قراءة في كتاب

عبد السلام فاروق: البحر الأحمر وسؤال الغرب.. بين نقد المركزية وإعادة إنتاجها

تشق سلسلة "إنسانيات" في مشروع "البحر الأحمر" طريقها للجمهور العربي بكتاب استفزازي، يحمل عنوانًا يشبه طلقة مدفع في صمت الليل "الغرب عدو العالم رقم 1". والمؤلف هو الفيلسوف واللاهوتي الفرنسي جان فرانسوا كولوزيمو، المترجم للمرة الأولى إلى العربية.

 الكتاب، بذاته وبمقدمته النقدية الحادة التي حررها الباحث عماد العادلي، ليس مجرد نص مترجم؛ إنه حقل ألغام فكري، ومحك لاختبار قدرتنا على التلقي النقدي الذي لا يقع في فخ الاستلاب ولا في وهدة القطعية الإيديولوجية.

يضعنا الكتاب منذ عتبته الأولى أمام مفارقة كبرى، هي أشبه بشرنقة يلفّ فيها المؤلف نفسه دون أن يدري. فهو يسعى إلى تفكيك الاستعمار الغربي وإرثه الثقيل، معترفًا بأن الغرب هو من صنع أشباحه الشرقية، وأن حقبة الهيمنة المطلقة قد أوشكت على الأفول. يصور أوروبا كـ "أسد عجوز منهك" تحيط به "ضباع" القوى الصاعدة، بينما يتخلى عنها الحليف الأمريكي في خسة. لغة درامية توحي بتفهم لمرارة الآخر واستشراف لزوال النظام العالمي الذي هيمن عليه الغرب ثلاثة قرون.

لكن الناظر عن كثب يكتشف أن القلب النابض لهذا النقد، هو ذاته القلب النابض للأنا الغربية المتعالية. إنه نقد ينبع من حَنين إلى زمن المجد الغابر، أكثر مما ينبع من تقييم أخلاقي موضوعي. فكولوزيمو، في محاولته تفنيد خطاب القوى الشرقية الراغبة في التخلص من الغرب، وإثبات جدوى وفائدة الغرب لها وللعالم، يقع في الفخ الذي حذر منه أدورنو محاولة تصحيح الخطأ بمنطق الخطأ ذاته.

هنا تكمن المفارقة الأشد عمقًا، كما يسميها مقدم الترجمة. فالغرب، في هذه الرؤية، يظل المرجع الأخلاقي والفاعل المحرك للتاريخ. هو الكائن الذي يفكر ويخطئ ويتوب، بينما يتحول الشرق والصين والعالم الإسلامي وغيرها إلى مجرد رد فعل، أو ظل يتحرك فقط عندما يسلط عليه الغرب ضوؤه. حتى رغبتها في التحرر والتقدم تقرأ من خلال عدسة الغرب: هل هي مفيدة له؟ هل تعترف بفضله؟ إنه ضرب من المركزية النافية للمركزية، حيث يصبح الاعتراف بالخطيئة وسيلة جديدة لإعادة تأكيد الذات، وكأن العالم بأسره مسرحٌ لدراما الضمير الغربي وحده.

إن كولوزيمو، بلاهوته وفلسفته، يقدم لنا نموذجًا حيًا لأزمة العقل الأوروبي في لحظة الانزياح المركزي. إنه عقل يعترف بالجريمة، لكنه يعجز عن تصور عالم تكون فيه المحكمة خارجة عن منظومته القيمية والقضائية. إن الحديث عن فائدة الغرب للعالم في القرن الحادي والعشرين هو استمرار لمنطق "العبء الأبيض" (The White Man's Burden) بلباس جديد. فالفائدة تقاس بمقاييس من؟ والتقدم يعرف بمعايير من؟ أليس هذا هو جوهر الاستعمار الثقافي فرض معيار وحيد للحضارة، ثم منح النفس حق تقييم مدى اقتراب الآخرين أو ابتعادهم عنه؟

الكتاب، بذلك، لا يخبرنا كثيرًا عن عداوة الغرب للعالم، كما يزعم عنوانه الصادم، بقدر ما يخبرنا عن أزمة الغرب مع ذاته. إنه يسرد قلق نخبة مثقفة ترى عالمها يتهاوى، وتحاول، في لحظة دفاعية، تحويل هذا الانهيار من سقوط إلى هبة، ومن هيمنة إلى خدمة. إنه خطاب الوداع الذي يحاول تحويل الرحيل إلى مشهد بطولي.

مشروع "البحر الأحمر" في ترجمة مثل هذا العمل، وتقديمه بهذا الدرجة من النقد والوعي، هو عمل جريء وضروري. فهو لا يضع بين أيدينا الحقيقة جاهزة، لكنه يضع بين أيدينا السجال في أعلى مستوياته. يذكرنا أن الترجمة ليست نقل كلمات، بل هي إدخال لنا في معمعة الصراع الفكري العالمي. والكتاب، رغم تناقضاته، مهم لأنه يضعنا أمام مرآة نرى فيها صورة الغرب كما يرى نفسه في لحظة ضعفه: مرآة مشوهة، تخلط بين النقد والنرجسية، بين الاعتراف بالآخر واستعادته كمشروع ذهني.

ختامًا، "الغرب عدو العالم رقم 1" ليس كتابًا عن الغرب فحسب، لكنه  اختبار لنا. اختبار في قدرتنا على قراءة ما بين السطور، وعلى تفكيك خطاب القوة حتى حين ينتقد نفسه. وهو يدعونا إلى أن نصنع خطابنا التحرري لا كرد فعل غاضب أو ممتن، كفعل تأسيسي ينطلق من رؤيتنا لذاتنا وللتاريخ وللعالم، مستقلاً عن حاجة الدفاع أو الهجوم. فالحضارات لا تبنى بانشغالها الدائم بمركزية الآخر، حتى وهي تتهاوى، إنما بقدرتها على استعادة مركزية وجودها الإنساني الخلاق. وهذا ربما هو التحدي الحقيقي الذي ترمي إليه "سلسلة إنسانيات" من وراء هذه الباكورة الفكرية الثقيلة.

***

عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم