قراءة في كتاب

ثامر الحاج أمين: قراءة في كتاب "الزلزال الأول"

(الزلزال الأول) كتاب يتحدث عن حرب الخليج والانتفاضة الشعبية العراقية صدرت طبعته الأولى في لندن عام 1998 وبعد مايقارب من ثلاثة عقود يقوم مؤلفه الفريق الركن " نجيب الصالحي " بإعادة طباعته بسبب ان طبعته الأولى لم تتاح لجمهور واسع من القراء، ولأهمية ما ورد في الكتاب من خفايا وأحداث دامية رافقت حرب الخليج فقد قامت وزارة الخارجية الامريكية بترجمته الى اللغة الإنكليزية حيث اعتبرت الكتاب واحدا من أوفى الكتب التي رسمت صورة واضحة للحرب والانتفاضة التي أعقبتها

  ويشير المؤلف الى ان ما يميز الطبعة الجديدة عن سابقتها انها (تضمنت أسماء وحقائق ظلت حبيسة الصمت، يوم كان الخوف سيد الموقف، ونحن في المنافي وهم في الداخل ص هـ) ويؤكد ان هذه الطبعة حافظت على جوهر المعلومات باعتبار المؤلف لم يكتب الا ما شاهده بنفسه جنديا وضابطا وشريكا في الحدث .

الكتاب جاء من ثمانية فصول  ويبدأ فصله الأول (الكويت نزهة الخيار الصعب) بلحظة التحاقه الفوري الى ساحة العمليات بعد قطع اجازته وكان حينها يشغل منصب آمر لواء وفي الطريق بعد ان علم من نشرات الاخبار بغزو العراق للكويت حيث يسرد أسماء التشكيلات التي دخلت الكويت، وأول اختبار على إنسانية وشجاعة المؤلف ــ الراوي ــ  هو المغامرة بالسماح لبعض العوائل التي لجأت اليه لإنقاذ سيارات ذويهم الذين وقعوا اسرى بيد القوات العراقية وتخليصها من الحرائق التي التهمت معارض السيارات وكذلك في قيامه بفتح السيطرات العسكرية امام مئات السيارات الكويتية بالمرور نحو الحدود السعودية بعدما كانت متكدسة وممنوعة من العبور بأوامر من جهات عليا وعن الجرائم التي رافقت الغزو من قتل أبرياء واستيلاء على المحال التجارية ومعارض السيارات والتحف الفنية ونقلها الى بغداد يشير المؤلف الى (ان الجميع الضباط والمراتب ومن مختلف الرتب والمستويات يحملوّن النظام في العراق مسؤولية هذه الجرائم التي يرفضونها ويدينون مرتكبيها ص 10) الأمر الذي يشير الى عدم قناعة الجيش باجراءات قيادته ودليل ذلك ـــ حسب رواية المؤلف ــ ان الكثير من الأوامر المشددة التي صدرت اليهم خاصة ماكان متعلقا بمنع عبور الكويتيين الى المملكة العربية السعودية، وان مانفذ من جرائم بحق الكويتيين كان من قبل ازلام النظام ولم يشترك فيها الجيش الذي كانت مهمته محصورة في الصحراء على الحدود لكنه في نفس الوقت لا ينفي وقوع بعض الحوادث ذات الطابع الفردي التي لا تنسجم مع التاريخ العريق للجيش العراقي . والطريف ان من كان يقوم بهذه السرقات هم الحلقة المقربة من الرئيس ولكن النظام  ومن أجل تبرئة ساحته من تلك الاعمال المشينة قام بإعدام عدد من المنتسبين وتعليق جثثهم على الاعمدة وسط مدينة الكويت، وعن شجاعته في مواجهة القرارات الخاطئة يذكر المؤلف رفضه مقترح التصنيع العسكري لحماية الدبابات عن طريق انابيب معدنية لاثارة الغبار والتشويش على الصواريخ الموجهة اليها حيث قامت اللجنة التي كان ضمن اعضاءها برفع تقريرها مختتمة قولها " هيئة التصنيع العسكري عملكم لا يصلح " ولم يحيد عن موقفه على الرغم من الضغوطات التي تعرض اليها .

ويذكر انه عند نشوب الحرب كان الحافز المعنوي لدى قوات الجيش في أدنى مستوياته لأن المسألة كما يصفها المؤلف (لم تكن في الدفاع عن مصلحة الشعب والوطن وانما لإرضاء نزوة حاكم منفرد مستبد ص23) لذا بذل القادة والآمرون والضباط كل ما في وسعهم من أجل الخروج من الحرب المفروضة عليهم بأقل التضحيات على الرغم من سعي النظام الى رفع المعنويات عن طريق تسريب معلومات تفيد باجراء العراق تجربة نووية ناجحة، ومع ذلك وقع الهجوم ليلة 16/17 كانون الثاني 1991  بعد انتهاء مدة الإنذار التي منحها مجلس الأمن الدولي للعراق بالانسحاب من الكويت وابتدأ الهجوم بالقصف المتواصل ليلا ونهارا على المنشآت والمراكز الحيوية العراقية ومعها وصلت نسبة المتسربين من الوحدات العسكرية الى (60%) كما انزاح حاجز الخوف وراح المقاتلون يتذمرون ويكيلون الشتائم والسباب الى النظام السياسي الذي زج البلاد في هذه المغامرة المعروفة العواقب، ثم يعرج على ظروف الانسحاب الاجباري من الكويت تحت نيران القصف الجوي لقوات التحالف وسيرا على الاقدام باتجاه الأراضي العراقية لأن العجلات أصبحت هدفا سهلا للطائرات المغيرة، واصفا أحوال القوات المنسحبة بالقول (كانت صور التذمر والسخط والنقمة تشمل كل الافراد والجنود بملابسهم الرثة واحذيتهم المتهرئة وهم يجرون اقداما تحمل اجسادا منهكة وفي اعينهم حزن عميق وأمل ضائع ص50) .

يستهل المؤلف الفصل الثاني من الكتاب بسرد وقائع واحداث الانتفاضة الكبرى حيث يشير الى ان انتفاضة العراقيين في آذار 1991 (لم تكن حدثا منفصلا وقائما بذاته عن معاناة العراقيين وانما كان نتيجة طبيعية لتلك المعاناة التي امتدت لعقود ص83) ويربط بين اندحار الجيش وهزيمته في الكويت وبين طبيعة النظام السياسي بقوله (ان الهزائم والماسي التي تلحق بالشعوب بسبب استهتار أنظمتها السياسية ص84)، ويعتبر شرارة الانتفاضة في قيام احد الجنود المنسحبين من الكويت برشق صورة صدام بوابل من رصاص بندقيته فجدر 2 آذار 1991 في ساحة سعد في مدينة البصرة حيث فتحت هذه العملية الأبواب امام انتفاضة عارمة من التظاهرات واعمال الانتقام راح ضحيتها ضابط كبير كما يتطرق الى الحكمة التي تعامل بها مع المنتفضين الذين اخذوا يقتربون من معسكره وكذلك مع جنوده خوفا من التمرد والانقلاب عليه، كما يصف حالة الصراع النفسي الذي عاشه الضباط والجنود بين الالتزام العسكري والواجب الوطني في تأييد الجماهير الثائرة وابرز مظاهر الإنسانية تجسدت لدى المؤلف وتعاطفه مع ثوار الانتفاضة هي تدخله للعفو عن بعض عناصرها الذين تجاوزوا على المعسكرت والجنود حيث يسرد عددا من الحوادث التي شهدها وكان فاعلا في تسوية مشاكلها .

 الفصل الثالث من الكتاب يأتي للحديث عن " صفوان ومفاوضات الخيبة " ففي الخيمة التي عرفت لاحقا بـ " خيمة صفوان " جرى الاتفاق بين الجانب العراقي وجانب قوى التحالف على الشروط المذلة لوقف الحرب واعتبرها المؤلف وثيقة عار و (قصة ضياع الوطن والتنازل عن الكبرياء الوطني وتمزيق الهوية الوطنية ص 139) لما في الاتفاق من اذلال الشعب وتمزيق متعمد ومقصود لأوصاله حيث قدم فيها النظام تنازلات كارثية من أجل البقاء على كرسي الحكم وعن أجواء مفاوضات الخيمة يذكر المؤلف انه (انتشرت تأويلات تفيد بأن صدام طلب من مفاوضيه ان يبصموا على بياض ولا يدخلوا أي مناقشة حادة مع وفد التحالف وان يوافقوا على كل الشروط المثبتة في وثيقة التفاوض ص 141) بعد تداعيات ما جرى في الخيمة وصلت الى القطعات العسكرية أوامر مشددة بسحق الانتفاضة بلا رحمة وفتح النار على أي تجمع او تظاهرة معادية وتدمير أي دار تطلق منها رصاصة واحدة  وفعلا  بعد سماح قوات التحالف للطائرات السمتية العراقية بالطيران ظهرت الطائرات محلقة في سماء الجنوب بعد اختفائها بضعة أشهر لتيدأ عمليات الملاحقة والانقضاض على مراكز الانتفاضة في الوسط والجنوب من العراق . ويستعرض في صفحات طويلة الجرائم والانتهاكات الفظيعة والاعدامات بدم بارد التي ارتكبتها قوات الحرس الجمهوري بحق المنتفضين في مدينة البصرة وضواحيها، ويسرد شهادات لكبار الضباط عن ذكائه وحكمته في التعامل مع الجنود والأهالي أيام الإنتفاضة .

في الفصل الرابع المعنون " من البصرة الى بغداد " يعود المؤلف الى الانتفاضة وسريان شرارتها في معظم انحاء العراق (البصرة، العمارة، الناصرية، واسط، النجف، كربلاء حيث يفرد لانتفاضة مدينة العمارة صفحات طويلة مليئة بصور البطولة والنبل الذي تحلى به المنتفضون ويسرد قصة الضابط من قوات الحرس الجمهوري من أهالي الانبار الذي استجار بأحد بيوتات المدينة فاستقبله اهل الدار احسن الاستقبال وتعاملوا معه بالحسنى دون أي اعتبارات طائفية وعندما أراد الالتحاق بوحدته طلب من اهل الدار مرافقته تحاشيا من تعرض المنتفضين له الامر الذي يؤكد على عمق العلاقة الحميمية وروح الاخوة التي تسود بين أبناء الشعب العراقي رغم محاولات الأنظمة السياسية المتعاقبة تمزيقها من خلال اتباع سياسة التمييز الطائفي ونفس الحال مع انتفاضة مدينة الناصرية من حيث القسوة المفرطة مع الثوار كما كانت المدينة هدفا لغارات جوية كثيفة أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح والمباني والجسور كما يعقد المؤلف مقارنة بين التعامل الإنساني للثوار المنتفضين مع القادة العسكريين الذين وقعوا أسرى بأيديهم وبين معاملة قوات الحرس الجمهوري (حيث كانوا يرصفون الثوار الأسرى على الشارع المعبد وتدوسهم سرف الدبابات طولا وعرضا، ولم يبق من أجسادهم سوى أثر مطبوع على الأرض ص 241) وأيام الهجوم على مدينة النجف يروي قصة اعدام ثمانية من علماء الدين بتهمة التآمر في حين كان العلماء مجتمعين لتهدئة الموقف وتجنب سفك الدماء والمحافظة على الأرواح  كما يشيد المؤلف بموقف الشخصيات الكردية التي كانت متعاونة مع الدولة في رفضهم ارسال قوات لقتال المنتفضين في مناطق الوسط والجنود كما لم يتم التفاعل ايضا مع هذا التكليف من قبل العشائر الكردية وذلك لاحساسهم بخطورة الموقف الذي يسببه انتهاك اعرض إخوانهم وأبناء وطنهم سكان الجنوب .

الفصل الخامس يطلق عليه " سعير الانتفاضة يتصاعد في بابل والقادسية والسماوة " حيث يصف أيام الانتفاضة في هذه المدن بالساخنة بدأت (على شكل تجمعات للشباب، اخذت تتطور حتى أصبحت تظاهرة اجتاحت شوارع المدينة، ومالبثت ان تحولت الى هجوم مسلح على الدوائر الحكومية والمراكز الأمنية والشرطة ومقرات الجيش الشعبي ص 275) حيث يستمد المؤلف معلوماته عن ظروف الانتفاضة من ضباط شاركوا في قمع الانتفاضة وكذلك من خلال مقابلات شخصية اجراها مع عدد من المشاركين وعناصر حزبية كانوا كلهم شهود عيان، والملاحظ ان أحوال الانتفاضة في هذه المدن  لاتبتعد في ظروفها واحوالها عن باقي المدن المنتفضة وهي بسالة الثوار وشجاعتهم في التصدي للقوات الحكومية يقابل ذلك قسوة هذه القوات في معاملتها واساليبها الهمجية مع الثوار وارتكابها جرائم يندى لها جبين الإنسانية من أجل استعادة المدن لقبضة السلطة .     

يفرد الفصل السادس من الكتاب لأحوال الانتفاضة في كردستان مستندا في معلوماته كما يشير في هامش الفصل على ما ورد في كتاب " حرب الخليج وانتفاضة كردستنان العراق " لمؤلفه الدكتور فاضل الزهازي وشهود عيان مدنيين وعسكريين، وكانت بوادر الانتفاضة في كردستان هي ترك قسم كبير من الجنود الاكراد وحداتهم العسكرية بوقت مبكر بناء على توجهيات القيادة الكردية وكذلك قيام " صوت شعب كردستان " بإذاعة الندءات بالشفرات والرموز الموجهة الى وحدات البيشمركة، وعند انطلاق شرارة الانتفاضة من أربيل كانت بمشاركة (جميع السكان من الكرد والتركمان والاشوريين واليرزيديين ولم تقتصر المشاركة على الأكراد وحدهم ولكن كان لهم الدور القيادي التنظيمي فيها بلا شك ص321) وبدأت الانتفاضة بانطلاق المئات من المتظاهرين وسط المدينة وهتفوا بشعارات الحرية والديمقراطية التي تعد اول تظاهرة معادية للحكومة تحصل في اانحاء كردستان خلال عشر سنوات ومن خلال صفحات عديدة يسرد المؤلف ظروف المواجهات بين القوات الحكومية والمنتفضين في السليمانية واقضيتها ونواحيها ويصور القسوة المتبادلة في هذه المواجهة التي راحت ضحيتها عشرات الأرواح البريئة .

" ما بعد الانتفاضة " هذا ما خصصه المؤلف وجعله عنوانا للفصل السابع من كتابه حيث يصف حالة الانهيار للأجهزة الحكومية والحالة النفسية والاجتماعية للشعب ويرسم مشهدا واضحا للخراب مسلطا الضوء على (المقالات الصفراء) التي نشرها النظام في صحفه المحلية والتي تسيء الى مكون كبير من الشعب عندما وصف اصولهم انهم جاءوا مع الجاموس الذي استورده القائد العربي محمد القاسم من الهند ويشير المؤلف الى انه بعد قمع الانتفاضة واستقرار الأوضاع نسبيا (شرع النظام بتطبيق خطة امنية للطوارئ اتسمت بالشدة والانتقام والتصفيات لبعض الوجوه والشخصيلت التي أسهمت بنمو الانتفاضة وتأجيجها واستمرارها ص 354) ومن الإجراءات الانتقامية التي قام النظام بتنفيذها هي تجفيف مناطق الأهوار في الجنوب لتسهيل مهمات الملاحقة الأمنية والعسكرية للمتمردين فيها، وكذلك قطع الاذن ووشم الجباه للهاربين والمتخلفين عن الالتحاق بجبهات الحرب .

ويختتم المؤلف كتابه بالفصل الثامن الذي جعل منه مراجعة وتحليل لأبرز الحوادث التي وردت فيه خالصا الى ان جوهر الانتفاضة التي انطلقت شرارتها من الجنوب كانت تعبيرا حيا عن حقيقة الأمل المزروع في قلوب العراقيين للتخلص من الطغمة الحاكمة وبرهنت على عمق الوعي الوطني لدى العراقيين ويعزو أسباب فشل الانتفاضة انه (لم يظهر للانتفاضة قيادة واضحة المعالم ممثلة بشخوص معروفين وكذلك العفوية التي كانت من اهم سماتها ص 396) .

وأخيرا كتاب (الزلزال الأول) يمثل وثيقة تروي صفحة مشرقة عن نضال العراقيين ضد نظام مستبد كما هو شهادة عن حقبة سوداء عاش المؤلف تفاصيلها وخرج منها بجبين أبيض .

***

ثامر الحاج امين

في المثقف اليوم