوعيًّا، هو مجال للسُّلوك اللَّاحُرِّ واللَّامسؤول. فمن خلال نظامٍ معقَّدٍ من الالتزامات الخارجيَّة، يجد النَّاس أنفسهم شركاء في جرائم لم يكن أيُّ منهم ليرتكبها لو أنَّ هذه الجرائم كانت تعتمد فقط على إرادته الفرديَّة: "فلا جِنِرالَ ولا جُنْدِيَّ، من دون انضباط وقَسَمٍ وحربٍ، ليس فقط لن يقتل مئات الأتراك أو الألمان ويُخرِّب قُراهم، بَلْ ولن يجرؤ حَتَّى على إيذاء إنسان واحد. كُلُّ هذا يحدث فقط بفضل تلك الآلة الحكوميَّة والاجتماعيَّة المعقَّدة الَّتِي تتمثَّل مَهمَّتها في تمييع مسؤوليَّة الفظائع المرتكبة بحيث لا يشعر أحد بالطَّابع اللَّاسَوِيِّ لهذه الأفعال" (23، 332). إنَّ ما يميِّز عدم المقاومة من العنف هو أنَّه مجال للسُّلوك الفرديِّ المسؤول. إنَّه عمل إبداعيٌّ بحت يحمل بصمة صاحبه. ومهما كانت محاربة الشَّرِّ في النَّفْسِ صعبة، فإنَّها تعتمد فقط على الإنسان وحده. لا توجد قوى يمكنها أنْ تعيق شخصًا عقد العزم على عدم المقاومة. إنَّ عدم مقاومة الشَّرِّ الَّذِي يتحوَّل إلى اكتمال ذاتيِّ داخليِّ، أو بعبارة أُخرى، إنَّ التَّطوير الدَّاخليَّ للذَّات الَّذِي يتحقَّق في عدم مقاومة الشَّرِّ، هو مِحَكُّ اختبار حُرِّيَّة الإنسان المُعاصِر.

لِكُلِّ قتل، مهما كانت سلسلة أسبابه معقَّدة ومخفيَّة، حلقة أخيرة – يجب على شخص ما أنْ يطلق النَّار ويضغط على الزِّناد، وإلخ. فالإعدام لا يحتاج فقط إلى قوانين مُناسِبة وقضاة،،، وما شابه، إنَّمَا يحتاج أيضًا إلى جلَّادٍ. إنَّ الدَّرب الأكثر ضمانًا وأمنًا وفعاليَّة لإزالة العنف من العلاقات البشريَّة، في رأي تولستوي، هو أنْ نبدأ من هذه الحلقة الأخيرة. إنْ لم يكن هناك جلَّادٌ، فلن يكون هناك إعدام. فليكن هناك دساتير وقضاة وأحكام وكُلُّ شيء آخر، ولكِنْ إذا لم يرغب أحد في أنْ يصبح جلَّادًا، فلن يكون هناك من ينفِّذ حكم الإعدام بصرف النَّظر عن مدى شرعيَّته. هذا المنطق لا يمكن دحضه. بالطَّبع، كان تولستوي يعلم أنَّ هناك دائمًا متطوعين لدور الجلَّاد. لقد وصف حالات تنافَسَ فيها النَّاس للفوز بهذا المنصب المربح بطريقته. لكنَّه عرف أيضًا شيئًا آخر: لا يمكن لأحد أنْ يمنع الإنسان من أنْ يصبح جلَّادًا إلَّا نفسه. إنَّ فكرة عدم المقاومة تكون مضمونة وفعَّالة فقط عندما ينظر الإنسان إليها كتجسيد ملموس لكرامته الأخلاقيَّة والإنسانيَّة، عندما يقول لنفسه: "لن أُصبح جلَّادًا أبدًا وفي أيِّ ظرف. أوثِر أنْ أموت أنا نفسي على أنْ أقتل شخصًا آخر".

يرى الوعي السَّاذج في مماهاة السِّيادة الأخلاقيَّة للشَّخصيَّة بعدم المقاومة موقفًا يتناقض مع سعي البشر إلى تحصيل السَّعادة. يناقش تولستوي بالتَّفصيل الحُجج الشَّائعة ضِدَّ عَدَمِ المُقَاوَمَة. ثلاث منها هي الأكثر انتشارًا:

الحُجَّة الأُولى هي أنَّ تعاليم المسيح رائعة ونبيلة، لكنَّها صعبة التَّنفيذ. ردًّا على ذلك، يسأل تولستوي: هل الاستيلاء على الممتلكات والدِّفاع عنها سهلًا؟ وهل حرث الأرض وتربية الأطفال يخلوان من المشقَّات والصُّعوبات؟ في الواقع، الأمر لا يتعلَّق بصعوبة التَّنفيذ، بَلْ بإيمان زائف مُفاده أنَّ إصلاح الحياة البشريَّة لا يعتمد على النَّاس أنفسهم وعقلهم وضميرهم بقدر ما يعتمد على المسيح الآتي على سَحَابِ السَّماء مصحوبًا بِبُوق عظيم الصَّوْتِ أو على قانون تاريخيٍّ. لكن"من صفات الطَّبيعة الإنسانيَّة فعل ما هو أفضل" (23، 372). لا توجد جبريَّة موضوعيَّة للوجود البشريِّ، بَلْ هناك أُناس يتَّخذون القرارات. لذا، فإنَّ القول عن التَّعاليم الَّتِي تتعلَّق بالاختيار البشريِّ، وتتعلَّق بعزيمة الرُّوح وليس بالقدرات الجسديَّة، بأنَّها جيِّدة للنَّاس، ولكنَّها غير قابلة للتَّطبيق – هو قول يناقض نفسه.

الحُجَّة الثَّانية هي أنَّه "لا يمكن لشخصٍ واحدٍ أنْ يسير ضِدَّ العالَم كُلِّهِ" (23، 385). ماذا لو، على سبيل المثال، كنت أنا الوحيد الوديع الَّذِي يعيش على هُدى التَّعاليم، وأُعطي الخدَّ الآخر، وأرفض أداء اليَمين، وإلخ، بينما يستمرُّ الآخرون في العيش وَفْقًا للقوانين القديمة، عندها سيتمُّ ازدرائي وضربي وقتلي رميًا بالرصاص، وسأهدر حياتي من دون جدوى. تعاليم المسيح هي طريق الخلاص وطريق الحياة المبارَكة لمن يتَّبعها. لذلك، فإنَّ الشَّخص الَّذِي يقول إنَّه سيكون سعيدًا باتِّباع هذه التَّعاليم، لكنَّه يخشى أنْ يهدر حياته، فإنَّه، على الأقَلِّ، لا يفهم ما يجري الحديث عنه. هذا يشبه شخصًا غريقًا رُمِيَ له حَبْل الإنقاذ، فأبى استخدامه متذرِّعًا بالقول إنَّه كان يودُّ استخدام الحَبْل بِكُلِّ سرور، لكنَّه يخشى ألَّا يفعل الآخرون الشَّيء نفسه.

الحُجَّة الثَّالثة هي امتداد للحُجَّتين السَّابقتين، وتشكِّك في إمكانية تطبيق تعاليم المسيح، لأنَّها محفوفة بمعاناة كبيرة. على وجه العموم، لا حياة بشريَّة تعرى في الأصل من معاناة، ولا يمكن أنْ تكون خالية من الآلام. والسُّؤال كُلُّه هو: متى تكون هذه المعاناة أكبر؟ عندما يعيش الإنسان بِاسْمِ الله أم عندما يعيش بِاسْمِ العالَم؟ إجابة تولستوي واضحة لا لَبْسَ فيها: عندما يعيش بِاسْمِ العالَم. إذا ما نظرنا إلى الحياة من منظار الفقر والثَّروة، والمرض والصِّحَّة، وحتميَّة الموت، فإنَّ حياة المسيحيِّ ليست أفضل من حياة الوثنيِّ، لكنَّها تتفوَّق على الأخيرة من جهة كونها لا تُستنفَد بالكامل في الانشغال التَّافه بالتَّأمين الوهميِّ للحياة، وفي السَّعي وراء سراب السُّلطة والثَّروة والصِّحَّة. والحال أنَّ أتباع تعاليم المسيح أقلُّ شقاءً، لسبب بسيط: لأنَّهم متحرِّرون من المعاناة المرتبطة بالحسد وخيبات الأمل من الفشل في الصِّراع والمزاحمة. فالتَّجربة، على ما يقول تولستوي، تؤكِّد أيضًا أنَّ النَّاس يعانون، بصورة رئيسة، ليس بسبب تسامُحِهم المسيحيِّ، بَلْ بسبب أنانيَّتهم الدُّنيويَّة. وقد أشار إلى ذلك بقوله: "في حياتي السَّعيدة جدًّا، بالمعنى الدُّنيويِّ، يمكنني أنْ أجمع من المعاناة الَّتِي كَابَدْتُها بِاسْمِ تعاليم العالَم ما قد يَفُوقُ معاناة شهادةٍ مجيدةٍ بِاسْمِ المسيح" (23، 416). تعاليم المسيح ليست أكثر أخلاقيَّة فحسب، بَلْ هي أيضًا أكثر حكمة وتعقُّلًا. إنَّها تُجنِّب النَّاس ارتكاب الحماقات.

وهكذا، فإنَّ الحُجج السَّاذجة ضِدّ أخلاقيَّات اللَّامُقاوَمَة ليست أكثر من مجرَّد مسبقات وترَّهات. يسعى النَّاس بواسطتها إلى خداع أنفسهم واختلاق تبريرات لنمط حياتهم اللَّاأخلاقيِّ المدمِّر، والتَّهرُّب من المسؤوليَّة الشَّخصيَّة عن كيفيَّة عيشهم.

قد يبدو التَّركيز على خلاص النَّفْسِ الخاصَّة للوهلة الأُولى شكلًا من أشكال الأنانيَّة المنمَّقة. لكِنْ هذا ليس صحيحًا في الواقع. فماهيَّة النَّفس هي المَحَبَّة. وطريق اللّامقاومة هو طريق الإنسان إلى ذاته، ليس بمعنى العزلة عن الآخرين أو اللَّامبالاة بهم. إنَّه الطَّريق إلى ذلك الإلهيِّ الموجود في النَّفْسِ، وبالتَّالي، هو ذلك الطَّريق إلى الذَّات الَّذِي يربط الإنسان بالآخرين، بالأبناء البشريّين مثله تمامًا. فالسُّؤال الَّذِي يُقلق تولستوي هو: "كيف يمكن حلَّ النِّزاعات بين النَّاس، عندما يحسب بعضهم شرًّا ما يراه الآخرون خيرًا، وبالعكس؟" (28، 38). الإجابة المعهودة منذ آلاف السِّنين هي: يجب على الأخيار أنْ يحكموا الأشرار. ولكِنْ، كيف نعرف أنَّ الأخيار هم من يحكمون وليس الأشرار؟ فطبقًا لشروط المسألة، ليس لدينا معيارٌ مُجْمَعٌ عليه ومشترك للشَّرِّ. فالأخيار بصفتهم أخيارًا بالذَّات لا يمكنهم أنْ يحكموا. فقد سبق لقابيل أنْ قتل هابيل. ولم يَكُنْ في الإمكان أنْ يحدُثَ الأمر بشكل مختلف. "قد يكون هناك أشرار بين أولئك الذين يخضعون للسُّلطة، لكِنْ لا يمكن أنْ يتحكَّم أكثر الأخيار طيبةً بأشدِّ النَّاس شرًّا" (28، 191). في مثل هذه الحالة، لا يوجد سِوى حلٍّ واحد – يجب على الإنسان أنْ يلتفت إلى نفسه الخاصَّة، وهذا يعني أنَّه يجب ألَّا يقاوم بالعنف ما يحْسَبه شرًّا.

عدم المقاومة هو القانون

تجمع وَصِيَّة عدم المقاومة تعاليم المسيح في نسق كامل فقط إذا ما فُهِمَتْ على أنَّها ليست مجرَّد قول مأثور، بَلْ بصفتها قانونًا إلزاميًّا لا يعرف الاستثناءات. إذ إنَّ السَّماح باستثناءات من قانون المَحَبَّة يعني الاعتراف بوجود حالات يكون فيها استخدام العنف مبرَّرًا أخلاقيًّا. وهذا محال. إذا سُمح لشخص ما في ظروف معيَّنة، بمقاومة ما يحسبه شرًّا بالعنف، فمن الممكن، عندئذ، لأيِّ شخص آخر أنْ يفعل الشَّيء نفسه. فَكُلُّ خصوصيَّة الوضع الَّذِي تنبع منه فكرة عدم المقاومة تكمن بالضَّبط في عجز النَّاس عن الوصول إلى اتِّفاق حول الخير والشَّرِّ. وإذا ما سمحنا ولو بحالة واحدة من القتل "المبرَّر"، فإنَّنا نفتح الباب على مصراعيه أمام سلسلة لانهاية لها من هذه الحالات.

حاول عالِم الطَّبيعة المعروف إرنست هيكِل، المعاصر لتولستوي وأحد أتباع تشارلز داروين، بالاستناد إلى القوانين الطَّبيعيَّة للصِّراع من أجل البقاء، تسويغ عدالة وفائدة إعدام ما أسماه "المجرمين والأوغاد غير القابِلين للإصلاح". وفي الاعتراض عليه يسأل تولستوي قائلًا: "إذا كان قتل الأشرار مفيدًا، فَمَنِ الَّذِي يقرِّر: من هو المؤذي والضَّار؟ أنا، على سبيل المثال، أعتقد أنَّني لا أعرف أحدًا أسوأ وأضَرَّ مِنَ السَّيِّد هيكِل. أيَحُقُّ لي ولأشخاص يُشاطِرونَني هذه القناعة أنْ نحكم على السَّيِّد هيكِل بالإعدام شنقًا؟" (37، 74). هذه الحُجَّة ضِدّ العنف الَّتِي ظهرت لأوَّل مَرَّة في القِصَّة الإنجيليَّة عن المرأة الَّتِي كانت قَابَ قَوْسَيْنِ أو أدنى من التَّعرُّض للرَّجْم، هي في جوهرها، حُجَّة لا يمكن تفنيدها: أين هو ذلك الإنسان المعصوم الَّذِي يمكنه الحكم من دون خطإٍ على الخير والشَّرِّ، ويخبرنا متى ومن يمكن أنْ يُرجَم بالحجارة؟!

كما يرى تولستوي أنَّ المحاججة النَّفعيَّة المؤيِّدة للعنف والمبرِّرة له في الحالات الَّتِي يمنع فيها عنفًا أكبر هي مرافعة باطلة. فعندما نقتل إنسانًا شَهَرَ سكينًا على ضحيَّته، لا يمكننا أبدًا أنْ نعلم عِلْمَ اليَقين المُطْلَق ما إذا كان سيُنَفِّذ نيَّته أم لا، وما إذا كان شيءٌ ما قد يتغيَّر في اللَّحظة الأخيرة في وَعْيِه (اُنظُر 37، 206). وعندما نُعْدِم مجرمًا، فإنَّنا مَرَّة أُخرى لا يمكن أنْ نكون على يقين تامٍّ أنَّ المجرم لن يتغيَّر ولن يندم، وأنْ يبدو إعدامنا له قسوة لا طائل منها (انظُر 28، 29). ولكِنْ، حَتَّى لو افترضنا أنَّ الحديثَ هو حديثٌ عن مجرم ميؤوس مِنْهُ عنيد لم يكن ليغيِّر نفسه أبدًا، فإنَّ الإعدام لا يمكن تبريره براغماتيًّا، لأنَّ عمليَّات الإعدام تؤثِّر في المحيطين، وبخاصَّةٍ، في أقربائه، بشكل يخلق أعداءً مُضاعَفَةً أعدادهم وأكثر شرًّا من أولئك الَّذِين قُتلوا ودُفنوا في الأرض (37، 214). لدى العنف مَيْلٌ للتَّكاثُر على نطاق واسع وبوتيرة مرتفعة. لذلك، فإنَّ فكرة العنف المحدود والحدِّ من العنف بالعنف هي فكرة باطلة. هذه الفكرة بالذَّات هي الَّتِي ألغاها قانون عدم المقاومة. قال المسيح للنَّاس: "أنتم تعتقدون أنَّ قوانينكم العنفيَّة تُصلح الشَّرَّ؛ لكنَّها تزيده فقط. لقد حاولتم على امتداد آلاف السِّنين أنْ تُدمِّروا الشَّرَّ بالشَّرِّ فلم تُدمِّروه، بَلْ زِدْتُموه. افعلوا ما أقوله وما أفعله، وعندها ستعرفون إنْ كان هذا حقًّا" (23، 329).

في الواقع، من السِّهل ارتكاب العنف، وللأسف يَتِمُّ ارتكابه باستمرار. لكن لا يجوز تبريره. لا يمكن للعقل أنْ يسوِّغه كفِعْلٍ إنسانيٍّ وكفِعْلٍ مسيحيٍّ. يتحدَّث تولستوي عمَّا إذا كان يمكن أنْ يوجد حقٌّ بالعنف والقتل. استنتاجه قاطع: لا وجود لمثل هذا الحقِّ. إذا كُنَّا نتبنَّى الأخلاق الإنسانيَّة العامَّة والقيم المسيحيَّة، وإذا كُنَّا نقول إنَّ النَّاس متساوون أمام الله ومتساوون في كرامتهم الأخلاقيَّة، فلا يمكن تبرير عنف الإنسان ضِدّ الإنسان من دون انتهاك فاضح لقوانين العقل والمنطق. كان في إمكان الإنسان الآكِل لِلُحوم البشر، في إطار وعيه، أنْ يُبَرِّر العنف. وكان في إمكان الإنسان الملتزم نواميس العهد القديم، في إطار وعيه الَّذِي يفضِّل شعبه على الشُّعوب الأُخرى ويُميِّز بينه وبينها، أنْ يُبَرِّر العنف أيضًا. لكِنَّ الإنسان المُعاصِر الَّذِي يَدِينُ بدِينِ الحُبِّ ويسترشد بأفكار حُبِّ الإنسان، لا يستطيع فِعْلَ ذلك. لذلك، اعْتَبَرَ تولستوي عقوبة الإعدام شكلًا من أشكال القتل أسوأ بكثير من القتل العاديِّ بدافع الشَّهوة أو لاعتبارات شخصيَّة أُخرى. هي أسوأ بسبب منهجيتها الباردة وادِّعائها الشَّرعيَّة والتَّبرير. يمكن للمرء أنْ يفهم تمامًا ارتكاب إنسان لجريمة قتل في لحظة غضب أو انفعال دفاعًا عن نفسه أو عن شخص عزيز. ويمكن فَهْم مشاركة المرء في القتل الجماعيِّ في الحرب تحت تأثير الإيحاء الجماعيِّ. لكِنْ لا يمكن فَهْم كيف يمكن للنَّاس أنْ يرتكبوا القتل بهدوء وروية وعن سابق إصرار وتصميم، وهُمْ في كامل تمتُّعهم بالصِّفات الإنسانيَّة، وكيف يمكنهم اعتبار القتل ضروريًّا. كان ذلك ليفوق فَهْمَ تولستوي وتَصوُّره. ففي" ذكريات من محاكمة جنديٍّ" يكتب تولستوي:"لقد بقيت عقوبة الإعدام بالنِّسبة إلَيَّ كما كانت عليه واحدة من تلك التَّصرُّفات البشريَّة الَّتِي لا تقوِّض المعطيات عن ارتكابها في الواقع الوعي في داخليِّ باستحالة قيامي بها" (37، 69).

وفي الحقيقة، يقول ل.ن. تولستوي شيئًا بسيطًا جدًّا: العنف لا يتوافق مع الأخلاق والعقل، ولا يجب على كُلِّ من يرغب في العيش وَفْقًا للأخلاق والعقل أنْ يرتكبه أبدًا.

يحكي الأمريكي جورج كينان عن مقابلته مع ل. ن. تولستوي الَّتِي طرح في سياقها عليه سؤالًا مباشرًا: هل كان الكاتب الكبير الكونت ل.ن. تولستوي ليقتل لصًّا يستعد لقتل ضحِيَّة بريئة في حال لم تكن هناك أيُّ وسيلة أُخرى لإنقاذ حياة الأخيرة؟ ردًّا على ذلك أجابه تولستوي: "لو رأيت دُبًّا في الغابة يستعِدُّ لمهاجمة فلاح، لحطَّمت رأسه بالفأس، لكنَّني ما كُنْتُ لأقْتُلَ إنسانًا يستعِدُّ لِفِعْلِ الشَّيء نفسه" (ل. ن. تولستوي في ذكريات المعاصرين: إصدار في مُجَلَّدَيْنِ. موسكو، 1978، المُجَلَّد الأوَّل. ص 369). في هذه الحالة العيانيَّة لَمْ يَقُلْ تولستوي شيئًا سِوى تَكرار الحقيقة الَّتِي تمثِّل في المجتمع قانونًا لا يتزعزع كقانون الجاذبيَّة في الطَّبيعة؛ "عدم مقاومة الشَّرِّ يعني عدم مقاومة الشَّرِّ أبدًا" (23، 313).

لماذا يتشبَّث النَّاس بالقديم؟

"ما أنْ يُؤْمِنَ النَّاس بتعاليم المسيح ويُنَفِّذوها، حَتَّى يَعُمَّ السَّلام على الأرض" (23، 370). لكن أكثر النَّاس لا يُؤْمِنون بتعاليم المسيح ولا يُنَفِّذونها. لماذا؟ يرى ل.ن. تولستوي أنَّ هناك سببين أساسيَّين، على الأقَلِّ، يَحْجُبانِ عن النَّاس حقيقة يسوع المسيح: أوَّلُهُما، قصور الفَهْم السَّابق للحياة؛ وثانيهما، تحريف التَّعاليم المسيحيَّة.

قَبْلَ أنْ يضع يسوع المسيح وَصِيَّة عدم المقاومة، ساد في المجتمع اعتقاد بأنَّ الشَّرَّ يمكن استئصاله بالشَّرِّ. وقد تجسَّد هذا الاعتقاد في نظام معيَّن للحياة البشريَّة، وتغلغل في العادات والأعراف، وأصبح أساسًا لعدم المساواة الاجتماعيَّة. ذلك أنَّ "أُسُس جميع امتيازات الأغنياء على الفقراء لم تنشأ من شيء سِوى الجَلْدِ بالسِّياط والسُّجون والأشغال الشَّاقَّة والقتل" (28، 228) — هذا هو حُكْمُ تولستوي الصَّارم. ناهيك بكون الدَّافعيَّة المهيمنة على السُّلوك الاجتماعيِّ مرتبطة بالعنف أيضًا، ويكمن جوهرها في سعي المرء إلى التَّميُّز وثناء النَّاس عليه وإثبات أفضليَّتة وتفوُّقه على الآخرين. لكن بؤرة العنف الرَّئيسة هي الدَّولة بجيوشها وسياستها المرتبطة بالتَّجنيد الإجباريِّ العامِّ والقَسَم والضَّرائب والمحاكم والسُّجون، وإلخ. باختصار، الحضارة كُلُّها قائمة على قانون العنف، وإنْ كانت، بالطَّبع، لا تُخْتَزَل به. ففي أُسُسها الرُّوحيَّة، تبقى ما قَبْل مسيحيَّة.

كثيرًا ما يُعاب على تولستوي نَزْعَته الأخلاقيَّة المجرَّدة. يزعم بعض نقاده أنَّه، ولاعتبارات أخلاقيَّة خالصة، رَفَضَ كُلَّ عنف وعَدَّ كُلَّ إكراهٍ ماديٍّ عنفًا، وأنَّه لهذا السَّبب أغلق على نفسه طريق فَهْم كُلِّ تعقيدات العلاقات الحياتيَّة وأعماقها. وانطلاقًا من هذا النَّظرة انتقد الفيلسوف الرُّوسيُّ المعروف في القرن العشرين إيفان ألكسندروفيتش إيلين( 1883-1954) في كتابه ذي العنوان البالغ الدَّلالة "حول مقاومة الشَّرِّ بالقُوَّةِ" أفكار ل.ن. تولستوي وأطروحاته. والحقُّ أنَّه لا تجوز الموافقة التَّامَّة على مثل هذا النَّقد. ففي معرض تحليله للعنف، لم يقتصر تولستوي على موقف الإدانة الأخلاقيَّة غير المشروطة. لقد اتَّسم تحليله بِنَفَسٍ تاريخاني، على سبيل المثال، عندما اعترف بجواز العنف الحكوميِّ لزمن معيَّن: "ربَّما كان العنف الحكوميُّ ضروريًّا للحالة السَّابقة للنَّاس، وربَّما ما يزال ضروريًّا حَتَّى الآن" (37، 199). علاوة على ذلك، يتَّصف موقف تولستوي بطابع ملموس تمامًا عندما يميز بين عنف الثُّوار وعنف السُّلطات. في مقالته الشَّهيرة "لا أستطيع السُّكوت"، يقول إنَّ فظائع الثُّوار أكثر قابليَّة للفهم والتَّفسير من الفظائع المضادَّة الَّتِي ترتكبها السُّلطات، لأنَّ الأُولى ترتبط بمخاطر شخصيَّة أكبر، ويرتكبها شباب، ولا تُرتكَب بدم بارد وقسوة شديدة، ولا تُغطَّى بدوافع دينيَّة زائفة (37، 92). ومع ذلك، يرى تولستوي أنَّ كُلَّ هذه الاختلافات التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة تفقد كُلَّ أهمِّيَّتها من منظار المثال المسيحيِّ. ومع ظهور وَصِيَّة عدم المقاومة، يتغيَّر المقام الرُّوحيُّ للعنف جذريًّا، ويفقد مبرِّره الأخلاقيَّ: "لم يعد العنف يُمارس الآن، لأنَّه يُعدُّ ضروريًّا، بَلْ فقط، لأنَّه موجود منذ زمن سحيق، وهو منظَّم من الأشخاص المستفيدين منه، أيْ الحكومات والطَّبقات الحاكمة، بطريقة لا يستطيع الأشخاص الخاضعون لهذه السُّلطة الفكاك منها" (28، 152). علاوة على ذلك، يرى تولستوي في عدم المقاومة نفسه، كما سبق ذكره، إحدى الدَّرجات على الطَّريق اللَّامتناهي إلى الكمال. وهو يفترض تمامًا بأنَّ هذه الحقيقة السَّامِيَة ستصبح مع الوقت عادةً بديهيَّة، وسيخجل النَّاس مِنَ المشاركة في أعمال العنف كما يخجلون الآن من الاحتيال أو الجبن. وإذا كان ممكنًا تسمية مثل هذا الموقف تنظيرًا خُلقيًّا خالصًا، فإنَّه ذلك النَّوع من التَّخلقُن الَّذِي يشكِّل هو نفسه مَهمَّةً تاريخيَّةً.

تمكَّنت تقاليد العنف الَّتِي تمتَدُّ لآلاف السِّنين من الالتفاف على تعاليم يسوع المسيح، بعد أنْ شَوَّهَت جوهرها أوَّلًا.

يعتقد ل.ن. تولستوي أنَّ حقيقة المسيح الَّتِي نجدها في الأناجيل قد شُوِّهت لاحقًا من قِبَلِ الكنائس الَّتِي خلفته. وقد طالت التَّحريفات ثلاث نقاط رئيسة: أوَّلًا: زعمت كُلُّ كنيسة أنَّها الكنيسة الوحيدة الَّتِي تفهم حقيقة تعاليم المسيح وتنفِّذها بشكل صحيح. غير أنَّ ادِّعاءً كهذا يتناقض مع روح التَّعاليم الَّتِي تُوَجِّه مسار الإنسان نحو الكمال، والَّتِي لا يمكن لأيٍّ من الأتباع، أفردًا كان أم مجموعةً، أنْ يدَّعي فَهْمَها بشكل نهائيٍّ؛ ثانيًا: لقد حصرت الكنائس التَّعاليم في شعار الإيمان، وربطت الخلاص بتأدية شعائر وأسرار وصلوات معيَّنة، ونصَّبت نفسها وسيطًا بين النَّاس والله. وبذلك قامت بتحريف المسيحيَّة في تلك النُّقطة الحاسمة الَّتِي تؤكِّد أنَّ إقامة ملكوت الله على الأرض تعتمد أيضًا على الإنسان وعلى أعماله الصَّالحة. وفي ذلك يقول تولستوي: "إمَّا الموعظة على الجبل وإمَّا شعار الإيمان: يستحيل تصديق هذا وذاك" (28، 60)؛ ثالثًا: شَوَّهَت الكنائس معنى الوَصِيَّة الرَّابعة وهي الأهَمُّ، وَصِيَّة عدم مقاومة الشَّرِّ، واضعةً إيَّاها موضع شكٍّ، وهذا ما شَكَّل إلغاءً لقانون المَحَبَّة: "لقد ضُيِّق نطاق عمل مبدأ المَحَبَّة ليقتصر على الحياة الشَّخصيَّة والشُّؤون العائليَّة، أمَّا في ما يتعلَّق بالحياة العامَّة فقد عُدَّ استخدام العنف بكُلِّ أنواعه ضِدّ الأشرار ضروريًّا لخير السَّواد الأعظم من النَّاس: السُّجون والإعدامات والحروب هي أفعال مُضادَّة تمامًا لأضعف شعور بالمَحَبَّة" (37، 263).

كان المعنى العامُّ لجميع التَّأويلات الكنسيَّة لتعاليم المسيح هو نَقْلُها من مجال الواجبات والأفعال الأخلاقيَّة إلى مجال الآمال والأحلام الدَّاخليَّة: "بدلًا من أنْ تقود العالَم في حياته، قامت الكنيسة، إرضاءً للعالَم، بإعادة تأويل التَّعاليم الميتافيزيقيَّة للمسيح بحيث لم ينتج عنها أيُّ مطالب من الحياة، ولم تمنع النَّاس من العيش كما كانوا يعيشون... لقد فعل العالَم كُلَّ ما أراد، تاركًا للكنيسة اللَّحاق بِرَكْبِه، على قدر ما تستطيع، في تفسيراتها لمعنى الحياة. أنشأ العالَم حياته الخاصَّة المعاكسة تمامًا لتعاليم المسيح، بينما اختلقت الكنيسة استعارات ومجازات زيَّنت للنَّاس أنَّهم يعيشون وَفْقًا لقانون المسيح، وذلك رغم عيشهم بشكل مناقض له. وانتهى الأمر بأنْ أصبح العالَم يعيش حياة أسوأ من الحياة الوثنيَّة، وأصبحت الكنيسة لا تبرِّر هذه الحياة فحسب، بَلْ تؤكِّد أنَّ هذه الحياة بالذَّات هي نفسها تعاليم المسيح" (23، 439). نتيجة لذلك، نشأ وضع يُظهِر فيه النَّاس ما لا يضمرون، ويقولون بألسنتهم ما لا يفعلون، ويكرهون نظام الأشياء الَّذِي يدعمونه بأنفسهم. وفي المُحصِّلة يحظى العنف بتتِمَّته وامتداده في النِّفاق والخداع: "فالكَذِب، على ما يقول تولستوي، يدعم قسوة الحياة، وقسوة الحياة تتطلَّب المزيد والمزيد من الكَذِب، ويكبر هذا وذاك ككرة الثَّلج المتدحرجة بشكل لا يمكن إيقافه" (37، 160).

إذن، أين المخرج من هذا الوضع اللَّاسَوِيّ؟ يجيب تولستوي عن هذا السُّؤال بكلمات المسيح من إنجيل مَتّى (مَتّى 24: 3-28) الَّتِي تنبئ بأنَّ نهاية العالَم الوثنيِّ ستأتي عندما تصل مصائب البشر إلى أوج ذروتها، وعندئذ، سيُبشَّر في جميع أنحاء الكون بالبشارة السَّارة لنظام عالميٍّ جديد قائم على اللَّاعنف. وقد بدأ العالَم، في رأي تولستوي، يدخل فعليًّا في مثل هذه المرحلة. فمن ناحية: تزداد أحوال البشر بؤسًا وشقاءً باستمرار، ويصل العنف إلى مستويات غير مسبوقة، ما يقنع النَّاس بشكل واضح بأنَّ هذا الطَّريق مهلك لا محالة. بَلْ إنَّ تولستوي يطرح فكرةً قد يكون مستحيلًا أنْ ينطق بها لسان إنسان أخلاقيٍّ محافظ: إنَّ مشاركة النَّاس ذاتها في العنف هي ما ينفِّرهم منه. ذلك أنَّ "العنف يختار ويجذب إليه أسوأ عناصر المجتمع، فَيَسْبِكُهُم من جديد على نَحْوٍ أحسن وأفضل مما كانوا عليه ثُمَّ يعيدهم إلى المجتمع" (28، 196). ومن ناحية أُخرى: لم يمرَّ ثمانية عشر قرنًا من المسيحيَّة على النَّاس من دون أثر، فقد تبنُّوها، وإنْ كان ذلك بشكلٍ صوريٍّ وسطحيٍّ. علاوة على ذلك، كان اعتناق المسيحيَّة بشكلٍ مُشوَّهٍ شرطًا لنشرها في وعي الجماهير العريضة، لكي تُفهم لاحقًا بمحتواها الحقيقيِّ. مثل البذرة المزروعة الَّتِي يجب أنْ تُغَطَّى بالتُّراب لفترة من الزَّمن قبل أنْ تنبت.

كُلُّ هذا - شروط عامَّة للانتقال إلى أُسُس حياة جديدة، لكنَّها لا تحدِّد وقتًا أو ساعة محدَّدة لهذا التَّحوُّل. من المستحيل، مبدئيًّا، التَّنبؤ بالميعاد الدَّقيق لبدء الحياة الجديدة أو "ملكوت الله" بالمصطلح المسيحيِّ، لأنَّ مجيئه يعتمد على النَّاس أنفسهم. إنَّها ليست مسألة قَدَرٍ إلهيٍّ، بَلْ مسألة اختيارٍ إنسانيٍّ. ملكوت الله موجود في الدَّاخل، وعلى كُلِّ إنسان أنْ يكتشفه في نفسه ويبني ملكوته الخاصَّ، وهكذا فقط يمكن للملكوت العامِّ أنْ يتشكَّل. "فالاتِّحاد يتحقَّق فقط عندما لا يفكِّر النَّاس في الاتِّحاد، بَلْ عندما يفكِّر كُلُّ واحد فقط في تنفيذ قانون الحياة" (37، 211).

ينبغي ألَّا تُفهم فكرة اللَّاعنف والتَّطوير الأخلاقيِّ الدَّاخليِّ للفرد وكأنَّ تولستوي يعارض العمل الجماعيَّ والإجراءات ذات الأهَمِّيَّة المجتمعيَّة والواجبات الأخلاقيَّة المباشرة للإنسان تُجاه الآخرين. على العكس تمامًا. إذ إنَّ عدم المقاومة، في رأي تولستوي، هو تطبيق تعاليم المسيح على الحياة المجتمعيَّة (اُنظُر 28، 149)، وهو الطَّريق الملموس لتحويل علاقات العداء بين النَّاس إلى علاقات تعاون متبادل في ما بينهم.

إنَّ مُجَرَّد عدم المُشارَكة في العنف هو في حدِّ ذاته كفاحٌ ضِدَّه. فالعنف، وقبل كُلِّ شيء العنف الحكوميُّ المنظَّم، يُدار إلى حدٍّ كبير من قِبَلِ أولئك الَّذِين يُمارَس ضِدَّهم. تسعى الحكومات دائمًا إلى توسيع قاعدة عنفها عَبْرَ "جذب أكبر عدد من المواطنين للمُشارَكة إلى أقصى حدٍّ في جميع الجرائم الَّتِي ترتكبها وتحتاجها" (28، 250). ويتحمَّل النَّاس مسؤوليَّة عنف الحكومات بسبب طاعتهم السَّلبيَّة لها وانخراطهم المباشر فيه (عَبْرَ الخدمة العسكريَّة، هيئات المحلَّفين، وإلخ). وَهُمْ مُذْنِبون ومُتََوَرِّطون بالعنف أيضًا عندما يحاولون مقاومته بالوسيلة نفسها (على شكل إرهاب، انتفاضات مُسَلَّحة، وإلخ)، لأنَّهم في هذه الحالة، أوَّلًا، يعترفون بالعنف كطريق شرعيٍّ وعاديٍّ لتحقيق الأهداف البشريَّة، وثانيًا، يضاعفون حجمه وحِدَّته. عندما لا يلقى العنف ردًّا مماثلًا، فإنَّه عادةً ما يلبث أنْ يَخْبُوَ ويَضْعف؛ وعندما يصطدم بعنف مضادٍّ، فإنَّه يزيد كتلته ويصبح أكثر تفاقمًا. لذلك، حَتَّى الموقف السَّلبيّ البحت المتمثِّل في عدم الانخراط في العنف- الَّذِي يبدو، للوهلة الأُولى، معدوم الفعاليَّة- يقلِّل، في الواقع، من قُوَّةِ العنف ودرجة شرعيَّته.

ومن الخطأ التَّشديد في مقولة "عدم مقاومة الشَّرِّ بالعنف" على كلمة "عدم المقاومة". سنفهم فكرة تولستوي بشكل أفضل إذا ما اِنْصَبَّ تركيزنا على كلمة "بالعنف". يمكن وينبغي مقاومة الشَّرِّ، ولكِنْ ليس بالعنف، بَلْ بأساليب أُخرى - لاعنفيَّة. علاوة على ذلك، فإنَّنا نقاوم العنف حقًّا فقط عندما نرفض الرَّدَّ بالمثل: "يحاول دعاة الفهم الاجتماعيّ للحياة، موضوعيًّا، الجمع بين مفهوم السُّلطة، أيْ العنف، ومفهوم التَّأثير الرُّوحيِّ، لكن هذا الجمع مستحيل تمامًا" (28، 131). صحيح أنَّ تولستوي نفسه لم يُطوِّر تكتيكات المقاومة الجماعيَّة اللَّاعنفيَّة، لكِنْ تعاليمه تُتيح مِثْلَ هذه التَّكتيكات. هو يفهم عدم المقاومة كقُوَّة إيجابيَّة للمَحَبَّة والحَقِّ. علاوة على ذلك، فهو يذكر صراحةً أشكالًا للمقاومة مِنْ مِثْل الإقناع والنِّقاش والاحتجاج ومُناشَدة الضَّمير والأصل الرُّوحيِّ في الإنسان تهدف إلى فصل مرتكِب الشَّرِّ عن الشَّرِّ نفسه، وكفِّ يَدِ الشَّرِّ السَّابق عسى أنْ يفتح ذلك آفاقًا رحبة أمام التَّعاون اللَّاحق. وقد نَعَتَ تولستوي نهجه بالنَّهج الثَّوريِّ. إنَّه أكثر ثوريًّة حَتَّى من الثَّورات العاديَّة. فالثَّورات العاديَّة تُحدِث انقلابًا في الوضع الخارجيِّ للنَّاس وفي ما يتعلَّق بالسُّلطة والمِلْكِيَّة. بينما تهدف الثَّورة التُّولستويَّة إلى تغيير جذريٍّ في الأُسُس الرُّوحيَّة للحياة، وتحويل الأعداء إلى أصدقاء.

***

....................

* دكتور علوم في الفلسفة، عضو الأكاديميَّة الرُّوسيَّة للعلوم، أستاذ في كُلِّيَّة الفلسفة التَّابعة لجامعة موسكو الحكوميَّة ورئيس سابق لقسم علم الأخلاق فيها، ومدير معهد الفلسفة التَّابع للأكاديميَّة الرُّوسيَّة للعلوم.

** كاتب وباحث لبناني

يشكّل كتاب أقاليم المبتدأ والخبر للقاصّ كامل الدلفي تجربة سرديّة تُقيم على تخوم اللغة والوجود معًا، إذ لا يتعامل الكاتب مع النحو بوصفه نظامًا تقعيديًّا، بل باعتباره مرآةً للكينونة الإنسانيّة في هشاشتها وتوتّرها وسؤالها المفتوح. ومنذ العتبة الأولى، يعلن العنوان انحيازه إلى لعبة مزدوجة: ظاهرها لغويّ، وباطنها أنطولوجيّ. فـ«المبتدأ» و«الخبر» ليسا هنا ركنين في جملة اسميّة فحسب، بل قطبي علاقة مأزومة بين ذاتٍ تبحث عن تعريفها، وعالمٍ يتولّى صياغة هذا التعريف أحيانًا قسرًا.

العنوان بوصفه هندسةً للمعنى

لا تبدو كلمة «أقاليم» اعتباطيّة، فهي تُخرج الثنائية النحويّة من بعدها المدرسيّ إلى فضاءٍ رمزيّ واسع، حيث تتعدّد الجمل كما تتعدّد الحيوات. إنّها أقاليم للقلق، وأقاليم للذاكرة، وأقاليم للحرب، وأقاليم للصمت. وبهذا المعنى، يغدو كلّ نصّ في المجموعة مساحةً لاختبار العلاقة بين الاسم وما يُسنَد إليه، بين الحضور اللفظيّ والغياب الدلاليّ.

المبتدأ: كينونة في حالة انتظار

في أكثر من قصة، يقدّم الدلفي شخصياته بوصفها ذواتًا ناقصة الاكتمال، معلّقةً في فراغ المعنى. فيرد على لسان السارد: «كان اسمه حاضرًا في السجلات، لكن أحدًا لم يكتب خبره». هذه العبارة المكثّفة تُحيل إلى معادلة رمزية واضحة: الاسم موجود، غير أنّ معناه مؤجَّل. إنّ الشخصية هنا «مبتدأ» مرفوع نحويًّا، لكنّه ساقط وجوديًّا، ينتظر خبرًا يمنحه تحديدًا.

وفي موضع آخر، تقول إحدى الشخصيات: «كلّما حاولتُ أن أعرّف نفسي، انكسرت الجملة قبل أن تكتمل». هذا الانكسار المتكرّر يكشف عن أزمة هوية لا تجد سندًا ثابتًا، وكأنّ الذات تظلّ في حالة رفعٍ بلا إسناد.

الخبر: سلطة التأويل وإعادة التعريف

إذا كان المبتدأ رمز الذات، فإنّ الخبر في هذه البنية يمثّل سلطة التأويل التي تُعيد تشكيل تلك الذات. ففي قصة ذات خلفيّة حربيّة، يرد توصيف لمدينة «تكتب أخبار أهلها بالنيابة عنهم». هنا يتحوّل الخبر إلى خطابٍ خارجيّ: سلطة، تاريخ، حرب، مجتمع. هو الذي يحدّد صفات المبتدأ، ويقيّده أو يعيد تعريفه.

وتتجلّى المفارقة حين تقول شخصية أخرى: «أردتُ أن أكون جملةً بسيطة، لكنهم أضافوا إليّ أخبارًا لا تشبهني». إنّ الفعل الجمعيّ «أضافوا» يُظهر البعد السياسيّ الضمنيّ، فالخبر ليس محايدًا، بل قد يكون أداةً لإعادة صياغة الإنسان خارج إرادته.

اللغة مسرحًا للاغتراب

لا تقف المجموعة عند حدود الرمز، بل تجعل من اللغة نفسها موضوعًا للصراع. ففي إحدى القصص القصيرة المكثّفة، نقرأ: «كانت الكلمات تتساقط من فمي مثل حروفٍ بلا تشكيل». هذا التشبيه يشي بهشاشة الدلالة، فالحرف بلا حركة قابلٌ لاحتمالات عدّة، كما أنّ الذات بلا تعريفٍ محدّد عرضةٌ للتأويل القسريّ.

ويقول السارد في مقطع آخر: «الجملة التي لا تجد خبرها تظلّ واقفةً في منتصف الطريق». هنا تتحوّل البنية النحوية إلى صورةٍ للتيه الوجوديّ، فالحياة نفسها تبدو مشروع جملةٍ معلّقة، لا تكتمل لأنّ معناها مؤجَّل دائمًا.

البنية السرديّة والتشظّي

تميل قصص الدلفي إلى التكثيف والاقتصاد والتشظّي اللغويّ، مع اعتماد مشاهد قصيرة متتابعة بدل الحبكة التقليدية المتصاعدة. هذا التفكّك البنيويّ يحاكي تشظّي الذات. ففي قصةٍ تتناول شخصية موظّف هامشيّ يعيش عزلةً داخل مدينة مثقلة بالخراب، يتوزّع السرد بين لقطات انتظار، واسترجاعات لذاكرة الحرب، وحوار داخليّ مع اللغة ذاتها. لا ذروة دراميّة حادّة، بل تراكُم إحساسٍ بالفراغ، وكأنّ النصّ يتعمّد أن يبقى «جملة ناقصة» ليجسّد فكرته.

الذاكرة والحرب: اختلال الإسناد الجمعيّ

تتسرّب الخلفية العراقية إلى النصوص عبر إشارات مقتضبة: «الشارع الذي نجا من القصف لم ينجُ من الصمت»، «البيوت التي فقدت سقوفها فقدت أخبارها أيضًا». في مثل هذه المقاطع، يصبح الخلل في الإسناد تاريخيًّا لا فرديًّا، فالوطن ذاته مبتدأٌ مثقل بالأسماء، لكن خبره مؤجَّل أو مضطرب. إنّ الذاكرة الجمعية، بعد الصدمات المتكرّرة، تعجز عن صياغة جملةٍ مستقرة تصف ذاتها.

المفارقة بين الظاهر والباطن

يستثمر الكاتب المفارقة بوصفها أداةً جماليّة، فالجملة قد تبدو مكتملة في ظاهرها، لكنها من الداخل مثقوبة بالدلالات الغائبة. تقول إحدى الشخصيات: «قالوا إنّ كلّ شيء على ما يرام، لكنني لم أجد خبرًا يوافق هذا الاطمئنان». المفارقة هنا تكشف التباين بين الخطاب الرسميّ والواقع المعاش، بين «خبر» مُعلن و«مبتدأ» مجروح.

أبعاد القراءة النقديّة

بنيويًّا، يخلق الدلفي توازيًا بين النظام النحويّ والنظام الاجتماعيّ، فكما تحتاج الجملة إلى ركنين، يحتاج المجتمع إلى علاقة متوازنة بين الفرد وسياقه.

وجوديًّا، تتجلّى أزمة المعنى بوصفها أزمة تعريف، الإنسان مشروع جملةٍ لا تنتهي.

سياسيًّا، يتخفّى الخطاب النقديّ خلف استعارة لغوية، فيجعل من «الخبر» تمثيلًا لخطاب السلطة الذي يُعيد تشكيل الذوات.

جماليًّا، يتجلّى الانزياح في تحويل المفاهيم النحويّة إلى صورٍ شعرية كثيفة، حيث يغدو الإعراب مصيرًا، لا مجرّد علامة ضبط.

خاتمة

إنّ أقاليم المبتدأ والخبر ليست مجموعةً عن قواعد اللغة، بل عن الإنسان حين يختلّ إسناده، وحين يتباعد ما هو كائن عمّا يُقال عنه. كلّ شخصيةٍ في نصوص كامل الدلفي تبدأ مبتدأً، وتظلّ تبحث عن خبرٍ يليق بها. غير أنّ الكاتب لا يمنحها هذا الاكتمال النهائيّ، يتركها في المسافة بين الركنين، حيث يولد القلق، ويتشكّل الأدب، وتبقى الجملة مفتوحةً على احتمالاتها… كالحياة تمامًا.

***

مجيدة محمدي

 

والحبّ هو المعلم الأصعب، لكنّه الطريق الوحيد لاكتمال إنسانيتنا.. قراءة في كتاب "الدين والكرامة الانسانية " للمفكّر العراقي " عبد الجبّار الرفاعي"

لا يكاد قارىء أن يفتح كتابا مثل كتاب "الدين والكرامة الإنسانية "، إلاّ ويخرج عن هدوء القارئ التقليدي، بل ويدخل بروح مشاكسة، كأنّه يقول للكاتب:

ـــــ  "أقنعني… لكن لا تحاصرني".

لأنّك لا ترضى بإيمان مُعلّب، ولا بعقيدة تُسلَّم لك كما تُسلَّم الوصايا. إيمانك ليس تمرّدا على الله، بل تمرّدا على الصور الجاهزة عنه. وهنا تحديدا يلتقي قلقك الخلّاق مع مشروع عبد الجبار الرفاعي. لتقتنع أنّك تبحث عن إيمان ذي تجربة حيّة، وأنت تقرأ الكتاب يخيّل إليك بأنّه رسالة موجّهة إلى روح تقول : "أؤمن… لكنّني أرفض أن أُختزل في قوالب ضيقة ". فالكتاب لا يدافع عن دين ضد آخر، ولا عن عقيدة في مواجهة أخرى، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والدين على قاعدة تراتبية أساسها الكرامة، فالدين إن لم يكن حارسا لكرامة الإنسان، يفقد مبرّره الأخلاقي. ومن هنا يبدأ المشروع كلّه بسؤال حاسم: هل يخدم هذا الفهمُ للدين إنسانيةَ الإنسان أم ينتقص منها؟

يرى الرفاعي أن الإيمان ليس منظومة قضايا تُحفظ، بل حالة وجودية تُعاش. هو لا يُختزل في برهان عقلي ولا في تعريف كلامي، بل هو نور يوقظ الروح ويمنح القلب طمأنينته. وبهذا المعنى يغدو الإيمان قفزة وجودية لا نتيجة منطقية، وتُفسّر التجربة الدينية على أنّها خبرة شخصية لا يمكن اختزالها في نسق لاهوتي. الإيمان عند الرفاعي لغة واحدة في عمقه، وإن تعددت العقائد في سطحها، لأن الطمأنينة والخشوع والرجاء خبرات إنسانية مشتركة، بينما تنشأ الصراعات في مستوى المفاهيم والهويات. الإيمان هنا ليس إنكارا للعقيدة، بل رفضٌ لتحوّلها إلى سجن مفاهيمي .

ينتقل الكتاب إلى الطبيعة الإنسانية بوصفها ساحة أضداد. فالإنسان كائنٌ تلتقي في أعماقه الرحمة والقسوة، الفجور والتقوى، النور والظل. غير أن الحسم لا يتم بالقسر بل بالحب، لأنّ الحب هو المعلم الأصعب، لكنّه الطريق الوحيد لاكتمال إنسانيتنا. الحب عند الرفاعي ليس زينة روحية، بل القوة التي تُرجّح كفة الخير في صراع الأضداد، فالدين بلا حب يتحول إلى قسوة، والإيمان الذي لا يُثمر رحمة يبقى ناقصا.

الكرامة هي المفصل المركزي في الكتاب، فهي قيمةٌ أصيلة، حضورها يعني حضور إنسانية الإنسان.  فالكرامة ليست منحة من سلطة، أو منّة من شخص، بل حقيقة وجودية سابقة على كل تشريع، غير أن الرفاعي يمنح هذه الفكرة بعدا روحيا فيجعلها مقصد الدين ذاته. لذلك يصبح كل تفسير ينتقص من كرامة الإنسان تفسيرا متعارضا مع روح الدين، بهذا المعنى، يغدو التأويل مسؤولية أخلاقية، فليس كل ما قيل باسم الدين يعبر عن حقيقته، بل يُختبر بقدر ما يصون حرية الإنسان وكرامته... كأنّها دعوة صريحة من الرفاعي لإعادة النظر في الاجتهاد والفتوى.

ومن هنا ينبع نقده للتديّن حين يتحالف مع السلطة.  المشكلة ليست في الدين كأفق للمعنى، بل في تحوّله إلى أيديولوجيا وهوية مغلقة. يمكن أن نستحضر تحليلات ميشيل فوكو Michel Foucault حول تداخل الخطاب والسلطة، لكن الرفاعي لا ينتهي إلى الشك أو التفكيك العدمي، بل إلى استعادة البعد الرحماني للدين. فالدين، في جوهره، ينبغي أن يكون قوة تحرير لا أداة إخضاع، ومساحة اتساع لا وسيلة تضييق.

التجديد هنا ليس تمرّدا على التراث بل وفاء لروحه. تجديد فهم الدين يتطلب شجاعة نقد التراث دون القطيعة معه، وعيا بأن النصوص نزلت في سياقات، وأن حفظ الكرامة اليوم يقتضي قراءة تاريخية أخلاقية لا تكرارا حرفيا. فالتجديد ضرورة أخلاقية لأنّه يحمي الإنسان من أن يُسحق باسم الماضي. (فالانسان ابن زمانه وبيئته)

يبدو أن الكتاب كلّه يتحرّك في مدار واحد هو "إعادة الدين إلى الإنسان"، لا إلغاء الدين ولا تأليهه على حساب الإنسان. فالإيمان حسبه، نورٌ وجودي يوقظ الروح، والحب طاقته الأخلاقية، والكرامة معياره الأعلى. فإذا تحوّل الدين إلى هوية مغلقة ضاقت القلوب واتسعت الصراعات، وإذا صار تجربة حيّة في القلب اتسعت القلوب وضاقت أسباب العداوة. في هذا الأفق يمكن للإنسان أن يكون مؤمنا بلا ضيق، باحثا بلا خوف، لأن الإيمان الذي يصون كرامته وكرامة غيره هو الإيمان الذي يستحق أن يُعاش. (نهج تصوّفي).

نسلّم في الأخير، بأنّ الكتاب دعوة لإعادة أنسنة الدين، لا لعلمنته ولا تفريغه. كأنه مشروع روحي-أخلاقي، يرى أن مستقبل التديّن يتوقف على قدرته في أن يكون حارسا للكرامة، بقناعة أن لا دين حيثما فقدت السعادة، ولا سعادة بمنأى عن كرامة الإنسان، فالدّين حين يُفهم في أفق المعنى يُثمر حرية ورحمة وكرامة، وحين يُختزل في هوّية مغلقة يُنتج خوفا وصراعا.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

إن سبب تأثر الجماهير بالفكر الشحروري ربما يعود إلى الطريقة التي كان يستخدمها محمد شحرور في التأثير في الآخر، فهو يستخدم تقنية النمذجة ليصنع من الإنسان المفكر النموذج، وهذه التقنية كما يقول المختصون مستمدة من نظرية التعلم الاجتماعي، تستند على افتراض مفاده أن الإنسان قادر على التعلم، فالذين لم يقرأوا محمد شحرور كمفكر حداثي ولم يستمعوا له قد ينجرفون وراء ما يصدره البعض ضده من أحكام مسبقة، فمحمد شحرور يؤكد أنه يريد أن يحدث حراكا فكريا، وقد أكد في رده على سؤال وجه إليه بأنه ليس شيوعيا ولا يميل لمذهب ديني أو حزب سياسي، ولا هو ملحد لمجرد أنه فكك النص القرآني، نحن إذن أمام "صراع المفكرين"، نلمس ذلك في تحليل الدكتور علي حليتيم للظاهرة الشحرورية، لأن محمد شحرور يُحسَبُ على اليسار الإسلامي مثله مثل مفكرين آخرين كحسن حنفي، لا ندري إن كان موقف حليتيم هو دعوة لمحو آثار الفكر الشحروري، لكن يظل الصراع بين التجديد والتقليد جدلية فكرية مستمرة، وعلي حليتيم بصفته مؤسس ومدير مركز الشهاب للبحوث والدراسات مطالب بأن ينظم مناظرة يجمع فيها حداثي بأصولي لإجراء مسح فكري لقضية تفكيك النصّ الدّيني والصراع القائم بين الحداثيين والأصوليين

عُرِفَ المفكر محمد شحرور بكتابه " الكتاب والقرآن" الذي أصدره سنة 1990، ويعتبر محمد شحرور تلميذا لجعفر دك الباب وهو الرجل الذي ذكره الدكتور علي حليتيم في كتابه الباطنية الجديدة، يصف علي حليتيم أسلوب محمد شحرور في الكاتبة بالبسيط، بعيد عن التعقيد، كتابات محمد شحرور من السهل الممتنع، حيث يتميز أسلوبه بالوضوح، إلا أنه يضيف له صفة أخرى هي الدوران حول ذات الأفكار، أي الاجترار، لم يكن محمد شحرور مهتما بالتراث ومنهجيته أو نقده أو حتى التعريف به، بل كان يمارس معه القطيعة كما يقول علي حليتيم، بحجة عدم صلاحيته مع العصر الحالي، فالتراث في الفكر الشحروري مُسَيَّسٌ ومخالف للقرآن، والمسلمون في نظره مازالوا يعيشون في مرحلة الدين العباسي الذي تميز بتنوع الفرق الكلامية كالمعتزلة وظهور التصوف، وكأن هناك تعددية دينية إسلامية الدين العباسي والدين الأموي الذي حوّل أصحابه الخلافة إلى وراثة شرعية واستخدموا المصحف ووظفوه لأغراض سياسية، فمحمد شحرور انتهج المسلك الإستشراقي ومن سبقه من الحداثيين العلمانيين، ومن خلال هذه الصفات التي ذكرها علي حليتيم يمكن أن نقول ان هذا المفكر لا ينتمي إلى جماعة أو أخرى، ويمكن أن يُصَنَّفَ بالمفكر الحُرّ أو التنويري المستقل.

يستخدم محمد شحرور المنهج العقلاني في الحكم على الأشياء وعلي حليتيم في هذه المسالة يركز على بعض الأحكام التي وردت في كتبه مثلما جاء في قصة نوح ليؤكد أن محمد شحرور لا علاقة له بالتراث ولذلك يصعب تصديقه حين قال أنه قرأ التراث في خمس سنوات ثم تبين له أنه لا جدوى من قراءته (ص 174)، نحن طبعا كقراء لا يمكن أن نأتي في كفة أحد منهما، لأن الجدل القائم على الفكر الشحروري انطلق من بعد وفاته، وأصبح مؤيدوه يعيدون قراءة أطروحاته التي كان يقدمها عبر وسائل الإعلام السمعية المرئية (اليوتيوب أو الفيديوهات)، أو الحوارات الصحفية التي أجرتها معه بعض الصحف العربية والقنوات الفضائية، كون كتبه الورقية غير متوفرة في بعض المكتبات العربية كالجزائر، ماعدا في التظاهرات الخاصة بصالون الكتاب الدولي ونجدها مرتفعة الأسعار ولا تكون في متناول الجميع، وهذه القنوات الفضائية هي التي نقلته إلى العالمية واصبح له قراء وجمهور عربي وغربي واسع يناقشون أفكاره وأطروحاته لاسيما قناة روتانا وقناة أبو ظبي.

فهذه الفضاءات الرقمية يقول علي حليتيم ماهي إلا زوائد لا تخدم الفكرة (ص 175)، نقرأ في هذه الصفحة عبارات يمكن القارئ الاستغناء عنها مثل الكثلكة (نسبة للكاثوليكية) وهذه الكلمة تقابلها كلمة الأسلمة، وهذه مفاهيم دخيلة على قواميس اللغة الغربية كالأدلجة والنمذجة، فعلي حليتيم ينطلق من مبدأ "الترادف" الذي تكلم عنه محمد شحرور في كتابه السالف الذكر، فنقرأ في الصفحة 176 أن كتابات محمد شحرور لا تستحق القراءة ولا عناء الرد، وهذا إجحاف في حق الرجل، فحياة التشرذم التي يعيشها المسلمون اليوم جعلتهم منقسمون فهذا على دين العباسيين وذلك على دين الأمويين وبعضهم على دين الوهابية، ومنهم من يقول بالفكر التيمي (نسبة إلى ابن تيمية)، وآخرون متأثرين بالألباني ونسمع منهم من يردد الألباني قال والألباني صحّح وهكذا...، فمن الغرور طبعا أن يقول قائل: لا يمكنني ان أنزل إلى مستوى فلان فأضعف مثل ضعفه أو أتعاطى الترهات مثل تعاطيه مثلما جاء في الصفحة (175)، في هذه الصفحة بالذات يتكلم علي حليتيم عن فكر المُتْعَة .

 وفكر المتعة له مرادف آخر هو في الحقيقة هو بعيد عن المجال الفلسفي، إلا أن علي حليتيم وظفه بشكل مغاير خارج إطاره الفقهي، ففكر المتعة منظور فلسفيٌّ أخلاقيٌّ : hédonisme يراد به الخير الأسمى وهو مذهب يدعو إلى تجنب الألم والمعاناة والشرّ ويهدف إلى الإشباع الحسي أو الفكري أو الأخلاقي لتحقيق السعادة للبشرية، في هذا المنجز اللغوي يعود علي حليتيم للحديث عن الترادف واختلاف اللغويين في تحديده من خلال قصة (الديكُ يبيض)، ويمكن القفز عما جاء عن هذه القصة لأن ما يهم القارئ أكثر هو المنجز العقدي والفقهي، فمحمد شحرور كما جاء في كتاب علي حليتيم ينفي الترادف رغم أنه ضرورة لغوية، فهو يرفع النقاب عن المفاهيم الصعبة فهمها أو التي تتسم بالغموض والإبهام (ص191)، ويعود اهتمام علي حليتيم بالترادف لانقسام اللغويين بين من أقر بوجوده ومن نفاه وذلك من باب إيصال الفكرة إلى القارئ.

ماذا عن الاختلاف بين الكتاب والقرآن؟

لا شك أن هذه المسألة لها ارتباط وثيق بقضية الناسخ والمنسوخ، حيث اختلف المفكرون في تحديدها، وإن كانت قراءتنا لهذه المسألة سطحية، فإن الكتاب هو مجموعة أوراق مرتبة وملصقة ومرقمة وما تحتويه هذه الأوراق من مضامين فهو كلامٌ مكتوب، قد يكون نصا دينيا (قرآن) والقرآن هو الكلام الذي تم توثيقه في هذه الأوراق وأطلق عليه اسم "مصحف" وبالتالي لا يمكن التفريق بين مفهوم الكتاب والقرآن، وبالتالي نقول ان هناك من يمارس التمييع بحجة الترادف، لا يقف مفكرون مع محمد شحرور في قضية إنكاره الترادف، لأنه لا يشكل خطرا بالشكل الذي يتحول إلى تهديد، ولو عدنا إلى قوله سبحانه وتعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) يدرك أن الكتاب المُشار إليه هو القرآن نفسه، وهذا يدل على وجود الترادف عكس ما ذهب إليه محمد شحرور، فالكتاب أو القرآن أو الفرقان مرادف واحد وهو جامع لكل شيء ومفصل كل شيء في الزمان والمكان، لقد دعّم الدكتور علي حليتيم في قراءته لكتاب "الكتاب والقرآن" بآيات من الذكر الحكيم منها قوله تعالى: " وأنزلنا عليك الكتاب والحكمة" (النساء 113)، ما ينبغي ان نفهمه هو أننا بحاجة إلى منظومة لغوية معرفية نكيفها مع الواقع أمام ظهور الذكاء الاصطناعي حتى تكون لنا أرضية معرفية تسمح بقراءة جديدة دون المساس بالمقدسات أو تدنيسها، كما هو الشأن في كلمة التمام والكمال، يلاحظ أن بعض المفردات لها مفاهيم ميتافيزيقية، نقرأ مثلا عبارة "الكمال لله وحده" أي أن الله مطلق وفي مرتبة عليا لا يصلها بشر، وفي الصفحة رقم 200 يوضح علي حليتيم الفرق بين الترادف الجزئي والترادف السياقي وما جاء في كتب مشاهير اللغويين الغربيين وقد ذكر اسماءهم في الصفحة 201، فالنظرية التي جاء بها محمد شحرور في نفي الترادف يقول علي حليتيم فريدة من نوعها، إذ قسم القرآن إلى أجزاء (كتاب، قرآن، فرقان وذِكْرْ) دون أن يذكر التراث الإسلامي، فكيف لشخص يذكر شيئا هو لا يعترف به، فالملحدون لا يذكرون الله على لسانهم، لأنهم لا يؤمنون بوجوده، لكن شحرور رغم أنه ينفي الترادف فهو يذكر الله وكلما يذكر النبي يصلي عليه، يمكن أن نقدم هنا ملاحظة صغيرة تتعلق بالتراث الإسلامي، ماذا يعني بالتراث الإسلامي؟ هل التراث الإسلامي يتوقف عند النص الديني (القرآن) فقط، أم السُنّة النبوية أي الأحاديث وهذه فيها اختلاف كبير بين الحديث الضعيف والصحيح، أو الرواية المباشرة أم التي تتم بواسطة العنعنة إن صَحَّ القول وموقف الأئمة منها، خاصة بعد ظهور الشيخ الألباني وتصحيحه الأحاديث، بما فيها الأحاديث الصحيحة التي رواها الأئمة الأربعة الموثوق فيهم (البخاري، ومسلم والترمذي وأبو هريرة) ربما هذا عائد للغلوّ في الدين، ونتج عن ذلك التنفير، لدرجة أن الذين يسمّون أنفسهم بـ: القرآنيين أنكروا السنّة، كذلك بالنسبة للأناشيد الإسلامية إن كانت ضمن التراث الإسلامي.

من اللا مفكّر فيه إلا ما لا يُقال De L'irréfléchi au le non -dit

و يكتبها البعض بالصيغة التالية: من غير المدروس إلى غير المعلن عنه، وقبل كل شيء نطرح السؤال التالي: هل السُنّة وحيٌ؟ فالغالبية الساحقة يرى أنها ليست وحي، وإنما هي اجتهاد من الرسول (صلعم) ليعمل بها المسلمون في حياتهم اليومية إلى جانب تطبيق القرآن، والقرآنيون لاهم حداثيون ولا هم مستشرقون، لكنهم لا يعترفون بالسنّة، ثم أن عبارة الأصوليين، هي اسم لا يطلق على المسلمين أو الإسلاميين وحدهم، وإنما على اليهود والنصارى، والترادف نجده حتى في كلمة النصارى والمسيحيين والحواريين وكذلك عند اليهود ومنهم الحريديم haredim وهم المجموعات اليهودية المتشددة التي لا تعترف بالحداثة، نحن إذن أمام عقدة لغوية اسمها الترادف، وهذا الترادف تم توظيفه في مكانه الغير المناسب، فمثلا في الصفحة 202، يصف الدكتور علي حليتيم، المستشرقين (تيودور تولدكه) وهو يعدّ شيخ المستشرقين الألمان، و(ج. أغناطيوس) وهو قديس ملقب بالنوراني، يصفهم علي حليتيم بالشيخين، واسم الشيخ اسم إسلامي، تشريفي في الثقافة العربية والإسلامية يطلق عادة على عالم الدين، أو رئيس القبيلة أو الجماعة الدينية، وخاصة الجماعات الإسلامية ابلتي اعدت لزعيمها اسم آخر وهو "الأمير" كما أن الشيخين في الإسلام غالبا هما: الإمام مسلم والبخاري، والاثنان عرفا بكتابهما (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، ولا يراد به كما نقرأه عند الغربيين بـ: le vieux، فالشيخ عند المسلمين يعبر عنه بالمكانة التي يحظى بها رجل الدين في الإسلام فهل نساوي بين علمائنا وبين رجال الدين الغربيين، ليس من باب التكبر طبعا وإنما للتفريق بين دين الإسلام ودين الكفر، ونشير أن مفهوم الترادف أعطي له مفهوم آخر وهو " التماثل ".

ملاحظة نقدمها فقط أن محمد شحرور أراد أن يُسَوِّقَ خطابا إسلاميا تجديديا ديمقراطيا لإحداث التوفيق بين الإسلام الأوروبي والإسلام الليبرالي والإسلام الديمقراطي، وقد أشار إلى هذه الرؤية كثير من الباحثين ومنهم الدكتور بوزيد بومدين في كتابه " الحركات الإسلامية " من الفهم المغلق إلى أفق التجديد، إسلامٌ وخطابٌ يميل بقوة إلى العقلانية، فهناك من يصف التيار التقليدي بالكائن المتوحش الذي يرفض الحداثة أو يخاف منها وبالتالي لا يستطيع الدخول فيها، لا ندري إن كان محمد شحرور يدعو إلى إسلام أوروبي يحارب العنف الفكري ويعطي للعقل الحرية في التفكير والتحليل والتفكيك دون تمييع ويضع حدا لخطاب السيف الذي حوّل الإسلام إلى خطر أو كما يسمى الإسلاموفوبيا islamophobie، وأعطيت للإسلام صورة الشبح القادم وذلك منذ صورة الخميني، ولذلك كانت هناك مخاوف من تمزق المجتمع الأوروبي كما يقول بومدين بوزيد، كما يرى اليمين المتطرف الأوروبي أن عمليات الدمج تكون خطيرة إن كان الانتماء في إطار جماعة في شكل "طائفة" وليس الانتماء للإسلام كفرد، لم نلحظ في كتاب الدكتور علي حليتيم (الباطنية الجديدة) أنه تحدث عن مسالة الدمج وتخوف أوروبا منه وإن كان محمد شحرور تطرق إلى هذه المسألة، في كتبه كلها أم لا.

الحقيقة أن كل ما جاء به الدكتور علي حليتيم في كتابه الباطنية الجديدة والذي أثراه من جوانب عديدة، ومن زوايا مختلفة، يظل فكر محمد شحرور بحاجة إلى إعادة قراءة، لتنوير القارئ، فكتب محمد شحرور غير متوفرة في سوق الكتاب الجزائري، والحصول عليها يكون إما أن ينتقل الباحث عنها خارج البلاد أو بطرق أخرى، وليس كلامنا هذا تشكيكا في كلام الدكتور علي حليتيم، لكن الأمانة العلمية تقتضي ذلك، للتدليل والتثبيت والبيان، أمام ذكره صفحات من كتاب "مذاهب التفسير الإسلامي" لمؤلفه المستشرق إغناطسيون جولدتسيهر، ترجمه الدكتور علي حسن عبد القادر لتأريخ الثقافات الإسلامية، والسؤال الذي يمكن أن يُطْرَحُ هنا هو كالتالي: هل يمكن أن نصنف محمد شحرور بالمفكر العبثي؟ فمن العبث أن يعمل مُفَكِّرٌ على تفكيك نص ديني (مقدسٌ) من باب العبث أو التشويش أو التحريض، سواء أكان قرآنا أو إنجيلا أو توراة، ما نقرأ ما قاله محمد شحرور فضيعٌ طبعا، وكأننا نقرأ لسلمان رشدي وروايته "آيات شيطانية " التي أثارت موجة غضب واسعة بين المسلمين، فقد سخر هو الآخر من نبي المسلمين محمد (صلعم) ومن الدين الإسلامي وذلك بهدف معاداة الإسلام والقرآن والسنة، إلى أن محمد شحرور يختلف عن سلكان رشدي، فمحمد شحرور أراد تجديد الدين وقراءة النص القرآني قراءة معاصرة يراعى فيها الزمن الحاضر والواقع المعاش..

من المنجز اللغوي إلى المنجز العقدي

لننتقل إلى المنجز العقدي فمحمد شحرور كما يقول علي حليتيم يفسر القرآن بشكل خاطئ، عندما جعل الإله في مرتبة البشر، ويُفْهَمُ من ذلك أن محمد شحرور يكاد أن يُنْفِي الذّات الإلهية، لدرجة أنه يدعو الإنسان إلى الشك في وجود الله، فهو لا يميز بين الألوهية والربوبية (217) كما ينكر النبوة ويرى الرسالة النبوية عائقا كبيرا للنهضة، يريد بذلك كما يقول علي حليتيم أن يجرّدها من معناها، كما لا يعترف شحرور بالمعجزات التي جاء بها الأنبياء، فهو يعرفها على أنها ظواهر طبيعية، حسبما جاء في الصفحة 121 أن محمد شحرور فهم آيات القرآن بشكل خاطئ كما هو في سورة الكهف (الآية 110) ليرفع صورة الألوهية على البشر، يقر علي حليتيم في الفقرة الأخيرة من الصفحة 223 أن محمد شحرور ملحدًا بل تجاوز حدود الإلحاد فيقول: (ولقد زاد إلحاد شحرور في مقامات النبوة رسوخا حين زعم أننا الآن في عصر ما بعد الرسالات ..الخ)، فالملحد هو المنكر للدين ولوجود الإله، لكن محمد شحرور في كل مرة يذكر الله يقول سبحانه وتعالى ويصليّ على النبي كلما ذكره، وحتى لو قلنا أن شحرور ملحدا، فلماذا لم تتم محاكمته إذن قبل أن يتوفاه الأجل؟، وهنا نجد علي حليتيم يسير على نهج كثير من المحللين عندما قالوا أن شحرور اعتمد المنهج اللغوي في تحديد معاني الألفاظ، وأنه لا يعترف بالترادف في اللغة، كما أنه فسّر القرآن تفسيرا خاطئا، وهم بذلك يرفضون منهجه، لأن كثيراً من الألفاظ التي تدل لغة على معنى معين أضاف الشرع إليها معاني أخرى.

يمكن أن نقف مليا فيما قاله محمد شحرور (نحن الآن في عصر ما بعد الرسالات) فما نفهمه من هذا الكلام أن محمد شحرور يؤكد أن رسالة النبي محمد كانت آخر رسالة نبوية لأنه هو أخر الأنبياء، وبالتالي لا توجد في الوقت الحاضر رسالة نزلت من السماء عن طريق الوحي، اللهم إن كانت هناك رسالة أخرى تأتي في زمن غير محدد في المستقبل عن طريق المهدي المنتظر، وإلى حين ظهور المهدي المنتظر تظل الرسالات التي جاء بها الأنبياء والرسل، منهجا لا يعمل به سوى المتدينون أو كما يسميهم البعض المُطَبِّقٌون أو المُمَارِسِين les pratiquants (هو في الأصل مفهوم إنجيلي) والمُمَارِس من منظور ديني هو الشخص الذي يلتزم فعليا بشعائر الدين وتعاليمه وعباداته، والإنسان حرٌّ في العمل بها أو التخلي عنها، ربما هي في نظر الحداثيين لم تعد صالحة في الزمن الحاضر، بدليل أن جيل زاد بدأ في التخلي عن كل ما هو تراثي، فلكل جيل أفكاره ولكل جيل له خصوصيته وله خطابه، لا يؤمن بخطاب السيف والعصا؟

محمد شحرور واستخدامه تقنية النمذجة

لم يذكر الدكتور علي حليتيم التقنيات التي كان المفكر محمد شحرور يستخدمها للتأثير في الآخر والتي ربما هي التي مكنته من أن يصنع له جمهورا، ومتابعين ومعجبين ويمكن أن نقول محبّين، حتى بعد أن أصبح في ذمّة الله، يقول الدكتور علي حليتيم في الصفحة 224 ما يلي: بعد هذا العرض لن نستغرب سوء أدب محمد شحرور مع الأنبياء عليهم السلام كقوله عن آدم عليه السلام إنه " نسّاء"، ضعيف، عصى أمر ربّه لمّا أكل من الشجرة، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن نكرانها، وقد ذكر الله هذه الحادثة في سورة طه (وعصى آدم ربه فغوى .. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ..الخ) والشخص النسّاء هو الدّاعي بالمساواة بين الرجل والمرأة والمدافع عن حقوق المرأة وحريتها، وهو بذلك يناهض السلطة الأبوية الذكورية، وبالتالي هو يسعى لتعزيز دور المرأة في المجتمع، أما عن فكرة إنسان ما بعد الرسالات في زمن العولمة والرقمنة يراد بها توفر وسائل الحياة العصرية بعيدا عن حياة الدروشة التي يمارسها بعض المتصوفة المنحرفون الذين يمارسون طقوسا لا صلة لها بالدين كما نراه عند بعض الشيعة الغلاة الذي يعذبون أنفسهم كلما حلت ذكرى مقتل الحسين حفيد رسول الله،، بما يسمى اليوم بـ: التطبير وهذا النوع من تعذيب الذات موجود حتى عند الرهبان المبتدئين الذين يعيشون داخل الدير (الكنيسة) ليشعروا بألم المسيح حين تم صلبه.

إن مشكلتنا إذن هي اننا نفتقر إلى منظومة فكرية قائمة على التحليل العقلاني، ثم أن الأشخاص نوعان، منهم من يؤثر ومنهم من يتأثر، ومحمد شحرور من الصنف الأول أي يؤثر، وعملية التأثر والتأثير كما يقول باركر barker وويزمان wisman تتم من خلال "مُنبّهات" داخلية وأخرى خارجية، الأولى تتعلق بالجانب السيكولوجي للإنسان، أما الخارجية فهي تتعلق بالمحيط الخارجي، والجانب النفسي أهم وأخطر، والدكتور علي حليتيم بحكم اختصاصه كطبيب مختص في الأمراض العقلية فهو أدرى بحالة المريض إن كان يعاني من مرض نفسي أو عضوي، ويراعي البيئة الفكرية التي نشأ فيها مريضه، فكان على علي حليتيم أن يكون الطبيب الذي يشخص الحالة المرضية لا ناقدا، وهو يدرك أكثر من أي شخص أن هذه المنبهات يستقبلها الفرد في شكل نبضات عصبية تنتقل إلى فيرتبها، ثم يقوم الفرد بفك رموزها، وهي تقنيات لا يفهمها إلا أهل الاختصاص وعلي حليتيم واحدا منهم، في كل الأحوال يظل القارئ بحاجة إلى برهان يقدمه الكاتب أو الناقد، أما إن كان أحد الطرفان غادر الحياة فالبرهان يظل ناقصا وتظل الفكرة معلقة، خاصة وأن هناك من يرفض الخوض في النقاش ولا تكون له القابلية لقَبول فكرة هو غير مقتنع بها، وهناك من يستعمل عملية غسيل الأدمغة يراد بها تجريد العقل من كل ما هو مفكر فيه والدعوة إلى اللا مفكر فيه، وإقناع الفرد إما التمسك بالمعتقدات القديمة أو إقناعه لمعتقدات جديدة والتشكيك فيما كان يعتقده أي إفراغ الفرد من أفكاره يسمّيها خالد حبيب الراوي أستاذ الإعلام بجامعة بغداد بـ: الإقناع الخفيّ.

خاتمــــــــــة

و قبل أن نختم قراءة كتاب الباطنية الجديدة نسأل الدكتور علي حليتيم ما صلة جيم جونز بالظاهرة الشحرورية؟ هل الأمر مرتبط بالزعامة فقط؟ لأن محمد شحرور استطاع بأطروحاته أن يجمع حوله ملايين المتابعين حتى لو كانت خاطئة أو فيها تجاوزات على المقدسات، لأن الفلسفة قائمة على الإثارة، نقول إن كان الأمر مرتبط بالزعامة وإن كانت هناك زعامة دينية أو زعامة سياسية فلا زعامة في الفكر، فالإنسان مفكر بالفطرة، فهو يرى الأشياء المحيطة به والتي تتحرك دون أن يكون له القدرة على إيقافها كالرياح، فيدركُ عجزه، ويترك عنها انطباعا، يحلل أسبابها من خلال ما يقع بين يديه من نصوص وآثار سبقه غيره إليها، والدليل أن جل مفكرينا العرب يستدلون بأفكار الغرب، فمنهم من يتأثر بأفكارهم فيقتبسونها، ويضيفون عليها قليلا من أفكارهم ثم يحللونها حسب قناعاتهم دون الأخذ بآراء من يخالفونهم الرأي، وقد يتهمونهم بالإلحاد أو الزندقة ولأن له عقدة النرجسية يرى نفسه زعيما.

شئنا أم أبينا، إن سبب تأثر الجماهير بالفكر الشحروري ربما يعود إلى الطريقة التي كان يستخدمها محمد شحرور في التأثير في الآخر، فمحمد شحرور يستخدم تقنية النمذجة ليصنع من الإنسان المفكر النموذج، وهذه التقنية كما يقول المختصون مستمدة من نظرية التعلم الاجتماعي، وتقنية النموذج تستند على افتراض مفاده أن الإنسان قادر على التعلم عن طريق ملاحظة سلوك الآخرين، ثم إن جبريل لما ظهر لنبينا محمد (صلعم) قال له : "اقرأ" وهو فعل أمر (اقرأ باسم ربك الذي خلق.. الذي خلق الإنسان من علق، اقرأ وربّك الأكرم، الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم) - صدق الله العظيم- والقلم له قدسية عند الله وقد أقسم به (فيما معناه) كما أقسم بالشمس، والقمر والفجر والليل والنهار والضحى والعصر والتين والزيتون وأقسم بذاته (وربُّكَ)، وهو قَسَمٌ يدل على عزته وجلاله، فمحمد أركون بشر ومحمد شحرور بشر وعلي حليتيم بشر والأنبياء بشر وكلنا بشر أعزّنا الله بنعمة العقل، ونحن مطالبون بأن نقرأ، نقرأ كل ما يقع بين أيدينا من نصوص، وما خطته أنامل الإنسان أكان مسلما أو غير مسلم.

 وهنا يأتي دور الإثارة لشد الانتباه ولفت نظر المشاهد والسامع والقارئ، ونحن هنا بُخَيَّلُ إلينا أن محمد شحرور يقول لعلي حليتيم ما قاله الشيوعيون في كوريا لأحد الأسرى الأمريكيين: " ألا تكون بجانب السلام؟، أنتَ طبعا تريد ذلكَ، إذن ستحارب من أجل السلام "، وكما يقول برهان غليون: لا يمكن فهم استمرار منظومة القيم القديمة وتدهورها في إطار إشكالية عقلانية فلسفية تقوم على التمييز بين الخطأ والصواب والمنطقي واللامنطقي، بل يجب فهم ذلك في إطار العلاقات الاجتماعية (تحدث عنها مالك بن نبي) التي تفسر وحدها استمرار هذا الفكر أو ذاك لأنه شديد الارتباط بالواقع، ما يمكن أن نستنتجه هو أن كتاب الباطنية الجديدة اصدر احكاما قاسية على مفكر ناقش إشكالية بذهن منفتح مبني على العقلانية، كان على الدكتور علي حليتيم أن يقوم بدور الطبيب في تشريح الفكر الشحروري وهو المختص في الأمراض العقلية، وكأنه في عيادة يجري له فحوصات طبية ليعرف ماذا يدور في خلده ثم يضعه على طاولة التشريح، فعلي حليتيم هنا أغلق باب الحوار، كان عليه أن يقرأ محمد شحرور المفكر ويدرس بيئته الفكرية، فنحن أمام ظاهرة فكرية أخذت الكثير من الجدل والنخب الفكرية مطالبة بإعادة النظر في المفاهيم والمصطلحات وتحديد أبعادها الإيديولوجية.

***

قراءة علجية عيش بتصرف

 

للدكتور عدنان عويّد

يأتي كتابي هذا وهو الخامس من إصداراتي تحت عنوان «الأيديولوجيا والوعي المطابق» موقفاً فلسفيّاً وفكرياً من الأيديولوجيا كمفهوم ورؤية وممارسة معاً. حاولت أن أقدم فيه طيفاً من القضايا الهامة التي تشغلُ الفكر العربي المعاصر، رغم أن الكتاب قد يبدو للوهلة الأولى عند المتلقي أنه مغرق في القضايا النظريّة الصرفة.

 إن اختياري لعنوان الكتاب يشير إلى أن مسألة الأيديولوجيا، تعد من المسائل الفكريّة التي لاقت الكثير من التعقيد والتشابك والتشويش والتجزؤ والتفريغ المتعمد أو غير المتعمد، وذلك لارتباطها، - أي الأيديولوجيا - حسبما أرى، بالوعي عموماً وبالسياسة، فضلا عن ارتباطها بالكثير من العلوم بعد التطور الهائل الذي جرى في العلوم النظريّة والتطبيقيّة.

 ورغم ذلك، فأنا أأكد هنا على أن مفهوم الأيديولوجيا سيظل يتضمن في بنيته مجموعة الآراء والأفكار والرؤى السياسيّة والدينيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة والقانونيّة والفنيّة والأدبيّة .. الخ التي تعبر عن واقع أمّة ما أو طبقة ما في مرحلة تاريخيّة محددة.

 ففي هذا السياق المتضمن مفهوم الأيديولوجيا. نجد مثلاً أن لبروز ظاهرة الاشتراكيّة بعد انتصار ثورة 1917 تحت شعارات أيديولوجيّة تدعوا إلى تحالف الطبقة العاملة ضد القوى البرجوازية التي وصلت إلى السلطة في أوربا، كما تدعوا إلى التقسيم العادل للثروة الوطنية وتأميم وسائل الإنتاج وغير ذلك، ثم مع صعود نجم الفاشيّة والنازيّة في أوروبا، كانت الأيديولوجيا تحمل شعارات سوقت لها الفاشيّة والنازيّة بشكل خاص تحت ستار القومية الشوفينية (العنصريّة)، وهذا ما أعطى اهتماماً كبيراً لمسألة الأيديولوجيا في الغرب الليبرالي، والدور الكبير في ازدياد الاهتمام بمسألة الأيديولوجيا وتوجه العقول المفكرة في أوروبا الرأسماليّة للتساؤل عن سر (استعمار ظاهرة الاعتقاد الجماعي) في منظومات فكريّة كاسحة وذات ملامح سياسيّة؟

 كما قمتُ في هذا الكتاب بعد عرضي لمفهوم الأيديولوجيا، باستعراض مفهوم (الوعي المطابق)، الذي جاء طرحه كبديل عن الأيديولوجيا على اعتبار أن كل الآراء المتعلقة بالواقع الاجتماعي هي آراء أيديولوجيّة في المحصلة، وبما أن كل أيديولوجيا هي نوع من الوعي الزائف إذا ما انغلقت على نفسها، لكونها تتضمن قدراً من التحريف والتشويه، فهي اذاً عندي ظاهرة نسبيّة في حقيقتها.

 من هذه القضية المعرقة، انتقلت إلى الغوص في عدد من قضايا التنوير والنهضة، متوقفاً بالنسبة لقضية التنوير على ما أثاره بعض المفكرين من أن مثل ذلك الحديث يتطلب تحديد نوع الظلام الأيديولوجي الذي نواجهه؟

 وبعد أن أشير الى التخلف الذي تعيشه أمتنا العربيّة، أبين أسباب هذا التخلف، وهي التي كانت وراء طرح المشروع النهضوي التنويري العربي في اتجاهيه المادي والفكري معا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 أما المهمة الرئيسة التي شكلت محور الاهتمام النهضوي عندي، فهي التغلب على التخلف الذي خلفته الدولة العثمانيّة الإقطاعيّة في فترة احتلالها لعالمنا العربي، وكسب الاستقلال القومي، ونظراً لغياب جملة الشروط الموضوعيّة والذاتيّة القادرة على تحقيق هذا المشروع، ويأتي في مقدمة هذا الغياب الحامل الاجتماعي، الأمر الذي أعطى دوراً للنخب المثقفة في حمل هذا المشروع وأعبائه. غير أن الخطاب التنويري الذي طرحته هذه النخب المتنورة العربيّة لم يستطع أن يؤسس لقيام ثورة حقيقيّة، أي نهضة عربيّة تتجاوز فيها الامّة كل أشكال الظلام الذي فرضته الدولة العثمانيّة عليها عبر أربعة قرون. وهذا يعود الى عدم توافر الشروط الحقيقيّة الموضوعيّة للثورة/ النهضة، وذلك بسبب حالة الخلل القائم ما بين الفكر التنويري المطروح في صيغته الليبراليّة، والواقع المتخلف في علاقاته شبه الإقطاعيّة.

 وبناءً على ذلك قمت بطرح بعض القضايا التي تدخل في صلب إشكاليّة نهضة الأمّة العربيّة مثل: «الأمة ووعي الذات» ومن خلالها تبين لي أن ما تعانيه أمتنا العربيّة الآن من تخلف وتبعية وتجزئة يدفعنا للتساؤل عن أسباب هذا التردي من جهة، مثلما يدفعنا للتساؤل عن الوضعية التاريخيّة الراهنة لمقومات القوميّة من جهة ثانية، وبالتالي عن درجة وعي الأمّة العربيّة لذاتها من جهة ثالثة، وما هي الآفاق المستقبلية لهذا الوعي في مضمار التحولات العالميّة الجديدة ونظام العولمة؟.. الخ .

وبعد استعراضي لحال العرب في ظل الخلافة الإسلاميّة، وفي ظل الدولة العثمانيّة المليّة، توصلت الى نتيجة أنصفت فيها المتنورين العرب النهضويين في القرن التاسع عشر، معتبرا أن ما قام به هؤلاء من تحريض فكري لتأكيد الذات العربيّة المضطهدة والمستلبة في ظل الدولة العثمانيّة، ثم الاختراق الغربي لاحقاً لدولنا العربيّة بنيويّاً مع كل حالات الحصار الموضوعيّة والذاتيّة التي فرضت على دولنا وشعوبنا العربيّة، إلا أن تلك العمليّة استطاعت أن تدفع الوعي القومي العربي أشواطا بعيدة إلى الأمام.

 وجرياً وراء سؤال النهضة الذي شغل ويشغل الباحثين والمفكرين النهضويين العرب منذ أكثر من قرن، أجد أن الإجابة عن أسئلة النهضة، ليست سهلةً خاصة في ظل الظروف الدوليّة الجديدة التي يمر بها العالم والأمّة العربيّة على السواء، وبخاصة تحت مظلة النظام العالمي الجديد المتوحش. فالأمّة العربيّة تتعرض اليوم في ظل النظام العالمي الجديد الى حالة من الهيكلة بطريقة تتناسب مع حركة رأس المال المالي الاحتكاري العالمي.

 وبناءً على ذلك فإن إعادة الهيكلة للعالم العربي في مضمار النظام العالمي الجديد، تهدف إلى إلغاء مقومات وجود الأمّة العربيّة عبر اختراق قيمها ليس الماديّة فحسب، بل والمعنويّة أيضا مركزة في هذا الاتجاه على قيمها الأخلاقيّة وعاداتها وسلوكياتها لتسييد نمط آخر من القيم والعادات هو نمط المجتمع الاستهلاكي.

 إن النظام العالمي الجديد يريد عمليّا إلغاء مقومات الأمم الأخرى أي إلغاء السمات والخصائص التي تميز عمليّا كل أمّة عن غيرها. وفرض «كوزموبوليتية» جديدة. (أي نظام عالمي جديد)، منطلقاً من أن مسألة (السوق الشرق أوسطيّة) تأتي الآن في مقدمة التدابير العمليّة التي ينتهجها الغرب عموما وأميركا والصهيونيّة على وجه الخصوص، من أجل محو فكرة القوميّة العربيّة في إطارها الجغرافي من ذاكرة الوطن، وترسيخ فكرة جيواقتصاديّة أو جيوسياسيّة بدلاً عنها.

 إن ما تمارسه أميركا والغرب عبر الثورة التكنولوجيّة المعلوماتيّة من تسويق لبرامج ثقافيّة تحمل في مضامينها قيماً وأخلاقاً وسلوكيات تركز على تذرير المجتمع، والحريّة الفرديّة وتسويق فكرة موت القيم.. الخ، ما هي الا تكملة للمشروع «الكوزموبوليتي» الجديد بنموذجه الأميركي الغربي الاستهلاكي. ورغم ذلك، فإن النتيجة التي توصلت إليها، هي ضرورة التسلح بما ذهب اليه ابن خلدون في قوله «تتحدد أحوال الناس بتحديد نحلتهم من المعاش».. وهذه المقولة تفرض علينا تغيير واقعنا لتغير أحوالنا، أي يجب علينا أن لا نستسلم أمام تحديات الواقع المرير الذي نعيشه، بل علينا أن نقوم بمعاندته دائما من أجل أن نتغلب عليه، بيد أن هذه المعاندة لا تعني أن نقوم بليّ عنق التاريخ وقسره بالطريقة (سرير بروكوست)، وإنما المقصود بالمعاندة هنا أن نقوم باكتشاف قوانين الواقع والتسلح بمعرفتها، وبالتالي تسيير التاريخ وفقا لآليته مدفوعاً بإرادة الإنسان وتفكيره.

 وفي السياق العام لبنية الكتاب، قمت بتناول موضوعاً على درجة عالية من الأهميّة وهو بعنوان: «غزو ثقافي أم حوار ثقافات» مبيناً الجدل الذي دار حول هذه القضية منتهيا الى التأكيد على أن الأمر لا يمكن أن يصل الى حد المطالبة بعدم أو إقصاء ثقافتنا بكل ما فيها، أو أن يتم إحلالها بالثقافات الأخرى. وإنما كل ما نريده، هو كيف نستطيع ان نتكئ على الجوانب العقلانيّة في ثقافتنا أولا، ثم كيف نستطيع أن نتفاعل ثقافيّا مع الحضارات الأخرى الأقوى من حضارتنا الآن، دون أن نخسر ذاتنا ثانيا، هذا مع إدراكنا العميق بأنه ليس من الممكن محاكاة حضارة أو مدنيّة في مظاهرها الخارجيّة دون أن يتم التأثير والتأثر في الوقت نفسه بروحها أو جوهرها.

 هذا وقد تطرقت إلى قضية أخرى لها من الأهميّة أيضاً وهي مسألة «الدين بين العقيدة والأيديولوجيا». ففي هذا السياق استعرضت قضية ما يسمى (التفسير الأيديولوجي وحاكميّة النص)، معتبراً أن ما أصفه بالموقف الأيديولوجي، يعمل على عدم السماح بالخلاف في التفسير أو التأويل إلا في الفروع، وفي حدود الترجيح بين أراء القدماء للاختيار منها ما يناسب الحدوث – الجديد الطارئ - على اعتبار أنه لا اجتهاد في موضع النص، وهنا أقر بأن الاجتهاد يكون محكوماً بالضرورة بأطر لا تمت الى الحياة والواقع بصلة رغم تغير الواقع وتبدله باستمرار.

 وفي الأخير أصل الى القول بأن رفض تاريخيّة الواقع، أي حركته وتطوره وتبدله وفق هذا الموقف الايديولوجي، يعني الإقرار بأن مفهوم الخلاص عند القوى الأصوليّة الجموديّة، هو العودة دائما الى الوراء، الى الماضي إن كان كمنطلق نحو الحاضر أو كأصول تمثل برمتها التقدم عندهم.. وهذه هي البيئة الفكريّة التي تنطلق منها الأصوليّة أيديولجياً. وهذا يتطلب منا بالضرورة الالتزام بالموقف العقلاني من الدين، وتأكيد سلطة العقل على النقل، هذه السلطة التي تأسس عليها الوحي ذاته. بيد أن هذا العقل ليس هو العقل بكونه آليّة ذهنيّة صوريّة، بل بما هو فعاليّة اجتماعيّة تاريخيّة متحركة.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

........................

* إصدار دار التكوين دمشق - 2006

صدر الجزء الاول من مذكرات محمد رشاد الشيخ راضي، عضو قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الاشتراكي، (اسمه الرسمي)، وعضو القيادة القومية الاحتياط، ايضا، بعنوان: البعث كما عرفته، وتحته: لا شيء يفقدنا الامل، حررها وقدمها وعلق عليها د. طارق مجيد تقي العقيلي، الطبعة الاولى 2025، عن دار الحكمة- لندن.  والكتاب في 245 صفحة من القطع الكبير، في 25 قسما او فصلا، وملاحق، باسماء شخصيات، كما عرفهم، وصور شخصية مع قيادات سياسية واصدقاء للمؤلف.

ولانها مذكرات شخصية لمسؤول سياسي في حزب وصل الى الحكم في عاصمتين، عربيتين، بغداد ودمشق، وفشل في تحقيق اهدافه التي رفعها لانتشاره ودعواه، في الوحدة والحرية والاشتراكية، وترك صفحات تاريخ مملوءة بالقتلى والدماء واساليب حكم فاشية، اعترف بها اعضاؤه وقياديوه، من ضمن شعبي البلدين، ومما يثبت لضحاياه ما عانوه وعاشوه في السجون والمعتقلات والعلاقات السياسية والوطنية. ولهذا تكون المذكرات مهمة ومحط تقييم واختبار، بالمقارنة مع الواقع والوقائع وشهادة يحكم بها وعليها في تاريخ البلدين والشعوب العربية التي عاشت التجربة المرة وكابدت محنة التناقضات الصارخة بين الافكار والشعارات البراقة وبين ما طوته سجلات التاريخ من معاناة وآلام ومجازر، لا يمكن ان تغتفر او تنسى.

ما اكده المؤلف او ما يهم في المذكرات تسجيل صورة الصراعات والانقسامات واسبابها داخل الحزب في القطرين اللذين وقعا تحت حكم الحزب، وانعكاساتها على الحزب، ليس في العاصمتين فقط وانما في كل عاصمة اخرى تاسس للحزب فرع او انتظم له تنظيم باموال مفتوحة الارقام من بغداد ودمشق. واهميتها كما نشر قبله عدد من القيادات الحزبية التي قدمت شهاداتها عن تجربتها وقناعاتها وما آلت اليه النهايات. ومنها ما نقله المحرر للمذكرات، وقدم به فصول مذكرات المؤلف، من فقرة اساسية ومهمة لقيادي بارز سابق في الحزب، هو الدكتور سامي الجندي، بعد تجربة نضالية خاضها في اتون مسيرته الطويلة في الحزب في سوريا. حيث كتب الجندي: (اصبح البعثيون بلا بعث، والبعث بلا بعثيين: ايديهم مصبوغة بالدم والعار يتسابقون الى القتل والظلم والركوع امام مهماز الجزمة)، واعادها المؤلف في اوراقه الاخيرة، واضاف المحرر له بانه وصف "اقل ما يمكن وصفها بانها تجربة مرة ومحبطة لاماله وتطلعاته القومية في دولة عربية واحدة وشعب عربي واحد، وامة عربية واحدة، وفق منطق حزبه والمنظرين القوميين العرب، وسبب كل ذلك مثلما اعتقد الجندي هو حزب البعث نفسه وقيادة ميشيل عفلق واتباعه، فلم يعد البعث بعثا عربيا بعد تجاربه المدمرة في حكم دولتين، سوريا والعراق" (ص5).

وفي تقديم المؤلف لمذكراته اكد على امور تعكس ما عرفه من البعث، الحزب الذي انقسم الى جناحين، يساري ويميني، وقيادات حاسمة له بين عسكرية ومدنية، ورغم تشابهه في "القطرين"، (كما يكرس كتاب الحزب ومنتسبوه، هذه التسمية في اغلب الادبيات الحزبية)، والانقسام الواضح بين جناحيه الرئيسين، او اجنحته المؤثرة في قيادته وما الت اليه تطورات الحكم او اسس التحزب والدولة، ظل الانقسام عاملا كبيرا في ادارته وتعامله الداخلي في حياة أعضائه ومنتسبيه واندفاع أعضائه لعاصمتي "القطرين"، بشكل يعكس او يعطي انطباعات اخرى لطبيعة الانقسام والتدهور السياسي والفكري للحزب وقياداته ودور مؤسسه، ميشيل عفلق، ومؤلفه (في سبيل البعث) واتباعه، في مجريات ما حدث، حزبيا وادارة حكم. "ولكن، ان بقاء افكار الحزب وفق صيغتها العفوية والتجريبية لفترة من الزمن في ضل (كما في النص وتكرر هذا الخطأ في اكثر من صفحة، والاصح ظل) واقع عربي متغير طبقا لتطورات سياسية اقليمية ودولية، كان سببا خطيرا ومؤثرا انعكس على تجاربنا التاريخية المهمة كفشل تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 وسقوط تجربة الحزب الاولى في العراق عام 1963" (ص13). كما راى المؤلف ذلك سببا دافعا الى تطور الحزب وتحوله وترسيخ "نظريته العملية والثورية في المؤتمر القومي السادس ومنطلقاته عام 1963 التي صاغها الرفيق ياسين الحافظ بصيغة يسارية ثورية وماركسية عربية"، واصبح هذا التطور علامة مميزة  للحزب، بتعريف حامليه باليسار، بينما وصفت المجموعة او الجناح  الاخر الذي تبع مؤسس الحزب ميشيل عفلق، بصفة اليمين، وعمليا انقسم الحزب الى الجناحين اللذين استمرا في وصفهما، اليسار واليمين، ولا سيما في حكمهما لبلدين عربيين، جارين ولم يتمكنا او فشلا في تطبيق شعارات الحزب واهدافه في الممارسات والعلاقات واساليب الحكم، بل وتجاوز طرف منهما على الاخر حدود الانتماء والخلاف الى العداء والتآمر والارتهان للقوى و"الدوائر الاستعمارية المعروفة" (ص18).

عرض المؤلف في فصول الكتاب الاولى، كالمعتاد في كتب المذكرات، بدايات عمله الحزبي، "خطوات على الطريق" في مدينته النجف الاشرف، واتصالاته التنظيمية ومواجهة التطورات السياسية في العراق، وفي سوريا ايضا. وانتقاله "من حزب الاستقلال الى حزب البعث العربي الاشتراكي"، واعلان انتسابه لحزب البعث عام 1959 بدرجة نصير، وهي ادنى درجة في تنظيم الحزب (ص33). وترديده شعار الحزب،" في العام 1961 امام الرفيق المرحوم صدقي ابو طبيخ"(ص40)، ووصف الاوضاع السياسية في المدينة والبلاد، وابرزها الصراعات بين الاحزاب السياسية المتصدرة للمشهد السياسي، والبحث عن مصدر للعيش، في وظيفة حكومية، وكذلك الاشارة الاهم الى قرارات الحزب الحاكم، البعث، في محاربة البعثيين المنتمين الى البعث اليساري، وهو منهم، و"مطاردتهم" واعتقالهم، وتاكيد الانقسام الحزبي، بين اليسار واليمين، في المشهد السياسي، في العراق وخارجه.

انتقل بعدها بكشف وقائع الانقسام في الحزب، ومسار الاحداث ودور القيادات الحزبية، المدنية والعسكرية في البلدين في كل ما حصل. وفي نشرها سعي للمؤلف ان تكون توثيقا تاريخيا واثباتا بحكم المشاركة او المراقبة عن قرب، على طبيعة تلك الاحداث، وممارسات قيادات الحزب في الحكم والسلطة. فبعد الاطاحة بقيادة ميشيل عفلق وبمؤيديه في القيادة القومية والقيادة القطرية في سوريا، في حركة 23 شباط/ فبراير 1966، والتي عدت انقلابا داخل الحزب، وسببا في انقسام دائم بين فرعي الحزب في العراق وسوريا. "كنا نشعر بان ثمة صراع حاد اخذ يدب في صفوف الحزب، كلما اقترب موعد انعقاد المؤتمر القطري السادس" (ص45). وبعد انعقاد جلسات للمؤتمر، كانت الجلسة الاخيرة بدون جدول اعمال ولم يردد فيها شعار الحزب، ورغم اعادة انتخاب المؤلف ورفاقه في شعبة مدينة الناصرية، "واصبحنا عمليا اعضاء منتدبين للمؤتمر القطري، ولم يكن صدام مرتاحا لنا. على كل حال انفضت هذه الجلسة او اخر اجتماع اذا جاز التعبير قبل اعلان الانشقاق في الحزب بشكل رسمي ويصبح في حزب البعث اتجاهين متناقضين(!) يتصارعان بعنف وشراسة وبدت ملامح اليسار واليمين تتبلور وتتطور مع تطور الاحداث"، (ص 66).

اختصرت عناوين فصول تالية محتوياتها، ابرزها ما اشار له في المقطع المنقول في الصفحة السابقة المذكورة، الصراعات بعنف وشراسة، ومجازر "رفاقية " وتصفيات واغتيالات لقيادات فاعلة في فرعي الحزب، ومن ضمنها الاعتقالات والمحاكمات الشكلية وانعكاساتها على الحزب والحكم والعلاقات الداخلية والارتباطات والارتهانات الخارجية، "وكانت حرب المخابرات السرية والاختراقات بين البعث اليساري والبعث اليميني قائمة بشدة " (ص130)، من بين العناوين، مثلا، الفصل السابع: "اليسار واليمين.. فصل احمد حسن البكر وصدام حسين من حزب البعث"، وعنوان الفصل الثامن، "قيادة قومية مخترقة"، والفصل التاسع: "اعتقالي وسجني في مديرية الامن العامة بعد انقلاب 17- 30 تموز 1968"، والفصل العاشر: "مع شقاوة البعث جبار الكردي في سجن الامن العامة"، والحادي عشر: "مع اليهود في سجن مديرية الامن العامة ومواقف جبار الكردي النبيلة"،  والثاني عشر: "من السجن الى القصر الجمهوري وجها لوجه مع احمد حسن البكر وصدام التكريتي"، وعنوان الفصل السادس عشر: "عندما يرتد البعثي عن خطه اليساري، الرفيق ضرغام عبد الله الدباغ (ياسين احمد)"، وواصل بالمعنى نفسه في الفصل التالي له، عن ارتداد منذر الونداوي، واكد الفصل الثامن عشر على: "الصراع البعثي - البعثي، تكريس التكتل والولاءات داخل الحزب"، وعنوان الفصل الواحد والعشرين: "مسلسل الاغتيالات، المحاولة الاولى لاغتيال الرفيق احمد العزاوي"، وعنوان الفصل الرابع والعشرين: "القاتل يتهرب من جريمته والحق ينتصر، ومثولي امام لجنة تحقيقية حزبية وامنية".

كتب محمد رشاد الشيخ راضي، كقيادي في الحزب، وكشاهد عيان، مطلع على تفاصيل التنظيم الحزبي والعلاقات البينية وما حملته من وقائع وصلت الى جرائم قتل واغتيال ولجان تحقيق مخترقة، داخل الحزب، (فكيف خارجه ومع معارضيه؟!)، في فصول ختامية لمذكراته، كاشفا اسرارها بالاسماء والزمان والمكان، وقد تكون في ابعادها السياسية والاخلاقية مدعاة استفسار ورد ونقاش ممن وردت اسماؤهم الصريحة، ومازالوا احياء، حيث تظل شاهدة وشهادة في صفحات التاريخ، ومن مهمة الذكريات والمذكرات المنشورة اخذها بواقعية ودليل موثق وصلتها مع الحقائق الدامغة التي حاكمها التاريخ ووثقها في ايامه وذاكرة الشعوب.

اضافة الى ما سبق ختم الجزء الاول بملحق عن " شخصيات هكذا عرفتها" مسلطا الضوء على ما وراء المعرفة الشخصية، في الدور الذي مارسه، كل منهم، لا سيما في اعمال سياسية خطيرة، كتشكيل حزب سياسي يساري بدعم اجهزة مخابرات، او العلاقة بعميل موساد، او الانحراف والاسترزاق، كما ورد في العنوان.

ولكن، تبقى صفحات المذكرات لاي سياسي ومن اي حزب مهمة اضافية نضالية لتوثيق حياة واسرار وعلاقات واتصالات ووقائع  لدروس التاريخ وعِبر للاجيال. وقد تكون هذه المذكرات شهادة ناطقة لما وصلت اليه الامور والتجارب، وما انتهت اليه مسيرتها وضرورة كشفها وفضح ما خفي او ما لم يعرف بعد.

***

كاظم الموسوي

بقلم: ميخائيل هاوزكلر

(Michel Hauskeller)

ترجمة: قاسم طلاع

***

من خلال تعريفه للجماليات ك "علم الفن الجميل"، كرس هيجل كل فن لمثل الجمال. تماما كما يجب استبعاد الطبيعة من التأمل الجمالي، يجب أيضا استبعاد محن الحياة العديدة من التمثيل الفني. حتى لو بدت بعض الأعمال المعاصرة عكس ذلك، فإن هيغل يرى أنه لم يكن من ضمن مهمة الفن إبراز أهوال الوجود الطبيعي. بل كان عليها أن تجسد الواقع النثري بشكل شعري. وبهذه الطريقة، لم يكن للفن أن يبتعد قليلا عن الحقيقة، بل أن يقترب منها، لأن الجميل فقط، أي تعبيرا عن الوحدة المفاهيمية، يمكن اعتباره حقيقيا. القبح كان دائما رسما للكذب.

ولكن على المدى الطويل، لم يكن من الممكن أن يبقى مخفيا حتى عن أكثر الهيغليين حزما أن الفن، رغم كل النظريات، كان في خطر الاصطدام بالحقيقة من خلال سعيه المفرط نحو المثالية. فن يريد أن يكون جميلا بأي ثمن ولا شيء آخر يسلب الجمال في النهاية كل تعبير ويتحول إلى مجرد زينة. من بين خلفاء هيغل الفلسفيين، ربما لم ير أحد هذا الخطر بوضوح أكثر من كارل روزنكرانز – Karel Rosenkranz- (1805-1879)، الذي كان يحظى باحترام كبير خلال حياته لكنه يا للأسف منسي إلى حد كبير اليوم.

في كتابه "جماليات القبح" (Ästhetik des Hässlichen)، الذي نشر عام 1853، بعد اثنين وعشرين عاما من وفاة هيجل (العنوان نفسه استفزاز)، يأسف روزنكرانز على "التزوير غير المعقول" الذي ينفذ باسم المثالية. يتم إخفاء وجود العمليات الطبيعية عمدا وتجنب عادة وصف الأمور بأنها بأساس. لأن كل شيء من المفترض أن يكون نبيلا ونقيا وجميلا، يتظاهر الناس ببساطة بأنه لا يوجد شيء قبيح، لا في الحياة ولا في الفن. في الواقع، الحياة ليست دائما جميلة بأي حال من الأحوال: "الجحيم ليس فقط دينيا-عرقيا، بل هو أيضا جرح جمالي. نحن في خضم القبح." يجب ألا يتردد الفن في تصوير هذا القبح، ولكن ليس كذلك، كما قيل أحيانا، حتى يمكن تمييز الجمال بوضوح أكثر من خلال التباين مع القبح، لأن هذا عادة لا يكون الحال على الإطلاق. غالبا ما يفسد وجود القبح متعة الجمال أكثر مما يزيده. إذا كان الفن لا يستطيع الاستغناء عن القبح، فهو من أجل الحقيقة، فلا الجميل دائما صحيح، ولا الحق، كما علم هيجل. "إنه جميل،" يكتب روزنكرانز، "عندما يظهر الحقيقة والخير جميلين أيضا، لكنه ليس ضروريا." لذا، يمكن أن يكون الكائن الحي المنظم تماما قبيحا، وتماما كما يمكن أن يكون غير الكامل (نعم، حتى الشرير كالقبيح بالمعنى العرقي) جميلا.

ومع ذلك، فإن روزنكرانز بعيد كل البعد عن كسر المثالية. بالنسبة له، فإن القيد الفني لما هو جميل فقط ليس مثاليا، بل مجرد شبه مثالي، لأنه قائم على فهم خاطئ للفكرة. "غياب كل خطأ إيجابي، واستخدام الأشكال النبيلة المعروفة بالتفصيل، والابتعاد عن أي حيوية، وهدوء التعبير المختار، والنظافة السلبية التي تلين بها التفاصيل، يخدع بشأن نقص محتوى الديكور ولا يسمح للفنان بالشك في أنه كشف فقط عن كاريكاتير مثالي." من خلال القمع الصارم لكل ما هو قبيح، لا يتم تجاهل واقع العالم فقط، بل يتم تزوير الفكرة نفسها (وبالتالي أيضا الواقع والحقيقة بالمعنى الهيغلي)، لأن القبح ينتمي إلى الفكرة بقدر ما ينتمي إلى الجمال. "سيكون تصورا سطحيا للفكرة إذا أراد أن يقتصر على الجمال البسيط." صحيح أن الفكرة التي تتألق في الحواس، أي التي تحقق، دائما جميلة، لكن الفكرة أيضا حرة بمعنى أن إمكانية الجمال تشمل في الوقت نفسه إمكانية القبح. فقط ما هو قادر على الجمال يمكن أن يكون قبيحا، وكلما كان الشيء أجمل، أصبح أكثر قبحا وأكثر عرضة للقبيح. لا شيء يمكن أن يكون جميلا هكذا مرة أخرى، لكنه لا يمكن أن يكون بهذا القبح أيضا. لذا، القبح هو، كما يقال، الخطر "الذي يهدد الجميل في ذاته". لهذا السبب، يتطلب العرض الكامل للفكرة أن تظهر هشاشة الجميل أيضا، أي الإمكانية المعطاة باستمرار والتي لا يمكن طردها أبدا للجميل لتحول نفسه إلى قبح. إذا بقي هذا الاحتمال غير مرئي، يصبح الجميل غير صحيح، وفي الواقع بمعنى أعلى من مجرد التوافق مع ما يسمى بالواقع، لكنه يصبح قبيحا، لأنه بالذات لأن الجميل له علاقة ضرورية بالحقيقة والخير، والتي لا يجب تحت أي ظرف من الظروف، لا يمكن للجمال إلا أن يبقى جميلا كحقيقة. الجميل (على ما يبدو) يكون جميلا (حقا) فقط عندما يكون حقيقيا، ويكون كذلك عندما يرى المرء خطر الإبادة فيه.

وبهذه الطريقة، ينجح روزنكرانز في التمسك بالجمال كمثال فني وفي الوقت نفسه يستمد من هذا المثل ضرورة تقديم العدالة الجمالية للقبيح. "الجميل هو الفكرة الإلهية والأصلية، والقبيح، نفيه، له وجود ثانوي بهذا الشكل." ومع ذلك، لا يمكن للجمال أن يوجد على المدى الطويل دون نفيه، كما تثبت التجربة الجمالية بما فيه الكفاية. لأنه، حتى لو لم يرغب المرء في قياس الجمال مقابل حقيقة الفكرة، يمكنه أن يختبر كيف أن الجمال في الفن، عندما يبقى الجمال بلا تحد، يفقد كل سحره. لذا، كل وحدة بحد ذاتها جميلة، ولكن إذا لم تحتو الوحدة على أضداد، تصبح قبيحة: "نقاء شعور معين، شكل معين، لون، نغمة يمكن أن تكون جميلة فورا. ولكن إذا ظهر لنا هذا النموذج مرارا وتكرارا دون انقطاع، دون تغيير وتناقض، فهناك بؤس، وتجانس، وتلوين، ورتابة." وينطبق الأمر نفسه على انتظام وصحة التمثيل، وكلاهما يصبح قبيحا فورا عندما يحكم دون منازع. ليس لأنها قبيحة بحد ذاتها - بل العكس صحيح - بل لأن الجمال يصبح قبيحا بمجرد أن يصبح موحدا ومنتظما وصحيحا أو أيا كان. المبادئ العامة للجمال جيدة فقط إذا استخدمت ك "وسيلة للتجلي الروحي". ومع ذلك، يتطلب ذلك انقطاعا عرضيا عن المبدأ. فقط من خلال مواجهته يمكن الحفاظ على الجمال. وهكذا، ومن المفارقات أن التناقض الذي يكمن وراء كل القبح، وكذلك وحدة الجمال، يثبت تجريبيا أنه جزء لا يتجزأ من الجمال.

حتى لو لم يستطع الفن الاستغناء عن إدراج القبح لأسباب مختلفة، فلا يجب أن يكون القبح نفسه أبدا موضوعه الوحيد. ينبع الفن من الشوق البشري للجمال، الذي، كما هو معروف، لا يمكن الاستمتاع به إلا في أنقى أشكاله. لأن هذا هو هدف الفن، يجب ألا يتخلى عن الانسحاب إلى الجميل كمثال. الهدف منها إظهار ما هو موجود، لكنه دائما على عكس ما يجب أن يكون. وهذا يعني، مع ذلك، أن القبح الذي يجبر الفن على تمثيله من أجل الحقيقة (والجمال) يجب أن يلغى بطريقة جمالية ويعاد إلى وحدة الفكرة، وأن يظهر في نسبيته، في عدم وجوده السلبي البحت، كما لو كان وجوده الظلي. يتم تحقيق ذلك من خلال تحوله إلى كوميدي، الذي يعيد تجديد القبح (الذي دائما يحتوي على إكراه) إلى حرية الجمال. الكوميديا توحد الجميل والقبيح من خلال تحرير كلاهما من أحادية الجانب (شبه المثالية). بالنسبة للأطروحة والنقيض، تشكل التركيب، بمعنى هيغلي. "الجمال يكشف في هذه العملية كقوة تخضع غضب القبح لسيطرته. في هذا المصالحة هناك بهجة لا نهائية تجعلنا نبتسم ونضحك. في هذه الحركة، يتحرر القبيح من طبيعته الهجينة والأنانية. يعترف بعجزه ويصبح مضحكا. كل الأشياء الكوميدية تفهم من خلال لحظة سلبية بالنسبة للمثالية النقية والبسيطة؛ لكن هذا النفي يختزل فيه إلى مظهر، إلى لا شيء. المثالية الإيجابية معترف بها في القصة المصورة لأن مظهره السلبي يتبخر ويتلاشى أيضا." تعقيد الفكرة، ومثال الجمال والحقيقة، يبدو أنه الطريقة الوحيدة لإعطاء القصة المصورة. ولكن إذا كان هذا هو الحال، فحتى لو لم يستخلص روزنكرانز هذا الاستنتاج صراحة، فإن الفن المثالي الذي يحقق المثالية يجب أن يكون مضحكا في النهاية.

***

.....................

 *Karl Rosenkranz, Ästhetik des Hässlichen, hg.und mit einem Nachwort von Dieter Kliche, Leipzig 1990.

(كان كارل روزنكرانس فيلسوفا ألمانيا، تأثر بفلسفة هيغل وتابع قراءاته له وألف كتاب عن حياته، وقيل إنه شارك في جمع مؤلفاته والمشاركة في طبعها.

* Was ist Kunst?

"دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة" 

ليست بعض الكتب مجرد نصوص تُقرأ، بل تجارب تُعاش. والجزء الأول من كتاب «دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي ينتمي إلى هذا النوع من الكتب التي لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة، بل تبدأ منها رحلة جديدة داخل القارئ نفسه.

لقد شعرتُ، وأنا أتنقل بين صفحاته، أنني لا أقرأ أفكارًا بقدر ما أرافق تجربة إنسان يبحث عن المعنى في الدين والفلسفة والحياة، تجربةٍ تحاول أن تعيد الإنسان إلى مركز التفكير الديني والتربوي والأخلاقي.

أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو أن سؤال المعنى يظل خيطًا ناظمًا لكل الأفكار. ليس المعنى هنا مفهومًا فلسفيًا مجردًا، بل حاجة وجودية يعيشها الإنسان في ضعفه وخوفه وقلقه وأمله. الدين، في هذا الأفق، ليس منظومة مغلقة من الأحكام، بل أفقٌ روحي وأخلاقي وجمالي يمنح الحياة معناها. "الدين حياة في أفق المعنى" بتعريف الرفاعي، "معنى وجود الإنسان وحياته" هو المحور الذي يلتقي فيه الدين بالحب والجمال برأي الرفاعي. من هذه الزاوية، يصبح الإيمان مسؤوليةً أخلاقية قبل أن يكون موقفًا اعتقاديًا، ويصبح الضمير الأخلاقي معيارًا لفهم الدين وتجديده. لقد نجح الرفاعي في إعادة طرح سؤالٍ قديم بصيغة جديدة:

كيف يمكن للدين أن يظل حيًّا في عالم متغير دون أن يفقد إنسانيته؟

الإجابة التي تتشكل عبر صفحات الكتاب تقول إن الدين يفقد روحه عندما ينفصل عن الإنسان، ويستعيد حيويته عندما يتحول إلى طاقةٍ ملهمة للرحمة والمحبة والجمال والسلام. بهذا المعنى، لا يكون تجديد الفكر الديني صراعًا مع التراث، بل قراءةً نقدية له، واستئنافًا للمعاني الأخلاقية والروحية والجمالية في نصوصه، عبر قرائتها بأدوات المعرفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.

من أهم ما يميز هذا العمل الفكري هو الإصرار على أن الأخلاق هي المعيار النهائي للدين. الأخلاق قبل الدين، لا معنى للدين بلا أخلاق، النصوص الدينية تفقد معناها إذا لم تُثمر إنسانًا أرحم وأكثر مسؤولية. الدين الذي لا يوقظ الضمير الأخلاقي، ولا يحمي كرامة الإنسان، يتحول إلى أداة يمكن أن تُستغل في الصراع والهيمنة بدل أن تكون مصدرًا للسكينة.

هذا المنظور يفتح الباب أمام فهم جديد للعلاقة بين الدين والفلسفة. الفلسفة هنا ليست خصمًا للدين، بل شريكًا في البحث عن المعنى. الدهشة والنقد والتساؤل ليست تهديدًا للإيمان، بل طريقًا لإنضاجه. الإنسان الذي يتوقف عن السؤال يتوقف عن النمو، والدين الذي يخاف النقد يفقد قدرته على الحياة.

كما يبرز في الكتاب حضورٌ قوي لفكرة التربية الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. الإنسان، مهما بلغ من النضج، يظل في حاجة إلى تربيةٍ متواصلة للروح والقلب والضمير.

هذه التربية لا تقوم على الوعظ المجرد، بل على المثال الإنساني الحي، وعلى العلاقات التي تُنمّي الثقة والمحبة والرحمة داخل المجتمع، وفي المدرسة خاصة.

ومن موقع قارئٍ يعمل في التربية، بدت لي صفحات الكتاب وكأنها تذكيرٌ عميق بأن التربية ليست نقل معرفة فقط، بل بناء إنسان. الكلمة التي تشجع طفلًا قد تغيّر حياته، والعلاقة الإنسانية الصادقة داخل الفصل قد تكون أبلغ من أي منهج. في هذا المعنى، تصبح التربية امتدادًا للأخلاق، ويصبح المعلم حاملًا لمنهاجٍ خفيٍّ يتجلى في سلوكه قبل كلامه.

يظهر كتاب «دروب المعنى» حساسيةً عالية تجاه تعقيد النفس الإنسانية، ويقدّم طبيعة الإنسان كما يفهمها الرفاعي بقوله: "الطبيعة الإنسانية ملتقي الأضداد"، إذ تجتمع في أعماقها قابلية الخير وقابلية الشر، والنور والظلمة، والسمو مع الانحدار. لا يرى الرفاعي الإنسان كائنًا بسيط البنية أو منسجمًا، وإنما كائنًا قلقًا، خائفًا، هشًّا، مفتوحًا على احتمالات متعددة، لا يكفي فيه الذكاء وحده ليصونه من الانحراف، لأن الذكاء قد يتحول إلى أداة تبرير أو وسيلة سيطرة ما لم يرافقه ضمير أخلاقي يقظ. من هنا تأتي أهمية الصمت الداخلي، والتأمل، والقدرة على مراجعة الذات باستمرار، بوصفها شروطًا للنضج الإنساني. مراجعة الذات بوصفها شرطًا للإنصات إلى الأعماق، وإعادة وصل الإنسان بذاته، وتحرير وعيه من ضجيج التبريرات السريعة والأحكام المتعجلة. التأمل، في هذا الأفق، ليس ترفًا روحيًا، وإنما ممارسة وجودية تعيد للإنسان قدرته على مراجعة نفسه، ومساءلة دوافعه، وتمييز ما يصدر عنه من اندفاع أو خوف أو طمع. كما يتعلّم الإنسان في التأمل كيف يكون أكثر صدقًا مع نفسه، وأكثر تواضعًا أمام ضعفه، وأكثر مسؤولية في اختياره للخير وهو يدرك أن الشر يسكنه أيضًا.

في عالمٍ سريع التحول، يتوقف الكتاب عند تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، ويرى فيها فرصةً بقدر ما هي تحدٍّ. الهوية الرقمية المتغيرة تفرض على التربية والدين أن يجددا لغتهما وأدواتهما، دون أن يفقدا جذورهما الإنسانية.كل هويةٍ ترفض صيرورة التاريخ تنغلق على نفسها، بينما الهوية الحية هي التي تتفاعل مع العالم دون أن تفقد معناها.

كما يتجلى في الكتاب اهتمامٌ واضح بفكرة التعددية الدينية والثقافية. الأديان، على الرغم من اختلافها، تشترك في رصيدٍ روحي وأخلاقي يمكن أن يكون أساسًا للتعايش والسلام. لأن "الإيمان يتكلم لغة واحدة، بينما المعتقدات تتكلم لغات شتى" يقول الرفاعي.

الاحترام المتبادل، لا التسامح المتعالي، هو القاعدة الأخلاقية التي تسمح بإدارة الاختلاف الإنساني. ومن خلال هذه الرؤية، يصبح الدين تجربةً وجودية شخصية، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية اجتماعية. الإيمان ليس انسحابًا من العالم، بل حضورٌ أخلاقي فيه.

بعد هذه الرحلة مع الكتاب، يشعر القارئ أن ما يبقى في النهاية ليس مجموعة أفكار منفصلة، بل روحٌ إنسانيةٌ واحدة تجمع بينها: روح المحبة والرحمة والسلام، والبحث عن المعنى، والإيمان بقدرة الإنسان على أن يصبح أفضل.

هذه الكتابة لا تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية، بل تدعو إلى مواصلة الرحلة. الأسئلة الكبرى لا تنتهي، والمعرفة تتسع بقدر ما يتسع وعينا بجهلنا، والحياة تظل طريقًا مفتوحًا نحو المعنى.

شكراً للدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذا العمل الذي يذكّرنا بأن الدين يحتاج إلى قلبٍ بقدر ما يحتاج إلى عقل، وأن التربية تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه، وأن الطريق إلى الله يمر دائمًا عبر الحب والرحمة بالإنسان.

قراءة هذا الكتاب لم تكن نهاية مسار، بل بداية وعيٍ أكثر هدوءًا، وأكثر امتنانًا، وأكثر إنصاتًا لصوت الإنسان في الداخل.

***

عبد الرحمن مزيان – كاتب من المغرب

 

علي حليتيم: الحداثيون العرب أزالوا القداسة عن كل ما هو مقدس، وأدلجوا كل ما لا يؤدلج

يدعو الدكتور علي حليتيم مدير مركز الشهاب للبحوث والدراسات الجزائر في كتابه الباطنية الجديدة إلى تجاوز "اللا مفكر فيه" الذي تحدث عنه محمد أركون في كل اطروحاته الفلسفية والانتقال إلى حفر مسارات وأسس العقلانية في الحداثة العربية، كما دعا إلى فحص بنية العقل الحداثوي العربي في علاقته بالتراث وبالمشاريع النهضوية العربية وفي علاقته بالحداثة الغربية، هي رسالة ربما أراد علي حليتيم توجيهها للنخبة الفرانكفونية​.

دائما مع كتاب الدكتور علي حليتيم "الباطنية الجديدة" الذي يضم أكثر من 300 صفحة ويحتوي على أطروحات علمية ويطرح أفكارا عديدة، تغذي العقل والروح، فكل فكرة تطرح أسئلة عديدة وتبحث لها عن جواب من طرف المفكرين (المستبصرين)، والباطنية الجديدة هي دعوة إلى ممارسة الاستبصار، لفهم كيف يفكر العقل البشري وماهي توجهاته، فهو يطرح قضايا شائكة على غرار فكرة الحداثة العربية، الداروينية والفرويدية، الحداثة والقراءات المعاصرة، ومدارسها وقد خص الدكتور علي حليتيم الظاهرة الشحرورية كأنموذج وكذلك الظاهرة الأركونية بالانتقاد وهتان الظاهرتان الفكريتان تحتاج إلى قراءة تحليلية منفردة، ولا شك أن هناك من سبقنا إليها من المهتمين بالفكر العربي الإسلامي والفكر المضاد (الحداثي) خاصة وأن الدكتور علي حليتيم استدل في بعض محاور كتابه بمفكرين، على غرار المفكر مالك بن ني وكتابه الظاهرة القرآنية، عزت دروزة وكتابه النبأ العظيم، وأبو يعرب المرزوقي في التفسير، وما جاءت به كذلك الحركات الإسلامية المعاصرة ممثلة في الإخوان المسلمين في مصر، والسنوسية في ليبيا وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

لقد قدمت هذه الحركات الإسلام الصحيح في قالب يستوعب الحداثة العلمية، عكس ما جاءت به الحداثة العربية الرافضة للنص الديني (القرآن)، فقد جعلت الحركات الإسلامية من الحداثة العلمية واجبا دينيا وضرورة وجودية، كما أمر بها الإسلام نفسه، وفي ظل هذه الحركات وجد الناس انفسهم مسلمين معاصرين، والسبب يقول الدكتور علي حليتيم هو أن هذه الحركات شددت على البعد الإنساني في الإسلام وبينت نصوص هبد الحميد ابن باديس تنويرا من الطراز العالي، تتلخص في الإسلام الحضاري في الوقت الذي نقرأ فيه كيف ناصبت بعض القراءات الحداثية العداء للتجديد الديني لأنها كما يضيف هو تريد أمرا آخر مخالفا أو مختلفا، إن مفهوم التجديد يطرح كثير من الأسئلة وما يراد به، هل هو التحديث مع الحفاظ على الأصل؟ أم هو التخلي عن القديم، فالتجديد عند مالك بن نبي يقود إلى تحديد المفهوم والتصوّر، وقد يراد بالتجديد التغيير، للتحول، التقدم والتطور والإبداع، أي إيجاد شيء جديد أو استبدال شيء قديم.

و التجديد كمفهوم معنوي يعني مناهج التفكير والتعليم ولا يراد به تجديد الدين أو إلغاؤه وإنما شرح لما هو مستعص عن الفهم في النص الديني من خلال البحث عن مفاهيم تكون قريبة لكل كلمة واردة في النص الديني حتى لو كان بطريقة تأويلية، والتأويل لا يعني الإلغاء، يلاحظ أن ثمة فرق بين التجديد والتغيير، إن كُتِبَ المفهوم باللغة اللاتينية innovation – changement، فنحن أمام صراع مفاهيم، لدرجة أن هناك من لا يفرق بين كلمتي تصحيح وتغيير باللاتينية rectification – changement ويرى آخرون ومنهم الدكتور أبو بكر جيلالي أن التحوّل mutation مفهوم يرتبط بالتغيير والتجديد معًا، أو الارتقاء كما نقرأه في التجديد الحضاري، أو البناء الحضاري، فالبناء يعني التماسك ووضع منهج حياة والانتماء الصحيح للفكر الإسلامي ومنهجه وآلياته وهو ما أشار إليه الدكتور علي حليتيم في الصفحة 146 من الكتاب إذ يقول في الصفحة 147 : إن القرآن ليس وحيٌ فقط، وإنما هو منهج وكريق لبلوغ الكمال كمشروع مسار لنشر الرسالة الإلهية التي اوكلها الله للبشر عندما أخبر ملائكته بأنه سيجعل في الأرض خليفة وأمرهم بالسجود له، وهذا هو الكمال الذي بلغه الإنسان، لكنه بجهله أهمل هذه الرسالة بل اضاعها فضلّ عن سبيله " إن رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ" )الآية 7 من سورة القلم ) وسفك الدماء وعاث في الأرض فسادا.

فإذا كانت الصورة كما يقول علي حليتيم (الفقرة الأخيرة من الصفحة 147) في أوروبا هي الغلق التام للأفق الثقافي والنهضوي، فهي الصورة نفسها في العالم الإسلامي، ويمكن أن نسأل : كم عدد العلماء المسلمين في العالم الإسلامي اليوم؟ كم عدد الخطباء والفقهاء، كم عدد المفكرين الإسلاميين، وكم عدد الجامعات ومراكز البحوث الإسلامية، كيف تحقق التغيير والأمة الإسلامية عاجزة عن النهوض بنفسها، لدرجة أنها لم تجد سبيلا لنصرة إخوانها في فلسطين وباقي الشعوب المضطهدة، أو أن ترفع الفساد من على أرض الإسلام؟ عن أيّ إسلام يتحدث دعاتنا، لقد حصروا الإسلام في قشوره، ففي دار الإسلام شباب مسلم يعيش على الهامش فعانق المخدرات، في دار الإسلام مخمرات وبارات، نساء مشردات، إن أمّة محمد منقسمة، ممزقة، وكما يقول علي حليتيم في الصفحة 148 : لو تعامل المسلمون مع القرآن لما وصل حالنا اليوم إلى هذا الوضع، اختلف المسلمون حتى في الناسخ والمنسوخ في الصفحة نفسها وهو يقدم صورة حيّة للحداثيين وكيف تعاملوا مع القرآن بنفس منطلقات وعقلية فلاسفة الأنوار، وكأننا نعيد النقاش حول قصة القرآن إن كان مخلوق أم هو كلام الله.

نشير هنا أن المفكر محمد أركون ناقش مسألة القرآن الكريم وتحوّله من شفهي إلى كتابي، ولذا نجد التنويريين يتعاملون مع النص الديني كما يتعاملون مع أي كتاب عادي ولا يدركون أنهم يتعاملون مع نصٍّ مُقَدّسٍ ثابت لا يتغير، كما نلاحظ أن الدكتور علي حليتيم لم يخصص ولو صفحات قليلة ليطرح فكرة "القداسة" للنقاش، وتحديد ماهيتها وكيف يتعامل الإنسان وحتى المفكرين مع المقدسات في الديانات السماوية الثلاثة (اليهودية، المسيحية والإسلام)، فقد أشار الكاتب إلى رأي محمد أركون (الصفحة 149) في القرآن حين اعتبره ناقصا، وأن النصوص المفقودة مخبأة في بعض المكتبات هنا وهناك عند الفرق من غير أهل السُنّة، وهو بذلك يقصد "الشيعة"، ربما محمد أركون يقصد الآية الكريمة التي سقطت حين شرع الصحابة في جمع القرآن في كتاب والذي سمّوه (مصحفا)، وأثارت جدلا بين المتكلمين، فالحداثة تنفي الظاهرة الدينية وترى أن النصوص المقدسة ماهي إلا نصوصا وضعها بشر انبثقت في واقع معين وفي زمن معين ( صفحة 150) وهي دعوة إلى "اللا مفكر فيه" التي تحدث عنها المفكر محمد أركون في أطروحاته، حيث أثارت اهتمام علي حليتيم، الذي نجده يطرح أسئلة عديدة لاسيما اللا مفكر فيه في الحداثة وموقفها من الدين ومنطلقاتها الإيديولوجية، وربما طرحه هذه الأسئلة جاء متأخرا، لأن الذي مطالب بالرد عليها مات وهو محمد أركون، حتى لو أجاب عليها الذين يؤمنون بالفكر الأركوني، لن يستطيعوا تقديم الرؤية الأركونية الصحيحة للفكر الديني والظاهرة القرآنية وموقعها من الحداثة.

لعل هو السبب الذي دفع علي حليتيم إلى أن يدعو في الصفحة 151 إلى تجاوز اللا مفكر فيه والانتقال إلى حفر مسارات وأسس العقلانية في الحداثة العربية، كما دعا إلى فحص بنية العقل الحداثوي العربي في علاقته بالتراث وبالمشاريع النهضوية العربية وفي علاقته بالحداثة الغربية، هي رسالة ربما أراد علي حليتيم توجيهها للنخبة الفرانكفونية، ما لا يفهمه القارئ هو الربط التراث بالوحي، هل التراث متوقف عند النص الديني؟ فماذا عن أفكار الأصوليين التي تكون أحيانا خارجة عن النص الديني؟، فالعالم الفكري اليوم يعيش مرحلة ما بعد الحداثة، ولا أحد يعلم ما هو عالم ما بعد الحداثة، فالمفكرون تنبأوا بنهاية الإيديولوجيا، ونهاية اليوتوبيا، وقالوا لا وجود لحوار الأديان وحوار الحضارات بعد أن أزاح الحداثيون القداسة عن كل ما هو مقدس، وأدلجوا كل ما لا يؤدلج، وكما يقول هو أي علي حليتيم انشقت السماء وأصبح صعب إبعاد القطيع الغربي بعد أن انصهر مع القطيع الشرقي ( ص153) واصبح القطيعان مؤدلجان لا يريد كل منهما حوار ولا نقاش ولا فهما، لأن قطيعنا اغلق باب الاجتهاد فغرقنا في السطحية.

***

قراءة علجية عيش بتصرف

لا يمكن أن لا ننظر إلى كتابات ريبيكا روث غولد إلا ضمن تيار الاستشراق الأوروبي. فمؤلفاتها تهتم بشعرية الدين الإسلامي. والشعرية بالنسبة لها هي أسلوب حياة أو رؤية قبل أن تكون بلاغة وطريقة من طرق التعبير. ويتضح ذلك من متابعتها لشعراء السجن السياسي في إيران، ثم من دراستها المعمقة لشعراء القوقاز وعلاقتهم المجحفة مع دول الجوار وبالأخص القوميين الروس. ومن المؤكد أن هذا الكتاب يتجاوز المبادئ التي تعارفنا عليها بخصوص النقد الأدبي. فهو يضع الدين بمواجهة القومية أو الانتماء الروحي أمام العرق. ولو تابعنا مع هذا الخط تستطيع أن تلاحظ أن مفهوم الثورة عند ريبيكا غولد ينطوي على اتجاه يشمل المواقف البطولية الفردية، لذلك حمل كتابها عنوان "أدباء وثوار"، وفيه توظف شخصية الأبريك abrek المتمرد الوحيد أو الذئاب المنفردة بالتعريف المعاصر، وتؤهله للترقية من فرد إلى بطل، وتجرد الثورة من مضمونها السياسي وتحولها إلى وجدان يتحكم به الوعي الباطن. فالثورة في مقاربة غولد تتكئ على الوجدان قبل التفكير، وهي سلوك اختياري يضع المتمرد بمرتبة القديسين والمعصومين، وينطبق ذلك أولا على شعراء السجن السياسي (خاقاني مثلا في نظرها إما نبي أو ملك). ولكن يأخذ هذا المفهوم عكس ما تعودنا عليه من كتابات العالم الثالث (وأخص بالذكر سلسلة ذاكرة الشعوب التي أشرف عليها المرحوم إلياس خوري). فقد توفر فيها لأدباء آسيا وإفريقيا درجة كافية من الوعي والفهم ونظروا إلى الحرمان على أنه تجريد لسياسة طبقة من المنتفعين والمستغلين، ودائما وراءهم خطط وسياسات دول استعمارية. ويتضح نفس الأمر في نماذج من خارج السلسلة (مثل الجذور لأليكس هالي حيث أن الجوع والإرهاق يرادف معنى اغتصاب النساء، الأمر الذي يحول التابع إلى مؤنث أو رمز تجريدي يعبر عن تدني مرتبته في مجتمعات ذكورية. وكذلك أطلس الحنين المستحيل لأنورادا روي - وفيها يتطور الاستغلال من امتلاك المرأة إلى امتلاك الأرض - ويصبح المرابي والمقاول بمثابة نائب الإله). وإذا حرص المثقف في العالم الثالث على أنسنة شخصياته، تضفي عليها حركة الاستشراق دراما تعبر عن غرائز مكبوتة وعواطف غامضة. ويدخل في هذا المضمار قصص كتاب غرباء لغولد - صدر بطبعة سابقة تحت عنوان غرباء عشاق.

جدير بالذكر أنه لا يخلو كتاب لمستشرق من موضوع الحب، بالإضافة إلى الإفراط بالخيال وظواهر ما فوق الطبيعة. كما يتضح من حركة الاستشراق الأوروبي. فقد اعتمدت على تجنيس وتعرية الحب، وتصحر وتعرية الطبيعة والأرض. ولكن طرأ تحول على هذا الموقف في الاستشراق الأمريكي باعتبار أن الصحراء والطبيعة الجافة والعارية ليست غريبة على الولايات الجنوبية مثل أريزونا وتكساس. ولكن هذا لا يعني حكما أن غولد تنتمي إلى الاستشراق الكلاسيكي، وهي برأيي أقرب إلى الاستشراق الناعم، ومن أهم مواصفاته.

أنه أولا يتناول طبقة مثقفة من المجتمع. فشخصياتها أساتذة جامعات أو طلاب وفي بعض الأحيان من فئة المرشدين السياحيين المشهود لهم بالكفاءة ومعرفة التاريخ، وليس لهم علاقة بنموذج المتشرد والقاتل المتسلسل أو العاطل عن العمل ولا الجاسوس (حالة غراهام غرين ولورنس داريل).

وثانيا أنها وضعت الشرقي على أرض غربية. ودائما يكون برحلة لطلب العلم، ولا علاقة له لا بالسياحة ولا طلب اللجوء أو مشكلة الوقت الضائع. 

وثالثا أن استشراقها سياسي أيضا. فرحلاتها الغرامية في شرق أوروبا، محكومة كذلك بالفشل، وتدخل في سياق الحرب الباردة. لكنها لا تنحاز إلى مفهوم الحرية الغربي، وتكتفي بنقد النموذج - الحكومات الأبوية في حلف وارسو. وهي حالة نقد ذاتي معكوسة، فشرق أوروبا استغل، أو حرفيا، استعمر شعوبه، لكن استعمر الغرب أراضي غيره. وجدير بالتنويه أن لغولد مثلثا حضاريا أضلاعه هي: الدولة الأبوية في شرق العالم، الكيانات الرمادية في الغرب، ودكتاتوريات الشرق الأوسط المتخلف وما وراءها (ويعبر عن نزوع دولاتي يتصف بأقسى أشكال الطغيان حيث تفرض المؤسسة الحاكمة سيطرتها على الإنسان وأرضه - بمعنى المجتمع والمصادر).

رابعا وأخيرا أن التعارف - ومن ضمنه علاقات الحب- تجري في المطاعم والبيوت والمكتبات. لذلك يبتعد استشراقها عن الفانتازيا والعجائب ويقترب من مشاكل التاريخ والأخلاق والسلوك – وكلها جوانب اجتماعية ومعرفية.

ولكن تحتفظ غولد من الاستشراق المعروف بعدة عناصر وهي الحب المؤقت. فبعد عدة أسابيع تنتصب الحواجز الحضارية وتجف منابع الحب ولا يبقى منه غير المرارة، ويأخذ الشرق مكانا أدنى في سلم العلاقات، وبالأخص في مجال الحرية والخبرة. ولا يبقى لابن المشرق غير ألغاز تاريخه القديم. وهو جانب رومنسي آخر، تستبدل فيه غولد غموض الصحراء ومعطيات التاريخ - كالأهرامات و المدافن - بغموض الروح والنفس. ويمكن أن تستدل من قصصها أن هذه الجوانب هي مجرد استعارة مكنية لتشيؤ الإنسان، إن لم نقل لأنسنة الطبيعة. وفي جو من هذا النوع تعمد لاختزال المشاهد الطبيعية بصور في غرف النوم وعلى السرير، كي تدعم مقاربتها الناعمة لمفهوم العرق والدين. فالاستشراق الكلاسيكي يضخم أي مواجهة ويؤهلها لاشتباك وصدام حضاري، بينما تختزلها غولد بنوع من الحوار - بين اثنين- وإن كان يتخلله احتكاك وتلامس. والملاحظة الأخيرة لا تخلو بلغة الأعماق من الاختلاف. كما أنها في النهاية تمهيد لاكتشاف الصدع الذي لا يمكن تجنبه. بتعبير آخر هو حوار يرقى إلى درجة التشاحن، ويتبعه تعميق الصدع. ويؤكد على ذلك الاختلاف البيولوجي، فهو أيضا اختلاف في الفوائد المتوقعة، وطريقة التعامل معها. ولتوضيح هذه المسألة: لا يوجد في قصص الكتاب حبكة تجمع بين أصدقاء ولا زملاء عمل أو أخوة siblings ولكن دائما يجب أن نتوقع المضيف المذكر، والضيف المؤنث، أو العكس، وكأن البيولوجيا مبدأ حضاري أو أنها قدر سوسيولوجي لا بد منه. وبهذا المنطق يكون الجندر هو الفكرة والمكان بوقت واحد. وما يسجل لغولد أن نهاية قصصها الغرامية لا تتحول إلى جرح حضاري، ولكن إلى معلومة عن المعنى الاجتماعي للشرق الذي يستميت من أجل البقاء – ولو بدون حب وفي ثقافة يحكمها الغش وضعف الإرادة (كما ورد في قصتها نفس).

***

د. صالح الرزوق

كتاب هزّ العقل العربي وفتح باب السؤال

يمرّ قرنٌ كامل على صدور كتاب «في الشعر الجاهلي» (1926) لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، وما يزال هذا الكتاب، بعد مئة سنة، علامةً فارقة في تاريخ الفكر العربي الحديث، لا من حيث منهجه النقدي فحسب، بل من حيث الزلزال الثقافي والمعرفي الذي أحدثه في بيئة كانت ما تزال تتعامل مع التراث بوصفه مجالًا للمقدّس أكثر منه موضوعًا للدرس والتمحيص.

لم يكن طه حسين، وهو يقدم على تأليف هذا الكتاب، يسعى إلى استفزازٍ مجاني أو هدمٍ أعمى للتراث، كما صوّره خصومه، بل كان منخرطًا في مشروعٍ فكري أوسع، هدفه إخضاع الأدب العربي، القديم منه خاصة، لمناهج البحث العلمي الحديثة، مستفيدًا من أدوات النقد التاريخي والفيلولوجي التي اطّلع عليها خلال دراسته في فرنسا. ومن هنا جاءت جرأة الكتاب، لا في نتائجه فقط، بل في الأسئلة التي طرحها، وفي الطريقة التي طرح بها تلك الأسئلة.

ينطلق طه حسين في «في الشعر الجاهلي» من فرضية مركزية مفادها أن قسمًا كبيرًا مما نعدّه شعرًا جاهليًا لا يعود في الحقيقة إلى العصر الجاهلي، بل نُحل إلى ذلك العصر بعد الإسلام، لأسباب سياسية وقبلية ودينية ولغوية. ويذهب إلى أن الشعر الجاهلي، كما وصلنا عبر كتب الرواة والنحاة، لا يمكن التسليم بصحته التاريخية دون فحصٍ دقيق في ظروف تدوينه ونقله. ومن هنا اعتمد منهج الشك، لا بوصفه غاية، بل بوصفه أداةً معرفية، وهو ما صرّح به بوضوح حين دعا إلى أن نضع التراث موضع سؤال، وأن نقرأه بعين الباحث لا بعين المؤمن.

وقد أثار هذا المنهج حفيظة المؤسسات الدينية والثقافية المحافظة، لأن الكتاب لم يتوقف عند حدود الشعر، بل مسّ قضايا أعمق تتصل بتاريخ العرب قبل الإسلام، وباللغة، وبالسرديات المؤسسة للهوية الثقافية. إذ شكّك طه حسين في الصورة المثالية المتداولة عن وحدة الحياة الجاهلية، ورأى أن ما نعرفه عنها مزيج من الأسطورة والتخييل اللاحق. كما ذهب إلى القول بتأثر القصص القرآني وبعض الأخبار الجاهلية بالموروثين اليهودي والمسيحي، وهو ما اعتُبر آنذاك مساسًا بالمقدّس، رغم أن طه حسين كان حريصًا على التمييز بين النص الديني بوصفه عقيدة، والنصوص التاريخية والأدبية بوصفها موضوعًا للبحث.

الزوبعة التي أحدثها الكتاب لم تكن مجرد خلافٍ علمي، بل تحوّلت إلى معركة فكرية وإعلامية وقضائية. فقد وُجّهت إلى طه حسين تهم الطعن في الدين، وطُلبت محاكمته، واضطر لاحقًا إلى إعادة نشر الكتاب بعنوان «في الأدب الجاهلي» بعد حذف وتعديل بعض المقاطع المثيرة للجدل. غير أن هذه التعديلات لم تمحُ الأثر العميق للكتاب، بل أكدت حجم التحول الذي كان طه حسين يدفع الثقافة العربية نحوه، أي الانتقال من ثقافة التلقّي إلى ثقافة النقد، ومن سلطة الرواية إلى سلطة العقل.

وبعد مرور مئة عام، يتبيّن أن القيمة الحقيقية لكتاب «في الشعر الجاهلي» لا تكمن فقط في نتائجه، التي يمكن اليوم مناقشتها أو مراجعتها في ضوء مناهج أحدث، بل في شجاعته المعرفية وفي إصراره على حق السؤال. لقد فتح الكتاب أفقًا جديدًا للدراسات الأدبية والتاريخية، ومهّد الطريق لظهور أجيال من الباحثين الذين تعاملوا مع التراث بوصفه مادةً حية قابلة للفهم والتحليل، لا مجرد نصوص مغلقة.

إن استحضار هذا الكتاب بعد قرن من صدوره هو استحضار لمعركة العقل العربي مع ذاته، ومع خوفه من النقد، ومع تردده الدائم بين الوفاء للتراث والقدرة على مساءلته. وما أحوج الثقافة العربية اليوم، وهي تواجه أسئلة الهوية والحداثة من جديد، إلى استعادة روح طه حسين النقدية، لا من أجل تكرار أطروحاته، بل من أجل الدفاع عن حق التفكير الحر، وعن الجامعة بوصفها فضاءً للبحث لا للمحاكمة، وللجدل لا للإقصاء.

وهكذا، يظل «في الشعر الجاهلي» كتابًا حيًا، لا لأنه قال الكلمة الأخيرة، بل لأنه علّمنا أن لا كلمة أخيرة في الفكر، وأن السؤال، مهما كان مكلفًا، هو بداية كل نهضة حقيقية.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

خالد فهمي يعيد قراءة تاريخ محمد علي

كثيراً ما أجد نفسي أتساءل لماذا يبدو التاريخ الذي ندرسه في قاعات المدارس والمعاهد، ونقرأه في الكتب الرسمية المزينة بأغلفة فاخرة، مختلفاً تمام الاختلاف عن التاريخ الذي تنقله إلينا الذاكرة الشعبية المتوارثة عبر الأجيال، أو ذلك الذي نستشفه من بين سطور الوثائق الأرشيفية المحفوظة في دهاليز المخازن السرية؟ يبدو الأمر كما لو أن ثمة تاريخين يسيران على خطين متوازيين لا يلتقيان: تاريخ الصفوة والنخبة، المسطور على الورق الرسمي والمنحوت في التماثيل الضخمة والمخلد في اللوحات الفنية الباهظة، وتاريخ العامة والكادحين، المدفون في قبور النسيان والمتوارث عبر همسات الأجداد وحكايات الجدات وأغاني المواويل الشعبية التي تحمل بين طياتها أفراحاً محبوسة وآهات مكبوتة.

هذا التساؤل الوجودي يفرض نفسه بقوة جارفة عندما ننظر إلى فترة حكم محمد علي باشا لمصر (1805-1848)، تلك الحقبة التاريخية التي طالما قيل عنها، وبشر بها، إنها فجر مصر الحديثة، وبداية النهضة المعاصرة. لقد تعلمنا منذ نعومة أظفارنا، وتشربنا عبر مناهج التعليم ووسائل الإعلام، أن ننظر إلى هذا الرجل باعتباره بطلاً قومياً، ومجدداً عظيماً، ومؤسساً لدولة عصرية، ورائداً للتحديث والبناء. لكن هل كانت هذه حقاً كل الصورة المتكاملة؟ أم أن هناك وجهاً آخر، مظلماً وقاسياً، طمسته كتابات المؤرخين الرسميين المدجنين، وأبقت عليه ذاكرة أولئك البسطاء الذين تحملوا وطأة مشروعه التحديثي على أكتافهم الهزيلة، ودفعوا ثمنه من دمائهم وأرزاقهم وكرامتهم الإنسانية؟

هذا هو السؤال المحوري الذي يحاول المؤرخ الجريء الدكتور خالد فهمي الإجابة عليه، وبجرأة علمية لافتة، في كتابه الجديد المهم "ولي النعم: محمد علي باشا وعالمه" الصادر عن دار الشروق. إنه لا يسعى إلى إنكار ما قام به محمد علي من إنجازات مادية مرئية ومعروفة، لكنه يحاول أن يضيف إلى هذه الصورة النمطية بعداً غائباً، أو بالأحرى، بعداً مقصوداً ومغيباً بعناية، وهو البعد الإنساني الأخلاقي. ماذا كان الثمن البشري الفادح الذي دفعه الشعب المصري، وخصوصاً الفلاحون البسطاء الذين يشكلون عصب الأمة وقلبها النابض، مقابل هذه الإنجازات المادية؟ ومن المستفيد الحقيقي منها؟ وهل كان مشروع محمد علي في جوهره مشروعاً لصالح مصر وأهلها، أم كان مشروعاً لصالح أسرة محمد علي وطموحاته الشخصية والعائلية الضيقة؟

في هذا المقال، أحاول أن أستعرض الرؤية النقدية الثاقبة التي يقدمها المؤرخ خالد فهمي، من خلال عدسة تحليلية نقدية، متأثرة بمنهج يحاول دائماً أن يبحث عن الجذور العميقة والخفية للأحداث، وعن الروابط المعقدة بين الظواهر الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، لأن التاريخ في رأيي كائن حي متشابك الأوصال، لا يمكن فهم عضو منه بمعزل عن بقية الأعضاء.

تفكيك أسطورة "المؤسس الوحيد"!

يبدأ خالد فهمي تحليله العميق بتفكيك أسطورة محمد علي كمؤسس وحيد وأوحد لمصر الحديثة. فهو يشير إلى أن هناك سرديتين رئيسيتين تتنازعان تفسير هذه الفترة التاريخية الحاسمة.

السردية الأولى، وهي السائدة والمهيمنة على الخطاب التاريخي الرسمي، تقدم محمد علي كعبقري استثنائي، استطاع بقوة إرادته الفولاذية وحنكته السياسية والعسكرية الفذة أن ينهض بمصر من سباتها العميق، ويحولها من ولاية عثمانية متخلفة إلى دولة قوية يحسب لها حساب وتخشى بأسها الدول الأوروبية العظمى. هذه السردية، التي يمثلها بشكل واضح المؤرخ عبد الرحمن الرافعي وغيره من المؤرخين التقليديين، تركز على الإنجازات المادية الظاهرة للعيان: بناء جيش حديث قوي، وإنشاء مصانع للنسيج والبارود والسفن، وإرسال بعثات تعليمية إلى أوروبا لاستيراد العلوم الحديثة، وتأسيس نظام تعليمي على النمط الأوروبي، وحفر الترع والمصارف، وإدخال زراعات جديدة.

أما السردية الثانية، فهي التي يحاول المؤرخ خالد فهمي أن يسلط الضوء عليها بقوة، وهي سردية "التاريخ من أسفل"، أو تاريخ المسحوقين والمهمشين. هذه السردية النقدية لا تنكر وجود تلك الإنجازات المادية، ولكنها تطرح سؤالاً محرجاً ومقلقاً، ما الثمن البشري والاجتماعي الذي تم دفعه مقابل هذه الإنجازات؟

 تركز هذه السردية على الجانب الإنساني المفقود، على معاناة أولئك البسطاء الذين تحملوا عبء بناء هذه الصروح الحديثة على أكتافهم المنهكة. إنها تسأل بجرأة من الذي دفع تكلفة بناء هذا الجيش الجرار؟ ومن الذي عمل في تلك المصانع الحديثة، وبأي أجر وبأية ظروف معيشية قاسية؟ وأين ذهبت ثمار كل هذا الجهد والعناء؟ هل عادت على الشعب المصري ككل، أم تراكمت في خزائن الأسرة العلوية وطبقة كبار الموظفين والعسكريين الموالين لها، فوسعت هوة التفاوت الطبقي وزادت من غنى الأغنياء وفقر الفقراء؟

وهنا تكمن أهمية منهج الدكتور خالد فهمي النقدي. فهو لا يقدم مجرد "رواية بديلة" عاطفية، بل يحاول أن يثبت أن السرديتين متلازمتان، وأنه لا يمكن فهم الإنجازات المادية دون معرفة الثمن البشري الفادح الذي تم دفعه مقابلها. وكما يقول هو نفسه بعبارة شعرية مؤثرة، فإن "صوت الأجراس في المدارس الحديثة كان يعلو على أنين مفقوعي الأعين". إنه يذكرنا بأن النهضة، إذا بنيت على أنقاض كرامة الإنسان، تظل ناقصة ومشوهة، وأن التحديث القسري الذي لا يراعي الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية للمجتمع، قد ينتج دولة قوية على الورق، ولكنه ينتج في الوقت نفسه مجتمعاً مكسوراً ومقهوراً وخاوياً من الداخل.

والي عثماني طموح أم أب الأمة الحنون؟

إحدى النقاط الجوهرية التي يثيرها المؤرخ خالد فهمي، والتي تتوافق كثيراً مع تحليلي للتاريخ الاقتصادي المصري، هي إعادة تأطير شخصية محمد علي. فبدلاً من الصورة الرومانسية له كقومي مصري، يحرر البلاد من الحكم العثماني المتخلف ويسعى لاستقلالها، يقدمه خالد فهمي على حقيقته التاريخية والي عثماني طموح وذكي، استغل فراغ السلطة في مصر بعد خروج الفرنسيين وصراعات المماليك الدامية، ليحولها إلى قاعدة لنفوذه الشخصي والعائلي، وإلى مملكة وراثية لأبنائه من بعده. كان همه الأول والأخير هو تدعيم حكمه، وتمويل طموحاته التوسعية في الشام والسودان والجزيرة العربية، والاستعداد لمواجهة السلطان العثماني نفسه إذا لزم الأمر، بل والانقلاب عليه.

ولهذا الغرض، لم يتردد في استنزاف موارد البلاد حتى النخاع، وخصوصاً الفلاحين، الذين شكلوا العمود الفقري للاقتصاد المصري آنذاك. فقد فرض نظاماً اقتصادياً قاسياً قائماً على الاحتكار الشامل، حيث أصبحت الدولة - أي محمد علي وأسرته - تحتكر المحاصيل الزراعية الرئيسية كالقطن والحبوب، وتجبر الفلاح على بيع إنتاجه لها بأسعار زهيدة، ثم تقوم هي ببيعها في الأسواق العالمية بأسعار عالية، لتحقق أرباحاً طائلة توجه إلى الخزينة العامة، التي كانت في الحقيقة خزينة محمد علي الخاصة والعائلية. لقد حول الفلاح المصري من منتج مستقل له كرامته إلى مجرد أجير في أرضه، يعمل لصالح الدولة الجشعة، كالآلة التي لا تعترض ولا تحتج.

وحتى الصناعة التي أنشأها محمد علي، لم تكن صناعة موجهة لتحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية المستقلة، أو لتحسين مستوى معيشة المصريين. إنما كانت صناعة حربية في المقام الأول، تهدف إلى تلبية احتياجات الجيش والأسرة الحاكمة. وكان العاملون فيها يعيشون في ظروف قاسية، أشبه بظروف السخرة، منعزلين عن المجتمع في مجمعات صناعية مغلقة، أشبه بالثكنات العسكرية أو السجون الكبيرة. فقد كان مشروع محمد علي مشروعاً تحديثياً شكلياً وقسرياً، يفتقر إلى الروح الإنسانية، ويهدف في الأساس إلى خدمة مصالح ضيقة، وليس إلى تحقيق النهضة الشاملة للمجتمع بكل أبعادها الإنسانية.

هندسة بشرية قسرية

ربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارة للقلق في تحليل الدكتور خالد فهمي، حيث يطبق بأسلوب نقدي حاد نظريات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول السلطة والجسد والانضباط على تجربة محمد علي التحديثية. فهو يرى أن الباشا لم يحاول فقط بناء دولة حديثة، لكنه حاول إعادة هندسة المجتمع المصري نفسه من جذوره، وصياغة "إنسان مصري جديد"، مطيع ومنضبط ومنتج، وفق الرؤية الأحادية التي يريدها هو. كانت هذه محاولة لخلق "إنسان آلي"، يخدم أهداف الدولة دون تفكير أو اعتراض، كترس في آلة ضخمة.

وكانت أداة هذه الهندسة الاجتماعية القسرية هي "نظام التجنيد الإجباري". فالبناء الضخم للجيش النظامي، الذي يعد من أبرز إنجازات محمد علي في السردية الرسمية، كان في الواقع مأساة إنسانية كبرى. فالتجنيد لم يكن طوعياً أبداً، بل كان عملية قمعية وحشية. كانت فرق التجنيد تطارد الفلاحين في قراهم وحقولهم، وتقبض عليهم كما تقبض على الحيوانات، وتقيدهم بالحبال، وتسوقهم إلى مراكز التدريب، حيث تنتظرهم حياة من الشقاء والمرض والعنف والموت البطيء.

وكرد فعل يائس على هذه السياسة الوحشية، لجأ الفلاحون إلى أساليب مروعة لتجنب المصير المجهول. فكانوا يشوهون أنفسهم عمداً، يفقؤون أعينهم، أو يكسرون أطرافهم، ليعتبروا غير لائقين طبياً للخدمة العسكرية. وتشير الوثائق الأرشيفية التي يستعرضها خالد فهمي إلى حالات هروب جماعي للفلاحين من قراهم إلى الصحاري والمناطق النائية، هرباً من قبضة "جلاوزة" التجنيد. إنها صورة مأساوية تكشف عن حجم الخوف واليأس الذي سيطر على المجتمع الريفي المصري في ذلك العصر، وتكشف عن الوجه القبيح للتحديث القسري.

وحتى داخل الجيش نفسه، لم تكن حياة المجند أفضل حالاً. فسوء التغذية، والأمراض المعدية، والانضباط الحديدي القاسي، جعلت من الخدمة العسكرية حكماً بالموت البطيء للكثيرين. وهكذا تحول الفلاح المصري، الذي كان يعيش في انسجام نسبي مع بيئته الزراعية، إلى أداة في آلة حرب ضخمة، تستخدمه في معارك بعيدة، لا يعرف عنها شيئاً، ولا تعنيه في شيء، سوى أنها تخدم طموحات الحاكم وأسرته وتوسعاته الإمبراطورية.

لماذا نجح المشروع؟

لا يمكن فهم نجاح محمد علي النسبي في تنفيذ مشروعه التحديثي القاسي دون وضعه في سياقاته التاريخية والجغرافية الأوسع. وهنا يقدم خالد فهمي تحليلاً مهماً يتفق مع رؤية الكثيرين لتاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي.

أولاً: السياق العثماني والإقليمي: محمد علي لم يكن ظاهرة معزولة. لقد ظهر في لحظة ضعف شديد للدولة العثمانية، واستطاع بحنكته أن يلعب على تناقضات القوى الكبرى، خاصة بريطانيا وفرنسا، لتعزيز موقفه. ولكن في النهاية، اصطدمت طموحاته بحدود النظام الدولي آنذاك. فمعاهدة لندن عام 1840، التي فرضت عليه التراجع عن معظم فتوحاته في الشام، والعودة إلى ولاية مصر فقط، تحت السيادة الاسمية للسلطان العثماني، كانت دليلاً على أن قوته كانت محدودة بألاعيب القوى الاستعمارية، التي لم تكن تريد انهيار الدولة العثمانية بالكامل، حفاظاً على مصالحها وتوازن القوى في المنطقة. والصورة المذلة لمحمد علي وهو يحاول تقبيل قدم السلطان العثماني في عام 1846، ترمز إلى فشل مشروعه الاستقلالي في النهاية، وعودته إلى الحظيرة العثمانية.

ثانياً: الفراغ الاجتماعي في مصر: هذا هو العامل الحاسم في رأيي. فعلى عكس مناطق أخرى في الإمبراطورية العثمانية، مثل الأناضول أو بلاد الشام، حيث كانت هناك طبقات إقطاعية وعسكرية وراثية راسخة تقاوم محاولات المركزية، كانت مصر، بعد الحملة الفرنسية والفوضى التي أعقبتها، مجتمعاً "مسطحاً" إلى حد كبير. فقد تم تدمير طبقة المماليك التي كانت تحكم البلاد، ولم تكن هناك طبقة إقطاعية محلية قوية أو نخبة وطنية راسخة. كان الفلاحون، وهم الغالبية العظمى من السكان، مشتتين وضعفاء التنظيم. وهذا ما أتاح لمحمد علي أن يفرض نظامه المركزي القاسي دون مقاومة منظمة يمكن أن تهدد حكمه. لقد وجد مادة خام بشرية سهلة التشكيل، فشكلها كما أراد، بقبضة من حديد، دون أن تقف في وجهه أي قوة اجتماعية مضادة.

ثالثاً: الإرث الفكري والسياسي الثقيل: مشروع محمد علي لم يخلق دولة قوية فحسب، بل خلق أيضاً ثقافة سياسية جديدة، هي ثقافة الدولة البوليسية الشمولية، التي تتدخل في كل شئون حياة المواطن، وتفرض عليه نمطاً معيناً من الحياة، باسم "المصلحة العليا" و"التحديث" و"النهضة". هذه الثقافة، التي تبرر القمع باسم التقدم، وتسحق الفرد في سبيل الجماعة (أو في سبيل الحاكم)، أصبحت إرثاً ثقيلاً ترزح تحته الحياة السياسية المصرية حتى اليوم. إنها ثقافة "الغاية تبرر الوسيلة"، وهي ثقافة خطيرة، لأنها تفتح الباب أمام كل أنواع الاستبداد والظلم، وتقتل روح المبادرة والإبداع لدى الأفراد.

صروح شاهقة.. وأرواح مهشمة!

كيف يمكن إذن أن نقيم إرث محمد علي بشكل متوازن؟ يقدم المؤرخ خالد فهمي، وأنا أتفق معه في ذلك، تقويماً مزدوجاً، يرصد الإيجابيات والسلبيات، دون أن يغفل عن حقيقة أن السلبيات كانت جزءاً جوهرياً من تجربة التحديث ذاتها، وليست مجرد أخطاء عرضية أو هفوات يمكن تجاوزها.

من الناحية المادية والمؤسسية، لا شك أن محمد علي ترك وراءه بعض الأسس التي يمكن البناء عليها: جيشاً نظامياً، وبعض المنشآت الصناعية والتعليمية، وبدايات بيروقراطية دولة مركزية. هذه كلها عناصر مهمة في بناء الدولة الحديثة، ويمكن اعتبارها لبنات أولى في مسيرة طويلة.

ولكن من الناحية الإنسانية والاجتماعية والسياسية، كان الإرث كارثياً إلى حد كبير. لقد خلف وراءه مجتمعاً منهكاً، تعرضت بنيته الاجتماعية والثقافية للاهتزاز والتصدع. فقد فرض علاقة جديدة بين الدولة والمواطن، علاقة قائمة على الخوف والقهر والإذلال، بدلاً من الثقة والمشاركة والمواطنة. وأسس لثقافة سياسية تستمرئ الاستبداد، وتقدس الحاكم القوي، حتى لو كان ظالماً، وتهمش قيمة الفرد وكرامته وحريته وحقوقه.

والأكثر من ذلك، أن مشروعه، في جوهره، كان مشروعاً لصالح أسرته، وليس لصالح مصر كوطن وشعب. ولذلك، لم يستمر طويلاً بعد وفاته. فخلفاؤه من الأسرة العلوية، بدءاً من إبراهيم باشا وحتى الخديوي إسماعيل، لم يحافظوا على ما بناه، بل أسرفوا في الإنفاق والبذخ، ورهنوا البلاد بالديون للأجانب، مما مهد الطريق للاحتلال البريطاني لمصر عام 1882. لقد كانت "الدولة القوية" التي بناها محمد علي هشة من الداخل، لأنها لم تقم على مشاركة الشعب ورضاه، بل على خضوعه وقهره واستنزافه.

التاريخ ذاكرة حية

ما يقدمه الدكتور خالد فهمي في كتابه الجديد "ولي النعم" دعوة صريحة وجريئة لإعادة النظر في طريقة قراءتنا لماضينا. إنه يذكرنا بأن التاريخ الحقيقي ليس مكتوباً على الحجر، في التماثيل والنصب التذكارية، لكنه مكتوب في وجدان الناس، في ذاكرتهم الجماعية الحية، في قصص المعاناة والصمود والأمل التي يتناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد، في الأغاني الشعبية، في الأمثال، في العادات والتقاليد.

إن قراءة التاريخ "من أسفل"، من منظور أولئك الذين دفعوا الثمن، ليست ترفاً فكرياً، ولا محاولة لتشويه الرموز كما يتهم البعض. هي ضرورة أخلاقية وعلمية معاً. ضرورة أخلاقية، لأنها تعيد الاعتبار للإنسان العادي، الذي طالما تم تجاهله وإهماله في كتابات التاريخ الرسمي الممجدة للحكام والقادة. وضرورة علمية، لأنها تمكننا من فهم أكثر شمولية وتعقيداً للتحولات التاريخية، فنتجنب السذاجة في تفسير الأحداث، والتبسيط المخل في تحليل الظواهر الاجتماعية المعقدة.

فنحن عندما ننظر إلى تمثال محمد علي الفخم في قلعة صلاح الدين، يجب ألا نرى فقط القائد العسكري الباسل، أو الحاكم المصلح، لكن يجب أن نرى أيضاً ظلال أولئك الذين سحقوا تحت عجلات مشروعه التحديثي الثقيل: الفلاح الهارب في الصحراء خوفاً من التجنيد، والعامل المجهد في المصنع، والجندي الميت في أرض معركة بعيدة لا يعرف عنها شيئاً. يجب أن نتذكر أن عظمة الدول لا تقاس بارتفاع صروحها ومبانيها فقط، بل تقاس أيضاً بمدى احترامها لكرامة مواطنيها، وبتوزيع عادل لثرواتها، وبمقدار الحرية التي تمنحها لهم، وبمستوى العدالة الاجتماعية الذي تحققه.

إن أمة تبنى مجدها على أنقاض كرامة أبنائها، هي أمة تبني على رمال متحركة. وقد آن الأوان أن نقرأ تاريخنا بعينين ناقدتين، عين ترى الإنجاز والمكسب المادي، وأخرى ترى الثمن البشري والاجتماعي الباهظ، حتى نستطيع أن نبني مستقبلاً أفضل، يكون فيه التقدم حقيقياً وشاملاً، ولا يتحقق على حساب إنسانيتنا المشتركة وكرامتنا الإنسانية الأصيلة.

***

عبد السلام فاروق

ما زلت أومن بل ربما أكثر من ذي قبل بأنني واحد من جيل جعل القراءة ديدنه وعمر أوقاته بها، ولكن مع الحرص لم أجد الفائدة المتوخاة منها بالمقارنة مع الوقت الذي تقتضيه فيها. وما دريت أن القراءة لا تقف على كثرة ما يقرأ، وإنما على كيفية القراءة ونوع الكتاب وكيفية العيش معه والتروي منه أشد الرواء، ذلك أنه كلما كانت القراءة فعالة أكثر، كان النتاج المتحصل منها أكبر وأغزر، فالقراءة القائمة على الفَهْم والاستيعاب من أشقِّ أنواع القراءة وأكثرها فائدة؛ لأن فيها تحسينًا لفَهْم القارئ والارتقاء بمستواه نحو أفق الكتاب والمؤلف"،

هذه القراءة التي تحدِّدها اتجاهات ورؤى المؤلف، بحيث تنصب معلمها نحو الأهداف المرجوَّة من عملية القراءة ؛ وهنا يستطيع كل شخص بناء منهجه في القراءة وَفْق رؤية واضحة محددة، أن يبني عليها أطروحات الكتاب، من خلال تلمُّس آثاره، ليستدل على الوعي القائم على أصول المسائل، وتتبُّع فروعها، والبحث عن كنوز الكتب المغمورة داخل طيَّات صفحاتها.

والسؤال المهم الذي يجب أن أطرحه على نفسي هنا : كيف نقرأ قراءة فاعلة ومثمرة لكتاب " التجربة البشرية قراءات نقدية حداثية في الأدب والفلسفة والتصوف" للدكتور صالح الطائي (مع حفظ الألقاب)؟

وهنا أقول جميل أن تقرأ والأجمل أن تعرف كيف تقرأ، وماذا تقرأ، والأبهى أن تجد كل ذلك بين دفتي كتاب، يكون لك كالبوصلة التي تحدد سيرك في مضمار القراءة وترشدك لأقوم السبل للاستفادة منها، هذا ما أفدته وأنا أقرأ الكتاب الماتع للدكتور صالح الطائي" التجربة البشرية- قراءات نقدية حداثية في الأدب والفلسفة والتصوف"، وهو كتاب قيم ومفيد لكل قارئ وطالب علم عنوانه بشي بمضمونه، ويفصح عن فحواه، وكأن صاحبه يهتف في أعماقك، هيا لنقرأ كيف يجب أن نقرأ.. هيا لتسير معي أغوار هذه المتعة الدائمة التي يقال لها القراءة لتأخذ كامل حظك منها.2366 saleh altai

يقع الكتاب في 356 صفحة من الحجم الكبير، وقد جاء الكتاب كما يقول المؤلف في سياق قراءة حداثية تفكيكية ومبتكرة ومعاصرة تطبق المنطور النقدي القديم على نص حديث، وتضيف إليه وتوسعه لم يتحدث عنها الأقدمون ولا المعاصرون، ساعبيا إلى الكشف عن الأبعاد الوجودية والمعرفية الكامنة في المؤلفات التي سأنقدها.

وفي رأيي أن هناك نمطان من الكُتاب والأدباء، نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش.

ولا شك في أن الصديق الدكتور صالح الطائي من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في قضايا أدبية - فلسفية " حديثة ومعاصرة" بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل أو لم تعبث به يدي الباحثين.

علاوة علي أن " صالح الطائي" يعد واحداً من أساتذة الفلسفة والأدب والتاريخ والذكاء الاصطناعي، الذين يعملون في صمت وتواضع ودون ضجيج، أو تعالٍ لخدمة تخصصهم الدقيق، فهو من الذين يطلق عليهم لقب " مفكر صاحب مشروع فكري"، ومفكر "مسكون بأوجاع الوطن"، فقد ارتكزت كتاباته على نقد النقد مسلطا الضوء على كثير من القضايا التي نالت حظا من النقاش لدى النخبة المثقفة متخذا في ذلك مسارا جديدا في عالم الفكر والاستبصار، كما تناول في تلك الكتابات قضايا تتعلق بمرجعيات فكرية وأدبية حديث ومعاصر.

ومن هنا يأتي هذا الكتاب "التجربة البشرية " ليقدم الكاتب من خلاله مجموعة الكاتب من خلاله قراءات ودراسات مركزة تهدف إلى تقديم رؤية شاملة للنصوص والأفكار ـ تكشف عن العمق الفلسفي والرمزي والتجريدي والكوني والانزياحي، ليبرز قيمة التجربة الإنسانية في بناء المعرفة من خلال تقديم قراءءة متكاملة ومتعددة الأبعاد بين العقل والروح، والمنطق والتجربة، والمعرفة والتأمل، ذلك لكون الكاتب يعتقد أن الجمع بين محاور النقد الأدبي والبعدين الفلسفي والصوفي يمنح القارئ فرصة للغوص في أعماق النصوص والأفكار، وفهم تجلياتها وأبعادها العقلية والروحية على حد سواء

وهذه القراءات المختارة تمثل في نظر الكاتب دعوة للتأمل والتفكير النقدي والفلسفي، وتتيح استكشاف المعاني الرمزية، والانغماس في التجربة الإنسانية بكل تراثها وتعقيداتها، ففي عصر الإزدهار العلمي لم يعد الكانب تقليديا بعد أن تمرد على الموروث وانبعث طوفانا فكريا تكون من مئات القراءات والاقتباسات التي منحته ثراثا فكريا تكون من مئات القراءات والاقتباسات التي منحته ثراء فكريا جعله يغوص في عوالم اخرى غير ما ائتلف من الشعر أو القص، ولذا يستحيل أن تد نصا رصينا خاليا من هذه الأبعاد الروحية الوجودية المحفزة التي تنتزع القارئ من هدوئه لتلقي به في دوامات فكرية غاضبة يشعر من خلالها بمتعة القراءة

وفي هذا الكتاب يقدم الكاتب كما يقول رحلة فكرية وروحية تدعو القارئ إلى استكشاف مسارات جديدة بين النصوص والأفكار، والتأمل في العلاقة بين العقل والروح، وبين النقد والتأمل، وبين المعرفة والتجربة الإنسانية، بما يتيح له رؤية شاملة وعميقة للواقع الإنساني والثقافي.

علاوة على ان الكتاب يعد حسب اعتقادي يعد سبقا في مجال النقد وذلك لكونه بين التحليل الفلسفي والنصوص الصوفية المختارة من مختلف التقاليد، مثل الهندوسية والبوذية والطاوية والمسيحية، واليهودية والإسلامية، مما يبرز التداخل بين الفلسفة والتصوف عبر الثقافات.

ومن هذا المنطلق فإن البحث الفلسفي في نظر الدكتور "صالح الطائي" تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة. وعلاوة علي ذلك فإن جدية " صالح الطائي " وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والشعرية والنثرية.

ولهذا يعد " صالح الطائي" في هذا الكتاب واحداً من أبرز الوجوه الأدبية من إخواننا العراقيين المعاصرين والمتمرسين في الشعر والنثر الأدبي، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة. إنه الأديب الأريب الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الشعر العراقي الحديث والمعاصر.

فتحية خالصة لأخي وصديقي الدكتور "صالح الطائي" الذي كان وما يزال رمزاً من رموز المعرفة الموسوعية الفريدة، وواحداً من أصحاب الرؤية الفكرية والثقافية الشاملة.. بارك الله فى " صالح الطائي "، وأفاد تلاميذه وقراءه بعلمه ووطنيته، بفكره وموضوعيته، بنقائه وطبيعته.

***

دكتور محمود محمود محمد علي

مفكر مصري

(الزلزال الأول) كتاب يتحدث عن حرب الخليج والانتفاضة الشعبية العراقية صدرت طبعته الأولى في لندن عام 1998 وبعد مايقارب من ثلاثة عقود يقوم مؤلفه الفريق الركن " نجيب الصالحي " بإعادة طباعته بسبب ان طبعته الأولى لم تتاح لجمهور واسع من القراء، ولأهمية ما ورد في الكتاب من خفايا وأحداث دامية رافقت حرب الخليج فقد قامت وزارة الخارجية الامريكية بترجمته الى اللغة الإنكليزية حيث اعتبرت الكتاب واحدا من أوفى الكتب التي رسمت صورة واضحة للحرب والانتفاضة التي أعقبتها

  ويشير المؤلف الى ان ما يميز الطبعة الجديدة عن سابقتها انها (تضمنت أسماء وحقائق ظلت حبيسة الصمت، يوم كان الخوف سيد الموقف، ونحن في المنافي وهم في الداخل ص هـ) ويؤكد ان هذه الطبعة حافظت على جوهر المعلومات باعتبار المؤلف لم يكتب الا ما شاهده بنفسه جنديا وضابطا وشريكا في الحدث .

الكتاب جاء من ثمانية فصول  ويبدأ فصله الأول (الكويت نزهة الخيار الصعب) بلحظة التحاقه الفوري الى ساحة العمليات بعد قطع اجازته وكان حينها يشغل منصب آمر لواء وفي الطريق بعد ان علم من نشرات الاخبار بغزو العراق للكويت حيث يسرد أسماء التشكيلات التي دخلت الكويت، وأول اختبار على إنسانية وشجاعة المؤلف ــ الراوي ــ  هو المغامرة بالسماح لبعض العوائل التي لجأت اليه لإنقاذ سيارات ذويهم الذين وقعوا اسرى بيد القوات العراقية وتخليصها من الحرائق التي التهمت معارض السيارات وكذلك في قيامه بفتح السيطرات العسكرية امام مئات السيارات الكويتية بالمرور نحو الحدود السعودية بعدما كانت متكدسة وممنوعة من العبور بأوامر من جهات عليا وعن الجرائم التي رافقت الغزو من قتل أبرياء واستيلاء على المحال التجارية ومعارض السيارات والتحف الفنية ونقلها الى بغداد يشير المؤلف الى (ان الجميع الضباط والمراتب ومن مختلف الرتب والمستويات يحملوّن النظام في العراق مسؤولية هذه الجرائم التي يرفضونها ويدينون مرتكبيها ص 10) الأمر الذي يشير الى عدم قناعة الجيش باجراءات قيادته ودليل ذلك ـــ حسب رواية المؤلف ــ ان الكثير من الأوامر المشددة التي صدرت اليهم خاصة ماكان متعلقا بمنع عبور الكويتيين الى المملكة العربية السعودية، وان مانفذ من جرائم بحق الكويتيين كان من قبل ازلام النظام ولم يشترك فيها الجيش الذي كانت مهمته محصورة في الصحراء على الحدود لكنه في نفس الوقت لا ينفي وقوع بعض الحوادث ذات الطابع الفردي التي لا تنسجم مع التاريخ العريق للجيش العراقي . والطريف ان من كان يقوم بهذه السرقات هم الحلقة المقربة من الرئيس ولكن النظام  ومن أجل تبرئة ساحته من تلك الاعمال المشينة قام بإعدام عدد من المنتسبين وتعليق جثثهم على الاعمدة وسط مدينة الكويت، وعن شجاعته في مواجهة القرارات الخاطئة يذكر المؤلف رفضه مقترح التصنيع العسكري لحماية الدبابات عن طريق انابيب معدنية لاثارة الغبار والتشويش على الصواريخ الموجهة اليها حيث قامت اللجنة التي كان ضمن اعضاءها برفع تقريرها مختتمة قولها " هيئة التصنيع العسكري عملكم لا يصلح " ولم يحيد عن موقفه على الرغم من الضغوطات التي تعرض اليها .

ويذكر انه عند نشوب الحرب كان الحافز المعنوي لدى قوات الجيش في أدنى مستوياته لأن المسألة كما يصفها المؤلف (لم تكن في الدفاع عن مصلحة الشعب والوطن وانما لإرضاء نزوة حاكم منفرد مستبد ص23) لذا بذل القادة والآمرون والضباط كل ما في وسعهم من أجل الخروج من الحرب المفروضة عليهم بأقل التضحيات على الرغم من سعي النظام الى رفع المعنويات عن طريق تسريب معلومات تفيد باجراء العراق تجربة نووية ناجحة، ومع ذلك وقع الهجوم ليلة 16/17 كانون الثاني 1991  بعد انتهاء مدة الإنذار التي منحها مجلس الأمن الدولي للعراق بالانسحاب من الكويت وابتدأ الهجوم بالقصف المتواصل ليلا ونهارا على المنشآت والمراكز الحيوية العراقية ومعها وصلت نسبة المتسربين من الوحدات العسكرية الى (60%) كما انزاح حاجز الخوف وراح المقاتلون يتذمرون ويكيلون الشتائم والسباب الى النظام السياسي الذي زج البلاد في هذه المغامرة المعروفة العواقب، ثم يعرج على ظروف الانسحاب الاجباري من الكويت تحت نيران القصف الجوي لقوات التحالف وسيرا على الاقدام باتجاه الأراضي العراقية لأن العجلات أصبحت هدفا سهلا للطائرات المغيرة، واصفا أحوال القوات المنسحبة بالقول (كانت صور التذمر والسخط والنقمة تشمل كل الافراد والجنود بملابسهم الرثة واحذيتهم المتهرئة وهم يجرون اقداما تحمل اجسادا منهكة وفي اعينهم حزن عميق وأمل ضائع ص50) .

يستهل المؤلف الفصل الثاني من الكتاب بسرد وقائع واحداث الانتفاضة الكبرى حيث يشير الى ان انتفاضة العراقيين في آذار 1991 (لم تكن حدثا منفصلا وقائما بذاته عن معاناة العراقيين وانما كان نتيجة طبيعية لتلك المعاناة التي امتدت لعقود ص83) ويربط بين اندحار الجيش وهزيمته في الكويت وبين طبيعة النظام السياسي بقوله (ان الهزائم والماسي التي تلحق بالشعوب بسبب استهتار أنظمتها السياسية ص84)، ويعتبر شرارة الانتفاضة في قيام احد الجنود المنسحبين من الكويت برشق صورة صدام بوابل من رصاص بندقيته فجدر 2 آذار 1991 في ساحة سعد في مدينة البصرة حيث فتحت هذه العملية الأبواب امام انتفاضة عارمة من التظاهرات واعمال الانتقام راح ضحيتها ضابط كبير كما يتطرق الى الحكمة التي تعامل بها مع المنتفضين الذين اخذوا يقتربون من معسكره وكذلك مع جنوده خوفا من التمرد والانقلاب عليه، كما يصف حالة الصراع النفسي الذي عاشه الضباط والجنود بين الالتزام العسكري والواجب الوطني في تأييد الجماهير الثائرة وابرز مظاهر الإنسانية تجسدت لدى المؤلف وتعاطفه مع ثوار الانتفاضة هي تدخله للعفو عن بعض عناصرها الذين تجاوزوا على المعسكرت والجنود حيث يسرد عددا من الحوادث التي شهدها وكان فاعلا في تسوية مشاكلها .

 الفصل الثالث من الكتاب يأتي للحديث عن " صفوان ومفاوضات الخيبة " ففي الخيمة التي عرفت لاحقا بـ " خيمة صفوان " جرى الاتفاق بين الجانب العراقي وجانب قوى التحالف على الشروط المذلة لوقف الحرب واعتبرها المؤلف وثيقة عار و (قصة ضياع الوطن والتنازل عن الكبرياء الوطني وتمزيق الهوية الوطنية ص 139) لما في الاتفاق من اذلال الشعب وتمزيق متعمد ومقصود لأوصاله حيث قدم فيها النظام تنازلات كارثية من أجل البقاء على كرسي الحكم وعن أجواء مفاوضات الخيمة يذكر المؤلف انه (انتشرت تأويلات تفيد بأن صدام طلب من مفاوضيه ان يبصموا على بياض ولا يدخلوا أي مناقشة حادة مع وفد التحالف وان يوافقوا على كل الشروط المثبتة في وثيقة التفاوض ص 141) بعد تداعيات ما جرى في الخيمة وصلت الى القطعات العسكرية أوامر مشددة بسحق الانتفاضة بلا رحمة وفتح النار على أي تجمع او تظاهرة معادية وتدمير أي دار تطلق منها رصاصة واحدة  وفعلا  بعد سماح قوات التحالف للطائرات السمتية العراقية بالطيران ظهرت الطائرات محلقة في سماء الجنوب بعد اختفائها بضعة أشهر لتيدأ عمليات الملاحقة والانقضاض على مراكز الانتفاضة في الوسط والجنوب من العراق . ويستعرض في صفحات طويلة الجرائم والانتهاكات الفظيعة والاعدامات بدم بارد التي ارتكبتها قوات الحرس الجمهوري بحق المنتفضين في مدينة البصرة وضواحيها، ويسرد شهادات لكبار الضباط عن ذكائه وحكمته في التعامل مع الجنود والأهالي أيام الإنتفاضة .

في الفصل الرابع المعنون " من البصرة الى بغداد " يعود المؤلف الى الانتفاضة وسريان شرارتها في معظم انحاء العراق (البصرة، العمارة، الناصرية، واسط، النجف، كربلاء حيث يفرد لانتفاضة مدينة العمارة صفحات طويلة مليئة بصور البطولة والنبل الذي تحلى به المنتفضون ويسرد قصة الضابط من قوات الحرس الجمهوري من أهالي الانبار الذي استجار بأحد بيوتات المدينة فاستقبله اهل الدار احسن الاستقبال وتعاملوا معه بالحسنى دون أي اعتبارات طائفية وعندما أراد الالتحاق بوحدته طلب من اهل الدار مرافقته تحاشيا من تعرض المنتفضين له الامر الذي يؤكد على عمق العلاقة الحميمية وروح الاخوة التي تسود بين أبناء الشعب العراقي رغم محاولات الأنظمة السياسية المتعاقبة تمزيقها من خلال اتباع سياسة التمييز الطائفي ونفس الحال مع انتفاضة مدينة الناصرية من حيث القسوة المفرطة مع الثوار كما كانت المدينة هدفا لغارات جوية كثيفة أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والمباني والجسور كما يعقد المؤلف مقارنة بين التعامل الإنساني للثوار المنتفضين مع القادة العسكريين الذين وقعوا أسرى بأيديهم وبين معاملة قوات الحرس الجمهوري (حيث كانوا يرصفون الثوار الأسرى على الشارع المعبد وتدوسهم سرف الدبابات طولا وعرضا، ولم يبق من أجسادهم سوى أثر مطبوع على الأرض ص 241) وأيام الهجوم على مدينة النجف يروي قصة اعدام ثمانية من علماء الدين بتهمة التآمر في حين كان العلماء مجتمعين لتهدئة الموقف وتجنب سفك الدماء والمحافظة على الأرواح  كما يشيد المؤلف بموقف الشخصيات الكردية التي كانت متعاونة مع الدولة في رفضهم ارسال قوات لقتال المنتفضين في مناطق الوسط والجنود كما لم يتم التفاعل ايضا مع هذا التكليف من قبل العشائر الكردية وذلك لاحساسهم بخطورة الموقف الذي يسببه انتهاك اعرض إخوانهم وأبناء وطنهم سكان الجنوب .

الفصل الخامس يطلق عليه " سعير الانتفاضة يتصاعد في بابل والقادسية والسماوة " حيث يصف أيام الانتفاضة في هذه المدن بالساخنة بدأت (على شكل تجمعات للشباب، اخذت تتطور حتى أصبحت تظاهرة اجتاحت شوارع المدينة، ومالبثت ان تحولت الى هجوم مسلح على الدوائر الحكومية والمراكز الأمنية والشرطة ومقرات الجيش الشعبي ص 275) حيث يستمد المؤلف معلوماته عن ظروف الانتفاضة من ضباط شاركوا في قمع الانتفاضة وكذلك من خلال مقابلات شخصية اجراها مع عدد من المشاركين وعناصر حزبية كانوا كلهم شهود عيان، والملاحظ ان أحوال الانتفاضة في هذه المدن  لاتبتعد في ظروفها واحوالها عن باقي المدن المنتفضة وهي بسالة الثوار وشجاعتهم في التصدي للقوات الحكومية يقابل ذلك قسوة هذه القوات في معاملتها واساليبها الهمجية مع الثوار وارتكابها جرائم يندى لها جبين الإنسانية من أجل استعادة المدن لقبضة السلطة .     

يفرد الفصل السادس من الكتاب لأحوال الانتفاضة في كردستان مستندا في معلوماته كما يشير في هامش الفصل على ما ورد في كتاب " حرب الخليج وانتفاضة كردستنان العراق " لمؤلفه الدكتور فاضل الزهازي وشهود عيان مدنيين وعسكريين، وكانت بوادر الانتفاضة في كردستان هي ترك قسم كبير من الجنود الاكراد وحداتهم العسكرية بوقت مبكر بناء على توجهيات القيادة الكردية وكذلك قيام " صوت شعب كردستان " بإذاعة الندءات بالشفرات والرموز الموجهة الى وحدات البيشمركة، وعند انطلاق شرارة الانتفاضة من أربيل كانت بمشاركة (جميع السكان من الكرد والتركمان والاشوريين واليرزيديين ولم تقتصر المشاركة على الأكراد وحدهم ولكن كان لهم الدور القيادي التنظيمي فيها بلا شك ص321) وبدأت الانتفاضة بانطلاق المئات من المتظاهرين وسط المدينة وهتفوا بشعارات الحرية والديمقراطية التي تعد اول تظاهرة معادية للحكومة تحصل في اانحاء كردستان خلال عشر سنوات ومن خلال صفحات عديدة يسرد المؤلف ظروف المواجهات بين القوات الحكومية والمنتفضين في السليمانية واقضيتها ونواحيها ويصور القسوة المتبادلة في هذه المواجهة التي راحت ضحيتها عشرات الأرواح البريئة .

" ما بعد الانتفاضة " هذا ما خصصه المؤلف وجعله عنوانا للفصل السابع من كتابه حيث يصف حالة الانهيار للأجهزة الحكومية والحالة النفسية والاجتماعية للشعب ويرسم مشهدا واضحا للخراب مسلطا الضوء على (المقالات الصفراء) التي نشرها النظام في صحفه المحلية والتي تسيء الى مكون كبير من الشعب عندما وصف اصولهم انهم جاءوا مع الجاموس الذي استورده القائد العربي محمد القاسم من الهند ويشير المؤلف الى انه بعد قمع الانتفاضة واستقرار الأوضاع نسبيا (شرع النظام بتطبيق خطة امنية للطوارئ اتسمت بالشدة والانتقام والتصفيات لبعض الوجوه والشخصيلت التي أسهمت بنمو الانتفاضة وتأجيجها واستمرارها ص 354) ومن الإجراءات الانتقامية التي قام النظام بتنفيذها هي تجفيف مناطق الأهوار في الجنوب لتسهيل مهمات الملاحقة الأمنية والعسكرية للمتمردين فيها، وكذلك قطع الاذن ووشم الجباه للهاربين والمتخلفين عن الالتحاق بجبهات الحرب .

ويختتم المؤلف كتابه بالفصل الثامن الذي جعل منه مراجعة وتحليل لأبرز الحوادث التي وردت فيه خالصا الى ان جوهر الانتفاضة التي انطلقت شرارتها من الجنوب كانت تعبيرا حيا عن حقيقة الأمل المزروع في قلوب العراقيين للتخلص من الطغمة الحاكمة وبرهنت على عمق الوعي الوطني لدى العراقيين ويعزو أسباب فشل الانتفاضة انه (لم يظهر للانتفاضة قيادة واضحة المعالم ممثلة بشخوص معروفين وكذلك العفوية التي كانت من اهم سماتها ص 396) .

وأخيرا كتاب (الزلزال الأول) يمثل وثيقة تروي صفحة مشرقة عن نضال العراقيين ضد نظام مستبد كما هو شهادة عن حقبة سوداء عاش المؤلف تفاصيلها وخرج منها بجبين أبيض .

***

ثامر الحاج امين

إن السؤال عما هو موجود وطبيعته لا يكاد ينفك عن وعي الإنسان، ذلك أن هذا الوعي قائم، في جوهره، على الفضول والاندهاش ازاء الواقع وحقيقته دائماً، ومن هنا، فإن إشكالية الوجود والماهية لا تنتمي إلى تاريخ الفلسفة بوصفه ماضياً منقضياً، بل تظل سؤالاً حياً يتجدد حضوره عبر العصور، فأستفهام الوعي الدائم عن وجود الشيء وماهيته لا يعرف حدوداً، بل يتموضع داخل تاريخ الفلسفة بوصفه إشكالية فعلية على المستويين الأنطولوجي والوجودي معاً، حيث يكمن اهتمام الأول في الكائن بصيغته التجريدية، اما الاخر فيعاين الكائن من خلال تجربته الواقعية، وهذا يعكس بالضرورة  استمرار الاهتمام الفلسفي بالمسألة رغم تغير الاهتمامات المعرفية الأخرى.

من هذا الأفق تحديداً يندرج كتاب (فلسفة الوجود والماهية) للأستاذ الدكتور حسون السراي، أستاذ الميتافيزيقا في الجامعة المستنصرية، بوصفه محاولة معاصرة لإعادة مساءلة هذه الاشكالية الجذرية في الاشتغال الفلسفي، لا باعتباره تراثاً ميتافيزيقياً مغلقاً، بل بوصفه أفقاً مفتوحاً للفهم.

 وهنا يحسن التوقف عند علاقة الدكتور حسون بالميتافيزيقا، لا من حيث تخصصه الأكاديمي فحسب، بل من حيث طريقته في تفكيك هذا المبحث الذي طالما وصف بالجفاف والتعقيد، فعلى الرغم من أن الميتافيزيقا تعد من أكثر المباحث الفلسفية تعقيداً، لما تنطوي عليه من تفكير في عمق الكون وكينونة النفس، فأن الدكتور حسون ينجح في تقديمها بوضوح كبير، وكأنها قد بلغت لديه درجة من الوضوح تجعلها قابلة للشرح دون الاخلال بعمقها، وهذا ما يتيح للقارئ أن يتلقاها نقية واضحة، غير ممتزجة بمباحث معرفية أخرى، وفي سياقها الفلسفي السليم، بوصفها تفكيرا فيما وراء المدركات الحسية لا انفصالاً عن الواقع، بل تعميقاً له.

ينطلق المؤلف في طرحه الإشكالي إلى حدود تمييز الفلسفي عن غير الفلسفي، بقوله عبارة " موضوع هذا الكتاب هو موضوع اصيل" وأصالة الموضوعات الفلسفية لديه لا تتجاوز حدود الميتافيزيقا وما سواها هو ثقافة فلسفية ومجرد توظيفات لا تصل الاصالة، وهذا الرأي بالتأكيد هو محل نقاش فنطرح السؤال التالي : ما المعيار أو الفيصل الذي يمكن من خلاله التمييز بين ما هو فلسفي أصيل وما هو توظيف معرفي آخر؟ فالفلسفة، بخلاف معظم الاختصاصات، تمتلك أفقاً مفتوحاً ومحددات عليا تسمح لها بالولوج إلى ميادين معرفية متنوعة، ليس لتكرار الأسئلة، بل لمساءلتها والنظر في طبيعتها. وهنا يبرز التساؤل عما إذا كان السراي يبحث عن خاصية جوهرية للفلسفة لا تمتلكها غيرها، بحيث سحب بذاكرتنا نحو سؤال الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه ( ما الفلسفة) عندما ناقش مسألة موت الفلسفة ونهايتها، أقول ان السراي يعتقد بأن الميتافيزيقا وموضوعاتها الاصيلة، هي التي تضمن ديمومة العمل الفلسفي، مهما حاولت السياسات الرأسمالية والاقتصادية اعلان موتها.

فجاء الكتاب مصنف  ثلاثة أقسام، يخصص المؤلف القسم الأول منها لتحليل العلاقة بين مفهومي الوجود والماهية، من خلال مقاربة تاريخية–فلسفية تسعى إلى الكشف عن الدوافع المعرفية التي تقف وراء انقسام الفلاسفة بشأن أولوية أحد المفهومين على الآخر: هل الوجود سابق على الماهية، أم الماهية سابقة على الوجود، أم أن بينهما تلازماً وجودياً لا يمكن فصله؟

 ولا يكتفي المؤلف هنا بعرض هذا الخلاف بوصفه اختلافاً نظرياً فحسب، بل يتخذه مدخلاً لمساءلة كيفية اشتغال العقل البشري ذاته في مقاربته للواقع، وذلك عبر ما يطلق عليه بـ(الوثائقيات)، أي النماذج الفلسفية لكل اتجاه مبيناً أنماط التفكير التي ينطلق منها الفيلسوف في فهم الشيء، فثمة من يرى أن الوجود يسبق الماهية، بمعنى أن الشيء يوجد أولاً في الواقع ثم تكتشف ماهيته وطبيعته تالياً، إذ لا يمكن للماهية أن تدرك أو تلاحظ ما لم يكن للشيء وجود فعلي، ويعد أرسطو في مقدمة ممثلي هذا الاتجاه.

و في المقابل، يرى الاتجاه الاخر أولوية الماهية على الوجود، انطلاقاً من القول بوجود صورة عقلية أو نموذج أولي سابق على تحقق الشيء في الواقع، وهو التصور الذي بلوره أفلاطون في نظريته في المثل حيث تكون الماهيات سابقة على الموجودات الحسية ومؤسسة لها.

ويتضح من كل هذا أن الكتاب، من خلال صرامته في عرض المسألة، ومنهجيته الواضحة، يحافظ على حيوية السؤال الفلسفي، ويقدم إطاراً يمكن الرجوع إليه لأي باحث مهتم بمسألة الوجود والماهية، ويظل بمثابة مرجع واضح لمن يسعى لفهم هذه المسائل، محافظاً على حيويتها وتأثيرها في الفكر المعاصر، دون أن يغلق النقاش، بل مؤكداً على استمرار السؤال ذاته في مختلف الأزمنة.

***

زهراء ماجد

 

يطالعنا الكاتب القدير الدكتور جمال العتابي بكتاب جديد عنوانه (سدنة المعنى ـ مدوّنات عراقية في السيرة). يتضمن هذا الكتاب سيرة أكثر من خمسين شخصية عراقية أدبية وسياسية واجتماعية، في إطلالة مكينة كانت معادلة لمستوى موضوعاتها، وحققت معنا حضوراً طاغياً وانتماءً إنسانياً عالياً.

وكما هو معلوم فإن قيمة الكتاب، حامل الموضوعات، تتجلى غالباً في الموضوعات نفسها، وفي الأداة التي تكرّسها، وهذا هو ما يبحث عنه المتلقي المسؤول عن زمنه وحاجته وجدواه.

جاء الكتاب بمقدمة رصينة للدكتور جليل العطية، أسهم فيها في التعريف بصيغة الكتاب وقيمته، لنكتشف من بعد أن الموضوع الأول فيه، كان عن الشخصيّة الوطنية والعلمية الدكتور فيصل السامر، الذي عرفناه من خلال كتابه "ثورة الزنج"، وقدّم لنا الكاتب فيه رؤاه عن الثورة التاريخية التي قادها علي بن محمد، وما اعتورها من عوامل قاهرة أدت الى مقتله وفشلها.

ولأنّ الكتاب ضم بين دفتيه موضوعات جمة بأجناس مختلفة تنوعت في الصورة التعبيرية، بين السيرة الغيرية والمذكرات والذكريات والانطباعات، فهو كتاب يحتفظ بهويته الخاصة التي هي كل هذا.

كذلك لأنه على هذا التشكيل الموضوعي المتعدد، تباينت مستوياته الفنية، من ذلك ما كان عليه موضوعان عن الشهيد كامل شياع، أفردهما له الكاتب في تفاعل حار، هو في الحقيقة سمة تفاعله مع موضوعاته الأخرى.

في هذا الكتاب تعرفنا على أسماء لم نكن عرفناها بما يكفي، أو لم نسمع بها مثل غيرها، ما يدل على سعة إطلاع الكاتب وتنوع مصادره المعرفية.

كذلك لم يكن نهجه في مداولة مادته نهجاً تعريفياً بالأسماء والموضوعات، بل كان نهجاً تفاعلياً مع الموضوع ومحاوراً نقدياً له أو لصاحبه، معززاً رأيه هذا، سواء بنعم أو بلا، بدلائل تاريخية عادلة ومقنعة.

ويمكن القول إن هذا الكتاب من الكتب "الحرّة" إذا أخذنا بنظر الاعتبار تباين منطلقات كتّابه واهتماماتهم الثقافية والفكرية والسياسية، وغير ذلك مما تنطوي عليه شخصيات بلد ما، من تباين واختلاف في الرؤى والانتماءات والأهواء.

فمن فيصل السامر المؤرخ النابه، وكان أول موضوعات الكتاب، إلى كامل شياع ذي الانتماء اليساري المحدد الواضح، إلى هاني فحص المعمم ذي الاتجاه الديني أو المذهبي الاسلامي المعتدل، إلى أبي شمخي حارس مطبعة الروّاد، كانت تتناوب علينا شخصيّات عميقة الأثر في حدودها وحقيقتها من أمثال: مكرم الطالباني، هديب الحاج حمود، محمد سلمان حسن، عزيز شريف، كاظم حبيب، عبد الجليل الطاهر، علي جواد الطاهر، إبراهيم السامرائي، علي الوردي، مهدي المخزومي، كمال مظهر، حسين قاسم العزيز، هاشم الطعان، مؤيد نعمة، شمران الياسري، عبد المطلب صالح، رشدي العامل وعشرات غيرهم، ممن يمثلون النخب العراقية الوطنية على مختلف الاتجاهات والاختصاصات.

ولعل ما يجدر قوله أو تأكيده؛ إن المؤلف كان يتنقل بين ظلال هذه الشخصيات من دون أن يؤثر شخصية على أخرى، ذلك لأن سيادة الروح الوطنية هي المنهج الفاعل للكتاب.

وأغلب الظن فإن الكاتب العتابي، قد بلغ غايته ليس في تقديم أسماء لامعة في النضال والثقافة والاقتصاد وغيرها فحسب، بل كذلك في إلقاء الضوء على أسماء وشخصيات غير معروفة مثل الأسماء التي جاورتها، لكنها كانت عميقة الأثر في مجالها برغم عملها الصامت الدؤوب.

تكمن أهمية هذا الكتاب وغيره من كتب سيرية ذاتية أو غيرية، في تعريف القارئ الشاب تحديداً، بشخصيات وطنية عظيمة الأثر في تاريخه القريب والبعيد، في مواجهة الموجة الصاخبة التي حرفت الاتجاه السليم نحو تنمية ثقافة عظيمة رصينة، إلى ما هو سريع وصاخب وزائل.

وهو ما انتبه إليه الكاتب في مقطع يقول فيه "على وفق هذه المستويات المتعددة يسود الاعتقاد ان عدداً من مثقفي اليوم يجهلون قراءة صفحات مهمة من تأريخنا الثقافي ومعرفة اسماء مبدعيه من سابقة في ميادين الأدب والترجمة والمعرفة".

جاءت لغة الكاتب طليّة دقيقة تناسب أديم موضوعاتها، وتغري على قراءتها، ما يعفيك أو يغنيك عن التوقف عند مادة دون أخرى لأهميتها جميعاً، وأبرز ما جادت به لغته هذه، حينما تصدّت للرحيل الفاجع لأخيه علاء حسن العتابي، في حرارة روحية دافقة ولوعة قلبية عميقة، ربما هي الأثر الأقوى مما يتخلف في نفس قارئ هذا الكتاب، الذي تجسّدت فيه كلمة الإنصاف في أدق تعبير.

***

حنون مجيد

لم يعد السؤال الأخلاقي في المجتمعات الخارجة من العنف سؤالًا عن القيم التي يجب استعادتها، ولا عن القوانين التي ينبغي تفعيلها، بل أصبح — على نحو أعمق وأخطر — سؤالًا عن الذات التي تشكّلت داخل العنف: كيف تكوّنت؟ وبأي منطق أخلاقي تشتغل؟ وما الذي تبقّى من قدرتها على الحكم والتمييز والمسؤولية؟

ينطلق هذا الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن العنف، حين يتحوّل من حدث استثنائي إلى زمن ممتد، لا يدمّر البنية الاجتماعية والسياسية فحسب، بل يعيد تشكيل البنية الأخلاقية للذات الإنسانية نفسها. في هذا السياق، لا تعود الأخلاق معطى سابقًا على التجربة، ولا مرجعية ثابتة تحاكم الواقع من خارجه، بل تصبح نتاجًا هشًّا لتفاعلات الخوف، والذاكرة الجريحة، وآليات التبرير، واستراتيجيات البقاء.

من هنا، لا يسعى هذا الكتاب إلى تقديم خطاب أخلاقي معياري جديد، ولا إلى الدفاع عن منظومة قيم بعينها، بل إلى تحليل عملية تشكّل الذات الأخلاقية في سياق تاريخي محدّد: العراق المعاصر بوصفه فضاءً مكثّفًا للعنف، والتشظي، وإعادة هندسة الضمير.

أولًا: من الأخلاق المعيارية إلى تشكّل الذات

تقوم معظم المقاربات الأخلاقية التقليدية — سواء الفلسفية أو الدينية — على افتراض ضمني مفاده أن الذات الأخلاقية كيان سابق على التجربة، يمتلك جهازًا قيميًا جاهزًا، وما على الواقع إلا أن يختبر مدى التزامه به. غير أن هذا الافتراض ينهار حين نواجه مجتمعات عاشت العنف لا كطارئ، بل كبنية يومية: حيث تُكسَر المعايير، وتُعلّق القوانين، ويُعاد تعريف الخير والشر وفق منطق النجاة والانتماء والانتقام.

في مثل هذه السياقات، لا يعود السؤال: ما هو الصواب؟ بل يصبح: كيف يتكوّن الإحساس بالصواب أصلًا؟

وهذا ما يفرض انتقالًا نظريًا من الأخلاق بوصفها منظومة أحكام إلى الأخلاق بوصفها عملية تشكّل للذات.

يتقاطع هذا التحول مع ما طوّره ميشيل فوكو في تحليله لتقنيات الذات، حيث الأخلاق ليست طاعة لقواعد، بل ممارسة تشكّل من خلالها الذات علاقتها بنفسها وبالآخرين. كما يستند إلى بول ريكور، الذي أعاد تعريف الهوية لا بوصفها جوهرًا ثابتًا، بل هوية سردية تتكوّن عبر الزمن، وتُعاد صياغتها تحت ضغط الذاكرة والجرح والتجربة.

غير أن هذا الكتاب لا يكتفي باستدعاء هذه الأطر النظرية، بل يختبرها في سياق مختلف جذريًا: سياق العنف الأهلي والطائفي، حيث لا تتشكّل الذات في فضاء مؤسساتي مستقر، بل في فضاء مكسور المعايير، مُثقل بالدم، ومشحون بالتماهيات القاتلة.

ثانيًا: العنف كزمن أخلاقي

لا يُقارب هذا الكتاب العنف بوصفه حدثًا تاريخيًا يمكن تأريخه أو تجاوزه بخطاب المصالحة وحده، بل بوصفه زمنًا أخلاقيًا تتغيّر فيه شروط الحكم والمسؤولية والذنب.

فالعنف، حين يستقر، يعيد هندسة الضمير:

- يُبرَّر القتل باسم الهوية

- ويُعاد تعريف البراءة وفق منطق الجماعة

- وتُختزل الأخلاق في الولاء والاصطفاف

في هذا الزمن، لا يُلغى الضمير، بل يُعاد تشكيله على نحو وظيفي، بحيث يصبح قادرًا على التعايش مع أفعال كانت تُعدّ سابقًا غير قابلة للتبرير. وهنا تكمن خطورة العنف: ليس في عدد ضحاياه فقط، بل في تحويله الاستثناء إلى قاعدة أخلاقية.

يمثّل العراق، في هذا الإطار، حالة قصوى لا بوصفه استثناءً عربيًا، بل بوصفه مختبرًا أخلاقيًا مكثّفًا، تتقاطع فيه:

- انهيارات الدولة

- تديين السياسة

- تطييف الذاكرة

- وتسليع الألم

ومن ثم، فإن تحليل التجربة العراقية لا يُقدَّم هنا باعتباره وصفًا لحالة محلية، بل كنافذة لفهم ما يحدث للأخلاق حين تعيش طويلًا داخل العنف.

ثالثًا: العرفان بوصفه أداة تحليل

يُساء فهم العرفان غالبًا باعتباره خطابًا صوفيًا روحانيًا منفصلًا عن الواقع، أو تجربة فردية خلاصية. غير أن هذا الكتاب ينطلق من فرضية مغايرة:

العرفان، في عمقه الفلسفي، هو تحليل دقيق لتفكك الأنا وآليات توهّمها.

في سياق العنف الطائفي، تتضخّم الأنا الجمعية، وتتماهى مع المقدّس، وتُنتج سرديات تبريرية تُحوّل القتل إلى واجب. هنا، لا يصبح العرفان دعوة للانسحاب، بل أداة نقدية لتفكيك الأنا المتورّمة، وكشف بنيتها الوهمية، وإعادة مساءلة العلاقة بين الذات، والحقيقة، والآخر.

لا يستدعي هذا الكتاب العرفان بوصفه تراثًا يُستعاد، بل بوصفه منهجًا تحليليًا قادرًا على تفكيك آليات:

- التماهي الطائفي

- تقديس الجماعة

- وتديين العنف

رابعًا: الفضائل ككفاءات للعيش

بالمثل، لا تُقارب الفضائل في هذا الكتاب بوصفها مواعظ أخلاقية أو خصال مثالية، بل بوصفها كفاءات عملية تمكّن الذات من العيش بعد الصدمة.

فالفضيلة، في سياق ما بعد العنف، ليست ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا لإعادة بناء العلاقة مع الذات والآخر والعالم.

يُعاد تعريف الصبر، والعدل، والرحمة، والشجاعة، لا باعتبارها قيمًا مجردة، بل كطاقات أخلاقية مكتسبة، تُمارَس في مواجهة الذاكرة الجريحة، والرغبة في الانتقام، وإغراء التبرير.

خامسًا: التجربة الدينية بين التعبئة والتحوّل

يُخصّص هذا الكتاب حيزًا خاصًا للتجربة الدينية، لا بوصفها سببًا مباشرًا للعنف، ولا كحلّ جاهز له، بل كحقل متنازع عليه بين:

- دين التعبئة والاصطفاف

- ودين التحوّل الأخلاقي الداخلي

ويُجادل بأن السؤال ليس: هل الدين عنيف؟

بل: أي نوع من الذات الدينية نُنتج؟

ذات مبرِّرة، أم ذات ناقدة لنفسها؟

سادسًا: رهان الكتاب وحدوده

لا يدّعي هذا الكتاب تقديم نظرية أخلاقية مكتملة، ولا وصفة للشفاء الجمعي، بل يطرح رهانًا تحليليًا:

فهم كيف تتشكّل الذات الأخلاقية في زمن العنف، شرطٌ أولي لأي مشروع أخلاقي أو سياسي جاد بعده.

وحدوده واضحة:

- لا يتحدث باسم الضحايا

- ولا يدّعي الحياد الأخلاقي

- ولا يفصل التحليل عن المسؤولية

بل يسعى إلى فتح أفق تفكير جديد، يُعيد طرح الأخلاق لا كقانون، بل كسؤال مفتوح.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

حين تتملك الباحث رغبة عارمة لتطوير الحقل المعرفي الذي ينتسب إليه، فإن المسعى الأول ينصب في الغالب حول تثوير الأدوات والمفاهيم، وإبداع رؤى ومقاربات لا تكتفي بالانسياق خلف اللحظة الراهنة في محاولة للفهم، بل تجنح صوب المستقبل تأويلا وصوغا للتوقعات والنماذج. ضمن هذا الإطار يندرج كتاب (علم النفس السياسي: رؤى نقدية) للدكتور كريستيان تيليغا، المُحاضر في قسم علم النفس الاجتماعي بجامعة لوفبرا البريطانية.

يسعى الكتاب إلى توصيف العلاقة بين علم النفس والسياسة عبر رؤى وأدوات مفهومية مرتبطة بتصورات منهجية وابستمولوجية، تتيح فهما أعمق للسلوك السياسي من خلال البحث في النظم الاجتماعية والسياسية –الخطابية، والثقافية-الدلالية. إنه توصيف يعتمد البعد التأويلي الذي يماثل عمل الأنثربولوجي في كشفه للترسبات الصانعة للمعنى، والتي يعيد المجتمع إنتاج نفسه وفقا لها. كما يهتم المؤلف بتضمين كتابه مختلف الرؤى البحثية الأوربية التي لم تحظ بغير إشارات قليلة في مؤلفات علم النفس السياسي.

إن اعتماد البعد التأويلي ستترتب عنه ثلاث نتائج بالغة الأهمية. أما الأولى فهي توسيع البؤرة التقليدية لعلم النفس السياسي والتي تنحصر في اختبار النظريات المجردة وحصر التنبؤات، مما نجم عنه في السابق إغفال التناقض الحاصل بين متطلبات المعرفة العلمية والسلوك السياسي الواقعي.

في حين تحقق الثانية تمديدا لمهمة علم النفس السياسي كي تشمل ليس فقط المبادئ العامة بل أيضا المبادئ النسبية. كما تسمح بتدشين حوار مع فروع معرفية أخرى تتيح دراسة أوسع للسلوك السياسي والاجتماعي، كعلوم الجينات والأعصاب، وعلم الاجتماع، ودراسات الميديا، والفلسفة وغيرها .

وأما الثالثة فتهم إعادة فحص تصورات علم النفس السياسي حول صورة الشخص والمجتمع، وتجديد النظر في الانشغالات الثقافية واللغوية، مما يساعد على تبين الواقع، والتعامل مع السياسات باعتبارها نواتج لممارسة اجتماعية ملموسة.

يناقش الفصل الأول من الكتاب مبدأ الرأي العام، والتطورات التي لحقته بفضل تزايد الاهتمام واستيعاب المعرفة السياسية في سياقها لدى الكتل الجماهيرية. حيث أصبح بفضل تطور صناعة استطلاعات الرأي مصدرا للحجية في المجتمعات الغربية. لذا يتعلق اهتمام دارسي علم النفس السياسي بالأسس التنظيمية للآراء التي تعين على فهم سبب مناصرة المواطنين لسياسة بعينها، كالتوجهات الإيديولوجية (ليبرالي، يساري..)، أو القيم ( التعبير عن الذات، الحق في المشاركة..)، أو السمات المميزة جينيا (إثنية ..) أو غيرها. إن التعرف على هذه المبادئ المنظمة للرأي العام تُكسبه بنية وتماسكا واستقرارا (1).

و لا يخلو الأمر من موقف معارض موغل في الراديكالية (هربرت بلومر ، بيير بورديو..)، يعتبر الرأي العام مجرد خرافة اجتماعية وسياسية، تستخدمها الدولة وجماعات المصالح لخلق بيئة سياسية مصطنعة تخفي الأبعاد الفعلية للمجال العام، إلا أن النشاط السياسي لا يمكن تصوره اليوم خارج الإطار الذي تصوغه الإحالات البلاغية على "الجمهور" و"الرأي العام".

إننا نعيش في مجتمع المقابلة الصحفية الذي ينتج ذوات متشبثة بآرائها، إلا أن تشكل المواقف لصالح هذا الطرف أو ذاك يفرض تفحص "أرضيات الرأي"، وفي مقدمتها الإنجاز البلاغي الذي يوظفه الفاعل السياسي للتعبير عن آرائه، والمثابرة الذهنية التي يمكنها في بعض الحالات حشد المواقف الإيجابية إزاء أكثر موروثات الماضي شذوذا واستفزازا للعقل .تماما كالحصيلة التي أظهرتها مسوح الرأي العام في أوربا الشرقية حول المرحلة الشيوعية. حيث لم يخف الناس تحسرهم على النظام الشيوعي برغم موروثه القمعي والإجرامي !

تكشف دراسات الرأي العام أن الجمهور " عبيط "و يسهل التلاعب به، فهو قادر على تبني مواقف متناقضة لا لكونها قائمة في ذهنه، وإنما لأن تدويرها في المجتمع يتم من قبل فاعلين نشيطين، وعبر مستويات مختلفة من التنظيم الاجتماعي، ناهيك عن الدور الذي تنهض به النخبة والتربية في غرس قيم محددة. إن التحدي الذي يُتوقع اليوم من المشتغلين بعلم النفس السياسي رفعه هو الانتقال في دراسة الرأي العام، من التركيز عل معالجة المعطيات إلى رصد الكيفية التي يتشكل بها، باعتباره ممارسة وأساسا للحياة السياسية، وقالبا يصوغ الناس من خلاله فهما مشتركا لذواتهم وللسياسات التي يبتعونها.

تطوير الرأي العام كممارسة تُسند الفعلين الاجتماعي والسياسي ينقلنا بالضرورة للحديث عن التوجهات القيمية، وارتباطها بالتنظيم السياسي للمجتمع. فالسياسة الأمريكية المعاصرة على سبيل المثال ليست سوى مزاج ثلاث توجهات قيمية هي : الفردانية، والمساواتية، وما بعد المادية. والقول بتأثير القيم الشخصية الأساسية في الاختيار السياسي يفسر بشكل واضح ظهور قضايا جديدة على الساحة السياسية، حيث باتت قيم التعبير عن الذات والحرية والمشاركة لصيقة بالموجات السياسية الجديدة. تؤكد ذلك الأبحاث التي أجراها كل من إينغلهارت وويلزل في الفترة من 1970 إلى 2000 ، والتي شملت جماهير تسعة مجتمعات أوربية. إذ خلصت إلى أن انتشار قيم التعبير عن الذات هو المفسر الحقيقي لمدى الممارسة الفعلية في مجتمع ما. وأن النمو الاجتماعي والاقتصادي يفضي إلى ارتفاع مستويات التعبير، مما يحقق بالتالي مستويات أعلى من الديموقراطية. فهذه القيم تجعل الجماهير أكثر ثباتا في مواجهة السلطة، وأكثر تحديا لها. كما تمارس ضغوطا صحية للمحافظة على نزاهة النخب وقبولها المحاسبة، واستجابتها لما يريده الناس(2).

هذه الرؤية " الانعتاقية " للديموقراطية تمثل إدانة لبعض الدول، كرومانيا وبلغاريا والهند، لأنها تعكس حالات لديموقراطية شكلية، يقابلها تدن في الفعالية الديموقراطية.

لا ينبغي حصر طبيعة اللاتسامح، كمبحث نفس-سياسي، في الميول والدوافع والخصال، أو ما يسميه غوردون ألبورت ب"تأثيرات الأبعاد الأفقية "، وإنما ينبغي كذلك الانتباه لدور الثقافة واللغة والتفاعل الاجتماعي كطرائق يُمارس بها اللاتسامح .لذا يُفرد المؤلف الفصل الثالث من كتابه لمناقشة تمظهرات اليمين المتطرف والخطاب الإقصائي في أوربا كما يجري تفسيره من قبل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.

تحتاج تفسيرات اللاتسامح باعتباره إفرازا للتسلطية إلى رؤى جديدة لا تستند إلى الشخصية فحسب، بل تتناول ما ينتجه الفاعل الاجتماعي من خطابات ونوازع تسلطية، وما تضج به البيئة الاجتماعية من مظاهر التحامل والمواقف غير المتسامحة. ففي استقصاء لعملية التحول إلى الراديكالية في أوساط الشباب الهولندي المسلم، توصل دوسيج إلى وجود أربعة متغيرات نفسية واجتماعية تتنبأ بهذا التحول وهي : اللايقين الشخصي، وتصور غياب العدالة، وتصور خطر محدق، وشعور بالقطيعة الاجتماعية(3).

وللغة والثقافة دورهما المحوري في إنتاج التحامل واللاتسامح، وهو ما تؤكده الأنثربولوجية الأمريكية جان هيل من خلال رصدها لأشكال التعبير عن العرقية في الممارسة اللغوية الأمريكية الناطقة بالإنجليزية. وتكشف تجذر السخرية والمحاكاة الهجائية للكنات الأقليات الإثنية في الخطاب الأمريكي اليومي. ويبلغ الأمر حد إنتاج خطاب إقصائي معنوي، ينزع البشرية عن جماعة معينة، كما هو الشأن بالنسبة لشعب "الروما" في أوربا الشرقية. حيث يُوجه ضده خطاب تمييزي من لدن كل ألوان الطيف المدني والسياسي الروماني، يستوي في ذلك المناصر للسياسات المتطرفة والمعارض لها على السواء. ويجري تصويره باعتباره مشكلة لا يمكن حلها بالأسلوب العقلاني وإنما بالاستئصال !

إن فهم طبيعة اللاتسامح مرتبط بالعناية الفائقة بما يقوله الناس، أي بالإنجاز الخطابي التواطئي الذي ينزع شرعية البعض وإنسانيته من خلال أنشطة اجتماعية مختلفة، تستوعب كامل الطيف السياسي والإيديولوجي من اليسار إلى اليمين.

و يناقش الفصل الرابع أهمية دراسة التمثيلات الاجتماعية، ودورها في تعميق فهم العلاقة بين العمليات والممارسات الاجتماعية، وتأمين أدوات نظرية لتحليل الروابط بين الوظيفة الإدراكية للفرد، والعناصر الاجتماعية المؤثرة في طرق إدراك الناس للتفاعل بين المجتمع والسياسة. ونظرية التمثيلات الاجتماعية هي مقاربة بنيوية تتضمن إعادة بناء المشترك الاجتماعي، من معرفة وإيديولوجيا وغيرها، وابتكاره في نشاط الفرد(4).  إنها إطار لفهم وتنظيم المعرفة الاجتماعية سواء عند النخب أو الكتل الجماهيرية بوصفها تعبيرا عن عوالم حياة ذاتية، لا مجرد انعكاس أو تصوير لها.

و تكمن أهمية التمثيلات الاجتماعية بالنسبة للمشتغل بعلم النفس السياسي في ربط المقولات السياسية بشبكة الممارسات، وبلغة وثقافة المجتمع، من منطلق أن المعرفة السياسية ذاتها ليست منفصلة عن محيطها أو جاهزة للتحصيل عبر استطلاعات الرأي، وإنما هي وثيقة الصلة بأشكال التفكر اليومي والمدركات والمعتقدات الفردية. كما تتيح نظرية التمثيل الاجتماعي فهما أفضل للحياة الاجتماعية والسياسية، ولتدفقاتها وتوتراتها الحديثة، وتثوير النقاش بشأن السلوك السياسي ومسائل التخليق السياسي ودمقرطة السياسة .

نفس الأهمية تحظى بها فكرة الهوية لكونها جزءا مركزيا في مقاربة الكيفية التي يسهم من خلالها السلوك السياسي في إنتاج وتغيير العلاقات الاجتماعية. وإذا كان علم النفس السياسي يدعي الاهتمام بدراسة العملية السياسية الديموقراطية، يقول تيليغا، فيتعين عليه أن يدرس الكيفية التي تُنتَج بها الهويات الاجتماعية والجمعية في سياق من الفعل السياسي والاجتماعي(5)، لأن إنشاء الهوية إنما يحدث في إطار ممارسة اجتماعية، يجسدها الفاعلون، ويطورون عبرها مفاهيم عن علاقات تشمل السيطرة والاستيعاب والإقصاء وغيرها.

إن نظرية السيطرة الاجتماعية لم يعد بمقدورها اليوم مواصلة اختزال فهم السلوك السياسي في التوجهات والدوافع السيكولوجية لوحدها، مادامت الحركات الاحتجاجية تفاجئنا بأشكال من التفاعل السياسي الخلاق، الذي ينجح في صوغ هويات جمعية جديدة وقادرة على الانخراط في الفعل الجمعي.

ولا تخلو كذلك قضية الذاكرة الاجتماعية من فائدة وأهمية، تفرض تحويلها إلى موضوع اشتغال من قبل دارسي علم النفس السياسي. فهي الأساس الذي يقوم عليه الشعور بالهوية السياسية. واليوم تتعرض الديموقراطيات المعاصرة لنوع من الارتداد إلى الماضي (المكبوت)، والبحث عن الجذور والموروث الوطني، كما تشعر الأقليات بحاجتها إلى مقاومة استذكارية من شأنها تأمين ماض قابل للاستعمال يخدم الهوية.

إن السرديات السياسية والاحتفالات التذكرية للأحداث الوطنية، وتعرف الكيفية التي تعمل بها الذاكرة الفردية والاجتماعية لهي نماذج لدراسات جديرة بالاهتمام لما تحققه من تعامل مباشر مع الخبرة المعيشية، وكشف الوظائف الاجتماعية التي تؤديها الذاكرة .

وبما أن السياسة تستحيل ممارستها من دون اللغة، وجب على علم النفس السياسي التفكر في السياسة باعتبارها متتالية من الإنجازات الخطابية، وفهم الخطاب السياسي كشكل مركب للنشاط الاجتماعي. ومما يلاحظه تيليغا أن انشغال علم النفس السياسي تركز حول السيكولوجيا الفردية للسياسة والأنساق السياسية الناظمة للعلاقات الدولية، وبالمقابل يظهر اهتماما أقل بالبعد الخطابي للسياسة، وبالبلاغيات السياسية، أي تلك الطرق التي يحاول بها السياسيون إقناع الجماهير، وتنظيم اللغة بلاغيا لإحداث تأثير مقصود. ولابد، لتحقيق فهم وتحليل كاملين لطبيعة اللغة السياسية من تفعيل أجندة بحثية، تقترب من المنظور الألسني والخطابي، وتؤَمن فحصا جيدا للطبيعة البلاغية  للرسائل السياسية.

ومع تزايد ارتباط المشهد السياسي المعاصر ببيئة الميديا والاتصال، فإن المشتغل بعلم النفس السياسي بات معنيا بتجديد النظر في الاتصال السياسي باعتباره خطابا يجري إنتاجه بعناية فائقة لتخليق دلالة سياسية محددة، وبحث التداخل بين تكنولوجيات الاتصال، وبين الخبرة السياسية وما يترتب عن ذلك من اختراق للحدود بين المجالين الخاص والعام.

إن المناظرات السياسية، وبرامج الحوار، والمقابلات، والفكاهة السياسية هي تعبيرات عن المحاسبية الجديدة للسياسة عبر الإعلام. ومع ظهور التكنولوجيات الجديدة، خاصة شبكات التواصل الاجتماعي، باتت المحاسبة أوسع نطاقا، وتتخذ أشكالا إبداعية وتخريبية لفظية وبصرية. وما يؤمله المؤلف هو أن يتمكن علم النفس السياسي من تحقيق فهم أفضل للتمظهرات المتنوعة للاتصال السياسي، وتخيل أدوات بحث جديدة وفرضيات أكثر ملاءمة لاستيعاب السياقات المحلية الاجتماعية والسياسية.

يدفع كريستيان تيليغا باتجاه انفتاح علم النفس السياسي على رؤى أرحب تستكشف عوالمنا المثقلة بالمعنى، بدل السعي وراء البيانات ومعالجة المعلومات. فالتركيز الممنهج على الجوانب الاجتماعية والثقافية للإيديولوجيات السياسية، والتمثيلات الاجتماعية، والهويات، والخطاب السياسي وغيرها من المقاربات المدرجة في هذا الكتاب، يتيح طرحا أكثر شمولا حول الجوانب الاجتماعية والثقافية للسلوك السياسي، وبالتالي إنماء حوار فعال بين تقاليد البحث في علم النفس السياسي حول العالم !

***

حميد بن خيبش

.......................

1- كريستيان تيليغا: علم النفس السياسي: رؤى نقدية. ترجمة أسامة الغزولي . الكويت 2016 .ص27

2- نفس المرجع . ص 48

3- نفس المرجع. ص 74

4- ص 93

5- ص 137

التجربة الفردية أعندُ من أن تُصاغ في عقيدة مُغلقة

كتاب جورج منصور المعنون "غيمري.. كدتُ أصبح إماماً" الصادر عن دار المدى 2025 لا يُقرأ بوصفه سيرة ذاتية تقليدية تُعيد ترتيب الحياة وفق خط زمني مطمئن، ولا بوصفه مذكّرات سياسية تسعى إلى تبرير المواقف أو تلميع الانتماءات بأثر رجعي. إنّه نصّ يضع السيرة نفسها موضع مساءلة، ويعاملها لا كامتداد طبيعي للحياة، بل كفعلٍ فكريّ محفوف بالمسؤولية. هنا، لا تُستدعى التجربة بوصفها مادةً للحنين أو الشهادة، بل بوصفها اختباراً أخلاقياً ممتداً، تُقاس فيه قيمة ما عاشه الفرد بقدرته على تعرية تصدّعاته الداخلية حين مرّ عبر آلات كبرى: التاريخ، الحزب، المنفى، والذاكرة ذاتها. تكمن أهمية هذا الكتاب في أنّه لا يثق بالسرد بصفته فعلاً بريئاً. فكل جملة تُكتب هنا تبدو واعية بكونها اختياراً، وكل استعادة للماضي مشوبة بسؤال أخلاقي ضمني: من يتكلم الآن؟ الإنسان الذي عاش الحدث، أم الإنسان الذي نجا منه؟ من هذا المنظور، لا تكمن القيمة الجوهرية للنص في الوقائع التي يقدّمها، بل في الطريقة التي يُعاد بها ترتيب تلك الوقائع لغوياً وفكرياً، وفي وعي السارد بحدود الذاكرة، وبقدرتها على الخيانة بقدر قدرتها على الحفظ. منذ الصفحات الأولى، يضع جورج منصور قارئه أمام معضلة السيرة الحديثة، لا بوصفها مشكلة تقنية، بل بوصفها أزمة أخلاقية: هل تُكتب الحياة كما عُيشت، بكل ما فيها من ارتباك وسوء تقدير، أم كما يُراد لها أن تُفهم لاحقاً، بعد أن تهدأ العواصف وتُعاد صياغة المعاني؟ هذا التوتر يُعلن بوضوح حين يقول: "تردّدت كثيراً قبل أن أضع نقطة على سطر، لأنّي لم أثق تماماً بعدالة ذاكرتي.. هل أكتب كما عشت، أم كما يفترض أن يُكتب الآن؟ إنّه الصراع بين الأمانة والملائمة". هذا التصريح لايعمل بوصفه تمهيداً بلاغياً أو اعترافاً شكلياً، بل بوصفه عقد قراءة صارماً: النص لن يدّعي البراءة، ولن يقدّم نفسه باعتباره رواية خلاص. من هنا تبدأ السيرة، لا كحكاية عن الذات، بل كمحاكمة لها؛ لا باعتبارها مركزاً للمعنى، بل بوصفها موقعاً هشّاً، قابلاً للخطأ، ومُلزماً بتحمّل تبعات ما يتذكّر.. وما يختار أن ينساه.

السيرة بوصفها تفكيكاً لا استعادة

ما يميّز هذا الكتاب أنّه يرفض التعامل مع الماضي بوصفه أرشيفاً ثابتاً يمكن استدعاؤه بطمأنينة، أو مخزوناً جاهزاً للترتيب السردي. الماضي هنا مادّة إشكالية، قابلة للتفكيك، ومشبعة بالتناقضات التي لا يملك السارد ترف تسويتها. إنّها سيرة تُكتب ضد وهم الاستعادة، وتؤمن بأن الذاكرة، حين تُترك بلا مساءلة، تتحوّل إلى جهاز تبرير لا إلى أداة فهم. من هذا المنطلق، لا يعود التذكّر فعلاً حنينياً، بل ممارسة نقدية تتقصّد كشف الشروخ بدل ردمها.

المدن في هذا النص لا تعمل كديكور جغرافي، ولا كخرائط عبور بريئة، بل كأنظمة اختبار أخلاقي ونفسي. أربيل، موسكو، لينينغراد، غيمري.. كل مدينة تُستدعى بوصفها قانوناً خاصاً، يفرض على الفرد شكلاً معيّناً من الوجود. موسكو، على وجه الخصوص، لا تظهر كعاصمة أيديولوجية كبرى، بل كـ"مختبر للحلم" سرعان ما تتقشّر فيه الشعارات أمام ضغط التفاصيل اليومية: سكن جامعي خانق، علاقات هشّة، بيروقراطية صمّاء، وخوف لا يُعلن عن نفسه إلا همساً. هنا، تتعرّى الأيديولوجيا لا عبر الخطابات المضادة، بل عبر احتكاكها المباشر بحياة لا تنصاع لها تماماً.

في هذا السياق، لا يكتب منصور عن موسكو بوصفها مركز خلاص أو وعد تاريخي، بل كمساحة تكشف هشاشة الفرد داخل البنية الكبرى. الانتماء الحزبي، الذي يُفترض أن يمنح المعنى، يتحوّل تدريجياً إلى عبء إداري، وإلى سلسلة من "الملاحظات" و"التوجيهات" التي تصادر القرار الفردي. حادثة تغيير تاريخ الجوازفي العراق ، بكل ما تنطوي عليه من مخاطرة وجودية، تُقدَّم لا كحيلة ذكية أو انتصار على النظام، بل كعلامة على اختلال عميق في العلاقة بين الفرد والدولة، بين الإنسان والوثيقة. يقول السارد: "كان خوفي بحجم الوطن وربما أكثر.. أحد أثقل أيام أيلول، والأكثر إخافةً ورعباً".

هنا تحديداً تتجلّى القيمة النقدية للنص: ليس في الحدث ذاته، بل في نبرة السرد التي ترفض البطولة وتُقصي التفاخر، وتستبدلهما باعتراف صريح بالهشاشة. السيرة، في هذا المستوى، لا تُكتب لتأكيد الذات، بل لتقويض يقينها، وإظهارها ككائن عالق دائماً بين ما يريده، وما يُفرض عليه أن يكونه.

"غيمري": العنوان كاستعارة كبرى"

العنوان "غيمري.. كدتُ أصبح إماماً" ليس عتبة وصفية، ولا مفارقة لغوية تستدرج القارئ بفضول سهل، بل هو بيان فلسفي مكثّف، يختزل مأزق النص كلّه في جملة واحدة. فـ"كدتُ أصبح إماماً" لا تشير إلى حادثة عرضية في سيرة الكاتب، بقدر ما تشير إلى لحظة اقتراب خطِر من يقين جاهز، من شكل نهائي للهوية كاد أن يُغلق الأسئلة بدلاً من أن يفتحها. العنوان، بهذا المعنى، لا يَعِد بحكاية طريفة، بل يعلن منذ البداية أن ما هو معروض هنا هو "تجربة تفادي" أكثر مما هو تجربة تحقّق.

"غيمري"، القرية الداغستانية، تتحوّل في السرد إلى فضاء رمزي كثيف، تتقاطع فيه أنظمة المعنى: الدين، السياسة، الجماعة، واليومي العادي. ليست غيمري مكاناً للقداسة الصافية، ولا هامشاً جغرافياً محايداً، بل مختبراً حادّاً للتجاور القَلِق بين المقدّس والعادي، بين الإيمان بوصفه ممارسة اجتماعية، والإيمان بوصفه سؤالاً داخلياً لا يملك جواباً نهائياً. في هذا الفضاء، لا يبدو "الإمام" رجل دين بقدر ما يبدو نموذجاً جاهزاً للمعنى، وظيفة روحية تُغري بالثبات وتَعِد بالوضوح.

حين يقول السارد إنه "كاد" يصبح إماماً، فهو لا يتحدث عن اقتراب مهني أو ديني، بل عن اقتراب وجودي من فكرة الدور المكتمل. كاد أن يقبل بأن يُسمّى، وأن يُعرّف، وأن يُختزل في وظيفة تمنح الطمأنينة للجماعة قبل أن تمنحها للفرد. "الإمام" هنا ليس شخصاً، بل استعارة عن كل الأدوار التي تعرضها المنظومات الكبرى على الإنسان كي تُعفيه من قلق السؤال. والسيرة، في جوهرها، هي سرد مقاومة هذا الإغراء.

من هنا، يمكن قراءة النص كله بوصفه تمريناً على الإفلات من القالب، ورفضاً لأن يكون الإنسان "شيئاً ما" واضحاً وسهل التصنيف. غيمري ليست مكان الوصول، بل لحظة الانتباه القصوى: اللحظة التي يدرك فيها السارد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس الضياع، بل الاكتمال الزائف. هكذا يصبح العنوان مفتاحاً تأويلياً حاسماً، لا يشرح النص، بل يضعه منذ البداية تحت ضغط سؤال المعنى وحدوده.

"الصداقة بوصفها معياراً أخلاقياً"

من أكثر المقاطع كثافة وتأثيراً ، سردية الصداقة مع خالد، لا لأنها حكاية شخصية مؤثرة فحسب، بل لأنها تتحوّل تدريجياً إلى معيار أخلاقي يُقاس به كل ما عداه. هنا يخرج النص من حدود السيرة الفردية الضيقة، ويتحوّل إلى مساحة اختبار لفكرة جوهرية: كيف يمكن للإنسان أن يحكم على الآخر في عالم تُدار فيه العلاقات عبر الشبهة، والتقارير، وسوء الفهم المؤسَّس؟ الصداقة، في هذا السياق، لا تُقدَّم بوصفها علاقة وجدانية، بل بوصفها موقفاً معرفياً وأخلاقياً من الآخر.

ما يكتبه منصور عن خالد ليس دفاعاً عنه، ولا اعتذاراً متأخراً للذات، بل تفكيك هادئ لكيفية تشكّل الأحكام داخل منظومات مغلقة. سوء الفهم لا ينشأ هنا من خبث فردي، بل من مناخ عام يجعل الشكّ فضيلة، والريبة أسلوب حياة. القطيعة التي تحدث بين الصديقين لا تُروى كدراما عاطفية، بل كنتاج منطقي لبنية سياسية وأيديولوجية تُجبر الأفراد على اتخاذ مواقف قبل اكتمال المعرفة. بهذا المعنى، تصبح الخيانة المفترضة حدثاً بنيوياً أكثر منها فعلاً شخصياً.

اللافت في هذا المقطع أنّ لحظة انكشاف الحقيقة لا تُستثمر سردياً بوصفها لحظة انتصار أخلاقي أو تطهير نفسي. حين يكتشف السارد أن خالد لم يخنه كما ظن، لا يندفع نحو تبرئة الذات أو جلدها، بل يتجه نحو نقد أعمق للمنظومات التي دفعت صداقة كاملة إلى حافة الانهيار. الاعتراف هنا لا يهدف إلى استعادة الماضي، بل إلى مساءلته، وإظهار مقدار العنف الرمزي الذي يمكن أن تمارسه الأنظمة حين تُدخل الشك إلى قلب العلاقات الإنسانية.

الصداقة، في هذا النص، لا تنجو لأنها قوية فقط، بل لأنها تصبح أداة كشف. إنها تكشف هشاشة الأحكام السريعة، وخطورة تحويل البشر إلى ملفات محتملة. ومن خلال هذه السردية، يقترح الكتاب معياراً أخلاقياً بديلاً: ليس السؤال عمّن كان على حق، بل عمّن دفع ثمن منظومة تجعل سوء الفهم قاعدة لا استثناء. هكذا تتحوّل الصداقة من علاقة شخصية إلى مرآة نقدية، تُظهر بوضوح ما تعجز السياسة عن الاعتراف به.

تكتسب الرسالة القصيرة التي يرسلها خالد قوّتها لا من بلاغتها، بل من عريها الكامل من أي محاولة للتأثير. :"عزيزي جورج.. إن الذي اعتقدته أنت ليس صحيحاً.. وما أزال أعتزّ بصداقتنا".

جملة لا تزيد ولا تنقص، لا تشرح ولا تدافع، لكنها تفعل ما تعجز عنه صفحات كاملة من التبرير. هنا تحديداً يحدث ما يمكن تسميته "الانكشاف الأخلاقي الصافي": لحظة تتهاوى فيها البنية التأويلية التي عاش داخلها السارد سنوات من الغضب والريبة. ليست المفاجأة في أن الحقيقة كانت مختلفة، بل في هشاشة البناء الذي صمد طويلاً فوق افتراض خاطئ.

قيمة هذه اللحظة لا تكمن في بعدها العاطفي، بل في قدرتها على إعادة ترتيب الزمن الداخلي. كيف يمكن لجملة واحدة أن تعيد صياغة سنوات كاملة من الصمت والاتهام؟ السؤال لا يوجَّه إلى الصداقة وحدها، بل إلى الأيديولوجيا التي سمحت لهذا الصمت أن يستمر، والتي درّبت الأفراد على الشك قبل الفهم، وعلى الحكم قبل المعرفة. هنا، لا تعود الصداقة علاقة شخصية فقط، بل تتحوّل إلى أداة قياس حادّة لفشل المنظومات الفكرية في التعامل مع تعقيد الإنسان، ومع هشاشته، ومع قابليته الدائمة للخطأ وسوء التقدير.

في هذا المستوى من السرد، تلتقي الأخلاق باللغة. لغوياً، يعتمد منصور على جملة واعية بوظيفتها، لا تستعرض قدرتها، بل تلتزم بحدّها الضروري. الجملة تمتد حين يتطلّب التفكير ذلك، وتتقلّص حين يكون الحدث أبلغ من أي شرح. لا استعارات فائضة تُغري القارئ بجمال سهل، ولا خطابية مباشرة تحاول فرض موقف أخلاقي جاهز. هذا الاقتصاد في التعبير ليس خياراً أسلوبياً فحسب، بل موقفاً فكرياً: اللغة لا ينبغي أن تسبق التجربة، بل أن تلحق بها.

الاقتباسات الفكرية

الاقتباسات الفكرية التي يضمّنها النص لا تعمل بوصفها زينة ثقافية أو استعراض معرفة. حين يستدعي قول مارك توين:

"يمكن للكذبة أن تسافر نصف العالم، بينما الحقيقة ما زالت تلبس حذاءها"، فإنه لا يعلّق عليه، ولا يشرحه، لأن السياق السردي ذاته قد أنجز مهمته. الاقتباس هنا لا يضيف معنى، بل يكشف أن المعنى كان حاضراً أصلاً. هكذا تتكامل اللغة والفكرة: جملة مقتصدة، وتجربة ثقيلة، ووعي نقدي يرفض أن يشرح ما ينبغي أن يُفهم.

"الذاكرة ضد الأيديولوجيا"

في جوهره العميق، يمكن قراءة الكتاب بوصفه دفاعاً عن الذاكرة الفردية في مواجهة السرديات الكبرى التي تدّعي امتلاك المعنى الكامل. الحزب، الدولة، الثورة، لا تظهر في هذا النص بوصفها مشاريع خلاص، بل كقوى اختزال عنيفة، تسعى إلى تحويل الحياة المعقّدة إلى مخطط قابل للإدارة. إنها تريد للإنسان أن يكون مثالاً، حالة نموذجية، رقماً في سردية أكبر منه. في المقابل، تأتي السيرة هنا لتفشل هذا الطموح، لا عبر المواجهة الخطابية، بل عبر الإصرار على ما تحاول الأيديولوجيا محوه: التفاصيل الصغيرة.

الخوف في المطار، برد السكن الجامعي، ارتباك اللقاءات الأولى، الصمت الثقيل الذي يلي قراراً خاطئاً، الحزن المؤجّل الذي لا يجد لغته فوراً؛ هذه ليست عناصر تزيينية في السرد، بل أدوات مقاومة. فالتفصيل، في هذا الكتاب، ليس زخرفة واقعية، بل فعل تمرّد على الاختزال. كل تفصيل يُستعاد هو تذكير بأن الحياة لا تُختصر في شعار، وأن التجربة الفردية أعندُ من أن تُصاغ في بيان سياسي أو عقيدة مغلقة.

المنفى، كما يُقدَّم هنا، لا يُفهم بوصفه انتقالاً جغرافياً من مكان إلى آخر، بل بوصفه حالة ذهنية مستمرة، تنشأ حين ينكسر التوافق بين الفرد والمعنى الذي فُرض عليه. حتى بعد الاستقرار في أمكنة جديدة، يظل المنفى كامناً في الوعي، لأن الجرح لم يكن مكانياً في الأساس، بل أخلاقياً ومعرفياً. المنفى الحقيقي هو الشعور بأن اللغة التي تشرح العالم لم تعد كافية، وأن القوالب الجاهزة فقدت قدرتها على التفسير.

من هنا، لا تبدو الكتابة في هذا النص سعياً إلى الشفاء، ولا محاولة لاستعادة توازن مفقود. إنها فعل مقاومة ضد النسيان المنظَّم، وضد إعادة تدوير الحياة وفق مقاييس أيديولوجية مريحة. الكتابة هنا هي إصرار على إبقاء الذاكرة مفتوحة، غير مكتملة، وقابلة للقلق. وفي هذا القلق تحديداً تكمن قيمتها: لأنها تذكّرنا بأن الإنسان لا يُنقَذ حين يُطمأَن، بل حين يُسمَح له بأن يتذكّر دون وصاية.

ما الذي يبقى؟

لا يقدّم جورج منصور في كتابه "غيمري.. كدتُ أصبح إماماً" خلاصة جاهزة، ولا يسعى إلى إغلاق تجربته بجملة حكميّة تمنح القارئ وهم اليقين. على العكس، يترك النص أبوابه مفتوحة على فراغٍ محسوب، كأنّه يقول إن السيرة الحديثة لا تُكتب لكي تُطمئن، بل لكي تُقلق، ولا تُستعاد لكي تُحسم، بل لكي تُعاد مساءلتها بلا نهاية. ما يبقى، في النهاية، ليس حكاية مكتملة، بل أثرٌ معرفي وأخلاقي: شعور القارئ بأنه لم يقرأ سيرة ناجزة، بل شارك في تجربة اختبار طويلة، تتداخل فيها الذاكرة مع الشك، والاعتراف مع النقد، والحنين مع الخيبة.

قيمة هذا الكتاب لا تكمن في مادته السردية وحدها، بل في موقفه من المادة ذاتها. فهو لا يعرض الماضي بوصفه مخزوناً يمكن ترتيبه بسهولة، بل بوصفه مجالاً للتوتر المستمر بين ما حدث فعلاً وما نتمنى لو لم يحدث. لذلك، لا يتحوّل الاعتراف بالخطأ إلى جلد ذاتي، ولا يتحوّل كشف سوء الفهم إلى تبرير سياسي. الاعتراف هنا ليس فضيلة أخلاقية معلّبة، بل ممارسة معرفية قاسية: النظر إلى الذات بلا أقنعة، وإلى الأيديولوجيا بلا رهبة، وإلى الذاكرة بلا ثقة مطلقة.

في زمن تُختزل فيه السير الذاتية إلى منشورات سريعة، وإلى سرديات استعراضية تبحث عن التعاطف أكثر مما تبحث عن الحقيقة، يأتي هذا الكتاب ليعيد للسرد الواقعي ثقله الأخلاقي. إنه يذكّرنا بأن الحياة، حين تُكتب بصدق، لا تصبح أكثر وضوحاً، بل أكثر تعقيداً؛ وأن الإنسان، حين يواجه ماضيه بلا تزييف، لا يجد الطمأنينة، بل يجد سؤالاً جديداً يضاف إلى أسئلته القديمة.

ما يبقى، في نهاية المطاف، ليس إجابة، بل طريقة في النظر. ليس درساً جاهزاً، بل حساسية جديدة تجاه الذاكرة، تجاه الصداقة، تجاه الأيديولوجيا، وتجاه اللغة نفسها. بهذا المعنى، لا ينتهي الكتاب عند صفحته الأخيرة، بل يبدأ هناك: في اللحظة التي يدرك فيها القارئ أن السيرة ليست ما حدث فقط، بل الطريقة التي نختار بها أن نتذكّر ما حدث.

***

مروان ياسين الدليمي

 

كتاب الكتروني يحمل هذا العنوان، هوس القراءة، لكتاب ورقي لكاتب امريكي، مذكرات، عاشق للكتب ومهووس بالقراءة، وسرد ومصور لسيّر الكتب والكتّاب، ومطابق لقول شاعرنا الكبير ابي الطيب المتنبي، وخير جليس في الزمان كتاب. هذا الكتاب استنسخ، مسح الكترونيا ووضع بصيغة بي دي اف ووزع عبر الانترنت. اسم مؤلفه: جوزيف مارتن كوينن وترجمه عن الانجليزية الى اللغة العربية انس محمد غطوس ولا توجد في النسخة الالكترونية التي اقرا فيها معلومات عن دار نشر وطبعة وسنة النشر. ولكني حصلت على ما يغطي النقص هذا من تعريفات عنه في محرك البحث، جوجل: المؤلف: جو كوينن. تاريخ النشر: 2023. تصنيف الكتاب: الأدب والشعر,. الناشر: منشورات وسم الكويتية. عدد الصفحات: 322. الصيغة: غلاف ورقي. وهناك تعليقات اخرى كثيرة تختصر المحتوى والهدف والافكار وتعلق على سرد المؤلف ومزاجه في الكتابة.

الكتاب من ثمانية فصول، لكل منهم عنوان يثير الشوق لملاحقة ما بعده حتى النهاية. ويختصر المؤلف فيها، صفحات مذكراته، مع الكتب، والمكتبات، والكتّاب ايضا، والمؤلف اذ يكتب سياحة ثقافية في عالم الثقافة عموما والكتب خصوصا، في اكثر من بلد اوروبي، عاش فيه او درس في كلياته، خارج ولايته الامريكية، مثل كندا وفرنسا، حيث يغني القاريء باسماء الكتّاب والكتب، بمختلف اختصاصاتهم الابداعية ورأيه النقدي في كل منها. ولعل ما كتب المؤلف في كتابه عن سيرته الشخصية، مذكراته، مع الكتب والكتّاب، يذكر القاريء العربي بما يقوم هو الاخر به وكأن ثمة تشابهات او تكرارا للتجارب الثقافية، في كل مكان، قد لا تختلف كثيرا او تتقارب الى درجة استنساخ عملي، بين قاريء وكاتب امريكي ايرلندي الاصل، وقاريء من اقوام اخرى ولغات اخرى. اي يقع الحافر على الحافر، كما كتب نقادنا القدماء، وتلك الملاحظات تمنح الكتاب درجة ايجابية تتحرك فيها مساحات الثقافة والتبادل الثقافي وفضاءات المعرفة الانسانية والتجارب الشخصية لكثير من المهتمين بهذه الشؤون والممارسين لها.

مدمن قراءة للكتب منذ سنوات الطفولة، وطريقته في القراءة مختلفة مع نوع الكتب او ما يحصل عليه هدايا او يشتريها، ويسجل عليها تاريخ الشراء والمكان الذي اشتراه منه، مكتبة ومدينة، لتظل مؤشرات عنده لجولاته وزياراته وعلاقاته ومحتويات كل كتاب ومضمونه ليسجل له في المذكرات عن اول كتاب اشتراه، وباي لغة يقرا واي نوع هو الكتاب الذي كان بيديه، واسم مؤلفه.

يبدأ كتابه في السطر الاول من الفصل الاول بذكر المعدل الوسطي للقراءة للمواطن الامريكي اربعة كتب سنويا، ويراه اكثر من كاف، (واعادها ص 257) بينما يذكر في صفحة اخرى انه قرا حتى كتابة هذا الكتاب، خلال عمره، من ايام الطفولة، آلاف الكتب، الى ما يقارب ثمانية الاف كتاب، في تقدير اعلامي، وهذا هو سبب هوسه وجنونه في القراءة والكتب والمكتبات، في الشراء المباشر او الاهداءات بالمناسبات، حتى زوجته وابناؤه يسهمون في رفده بها، اضافة الى الكتاب والاصدقاء.

استمر في وصف اماكن قراءته، "أقرأ الكتب، كتب الخيال غالبا، لمدة ساعتين على الاقل يوميا، لكنني اقضي كذلك ساعتين اخريين كل يوم في قراءة الجرائد والمجلات" امارس القراءة في كل الاماكن المالوفة; بيتي، مكتبي، على متن القطارات والحافلات والطائرات، في الحدائق العمومية والخاصة، سبق لي كذلك ان قرات في اثناء عرض المسرحيات والحفلات ومباريات الملاكمة للمحترفين. ولم تكن قراءتي محصورة في فترات الفراغ، فقد غرقت بين دفتي كتاب خلال انتظاري صديقا سكيرا يستوفي احتجازه (في المخفر)، في غضون انتظاري اجراء عملية على غضروف ركبتي، وفي الفترة التي يقضيها احدنا منتظرا ان يستفيق شخص من غيبوبته، وخلال انتظاري "… في مواقف عديدة, يسردها جميعا (ص ص 7-8).

وعلق الكاتب، ان محبي الكتب ينخرطون في اجتماع خاص يحدث داخل غرفة ضبابية اثيرية، داخل ذهن القاريء. "ويشعر عشاق الكتب بان الكاتب يتحدث اليهم مباشرة عبر الصفحات المقروءة امامهم، بل انهم يشعرون بانه يرعاهم، يعتني بهم، ويبرئهم. انهم ينسون دوما بان الكاتب هو من يقدم لهم طقوس الشكر والامتنان" (ص 33).

وراى المؤلف ان "الكتب الورقية جليلة رفيعة، ولكنها ايضا "عميقة" تبلغ الحشا. ان منظرها مثير، كما انها مثيرة للعواطف، وهو ما يجعلها تشكل نظام توصيل مثالي. اما الكتب الالكترونية فهي مثالية للاشخاص الذين يفضلون المعلومة التي ببطن الكتاب على الكتاب في حد ذاته، اولئك يعانون مشاكل في البصر، اولئك الذين يقراون في المترو، اولئك الذين لا يريدون ان يرى الاخرون الطريقة التي يسلون بها انفسهم، او اولئك الذين يعانون من مشكل في التخزين او ضيق المساحة، لكنها تظل دون قيمة بالنسبة للاشخاص المنخرطين طوال حياتهم في علاقات عاطفية مكثفة مع الكتب، مع كتب نستطيع لمسها، كتب نستطيع شمها، وكتب نستطيع الاعتماد عليها في اوقات الشدة"(ص42). وانتقل الى استعراض قدراته في القراءة، فأكد انه يمتلك ذاكرة ممتازة تتيح له التوقف عن قراءة كتاب، ثم فتحه مجددا بعد ستة اشهر دون نسيان ادنى تفصيل ( ص86). ولا ينوي قراءة كتب في جلسة واحدة، مؤمنا بانه اصبح مدمنا لعادة بدء الكتب خلال طفولته، مقتنعا ان معظم الكتب، وخاصة التي الفها صحفيون تبتديء بفصلين جديين الى حد معقول متبوعين بفقرات طويلة من الحشو، ويرى ان المحررين يشجعون الكتاب على تركيز المضمون في مقدمة "البضاعة" (ن. ص). وكشف ان قراءاته للكتاب المشهورين اوصلته الى اماكن بعيدة، من بين من قرأ له الروائي العربي نجيب محفوظ، واخذته مغامرته الى بلدان واماكن بعيدة لم يحلم بها وانتهى المطاف بالقراءة لكتّاب من فنزويلا، الصين، السويد، الدانمارك، اليابان، الارجنتين، اثيوبيا، الشيلي، بلجيكا… بالاضافة الى دول اخرى(ص113).

رغم ذلك طرح في الفصل السابع، وعنوانه: اصوات اخرى، عرف آخر، اراء اخرى في هوس القراءة عموما، وفروض المدرسين وصلتها  بعدد الكتب التي يقراها  الامريكي في السنة الزمنية. واجرى استفتاءا لعدد من اصدقائه، ووضع بين الاسئلة عن القراءة وعدد الكتب وزمن قراءتها، ووجد ارتياحا مشتركا لحب القراءة والكتب والاهتمام بحفظها كما فعل هو في مكتبته وهوسه في القراءة. "لقد بدت الكتب للناس حقيقة ملموسة مثل باقي الاشياء في الحياة: الاكل، المسيرة المهنية، العلاقات، والرقص العصري.(اذا فقدت بصري، فلا اظن انه بمقدوري العيش بعد ذلك)، تقول محررة كتب شابة، ابتكر والداها خلال طفولتها نظام نسبة يشترط ان تجلس امام الطاولة للحديث الى اشخاص بالغين لفترة محددة من الزمن ليسمحوا لها بالذهاب للقراءة"(ص273).

في الختام انهى المؤلف الاوراق الاخيرة من الكتاب في جمع اكبر عدد من امثاله مادحي القراءة والكتب، مقتطفات تجمع اهمية القراءة والكتب، واضاف لها، "ان حياة القراءة التي وصفتها قد كانت في قمة الاثارة بالنسبة لي، لكنني اقر بأن الناس من طينتي  بهم خبل شبيه بخبل الحساد الحاقدين، بل ربما اكثر. لقد ابتكرنا طريقة للتعامل مع العالم تناسبنا، لكنها لن تناسب الجميع. ان حضور الكتب بين يدي، في بيتي، داخل جيوبي، وفي حياتي، سيكون اساسيا دوما لسعادتي" (ص 317). واعتبر القراءة "هي الطريقة التي يتبعها الجنس البشري في تاخير المحتوم، انها الطريقة التي نرفع بها قبضاتنا المشدودة في وجه السماء، ما دامت مشاريع القراءة الهائلة مبسوطة امامنا، فلا يمكن ان نلفظ انفاسنا الاخيرة، قل لملاك الموت ان يعود لاحقا، لانني لم انه بعد قراءة رواية (فيليت) (Villette لشارلوت برونتي)، وهذه في نظري اعظم هدية تمنحها الكتب للجنس البشري!!" (ص321).

ختم المؤلف رؤيته للقراءة والكتب والموقف منهما وتميزه في الاقرار في سعة الاطلاع وانتشار الثقافة ومتعة العيش في عالم يتطور ويتقدم امام الجميع، على جميع الاصعدة، ومن بينها القراءة، والكتب.

***

كاظم الموسوي

قراءة في أحدث كتب الدكتور عبد الجبّار الرفاعي

ليست مهمّة ميسّرةً أن يتناول المرءُ منّا كتاباً جديداً للدكتور عبد الجبار الرفاعي خارج سياق مشروعه الفكري الممتد؛ فالرجلُ لا يكتبُ كتباً منفصلة في موضوعاتها؛ بل ينسجُ نصوصه داخل أفق معرفي واحد، يتطوّر ويتحوّل، دون أن يتنكّر لجذوره الأولى. ما يميّزُ الرّفاعي في مساره الفكري خلال العقديْن الأخيرين هو مغادرته الواضحة لمنطقة (الأسلمة الثقافيّة)، وانتقالُهُ المتدرّج نحو فضاء أرحب، يشتغلُ على تفكيك الأنساق الثقافية والدينية والسياسية المتشابكة، وتحليل شروط إنتاج المعنى في المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة.

 الرّفاعي، بوصفه باحثاً متخصصاً في فلسفة الدين، لم يَعُدْ معنيّاً بإعادة إنتاج خطاب الوعظ أو الدفاع العقائدي أو المناظرات الفقهيّة أو الكلاميّة الكلاسيكيّة، بل بات ينهمِكُ في مساءلة العلاقة المعقّدة بين الدين، والسلطة، والهوية، والحداثة، والإنسان. صار يتعامل مع الموضوعة الدينيّة الإسلاميّة من بوّابة الأنساق الثقافيّة، وهذا ما تكشفه بوضوح كتبُهُ الأخيرة، التي تتقدّمُ خطوة بعد أخرى نحو تحرير الدين من سطوة الأدلجة القاسية، لا من خلال القطيعة بل عبر النقد المعرفي الهادئ، العميق، والمستند إلى علوم الإنسان الحديثة.

في هذا السياق، يأتي كتابه الجديد (الهوية في شِراك الأيديولوجيا) المنشور في (تموز/يوليو 2025)، بوصفه نصّاً إشكاليّاً بالمعنى الطيّب للإشكاليّة، يضعُ إصبعَهُ على واحدةٍ من أكثر القضايا حساسية في واقعنا العربي: سؤال الهوية، في الإطار الفلسفيّ العام وكذلك في نطاق الهويّة الوطنيّة. ليس من حاجة للقول أنّ سؤال الهوية الوطنيّة واحدٌ من أكثر الأسئلة المفصليّة المؤثرة في الحياة العراقيّة، حيثُ شهدنا وعشنا كيف يختّزّلُ هذا السؤال، ويُسيّسُ، ويُستعمَلُ وقوداً للصراعات الطائفيّة أو العرقيّة، بدلاً من أن يكون إطاراً جامعاً للحياة المشتركة.

الهوية: لماذا الآن؟

 ليست الهوية موضوعاً فكريّاً تجريديّاً يستوطنُ المثابات المغلقة، ولا ترفاً ثقافيّاً يمكن تأجيلُهُ. إنّها مسألةٌ شديدةٌ الحساسية والأهمية، لا سيّما حين تُطرَحُ اليوم من قبل باحث في فلسفة الدين، في زمن تتعاظمُ فيه محاولاتُ توظيف الدين ذريعةً لسياسات عابرة للحدود الوطنية، تتغذّى على تفكيك الدول، وإضعاف مفهوم المواطنة، واستبدال الإنتماء الوطني بهويات طائفية أو عرقية أو آيديولوجية مغلقة.

 ينطلق الرّفاعي من إدراكٍ براغماتي وأخلاقي في آن واحد: البراغماتيُّ يتمثّلُ في أنّ الهوية الوطنية ليست شعاراً بل شرطٌ من شروط جودة الحياة وطيب المعيش داخل الجغرافيا المسمّاة وطناً. دعونا نتصوّرْ ما الذي سيحدثُ مع أيّ محاولة للقفز على الهوية الوطنيّة، أو تهميشها، أو استبدالها بهويات فوق-وطنية (عابرة للوطنية) أو ما دون-وطنية؟ ستقترن بالضرورة بأشكال من العمل السياسي السيئ، والمضاد لمصالح المجتمع والدولة معاً. العيش المشترك للمواطنين لا يقوم على الفراغ، ولا على شعارات إنسانية عامّة، بل على رابطة عملية تنظّمُ علاقة المواطنين ببعضهم، وتمنحهُمْ شعوراً بالإنتماء إلى مصير واحد. نتذكّرُ في هذا المقام أنّ بعض المتأسلمين يُشكِلون على الهوية الوطنية العراقيّة ويرونها بعض انعكاس لجاهليّة لا تتفقُ مع شروط الإسلام الصحيح. هذه أدلجة إسلاميّةٌ خطيرة ومؤذية، وأظنّها كانت الدافع الأساسيّ الذي كتب الدكتور الرفاعي كتابه هذا من أجل تفنيدها ونقدها المُرّ لأنّها ستتخذُ من الإسلام وسيلة لتفكيك بلد ذي أرث مميز كالعراق. ثمّة وجهٌ آخر من أوجه النقد يرى في الهوية الوطنية معالم رمزية أو ميتافيزيقية. وماذا في ذلك؟ هل أن روح العصر Zeitgeist-التي عدّها الآباء المؤسسون الألمان جوهراً أساسيّاً للدولة الحديثة- تخلو من القيمة الميتافيزيقيّة؟ الجوهري في الأمر أن تظلّ الهوية الوطنية -وكذلك روح العصر- خاصية وظيفية لا غنى عنها لتأسيس جماعة سياسية قابلة للحياة، ندعوها شعباً يعيشُ في وطن بجغرافيا محدّدة.

 هذا لا يتناقض بالطبع مع عولمة الحس الإنساني، ولا مع التشارك البشري في القيم والمعضلات الوجودية. من العبث الخالص خلطُ المفاهيم والأفكار بعضاً ببعض. العالَمُ حتى اليوم لم يُنْتِجْ نموذج (المواطن العالمي Global Citizen) المُجرّد من توصيفاته الوطنية. العولمة لم تُخلَقْ لتكون بديلاً عن الدولة الوطنيّة بل لحسابات تعظيم أرباح الشركات العملاقة، وها هي اليوم تشهد إنحساراً كبيراً بعد أن إستوفت أغراضها. لم تزل الدولة الوطنية، بكلّ عيوبها، هي الإطار الواقعي الوحيد لضمان الحقوق، وتنظيم الواجبات، وحماية الكرامة الإنسانية.

 يمكن تبويب فصول الكتاب، على نحو واضح، في ثلاث مجموعات مترابطة:

 أولاً: تشكّلُ الهوية الوطنية وإشكالياتُها

في هذه المجموعة، يتناول الرفاعي الأساس النظريّ لمسألة الهوية بوصفها صيرورة تاريخية لا جوهراً ثابتاً. يناقش تشكّل الهوية الوطنية في سياق التحوّلات السياسية والإجتماعية، ويكشفُ كيف تتعرّضُ هذه الهوية للإختطاف حين تُسحَبُ من حقلها المدنيّ وتُزجّ في صراعات الآيديولوجيا. تضمّ هذه المجموعة الفصول الأربعة الأولى التي تتناولُ موضوعات: الهوية في حالة صيرورة وتشكّل، الهوية الوطنية في شِراك الآيديولوجيا، هوية الإنسان السياسية بوصفه مواطناً، مخاض تشكّل هوية وطنية عراقية.

 ثانياً: نقد الهوية المغلقة

وهي القلب النقدي للكتاب، حيث يقدّم الرفاعي تفكيكاً معمّقاً لما يسميه (الهوية المغلقة Closed Identity)، تلك الهويّة التي تتلاعب بالذاكرة، وتوظّفُ المعرفة، وتجهِضُ الفلسفة، وتبرّر انتهاك الكرامة والحرية بإسم الحق المطلق. هنا، لا يهاجمُ الرفاعي الهويّات الفرعية بذاتها بل ينتقد تحوّلها إلى أدوات إقصاء حين تُقدَّمُ على الوطن، وتُستعمَلُ لإلغاء مبدأ المواطنة المتكافئة. تضمّ هذه المجموعة الفصول الستّة التي تلي المجموعة الأولى، وتتناولُ موضوعات: الهوية المغلقة والمعارك على الماضي، الهوية المغلقة والعنصرية، الهوية المغلقة تتلاعب بالذاكرة، الهوية المغلقة تتلاعب بالمعرفة، الهوية المغلقة تجهِضُ الفلسفة، الهوية المغلقة والحق في الكرامة والحرية.

ثالثًا: الهوية في العصر الرقمي

في هذه الفصول، ينتقل الكتاب إلى رصد تحوّلات الهوية في ظل الثورة الرقمية، واغتراب الإنسان المعاصر، وتبدّل أنماط الإنتماء بما يفرضُ تحدّياتٍ جديدة على الدولة، والمجتمع، والثقافة.

 يتناولُ الرفاعي في فصول ثلاثة أخيرة من الكتاب موضوعة مستجدّة يتوجّبُ إغناؤها ببحوث معمّقة: العالم الرقمي وتأثيراته المتوقّعة في إعادة تشكيل الهويّة الوطنيّة. يتناول الرفاعي موضوعات: هويّة جيل الألفيّة الجديدة الرقمية، الهويّة في العصر الرقمي، إغترابُ الهويّة في العصر الرقميّ. هنا ينتقلُ السؤال المركزي من (كيف تؤدلجُ الهويّة؟) إلى (كيف تعادُ صياغة الهويّة رقميّاً؟). يلاحظ الرفاعيّ أنّ الأجيال الجديدة تتشكّلُ هويّاتها في فضاء رقميّ عابر للجغرافيا، حيث تتداخلُ الثقافةُ والإستهلاك والخوارزميّات، ومنصّات التواصل. لا يعني ذلك اختفاء الهوية الوطنيّة بل تعرّضها لأشكال جديدة من الإغتراب؛ حيثُ يُستبدَلُ الإنتماءُ العميق بتفاعلات سريعة، وصور رمزيّة، وولاءات عاطفيّة عابرة.

العراق بوصفه جرحاً مكشوفاً

تكتسب أطروحات الكتاب كثافة إضافية حين تُقرأ على ضوء التجربة العراقية. العراق، خلال العقود الأخيرة، قدّم نموذجاً صارخاً للكيفيّة التي يمكنُ بها تفكيكُ الهوية الوطنية عبر الطائفية السياسية، واستدعاء المظلومية وتوظيفها في المجال العام سياسيّاً وإقتصاديّاً، وتسليع الذاكرة عبر استثمارها في مراهنات مجتمعيّة مؤذية، وتحويل الوطن إلى غنيمة تتقاسمُها الجماعاتُ المتصارعة.

 لم يعد (العراق) حاضراً بوصفه رمزاً جامعاً في الوعي اليومي، ولا في الخطاب السياسي والإعلامي، بل تراجع لصالح هويات فرعية، تتغذّى على الخوف، وتنتعشُ في ظلّ هشاشة الدولة، وهو ما يجعل كتاب الرّفاعي، وإن لم يكن كتاباً سياسيّاً يعتمدُ الخطاب المباشر، أقرب لقراءة ثقافية عميقة لأزمة سياسية واجتماعية لم تُحلّ بعدُ.

 الهوية الوطنية والمواطنة

يؤكدُ الكتاب أنّ الهوية الوطنية لا تستقيم دون المواطنة، ولا معنى للمواطنة دون مساواة كاملة في الحقوق والواجبات؛ فحين يُنتقَصُ من حقوق المواطن بسبب دينه أو مذهبه أو قوميته تنهارُ فكرة الوطن ذاتها، ويتحوّل إلى كيان هشّ، قابل للتفكّك، وقريباً من مشروع وصفة جاهزة للإقتتال المجتمعي.

 الهوية الوطنية، حين تكون هي النصاب الجامع، تصبح ضامناً للعيش المشترك، وشرطاً للسلم الأهلي. أما حين يُستبدَلُ هذا النصابُ بهوية دينية أو عرقية أو مذهبية، فإن النتيجة تكون تمزيق النسيج الإجتماعي، وشرعنة الإقصاء، وتحويل الدولة إلى أداة بيد الغالبين.

خاتمة: نداء إلى الجيل الجديد

لن يخفى على القارئ أنّ الدكتور الرفاعي كتب هذا الكتاب بنبرة وجدانيّة أشدّ وطأة ممّا فعل في كتبه السابقة، وهو لم يسعَ لإخفاء هذه النبرة لأنّ ضميره المتألّم من واقع الحال العراقي الراهن هو ما أملى عليه ضرورة كتابة هذا الكتاب. يبلغ الرفاعيّ ذروته الوجدانية والفكرية في خاتمة مقدّمته للكتاب، حيث يوجّه نداءً عاطفيّاً مباشراً إلى الجيل الجديد، وقد تجاوز في ندائه هذا المقاربة التنظيريّة واستبدلها بلغة الخطاب الأخلاقي المسؤول:

 "أوصي الأبناء من الجيل الجديد: افتخروا بوطنكم العراق… العراق ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل كيان يسكن فينا كما نسكنه… الإنتماء إلى العراق لا ينبغي أن يكون شعاراً، بل شعورًا يتغلغل في الضمير… لا تخلطوا في وعيكم بين العراق الوطن الذي لا يموت، وبين ما مارستْهُ الأنظمة السياسية من استبداد وفساد… العراق أسبقُ من كل نظام، وأبقى من كل حاكم، وأرسخُ من كل سلطة لا تصدرُ عن إرادة العراقيين ولا تتجذّر في شعورهم الوطني."

 بهذا النداء، المكلّل بنبرة وطنيّة حماسيّة مؤثرة ومطلوبة كتذكرة للأجيال الجديدة، يختتم الرفاعي كتابه لا بوصفه باحثاً فحسب بل مثقفاً إنسانيّاً وأخلاقيّاً، يدرك أنّ إنقاذ الهوية الوطنية مسؤولية تاريخية، تبدأ من الوعي، ولا تنتهي إلا ببناء دولة المُواطنة.

***

لطفيّة الدليمي  - روائية عراقية

 

تشق سلسلة "إنسانيات" في مشروع "البحر الأحمر" طريقها للجمهور العربي بكتاب استفزازي، يحمل عنوانًا يشبه طلقة مدفع في صمت الليل "الغرب عدو العالم رقم 1". والمؤلف هو الفيلسوف واللاهوتي الفرنسي جان فرانسوا كولوزيمو، المترجم للمرة الأولى إلى العربية.

 الكتاب، بذاته وبمقدمته النقدية الحادة التي حررها الباحث عماد العادلي، ليس مجرد نص مترجم؛ إنه حقل ألغام فكري، ومحك لاختبار قدرتنا على التلقي النقدي الذي لا يقع في فخ الاستلاب ولا في وهدة القطعية الإيديولوجية.

يضعنا الكتاب منذ عتبته الأولى أمام مفارقة كبرى، هي أشبه بشرنقة يلفّ فيها المؤلف نفسه دون أن يدري. فهو يسعى إلى تفكيك الاستعمار الغربي وإرثه الثقيل، معترفًا بأن الغرب هو من صنع أشباحه الشرقية، وأن حقبة الهيمنة المطلقة قد أوشكت على الأفول. يصور أوروبا كـ "أسد عجوز منهك" تحيط به "ضباع" القوى الصاعدة، بينما يتخلى عنها الحليف الأمريكي في خسة. لغة درامية توحي بتفهم لمرارة الآخر واستشراف لزوال النظام العالمي الذي هيمن عليه الغرب ثلاثة قرون.

لكن الناظر عن كثب يكتشف أن القلب النابض لهذا النقد، هو ذاته القلب النابض للأنا الغربية المتعالية. إنه نقد ينبع من حَنين إلى زمن المجد الغابر، أكثر مما ينبع من تقييم أخلاقي موضوعي. فكولوزيمو، في محاولته تفنيد خطاب القوى الشرقية الراغبة في التخلص من الغرب، وإثبات جدوى وفائدة الغرب لها وللعالم، يقع في الفخ الذي حذر منه أدورنو محاولة تصحيح الخطأ بمنطق الخطأ ذاته.

هنا تكمن المفارقة الأشد عمقًا، كما يسميها مقدم الترجمة. فالغرب، في هذه الرؤية، يظل المرجع الأخلاقي والفاعل المحرك للتاريخ. هو الكائن الذي يفكر ويخطئ ويتوب، بينما يتحول الشرق والصين والعالم الإسلامي وغيرها إلى مجرد رد فعل، أو ظل يتحرك فقط عندما يسلط عليه الغرب ضوؤه. حتى رغبتها في التحرر والتقدم تقرأ من خلال عدسة الغرب: هل هي مفيدة له؟ هل تعترف بفضله؟ إنه ضرب من المركزية النافية للمركزية، حيث يصبح الاعتراف بالخطيئة وسيلة جديدة لإعادة تأكيد الذات، وكأن العالم بأسره مسرحٌ لدراما الضمير الغربي وحده.

إن كولوزيمو، بلاهوته وفلسفته، يقدم لنا نموذجًا حيًا لأزمة العقل الأوروبي في لحظة الانزياح المركزي. إنه عقل يعترف بالجريمة، لكنه يعجز عن تصور عالم تكون فيه المحكمة خارجة عن منظومته القيمية والقضائية. إن الحديث عن فائدة الغرب للعالم في القرن الحادي والعشرين هو استمرار لمنطق "العبء الأبيض" (The White Man's Burden) بلباس جديد. فالفائدة تقاس بمقاييس من؟ والتقدم يعرف بمعايير من؟ أليس هذا هو جوهر الاستعمار الثقافي فرض معيار وحيد للحضارة، ثم منح النفس حق تقييم مدى اقتراب الآخرين أو ابتعادهم عنه؟

الكتاب، بذلك، لا يخبرنا كثيرًا عن عداوة الغرب للعالم، كما يزعم عنوانه الصادم، بقدر ما يخبرنا عن أزمة الغرب مع ذاته. إنه يسرد قلق نخبة مثقفة ترى عالمها يتهاوى، وتحاول، في لحظة دفاعية، تحويل هذا الانهيار من سقوط إلى هبة، ومن هيمنة إلى خدمة. إنه خطاب الوداع الذي يحاول تحويل الرحيل إلى مشهد بطولي.

مشروع "البحر الأحمر" في ترجمة مثل هذا العمل، وتقديمه بهذا الدرجة من النقد والوعي، هو عمل جريء وضروري. فهو لا يضع بين أيدينا الحقيقة جاهزة، لكنه يضع بين أيدينا السجال في أعلى مستوياته. يذكرنا أن الترجمة ليست نقل كلمات، بل هي إدخال لنا في معمعة الصراع الفكري العالمي. والكتاب، رغم تناقضاته، مهم لأنه يضعنا أمام مرآة نرى فيها صورة الغرب كما يرى نفسه في لحظة ضعفه: مرآة مشوهة، تخلط بين النقد والنرجسية، بين الاعتراف بالآخر واستعادته كمشروع ذهني.

ختامًا، "الغرب عدو العالم رقم 1" ليس كتابًا عن الغرب فحسب، لكنه  اختبار لنا. اختبار في قدرتنا على قراءة ما بين السطور، وعلى تفكيك خطاب القوة حتى حين ينتقد نفسه. وهو يدعونا إلى أن نصنع خطابنا التحرري لا كرد فعل غاضب أو ممتن، كفعل تأسيسي ينطلق من رؤيتنا لذاتنا وللتاريخ وللعالم، مستقلاً عن حاجة الدفاع أو الهجوم. فالحضارات لا تبنى بانشغالها الدائم بمركزية الآخر، حتى وهي تتهاوى، إنما بقدرتها على استعادة مركزية وجودها الإنساني الخلاق. وهذا ربما هو التحدي الحقيقي الذي ترمي إليه "سلسلة إنسانيات" من وراء هذه الباكورة الفكرية الثقيلة.

***

عبد السلام فاروق

كتاب "كأنّي لم أذهب بعيدا" للكاتب رجا زعاترة، الصّادر في (288) صفحة وخمسة فصول، هو مرافعة أدبيّة ووثيقة تقتفي أثر الشّاعر الكبير محمود درويش في جغرافيا الذّاكرة بين حيفا والجليل، وتتجلّى العودة بين سطوره كأنّها ولادة تتحقّق على دفعات، تكتمل بها دائرة المنفى وتتصالح فيها الذّات مع مرجعيّاتها الأولى، كاشفة عن حيفا كمختبر لصهر وعي الشّاعر وملاذ ظلّ يسكنه. ومن خلال الحوارات والمقالات المضمّنة، يبرز درويش شاعرا إنسانيّا يرفض الانحباس في القوالب الرّمزيّة الضّيّقة، منتصرا لجماليّة الإرادة في وجه محاولات المحو والتّهميش.

أمّا توثيق وشائج الوفاء الّتي ربطته برفاق الكلمة والموقف؛ كسميح القاسم، توفيق زيّاد، إميل حبيبي، وفدوى طوقان، فتعيد صياغة مفهوم "أدب المقاومة" باعتباره كلّ إبداع جماليّ، ينحاز للحريّة ويدافع عن إنسانيّة الفلسطينيّ.

سأستعرض بإيجاز ملخّصا لما ورد في صفحات هذا المؤلَّف، علما أنّ هذه الإطلالة لا تغني عن قراءته.

يتتبع الكتاب المسارات العميقة لخطوات درويش بين ثنايا الذّاكرة والحنين، مستعيدا حيفا ككيان حيّ، أعاد ترتيب وعي الشّاعر وبلورة هويّته الإنسانيّة؛ لينقلها من حيّز الارتهان للذّكريات إلى مرساة وجوديّة تتجذّر فيها الذّات، محوّلا إيّاها في مدار الشّاعر من جغرافيا مسلوبة إلى منارة روحيّة تؤثّث منفاه بالمعنى، وتمنح غربته وطنا من اليقين.

يفتتح زعاترة الكتاب بمقدّمته (ص13)، يتحدّث عن مسيرة درويش وعودته إلى حيفا عام (2007م) كلحظة تماهٍ وجوديّ وثقافيّ.

يستعرض دلالات حيفا في وعي الشّاعر، من حيث هي جوهر الحكاية، وخزّان للهويّة والذّاكرة، ومختبر لنضجه الفنّيّ الّذي وازن فيه بين العامّ والخاصّ، مؤكّدا تجسيد هذه العودة لانتصار الأمل، وإثباتها لالتصاق جذور الشّاعر بتراب الكرمل طوال سنوات غيابه.

في مقالة أخرى لزعاترة (ص 223)، يستحضر الصّراع الوجدانيّ لمحمود درويش، الّذي ظلّ يرى في حيفا ترياقا يغسل روحه من أوزار الغربة، مبيّنا أنّ المدينة استوطنت كيانه كإرث لغويّ خالد، وظلّت ضرورة وجوديّة لا يملأ فراغها المنفى.

تحت عنوان: "لا أتمنّى نهاية أعلى وأجمل وأكمل" (ص 17)، يعلن درويش تمسّكه بالأرض كبرهان حيّ، منتصرا لثقافة الحياة في وجه الموت، ومحذّرا بمرارة من انكسار المعنى وتشويه الهويّة، ليخلص في النّهاية إلى أنّ دور الشّاعر في زمن المحنة هو لملمة شظايا الواقع وإعادة صياغته، وصون الذّاكرة الجمعيّة. وفي حوار يفيض بالشّجن والعمق المعرفيّ (ص 25)، يختزل علاقته بمدينة حيفا الّتي صقلت وعيه الثّقافيّ والسّياسيّ، ويطرح رؤية فلسفيّة حول كتابة المكان وتثبيته في اللّغة، مقابل محاولات الطّمس والتّغييب.

يشرح ثنائيّة الوطن والمنفى، مبرهنا على أنّ الحداثة الشّعريّة تكمن في قدرة النّصّ على عبور الزّمن، من خلال المزاوجة بين المهارة الفنّيّة والارتباط بالواقع، ومشدّدا على أنّ بقاء القصيدة رهن لبطاقتها الجماليّة.2274 sabah

في حوار آخر مع الصّحفيّة "داليا كاربيل" (ص 55)، يعبّر درويش عن مشاعر متناقضة تسبق عودته إلى حيفا، يتناول بعض القضايا، مقدّما رؤية سياسيّة قاتمة للواقع الفلسطينيّ، يتحدّث عن طفولته وعاداته الكتابيّة، موضّحا أنّ شعوره أمام عظمة الشّعر العالميّ هو المحرّك لإبداعه، وقدرته على ابتكار الأمل بالاستعارات. في مقالة وردت في الصّفحة (71) للكاتب أنطوان شُلحَت، يقول فيها: إنّ أمسية درويش في حيفا هي استحقاق تاريخيّ، حيث يفنّد الانتقادات الّتي حاصرت الحدث، ويرى أنّ احتفاء الجماهير بشاعرها هو حقّ إنسانيّ.

في السّياق ذاته، ينبري الصّحافي هشام نفّاع (ص 75) لدحض الانتقادات الموجّهة للأمسية، مقوّضا دعائمها برؤية نقديّة، ومدافعا عن دور القوى المنظّمة لها، ومستشهدا بالإقبال الجماهيريّ؛ كدليل على أنّ الزّيارة هي تلبية لنداء القلوب. وفي الصّفحة (78)، تستقرئ الدكتورة سارة لزار هذه الزّيارة؛ كتجسيد للعلاقة الوثيقة بين فلسطينيّي الدّاخل وسائر أبناء شعبهم.

أمّا في الصّفحة الواحدة والثمانين، فيحتفي النّائب أيمن عودة في كلمته بعودة محمود درويش إلى حيفا، رائيا فيها لقاءً وجوديّا، يجمع بينه وبين جمهوره، الّذي لم ينسَ يوماً أنّه خرج من رحم معاناتهم؛ ليغدو حضوره أكثر رسوخا ووضوحا، واحتضانا تاريخيّا دافئا بين الابن العائد وأهله.

في كلمته، يفسّر البروفيسور رمزي سليمان (ص 85) تجربة درويش بين الذّات الخاصّة والذّات العامّة، معتبرا مسيرته كفاحا مستمرّا لحماية صوت الشّاعر من هيمنة الصّوت الجمعيّ والسّياسيّ. ويصف شربل عبّود (ص 89) أمسية حيفا بأنّها عيد شعريّ، مثّل عودة القصيدة إلى حميميتها وينابيعها الأولى على سفح الكرمل.

في حوار خاصّ (ص 95) مع المفكّر محمّد دكروب، يؤكّد درويش أنّ شعره أداة نضاليّة تحوّل مفردات الأرض؛ كالزّيتون مثلا والزّعتر والسّنابل، إلى رموز للمقاومة والصّمود، جاعلة من التّفاصيل البسيطة مواقف حضاريّة عميقة، وإلى رموز وجوديّة، تعكس التحامه بقضيّة شعبه.

أمّا الفنّان عبد عابدي، فيستحضر (ص 123) الذّاكرة المشتركة الّتي جمعته بدرويش في حيفا مطلع الستّينيّات؛ ويسرد تفاصيل علاقته الشّخصيّة بالشّاعر ومحاولته لتوثيق ملامحه عبر "بورتريه"، مبرزا التّلاحم بين ريشة الفنّان وقصيدة الشّاعر في مواجهة الواقع، ومستذكرا بدايات تشكّل الوعي الإبداعيّ الّذي جعل من حيفا منطلقا للتّواصل الثّقافيّ.

كما يصفه أحمد الطّيبي (ص 127) صائغا للوجدان الفلسطينيّ في زمن التّيه والشّتات القسريّ، كاشفا عن جوانب من شخصيّته الّتي تماهت مع الجغرافيا الفلسطينيّة؛ فكان في رام الله مفكّرا رزينا، وفي القدس صوتا لجرحها، وفي الجليل عائدا إلى ينابيع لغته الأولى.

يستعرض السّياسيّ محمّد بركة (ص 131) كيف حوَّل درويش سحر حيفا إلى قصيدة، يتطرّق إلى المحطّات الشّعوريّة الأخيرة في حياته، مستحضرا مشهد عودته المهيبة، حيث امتزجت براءة الطّفولة بزهو الشّاعر وهو يغلق دائرة الحنين بلقاء رفاق الدّرب، كما يسلّط الضّوء على ملامح شخصيّته الّتي ترفض الهزيمة والانكسار.

نعثر على مرثيّة باذخة، تجمع بين جلال الوداع وعمق التّحليل النّقديّ (ص 138)، يرثي فيها درويش فدوى طوقان، واصفا إيّاها بالشّاعرة الّتي طوت جسدها الهشّ في قصيدتها؛ كفراشة في وردة. وفي خطاب وداعيّ مؤثّر (ص 145)، يرثي رفيق الكلمة والموقف إميل حبيبي، مجسّدا في شخصه أيقونة الصّمود الّذي اختار أن يكون باقيا في حيفا حيّا وميّتا. وبمرثية نضاليّة أخرى تقطر وفاءً (ص 165)، ينعى رفيقه توفيق زيّاد، واصفا إيّاه بآخر أصوات العاصفة، ومؤكّدا أنّه رحل صامدا على مبادئه.

في خطاب آخر يتّسم بالحمولة الوجدانيّة (ص 169)، يعلن من قلب النّاصرة أنّ كيّنونته الشّعريّة والإنسانيّة لا تستقيم إلّا بالالتحام بعناصر تكوينها الأوّل؛ "الأرض واللّغة"، وأنّ صوته الفرديّ هو مرآة للهمّ الجماعيّ. وتكملة لمشهد العودة هذا وما رافقه من مواقف، يرحّب رامز جرايسي بحفاوة (ص 177) بعودة درويش، يبيّن في خطابه دوره كرمز أدبيّ وإنسانيّ، وثائر اختزل الفنون في لغته الشّعريّة؛ ليحمل همّ الوطن والحقّ الأصيل في العيش بحريّة وكرامة.

ثمّ نقرأ عن مراسلات درويش مع سميح القاسم (ص 199)، الّتي يعبّر فيها عن لوعة الاغتراب وحلم الاستقرار. ومن باريس عام (1986م)، يصرخ برفضه للمنفى، يتشبّث بحقّ العودة، ويختم رسالته بتساؤل عن مكانه المفقود حتّى في الموت.

في ردّ يفيض بالحبّ والعتاب والمشاكسة الأخويّة (ص 206)، يتلقّف القاسم رسائل رفيقه محوّلا إيّاها إلى منصّة لترميم الذّاكرة؛ حيث يستحضر بوجع وشجن ذكريات البدايات في الرّامة وحيفا، ويشخّص مفارقة الثّنائيّة بينهما بذكاء.

(ص 216) نجد مقالة للكاتبة عبير حيدر، تكثّف فيها رمزيّة حيفا في وجدان محمود درويش بكونها قلبه المكانيّ، ومحفّز وعيه السّياسيّ والإبداعيّ، وهي مسرح البدايات ومنبت الحبّ والصّداقات الأدبيّة، والذّاكرة الّتي ظلّت عصيّة على النّسيان.

في صفحات أخرى من الكتاب، يفكّك درويش جدليّة المنفى والولادة، معتبرا المنفى اقتلاعا من تفاصيل الحياة البسيطة؛ ليتحوّل الحنين لديه من عاطفة ذاتيّة إلى وعي فلسفيّ، يجعل من المكان وحده مثبّتا للوجود. وفي مقال فارق (ص 275)، يرى إميل حبيبي أنّ رحيل درويش إلى القاهرة عام (1971م) قضيّة عامّة، تتجاوز القرار الشّخصيّ؛ لتكشف عن عمق المأساة الّتي كابدها المثقّف الفلسطينيّ.

وبعد.. يخلص هذا الكتاب إلى أنّ شاعرنا لم يغادر وطنه إلّا ليعود إليه عبر وطن اللّغة، منوّها بأنّ سيادة الشّاعر على المكان تبدأ من سيادته على كلماته، وأنّ صمود الباقين في أرضهم هو البرهان الأنصع على انتصار الذّاكرة.

بذلك، نستجلي كيف أضحى وطن اللّغة ملاذا أخيرا ومعقلا حصينا، استبقى ملامح الشّاعر وتفاصيل ذاكرته نائية عن النّسيان؛ لتبقى حيفا هي المنارة الّتي لم تخطئها قصائده، مهما نأى به الغياب عن ثراها.

***

صباح بشير

 

لا يخفى على دارسي التاريخ أن المنهج هو روح العمل التاريخي، وهو الذي يحدد قيمته ومكانته بين الدراسات. وعندما نطالع كتاباً صدر في الربع الأول من القرن العشرين مثل كتاب محمد عبدالله عنان "تاريخ المؤامرات السياسية وتطوراتها الاجتماعية والقانونية"، فإننا لا نحاكمه بمنطق زماننا، بقدر ما نحاول أن نفهم سياقه الفكري والمنهجي، ونقف على القيمة التي أضافها إلى المكتبة التاريخية العربية في عصره.

يقدم عنان في هذا الكتاب، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1928، جرأة موضوعية ومنهجية لافتة. فاختيار موضوع "المؤامرات السياسية" بحد ذاته يمثل خروجاً على المألوف في الكتابة التاريخية العربية آنذاك، التي كانت لا تزال أسيرة السرد السياسي التقليدي، أو السير الذاتية للقادة والملوك. إن نظرة المؤلف إلى التاريخ من خلال هذه الثغرات المظلمة، والدوافع الخفية، والخيوط التي تحاك في الخفاء، تكشف عن محاولة جادة لفهم أعمق لآليات تغير المجتمعات وتحولات الأنظمة.

واللافت في عنوان الكتاب إدراج المؤلف لتطورات هذه المؤامرات "الاجتماعية والقانونية". فهنا تتجلى بصيرة المؤرخ الذي يرى أن الحدث السياسي لا يعيش في فراغ، بل هو ابن بيئته الاجتماعية، وأن رد الفعل عليه لا يقتصر على المواجهة العسكرية أو السياسية، لكن يمتد إلى التشريعات والقوانين التي تسن لمواجهته. إنه يربط، ولو بشكل أولي، بين البنى الفوقية (السياسة والقانون) والبنى التحتية (الاجتماع والاقتصاد)، في إشارة منهجية سبقت انتشار هذا المنهج في الكتابة التاريخية العربية لاحقاً.

يغطي الكتاب حقب زمنية شاسعة "من أقدم العصور إلى أحدثها" في 280 صفحة فقط، مما يدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة هذا المشروع. هل هو محاولة لتقديم نظرية شاملة للمؤامرة في التاريخ؟ أم هو سرد لوقائع مختارة لتأكيد فكرة مسبقة؟ يبدو أن عنان، رحمه الله، كان يسعى إلى التأريخ لظاهرة، أكثر من سعيه إلى بناء نموذج تفسيري مغلق. فهو ينتقي من التاريخ العالمي، لا العربي والإسلامي فحسب، أمثلة تؤكد أن المؤامرة كانت محركاً خفياً لكثير من الأحداث الجسام.

غير أن هذا المنهج، رغم إبداعيته في زمانه، يحمل في طياته إشكالية منهجية كبرى. فتركيز المؤرخ على "المؤامرة" كعامل محوري قد يدفع به أحياناً إلى تبني رؤية اختزالية للتاريخ، تخضع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العميقة لإرادة مجموعة من الأشباح القابعين في الخفاء. وهي نظرة قد تغفل الحتميات التاريخية الأوسع، وتقلل من شأن دور الجماهير والطبقات الاجتماعية في صنع تاريخها. صحيح أن عنان حاول تفادي هذا الفخ بالإشارة إلى التطورات الاجتماعية والقانونية، لكن ثقل فكرة "المؤامرة" في بناء الكتاب يظل طاغياً.

أما من الناحية الوثائقية، فمن الصعب الحكم على مدى توثيق الكتاب دون العودة إلى هوامشه ومراجعه. لكننا نثق في أمانة عنان المعروفة، وفي تمكنه من اللغات ومصادر التاريخ المختلفة. ومع ذلك، فإن طبيعة الموضوع نفسه، "المؤامرات"، تجعل الوصول إلى الحقيقة التاريخية الكاملة ضرباً من المستحيل، إذ قلما تسجل أسرار المؤامرات في وثائق رسمية يمكن الرجوع إليها، مما يضطر المؤرخ إلى الاعتماد على روايات قد تكون مشبوهة أو ملغومة بأجندات معاصرة لها.

يظل كتاب "تاريخ المؤامرات السياسية" لمحمد عبدالله عنان عملاً رائداً يستحق القراءة والتأمل. فهو يمثل مرحلة مهمة من تطور الوعي التاريخي العربي، حيث بدأ المؤرخون في الخروج من دائرة السرد التقليدي إلى محاولة فهم الآليات والأنماط. وهو كتاب لا نقرأه اليوم للحصول على حقائق تاريخية نهائية، بل لنتفهم كيف كان مفكر عربي في عشرينيات القرن الماضي يحاول فك شفرة التاريخ، مستخدماً أدوات عصره ومحدوديتها. إنه شاهد على جيل كان يبحث عن تفسيرات لأزمات الحاضر في دهاليز الماضي، تماماً كما نفعل نحن اليوم.

إذا كان الجزء الأول من هذا المقال قد انصب على الإطار العام لكتاب الأستاذ محمد عبدالله عنان "تاريخ المؤامرات السياسية"، فإن استكمال هذا التحليل يقتضي منا الغوص في أكثر من سياق، والسياقات هنا متشابكة: سياق المؤلف بصفته رائدا من رواد الكتابة التاريخية العربية الحديثة، وسياق الزمن الذي كتب فيه الكتاب (عقد العشرينيات)، وسياق تلقي الكتاب اليوم.

أولاً: عنان المؤرخ في مرحلة التأسيس

لا ينفصل هذا الكتاب عن المشروع الفكري لمحمد عبدالله عنان ككل. فالناظر في مؤلفاته الأخرى، مثل "تاريخ الجمعيات السرية" و"المؤامرات والمحافل الماسونية في البلاد العربية" و"مصر الإسلامية وتاريخ الخطط المصرية"، يجد أن الرجل كان مهووساً، إن جاز التعبير، بفكرة القوى الخفية والتدفقات السرية للتاريخ. هذا الهوس ليس عيباً في منهجه بقدر ما هو تعبير عن روح العصر الذي عاش فيه. فالعالم العربي في تلك الفترة كان يعيش حالة من التفتت والبحث عن تفسيرات لانهيار الخلافة العثمانية ووقوع معظم الأقطار العربية تحت الاحتلال الأوروبي. في مثل هذا المناخ، تنتعش النظريات التي تبحث عن "يد خفية" وراء الأحداث الكبرى، وتجد في المؤامرة تفسيراً جاهزاً لتعقيدات الواقع.

ثانياً: السياق التاريخي والهاجس القومي

إن صدور الكتاب عام 1928، أي بعد ست سنوات فقط من إلغاء الخلافة الإسلامية وإعلان مصر دولة مستقلة اسمياً عام 1922، يضفي عليه بعداً سياسياً ملحاً. كان عنان، ككثير من المثقفين المصريين والعرب في تلك الحقبة، يحاول فهم آليات السيطرة الاستعمارية الجديدة، التي لم تكن عسكرية فحسب، بل كانت تعتمد على شبكات معقدة من النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي. من هذا المنطلق، يمكن قراءة الكتاب ليس كعمل أكاديمي محض، إنما كمساهمة في كشف آليات الهيمنة، ومحاولة لتسليح القارئ العربي بفهم أعمق للعبة السياسية الدولية، التي رأى فيها كثيراً من المؤامرات المحكمة.

ثالثاً: إشكالية المفهوم وتأويل التاريخ

هنا تبرز الإشكالية المركزية: أين يقع الخط الفاصل بين "التفسير" التاريخي القائم على تحليل العلاقات والصراعات، وبين "نظرية المؤامرة" التي تختزل الأحداث في خطط دبرها أفراد أو جماعات سرية؟ يبدو أن عنان، في سعيه لملء الفراغ التفسيري في التاريخ العربي التقليدي، وقع أحياناً في فخ المبالغة في دور "المؤامرة". فهل يمكن، مثلاً، تفسير سقوط الدولة العباسية أو نهاية الحكم العربي في الأندلس بمجموعة من المؤامرات فقط؟ أم أن هناك عوامل بنيوية أعمق، كالتدهور الاقتصادي، والصراعات الطبقية، والتغيرات المناخية، وتراجع النظم الإدارية، هي الأجدر بالدراسة والتحليل؟

الخطر المنهجي هنا هو تحويل "المؤامرة" من مجرد ظاهرة تاريخية موجودة وحقيقية، إلى مفتاح تفسيري وحيد وشامل. هذا ما يجعل بعض أجزاء الكتاب، من منظور منهجي معاصر، تبدو وكأنها تقدم تاريخ النخب والصراعات داخل القصور، متجاهلة تاريخ المجتمع وسيروراته الذاتية.

رابعاً: قيمة الكتاب التراثية والإبستمولوجية

رغم هذه المآخذ، يظل للكتاب قيمته الكبيرة بوصفه وثيقة على تطور الفكر التاريخي. فهو يمثل لحظة انتقالية حاول فيها المؤرخ العربي التحرر من نزعة "الوعظ والإرشاد" التي طغت على كتابات السابقين، والانتقال إلى مستوى التحليل العلمي للظواهر السياسية، حتى لو كان هذا التحليل لا يزال في مراحله الأولى. لقد قدم عنان للقارئ العربي تاريخاً "مشكوكاً فيه"، تاريخاً لا يقدم الأبطال والقديسين، بل يقدم البشر بضعفهم ومطامعهم ومكائدهم. إنه تاريخ من أسفل القمة، إذا جاز التعبير.

وفي الختام فإن "تاريخ المؤامرات السياسية" لمحمد عبدالله عنان هو أكثر من كتاب في التاريخ؛ إنه رحلة في عقلية مثقف عربي في مرحلة ما بين الحربين العالميتين. قراءتنا له اليوم يجب أن تكون قراءة نقدية، نأخذ منها روح المغامرة الفكرية والجرأة في طرح الأسئلة المحرمة، ونحذر في الوقت نفسه من منهجية الاختزال التي قد تسقط في فخ التبسيط. إنه تراث فكري نتعلم منه كيف نقرأ التاريخ، وأحياناً، كيف لا نقرأه. وهو يذكرنا بأن مهمة المؤرخ هي، قبل ذلك وبعده، نقاش المنهج نفسه.

***

د. عبد السلام فاروق

في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص المعاني، وتزدحم فيه المنابر بالكلام الفائض عن الحاجة، يظلّ بعض البشر يشبهون الاستثناء الهادئ، لا يُعرَفون بالضجيج، بل بالأثر. من هؤلاء، تعرّفتُ—لا وجهاً لوجه، بل عبر ذلك الخيط الإنساني الشفيف الذي يُسمّى الصوت إلى المفكّر والفيلسوف العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي. كان التعارف بوساطة صديق العمر، البروفيسور علاء الحلّي، في اتصالٍ هاتفيٍّ بسيط في شكله، عميقٍ في أثره، كأنما أُريد له أن يكون دليلاً على أن الأرواح المتقاربة لا تحتاج إلى مصافحة كي تتعارف.

لم ألتقِ الدكتور عبد الجبار شخصياً حتى اللحظة، لكنني سمعتُه. وكم من صوتٍ يكشف لك عن معدن صاحبه أكثر مما تفعل الملامح. كان صوته دافئاً، مهذباً، مشبعاً بتواضعٍ نادر، يوحي بأن صاحبه بلغ مرحلة من الصفاء تجعله يختار العزلة الواعية لا هرباً من الناس، بل حفاظاً على المعنى. أحسستُ، وأنا أستمع إليه، أنه من أولئك الذين تصالحوا مع الكتاب بوصفه الرفيق الأوفى، واكتفوا بالقراءة والكتابة عن اللهاث وراء المنتديات واللقاءات التي تستهلك الروح أكثر مما تغذّيها.

هذا الإحساس لم يكن غريباً عني؛ فقد وجدتُ نفسي، متأخراً أو مبكراً، أسير في الطريق ذاته: طريق الاكتفاء بالكتاب، وبالكتابة بوصفها فعلاً وجودياً، نصنع بها عالماً موازياً، نودع فيه ما يجيش في الصدور من أفكار وعواطف وأسئلة. عالمٌ يمنحنا قدراً من الاستقرار النفسي، ويحمينا قدر الإمكان من ضجيج الناس وضجيج الجهالة المتفشية.

نحن نعيش مفارقة قاسية: العالم من حولنا يقفز قفزات هائلة في الذكاء الاصطناعي والتقنيات الخارقة، فيما ينكفئ مجتمعنا العراقي، ومعه جزء واسع من العالم الإسلامي، إلى منحدرات مخيفة من الجهل والخرافة. عودة محمومة إلى معتقدات بالية، وإحياء لأسئلة استُهلِكت تاريخياً، وجدالاتٍ عقيمة لا تنتج معرفة ولا أخلاقاً، بل مزيداً من الانقسام والتشظي. في هذا السياق المأزوم، تبدو مشاريع التنوير الحقيقية أشبه بمحاولات إنقاذ أخلاقي وفكري، لا ترفاً ثقافياً.

من هنا، لم يكن تواصلي المتكرر مع الدكتور عبد الجبار الرفاعي وذلك في أواخر عام 2025 مجرد تواصل عابر، بل تقاطع همٍّ معرفي. حين طلبتُ منه أن يرشّح لي أحد كتبه لأقوم بقراءته صوتياً ونشره عبر قناتي «حواريات الطب والأدب» على اليوتيوب، لم يتردّد، واختار لي كتابه الأول (الدينُ والظمأ الأنطولوجي)، الكتاب الذي يشكّل عتبة مشروعه الفكري كلّه. سارعتُ إلى قراءته كاملاً، وتسجيله بصوتي، ونشره ليكون متاحاً للجميع، فكان منه كعادته كرمٌ آخر، إذ شارك الرابط مع أصدقائه في مختلف أنحاء العالم، وكأن المعرفة لديه لا تُختَزن، بل تُتداول.

وأنا أقرأ هذا الكتاب، كنت أستعيد سيرة رجلٍ لم يولد في رفاه الفكر، بل عبر محطات قاسية: الفقر، ثم الغياب المبكر عن العالم في الطفولة، ثم الظلمة الأشد حين انخرط في دهاليز الأحزاب والسياسة والإسلام السياسي. لكنه، بخيارٍ شجاع، خرج مبكراً من تلك المتاهة، وعاد إلى ذاته، ليؤسس مشروعاً تنويرياً يطمح إلى تحرير الدين من أقفاصه التقليدية، وإخراجه من القراءة الكلاسيكية المغلقة إلى أفق أنساني أرحب، هو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

هذه المقدمة ليست قراءة نقدية بعد لأنني لستُ ناقداً، ولا حكماً معرفياً لأنني لستُ حاكماً، بل شهادة إنسانية أولاً، واعتراف بفضل كتابٍ وصاحبه ثانياً. هي تحية من قارئٍ وجد في هذا العمل ما يستحق التوقّف والتأمل، وما يدفعه لأن يكتب، لا من موقع الادّعاء، بل من موقع الامتنان، قبل أن ينتقل في الصفحات التالية إلى ما تبادر إلى ذهنه وقلبه وهو يطوي صفحات هذا الكتاب، صفحةً بعد أخرى.

في "الدين والظمأ الأنطولوجي" لا يكتب عبد الجبار الرفاعي سيرةَ ذاتٍ بقدر ما يكتب سيرة العطش الإنساني، ذلك العطش الذي يتخفّى في تفاصيل الحياة الأولى، ويصعد ببطء من الطين والقصب والحرمان، ليصير سؤالًا فلسفيًا عن المعنى، والوجود، والله، والإنسان. ما يفعله في الفصلين الأول والثاني ليس استرجاعًا للماضي، بل تفكيكٌ لجذور الكينونة، وكأن الذاكرة هنا أداة تأويل لا حنين.

في الفصل الثاني، لا نتعرّف إلى الطفل بوصفه فردًا، بل بوصفه كائنًا منسيًا داخل شروط قاسية: فقر، اغتراب عشائري، حرمان من اللعب، وطفولة بلا طفولة. هذه ليست سردية مظلومية، بل كشف مبكّر عن كيفية تشكّل الحساسية الأخلاقية؛ كيف يولد الانحياز للمقهورين من غربةٍ أولى، وكيف يتحوّل الجرح إلى وعي، لا إلى حقد. الرفاعي لا يدين القرية، ولا يجمّلها؛ يراها كما هي: مكانًا مزدوجًا، ينتج القسوة كما ينتج النبل، ويصوغ الإنسان في صمتٍ ثقيل.

اللافت أن الظمأ هنا ليس دينيًا بمعناه التقليدي، بل ظمأ وجودي سابق على العقيدة الدين في هذا النص لا يُقدَّم كمنظومة أحكام، بل كخبرةٍ حيّة تتجسد في الأم: في تسبيحها الفجري، وفي رحمتها التي تسبق الغَيرة على الله، وفي أخلاقيتها الصامتة التي تُعلِّم دون خطاب. من هذا التدين الأمومي الشفيف يتشكّل إيمان لا تهزّه الأسئلة الفلسفية، لأنه لم يُبنَ على الجدل، بل على الطمأنينة. هنا يصبح الدين مكوِّنًا أنطولوجيًا، لا قشرة ثقافية ولا هوية اجتماعية.

وحين يلجأ الكاتب لاحقًا إلى الإسلام السياسي، نفهمه بوصفه بحثًا عن مأوى، لا عن سلطة؛ عن هوية بديلة تحمي من غربة المكان، قبل أن ينكشف زيف الوعد، وتُضاف غربةٌ أخرى: الاغتراب عن الذات. هكذا تتراكم طبقات النسيان: نسيان الإنسان في الطفولة، نسيان الذات في الأيديولوجيا، ثم استعادتهما لاحقًا عبر الفكر والكتابة.

هذه القراءة لا تُخرجنا من النص بخلاصات جاهزة، بل تتركنا في منطقة تأمل صامت: كيف يتحوّل العطش إلى معنى؟ وكيف يمكن للدين، حين يتحرر من ضجيج الجماعة والخرافة، أن يعود إلى وظيفته الأولى: إنقاذ الإنسان من الجفاف الداخلي، لا من الأسئلة. في هذا الكتاب، يكتب الرفاعي ضد النسيان، لا بوصفه مفكرًا فحسب، بل بوصفه شاهدًا على أن الطريق إلى الله يمرّ دائمًا عبر الإنسان.

في "الدين والظمأ الأنطولوجي" يبلغ نصّ عبد الجبار الرفاعي ذروة اعترافه الهادئ، حيث لا يعود السؤال عن الدين سؤالَ منظومةٍ أو خطاب، بل سؤالَ إنسانٍ كاد أن يضيع داخل ما آمن به. هنا يتراجع المفكر خطوة إلى الوراء، لا ليتبرّأ من ماضيه، بل ليفهمه، كأنما الكتابة نفسها فعلُ استعادةٍ للذات بعد طول غياب.

"نسيان الإنسان" في هذا ليس مفهومًا أخلاقيًا مجردًا، بل تجربة معيشة: نسيان القلب داخل الأيديولوجيا، ونسيان الرحمة تحت ضغط الصراع، ونسيان الذات حين يتحوّل الإيمان إلى وظيفة، والتنظيم إلى بديل عن الضمير. يكتب الرفاعي عن تلك المرحلة لا بنبرة المدّعي، بل بنبرة من عرف الخسارة من الداخل، واكتشف أن أكثر ما يُهدَّد في المشاريع المغلقة ليس العقل، بل الإنسان الكامن في العمق.

اللافت أن الخروج من هذا النسيان لا يتم عبر قطيعة فجائية، بل عبر تعبٍ طويل، وأسئلة موجعة، وخيباتٍ تتراكم بصمت. هنا يتجلّى الظمأ الأنطولوجي بوصفه عطشًا للمعنى قبل أن يكون توقًا للعقيدة؛ عطشًا إلى دينٍ لا يُلغي الإنسان باسم الله، ولا يختزل الله في شعارات البشر. الدين، في هذه التجربة، لا يعود سلاحًا في المعركة، بل ملجأً للروح بعد أن أنهكها الصخب.

بعد ذلك تتضح ملامح التحوّل: من الإيمان الأيديولوجي إلى الإيمان الإنساني، من اليقين الصلب إلى الطمأنينة المتواضعة، من الانتماء إلى الجماعة إلى المصالحة مع الذات. كأن الرفاعي يقول دون تصريح إن الطريق إلى الله لا يمر عبر إقصاء الإنسان، وإن أي تدين لا يعيد الاعتبار للهشاشة والرحمة محكوم عليه بالجفاف.

هذه القراءة لا تمنح القارئ أجوبة جاهزة، لكنها تمنحه ما هو أثمن: شجاعة النظر إلى الداخل. ففي زمنٍ يُعاد فيه إنتاج العنف باسم المقدّس، يذكّرنا هذا النص بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في الأسئلة، بل في إخمادها، وأن الدين حين يُستعاد في بعده الأنطولوجي، يصبح وعدًا بالحياة، لا ذريعةً للموت. هنا، بالضبط، يستعيد الإنسان صوته، ويستعيد الدين معناه.

علي شريعتي، ذلك المثقف الرسولي، يقف على مفترق طرق: بين ظمأ الإنسان للمعنى، وبين حاجة الإنسان للثورة. في أعماق كتاباته، ينبثق سؤال وجودي: هل يروي الدين ظمأ الروح أم يحرّك الجماهير؟ يسعى شريعتي للإجابة عبر أدلجة الدين، فيحوّله إلى أيديولوجيا شاملة، تصنع أبطالًا، وتحدد الأدوار، وتمنح الحياة معنى ثوريًّا، لكن هذه الأدلجة لا تصمد أمام فحص العقل الفلسفي؛ فهي لا تسمح بالأسئلة المفتوحة، بل تقدم إجابات جاهزة لكل التساؤلات، وتحاصر الإنسان في فضاء مغلق من الجزميات النهائية.

هنا يكمن التناقض الجوهري: الأيديولوجيا تغلق، بينما الدين يفتح؛ الدين يسعى لتحقيق العدالة، وينشد القسط، لكنه لا يفرض رؤى أحادية، في حين أن القراءة الأيديولوجية تسعى لفرض قيم جديدة، لكنها غالبًا ما تختزل الواقع في ثنائيات قاسية: طبقة ومستضعف، طاغوت وثائر، حرب وسلام. شريعتي أراد أن يكون الرسول الثوري والمفكر الاجتماعي في آن واحد، أن يصنع من الدين نارًا فكرية، لكن النار نفسها تظل مقيدة، محكومة بإطار أيديولوجي، لا تتجاوز حدودها إلا بإرادة عقل فلسفي قادر على التساؤل وإعادة بناء المعنى.

في مقابل هذا، يطلّ الأفق الأُنطولوجي للكتاب، حيث الدين لا يُقرأ لأجل الصراع الطبقي ولا لتحريك الجماهير، بل ليروي الظمأ الأبدي للإنسان: ظمأ المعنى، ظمأ العدالة، ظمأ الاتصال بالمقدس. هنا يكمن الفرق بين شريعتي والنهج الأنطولوجي: الأول يبحث في الدين عن أدوات للتحول الاجتماعي، والثاني يرى في الدين مسارًا للارتقاء الروحي والفهم العميق للوجود، حيث الأسئلة مفتوحة، والفكر حر، والوعي مستنير.

لكن، وفي قلب هذا التباين، نجد نقطة التقاء غير متوقعة: كلاهما يعي أن الدين قوة، وأن المعنى ليس حكرًا على أية فلسفة أو أيديولوجيا. شريعتي يرى في النصوص دافعًا للثورة، والأفق الأُنطولوجي يرى فيها سبيلًا لاستنارة الروح. والواقع أن الإنسان بحاجة إلى الاثنين: إلى الثورة في عالمه المادي والاجتماعي، وإلى السؤال المفتوح الذي يمنحه الحرية في عالمه الداخلي، إلى إجابات لا تُفرض، بل تُكتشف، وإلى ثورة عقلية تتجاوز حدود الأيديولوجيا.

في النهاية، يظل شريعتي شخصية متمردة على الجمود، محبوسًا في أيديولوجيا، لكنه يُذكّرنا بأن الدين أكثر من أيديولوجيا، وأن الحرية الفكرية والتساؤل المستمر هما السبيل لإرواء ظمأ الإنسان الحقيقي، ذاك الذي لا يكتفي بالثورة الخارجية وحدها، بل يسعى دائمًا إلى ثورة في فهمه لذاته، وعلاقته بالآخر، وعلاقته بالمقدس.

الكتاب يشدنا إلى عمق مأزق الفكر الديني في العالم الإسلامي المعاصر، حيث يكشف عن الانحدار الروحي والأخلاقي والفكري الذي تسببه السلفية في حياتنا. السلفية، كما يصورها الكاتب، لا تكتفي بتحديد العقائد وفرض المعتقدات، بل تمتد لتحتكر الدين كله، فتقنن سلوك الإنسان، وتقيّد قلبه وروحه وعقله، وتدفعه إلى الكراهية والتمييز والاستعلاء على الآخر المختلف. إنها تخلط الماضي بالحاضر، وتحيل نصوص القرآن والسنة إلى آلات للتسلط والتحكم، وتحوّل الله إلى صورة صارمة تفترس كل جمال ورحمة في الحياة.

يبرز الدور المدمر لابن تيمية، الذي أصبح مرجعيةً حاضرة وفاعلة لدى المؤسسات السلفية والجماعات المقاتلة، إذ يتكرس تأثيره في التعليم والدعوة، ويحدد ما هو مسموح به وما هو محظور، حتى أصبحت كل القراءات الأخرى للنصوص، من الفلاسفة والمتصوفة والمتكلمين، محرمة أو مغيبة. هذا التراث، يخلق أزمة مزدوجة: أفقها الروحي ميت، وأخلاقه مفقودة، وعقله مكبوت، فتضيع الإنسانية وسط موجات التكفير والعنف، وتصبح الدولة الوطنية الحديثة عاجزة عن تأسيس المواطنة والعدالة الاجتماعية، لأن الأساس العقائدي المنغلق يتناقض مع مبادئ حقوق الإنسان والحريات.

الكتاب لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يشير إلى جذورها: بنية تحتية معرفية موروثة، من علوم القرآن والتفسير وعلوم الحديث والمنطق وعلم الكلام وأصول الفقه، تنتج تلقائيًا نفس الإجابات، وتعيد إنتاج الأسئلة نفسها، فتسجن العقل المسلم في دائرة مغلقة، مهما حاول الاجتهاد أو التجديد، لأن قواعد التفكير متجذرة منذ قرون في سياق تاريخي وثقافي مختلف. حتى مقاصد الشريعة، التي يدعو البعض لتفعيلها كخلاص، تبقى محدودة بفهمها التاريخي، ولا تسمح بإنتاج فقه حديث يجيب على تحديات عصرنا.

يبرز الكتاب أيضًا الخطر الروحي للجماعات المتطرفة التي تبنّت هذه القراءات، حيث تتحول النصوص الدينية إلى أدوات لإنتاج العنف والدم، وتنسف الرحمة والمحبة، وتغلق كل نافذة على الجمال والتراحم والأمل. وهنا يقدم الكاتب رؤية مضيئة: تحرير صورة الله من قيود التفسير السلفي، وإعادة اكتشاف البعد الروحي الأخلاقي للنصوص، كما في ميراث محيي الدين ابن عربي، الذي يرى الرحمة صفة إلهية تتجلى في العبد، ليصبح الإنسان قادرًا على الرحمة للآخر، مما يفتح طريقًا لبناء فهم ديني متجدد، يسعف الروح والعقل والأخلاق، ويؤسس حياة متجددة للمجتمع.

الكتابُ يشير إلى مأزق الفكر الديني الموروث، ويبيّن أن الخلاص لا يكون باقتصار التجديد على اختيارات نصية محددة، بل بضرورة إعادة النظر في بنية المعرفة الدينية نفسها، وتحرير العقل والروح من قيود الأنساق القديمة، ليصبح الدين مصدرًا للحياة لا للموت، وللأخلاق لا للتعصب، وللجمال لا للدمار.

الأيديولوجيا تحتكر إنتاج المعنى الديني وتعمل على تعطيل العقل النقدي، فتخلق واقعًا متخيلًا وتسيطر على المجتمع عبر الإعلام والسياسة والدين، بينما يظل جوهر الدين السعي نحو العدالة وإرواء الروح؛ أما أدلجته فتفسد وظيفته وتغرق المجتمع في ثقافة الموت التي تخنق الحياة ، بينما تبرئة الذات وتمجيد الماضي تعيق التفكير النقدي وتغذي النرجسية والاعتماد على الآخرين لتبرير الفشل؛ لذلك يبرز أهمية استلهام التصوف المعرفي والفلسفة نقديًا في سياقها التاريخي دون تقليد أو تبجيل أعمى، وإصلاح "الحوزة" من داخلها عبر تطوير المناهج وطرق التدريس لمواكبة تحديات العصر، مع رفض تصنيفات هجينة مثل «علماني مؤمن»، لأن الإيمان والعقل يمكن أن يجتمعا، والتجديد الديني الحقيقي يتطلب نقد التراث وفهمه في سياقه، وإحياء العقل النقدي، وتمكين الدين من أداء وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية دون الاستسلام لأدلجة أو احتكار السلطة.

أما الفصلُ الثامن وهو حوارية مع المؤلف فيمكن أن نلخص أبرز ما جاء فيه بما يلي:

يركز الحوار مع د. عبد الجبار الرفاعي على ضرورة تجديد الفكر الديني في العالم الإسلامي من الداخل، معتمدًا على المطالعة المستمرة والتفكر النقدي، ومؤكدًا على أن الفكر الديني غالبًا ما يقف عند حدود الهوية والحنين للموروث دون إبداع أو استيعاب للتحديات المعاصرة. ينتقد هيمنة الأيديولوجيات السياسية والدينية التي اختزلت الدين في أطر جامدة، ويدعو إلى فتح آفاق التعلم على الفلسفة والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة لتجاوز الجمود التقليدي، مع الإشارة إلى أن الإصلاح الحقيقي للمؤسسات الدينية لا يمكن أن ينجح إلا من داخلها، مستفيدًا من مشروع النزعة الإنسانية في الدين الذي يعيد الاعتبار للإنسانية والبشرية في فهم المعنى الديني ويعزز قيم المحبة والتراحم والحرية الدينية بعيدًا عن الهيمنة الأيديولوجية والتفسيرات المتشددة.

ولا بد في ختام هذه السياحة أن أضيفَ:

تأتي هذه الدراسة لتسبر أغوار الفكر الديني وتجدداته، لكنها لا تدعي الانتهاء أو حصر الرؤى في نتائجها، بل تفتح باب التأمل والنقد والبناء لمزيد من البحث والدراسة. من وجهة نظري، ثمة تحدٍ كبير يواجه أي مشروع تجديد فكري في مجتمعنا العراقي، يتمثل أولًا في اللغة الفلسفية والمصطلحات العلمية واللاهوتية المعقدة التي يغرق فيها كثير من الباحثين، في حين أن الغالبية العظمى من الناس لا تفهمها، ويعيشون واقعًا من الأمية الثقافية والسيطرة الفكرية عبر المؤسسة الدينية والمؤسسات السياسية، فأي خطاب يظل بعيدًا عنهم لا يستطيع الوصول إلى ملايين البشر حتى يكون له أثر حقيقي في المجتمع.

ثانيًا، أرى أن الطريق لتقريب المذاهب وتعزيز التعايش في العراق يمر حتمًا عبر إصلاح المناهج التعليمية، بحيث يتم إشراك مختصين قادرين على صياغة محتوى يفهمه الناس، ويستوعب الطيف الواسع من الأديان والمذاهب، ويزرع ثقافة تقبل الآخر، بعيدًا عن الخطاب الطائفي الذي يؤجج الصراعات ويقسم المجتمع. من شأن هذه المناهج الجديدة أن تضع حجر الأساس لمجتمع متسامح، يقدر التنوع ولا يفرض إرهاقًا فكريًا أو عقديًا على أبنائه.

ثالثًا، لا بد من سن تشريعات واضحة وقوية من الدولة تهدف إلى كبح الخطاب الطائفي الذي يسيء إلى الآخرين أو يحرض على العنف باسم الدين والمذهب أو المعتقدات المختلفة، مع الحفاظ على الحرية المشروعة التي لا تزرع الفتنة أو تضر بالآخر. الرقابة هنا ليست قيدًا على الفكر أو الحرية، بل هي حماية للسلام الاجتماعي، ووسيلة لتأسيس ثقافة تحبب الناس إلى بعضهم البعض، وتبعدهم عن لغة التهديد والوعيد التي لطالما أضرت بمجتمعنا على مدار عقود.

إنني أقدم هذه الخاتمة كإضافة مقترحة للدراسة، وآمل أن تشكل أساسًا لبحوث لاحقة تستهدف تفعيل الفكر الديني في خدمة الإنسان، وتعزيز التعايش، ونشر ثقافة الاحترام المتبادل، بعيدًا عن التطرف والطائفية، بما يتيح للعقل والمجتمع أن ينموا معًا في بيئة منفتحة وآمنة.

***

د. علي الطائي

طبيب وشاعر وكاتب من بابل في العراق

 

تميزت سيرة حياة عبد الجبار الرفاعي الشخصية، ومسيرته الفكرية والثقافية، وتجربته الدينية والروحية، وجهوده العلمية والمعرفية، طوال فترة تاريخية تجاوزت النصف قرن، بالعطاء والانجازات والدراسة والكتابة والتأليف والمغامرات واختلاف الاحوال والمقامات الدينية والفكرية والثقافية والادارية، منذ فترة طويلة وهو يحث الخطى بمفرده وبما يبذله من طاقة وجهود فردية فريدة، وصبره الطويل وحفره في الصخر ليكون شيئاً وشخصاً وأسماً يشار له بالبنان، وفعلاً تحقق له ذلك من خلال صناعة نفسه وإدارتها إدارة ذاتية وخلقها خلقاً جميلاً صارت قدوة للآخرين، في السير والسلوك والفكر والأخلاق والثقافة والفكر والأدب، وهذا بحد ذاته يحتاج ليكون منهجاً ودرساً وصورة حقيقية للشباب للاقتداء به، من خلال ما قدمه في سنوات عمره التي حُفت بالمكاره والمخاطر والمحن والأزمات، ولكنها تكللت بعد ذلك بالنجاح والتفوق والتميز، سنوات من الدراسة والعلم والاجتهاد الديني والفكري والعرفاني والثقافي الذي يشار له بفاعلية وحضور كبيرين بين رواد الفكر الاسلامي المعاصر، وهذا ما يدعونا لبيان دوره الكبير في هذا الفكر وما قدمه من جهود غنية تليق بأن تكون دروساً وعبراً للشباب في صقل مواهبهم وطاقاتهم وإثراء عقولهم وخلقهم بهذه الطاقة الايجابية التي تحول المستحيل والمصاعب والمكاره الى حالة من النجاح والعطاء وإثبات الوجود لمقاومة عقبات الحياة وعوائقها وتحويلها الى طاقة تزود الانسان بالعمل والبقاء والإثراء والحياة بدلاً من التخاذل والانحراف والضعف أمام مغريات الدنيا والوقوع فريسة في يد الأمراض الاجتماعية والرذيلة والخطر والخطأ الذي يملأ المجتمعات اليوم، من خلال الابتعاد عن الأيمان الحقيقي بالله تعالى والدين والأخلاق والفضيلة، فالشباب رأسمال الشعوب والأمم والدول، وقد أعطى الرفاعي جزءاً كبيراً من فكره وعلمه ووقته للشباب والتواصل معهم بما يخدم هذه الشريحة كأب ومعلم وأستاذ ومجتهد ومفكر ومربي وإنسان له خبرة وتجربة طويلة في مجالات متعددة في الحياة وواجه مصاعبها بقوة قل نظيرها بين الناس، وقد أنشغل الرفاعي بتربية جيل من الشباب ورعاهم رعاية خاصة وحمل همومهم وآلامهم وحولها الى حالات من النجاح والابداع والعطاء، ولذلك فهو يعول كثيراً على الجيل الجديد (الشباب) في صناعة الحياة ومواجهة تحدياتها المعاصرة، وقد نجد دروس الرفاعي للشباب مبثوثة في كتاباته الفكرية، وقد خصهم في كتاب موجه لهم وهو كتاب (الثناء على الجيل الجديد)، الذي يقول فيه الرفاعي عن الشباب : "الجيل الجديد أثمن رأسمال في بلادنا للحاضر والمستقبل"(1) . ويقول أيضاً: "من يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل" (2) . ولميزة مرحلة الشباب وأهميتها كمرحلة عمرية في حياة الانسان توجه الرفاعي لطرح مشكلات وتحديات وإجابات جديدة تواجه الشباب اليوم، من خلال خبرته وتجربته الكبيرة كأب ومثقف وإنسان، بإسلوب حوار الأفكار بين جيلين، جيل الحكمة والمعرفة وجيل القوة والفتوة، وهذا ما دعى الرفاعي للقول بوجود عالمين مختلفين بين عالم الآباء وعالم الأبناء، وهذا لا يعني التخاصم والأنفصام والأنفصال بين العالمين، بل بتناغيم والوئام والتكامل بين الأثنين، حيث يقول : (ثمة عالمان للآباء والأبناء لا عالم واحد. لا يلتقي هذان العالمان في الكثير من الرؤى والأفكار والأشياء، وأحيانا يتنابذان إذ يقع كل منهما على الضد من الآخر. لكل منهما رؤيته الخاصة للعالم، لكل منهما معاييره في الثقافة والأدب والفن والجمال والذوق، لكل منهما تطلعاته للغد، لكل منهما مفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة، لكل منهما مواهبه ومهاراته وإبداعاته وابتكاراته ، لكل منهما منظومات قيمه ومفاهيمه الأخلاقية وأنماط تدينه. متطلبات الروح لكل منهما لا تتطابق ومتطلبات الروح للآخر، مشكلات وأمراض كل منهما غير الآخر. لكل جيل أمراضه الخاصة. استبدت بالجيل الجديد أمراض تحكي قوة الواقع الذي يعيشه، وتعكس تعقيداته المختلفة، والأصداء الحادة لإيقاع تحولاته المفاجئة. بعض هذه الأمراض أشد فتكا وأعنف وأخطر من أمراض الجيل السابق، كما تُعلن عنها جروح الروح، وتوترات المزاج، واضطرابات المشاعر، وتقلبات التفكير، وتذبذبات المواقف.)(3)  . وهنا يمنح الرفاعي استقلالية العالمين لا تخاصمهما، والذي استشفه من كلامه هو مع سيادة مبدأ الاستقلالية ينبغي أن يكون هنالك مبدأ الأحترام والتقدير والاعتراف المتبادل بين العالمين أو الجيلين، لأنه سبق وأن كان الأب أبناً وقد كان له عالمه الخاص وظروفه التاريخية التي تميزه عن عالم أبيه، وسيكون الأبن أيضاً فيما بعد أباً وعليه أن يشعر بعالم أبنائه المختلف عنه، وكأن الأمر متلازمة منطقية بين عالمين، الأب الذي كان أبناً، والأبن الذي سيكون أباً، ففي العالمين على الإنسان أن يدرك ذلك ويتعامل معه بحكمة واحترام ووعي متكامل لا يسىء لأحد الطرفين.

ويلتفت الرفاعي الى نقطة مركزية في غاية الأهمية ألا وهي مسألة التربية والتعليم بين الماضي والحاضر، بين جيلين، جيل الآباء وجيل الأبناء، (النظام التعليمي الذي أنتج وعي الآباء مازال يعيد إنتاج وعي الأبناء، وهو إن كان متناسيا مع ذهن الآباء لكنه يعجز اليوم عن إنتاج وعي مواكب لحياة الأبناء، بل يتفاقم التضاد والتناشر بين النظام التعليمي وبين قدرة الأبناء على التلقي والتعلم. كلما مرت عليه سنة جديدة يغدو متخلفا أكثر. وتيرة التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي؛ كل سنة فيها تاوي عشرات السنين مما مضى، كما تؤشر لذلك الأبحاث العلمية في هذا الحقل. نحن بحاجة للبحث عن جذور هذه المشكلة في بنية التربية والتعليم الموروث منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالم الأمس المختلف عن عالم اليوم اختلافًا جوهريا. فلم يعد الكتاب وحده رافدا لتلقي المعرفة، بعد أن تراجع موقعه فأضحى أحد الروافد - ربما ثانويا - بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة. ولم يعد التعليم على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائما لعالمنا اليوم، بل لم بعد الصف المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائما للتعليم، وقبل كل ذلك لم تعد ملائمة اليوم معظم المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدسة بعشوائية في المقررات المدرسية المتدوالة. أغلب مضامينها لا ينتمي لعالم الأبناء، ولا يشبه أحلامهم، ولا يلبي احتياجاتهم؛ لغربتها عنهم وغربتهم عنها. يشعر الأبناء بالاغتراب والمرارة عندما تفرض عليهم هذه المقررات، وينفرون عندما يجدون أنفسهم ملزمين أن يمضغوا أشياء لا تشبه ذائقتهم ولا يشبهونها، ويتعلمون علوماً ومعارف لا تنتمي لزمانهم، ولا تعرف منطق حياتهم، ولا تتحدث لغة عصرهم.)(4) ويؤكد الرفاعي مراراً وتكراراً على أنه رغم اختلاف جيل الأبناء عن جيل الآباء وأستقلالية عوالم كل منهما لكن تبقى هنالك أسئلة وجودية وقيمية وفكرية بشرية مشتركة بين عموم الناس، ولكن علينا أن لا نورث قناعاتنا الفردية الشخصية لأبنائنا كما لو نورثهم المال والثروة، بل تبقى لكل منا قناعاته الخاصة به التي يتحمل مسؤوليتها الانسان نفسه، ذكراً كان أو أنثى، أباً أو أبناً، وأماً أو أبنة. فالرفاعي لا يحرّض الشباب على الآباء، ولا يدعو الآباء للتسليم المطلق أمام الأبناء، فهو يعتقد بأهمية الوصال والأتصال بين الأجيال، ولذا فهو أيضاً هنا يفصل ويفصّل المقال بين الأبناء والآباء من الأستقلال والأتصال، أعتماداً على مبدأ الحوار المتبادل بين الأجيال، والاعتراف بخصوصية وأهمية كل مرحلة عمرية يعيشها ويحياها الانسان، في كل زمان ومكان. وتأكيده على أن التربية والتعليم خيارها الحصانة لا المنع. والاستماع لأسئلة الجيل الجديد وأجوبته معاً دون أحتكار سلطة التفكير والتربية والتعليم.

ومما يسجله الرفاعي أيضاً على الشباب هو اساءة فهمهم من قبل الآخرين، وعدم الاقتراب من أسئلتهم  فيما يخص المسألة الدينية، سوء فهم يتعرضون له ويضعهم في إحراج فكري وديني واجتماعي، وخاصة في موضوع الألحاد وموقف الشباب من الدين، حيث يرى الرفاعي: إن     ( الجيل الجديد ليس ضد الله، هو ضد صورة الله الكئيبة التي رسمتها السلفية المتشددة. لا أظن أن هناك إنسانًا يستغني عن الله، الجيل الجديد يريد أن يرى صورة مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورها. بعد نصف قرن من تعلم وتعليم علوم الدين أحاول رسم هذه الصورة في ضوء ما ورد في القرآن، كتاباتي تحاول أن ترسم هذه الصورة بألوان النور كما رسمها الله لذاته. لعل هذا النوع من الكتابات يساعد في إيقاظ صوت الله في الأرواح الكئيبة، ويسعف بعض التائهين ليدلهم على الله، ويريهم تذوق إشراقات أنواره الأبدية. كثيرا ما تخفق السلطة السياسية والروحية في إدراك نمط وعي الجيل الجديد ومتطلباته، ما يوقعها في اشتباك معه عاجلا أم آجلا، ينهكها بالتدريج ويقوضها، إن لم تغير هذه السلطات مفاهيمها ولغتها وأساليبها وسلوكها يغيرها الجيل الجديد. قلما نجد أحدًا من الكتاب في الدين من يكرس جهوده للتعرف على أنماط عيش الجيل الجديد وآماله وآلامه، ويكتشف رؤيته للعالم وأحلامه وكيفية تفكيره، وفي ضوء ذلك يقدم المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يحتاجه هذا الجيل. اكتشاف هذا المعنى الديني يتطلب اختراق التراث المتراكم، والعودة إلى القرآن الكريم والتمييز بين القيم الكلية الكونية التي يحتاجها الإنسان بما هو إنسان ويشترك فيها كل الناس مثل : الخير، والحق والعدل، والكرامة والمساواة، والصدق والأمانة والأمن، والثقة، وما هو خاص من قيم تعكس عصر البعثة الشريفة. أكثر ما نفكر فيه ونتكلمه ونكتبه مشغول بالماضي لا بالحاضر. نحن أمة يحكمها الأموات برؤيتهم للعالم وأفكارهم ومقولاتهم الاعتقادية.)(5) . الرفاعي هنا يعتقد أن تحولات العصر الرقمي ألقت بظلالها على الشباب عالمياً، وطرق التفكير الجديدة متداولة بين الناس أكثر وأكبر من السابق، والشباب هم من يتقبل هذه التحولات والتجديد أسرع من غيرهم من جيل الآباء وكبار السن، وجل الأسئلة الفكرية والوجودية والدينية تطرح في مرحل الشباب، ساعة يتفجر السؤال الفلسفي والديني في ذهن الفتى والفتاة الشباب، ولكن المسألة الكبرى هي من يجيب على تلك الأسئلة، والى من يقترب ذلك الفتى وتلك الفتاة الشباب لمعرفة اجاباتهم وتحقيق طمأنتهم الفكرية والروحية، الى رجل الدين أم الى الاستاذ أم الى المثقف أم الى الأب والأم أم الى ذاته؟  تلك الحيرة والمسألة تحتاج الى اجابة ومعرفة أيضاً، خشية أن لا يقع الشاب في المحذور والمحضور الذي يلقي به في التيه ومخاطر الأفكار، وهذا ما تتوجه له اليوم مؤسسات وشركات عالمية كبرى لتحقيق أهدافها في غسل أدمغة الشباب وتوظيفهم في مجالاتهم التي يريدون، في الدين أو السياسة أو الثقافة الأيديولوجية أو أي مجال آخر يسعون به لزج الشباب في تحقيق مطامحهم ومطامعهم الشخصية المقيتة. ومن تلك الأساليب التي تسعى لها تلك المؤسسات، التي تتقن صناعة العرض والطلب الفكري والاقتصادي معاً، هو تثقيف الشباب بفكر مختلف تماماًعما تعيشه مجتمعاتهم وما تربوا عليه من دين ومعتقدات وأخلاق، لزج الشباب في حروبهم الاقتصادية من خلال المسألة الدينية والفكرية، هذا من جانب، ومن جانب آخر هو جهل وعجز مؤسساتنا الدينية والسياسية والفكرية والثقافية في مخاطبة الشباب خطاب عقلاني وديني معتدل ومنفتح يقترب من تلك المشكلات ويطمأنها، بل كثيراً ما نجد إجابة المؤسسات والخطابات في جانب، وأسئلة الشباب وطموحاتهم في جانب آخر، وقد ملّ الشباب تلك الخطابات الجوفاء مما دعاهم للاقتراب من موجات التغريب ودعوات الالحاد والتجديد ونبذ الاجابات المحلية ذات الصبغة الدينية، ولهذا يجد الرفاعي حاجتنا اليوم أكثر مما مضى الى بث خطاب ديني وفكري عقلاني مستنير يطمأن الشباب ويقترب منهم أكثر.   

يرى الرفاعي حيوية الدين وفاعليته وضرورته في حياة الانسان، فهو حاجة أنطلوجية بشرية لا يمكن الاستغناء عنها، (الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير والجسد والعقل الله حي لا يموت ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صور لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته، للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله. شبكات المصالح المعقدة تنتج صورًا لله تخدم مصالح الأشخاص والمؤسسات. يصعب جدا تحرير صورة الله من استغلال المؤسسات الدينية والسياسية والمالية واستثمارها لها بأساليب بارعة في اخضاع الأفراد والمجتمعات وتركيعها. إن الحياة اليوم، بكل ما تحفل فيه من: ذكاء اصطناعي، وهندسة جينات، وتقنيات البيوكيمياء المعقدة، وغير ذلك، تفرض على الإنسان العاقل طريقة التفكير ونمط الوجود الذي يتناغم معها، والتراث يفرض على الإنسان المسلم والجيل الجديد خاصة نمط وجود وطريقة تفكير وسلوك لا تتحقق إلا برفض التناغم مع معطيات العلم والتكنولوجيا والعالم الجديد، فيحدث التناشز، الذي يفرض على كل إنسان عاقل أن يقدم حياته ومصالحه المادية والمعنوية، ولا يجعلها قرباناً مجانياً للتراث، لذلك ينفر الجيل الجديد من التراث، ويقطع معه جذرياً، كي يعيش في العصر الذي هو فيه فعلاً، ولا يغترب عن واقعه اليوم.) (6)

لا أريد أن أفسد على القارىء الكريم متعة قراءة كتاب (ثناء على الجيل الجديد)، ولا تقديم دراسة موسعة فيه أو عنه في هذا المقام، بل أحببت تسليط الضوء عليه، وتوجيه أنظار الآباء والأبناء معاً لمعرفة أسرار الكتاب وموضوعاته وطريقة الرفاعي في تناول أفكاره. ليعرف كل من الجيلين كيفية التعامل والسلوك والمعرفة بهوية كلا العالمين والتنسيق والتفاهم والتعايش فيما بينهما دون عنف أو تطرف أو كرهية في فرض الأفكار وفض الاختلافات بين الأثنين، والأحترام والاعتراف المتبادل بينهما.

ولا بد من القول أن الرفاعي يعد أباً وراعياً ومربياً ومعلماً لجيل من الشباب والأشخاص، هم الآن جيل من المثقفين والباحثين والمبدعين والمربين والاساتذة والقادة لهم شأن كبير في الثقافة والفكر والمجتمع، وحري بتجربة الرفاعي الفكرية والروحية والمعرفية الثمينة أن تتحول الى دروس وطاقة تلهم الشباب من أبناء الجيل الجديد، للارتقاء نحو النجاح والعمل والصمود في مواجهة الحياة ومقاومة مخاطرها ومفاتنها، وبناء عقولهم وشخصياتهم بهذه الدروس القيمة، لضمان تحقيق نجاح أكبر يخدم الفرد والمجتمع والدولة والبشرية عامة، بدلاً من أن يتحول الانسان الى وجود هامشي لا قيمة له ولا معنى في هذا العالم المتلاطم الأمواج.

***

أ.د. رائد جبار كاظم

......................

الهوامش:

(1) عبد الجبار الرفاعي. ثناء على الجيل الجديد. ط1. منشورات تكوين ودار الرافدين. الكويت ـ لبنان. 2025.  ص14.

(2) المصدر نفسه. ص 17.

(3) المصدر نفسه. ص 22 ـ23.

(4) المصدر نفسه. ص33 .

(5) المصدر نفسه. ص 42ـ 43.

(6) المصدر نفسه. ص 45ـ 46.

في ردهة الانتظار الطويلة التي يسكنها الحلم العربي الحديث، يظهر بين الحين والآخر كتاب يمسك بمرآة ويقف أمام الأمة ليعرض عليها صورتها. كتاب «كيف تنهض الأمم؟ أسرار التقدم التاءات الخمس» للباحث مختار شعيب، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، هو أحد هذه المرايا الحديثة. يأتي صدوره، في توقيت بالغ الدلالة يتزامن مع تصاعد الدعوات إلى حوار وطني شامل، وكأنه يريد أن يضع بين يدي هذا الحوار المفترض وثيقة مرجعية، أو ربما إثباتًا جديدًا على أن السؤال ما زال قائمًا، والجواب ما زال متعثرًا.

لست هنا في معرض تقديم عرض للكتاب أو تلخيص فصوله، فهذا شأن النقاد والصحفيين . ما يثيرني، وأحسبه يثير كثيرين ممن يتابعون المسيرة الفكرية العربية، هو هذا الاستمرار المدهش والموحش في الوقت ذاته لسؤال النهضة. فالكتاب، كما يذكر مؤلفه، هو ثمرة اهتمام بدأ منذ قراءته لكتاب «حاضر المصريين أو سر تأخرهم» لمحمد عمر، الذي صدر عام 1902. أي أننا أمام شجرة فكرية امتدت جذورها لأكثر من قرن من الزمان، ما زالت تطرح السؤال ذاته: لماذا تخلفنا؟ ولماذا تقدم غيرنا؟. إن في هذا الاستمرار ما يشي بقدر من الإصرار والمثابرة، ولكنه في الجوهر يشير إلى إخفاق جماعي في تحويل الإجابات النظرية إلى واقع ملموس. نحن أمام ظاهرة تستحق التأمل: أمة تنتج أدبيات النهضة بغزارة، ولكنها تعاني من عجز مزمن في تحقيقها.

رحلة خارج الذات

يحاول الكتاب الخروج من الدائرة الضيقة للنظر المجرد إلى فضاء المقارنة الواسع. فهذا العمل، الذي يعد الإصدار الرابع والعشرين في مسيرة المؤلف، يستند إلى خلفية بحثية موسعة شملت زيارة 47 دولة والمشاركة في عشرات المؤتمرات والندوات.

 ومن هنا، ينطلق الزميل الكاتب الصحفي مختار شعيب لرصد وتقييم تجارب أمم أخرى، لا سيما في آسيا وأمريكا اللاتينية، نجح بعضها في الانتقال خلال نحو ثلاثة عقود من الفقر والاعتماد على الزراعة إلى التصنيع، ومن الفساد إلى النزاهة. ويقف طويلاً عند نماذج تعثرت بعد نجاح أولي، كتجربة البرازيل، محاولاً استخلاص الدروس.

هذا المنهج المقارن في حد ذاته يحمل قيمة كبيرة، فهو يخرجنا من نرجسية التأمل في الذات والتعاطف مع مآسيها، إلى فضاء موضوعي ندرس فيه نجاحات الآخرين وإخفاقاتهم. ولكن يظل السؤال الفلسفي الأعمق: هل يمكن للنهضة أن تكون "مستوردة" أو "مقلدة"؟ لطالما كان هذا هو المعضلة التي واجهت الفكر النهضوي العربي منذ بداياته. ففي القرن التاسع عشر، بعد صدمة اللقاء مع أوروبا، انشغل المشرق العربي "بأسرار القوة والتفوق" لكن استجاباته، كما يرى تحليل تاريخي، كانت "انتقائية عاجزة عن تمثل التقدم الأوروبي ومقاربته كما هو في ذاته". كان التركيز غالبًا على النتائج -القوة العسكرية، التقدم التقني- مع إغفال المراحل الطويلة والتراكمات الفكرية والمؤسسية التي أوصلت إليها، من عصر التنوير والعلمانية والثورة الصناعية. وهكذا، تحولت الدعوة إلى التقدم في أحيان كثيرة إلى "دعوة نخبوية لم تتجذّر في الواقع العربي".

"التاءات الخمس".. بين سحر الاختصار وتعقيد الواقع

يَعِد العنوان الفرعي للكتاب بكشف "أسرار التقدم التاءات الخمس". هذه الصياغة اللغوية الذكية، التي تحيل إلى الحرف العربي "تاء"، تثير فضول القارئ وتلمح إلى وجود نموذج نظري مكثف وسهل الاستدعاء. ولكنها تثير في نفس الوقت تساؤلاً نقدياً هل يمكن اختزال معادلة النهضة المعقدة، التي حيرت أجيالاً من المفكرين، في خمس كلمات تبدأ بحرف واحد؟

إن سحر الاختصار وإغراء "السر" الذي يمكن تعلمه ونقله، هو جزء من تراث التفكير السحري السريع الذي قد يعوق الفهم العميق للعمليات التاريخية البطيئة والمعقدة. النهضة الحقيقية ليست شيفرة سرية نفتقدها، بل هي عملية مركبة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المتزامنة والمتفاعلة. فشل العديد من محاولات النهضة السابقة، كما يشير تحليل نقدي لتجربة خطاب العلم العربي، يعود إلى هشاشة الطبقات الوسطى العربية التي كان من المفترض أن تكون حاملة لمشروع التحديث، وإلى غياب الحامل الاجتماعي القادر على تحويله (الفكر النهضوي) إلى واقع ومؤسسات.

 بمعنى آخر، قد تكون "التاءات" الخمس صحيحة في المضمون، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في "الألف" عائق اجتماعي وسياسي وثقافي يعترض طريق تحويلها إلى واقع.

النهضة بين الخطاب الحماسي والمسار العملي

يختتم مختار شعيب كتابه، بتأكيد أن النهضة الشاملة ليست ترفاً، بل "ضرورة وجودية". وهي عبارة قوية وجميلة، تلخص إحساساً بالخطر الوجودي الذي يحدق بالأمة. ولكن التاريخ يعلمنا أن الشعور بالضرورة، مهما كان حاداً، لا يولد النهضة تلقائياً. فكم من الأمم شعرت بضرورات وجودية حقيقية، لكنها انحدرت أو زالت لأن شعورها هذا لم يتحول إلى إرادة جماعية منظمة وعمل مؤسسي دؤوب.

الخطاب الحماسي الذي يرفع شعار "الضرورة الوجودية" قد يكون ضرورياً لتحريك المياه الراكدة، ولكنه غير كاف. ما تحتاجه النهضة هو الانتقال من خطاب الحماسة والضرورة، إلى خطط مراحل قابلة للتطبيق والقياس والمحاسبة، تماماً كما يشير المؤلف إلى أن الكتاب يقدم رؤية قابلة للتطبيق المرحلي. النهضة مشروع تاريخي طويل، يحتاج إلى صبر المؤرخ ودقة العالم وصبر السياسي الواقعي، أكثر مما يحتاج إلى حرارة الخطيب.

أخيرا.. كتاب "كيف تنهض الأمم؟" يمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات الاجتهاد للإجابة على السؤال الأكثر إلحاحاً وإرباكاً في حياتنا العربية المعاصرة. قيمته تكمن في تجميع الخبرات العالمية ومحاولة استخلاص العبر منها، وفي إعادة طرح السؤال في زمن يملأه اليأس أحياناً.

ولكن ربما، وبعد كل هذا العمر من البحث في "الكيف"، حان الوقت لمواجهة أسئلة أعمق قد تكون هي المفتاح الحقيقي. سؤال "المن ينهض؟": أي ما هي القوى الاجتماعية والفكرية والسياسية القادرة على قيادة هذه العملية الشاقة، والملتزمة بها على مدى أجيال، والمتحررة من الولاءات الضيقة والمصالح الآنية؟ وسؤال لأي غاية؟: أي ما هي النهضة التي نريد؟ هل هي مجرد اللحاق بمؤشرات النمو الاقتصادي والمادي للآخر، أم هي بناء نموذج حضاري خاص، يتجاوز أزمات الحداثة الغربية ذاتها، ويقدم إضافة إنسانية وليس محاكاة شكلية؟

قد نكتشف في النهاية أن الإجابة عن كيف تنهض الأمم؟ لا تكمن في "تاءات" خمس مستوحاة من نجاحات الآخرين فقط، بل ربما تبدأ أولاً بالإجابة الصادقة والجريئة عن سؤال: من نحن؟ وما الذي نريده لأنفسنا وللعالم؟ حينها فقط، قد تتحول النهضة من حلم متكرر في الكتب، إلى مصير نصنعه على أرض الواقع.

***

د. عبد السلام فاروق

 

العراق انموذجاً – من الريع الى التنمية للدكتور عباس الفياض

صدر حديثا عن دار العالي للطباعة والنشر كناشر وتولت التوزيع والطباعة والنشر دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع الكتاب الموسوعي (الدولة الريعية وتحديات النمو والتنمية في البلدان النامية) للمؤلف العراقي الدكتور عباس الفياض.

والكتاب يقع في ثلاثة اجزاء وزعت على عشرة فصول تربو صفحاتها على مايقارب الالف صفحة، والكتاب الذي يصفه المؤلف بالدراسة تناول الجزء الاول منها فرضية الدراسة في ان المظهر العام لتلك الدول الريعية يتميز بالهشاشة والضعف مفصلاً التركيبة الاجتماعية والبنية السياسية لتلك البلدان وظهور الفئات المستفيدة طفيلياً من قربها وقرابتها للسلطة الريعية ثم يبحث من خلال فصلين الاقتصاد الريعي كمفهوم نظري تضمن العديد من المدارس الفكرية والاقتصادية العالمية اختار منهال المؤلف خمسة مدارس هي الماركنتيلية الفيزوقراطية والكلاسيكية والماركسية والنيو كلاسيكية كنماذج تعم على نطاق عالمي تاريخي الاقتصاديات الريعية للبلدان قيد الدراسة، فيما توسع الفصل الثاني في مفهوم الدولة الريعية واشكاليات العلاقة بينها وبين الاقتصاد الريعي متوسعا في توضيح ثقافة الريع وباحثاً الاثار الاحتماعية والاقتصادية للدولة الريعية وناثراً الكثير من الامثلة المعاصرة لتلك المفرزات الناجمة من الثقافة الريعية ومدى تاثيرها على عوامل التنمية. وليخرج باستنتاجات مبكرة حتى قبل الخوض في الجزئين التاليين وضعها من خلال ثلاث ملاحظات داعياً المتابع الى مناقشتها ومن هنا تبرز حيوية وديناميكية ا لدراسة في أنها لاتضع امامك كتاب للاطلاع بل ان تدعوك للمناقشة والاستنتاج والتثبيت لعوامل معالجات التنمية الريعية المطلوبة هي ظهور الليبرالية الجديدة والتي سعت لدمج اقتصاديات الريع الضعيفة بالعولمة ضمن خطة البنك الدولي التي رسمها تقرير لستر بيرسون عام 1969 بدعم من روبرت مكنمار الرئيس السابق للبنك الدولي، كما تشير الملاحظة الثانية الى حجم وتاثير قطاع السياحة والخدمات وخطأ اعتمادها كريوع متكاملة لافتقارها الى محددات الريع كما تصفها الدراسة رغم بلوغ حجم عمالته عام 2020 مايربو على 337 مليون فرصة عمل.

وفي استنتاجه الثالث يدعو المؤلف الى عقد اجتماعي معاصر ناجم من مستجدات العولمة ومؤثرات الثورة الصناعية الرابعة

والكتاب واسع الافكار ويتميز بالشمولية في التطرق الى مختلف القضايا ذات العلاقة بموضوعة الدراسة، فهو لايتطرق الى الفكرة الاساسية للموضوع قيد البحث من حيث كونه مادة اساسية للبحث لكنه يبحث وعلى نحو تفصيلي نقاشي الظواهر الاجتماعية السياسية المرتبطة باقتصاديات الريع، بعين باحث تميز بقوة الحجج والاستنتاجات التي يسوقها على انها اشكاليات تنموية يحدد منها اربعة عشرة اشكالية تتوزغ بسخاء على صفحات الجزء الاول.

يتتبع الكتاب منهجاً استقرائياً تاريخياً يتعرض فيه للريع بواقعيته التاريخية وبموازاة التسلسل المعرفي لمفهومه الذي توضحه المدارس الفكرية المطروحة في الدراسة متابعة تعود للفترات التي سبقت التاريخ الميلادي، حيث يعود الى ماسجلته مدينة لكش من مدونات ضريبية مرورا بالحضارات اللاحقة فيي وادي الرافدين ووادي النيل بموازاة الحضارة اليونانية والاغريقية، بالاضافة الجهد الكبير الذي بذله المؤلف لتغطية ممارسات المفكرين العرب والمسلمين في موضوعة الخراج والضرائب مشيراً الى كتب أبي يوسف ويحيى بن آدم والفارابي ونصير الدين الطوسي وابي حامد الغزالي وغيرهم.

ان تتبع المؤلف لموضوعات الريع – ايا كانت تسمياته التاريخية وسياقاته الاجرائية – تجعل من الريع ممارسة اقتصادية مرتبطة بعوامل ممارستها واطراف التنفيذ ونوع الفكر السائد، فهي ضرائب حينما لايكون هناك ريع ناجم من استغلال الثروة الطبيعية وهي استغلال لمجهودات الغير سواء عن طريق العمل او الغنيمة طالما يؤدي ذلك اللاى تراكم الثروة.

والمؤلف يتوصل الى تقييم المواقف التي توضح حقيقة اختلاف النظر الى مفهوم الريع الاقتصادي وفقا لتطور السلطة الحاكمة وطريقة تحكمها بالموارد والمخرجات الاقتصادية، وهنا يدعو الى اعادة النظر في تحديد الاولويات لمنشأ الفائض الاقتصادي لتوفير الريع مؤكداً بعين الفاحص الى الحاجة الى تحكيم طريقة توزيع هذ الفائض في التطور الاقتصادي والسلعي والانتاجي لصالح توفير قيم مضافة ذات تأثير تراكمي اكثر لرأس المالي الضروي للانتقال الى مراحل اكثر عدالة واستدامة لتطوير الحياة نفسها وشمولها مساحات اوسع من القطاعات المستفيدة وبما يحقق العدالة النسبية ضمن تطور مختلف البلدان.

والمؤلف يقودنا الى السؤال الاكثر جدية في ان اقتصاد الريع هل هو جزء من مسار التطور الحديث للنشاط الاقتصادي ومامدى علاقته بالحقائق الاقتصادية المعاصرة لليبرالية الجديدة مظاهرها في اقتصاد السوق والخصخصة والعولمة كظاهرة اقتصادية معاصرة. كل ذلك يطرح للنقاش في رؤية نقدية مبرهنة في ضوء نجاح او فشل تجارب التنمية في البلدان حيث يوضح مسارات التنمية في عدد من بلدان امريكا الللاتينية التي طرحت برامج شاملة لتوظيف الريع في خدمات الطبقات الفقيرة كما حدث في تجربة البرازيل ابان حكم سيلفا لولا الذي طرح سياسة صحية من خلال الدعم المالي للطبقات الفقيرة والذي شمل 12 مليوناً من الفقراء.

والكتاب لايطرح الامر على أنه صفحة بيضاء ناصعة في توزيع ا لريع، لان مقاربته التحليلية تتجه اتلى ان الريع المعتمد تالى مصادر طبيعية هائلة في توفير الموارد مثل النفط والذهب والنحاس وغيرها من الموارد الطبيعية التي وجدت تلك البلدان نفسها أمام باب واسع للثروة لم يسفر بالضرورة عن توفير مصادر تنمية مستدامة في استثمارها زراعياً او صناعياً وخدمياً لابل حدث العكس تماما في اغلب الاحيان وترافق ذلك حتمياً مع تفشي مظاهر الفساد وسوء الادارة وتبديد سافر للثروة مؤدياً الى تزايد معدلات الفقر والجوع كنتيجة لسوء التوزيع وانعدام العدالة الاجتماعية في توزيع موارد ذلك الريع وماكان ليحدث ذلك دون وجود حكومات سيئة اعتمدت نهجاً دكتاتوريا ً قاد بالضرورة الى القمع ونمت تحت بطانته فئة طفيلية خلقت فجوة بين الحاكم والمحكوم.

على ان الدراسة وهي توضح سوء استخدام الريع وتتبحر في سرد ظاهره في البلدان قيد الدراسة لم تضع الامر بهذا الاستنتاج المتشائم، لابل وضع المؤلف مشرطه التشريحي ليس فقط لتشخيص الظاهرات السلبية لكنه وضع ايضا منهجية للتنمية ا لمستدامة مستندا على عدد من المقاربات النظرية والعملية للتجارب الناجحة عالمياً للتوصل الى عملية التحول التاريخي من الريع الى الانتاجية الناجمة من استثمارالريع عبر صناديق وسياسات رشيدة ناجحة ستخدم ليس فقط الاجيال المعاصرة بل انها استهدفت خدمة الاجيال اللاحقة وحافظت على قدر من التنوع البيئي والكوني في الحفاظ على الموارد الطبيعية وحسن استخدامها بما يحافظ على الكوكب.

والدراسة تطرح تساؤلات موضوعية تتعلق بمخرجات سوء استخدام الريع او اسباب ظهور الطبقات الاستغلالية وحجم ونوعبة اخلاقيات ممارسة السلطة ونهجها في بلد ريعي قاد الى القمع غير عابئ بمخاطر عر قلة التطور الطبيعي للبلدان وشعوبها واساء استخدام موارد الطبيعة محولاً المشهد المحلي لذلك البلد اكثر قتامة واكثر عرضة للتقلبات السياسية واضعاً الحياة نفسها على اعتاب حروب اهلية سببها سوء التوزيع للثروة وتفاقم الفقر من جهة والاثراء الفاحش لفئات قليلة حاكمة.

وكأمثلة على ذلك يضع الجزء الثاني من الكتاب – الدراسة ومن خلال اربعة فصول ثرية في مادتهما البحثية والمعززة بجداول مهمة للباحث تجارب دول امريكا اللاتينية كتجربة البرازيل، وتجربة فنزويلا وحقبة شافيز وما اثارته من جدل وماحصل لقارة امريكا اللاتينية إثر تدني الاسعار للمواد الاولية عالمياً. كذلك في تجارب البلدان ا لافريقية من خلال تجربة نايجيريا وبوتسوانيا، تطرق الفصل الخامس الى تجربة الدول العربية النفطية الخليجية ودبي كحالة للدراسة، فيما تطرق الفصل السادس الى الحالة الهولندي والتجربة النرويجية.

في الفصل الثاني، يسرد المؤلف بانسيابية مشوقة الظاهرات المحلية لاقتصاديات تلك الدول ويشخص على نحو باهر المشكلات الرئيسية في كل بلد من تلك البلدان، ومايضاف له حجم الاقتباسات والآراء لمفكرين واقتصاديين محليين ممن يرد ويتفق مع طروحاتهم حيث يورد قائمة طويلة من الاسماء والآراء التي تجعل من هذه الدراسة بمثابة كرنفال اقتصادي لمؤلفين كبار نجحو في تشخيص علل التنمية ومقدار تأثير العولمة والعوامل الخارجية على عرقلة تنمية بلدانهم. كما يزوردنا المؤلف بعدد هائل من الهوامش المفيدة والداعمة لفكرته والدالة ايضا على حجم المصادر التي اعتمدها لابل ان البعض منها يرد في لغته الاصلية الانجليزية تعميما للفائدة وتوثيقا للنص. وهي ميزة كبيرة وعظيمة تميز هذه الدراسة وتجعلها في مصاف الدراسات الكبيرة والدقيقة والباعثة على الرجاحة والمصداقية. ويكفي ان تجد ما يقارب المائة مرجع في الفصل السادس مثلا من الجزء الثاني من الكتاب حيث اورد المؤلف مراجع كل فصل على حدة، في حين تجد اربعة وثمانين مرجعا في الفصل الثاني وهكذا في بقية الفصول.

في الجزء الثالث من الدراسة والمخصص لاقتصاديات العراق من الريع الى التنمية ينشر المؤلف خارطة واسعة تتغلغل في تاريخ الاقتصاد العراقي الريعي منذ عصور ووصولا الى العراق المعاصر فيورد في دراسته وعبر اربعة فصول مفصلة يبحث الاول منها وهو الفصل السابع ضمن ترتيب الدراسة باجزائها الثلاثة مداخل في الاقتصاد الريعي مستفيدا من احد اعلام الاقتصاد العراقي وهو د محمد سلمان حسن والذي يتفق كثيرا وجهات نظر المؤلف، ثم يدخل في حقبة معاصرة ابتدأت مع الاحتلال عام 2003 وماجرى فيها من تغيرات بنيوية جذرية تتقاطع مع كل مابني سابقاً وتفتح آفاقاً للمجهول ضمن اقتصاديات السوق المفتوحة وكل مارافقها من ظواهر سياسية واجتماعية وتغيرات ايديولوجية صاحبتها ظواهر مضخمة من ممارسات الحكومات المتعاقبة والتي ميزتها الكثير من التخبطات والعثرات مما لايزال نعيشه في وقتنا الحاضر فيما يخصص الفصل التاسع لظواهر الفساد المالي والاداري التي تفاقمت الى درجات فاقت التوقعات وعبرت الحدود الجغرافية والاخلاقية فيما يحاول المؤلف وضع الحلول والتدابير لمعالجة تلك الظواهر بالرغم من ادراكه لحجم تلك المهمة ومدى تقاطعها مع الممارسات الجديدة، وكمقياس كمي ورقمي لتلك المشاكل يخصص المؤلف الفصل العاشر لقراءة وتتبع الموازنات المالية الضخمة التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة منذ 2003 وليومنا هذا. والجزء الثالث لوحده يحتاج دراسة وتتبع دقيق لان مابه من مشكلات وحلول في الاقتصاد يستدعي متابعة ليس فقط من ا لباحثين والاكاديميين بل من الادارات الحكومية نفسها ممن يشرفون على تطبيق القرارات السياسية والحكومية ممن جلبتهم تشكيلات حكومية وحزبية وهم لايمتون بصلة ووعي لقوانين الاقتصاد ولذلك أرى من الضروري وفي ظل تضاؤل المطروح العلمي والاكاديمي للمشكلات الاقتصادية والمالية في الأداء الحكومي في العراق، ذلك أن مهمة المجتهد والباحث في قضايا الاقتصاد والتنمية والمؤلف كما هو صاحب هذه الدراسة يكفيه جهدا لسنوات في متابعة وتلخيص وتحديد العلل الاقتصادية والبنيوية في عمليات التنمية أن يخرج الينا بمثل هذا المطبوع الثر والغزير المعرفة والاحصائيات وبما يساعد حقا المعني بقضايا التنمية ورسم السياسات الاقتصادية بأن يجعله هاديا ومرجعا يوميا يقارن فيه تجارب الدول الامريكية اللاتينية والافريقية والاسيوية والخليجية بحيث يكون عوناً له في تجنب الوقوع في الاخطاء البنيوية والمنهجية في ادارة الريع والتوزيع العادل للموارد الطبيعية وبما يحقق تنمية عادلة تنصف الطبيعة والانسان، على ان المخفي في هذا الجهد الكبير للمؤلف والباحث في هذه الايام، فأن هذا الانسان المكافح يخضع لعملية تحمل غير منطقية لكل الكلفة في اصدار الكتاب تلو الكتاب وتحمل مسؤوليات الطبع والنشر وان يخرج متضررا في صحته وفي عدم وجود عرفاناً لهذا الجهد على الاقل بتحمل كلفة طباعة ونشر الكتاب بدلاً من انفاقه على تلك المهمة من ماله الخاص.

في حين ان الكتاب سيشكل مادة غنية وثرية في توفير الحلول والمعالجات ومفاتيح البحث للطلبة والاكاديميين الذين اشادوا فعلاً بجهد المؤلف وواكبوه عملية ولادة هذه الدراسة واعطوه كل الملاحظات التي يقتضيها اصدار مثل تلك الدراسة القيمة. والمؤلف الذي سبق اصدار هذه الدراسة مطبوعه الاخر (الخصخصة وتأثيرها على الاقتصاد العراقي 2012...) والذي حظي باعجاب الكثير من المتخصصين في الاقتصاد وقدمت به ندوات ودراسات اولى بان يعطى الاهتمام المتستحق وهو يقدم عصارة جهده وعلمه لتقديم مطبوع يشكل مفتاحا لفهم المتغيرات البنيوية ويطرح عددا من الحلول لجملة من الاشكاليات التي شخصتها الدراسة عبر تحليلات علمية وتتبعات تاريخية لتجارب البلدان قيد الدراسة.

وتتجلى في الكتاب ميزة أخرى ترفع من قيمة الكتاب وعمق الدراسة هي البيانات والجداول الرقمية التي تتعمق في توضيح اقتصاديات البلدان قيد وتضع في ايدي الباحث والمتتبع حتماً مرجعاً موثوقاً بالاحصائيات والارقام التي تسهل عملية التحليل الاققتصادي والرقمي لمسارات التنمية في البلدان قيد الدراسة.

ولذلك أرى ان الدراسة باجزائها الثلاثة هي اضافة ثرية للمكتبة الاقتصادية العلمية الخاصة بالبناء والتنمية المستدامة وتحقيق افضل انواع الاستفادة من التجارب بهدف تفادي عوامل الفشل والافلاس والخراب الذي عم بلدان عديدة بسبب سوء الادارة وسوء توظيف الموارد الطبيعية وادارتها.

***

إبراهيم معروف

 

في المثقف اليوم