قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: بين الصنعة والقياس.. أوجه التوافق والاختلاف
بين النحويين البصريين والكوفيين وعلاقة النحو بالشعر العربي
لم يكن النحو العربي علماً جامداً يُعنى بضبط أواخر الكلمات فحسب، بل كان في جوهره علماً بالحياة اللغوية العربية في أصفى تجلياتها، أي في القرآن الكريم والشعر العربي القديم. فالشعر، منذ العصر الجاهلي، كان الذاكرة الحية للعرب، والمختبر الذي تُقاس فيه سلامة اللغة وفصاحتها. ومن هنا نشأت العلاقة العضوية بين النحو والشعر، حيث اعتمد النحويون على الشعر بوصفه شاهداً لغوياً يثبت القاعدة أو يؤكدها.
وفي هذا السياق ظهرت مدرستان كبيرتان في تاريخ النحو العربي، هما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة، وقد مثّلتا اتجاهين فكريين ومنهجيين مختلفين في النظر إلى اللغة، وإن كانتا تلتقيان في الهدف الأسمى، وهو تقعيد العربية وصونها من اللحن والتحريف.
أولاً: مدرسة البصرة ومنهج القياس الصارم
نشأت مدرسة البصرة في القرن الثاني الهجري، وكان من أبرز أعلامها سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي والأخفش الأوسط. وقد اتسم منهج هذه المدرسة بالصرامة العلمية والاعتماد الكبير على القياس اللغوي، أي تعميم القاعدة على ما يشبهها في البنية والتركيب.
كان النحويون البصريون شديدي الاحتياط في قبول الشواهد الشعرية؛ فلم يكونوا يقبلون من الشعر إلا ما ثبتت فصاحته ورواته، وغالباً ما اقتصروا على شعر الجاهليين وصدر الإسلام. ويرى سيبويه أن الشعر إنما يُحتج به إذا كان منسجماً مع القياس اللغوي العام، ولذلك كان يميل إلى رفض الشواهد الشاذة أو تأويلها.
ومن أمثلة اعتمادهم على القياس ما يتصل بباب رفع الفاعل ونصب المفعول. فقد قرروا أن الأصل في الفاعل الرفع، كما في قول الشاعر الجاهلي امرؤ القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ
فالفعل نبكِ فاعله ضمير مستتر تقديره نحن. ويرى البصريون أن هذا البناء هو الأصل المطرد في العربية، ولا يجوز الخروج عنه إلا نادراً.
كما كانوا يميلون إلى تأويل الظواهر الشعرية التي تخالف القاعدة، ويعدّونها من باب الضرورة الشعرية، أي ما يضطر إليه الشاعر حفاظاً على الوزن أو القافية.
ثانياً: مدرسة الكوفة ومنهج السماع الواسع
أما المدرسة الكوفية، فقد نشأت في بيئة مختلفة من حيث الاحتكاك اللغوي وتعدد اللهجات، وكان من أبرز أعلامها الكسائي والفراء والأحمر.
وقد اتسم منهج الكوفيين بمرونة أكبر، إذ اعتمدوا على السماع أكثر من القياس، أي على ما ورد في كلام العرب ولو كان قليلاً. فالشاهد عندهم حجة في ذاته، حتى وإن خالف القياس البصري.
ولهذا كانوا أكثر تساهلاً في قبول الشواهد الشعرية، بل كانوا يستشهدون بشعر القبائل المختلفة، ويعدّون اللهجات المتعددة جزءاً من ثراء العربية.
ومن الأمثلة على ذلك ما ورد في بعض الأشعار من نصب الفاعل أو رفع المفعول في تراكيب معينة، وهو ما كان البصريون يعدونه شاذاً. ومن ذلك قول الشاعر:
زججن الحواجبَ والعيونا
فقد جاء المفعول الثاني العيونا مرفوعاً، وهو ما يفسره الكوفيون بوصفه استعمالاً لهجيّاً صحيحاً، بينما يميل البصريون إلى تأويله أو اعتباره ضرورة شعرية.
ثالثاً: الشعر العربي بوصفه مرجعاً نحوياً
كان الشعر العربي بالنسبة إلى النحويين بمثابة المختبر اللغوي الأكبر. فالشاعر العربي، قبل عصر التدوين، كان يستعمل اللغة في أقصى طاقاتها التعبيرية، ولذلك وجد النحويون في الشعر ثروة من التراكيب والدلالات.
وقد استشهد النحويون بكثرة بأشعار كبار الشعراء مثل عنترة بن شداد وزهير بن أبي سلمى وجرير. ومن الشواهد الشهيرة قول عنترة:
هل غادر الشعراء من متردَّمِ
أم هل عرفت الدار بعد توهُّمِ
يستشهد النحويون بهذا البيت في مسائل متعددة، منها حذف الفاعل أو تقديره، وكذلك في بنية الاستفهام.
أما الكوفيون فقد كانوا أكثر استعداداً لقبول التراكيب الشعرية النادرة، معتبرين أن الشعر يمثل لغة العرب في حالتها الحرة، حيث قد تتقدم الكلمات أو تتأخر وفق مقتضيات الإيقاع.
رابعاً: أوجه التوافق بين المدرستين
على الرغم من اختلاف المنهج، فإن المدرستين اتفقتا في عدد من المبادئ الأساسية، أهمها:
الاحتجاج بالقرآن الكريم بوصفه المصدر الأعلى للفصاحة.
الاستشهاد بالشعر الجاهلي بوصفه لغة العرب الصافية.
محاولة تقعيد اللغة ووضع نظام علمي يفسر الظواهر اللغوية.
الاعتراف بأن الشعر قد يفرض أحياناً تحولات تركيبية بسبب الوزن.
ومن هنا يمكن القول إن المدرستين، رغم اختلافهما، كانتا تعملان في إطار مشروع واحد هو بناء علم النحو العربي.
خامساً: أوجه الاختلاف المنهجي
تتجلى أهم الفروق بين المدرستين في ثلاثة محاور رئيسة:
1. القياس والسماع
البصريون يعتمدون القياس ويضيقون في قبول الشواهد، بينما الكوفيون يوسعون دائرة السماع.
2. الموقف من الضرورة الشعرية
البصريون يكثرون من تأويل الشواهد المخالفة ويعدونها ضرورات شعرية، أما الكوفيون فيرون كثيراً منها استعمالات لغوية مشروعة.
3. التعامل مع اللهجات
كان الكوفيون أكثر قبولاً للهجات العربية المختلفة، في حين حاول البصريون توحيد القاعدة وفق ما يرونه أفصح الاستعمالات.
خاتمة
إن الخلاف بين البصريين والكوفيين لم يكن مجرد جدل لغوي، بل كان في جوهره اختلافاً في فلسفة النظر إلى اللغة. فالبصريون نظروا إلى اللغة بوصفها نظاماً من القواعد يمكن ضبطه بالقياس، بينما رأى الكوفيون أنها كائن حي يتشكل عبر الاستعمال.
وقد أسهم هذا التفاعل بين المدرستين في إثراء النحو العربي وتوسيعه، حتى أصبح علماً بالغ الدقة والعمق. أما الشعر العربي فقد ظل، عبر العصور، الحقل الأرحب الذي اختبرت فيه هذه القواعد، والمجال الذي كشفت فيه اللغة عن طاقتها الإبداعية الهائلة.
وهكذا يمكن القول إن النحو والشعر في التراث العربي ليسا مجالين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة: النحو يضبط اللغة، والشعر يمنحها الحياة.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







