قراءة في كتاب
حميد بن خيبش: رؤى نقدية لعلم النفس السياسي
حين تتملك الباحث رغبة عارمة لتطوير الحقل المعرفي الذي ينتسب إليه، فإن المسعى الأول ينصب في الغالب حول تثوير الأدوات والمفاهيم، وإبداع رؤى ومقاربات لا تكتفي بالانسياق خلف اللحظة الراهنة في محاولة للفهم، بل تجنح صوب المستقبل تأويلا وصوغا للتوقعات والنماذج. ضمن هذا الإطار يندرج كتاب (علم النفس السياسي: رؤى نقدية) للدكتور كريستيان تيليغا، المُحاضر في قسم علم النفس الاجتماعي بجامعة لوفبرا البريطانية.
يسعى الكتاب إلى توصيف العلاقة بين علم النفس والسياسة عبر رؤى وأدوات مفهومية مرتبطة بتصورات منهجية وابستمولوجية، تتيح فهما أعمق للسلوك السياسي من خلال البحث في النظم الاجتماعية والسياسية –الخطابية، والثقافية-الدلالية. إنه توصيف يعتمد البعد التأويلي الذي يماثل عمل الأنثربولوجي في كشفه للترسبات الصانعة للمعنى، والتي يعيد المجتمع إنتاج نفسه وفقا لها. كما يهتم المؤلف بتضمين كتابه مختلف الرؤى البحثية الأوربية التي لم تحظ بغير إشارات قليلة في مؤلفات علم النفس السياسي.
إن اعتماد البعد التأويلي ستترتب عنه ثلاث نتائج بالغة الأهمية. أما الأولى فهي توسيع البؤرة التقليدية لعلم النفس السياسي والتي تنحصر في اختبار النظريات المجردة وحصر التنبؤات، مما نجم عنه في السابق إغفال التناقض الحاصل بين متطلبات المعرفة العلمية والسلوك السياسي الواقعي.
في حين تحقق الثانية تمديدا لمهمة علم النفس السياسي كي تشمل ليس فقط المبادئ العامة بل أيضا المبادئ النسبية. كما تسمح بتدشين حوار مع فروع معرفية أخرى تتيح دراسة أوسع للسلوك السياسي والاجتماعي، كعلوم الجينات والأعصاب، وعلم الاجتماع، ودراسات الميديا، والفلسفة وغيرها .
وأما الثالثة فتهم إعادة فحص تصورات علم النفس السياسي حول صورة الشخص والمجتمع، وتجديد النظر في الانشغالات الثقافية واللغوية، مما يساعد على تبين الواقع، والتعامل مع السياسات باعتبارها نواتج لممارسة اجتماعية ملموسة.
يناقش الفصل الأول من الكتاب مبدأ الرأي العام، والتطورات التي لحقته بفضل تزايد الاهتمام واستيعاب المعرفة السياسية في سياقها لدى الكتل الجماهيرية. حيث أصبح بفضل تطور صناعة استطلاعات الرأي مصدرا للحجية في المجتمعات الغربية. لذا يتعلق اهتمام دارسي علم النفس السياسي بالأسس التنظيمية للآراء التي تعين على فهم سبب مناصرة المواطنين لسياسة بعينها، كالتوجهات الإيديولوجية (ليبرالي، يساري..)، أو القيم ( التعبير عن الذات، الحق في المشاركة..)، أو السمات المميزة جينيا (إثنية ..) أو غيرها. إن التعرف على هذه المبادئ المنظمة للرأي العام تُكسبه بنية وتماسكا واستقرارا (1).
و لا يخلو الأمر من موقف معارض موغل في الراديكالية (هربرت بلومر ، بيير بورديو..)، يعتبر الرأي العام مجرد خرافة اجتماعية وسياسية، تستخدمها الدولة وجماعات المصالح لخلق بيئة سياسية مصطنعة تخفي الأبعاد الفعلية للمجال العام، إلا أن النشاط السياسي لا يمكن تصوره اليوم خارج الإطار الذي تصوغه الإحالات البلاغية على "الجمهور" و"الرأي العام".
إننا نعيش في مجتمع المقابلة الصحفية الذي ينتج ذوات متشبثة بآرائها، إلا أن تشكل المواقف لصالح هذا الطرف أو ذاك يفرض تفحص "أرضيات الرأي"، وفي مقدمتها الإنجاز البلاغي الذي يوظفه الفاعل السياسي للتعبير عن آرائه، والمثابرة الذهنية التي يمكنها في بعض الحالات حشد المواقف الإيجابية إزاء أكثر موروثات الماضي شذوذا واستفزازا للعقل .تماما كالحصيلة التي أظهرتها مسوح الرأي العام في أوربا الشرقية حول المرحلة الشيوعية. حيث لم يخف الناس تحسرهم على النظام الشيوعي برغم موروثه القمعي والإجرامي !
تكشف دراسات الرأي العام أن الجمهور " عبيط "و يسهل التلاعب به، فهو قادر على تبني مواقف متناقضة لا لكونها قائمة في ذهنه، وإنما لأن تدويرها في المجتمع يتم من قبل فاعلين نشيطين، وعبر مستويات مختلفة من التنظيم الاجتماعي، ناهيك عن الدور الذي تنهض به النخبة والتربية في غرس قيم محددة. إن التحدي الذي يُتوقع اليوم من المشتغلين بعلم النفس السياسي رفعه هو الانتقال في دراسة الرأي العام، من التركيز عل معالجة المعطيات إلى رصد الكيفية التي يتشكل بها، باعتباره ممارسة وأساسا للحياة السياسية، وقالبا يصوغ الناس من خلاله فهما مشتركا لذواتهم وللسياسات التي يبتعونها.
تطوير الرأي العام كممارسة تُسند الفعلين الاجتماعي والسياسي ينقلنا بالضرورة للحديث عن التوجهات القيمية، وارتباطها بالتنظيم السياسي للمجتمع. فالسياسة الأمريكية المعاصرة على سبيل المثال ليست سوى مزاج ثلاث توجهات قيمية هي : الفردانية، والمساواتية، وما بعد المادية. والقول بتأثير القيم الشخصية الأساسية في الاختيار السياسي يفسر بشكل واضح ظهور قضايا جديدة على الساحة السياسية، حيث باتت قيم التعبير عن الذات والحرية والمشاركة لصيقة بالموجات السياسية الجديدة. تؤكد ذلك الأبحاث التي أجراها كل من إينغلهارت وويلزل في الفترة من 1970 إلى 2000 ، والتي شملت جماهير تسعة مجتمعات أوربية. إذ خلصت إلى أن انتشار قيم التعبير عن الذات هو المفسر الحقيقي لمدى الممارسة الفعلية في مجتمع ما. وأن النمو الاجتماعي والاقتصادي يفضي إلى ارتفاع مستويات التعبير، مما يحقق بالتالي مستويات أعلى من الديموقراطية. فهذه القيم تجعل الجماهير أكثر ثباتا في مواجهة السلطة، وأكثر تحديا لها. كما تمارس ضغوطا صحية للمحافظة على نزاهة النخب وقبولها المحاسبة، واستجابتها لما يريده الناس(2).
هذه الرؤية " الانعتاقية " للديموقراطية تمثل إدانة لبعض الدول، كرومانيا وبلغاريا والهند، لأنها تعكس حالات لديموقراطية شكلية، يقابلها تدن في الفعالية الديموقراطية.
لا ينبغي حصر طبيعة اللاتسامح، كمبحث نفس-سياسي، في الميول والدوافع والخصال، أو ما يسميه غوردون ألبورت ب"تأثيرات الأبعاد الأفقية "، وإنما ينبغي كذلك الانتباه لدور الثقافة واللغة والتفاعل الاجتماعي كطرائق يُمارس بها اللاتسامح .لذا يُفرد المؤلف الفصل الثالث من كتابه لمناقشة تمظهرات اليمين المتطرف والخطاب الإقصائي في أوربا كما يجري تفسيره من قبل الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.
تحتاج تفسيرات اللاتسامح باعتباره إفرازا للتسلطية إلى رؤى جديدة لا تستند إلى الشخصية فحسب، بل تتناول ما ينتجه الفاعل الاجتماعي من خطابات ونوازع تسلطية، وما تضج به البيئة الاجتماعية من مظاهر التحامل والمواقف غير المتسامحة. ففي استقصاء لعملية التحول إلى الراديكالية في أوساط الشباب الهولندي المسلم، توصل دوسيج إلى وجود أربعة متغيرات نفسية واجتماعية تتنبأ بهذا التحول وهي : اللايقين الشخصي، وتصور غياب العدالة، وتصور خطر محدق، وشعور بالقطيعة الاجتماعية(3).
وللغة والثقافة دورهما المحوري في إنتاج التحامل واللاتسامح، وهو ما تؤكده الأنثربولوجية الأمريكية جان هيل من خلال رصدها لأشكال التعبير عن العرقية في الممارسة اللغوية الأمريكية الناطقة بالإنجليزية. وتكشف تجذر السخرية والمحاكاة الهجائية للكنات الأقليات الإثنية في الخطاب الأمريكي اليومي. ويبلغ الأمر حد إنتاج خطاب إقصائي معنوي، ينزع البشرية عن جماعة معينة، كما هو الشأن بالنسبة لشعب "الروما" في أوربا الشرقية. حيث يُوجه ضده خطاب تمييزي من لدن كل ألوان الطيف المدني والسياسي الروماني، يستوي في ذلك المناصر للسياسات المتطرفة والمعارض لها على السواء. ويجري تصويره باعتباره مشكلة لا يمكن حلها بالأسلوب العقلاني وإنما بالاستئصال !
إن فهم طبيعة اللاتسامح مرتبط بالعناية الفائقة بما يقوله الناس، أي بالإنجاز الخطابي التواطئي الذي ينزع شرعية البعض وإنسانيته من خلال أنشطة اجتماعية مختلفة، تستوعب كامل الطيف السياسي والإيديولوجي من اليسار إلى اليمين.
و يناقش الفصل الرابع أهمية دراسة التمثيلات الاجتماعية، ودورها في تعميق فهم العلاقة بين العمليات والممارسات الاجتماعية، وتأمين أدوات نظرية لتحليل الروابط بين الوظيفة الإدراكية للفرد، والعناصر الاجتماعية المؤثرة في طرق إدراك الناس للتفاعل بين المجتمع والسياسة. ونظرية التمثيلات الاجتماعية هي مقاربة بنيوية تتضمن إعادة بناء المشترك الاجتماعي، من معرفة وإيديولوجيا وغيرها، وابتكاره في نشاط الفرد(4). إنها إطار لفهم وتنظيم المعرفة الاجتماعية سواء عند النخب أو الكتل الجماهيرية بوصفها تعبيرا عن عوالم حياة ذاتية، لا مجرد انعكاس أو تصوير لها.
و تكمن أهمية التمثيلات الاجتماعية بالنسبة للمشتغل بعلم النفس السياسي في ربط المقولات السياسية بشبكة الممارسات، وبلغة وثقافة المجتمع، من منطلق أن المعرفة السياسية ذاتها ليست منفصلة عن محيطها أو جاهزة للتحصيل عبر استطلاعات الرأي، وإنما هي وثيقة الصلة بأشكال التفكر اليومي والمدركات والمعتقدات الفردية. كما تتيح نظرية التمثيل الاجتماعي فهما أفضل للحياة الاجتماعية والسياسية، ولتدفقاتها وتوتراتها الحديثة، وتثوير النقاش بشأن السلوك السياسي ومسائل التخليق السياسي ودمقرطة السياسة .
نفس الأهمية تحظى بها فكرة الهوية لكونها جزءا مركزيا في مقاربة الكيفية التي يسهم من خلالها السلوك السياسي في إنتاج وتغيير العلاقات الاجتماعية. وإذا كان علم النفس السياسي يدعي الاهتمام بدراسة العملية السياسية الديموقراطية، يقول تيليغا، فيتعين عليه أن يدرس الكيفية التي تُنتَج بها الهويات الاجتماعية والجمعية في سياق من الفعل السياسي والاجتماعي(5)، لأن إنشاء الهوية إنما يحدث في إطار ممارسة اجتماعية، يجسدها الفاعلون، ويطورون عبرها مفاهيم عن علاقات تشمل السيطرة والاستيعاب والإقصاء وغيرها.
إن نظرية السيطرة الاجتماعية لم يعد بمقدورها اليوم مواصلة اختزال فهم السلوك السياسي في التوجهات والدوافع السيكولوجية لوحدها، مادامت الحركات الاحتجاجية تفاجئنا بأشكال من التفاعل السياسي الخلاق، الذي ينجح في صوغ هويات جمعية جديدة وقادرة على الانخراط في الفعل الجمعي.
ولا تخلو كذلك قضية الذاكرة الاجتماعية من فائدة وأهمية، تفرض تحويلها إلى موضوع اشتغال من قبل دارسي علم النفس السياسي. فهي الأساس الذي يقوم عليه الشعور بالهوية السياسية. واليوم تتعرض الديموقراطيات المعاصرة لنوع من الارتداد إلى الماضي (المكبوت)، والبحث عن الجذور والموروث الوطني، كما تشعر الأقليات بحاجتها إلى مقاومة استذكارية من شأنها تأمين ماض قابل للاستعمال يخدم الهوية.
إن السرديات السياسية والاحتفالات التذكرية للأحداث الوطنية، وتعرف الكيفية التي تعمل بها الذاكرة الفردية والاجتماعية لهي نماذج لدراسات جديرة بالاهتمام لما تحققه من تعامل مباشر مع الخبرة المعيشية، وكشف الوظائف الاجتماعية التي تؤديها الذاكرة .
وبما أن السياسة تستحيل ممارستها من دون اللغة، وجب على علم النفس السياسي التفكر في السياسة باعتبارها متتالية من الإنجازات الخطابية، وفهم الخطاب السياسي كشكل مركب للنشاط الاجتماعي. ومما يلاحظه تيليغا أن انشغال علم النفس السياسي تركز حول السيكولوجيا الفردية للسياسة والأنساق السياسية الناظمة للعلاقات الدولية، وبالمقابل يظهر اهتماما أقل بالبعد الخطابي للسياسة، وبالبلاغيات السياسية، أي تلك الطرق التي يحاول بها السياسيون إقناع الجماهير، وتنظيم اللغة بلاغيا لإحداث تأثير مقصود. ولابد، لتحقيق فهم وتحليل كاملين لطبيعة اللغة السياسية من تفعيل أجندة بحثية، تقترب من المنظور الألسني والخطابي، وتؤَمن فحصا جيدا للطبيعة البلاغية للرسائل السياسية.
ومع تزايد ارتباط المشهد السياسي المعاصر ببيئة الميديا والاتصال، فإن المشتغل بعلم النفس السياسي بات معنيا بتجديد النظر في الاتصال السياسي باعتباره خطابا يجري إنتاجه بعناية فائقة لتخليق دلالة سياسية محددة، وبحث التداخل بين تكنولوجيات الاتصال، وبين الخبرة السياسية وما يترتب عن ذلك من اختراق للحدود بين المجالين الخاص والعام.
إن المناظرات السياسية، وبرامج الحوار، والمقابلات، والفكاهة السياسية هي تعبيرات عن المحاسبية الجديدة للسياسة عبر الإعلام. ومع ظهور التكنولوجيات الجديدة، خاصة شبكات التواصل الاجتماعي، باتت المحاسبة أوسع نطاقا، وتتخذ أشكالا إبداعية وتخريبية لفظية وبصرية. وما يؤمله المؤلف هو أن يتمكن علم النفس السياسي من تحقيق فهم أفضل للتمظهرات المتنوعة للاتصال السياسي، وتخيل أدوات بحث جديدة وفرضيات أكثر ملاءمة لاستيعاب السياقات المحلية الاجتماعية والسياسية.
يدفع كريستيان تيليغا باتجاه انفتاح علم النفس السياسي على رؤى أرحب تستكشف عوالمنا المثقلة بالمعنى، بدل السعي وراء البيانات ومعالجة المعلومات. فالتركيز الممنهج على الجوانب الاجتماعية والثقافية للإيديولوجيات السياسية، والتمثيلات الاجتماعية، والهويات، والخطاب السياسي وغيرها من المقاربات المدرجة في هذا الكتاب، يتيح طرحا أكثر شمولا حول الجوانب الاجتماعية والثقافية للسلوك السياسي، وبالتالي إنماء حوار فعال بين تقاليد البحث في علم النفس السياسي حول العالم !
***
حميد بن خيبش
.......................
1- كريستيان تيليغا: علم النفس السياسي: رؤى نقدية. ترجمة أسامة الغزولي . الكويت 2016 .ص27
2- نفس المرجع . ص 48
3- نفس المرجع. ص 74
4- ص 93
5- ص 137







